0:00
0:00

مكية، وآياتها ٥.
في صحيح البخاري وغيره عن ابن عباس لما نزلت : ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ [ ورهطك منهم المخلصين ] [ الشعراء :٢١٤ ] خرج رسول الله ص حتى صعد الصفا، فهتف :" يا صباحاه "، فقالوا :من هذا ؟ فاجتمعوا إليه، فقال :" أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي ؟ قالوا :نعم، ما جربنا عليك كذبا. قال :" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد "، فقال أبو لهب :تبا لك، ما جمعتنا إلا لهذا ! ثم قام فنزلت : ﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ إلى آخرها ).

في «صحيح البخاري » وغيرِه عن ابن عباس :" لَمَّا نَزَلَتْ : ﴿ وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين ﴾ [ الشعراء :٢١٤ ] ورهطك منهم المخلصين، خَرَجَ رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ :" يَا صَبَاحَاهُ "، فَقَالُوا :مَنْ هَذَا ؟ فاجتمعوا إلَيْهِ، فَقَالَ :" أَرَأَيْتُمْ إنْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً تَخْرُجُ مِنْ سَفْحِ هذا الجَبَلِ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ " ؛ قَالُوا :نَعَمْ ؛ مَا جَرَّيْنَا عَلَيْكَ كَذِباً، قَالَ :" فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ "، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ :تَبّاً لَكَ، مَا جَمَعْتَنَا إلاَّ لِهَذَا، ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَتْ : ﴿ تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ ﴾ إلى آخرها "، و﴿ تَبَّتْ ﴾ معناه :خَسِرَتْ، والتَّبابُ الخُسْرَانُ، والدَّمَارُ، وأسْنَدَ ذلك إلى اليدينِ من حيثُ إنَّ اليَدَ مَوضِعُ الكَسْبِ والرِّبْحِ، وضَمِّ مَا يُمْلَكُ، ثم أوْجَبَ عليه أنه قَدْ تَبَّ، أي :حُتِّمَ ذَلِكَ عَلَيْه، وفي قراءة ابن مسعود : «وقَدْ تَبَّ »، وأبو لَهَبٍ هو عَبْدُ العُزَّى بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وهو عمُّ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، ولكن سَبَقَتْ له الشقاوةُ، قال السهيليّ :كَنَّاهُ اللَّه بأبي لهبٍ لَمَّا خَلَقَهُ سبحانَه لِلَّهَبِ، وإليه مصيرُه، ألا تَرَاهُ تعالى، قال : ﴿ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ﴾، فَكَانَتْ كُنْيَتُه بأبي لَهَبٍ تَقَدَّمَتْ لِمَا يصيرُ إليه من اللهبِ، انتهى.
وقوله سبحانه : ﴿ مَا أغنى عَنْهُ مَالُهُ ﴾ يحتملُ أن تَكُونَ «ما » نافيةً عَلَى معنى الخبرِ، ويحتملُ أنْ تكون «ما » استفهاميةً عَلَى وَجْهِ التقريرِ، أي :أينَ الغَنَاءُ الذي لِمَالِه وَكَسْبهِ، ﴿ وَمَا كَسَبَ ﴾ يُرَادُ به عَرَضُ الدنيا، من عَقَارٍ، ونحوه، وقيل :كَسْبُه بَنُوه.
وقوله سبحانه : ﴿ سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ ﴾ حَتْمٌ عَلَيْهِ بِالنارِ، وإعْلاَمٌ بأنه يَتَوَفَّى على كفرِه، نعوذُ باللَّهِ من سوءِ القَضَاءِ ودَرْكِ الشقاءِ.
وقوله تعالى : ﴿ وامرأته حَمَّالَةَ الحطب ﴾ هي أمَّ جميلٍ أخْتُ أبي سفيانَ بن حرب، وكانت مؤْذِيةً للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنينَ بلسانِها وغايةِ قُدْرَتِها، وكانَتْ تَطْرَحُ الشّوْكَ في طريق النبي صلى الله عليه وسلم وطريق أصحابه لِيَعْقِرَهم ؛ فلذلكَ سُمِّيتْ حَمَّالَةَ الحَطَبِ ؛ قاله ابن عباس، وقيل :هو استعارةٌ لذنوبِها. قال عياض :وذكر عَبْدُ بن حُمَيْدٍ قال :" كَانَتْ حمالَة الحطبِ تَضَعُ العِضَاهَ، وَهِي جَمْرٌ، على طَرِيقِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فكأنَّما يَطَؤُهَا كَثِيباً أَهْيَلَ "، انتهى. ( ص ) :وقُرئ شاذًّا :( وَمُرَيْئَتُهُ ) بالتصغيرِ، و( الجيدُ ) هُو العُنُقُ، اه.
وقوله تعالى : ﴿ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ ﴾ قال ابنُ عباس وجماعة :الإشَارَةُ إلى الحبلِ حَقِيقَةٌ، الذي رَبَطَتْ به الشوكَ، والمَسَدُ :الليفُ، وقِيلَ ليفُ المُقْلِ، وفي «صحيحِ البخاري » :يُقَالُ مِنْ مسد لِيف المُقْلِ وهي السلسلةُ الَّتِي في النارِ، انتهى. ورُوِي في الحديثِ أنَّ هذهِ السورةَ لما نزلتْ وقُرِئَتْ ؛ بَلَغَتْ أُمَّ جميلٍ فَجَاءَتْ أَبَا بَكْرٍ وَهُوَ جَالسٌ معَ النبي صلى الله عليه وسلم في المسجدِ، وَبِيَدِهَا فِهْرُ حَجَرٍ، فأخَذَ اللَّهُ بِبَصَرِهَا، وقَالَتْ :يا أبا بكرٍ ؛ بَلَغَنِي أنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، وَلَوْ وَجَدْتُه لَضَرَبْتُه بِهَذَا الفِهْرِ، وإنّي لَشَاعِرَة، وَقْد قلت فيه :
مُذَمَّماً قَلَيْنَا وَدِينَهُ أَبَيْنَا
فَسَكَتَ أبو بكرٍ، ومضتْ هي، فقالَ النبي صلى الله عليه وسلم :" لَقَدْ حَجَبَتْنِي عَنْهَا مَلاَئِكَةٌ، فَمَا رَأَتْنِي، وَكَفَانِيَ اللَّهُ شَرَّهَا ).
السورة التالية
Icon