0:00
0:00

فتح مكة
[سورة النصر (١١٠) :الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
الإعراب:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ تقديره: إذا جاءك نصر اللَّه، فحذف الكاف التي هي المفعول.
وجواب إِذا إما قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ.. والفاء غير مانعة من هذا على ما عليه الجمهور، أو محذوف تقديره: إذا جاءك نصر اللَّه والفتح، جاء أجلك، وهو العامل في إِذا.
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً يدخلون: جملة فعلية في موضع نصب على الحال من النَّاسَ وأفواجا: منصوب على الحال من واو يَدْخُلُونَ.
البلاغة:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ خاص بعد عام، فإن نصر اللَّه يشمل جميع الفتوحات، قال الرازي: وهو الغلبة على قريش أو على جميع العرب، فعطف عليه فتح مكة تعظيما لشأنه.
وَرَأَيْتَ النَّاسَ عام أريد به الخاص، فلفظ الناس عام، والمراد به العرب.
دِينِ اللَّهِ هو الإسلام، وأضافه تعالى إليه تشريفا وتعظيما، مثل: بيت اللَّه، وناقة اللَّه. إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً تواب: صيغة مبالغة على وزن (فعّال).
المفردات اللغوية:
نَصْرُ اللَّهِ النصر: العون أو الإعانة على تحصيل المطلوب. وَالْفَتْحُ تحصيل المطلوب الذي كان متعلقا أو موقوفا، أو الفصل بين الفريقين المتحاربين بانتصار أحدهما على الآخر، والمراد به هنا فتح مكة، فالفرق بين النصر والفتح: أن النصر كالسبب للفتح، فلهذا بدأ بذكر النصر، وعطف الفتح عليه.
دِينِ اللَّهِ أي الإسلام. أَفْواجاً جماعات كثيفة، كأهل مكة والطائف واليمن والهوازن وسائر قبائل العرب، جمع فوج: وهو الجماعة والطائفة. وقد دخلت الجماعات في الإسلام بعد ما كان الدخول فيه فرديا واحدا بعد الآخر، وذلك بعد فتح مكة، جاءه العرب من مختلف الأنحاء طائعين. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي نزّه اللَّه وصل له حامدا على نعمه، روي: أنه عليه السلام لما دخل مكة بدأ بالمسجد، فدخل الكعبة، وصلّى ثماني ركعات. وَاسْتَغْفِرْهُ اسأله المغفرة لك ولمن اتبعك، وطلب الاستغفار من النبي كان لترك الأفضل، وليقتدي به غيره، ولم يكن بسبب ارتكاب معصية أو ذنب.
وكان صلّى اللَّه عليه وسلّم بعد نزول هذه السورة يكثر من قول: «سبحان اللَّه وبحمده، وأستغفر اللَّه وأتوب إليه».
وعلم بذلك أنه قد اقترب أجله، فتوفي بعد فتح مكة بعامين سنة عشر.
التفسير والبيان:
إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ أي إذا تحقق لك يا محمد نصر اللَّه وعونه وتأييده على من عاداك وهم قريش، وفتح عليك مكة، وتحققت لك الغلبة، وإعزاز أمرك، فسبّح اللَّه تعالى أي نزهه حامدا له جل وعلا زيادة في عبادته والثناء عليه لزيادة إنعامه عليك. وفائدة قوله: نَصْرُ اللَّهِ مع أن النصر لا يكون إلا من اللَّه: هو أنه نصر لا يليق إلا باللَّه، ولا يليق أن يفعله إلا اللَّه، أو لا يليق إلا بحكمته. والمراد تعظيم هذا النصر. وقوله: جاءَ نَصْرُ اللَّهِ مجاز، أي وقع نصر اللَّه.
روى الإمام أحمد والبيهقي والنسائي عن ابن عباس قال: لما نزلت إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ قال رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم: «نعيت إلي نفسي»
فإنه مقبوض في تلك السنة.
خير، وأنا وأصحابي خير»،
وقال فيما رواه الجماعة إلا ابن ماجه عن ابن عباس: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية».
وأخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عباس: أن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم قال يوم الفتح: «لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية، وإذا استنفرتم فانفروا».
وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً أي أبصرت الناس من العرب وغيرهم يدخلون في دين اللَّه الذي بعثك به، جماعات فوجا بعد فوج، بعد أن كانوا في بادئ الأمر يدخلون واحدا واحدا، واثنين اثنين، فصارت القبيلة تدخل بأسرها في الإسلام.
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً أي إذا فتحت مكة وانتشر الإسلام، فاشكر اللَّه على نعمه، بالصلاة له، وبتنزيهه عن كل ما لا يليق به، وعن أن يخلف وعده الذي وعدك به بالنصر، واقرن الحمد بالتسبيح، أي اجمع بينهما، فإن ذلك النصر والفتح يقتضي الحمد للَّه على عظيم منّته وفضله، وما منحك من الخير.
واطلب أيضا من اللَّه المغفرة لك تواضعا للَّه، واستقصارا لعملك، وتعليما لأمتك، وكذا اسأله المغفرة لمن تبعك من المؤمنين ما كان منهم من القلق والخوف لتأخر النصر، فإن اللَّه سبحانه من شأنه التوبة على المستغفرين له، يتوب عليهم ويرحمهم بقبول توبتهم، وهو كثير القبول لتوبة عباده، حتى لا ييأسوا ويرجعوا بعد الخطأ.
روى الأئمة- واللفظ للبخاري- عن عائشة رضي اللَّه عنها قالت: «ما صلّى رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم صلاة بعد أن نزلت عليه سورة إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي». وعنها قالت: «كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللَّه ربّنا وبحمدك، اللهم اغفر لي. يتأول القرآن».
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت السورة على ما يأتي:
١- كل نعمة من اللَّه تعالى تستوجب الشكر والحمد والثناء على اللَّه بما هو
أهل له، ومن أجلّ النّعم على نبي اللَّه وأمته تحقيق النصر والغلبة على الأعداء، وفتح مكة عاصمة العرب والإسلام، ومقر البيت الحرام أو الكعبة المشرفة قبلة المسلمين.
وتوج اللَّه سبحانه هذه النعمة العظمى بنعمة كبري أخرى هي دخول العرب وغيرهم في دين الإسلام جماعات، فوجا بعد فوج. وذلك لما فتحت مكة، قالت العرب: أمّا إذا ظفر محمد بأهل الحرم، وقد كان اللَّه أجارهم من أصحاب الفيل، فليس لكم به يدان، أي طاقة. فكانوا يسلمون أفواجا: أمّة أمّة.
٢- لهذا ختم اللَّه هذه السورة بأمر اللَّه نبيه بالإكثار من الصلاة، والتسبيح للَّه، أي تنزيه اللَّه عن كل ما لا يليق به ولا يجوز عليه، والحمد للَّه على ما آتاه من الظفر والفتح، وسؤال اللَّه الغفران مع مداومة الذكر، واللَّه كثير القبول للتوبة على المسبّحين والمستغفرين، يتوب عليهم ويرحمهم، ويقبل توبتهم.
والأمة أولى بذلك، فإذا كان صلّى اللَّه عليه وسلّم، وهو معصوم، يؤمر بالاستغفار، فما الظن بغيره؟
روى مسلم عن عائشة قالت: «كان رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم يكثر من قول: سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه وأتوب إليه، قالت: فقلت: يا رسول اللَّه، أراك تكثر من قول: سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه، وأتوب إليه؟ فقال: خبّرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول: سبحان اللَّه وبحمده، أستغفر اللَّه وأتوب إليه، فقد رأيتها: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ- فتح مكة- وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ، وَاسْتَغْفِرْهُ، إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً.
٣- دين اللَّه هو الإسلام لقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ [آل عمران ٣/ ١٩] وقوله: وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ، وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [آل عمران ٣/ ٨٥].
٤- قال جمهور الفقهاء وكثير من المتكلمين: إن إيمان المقلّد صحيح لأنه تعالى حكم بصحة وإيمان أولئك الأفواج، وجعله من أعظم المنن على محمد صلّى اللَّه عليه وسلّم، ولو لم يكن إيمانهم صحيحا، لما ذكره في هذا المجال.
٥- أمر اللَّه تعالى بالتسبيح أولا ثم بالحمد ثم بالاستغفار لأنه قدم الاشتغال بما يلزم للخالق وهو التسبيح والتحميد على الاشتغال بالنفس. وقدم الأمر بالتسبيح حتى لا يتبادر إلى الذهن أن تأخير النصر سنين لإهمال مثلا، فاللَّه ينزّه ويقدّس عن إهمال الحق. وأتى بالاستغفار حتى لا يفكر النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بالاشتغال بالانتقام ممن آذاه.
٦- الآية تدل على فضل التسبيح والتحميد، حيث جعل كافيا في أداء ما وجب على النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم وأمته من شكر نعمة النصر والفتح.
٧- اتفق الصحابة على أن هذه السورة دلت على أنه نعي لرسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم.
روي أنه لما نزلت هذه السورة خطب صلّى اللَّه عليه وسلّم وقال: «إن عبدا خيره اللَّه بين الدنيا، وبين لقائه والآخرة، فاختار لقاء اللَّه» «١».
وقد عرفوا ذلك لأن الأمر بالتسبيح والحمد والاستغفار مطلقا دليل على أن أمر تبليغ الدعوة قد تم وكمل، وذلك يوجب الموت لأنه لو بقي بعد ذلك، لكان كالمعزول عن الرسالة، وهو غير جائز. ثم إن الأمر بالاستغفار تنبيه على قرب الأجل.
(١) تفسير الكشاف: ٣/ ٣٦٥

بسم الله الرحمن الرحيم

سورة المسد، أو: اللهب
مكيّة، وهي خمس آيات.
تسميتها:
سميت سورة المسد لقوله تعالى في آخرها: فِي جِيدِها حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ أي في عنق أم جميل زوجة أبي لهب حبل مفتول من ليف. وسميت أيضا سورة تَبَّتْ لقوله تعالى في مطلعها: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ أي هلكت وخسرت يدا أبي لهب، كما سميت سورة أبي لهب، أو سورة اللهب.
مناسبتها لما قبلها:
هناك تقابل بين هذه السورة والسورة التي قبلها، ففي السورة السابقة النصر ذكر اللَّه تعالى أن جزاء المطيع حصول النصر والفتح في الدنيا، والثواب الجزيل في الآخرة، وفي هذه السورة ذكر أن عاقبة العاصي الخسار في الدنيا والعقاب في الآخرة أو العقبى.
ما اشتملت عليه السورة:
تضمنت هذه السورة المكية بالإجماع الكلام عن مصير أبي لهب عبد العزّى بن عبد المطلب، عمّ النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم، ومصير زوجته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية، أخت أبي سفيان، وهو هلاك أبي لهب عدو اللَّه تعالى ورسوله صلّى اللَّه عليه وسلّم في الدنيا، ودخوله نار جهنم لشدة إيذائه النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم ومعاداته له، وصدّه الناس عن الإيمان به.
وكذلك زوجته شريكة معه في هذا العقاب لأنها كانت عونا لزوجها على كفره وجحوده وعناده، فتكون يوم القيامة عونا عليه في عذابه في نار جهنم.
سبب نزول السورة:
ثبت في الصحيحين وغيرهما- واللفظ لمسلم- عن ابن عباس قال: «لما نزلت: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء ٢٦/ ٢١٤] ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم حتى صعد الصّفا، فهتف: يا صباحاه! فقالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه، فقال: يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني فلان، يا بني عبد مناف، يا بني عبد المطلب! فاجتمعوا إليه، فقال:
«أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدّقي؟
قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبّا لك! أما جمعتنا إلا لهذا «١»
! ثم قام، فنزلت هذه السورة: «تبّت يدا أبي لهب، وقد تبّ» كذا قرأ الأعمش وعبد اللَّه وأبي إلى آخر السورة.
وقراءة حفص: وتب أي الأول دعاء عليه، والثاني خبر عنه.
وعن طارق المحاربي قال: «بينا أنا بسوق ذي المجاز، إذ أنا بشاب حديث السن يقول: أيها الناس، قولوا: لا إله إلا اللَّه تفلحوا، وإذا رجل خلفه يرميه، قد أدمى ساقيه وعرقوبيه- مؤخر القدم- ويقول: يا أيها الناس، إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت: من هذا؟ فقالوا: محمد، زعم أنه نبي، وهذا عمه أبو لهب يزعم أنه كذاب «٢» ».
(١) وفي رواية البخاري: ألهذا جمعتنا؟
(٢) تفسير القرطبي: ٢٠/ ٢٣٦
السورة التالية
Icon