0:00
0:00

مكية وهي سبع وسبعون آية

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ تبارك ﴾ تفاعل من البركة وهي كثرة الخير وزيادته، ومعنى تبارك الله تزايد خيره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله، وهي كلمة تعظيم لم تستعمل إلا لله وحده والمستعمل منه الماضي فحسب ﴿ الذى نَزَّلَ الفرقان ﴾ هو مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما، وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل والحلال والحرام، أو لأنه لم ينزل جملة ولكن مفرقاً مفصولاً بين بعضه وبعض في الإنزال ألا ترى إلى قوله : ﴿ وَقُرْءانًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ ونزلناه تَنْزِيلاً ﴾ [ الإسراء :١٠٦ ] ﴿ على عَبْدِهِ ﴾ محمد عليه الصلاة والسلام ﴿ لِيَكُونَ ﴾ العبد أو الفرقان ﴿ للعالمين ﴾ للجن والإنس وعموم الرسالة من خصائصه عليه الصلاة والسلام ﴿ نَذِيراً ﴾ منذراً أي مخوفاً أو إنذاراً كالنكير بمعنى الإنكار ومنه قوله تعالى ﴿ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِى وَنُذُرِ ﴾ [ القمر :١٨ ]
﴿ الذى ﴾ رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أو على الإبدال من ﴿ الذي نزل ﴾ وجوز الفصل بين البدل والمبدل منه بقوله ﴿ ليكون ﴾ لأن المبدل منه صلته ﴿ نزل ﴾ وليكون تعليل له فكأن المبدل منه لم يتم إلا به أو نصب على المدح ﴿ لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض ﴾ على الخلوص ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً ﴾ كما زعم اليهود والنصارى في عزير والمسيح عليهما السلام ﴿ وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك ﴾ كما زعمت الثنوية ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَىْء ﴾ أي أحدث كل شيء وحده لا كما يقوله المجوس والثنوية من النور والظلمة ويزدان واهرمن. ولا شبهة فيه لمن يقول إن الله شيء ويقول بخلق القرآن، لأن الفاعل بجميع صفاته لا يكون مفعولاً له على أن لفظ شيء اختلص بما يصح أن يخلق بقرينة وخلق، وهذا أوضح دليل لنا على المعتزلة في خلق أفعال العباد ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ فهيأه لما يصلح له بلا خلل فيه كما أنه خلق الإنسان على هذا الشكل الذي تراه فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في الدين والدنيا أو قدره للبقاء إلى أمد معلوم.
﴿ واتخذوا ﴾ الضمير للكافرين لاندراجهم تحت العالمين أو لدلالة ﴿ نذيراً ﴾ عليهم لأنهم المنذرون ﴿ مِن دُونِهِ ءالِهَةً ﴾ أي الأصنام ﴿ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ أي أنهم آثروا على عبادة من هو منفرد بالألوهية والملك والخلق والتقدير عبادة عجزة لا يقدرون على خلق شيء وهم يخلقون ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ لأَِنفُسِهِمْ ضَرّاً وَلاَ نَفْعاً ﴾ ولا يستطيعون لأنفسهم دفع ضرر عنها ولا جلب نفع إليها ﴿ وَلاَ يَمْلِكُونَ مَوْتاً ﴾ إماتة ﴿ ولا حياة ﴾ أي إحياء ﴿ وَلاَ نُشُوراً ﴾ إحياء بعد الموت وجعلها كالعقلاء لزعم عابديها
﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ إِنْ هذا ﴾ ما هذا القرآن ﴿ إِلاَّ إِفْكٌ ﴾ كذب ﴿ افتراه ﴾ اختلقه واخترعه محمد من عند نفسه ﴿ وَأعانَهُ عليه قومٌ آخرون ﴾ أي اليهود وعداس ويسار وأبو فكيهة الرومي قاله النضر بن الحارث ﴿ فَقَدْ جَاءوا ظُلْماً وَزُوراً ﴾ هذا إخبار من الله رد للكفرة فيرجع الضمير إلى الكفار وجاء يستعمل في معنى فعل فيعدى تعديتها، أو حذف الجار وأوصل الفعل أي بظلم وزور. وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب، والزور أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه.
﴿ وَقَالُواْ أساطير الأولين ﴾ أي هو أحاديث المتقدمين وما سطروه كرستم وغيره جمع أسطار وأسطورة كأحدوثة ﴿ اكتتبها ﴾ كتبها لنفسه ﴿ فَهِىَ تملى عَلَيْهِ ﴾ أي تلقى عليه من كتابه ﴿ بُكْرَةً ﴾ أول النهار ﴿ وَأَصِيلاً ﴾ آخره فيحفظ ما يملى عليه ثم يتلوه علينا.
﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ أَنزَلَهُ ﴾ أي القرآن ﴿ الذى يَعْلَمُ السر فِى السماوات والأرض ﴾ أي يعلم كل سر خفي في السماوات والأرض، يعني أن القرآن لما اشتمل على علم الغيوب التي يستحيل عادة أن يعلمها محمد عليه الصلاة والسلام من غير تعليم، دل ذلك على أنه من عند علام الغيوب ﴿ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ فيمهلهم ولا يعاجلهم بالعقوبة وإن استوجبوها بمكابرتهم
﴿ وَقَالُواْ مَّالِ هذا الرسول ﴾ وقعت اللام في المصحف مفصولة عن الهاء وخط المصحف سنة لا تغير، وتسميتهم إياه بالرسول سخرية منهم كأنهم قالوا :أي شيء لهذا الزاعم إنه رسول ﴿ يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِى فِى الأسواق ﴾ حال والعامل فيها «هذا » { لَوْلا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً
أَوْ يُلْقِى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا } أي إن صح أنه رسول الله فما باله يأكل الطعام كما نأكل ويتردد في الأسواق لطلب المعاش كما تردد يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكاً مستغنياً عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن ذلك الاقتراح إلى أن يكون إنساناً معه ملك حتى يتساندا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا إلى أن يكون مرفوداً بكنز يلقى إليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا إلى أن يكون رجلاً له بستان يأكل هو منه كالمياسير أو نأكل نحن كقراءة علي وحمزة. وحسن عطف المضارع وهو ﴿ يُلْقِى ﴾ و ﴿ تَكُونُ ﴾ على ﴿ أَنَزلَ ﴾ وهو ماض لدخول المضارع وهو ﴿ فَيَكُونُ ﴾ بينهما وانتصب ﴿ فَيَكُونُ ﴾ على القراءة المشهورة لأنه جواب ﴿ لَوْلاَ ﴾ بمعنى «هلا » وحكمه حكم الاستفهام. وأراد بالظالمين في قوله ﴿ وَقَالَ الظالمون ﴾ إياهم بأعيانهم غير أنه وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلاً عليهم بالظلم فيما قالوا وهم كفار قريش ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا ﴾ سحر فجن أو ذا سحر وهو الرئة عنوا أنه بشر لا ملك
﴿ انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ ﴾ بينوا ﴿ لَكَ الأمثال ﴾ الأشباه أي قالوا فيك تلك الأقوال واخترعوا لك تلك الصفات والأحوال من المفتري والمملي عليه والمسحور ﴿ فُضّلُواْ ﴾ عن الحق ﴿ فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً ﴾ فلا يجدون طريقاً إليه.
﴿ تَبَارَكَ الذى إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْراً مّن ذلك جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً ﴾ أي تكاثر خير الذي إن شاء وهب لك في الدنيا خيراً مما قالوا، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك في الآخرة من الجنات والقصور. و ﴿ جنات ﴾ بدل من ﴿ خيرا ﴾، ﴿ ويجعل ﴾ بالرفع :مكي وشامي وأبو بكر لأن الشرط إذا وقع ماضياً جاز في جزائه الجزم والرفع
﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة ﴾ عطف على ما حكى عنهم يقول :بل أتوا بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة، أو متصل بما يليه كأنه قال :بل كذبوا بالساعة فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب وكيف يصدقون بتعجيل مثل ما وعدك في الآخرة وهم لا يؤمنون بها ؟ ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً ﴾ وهيأنا للمكذبين بها ناراً شديدة في الاستعار.
﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ ﴾ أي النار أي قابلتهم ﴿ مِن مَّكَانِ بَعِيدٍ ﴾ أي إذا كانت منهم بمرأى الناظرين في البعد ﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾ أي سمعوا صوت غليانها وشبه ذلك بصوت المتغيظ والزافر، أو إذا رأتهم زبانيتها تغيظوا وزفروا غضباً على الكفار.
﴿ وإِذَا أُلْقُواْ مِنْهَا ﴾ من النار ﴿ مَكَاناً ضَيّقاً ﴾ ﴿ ضيقاً ﴾ مكي فإن الكرب مع الضيق كما أن الروح مع السعة ولذا وصفت الجنة بأن عرضها السماوات والأرض. وعن ابن عباس رضي الله عنها أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ﴿ مُقْرِنِينَ ﴾ أي وهم مع ذلك الضيق مسلسلون مقرّنون في السلاسل قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، أو يقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الأصفاد ﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ﴾ حينئذ ﴿ ثُبُوراً ﴾ هلاكاً أي قالوا واثبوراه أي تعال يا ثبور فهذا حينك فيقال لهم ﴿ لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾
﴿ لاَّ تَدْعُواْ اليوم ثُبُوراً واحدا وادعوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾ أي إنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحداً إنما هو ثبور كثير
﴿ قُلْ أذلك خَيْرٌ ﴾ أي المذكور من صفة النار خير ﴿ أَمْ جَنَّةُ الخلد التى وَعِدَ المتقون ﴾ أي وعدها فالراجع إلى الموصول محذوف، وإنما قال : ﴿ أذلك خير ﴾، ولا خير في النار توبيخاً للكفار ﴿ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء ﴾ ثواباً ﴿ وَمَصِيراً ﴾ مرجعاً. وإنما قيل ﴿ كانت ﴾ لأن ما وعد الله كأنه كان لتحققه أو كان ذلك مكتوباً في اللوح قبل أن خلقهم
﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءونَ ﴾ أي ما يشاؤونه ﴿ خالدين ﴾ حال من الضمير في ﴿ يشاؤون ﴾ والضمير في ﴿ كان ﴾ ل ﴿ ما يشاؤون ﴾ ﴿ على رَبّكَ وَعْداً ﴾ أي موعوداً ﴿ مَّسْئُولاً ﴾ مطلوباً أو حقيقاً أن يسأل أو قد سأله المؤمنون والملائكة في دعواتهم ﴿ رَبَّنَا وَءاتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ ﴾ [ آل عمران :١٩٤ ] ﴿ رَبَّنَا ءاتِنَا فِى الدنيا حَسَنَةً وَفِي الآخرة حَسَنَةً ﴾ [ البقرة :٢٠١ ] ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جنات عَدْنٍ التى وَعَدْتَّهُمْ ﴾
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ ﴿ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ ﴾ للبعث عند الجمهور وبالياء :مكي ويزيد ويعقوب وحفص.
﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ يريد المعبودين من الملائكة والمسيح وعزير. وعن الكلبي يعني الأصنام ينطقها الله. وقيل :عام وما يتناول العقلاء وغيرهم لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم ﴿ فَيَقُولُ ﴾ وبالنون شامي ﴿ ءأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِى هَؤُلاَء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل ﴾ والقياس ضلوا عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل إلى الطريق أو للطريق. وضل مطاوع أضله والمعنى أأنتم أوقعتموهم في الضلال عن طريق الحق بإدخال الشبه أم هم ضلوا عنه بأنفسهم ؟ وإنما لم يقل «أأضللتم عبادي هؤلاء أم ضلوا السبيل » وزيد «أنتم » و«هم » لأن السؤال ليس عن الفعل ووجوده لأنه لولا وجوده لما توجه هذا العتاب، وإنما هو عن متوليه فلا بد من ذكره وإيلائه حرف الاستفهام ليعلم أنه المسؤول عنه. وفائدة سؤالهم مع علمه تعالى بالمسؤول عنه أن يجيبوا بما أجابوا به حتى يبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم فتزيد حسرتهم
﴿ قَالُواْ سبحانك ﴾ تعجب منهم مما قيل لهم وقصدوا به تنزيهه عن الأنداد وأن يكون له نبي أو ملك أو غيرهما نداً. ثم قالوا ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِى لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ أي ما كان يصح لنا ولا يستقيم أن نتولى أحداً دونك فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولونا دونك ؟ ﴿ نتخذ ﴾ يزيد. و«اتخذ » يتعدى إلى مفعول واحد نحو «اتخذ ولياً » وإلى مفعولين نحو «اتخذ فلاناً ولياً » قال الله تعالى : ﴿ أَمِ اتخذوا الِهَةً مّنَ الأرض ﴾ [ الأنبياء :٢١ ] ﴿ اتخذ الله إبراهيم خَلِيلاً ﴾ [ النساء :١٢٥ ] فالقراءة الأولى لواحد وهو من أولياء والأصل أن تتخذ أولياء وزيدت «من » التأكيد معنى النفي، والقراءة الثانية في المتعدي إلى المفعولين فالمفعول الأول ما بني له الفعل والثاني من أولياء و«من » للتبعيض أي لا نتخذ بعض أولياء لأن من لا تزاد في المفعول الثاني بل في الأول تقول «ما اتخذت من أحد ولياً » ولا تقول «ما اتخذت أحداً من ولي » ﴿ ولكن مَّتَّعْتَهُمْ وَءابَاءهُمْ ﴾ بالأموال والأولاد. وطول العمر والسلامة من العذاب ﴿ حتى نَسُواْ الذكر ﴾ أي ذكر الله والإيمان به والقرآن والشرائع ﴿ وَكَانُواْ ﴾ عند الله ﴿ قَوْماً بُوراً ﴾ أي هلكى جمع بائر كعائذ وعوذ ثم يقال للكفار بطريق الخطاب عدولاً عن الغيبة.
﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ونظيرها : ﴿ ياأهل الكتاب قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ على فَتْرَةٍ مَّنَ الرسل ﴾ إلى قوله ﴿ فَقَدْ جَاءكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ ﴾ [ المائدة :١٩ ] وقول القائل
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا. . . ثم القفول فقد جئنا خراساناً
﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ بقولكم فيهم إنهم آلهة، والباء على هذا كقوله : ﴿ بَلْ كَذَّبُواْ بالحق ﴾ [ ق : ] والجار والمجرور بدل من الضمير كأنه قيل :فقد كذبوا بما تقولون. وعن قنبل بالياء ومعناه فقد كذبوكم بقولهم : ﴿ سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ﴾ والباء على هذا كقولك «كتبت بالقلم » ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً ﴾ ﴿ فما يستطيعون ﴾ أي فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصرونكم. وبالتاء حفص أي فما تستطيعون أنتم يا كفار صرف العذاب عنكم ولا نصر أنفسكم. ثم خاطب المكلفين على العموم بقوله ﴿ وَمَن يَظْلِم مّنكُمْ ﴾ أي يشرك لأن الظلم وضع الشيء في غير موضعه ومن جعل المخلوق شريك خالقه فقد ظلم يؤيده قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [ لقمان :١٣ ] ﴿ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ﴾ فسر بالخلود في النار وهو يليق بالشرك دون الفاسق إلا على قول المعتزلة والخوارج.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام وَيَمْشُونَ فِى الأسواق ﴾ كسرت «إن » لأجل اللام في الخبر والجملة بعد «إلا » صفة لموصوف محذوف، والمعنى وما أرسلنا قبلك أحداً من المرسلين إلا آكلين وماشين، وإنما حذف اكتفاء بالجار والمجرور أي من المرسلين ونحوه ﴿ وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ ﴾ [ الصافات :١٦٤ ] أَيُّ وَمَا مِنَّا أَحَدٌ. قِيلَ :هو احتجاج على من قال ﴿ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ وتسلية للنبي عليه الصلاة والسلام ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ أي محنة وابتلاء، وهذا تصبير لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما عيروه به من الفقر ومشيه في الأسواق يعني أنه جعل الأغنياء فتنة للفقراء فيغني من يشاء ويفقر من يشاء ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ على هذه الفتنة فتؤجروا أم لا تصبروا فيزداد غمكم. وحكي أن بعض الصالحين تبرم بضنك عيشه فخرج ضجراً فرأى خصياً في مواكب ومراكب فخطر بباله شيء فإذا بمن يقرأ هذه الآية فقال :بلى فصبراً ربنا. أو جعلتك فتنة لهم لأنك لو كنت غنياً صاحب كنوز وجنان لكانت طاعتهم لك للدنيا أو ممزوجة بالدنيا فإنما بعثناك فقيراً لتكون طاعة من يطيعك خالصة لنا ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ عالماً بالصواب فيما يبتلي به أو بمن يصبر ويجزع.
﴿ وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ ﴾ لا يأملون ﴿ لِقَاءنَا ﴾ بالخير لأنهم كفرة لا يؤمنون بالبعث أو لا يخافون عقابنا إما لأن الراجي قلق فيما يرجوه كالخائف، أو لأن الرجاء في لغة تهامة الخوف ﴿ لَوْلاَ ﴾ هلا ﴿ أُنزِلَ عَلَيْنَا الملئكة ﴾ رسلاً دون البشر أو شهوداً على نبوته ودعوى رسالته ﴿ أَوْ نرى رَبَّنَا ﴾ جهرة فيخبرنا برسالته واتباعه ﴿ لَقَدِ استكبروا فِى أَنفُسِهِمْ ﴾ أي أضمروا الاستكبار عن الحق وهو الكفر والعناد في قلوبهم ﴿ وَعَتَوْا ﴾ وتجاوزوا الحد في الظلم ﴿ عُتُوّاً كَبِيراً ﴾ وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه أي أنهم لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا أنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو. واللام في ﴿ لقد ﴾ جواب قسم محذوف.
﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ الملئكة ﴾ أي يوم الموت أو يوم البعث و ﴿ يَوْم ﴾ منصوب بما دل عليه ﴿ لاَ بشرى ﴾ أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى. وقوله
﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ مؤكد ل ﴿ يوم يرون ﴾ أو بإضمار اذكر أي :اذكر يوم يرون الملائكة، ثم أخبر فقال :لا بشرى بالجنة يومئذ ولا ينتصب ب ﴿ يرون ﴾ لأن المضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا ب ﴿ بشرى ﴾ لأنها مصدر، والمصدر لا يعمل فيما قبله، ولأن المنفي بلا لا يعمل فيما قبل «لا ».
﴿ لّلْمُجْرِمِينَ ﴾ ظاهر في موضع ضمير أو عام يتناولهم بعمومه وهم الذين اجترموا الذنوب والمراد الكافرون لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ أي الملائكة ﴿ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ حراماً محرماً عليكم البشرى أي جعل الله ذلك حراماً عليكم إنما البشرى للمؤمنين. والحجر مصدر والكسر والفتح لغتان وقريء بهما وهو من حجره إذا منعه، وهو من المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها، و ﴿ مَّحْجُوراً ﴾ لتأكيد معنى الحجر كما قالوا «موت مائت ».
﴿ وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً ﴾ هو صفة ولا قدوم هنا ولكن مثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرى ضيف ونحو ذلك بحال من خالف سلطانه وعصاه فقدم إلى أشيائه وقصد إلى ما تحت يديه فأفسدها ومزقها كل ممزق ولم يترك لها أثراً. والهباء ما يخرج به من الكوة مع ضوء الشمس شبيهاً بالغبار، والمنثور المفرق وهو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع.
ثم بين فضل أهل الجنة على أهل النار فقال : ﴿ أصحاب الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً ﴾ تمييز، والمستقر :المكان الذي يكونون فيه في أكثر أوقاتهم يتجالسون ويتحادثون. ﴿ وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ مكاناً يأوون إليه للاسترواح إلى أزواجهم، ولا نوم في الجنة، ولكنه سمي مكان استراحتهم إلى الحور مقيلاً على طريق التشبيه. وروي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار، وفي لفظ الأحسن تهكم بهم.
﴿ وَيَوْمَ ﴾ واذكر يوم ﴿ تَشَقَّقُ السماء ﴾ والأصل تتشقق فحذف التاء كوفي وأبو عمرو وغيرهم أدغمها في الشين ﴿ بالغمام ﴾ لما كان انشقاق السماء بسبب طلوع الغمام منها جعل الغمام كأنه الذي تشقق به السماء كما تقول «شققت السنام بالشفرة فانشق بها » ﴿ وَنُزّلَ الملائكة تَنزِيلاً ﴾ ﴿ وننزل الملائكة ﴾ مكي، ﴿ وتنزيلاً ﴾ على هذا مصدر من غير لفظ الفعل. والمعنى أن السماء تنفتح بغمام أبيض يخرج منها وفي الغمام الملائكة ينزلون وفي أيديهم صحائف أعمال العباد.
﴿ الملك ﴾ مبتدأ ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ ظرفه ﴿ الحق ﴾ نعته، ومعناه :الثابت، لأن كل ملك يزول يومئذ فلا يبقى إلا ملكه. ﴿ للرحمن ﴾ خبره، ﴿ وَكَانَ ﴾ ذلك اليوم ﴿ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً ﴾ شديداً. يقال عسر عليه فهو عسير وعسر ويفهم منه يسره على المؤمنين ففي الحديث " يهون يوم القيامة على المؤمنين حتى يكون عليهم أخف من صلاة مكتوبة صلوها في الدنيا "
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ ﴾ عض اليدين كناية عن الغيظ والحسرة لأنه من روادفها فتذكر الرادفة ويدل بها على المردوف فيرتفع الكلام به في طبقة الفصاحة، ويجد السامع عنده في نفسه من الروعة ما لا يجده عند لفظ المكنّى عنه، واللام في ﴿ الظالم ﴾ للعهد وأريد به عقبة لما تبين، أو للجنس فيتناول عقبة وغيره من الكفار ﴿ يَقُولُ ياليتنى اتخذت ﴾ في الدنيا ﴿ مَعَ الرسول ﴾ محمد عليه الصلاة والسلام ﴿ سَبِيلاً ﴾ طريقاً إلى النجاة والجنة وهو الإيمان.
﴿ يا ويلتى ﴾ وقرىء ﴿ يا ويلتي ﴾ بالياء وهو الأصل، لأن الرجل ينادي ويلته وهي هلكته يقول لها تعالي فهذا أوانك. وإنما قلبت الياء ألفاً كما في «صحارى » و«مدارى » ﴿ لَيْتَنِى لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً ﴾ فلان :كناية عن الأعلام، فإن أريد بالظالم عقبة لما رُوي أنه اتخذ ضيافة فدعا إليها رسول الله عليه الصلاة والسلام فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادتين ففعل، فقال له أبيّ بن خلف وهو خليله :وجهي من وجهك حرام إلا أن ترجع فارتد. فالمعنى يا ليتني لم أتخذ أبياً خليلاً، فكنى عن اسمه. وإن أريد به الجنس فكل من اتخذ من المضلين خليلاً كان لخليله اسم علم لا محالة فجعل كناية عنه. وقيل :هو كناية عن الشيطان.
﴿ لَّقَدْ أَضَلَّنِى عَنِ الذكر ﴾ أي :عن ذكر الله أو القرآن أو الإيمان ﴿ بَعْدَ إِذْ جَاءنِى ﴾ من الله ﴿ وَكَانَ الشيطان ﴾ أي :خليله، سماه شيطاناً لأنه أضله كما يضله الشيطان، أو إبليس لأنه الذي حمله على مخالة المضل ومخالفة الرسول ﴿ للإنسان ﴾ المطيع له ﴿ خَذُولاً ﴾ هو مبالغة من الخذلان أي من عادة الشيطان ترك من يواليه وهذا حكاية كلام الله أو كلام الظالم.
﴿ وَقَالَ الرسول ﴾ أي محمد عليه الصلاة والسلام في الدنيا ﴿ يارب إِنَّ قَوْمِى ﴾ قريشاً ﴿ اتخذوا هذا القرءان مَهْجُوراً ﴾ متروكاً، أي تركوه ولم يؤمنوا به من الهجران وهو مفعول ثان ل ﴿ اتخذوا ﴾ في هذا تعظيم للشكاية وتخويف لقومه لأن الأنبياء إذا شكوا إليه قومهم حل بهم العذاب ولم ينظروا.
ثم أقبل عليه مسلياً ووعده النصرة عليهم فقال ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِىّ عَدُوّاً مّنَ المجرمين وكفى بِرَبّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ﴾ أي كذلك كان كل نبي قبلك مبتلى بعداوة قومه وكفاك بي هادياً إلى طريق قهرهم والانتصار منهم، وناصراً لك عليهم. والعدو يجوز أن يكون واحداً وجمعاً والباء زائدة أي وكفى ربك هادياً وهو تمييز.
﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُواْ ﴾ أي قريش أو اليهود ﴿ لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً ﴾ حال من القرآن أي مجتمعاً ﴿ واحدة ﴾ يعني هلا أنزل عليه دفعة واحدة في وقت واحد كما أنزلت الكتب الثلاثة، وماله أنزل على التفاريق ؟ وهو فضول من القول ومماراة بما لا طائل تحته، لأن أمر الإعجاز والاحتجاج به لا يختلف بنزوله جملة واحدة أو متفرقاً. و ﴿ نزّل ﴾ هنا بمعنى " أنزل " وإلا لكان متدافعاً بدليل ﴿ جملة واحدة ﴾ وهذا اعتراض فاسد لأنهم تحدوا بالإتيان بسورة واحدة من أصغر السور فأبرزوا صفحة عجزهم حتى لاذوا بالمناصبة وفزعوا إلى المحاربة وبذلوا المهج وما مالوا إلى الحجج ﴿ كذلك ﴾ جواب لهم أي كذلك أنزل مفرقاً في عشرين سنة أو في ثلاث وعشرين و«ذلك » في ﴿ كذلك ﴾ إشارة إلى مدلول قوله ﴿ لولا نزل عليه القرآن جملة ﴾ لأن معناه لم أنزل عليك القرآن مفرقاً فأعلم أن ذلك ﴿ لِنُثَبّتَ بِهِ ﴾ بتفريقه ﴿ فُؤَادَكَ ﴾ حتى تعيه وتحفظه، لأن المتلقن إنما يقوى قلبه على حفظ العلم شيئاً بعد شيء وجزءا عقيب جزء، ولو ألقي عليه جملة واحدة لعجز عن حفظه، أو لنثبت به فؤادك عن الضجر بتواتر الوصول وتتابع الرسول لأن قلب المحب يسكن بتواصل كتب المحبوب ﴿ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً ﴾ معطوف على الفعل الذي تعلق به ﴿ كذلك ﴾ كأنه قال :كذلك فرقناه ورتلناه أي قدرناه آية بعد آية ووقفة بعد وقفة، أو أمرنا بترتيل قراءته وذلك قوله تعالى : ﴿ وَرَتّلِ القرءان تَرْتِيلاً ﴾ [ المزمل :٤ ] أي اقرأه بترسل وتثبت أو بيناه تبييناً، والترتيل التبيين في ترسل وتثبت.
﴿ وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ﴾ بسؤال عجيب من سؤالاتهم الباطلة كأنه مثل في البطلان ﴿ إِلاَّ جئناك بالحق ﴾ إلا أتيناك بالجواب الحق الذي لا محيد عنه ﴿ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ﴾ وبما هو أحسن معنى ومؤدى من مثلهم أي من سؤالهم. وإنما حذف من مثلهم لأن في الكلام دليلاً عليه، كما لو قلت «رأيت زيداً وعمراً وإن عمراً أحسن وجهاً » كان فيه دليل على أنك تريد من زيد. ولما كان التفسير هو التكشيف عما يدل عليه الكلام وضع موضع معناه فقالوا :تفسير هذا الكلام كيت وكيت، كما قيل :معناه كذا وكذا. أو لا يأتونك بحال وصفة عجيبة يقولون هلاّ أنزل عليك القرآن جملة إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا أن تعطاه وما هو أحسن تكشيفاً لما بعثت عليه ودلالة على صحته يعني أن تنزيله مفرقاً وتحديثهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كلما نزل شيء منها، أدخل في الإعجاز من أن ينزل كله جملة.
﴿ الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ ﴾ ﴿ الذين ﴾ مبتدأ و ﴿ أولئك ﴾ مبتدأ ثان و ﴿ شر ﴾ خبر ﴿ أولئك ﴾ و ﴿ أولئك ﴾ مع ﴿ شر ﴾ خبر ﴿ الذين ﴾ أو التقدير :هم الذين أو أعني الذين و ﴿ أولئك ﴾ مستأنف ﴿ مَكَاناً ﴾ أي مكانة ومنزلة أو مسكناً ومنزلاً ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ أي وأخطأ طريقاً، وهو من الإسناد المجازي. والمعنى إن حاملكم على هذه السؤالات أنكم تضلون سبيله وتحتقرون مكانه ومنزلته، ولو نظرتم بعين الإنصاف وأنتم من المسحوبين على وجوههم إلى جهنم لعلمتم أن مكانكم شر من مكانه وسبيلكم أضل من سبيله، وفي طريقته قوله ﴿ قُلْ هَلْ أُنَبّئُكُمْ بِشَرّ مّن ذلك مَثُوبَةً عِندَ الله مَن لَّعَنَهُ الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ ﴾ [ المائدة :٦٠ ] الآية. وعن النبي صلى الله عليه وسلم « يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف :صنف على الدواب وصنف على أرجلهم وصنف على وجوههم » قيل :يا رسول الله، كيف يمشون على وجوههم ؟ فقال عليه الصلاة والسلام « الذي أمشاكم على أقداكم يمشيهم على وجوههم »
﴿ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب ﴾ التوراة كما آتيناك القرآن ﴿ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هارون ﴾ بدل أو عطف بيان ﴿ وَزِيراً ﴾ هو في اللغة من يرجع إليه من الوزر وهو الملجأ، والوزارة لا تنافي النبوة فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضاً.
﴿ فَقُلْنَا اذهبا إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا ﴾ إلى فرعون وقومه وتقديره فذهبا إليهم وأنذرا فكذبوهما ﴿ فدمرناهم تَدْمِيراً ﴾ التدمير الإهلاك بأمر عجيب، أراد اختصار القصة فذكر أولها وآخرها لأنهما المقصود من القصة أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ ﴾ أي ودمرنا قوم نوح ﴿ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل ﴾ يعني نوحاً وإدريس وشيثاً أو كان تكذيبهم لواحد منهم تكذيباً للجميع ﴿ أغرقناهم ﴾ بالطوفان ﴿ وجعلناهم ﴾ وجعلنا إغراقهم أو قصتهم ﴿ لِلنَّاسِ ءايَةً ﴾ عبرة يعتبرون بها ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ وهيأنا ﴿ للظالمين ﴾ لقوم نوح وأصله وأعتدنا لهم إلا أنه أراد تظليمهم فأظهر، أو هو عام لكل من ظلم ظلم شرك ويتناولهم بعمومه ﴿ عَذَاباً أَلِيماً ﴾ أي النار.
﴿ وَعَاداً ﴾ دمرنا عاداً ﴿ وَثَمُودَ ﴾ حمزة وحفص على تأويل القبيلة وغيرهما، وثموداً على تأويل الحي أو لأنه اسم الأب الأكبر ﴿ وأصحاب الرس ﴾ هم قوم شعيب كانوا يعبدون الأصنام فكذبوا شعيباً فبيناهم حول الرس وهي البئر غير مطوية انهارت بهم فخسف بهم وبديارهم، وقيل :الرس قرية قتلوا نبيهم فهلكوا، أو هم أصحاب الأخدود والرس الأخدود ﴿ وَقُرُوناً ﴾ وأهلكنا أمماً ﴿ بَيْنَ ذلك ﴾ المذكور ﴿ كَثِيراً ﴾ لا يعلمها إلا الله أرسل إليهم فكذبوهم فأهلكوا ﴿ وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال ﴾ بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين ﴿ وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً ﴾ أي أهلكنا إهلاكاً،
﴿ وَكُلاًّ ﴾ الأول منصوب بما دل عليه ﴿ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال ﴾ وهو أنذرنا أو حذرنا والثاني ب ﴿ تبرنا ﴾ لأنه فارغ له.
﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا ﴾ يعني أهل مكة ﴿ عَلَى القرية ﴾ سدوم وهي أعظم قرى قوم لوط وكانت خمساً أهلك الله أربعاً مع أهلها وبقيت واحدة ﴿ التى أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء ﴾ أي أمطر الله عليها الحجارة يعني أن قريشاً مروا مراراً كثيرة في متاجرهم إلى الشام على تلك القرية التي أهلكت بالحجارة من السماء، ﴿ ومطر السوء ﴾ مفعول ثانٍ والأصل أمطرت القرية مطراً، أو مصدر محذوف الزوائد أي إمطار السوء ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا ﴾ أما شاهدوا ذلك بأبصارهم عند سفرهم الشام فيتفكروا فيؤمنوا ﴿ بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً ﴾ بل كانوا قوماً كفرة بالبعث لا يخافون بعثاً فلا يؤمنون، أو لا يأملون نشوراً كما يأمله المؤمنون لطمعهم في الوصول إلى ثواب أعمالهم
﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ ﴾ إن نافية ﴿ إِلاَّ هُزُواً ﴾ اتخذه هزواً في معنى استهزاء أي قائلين أي أهذا الذي ﴿ بَعَثَ الله رَسُولاً ﴾ والمحذوف حال والعائد إلى ﴿ الذين ﴾ محذوف أي بعثه.
﴿ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا ﴾ «أن » مخففة من الثقيلة واللام فارقة وهو دليل على فرط مجاهدة رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعوتهم وعرض المعجزات عليهم حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم إلى دين الإسلام لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم ﴿ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب ﴾ هو وعيد ودلالة على أنهم لا يفوتونه وإن طالت مدة الإمهال ﴿ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ هو كالجواب عن قولهم ﴿ إن كاد ليضلنا ﴾ لأنه نسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الضلال إذ لا يضل غيره إلا من هو ضال في نفسه.
﴿ أَرَءيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ ﴾ أي من أطاع هواه فيما يأتي ويذر فهو عابد هواه وجاعله إلهه فيقول الله تعالى لرسوله :هذا الذي لا يرى معبوداً إلا هواه كيف تستطيع أن تدعوه إلى الهدى. يروى أن الواحد من أهل الجاهلية كان يعبد الحجر فإذا مر بحجر أحسن منه ترك الأوّل وعبد الثاني. وعن الحسن :هو في كل متبعٍ هواه ﴿ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً ﴾ أي حفيظاً تحفظه من متابعة هواه وعبادة ما يهواه، أفأنت تكون عليه موكلاً فتصرفه عن الهوى إلى الهدى، عرفه أن إليه التبليغ فقط
﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً ﴾ «أم » منقطعة معناه بل أتحسب كأن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى حقت بالإضراب عنها إليها وهي كونها مسلوبي الأسماع والعقول، لأنهم لا يلقون إلى استماع الحق أذناً ولا إلى تدبره عقلاً، ومشبهين بالأنعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة فقد ركبهم الشيطان بالاستذلال لتركهم الاستدلال، ثم هم أرجح ضلالة منها لأن الأنعام تسبح ربها وتسجد له وتطيع من يعلفها وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروي، وقالوا :للملائكة. روح وعقل، وللبهائم نفس وهوى، والآدمي مجمع الكل ابتلاء. فإن غلبته النفس والهوى فضلته الأنعام، وإن غلبته الروح والعقل فضل الملائكة الكرام. وإنما ذكر الأكثر لأن فيهم من لم يصده عن الإسلام إلا حب الرياسة وكفى به داء عضالاً ولأن فيهم من آمن.
﴿ أَلَمْ تَرَ إلى رَبّكَ ﴾ ألم تنظر إلى صنع ربك وقدرته ﴿ كَيْفَ مَدَّ الظل ﴾ أي بسطه فعم الأرض وذلك من حين طلوع الفجر إلى وقت طلوع الشمس في قول الجمهور لأنه ظل ممدود لا شمس معه ولا ظلمة، وهو كما قال في ظل الجنة ﴿ وَظِلّ مَّمْدُودٍ ﴾ [ الواقعة :٣٠ ] إذ لا شمس معه ولا ظلمة ﴿ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِناً ﴾ أي دائماً لا يزول ولا تذهبه الشمس ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ ﴾ على الظل ﴿ دَلِيلاً ﴾ لأنه بالشمس يعرف الظل ولولا الشمس لما عرف الظل فالأشياء تعرف بأضدادها
﴿ ثُمَّ قبضناه ﴾ أي أخذنا ذلك الظل الممدود ﴿ إِلَيْنَا ﴾ إلى حيث أردنا ﴿ قَبْضاً يَسِيراً ﴾ سهلاً غير عسير أو قليلاً قليلاً أي جزءًا فجزءا بالشمس التي تأتي عليه. وجاء ب «ثم » لتفاضل ما بين الأمور فكأن الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، شبه تباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت
﴿ وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً ﴾ جعل الظلام الساتر كاللباس ﴿ والنوم سُبَاتاً ﴾ راحة لأبدانكم وقطعاً لأعمالكم، والسبت القطع والنائم مسبوت لأنه انقطع عمله وحركته. وقيل :السبات الموت والمسبوت الميت لأنه مقطوع الحياة وهو كقوله تعالى ﴿ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل ﴾ [ الأنعام :٦٠ ] ويعضده ذكر النشور في مقابلته ﴿ وَجَعَلَ النهار نُشُوراً ﴾ إذ النشور انبعاث من النوم كنشور الميت أن ينشر فيه الخلق للمعاش. وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية ودنيوية، وفي النوم واليقظة المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر. وقال لقمان لابنه :كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
﴿ وَهُوَ الذى أَرْسَلَ الرياح ﴾ ﴿ الريح ﴾ مكي والمراد به الجنس ﴿ بُشَرًا ﴾ تخفيف بشر جمع بشور ﴿ بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر وهذه استعارة مليحة ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السماء مَاء ﴾ مطراً ﴿ طَهُوراً ﴾ بليغاً في طهارته. والطهور صفة كقولك «ماء طهور » أي طاهر، واسم كقولك لما يتطهر به طهور كالوضوء والوقود لما يتوضأ به وتوقد به النار، ومصدر بمعنى التطهر كقولك تطهرت طهوراً حسناً ومنه قوله عليه الصلاة والسلام " لا صلاة إلا بطهور " أي بطهارة. وما حكي عن ثعلب هو ما كان طاهراً في نفسه مطهراً لغيره وهو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى إن كان هذا بيان زيادة الطهارة فحسن ويعضده قوله تعالى ﴿ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ ﴾ [ الأنفال :١١ ] وإلا فليس فعول من التفعيل في شيء، وقياسه على ما هو مشتق من الأفعال المتعدية كقطوع ومنوع غير سديد لأن بناء الفعول للمبالغة، فإن كان الفعل متعدياً فالفعول متعد وإن كان لازماً فلازم
﴿ لّنُحْيِىَ بِهِ ﴾ بالمطر ﴿ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ ذكّر ﴿ ميتاً ﴾ على إرادة البلد أو المكان ﴿ وَنُسْقِيَهِ مِمَّا خَلَقْنَا أنعاما وَأَنَاسِىَّ كَثِيراً ﴾ أي ونسقي الماء البهائم والناس. و ﴿ مما خلقنا ﴾ حال من ﴿ أنعاماً وأناسي ﴾ أي أنعاماً وأناسي. مما خلقنا. وسقى أو أسقى لغتان. وقرأ المفضل والبرجمي ﴿ ونسقيه ﴾ والأناسي جمع إنسي على القياس ككرسي وكراسي، أو إنسان وأصله أناسين كسرحان وسراحين فأبدلت النون ياء وأدغمت. وقدم إحياء الأرض على سقي الأنعام والأناسي لأن حياتها سبب لحياتهما، وتخصيص الأنعام من الحيوان الشارب لأن عامة منافع الأناسي متعلقة بها فكأن الإنعام عليها بسقي الإنعام كالأنعام بسقيهم، وتنكير الأنعام والأناسي ووصفها بالكثرة لأن أكثر الناس منيخون بالقرب من الأودية والأنهار فيهم غنية عن سقي السماء وأعقابهم وبقاياهم كثير يعيشون بما ينزل الله من رحمته، وتنكير البلدة لأنه يريد بعض بلاد هؤلاء المتبعدين عن مظان الماء. ولما سقي الأناسي من جملة ما أنزل له الماء وصفه بالطهور إكراماً لهم، وبيان أن من حقهم أن يؤثروا الطهارة في بواطنهم وظواهرهم لأن الطهورية شرط الإحياء.
﴿ وَلَقَدْ صرفناه بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ ﴾ ﴿ ليذكروا ﴾ حمزة وعلي يريد ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب المنزلة على الرسل، وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر ليتفكروا ويعتبروا ويعرفوا حق النعمة فيه فيشكروا ﴿ فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُورًا ﴾ فأبى أكثرهم إلا كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها. أو صرفنا المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وجود ورذاذ وديمة، فأبوا إلا الكفور وأن يقولوا مطرنا بنوء كذا ولا يذكروا صنع الله تعالى ورحمته. وعن ابن عباس رضي الله عنهما :ما من عام أقل مطراً من عام ولكن الله يصرفه حيث يشاء وقرأ الآية. وروي أن الملائكة يعرفون عدد المطر ومقداره في كل عام لأنه لا يختلف ولكن يختلف فيه البلاد، وينتزع من هنا جواب في تنكير البلدة والأنعام والأناسي. ومن نسب الأمطار إلى الأنواء وجحد أن تكون هي والأنواء من خلق الله تعالى كفر، وإن رأى أن الله تعالى خالقها وقد نصب الأنواء أمارات ودلالات عليها لم يكفر
فَلاَ تُطِعِ الكافرين } أي لو شئنا لخففنا عنك أعباء نذارة جميع القرى، ولبعثنا في كل قرية نبياً ينذرها، ولكن شئنا أن تجمع لك فضائل جميع المرسلين بالرسالة إلى كافة العالمين فقصرنا الأمر عليك وعظمناك به فتكون وحدك ككلهم، ولذا خوطب بالجمع ﴿ يا أيها الرسل ﴾ فقابل ذلك بالشكر والصبر والتشدد، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم، وكما آثرتك على جميع الأنبياء فآثر رضائي على جميع الأهواء، وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم ﴿ وجاهدهم بِهِ ﴾ أي بالله يعني بعونه وتوفيقه أو بالقرآن أي جادلهم به وقرعهم بالعجز عنه ﴿ جِهَاداً كَبيراً ﴾ عظيماً موقعه عند الله لما يحتمل فيه من المشاق، ويجوز أن يرجع الضمير في ﴿ به ﴾ إلى ما دل عليه ﴿ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيراً ﴾ من كونه نذير كافة القرى لأنه لو بعث في كل قرية نذيراً لوجب على كل نذير مجاهدة قريته فاجتمعت على رسول الله تلك المجاهدات فكبر جهاده من أجل ذلك وعظم فقال له :وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهاداً كبيراً جامعاً لكل مجاهدة.
﴿ وَهُوَ الذى مَرَجَ البحرين ﴾ خلاّهما متجاورين متلاصقين. تقول :مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وسمى الماءين الكثيرين الواسعين بحرين ﴿ هذا ﴾ أي أحدهما ﴿ عَذْبٌ فُرَاتٌ ﴾ صفة ل ﴿ عذب ﴾ أي شديد العذوبة حتى يقرب إلى الحلاوة ﴿ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ صفة ل ﴿ ملح ﴾ أي شديد الملوحة ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً ﴾ حائلاً من قدرته يفصل بينهما ويمنعهما التمازج فهما في الظاهر مختلطان وفي الحقيقة منفصلان ﴿ وَحِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ وستراً ممنوعاً عن الأعين كقوله ﴿ حجاباً مستورا ﴾ [ الإسراء :٤٥ ] }
﴿ وَهُوَ الذى خَلَقَ مِنَ الماء ﴾ أي النطفة ﴿ بَشَرًا ﴾ إنساناً ﴿ فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً ﴾ أراد تقسيم البشر قسمين :ذوي نسب أي ذكوراً ينسب إليهم فيقال فلان بن فلان وفلانة بنت فلان، وذوات صهر أي إناثاً يصاهر بهن كقوله تعالى ﴿ فَجَعَلَ مِنْهُ الزوجين الذكر والأنثى ﴾ [ القيامة :٣٩ ] ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً ﴾ حيث خلق من النطفة الواحدة بشراً نوعين ذكراً وأنثى. وقيل :فجعله نسباً أي قرابة وصهراً مصاهرة يعني الوصلة بالنكاح من باب الأنساب لأن التواصل يقع بها وبالمصاهرة لأن التوالد يكون بهما
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُهُمْ ﴾ إن عبدوه ﴿ وَلاَ يَضُرُّهُمْ ﴾ إن تركوه ﴿ وَكَانَ الكافر على رَبّهِ ﴾ على معصية ربه ﴿ ظَهِيرًا ﴾ معيناً ومظاهراً. وفعيل بمعنى مفاعل غير عزيز والظهير والمظاهر كالعوين والمعاون والمظاهرة المعاونة، والمعنى أن الكافر بعبادة الصنم يتابع الشيطان ويعاونه على معصية الرحمن.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا ﴾ للمؤمنين ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ منذراً للكافرين
﴿ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ على التبليغ ﴿ مِنْ أَجْرٍ ﴾ جعل ﴿ إِلاَّ مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إلى رَبّهِ سَبِيلاً ﴾ والمراد إلا فعل من شاء واستثناؤه من الأجر قول ذي شفقة عليك قد سعى لك في تحصيل مال ما أطلب منك ثواباً على ما سعيت إلا أن تحفظ هذا المال ولا تضيعه، فليس حفظك المال لنفسك من جنس الثواب ولكن صورة بصورة الثواب كأنه يقول :إن حفظت مالك اعتدّ حفظك بمنزلة الثواب لي ورضائي به كرضا المثاب بالثواب، ولعمري إنه عليه الصلاة والسلام مع أمته بهذا الصدد. ومعنى اتخاذهم إلى الله سبيلاً تقربهم إليه بالإيمان والطاعة أو بالصدقة والنفقة. وقيل :المراد لكن من شاء أن يتخذ بالإنفاق إلى رضاء ربه سبيلاً فليفعل. وقيل :تقديره لا أسألكم على ما أدعوكم إليه أجراً إلا اتخاذ المدعو سبيلاً إلى ربه بطاعته فذلك أجري لأن الله يأجرني عليه.
﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحى الذى لاَ يَمُوتُ ﴾ اتخذ من لا يموت وكيلاً لا يكلك إلى من يموت ذليلاً يعني ثق به وأسند أمرك إليه في استكفاء شرورهم ولا تتكل على حي يموت. وقرأها بعض الصالحين فقال :لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق والتوكل الاعتماد عليه في كل أمر ﴿ وَسَبّحْ ﴾ من لا يكل إلى غيره من توكل عليه ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ بتوفيقه الذي يوجب الحمد أو قل سبحان الله وبحمده أو نزهه عن كل العيوب بالثناء عليه ﴿ وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾ أي كفى الله خبيراً بذنوب عباده يعني أنه خبير بأحوالهم كافً في جزاء أعمالهم
﴿ الذى خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ أي في مدة مقدار هذه المدة لأنه لم يكن حينئذ ليل ونهار. روي عن مجاهد :أو لها يوم الأحد وآخرها يوم الجمعة، وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة تعليماً لخلقه الرفق والتثبت ﴿ ثُمَّ استوى عَلَى العرش الرحمن ﴾ أي هو الرحمن ف ﴿ الرحمن ﴾ خبر مبتدأ محذوف أو بدل من الضمير في ﴿ استوى ﴾ أو ﴿ الذي خلق ﴾ مبتدأ و ﴿ الرحمن ﴾ خبره ﴿ فسئل ﴾ بلا همزة مكي وعلي ﴿ بِهِ ﴾ صلة «سل » كقوله ﴿ سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ ﴾ [ المعارج :١ ] كما تكون «عن » صلته في قوله تعالى ﴿ ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النعيم ﴾ [ التكاثر :٨ ] فسأل به كقولك اهتم به واشتغل به وسأل عنه كقولك بحث عنه وفتش عنه أو صلة ﴿ خَبِيراً ﴾ ويكون ﴿ خبيراً ﴾ مفعول ﴿ سل ﴾ أي فاسأل عنه رجلاً عارفاً يخبرك برحمته، أو فاسأل رجلاً خبيراً به وبرحمته، أو الرحمن اسم من أسماء الله تعالى مذكور في الكتب المتقدمة ولم يكونوا يعرفونه فقيل :فاسأل بهذا الاسم من يخبرك من أهل الكتب حتى تعرف من ينكره، ومن ثم كانوا يقولون ما نعرف الرحمن إلا الذي باليمامة يعنون مسيلمة وكان يقال له رحمان اليمامة.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ﴾ أي إذا قال محمد عليه الصلاة والسلام للمشركين ﴿ اسجدوا للرحمن ﴾ صلوا لله واخضعوا له ﴿ قَالُواْ وَمَا الرحمن ﴾ أي لا نعرف الرحمن فنسجد له، فهذا سؤال عن المسمى به لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم والسؤال عن المجهول ب «ما » أو «عن » معناه لأنه لم يكن مستعملاً في كلامهم كما استعمل الرحيم والراحم والرحوم ﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ للذي تأمرنا بالسجود له أو لأمرك بالسجود يا محمد من غير علم منا به. ﴿ يأمرنا ﴾ علي وحمزة كأن بعضهم قال لبعض :أنسجد لما يأمرنا محمد أو يأمرنا المسمى بالرحمن ولا نعرف ما هو ؟ فقد عاندوا لأن معناه عند أهل اللغة ذو الرحمة التي لا غاية بعدها في الرحمة لأن فعلان من أبنية المبالغة تقول :رجل عطشان إذا كان في نهاية العطش ﴿ وَزَادَهُمْ ﴾ قوله ﴿ اسجدوا للرحمن ﴾ ﴿ نُفُورًا ﴾ تباعداً عن الإيمان
﴿ تَبَارَكَ الذى جَعَلَ فِى السماء بُرُوجاً ﴾ هي منازل الكواكب السيارة لكل كوكب بيتان يقوي حاله فيهما. وللشمس بيت وللقمر بيت. فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل. وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع فيصيب كل واحد منها ثلاثة بروج :فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية. سميت المنازل بالبروج التي هي القصور العالية لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها واشتقاق البروج من التبرج لظهوره. وقال الحسن وقتادة ومجاهد :البروج هي النجوم الكبار لظهورها ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا ﴾ في السماء ﴿ سِرَاجاً ﴾ يعني الشمس لتوقدها. ﴿ سرجا ﴾ حمزة وعلى أي نجوماً ﴿ وَقَمَراً مُّنِيراً ﴾ مضيئاً بالليل.
﴿ وَهُوَ الذى جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً ﴾ فعلة من خلف كالركبة من ركب وهي الحالة التي يخلف عليها الليل والنهار كل واحد منهما الآخر، والمعنى جعلهما ذوي خلفة يخلف أحدهما الآخر عند مضيه أو يخلفه في قضاء ما فاته من الورد ﴿ لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ﴾ يتدبر في تسخيرهما واختلافهما فيعرف مدبرهما. ﴿ يذكر ﴾ حمزة وخلف أي يذكر الله أو المنسي فيقضي ﴿ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ أي يشكر نعمة ربه عليه فيهما.
﴿ وعباد الرّحمن ﴾ مبتدأ خبره ﴿ الذين يمشون ﴾ أو أولئك يجزون ﴿ والذين يمشون ﴾ وما بعدهما صفة والإضافة إلى الرحمن للتخصيص والتفضيل. وصف أولياءه بعدما وصف أعداءه ﴿ على الأرض هوناً ﴾ حال أو صفة للمشي أي هينين أو مشياً هيناً. والهون الرفق واللين أي يمشون بسكينة ووقار وتواضع دون مرح واختيال وتكبر فلا يضربون بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق ولقوله : ﴿ ويمشون في الأسواق ﴾ ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ أي السفهاء بما يكرهون ﴿ قالوا سلاماً ﴾ سداداً من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإفك أو تسلماً منكم نتارككم ولا نجاهلكم فأقيم السلام مقام التسلم. وقيل :نسختها آية القتال. ولا حاجة إلى ذلك فالإغضاء عن السفهاء مستحسن شرعاً ومروءة. هذا وصف نهارهم
ثم وصف ليلهم بقوله ﴿ والذين يبيتون لربّهم سجّداً ﴾ جمع ساجد ﴿ وقياماً ﴾ جمع قائم والبيتوتة خلاف الظلول وهي أن يدركك الليل نمت أو لم تنم. وقالوا :من قرأ شيئاً من القرآن في صلاة وإن قل فقد بات ساجداً وقائماً. وقيل :هما الركعتان بعد المغرب والركعتان بعد العشاء. والظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره
﴿ والذين يقولون ربّنا اصرف عنّا عذاب جهنّمّ إنّ عذابها كان غراماً ﴾ هلاكاً لازماً ومنه الغريم لملازمته. وصفهم بإحياء الليل ساجدين قائمين ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون متضرعون إلى الله في صرف العذاب عنهم
﴿ إنّها ساءت مستقرًّا ومقاماً ﴾ أي إن جهنم. و «ساءت » في حكم «بئست » وفيها ضمير مبهم يفسره ﴿ مستقراً ﴾ والمخصوص بالذم محذوف معناه ساءت مستقراً ومقاماً هي، وهذا الضمير هو الذي ربط الجملة باسم «إن » وجعلها خبراً لها، أو بمعنى أحزنت وفيها ضمير اسم «إن » و ﴿ مستقراً ﴾ حال أو تمييز، ويصح أن يكون التعليلان متداخلين ومترادفن وأن يكونا من كلام الله تعالى وحكاية لقولهم.
﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ﴾ لم يجاوزوا الحد في النفقة أو لم يأكلوا للتنعم ولم يلبسوا للتصلف. وعن ابن عباس رضي الله عنهما :لم ينفقوا في المعاصي فالإسراف مجاوزة القدر. وسمع رجل رجلاً يقول :لا خير في الإسراف. فقال :لا إسراف في الخير، وقال عليه الصلاة والسلام " من منع حقاً فقد قتر ومن أعطى في غير حق فقد أسرف " ﴿ ولم يقتروا ﴾ بضم التاء كوفي، وبضم الياء وكسر التاء مدني وشامي، وبفتح الياء وكسر التاء مكي وبصري. والقتر والإقتار والتقتير والتضييق الذي هو نقيض الإسراف ﴿ وكان ﴾ إنفاقهم ﴿ بين ذلك ﴾ أي الإسراف والإقتار ﴿ قواماً ﴾ أي عدلاً بينهما فالقوام العدل بين الشيئين والمنصوبان أي ﴿ بين ذلك قواماً ﴾ [ الإسراء :٢٩ ] خبران وصفهم بالقصد الذي هو بين الغلو والتقصير، وبمثله أمر عليه الصلاة والسلام ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ﴾ الآية. وسأل عبد الملك بن مروان عمر بن عبد العزيز عن نفقته حين زوجه ابنته فقال :الحسنة بين السيئتين. فعرف عبد الملك أنه أراد ما في هذه الآية. وقيل :أولئك أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام كانوا لا يأكلون طعاماً للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثيابهم للجمال والزينة ولكن لسد الجوعة وستر العورة ودفع الحر والقر. وقال عمر رضي الله عنه :كفى سرفاً أن لا يشتهي الرجل شيئاً إلا أكله.
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلهاً آخر ﴾ أي لا يشركون ﴿ ولا يقتلون النّفس التي حرّم الله ﴾ أي حرمها يعني حرم قتلها ﴿ إلاّ بالحقّ ﴾ بقود أو رجم أو ردة أو شرك أو سعي في الأرض بالفساد، وهو متعلق بالقتل المحذوف أو ب ﴿ لا يقتلون ﴾ ﴿ ولا يزّنون ﴾ ونفى هذه الكبائر عن عباده الصالحين تعريض لما كان عليه أعداؤهم من قريش وغيرهم كأنه قيل :والذي طهرهم الله مما أنتم عليه ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي المذكور ﴿ يلق أثاماً ﴾ جزاء الإثم
﴿ يضاعف ﴾ بدل من يلق لأنهما في معنى واحد إذ مضاعفة العذاب هي لقاء الآثام كقوله
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا. . . تجد حطباً جزلاً وناراً تأججا
فجزم «تلمم » لأنه بمعنى «تأتنا » إذ الإتيان هو الإلمام. ﴿ يضعّف ﴾ مكي ويزيد ويعقوب. ﴿ يضعّف ﴾ شامي ﴿ يضاعف ﴾ أبو بكر على الاستئناف أو على الحال ومعنى يضاعف ﴿ له العذاب يوم القيامة ﴾ أي يعذب على مرور الأيام في الآخرة عذاباً على عذاب. وقيل :إذا ارتكب المشرك معاصي مع الشرك عذب على الشرك وعلى المعاصي جميعاً فتضاعف العقوبة لمضاعفة المعاقب عليه ﴿ ويخلد ﴾ جزمه جازم ﴿ يضاعف ﴾ ورفعه رافعه لأنه معطوف عليه ﴿ فيه ﴾ في العذاب ﴿ فيهي ﴾ مكي وحفص بالإشباع. وإنما خص حفص الإشباع بهذه الكلمة مبالغة في الوعيد. والعرب تمد للمبالغة مع أن الأصل في هاء الكناية الإشباع ﴿ مهاناً ﴾ حال أي ذليلاً
﴿ إلاّ من تاب ﴾ عن الشرك وهو استثناء من الجنس في موضع النصب ﴿ وآمن ﴾ بمحمد عليه الصلاة والسلام ﴿ وعمل عملاً صالحاً ﴾ بعد توبته ﴿ فأولئك يبدّل الله سيّئاتهم حسناتٍ ﴾ أي يوفقهم للمحاسن بعد القبائح أو يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات الإيمان والطاعة، ولم يرد به أن السيئة بعينها حسنة ولكن المراد ما ذكرنا. ﴿ يبدل ﴾ مخففاً البرجمي ﴿ وكان الله غفوراً ﴾ يكفر السيئات ﴿ رّحيماً ﴾ يبدلها بالحسنات.
﴿ ومن تاب وعمل صالحاً فإنّه يتوب إلى الله متاباً ﴾ أي ومن تاب وحقق التوبة بالعمل الصالح فإنه يتوب بذلك إلى الله تعالى متاباً مرضياً عنده مكفراً للخطايا محصلاً للثواب
﴿ والذين لا يشهدون الزّور ﴾ أي الكذب يعني ينفرون عن محاضر الكذابين ومجالس الخطائين فلا يقربونها تنزهاً عن مخالطة الشر وأهله إذ مشاهدة الباطل شركة فيه، وكذلك النظارة إلى ما لم تسوغه الشريعة هم شركاء فاعليه في الآثام لأن حضورهم ونظرهم دليل على الرضا. وسبب وجود الزيادة فيه وفي مواعظ عيسى عليه السلام :إياكم ومجالسة الخاطئين. أو لا يشهدون شهادة الزور على حذف المضاف. وعن قتادة :المراد مجالس الباطل. وعن ابن الحنفية :لا يشهدون اللهو والغناء. ﴿ وإذا مرّوا باللّغو ﴾ بالفحش وكل ما ينبغي أن يلغى ويطرح، والمعنى وإذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به ﴿ مرّوا كراماً ﴾ معرضين أنفسهم عن التلوث به كقوله. ﴿ وإذا سمعوا اللَّغْوَ أعرضوا عنه ﴾ [ القصص :٥٥ ] وعن الباقر رضي الله عنه :إذا ذكروا الفروج كنوا عنها
﴿ والذين إذا ذكّروا بأيات ربّهم ﴾ أي قرىء عليهم القرآن أو وعظوا بالقرآن ﴿ لم يخرّوا عليها صمًّا وعمياناً ﴾ هذا ليس بنفي الخرور بل هو إثباب له ونفي الصمم والعمى ونحوه «لا يلقاني زيد مسلماً » هو نفي للسلام لا للقاء يعني أنهم إذا ذكروا بها خروا سجداً وبكياً سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون واعية لما أمروا ونهوا عنه لا كالمنافقين وأشباههم دليله قوله تعالى : ﴿ وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً ﴾
﴿ والذين يقولون ربّنا هب لنا من أزواجنا ﴾ «من » للبيان كأنه قيل :هب لنا قرة أعين. ثم بينت القرة وفسرت بقوله من أزواجنا ﴿ وذرّيّاتنا ﴾ ومعناه أن يجعلهم الله لهم قرة أعين وهو من قولهم «رأيت منك أسداً » أي أنت أسد، أو للابتداء على معنى هب لنا من جهتهم ما تقربه عيوننا من طاعة وصلاح ﴿ وذريتنا ﴾ أبو عمر وكوفي غير حفص لإرادة الجنس وغيرهم ﴿ ذرياتنا ﴾ ﴿ قرّة أعينٍ ﴾ وإنما نكر لأجل تنكير القرة لأن المضاف لا سبيل إلى تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه كأنه قال :هب لنا منهم سروراً وفرحاً. وإنما قيل ﴿ أعين ﴾ على القلة دون «عيون » لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم قال الله تعالى : ﴿ وقليل من عبادى الشكور ﴾ [ سبأ :١٣ ] ويجوز أن يقال في تنكير ﴿ أعين ﴾ إنها أعين خاصة وهي أعين المتقين، والمعنى أنهم سألوا ربهم أن يرزقهم أزواجاً وأعقاباً عمالاً لله تعالى يسرون بمكانهم وتقر بهم عيونهم. وقيل :ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله تعالى. وعن ابن عباس رضي الله عنهما :هو الولد إذا رآه يكتب الفقه ﴿ واجعلنا للمتّقين إماماً ﴾ أي أئمة يقتدون بنا في الدين فاكتفى بالواحد لدلالته على الجنس ولعدم اللبس، أو واجعل كل واحد منا إماماً. قيل :في الآية ما يدل على أن الرياسة في الدين يجب أن تطلب ويرغب فيها.
﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أي الغرفات وهي العلالي في الجنة فوحد اقتصاراً على الواحد الدال على الجنس دليله قوله : ﴿ وهم في الغرفات آمنون ﴾ [ سبأ :٣٧ ] ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على الطاعات وعن الشهوات وعلى أذى الكفار ومجاهدتهم وعلى الفقر وغير ذلك ﴿ ويلقّون فيها ﴾ ﴿ ويلقون ﴾ كوفي غير حفص ﴿ تحيّةً ﴾ دعاء بالتعمير ﴿ وسلاماً ﴾ ودعاء بالسلامة يعني أن الملائكة يحيونهم ويسلمون عليهم أو يحيي بعضهم بعضاً ويسلم عليه
﴿ خالدين فيها ﴾ حال ﴿ حسنت ﴾ أي الغرفة ﴿ مستقرّا ومقاماً ﴾ موضع قرار وإقامة وهي في مقابلة ﴿ ساءت مستقرا ومقاما ﴾
﴿ قل ما يعبأ بكم ربّي لولا دعاؤكم ﴾ «ما » متضمنة لمعنى الاستفهام وهي في محل النصب ومعناه ما يصنع بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام أو لولا عبادتكم له أي أنه خلقكم لعبادته كقوله : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ [ الذاريات :٥٦ ] أي الاعتبار عند ربكم لعبادتكم. أو ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة، وهو كقوله تعالى : ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم ﴾ [ النساء :١٤٧ ] فقد كذّبتم } رسولي يا أهل مكة ﴿ فسوف يكون ﴾ العذاب ﴿ لزاماً ﴾ أي ذا لزام أو ملازماً وضع مصدر لازم موضع اسم الفاعل، وقال الضحاك :ما يعبأ ما يبالي بمغفرتكم لولا دعاؤكم معه إلهاً آخر.
السورة التالية
Icon