0:00
0:00

وهي مدنية إجماعا.

قرأ ابن عباس : ﴿ إذا جاء نصر الله والفتح ﴾، وسأل عمر بن الخطاب رضي الله عنه جمعاً من الصحابة الأشياخ وبالحضرة لابن عباس عن معنى هذه السورة وسببها، فقالوا كلهم بمقتضى ظاهر ألفاظها :إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر عند الفتوح التي فتحت عليه مكة وغيرها بأن يسبح ربه ويحمده ويستغفره، فقال لابن عباس :ما تقول أنت يا عبد الله ؟ فقال :هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعلمه الله بقربه إذا رأى هذه الأشياء، فقال عمر :ما أعلم منها إلا ما ذكرت١، وهذا المنزع الذي ذكره ابن عباس ذكره ابن مسعود وأصحابه ومجاهد وقتادة والضحاك، وروت معناه عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه عليه السلام لما فتحت مكة وأسلمت العرب جعل يكثر أن يقول «سبحان الله وبحمده، اللهم إني أستغفرك »، يتأول القرآن في هذه السورة٢، وقال لها مرة : «ما أراه إلا حضور أجلي »، وتأوله عمر والعباس بحضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصدقهما٣. والنصر الذي رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو غلبته لقريش ولهوازن وغير ذلك، ﴿ والفتح ﴾ :هو فتح مكة والطائف ومدن الحجاز وكثير من اليمن.
١ أخرجه سعيد بن منصور، وابن سعد، وابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي وأبو نعيم معا في (الدلائل) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان عمر يدخلني وأشياخ بدر، فقال له عبد الرحمن بن عوف: لم تدخل هذا النشء معنا ولنا أبناء مثله؟ فقال: إنه من قد علمتم، فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، وما رأيته دعاني يومئذ إلا ليريهم مني، فقال: ما تقولون في قوله: (إذا جاء نصر الله والفتح)؟ حتى ختم السورة. فقال بعضهم: أمرنا الله أن نحمده ونستغفره إذا جاء نصر الله وفتح علينا، وقال بعضهم: لا ندري، وبعضهم لم يقل شيئا، فقال لي: يا بن عباس، أكذلك تقول؟ قلت: لا، قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله صلى الله عليه وسلم –أعلمه الله إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون، والفتح فتح مكة، وذلك علامة أجلك، فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا، فقال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم. (الدر المنثور)..
٢ أخرجه عبد الرزاق، وأحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه، عن عائشة رضي الله عنها. (الدر المنثور)..
٣ ذكره القرطبي بدون سند، قال: "وقيل: نزلت في منى بعد أيام التشريق في حجة الوداع، فبكى عمر والعباس، فقيل لهما: إن هذا يوم فرح، فقالا: بل فيه نعي النبي صلى الله عليه وسلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (صدقتما نعيت إلى نفسي).."..
ودخول الناس في الإسلام ﴿ أفواجاً ﴾، كان بين فتح مكة إلى موته صلى الله عليه وسلم، قال أبو عمر بن عبد البر النمري رحمه الله في كتاب الاستيعاب في الصحابة في باب أبي خراش الهذلي :لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي العرب رجل كافر، بل دخل الكل في الإسلام بعد حنين والطائف، منهم من قدم ومنهم من قدم وفده، ثم كان بعده من الردة ما كان، ورجعوا كلهم إلى الدين.
قال القاضي أبو محمد :والمراد -والله أعلم- العرب عبدة الأوثان، وأما نصارى بني تغلب فما أراهم أسلموا قط في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن أعطوا الجزية، والأفواج :الجماعة إثر الجماعة، كما قال تعالى : ﴿ ألقي فيها فوج ﴾١ [ الملك :٨ ] وقال مقاتل :المراد بالناس أهل اليمن، وفد منهم سبعمائة رجل، وقاله عكرمة :وقال الجمهور :المراد جميع وفود العرب ؛ لأنهم قالوا :إذا فتح الحرم لمحمد عليه السلام، وقد حماه الله من الحبشة وغيرهم، فليس لكم به يدان. وذكر جابر بن عبد الله فرقة الصحابة فبكى، وقال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «دخل الناس في الدين أفواجاً، وسيخرجون منه أفواجاً ٢ ».
١ من الآية ٨ من سورة الملك..
٢ أخرجه ابن مردويه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، وأخرج مثله الحاكم –وصححه عن أبي هريرة رضي الله عنه..
وقوله : ﴿ إنه كان تواباً ﴾ بعقب و﴿ استغفره ﴾ ترجية عظيمة للمستغفرين، جعلنا الله منهم. وحكى النقاش عن ابن عباس أن «النصر » صلح الحديبية، وأن ﴿ الفتح ﴾ فتح مكة. وقال ابن عمر :نزلت هذه السورة على النبي صلى الله عليه وسلم بمنى في وسط أيام التشريق في حجة الوداع، وعاش بعدها ثمانين يوماً، أو نحوها. صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم.
السورة التالية
Icon