0:00
0:00

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة المسد
مقدمة وتمهيد
١- سورة " المسد " تسمى –أيضا- بسورة " تبت "، وبسورة " أبي لهب "، وبسورة " اللهب "، وهي من أوائل السور التي نزلت بمكة، فهي السورة السادسة في ترتيب النزول، وكان نزولها بعد سورة " الفاتحة "، وقبل سورة " الكوثر "، وهي خمس آيات.
٢- وقد ذكروا في سبب نزول هذه السورة روايات منها ما أخرجه البخاري عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء فصعد الجبل فنادى : " يا صباحاه "، وهي كلمة ينادى بها للإنذار من عدو قادم، فاجتمعت إليه قريش، فقال : " أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مُصَبحكم أو مُمْسِيكم أكنتم تصدقوني " ؟ قالوا :نعم. قال : " فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد ".
فقال أبو لهب :ألهذا جمعتنا ؟ تبا لك، فأنزل الله –تعالى- هذه السورة.
وفي رواية :أنه قام ينفض يديه، وجعل يقول للرسول صلى الله عليه وسلم :تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا ؟ فأنزل الله –تعالى- هذه السورة. ( ١ ).
وأبو لهب :هو أحد أعمام النبي صلى الله عليه وسلم، واسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم.. وامرأته هي :أروى بنت حرب بن أمية، وكنيتها أم جميل.
روي أنها سمعت ما نزل في زوجها وفيها من قرآن، أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو جالس في المسجد عند الكعبة ومعه أبو بكر الصديق، وفي يدها فِهْر –أي :حجر- فلما وقفت أخذ الله –تعالى- بصرها عن رسوله صلى الله عليه وسلم فقالت :يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك يهجوني، والله لو وجدته لضربت بهذا الفهر فاه.. ثم انصرفت، فقال أبو بكر :يا رسول الله، أما تراها رأتك ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : " ما رأتني، لقد أخذ الله بصرها عني " ( ٢ ).
١ - تفسير ابن كثير ج ٧ ص ٥٣٤..
٢ - تفسير القرطبي ج ٢ ص ٢٣١..

معنى ﴿ تَبَّتْ ﴾ هلكت وخسرت، ومنه قوله - تعالى - : ﴿ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ ﴾ - سبحانه - : ﴿ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ ﴾، وقوله : ﴿ وَتَبَّ ﴾ أي :وقد تب وهلك وخسر، فالجملة الأولى دعاء عليك بالهلاك والخسران، والجملة الثانية :إخبار عن أن هذا الدعاء قد استجيب، وأن الخسران قد نزل به فعلا.
أى :خسرت وخابت يدا أبي لهب، وقد نزل هذا الهلاك والخسران به، بسبب عداوته الشديدة للحق، الذي جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ربه - سبحانه -.
والمراد باليدين هنا :ذاته ونفسه، من باب إطلاق الجزء وإرادة الكل، كما في قوله - تعالى - : ﴿ ذلك بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ ﴾ ويجوز أن يكون المراد باليدين حقيقتهما، وذلك لأنه كان يقول :يعدني محمد صلى الله عليه وسلم بأشياء، لا أدري أنها كائنة، يزعم أنها بعد الموت، فلم يضع فى يدي شيء من ذلك، ثم ينفخ في يديه ويقول :تبا لكما ما أرى فيكما شيئا.
وقوله - سبحانه - ﴿ مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ كلام مستأنف للانتقال من ذمه والدعاء عليه بالهلاك، إلى بيان أن ماله وجاهه.. لن يغنى عنه من عذاب الله - تعالى - شيئا.
أي أن أبا لهب لن يغنى عنه ماله الكثير، وكسبه الوفير من حطام الدنيا.. لن يغنى عنه شيئا من عذاب الله - تعالى -، أو شيئا من انتشار رسالة الله - تعالى - فى الأرض، فإن الله - سبحانه - ناصر نبيه صلى الله عليه وسلم ومؤيده بروح منه.
والتعبير بالماضى فى قوله : ﴿ مَآ أغنى... ﴾ لتحقيق وقوع عدم الإِغناء.
والراجح أن " ما " الأولى نافية، والثانية موصولة، أي :ما أغنى عنه شيئا ماله الذى ورثه عن أبيه، وأيضا ما أغنى عنه شيئا ماله الذى جمعه واكتسبه هو بنفسه عن طريق التجارة وغيرها.
وقوله - سبحانه - : ﴿ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ بيان للعاقبة السيئة التى تنتظره، بعد هذا الذم والتأنيب والوعيد. أى :سيلقى بأبى لهب فى نار شديدة الحرارة، تشوى الوجوه والأبدان، ووصف - سبحانه - النار بأنها ﴿ ذات لهب ﴾ لزيادة تقرير المناسبة بين اسمه وكفره ؛ إذ هو معروف بأبى لهب، والنار موصوفة بأنها ذات لهب شديد.
ثم أعقب - سبحانه - ذلك، بذم زوجه التى كانت تشاركه العداوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال : ﴿ وامرأته حَمَّالَةَ الحطب. فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴾
وقوله : ﴿ وامرأته ﴾ معطوف على الضمير المستتر العائد على أبى لهب في قوله ﴿ سيصلى ﴾، وانتصاب لفظ " حمالةَ " على الذم بفعل مضمر ؛ لأن المقصود به هنا الذم، وقرأ الجمهور ﴿ حَمَّالَةَ ﴾ - بالرفع - على أنه صفة لها، أو خبر لمبتدأ محذوف، أي :هي حمالة الحطب.
والمقصود بقوله - تعالى - ﴿ حَمَّالَةَ الحطب ﴾ الحقيقة، فقد روي أنها كانت تحمل بنفسها حزمة الشَّوْك والحسك والسَّعْدَان، فتنثرها بالليل في طريقه صلى الله عليه وسلم، لإِيذائه به، ويصح أن يكون المراد بهذه الجملة الكناية عن مشيها بين الناس بالنميمة، وإشاعة السوء حول الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه يقال لمن يمشى بالنميمة ليفسد بين الناس :إنسان يحمل الحطب بين الناس، أي :أنه يفسد بينهم.
ويصح أن يكون المقصود بهذه الجملة حملها للذنوب والخطايا، من قولهم :فلان يَحْطِب على ظهره، إذا كان يكتسب الذنوب والخطايا، فاستعير الحطب لذلك.
وقد رجح الإِمام ابن جرير القول الأول ؛ لأنها كانت تحمل الشوك فتطرحه فى طريق النبى صلى الله عليه وسلم.
وقوله - سبحانه - : ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴾ زيادة فى تبشيع صورتها، وتحقير هيئتها.
والجيد :العنق، والمسد :الليف المتين الذى فتل بشدة، يقال :حبل ممسود، أي مفتول فتلا قويا.
والمعنى :سيصلى أبو لهب نارا شديدة، وستصلى معه امرأته التى تضع الشوك في طريق النبى صلى الله عليه وسلم هذه النار المشتعلة أيضا، وسيزيد الله - تعالى - فى إذلالها وتحقيرها، بأن يأمر ملائكته بأن تضع فى عنقها حبلا مفتولا فتلا قويا، على سبيل الإِذلال والإِهانة لها ؛ لأنها كانت فى الدنيا تزعم أنها من بنات الأشراف الأكابر.
روى عن سعيد بن المسيب أنه قال :كان لها قلادة ثمينة، فقالت :لأبيعنها ولأنفقن ثمنها فى عداوة محمد صلى الله عليه وسلم، فأبدلها الله عنها حبلا فى جيدها من مسد النار.
والذى يتأمل هذه السورة الكريمة، يراها قد اشتملت على أوضح الأدلة وأبلغ المعجزات الدالة على صدق النبى صلى الله عليه وسلم فيما يبلغه عن ربه، فإن الله - تعالى - قد أخبر بشقاء أبى لهب وامرأته، وأنهما سيصليان نارا ذات لهب.. وقد علما بما جاء فى هذه السورة من عقاب الله لهما.. ومع ذلك فقد بقيا على كفرهما حتى فارقا الحياة، دون أن ينطقا بكلمة التوحيد، ولو فى الظاهر، فثبت أن هذا القرآن من عند الله، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم صادق فيما يبلغه عن ربه - عز وجل -.
نسأل الله - تعالى - أن يلحقنا بعباده الصالحين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
السورة التالية
Icon