0:00
0:00

مدنية، وآيها ثلاث.

﴿ إِذَا جَاء نَصْرُ الله ﴾ أيْ إعانتُهُ تعالَى وإظهارُهُ إياكَ على عدوكَ ﴿ والفتح ﴾ أيْ فتحُ مكةَ، وقيلَ :جنسُ نصرِ الله تعالَى ومطلقُ الفتحِ، فإنَّ فتحَ مكةَ لمَّا كانَ مِفْتاحَ الفتوحِ ومناطَهَا كمَا أنَّ نفسَها أمُّ القُرَى وإمامُها جُعلَ مجيئُهُ بمنزلةِ مجيءِ سائرِ الفتوحِ، وعلقَ بهِ، أمرَهُ عليهِ السلامُ بالتسبيحِ والحمدِ، والتعبيرُ عنْ حصولِ النصرِ والفتحِ بالمجيءِ للإيذانِ بأنهُمَا متوجهانِ نحوَهُ عليهِ السلامُ، وأنهُمَا على جناحِ الوصولِ إليهِ عليهِ السلامُ عن قريبٍ. رُوي أنها نزلتْ قبلَ الفتحِ وعليهِ الأكثرُ. وقيلَ :في أيامِ التشريقِ بمِنًى في حجةِ الوداعِ، فكلمةُ ( إذَا ) حينئذٍ باعتبارِ أنَّ بعضَ مَا في حيزِهَا -أَعْنِي رؤيةَ دخولِ الناسِ الخ- غيرُ منقضٍ بعدُ، وكانَ فتحُ مكةَ لعشرٍ مضينَ من شهرِ رمضانَ سنة ثمانٍ، ومعَ النبيِّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ عشرةُ آلافٍ منَ المهاجرينَ والأنصارِ وطوائفِ العربِ، وأقامَ بهَا خمس عشرَةَ ليلةً، وحينَ دخلَها وقفَ على بابِ الكعبةِ ثمَّ قالَ : «لاَ إله إلا الله وَحْدَهُ لاَ شريكَ لَهُ صدقَ وعدَهُ ونصرَ عبدَهُ وهزمَ الأحزابَ وحدَهُ »١. ثمَّ قالَ : «يا أهلَ مكةَ ما ترونَ أني فاعلٌ بكُم ؟ » قالُوا :خيراً، أخٌ كريمٌ، وابنُ أخٍ كريمٍ، قالَ : «اذهبُوا فأنتُمْ الطلقاءُ »، فأعتقهُمْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، وقدْ كانَ الله تعالَى أمكنَهُ من رقابِهم عنوةً، وكانُوا له فياءً، ولذلكَ سميَ أهلُ مكةَ الطلقاءَ، ثمَّ بايعُوه على الإسلام، ثمَّ خرجَ إلى هوازنَ٢
١ أخرجه البخاري في كتاب العمرة باب (١٢)، وكتاب الدعوات باب (٥٢)؛ وأخرجه مسلم في كتاب الحج حديث (٤٢٨)؛ وأبو داود في كتاب المناسك باب (٣٤، ٥٦)؛ وفي كتاب الجهاد باب (١٦٠)؛ وفي كتاب الديات باب (١٧)؛ والترمذي في كتاب الحج باب (١٠٤)؛ وابن ماجه في كتاب الديات باب (٥) وفي كتاب المناسك باب (٨٤)، وأخرجه مالك في الموطأ في كتاب الحج حديث (٢٣٤)؛ وأحمد في المسند (١/٤٤٤)؛ (٢/٥)، (١٠/١١، ٢١، ٢٦، ٣٨، ٦٣، ١٠٥، ٣٤١)؛ (٣/٤١٠)؛ (٥/٤١٢)..
٢ انظر سيرة ابن هشام (٤/١١٤) وما بعدها..
﴿ وَرَأَيْتَ الناس ﴾ أيْ أبصرتهُمْ أو علمتهُمْ ﴿ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله ﴾ أيْ ملةُ الإسلامِ التي لا دينَ يضافُ إليهِ تعالَى غيرُهَا، والجملةُ على الأولِ حالٌ من الناسِ، وعلى الثاني مفعولٌ ثانٍ لرأيتَ، وقولُه تعالَى : ﴿ أَفْوَاجاً ﴾ حالٌ من فاعلِ ( يدخلونَ )، أيْ يدخلونَ فيهِ جماعاتٍ كثيفةً كأهلِ مكةَ والطائفِ واليمنِ وهوازنَ وسائرِ قبائلِ العربِ، وكانُوا قبلَ ذلكَ يدخلونَ فيهِ واحِداً واحِداً، واثنينِ اثنينِ. رُويَ أنَّه عليهِ السلامُ لما فتحَ مكةَ أقبلتِ العربُ بعضُها على بعضٍ، فقالوا :إذَا ظفِرَ بأهلِ الحرمِ فلنْ يقاومَهُ أحدٌ، وقدْ كانَ الله تعالَى أجارَهُم من أصحابِ الفيلِ، ومن كُلِّ من أرادهُم، فكانُوا يدخلونَ في دينِ الإسلامِ أفواجاً من غيرِ قتالٍ. وقرئَ فتحُ الله والنصرُ. وقُرِئَ ( يُدخلونَ ) على البناءِ للمفعولِ.
﴿ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ ﴾ فقُلْ :سبحانَ الله، حامداً لهُ، أو فتعجبَ لتيسيرِ الله تعالَى ما لَمْ يخطُرْ ببالِ أحدٍ، من أنْ يغلبَ أحدٌ على أهْلِ حرمِهِ المحترمِ، واحمدْهُ على جميلِ صُنعِه، هذا على الروايةِ الأُولى ظاهرٌ، وأمَّا على الثانيةِ، فلعلَّهُ عليهِ السلامُ أُمرَ بأنْ يداومَ على ذلكَ استعظاماً لنعمِه، لاِ بإحداثِ التعجبِ لما ذُكرَ، فإنَّهُ إنما يناسبُ حالةَ الفتحِ، أو فاذكُرْهُ مسبحاً حامداً زيادةً في عبادتِهِ والثناءِ عليهِ، لزيادةِ إنعامِه عليكَ، أو فصلِّ لهُ حامداً على نعمِه. رُويَ أنَّه لما فتحَ بابَ الكعبةِ صلَّى صلاة الضحى، ثمانِي ركعاتٍ. أو فنزههُ عما يقولُه الظلمةُ حامداً لهُ على أنْ صدقَ وعدَهُ، أو فاثنِ على الله تعالَى بصفاتِ الجلالِ، حَامِداً له على صفاتِ الإكرامِ. ﴿ واستغفره ﴾ هَضْماً لنفسكَ، واستقصاراً لعملكَ، واستعظاماً لحقوقِ الله تعالَى، واستدراكاً لما فرطَ منكَ من تركِ الأولَى. عن عائشةَ رضيَ الله عنهَا ( أنه كانَ عليهِ الصلاةُ والسلامُ يكثرُ قبلَ موتِه أنْ يقولَ : «سُبْحانكَ اللهمَّ وبحمدكَ، استغفركَ وأتوبُ إليكَ »١. وعنهُ عليهِ السلامُ : «إنِّي لأستغفرُ في اليومِ والليلةِ مائةَ مرةٍ »٢. ورُويَ أنَّه لمَّا قرأَها النبيُّ عليهِ الصلاةُ والسلامُ على أصحابِه استبشرُوا، وبكَى العباسُ، فقالَ عليهِ السلامُ : «ما يبكيكَ يا عمُّ ؟ » فقالَ :نعيتْ إليكَ نفسُكَ، قالَ عليهِ السلامُ : «إنَّها لكمَا تقولُ »، فلَمْ يُرَ عليهِ السلامُ بعدَ ذلكَ ضاحكاً مستبشراً. وقيلَ :إنَّ ابنَ عباسٍ هُو الذي قالَ ذلكَ، فقالَ عليهِ السلامُ : «لقدْ أُوتي هذا الغلامُ علماً كثيراً »، أو لعلَّ ذلكَ للدلالةِ على تمامِ أمرِ الدعوةِ، وتكاملِ أمرِ الدينِ، كقولِه تعالَى : ﴿ اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ﴾ [ سورة المائدة، الآية ٣ ]، ورُويَ أنَّها لمَّا نزلتْ خطبَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقالَ : «إنَّ عبداً خيرهُ الله تعالَى بينَ الدُّنيا وبينَ لقائِه، فاختارَ لقاءَ الله تعَالَى »٣، فعلَم أبو بكرٍ رضيَ الله عنه فقالَ :فديناكَ بأنفسِنا وآبائِنا وأولادِنا. وعنْهُ عليهِ السلامُ ( أنهُ دعَا فاطمةَ رضيَ الله عنْهَا فقالَ : «يا بنتاهُ، إنَّه نعيتْ إليَّ نفسِي » فبكتْ، فقالَ : «لا تبكِي، فإنكِ أولُ أَهْلي لحوقاً بِي »٤. وعنِ ابنِ مسعودٍ رضيَ الله عنْهُ أنَّ هذه السورةَ تُسمَّى سورةَ التوديعِ. وقيلَ :هو أمرٌ بالاستغفارِ لأمتِه ﴿ إِنَّهُ كَانَ تَوّابَا ﴾ منذُ خلقَ المكلفينَ، أيْ مبالغاً في قبولِ توبتِهم، فليكُنْ كُلُّ تائبٍ مستغفرٍ متوقعاً للقبولِ.
١ أخرجه مسلم في كتاب الصلاة حديث (٥٢، ٢١٧، ٢١٨، ٢١٩، ٢٢١)، والترمذي في كتاب المواقيت باب (٦٥)، والنسائي في كتاب الافتتاح باب (١٧، ١٨) وفي كتاب التطبيق باب (١٠/٦٤، ٦٥، ٧٣) وفي كتاب السهو باب (٨٧)، وابن ماجه في كتاب الإقامة باب (١/٢٠) والدارمي في كتاب الصلاة باب (٣٣)، وفي كتاب الاستئذان باب (٢٩) وأحمد في المسند (١/٣٨٨، ٣٩٢، ٣٩٤، ٤١٠، ٤٣٤، ٤٥٥، ٤٥٦)؛ (٢/٣٦٩، ٤٩٤)، (٣/٥٠، ٤٥٠)، (٤/٤٢٠، ٤٢٥)، (٦/٢٣٠، ٢٥٤)..
٢ أخرجه مسلم في كتاب الذكر حديث (٤١)، وأبو داود في كتاب الوتر باب (٢٦)؛ والترمذي في كتاب التفسير سورة (٤٧) باب (١)؛ وابن ماجه في كتاب الأدب باب (٥٧)؛ والدارمي في كتاب الرقاق باب (١٥)؛ وأحمد في المسند (٢/٤٥)؛ (٤/٢٦٠)، (٥/٣٩٤، ٣٩٦، ٣٩٧، ٤٠٢)..
٣ أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار باب (٤٥) وفي كتاب الصلاة باب (٨٠)، وكتاب فضائل الصحابة باب (٣)؛ كما أخرجه مسلم في كتاب فضائل الصحابة حديث (٢)؛ والترمذي في كتاب المناقب باب (١٥)، والدارمي في المقدمة باب (١٤)؛ وأحمد في المسند (٣/١٨، ٤٧٨)، (٤/٢١١)، (٥/١٣٩)..
٤ أخرجه البخاري في كتاب المناقب باب (٢٥)؛ ومسلم في كتاب فضائل الصحابة حديث (٩٩)، وابن ماجه في كتاب الجنائز باب (٦٤)؛ وأحمد في المسند (٦/٢٤٠، ٢٨٢، ٢٨٣)..
السورة التالية
Icon