0:00
0:00

وَلِيَ دِينِ»
.. ووراء هذه الكلمة الحاسمة القاطعة، التي أخذ بها النبي طريقه إلى ربه ومعبوده، واتخذ بها المشركون طريقهم إلى آلهتهم ومعبوداتهم- وراء هذه الكلمة تشخص الأبصار إلى مسيرة كلّ من النبي والمشركين الذين أخذوا طريقا غير طريقه، لترى ماذا ينتهى إليه الطريق بكل منهما..
وتختفى عن الأبصار طريق أهل الشرك، وتبتلعهم رمال العواصف الهابّة عليهم من صحراء ضلالهم..
أما الطريق الذي أخذه النبي صلوات الله وسلامه عليه، فها هو ذا النصر العظيم يلقاه عليه، وها هو ذا الفتح المبين ترفرف أعلامه بين يديه، وها هو ذا دين الله الذي يدعو إليه، قد فتحت أبوابه، ودخل الناس فيه أفواجا..

بسم الله الرحمن الرحيم

الآيات: (١- ٣) [سورة النصر (١١٠) :الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً (٣)
التفسير:
قوله تعالى:
«إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً».
إذا ظرف، شرطىّ، لما يستقبل من الزمان.. وهذا يعنى أن ما بعدها
لم يتحقق بعد، وهو إذا كان وعدا من الله سبحانه وتعالى، فإن تحققه أمر لا شك فيه، وهو واقع موقع اليقين من المؤمنين قبل أن يتحقق.
ونصر الله والفتح، هو نصر دين الله، بنصر النبي والمؤمنين على المشركين، ومن اجتمعوا معهم على حرب النبىّ والمؤمنين، والوقوف فى وجه دين الله، الذي يدعو إليه رسول الله.. والفتح، هو فتح مكة، التي كان مشركوها هم القوة المحركة لكل عدوان على النبىّ والمؤمنين.. فإذا فتحت كان فتحها هو النصر المبين، والفتح العظيم..
وهذا يعنى أن هذه السورة، نزلت قبل فتح مكة، فكانت من أنباء الغيب، ومن البشريات التي بشر بها النبي والمسلمون، فى وسط هذا الصراع الدائر بينه وبين المشركين..
وتكاد الأخبار التي يرويها المفسرون- تجمع على أن هذه السورة كانت من أواخر ما نزل من القرآن، وأنها نزلت بعد سورة الفتح، وقبيل وفاة النبي صلوات الله وسلامه عليه بأيام، قيل عنها فى أكثر الروايات إنها كانت ثمانين يوما!! وهذا ما نخالفهم فيه.
فالقرآن الكريم صريح فى أن قوله تعالى: «إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجاً» هو وعد، يتحقق فى زمن مستقبل.. فهذا ما ينطق به صريح النظم القرآنى.. ولن يعدل بنا شىء عن الأخذ بمنطوق الآية الكريمة. ولهذا فإنا نقول- فى ثقة واطمئنان، وفى قطع ويقين: إن هذه السورة نزلت قبل فتح مكة، وفى أشد مواقف النبي حرجا وضيقا، وهو فى مواجهة أهل الشرك والضلال- فكانت مددا من أمداد السماء، وزادا من عند الله، يتزود به النبي وأصحابه، فيما امتحنوا به فى أنفسهم
وأموالهم.. إنها طاقة من النور السماوي، فى وسط هذا الظلام الكثيف، يرى المؤمنون على ضوئها وجه المستقبل المشرق، الذي وعدهم الله فيه بالنصر، والفتح! وقوله تعالى: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً».
والتسبيح أولا، لأنه المطلوب فى مقام الشكر، على هذه النعمة العظيمة، بالنصر والفتح.. ثم الاستغفار ثانيا، مما وقع من تقصير فى حق الله على مسيرة الجهاد، حتى جاء يوم النصر، والفتح..
فعلى مسيرة الجهاد، وفى أوقات الشدة والضيق، وفى مواقع الهزيمة، وفقد الأحباب والأعزاء، تتغير مواقف المجاهدين، وتحوم حول مشاعرهم خواطر تهز إيمانهم، على درجات مختلفة، حسب ما فى النفوس من إيمان، وما فى القلوب من يقين..
فالنفس البشرية- أيا كانت من وثاقة الإيمان بالله- تعرض لها فى الشدائد والمحن، عوارض، من الخواطر، والتصورات، لا ترضاها لدينها، وإيمانها بربها فى ساعة اليسر، وفى أوقات السلام والأمن.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا» (١١٠: يوسف) وقوله تعالى عن النبي وأصحابه: «وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ: مَتى نَصْرُ اللَّهِ؟» (٢١٤: البقرة) ويقول سبحانه عن المؤمنين فى غزوة الأحزاب: «إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا» (١٠: الأحزاب) - وقد صرح المنافقون والذين فى قلوبهم مرض من المؤمنين- صرحوا عن ظنونهم بالله يومئذ، فقالوا ما ذكره الله تعالى عنهم من قولهم: «ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً» (١٢: الأحزاب).
فدعوة النبي إلى الاستغفار، هى دعوة له، وللمؤمنين معه- من باب أولى- إلى لقاء الله تعالى تائبين مستغفرين، بعد أن يتم الله عليهم نعمة النصر والفتح، ويبلغ بهم منزل السلامة والأمن.. وإنه ليس فى هذا الاستغفار إلا مراجعة لما وقع فى النفوس من ظنون بالله عند بعض المؤمنين، أو ضجر من الصبر على البلاء عند بعض آخر، أو شعور بشىء من الأسى والحزن عند فريق ثالث..
وهكذا وذلك فى مسيرتهم على طريق الضرّ والأذى، إلى أن لقيهم نصر الله والفتح.
وقوله تعالى: «إِنَّهُ كانَ تَوَّاباً» أي كثير التوبة على عباده، واسع المغفرة لذنوبهم.. وفى المبالغة فى التوبة دلالة على كثرتها، والدلالة على كثرتها، دلالة على كثرة ذنوب العباد، وما وقع لهم فى مسيرتهم على الجهاد، مما ينبغى أن يتطهر منه المجاهدون، وأن يصفّو حسابهم معه بالتوبة والاستغفار، بعد أن رأوا ما رأوا من قدرة الله، ومن إحسانه وفضله عليهم.. وهذا مثل قوله تعالى: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ» (١١٧: التوبة)
(١١١) سورة المسد
نزولها: نزلت بمكة.. بعد الفاتحة..
عدد آياتها: خمس آيات..
عدد كلماتها: ثلاث وعشرون كلمة..
عدد حروفها: سبعة وسبعون حرفا..
مناسبتها لما قبلها
كانت سورة «النصر» - كما قلنا- مددا من أمداد السماء، تحمل بين يديها هذه البشريات المسعدة للنبىّ وللمؤمنين، وتريهم رأى العين عزّة
السورة التالية
Icon