0:00
0:00
﴿ بِسمِ ٱلله الرَّحْمٰنِ الرَّحِيـمِ * تَبَارَكَ ٱلَّذِي نَزَّلَ ٱلْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً ﴾ هذه السورة مكية في قول الجمهور وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة وهي والذين لا يدعون مع الله إلى قوله: وكان الله غفوراً رحيماً * ومناسبة هذه لما قبلها أنه تعالى لما ذكر من تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الاستئذان وتوقيره عليه الصلاة والسلام في أن لا يكون دعاؤهم له عليه الصلاة والسلام كدعاء بعضهم بعضاً بل بالإِجلال والتعظيم والتوقير وربت على مخالفة أمره إصابة الفتنة أو العذاب ناسب افتتاح هذه السورة بتعظيمه عليه الصلاة والسلام بنسبته إليه وإنزاله القرآن عليه وجعله نذيراً للعالمين كلهم وناسب قوله: لله ما في السماوات والأرض، وتنزيهه تعالى عن الولد والشريك * والضمير في ليكون عائد على عبده لأنه أقرب مذكور والفرقان القرآن. ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ عام في الخلق. ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً ﴾ تقدير الأشياء هو حدها بالأمكنة والأزمان والمقادير والمصلحة والإِتقان والضمير في واتخذوا عائد على ما يفهم من سياق الكلام لأن في قوله: ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك دلالة على ذلك إذ لم ينتف إلا وقد قيل به ويندرج في واتخذوا كل من ادعى إلهاً غير الله ولا يختص بذلك عباد الأوثان ولا عباد الكواكب. ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوۤاْ ﴾ قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث وأتباعه والإِفك أسوأ الكذب. ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ قال: مجاهد قوم من اليهود ألقوا أخبار الأمم إليه وقيل عداس مولى حويطب بن عبد العزى ويسار مولى العلاء بن الحضرمي وجبر مولى عامر وكانوا كتابيين يقرؤن التوراة أسلموا وكان الرسول عليه الصلاة والسلام يتعهدهم والظاهر أن الضمير في فقد جاؤوا عائد على الذين كفروا والمعنى أن هؤلاء الكفار وردوا ظلماً كما تقول: جئت المكان فيكن جاء متعدياً بنفسه ويجوز أن يحذف الجار أي جاؤوا بظلم وزور ويصل الفعل بنفسه. ﴿ ٱكْتَتَبَهَا ﴾ أي جمعها من قولهم كتب الشىء أي جمعه أو من الكتابة أي كتبها بيده فيكون ذلك من جملة كذبهم عليه وهم يعلمون أنه لا يكتب شيئاً.و ﴿ أَسَاطِيرُ ﴾ خبر مبتدأ محذوف أي هو وهذه أساطير واكتتبها خبر ثاني وأساطير تقدم الكلام عليه قال الزمخشري: قرأ طلحة اكتتبها مبنياً للمفعول والمعنى: اكتتبها كاتب له لأنه أمي لا يكتب بيده وذلك من تمام إعجازه ثم حذفت اللام فأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب كقوله: واختار موسى قومه ثم بنى الفعل للضمير الذي هداياه فانقلب مرفوعاً مستتراً بعد أن كان بارزاً منصوباً وبقي ضمير الأساطير على حاله فصار اكتتبها كما ترى انتهى لا يصح ذلك على مذهب جمهور البصريين لأن اكتتبها له كاتب وصل فيه اكتتب لمفعولين أحدهما مسرح وهو ضمير الأساطير والآخر مقيد وهو ضميره عليه الصلاة والسلام ثم اتسع في الفعل فحذف حرف الجر فصار اكتتبها إياه كاتب فإِذا بني هذا للمفعول إنما ينوب عن المفعول لمسرح لفظاً وتقدير إلا المسرح لفظاً المقيد تقديراً فعلى هذا كان يكون التركيب اكتتبه لا اكتتبها وعلى هذا الذي قلناه جاء السماع من العرب في هذا النوع الذي أخذ المفعولين فيه مسرح لفظاً وتقديراً والآخر مسرح لفظاً لا تقديراً قال الفرزدق:ومنا الذي اختير الرجال سماحة   وجود إذا هب الرياح الزعازعولو جاء على ما قرره الزمخشري لجاء التركيب ومنا الذي اختيره الرجال لأن اختار تعدى إلى الرجال على إسقاط حرف الجر إذ تقديره اختر من الرجال. ﴿ قُلْ أَنزَلَهُ ٱلَّذِي يَعْلَمُ ٱلسِّرَّ ﴾ أي كل سر خفي ورد عليهم بهذا وهو وصفه تعالى بالعلم لأن هذا القرآن لم يكن ليصدر إلا من عالم بكل المعلومات. ﴿ وَقَالُواْ مَالِ هَـٰذَا ٱلرَّسُولِ ﴾ الضمير لكفار قريش وكانوا قد جمعهم والرسول مجلس مشهور ذكره ابن إسحاق في السير فقالوا عتبة وغيره ان كنت تحب الرئاسة وليناك علينا أو المال جمعنا لك فلما أبى عليهم اجتمعوا عليه فقالوا مالك وأنت رسول من الله تأكل الطعام وتقف بالأسواق لالتماس الرزق سل ربك أن ينزل معك أو يلقي إليك كنزاً تنفق منه أو يرد لك جبال مكة ذهباً وتزال الجبال ويكون مكانها جنات تطرد فيها المياه وأشاعوا هذه المحاجة فنزلت وهذا استفهام يصحبه استهزاء. ﴿ ٱنظُرْ كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلأَمْثَالَ ﴾ بالمسحور والكاهن والشاعر وغيره. ﴿ فَضَلُّواْ ﴾ أي أخطؤوا الطريق فلا يجدون سبيل هداية ولا يطيقونه لالتباسهم والإِشارة بذلك الظاهر أنه إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا والظاهر أن هذا الجعل كان يكون في الدنيا لو شاء الله وقيل في الآخرة. ﴿ وَيَجْعَل لَّكَ ﴾ قرىء: بجزم اللام معطوفاً على قوله جعل لأنه في موضع جزم على جواب الشرط وقرىء بالرفع على الاستئناف أي وهو يجعل لك * قال الزمخشري: وقرىء: ويجعل بالرفع عطفاً على جعل إذ الشرط إذ أوقع ماضياً جاز في جوابه الجزم والرفع كقوله:وإن أتاه خليل يوم مسئلة   يقول لا غائب مالي ولا حرمانتهى هذا الذي ذهب إليه الزمخشري ليس مذهب سيبويه وفي المسئلة خلاف ذكر في النحو. ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ جعلنا معداً. ﴿ لِمَن كَذَّبَ بِٱلسَّاعَةِ ﴾ عام في هؤلاء المكذبين وغيرهم. ﴿ سَعِيراً ﴾ ناراً كثيرة الإِيقاد. ﴿ إِذَا رَأَتْهُمْ ﴾ أي صارت منهم بقدر ما يرى الرائي من البعد كقولهم: دورهم تتراءى أي تتناظر وتتقابل ومنه لا تتراءى ناراً هما وقيل هو على حذف مضاف أي إذا رأتهم خزنتها. ﴿ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُواْ لَهَا ﴾ صوت تغيظ لأن التعيظ لا يسمع وإذا كان على حذف مضاف كان لمعنى تغيظ الزبانية وزفروا على الكفار غضباً وشهوة للإِنتقام منهم وقيل سمعوا صوت لهيبها واشتعالها وانتصب مكاناً على الظرف أي في مكان ضيق وعن ابن عباس يضيق عليهم الزج في الرمح. ﴿ مُّقَرَّنِينَ ﴾ قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل وقيل بقرن مع كل كافر شيطانه في سلسلة وفي أرجلهم الاصفاد. ﴿ هُنَالِكَ ﴾ ظرف مكان أشير به لقوله: مكاناً ضيقاً والظاهر دعاء الثبور وهو الهلاك فيقولون واثبوراه. ﴿ لاَّ تَدْعُواْ ٱلْيَوْمَ ﴾ يقال لهم لا تدعوا أوهم أحق أن يقال لهم ذلك وإن لم يكن هناك قول أي لا تقتصروا على حزن واحد بل احزنوا حزناً كثيراً وكثرته اما لديمومة العذاب فهو متجدد دائماً واما لأنه أنواع وكل نوع منه يكون ثبوراً لشدته وفظاعته والظاهر أن الإِشارة بذلك إلى النار وأحوال أهلها وخير هنا ليست تدل على الأفضلية بل هي على ما جرت عادة العرب من بيان فضل الشىء وخصوصيته بالفضل مقابلة كقوله: فشركما لخير كما الفداء * وهذا الاستفهام على سبيل التوقيف والتوبيخ * قال ابن عطية: ومن حيث كان الكلام استفهاماً جاز فيه مجيء لفظة التفضيل بين الجنة والنار في الحيز لأن الموقف جائز له أن يوقف محاوره على ما يشاء ليرى هل يجيبه بالصواب أم بالخطأ وإنما منع سيبويه وغيره من التفضيل بين شيئين لاشترك بينهما في المعنى الذي فيه تفضيل إذا كان الكلام خبراً لأن فيه مخالفة وأما إذا كان استفهاماً فذلك سائغ انتهى ما ذكره يخالفه قوله: فشركما لخيركما الفداء وقوله: ﴿ رَبِّ ٱلسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ ﴾[يوسف: ٣٣] فإِن هذا خبر وكذلك قولهم: العسل أحلى من الخل إلا أن يقيد الخبر بأنه إذا كان واضح الحكم فيه للسامع بحيث لا يختلج في ذهنه ولا يتردد أيهما أفضل فإِنه يجوز. ﴿ وَعْداً ﴾ أي موعوداً. ﴿ مَّسْئُولاً ﴾ سألته الملائكة في قولهم: ﴿ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ ٱلَّتِي وَعَدْتَّهُمْ ﴾[غافر: ٨].
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ ﴾ الآية، قرىء: نحشرهم وفنقول بالنون والياء فيهما * قال ابن عطية: وقرأ الأعرج نحشرهم بكسر الشين وهي قليلة في الاستعمال قوية في القياس لأن يفعل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعل بضم العين " انتهى " هذا ليس كما ذكر بل فعل المتعدي الصحيح جميع حروفه إذا لم يكن للمبالغة ولا حلقي عين ولا لام فإِنه جاء على يفعل ويفعل كثيراً فإِن شهر أحد الاستعمالين اتبع وإلا فالخيار حتى أن بعض أصحابنا خير فيهما سمعا للكلمة أولم يسمعا * وقال الجمهور: من عبد من يعقل ممن لم يأمر بعبادته كالملائكة وعيسى وعزير وهو الأظهر: لقوله: ﴿ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي ﴾ وما بعده من المحاورات التي ظاهرها أنها لا تصدر إلا من العقلاء جاء ما يشبه ذلك خصوصاً وفي قوله: ﴿ ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ أَهَـٰؤُلاَءِ إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ ﴾[سبأ: ٤٠]، و﴿ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي ﴾[المائدة: ١١٦] وسؤاله تعالى وهو عالم بالمسؤول عنه ليجيبوا بما أجابوا به فيبكت عبدتهم بتكذيبهم إياهم فتزيد حسرتهم وجاء الاستفهام مقدماً فيه الاسم على الفعل ولم يأت التركيب أضللتم ولا أم ضلوا لأن كلاً من الضلال والإِضلال واقع والسؤال إنما هو عن فاعله وتقدم نظير هذا في قوله: ﴿ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا ﴾[الأنبياء: ٦٢].
و ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ تنزيه لله تعالى أن يشرك معه في العبادة أحد أو يفرد بعبادة. ﴿ مِنْ أَوْلِيَآءَ ﴾ مفعول على زيادة من وحسن زيادتها انسحاب النفي على أن يتخذ لأنه معمول لينبغي وإذا انتفى الابتغاء لزم منه انتفاء متعلقة وهو اتخاذ ولي من دون الله ولما تضمن قولهم: ما كان ينبغي لنا انا لم نضللهم ولم نحملهم على الامتناع من الإِيمان صلح أن يستدرك بلكن والمعنى لكن أكثرت عليهم وعلى آبائهم النعمة وأطلت أعمارهم وكان يجب عليهم شكرها والإِيمان بما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام فكان ذلك سبباً للإِعراض عن ذكر الله تعالى. ﴿ بُوراً ﴾ البور مصدر يوصف به الواحد والجمع وقيل جمع بائر كعائد وعود وقيل فسدي وهو لغة الأزد يقولون أمر بائر أي فاسد وبارت البضاعة فسدت ومنه قولهم أرض بوار أي متعطلة لا نبات فيها. ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ هذا من قول الله تعالى بلا خلاف وهي مفاجأة بالاحتجاج والإِلزام والخطاب للمعبودين من العقلاء عيسى والملائكة وعزير وهو الظاهر لتناسق الخطاب مع قوله: أنتم أضللتم أي كذبكم المعبودون. ﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ أي بقولهم انكم أضللتموهم وزعمهم أنكم أولياؤهم من دون الله تعالى. ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً ﴾ لأنفسهم عما هم عليه وما يستطيعون صرفكم عن الحق الذي أنتم عليه. ﴿ وَلاَ نَصْراً ﴾ لأنفسهم من البلاء الذي استوجبوه بتكذيبهم. ﴿ وَمَن يَظْلِم ﴾ الظاهر أنه عام والظلم هنا الشرك ومفعول أرسلنا محذوف تقديره رسولاً من المرسلين والجملة بعد إلا في موضع الحال ولما تقدم طعنهم على الرسول عليه الصلاة والسلام بأكل الطعام والمشي في الأسواق أخبر تعالى أن هذه عادة مستمرة في كل رسله عليهم السلام. ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ هو عام للمؤمن والكافر فالصحيح فتنة للمريض والغني فتنة للفقير والفقير الشاكر فتنة للغني والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره وكذلك العلماء وحكام العدل وقد تلا ابن القاسم هذه الآية حين رأى أشهب والتوقيف بـ﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ خاص للمؤمنين المحقين فهو لأمة محمد عليه الصلاة والسلام كأنه جعل إمهال الكفار فتنة للمؤمنين أي اختباراً ثم وقفهم هل تبصرون أم لا ثم أعرب قوله: ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ عن الوعد للصابرين والوعيد للعاصين. ﴿ وَقَالَ ٱلَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا ﴾ الآية لا يرجون أي لا يخافون. ﴿ لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ فتخبرنا أنك رسول حقاً. ﴿ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا ﴾ فيخبرنا بذلك وهذا كله على سبيل التعنت وإلا فما جاءهم به من المعجزات كاف لو وفقوا.و ﴿ لَقَدِ ٱسْتَكْبَرُواْ ﴾ أي تكبروا. ﴿ فِيۤ أَنفُسِهِمْ ﴾ أي عظموا أنفسهم بسؤال رؤية الله تعالى وهم ليسوا بأهل لها واللام في لقد جواب قسم محذوف.و ﴿ وَعَتَوْا ﴾ تجاوزوا الحد في الظلم ووصف بكبيراً مبالغة في إفراطه أي لم يجسروا على هذا القول إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو وجاء هنا عتواً على الأصل وفي مريم عتياً على استثقال اجتماع الواوين والقلب لمناسبة الفواصل قال ابن عباس: عتواً كفروا أشد الكفر وأفحشوا. ﴿ يَوْمَ يَرَوْنَ ٱلْمَلاَئِكَةَ ﴾ يوم منصوب باذكر وهو أقرب أو بفعل يدل عليه. ﴿ لاَ بُشْرَىٰ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ أي يمنعون البشرى ولا يعمل فيه لا بشرى لأنه مصدر ولأنه منفي بلا التي لنفي الجنس لأنه لا يعمل ما بعدها فيما قبلها ودخول لا على بشرى لانتفاء أنواع البشرى وهذا اليوم الظاهر أنه يوم القيامة لقوله: بعد وقدمنا إلى ما عملوا من عمل، والظاهر عموم المجرمين فيندرج هؤلاء القائلون فيهم والظاهر أن الضمير في ويقولون عائد على القائلين لأنهم المحدث عنهم كأنهم يطلبون نزول الملائكة ثم إذا رأوهم كرهوا لقاءهم وفزعوا منهم لأنهم لا يلقونهم إلا بما يكرهون فقالوا عند رؤيتهم ما كانوا يقولون عند لقاء العدو ونزول الشدة. ﴿ حِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ عوذا يستعيذون من الملائكة وقال أبو عبيدة: هاتان اللفظتان عوذة للعرب يقولها من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة. ﴿ وَقَدِمْنَآ إِلَىٰ مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ ﴾ القدوم الحقيقي مستحيل في حق الله تعالى فهو عبارة عن حكمه بذلك وإنفاذه قيل أو على حذف مضاف أي قدمت ملائكتنا أسند ذلك إليه لأنه عن أمره وحسنت لفظة قدمنا لأن القادم على شىء مكروه لم يقرره ولا أمر به مغير له ومذهب ومثلت حال هؤلاء وأعمالهم التي عملوها في كفرهم من صلة رحم وإغاثة ملهوف وقرىء: ضيف ومنّ على أسير وغير ذلك من مكارمهم بحال قوم خالفوا سلطانهم فقصد إلى ما تحت أيديهم فمزقها بحيث لم يترك لها أثراً وفي أمثالهم أقل من الهباء ومنثوراً صفة للهباء شبه بالهباء لقلته وأنه لا ينتفع به ثم وصفه بمنثوراً لأن الهباء تراه منتظماً مع الضوء فإِذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب. ﴿ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً ﴾ المستقر مكان الاستقرار في أكثر الأوقات والمقيل المكان الذي يأوون إليه في الاسترواح إلى الأزواج والتمتع ولا نوم في الجنة فسمي مكان استرواحهم إلى الحور. ﴿ مَقِيلاً ﴾ على طريق التشبيه إذ المكان المتخير للقيلولة يكون أطيب المواضع وفي لفظ أحسن رمز إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الوجوه وملاحة الصور إلى غير ذلك من التحاسين.
﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ٱلسَّمَآءُ بِٱلْغَمَامِ ﴾ الظاهر أن السماء هي المظلة لنا والباء باء الحال أي متغيمة أو باء السبب أي بسبب طلوع الغمام منه كان الذي ينشق به السماء كما تقول شق السنام بالشفرة. ﴿ وَنُزِّلَ ٱلْمَلاَئِكَةُ ﴾ أي: إلى الأرض لوقوع الجزاء والحساب والحق صفة للملك أي الثابت لأن كل ملك يومئذٍ يبطل ولا يبقى إلا ملكه * وخبر﴿ ٱلْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ ﴾ وللرحمن متعلق بالحق أو للبيان أي أعني للرحمن وعسر ذلك اليوم على الكافرين بدخولهم النار وما في خلال ذلك من المخاوف ودل قوله على الكافرين على تيسيره على المؤمنين ففي الحديث" أنه يهون حتى يكون على المؤمن أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا ". ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ ٱلظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ ﴾ قيل سبب نزولها هو عقبة وأبى وقيل كان عقبة خليلاً لأمية فأسلم عقبة فقال أمية: وجهي من وجهك حرام ان بايعت محمداً فكفر وارتد لرضا أمية فنزلت وذكر من إساءة عقبة إلى الرسول ما كان سبب أن قال له الرسول عليه الصلاة والسلام: لا ألقاك خارجاً من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل عقبة يوم بدر صبراً أمر علياً فضرب عنقه وقتل أبي بن خلف يوم أحد في المبارزة والمقصود ذكر هول يوم القيامة بتندم الظالم وتمنيه أنه لم يكن أطاع خليله الذي كان يأمره بالظلم وما من ظالم إلا وله في الغالب خليل خاص به يعبر عنه بفلان وفلان كناية عن اسم علي لمن يعقل كما ان فل كناية عن نكرة من يعقل تقول يا فل معناه يا رجل والظاهر أن الظالم بعض يديه فعل النادم المتفجع والذكر ذكر الله أو القرآن أو الموعظة والظاهر حمل الشيطان على ظاهره لأنه هو الذي وسوس إليه في مخالة من أصله أو يريد خليله الذي أضله سماه شيطاناً لأنه أضل كما أضل الشيطان ثم خذله ولم ينفعه في العاقبة والظاهر أن هذه الجملة من تمام كلام الظالم والظاهر أن دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ربه واخباره بهجر قومه قريش القرآن هو مما جرى له في الدنيا بدليل إقباله عليه مسلياً ومواسياً بقوله: وكذلك جعلنا وأنه هو الكافي في هدايته ونصره فهو وعد منه بالنصر وهذا القول من الرسول وشكايته فيه تخويف لقومه والظاهر أن مهجوراً بمعنى متروكاً من الإِيمان به مبعداً مقصياً في الهجر * وانتصب هادياً ونصيراً على التمييز وقالوا: أي الكفار على سبيل الاقتراح والاعتراض الدال على نفورهم عن الحق قال الزمخشري: نزل ها هنا بمعنى: أنزل لا غير كخبر بمعنى أخبر وإلا كان متدافعاً " انتهى ". وإنما قال: ان نزل بمعنى أنزل لأن نزل عنده أصلها أن تكون للتفريق، فلو أقره على أصله عنده من الدلالة على التفريق تدافع هو وقوله جملة واحدة وقد قررنا أن نزل لا يقتضي التفريق لأن التضعيف فيه عندنا مرادف للهمزة وقد بينا ذلك في أول آل عمران وقائل ذلك كفار قريش قالوا: لو كان هذا من عند الله لنزل جملة واحدة كما نزلت التوراة والإِنجيل وقيل قائلو ذلك اليهود * والكاف في: ﴿ كَذَلِكَ ﴾ للتشبيه وذلك إشارة إلى تنزيله مفرقاً. ﴿ لِنُثَبِّتَ ﴾ متعلق بنزلناه المحذوفة. ﴿ وَرَتَّلْنَاهُ ﴾ أي فصلناه. ﴿ وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ﴾ يضرونه على جهة المعارضة منهم كتمثيلهم في هذه بالتوراة والإِنجيل إلا جاء القرآن بالحق في ذلك ثم هو أوضح بياناً وتفصيلاً. ﴿ ٱلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ﴾ الظاهر أنهم لما اعترضوا في حديث القرآن وإنزاله مفرقاً كان في ضمن كلامهم أنهم ذوو رشد وخير وانهم على طريق مستقيم ولذلك اعترضوا فأخبر تعالى بحالهم وما يؤول إليه أمرهم في الآخرة بكونهم شر مكاناً وأضل سبيلاً والظاهر أنه يحشر الكافر على وجهه بأن يسحب على وجهه وفي الحديث" ان الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم "وقيل هو مجاز للذلة المفرطة والهوان والخزي واعربوا الذين مبتدأ والجملة من أولئك في موضع الخبر ويجوز عندي أن يكون الذين خبر مبتدأ محذوف لما تقدم ذكر الكافرين وما قالوا: قال ابعاداً لهم وتسميعاً بما يؤول إليه حالهم: هم الذين يحشرون ثم استأنف اخباراً آخر عنهم فقال أولئك شر مكانا. ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى ٱلْكِتَابَ ﴾ الآية لما تقدم تكذيب قريش والكفار لما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام ذكر تعالى ما فيه تسلية له عليه الصلاة والسلام وإرهاب للمكذبين وتذكير أن يصيبهم ما أصاب الأمم السالفة لما كذبوا رسلهم فناسب أولاً أن ذكر من نزل عليه كتابه جملة واحدة ومع ذلك كفروا وكذبوا به فكذلك هؤلاء لو نزل عليه القرآن جملة واحدة لكفروا وكذبوا كما كذب قوم موسى * والكتاب هنا التوراة * وهارون بدل أو عطف بيان * ووزيراً مفعول ثان لجعلناه والمذهوب إليهم القبط وفرعون وفي الكلام حذف تقديره ذهباً وأديا الرسالة فكذبوهما فدمرناهم والتدمير أشد الإِهلاك. ﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ ﴾ وهو منصوب بإِضمار فعل تقديره وأهلكنا قوم نوح أو معطوف على ضمير النصب في دمرناهم وأجازوا أن يكون منصوباً على الاشتغال أي وأغرقنا قوم نوح وهو قد يجوز لأن لما ان كانت ظرفاً كما زعم بعضهم بمعنى حين فالجملة بعدها في موضع جر والناصب للما أغرقناهم وإن كانت حرف وجوب لوجوب وهو الصحيح كان أغرقناهم جواباً للما وهو لا يجوز أن يفسر وذلك إشارة إلى أولئك المتقدِّمي فلذلك حسن دخول بين عليه من غير أن يعطف عليه شىء كأنه يقل بين المذكورين وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك * وانتصب كلاً الأول على الاشتغال أي وأنذرنا كلاً أو حذرنا كلاً والثاني على أنه مفعول بتبرنا لأنه لم يأخذ مفعولاً ومعنى ضرب الأمثال أي بين لهم القصص العجيبة من قصص الأولين ووصفنا لهم ما أدى إليه تكذيبهم بأنبيائهم من عذاب الله تعالى وتدميره إياهم والضمير في ولقد أتوا لقريش كانوا يمرون على سدوم من قرى لوط عليه السلام وتقدم الكلام عليها * ومطر السوء الحجارة التي أمطرت عليهم من السماء فهلكوا. ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُواْ يَرَوْنَهَا ﴾ فيعتبروا بما جرى لأهلها ثم أضرب ببل والمعنى أنهم حملهم على عدم الاعتبار كونهم لا يؤمنون بالبعث وهو النشور. ﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ ﴾ تقدم الكلام على نظير هذه الجملة في الأنبياء وبعث صلة للذي وضميره محذوف ورسولاً منصوب على الحال. ﴿ إِن كَادَ ﴾ إن هي المخففة من الثقيلة واسم كاد ضمير يعود على الرسول واللام هي الفارقة بين ان النافية وان المخففة وتقم الكلام على هذا في أول البقرة في قوله: ﴿ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً ﴾[البقرة: ١٤٣] ومذهب الكوفيين في ذلك. ﴿ أَن صَبْرَنَا ﴾ في موضع مبتدأ وخبره محذوف تقديره لولا صبرنا موجود وجواب لولا محذوف تقديره لأضلنا والظاهر أن من استفهامية مبتدأ وأصل خبره والجملة في موضع نصب ليعلمون ويعلمون معلق ويجوز أن تكون من موصولة مفعولة بيعلمون وأضل خبر مبتدأ محذوف تقديره هو أضل وهذه الجملة صلة لمن وجاز حذف هذا الضمير للاستطالة التي حصلت بالتمييز كما حصلت في قول العرب ما أنا بالذي قائل لك سوأ. ﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَـٰهَهُ هَوَاهُ ﴾ هذا إياس عن إيمانهم وإشارة إليه عليه الصلاة والسلام أن لا يتأسف عليهم وإعلام أنهم في الجهل بالمنافع وقلة النظر في العواقب مثل البهائم ثم ذكر أنهم أضل سبيلاً من الانعام من حيث لهم فهم وتركوا استعماله فيما يخلصهم من عذاب الله تعالى والانعام لا سبيل لها إلى فهم المصالح وأرأيت استفهام تعجب من جهل من هذه حالته وآلهة المفعول الأول لاتخذ وهواه الثاني أي أقام مقام إلهه الذي يعبده هواه فهو جار على ما يكون في هواه والمعنى أنه لم يتخذ إلهاً إلا هواه ومفعول أرأيت الأول هو من الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني وتقدم لنا الكلام في أرأيت في أوائل الانعام ومعنى: ﴿ وَكِيلاً ﴾ أي هل تستطيع أن تدعوه إلى الهدى فتتوكل عليه وتجبره على الإِسلام وأم منقطعة تقدر ببل والهمزة كأنه قال: بل أتحسب كأن هذه المذمة أشد من التي تقدمتها حتى خفت بالاضراب عنها إليها وهو كونهم مسلوبي الأسماع كالانعام التي هي مثل في الغفلة والضلالة ثم انتقل إلى إضراب آخر بقوله: بل هم أضل أي أشد في الضلال من الانعام وحذف من الانعام. ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَىٰ رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ ٱلظِّلَّ ﴾ الآية لما بين تعالى جهل المعترضين على دلائل الصانع وفساد طريقتهم ذكر أنواعاً من الدلائل الواضحة التي تدل على قدرته التامة لعلهم يتدبرونها فبدأ بحال الظل في زيادته ونقصانه وتغيره من حال إلى حال وان ذلك جار على مشيئته وتقدم الكلام على ألم تر في البقرة والمعنى ألم تر إلى صنع ربك وقدرته * وكيف سؤال عن حال في موضع نصب بمد والجملة في موضع متعلق ألم تر لأن تر معلقة والجملة الاستفهامية التي هي معلق عنها فعل القلب ليس باقياً على حقيقة الاستفهام فالمعنى ألم تر إلى مد ربك الظل. ﴿ وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ﴾ مستقراً على تلك الحالة ثم خلق الشمس وجعلها على ذلك الظل سلطها عليه ونصبها دليلاً متبوعاً له كما يتبع الدليل في الطريق فهو يزيد بها وينقص ويمتد ويقلص ثم نسخه بها قبضه قبضاً سهلاً يسيراً غير عسير وفيه التفات من خروج ضمير الغائب إلى ضمير المتكلم في جعلناه وقبضناه. ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيلَ لِبَاساً ﴾ انتقل من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب * ولباسا تشبيه بالثوب الذي يغطي البدن ويستره من حيث الليل يستر الأشياء * والسبات ضرب من الإِغماء يعتري اليقظان مرضاً فشبه النوم به والسبت الإِقامة في المكان فكان السبات سكوناً ما * والنشور هنا الاحياء شبه اليقظة به ليطابق الاحياء مع الإِماتة * بين يدي رحمته استعارة حسنة أي قدام المطر لأنها تجيء معلمة به والطهور فعول اما للمبالغة كنؤم فهو معدول عن ظاهر وإما أن يكون إسماً لما يتطهر به كالسحور والفطور واما مصدر لتطهر جاء على غير المصدر حكاه سيبويه والظاهر في قوله: ماءً طهورا أن يكون للمبالغة في طهارته وجه المبالغة كونه لم يشبه شىء بخلاف ما نبع من الأرض ونحوه فإِنه تشويه أجزاء أرضية من مقره أو من ممره أو مما يطرح فيه ويجوز أن يوصف بالاسم وبالمصدر. ﴿ لِّنُحْيِـيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً ﴾ وصف بلدة بصفة المذكر لأن البلدة في معنى البلد في قوله: ﴿ فَسُقْنَاهُ إِلَىٰ بَلَدٍ مَّيِّتٍ ﴾[فاطر: ٩] وقدم إحياء الأرض وسقي الانعام على سقي الأناسي لأن حياتهم بحياة أرضهم وحياة أنعامهم فقدم ما هو السبب في ذلك ولأنهم إذا وجدوا ما يسقي أرضهم ومواشيهم وجدوا سقياهم ونكر الانعام والأناسي ووصفاً بالكثرة لأن كثيراً منهم لا يعيشهم إلا ما أنزل الله من المطر وكذلك لنحيي به بلدة ميتاً يريد بعض بلاد هؤلاء المتباعدين عن مظان الماء بخلاف سكان المدن فإِنهم قريبون من الأودية والأنهار والعيون فهم غنيون غالباً عن ماء المطر وخص الانعام من بين ما خلق من الحيوان الشارب لأن الطيور والوحوش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الانعام فإِنها قنية الأناسي ومنافعهم متعلقة بها فكان الانعام عليهم بسقي إنعامهم كالانعام بسقيهم. ﴿ وَأَنَاسِيَّ ﴾ جمع إنسان في مذهب سيبويه وجمع أنسي في مذهب الفراء والمبرد وحكى أناسين في جمع إنسان كسرحان وسراحين. ﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ ﴾ قال ابن عباس: عائد على القرآن وإن لم يجر له ذكر لوضوح الأمر ويعضده وجاهدهم به. ﴿ وَهُوَ ٱلَّذِي مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ ﴾ يقال مرج الأمر اختلط واضطرب وقيل مرج وأمرج * العذب الحلو * والفرات البالغ في الحلاوة * والملح المالح * والاجاج البالغ في الملوحة والظاهر أنه يراد بالبحرين الماء الكثير العذب والماء الكثير الملح والبرزخ والحجر ما حجز بينهما من الأرض والسد. ﴿ وَحِجْراً مَّحْجُوراً ﴾ كلمة يقولها المتعوذ وقد فسرناها وهي هنا واقعة على سبيل المجاز كأن كل واحد من البحرين يتعود من صاحبه ويقول له: حجراً محجوراً كما قال تعالى: ﴿ لاَّ يَبْغِيَانِ ﴾[الرحمن: ٢٠] أي لا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة فانتفاء البغي ثم كالتعوذ هنا جعل كل واحد منهما في صورة الباغي على صاحبه فهو يتعوذ منه والظاهر عموم البشر وهم بنو آدم والبشر ينطلق على الواحد والجمع والنسب والصهر يعمان كل قربى بين آدميين وأن الكافر اسم جنس فيعم وقيل هو أبو جهل والآية نزلت فيه ومعنى ظهيراً هيناً مهيناً من قولهم: ظهرت به إذا خلفته خلف ظهرك لا تلتفت إليه. ﴿ قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ ﴾ أمره تعالى أن يحتج عليهم مزيلاً لوجوه التهم بقوله: لا أسألكم عليه أي على القرآن أجراً أي لا أطلب مالاً. ﴿ وَلاَ نَفْعاً ﴾ يختص بي والضمير في عليه عائد على القرآن والظاهر في إلا من شاء أنه استثناء منقطع تقديره لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلاً فليفعل، والظاهر تعلق به بقوله: فاسأل وبقاء الباء غير مضمنة معنى عن وخبيراً من صفات الله كما تقول لقيت بزيد أسداً ولقيت بزيد البحر تريد أنه هو الأسد شجاعة والبحر كرماً والمعنى أنه تعالى اللطيف العليم الخبير والمعنى فاسأل الله الخبير بالأشياء العالم بخفاتها وقال الشاعر:إِن تسألوني بالنساء فإِنني   بصير بادواء النساء طبيب﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ٱسْجُدُواْ لِلرَّحْمَـٰنِ ﴾ الظاهر أنهم لما قيل لهم اسجدوا للرحمن فذكرت الصفة المقتضية للمبالغة في الرحمة والكلمة عربية لا ينكر وضعها أظهروا التجاهل بهذه الصفة التي لله مغالطة منهم ووقاحة. ﴿ قَالُواْ وَمَا ٱلرَّحْمَـٰنُ ﴾ وهم عارفون به وبصفته الرحمانية وهذا كما قال فرعون وما رب العالمين حين قال له موسى: إني رسول من رب العالمين، على سبيل المناكرة وهو عالم برب العالمين كما قال له موسى عليه السلام: لقد علمت ما أنزل هؤلاء فكذلك كفار قريش استفهموا عن الرحمن استفهام من يجهله وهم عالمون به، وقرىء: تأمرنا بالياء والتاء. ﴿ وَزَادَهُمْ ﴾ أي هذا القول وهو الأمر بالسجود للرحمن. ﴿ نُفُوراً ﴾ أي فراراً. ﴿ تَبَارَكَ ٱلَّذِي جَعَلَ فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجاً ﴾ الآية لما جعلت قريش سؤالها عن اسمه الذي هو الرحمن سؤالاً عن مجهول نزلت هذه الآية مصرحة بصفاته التي تعرف به وتوجب الإِقرار بألوهيته * ومناسبتها لما قبلها أنه لما ذكر أنه خلق السماوات والأرض وغير ذلك نبههم على ما لهم به اعتناء تام من رصد الكواكب وأحوالها ووضع أسماء لها والظاهر أن المراد بالبروج المعروفة عند العرب وتقدم الكلام عليها والضمير في فيها الظاهر أنه عائد على السماء وقيل على البروج فالمعنى وجعل في جملتها سراجاً وهو الشمس وانتصب: ﴿ خِلْفَةً ﴾ على الحال فقيل هو مصدر خلف خلفة أي خلف هذا ذاك وذاك هذا وقيل خلفة في الزيادة والنقصان. ﴿ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ﴾ قال ابن عباس: ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما، فيستدركه في الذي يليه ولما تقدم ذكر الكفار وذمهم وجاء لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً ذكر أحوال المؤمنين المتذكرين الشاكرين فقال: ﴿ وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ﴾ وهذه إضافة تشريف وتفضيل وهو جمع عبد أي الذين يعبدون الله حق عبادته والظاهر أن وعباد مبتدأ والذين يمشون الخبر وقيل: أولئك الخبر والذين صفة والهون الرفق واللين وانتصب: هوناً على أنه نعت لمصدر محذوف أي مشياً هوناً أو على الحال أي يمشون هينين في تؤدة وسكينة وحسن سمت لا يضربون بأقدامهم الأرض ولا يخفقون بنعالهم أشراً وبطراً. ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ ﴾ أي بما لا يسوغ الخطاب به. ﴿ قَالُواْ سَلاَماً ﴾ أي سلام توديع لا تحية كقول إبراهيم عليه السلام لأبيه سلام عليك وقيل هو على إضمار فعل تقديره سلمنا سلاماً. ﴿ وَالَّذِينَ يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً ﴾ البيتوتة هو أن يدركك الليل نمت أو لم تنم وهو خلاف الظلول والظلول الإِقامة بالنهار ولما ذكر حالهم بالنهار بأنهم يتصرفون أحسن تصرف ذكر حالهم بالليل والظاهر أنه يعني إحياء الليل بالصلاة أو أكثره ثم عقبه بذكر دعائهم هذا إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون يبتهلون إلى الله تعالى في صرف العذاب عنهم * وساءت بمعنى بئست والمخصوص بالذم محذوف وفي ساءت ضمير مبهم * ويتعين أن يكون مستقراً ومقاماً تمييز والتقدير ساءت مستقراً ومقاماً هي وهذا المخصوص بالذم هو رابط الجملة الواقعة خبراً لأن ويجوز أن تكون ساءت بمعنى أحزنت فيكون المفعول محذوفاً أي ساءتهم والفاعل ضمير مبهم وجاز في مستقر أو مقاماً أن يكونا تمييزين وأن يكونا حالين قد عطف أحدهما على الآخر. ﴿ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ ﴾ الانفاق في غير طاعة الله تعالى إسراف والإِمساك عن طاعة الله إقتار وقرىء: يقتروا بفتح الياء وكسر التاء وضمها من قتر ويقتر بضم الياء وكسر التاء من اقتر واسم كان ضمير يعود على المصدر المفهوم من قوله: أنفقوا ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ أي بين الإِسراف والإِقتار و ﴿ قَوَاماً ﴾ معتدلاً يجوز أن يكون خبراً لكان وبين ذلك خبر وقواماً حال. ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهًا آخَرَ ﴾ الآية" سأل ابن مسعود رسول الله أي الذنب أعظم فقال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك قال؛ ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك "فانزل الله تصديقها والذين لا يدعون، الآية وقيل الآثام الإِثم ومعناها يلق جزاء أثام فأطلق اسم الشيء على جزائه. ﴿ ذٰلِكَ ﴾ إشارة إلى كل فرد مما تقدم * يضاعف ويخلد قرىء: بالرفع فيها على الاستئناف أو يكون في موضع الحال تقديره مضاعفاً له العذاب وخالداً فيه مهاناً وقرىء: بالجزم فيهما على أن يكون يضاعف بدلاً من يلق بدل فعل من فعل كما قال الشاعر:متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا   تجد حطباً جزلاً وناراً تأججاوالظاهر أن توبة المؤمن القاتل النفسي بغير حق مقبولة لعموم قوله تعالى: ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ ﴾ وسيآتهم هو المفعول الثاني وهو أصله أن يكون مقيداً بحرف الجر أي بسيآتهم وحسنات هو المفعول الأول وهو المسرح كما قال تعالى: ﴿ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ﴾[سبأ: ١٦] وقال الشاعر:تضحك مني أخت ذات النحيين   أبدلها الله بلونها لونينسواد وجه وبياض عينين   ﴿ وَٱلَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ عاد إلى ذكر أوصاف عباد الرحمن والظاهر أن المعنى لا يشهدون بالزور أو شهادة الزور واللغو كما ينبغي أن يلغى ويطرح والمعنى: وإذا مروا بأهل اللغو مروا معرضين عنهم مكرمين أنفسهم عن التوقف عندهم والخوض معهم كقوله تعالى: ﴿ وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغْوَ أَعْرَضُواْ عَنْهُ ﴾[القصص: ٥٥].
﴿ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ هي القرآن. ﴿ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ النفي متوجه إلى القيد الذي هو صم وعميان لا للخرور الداخل عليه وهذا الأكثر في لسان العرب ان النفي يتسلط على القيد والمعنى أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصاً على استماعها وأقبلوا على المذكر بها بآذان واعية وأعين راعية بخلاف غيرهم من المنافقين وأشباههم فإِنهم إذا ذكروا بها كانوا مكبين عليها مقبلين على من يذكر بها في ظاهر الأمر وكانوا صماً وعمياناً حيث لا يعونها ولا يتبصرون ما فيها. ﴿ قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ كناية عن السرور والفرح وهو مأخوذ من القر وهو البرد يقال: دمع السرور بارد ودمع الحزن سخن ويقال أقر الله عينك وأسخن الله عين العدو وقال الشاعر:فأما عيون العاشقين فاسخنت   وأما عيون الشامتين فقرتوقال الزمخشري: وجاء أعين بصيغة جمع القلة دون عيون الذي هو صيغة جمع الكثرة لأنه أريد أعين المتقين وهي قليلة بالإِضافة إلى غيرهم " انتهى ". ليس بجيد لأن أعين ينطلق على العشرة فما دونها من الجمع والمتقون لبست أعينهم عشرة بل هي عيون كثيرة جداً وإن كانت عيونهم قليلة بالنسبة إلى عيون غيرهم فهي من الكثرة بحيث تفوت العدو قرىء: ذريتنا على الإِفراد وذرياتنا على الجمع. ﴿ أُوْلَـٰئِكَ ﴾ إشارة إلى الموصوفين بهذه الصفات العشرة * والغرفة اسم معرف بال فيعم أي الغرف كما جاء وهم في الغرفات آمنون وهي العلالي قال ابن عباس: هي بيوت من زبرجد ودر وياقوت والباء في بما صبروا للسبب والتحية دعاء بالتعمير والسلام دعاء بالسلامة أي تحييهم الملائكة أو يحيي بعضهم بعضاً. ﴿ حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً ﴾ معادل لقوله: في جهنم ساءت مستقراً ومقاماً، والظاهر أن قوله: قل ما يعبأ بكم ربي خطاب لكفار قريش القائلين أنسجد لما تأمرنا أي لا يحفل ربكم ربي لولا تضرعكم إليه واستغاثتكم إياه في الشدائد. ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ بما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام فتستحقون العقاب. ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ ﴾ العقاب وهو ما أنتجه تكذيبكم ونفس لهم في حلوله بلفظة فسوف يكون ﴿ لِزَاماً ﴾ أي لازماً لكم لا تنفكون منه.
السورة التالية
Icon