الصفحة السابقة

ووجه آخر، هو أنه لما وصف حال يوم القيامة في تلك السورة، ولم يصف فيها حال النار والجنة، بل ذكرهما على سبيل الإجمال، فصلهما في هذه السورة، واطنب في وصف الجنة، وذلك كله شرح لقوله تعالى هناك (وجوهٌ يَومَئذٍ ناضِرة) وقوله هنا (إِنّا أَعتدنا للكافِرينَ سَلاسِلَ وأَغلالا وسَعيراً) شرح لقوله هناك (تظنُ أَن يُفعل بها فاقرة) وقد ذكر هناك (كلا بل يحبونَ العاجِلة ويَذَرونَ الآخِرة) وذكر هنا في هذه السورة (إِن هؤلاء يحبون العاجِلة ويَذرونَ وراءهم يوماً ثقيلا) وهذا من وجوه المناسبة
سورة المرسلات
أقول: وجه اتصالها بما قبلها أنه تعالى لما أخبر في خاتمتها أنه (يدخل من يشاء في رحمتهِ والظالمين أَعدَّ لهُم عذاباً أَليماً)، افتتح هذه بالقسم على أن ما يوعدون واقع، فكان ذلك تحقيقاً لما وعد به هناك المؤمنين، وأوعد الظالمين ثم ذكر وقته وأشراطه بقوله: (فإِذا النُجومُ طمست) إلى آخره ويحتمل أن تكون الإشارة بما يوعدون إلى جميع ما تضمنته السورة من وعيد للكافرين، ووعد للأبرار
سورة عم
أقول: وجه اتصالها بما قبلها: تناسبها معها في الجمل ففي تلك: (أَلم نهلك الأَولين ثم نتبعهم الآخرين) (أَلم نخلقكم مِن ماءٍ مَهين) (أَلم نجعَل الأَرض كفانا) إلى آخره وفي عم: (أَلم نجعَل الأَرضَ مِهاداً) إلى آخره فذلك نظير تناسب جمل: ألم نشرح، والضحى، بقوله في الضحى: (أَلَم يجِدكَ يَتيماً فآوى) إلى آخره وقوله: (أَلم نشرح لكَ صدرك) مع اشتراك هذه السورة والأربع قبلها في الاشتمال على وصف الجنة والنار، ما عدا المدثر في الاشتمال على وصف يوم القيامة وأهواله، وعلى ذكر بدء الخلق، وإقامة الدليل على البعث وأيضاً في سورة المرسلات: (لأي يوم أُجلت ليوم الفصل وما أدراكَ ما يوم الفصل) وفي هذه السورة: (إِن يوم الفصل كان ميقاتا يوم يُنفخ في الصور فتأَتون أَفواجاً) إِلى آخره فكأن هذه السورة شرح يوم الفصل المجمل ذكره في السورة التي قبلها
سورة عبس
أقول: وجه وضعها عقب النازعات مع تآخيهما في المقطع، لقوله هناك: (فإِذا جاءتِ الطامة) وقوله هنا: (فإِذا جاءت الصاخة) وهما من أسماء يوم القيامة
سورة التكوير
أقول: لما ذكر في عبس: (فإِذا جاءت الصاخة يومَ يفِرُ المرءُ مِن أَخيه) ذكر يوم القيامة كأنه رأى عين وفي الحديث: (من سره أن ينظر إلى يوم القيامة كأنه رأى عين فليقرأ: (إِذا الشمسُ كُوِرت) و(إِذا السماءُ انفطرت) و (إِذا السماءُ انشَقَت)
سورة الانفطار
أقول: قد عرف مما ذكرت وجه وضعها هنا، مع زيادة تآخيهما في المقطع
سورة المطففين
أقول: الفصل بهذه السورة بين الانفطار والانشقاق التي هي نظيرتها من خمسة أوجه: الافتتاح ب (إِذا السماءُ)، والتخلص ب (يا أَيُها الإِنسانُ)، وشرح حال يوم القيامة، ولهذا ضمت بالحديث السابقن والتناسب في المقدار، وكونها مكية وهذه السورة مدنية، ومفتتحها ومخلصها غير مالها، لنكتة ألهمنيها الله وذلك أن السور الأربع لما كانت في صفة حال يوم القيامة، ذكرت على ترتيب ما يقع فيه فغالب ما وقع في التكوير، وجميع ما وقع في الانفطار، وقع في صدر يوم القيامة، ثم بعد ذلك يكون الموقف الطويل، ومقاساة العرق والأهوال، فذكره في هذه السورة بقوله: (يومَ يقومُ النّاسُ لِربِ العالمين) ولهذا ورد في الحديث: (يقوم أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه) ثم بعد ذلك تحصل الشفاعة العظمى، فتنشر الكتب، فأخذ باليمن، وأخذ بالشمال، وأخذ من وراء الظهر، ثم بعد ذلك يقع الحساب هكذا وردت بهذا الترتيب الأحاديث، فناسب تأخير سورة الانشقاق التي فيها إتيان الكتب والحساب، عن السورة التي قبلها، والتي فيها ذكر الموقف عن التي فيها مبادئ يوم القيامة ووجه آخر، وهو: أنه جل جلاله لما قال في الانفطار: (وإِنَّ عليكُم لحافظين كِراماً كاتبين) وذلك في الدنيا، ذكر في هذه السورة حال ما يكتبه الحافظان، وهو: كتاب مرقوم جعل في عليين، أو في سجين، وذلك أيضاً في الدنيا، لكنه عقَّب بالكتابه، إِما في يومه، أو بعد الموت في البرزخ كما في الآثار فهذه حالة ثانية في الكتاب ذكرت في السورة الثانية


الصفحة التالية
Icon