0:00
0:00

﴿ تبارك ﴾ أي ثبت ثبوتاً مع اليمن والخير الذي به سبقت الرحمة الغضب، والتعالي في الصفات والأفعال، فلا ثبوت يدانيه، ولا يكون ذلك كذلك إلا بتمام قدرته، ولا تتم قدرته إلا بشمول علمه، وهذا الفعل مطاوع " بارك " وهو مختص بالله تعالى لم يستعمل لغيره، ولذلك لم ينصرف لمستقبل ولا اسم فاعل ؛ ثم وصف نفسه الشريفة بما يدل على ذلك فقال : ﴿ الذي ﴾.
ولما كان تكرار الإنذار - الذي هو مقصود السورة - أنفع، وتفريقه في أوقات متراسلة أصدع للقلوب وأردع، وكان إيضاح المشكلات، في الفرق بين الملتبسات، أعون بما يكون علة، عبر بما يدل على الفرق وقدمه فقال : ﴿ نزل الفرقان ﴾ أي الكتاب الذي نزل إلى سماء الدنيا فكان كتاباً، ثم نزل مفرقاً بحسب المصالح، فسمي لذلك فرقاناً، ولأنه الفارق بين ملتبس، فلا يدع خفاء إلا بينه، ولاحقاً إلا أثبته، ولا باطلاً إلا نفاه ومحقه، فيه انتظام الحياة الأولى والأخرى، فكان قاطعاً على علم منزله، ومن علمه الباهر إنزاله ﴿ على عبده ﴾ أي الذي لا أحق منه بإضافته إلى ضميره الشريف، لأنه خالص له، لا شائبة لغيره فيه أصلاً، ولم يحز مخلوق ما حاز من طهارة الشيم، وارتفاع الهمم، ولا شك أن الرسول دال على مرسله في مقدار علمه، وكثرة جنده، واتساع ملكه﴿ الله أعلم حيث يجعل رسالاته ﴾[ الأنعام :١٢٤ ] ثم علل إنزاله عليه بقوله : ﴿ ليكون ﴾ أي العبد أو الفرقان.
ولما كان العالم ما سوى الله، وكان ربما ادعى مدع أن المراد البعض، لأنه قد يطلق اللفظ على جزء معناه بدلالة التضمن، وكان الجمع لا بد أن يفيد ما أفاده المفرد بزيادة، جمع ليعرف أن المراد المدلول المطابقي، مع التصريح باستغراق جميع الأنواع الداخلة تحت مفهوم المفرد، واختار جمع العقلاء تغليباً، إعلاماً بأنهم المقصودون بالذات فقال : ﴿ للعالمين ﴾ أي المكلفين كلهم من الجن والإنس والملائكة.
ولما كان كل من الكتاب والمنزل عليه بالغاً في معناه، عبر بما يصح أن يراد به المنذر والإنذار على وجه المبالغة فقال : ﴿ نذيراً* ﴾ أي وبشيراً، وإنما اقتصر على النذارة للإشارة إلى البشارة بلفظ ﴿ تبارك ﴾ ولأن المقام لها، لما ختم به تلك من إعراض المتولين عن الأحكام، ونفى الإيمان عنهم بانتفاء الإسلام، وفيه إشارة إلى كثرة المستحقين للنذارة، ولا التفات إلى من قال :إن الرازي والبرهان النسفي نقلا الإجماع على أنه صلى الله عليه وسلم لم يرسل إلى الملائكة، فإن عبارة الرازي في بعض نسخ تفسيره :لكنا أجمعنا على أنه لم يرسل إلى الملائكة، وفي أكثر النسخ :بينا - بدل :أجمعنا، على أنه لو اتفقت جميع النسخ عليها لم تضر، لأنها غير صريحة في إرادة الإجماع، ولأن الإجماع لا يثبت بنقل واحد لا سيما في مثل هذا الذي تظافرت الظواهر على خلافه، ولم يرد مانع منه، وأما البرهان النسفي فمن الرازي أخذ، وعبر بعبارته، فصارا واحداً، وقد بينت ذلك عند قوله تعالى في سورة الأنعام ( لأنذركم به ومن بلغ }[ الأنعام :١٩ ] بياناً شافياً لا ارتياب معه، بل ولو قيل :إن الآية على ظاهرها، لا خصوص فيها بالعقلاء، وتكليف كل شيء بحسبه، لكان وجهاً، وبذلك صرح الإمام تاج الدين السبكي في أول الترشيح في قوله :" وأصلي على نبيه محمد المصطفى المبعوث إلى كل شيء " وكذلك المحب الطبري في آخر " القرى لقاصدي أم القرى " وذلك لأنه صلى الله عليه وسلم ما دعا جامداً ولا متحركاً غير الإنسان إلا أجابه بما هو مقتضى﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ﴾[ الأحزاب :٧٢ ] دعا غير مرة عدة من أغصان الأشجار فأتته تسجد له، ثم أمرها بأن ترجع إلى مكانها ففعلت ؛ ودعا الضب وغيره من الحيوانات العجم فأطاعته ؛ ودعا الأشجار غير مرة فسمعت وسعت إليه ؛ وأمر الجبل لما رجف فأذعن ؛ وأرسل إلى نخل وأحجار يأمرهن بالاجتماع ليقضي إليهن حاجة ففعلن، ثم أرسل يأمرهن بالرجوع إلى أماكنهن فأجبن ؛ وغمز الأرض فنبع منها الماء ؛ وأرسل سهمه إلى البئر فجاشت بالرواء - إلى غير ذلك مما هو مضمن في دلائل النبوة، بل ولا دعا طفلاً رضيعاً إلا شهد له لكونه على الفطرة الأولى - إلى غير ذلك مما هو دال على ظاهر الآية المقتضي لزيادة شرفه صلى الله عليه وسلم من غير محذور يلزم عليه ولا نص يخالفه - والله الهادي.
وقال الإمام أبو جعفر ابن الزبير في برهانه :لما تضمنت سورة النور بيان كثير من الأحكام كحكم الزنا، ورمي الزوجات به، والقذف، والاستئذان، والحجاب، وإسعاف الفقير، والكتابة، وغير ذلك، والكشف عن مغيبات، من تغاير حالات، تبين بمعرفتها والاطلاع عليها الخبيث من الطيب، كاطلاعه سبحانه نبيه والمؤمنين على ما تقوله أهل الإفك، وبيان سوء حالهم، واضمحلال محالهم، في قصة المنافقين في إظهارهم ضد ما يضمرون ؛ ثم كريم وعده للخلفاء الراشدين﴿ وعد الله الذين آمنوا منكم ﴾[ المائدة :٩ ] ثم ما فضح به تعالى منافقي الخندق﴿ قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذاً ﴾[ النور :٦٣ ] إلى آخر الآية، فكان مجموع هذا فرقاناً يعتضد به الإيمان، ولا ينكره مقر بالرحمن، يشهد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بصحة رسالته، ويوضح مضمن قوله﴿ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم ﴾[ النور :٦٣ ] من عظيم قدره صلى الله عليه وسلم وعليّ جلالته، أتبعه سبحانه بقوله تعالى ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ [ الفرقان :١ ] وهو القرآن الفارق بين الحق والباطل، والمطلع على ما أخفاه المنافقون وأبطنوه من المكر والكفر ﴿ ليكون للعالمين نذيراً ﴾ [ الفرقان :١ ] فيحذرهم من مرتكبات المنافقين والتشبه بهم ؛ ثم تناسج الكلام، والتحم جليل المعهود من ذلك النظام، وتضمنت هذه السورة من النعي على الكفار والتعريف ببهتهم وسوء مرتكبهم ما لم يتضمن كثير من نظائرها كقولهم
( ما لهذا الرسول يأكل الطعام }[ الفرقان :٧ ] الآيات، وقولهم﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ﴾[ الفرقان :٢١ ] وقولهم﴿ لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾[ الفرقان :٣٢ ] وقولهم﴿ وما الرحمن ﴾[ الفرقان :٦٠ ] إلى ما عضد هذه وتخللها، ولهذا ختمت بقاطع الوعيد، وأشد التهديد، وهو قوله سبحانه
﴿ فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً ﴾[ الفرقان :٧٧ ] انتهى.
ولما تقدم ذكر منزل الفرقان سبحانه، وذكر الفرقان والمنزل عليه على طريق الإجمال، أتبع ذلك تفصيله على الترتيب، فبدأ بوصف المنزل سبحانه بما هو أدل دليل على إرادة التعميم في الرسالة لكل من يريد، فقال : ﴿ الذي له ﴾ أي وحده ﴿ ملك السماوات والأرض ﴾ فلا إنكار لأن يرسل رسولاً إلى كل من فيهما ﴿ ولم يتخذ ولداً ﴾ ليتكبر على رسوله ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ ليناقضه في الرسالة أو يقاسمه إياها، فيكون بعض الخلق خارجاً عن رسالته، أو مراعياً لأمر غير أمره.
ولما كان وقوف الشيء عند حد - بحيث لا يقدر أن يتعداه إلى حد شيء آخر سواه، فهذا حيوان لا يقدر على جعل نفسه جماداً ولا أعلى من الحيوان، وهذا جماد لا يمكنه جعل نفسه حيواناً ولا أسفل من رتبة الجماد إلى غير ذلك مما يعجز الخلق عن شرحه دالاً على أنه مخلوق مربوب، قال تعالى : ﴿ وخلق ﴾ أي أحدث إحداثاً مراعى فيه التقدير والتسوية ﴿ كل شيء ﴾ أي مما ادعى فيه الولدية أو الشرك وغيره.
ولما كان قد سوى كل شيء لما يصلح له وهيأه لذلك، قال شارحاً ومحققاً لمعنى " خلق " : ﴿ فقدره ﴾ في إيجاده من غير تفاوت ﴿ تقديراً* ﴾ أي لا يمكن ذلك الشيء مجاوزته فيما خلق لأجله وهيىء ويسر له إلى غيره بوجه من الوجوه.
ولما ذكرهم بما ركز في فطرهم من العلم، عجب منهم لكل ذي عقل في جملة حالية فيما خالفوا ما لهم من المشاهدة، فقال مضمراً للفاعل إشارة إل استهجان نسبة هذا الفعل إلى فاعل معين توبيخاً لهم وإرشاداً إلى المبادرة من كل سامع إلى نفيه عنه فقال : ﴿ واتخذوا ﴾ أي كلفوا أنفسهم عبدة الأوثان أن أخذوا.
ولما كان علوه لا يحد، فكانت الرتب السافلة لا تحصى، نبه على ذلك بالجار فقال : ﴿ من دونه ﴾ أي بعد ما قام من الدليل على أنه الإله وحده من الحيثيات التي تقدمت ﴿ آلهة ﴾ المتخدون مشاهدون لأنهم كما قال تعالى : ﴿ لا يخلقون شيئاً ﴾ أي لا أعجز منهم، لا يكون منهم إيجاد شيء، فيهم دون من عبدهم.
ولما كان المتعنت ربما ادعى أنهم مع ذلك غير مخلوقين قال : ﴿ وهم يخلقون ﴾ أي بما يشاهد فيهم من التغير والطواعية لمشيئته سبحانه، ومن ذلك أن عبدتهم افتعلوهم بالنحت والتصوير.
ولما قرر أنه أنعم على كل شيء، وكانت النعم أكثر وجوداً، وكان أدنى نعمة على الشيء خلقه سبحانه له، أخبر أن ذلك الغير لا يقدر على ضر نفسه ولا بالإعدام، فقال معبراً بأداة العقلاء تهكماً بعابديهم حيث أقاموهم في ذلك المقام، أو تغليباً لأنهم عبدوا الملائكة وعزيراً والمسيح عليهم السلام : ﴿ ولا يملكون ﴾ أي لا يتجدد لهم بوجه من الوجوه أن يملكوا ﴿ لأنفسهم ضراً ﴾ ولذلك قدمه، ونكره ليعم.
فلما ثبت بذلك أنهم خلقه، ولكن كان ربما قال متعنت :إنهم يملكون ذلك ولكنهم يتركونه عمداً، لأن أحداً لا يريد ضر نفسه، قال : ﴿ ولا نفعاً ﴾ أي ولو بالبقاء على حالة واحدة، وعبدتهم يقدرون على ما أراد الله من ذلك على وجه الكسب، فهم أعلى منهم وعبادة الأعلى لمن دونه ليست من أفعال العقلاء.
ولما كان الموت والحياة ما ليس لغيرهما من عظيم الشأن، أعاد العامل فقال : ﴿ ولا يملكون ﴾ وقدم الموت لأن الحياة أكثر، فقال مبتدئاً بما هو من باب الضر على نسق ما قبله : ﴿ موتاً ﴾ أي لأنفسهم ولا لغيرهم ﴿ ولا حياة ﴾ أي من العدم ﴿ ولا نشوراً* ﴾ أي إعادة لما طوي من الحياة بالموت، وعطفها بالواو وإن كان بعضها مسبباً عما قبله إشارة إلى أن كل واحدة منها كافية في سلب الإلهية عنهم بما ثبت من العجز.
ولما وصف منزل الفرقان بما لا يحيط به علم أحد غيره من الشؤون، فاتضح بذلك إعجاز المنزل الذي أبان ذلك، وهو هذا القرآن، وأنه وحده الفرقان، عجب من حال المكذبين به فقال موضع ﴿ وقالوا ﴾ : ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ مظهراً الوصف الذي حملهم على هذا القول، وهو ستر ما ظهر لهم ولغيرهم كالشمس والاجتهاد في إخفائه : ﴿ إن ﴾ أي ما ﴿ هذا ﴾ أي القرآن ﴿ إلا إفك ﴾ أي كذب مصروف عن ظاهره ووجه هو أسوأ الكذب ﴿ افتراه ﴾ أي تعمد كذبه هذا النذير، فكان قولهم هذا موضع العجب لكونه ظاهر الخلل.
ولما كان الإنسان مطبوعاً على أنه يتكثر بأدنى شيء من المحاسن فيحب أن تظهر عنه ولا ينسب شيء منها إلى غيره، كان أعجب من ذلك وأظهر عواراً قولهم : ﴿ وأعانه ﴾ أي محمداً ﴿ عليه ﴾ أي القرآن ﴿ قوم ﴾ أي ذوو كفاية حبوه بما يتشرف به دونهم ؛ وزادوا بعداً بقولهم : ﴿ آخرون ﴾ أي من غير قومه ؛ فقيل :أرادوا اليهود، وقيل :غيرهم ممن في بلدهم من العبيد النصارى وغيرهم، فلذلك تسبب عنه قوله تعالى : ﴿ فقد جاءو ﴾ أي الكفار في ذلك ﴿ ظلماً ﴾ بوضع الإفك على ما لا أصدق منه ولا أعدل ﴿ وزوراً* ﴾ أي ميلاً مع جلافة عظيمة عن السنن المستقيم في نسبة أصدق الناس وأطهرهم خليقة، وأقومهم طريقة، إلى هذه الدنايا التي لا يرضاها لنفسه أسقط الناس، فإنها - مع كونها دنيئة في نفسها - مضمونة الفضيحة ؛ قال ابن جرير وأصل الزور تحسين الباطل وتأويل الكلام.
ولما تبين تناقضهم أولاً في ادعائهم في القرآن ما هو واضح المنافاة لوصفه، وثانياً بأنه أعين عليه بعد ما أشعرت به صيغة الافتعال من الانفراد، أتبعه تعالى تناقضاً لهم آخر بقوله معجباً : ﴿ وقالوا ﴾ أي الكفار ﴿ أساطير ﴾ جمع إسطارة وأسطورة ﴿ الأولين ﴾ من نحو أحاديث رستم وإسفنديار، فصرحوا أنه ليس له فيه شيء ﴿ اكتتبها ﴾ أي تطلب كتابتها له ﴿ فهي ﴾ أي فتسبب عن تكلفه ذلك أنها ﴿ تملى ﴾ أي تلقى من ملق ما إلقاء جيداً متجدداً مستمراً ﴿ عليه ﴾ من الكتاب الذي اكتتبها فيه في أوقات الفراغ ﴿ بكرة ﴾ قبل أن ينتشر الناس ﴿ وأصيلاً* ﴾ أي وعشياً حين يأوون إلى مساكنهم، أو دائماً ليتكلف حفظها بعد أن تكلف تحصيلها بالانتساخ لأنه أمي، وهذا كما ترى لا يقوله من له مسكة في عقل ولا مروءة، فإن من المعلوم الذي لا يخفى على عاقل أن إنساناً لو لازم شيئاً عشرة أيام بكرة وعشياً لم يبق ممن يعرفه ويطلع على أحواله أحد حتى عرف ذلك منه، فلو أنكره بعد لافتضح فضيحة لا يغسل عنه عارها أبداً، فكيف والبلد صغير، والرجل عظيم شهير، وقد ادعوا أنه مصر على ذلك إلى حين مقالتهم وبعدها لا ينفك، وعيروه بأنه معدم يحتاج إلى المشي في الأسواق، و هو يدعوهم إلى المعارضة ولو بسورة من مثله، وفيهم الكتاب والشعراء والبلغاء والخطباء، وهو أكثر منه مالاً، وأعظم أعواناً، فلا يقدرون.
ولما رموه بهذه الأقوال التي هم فيها في خبط عشواء، وكانت مع كونها ظاهرة العوار، عند من له أدنى استبصار، تروج على بعض العرب بعض الرواج، مع سعة عقولهم، وصحة أفكارهم، لشبه واهية مكنهم فيها التقليد، وشدة الالف لما هم عليه من الزمن المديد، أمره سبحانه بجوابهم مستأنفاً فقال : ﴿ قل ﴾ أي دالاً على بطلان ما قالوه مهدداً لهم : ﴿ أنزله ﴾ أي القرآن من خزائن علمه خلافاً لجميع ما تقولتموه ﴿ الذي يعلم السر ﴾ أي كله، لا يخفى عليه منه خافية فكيف بالجهر ! ﴿ في السماوات والأرض ﴾ فهو يجيبكم عن كل ما تقولتموه فيّ وفي كتابه وإن أسررتموه، ويبين جميع ما يحتاج إليه العباد في الدارين في كلام معجز لفظاً ومعنى على وجه يتحقق كل ذي لب أنه لا يقوله إلا عالم بجميع المعلومات، ولا يحيط بجميع المعلومات سواه، وهذا ظاهر جداً من إخباره بالماضي بما يصدقه العلماء من الماضين، وحكمه على الآتي بما يكون ضربة لازم، وإظهاره الخبء وإحكامه لجميع ما يقوله، وقد جرت عادته سبحانه وتعالى بالانتقام ممن كذب عليه بإظهار كذبه أولاً، ثم بأخذه ثانياً، ثم عذابه العذاب الأكبر ثالثاً، فستنظرون من يفعل به ذلك، وقد بان لعمري صدقه لما وقع من الأمور الثلاثة.
ولما كان من المعلوم أن العالم بكل شيء قادر على شيء كما مضى تقريره في سورة طه، وكانت العادة جارية بأن من علم استخفاف غيره به وكان قادراً عليه عاجله بالأخذ، أجيب من كأنه قال :فما له لا يهلك المكذبين له ؟ بقوله مرغباً لهم في التوبة، مشيراً إلى قدرته بالستر والإنعام، ومبيناً لفائدة إنزاله إليهم هذا الذكر من الرجوع عما تمادت عليه أزمانهم من الكفر وأنواع المعاصي : ﴿ إنه كان ﴾ أزلاً وأبداً ﴿ غفوراً ﴾ أي بليغ الستر لما يريد من ذنوب عباده، بأن لا يعاتبهم عليها ولا يؤاخذهم بها ﴿ رحيماً* ﴾ بهم في الإنعام عليهم بعد خلقهم، برزقهم وتركيب العقول فيهم، ونصب الأدلة لهم، وإرسال الرسل وإنزال الكتب فيهم، وإمهالهم في تكذيبهم، أي فليس لإمهالهم ووعظهم بما نزله إليهم سبب إلا رحمته وغفرانه وعلمه بأن كتابه صلاح لأحوالهم في الدارين.
ولما أتم سبحانه ما أراد من ذكر المنزل والمنزل، وأخبر عن طعنهم في المنزل الذي هو المقصود بالذات من الرسالة، وأقام تعالى ذلك الدليل على كذبهم، أتبعه الإخبار عن طعنهم في الرسول الآتي به، فقال معجباً من عقولهم التي يعدونها أصفى العقول أفكاراً، وأعلاها آثاراً، فيما أبدوه من ذلك مما ظنوا أنه دليل على عدم الرسالة، ولا شيء منه يصلح أن يكون شبهة لذي مسكة من أمره، فضلاً عن أن يكون دليلاً : ﴿ وقالوا ﴾ أي مستفهمين تهكماً بوصفه، قادحين فيه بفعله، قول من هو على ثقة من أن وصف الرسالة ينافيه : ﴿ مال هذا ﴾ والإشارة على هذا الوجه تفهم الاستهانة والتصغير ؛ ثم أظهروا السخرية بقولهم : ﴿ الرسول ﴾ أي الذي يزعم أنه انفرد عن بقية البشر في هذا الزمان بهذا الوصف العالي ﴿ يأكل الطعام ﴾ أي مثل ما نأكل ﴿ ويمشي في الأسواق ﴾ أي التي هي مطالب الدنيا، كما نمشي.
ولما كانت ترجمة ما مضى :ما له مثلنا وهو يدعي الاختصاص عنا بالرسالة ؟ أتبعوه التعنيف على عدم كونه على واحد من وجوه مغايرة على سبيل التنزل جواباً لمن كأنه قال :فماذا يفعل ؟ بقولهم : ﴿ لولا ﴾ أي هلا، وهي تأتي للتوبيخ، وهو مرادهم ﴿ أنزل ﴾ أي من السماء، من أيّ منزل كان، منتهياً ﴿ إليه ﴾ أي على الهيئة التي هو عليها في السماء ﴿ ملك ﴾ أي من ملائكة الله على هيئاتهم المباينة لهيئات الآدميين ﴿ فيكون ﴾ بالنصب جواباً للتحضيض ذلك الملك وإن كان هو إنساناً ﴿ معه نذيراً* ﴾ فيكون ممتازاً بحال ليس لواحد منا، ليكون أهيب في النذارة، لما له من الهيبة والقوة، وكأنهم عبروا بالماضي إعلاماً بأن مرادهم كونه في الظهور لهم على غير الهيئة التي يخبرهم بها من تجدد نزول الملك عليه في كل حين مستسراً بحيث لا ينظره غيره، أو لأن الملك يمكن أن يكون على حالة المصاحبة له للنذارة، وإنما لا يتحول عنها بصعود إلى السماء ولا غيره، بخلاف الكنز فإنه للنفقة، فإن لم يتعهد كل وقت نفد، وهذا سر التعبير ب " إلى " دون " على " التي هي للتغشي بالوحي، ولذلك عبروا بالمضارع في قولهم، متنزلين عن علو تلك الدرجة : ﴿ أو يلقى ﴾
عبروا بالمضارع في قولهم، متنزلين عن علو تلك الدرجة : ﴿ أو يلقى ﴾ أي من أي ملق كان.
ولما كان الإلقاء دالاًّ على العلو، عدلوا عن أداة الاستعلاء التي تقدم التعبير بها في هود عليه السلام من الإنزال إلى حرف النهاية فقالوا : ﴿ إليه ﴾ أي إن لم تكن له تلك الحالة ﴿ كنز ﴾ أي يوجد له هذا الأمر ويتجدد له إلقاؤه غير مكترث ولا معبوء به، برفعه عن مماثلتنا العامة من كل وجه، وأيضاً التعبير في هذا والذي بعده بالمضارع أدل على تكالبهم على الدنيا وأنها أكبر همهم. ثم تنزلوا أيضاً في قولهم : ﴿ أو تكون له ﴾ أي إن لم تكن له شيء مما مضى ﴿ جنة ﴾ أي بستان أو حديقة كما لبعض أكابرنا ﴿ يأكل منها ﴾ فتفرغه عما يتعاطاه في بعض الأحايين من طلب المعاش، ويكون غناه أعز له وأجلب للخواطر إليه، وأحث لعكوف الأتباع عليه، وأنجع فيما يريده - هذا على قراءة الجماعة بالياء التحتية، وعلى قراءة حمزة والكسائي بالنون يكون المعنى :أنا إذا أمكنا منها، كان ذلك أجلب لنا إلى اتباعه، وما قالوه كله فاسد إذ لم يدّع هو صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أتباعه أنه هو ولا أحد من الأنبياء قبله يباين البشر، ولا أن وصفاً من أوصاف البشر الذاتية ينافي النبوة والرسالة، وأما الاستكثار من الدنيا فهو عائق في الأغلب عن السفر إلى دار الكرامة، وموطن السلامة، وحامل على التجبر، ولا يفرح به إلا أدنياء الهمم، وخفة ذات اليد لا تقدح إلا في ناقص يسأل الناس تصريحاً أو تلويحاً إرادة لتكميل نقصه بالحطام الفاني، وقد شرف الله نبيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك بما له من صفات الكمال، والأخلاق العوال
ولما كانوا بهذا واضعين الكلام في غير مواضعه، بعيدين عن وجه الصواب، قال معجباً من أمرهم : ﴿ وقال الظالمون ﴾ فأظهر الوصف الموجب لهم ذلك : ﴿ إن ﴾ أي ما ﴿ تتبعون ﴾ إن اتبعتم ﴿ إلا رجلاً مسحوراً* ﴾ أي يتكلم بما لا يجديه، فحاله لذلك حال من غلب على عقله بالسحر، أو ساحراً صار السحر له طبعاً، فهو يفرق بما جاء به بين المرء وزوجه وولده ونحو ذلك، وعبروا بصيغة المفعول إشارة إلى هذا، وهو أنه لكثرة ما يقع منه من ذلك - صار كأنه ينشأ عنه على غير اختياره.
ولما أتم سبحانه ما ذكر من أقوالهم الناشئة عن ضلالهم، التفت سبحانه إلى رسوله صلى الله عليه وسلم مسلياً له فقال : ﴿ انظر ﴾ ثم أشار إلى التعجب منهم بأن ما قالوه يستحق الاستفهام بقوله : ﴿ كيف ضربوا ﴾ وقدم ما به العناية فقال : ﴿ لك الأمثال ﴾ فجعلوك تارة مثلهم في الاحتياج إلى الغذاء، وتارة نظيرهم في التوسل إلى التوصل إلى الأرباح والفوائد، بلطيف الحيلة وغريز العقل، وتارة مغلوب العقل مختلط المزاج تأتي بما لا يرضى به عاقل، وتارة ساحراً تأتي بما يعجز عنه قواهم، وتحير فيه أفكارهم ﴿ فضلوا ﴾ أي عن جميع طرق العدل، وسائر أنحاء البيان بسبب ذلك فلم يجدوا قولاً يستقرون عليه وأبعدوا جداً ﴿ فلا يستطيعون ﴾ في الحال ولا في المآل، بسبب هذا الضلال ﴿ سبيلاً* ﴾ أي سلوك سبيل من السبل الموصلة إلى ما يستحق أن يقصد، بل هم في مجاهل موحشة، وفيافي مهلكة.
ولما ثبت أنه لا وجود لهم لأنهم لا علم لهم ولا قدرة، وأنهم لا يمن لهم ولا بركة، لا على أنفسهم ولا غيرهم، أثبت لنفسه سبحانه ما يستحق من الكمال الذي يفيض به على من يشاء من عباده ما يشاء فقال : ﴿ تبارك ﴾ أي ثبت ثباتاً مقترناً باليمن والبركة، لا ثبات إلا هو ﴿ الذي إن شاء ﴾ فإنه لا مكره له ﴿ جعل لك خيراً من ذلك ﴾ أي الذي قالوه على سبيل التهكم ؛ ثم أبدل منه قوله : ﴿ جنات ﴾ فضلاً عن جنة واحدة ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ أي تكون أرضها عيوناً نابعة، أي موضع أريد منه إجراء نهر جرى، فهي لا تزال رياً تغني صاحبها عن كل حاجة ولا تحوجه في استثمارها إلى سقي.
ولما كان القصر - وهو البيت المشيد - ليس مما يستمر فيه الجعل كالجنة التي هذه صفتها، عبر فيه بالمضارع إيذاناً بالتجديد كلما حصل خلل يقدح في مسمى القصر فقال : ﴿ ويجعل لك قصوراً* ﴾ أي بيوتاً مشيدة تسكنها بما يليق بها من الحشم والخدم، قال البغوي :والعرب تسمي كل بيت مشيد قصراً. وهذه العبارة الصالحة لأن يجعل له سبحانه ذلك في الدنيا مما فتت في أعضادهم، وخافوا غائلتها فسهلت من قيادهم، لعلمهم بأن مراسله قادر على ما يريد، لكنه سبحانه أغناه عن ذلك بتأييده بالأعوان، من الملائكة والإنس والجان، حتى اضمحل أمرهم، وعيل صبرهم، ولم يشأ سبحانه ما أشار إليه في هذه الآية الشريفة في هذه الدنيا الفانية، وأخره إلى الآخرة الباقية، وقد عرض سبحانه عليه ما شاء من ذلك في الدنيا فأباه، روى البغوي من طريق ابن المبارك، والترمذي - وقال :حسن عن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" عرض عليّ ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهباً، فقلت :لا يا رب ! ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً، فإذا جعت تضرعت إليك ودعوتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك " وروي من طريق أبي الشيخ عن عائشة رضي الله عنها قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوي الكعبة فقال :إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك :إن شئت نبياً عبداً وإن شئت نبياً ملكاً، فنظرت إلى جبريل عليه الصلاة والسلام فأشار إلي أن ضع نفسك، فقلت :نبياً عبداً قال :فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئاً ويقول :" آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد " " وسيأتي في سورة سبأ عند
﴿ وأرسلنا له عين القطر ﴾[ سبأ :١٢ ] ما يتم هذا، ولا يبعد عندي أن يكون أشير بالآية الشريفة - وإن كانت في أسلوب الشرط إلى ما فتح عليه صلى الله عليه وسلم من الحدائق التي لم يكن مثلها في بلاد العرب لما فتح الله عليه خيبر ووادي القرى، وتصرف في ذلك بنفسه الشريفة وأكل منه وإلى ما فتح على أصحابه من بعده من بلاد فارس والروم ذات القصور والجنان التي لا مثل لها ولذلك عبر في الجنات بالماضي، وفي القصور بالمضارع، وأتيحوا كنوز كسرى بن هرمز، فإن اللائق بمقام الملوك أن تكون إشاراتهم أوسع من عباراتهم، فإذا ذكروا شيئاً ممكناً على سبيل الفرض كان من إرادتهم إيجاده، ويحبون أن يكتفي منهم بالإيماء، وأن يعتمد على تلويحهم أعظم مما يعتمد على تصريح غيرهم، وأن يعد المفروض منهم بمنزلة المجزوم به من غيرهم، والممكن في كلامهم كالواجب، فما ظنك بملك الملوك القادر على كل شيء ! وهو قد صرف سبحانه الخطاب إلى أعلى الناس فهماً، وأغزرهم علماً، وقد أراه سبحانه ما يكون من ذلك من بعده في غزوة الخندق. روى البيهقي في دلائل النبوة عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خط الخندق ليحفره جعل على كل عشرة أربعين ذراعاً، وكان سلمان الفارسي رضي الله عنه رجلاً قوياً، فاختلف فيه المهاجرون والأنصار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" سلمان منا أهل البيت " فخرجت لهم صخرة بيضاء مدورة، قال عمرو :فكسرت حديدنا. وشقت علينا، فقلنا :يا سلمان ارق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره خبر هذه الصخرة، فأخبره فأخذ صلى الله عليه وسلم المعول من سلمان فضربها ثلاث ضربات صدع فيها في كل ضربة صدعاً، وكسرها في الثالثة، وبرقت مع كل ضربة برقة أضاءت ما بين لابتي المدينة حتى لكأن مصباحاً في جوف بيت مظلم، وكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل برقة تكبيرة، ثم أخذ بيد سلمان فرقي فسأله سلمان فقال للقوم :هل رأيتم ما يقول سلمان ؟ قالوا :نعم ! يا رسول الله ! بأبينا أنت وأمنا ! قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر، لانرى شيئاً غير ذلك، فقال :أضاءت لي من البرقة الأولى قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب، ومن الثانية القصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب، ومن الثالثة قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني، جبريل عليه الصلاة والسلام أن أمتي ظاهرة عليها. فاستبشر المسلمون وقالوا :الحمد لله ! موعود صادق بأن وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب فقال المسلمون ﴿ هذا ما وعدنا الله ورسوله وما زادهم إلا إيماناً وتسليماً ﴾ [ الأحزاب :٢٢ ] "
وقال المنافقون في ذلك ما أشار إليه الله تعالى في القرآن ؛ ثم إن الله تعالى كذب المنافقين وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم، فافتتح أصحابه رضي الله عنهم جميع ما ذكر، وغلبوا على سائر مملكة الفرس واليمن وأكثر الروم، وانتثلوا من كنوز كسرى وقيصر ما يفوت الحصر، وقد كان صلى الله عليه وسلم تصرف في ذلك من ذلك الوقت تصرف الملوك، لأن وعد الله لا خلف فيه، بل غائبه أعظم من حاضره غيره، وموعودة أوثق من ناجز سواه، فأعطى صلى الله عليه وسلم تميم بن أوس الداري بلد الخليل عليه الصلاة والسلام من أرض الشام من مملكة الروم، وأعطى خريم بن أوس - الذي يقال له :شويل - كرامة بنت عبد المسيح ابن بقيلة من سبي الحيرة من بلاد العراق من مملكة فارس، وكل منهم قبض ما أعطاه عند الفتح كما يعرفه من طالع كتب الفتوح على أيام الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم أجمعين، فعندي أن هذا مما أشارت إليه الاية الشريفة، نزه الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم عنه وفتحه على أصحابه، تشريفاً لهم بإزالة أهل الشرك عنه، وإنعاماً عليهم به تصديقاً لوعده، وإكراماً لنبيه صلى الله عليه وسلم بنصر أوليائه وتكثير أمته، وحضر ذلك كثير ممن كان من القائلين﴿ ما لهذا الرسول ﴾[ الفرقان :٧ ] إلى آخره، وقد كان قادراً على أن يقويه بجميع ذلك قبل موته، ولكنه لم يفعل لأن ذلك أوضح في الأمر، لأن نصره على خلاف ما ينصر به أهل الدنيا من غير جنود كثيرة ظاهرة، ولا أموال وافرة، ولا ملوك معينة قاهرة، بل كانت الملوك عليه، ثم صاروا كلهم أهون شيء عليه، بيد أصحابه من بعده وأحبابه.
ولما ثبت بما أثبت لنفسه الشريفة من الكمال أنه لا مانع من إيجاد ما ساقوه مساق التوبيخ إلا عدم المشيئة، لا عجز من الجاعل ولا هوان بالمجعول له، تسلية له صلى الله عليه وسلم في أسلوب مشير بأنه يعطيه ذلك، سلاه أيضاً بأن ما نسبوه إليه لا يعتقدون حقيقته، فأضرب عن كلامهم قائلاً : ﴿ بل ﴾ أي لا تظن أنهم كذبوا بما جئت به لأنهم يعتقدون فيك كذباً وافتراء للقرآن، أو نقصاناً لأكلك الطعام ومشيك في الأسواق، أو في شيء من أحوالك، أو لا تظن أنهم يكذبون بقدرته تعالى على ما ذكر أنه إن شاء جعله لك بل، أو المعنى :دع التفكر فيما قالوه من هذا فإنهم لم يقتصروا في التكذيب عليه بل ﴿ كذبوا بالساعة ﴾ أي بقدرتنا عليها، واستقر ذلك في أنفسهم دهوراً طويلة، وأخذوه خلفاً عن سلف، وأشرب قلوبهم حب هذا الحطام الفاني، وتقيدت أوهامهم بهذه الظواهر كالبهائم، فعسر انفكاكهم عن ذلك بما جاءهم من البيان الذي لا يشكون فيه، فاجترؤوا لذلك على العناد لعدم الخوف من أهوال يوم القيامة كما قال تعالى عن أهل الكتاب ( وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون }[ آل عمران :٢٤ ] ﴿ وأعتدنا ﴾ أي والحال أنا أعتدنا أي هيأنا بما لنا من العظمة ﴿ لمن كذب ﴾ من هؤلاء وغيرهم ﴿ بالساعة سعيراً* ﴾ أي ناراً شديدة الاتقاد بما أعظموا الحريق في قلوب من كذبوهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأتباعهم رضي الله عنهم
﴿ إذا رأتهم ﴾ أي إذا كانت بحيث يمكن أن يروها وتراهم لو كانت مبصرة ﴿ من مكان بعيد ﴾ وهو أقصى ما يمكن رؤيتها منه وهم يساقون إليها ﴿ سمعوا لها ﴾ أي خاصة ﴿ تغيظاً ﴾ أي صوتاً في غليانها وفورانها كصوت المتغيظ في تحرقه ونكارته إذا غلا صدره من الغضب ﴿ وزفيراً* ﴾ أي صوتاً يدل على تناهي الغضب، وأصله صوت يسمع من الجوف.
ولما وصف ملاقاتها لهم، وصف إلقاءهم فيها فقال : ﴿ وإذا ألقوا ﴾ أي طرحوا طرح إهانة فجعلوا بأيسر أمر ملاقين ﴿ منها ﴾ أي النار ﴿ مكاناً ﴾ ووصفه بقوله : ﴿ ضيقاً ﴾ زيادة في فظاعتها ﴿ مقرنين ﴾ بأيسر أمر، أيديهم إلى أعناقهم في السلاسل، أو حبال المسد، أو مع من أغواهم من الشياطين، والتقرين :جمع شيء إلى شيء في قرن وهو الحبل ﴿ دعوا هنالك ﴾ أي في ذلك الموضع البغيض البعيد عن الرفق ﴿ ثبوراً* ﴾ أي هلاكاً عظيماً فيقولون :يا ثبوراه ! لأنه لا منادم لهم غيره، وليس بحضرة أحد منهم سواه ؛ قال ابن جرير :وأصل الثبر في كلام العرب الانصراف عن الشيء. فالمعنى حينئذ :دعوا انصرافهم عن الجنة إلى النار الذي تسببوا فيه بانصرافهم عن الإيمان إلى الكفر، فلم يكن لهم سمير إلا استحضارهم لذلك تأسفاً وتندماً،
فأجيبوا على طريق الاستئناف بقوله تعالى : ﴿ لا تدعوا اليوم ﴾ أيها الكفار ﴿ ثبوراً واحداً ﴾ لأنكم لا تموتون إذا حلت بكم أسباب الهلاك ﴿ وادعوا ثبوراً كثيراً* ﴾ لا يحصره الإحصاء ولا آخر له، فإنكم وقعتم فيما يوجب ذلك لأن أنواع الهلاك لا تبارحكم أصلاً ولكنه لا موت.
ولما كانت عادتهم تجويز الممكن من كل ما يحذرون منه من الخلق، اقتضى الحال سؤالهم :هل أعدوا لما هددوا به من الخالق عدة أم لا ؟ في سياق الاستفهام عن المفاضلة بينه وبين ما وعده المتقون، تنبيهاً على أنه أعلى رتبة من الممكن فإنه واقع لا محالة، وتهكماً بهم، فقال تعالى : ﴿ قل أذلك ﴾ أي الأمر العظيم الهول الذي أوعدتموه من السعير الموصوفة.
ولما كانت عادة العرب في بيان فضل الشيء دون غيره الإتيان بصيغة أفعل تنبيهاً على أن سلب الخير عن مقابله لا يخفى على أحد، أو يكون ذلك على طريق التنزل و إرخاء العنان، تنبيهاً للعاقل على أنه يكفيه في الرجوع عن الغي طروق احتمال لكون ما هو عليه مفضولاً قال : ﴿ خير أم جنة الخلد ﴾ أي الإقامة الدائمة ﴿ التي وعد المتقون ﴾ أي وقع الوعد الصادق المحتم بها، ممن وعده هو الوعد، للذين خافوا فصدقوا بالساعة جاعلين بينهم وبين أهوالها وقاية مما أمرتهم به الرسل ؛ ثم حقق تعالى أمرها تأكيداً للبشارة بقوله : ﴿ كانت ﴾ أي تكونت ووجدت بإيجاده سبحانه ﴿ لهم جزاء ﴾ على تصديقهم وأعمالهم ﴿ ومصيراً* ﴾ أي مستقراً ومنتهى، وذلك مدح لجزائهم لأنه إذا كان في محل واسع طيب كان أهنأ له وألذ كما أن العقاب إذا كان في موضع ضيق شنيع كان أنكى وأوجع، وهو استفهام تقريع وتوبيخ لمن كان يعقل فيجوز الممكنات.
ولما ذكر تعالى نعيمهم بها ذكر، تنعمهم فيها فقال : ﴿ لهم فيها ﴾ أي الجنة خاصة لا في غيرها ﴿ ما يشاؤون ﴾ من كل ما تشتهيه أنفسهم ﴿ خالدين ﴾ لا يبغون عنه حولاً ﴿ كان ﴾ أي ذلك كله ﴿ على ربك ﴾ أي المحسن إليك بالإحسان إلى أتباعك ﴿ وعداً ﴾.
ولما أشار سبحانه إلى إيجاب ذلك على نفسه العظيمة بالتعبير ب " على " والوعد، وكان الإنسان لا سيما مجبولاً على عزة النفس، لا يكاد يسمح بأن يسأل فيما لا يحقق حصوله، قال : ﴿ مسئولاً* ﴾ أي حقيقاً بأن يسأل إنجازه، لأن سائله خليق بأن يجاب سؤاله، وتحقق ظنونه وآماله، فالمعنى أنه إذا انضاف إلى تحتيمه الشيء على نفسه سؤال الموعود به إياه، أنجز لا محالة، وهو من وادي
﴿ أجيب دعوة الداع إذا دعان ﴾[ البقرة :١٨٦ ] وفيه حث عظيم على الدعاء، وترجية كبيرة للإجابة، كما وعد بذلك سبحانه في﴿ أجيب دعوة الداع ﴾[ البقرة :١٨٦ ] و﴿ ادعوني أستجب لكم ﴾[ غافر :٦٠ ] وإن لم ير الداعي الإنجاز فإن الأمر على ما رواه الإمام أحمد والبزار وأبو يعلى المنذري :بأسانيد جيدة - والحاكم وقال :صحيح الإسناد عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث :إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا :إذن نكثر ؟ قال :الله أكثر "
وللحاكم عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يدعو الله بالمؤمن يوم القيامة حتى يوقفه بين يديه فيقول :عبدي ! إني أمرتك أن تدعوني، ووعدتك أن أستجيب لك فهل كنت تدعوني ؟ فيقول :نعم ! يا رب فيقول :أما إنك لم تدعني بدعوة إلا استجيب لك ؟ أليس دعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك ففرجت عنك ؟ فيقول :نعم ! يا رب ! فيقول :إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا لغم نزل بك أن أفرج عنك فلم تر فرجاً ؟ قال :نعم ! يا رب فيقول :إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، ودعوتني في حاجة أقضيها لك في يوم كذا وكذا فقضيتها ؟ فيقول :نعم ! يا رب ! فيقول :إني عجلتها لك في الدنيا، ودعوتني يوم كذا وكذا في حاجة أقضيها لك فلم تر قضاءها ؟ فيقول :نعم ! يارب ! فيقول إني ادخرت لك بها في الجنة كذا وكذا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :فلا يدع الله دعوة دعا بها عبده المؤمن إلا بين له إما أن يكون عجل له في الدنيا، وإما أن يكون ادخر له في الآخرة، فيقول المؤمن في ذلك المقام :يا ليته لم يكن عجل له شيء من دعائه " ولابن حبان في صحيحه والحاكم وقال :صحيح الإسناد - عن أنس رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تعجزوا في الدعاء فإنه لن يهلك مع الدعاء أحد " وللترمذي والحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة " وللبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول :دعوت فلم يستجب لي " وفي رواية لمسلم والترمذي :" لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل، قيل :يا رسول الله ! ما الاستعجال ؟ قال :يقول :قد دعوت فلم يستجب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء " قال المنذري :يستحسر أي يمل ويعيى فيترك الدعاء - انتهى. وقد فهم من الآية ومن الحديث في استثناء الإثم وقطيعة الرحم أن ما لا مانع من سؤاله موعود بإجابته ونواله، فليدع الإنسان به موقناً بالإجابة.
ولما ذكر لهم حالهم في الساعة معه سبحانه، أتبعه ذكر حالهم مع معبوداتهم من دونه، فقال بالالتفات إلى مظهر العظمة على قراءة الجماعة : ﴿ ويوم ﴾ أي قل لهم ما أمرتك به، واذكر لهم يوم ﴿ نحشرهم ﴾ أي المشركين، بما لنا من العظمة التي نبرزها في ذلك اليوم، من القبور ؛ وقرأ أبو جعفر وابن كثير ويعقوب وحفص عن عاصم بالياء التحتية فيكون الضمير للرب ﴿ وما يعبدون ﴾ أي من الملائكة والإنس والجن وغيرهم ممن يعقل وممن لا يعقل ؛ ونبه على سفول رتبتهم عن ذلك وعدم أهليتهم بقوله : ﴿ من دون الله ﴾ أي الملك الأعلى الذي لا كفوء له، وذكرها بلفظ " ما " إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جماد بل عدم بالنسبة إليه سبحانه بما أشار إليه التعبير بالاسم الأعظم الدال على جميع الكمال، مع أن " ما " موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم وإن كان أكثر استعماله في غير العقلاء، وعبر سبحانه بقوله : ﴿ فيقول ﴾ بإعادة ضمير الغيبة بعد التعبير بنون العظمة في " نحشر " في قراءة غير ابن عامر لتقدم الجلالة الشريفة، تحقيقاً للمراد وتصريحاً به، وإعلاماً بأن المراد بالنون العظمة لا الجمع، وقرأ ابن عامر بالنون موحداً الأسلوب : ﴿ أنتم ﴾ أي أيها المعبودات ! بإيلاء الهمزة الضمير سؤالاً عن المضل، لأن ضلال العبدة معروف لا يسأل عنه ﴿ أضللتم ﴾ بالقهر والخداع والمكر ﴿ عبادي هؤلاء ﴾ حتى عبدوكم كما في الآية الأخرى ( ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون }[ سبأ :٤٠ ] في أمثالها من الآيات كما في الحديث القدسي :" إني خلقت عبادي حنفاء كلهم فاحتالهم الشياطين " ﴿ أم ﴾.
ولما كان السؤال - كما مضى - عن الفاعل لا عن الفعل، كان لا بد من قوله : ﴿ هم ﴾ أي باختيار منهم لإهمالهم استعمال ما أعطيتهم من قويم العقل وسديد النظر ﴿ ضلوا ﴾ وأوصل الفعل بدون " عن " كما في هداة الطريق بدون " إلى " لكثرة الدور، وللإشارة إلى قوة الفعل فقال : ﴿ السبيل* ﴾ أي الذي نهجته ونصبت عليه الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة
﴿ قالوا ﴾ أي المعبودات الحي منهم والجماد، المطيع والعاصي : ﴿ سبحانك ﴾ أي تنزهت عن أن ينسب إلى غيرك قدرة على فعل من الأفعال.
ولما أنتج التنزيه أنه لا فعل لغيره سبحانه، عبروا عنه بقولهم : ﴿ ما كان ينبغي ﴾ أي يصح ويتصور ﴿ لنا أن نتخذ ﴾ أي نتكلف أن نأخذ باختيارنا من غير إرادة منك ﴿ من دونك ﴾ وكل ما سواك فهو دونك ﴿ من أولياء ﴾ أي ينفعوننا، فإنا مفتقرون إلى من ينفعنا لحاجتنا وفقرنا، فكيف نترك من بيده كل شيء وهو أقرب إلينا في كل معنى من معاني الولاية من كل شيء من العلم والقدرة وغيرهما إلى من لا شيء بيده، وهو أبعد بعيد من كل معنى من معاني الولاية، فلو تكلفنا جعله قريباً لم يكن كذلك، وهذه عبارة صالحة سواء كانت من الصالحين ممن عبد من الأنبياء والملائكة أو غيرهم، فإن كانت من الصالحين فمعناها :ما كان ينبغي لنا ذلك فلم نفعله وأنت أعلم، كما قال تعالى ( ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس }[ آل عمران :٧٩ ] الآية ؛ وإن كانت من الجمادات فالمعنى :ما كنا في حيز من يقدر على شيء من ذلك، ولكن فعلوه بطراً ؛ وإن كانت من مثل فرعون فالمعنى :ما كان لنا هذا، ولكن هم أنزلونا هذه المنزلة بمجرد دعائنا لهم كما يقول إبليس - فما كان لنا عليهم من سلطان إلا أن دعوناهم فاستجابوا، وذلك لعدم نظرهم في حقائق الأمور، فألقى الكل إلى الله يومئذ السلم، فثبت أنهم ليسوا في تلك الرتبة التي أنزلوهم إياها، وفائدة السؤال مع شمول علمه تعالى تبكيت المعاندين وزيادة حسراتهم وأسفهم، وتغبيط المؤمنين إذا سمعوا هذا الجواب، هذا مع ما في حكايته لنا من الموعظة البالغة، وقراءة أبي جعفر بالبناء للمفعول بضم النون وفتح الخاء واضحة المعنى، أي يتخذنا أحد آلهة نتولى أموره.
ولما كان المعنى :إنا ما أضللناهم، أما إذا قدر من الملائكة ونحوهم فواضح، وأما من غيرهم فإن المضل في الحقيقة هو الله، وفي الظاهر بطرهم النعمة، واتباعهم الشهوات التي قصرت بهم عن إمعان النظر، وأوقفتهم مع الظواهر، حسن الاستدراك بقوله : ﴿ ولكن ﴾ أي ما أضللناهم نحن، وإنما هم ضلوا بإرادتك لأنك أنت ﴿ متعتهم وآباءهم ﴾ في الحياة الدنيا بما تستدرجهم به من لطائف المنن، وأطلت أعمارهم في ذلك ﴿ حتى نسوا الذكر ﴾ الذي لا ينبغي أن يطلق الذكر على غيره، وهو الإيمان بكل ما أرسلت به سبحانك رسلك برهان ما يعرفه كل عاقل من نفسه بما وهبته من غريزة العقل من أنه لايصح بوجه أن يكون الإله إلا واحداً، ما بين العاقل وبين ذكر ذلك إلا يسير تأمل، مع البراءة من شوائب الحظوظ والحاصل أنك سببت لهم أسباباً لم يقدروا على الهداية معها، فأنت الملك الفعال لما تريد، لا فعل لأحد سواك ﴿ وكانوا ﴾ في علمك بما قضيت عليهم في الأزل ﴿ قوماً بوراً* ﴾ هلكى.
ولما كان هذا أمراً واقعاً لا محالة، التفت إليهم مبكتاً فقال معبراً بالماضي بعد " قد " المقربة المحققة : ﴿ فقد كذبوكم ﴾ أي المعبودون كذبوا العابدين بسبب إلقائهم السلم المقتضي لأنهم لا يستحقون العبادة وأنهم يشفعون لكم مقهورين مربوبين ﴿ بما ﴾ أي بسبب ما ﴿ تقولون ﴾ أيها العابدون من أنهم يستحقون العبادة، وأنهم يشفعون لكم، وأنهم أضلوكم، وفي قراءة ابن كثير بالتحتانية المعنى :بما يقول المعبودون من التسبيح لله والإذعان، في ادعائكم أنهم أضلوكم.
ولما تسبب عن إلقائهم السلم وتخليهم عمن عبدهم أنه لا نفع في أيديهم ولا ضر، قال : ﴿ فما يستطيعون ﴾ أي المعبودون ﴿ صرفاً ﴾ أي لشيء من الأشياء عن أحد من الناس، لا أنتم ولا غيركم، من عذاب ولا غيره، بوجه حيلة ولا شفاعة ولا مفاداة ﴿ ولا نصراً ﴾ بمغالبة، وهو نحو قوله تعالى
﴿ فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلاً ﴾[ الإسراء :٥٦ ].
ولما كان التقدير :فمن يعدل منكم لسماع هذا الوعظ بوضع العبادة في موضعها نثبه ثواباً جليلاً، عطف عليه ما المقام له فقال : ﴿ ومن يظلم منكم ﴾ بوضعها في غير موضعها، وباعتقاده في الرسل ما لا ينبغي من أنه لا ينبغي لهم أن يكونوا مثل الناس في أكل ولا طلب معيشة ونحو ذلك ﴿ نذقه ﴾ في الدنيا والآخرة، بما لنا من العظمة ﴿ عذاباً كبيراً* ﴾.
ولما أبطل سبحانه ما وصموا به رسوله صلى الله عليه وسلم وذكر ما جزاهم عليه. وما أعد لهم وله ولأتباعه، ونفى ما زعموه في معبوداتهم وختمه بتعذيب الظالم، ذكر ما ظلموا فيه من قولهم ﴿ ما لهذا الرسول ﴾ ونحوه، فبين أن ما جعلوه من ذلك وصمة في حقه هو سنته سبحانه في الرسل من قبله أسوة لنوعهم البشري، وأتبعه سره فقال زيادة في التسلية والتعزية والتأسية : ﴿ وما أرسلنا ﴾ بما لنا من العظمة. ولما كان المراد العموم، أعراه من الجار فقال : ﴿ قبلك ﴾ أي يا محمد أحداً ﴿ من المرسلين إلا ﴾ وحالهم ﴿ إنهم ليأكلون الطعام ﴾ كما تأكل ويأكل غيرك من الآدميين ﴿ ويمشون في الأسواق ﴾ كما تفعل ويفعلون أي إلا وحالهم الأكل والمشي لطلب المعاش كحال سائر الآدميين، وهم يعلمون ذلك لما سمعوا من أخبارهم، وهذا تأكيد من الله تعالى فإنهم لا يكذبونه عليه الصلاة والسلام، ولا يعتقدون فيه نقصاً، وإبطال لحجتهم بما قالوه من ذلك، وإقامة للحجة على عنادهم، وأنهم إنما يقولونه وأمثاله لما تقدم من رسوخ التكذيب بالساعة في أنفسهم ﴿ وجعلنا ﴾ أي بالعطاء والمنع بما لنا من العظمة ﴿ بعضكم لبعض فتنة ﴾ بأن جعلنا هذا نبياً وخصصناه بالرسالة، وهذا ملكاً وخصصناه بالدنيا، وهذا فقيراً وحرمناه الدنيا، ليظهر ما نعلمه من كل من الطاعة والمعصية في عالم الغيب للناس في عالم الشهادة، فنختبر الفقير بصبره على ما حرم مما أعطيه الغني أو جزعه، والملك ومن في معناه من الأشراف بصبرهم على ما أعطيه الرسول من الكرامة والبلوغ بالقرب من الله إلى ما لا يبلغونه مع ما هم فيه من العظمة، فلأجل ذلك لم أعط رسولي الدنيا، وجعلته ممن يختار العبودية والكفاف بطلب المعاش في الأسواق، لأبتليكم في الطاعة له خالصة، فإني لو أعطيته الدنيا، وجعلته ممن يختار الملك، لسارع الأكثر إلى اتباعه طمعاً في الدنيا، وهذا معنى ﴿ أتصبرون ﴾ فإنه علة ما قبله، أي لنعلم علم شهادة هل تصبرون فيما امتحناكم به أم لا ؟ كما كنا نعلمه علم غيب، لتقوم عليكم بذلك الحجة في مجاري عاداتكم، وفيها مع العلية تهديد بليغ لمن تدبر، ويجوز أن يكون الاستفهام استئنافاً للتهديد.
ولما كان الاختبار ربما أوهم نقصاً في العلم، وكان إحسانه سبحانه إلى جميع الخلق دون إحسانه إلى سيدهم وعينهم، وخلاصتهم وزينهم :محمد صلى الله عليه وسلم، وكان أعلمهم بتنزيهه وتعظيمه، وكان امتحانهم بجعله نبياً عبداً مع كونه في غاية الإكرام له ربما ظنوه إهانة، نفى ما لعله يوهمه كل من الاستفهام والامتحان في حق الله سبحانه وحق نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال صارفاً وجه الخطاب إليه : ﴿ وكان ربك ﴾ أي المحسن إليك إحساناً لم يحسنه إلى أحد سواك، لا سيما بجعلك نبياً عبداً ﴿ بصيراً* ﴾ بكل شيء فهو عالم بالإنسان قبل الامتحان، لم يفده ذلك علماً لم يكن، وهو سبحانه يضع الأمور في حاق مواضعها وإن رئي غير ذلك، فينبغي على كل أحد التسليم له في جميع الأمور فإنه يجر إلى خير كبير، والتدبر لأقواله وأفعاله بحسن الانقياد والتلقي فإنه يوصل إلى علم غزير، وما أراد بابتلائك بهم وابتلائهم بك في هذا الأذى الكبير إلا إعلاء شأنك وإسفال أمرهم﴿ ولتعلمن نبأه بعد حين ﴾[ ص :٨٨ ].
ولما ذكر هذا الابتلاء بعد أن ذكر أول السورة ما هو سبحانه عليه من العظمة من سعة الملك، وكثرة الصنائع، والإحسان إلى جميع الخلق، وكان من حق كل مربوب أن يتعرف إلى ربه، كائناً من كان، لا سيما إذا كان بهذه الصفة، لينال من إحسانه، ويتعزز به على أقرانه، أتبع ذلك أنه كشف الابتلاء عن أنه لا بصر لهم فقال تعالى : ﴿ وقال ﴾ وأظهر في موضع الإضمار الوصف الذي قدم أنه موجب لعماهم فقال : ﴿ الذين لا يرجون ﴾ أي ليست لهم عقول لكونهم نسوا ﴿ لقاءنا ﴾ فهم لا يعملون عملاً يطمعون في إثباتنا لهم عليه بعد الموت على ما يعلمون لنا من العظمة التي من رجاها كانت له فسعد، ومن أعرض عنها كانت عليه فهلك، فصارت لذلك عقولهم تبعاً لشهواتهم، فصاروا يتعرفون إلى جمادات سموها أربابهم، ويقصدونها ويتمسحون بها رجاء للمحال، والانهماك في الضلال، فذكر الرجاء لهذا الغرض مع أنه يلزمه عدم الخوف : ﴿ لولا ﴾ أي هلا ولم لا.
ولما كان مرادهم لجهلهم أن يروهم كلهم دفعة واحدة، عبر بالإنزال فقال : ﴿ أنزل ﴾ أي على أيّ وجه كان من أيّ منزل كان ﴿ علينا الملائكة ﴾ أي كما أنزلت عليه فيما يزعم ﴿ أو نرى ربنا ﴾ بما له إلينا من الإحسان وما لنا نحن من العظمة بالقوة بالأموال وغيرها، فيأمرنا بما يريد من غير حاجة إلى واسطة.
ولما كان هذا القول مما لا ينبغي لبشر أن يجترىء عليه، لأن فيه اعتراضاً على من لا يحد وصف عظمته، ولا تدرك مقاصد حكمته، قال مصدراً بحرف التوقع لما أرشد إليه السياق جواباً لمن كأنه سأل :ما حالهم في هذا ؟ ﴿ لقد ﴾ أي وعزتنا لقد ﴿ استكبروا ﴾ أي طلبوا بل أوجدوا الكبر. ولما لم يكن لكبرهم ثمرة في الظاهر، لأنه لا يعود بالضرر على أحد غيرهم، قال : ﴿ في أنفسهم ﴾ أي بطلب رؤية الملائكة.
ولما كان حاصل أمرهم أنهم طلبوا رتبة النبي الذي واسطته الملك، وزادوا عليه رؤية جميع الملائكة الآخذين عن الله، وزادوا على ذلك بطلب الرؤية، قال : ﴿ وعتو ﴾ أي وجاوزوا الحد في الاستكبار بما وراءه من طلبهم رؤية جميع الملائكة ورؤية الملك الجبار، وزاد في تأكيد هذا المعنى لاقتضاء المقام له بقوله : ﴿ عتواً كبيراً* ﴾ وبيان أنهم ما قالوا هذا إلا عتواً وظلماً أن ما جاءهم من الآيات التي أعظمها القرآن دلهم قطعاً بعجزهم عن الإتيان بشيء منه على صدقه صلى الله عليه وسلم عن الله في كل ما يقوله، وفي حسن هذا الاستئناف وفحوى هذا السياق دلالة على التعجب من غير لفظ تعجب فالمعنى :ما أشد استكبارهم وأكبر عتوهم !
ثم بين لهم حالهم عند بعض ما طلبوا فقال : ﴿ يوم ﴾ وناصبه ما دل عليه " لا بشرى " ﴿ يرون الملائكة ﴾ أي يوم القيامة أو قبله في الغزوات أو عند الاحتضار ﴿ لا بشرى ﴾ أي من البِشر أصلاً ﴿ يومئذ للمجرمين ﴾ أي لأحد ممن قطع ما أمر الله به أن يوصل، ولبيان ذلك أظهر موضع الإضمار ﴿ ويقولون ﴾ أي في ذلك الوقت : ﴿ حجراً محجوراً* ﴾ أي نطلب منعاً منكم ممنوعاً، أي مبالغاً في مانعيته، ويجوز أن يراد بالمفعول الفاعل، والمعنى واحد في أنهم يريدون أن يكون بينهم وبين الملائكة مانع عظيم يمنعهم منهم ؛ قال أبو عبيدة :وهذا عوذة العرب، يقوله من خاف آخَرَ في الحرم أو في شهر حرامٍِ إذا لقيه وبينهما برة وقال سيبويه :يريد البراءة من الأمر ويبعد عن نفسه أمراً، فكأنه قال :أُحرّم ذلك حراماً محرماً، ومثل ذلك أن يقول الرجل للرجل :أتفعل كذا وكذا ؟ فيقول :حجراً أي ستراً وبراءة من هذا، فهذا ينتصب على إضمار الفعل. وعبر بالمضارع إشارة إلى دوام تجديدهم لهذا القول بعد مفاجأتهم به حال رؤيتهم لهم، لعظيم روعتهم منهم، بخلاف ما بعده فإنه عبر فيه بالماضي إشارة إلى أنه كائن لا محالة.
ولما كان المريد لإبطال الشيء - لشدة كراهته له لا يقنع في إبطاله بغيره، بل يأتيه بنفسه فيبطله، عبر بقوله : ﴿ وقدمنا ﴾ أي بما لنا من العظمة الباهرة في ذلك اليوم الذي يرون فيه الملائكة سواء كان في الدنيا أو في الآخرة ﴿ إلى ما عملوا من عمل ﴾ أي من مكارم الأخلاق من الجود وصلة الرحم والحلم والنجدة في الخير وإغاثة الملهوف وغيره ﴿ فجعلناه ﴾ لكونه لم يؤسس على الإيمان، وإنما هو للهوى والشيطان - باطلاً لا نفع فيه، وهو معنى ﴿ هباء ﴾ وهو ما يرى في شعاع الشمس الداخل من الكوة مما يشبه الغبار، فهو أشبه شيء بالعدم لأنه لا نفع له أصلاً.
ولما كان الهباء يرى مع السكون منتظماً، فإذا حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب، فعظم دخوله في حيز العدم مع أنه محسوس، قال مبالغاً في وصف أعمالهم : ﴿ منثوراً* ﴾ وهو صفة، وقيل :مفعول ثالث لجعل، أي جعلنا الأعمال جامعة لحقارة الهباء والتناثر.
ولما علم من هذا أن التقدير :فكانوا بحيث إنهم لا قرار لهم إذا كانت النار مقيلهم، تلاه بحال أضدادهم فقال : ﴿ أصحاب الجنة يومئذ ﴾ أي يوم إذ يرون الملائكة ﴿ خير مستقراً ﴾ أي مكاناً يصلح للاستقرار لطيبه، ويكونون فيه في أكثر أوقاتهم مستقرين على سرر متقابلين يتحادثون، إشارة إلى أن منزل أولئك لا يمكن الاستقرار فيه
﴿ وأحسن مقيلاً* ﴾ أي مكاناً يمكن فيه الاستراحة في مثل وقت القيلولة للاسترواح بأزواجهم، والتمتع بما يكون في الخلوات، روي أن وقت الحساب على طوله يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين أول النهار إلى وقت القائلة فيقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ الناس من الحساب. وعبر بأفعل التفضيل تهكماً بهم أو أنه عبر بذلك لما كان الكلام عاماً لأحوال الدنيا والآخرة، وهم قاطعون بأنهم في الدنيا أحسن حالاً من المؤمنين، لما هم فيه من السعة في المال والكثرة والقوة، وبلفظ الحسن إشارة إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور ونحوه.
ولما كان للكفرة في هذه الدار من العز والقوة والضخامة ما يتعجبون معه من مصير حالهم وحال أخصامهم إلى ما ذكر، بين أن الأمر في ذلك اليوم على غير ما نعهده، فقال عاطفاً على ﴿ يوم يرون ﴾ : ﴿ ويوم تشقق ﴾ أي تشققاً عظيماً وإن كان فيه خفاء على البعض - بما أشار إليه حذف تائه ﴿ السماء بالغمام ﴾ أي كما تشقق الأرض بالنبات فيخرج من خلال شقوقها، وأشار إلى جهل من طلبوا نزولهم دفعة واحدة بقوله : ﴿ ونزل ﴾ أي بالتدريج بأمر حتم لا يمكنهم التخلف عنه، بأمر من لا أمر لغيره. ﴿ الملائكة ﴾ الذين طلبوا أن يروهم في حال واحد ﴿ تنزيلاً* ﴾ في أيديهم صحائف الأعمال ؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما :تشقق السماء في الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الدنيا من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر من أهل السماء الدنيا وأهل الأرض جناً وإنساً ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكروبيون ثم حملة العرش.
ولما كان ذلك اليوم سبباً لانكشاف الأمور ومعرفة أنه لا ملك لسواه سبحانه لأنه لا يقضي فيه غيره قال : ﴿ الملك يومئذ ﴾ أي يوم إذ تشقق السماء بالغمام ؛ ثم وصف الملك بقوله :
﴿ الحق ﴾ أي الثابت، معناه ثابتاً لا يمكن زواله ؛ ثم أخبر عنه بقوله : ﴿ للرحمن ﴾ أي العام الرحمة في الدارين، ومن عموم رحمته وحقيقة ملكه أن يسر قلوب أهل وده بتعذيب أهل عداوته الذين عادوهم فيه لتضييعهم الحق باتباع الباطل، ولولا اتصافه بالرحمة لم يدخل أحد الجنة، ومعنى التركيب أن ملك غيره في ذلك اليوم إنما هو بالاسم الذي تقدم له في الدنيا تسميته به فقط، لا حكم له أصلاً ولا ظاهراً كما كان في الدنيا ﴿ وكان ﴾ أي ذلك اليوم الذي تظهر فيه الملائكة الذين طلب الكفار رؤيتهم ﴿ يوماً على الكافرين ﴾ أي فقط ﴿ عسيراً* ﴾ شديد العسر والاستعار.
ولما كان حاصل حالهم أنهم جانبوا أشرف الخلق الهادي لهم إلى كل خير، وصاحبوا غيره ممن يقودهم إلى كل شر، بين عسر ذلك اليوم الذي إنما أوجب جرأتهم تكذيبهم به بتناهي ندمهم على فعلهم هذا فقال : ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ أي لفرط تأسفه لما يرى فيه من الأهوال ﴿ على يديه ﴾ أي كلتيهما فيكاد يقطعهما لشدة حسرته وهو لا يشعر، حال كونه مع هذا الفعل ﴿ يقول ﴾ أي يجدد في كل لحظة قوله : ﴿ يا ليتني اتخذت ﴾ أي أرغمت نفسي وكلفتها أن آخذ في الدنيا ﴿ مع الرسول سبيلاً* ﴾ أي عملاً واحداً من الأعمال التي دعاني إليها، وأطعته طاعة ما، لما انكشف لي في هذا اليوم من أن كل من أطاعه ولو لحظة حصلت له سعادة بقدرها، وعض اليد والأنامل وعرق الأسنان ونحو ذلك كناية عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما، فتذكر الرادفة دلالة على المردوف فيرتفع الكلام في طبقة الفصاحة إلى حد يجد السامع عنده في نفسه من الروعة والاستحسان ما لا يجده عند المكنى عنه.
ولما تأسف على مجانبة الرسول، تندم على مصادقة غيره بقوله : ﴿ يا ويلتي ﴾ أي يا هلاكي الذي ليس لي منادم غيره لأنه ليس بحضرتي سواه. ولما كان يريد محالاً، عبر بأداته فقال : ﴿ ليتني لم أتخذ فلاناً ﴾ يعني الذي أضله - يسميه باسمه، وإنما كنى عنه وهو سبحانه لا يخاف من المناواة، ولا يحتاج إلى المداجاة، إرادة للعموم وإن كانت الآية نزلت في شخص معين ﴿ خليلاً* ﴾ أي صديقاً أوافقه في أعماله لما علمت من سوء عاقبتها.
ثم استأنف قوله الذي يتوقع كل سامع أن يقوله : ﴿ لقد ﴾ أي والله لقد ﴿ أضلني عن الذكر ﴾ أي عمّى عليّ طريق القرآن الذي لاذكر في الحقيقة غيره وصرفني عنه، والجملة في موضع العلة لما قبلها ﴿ بعد إذ جاءني ﴾ ولم يكن لي منه مانع يظهر غير إضلاله.
ولما كان التقدير :ثم ها هو قد خذلني أحوج ما كنت إلى نصرته، عطف عليه قوله : ﴿ وكان الشيطان ﴾ أي كل من كان سبباً للضلال من عتاة الجن والإنس ﴿ للإنسان خذولاً* ﴾ أي شديد الخذلان، يورده ثم يسلمه إلى أكره ما يكره، لا ينصره، ولو أراد لما استطاع، بل هو شر من ذلك، لأن عليه إثمه في نفسه ومثل إثم من أضله.
ولما ذكر سبحانه أقوال الكفار إلى أن ختم بالإضلال عن الذكر، وكانوا مع إظهارهم التكذيب به وأنه مفتعل في غاية الطرب له، والاهتزاز به، والتعجب منه، والمعرفة بأنه يكون له نبأ، أشار إلى ذلك بقوله :عاطفاً على ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول ﴾ معظماً لهذه الشكاية منه صلى الله عليه وسلم، مخوفاً لقومه لأن الرسل قبله عليهم الصلاة والسلام كانوا إذا شكوا أنزل بقومهم عذاب الاستئصال : ﴿ وقال الرسول ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم : ﴿ يا رب ﴾ أيها المحسن إليّ بأنواع الإحسان الذي أعظمه الرسالة، وعبر بأداة البعد هضماً لنفسه مبالغة في التضرع ﴿ إن قومي ﴾ أي قريشاً الذين لهم قوة وقيام ومنعة ﴿ اتخذوا ﴾ أي يتكليف أنفسهم ضد ما اتخذه ﴿ هذا القرآن ﴾ أي المقتضي للاجتماع عليه والمبادرة إليه ﴿ مهجوراً* ﴾ أي متروكاً، فأشار بصيغة الافتعال إلى أنهم عالجوا أنفسهم في تركه علاجاً كثيراً، لما يرون من حسن نظمه، ويذوقون من لذيذ معانيه، ورائق أساليبه، ولطيف عجائبه، وبديع غرائبه، كما تعرّف به قصة أبي جهل وأبي سفيان بن حرب والأخنس بن شريق حين كانوا يستمعون لقراءته ليلاً، كل واحد منهم في مكان لا يعلم به صاحباه، ثم يجمعهم الطريق إذا أصبحوا فيتلاومون ويتعاهدون على أن لا يعودوا، ثم يعودون حتى فعلوا ذلك ثلاث ليال ثم أكدوا على أنفسهم العهود حتى تركوا ذلك كما هو مشهور في السير.
ولما كان في هذا الكلام معنى الشكاية وشدة التحرق، وعظيم التحزن كما يشير إليه إثبات يا التي للبعد، على خلاف ما جرت به العادة في نداء الخواص الذين هو أخصهم، والاستفهام عن سبب هجرانهم مع ما لهم إليه من الدواعي، كان كأنه قيل :ذلك بأن من فعله عاداك حسداً لك، وعطف عليه : ﴿ وكذلك ﴾ أي ومثل ما فعلنا من هذا الفعل العظيم وأنت أعظم الخلق لدينا ﴿ جعلنا ﴾ بما لنا من العظمة ﴿ لكل نبي ﴾ أي من الأنبياء قبلك، رفعة لدرجاتهم ﴿ عدواً من المجرمين ﴾ الذين طبعناهم على الشغف بقطع ما يقتضي الوصل فأضللناهم بذلك إهانة لهم، فاصبر كما صبروا فإني سأهدي بك من شئت، وأنصرك على غيرهم، وأكرم قومك من عذاب الاستئصال تشريفاً لك.
ولما كان موطناً تعلق فيه النفوس متشوقة إلى الهداية بعد هذا الطبع، والنصرة بعد ذلك الجعل، كان كأنه قيل :لا تحزن فلنجعلن لك ولياً ممن نهديه للإيمان، ولننصرنهم على عدوهم كما فعلنا بمن قبلك، بل أعظم حتى نقضي أممهم من ذلك العجب، ولا يسعهم إلا الخضوع لكم والدخول في ظلال عزكم، ولما كان ذلك - لكثرة المعادين - أمراً يحق له الاستبعاد، قال عاطفاً على ما تقديره ؛ ثم نصر إخوانك من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على من جعلهم أعداءهم ربُّك الذي أرسلهم : ﴿ وكفى بربك ﴾ أي المحسن إليك ﴿ هادياً ﴾ يهدي بك من قضى بسعادته ﴿ ونصيراً* ﴾ ينصرك على من حكم بشقاوته.
ولما ذكر سبحانه شكايته من هجرانهم للقرآن، وقرر عداوتهم له ونصرته عليهم، أتبع ذلك بما يدل عليه، فقال عطفاً على ما مضى من الأشباه في الشبه، وأظهر موضع الإضمار تنبيهاً على الوصف الذي حملهم على هذا القول : ﴿ وقال الذين كفروا ﴾ أي غطوا عداوة وحسداً ما تشهد عقولهم بصحته من أن القرآن كلام لإعجازه لهم متفرقاً، فضلاً عن كونه مجتمعاً، وغطوا ما وضح لهم من آثاره الظاهرة الشاهدة بوحدانيته، وغير ذلك من صفاته العلية : ﴿ لولا ﴾ أي هلا.
ولما كانوا لشدة ضعفهم لا يكادون يسمحون بتسمية القرآن تنزيلاً فضلاً عن أن يسندوا إنزاله إلى الله سبحانه وتعالى، بنوا للمفعول في هذه الشبهة التي أوردها قولهم : ﴿ نُزِّل عليه ﴾ ولما عبروا بصيغة التفعيل المشيرة إلى التدريج والتفريق استجلاباً للسامع لئلا يعرض عنهم، أشاروا إلى أن ذلك غير مراد فقالوا : ﴿ القرآن ﴾ أي المقتضي اسمه للجمع ؛ ثم صرحوا بالمراد بقولهم : ﴿ جملة ﴾ وأكدوا بقولهم : ﴿ واحدة ﴾ أي من أوله إلى آخره بمرة، ليتحقق أنه من عند الله، ويزول عنا ما نتوهمه من أنه هو الذي يرتبه قليلاً قليلاً، فتعبيرهم بما يدل على التفريق أبلغ في مرادهم، فإنهم أرغبوا السامع في الإقبال على كلامهم بتوطينه على ما يقارب مراده، ثم أزالوا بالتدريج أتم إزالة، فكان في ذلك من المفاجأة بالروعة والإقناط مما أمّل من المقاربة ما لم يكن في " أنزل " والله أعلم.
ولما كان التقدير :وما له ينزل عليه مفرقاً، وكان للتفريق فوائد جليلة، أشار سبحانه إلى عظمتها بقوله معبراً للإشارة إلى ما اشتملت عليه من العظمة بأداة البعد : ﴿ كذلك ﴾ أي أنزلناه شيئاً فشيئاً على هذا الوجه العظيم الذي أنكروه ﴿ لنثبت به فؤادك ﴾ بالإغاثة بتردد الرسل بيننا وبينك، وبتمكينك وتمكين أتباعك من تفهم المعاني، وتخفيفاً للأحكام، في تحميلها أهل الإسلام، بالتدريج على حسب المصالح، ولتنافي الحكمة في الناسخ والمنسوخ، لما رتب فيه من المصالح، وتسهيلاً للحفظ لا سيما والأمة أمية لا تقرأ ولا تكتب، وتلقيناً للأجوبة في أوقاتها، وتعظيماً للإعجاز، لأن ما تحدى بنجم منه فعجز عنه علم أن العجز عن أكثر منه أولى، فالحاصل أن التفريق أدخل في باب الإعجاز وفي كل حكمة، فعلم أن هذا الاعتراض فضول ومماراة بما لا طائل تحته من ضيق الفطن، وقلة الحيلة، وحرج الخطيرة، دأب المقطوع المبهوت، لأن المدار الإعجاز، وأما كونه جملة أو مفرقاً فأمر لا فائدة لهم فيه، وليست الإشارة محتملة لأن تكون للكتب الماضية، لأن نزولها إنما كان منجماً كما بينته في سورة النساء عن نص التوراة المشير إليه نص كتابنا، لا كما يتوهمه كثير من الناس، ولا أصل له إلا كذبة من بعض اليهود شبهوا بها على أهل الإسلام فمشت على أكثرهم وشرعوا يتكلفون لها أجوبة، واليهود الآن معترفون بأن التوراة نزلت في نحو عشرين سنة والله الموفق.
ولما كان إنزاله مفرقاً أحسن، أكده بقوله عطفاً على الفعل الذي تعلق به " كذلك " ﴿ ورتلناه ترتيلاً* ﴾ أي فرقناه في الإنزال إليك تفريقاً في نيف وعشرين سنة ؛ وقال البغوي :قال ابن عباس رضي الله عنهما :بيناه بياناً، والترتيل :التبين في ترسل وتثبت. انتهى. وأصله ترتيل الأسنان وهو تفليجها كنور الأقحوان.
ولما كان التقدير :قد بطل ما أتوا به هذا الاعتراض، عطف عليه قوله : ﴿ ولا يأتونك ﴾ أي المشركون ﴿ بمثل ﴾ أي باعتراض في إبطال أمرك يخيلون به لعقول الضعفاء بما يجتهدون في تنميقه وتحسينه وتدقيقه حتى يصير عندهم في غاية الحسن والرشاقة لفظاً ومعنى ﴿ إلا جئناك ﴾ أي في جوابه ﴿ بالحق ﴾ ومن الألف واللام الدالة على الكمال يُعرَف أن المراد به الثابت الذي لا شيء أثبت منه، فيرهق ما أتوا به لبطلانه، ويفتضح بعد ذلك الستر فضيحة تخجّل القائل والسامع القابل.
ولما كان التقدير في الأصل :بأحق منه، وإنما عبر بالحق، لئلا يفهم أن لما يأتون به وجهاً في الحقيقة، عطف عليه قوله : ﴿ وأحسن ﴾ أي من مثلهم ﴿ تفسيراً* ﴾ أي كشفاً لما غطى الفهم من ذلك الذي خيلوا به وادعوا أنهم أوضحوا به وجهاً من وجوه المطاعن، فجزم أكثر من السامعين بحسنه.
ولما أنتجت هذه الآيات كلها أنهم معاندون لربهم، وأنهم يريدن بهذه الأسئلة أن يضللوا سبيله، ويحتقروا مكانته، ويهدروا منزلته، علم قطعاً أنه يعمر بهم دار الشقاء، وكان ذلك أدل دليل على أنهم أعمى الناس عن الطرق المحسوسة، فضلاً عن الأمثال المعلومة، والتمثيل للمدارك الغامضة، وأنهم أحقر الناس لأنه لا ينتقص الأفاضل إلا ناقص، ولا يتكلم الإنسان إلا فيمن هو خير منه، قال معادلاً لقوله : ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير ﴾[ الفرقان :٢٤ ] واصفاً لما تقدم أنه أظهره موضع الإضمار من قوله ﴿ الذين كفروا ﴾ [ الفرقان :٣٢ ] ﴿ الذين يحشرون ﴾ أي يجمعون قهراً ماشين مقلوبين ﴿ على وجوههم ﴾ أو مسحوبين ﴿ إلى جهنم ﴾ كما أنهم في الدنيا كانوا يعملون ما كأنهم معه لا يبصرون ولا تصرف لهم في أنفسهم، تؤزهم الشياطين أزاً، فإن الآخرة مرآة الدنيا، مهما عمل هنا رئي هناك، كما أن الدنيا مزرعة الآخرة، مهما عمل فيها جنيت ثمرته هناك " روى البخاري عن أنس رضي الله عنهما أن رجلاً قال :يا نبي الله ! كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ قال :" أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ؟ قال قتادة :يعني الراوي عن أنس :بلى وعزة ربنا ".
ولما وصف المتعنتين في أمر القرآن بهذا الوصف، استأنف الإخبار بأنهم متصفون بما ألزموا به من أن الإتيان بالقرآن مفرقاً وضع للشيء في غير موضعه فقال : ﴿ أولئك ﴾ أي البعداء البغضاء ﴿ شر ﴾ أي شر الخلق ﴿ مكاناً وأضل سبيلاً* ﴾ حيث عموا عن طريق الجنة التي لا أجلى منها ولا أوسع، وسلكوا طريق النار التي لا أضيق منه ولا أوعر، وعموا عن أن إنزال القرآن نجوماً أولى لما تقدم من اللطائف وغيرها مما لا يحيط به إلا الله تعالى، " وسبيلاً " تمييز محول عن الفاعل أصله :ضل سبيلهم، وإسناد الضلال إليه من الإسناد المجازي.
ولما بين أنهم كذبوه وعادوه، وأشار بآية الحشر إلى جهنم إلى أنه لا يهلكهم بعامة، عطف على عامل " لنثبت " تسلية له وتخويفاً لهم قوله : ﴿ ولقد آتينا ﴾ أي بما لنا من العظمة ﴿ موسى الكتاب ﴾ كما أتيناك، بينا فيه الشرائع والسنن والأحكام، وجعلناه هدى ورحمة، وأنزلناه إليه منجماً في نحو عشرين سنة يقال :إنها ثمان عشرة كما أنزلنا إليك هذا القرآن في نيف وعشرين سنة، كما بينت ذلك في آخر سورة النساء وغيرها، على أن أحداً ممن طالع التوراة لا يقدر على إنكار ذلك، فإنه بيّن من نصوصها. وزاد في التسلية بذكر الوزير، لأن الرد للاثنين أبعد، وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع في إيمانهم إرسال ملك كما اقترحوا ليكون معه نذيراً، فقال : ﴿ وجعلنا ﴾ بما لنا من العظمة ﴿ معه أخاه ﴾ ثم بينه بقوله : ﴿ هارون ﴾ وبين محط الجعل بقوله : ﴿ وزيراً ﴾ أي معيناً في كل أمر بعثناه به، وهو مع ذلك نبي، ولا تنافي بين الوزارة والنبوة.
ولما كانت الواو لا ترتب، فلم يلزم من هذا أن يكون هذا الجعل بعد إنزال الكتاب كما هو الواقع، رتب عليه قوله : ﴿ فقلنا ﴾ أي بعد جعلنا له وزيراً. ولما كان المقصود هنا من القصة التسلية والتخويف، ذكر حاشيتها أولها وآخرها، وهما إلزام الحجة والتدمير، فقال : ﴿ اذهبا إلى القوم ﴾ أي الذين فيهم قوة وقدرة على ما يعانونه وهم القبط ﴿ الذين كذبوا بآياتنا ﴾ أي المرئية والمسموعة من الأنبياء الماضين قبل إتيانكما في علم الشهادة، والمرئية والمسموعة منكما بعد إتيانكما في علمنا. فذهبا إليهم فكذبوهما فيما أرياهم وأخبرهم به من الآيات، لما طبعناهم عليه من الطبع المهيىء لذلك.
ولما كان السياق للإنذار بالفرقان، طوي أمرهم إلا في عذابهم فقال : ﴿ فدمرناهم ﴾ أي لذلك ﴿ تدميراً* ﴾ بإغراقهم أجمعين عل يد موسى عليه السلام في البحر، لم نبق منهم أحداً مع ما أصبناهم به قبل ذلك من المصائب، مع اجتهاد موسى عليه السلام في إحيائهم بالإيمان، الموجب لإبقائهم في الدارين، عكس ما فعلناه بموسى عليه السلام من إنجائه من الهلاك بإلقائه في البحر، وإبقائه بمن اجتهد في إعدامه، وجعلنا لكل منهما حظاً من بحره ﴿ هذا ملح أجاج ﴾ هو غطاء جهنم، ﴿ وهذا عذب فرات ﴾[ الفرقان :٥٣ ] عنصره من الجنة، فليحذر هؤلاء الذين تدعوهم من مثل ذلك إن فعلوا مثل فعل أولئك.
ولما هدد المكذبين، بإهلاك الأولين، الذين كانوا أقوى منهم وأكثر، وقدم قصة موسى عليه السلام لمناسبة الكتاب في نفسه أولاً ؛ وفي تنجيمه ثانياً، أتبعه أول الأمم، لأنهم أول، ولما في عذابهم من الهول، ولمناسبة ما بينه وبين عذاب القبط، فقال : ﴿ وقوم ﴾ أي ودمرنا قوم ﴿ نوح لما كذبوا الرسل ﴾ بتكذيبهم نوحاً ؛ لأن من كذب واحداً من الأنبياء بالفعل فقد كذب الكل بالقوة، لأن المعجزات هي البرهان على صدقهم، وهي متساوية الأقدام في كونها خوارق، لا يقدر على معارضتها، فالتكذيب بشيء منها تكذيب بالجميع لأنه لا فرق، ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم، ولأنهم عللوا تكذيبهم بأنه من البشر فلزمهم تكذيب كل رسول من البشر. ولما كان كأنه قيل :بأيّ شيء دمروا ؟ قال : ﴿ أغرقناهم ﴾ كما أغرقنا آل فرعون بأعظم مما أغرقناهم ﴿ وجعلناهم ﴾ أي قوم نوح في ذلك ﴿ للناس آية ﴾ أي علامة على قدرتنا على ما نريد من إحداث الماء وغيره وإعدامه والتصرف في ذلك بكل ما نشاء، وإنجاء من نريد بما أهلكنا به عدوه ﴿ وأعتدنا ﴾ أي هيأنا تهيئة قريبة جداً وأحضرنا على وجه ضخم شديد تام التقدير ؛ وكان الأصل :لهم، ولكنه أظهر تعميماً وتعليقاً للحكم بالوصف فقال : ﴿ للظالمين ﴾ أي كلهم في أيّ زمان كانوا، لأجل ظلمهم بوضعهم الأشياء في غير مواضعها ﴿ عذاباً أليماً* ﴾ لاسيما في الآخرة.
ولما ذكر آخر الأمم المهلكة بعامة وأولها، وكان إهلاكهما بالماء، ذكر من بينهما ممن أهلك بغير ذلك، إظهاراً للقدرة والاختيار، وطوى خبرهم بغير العذاب لأنه كما مضى في سياق الإنذار فقال : ﴿ وعاداً ﴾ أي ودمرنا عاداً بالريح ﴿ وثموداْ ﴾ بالصيحة ﴿ وأصحاب الرس ﴾ أي البئر التي هي غير مطوية ؛ قال ابن جرير :والرس في كلام العرب كل محفور مثل البئر والقبر ونحو ذلك. أي دمرناهم بالخسف ﴿ وقروناً بين ذلك ﴾ أي الأمر العظيم المذكور، وهو بين كل أمتين من هذه الأمم ﴿ كثيراً* ﴾ وناهيك بما يقول فيه العلي الكبير :إنه كثير ؛ أسند البغوي في تفسير﴿ أمة وسطاً ﴾[ البقرة :١٤٣ ] في البقرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال :قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً بعد العصر، فما ترك شيئاً إلى يوم القيامة إلا ذكره في مقامه ذلك حتى إذا كانت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحيطان قال :" أما إنه لم يبق من الدنيا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا، ألا وإن هذه الأمة توفي سبعين أمة هي آخرها وأكرمها على الله عز وجل " أخرجه الترمذي في الفتن وأحمد والطبراني وابن ماجه في الفتن أيضاً لكن ببعضه وليس عند واحد منهم اللفظ المقصود من السبعين أمة، وفي بعض ألفاظهم وجعلنا نلتفت إلى الشمس هل بقي منها شيء وهذا يدل على أن الذي كان قد بقي من النهار نحو العشر من العشر، وهذا يقتضي إذا اعتبرنا ما مضى لهذه الأمة من الزمان أن يكون الماضي من الدنيا من خلق آدم عليه السلام في يوم الجمعة الذي يلي الستة الأيام التي خلقت فيها السماوات والأرض أكثر من مائة ألف سنة - والله أعلم.
ولما قدم سبحانه أنه يأتي في هذا الكتاب بما هو الحق في جواب أمثالهم، بين أنه فعل بالجميع نحو من هذا، فقال تسلية لنبيه صلى الله عليه وسلم وتأسية وبياناً لتشريفه بالعفو عن أمته : ﴿ وكلاًّ ﴾ أي من هذه الأمم ﴿ ضربنا ﴾ بما لنا من العظمة ﴿ له الأمثال ﴾ حتى وضح له السبيل، وقام - من غير شبهة - الدليل ﴿ وكلاًّ تبرنا تتبيراً* ﴾ أي جعلناهم فتاتاً قطعاً بليغة التقطيع، لا يمكن غيرنا أن يصلها ويعيدها إلى ما كانت عليه قبل التفتيت.
ولما ذكر الإهلاك بالماء وبغيره، وكان الإهلاك بالماء تارة بالبحر، وتارة بالإمطار، وختم بالخسف، ذكر الخسف الناشىء عن الأمطار، بحجارة النار، مع الغمر بالماء، دلالة على تمام القدرة، وباهر العظمة، وتذكيراً بما يرونه كل قليل في سفرهم إلى الأرض المقدسة لمتجرهم، وافتتح القصة باللام المؤذنة بعظيم الاهتمام، مقرونة بحرف التحقيق، إشارة إلى أنهم لعدم الانتفاع بالآيات كالمنكرين للمحسوسات، وغير الأسلوب تنبيهاً على عظيم الشأن وهزاً للسامع فقال : ﴿ ولقد أتوا ﴾ أي هؤلاء المكذبون من قومك، وقال : ﴿ على القرية ﴾ - وإن كانت مدائن سبعاً أو خمساً كما قيل - تحقيراً لشأنها في جنب قدرته سبحانه، وإهانة لمن يريد عذابه، ودلالة على جمع الفاحشة لهم حتى كانوا كأنهم شيء واحد كما دل عليه التعبير بمادة " قرا " الدالة على الجمع ﴿ التي أمطرت ﴾ أي وقع إمطارها ممن لا يقدر على الإمطار سواه بالحجارة، ولذا قال : ﴿ مطر السوء ﴾ وهي قرى قوم لوط، ثم خسف بها وغمرت بما ليس في الأرض مثله في أنواع الخبث ؛ قال البغوي :كانت خمس قرى فأهلك الله أربعاً منها ونجت واحدة وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعملون العمل الخبيث.
ولما كانوا يمرون عليها في أسفارهم، وكان من حقهم أن يتعظوا بحالهم، فيرجعوا عن ضلالهم، تسبب عن ذلك استحقاقهم للإنكار الشديد في قوله : ﴿ أفلم يكونوا ﴾ أي بما في جبلاتهم من الأخلاق العالية ﴿ يرونها ﴾ أي في أسفارهم إلى الشام ليعتبروا بما حل بأهلها من عذاب الله فيتوبوا.
ولما كان التقدير :بل رأوها، أضرب عنه بقوله : ﴿ بل ﴾ أي لم يكن تكذيبهم بسبب عدم رؤيتها وعدم علمهم بما حل بأهلها، بل بسبب أنهم ﴿ كانوا ﴾ يكذبون بالقيامة كأنه لهم طبع.
ولما كان عود الإنسان إلى ما كان من صحته محبوباً له، كان ينبغي لهم لو عقلوا أن يعلقوا رجاءهم بالبعث لأنه لا رجوع إلى الحياة، فهو كرجوع المريض لا سيما المدنف إلى الصحة، فلذلك قال معبراً بالرجاء تنبيهاً على هذا : ﴿ لا يرجون نشوراً* ﴾ بعد الموت ليخافوا الله عز وجل فيخلصوا له فيجازيهم على ذلك، لأنه استقر في أنفسهم اعتقادهم التكذيب بالآخرة، واستمروا عليه قرناً بعد قرن حتى تمكن تمكناً لا ينفع معه الاعتبار إلا لمن شاء الله.
ولما أثبت تكذيبهم بالآخرة، عطف عليه تحقيقاً قوله، مبيناً أنهم لم يقتصروا على التكذيب بالممكن المحبوب حتى ضموا إليه الاستهزاء بمن لا يمكن أصلاً في العادة أن يكون موضعاً للهزء : ﴿ وإذا رأوك ﴾ أي مع ما يعلمون من صدق حديثك وكرم أفعالك لو لم تأتهم بمعجزة، فكيف وقد أتيتهم بما بهر العقول ﴿ إن ﴾ أي ما ﴿ يتخذونك إلا هزواً ﴾ عبر بالمصدر إشارة إلى مبالغتهم في الاستهزاء مع شدة بعده صلى الله عليه وسلم عن ذلك، يقولون محتقرين : ﴿ أهذا ﴾ وتهكموا مع الإنكار في قولهم ﴿ الذي بعث الله ﴾ أي المستجمع لنعوت العظمة ﴿ رسولاً* ﴾ فإخراجهم الكلام في معرض التسليم والإقرار - وهم في غاية الجحود - بالغ الذروة من الاستهزاء، فصار المراد عندهم أن هذا الذي ادعاه من الرسالة مما لا يجوز أن يعتقد.
ثم استأنفوا معجبين من أنفسهم، مخيلين غيرهم من الالتفات إلى ما يأتي به من المعجزات، قائلين : ﴿ إن ﴾ أي إنه ﴿ كاد ﴾ وعرّف بأن " إن " مخففة لا نافية باللام فقال : ﴿ ليضلنا ﴾ أي بما يأتي به من هذه الخوارق التي لا يقدر غيره على مثلها، واجتهاده في إظهار النصح ﴿ عن آلهتنا ﴾ هذه التي سبق إلى عبادتها من هو أفضل منا رأياً وأكثر للأمور تجربة. ولما كانت هذه العبارة مفهمة لمقاربة الصرف عن الأصنام، نفوه بقولهم : ﴿ لولا أن صبرنا ﴾ بما لنا من الاجتماع والتعاضد ﴿ عليها ﴾ أي على التمسك بعبادتها.
ولما لزم قولهم هذا أن الأصنام تغني عنهم، نفاه مهدداً مؤكداً التهديد لفظاعة فعلهم بقوله، عطفاً على ما تقديره :فسوف يرون - أو من يرى منهم - أكثرهم قد رجع عن اعتقاد أن هذه الأصنام آلهة : ﴿ وسوف يعلمون ﴾ أي في حال لا ينفعهم فيه العمل وإن طالت مدة الإمهال والتمكين ﴿ حين يرون العذاب ﴾ أي في الدنيا والآخرة ﴿ من أضل سبيلاً* ﴾ هم أوالدعي لهم إلى ترك الأصنام الذي ادعوا إضلاله بقولهم ﴿ ليضلنا ﴾.
ولما أخبره تعالى بحقيقة حالهم، في ابتدائهم ومآلهم، وكان ذلك مما يحزنه صلى الله عليه وسلم لشدة حرصه على رجوعهم، ولزوم ما ينفعهم واجتناب ما يضرهم، سلاه بقوله معجباً من حالهم : ﴿ أرأيت من اتخذ ﴾ أي كلف نفسه أن أخذ ﴿ إلهه هواه ﴾ أي أنهم حقروا الإله بإنزاله إلى رتبة الهوى فهم لا يعبدون إلا الهوى، وهو ميل الشهوة ورمي النفس إلى الشيء، لا شبهة لهم أصلاً في عبادة الأصنام يرجعون عنها إذا جلت، فهم لا ينفكون عن عبادتها ما دام هواهم موجوداً، فلا يقدر على كفهم عن ذلك إلا القادر على صرف تلك الأهواء، وهو الله وحده وهذا كما تقول :فلان اتخذ سميره كتابه، أي أنه قصر نفسه على مسامرة الكتاب فلا يسامر غير الكتاب، وقد يشاركه في مسامرة الكتاب غيره، ولو قلت :اتخذ كتابه سميره، لانعكس الحال فكان المعنى أنه قصر نفسه على مطالعة السمير ولم ينظر في كتاب في وقت السمر وقد يشاركه غيره في السمير، أو قصر السمير على الكتاب والكتاب على السمير كما قصر الطين على الخزفية في قولك :اتخذت الطين خزفاً، فالمعنى أن هذا المذموم قصر نفسه على تأله الهوى فلا صلاح له ولا رشاد وقد يتأله الهوى غيره، ولو قيل :من اتخذ هواه إلهه، لكان المعنى أنه قصر هواه على الإله فلا غيّ له، لأن هواه تابع لأمر الإله، وقد يشاركه في تأله الإله غيره ؛ قال أبو حيان :والمعنى أنه لم يتخذ إلهاً إلا هواه - انتهى.
فلو عكس لقيل :لم يتخذ هوى إلا إلهه، وهو إذا فعل ذلك فقد سلب نفسه الهوى فلم يعمل به إلا فيما وافق أمر إلهه ومما يوضح لك انعكاس المعنى بالتقديم والتأخير أنك لو قلت :فلان اتخذ عبده أباه، لكان معناه أنه عظم العبد، ولو قيل :إنه اتخذ أباه عبده، لكان معناه أنه أهان الأب، وسواء في ذلك إتيانك به هكذا على وزان ما في القرآن أو نكرت أحدهما، فإنك لا تجد ذوقك فيه يختلف في أنه إذا قدم الحقير شرفه، وإذا قدم الشريف حقره، وكذا لو قلت :إتخذ إصطبله مسجداً أو صديقه أباً أو عكست، ولو كان التقديم بمجرد العناية من غير اختلاف في الدلالة قدم في الجاثية الهوى، فإن السياق والسباق له، وحاصل المعنى أنه اضمحل وصف الإله، ولم يبق إلا الهوى، فلو قدم الهوى لكان المعنى أنه زال وغلبت عليه صفة الإله، ولم يكن النظر إلا إليه، ولا الحكم إلا له، كما في الطين بالنسبة إلى الخزف سواء - والله أعلم.
ولما كان لا يقدر على صرف الهوى إلا الله، تسبب عن شدة حرصه على هداهم قوله : ﴿ أفأنت تكون ﴾ ولما كان مراده صلى الله عليه وسلم حرصاً عليهم ورحمة لهم ردهم عن الغي ولا بد، عبر بأداة الاستعلاء في قوله : ﴿ عليه وكيلاً* ﴾ أي من قبل الله بحيث يلزمك أن ترده عن هواه إلى ما أمر به الله قسراً، لست بوكيل، ولكنك رسول، ليس عليك إلا البلاغ، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات.
ولما انتفى الرد عن الهوى قسراً بالوكالة، نفى الرد طوعاً بتقبيح الضلالة، فذكر المانع منه بقوله معادلاً لما قبله، منكراً حسبانه، لا كونه هو الحاسب، أو أنكر كونه هو الحاسب، مع ما له من العقل الرزين، والرأي الرصين، ويكون ﴿ تحسب ﴾ معطوفاً على " تكون " : ﴿ أم تحسب أن أكثرهم ﴾ أي هؤلاء المدعوين ﴿ يسمعون ﴾ أي سماع من ينزجر ولو كان غير عاقل كالبهائم ﴿ أو يعقلون ﴾ ما يرون ولو لم يكن لهم سمع حتى يطمع في رجوعهم باختيارهم من غير قسر.
ولما كان هذا الاستفهام مفيداً للنفي، أثبت ما أفهمه بقوله : ﴿ إن ﴾ أي ما ﴿ هم إلا كالأنعام ﴾ أي في عدم العقل لعدم الانتفاع به ﴿ بل هم أضل ﴾ أي منها ﴿ سبيلاً* ﴾ لأنهم لا ينزجرون بما يسمعون وهي تنزجر، ولا يشكرون للمحسن وهو وليهم، ولا يجانبون المسيء وهو عدوهم، ولا يرغبون في الثواب، ولا يخافون العقاب، وذلك لأنا حجبنا شموس عقولهم بظلال الجبال الشامخة من ضلالهم، ولو آمنوا لانقشعت تلك الحجب، وأضاءت أنوار الإيمان، فأبصروا غرائب المعاني، وتبدت لهم خفايا الأسرار
( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم }[ يونس :٩ ] فكما أن الإنسان - وإن كان بصيراً - لا يميز بين المحسوسات ما لم يشرق عليها نور الشمس، فكذلك الإنسان - وإن كان عاقلاً ذا بصيرة - لا تدرك بصيرته المعاني المعلومات على ما هي عليه ما لم يشرق عليها نور الإيمان، لأن البصيرة عين الروح كما أن البصر عين الجسد ؛ ولما كان من المعلوم أنهم يسمعون ويعقلون وأن المنفي إنما هو انتفاعهم بذلك، كان موضع عجب من صرفهم عن ذلك، فعقبه سبحانه بتصرفه في الأمور الحسية مثالاً للأمور المعنوية، ولأن عمله في الباطن ينيره إذا شاء بشمس المعارف كعمله في الظاهر سواء، دليلاً على سلبهم النفع بما أعطاهموه.
ولما بين جمود المعترضين على دلائل الصانع، وتناهي جهلهم، وفساد طريقتهم، وكان المراد من العبد في تعرف ذلك أن ينظر في أفعال سيده بعين الحقيقة نظراً تفنى لديه الأغيار، فلا يرى إلا الفاعل المختار، خاطب رأس المخلصين الناظرين هذا النظر، حثاً لأهل وده على مثل ذلك، فقال ذاكراً لأنواع من الدلائل الدالة على وجود الصانع، وإحاطة علمه، وشمول قدرته، مشيراً إلى أن الناظر في هذا الدليل - لوضوحه في الدلالة على الخالق - كالناظر إلى الخالق، معبراً بوصف الإحسان تشويقاً إلى إدامة النظر إليه والإقبال عليه : ﴿ ألم تر ﴾ وأشار إلى عظم المقام وعلو الرتبة بحرف الغاية مع أقرب الخلق منزلة وأعلاهم مقاماً فقال : ﴿ إلى ربك ﴾ أي المحسن إليك، والأصل :إلى فعله ؛ وأشار إلى زيادة التعجب من أمره بجعله في معرض الاستفهام فقال : ﴿ كيف مد الظل ﴾ وهو ظلمة ما منع ملاقاة نور الشمس، قال أبو عبيد :وهو ما تنسخه الشمس وهو بالغداة، والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال. والظل هنا الليل لأنه ظل الأرض الممدود على قريب من نصف وجهها مدة تحجب نور الشمس بما قابل قرصها من الأرض حتى امتد بساطه، وضرب فسطاطه، كما حجب ظل ضلالهم أنوار عقولهم، وغفلة طباعهم نفوذَ أسماعهم ﴿ ولو شاء لجعله ﴾ أي الظل ﴿ ساكناً ﴾ بإدامة الليل لا تذهبه الشمس كما في الجنة لقوله﴿ وظل ممدود ﴾[ الواقعة :٣٠ ] وإن كان بينهما فرق، ولكنه لم يشأ ذلك بل جعله متحركاً بسوق الشمس له.
ولما كان إيجاد النهار بعد إعدامه، وتبيين الظل به غبّ إبهامه، أمراً عظيماً، وإن كان قد هان بكثرة الإلف، أشارإليه بأداة التراخي ومقام العظمة فقال : ﴿ ثم جعلنا ﴾ أي بعظمتنا ﴿ الشمس عليه دليلاً* ﴾ أي يدور معها حيثما دارت، فلولا هي ما ظهر أن لشيء ظلاًّ، ولولا النور ما عرف الظلام، والأشياء تعرف بأضدادها.
ولما كانت إزالته شيئاً فشيئاً بعد مدة كذلك من العظمة بمكان. قال منبهاً على فضل مدخول " ثم " وترتبه متصاعداً في درج الفضل، فما هنا أفضل مما قبله، وما قبله أجلّ مما تقدمه، تشبيهاً لتباعد ما بين المراتب الثلاث في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت : ﴿ ثم قبضناه ﴾ أي الظل، والقبض :جمع المنبسط ﴿ إلينا ﴾ أي إلى الجهة التي نريدها، لا يقدر أحد غيرنا أن يحوله إلى جهة غيرها ؛ قال الرازي رحمه الله في اللوامع :وهذه الإضافة لأن غاية قصر الظل عند غاية تعالي الشمس، والعلو موضع الملائكة وجهة السماء التي فيها أرزاق العباد، ومنها نزول الغيث والغياث، وإليها ترتفع أيدي الراغبين، وتشخص أبصار الخائفين - انتهى. ﴿ قبضاً يسيراً* ﴾ أي هو - مع كونه في القلة بحيث يعسر إدراكه حق الإدراك - سهل علينا، ولم نزل ننقصه شيئاً فشيئاً حتى اضمحل كله، أو إلا يسيراً، ثم مددناه أيضاً بسير الشمس وحجبها ببساط الأرض قليلاً قليلاً، أولاً فأولاً بالجبال والأبنية والأشجار، ثم بالروابي والآكام والظراب وما دون ذلك، حتى تكامل كما كان، وفي تقديره هكذا من المنافع ما لا يحصى، ولو قبض لتعطلت أكثر منافع الناس بالظل والشمس جميعاً، فالحاصل أنه يجعل بواطنهم مظلمة بحجبها عن أنوار المعارف فيصيرون كالماشي في الظلام، ويكون نفوذهم في الأمور الدنيوية كالماشي بالليل في طرق قد عرفها ودربها بالتكرار، وحديث علي رضي الله عنه في الروح الذي مضى عند " والطبيات للطيبين " في النور شاهد حسي لهذا المر المعنوي - والله الموفق.
ولما تضمنت هذه الآية الليل النهار، قال مصرحاً بهما دليلاً على الحق، وإظهاراً للنعمة على الخلق : ﴿ وهو ﴾ أي ربك وحده ﴿ الذي جعل ﴾ ولما كان ما مضى في الظل أمراً دقيقاً فخص به أهله، وكان أمر الليل والنهار ظاهراً لكل أحد، عم فقال : ﴿ لكم الليل ﴾ أي الذي تكامل به مد الظل ﴿ لباساً ﴾ أي ساتراً للأشياء عن الأبصار كما يستر اللباس ﴿ والنوم سباتاً ﴾ أي نوماً وسكوناً وراحة، عبارة عن كونه موتاً أصغر طاوياً لما كان من الإحساس، قطعاً عما كان من الشعور والتقلب، دليلاً لأهل البصائر على الموت ؛ قال البغوي وغيره :وأصل السبت القطع. وفي جعله سبحانه كذلك من الفوائد الدينية والدنيوية ما لا يعد، وكذا قوله : ﴿ وجعل النهار نشوراً* ﴾ أي حياة وحركة وتقلباً بما أوجد فيه من اليقظة المذكرة بالبعث، المهيئة للتقلب، برد ما أعدمه النوم من جميع الحواس ؛ يحكى أن لقمان قال لابنه :كما تنام فتوقظ فكذلك تموت فتنشر. فالآية من الاحتباك :ذكر السبات أولاً دليلاً على الحركة ثانياً، والنشور ثانياً دليلاً على الطيّ والسكون أولاً.
ولما دل على عظمته بتصرفه في المعاني بالإيجاد والإعدام، وختمه بالإماتة والإحياء بأسباب قريبة، أتبعه التصرف في الأعيان بمثل ذلك، دالاًّ على الإماتة والإحياء بأسباب بعيدة، وبدأه بما هو قريب للطافته من المعاني، وفيه النشر الذي ختم به ما قبله، فقال : ﴿ وهو ﴾ أي وحده ﴿ الذي أرسل الرياح ﴾ فقراءة ابن كثير بالإفراد لإرادة الجنس، وقراءة غيره بالجمع أدل على الاختيار بكونها تارة صباً وأخرى دبوراً، ومرة شمالاً وكرة جنوباً وغير ذلك ﴿ نشراً ﴾ أي تبعث بأرواحها السحاب، كما نشر بالنهار أرواح الأشباح ﴿ بين يدي رحمته ﴾ لعباده بالمطر.
ولما كان السحاب قريباً من الريح في اللطافة، والماء قريباً منهما ومسبباً عما تحمله الريح من السحاب، أتبعهما به، ولما كان في إنزاله من الدلالة على العظمة بإيجاده هنالك وإمساكه ثم إنزاله في الوقت المراد والمكان المختار على حسب الحاجة ما لا يخفى، غير الأسلوب مظهراً للعظمة فقال : ﴿ وأنزلنا من السماء ﴾ أي حيث لا ممسك للماء فيه غيره سبحانه ﴿ ماء ﴾ ثم أبدل منه بياناً للنعمة به فقال : ﴿ طهوراً* ﴾ أي طاهراً في نفسه مطهراً لغيره، اسم آلة كالسحور والسنون لما يتسحر به ويستن به، ونقل أبو حيان عن سيبويه أنه مصدر لتطهّر المضاعف جرى على غير فعله. وأما جعله مبالغة لطاهر فلا يفيد غير أنه بليغ الطهارة في نفسه لأن فعله قاصر.
ولما كانت هذه الأفعال دالة على البعث لكن بنوع خفاء، أتبعها ثمرة هذا الفعل دليلاً واضحاً على ذلك، فقال معبراً بالإحياء لذلك، معللاً للطهور المراد به البعد عن جميع ما يدنسه من ملوحة أو مرارة أو كبرتة ونحو ذلك مما يمنع كمال الانتفاع به : ﴿ لنحيي به ﴾ أي بالماء.
ولما كان المقصود بإحياء الأرض بالنبات إحياء البلاد لإحياء أهلها قال : ﴿ بلدة ﴾ ولو كان ملحاً أو مراً أو مكبرتاً لم تكن فيه قوة الإحياء. ولما كره أن يفهم تخصيص البلاد، أجري الوصف باعتبار الموضع ليعم كل مكان فقال : ﴿ ميتاً ﴾ أي بما نحدث فيه من النبات بعد أن كان قد صار هشيماً ثم تراباً، ليكون ذلك آية بينة على قدرتنا على بعث الموتى بعد كونهم تراباً.
ولما كان في مقام العظمة، بإظهار القدرة، زاد على كونه آية على البعث بإظهار النبات الذي هو منفعة للرعي منفعة أخرى عظيمة الجدوى في الحفظ من الموت بالشرب كما كانت آية الإحياء حافظة بالأكل فقال : ﴿ ونسقيه ﴾ أي الماء وهو من أسقاه - مزيد سقاه، وهما لغتان. قال ابن القطاع :سقيتك شراباً وأسقيتك، والله تعالى عباده وأرضه كذلك. ﴿ مما خلقنا ﴾ أي بعظمتنا.
ولما كانت النعمة في إنزال الماء على الأنعام وأهل البوادي ونحوهم أكثر، لأن الطير والوحش تبعد في الطلب فلا تعدم ما تشرب، خصها فقال : ﴿ أنعاماً ﴾ وقدم النبات لأن به حياة الأنعام، والأنعام لأن بها كمال حياة الإنسان، فإذا وجد ما يكفيها من السقي تجزّأ هو بأيسر شيء، وأتبع ذلك قوله : ﴿ وأناسيّ كثيراً* ﴾ أي بحفظنا له في الغدران لأهل البوادي الذين يبعدون عن الأنهار والعيون وغيرهم ممن أردنا، لأنه تعالى لا يسقي جميع الناس على حد سواء، ولكن يصيب بالمطر من يشاء، ويصرفه عمن يشاء، ويسقي بعض الناس من غير ذلك، ولذا نكر المذكورات - كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال :ما من عام بأمطر من عام، ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما يشاء - وتلا هذه الآية. وقال البغوي :وذكر ابن إسحاق وابن جريج ومقاتل وبلغوا به ابن مسعود رضي الله عنه يرفعه قال :ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم الأرزاق، فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر، ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم، فإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم، وإذا عصوا جميعاً صرف الله تعالى ذلك إلى الفيافي والبحار - انتهى. وكان السر في ذلك أنه كان من حقهم أن يطهروا ظواهرهم وبواطنهم، ويطهروا غيرهم ليناسبوا حاله في الطهورية، فلما تدنسوا بالقاذورات تسببوا في صرفه عنهم.
ولما ذكر سبحانه أن من ثمرة إنزال القرآن نجوماً إحياء القلوب التي هي أرواح الأرواح، وأتبعه ما لاءمه، إلى أن ختم بما جعله سبباً لحياة الأشباح، فكان موضعاً لتوقع العود إلى ما هو حياة الأرواح، قال عاطفاً على متعلق﴿ كذلك لنثبت ﴾[ الفرقان :٣٢ ] منبهاً على فائدة أخرى لتنجيمه أيضاً : ﴿ ولقد صرفناه ﴾ أي وجهنا القرآن.
كما قال ابن عباس رضي الله عنهما إنه المراد ههنا، ويؤيده ما بعده - وجوهاً من البيان، وطرقناه طرقاً تعيي أرباب اللسان، في معان كثيرة جداً ﴿ بينهم ﴾ في كل قطر عند كل قوم ﴿ ليذكروا ﴾ بالآيات المسموعة ما ركزنا في فطرهم من الأدلة العقلية والمؤيدة بالآيات المرئية ولو على أدنى وجوه التذكر المنجية لهم - بما أشار إليه الإدغام.
ولما كان القرآن قائداً ولا بد لمن أنصف إلى الإيمان، دل على أن المتخلف عنه إنما هو معاند بقوله : ﴿ فأبى ﴾ أي لم يرد ﴿ أكثر الناس ﴾ أي بعنادهم ﴿ إلا كفوراً* ﴾ مصدر كفر مبالغاً فيه.
ولما كان تعنتهم بأن ينزل عليه ملك فيكون معه نذيراً، ربما أثار في النفس طلب إجابتهم إلى مقترحهم حرصاً على هدايتهم، فأومأ أولاً إلى أنه لا فائدة في ذلك بأن مؤازرة هارون لموسى عليهما السلام لم تغن عن القبط شيئاً، وثانياً بأن المدار في وجوب التصديق للنذير الإتيان بما يعجز، وكان ذلك موجوداً في آيات القرآن، المصرفة في كل زمان ومكان بكل بيان، فكانت كل آية منه قائمة مقام نذير، قال مشيراً إلى أنه إنما ترك ذلك لحكم يعلمها : ﴿ ولو شئنا لبعثنا ﴾ أي بما لنا من العظمة ونفوذ الكلمة ﴿ في كل قرية نذيراً* ﴾ أي من البشر أو الملائكة أو غيرهم من عبادنا، كما قسمنا المطر لأن الملك - كما قدمنا أول السورة - كله لنا، ليس لنا شريك يمنع من ذلك بما له من الحق، ولا ولد يمنع بما له من الدلة، ولكنا لم نفعل لما في آيات القرآن من الكفاية في ذلك، ولما في انفرادك بالدعوة من الشرف لك - وغير ذلك من الحكمة
﴿ فلا تطع الكافرين ﴾ فيما قصدوا من التفتير عن الدعاء به، بما يبدونه من المقترحات أو يظهرون لك من المداهنة، أو من القلق من صادع الإنذار، ويخيلون أنك لو أقللت منه رجوا أن يوافقوك ﴿ وجاهدهم ﴾ أي بالدعاء ﴿ به ﴾ أي القرآن الذي تقدم التحدث عنه في﴿ ولقد صرفناه ﴾[ الفرقان :٥ ] بإبلاغ آياته مبشرة كانت أو منذرة، والاحتجاج ببراهينه ﴿ جهاداً كبيراً* ﴾ جامعاً لكل المجاهدات الظاهرة والباطنة، لأن في ذلك إقبال كثير من الناس إليك واجتماعهم عليك، فيتقوى أمرك، ويعظم خطبك، وتضعف شوكتهم، وتنكسر سورتهم.
ولما ذكر تصريف الفرقان، ونشره في جميع البلدان، بعد إثارة الرياح ونشر السحاب، وخلط الماء بالتراب، لجمع النبات وتفريقه، أتبعه - تذكيراً بالنعمة، وتحذيراً من إحلال النقمة - الحجز بين أنواع الماء الذي لا أعظم امتزاجاً منه، وجمع كل نوع منها على حدته، ومنعه من أن يختلط بالآخر مع اختلاط الكل بالتراب المتصل بعضه ببعض، فقال عائداً إلى أسلوب الغيبة تذكيراً بالإحسان بالعطف على ضمير " الرب " في آية الظل : ﴿ وهو ﴾ أي وحده ﴿ الذي مرج البحرين ﴾ أي الماءين الكثيرين الواسعين بأن جعلهما مضطربين كما تشاهدونه من شأن الماء ؛ وقال الرازي :خلى بينهما كأنه أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المرج، وأصل المرج يدل على ذهاب ومجيء واضطراب والتباس.
ولما كان الاضطراب موجباً للاختلاط، وكانت " ال " دائرة بين العهد والجنس، تشوف السامع إلى السؤال عن ذلك، فأجيب بأن المراد جنس الماء الحلو والملح، لأن البحر في الأصل الماء الكثير، وبأنه سبحانه منعهما من الاختلاط، مع الموجب له في العادة، بقدرته الباهرة، وعظمته القاهرة، فقال : ﴿ هذا عذب ﴾ أي حلو سائغ ﴿ فرات ﴾ أي شديد العذوبة بالغ الغاية فيها حتى يضرب إلى الحلاوة، لا فرق بين ما كان منه على وجه الأرض وما كان في بطنها ﴿ وهذا ملح ﴾ شديد الملوحة ﴿ أجاج ﴾ أي مر محرق بملوحته ومرارته، لا يصلح لسقي ولا شرب، ولعله أشار بأداة القرب في الموضعين تنبيهاً على وجود الموضعين، مع شدة المقاربة، لا يلتبس أحدهما بالآخر حتى أنه إذا حفر على شاطىء البحر الملح بالقرب منه جداً خرج الماء عذباً جداً ﴿ وجعل ﴾ أي الله سبحانه ﴿ بينهما برزخاً ﴾ أي حاجزاً من قدرته مانعاً من اختلاطهما.
ولما كانا يلتقيان ولا يختلطان، كان كل منهما بالاختلاط في صورة الباغي على الآخر، فأتم سبحانه تقرير النعمة في منعهما الاختلاط بالكلمة التي جرت عادتهم بقولها عند التعوذ، تشبيهاً لكل منهما بالمتعوذ، ليكون الكلام - مع أنه خبر - محتملاً للتعوذ، فيكون من أحسن الاستعارات وأشهدها على البلاغة فقال : ﴿ وحجراً ﴾ أي منعاً ﴿ محجوراً* ﴾ أي ممنوعاً من أن يقبل رفعاً، كل هذا التأكيد إشارة إلى جلالة هذه الآية وإن كانت قد صارت لشدة الإلف بها معرضاً عنها إلى الغاية، لتعرف بها قدرته، وتشكر نعمته.
ولما ذكر تعالى قدرته في منع الماء من الاختلاط، أتبعه القدرة على خلطه، لئلا يظن أنه ممتنع، تقريراً للفعل بالاختيار، وإبطالاً للقول بالطبائع، فقال معبراً بالضمير كما تقدمه حثاً على استحضار الأفعال والصفات التي تقدمت، لتعرف الحيثية التي كرر الضمير لأجلها : ﴿ وهو ﴾ أي وحده ﴿ الذي خلق من الماء ﴾ بخلطه مع الطين ﴿ بشراً ﴾ كما تشاهدونه يخلق منه نباتاً وشجراً وورقاً وثمراً ﴿ فجعله ﴾ أي بعد ذلك بالتطوير في أطوار الخلقة، والتدوير في أدوار التربية ﴿ نسباً ﴾ أي ذكراً ينسب إليه ﴿ وصهراً ﴾ أي أنثى يصاهر - أي يخالط بها إلى الذكر، فقسم هذا الماء بعد التطوير إلى ذكر وأنثى كما جعل ذلك الماء قسمين :عذبا وملحاً، وخلط ماء الذكر بماء الأنثى متى أراد فصور منه آدمياً، ومنعه من ذلك إذا أراد، كما أنه ميز بين العذب والملح ويخلط بينهما إذا أراد بعلمه الشامل وقدرته التامة ﴿ وكان ربك ﴾ أي المحسن إليك بإرسالك وإنزال هذا الذكر إليك ﴿ قديراً* ﴾ على كل شيء قدرته على ما ذكر من إبداع هذه الأمور المتباعدة من مادة واحدة فهو يوفق من يشاء فيجعله عذب المذاق، سهل الأخلاق، ويخذل من يشاء فيجعله مرير الأخلاق كثير الشقاق، أو ملتبس الأخلاق، عريقاً في النفاق، فارغب إلى هذا الرب الشامل القدرة، التام العلم.
ولما أثبت له بهذه الأدلة القدرة على كل شيء، قال معجباً منهم في موضع الحال من " ربك " عوداً إلى تهجين سيرتهم في عبادة غيره، معبراً بالمضارع، إشارة إلى أنهم لو فعلوا ذلك مرة لكان في غاية العجب، فكيف وهو على سبيل التجديد والاستمرار ؟ ومصوراً لحالهم زيادة في تبشيعها : ﴿ ويعبدون ﴾ أي الكفرة ﴿ من دون ﴾ أي ممن يعلمون أنه في الرتبة دون ﴿ الله ﴾ المستجمع لصفات العظمة، بحيث إنه لا ضر ولا نفع إلا وهو بيده.
ولما كان هذا السياق لتعداد نعمه سبحانه، وكان الحامل للإنسان على الإذعان رجاء الإحسان، أو خوف الهوان، وكان رجاء الإحسان مقبلاً به إلى المحسن في السر والإعلان، قدم النفع فقال : ﴿ ما لا ينفعهم ﴾ أي بوجه.
ولما كان الخوف إنما يوجب الإقبال ظاهراً فقط، أتبعه قوله : ﴿ ولا يضرهم ﴾ أي أصلاً في إزالة نعمة من نعم الله عنهم، فلا أسخف عقلاً ممن يترك من بيده كل نفع وضر وهو يتقلب في نعمه، في يقظته ونومه، وأمسه ويومه، ويقبل على من لا نفع بيده ولا ضر أصلاً ؛ وأظهر في موضع الضمير بياناً للوصف الحامل على ما لا يفعله عاقل، وأفرد تحقيراً لهم فقال : ﴿ وكان الكافر ﴾ مع علمه بضعفه وعجزه.
ولما كان الكافر لا يمكن أن يصافي مسلماً ما دام كافراً، وكانت مصافاته لغيره حاصلة إما بالفعل أو بالقوة، عدت مصارمته لغيره عدماً، فكانت مصارمته خاصة بأولياء الله، وكان ذلك أشد لذمه، دل عليه بتقديم الجار فقال : ﴿ على ربه ﴾ أي المحسن إليه لا غيره ﴿ ظهيراً* ﴾ معيناً لشياطين الإنس والجن على أولياء الله، والتعبير ب " على " دال على أنه وإن كان مهيناً في نفسه حقيراً فاعل فعل العالي على الشيء القوي الغليظ الغالب له، المعين عليه، من قولهم :ظهر الأرض لما علا منها وغلظ، وأمر ظاهر لك، أي غالب، والظاهر :القوي والمعين، وذلك لأنه يجعل لما يعبده من الأوثان نصيباً مما تفرد الله بخلقه، ثم يجعل لها أيضاً بعض ما كان سماه لله، ويعاند أولياء الله من الأنبياء وغيرهم، وينصب لهم المكايد والحروب، ويؤذيهم بالقول والفعل، مع علمه بأن الله معهم لما يشاهدونه من خرقه لهم العوائد، فكان هذا فعل من لا يعبأ بالشيء﴿ لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتواً كبيراً ﴾[ الفرقان :٢١ ] ﴿ أن لا تعلوا على الله ﴾[ الدخان :١٩ ] وهو في الحقيقة تهكم بالكفار، لأنهم يفعلون ما يلزم عليه هذا اللازم الذي لا يدور في خلد عاقل.
ولما كان التقدير تسلية له صلى الله عليه وسلم :فالزم ما نأمرك به ولا يزد همُّك بردهم عما هم فيه، فإنا ما أرسلناك عليهم وكيلاً، عطف عليه قوله : ﴿ وما أرسلناك ﴾ أي بما لنا من العظمة.
ولما كان سياق السورة للإنذار، لما ذكر فيها من سوء مقالهم، وقبح أفعالهم، حسن التعبير في البشارة بما يدل على كثرة الفعل، ويفهم كثرة المفعول، بشارة بكثرة المطيع، وفي النذارة بما يقتضي أن يكون صفة لازمة فقال : ﴿ إلا مبشراً ﴾ أي لكل من يؤمن ﴿ ونذيراً* ﴾ لكل من يعصي.
ولما وقع جوابهم عن قولهم﴿ لولا أنزل إليه ملك ﴾[ الفرقان :٧ ] وكان قد بقي قولهم﴿ أو يلقى إليه كنز ﴾[ الفرقان :٨ ] أشير إلى مزيد الاهتمام بجوابه بإبرازه في صورة الجواب لمن كأنه قال :ماذا يقال لهم إذا تظاهروا وطعنوا في الرسالة بما تقدم وغيره ؟ فقال : ﴿ قل ﴾ أي لهم يا أكرم الخلق حقيقة، وأعدلهم طريقة محتجاً عليهم بإزالة ما يكون موضعاً للتهمة : ﴿ ما أسألكم عليه ﴾ أي على الإبلاغ بالبشارة والنذارة ﴿ من أجر ﴾ لتتهموني أني أدعوكم لأجله، أو تقولوا :لولا ألقي إليه كنز ليغتني به عن ذلك، فكأنه يقول :الاقتصار عن التوسع في المال إنما يكره لمن يسأل الناس، وليس هذا من شيمي قبل النبوة فكيف بما بعدها ؟ فلا غرض لي حينئذ إلا نفعكم. ثم أكد هذا المعنى بقوله، مستثنياً لأن الاستثناء معيار العموم : ﴿ إلا من ﴾ أي إلا أجر من ﴿ شاء أن يتخذ ﴾ أي يكلف نفسه ويخالف هواه ويجعل له ﴿ إلى ربه سبيلاً* ﴾ فإنه إذا اهتدى بهداية ربه كان لي مثل أجره، لا نفع لي من جهتكم إلا هذا، فإن سميتم هذا أجراً فهو مطلوبي، ولا مرية في أنه لا ينقص أحداً شيئاً من دنياه، فلا ضرر على أحد في طي الدنيا عني، فأفاد هذا فائدتين :إحداهما أنه لا طمع له أصلاً في شيء ينقصهم، والثانية إظهار الشفقة البالغة بأنه يعتد بمنفعتهم الموصلة لهم إلى ربهم ثواباً لنفسه.
ولما كان المقصود ردهم عن عنادهم، وكان ذلك في غاية الصعوبة، وكان هذا الكلام لا يرد متعنتيهم - وهم الأغلب - الذين تخشى غائلتهم، عطف على " قل " قوله : ﴿ وتوكل ﴾ أي أظهر العجز والضعف واستسلم واعتمد في أمرك كله، ولا سيما في مواجهتهم بالإنذار، وفي ردهم عن عنادهم.
ولما كان الوكيل يحمل عن الموكل ثقل ما أظهر له عجزه فيه ويقوم بأعبائه حتى يصير كمن يحمل عن آخر عيناً محسوسة لا يصير له عليه شيء منها أصلاً، عبر بحرف الاستعلاء تمثيلاً لذلك فقال : ﴿ على الحي ﴾ ولا يصح التوكل عليه إلا بلزوم طاعته والإعراض عما سواها.
ولما كان الأحياء من الخلق يموتون، بين أن حياته ليست كحياة غيره فقال : ﴿ الذي لا يموت ﴾ أي فلا ضياع لمن توكل عليه أصلاً، بل هو المتولي لمصالحه في حياته وبعد مماته، ولا تلتفت إلى ما سواه بوجه فإنه هالك ﴿ وسبح بحمده ﴾ أي نزهه عن كل نقص مثبتاً له كل كمال.
ولما كان المسلى ربما وقع في فكره أن من سلاه إما غير قادر على نصره، أو غير عالم بذنوب خصمه، وكان السياق للشكاية من إعراض المبلغين عن القرآن، وما يتبع ذلك من الأذى، أشار بالعطف على غير مذكور إلى أن التقدير :فكفى به لك نصيراً، وعطف عليه : ﴿ وكفى ﴾ وعين الفاعل وحققه بإدخال الجار عليه فقال : ﴿ به بذنوب عباده ﴾ أي وكل ما سواهم عباده ﴿ خبيراً* ﴾ لا يخفى عليه شيء منها وإن دق،
ثم وصفه بما يقتضي أنه مع ما له من عظيم القدرة بالملك والاختراع - متصف بالأناة وشمول العلم وحسن التدبير ليتأسى به المتوكل عليه فقال : ﴿ الذي خلق السماوات والأرض ﴾ أي على عظمهما ﴿ وما بينهما ﴾ من الفضاء والعناصر والعباد وأعمالهم من الذنوب وغيرها ألا يعلم من خلق }[ الملك :١٤ ] وقوله : ﴿ في ستة أيام ﴾ تعجيب للغبي الجاهل، تدريب للفطن العالم في الحلم والأناة والصبر على عباد الله في دعوتهم إلى الله، وتذكير بما له من عظيم القدرة وما يلزمها من شمول العلم، والمراد مقدار ستة من أيامنا، فإن الأيام ما حدثت إلا بعد خلق الشمس، والإقرار بأن تخصيص هذا العدد لداعي حكمة عظيمة، وكذا جميع أفعاله وإن كنا لا ندرك ذلك، هو الإيمان، وجعل الله الجمعة عيداً للمسلمين لأن الخلق اجتمع فيه بخلق آدم عليه السلام فيه في آخر ساعة.
ولما كان تدبير هذا الملك أمراً باهراً، أشار إليه بأداة التراخي فقال : ﴿ ثم استوى على العرش ﴾ أي شرع في تدبير لهذا الملك الذي اخترعه وأوجده، وهم وذنوبهم من جملته كما يفعل الملوك في ممالكهم، لا غفلة عنده عن شيء أصلاً، ولا تحدث فيه ذرة من ذات أو معنى إلا بخلق جديد منه سبحانه، رداً على من يقول من اليهود وغيرهم :إن ذلك إنما هو بما دبر في الأزل من الأسباب، وأنه الآن لا فعل له.
ولما كان المعصى إذا علم بعصيان من يعصيه وهو قادر عليه لم يمهله، أشار إلى أنه على غير ذلك، حاضاً على الرفق، بقوله : ﴿ الرحمن ﴾ أي الذي سبقت رحمته غضبه، وهو يحسن إلى من يكفره، فضلاً عن غيره، فأجدر عباده بالتخلق بهذا الخلق رسله، و الحاصل أنه أبدع هذا الكون وأخذ في تدبيره بعموم الرحمة في إحسانه لمن يسمعه يسبّه بالنسبة له إلى الولد، ويكذبه في أنه يعيده كما بدأه، وهو سبحانه قادر على الانتقام منه بخلاف ملوك الدنيا فإنهم لا يرحمون من يعصيهم مع عجزهم.
ولما كان العلم لازماً للملك، سبب عن ذلك قوله على طريق التجريد : ﴿ فاسأل به ﴾ أي بسبب سؤالك إياه ﴿ خبيراً ﴾ عن هذه الأمور وكل أمر تريده ليخبرك بحقيقة أمره ابتداء وحالاً ومآلاً، فلا يضيق صدرك بسبب هؤلاء المدعوين، فإنه ما أرسلك إليهم إلا وهو عالم بهم، فسيعلي كعبك عليهم، ويحسن لك العاقبة.
ولما ذكر إحسانه إليهم، وإنعامه عليهم، ذكر ما أبدوه من كفرهم في موضع شكرهم فقال : ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ أي هؤلاء الذين يتقلبون في نعمه، ويغذوهم بفضله وكرمه، من أيّ قائل كان : ﴿ اسجدوا ﴾ أي اخضعوا بالصلاة وغيرها ﴿ للرحمن ﴾ الذي لا نعمة لكم إلا منه ﴿ قالوا ﴾ قول عال متكبر كما تقدم في معنى ﴿ ظهيراً ﴾ : ﴿ وما الرحمن ﴾ متجاهلين عن معرفته فضلاً عن كفر نعمته معبرين بأداة ما لا يعقل، وقال ابن العربي :إنهم إما عبروا بذلك إشارة إلى جهلهم الصفة، دون الموصوف.
ثم عجبوا من أمره بذلك منكرين عليه، بقولهم : ﴿ أنسجد لما تأمرنا ﴾ فعبروا عنه بعد التجاهل في أمره والإنكار على الداعي إليه أيضاً بأداة ما لا يعقل ﴿ وزادهم ﴾ هذا الأمر الواضح المقتضي للإقبال والسكون شكراً للنعم وطمعاً في الزيادة ﴿ نفوراً* ﴾ لما عندهم من الحرارة الشيطانية التي تؤزهم أزاً، فلا نفرة توازي هذه النفرة، ولا ذم أبلغ منه.
ولما ذكر حال النذير الذي ابتدأ به السورة في دعائه إلى الرحمن الذي لو لم يدع إلى عبادته إلا رحمانيته لكفى، فكيف بكل جمال وجلال، فأنكروه، اقتضى الحال أن يوصل به إثباته بإثبات ما هم عالمون به من آثار رحمانيته، ففصل ما أجمل بعد ذكر حال النذير، ثم من الملك، مصدراً له بوصف الحق الذي جعله مطلع السورة راداً لما تضمن إنكارهم من نفيه فقال : ﴿ تبارك ﴾ أي ثبت ثباتاً لا نظير له ﴿ الذي جعل في السماء ﴾ التي قدم أنه اخترعها ﴿ بروجاً ﴾ وهي اثنا عشر برجاً، هي للكواكب السيارة كالمنازل لأهلها، سميت بذلك لظهورها، وبنى عليها أمر الأرض، دبر بها فصولها، وأحكم بها معايش أهلها.
ولما كانت البروج على ما تعهد لا تصلح إلا بالنور، ذكره معبراً بلفظ السراج فقال : ﴿ وجعل فيها ﴾ أي البروج ﴿ سراجاً ﴾ أي شمساً، وقرأ حمزة والكسائي بصيغة الجمع للتنبيه على عظمته في ذلك بحيث إنه أعظم من ألوف ألوف من السرج، فهو قائم مقام الوصف كما قال في الذي بعده : ﴿ وقمراً منيراً* ﴾ أتم - بتنقلهما فيها وبغير ذلك من أحوالهما - التدبير، أي أن العلم بوجوبه لا شك فيه، فكيف يشك عاقل في وجوده أو في رحمانيته بهذا العالم العظيم المتقن الصنع الظاهر فيه أمر الرحمانية.
ولما ذكر الآيتين، ذكر ما هما آيتاه فقال : ﴿ وهو الذي جعل الليل ﴾ أي الذي آيته القمر ﴿ والنهار ﴾ الذي آيته الشمس ﴿ خلفة ﴾ أي ذوي حالة معروفة في الاختلاف، فيأتي هذا خلف ذاك، بضد ما له من الأوصاف، ويقوم مقامه في كثير من المرادات، والأشياء المقدرات، ويعلم قدر التسامح فيها، ومن فاته شيء من هذا قضاه في ذاك ؛ قال ابن جرير :والعرب تقول :خلف هذا من كذا خلفة، وذلك إذا جاء شيء مكان شيء ذهب قبله. وفي القاموس أن الخلف والخلفة - بالكسر :المختلف. فعلى هذا يكون التقدير :جعلهما مختلفين في النور والظلام، والحر والبرد، غير ذلك من الأحكام. وقال الرازي في اللوامع :يقال :الأمر بينهم خلفة، أي نوبة، كل واحد يخلف صاحبه، والقوم خلفة، أي مختلفون.
ولما كان الذي لا ينتفع بالشيء كالعادم لذلك الشيء، خص الجعل بالمجتني للثمرة فقال : ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ أي يحصل له تذكر ولو على أدنى الوجوه - بما دل عليه الإدغام في قراءة الجماعة بفتح الذال والكاف مشددتين، لما يدله عليه عقله من أن التغير على هذه الهيئة العظيمة لا يكون بدون مغير قادر عظيم القدرة مختار، فيؤديه تذكره إلى الإيمان إن كان كفوراً، وقراءة حمزة بالتخفيف من الذكر تشير إلى أن ما يدلان عليه من تمام القدرة وشمول العلم الدال قطعاً على الوحدانية على غاية من الظهور، لا يحتاج إلى فكر، بل تحصل بأدنى التفات ﴿ أو أراد شكوراً* ﴾ أي شكراً بليغاً عظيماً لنعم الله لتحمله إرادته تلك على الشكر إن كان مؤمناً، بسبب ما أنعم به ربه من الإتيان بكل منهما بعد هجوم الآخر لاجتناء ثمراته، ولو جعل أحدهما دائماً لفاتت مصالح الآخرة، ولحصلت السآمة به، والملل منه، والتواني في الأمور المقدرة بالأوقات، والكسل وفتر العزم الذي إنما يثيره لتداركها دخول وقت آخر، وغير ذلك من الأمور التي أحكمها العلي الكبير.
ولما ذكر عباده الذين خذلهم بتسليط الشيطان عليهم فصاروا حزب الشيطان، ولم يصفهم إلى اسم من أسمائه، إيذاناً بإهانتهم لهوانهم عنده، وهم الذين صرح بهم قوله أول السورة ﴿ نذيراً ﴾ وختم بالتذكر والشكر إشارة إلى عباده الذين أخلصهم لنفسه، وأشار إليهم سابقاً بتخصيص الوصف بالفرقان، فأتبع ذلك ذكرهم، فقال عاطفاً على جملة الكلام في قوله ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ لكنه رفعهم بالابتداء تشريفاً لهم : ﴿ وعباد ﴾ ويجوز أن يقال ولعله أحسن :أنه سبحانه لما وصف الكفار في هذه السورة بما وصفهم به من الفظاظة والغلظة على النبي صلى الله عليه وسلم، وعداوتهم له، ومظاهرتهم على خالقهم، ونحو ذلك من جلافتهم، وختم بالتذكر والشكر، وكان التقدير :فعباد الشيطان لا يتذكرون ولا يشكرون، لما لهم من القسوة، عطف على هذا المقدر أضدادهم، واصفاً لهم بأضداد أوصافهم، مبشراً لهم بضد جزائهم، فقال :وعباد ﴿ الرحمن ﴾ فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان كل الخلق عباده، وأضافهم إلى صفة وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيراً لهم ؛ ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبرين عن السجود، إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بأمر كبير، فقال : ﴿ الذين يمشون ﴾ وقال : ﴿ على الأرض ﴾ تذكيراً بما هم منه وما يصيرون إليه، وحثاً على السعي في معالي الأخلاق للترقي عنه، وعبر عن حالهم بالمصدر مبالغة في اتصافهم بمدلوله حتى كانوا إياه، فقال : ﴿ هوناً ﴾ أي ذوي هون، أي لين ورفق وسكينة ووقار وإخبات وتواضع، لا يؤذون أحداً ولا يفخرون، رحمة لأنفسهم وغيرهم، غير متابعين ما هم فيه من الحرارة الشيطانية، فبرؤوا من حظوظ الشيطان، لأن من كان من الأرض وإليها يعود لا يليق به إلا ذلك، والأحسن أن يجعل هذا خبر " العباد "، ويكون ( أولئك يجزون الغرفة }[ الفرقان :٧٥ ] استئنافاً متشوفاً إليه تشوف المستنتج إلى النتيجة.
ولما ذكر ما أثمره العلم من الفعل في أنفسهم، أتبعه ما أنتجه الحلم من القول لغيرهم فقال : ﴿ وإذا ﴾ دون " إن " لقضاء العادة بتحقق مدخولها، ولم يقل :والذين كبقية المعطوفات، لأن الخصلتين كشيء واحد من حيث رجوعهما إلى التواضع ﴿ خاطبهم ﴾ خطاباً ما، بجهل أو غيره وفي وقت ما ﴿ الجاهلون ﴾ أي الذين يفعلون ما يخالف العلم والحكمة ﴿ قالوا سلاماً* ﴾ أي ما فيه سلامة من كل سوء، وليس المراد التحية - نقل ذلك سيبويه عن أبي الخطاب، قال :لأن الآية فيما زعم مكية، ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ولكنه على قولك :تسليماً لا خير بيننا وبينكم ولا شراً - انتهى. فلا حاجة إلى ادعاء نسخها بآية القتال ولا غيرها، لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع، وكأنه أطلق الخطاب إعلاماً بأن أكثر قول الجاهل الجهل.
ولما ذكر ما بينهم وبين الخلق من القول والفعل، وكان الغالب على ذلك أن يكون خلوة نهاراً، ذكر ما بينهم وبين خالقهم من ذلك خلوة ليلاً، وذكر هذه المعطوفات التي هي صفات بالواو، تنبيهاً على أن كل واحدة منها تستقل بالقصد لعظم خطرها، وكبر أثرها، فقال : ﴿ والذين يبيتون ﴾ من البيتوتة :أن يدركك الليل نمت أو لم تنم، وهي خلاف الظلول ؛ وأفاد الاختصاص بتقديم ﴿ لربهم ﴾ أي المحسن إليهم برحمانيته، يحيون الليل رحمة لأنفسهم، وشكراً لفضله.
ولما كان السجود أشد أركان الصلاة تقريباً إلى الله، لكونه أنهى الخضوع مع أنه الذي أباه الجاهلون، قدمه لذلك ويعلم بادىء بدء أن القيام في الصلاة فقال : ﴿ سجداً ﴾ وأتبعه ما هو تلوه في المشقة تحقيقاً لأن السجود على حقيقته فيتمحص الفعلان للصلاة، فقال : ﴿ وقياماً* ﴾ أي ولم يفعلوا فعل الجاهلين من التكبر عن السجود، بل كانوا - كما قال الحسن رحمه الله :نهارهم في خشوع، وليلهم في خضوع.
ولما ذكر تهذيبهم لأنفسهم للخلق والخالق، أشار إلى أنه لا إعجاب عندهم، بل هم وجلون، وأن الحامل لهم على ذلك الإيمان بالآخرة التي كذب بها الجاهلون﴿ يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون ﴾[ المؤمنون :٦٠ ] وقدموا الدعاء بالنجاة اهتماماً بدرء المفسدة، وإشعاراً بأنهم مستحقون لذلك وإن اجتهدوا، لتقصيرهم عن أن يقدروه سبحانه حق قدره فقال : ﴿ والذين يقولون ربنا ﴾ أي أيها المحسن إلينا ﴿ اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ الذي أحاط بنا لا ستحقاقنا إياه إلا أن يتداركنا عفوك ورحمتك، بما توفقنا له من لقاء من يؤذينا بطلاقة الوجه، لا بالتجهم، ثم علل سؤالهم يقولهم : ﴿ إن عذابها كان ﴾ أي كوناً جبلت عليه ﴿ غراماً* ﴾ أي هلاكاً وخسراناً ملحاً محيط بمن تعلق به مذلاً له، دائماً بمن غرى به، لازماً له لا ينفك عنه ونحن كنا نسير على من آذانا.
ولما ثبت لها هذا الوصف، أنتج قوله : ﴿ إنها ساءت ﴾ أي تناهت هي في كل ما يحصل منه سوء، وهي في معنى بئست في جميع المذام ﴿ مستقراً ﴾ أي من جهة موضع استقرار ﴿ ومقاماً* ﴾ أي موضع إقامة.
ولما ذكر أفعالهم وأقوالهم فيما بينهم وبين الخلق وقدمه، والخالق وأخره، لأن وجوبه يكون بعد ذلك، ذكر أحوالهم في أموالهم، نظراً إلى قول الكفرة
﴿ أو يلقى إليه كنز ﴾[ الفرقان :٨ ] وهداية إلى طريق الغنى لأنه ما عال من اقتصد، فقال : ﴿ والذين إذا أنفقوا ﴾ أي للخلق أو الخالق في واجب أو مستحب ﴿ لم يسرفوا ﴾ أي يجاوزوا الحد في النفقة بالتبذير، فيضيعوا الأموال في غير حقها فيكونوا إخوان الشياطين الذين هم من النار ففعلهم فعلها ﴿ ولم يقتروا ﴾ أي يضيقوا فيضيعو الحقوق ؛ ثم بين العدل بقوله : ﴿ وكان ﴾ أي إنفاقهم ﴿ بين ذلك ﴾ أي الفعل الذي يجب إبعاده.
ولما علم أن ما بين الطرفين المذمومين يكون عدلاً، صرح به في قوله : ﴿ قواماً* ﴾ أي عدلاً سواء بين الخلقين المذمومين :الإفراط والتفريط، تخلقاً بصفة قوله تعالى﴿ ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ولكن نزل بقدر ما يشاء ﴾[ الشورى :٢٧ ] وهذه صفة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم و رضي عنهم - كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة ولا يلبسون ثوباً للجمال والزينة، بل كانوا يأكلون ما يسد الجوعة، ويعين على العبادة، ويلبسون ما يستر العورة، ويكنّ من الحر والقر، قال عمر رضي الله عنه :كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا اشتراه فأكله.
ولما ذكر ما تحلوا به من أصول الطاعات، بما لهم من العدل والإحسان بالأفعال والأقوال، في الأبدان والأموال، أتبعه ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر، فقال : ﴿ والذين لا يدعون ﴾ رحمة لأنفسهم واستعمالاً للعدل ﴿ مع الله ﴾ أي الذي اختص بصفات الكمال ﴿ إلهاً ﴾ وكلمة " مع " وإن أفهمت أنه غير، لكن لما كانوا يتعنتون حتى أنهم يتعرضون بتعديد الأسماء كما مر في آخر سبحان والحجر، قال تعالى قطعاً لتعنتهم : ﴿ آخر ﴾ أي دعاء جلياً بالعبادة له، ولا خفياً بالرياء، فيكونوا كمن أرسلت عليهم الشياطين فأزتهم أزاً.
ولما نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها، أتبعه قتل غيرهم فقال : ﴿ ولا يقتلون ﴾ أي بما تدعو إليه الحدة ﴿ النفس ﴾ أي رحمة للخلق وطاعة للخالق. ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له، بين المراد بقوله : ﴿ التي حرم الله ﴾ أي قتلها، أي منع منعاً عظيماً الملك الأعلى - الذي لا كفوء له - من قتلها ﴿ إلا بالحق ﴾ أي بأن تعمل ما يبيح قتلها.
ولما ذكر القتل الجلي، أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد، فقال : ﴿ ولا يزنون ﴾ أي رحمة لما قد يحدث من ولد، إبقاء على نسبه، ورحمة للمزني بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم، مع رحمته لنفسه، على أن الزنا جارّ أيضاً إلى القتل والفتن، وفيه التسبب لإيجاد نفس بالباطل كما أن القتل تسبب إلى إعدامها بذلك، وقد روي في الصحيح
" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم :أي الذنب أعظم - وفي رواية :أكبر - عند الله ؟ قال :أن تدعو لله نداً وهو خلقك، قال :ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال :ثم أيّ ؟ قال :أن تزني بحليلة جارك، فأنزل الله تصديق ذلك ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ [ الفرقان :٦٨ ] الآية " وقد استشكل تصديق الآية للخبر من حيث أن الذي فيه قتل خاص وزنا خاص، والتقييد بكونه أكبر، والذي فيها مطلق القتل والزنا من غير تعرض لعظم، ولا إشكال لأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه :الأول :الاعتراض بين المبتدأ الذي هو " وعباد " وما عطف عليه، والخبر الذي هو﴿ أولئك يجزون ﴾ [ الفرقان :٧٥ ] على أحد الرأيين بذكر جزاء هذه الأشياء الثلاثة خاصة، وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام. الثاني :الإشارة بأداة البعد - في قوله : ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي الفعل العظيم القبح - مع قرب المذكورات، فدل على أن البعد في رتبها. الثالث :التعبير باللقى مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله : ﴿ يلق أثاماً* ﴾ دون يأثم أو يلق إثماً أو جزاء إثمه.
الرابع :التقييد بالمضاعفة في قوله مستأنفاً : ﴿ يضاعف ﴾ أي بأسهل أمر ﴿ له العذاب ﴾ جزاء ما أتبع نفسه هواها بما فيه من الحرارة الشيطانية - هذا في قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم بالرفع وهو بدل " يلق " في قراءة الجماعة، لأنهما تؤولان إلى معنى واحد، ومضاعفة العذاب - والله أعلم - إتيان بعضه في أثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك، وقراءة ابن كثير وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد تفيد مطلق التعظيم للتضعيف، وقراءة الباقين بالمفاعلة تقتضيه بالنسبة إلى من يباري آخر فيه فهو أبلغ. الخامس :التهويل بقوله : ﴿ يوم القيامة ﴾ الذي هو أهول من غيره بما لا يقايس. السادس :الإخبار بالخلود الذي هو أول درجاته أن يكون مكثاً طويلاً، فقال عاطفاً في القراءتين على يضاعف : ﴿ ويخلد فيه ﴾. السابع :التصريح بقوله : ﴿ مهاناً* ﴾ ولعله للاحتراز عما يجوز من أن بعض عصاة هذه الأمة - الذين يريد الله تعذيبهم - يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة، فتكون إقامتهم - مع العلم بالمآل - ليست على وجه الإهانة، فلما عظم الأمر من هذه الأوجه، علم أن كلاًّ من هذه الذنوب كبير، وإذا كان الأعم كبيراً، كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم، لأنه زاد عليه بما صار به خاصاً، فثبت بهذا أنها كبائر، وأن قتل الولد والزنا بحليلة الجار أكبر لما ذكر، فوضح وجه تصديق الآية للخبر، ولا يقال :إن الإشارة ترجع إلى المجموع، فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه الذنوب لأنا نقول :السياق يأباه، لأن تكرار " لا " أفاد - كما حققه الرضي - ورود النفي على وقوع الخصال الثلاث حال الاجتماع والانفراد، فالمعنى :لا يوقعون شيئاً منها، فكان معنى ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ :ومن يفعل شيئاً من ذلك - ليرد الإثبات على ما ورد عليه النفي، فيحصل التناسب، وأما عدم منافاة الآية للترتيب فمن وجهين :الأول أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له الآية، وهو التنفير المفيد للتغليظ، فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده.
الثاني أن الواو لا تنافيه، وقد وقعت الأفعال مرتبة في الذكر كما رتبت في الحديث ب " ثم " فيكون مراداً بها الترتيب - والله الهادي.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٨: ولما ذكر ما تحلوا به من أصول الطاعات، بما لهم من العدل والإحسان بالأفعال والأقوال، في الأبدان والأموال، أتبعه ما تخلوا عنه من أمهات المعاصي التي هي الفحشاء والمنكر، فقال : ﴿ والذين لا يدعون ﴾ رحمة لأنفسهم واستعمالاً للعدل ﴿ مع الله ﴾ أي الذي اختص بصفات الكمال ﴿ إلهاً ﴾ وكلمة " مع " وإن أفهمت أنه غير، لكن لما كانوا يتعنتون حتى أنهم يتعرضون بتعديد الأسماء كما مر في آخر سبحان والحجر، قال تعالى قطعاً لتعنتهم : ﴿ آخر ﴾ أي دعاء جلياً بالعبادة له، ولا خفياً بالرياء، فيكونوا كمن أرسلت عليهم الشياطين فأزتهم أزاً.
ولما نفى عنهم ما يوجب قتل أنفسهم بخسارتهم إياها، أتبعه قتل غيرهم فقال : ﴿ ولا يقتلون ﴾ أي بما تدعو إليه الحدة ﴿ النفس ﴾ أي رحمة للخلق وطاعة للخالق. ولما كان من الأنفس ما لا حرمة له، بين المراد بقوله : ﴿ التي حرم الله ﴾ أي قتلها، أي منع منعاً عظيماً الملك الأعلى - الذي لا كفوء له - من قتلها ﴿ إلا بالحق ﴾ أي بأن تعمل ما يبيح قتلها.
ولما ذكر القتل الجلي، أتبعه الخفي بتضييع نسب الولد، فقال : ﴿ ولا يزنون ﴾ أي رحمة لما قد يحدث من ولد، إبقاء على نسبه، ورحمة للمزني بها ولأقاربها أن تنهتك حرماتهم، مع رحمته لنفسه، على أن الزنا جارّ أيضاً إلى القتل والفتن، وفيه التسبب لإيجاد نفس بالباطل كما أن القتل تسبب إلى إعدامها بذلك، وقد روي في الصحيح
" عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم :أي الذنب أعظم - وفي رواية :أكبر - عند الله ؟ قال :أن تدعو لله نداً وهو خلقك، قال :ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال :ثم أيّ ؟ قال :أن تزني بحليلة جارك، فأنزل الله تصديق ذلك ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ [ الفرقان :٦٨ ] الآية " وقد استشكل تصديق الآية للخبر من حيث أن الذي فيه قتل خاص وزنا خاص، والتقييد بكونه أكبر، والذي فيها مطلق القتل والزنا من غير تعرض لعظم، ولا إشكال لأنها نطقت بتعظيم ذلك من سبعة أوجه :الأول :الاعتراض بين المبتدأ الذي هو " وعباد " وما عطف عليه، والخبر الذي هو﴿ أولئك يجزون ﴾ [ الفرقان :٧٥ ] على أحد الرأيين بذكر جزاء هذه الأشياء الثلاثة خاصة، وذلك دال على مزيد الاهتمام الدال على الإعظام. الثاني :الإشارة بأداة البعد - في قوله : ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي الفعل العظيم القبح - مع قرب المذكورات، فدل على أن البعد في رتبها. الثالث :التعبير باللقى مع المصدر المزيد الدال على زيادة المعنى في قوله : ﴿ يلق أثاماً* ﴾ دون يأثم أو يلق إثماً أو جزاء إثمه.
الرابع :التقييد بالمضاعفة في قوله مستأنفاً : ﴿ يضاعف ﴾ أي بأسهل أمر ﴿ له العذاب ﴾ جزاء ما أتبع نفسه هواها بما فيه من الحرارة الشيطانية - هذا في قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم بالرفع وهو بدل " يلق " في قراءة الجماعة، لأنهما تؤولان إلى معنى واحد، ومضاعفة العذاب - والله أعلم - إتيان بعضه في أثر بعض بلا انقطاع كما كان يضاعف سيئته كذلك، وقراءة ابن كثير وأبي جعفر وابن عامر ويعقوب بالتشديد تفيد مطلق التعظيم للتضعيف، وقراءة الباقين بالمفاعلة تقتضيه بالنسبة إلى من يباري آخر فيه فهو أبلغ. الخامس :التهويل بقوله : ﴿ يوم القيامة ﴾ الذي هو أهول من غيره بما لا يقايس. السادس :الإخبار بالخلود الذي هو أول درجاته أن يكون مكثاً طويلاً، فقال عاطفاً في القراءتين على يضاعف : ﴿ ويخلد فيه ﴾. السابع :التصريح بقوله : ﴿ مهاناً* ﴾ ولعله للاحتراز عما يجوز من أن بعض عصاة هذه الأمة - الذين يريد الله تعذيبهم - يعلمون أنهم ينجون ويدخلون الجنة، فتكون إقامتهم - مع العلم بالمآل - ليست على وجه الإهانة، فلما عظم الأمر من هذه الأوجه، علم أن كلاًّ من هذه الذنوب كبير، وإذا كان الأعم كبيراً، كان الأخص المذكور أعظم من مطلق الأعم، لأنه زاد عليه بما صار به خاصاً، فثبت بهذا أنها كبائر، وأن قتل الولد والزنا بحليلة الجار أكبر لما ذكر، فوضح وجه تصديق الآية للخبر، ولا يقال :إن الإشارة ترجع إلى المجموع، فالتهويل خاص بمن ارتكب مجموع هذه الذنوب لأنا نقول :السياق يأباه، لأن تكرار " لا " أفاد - كما حققه الرضي - ورود النفي على وقوع الخصال الثلاث حال الاجتماع والانفراد، فالمعنى :لا يوقعون شيئاً منها، فكان معنى ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ :ومن يفعل شيئاً من ذلك - ليرد الإثبات على ما ورد عليه النفي، فيحصل التناسب، وأما عدم منافاة الآية للترتيب فمن وجهين :الأول أن الأصل في التقديم الاهتمام بما سبقت له الآية، وهو التنفير المفيد للتغليظ، فيكون كل واحد منها أعلى مما بعده.
الثاني أن الواو لا تنافيه، وقد وقعت الأفعال مرتبة في الذكر كما رتبت في الحديث ب " ثم " فيكون مراداً بها الترتيب - والله الهادي.

ولما أتم سبحانه تهديد الفجار، على هذه الأوزار، أتبعه ترغيب الأبرار، في الإقبال على الله العزيز الغفار، فقال : ﴿ إلا من تاب ﴾ أي رجع إلى الله عن شيء مما كان فيه من هذه النقائص ﴿ وآمن ﴾ أي أوجد الأساس الذي لا يثبت عمل بدونه وهو الإيمان، أو أكد وجوده ﴿ وعمل ﴾. ولما كان الرجوع عنه أغلظ، أكد فقال : ﴿ عملاً صالحاً ﴾ أي مؤسساً على أساس الإيمان ؛ ثم زاد في الترغيب بالإتيان بالفاء ربطاً للجزاء بالشرط دليلاً على أنه سببه فقال : ﴿ فأولئك ﴾ أي العالو المنزلة ﴿ يبدل الله ﴾ وذكر الاسم الأعظم تعظيماً للأمر وإشارة إلى أنه سبحانه لا منازع له ﴿ سيئاتهم حسنات ﴾ أي بندمهم على تلك السيئات، لكونها ما كانت حسنات فيكتب لهم ثوابها بعزمهم الصادق على فعلها لو استقبلوا من أمرهم ما استدبروا، بحيث إذا رأى أحدهم تبديل سيئاته بالحسنات تمنى لو كانت سيئاته أكثر ! وورد أن بعضهم يقول :رب ! إن لي سيئات ما رأيتها - رواه مسلم في أواخر الإيمان من صحيحه عن أبي ذر رضي الله عنه رفعه.
ولما كان هذا أمراً لم تجر العادة بمثله، أخبر أنه صفته تعالى أزلاً وأبداً، فقال مكرراً للاسم الأعظم لئلا يقيد غفرانه شيء مما مضى : ﴿ وكان الله ﴾ أي الذي له الجلال والإكرام على الإطلاق ﴿ غفوراً ﴾ أي ستوراً لذنوب كل من تاب بهذا الشرط ﴿ رحيماً* ﴾ له بأن يعامله بالإكرام كما يعامل المرحوم فيعطيه مكان كل سيئة حسنة ؛ روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآية نزلت في أهل الشرك، لما نزل صدرها قال أهل مكة :فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله، وأتينا الفواحش، فأنزل الله﴿ إلا من تاب ﴾[ الفرقان :٧ ] - إلى -﴿ رحيماً ﴾[ الفرقان :٧ ] ؛ وروي عنه أيضاً أنه قال :هذه مكية نسختها آية مدنية التي في سورة النساء. أي على تقدير كونها عامة في المشرك وغيره ؛ وروي عنه أنه قال في آية النساء :نزلت في آخر ما نزل، ولم ينسخها شيء.
وقد تقدم في سورة النساء الجواب عن هذا، وكذا ما رواه البخاري عنه في التفسير :إن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا وأكثروا وزنوا وأكثروا، فأتوا محمداً صلى الله عليه وسلم فقالوا :إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ﴾[ الفرقان :٦٨ ] ونزل
﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾[ الزمر :٥٣ ].
ولما أشعرت الفاء بالتسبيب، ودل تأكيد الفعل بالمصدر على الاحتياج إلى عمل كثير ربما جل عن طوق البشر، وأشار إلى التطريق له بالوصفين العظيمين، أتبع ذلك بيان الطريق إليه بما أجرى من العادة فقال : ﴿ ومن تاب ﴾ أي عن المعصية كفراً كانت أو ما دونه ﴿ وعمل ﴾ تصديقاً لادعائه التوبة.
ولما كان في سياق الترغيب، أعراه من التأكيد فقال : ﴿ صالحاً ﴾ ولو كان كل من نيته وعمله ضعيفاً ؛ ورغب سبحانه في ذلك بقوله معلماً أنه يصل إلى الله : ﴿ فإنه يتوب ﴾ أي يرجع واصلاً ﴿ إلى الله ﴾ أي الذي له صفات الكمال، فهو يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات ﴿ متاباً* ﴾ أي رجوعاً عظيماً جداً بأن يرغبه الله في الأعمال الصالحة، فلا يزال كل يوم في زيادة في نيته وعمله، فيخف ما كان عليه ثقيلاً، ويتيسر له ما كان عسيراً، ويسهل عليه ما كان صعباً، كما تقدم في﴿ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم بإيمانهم ﴾[ يونس :٩ ] ولا يزال كذلك حتى يحبه فيكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، بأن يوفقه للخير، فلا يسمع إلا ما يرضيه، وهكذا، ومن أجراه على ظاهره فعليه لعنة الله، لمخالفته إجماع المسلمين.
ولما وصف عباده سبحانه بأنهم تحلوا بأصول الفضائل، وتخلوا عن أمهات الرذائل، ورغب التوبة، لأن الإنسان لعجزه لا ينفك عن النقص، وكان قد مدحهم بعد الأولى من صفاتهم بالحلم عن الجهل مدحهم قبل الأخرى من أمداحهم وعقب تركهم الزنا بالإعراض أصلاً عن اللغو الذي هو أعظم مقدمات الزنا فقال : ﴿ والذين لا يشهدون ﴾ أي يحضرون انحرافاً مع الهوى كما تفعل النار التي الشيطان منها ﴿ الزور ﴾ أي القول المنحرف عن الصدق كذباً كان أو مقارباً له فضلاً عن أن يتفوهوا به ويقروا عليه ؛ قال ابن جرير :وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من يسمعه أو يراه أنه بخلاف ما هو به فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، والشرك قد يدخل في ذلك لأنه محسن لأهله حتى ظنوا أنه حق وهو باطل، ويدخل فيه الغنا لأنه أيضاً مما يحسن بترجيع الصوت حتى يستحلي سامعه سماعه، والكذب أيضاً يدخل فيه بتحسين صاحبه إياه حتى يظن أنه حق.
وعطف عليه ما هو أعم منه فقال : ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ أي الذي ينبغي أن يطرح ويبطل سواء كان من وادي الكذب أو العبث الذي لا يجدي ؛ قال ابن جرير :وهو في كلام العرب كل كلام أو فعل باطل لا حقيقة له ولا أصل، أو ما يستقبح. ﴿ مروا كراماً* ﴾ أي آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، إن تعلق بهم أمر أو نهي، بإشارة أو عبارة، على حسب ما يرونه نافعاً، أو معرضين إن كان لا يصلح شيء من ذلك لإثارة مفسدة أعظم من ذلك أو نحوه، رحمة لأنفسهم وغيرهم، وأما حضورهم لذلك وسكوتهم فلا، لأن النظارة إلى كل ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الإثم لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضا به، وسبب لوجوده والزيادة فيه.
ولما ذكر وصفهم الذي فاقوا به، أشار إلى وصف الجهلة الذين سفلوا به، فقال : ﴿ والذين إذا ذكروا ﴾ أي ذكرهم غيرهم كائناً من كان، لأنهم يعرفون الحق بنفسه لا بقائله ﴿ بآيات ربهم ﴾ أي الذي وفقهم لتذكر إحسانه إليهم في حسن تربيته لهم بالاعتبار بالآيات المرئية والمسموعة ﴿ لم يخروا ﴾ أي لم يفعلوا فعل الساقطين المستعلين ﴿ عليها ﴾ الساترين لها ؛ ثم زاد في بيان إعراضهم وصدهم عنها فقال منبهاً على أن المنفي القيد لا المقيد، وهو الخرور، بل هو موجود غير منفي بصفة السمع والبصر : ﴿ صماً وعمياناً* ﴾ أي كما يفعل المنافقون والكفار في الإقبال عليها سماعاً واعتباراً، والإعراض عنها تغطية لما عرفوا من حقيتها، وستراً لما رأوا من نورها، فعل من لا يسمع ولا يبصر كما تقدم عن أبي جهل وأبي سفيان والأخنس بن شريق، وذلك وصف لعباد الرحمن بفعل ضد هذا، أي أنهم يسقطون عند سماعها ويبكون عليها، سقوط سامع منتفع بسمعه، بصير منتفع ببصره وبصيرته، سجداً يبكون كما تقدم في أول أوصافهم وإن لم يبلغوا أعلى درجات البصيرة - بما أشارت إليه المبالغة بزيادة النون جمع العمى.
ولما ذكر هذه الخصلة المثمرة لما يلي الخصلة الأولى، ختم بما ينتج الصفة الأولى. فقال مؤذناً بأن إمامة الدين ينبغي أن تطلب ويرغب فيها : ﴿ والذين يقولون ﴾ علماً منهم بعد اتصافهم بجميع ما مضى أنهم أهل للإمامة : ﴿ ربنا هب لنا من أزواجنا ﴾ اللاتي قرنتها بنا كما فعلت لنبيك صلى الله عليه وسلم، فمدحت زوجته في كلامك القديم، وجعلت مدحها يتلى على تعاقب الأزمان والسنين ﴿ وذرياتنا قرة ﴾ ولما كان المتقون - الذين يفعلون الطاعة ويسرون بها - قليلاً في جنب العاصين، أتى بجمع القلة ونكر فقال : ﴿ أعين ﴾ أي من الأعمال أو من العمال يأتمون بنا، لأن الأقربين أولى بالمعروف، ولا شيء أسر للمؤمن ولا أقر لعينه من أن يرى حبيبه يطيع الله، فما طلبوا إلا أن يطاع الله فتقر أعينهم، ف " من " إما تكون مثلها في :رأيت منك أسداً، وإما أن تكون على بابها، وتكون القرة هي الأعمال، أي هب لنا منهم أعمالاً صالحة فجعلوا أعمال من يعز عليهم هبة لهم، وأصل القرة البرد لأن العرب تتأذى بالحر وتستروح إلى البرد، فجعل ذلك كناية عن السرور ﴿ واجعلنا ﴾ أي إيانا وإياهم ﴿ للمتقين ﴾ أي عامة من الأقارب والأجانب.
ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في المتابعة واحدة، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس، فقالوا : ﴿ إماماً* ﴾ أي فنكون علماء مخبتين متواضعين كما هو شأن إمامة التقوى في إفادة التواضع والسكينة، لنحوز الأجر العظيم، إذ الإنسان له أجره وأجر من اهتدى به فعمل بعمله
" من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة " وعكسه.
ولما وصف سبحانه عباده المؤمنين بضد أوصاف الكافرين من الرفق والسكينة، والتواضع والحلم والطمأنينة والشكر لربهم والرغبة إليه والرهبة منه. وقال الرازي :فوصف مشيهم وخطابهم وانتصابهم له ودعاءهم ونفقاتهم ونزاهتهم وتيقظهم وانتباههم وصدقهم ومحبتهم ونصحهم. تشوف السامع إلى ما لهم عنده بعد المعرفة بما للكافرين، فابتدأ الخبر عن ذلك بتعظيم شأنهم فقال : ﴿ أولئك ﴾ أي العالو الرتبة، العظيمو المنزلة. ولما كان المقصود إنما هو الجزاء، بني للمفعول قوله : ﴿ يجزون ﴾ أي فضلاً من الله على ما وفقهم له من هذه الأعمال الزاكية، والأحوال الصافية ﴿ الغرفة ﴾ أي التي هي لعلوها واتساعها وطيبها لا غرفة غيرها، لأنها منتهى الطلب، وغاية الأرب، لا يبغون عنها حولاً، ولا يريدون بها بدلاً، وهي كل بناء عال مرتفع، والظاهر أن المراد بها الجنس.
ولما كانت الغُرَب في غابة التعب لمنافاتها لشهوات النفس وهواها وطبع البدن، رغب فيها بأن جعلها سبباً لهذا الجزاء فقال : ﴿ بما صبروا ﴾ أي أوقعوا الصبر على أمر ربهم ومرارة غربتهم بين الجاهلين في أفعالهم وأقوالهم وأحوالهم، وغير ذلك من معاني جلالهم.
ولما كان المنزل لا يطيب إلا بالكرامة والسلامة، قال : ﴿ ويلقون ﴾ أي يجعلهم الله لاقين بأيسر أمر ؛ وهلى قراءة حمزة والكسائي وأبي بكر عن عاصم بالتخفيف والبناء للفاعل والأمر واضح ﴿ فيها تحية ﴾ أي دعاء بالحياة من بعضهم لبعض، ومن الملائكة الذين لا يرد دعاؤهم، ولا يمترى في إخبارهم، لأنهم عن الله ينطقون، وذلك على وجه الإكرام والإعظام مكان ما أهانهم عباد الشيطان ﴿ وسلاماً ﴾ أي من الله ومن الملائكة وغيرهم، وسلامة من كل آفة مكان ما أصابوهم بالمصائب.
ولما كان هذا ناطقاً بدوام حياتهم سالمين بصريحه، وبعظيم شرفهم بلازمه، دل على أنهم لا يبرحون عنه بقوله : ﴿ خالدين فيها ﴾ أي الغرفة مكان ما أزعجوهم من ديارهم حتى هاجروا ؛ ودل على علو أمرها، وعظيم قدرها، بإبراز مدحها في مظهر التعجب فقال : ﴿ حسنت ﴾ أي ما أحسنها ﴿ مستقراً ﴾ أي موضع استقرار ﴿ ومقاماً* ﴾ أي موضع إقامة.
ولما ثبت أمر الرحمانية، فظهر أمر الرحمن وما عليه عباده من الدعاء الذي هو الخضوع والإخلاص، وختم أوصافهم الحسنة بالدعاء حقيقة الدال على الإخلاص في الخضوع، وذكر حسن جزائهم وكريم منقلبهم، أمر النذير أن يقول لعباد الشيطان الذين تكبروا عن السجود للرحمن، وعن الاعتراف والإيمان، ليرجعوا عن العصيان، ويزداد المؤمنون في الطاعات والإيمان :إن ربه لا يعتد بمن لا يدعوه، فمن ترك دعاءه فليرتقب العذاب الدائم، فقال : ﴿ قل ما يعبأ ﴾ أي يعتد ويبالي ويجعلكم ممن يسد به في موضع التعبئة الآن - على أن " ما " نافية ﴿ بكم ﴾ أي أيها الكافرون ﴿ ربي ﴾ أي المحسن إليّ وإليكم برحمانيته، المخصص لي بالإحسان برحيميته، وإنما خصه بالإضافة لا عترافه دونهم ﴿ لولا دعاؤكم ﴾ أي نداؤكم له في وقت شدائدكم الذي أنتم تبادرون إليه فيه خضوعاً له به لينجيكم، فإذا فعلتم ذلك أنقذكم مما أنتم فيه، معاملة لكم معاملة من يبالي بالإنسان ويعتد به ويراعيه، ولولا دعاؤه إياكم لتعبدوه رحمة لكم لتزكوا أنفسكم وتصفّوا أعمالكم ولا تكونوا حطباً للنار ﴿ فقد كذبتم ﴾ أي فتسبب عن ذلك لسوء طباعكم ضد ما كان ينبغي لكم من الشكر والخير بأن عقبتم بالإنجاء وحققتم وقرنتم التكذيب بالرحمن بعد رحمتكم بالبيان مع ضعفكم وعجزكم، وتركتم ذلك الدعاء له وعبدتم الأوثان، وادعيتم له الولد وغيره من البهتان، أو ما يعتد بكم شيئاً من الاعتداد لولا دعاؤكم إياه وقت الشدائد، فهو يعتد بكم لأجله نوع اعتداد، وهو المدة التي ضربها لكم في الدنيا لا غيرها، بسب أنكم قد كذبتم، أو ما يصنع بكم لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، لأنكم قد كذبتم، فكنتم شراً من البهائم، فدعاكم فتسبب عن دعائه إياكم أنكم فاجأتم الداعي بالتكذيب، والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء، لأنكم مكذبون، وإنما قلت :" الآن " لأن " ما " لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس " لا " ﴿ فسوف ﴾ أي فتسبب عن تكذيبكم أنه يجازيكم على ذلك، ولكنه مع قوته وقدرته واختياره لا يعاجلكم، بل ﴿ يكون ﴾ جزاء هذا التكذيب عند انقضاء ما ضربه لكم من الآجال، وكل بعيد عندكم قريب عنده، وكل آتٍ قريب، فتهيؤوا واعتدوا لذلك اليوم ﴿ لزاماً* ﴾ أي لازماً لكم لزوماً عظيماً لا انفكاك له عنكم بحال، وهذا تنبيه على ضعفهم وعجزهم، وذلهم وقهرهم، لأن الملزوم لا يكون إلا كذلك، فأسرهم يوم بدر من أفراد هذا التهديد، فقد انطبق آخر السورة على أولها بالإنذار بالفرقان، لمن أنكر حقيقة الرحمن - والله ولي التوفيق بالإيمان.
السورة التالية
Icon