0:00
0:00

سورة تبت
وتسمى سورة أبي لهب كما في البحر. هي خمس آيات، وهي مكية بلا خلاف، وبه قال ابن عباس وابن الزبير وعائشة.

بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ تبت يدا أبي لهب ﴾ قال مقاتل وابن عباس :خسرت، وقيل :خابت، وقال عطاء :ضلت، وقيل :صفرت من كل خير. ومنه قولهم شابة أم تابة أي هالكة من الهرم، وقيل :المعنى هلكت، والأول أولى. وخص اليدين بالتباب ؛ لأن أكثر العمل يكون بهما، وقيل :المراد باليدين نفسه، وقد يعبر باليد عن النفس كما في قوله ﴿ بما قدمت يداك ﴾ أي نفسك، والعرب تعبر كثيرا ببعض الشيء عن كله، كقولهم :أصابته يد الدهر، وأصابته يد المنايا.
قرأ العامة ( لهب ) بفتح الهاء، وقرئ بسكونها. فقيل :لغتان، بمعنى كالنَّهَر والنهْر، والشعَر و الشعْر.
وقال الزمخشري هو من تغيير الأعلام، ولم يختلف القراء في قوله ﴿ ذات لهب ﴾ أنها بالفتح، والفرق أنها فاصلة، فلو سكنت زال التشاكل.
وأبو لهب اسمه عبد العزى بن عبد المطلب بن هاشم، وذكره سبحانه بكنيته لاشتهاره بها، ولكون اسمه كما تقدم عبد العزى، و العزى اسم صنم، ولكون في هذه الكنية ما يدل على أنه ملابس للنار ؛ لأن اللهب هو لهب النار، وإن كان إطلاقه ذلك عليه في الأصل لكونه كان جميلا، وأن وجهه يتلهب لمزيد حسنه كما تتلهب النار.
قال القرطبي :أو لأن الله أراد أن يحقق نسبته بأن يدخله النار، فيكون أبا لهب تحقيقا للنسب، وإمضاء للفأل والطيرة التي اختارها لنفسه، وقيل :اسمه كنيته.
وروى صاحب الكشاف أنه قرئ ( تبت يدا أبو لهب ) وذكر وجه ذلك.
﴿ وتب ﴾ أي هلك.
قال الفراء :الأول دعاء عليه، والثاني خير، كما تقول :أهلكه الله وقد هلك، والمعنى أنه قد وقع ما دعى به عليه، وتدل عليه قراءة ابن مسعود ( وقد تب )، وقيل :كلاهما إخبار، أراد بالأول هلاك عمله، وبالثاني هلاك نفسه، وقيل :كلاهما دعاء عليه، ويكون في هذا شبه من مجيء العام بعد الخاص، وإن كان حقيقة اليدين غير مرادة.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ وأنذر عشيرتك الأقربين ﴾ خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، حتى صعد الصفا فهتف " يا صباحاه "، فاجتمعوا إليه فقال :" أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا تخرج بسفح هذا الجبل أكنتم مصدقي " ؟ قالوا :ما جربنا عليك كذبا. قال :" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد "، فقال أبو لهب :تبا لك، إنما جمعتنا لهذا، ثم قام فنزلت هذه السورة ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب ﴾ ١.
١ رواه البخاري ٨/٥٦٧ ورواه مسلم ١/ ١٩٤ بمعناه. وقوله: يا صباحاه: كلمة يعتادونها عند وقوع أمر عظيم، فيقولونها ليجتمعوا ويتأهبوا له. ورواه ابن جرير الطبري ٣٠/ ٣٣٦ وأورده السيوطي في "الدر" ٦/ ٤٠٨ وزاد نسبته لسعيد بن منصور، وابن المنذر..
﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾ أي ما دفع عنه ما حل به من التباب، وما نزل به من عذاب الله ما جمع من المال، ولا ما كسب من الأرباح والجاه، أو المراد بقوله : ﴿ ماله ﴾ ما ورثه من أبيه، ﴿ وما كسب ﴾ الذي كسبه بنفسه.
قال مجاهد :وما كسب من ولد، وولد الرجل من كسبه، ويجوز أن تكون ( ما ) في قوله : ﴿ ما أغنى ﴾ استفهامية، أي أيّ شيء أغنى عنه ؟ وكذا في قوله ﴿ وما كسب ﴾ أي وأيّ شيء كسب ؟ أو مصدرية، أي وكسبه.
والظاهر أن ( ما ) الأولى نافية، والثانية موصولة.
عن عائشة قالت :" إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ابنه من كسبه، ثم قرأت ﴿ ما أغنى عنه ماله وما كسب ﴾ قالت :" وما كسب ولده " أخرجه ابن أبي حاتم، وعن ابن عباس قال :كسبه ولده، أي عتيبة -بالتصغير- وأما عتبة فقد أسلم، وفسر الكسب بالولد ليغاير ما قبله، فيسلم من التكرار.
ومات أبو لهب بالعدسة بعد وقعة بدر لسبع ليال، قال الشهاب :العدسة قرحة تعتري الإنسان، كانت العرب تهرب منها ؛ لأنها بزعمهم تعدي أشد العدوى.
ثم أوعده الله سبحانه بالنار فقال : ﴿ سيصلى نارا ﴾. قرأ الجمهور بفتح اللام وإسكان الصاد وتخفيف اللام، أي سيصلى هو بنفسه النار ويحترق بها، وصلى من باب تعب، وقرئ بضم الياء وفتح الصاد وتشديد اللام، والمعنى سيصليه الله.
ومعنى ﴿ ذات لهب ﴾ ذات اشتعال وتوقد، وهي نار جهنم.
﴿ وامرأته حمالة الحطب ﴾ معطوف على الضمير في يصلى، وجاز ذلك للفصل، أي وتصلى امرأته نارا ذات لهب، وهي أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، وكانت عوراء تحمل العضى والشوك والسعدان فتطرحها بالليل على طريق النبي صلى الله عليه وسلم، كذا قال ابن زيد والضحاك والربيع بن أنس ومرة الهمداني.
وقال مجاهد وقتادة والسدي :إنها كانت تمشي بالنميمة بين الناس، والعرب تقول :فلان يحطب على فلان إذا نم به. وقال سعيد بن جبير :معنى حمالة الحطب أنها حمالة الخطايا والذنوب، من قولهم :فلان يحتطب على ظهره، كما في قوله ﴿ وهم يحملون أوزارهم على ظهورهم ﴾. وقيل :المعنى حمالة الحطب في النار.
قرأ الجمهور ﴿ حمالة ﴾ بالرفع على الخبرية على أنها جملة مسوقة للإخبار بأن امرأة أبي لهب حمالة الحطب، وأما على ما قدمنا من عطف ﴿ وامرأته ﴾ على الضمير في ( يصلى ) فيكون رفع ﴿ حمالة ﴾ على النعت لامرأته، والإضافة حقيقية ؛ لأنها بمعنى المضي، أو على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هي حمالة.
وقرأ عاصم بالنصب على الذم، أو على أنه حال من امرأته، وقرئ ( حاملة الحطب ). وعن ابن عباس في الآية قال :كانت تحمل الشوك فتطرحه على طريق النبي صلى الله عليه وآله وسلم، لتعقره وأصحابه، وقال :( حمالة الحطب ) :نقالة الحديث.
﴿ في جيدها حبل من مسد ﴾ الجيد العنق، والمسد الليف الذي تفتل منه الحبال. قال أبو عبيدة :المسد هو الحبل من صوف، وقال الحسن :هي حبال تكون من شجر ينبت باليمن، يسمى بالمسد، وقد تكون الحبال من جلود الإبل أو من أوبارها، والمسد أيضا ليف المقل، أو مطلق الليف، والمقل شجر الدوم كما في المصباح والمختار.
وفي القاموس ﴿ المسد ﴾ بسكون السين مصدر بمعنى الفتل، وبفتحها المحور من الحديد، أو حبل من ليف، أو كل حبل محكم الفتل، والجمع مساد وأمساد.
قال الضحاك وغيره :هذا في الدنيا، كانت تعير النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالفقر، وهي تحتطب في حبل تجعله في عنقها، فخنقها الله به فأهلكها، وهو في الآخرة حبل من نار.
وقال مجاهد وعروة بن الزبير :هو سلسلة من نار يدخل في فيها ويخرج من أسفلها، وقال قتادة :هو قلادة من ودع كانت لها. قال الحسن :إنما كان خرزا في عنقها، وقال سعيد بن المسيب :كانت لها قلادة فاخرة من جوهر، فقالت :واللات والعزى لأنفقتها في عداوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فيكون ذلك عذابا في جسدها يوم القيامة.
والمسد الفتل، يقال :مسد حبله يمسده مسدا أجاد فتله، قال ابن عباس :هي حبال تكون بمكة، ويقال :المسد العصا التي تكون في البكرة.
وأخرج ابن أبي حاتم وأبو زرعة عن أسماء بنت أبي بكر قالت :" لما نزلت تبت يدا أبي لهب وتب " أقبلت العوراء أم جميل بنت حرب ولها ولولة، وفي يدها فهر، وهي تقول :
مذمما أبينا *** ودينه قلينا *** وأمره عصينا
ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس في المسجد، ومعه أبو بكر، فلما رآها أبو بكر قال :يا رسول الله، قد أقبلت وأنا أخاف أن تراك، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" إنها لن تراني ".
قال تعالى : ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ﴾، فأقبلت حتى وقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالت :يا أبا بكر، إني أخبرت أن صاحبك هجاني، قال :لا ورب الكعبة ما هجاك. فولت وهي تقول :قد علمت قريش أني ابنة سيدها، وأخرجه البزار بمعناه وقال :لا نعلمه يروى بأحسن من هذا الإسناد.
السورة التالية
Icon