0:00
0:00

بسم الله الرحمن الرحيم

تفسير سورة الفرقان
وهي مكية، قال الضحاك :هي مدنية.

قوله سبحانه وتعالى :( تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ) وقرأ عبد الله بن الزبير :" على عباده " على الجمع. قوله :( تبارك ) تفاعل من البركة، وقيل :تبارك أي :جل بما لم يزل ولا يزال، وقال الحسن :تبارك صفة من صفات الله تعالى ؛ لأن كل بركة تجئ منه، وقال غيره :لأنه يتبرك باسمه، وأما البركة فهي الخير والزيادة، وقيل :فعل كل طاعة من العباد بركة، والبروك هو الثبوت، ويقال :فلان مبارك أي :ينزل الخير حيث ينزل.
وقوله :( الذي نزل الفرقان ) أي :القرآن، وسمى القرآن فرقانا لمعنيين :أحدهما :لأنه يفرق بين الحق والباطل، والأخر :أن فيه بيان الحلال والحرام.
وقوله تعالى :( على عبده ) أي :محمد صلى الله عليه وسلم.
وقوله :( ليكون للعالمين نذيرا ) أي :الجن والأنس، قال أهل العلم :ولم يبعث نبي إلى جميع العالمين غير نوح ومحمد عليهما الصلاة والسلام.
قوله تعالى :( الذى له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ) يعنى :كما قاله النصارى.
وقوله :( ولم يكن له شريك في الملك ) أي :كما قاله عبدة الأصنام وغيرهم.
وقوله :( وخلق كل شيء ) أي :مما يصلح أن يكون مخلوقا.
قوله :( فقدره تقديرا ) أي :سواه تسوية على ما يصلح للأمر الذي أريد له، ويقال :بيّن مقادير الأشياء ومنافعها، ومقدار لبثها ووقت فنائها.
قوله تعالى :( واتخذوا من دون الله آلهة ) يعنى :الأصنام.
وقوله :( لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ) ظاهر المعنى.
وقوله :( ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ) أي :دفع ضر وجلب نفع، وهذا يقع في الأصنام التي عبدها المشركون.
وقوله :( ولا يملكون موتا ولا حياة ) أي :إماتة ( ولا إحياء )( ١ ).
وقوله :( ولا نشورا ) أي :بعثا بعد الموت.
١ - في "ك" : أو إحياء..
قوله تعالى :( وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه ) أي :كذب اختلقه.
وقوله :( وأعانه عليه قوم آخرون ) يعنى :جبر، ويسار، وعّداس، و( أبو ) ( ١ ) فكيهة، وهؤلاء عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب، وكانوا يجلسون إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسمعون منه، فزعم المشركون أن محمدا صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم. وقوله :( فقد جاءوا ظلما وزورا ) أي :بظلم وزورٍ، فلما حذف الباء انتصب.
١ - سقط من "الأصل، وك"، والصواب إثباته، وقد سبق التنبيه عليه..
قوله تعالى :( وقالوا أساطير الأولين ) قال ابن عباس :كان النضر بن الحارث من شياطين أهل الشرك، وكان قد قدم الحيرة، وقرأ أخبار ملوك الفرس، ( وكان يقول للمشركين :( إن الدين يقول ) ( ١ ) محمد أساطير الأولين، وأنا أحدثكم بمثله، يعنى من أحاديث الفرس ) ( ٢ ) وحديث رستم واسفنديار، فالآية نزلت فيه وفيمن قال بقوله، مثل :عبد الله بن أبى أميه المخزومى وغيره.
وقوله :( اكتتبها ) أي :طلب أن تكتب له ؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان لا يكتب.
وقوله :( فهي تملى عليه ) أي :تقرأ عليه، إذ كان لا يكتب حتى تملى عليه ليكتب.
وقوله :( بكرة وأصيلا ) أي :غدوة وعشيا.
١ - كذا، ولعلها: إن الذي بقوله....
٢ - ساقط من "ك"..
( قل أنزله الذي يعلم السر ) أي :الغيب في السموات والأرض ( إنه كان غفورا رحيما ) أي :متجاوزا محسناً.
قوله تعالى :( وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق ) قالوا هذا على طريق الإنكار، وزعموا أنه إذا كان مثلهم يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، فلا يجوز أن يمتاز عنهم بالنبوة، وكانوا يقولون :أنت لست بملَك ولا ملِك ؛ فلست بملَك لأنك تأكل الطعام، ولست بملِك لأنك تتسوق وتتبذل، والملوك لا يتسوقون ولا يتبذلون، وهذا الذي قالوه كله فاسد ؛ وذلك لأن أكله الطعام لا ينافى النبوة، ولا مشيه في الأسواق، فإن أكله الطعام يدل على أنه آدمي محتاج، ومشيه في الأسواق يدل على أنه متواضع غير متكبر، وأما اختصاصه بفضلة النبوة من بين الناس فجائز ؛ لأن الله تعالى لم يسو بين الناس، بل فاضل بينهم.
وقوله :لولا أنزل إليه ملك ) قالوا هذا لأنهم زعموا أن الرسول إن لم يكن مَلَكاً، فينبغي أن يكون له شريك من الملائكة، هذا أيضا فاسد ؛ لأنه مجرد تحكم، ويجوز أن يتفرد الآدمي بالنبوة ولا يكون معه ملك، ولأن يكون النبي آدميا أولى من أن يكون ملكا ؛ ليفهموا عنه، ويستأنسوا به.
وقوله :( فيكون معه نذيرا ) أي :شريكا.
وقوله :( أو يلقى إليه كنز ) يعنى :ينزل عليه كنز من السماء، أو يظهر له كنز في الأرض.
وقوله :( أو تكون له جنة يأكل منها ) قالوا :هلا جعل الله لك بستانا تعيش به، أو كنزا يدفعه إليك، :فتستغني به عن التعيش والتكسب والتبذل في الأمور، وهذا أيضا فاسد ؛ لأن كسبه وتعيشه لم يكن منافيا نبوته.
وقوله :( وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا ) أي :مخدوعا، وقيل مصروفا عن الحق، وقيل :معللا بالطعام والشراب.
قوله تعالى :( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) أي :شبهوا لك الأشباه، والأشباه التي ذكروها، قولهم :إنه مخدوع، وقولهم :إنه محتاج متروك في الدنيا، وقولهم :إنه ناقص في التدبير والقيام بأمره.
وقوله :( فضلوا ) أي :أخطئوا [ و ] يقال :تناقضوا، فإنهم كانوا يقولون مرة :هو مفترٍ أي :قاله من قبل نفسه، ومرة يقولون :إنه تعلمه من غيره.
وقوله :( فلا يستطيعون سبيلا ) أي :طريق الحق، وقيل :طاعة الله.
وقوله تعالى :( تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك ) أي :خيرا مما طلبوه لك.
وقوله :( جنات تجرى من تحتها الأنهار ) أي :بساتين تجرى من تحت أشجارها الأنهار.
وقوله :( ويجعل لك قصورا ) أي :بيوتا مشيدة، والعرب تسمى كل بيت مشيد قصرا، وروى حبيب بن أبى ثابت عن خيثمة «أن الله تعالى عرض مفاتيح خزائن الأرض على محمد صلى الله عليه وسلم فلم يخترها »( ١ )، وفى بعض الأخبار : «عرض علي بطحاء مكة ذهبا فاخترت أن أكون عبدا نبيا »( ٢ ).
١ - عزاه السيوطي في الدر (٥/٦٩) للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن خيثمة بطوله..
٢ - رواه أبو يعلى (٨/٣١٨ رقم ٤٩٢٠)، والبغوي في شرح السنة (١٣/٢٤٧ رقم٣٦٨٣) من حديث عائشة بنحوه مطولا. وقال الهيثمي في المجمع (٩/٢٢): رواه أبو يعلى، وإسناده حسن. وروى من حديث أبي تمامة مرفوعا: «عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا... الحديث بطوله». رواه الترمذي (٤/٤٩٧ رقم ٢٣٤٧) وحسنه، وأحمد (٥/٢٥٤)، والطبراني (٨/٢٠٦-٢٠٧ رقم ٧٨٣٤)، وأبو نعيم في الحلية (٨/١٣٣). وفي الباب عن زيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وانظر الحلية (٧/٢٦٢)، والمجمع(٢٢-٢٤)..
قوله تعالى :( بل كذبوا بالساعة ) أي :بالقيامة.
وقوله :( وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ) أي :نارا مستعرة، والمستعرة المتوقدة.
قوله تعالى :( إذا رأتهم من مكان بعيد ) ( ١ ) الآية. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :«من تقول على ما لم أقل فإنه يوم القيامة بين عيني جهنم، فقيل له :ولجهنم عينان ؟ قال :نعم، وقرأ قوله تعالى :( إذا رأتهم من مكان بعيد ). وقال بعضهم :إذا رأتهم أي :رأت زبانيتها إياهم.
وقوله :( سمعوا لها تغيظا ) فإن قيل :كيف يسمع التغيظ، إنما يعلم التغيظ ؟ والجواب عنه :قلنا معناه :سمعوا غليان التغيظ، ( وقبله )( ٢ ) :سمعوا لها زفيرا أي( ٣ ) :علموا لها تغيظا، قال الشاعر :
رأيت زوجك في الوغى *** متقلدا سيفا ورمحا
أي :متقلدا سيفا وحاملا رمحا، وقال آخر :
علفتها تبناً وماءً باردا
أي :علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا. وقد ذكرنا معنى الزفير، وعن عبيد بن عمير أنه قال :تزفر جهنم يوم القيامة زفرة، فلا يبقى ملك ولا نبي مرسل إلا خر بوجهه، حتى إن إبراهيم يجثو على ركبتيه، ويقول :نفسي نفسي، ولا أريد غيرها.
وقوله :( من مكان بعيد ) قيل في بعض التفاسير :من مسيرة مائة سنة.
١ - روى من حديث أبي تمامة مرفوعا بنحوه، رواه الطبراني في الكبير (٨/١٣١-١٣٢ رقم ٧٥٩٩)، ومن طريقه ابن الجوزي في الموضوعات (١/٩٥)، وقال: لا يصح، وعزاه الشيخ ناصر في السلسلة الضعيفة (رقم ٩٩٤) لأبي نعيم في المستخرج على صحيح مسلم (١/٩/١)، وقال أبو نعيم: هذا حديث لا أصل له فيما أعلم، والحمل فيه على محمد بن الفضل بن عطية لاتفاق أكثر الناس على إسقاط حديثه. ورواه الطبري في تفسيره (١٨/١٤٠)، والخطيب في الكفاية(٣٠٢-٣٠٣) وابن أبي حاتم – تفسير ابن كثير (٣/٣١٠) – عن خالد بن دريك عن رجل من الصحابة بنحوه مرفوعا. وعزاه السيوطي في الدر لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (الدر ٥/٧٠)، وقال الشيخ ناصر حفظه الله تعالى: موضوع..
٢ - في "ك": وقيل..
٣ - من "ك"..
قوله تعالى :( وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين ) يقال :تضيق الزُّج في الرمح.
وقوله :( مقرنين ) أي :مصفدين، وقيل :مغللين، كأنه غلل أيديهم إلى أعناقهم، وقرنوا مع الشياطين، وقد بينا أن كل كافر يقرن مع شيطان في سلسلة.
وقوله :( دعوا هنالك ثبورا ) أي :هلاكا، وهو قولهم :وأهلاكاه، وفي بعض الأخبار :أن أول من يكسى حلة من نار إبليس، فيسحبها إلى جهنم، ويتبعه ذريته.
وقوله :( لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ) أي :ليس هذا موضع دعاء واحد بالهلاك، بل هو موضع أدعية كثيرة، قال الشاعر :
إذ أجارى الشيطان في سنن الغ ى ومن مال ميله مثبور
أي :هالك.
قوله :( قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ) فإن قيل :ليس في :جهنم خير، أصلا، فكيف يستقيم قوله :( أذلك خير أم جنة الخلد ) ؟ والجواب عنه :قلنا :العرب قد تذكر مثل هذا، وإن لم يكن في أحدهما خير أصلا، يقال :الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، وقال الأزهري :إنما ذكر لفظ " الخير " هاهنا لاستواء المكانين في المنزل، على معنى أنهما منزلان ينزل فيهما الخلق، فاستقام أن يقال :هذا المنزل خير من ذلك المنزل لوجود الاستواء في صفة.
وقوله :( كانت لهم جزاء ومصيرا ) أي :مجازاة ومرجعا.
قوله تعالى :( لهم فيها ما يشاءون خالدين ) أي :مقيمين.
وقوله :( كان على ربك وعدا مسئولا ) أي :مطلوبا، وهو طلب المؤمنين في قوله :( ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ) ( ١ ) أي :على ألسنة رسلك، ويقال :الطلب من الملائكة للمؤمنين، وذلك في قوله تعالى :( ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ) ( ٢ ) الآية.
١ - آل عمران: ١٩٤..
٢ - غافر: ٨..
وقوله تعالى :( ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله ) أي :الملائكة، وقيل :عيسى وعزيزا عليهما السلام.
وقوله :( فيقول ) أي :يقول الله :( أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ) أي :هم أخطأوا الطريق.
قوله تعالى :( قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ) أي :ما كان لنا أن نأمرهم بعبادتنا ونحن نعبدك، ويقال :من اتخذ عدو غيره وليا فقد اتخذ من دونه وليا.
وقوله :( ولكن متعتهم وآباءهم ) أي :بكثرة الأموال والأولاد، ويقال :بطول العمر، ويقال :بنيل المراد.
وقوله :( حتى نسوا الذكر ) أي :نسوا ذكرك وغفلوا عنك، ويقال :تركوا الحق الذي أنزلت.
وقوله :( وكانوا قوما بورا ) أي :هلكى، يقال :رجل بائر أي :هالك، وسلعة بائرة أي :كاسدة، وفي الخبر : «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من بوار[ الأيِّم ] » ( ١ ). ( ٢ )
قال الشاعر وهو ابن الزبعرى :
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فَتَقْتُ إذ أنا بُورُ
أي :هالك
١ - في "الأصل وك": الإثم، وهو سبق قلم، والحديث أخرجه الطبراني في الثلاثة كما سيأتي، وانظر النهاية في غريب الحديث (١/١٦١)..
٢ - رواه الطبراني في الكبير (١١/٣٢٣ رقم ١١٨٨٢)، وفي الأوسط (٨/٥٩ رقم ٤٧٠٦ مجمع البحرين)، والصغير (٢/٢١٦ رقم ١٠٥٢) عن ابن عباس بنحوه مرفوعا. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٤٦): فيه عباد بن زكريا الرصريمي، ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح..
قوله تعالى :( فقد كذبوكم بما تقولون ) هذا خطاب مع المشركين، فإنهم كانوا يزعمون أن الملائكة وعيسى وعزيزا دعوهم إلى عبادتهم.
وقوله :( فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ) أي :صرف العذاب عن أنفسهم، وقيل :صرفك عن الحق.
وقوله :( ولا نصرا ) أي :لا يستطعيون منع العذاب عن أنفسهم.
وقوله :( ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ) أي :عظيما.
قوله تعالى :( وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ). في الآية جواب عن قولهم :ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق ؟ وهذا في معنى قوله تعالى :( قل ما كنت بدعا من الرسل ) ( ١ ) إن أنا [ إلا ] رسول مثل سائر الرسل، فإذا جاز أن يكون سائر الرسل آدميين، فيجوز أن أكون آدميا رسولا.
وقوله :( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ). فيه قولان :أحدهما :أن معنى ( فتنة ) للفقير، فيقول الفقير :مالي لم أكن غنيا مثله ؟ والصحيح فتنة للمريض، فيقول :مالي لم أكن صحيحا ؟ ومثل الشريف فتنة للوضيع، فيقول :مالي لم أكن شريفا مثله ؟.
والقول الثاني :أن الآية نزلت في رءوس المشركين مع فقراء المؤمنين، وفقراء المؤمنين مثل :عمار، وابن مسعود، وبلال، و صهيب، و خباب، وسلمان وغيرهم، وكان المشرك إذا أراد أن يسلم، فكر في نفسه، فيقول :هذا دين سبقني إليه هؤلاء الأرذال، فلا أكون تبعا لهم، فيمتنع من الإسلام.
وقوله :( أتصبرون ) أي :فاصبروا.
وفي الخبر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا »( ٢ )، وهو خبر طويل. ويقال إن معنى الآية :أتصبرون أو لا تصبرون ؟ وعن بعضهم أنه رأى بعض الأغنياء وقد مر عليه في موكبه، فوقف وقرأ قوله تعالى :( وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون ) ثم قال :بلى نصبر ربنا، بلى نصبر ربنا، بلى نصبر ربنا، ثلاث مرات. وأورد بعضهم هذه الحكاية للمزني مع الربيع بن سليمان المرادي، وعن داود الطائي أنه مر عليه حميد الطوسي في موكبه، وداود في أطمار له، فقال لنفسه( ٣ ) :أتطلبين دنيا سبقك بها حميد ؟. وروى أن رجلا مر على الحسن البصري، وهو في هيئة حسنة، وسيادة عظيمة من الدنيا، فسأل من هذا ؟ فقيل :هذا صراط الحجاج، فقال :هذا الذي أخذ الدنيا بحقها.
وقوله :( وكان ربك بصيرا ) أي :بصيرا بأعمالكم.
١ - الأحقاف: ٩..
٢ - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/٣٠٧-٣٠٨)، والحاكم في مستدركه (٣/٥٤١)، وأبو نعيم في الحلية (١/٣١٤)، والبيهقي في الأسماء والصفات (ص ٩٧) من حديث ابن عباس مرفوعا بطوله. وقد أعل الذهبي إسناد الحاكم فقال: القداح قال أبو حاتم: متروك، وابن خراش مختلف فيه، وعبد الملك بن عمير لم يسمع من ابن عباس فيما أرى. روى من حديث سهل ابن سعد، رواه ابن أبي الدنيا في الفرج بعد الشدة (٢٧/٣٠ رقم ٧)..
٣ - في "ك": في نفسه..
قوله تعالى :( وقال الذين لا يرجون لقاءنا ) أي :لا يخافون لقاءنا، قال الفراء :والرجاء بمعنى الخوف لغة تهامية، ومنه قوله تعالى :( مالكم لا ترجون لله وقارا ) أي( ١ ) :لاتخافون لله عظمة. قال الشاعر :
لا ترتجي حين تلاقى الذائدا أسبعة لاقت معا أم واحد
أي :لا تخاف.
وقوله :( لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ) " معناه :هلا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا " ( ٢ ).
وقوله :( لقد استكبروا في أنفسهم ) أي :تعظموا في أنفسهم، واستكبارهم هو أنهم امتنعوا عن الإيمان، وطلبوا آية لم تطلبها أمة قبلهم.
وقوله :( وعتوا عتوا كبيرا ). أي :علو علوا عظيما، والعتو هو المجاوزة في الظلم إلى أبلغ حده، وعتوهم هاهنا طلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا.
١ - نوح: ١٣..
٢ - ساقط من "ك"..
وقوله تعالى :( يوم يرون الملائكة ) ويوم رؤية الملائكة هو يوم القيامة. ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌
وقوله :( لا بشرى يومئذ للمجرمين ) إنما قال هذا ؛ لأن الملائكة يبشرون المؤمنين يوم القيامة، فيطلب ظنا منهم أنهم كانوا على الحق، فيقولون :لا بشرى لكم هكذا قال عطية، وقال بعضهم :معنى الآية :أنه لا بشرى للمجرمين حين توجد البشرى للمؤمنين.
وقوله :( ويقولون حجرا محجورا ) أي :حراما محرما، قال ابن عباس :حرام محرم الجنة على من لم يقل لا إله إلا الله، قال الشاعر :
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا إلى تلك الدهاريس
ويقال معنى الآية :يحرم دخول الجنة على الكافر حين يطلق دخولها للمؤمنين.
قوله تعالى :( وقدمنا إلى ما عملوا من عمل ). أي :عمدنا إلى ما عملوا من عمل.
وقوله :( فجعلناه هباء منثورا ) قال على - رضى الله عنه - :الهباء المنثور هو ما يرى في الكوة إذا وقع شعاع الشمس فيها. وقال غيره :الهباء المنثور هو ما يسطع من سنابك الخيل عند شدة السير.
وعن يعلى بن عبيد قال :هو الرماد، وفرق بعضهم بين الهباء المنثور وبين الهباء المنبث، فقال :الهباء المنثور ما يرى في الكوة، والهباء المنبث ما يطيره الرياح من سنابك الخيل.
قوله تعالى :( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) فإن قيل :كيف يكون في الجنة مقيل، وفي النار مقيل، وليسا بموضع النوم ؟ والجواب عنه :قال الأزهري :المقيل موضع الاستراحة نام أو لم ينم، وفي المأثور عن عبد الله بن مسعود أنه قال :لا ينتصف يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار. فذكر القيلولة لأن نصف النهار وقت القيلولة، ومعناه :النزول هاهنا، وهو أنه ينزل كلا الفريقين في منازلهم، وقد روى أن الله تعالى يقصر اليوم على المؤمنين حتى يرده كأنه من صلاة إلى صلاة.
قوله تعالى :( ويوم تشقق السماء بالغمام ) قال قتادة :على الغمام، يقال :جاء فلان بدابته أي :على دابته. والأكثرون على أن السماء تنشق على غمام أبيض ينزل فيه الملائكة، وروى أن السماء الدنيا تنشق، فينزل من الخلق عنها أكثر من عدد الجن والإنس، ثم تنشق السماء الثانية، فينزل من الخلق عنها أكثر من خلق سماء الدنيا ومن الجن والإنس، وهكذا في السماء الثالثة، والرابعة إلى السابعة، ثم ينزل الكَروبيون( ١ )، ثم ينزل حملة العرش، وقد بينا من قبل قوله :( فهل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظُلَل من الغَمَام والملائكةُ ) ( ٢ ).
وقوله :( ونزل الملائكة تنزيلا ) أي :وأنزل الملائكة تنزيلا.
١ - الكَروبيون: سادة الملائكة، منهم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل، وهم المقربون، والكرب القرب..
٢ - البقرة: ٢١٠..
قوله تعالى :( الملك يومئذ الحق للرحمن ) معناه :الملك الحق يومئذ للرحمن.
( وكان يوما على الكافرين عسيرا ) أى :شديدا، ومن شدته أن الله يطول عليهم ذلك اليوم كما يقصره على المؤمنين على ما بينا.
وفي بعض الأخبار :أن جهنم تفور يوم القيامة، فيتبدد الناس ويتفرقون، فكلما وصلوا إلى قطر من الأقطار، وجدوا سبعة من صفوف الملائكة أدخلوا أجنحتهم بعضهم في بعض، ثم قرأ :( وكان يوما على الكافرين عسيرا ).
وقوله :( ويوم يعض الظالم على يديه ). الظالم هاهنا هو عقبة بن أبي معيط كان قد هم بإجماع أهل التفسير، وسبب نزول الآية :( أن عقبة بن أبى معيط كان قد هم بالإسلام، وروي أنه اتخذ دعوة ودعا النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله، فشهد عقبة، وكان عقبة صديقا لأمية بن خلف، فقال له أمية :أصبوت يا عقبة ؟ وجهي من وجهك حرام إن لم ترجع، فقال :إنما قلت ما قلت ليأكل من طعامي، وأنا على ديني الأول. وروى أنه قال :لا أكلمك أبدا حتى تجيء فَتَتْفُلَ في وجه محمد، فجاء ففعل( ١ )، وروى أن التفلة رجعت إلى وجهه - لعنة -الله ؟ ( وفي رواية قال صلى الله عليه وسلم : «لو كنت خارج الحرم لضربت عنقك » فضحك الكافر، وأسر يوم بدر ) ( ٢ ) أورد النقاش ذلك، ففيه نزلت هذه الآية( ٣ ).
وقوله :( يعض الظالم على يديه ) أي :يأكل يديه ندما، وفي بعض التفاسير :أنه يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه، ثم تنبت ثم يأكل، ثم تنبت هكذا.
فقوله :( يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ) أي :أخذت طريقه.
١ - في "ك":فتفل..
٢ - ليست في: "ك"، وهو على صورة لحق بالأصل..
٣ - رواه ابن مردويه، وأبو نعيم في الدلائل – وقال السيوطي: بسند صحيح – من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس بنحوه مطولا. ورواه أبو نعيم من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس بنحوه أيضا، وانظر الدر (٥/٧٤-٧٥)..
وقوله :( يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ). أي :أمية بن خلف، وقيل :الشيطان، والأول هو المعروف.
قول تعالى :( لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ) أي :عن الهدى بعد إذ جاءني، وقيل :عن القرآن.
وقوله :( وكان الشيطان للإنسان خذولا ) أي :تاركا، ومن المعروف في المغازي أن عقبة بن أبي معيط أسر يوم بدر، فقتله النبي صبرا، فقال : «أأقتل من بين هؤلاء يا محمد ؟ قال :نعم، قال :من للصبية ؟ قال :النار »( ١ ). واختلفوا في قاتله، فقال بعضهم :تولى قتله علي - رضي الله عنه - وقال بعضهم :عاصم بن أبي الأفلح حمى الدبر، ولم يقتل من الأسراء يوم بدر غير عقبة والنضر بن الحارث.
١ - هو قطعة من الحديث السابق، وانظر السيرة لابن هشام (٢/٢٠٣-٢٠٤)..
قول تعالى :( وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ) أي :متروكا، ويقال :جعلوه بمنزلة الهجر أي :الهذيان.
قوله تعالى :( وكذلك جعلنا ) هذه الآية أنزلت تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم وتسمية له.
وقوله :( لكل نبي عدوا من المجرمين ) أي :أعداء من المجرمين، وعن ابن عباس في رواية :أنه أبو جهل خاصة، وهو أبو الحكم عمرو بن هشام بن المغيرة عليه لعنة الله.
وقوله :( وكفى بربك هاديا ونصيرا ) ظاهر المعنى.
قوله تعالى :( وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ) أي :كما أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى.
وقوله :( كذلك لنثبت به فؤادك ) أي :أنزلناه مفرقا كالذي أنزلنا لنثبت به فؤادك أي :لنقوي به فؤادك( ١ )، وقيل :لتزداد بصيرة في فؤادك، كأنه كلما نزل جبريل بالوحي ازداد هو بصيرة وقوة، وقد أنزل الله تعالى القرآن في ثلاث وعشرين سنة، فحين أكمل الله تعالى ما أراد إنزاله عليه من الوحي أدركته الوفاة.
وقوله :( ورتلناه ترتيلا ). أي :فصلناه تفصيلا، وقيل :بيناه تبيينا.
والقرآءة على الترتيل سنة، ويكره أن يقرأ كحدو الشعر ونثر الدقل.
١ - في "ك": أي لنقوي قلبك..
وقوله تعالى :( ولا يأتونك بمثل ) أي :بمعنى يدفعون ما أنت عليه بعثناك به، إلا جئناك بالحق أي :جئناك بما يدفعه ويبطله، فسمى ما يوردون من الشبه مثلا، وسمي ما يدفع الشبه حقا أعطاه إياه.
وقوله :( وأحسن تفسيرا ) التفسير تفعيل من الفسْر، والفسر :كشف ما قد غطي.
قوله تعالى :( الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ) في الأخبار :أن الناس يحشرون ثلاثة أصناف :صنف ركبانا، وصنف مشاة، وصنف على وجوههم " ( ١ ).
وقد ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم برواية شيبان، عن قتادة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له :كيف يحشر الناس على وجوههم ؟ فقال : «إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادرا على أن يمشيهم على وجوههم »( ٢ ).
قال رضي الله عنه :أخبرنا بهذا المكي بن عبد الرزاق، أخبرنا جدي، أخبرنا الفربرى، أخبرنا البخاري، أخبرنا عبد الله بن محمد المسندي، عن يونس بن محمد، عن شيبان. . . الخبر.
وقوله :( أولئك شر مكانا ) أي :شر مكانة ومنزلة.
وقوله :( وأضل سبيلا ) أي :أخطأ طريقا.
١ - رواه الترمذي (٥/٢٨٥-٢٨٦ رقم ٣١٤٣) وحسنه، والنسائي في الكبرى (٦/٤٣٩ رقم ١١٤٣١) والإمام أحمد في مسنده (٥/٣، ٥)، والطبري (٢٤/٦٨-٦٩)، والحاكم (٢/٤٤٠، ٤/٥٦/٥٦٥) وصححه عن بهز بن حكيم.
وفي الباب عن أبي هريرة – رواه الترمذي (٥/٢٨٥ رقم ٣١٤٢) وحسنه، وأحمد (٢/٣٥٤، ٣٦٣) وغيرهما – وأبي ذر، رواه النسائي (٤/١١٦-١١٧ رقم ٢٠٨٦)، وابن أبي شيبة (١٣/٢٤٧ رقم ١٦٢٤٣) وغيرهما..

٢ - متفق عليه من حديث قتادة عن أنس، رواه البخاري(٨/٣٥٠ رقم ٤٧٦٠ وطرفه ٦٥٢٣)، ومسلم ١٧/٢١٧ رقم ٢٨٠٦)..
قوله تعالى :( ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ) أي :ناصرا ومعينا.
قوله تعالى :( فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ) وهو القبط.
وقوله :( فدمرناهم تدميرا ) أي :أهلكناهم إهلاكا.
قوله تعالى :( وقوم نوح لما كذبوا الرسل ) أي :الرسول، جمع بمعنى الواحد، ويقال :من كذب رسولا واحدا فقد كذب جميع الرسل ؛ فلهذا قال :( كذبوا الرسل ).
وقوله :( أغرقناهم وجعلناهم للناس آية ). نزل الماء من السماء أربعين يوما، ونبع من الأرض أربعين يوما، حتى صارت الدنيا كلها بحرا.
وقوله :( وأعتدنا للظالمين عذابا أليما ) أي :مؤلما. قوله تعالى :( وعادا وثمود ) أي :وأهلكنا عادا وثمود.
وقوله :( وأصحاب الرس ). الأكثرون على أن الرس بئر، فروى أنه لما جاءهم نبيهم جعلوه في البئر، وألقوا عليه ما أهلكه.
وقال الكلبي :بعث الله إليهم نبيا فطبخوه وأكلوه.
وعن ابن عباس في بعض الروايات :أن أصحاب الرس هم قوم حبيب النجار، ألقوه في البئر حتى هلك، وهو بأنطاكية.
وقوله :( وقرونا بين ذلك كثيرا ) قد بينا معنى القرون من قبل، وروى عن الربيع ابن خثيم( ١ ) أنه مرض، فقيل له :ألا ندعو لك طبيبا ؟ فقال :أنظروني، ثم تفكر في نفسه. .
١ - في "الأصل": خثيمي بإثبات الياء آخر الحروف، والصواب حذفها..
ثم قال :قال الله تعالى :( وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا ) قد كان فيهم مرضى وأطباء، فما بقى المداوي ولا المداوي، ولا المريض ولا الطبيب، ولا أريد أن تدعوا لي طبيبا.
قوله تعالى :( وكلا ضربنا له الأمثال ) أي :الأشباه.
( وكلا تبرنا تتبيرا ) أي :دمرنا تدميرا، وقيل :أهلكنا إهلاكا.
قوله تعالى :( ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء ) يقال :هؤلاء قريات
لوط، ويقال :كان الحجر ينزل على قدر قامة الإنسان فيقع عليه، فيدمغه ويهلكه.
وقوله :( أفلم يكونوا يرونها ) ذكر هذا لأن مدائن لوط كانت على طريقهم عند ممرهم إلى الشام ورجوعهم منها.
وقوله :( بل كانوا لا يرجون نشورا ) أي :لا يخافون نشورا، ويقال :يرجون على حقيقته أي :لا يرجون المصير إلى الله تعالى.
( وإذا رأوك إن يتخذونك ) أي :ما يتخذونك ) ( إلا هزوا ).
وقوله :( أهذا الذي بعث الله رسولا ) قالوا هذا على طريق الاستهزاء.
قوله :( إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ) أي :قد قارب أن يضلنا عن آلهتنا.
قال الشاعر :
هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله
وقوله :( لولا أن صبرنا عليها ) أي :لو لم نصبر عليها لأضلنا عنها.
وقوله :( فسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ) أي :أخطأ سبيلا.
قوله تعالى :( أرأيت من اتخذ إلهه هواه ) قال أهل التفسير :كان من اتخاذهم أهواءهم آلهتهم أن الواحد منهم كان يعبد الحجر، فإذا رأى حجرا أحسن منه طرح الأول، وأخذ الثاني وعبده.
وقوله :( أفأنت تكون عليه وكيلا ). أي :حافظا، وقيل :كفيلا.
وفي بعض الآثار :ما من معبود في السماء والأرض أعظم من الهوى، وعن بعضهم قال :هو الطاغوت الأكبر.
قوله تعالى :( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ). أي :أتحسب.
وقوله :( إن هم إلا كالأنعام ). أي :ما هم إلا كالأنعام، جعلهم كالأنعام ؛ لأنهم لم يدركوا طريق الحق، ولم ينتفعوا بما ميزهم الله به عن البهائم من عقولهم وأسماعهم وأبصارهم.
وقوله :( بل هم أضل سبيلا ) أي :أخطأ طريقا، وجعل الكفار أضل من الأنعام ؛ لأن الأنعام تسجد وتسبح لله تعالى، والكفار لا يسجدون ولا يسبحون ؛ ولأن البهائم لم يعرفوا، ولم يكونوا أعطوا آله المعرفة. وأما الكفار لم يعرفوا وقد أعطوا آله المعرفة، فهم أضل ؛ ولأن البهائم لم تفسد ما لها من المعارف ؛ فإن الله تعالى أعطاها قدرا من المعارف وهم يستعملونها، وأما الكفار فقد أفسدوا ما لهم من المعارف، فهم أضل وأقل من البهائم.
قوله تعالى :( ألم تر إلى ربك ) منهم من قال :هذا على التقديم والتأخير، ومعناه :ألم تر إلى الظل كيف مده ربك ؟ وقيل :هو على ظاهره، ومعنى الرؤية هو العلم، قال الشاعر :
أريني جوادا مات هزلا لعلني أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا
واختلفوا في هذا الظل، فالأكثرون على أنه الظل من وقت طلوع الصبح إلى وقت طلوع الشمس، والقول الثاني :أنه من وقت غروب الشمس إلى وقت طلوعها. والظل هو ظل الأرض يقبل عند غروب الشمس، ويدبر عند طلوعها.
وقوله :( ولو شاء لجعله ساكنا ) أي :دائما.
وقوله :( ثم جعلناه الشمس عليه دليلا ) أي :ثم جعلنا الشمس دليلا على الظل، فإن الظل يعرف بالشمس، والنور يعرف بالظلمة، والليل بالنهار، وكذلك كل الأشياء تعرف بأضدادها.
وقيل :جعلنا الشمس عليه دليلا أي :تتلوه وتتبعه فتنسخه.
وقوله :( ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا )
القبض :جمع المنبسط من الشيء، ومعناه :أن الظل يعم الأرض مثل طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس قبض الظل بالشمس جزءا فجزءا، فيقال :وقت قبض الظل عند الاستواء، حتى لا يبقى ظل في العالم إلا على موضع لا تكون الشمس مستوية عليه.
وقوله :( يسيرا ) أي :هينا. وقال مجاهد :خفيا، وهو أصح القولين. .
قوله تعالى :( وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ) أي :يلبسكم بظلمة الليل عند غشيانه، فكأن الليل لباس الناس، ومنهم من قال :هو في معنى قوله تعالى :( هو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه ) ( ١ ) وموضع السكن كاللباس للإنسان.
وقوله :( والنوم سباتا ) أي :راحة، والسَّبْتُ :القطع، والنائم مَسبوت ؛ لأنه انقطع عمله مع بقاء الروح فيه.
وقوله :( وجعل النهار نشورا ) أي :زمانا ينشرون فيه.
١ - يونس: ٦٧..
قوله تعالى :( وهو الذي أرسل الرياح بشرا ) وقرئ :" نُشُراً " بضم النون والشين، وقرئ بالباء المضمومة، فقوله :" نَشرا " ( ١ ) بنصب النون أي :لإنشار النبات، وإنشار النبات إحياؤه، وأما " نُشُراً " بضم النون جمع " نشر " ( ٢ ) كالرسل جمع رسول، وأما ( بُشرا ) بالباء من البشارة، وقد ذكرنا الكلام في الرياح.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول إذا هبت الريح : «اللهم أجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا »( ٣ ).
قالوا :وإنما ذكر هكذا صلى الله عليه وسلم ؛ لأن البشارة في ثلاث من الرياح :الصَّبا، والشمال، والجنوب، وأما الدبور فليس فيها بشارة ؛ لأنها الريح العقيم. وعن مجاهد قال :إن الريح له جناحان وذنب. وعن ابن عباس أنه قال :الريح والماء جند الله الأعظم.
وقوله :( بين يدي رحمته ) أي :المطر.
وقوله :( وأنزلنا من السماء ماء طهورا ) قال ثعلب :الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره، فالماء طهور ؛ لأنه يطهر الناس من الأحداث، ويطهر الأرض من الجدوبة والقحط.
١ - في "ك": بضم..
٢ - هكذا بالأصل وك، والصواب أن نُشُراً جمع نَشُور مثل رسول ورُسُل، كما قال المصنف نفسه..
٣ - رواه الطبراني (١١/٢١٣-٢١٤ رقم ١١٥٣٣)، وابن عدي في الكامل (٢/٣٥٣)، وأبو يعلى (٤/٣٤١ رقم ٢٤٥٦) كلهم من طريق حنش عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعا. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٣٩): رواه الطبراني، وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك، وقد وثقه حصين بن نمير، وبقية رجاله رجال الصحيح. ورواه الشافعي في الأم (١/٢٥٣) فقال: أخبرني من لا أتهم عن العلاء بن راشد عن عكرمة به. وقال الحافظ ابن حجر: وهذا المبهم هو إبراهيم بن أبي يحيى، وهو ضعيف. (تخريج الكشاف ٣/٥٩ الهامش)..
وقوله تعالى :( لنحيي به بلدة ميتا ) أي :بلدا ميتا، وإحياؤه بإنبات النبات، وإخراج الأشجار والثمار.
( ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ) أي :نسقى بالماء أنعاما وأناسي كثيرا. والأناسي جمع إنسي وقيل :جمع إنسان، وكان أصله أناسين، مثل بستان وبساتين، ثم حذفت النون، وشددت الياء.
ومعنى الآية :أنا نسقى بالماء( ١ ) الحيوان وغير الحيوان، ننمي به كل ما يقبل النماء.
١ - في "ك": نسقي الماء الحيوان..
قوله تعالى :( ولقد صرفناه بينهم ) اكثر أهل التفسير على أنها الهاء راجعة إلى المطر، ومعنى التصريف( ١ ) أنه يسقى أرضا ويمنع أرضا.
قال ابن عباس :«ما عام( ٢ ) بأمطر من عام( ٣ )، ولكن الله يقسمه بين عباده على ما يشاء. ومثله عن ابن مسعود.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ما من ساعة تمضي إلا والسحاب يمطر فيها، إلا أن الله تعالى يصرفه عن قوم، ويعطيه قوما » والخبر غريب.
وقوله :( ليذكروا ) أي :ليتذكروا، ويقال :إن الهاء في قوله :( صرفناه ) تنصرف إلى الفرقان المذكور في أول السورة، وهو قول بعيد.
وقوله :( فأبى أكثر الناس إلا كفورا ) أي :كفرانا، وكفرانهم هو أنهم إذا أمطروا، يقولون :مطرنا بنوء كذا، وهو في معنى قوله تعالى في سورة الواقعة :( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) ( ٤ ). وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يوما، وقد مطروا في ليلته : «يقول الله تعالى :أصبح الناس فريقين، مؤمن بي وكافر بالكوكب، ومؤمن بالكوكب وكافر بي، فمن قال :مطرنا برحمة الله تعالى وفضله، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب، ومن قال :مطرنا بنوء كذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب »( ٥ ).
١ - في "ك": التصرف..
٢ - في "ك": عالم..
٣ - رواه العقيلي في الضعفاء (٣/٢٢٨)، والبيهقي (٣/٣٦٣)، وابن مردويه –كما في تخريج الكشاف (٢/٤٦٤)، وأبو نعيم – كما في الكنز (٣/٢١٦)- من حديث ابن مسعود بنحوه مرفوعا.
ورواه ابن جرير (١٩/١٥)، والعقيلي، والبيهقي عن ابن مسعود موقوفا، وقال العقيلي: والموقوف أولى، وقال البيهقي: الصحيح موقوف. وروى عن ابن عباس بنحوه موقوفا، رواه الطبري في تفسيره، والحاكم في مستدركه (٢/٤٠٣) وصححه، والبيهقي في سننه. ورواه الشافعي عن المطلب بن حنطب مرفوعاً بنحوه، كما في الأم (١/٢٥٤)، ومعرفة السنن (٣/١١١)..

٤ - الواقعة: ٨٢..
٥ - متفق عليه من حديث زيد بن خالد، رواه البخاري (٢/٣٨٨ رقم ٨٤٦ وأطرافه ١٠٣٨، ٤١٤٧، ٤٥٠٣)، ومسلم (٢/٧٩ – ٨٠ رقم ٧١)..
قوله تعالى :( ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ) ظاهر المعنى.
وقوله :( فلا تطع الكافرين ) أي :فيما يدعونك إليه.
وقوله :( وجاهدهم به جهادا كبيرا ) أي :بالحق، وقيل :بالقرآن.
وقوله :( كبيرا ) معناه :شديدا.
قوله تعالى :( وهو الذي مرج البحرين ) أي :خلط البحرين، وقيل :أرسل البحرين.
وأما البحران فيقال :إنه بحر فارس والروم، ويقال :بحر السماء والأرض، ويقال :البحران هو الملح والعذب.
وقوله :( هذا عذاب فرات ) العذب يسمى كل ماء عذب فراتا، ويسمى كل ماء ملح بحرا.
وقوله :( وهذا ملح أجاج ) أي :شديد الملوحة، وقيل :مر.
وقوله :( وجعل بينهما برزخا ) يقال :باليبس بين البحرين، وقيل :بالهواء بين بحر السماء وبحر الأرض، وقيل :بالقدرة بين الملح والعذب، فلا يختلط الملح بالعذب، ولا العذب بالملح، وهذا في موضع مخصوص بخليج مصر، والبرزخ هو الحاجز.
وقوله :( وحجرا محجورا ) أي :مانعا ممنوعا، قال الشاعر :
فرب ذي سرادق محجور *** سرت إليه من أعالي السور
قوله تعالى :( وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ).
النسب نسبة من قرابة، والصهر خلطة من غير النسب، وقد ذكرنا أن الله تعالى حرم سبعا بالنسب، وسبعا بالسبب، وعددناها في سورة النساء، ويقال :النسب ما يوجب الحرمة، والصهر مالا يوجب الحرمة.
وقوله :( وكان ربك قديرا ) أي :قادرا.
قوله تعالى :( ويعبدون من دون الله ما لا ينفهم ولا يضرهم ) قد ذكرنا.
وقوله :( وكان الكافر على ربه ظهيرا ) أي :عونا للشيطان على المعاصي، ويقال :ظهيرا أي :هينا كما يقول الرجل :جعلتني بظهر أي :جعلتني( ١ ) هينا. قال الشاعر :
تميم بن [ زيد ] ( ٢ ) لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا علىَّ جوابُها
١ - في "ك": حدثني..
٢ - في لسان العرب (٤/٥٢٢): قيس..
قوله تعالى :( وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ) أي :مبشرا ومنذرا.
وقوله :( قل ما أسألكم عليه من أجر ) أي :من جعل.
وقوله :( إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ) معناه :لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا سلك طريق الإيمان، وأخذ به.
قوله تعالى :( وتوكل على الحي الذي لا يموت ) الحي الذي لا يموت هو الله تعالى.
وقوله :( وسبح بحمده ) أي :صَلِّ بأمره.
وقوله :( وكفى به بذنوب عباده خبيرا ) أي :كفى بالله بذنوب عباده عالما، وهذا على طريق التهديد والوعيد.
قوله تعالى :( الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ) قد بينا.
وقوله ( ثم استوى على العرش الرحمن ) قد بينا.
وقوله :( فاسأل به خبيرا ) يقال معناه :فاسأل عنه خبيرا أي :عالما، وهو الله تعالى.
قال الشاعر :
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت سائلة بما لم تعلمي
أي :عما لم يعلم.
ويقال :فاسأل سؤالك إياه للخبير يعني :سلني ولا تسأل غيري، ويقال :إن الخطاب للرسول، والمراد منه الأمة، فإنه كان عالما بهذا، ومصدقا به.
وحقيقة المعنى :أنك أيها الإنسان لا ترجع في طلب العلم بهذا إلى غيري، قاله الزجاج.
وقوله تعالى :( وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما للرحمن ).
قال أهل التفسير :إنما قالوا هذا ؛ لأنهم كانوا لا يعرفون اسم الرحمن في كلامهم، فسألوا عن " الرحمن " لهذا.
وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دعاهم إلى " الرحمن "، ويقال :إن أبا جهل قال له :يا محمد، من يعلمك القرآن ؟ فأنزل الله تعالى :( الرحمن علم القرآن ) ( ١ ) قال أبو جهل وغيره :لا نعرف الرحمن إلا مسيلمة باليمامة، وكان يسمى :رحمان اليمامة.
وقوله :( أنسجد لما تأمرنا ) يعني :الرحمن الذي تأمرنا بالسجود له.
وقوله :( وزادهم نفورا ) أي :تباعدا.
١ - الرحمن: ١-٢..
قوله :( تبارك الذي جعل في السماء بروجا ) هي النجوم العظام، وقيل :هي البروج الاثنا عشر.
وقوله :( وجعل فيها سراجا ) أي :الشمس، وقرئ :" سُرُجاً " على الجمع، وعلى هذه القراءة قد دخل القمر في السرج، إلا أنه خصه بالذكر لنوع فضيلة له، وهذا مثل قوله تعالى :( فيها فاكهة ونخل ورمان ) ( ١ ).
وقوله :( منيرا ) أي :مضيئا.
١ - الرحمن: ٦٨..
قوله :( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) فيه قولان :أحدهما :مختلفين، هذا أسود وهذا أبيض. والثاني :خلفه أي :يخلف أحدهما صاحبه. ويقال :ما فات من الذكر بالليل، فالنهار يخلفه فيه، وما فات من الذكر بالنهار، فالليل يخلفه فيه. قال قتادة :وكذلك في الصلاة، والقول الثالث :خلفه أي :يزداد في هذا ما ينقص من الآخر، ويزداد في الآخر ما ينقص من هذا، وأنشد الشاعر في الخلفة :
بها العين والآرام يمشين خلفة واطلاؤها ينهضن من كل مجثم
فعلى هذا خلفة أي :كل واحد منهما خلف صاحبه.
وقوله :( لمن أراد أن يذكر ) أي :يتذكر.
( أو أراد شكورا ) أي :شكرا.
ومعناه :من أراد ذكرا أو شكرا، فالليل والنهار زمانا الذكر والشكر.
وقوله تعالى :( وعباد الرحمن ). فإن قال قائل :كل الناس عباد الرحمن، مؤمنهم وكافرهم ؟ قلنا :إن هذا كما يقول القائل :ابني فلان، ويخص بذلك الواحد من بينه، وكذلك يقول :صديقي فلان، ويخص بذلك الواحد من أصدقائه، ومعناه :أن من يكون ابني ينبغي أن يكون كفلان، ومن يكون صديقي ينبغي أن يكون كفلان.
وقوله :( الذين يمشون على الأرض هونا ). أي :بالسكينة والوقار. قال الحسن :علماء حكماء، لا يجهلون إذا جهل عليهم. وقال ثعلب :هونا رفقا.
وعن بعضهم :متواضعين لا يتكبرون.
وقوله :( وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ) قال الضحاك :إذا أوذوا صفحوا، وقال بعضهم :قالوا قولا يسلمون منه، وعن بعضهم :قالوا سلاما أي :متاركة لا خير ولا شر، وليس المراد من السلام هو السلام المعروف، وإنما معناه ما بينا.
والآية مكية، وكان المسلمون قد أمروا قبل الهجرة بالصفح والإعراض، وألا يقابلوا أذى المشركين بالمجازاة، ثم نسخ حين هاجروا بآية السيف.
قوله تعالى :( والذين يبيتون لربهم ) يقال :بات فلان سواء نام أو لم ينم.
قال الشاعر :
فبتنا قياماً عند رأس جوادنا يزاولنا عن نفسه ونزاوله
قوله :( سجدا وقياما ).
أي :سجدا على وجوههم، وقياما على أرجلهم.
وعن ابن عباس أنه قال :من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر من ذلك، فهو من الذين يبيتون لربهم سجدا وقياما.
قوله تعالى :( والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ) أي :اعدل عنا عذاب جهنم.
وقوله :( إن عذابها كان غراما ).
أي :ملحا دائما، وقال أبو عبيدة :هلاكا، ويقال :فلان مغرم بالنساء أي :لا صبر له عنهن، ومنه الغريم لأنه يلازم. وقيل غراما أي :شديدا، قال الأعشى :
إن يعاقب يكن غراماً وإن يع طِ جزيلا فإنه لا يبالي
وعن محمد بن كعب القرظي قال :طالب الله الكفار بثمن النعمة، فلما عجزوا غرمهم النعمة فبقوا في النار.
وعن الحسن قال :كل غريم يفارق غريمه غير جهنم، فإنها لا تفارق غرماءها أبدا.
قوله تعالى :( إنها ساءت مستقرا ومقاما ) أي :بئس موضع القرار، وموضع المقام جهنم، وقد بينا الفرق بين المقام والمقام.
قوله تعالى :( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ) قال أبو عبد الرحمن الحلي :كل إنفاق في غير طاعة الله فهو إسراف، وكل منع عن طاعة الله فهو إقتار.
وعن إبراهيم النخعي قال :لم يسرفوا أي :لم يجاوزوا الحد في الإنفاق، وذلك بالإكثار في النفقة على وجه التبذير.
وقوله :( ولم يقتروا ) أي :لم يقلوا في الإنفاق حتى يعروا أو يجيعوا من يجب عليهم الإنفاق عليهم.
وقال بعضهم :لم يسرفوا أي :لم ينفقوا في غير الحق، ولم يقتروا أي :لم يمنعوا من الحق، وهذا القول قريب من القول الأول.
قال النضر بن شميل :وكان بين ذلك قواما :حسنة بين سيئتين، وحكى ثعلب أن عبد الملك بن مروان قال لعمر بن عبد العزيز - وكان قد زوج ابنته فاطمة منه - :كيف نفقتك يا عمر ؟ فقال :حسنة بين سيئتين.
وعن وهب بن منبه أنه قال :إذا أخذت بواحد من طرفي العود مال، فإذا أخذت بوسطه اعتدل.
وقوله :( قواما ). أي :عدلا، وهو معنى ما قلناه، والقوام بالفتح من الاستقامة، والقوام بالكسر ما يقيم الأمر به، كأنه ملاكه.
قوله تعالى :( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ) معلوم المعنى.
وقوله :( ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ). الحق هو ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث. . . » ( ١ ) وقد بينا.
وقوله :( ولا يزنون ) الزنا فعل معلوم، وأما اللواط :هل هو زنا أو ليس بزنا ؟ فالأمر فيه على ما عرف في الفقه، وكذلك إتيان البهيمة( ٢ ).
وقد ثبت برواية عمرو بن شرحبيل، عن عبد الله بن مسعود أنه قال :قلت :يا رسول الله، أي الذنب أعظم ؟ فقال : «أن تجعل لله ندا وهو خلقك. قلت :يارسول الله، ثم أي ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك. قلت :ثم أي يا رسول الله ؟ قال :أن تزنى بحلية جارك، ثم قرأ قوله :( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ). . . الآية »( ٣ ).
قال رضي الله عنه :أخبرنا بهذا الحديث أبو العباس الأزهري، [ أخبرنا أبو الحسين ] ( ٤ ) أحمد بن محمد الخفاف، أخبرنا أبو العباس السراج، أخبرنا إسحاق الحنظلي، أخبرنا جرير، عن منصور، عن أبي وائل، عن عمرو بن شرحبيل. . الخبر.
وذكر الكلبي : «أن وحشيا أرسل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه توبة لنفسه، فبعث إليه بهذه الآية، فقال وحشي :إني قد أشركت، وقتلت وزنيت، ولا أدري كيف توبتي ؟ فأريد آية أوسع من هذه، فأنزل الله تعالى :( إن الله لا يفغر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ( ٥ ) فبعث بالآية إلى وحشي، فقال :لا أدري، أأدخل في المشيئة أولا ؟ أريد آية أوسع من هذه الآية، فأنزل الله تعالى ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ) ( ٦ ) فبعث إليه بالآية، فأسلم »( ٧ ).
قال أهل العلم( ٨ ) :وهذا مستبعد جدا ؛ لأن هذه الآية مكية، ووحشي إنما أسلم بعد غزوة حنين والطائف في آخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكل هذه الآيات إنما نزلت ( من اسلامه عدة ) ( ٩ ).
وفي بعض التفاسير :إن هذه الآية نزلت بمكة إلى قوله :( إلا من تاب ) ومكث الناس سنتين، ثم نزل قوله تعالى :( إلا من تاب ). إلى آخر الآية بعد ذلك.
وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس أن قوله :( إلا من تاب ) ينصرف إلى الشرك والزنا، فأما قتل النفس فقد أنزل الله تعالى فيه :( ومن يقتل مؤمنا متعمدا. . ) الآية( ١٠ ) قال ابن عباس :وهذه الآية مدنية، وقوله :( إلا من تاب ) مكية، فالحكم في القتل على هذه الآية، ولا توبة لقاتل النفس.
وأما عند غيره من أهل العلم :فالتوبة من الكل مقبولة، وقد بينا هذا من قبل، وظاهر هذه الآية وهو قوله :( إلا من تاب ) يدل على هذا ؛ لأنه قد سبق قتل النفس.
وقوله :( ومن يفعل ذلك يلق أثاما ) أي :جزاء الإثم، ويقال :أثاما واد في جهنم، قال الشاعر :
جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقا والعقوق له أثام
أي :جزاء الأثم. وقال أخر :
لقيت المهالك في حربنا وبعد المهالك تلقى أثاما
١ - متفق عليه، وقد تقدم تخريجه غير مرة..
٢ - في "ك" البهائم..
٣ - متفق عليه، وقد تقدم غير مرة..
٤ - في "الأصل وك": أبو العباس الأزهري أبو الحسن أحمد.. والصواب ما أثبتناه، وهو أبو الحسين أحمد بن محمد بن أحمد بن عمر النيسابوري الخفاف، يروى عن السراج وغيره كما في ترجمته من السير (١٦/٤٨١)، والأنساب (مادة الخفاف)..
٥ - النساء: ٤٨، ١١٦..
٦ - الزمر: ٥٣..
٧ - رواه الطبراني في الكبير (١١/١٩٧ رقم ١١٤٨٠)، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب – كما في الدر (٥/٣٦٣) من حديث ابن عباس مرفوعا بنحوه. وقال السيوطي في الدر: إسناده لين. وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٠٤، ١٠/٢١٨): رواه الطبراني، وفيه أبين بن سفيان، وهو ضعيف..
٨ - في "ك": أهل التفسير..
٩ - كذا..
١٠ - النساء: ٩٣..
قوله تعالى :( يضاعف له العذاب يوم القيامة ) أي :يستدام له العذاب، ويقال :يضاعف الله العذاب، يجمع عليه عذاب الكبائر التي ارتكبها.
وقوله :( ويخلد فيه مهانا ) أي :يخلد فيه وقد أصاب الهوان والذلة، وقرئ :" يضاعف " و " يخلد " بالرفع، ورفعه بالاستئناف، وقرئ :يضاعف " و " يخلد " بالجزم، وجزمه على جواب الشرط.
قوله :( إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا ) معناه :إلا من ندم وآمن بربه، وعمل عملا صالحا في المستقبل.
وقوله :( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) قال الحسن البصري ومجاهد وجماعة :هذا في الدنيا. ومعناه :تبديل الكفر بالإيمان، والشرك بالإخلاص، والمعصية بالطاعة.
وقال سعيد بن المسيب وجماعة :هذا في الآخرة، والله تعالى يبدل سيئات التائب بالحسنات في صحيفته.
وقد ورد في القول الثاني خبر صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، رواه وكيع، عن الأعمش، عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يؤتى بالمؤمن يوم القيامة فيعرض عليه صغار ذنوبه، ويخبأ عنه كبارها، فيسأل ويعترف، وهو مشفق من الكبائر، فيقول الله تعالى :أعطوه مكان كل سيئة حسنة، فيقول :يا رب، إن لي ذنوبا ولا أراها هاهنا ؟ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه »( ١ ). أخرجه مسلم في صحيحه.
وعن أبي هريرة أنه قال :يعطي المؤمن صحيفته يوم القيامة فيقرأ بعضها، وإذا هي سيئات، فإذا وصل إلى الحسنات ينظر نظرة فيما قبلها، فإذا هي كلها صارت حسنات.
وقد أنكر جماعة من المتقدمين أن تنقلب السيئة حسنة ؛ منهم الحسن البصري وغيره، وإذا ثبت الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يبق لأحد كلام.
وقد قال بعضهم :إن الله يمحو بالندم جميع السيئات، ثم يثبت مكان كل سيئة حسنة.
وقوله :( وكان الله غفورا رحيما ) قد بينا.
١ - رواه مسلم (٣/٥٧-٥٨ رقم ١٩٠)، والترمذي (٤/٦١٤ رقم ٢٥٩٦) وقال: حسن صحيح، ووكيع في الزهد (٢/٦٥١)، ومن طريقه أحمد في مسنده (٥/٥٧)..
قوله تعالى :( ومن تاب وعمل صالحا ) قال بعض أهل العلم :هذا في التوبة عن غير ما سبق ذكره، وأما التوبة المذكورة في الآية الأولى، فهي عما سبق ذكره من الكبائر.
وقال بعضهم :هذه الآية واردة أيضا في التوبة عن جميع السيئات، ومعناها على وجهين :أحدهما :أن معنى الآية :ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله تعالى، ولا ينبغي أن يريد غيره، كالرجل يقول :من اتجر فليتجر في البر، ومن ناظر فليناظر في الفقه، فيكون قوله :( فإنه يتوب إلى الله متابا ) على هذا القول خبرا بمعنى الأمر، أي :تب إلى الله توبة، والوجه الثاني :أن معنى الآية :من تاب فليعلم أن توبته إلى الله ومصيره إليه و ثوابه منه، كالرجل يقول لغيره :إذا كلمت الأمير فاعلم أنه أمير، وإذا كلمت أباك فاعلم أنه أبوك.
قوله :( والذين لا يشهدون الزور ) أي :الشرك، ومعناه :لا يشهدون شهادة الشرك، ويقال :الكذب. وعن محمد بن الحنيفة :الغناء، [ و ] هو قول مجاهد.
( وعن بعضهم ) ( ١ ) :الغناء رقية الزنا. وقال بعض أهل السلف :الغناء ينبت النفاق في القلب. وقيل :لا يشهدون الزور أي :أعياد الكفار، وقيل :النوح.
وقوله :( وإذا مروا باللغو مروا كراما ) أي :مروا معرضين كما يمر الكرام، وقيل :أكرموا أنفسهم عن الدخول فيه. قال الحسن :اللغو هو المعاصي كلها.
وقال عمرو بن قيس :مجلس الخنا. واللغو في اللغة كل ما هو باطل، ولا يفيد فائدة.
١ - سقط من "ك"..
قوله تعالى :( والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ).
قال القتيبي معناه :لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها، وكأنهم عمى لم يروها. وقال بعضهم معناه :لم يسقطوا عليها صما وعميانا، بل سمعوا وأبصروا.
قوله تعالى :( والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ) أي :أولادا، بررة أتقياء، وقرة العين تذكر عند السرور، وسُخْنَة العين عند الحزن، ويقال :دمع العين عند السرور بارد، وعند الحزن حار. وذكر الأزهري أبو منصور :أن معنى قرة العين أن يصادف قلبه ما يرضاه قلبه، فتقر عينه عن النظر إلى غيره، يعني :لا تنظر إلى غيره.
وعن محمد بن كعب القرظي قال :ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى أهله وولده أتقياء بررة.
وقوله :( واجعلنا للمتقين إمام ) قال الحسن :نقتدي بالمتقين، ويقتدي بنا المتقون.
واستدل بعضهم بهذا على أنه لا بأس بطلب الإمامة في الدين، ويندب إليه.
وقال بعضهم :لا يطلب للرئاسة، ولكن يطلب للدين، ثم حينئذ يقتدي به المتقون، فيصير إماما لهم على ما قال الله تعالى.
قوله :( أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ) قال عطاء، عن ابن عباس :الغرفة من الدر والزبرجد والياقوت. ويقال :هي أعلى منازل الجنة.
وقوله :( بما صبروا ) عن الشهوات، وقيل :صبروا عن الدنيا، وقيل :صبروا على الطاعة.
وقوله :( ويلقون فيها ) وقرئ :" ويَلْقَوْنَ " مخففا، والمعنى والمعنى واحد.
وقوله :( تحية ) أي :مُلْكاً، وقيل :بقاءً [ دائماً ] ( ١ ).
وقوله :( وسلاما ) أى :يسلم بعضهم على بعض، وقال عطاء عن ابن عباس :يسلم الله عليهم. وقيل :سلامة من الآفات.
١ - سقط من "ك"..
قوله تعالى :( خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما ) أي :مكانا يستقرون فيه.
وقوله :( ومقاما ) أي :يقيمون إقامة.
قوله تعالى :( قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ) أحسن الأقاويل فيه أن معناه :ما يصنع بكم ربي لولا دعائكم أي :لولا دعاؤه إياكم إلى التوحيد، وهي في معنى قوله تعالى :( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) ( ١ ). قال القتيبي معناه :ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم أي :لولا إيمانكم، يعني :إذا آمنتم لا يعذبكم. وقال بعضهم :أي قدر لكم عند ربي لولا أنه دعاكم إلى الإيمان فتؤمنون، فالآن يظهر لكم قدر وخطر.
وقوله :( فقد كذبتم ) قرأ ابن عباس :" فقد كذب الكافرون "، وأما المعروف :( فقد كذبتم ) أي :كذبتم أيها الكافرون، ومعناه :قد دعوتكم إلى الإيمان فلم تؤمنوا.
وقوله :( فسوف يكون إلزاما ) وعيد معناه :سوف يكون العذاب لزاما. قال ابن مسعود :معنى اللزام وهو يوم بدر. وقال بعضهم :اللزام :الموت.
قال الشاعر :
( تولى عند حاجتنا أنيس ولم اجزع من الموت اللزام ) ( ٢ )
وقرئ في الشاذ " " لزاما " بفتح اللام، وهو في معنى الأول.
١ - النساء: ١٤٧..
٢ - كذا !..
السورة التالية
Icon