0:00
0:00

قوله تعالى : ﴿ تبّتْ يدا أبي لهب ﴾ اختلف في سبب نزولها في أبي لهب على ثلاثة أقاويل :
أحدها :ما حكاه عبد الرحمن بن زيد أن أبا لهب أتى النبي ﷺ فقال :ماذا أُعطَى إن آمنتُ بك يا محمد؟ قال :ما يعطَى المسلمون، قال :ما عليهم فضل؟ قال :وأي شيء تبتغي؟ قال :تبَّا لهذا من دين أن أكون أنا وهؤلاء سواء، فأنزل الله فيه : ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾.
الثاني :ما رواه ابن عباس أنه لما نزل ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ أتى رسول الله ﷺ الصفا فصعد عليها، ثم نادى يا صباحاه! فاجتمع الناس إليه، فقال :أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم، صدقتموني؟ قالوا :نعم، قال :فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب :تبّا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا؟! فأنزل الله تعالى هذه السورة.
الثالث :ما حكاه عبد الرحمن بن كيسان أنه كان إذا وفد على النبي ﷺ وفْدٌ انطلق إليهم أبو لهب، فيسألونه عن رسول الله ويقولون :أنت أعلم به، فيقول لهم أبو لهب :إنه كذاب ساحر، فيرجعون عنه ولا يلقونه، فأتاه وفد، ففعل معهم مثل ذلك، فقالوا :لا ننصرف حتى نراه ونسمع كلامه، فقال لهم أبو لهب :إنا لم نزل نعالجه من الجنون فتبّاً له وتعساً، فأخبر بذلك النبي ﷺ فاكتأب له، فأنزل الله تعالى « تَبّتْ » السورة، وفي « تبّتْ » خمسة أوجه :
أحدها :خابت، قاله ابن عباس.
الثاني :ضلّت، وهو قول عطاء.
الثالث :هلكت، قاله ابن جبير.
الرابع :صفِرت من كل خير، قاله يمان بن رئاب.
حكى الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء أنه لما قتل عثمان بن عفان سمع الناس هاتفاً يقول :
لقد خلّوْك وانصدعوا... فما آبوا ولا رجعوا
ولم يوفوا بنذرِهمُ... فيا تبَّا لما صَعنوا
والخامس :خسرت، قاله قتادة، ومنه قول الشاعر :
تواعَدَني قوْمي ليَسْعوْا بمهجتي... بجارية لهم تَبّا لهم تبّاً
وفي قوله ﴿ يَدَا أَبِي لَهَبٍ ﴾ وجهان :
أحدهما :يعني نفس أبي لهب، وقد يعبر عن النفس باليد كما قال تعالى ﴿ ذلك بما قدمت يداك ﴾ أي نفسك.
الثاني :أي عمل أبي لهب، وإنما نسب العمل إلى اليد لأنه في الأكثر يكون بها.
وقيل إنه كني أبا لهب لحُسنه وتلهّب وجنته، وفي ذكر الله له بكنيته دون اسمه ثلاثة أوجه :
أحدها :أنه كان بكنيته أشهر منه باسمه.
الثاني :لأنه كان مسمى بعبد هشم، وقيل إنه عبد العزى فلذلك عدل عنه.
الثالث :لأن الاسم أشرف من الكنية، لأن الكنية إشارة إليه باسم غيره، ولذلك دعا الله أنبياءه بأسمائهم.
وفي قوله ﴿ وتَبَّ ﴾ أربعة أوجه :
أحدها :أنه تأكيد للأول من قوله ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ فقال بعده « وتب » تأكيداً. الثاني :يعني تبت يدا أبي لهب بما منعه الله تعالى من أذى لرسوله، وتب بما له عند الله من أليم عقابه.
الثالث :يعني قد تبّ، قاله ابن عباس.
الرابع :يعني وتبّ ولد أبي لهب، قاله مجاهد.
وفي قراءة ابن مسعود :تبت يدا أبي لهبٍ وقد تب، جعله خبراً، وهي على قراءة غيره تكون دعاء كالأول.
وفيما تبت عنه يدا أبي لهب وجهان :
أحدهما :عن التوحيد، قاله ابن عباس.
الثاني :عن الخيرات، قاله مجاهد.
﴿ ما أَغْنَى عَنْه مالُه وما كَسَب ﴾ في قوله « ما أغنى عنه » وجهان :
أحدهما :ما دفع عنه.
الثاني :ما نفعه، قاله الضحاك.
وفي ﴿ مالُه ﴾ وجهان :
أحدهما :أنه أراد أغنامه، لأنه كان صاحب سائمة، قاله أبو العالية.
الثاني :أنه أراد تليده وطارفه، والتليد :الموروث، والطارف :المكتسب.
وفي قوله ﴿ وما كَسَبَ ﴾ وجهان :
أحدهما :عمله الخبيث، قاله الضحاك.
الثاني :ولده، قاله ابن عباس.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال : « أولادكم من كسبكم »
وكان ولده عتبة بن أبي لهب مبالغاً في عداوة النبي ﷺ كأبيه، فقال حين نزلت ﴿ والنجم إذا هوى ﴾ كفرت بالنجم إذا هوى، وبالذي دنا فتدلى، وتفل في وجه رسول الله ﷺ إلى الشام، فقال رسول الله ﷺ : « اللهم سلط عليه كلباً من كلابك » فأكله الأسد.
وفيما لم يغن عنه ماله وما كسب وجهان :
أحدهما :في عداوته النبي ﷺ.
الثاني :في دفع النار عنه يوم القيامة.
﴿ سَيَصْلَى ناراً ذاتَ لَهَبٍ ﴾ في سين سيصلى وجهان :
أحدهما :أنه سين سوف.
الثاني :سين الوعيد، كقوله تعالى ﴿ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ ﴾ و ﴿ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا ﴾ وفي ﴿ يَصْلًى ﴾ وجهان :
أحدهما :صلي النار، أي حطباً ووقوداً، قاله ابن كيسان.
الثاني :يعني تُصليه النار، أي تنضجه، وهو معنى قول ابن عباس، فيكون على الوجه الأول صفة له في النار، وعلى الوجه الثاني صفة للنار.
وفي ﴿ ناراً ذاتَ لَهَبٍ ﴾ وجهان :
أحدهما :ذات ارتفاع وقوة واشتعال، فوصف ناره ذات اللهب بقوتها، لأن قوة النار تكون مع بقاء لهبها.
الثاني :ما في هذه الصفة من مضارعة كنيته التي كانت من نذره ووعيده.
وهذه الآية تشتمل على امرين :
أحدهما :وعيد من الله حق عليه بكفره.
الثاني :إخبار منه تعالى بأنه سيموت على كفره، وكان خبره صدقاً، ووعيده حقاً.
﴿ وامرأتُهُ حَمّالَةَ الحَطَبِ ﴾ وهي أم جميل بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان.
وفي ﴿ حمالة الحطب ﴾ أربعة أوجه :أحدها :أنها كانت تحتطب الشوك فتلقيه في طريق النبي ﷺ ليلاً، قاله ابن عباس.
الثاني :أنها كانت تعيِّر رسول الله ﷺ بالفقر، فكان يحتطب فعيرت بأنها كانت تحتطب، قاله قتادة.
الثالث :أنها كانت تحتطب الكلام وتمشي بالنميمة، قاله الحسن والسدي فسمي الماشي بالنميمة حمال الحطب لأنه يشعل العداوة كما تشعل النار الحطب، قال الشاعر :
إنّ بني الأَدْرَمِ حَمّالو الحَطَبْ... هم الوُشاةُ في الرِّضا وفي الغَضَبْ.
عليهمُ اللعْنةُ تَتْرى والحرَبْ.... وقال آخر :
مِنَ البِيضِ لم تُصْطَدْ على ظهر لأمةٍ... ولم تمشِ بَيْن الحيّ بالحَطَب والرطْبِ.
الرابع :أنه أراد ما حملته من الآثام في عداوة رسول الله ﷺ لأنه كالحطب في مصيره إلى النار.
﴿ في جِيدِها حَبْل مِنْ مَسَدِ ﴾ جيدها :عنقها.
وفي ﴿ حبل من مسد ﴾ سبعة أقاويل :
أحدها :أنه سلسلة من حديد، قاله عروة بن الزبير، وهي التي قال الله تعالى فيها : ﴿ ذرعها سبعون ذراعاً ﴾ قال الحسن :سميت السلسلة مسداً لأنها ممسودة، أي مفتولة.
الثاني :أنه حبل من ليف النخل، قاله الشعبي، ومن قول الشاعر :
أعوذ بالله مِن لَيْل يُقرّبني... إلى مُضاجعةٍ كالدَّلْكِ بالمسَدِ.
الثالث :أنها قلادة من ودع، على وجه التعيير لها، قاله قتادة.
الرابع :أنه حبل ذو ألوان من أحمر وأصفر تتزين به في جيدها، قاله الحسن، ذكرت به على وجه التعيير أيضاً.
الخامس :أنها قلادة من جوهر فاخر، قالت لأنفقنها في عداوة محمد، ويكون ذلك عذاباً في جيدها يوم القيامة.
السادس :أنه إشارة إلى الخذلان، يعني أنها مربوطة عن الإيمان بما سبق لها من الشقاء كالمربوطة في جيدها بحبل من مسد.
السابع :أنه لما حملت أوزار كفرها صارت كالحاملة لحطب نارها التي تصلى بها.
روى الوليد بن كثير عن ابن تدرس عن أسماء بنت أبي بكر أنه لما نزلت « تبت يدا » في أبي لهب وامرأته أم جميل أقبلت ولها ولولة وفي يدها قهر وهي تقول :
مُذَمَّماً عَصَيْنَا... وأَمْرَهُ أَبَيْنا
ودِينَه قَلَيْنا.... ورسول الله ﷺ في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال :يا رسول الله قد أقبلت وإني أخاف أن تراك، فقال :إنها لن تراني، وقرأ قرآناً اعتصم به، كما قال تعالى : ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجاباً مستوراً ﴾ فأقبلت على أبي بكر، ولم تر رسول الله، فقالت :يا أبا بكر إني أخبرت أن صاحبك هجاني، فقال :لا ورب هذا البيت، ما هجاك، فولت فعثرت في مرطها، فقالت :تعس مذمم، وانصرفت.
السورة التالية
Icon