0:00
0:00

سورة الفرقان مكية
وهي سبع وسبعون آية وست ركوعات

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ تَبَارَكَ ﴾ تكاثر خيره، أو تزايد عن كل شيء وتعاظم، أو ثبت ودام، ﴿ الَّذِي١ نَزَّلَ ﴾، منجما لا جملة واحدة، ﴿ الْفُرْقَانَ ﴾، سمي القرآن به لأنه فارق بين الحق والباطل٢، ﴿ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ ﴾، العبد أو الفرقان، ﴿ لِلْعَالَمِينَ ﴾، :الإنس والجن، ﴿ نَذِيرًا ﴾، :منذرا مخوفا، أو بمعنى الإنذار كالنكير،
١ تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد، لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة؛ لأنها الواسطة، ثم في المعاد، لأنها الخاتمة /١٢ فتح..
٢ أو لأنه مفرق مفصول بين آياته في الإنزال، قال الله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه﴾ [الإسراء: ١٠٦] الآية /١٢ وجيز..
﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ١، بدل من الذي٢ أو رفع أو نصب على المدح، ﴿ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾، :في ملكه وسلطانه، ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾، أي :أحدث كل شيء له، الكون مراعى فيه التسوية، فهيأه لما أراد منه كما سوى الإنسان من مواد وصور مخصوصة، ثم هيأه للإدراك، ومزاولة الأعمال الغريبة، أو فقدره للبقاء إلى أمد معلوم،
١ دون غيره لا استقلالا ولا تبعا فهو المتصرف فيهما / ١٢ فتح..
٢ والفصل ليس بأجنبي؛ لأنه من تتمة الصفة، ومتعلقاتها /١٢ وجيز..
﴿ وَاتَّخَذُوا١ مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا ﴾ :عاجزين، ﴿ وَهُمْ يُخْلَقُونَ٢ :فإن عبدتهم ينحتونهم، ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا ﴾ أي :دفعه، ﴿ وَلَا نَفْعًا ﴾ أي :جلبه، ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ﴾، إماتة أحد ﴿ وَلَا حَيَاةً ﴾ :إحياءه ﴿ وَلَا نُشُورًا ﴾ :بعثه ثانيا فكيف يستحقون الألوهية، وهم متصفون بصفات تنافيها،
١ الضمير للعالمين أي: اتخذ الإنس والجن مع ثبوت دلائل الوحدة وعلمهم بأن الله خالقهم من دونه آلهة /١٢ وجيز..
٢ ونسبة الخلق إلى العباد مجاز كأحسن الخالقين فعبادهم بمنزلة إله لآلهتهم/ ١٢ وجيز..
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا ﴾ :ما القرآن، ﴿ إِلَّا إِفْكٌ ﴾ كذب ﴿ افْتَرَاهُ ﴾، يعنون رسول الله ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾، :اليهود ﴿ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا ﴾ :يجعل كلام الله إفكا، ﴿ وَزُورًا ﴾، بنسبة رسوله إلى ما هو برئ منه، وجاءوا بمعنى فعلوا أو نصب ظلما بحذف الجار،
﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ :ما سطره المتقدمون ﴿ اكْتَتَبَهَا١ استكتبها ﴿ فَهِيَ ﴾، الأساطير، ﴿ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾، ليحفظها فإنه أمي لا يقدر أن يقرأ من الكتاب،
١ جمعها أو أمر بكتابتها نحو احتجم وافتصد، وهو خبر ثان مبتدأ محذوف /١٢ وجيز..
﴿ قُلْ أَنزَلَهُ١الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾، ولذلك ترى القرآن مملوءا من المغيبات، ﴿ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾، ولولا رحمته لاستأصلهم، وما أمهلهم،
١ أي: الفرقان، ولم يقل أنزلها إشارة إلى أنه ليس بأساطير الأولين /١٢ وجيز..
﴿ وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ ﴾، أي :من يدعي الرسالة، ﴿ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ :لا مَلَك ولا مَلِك، ﴿ لَوْلَا ﴾ هلا، ﴿ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ ﴾ :الملك، ﴿ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ :منذرا هو خبر كان، ومعه حال أو بالعكس، أو مع متعلق بنذيرا، أي :يشاركه في النبوة،
﴿ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ :حاصله إن لم يكن مَلَكا، ولا مَلِكا، فلا أقل من أن يكون معه ملك أو يكون صاحب كنز وثروة، وأقلها أن يكون رجلا له بستان كما للدهاقين، ﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ ﴾ أي :قالوا لظلمهم ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا١ :سحر فغلب على عقله،
١ أي: ما اكتفيتم بأنكم تتبعون رجلا مثلكم، بل تتبعون رجلا مسحورا، أي: رجلا أنقص من أمثالكم /١٢ وجيز..
﴿ انظُرْ ﴾ يا محمد، ﴿ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ ﴾ :من مسحور، ومحتاج، وغير ذلك، ﴿ فَضَلُّوا ﴾ :عن الحق، ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ :إليه.
﴿ تَبَارَكَ ﴾، تكاثر خير، ﴿ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا ﴾ أي :إن أراد وهب لك في الدنيا خيرا مما قالوه، وهو أن يعجل لك مثل ما وعدك من الجنات، والقصور، ونصب جنات على البدلية من خير، أو الجزم والرفع في يجعل لأن الشرط إذا كان ماضيا ففي جزائه الجزم والرفع،
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ﴾ وهو أعجب وأغرب من تكذيبهم إياك، أو لهذا كذبوك يعني :تكذيب القيامة حملهم على هذه الأقوال، ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴾ :نارا شديدة الاشتعال،
﴿ إِذَا رَأَتْهُم ﴾ أي :السعير، ﴿ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ :أقصى ما يمكن أن يرى منه، ﴿ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ﴾ :صوت تغيظ وتغضب، والزفير صوت يسمع من جوف المغتاظ في حين شدته وعدم تجويز الرؤية على النار من قلة البصارة، وقد ورد١ ( من يقل على ما لم أقل فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا، قيل :وهل لها عينان ؟ ! قال :أما سمعتم الله يقول : ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد ﴾ الآية،
١ رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، وغيرهما بروايات متنوعات، وعلى هذا لا حاجة إلى بيان جهة المجاز بمثل أن هذا من باب لا تترا أي نارهما هذا ما في الوجيز، وفي الفتح بعد نقل معنى هذا الحديث أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير من طريق خالد بن دريك، ونحو عند رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه وله لفظ بمعناه وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران وأذنان يسمعان، ولسان ينطق يقول: إني وكلت بثلاث بكل جبار عنيد وبكل من دعا مع الله إلها آخر، وبالمصورين)، وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب /١٢ فتح..
﴿ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ﴾ :منها بيان تقدم فصار حالا، ﴿ ضَيِّقًا ﴾ :لمزيد العذاب، وفي الحديث ( والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط )، ﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ :قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل، ﴿ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴾ :هلاكا يقولون :يا ثبوراه تعال فهذا حينك،
﴿ لَا تَدْعُوا ﴾ أي :يقال لهم لا تدعوا، ﴿ الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾، فإن الخطب أعظم مما حسبتموه،
﴿ قُلْ أَذَلِكَ ﴾ :ما وصفنا من أنواع العذاب، ﴿ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ ﴾، أي :وعدها، ﴿ الْمُتَّقُونَ ﴾، ﴿ وفي ذلك تقريع مع تهكم، { كَانَتْ ﴾ :الجنة في علم الله، ﴿ لَهُمْ ﴾، أو لأن ما وعد الله كالواقع، ﴿ جَزَاء ﴾، :على أعمالهم بالوعد، ﴿ وَمَصِيرًا ﴾، :مرجعا ينقلبون إليه أما غير المتقين من المؤمنين كالتبع لهم أو المراد من المتقين من يتقي الكفر، والتكذيب، ولهم إما حال أو متعلق بجزاء،
﴿ لَهُمْ فِيهَا مَا يشاءون خَالِدِينَ كَانَ ﴾ :ما يشاءونه، ﴿ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا ﴾ :موعودا، ﴿ مسئولا ﴾ :عن بعض السلف يقول المؤمنون، يا رب عملنا بما أمرتنا فأنجز لنا ما وعدتنا، وذلك قوله وعدا مسئولا، وعن بعض الملائكة تسأل لهم ذلك قال تعالى : ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ [ غافر :٨ ]،
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ :المراد ذوو العقول كالملائكة، وعيسى١ واستعمال ما لأنه في الأصل أعم، أو لأنه أريد بالوصف، أي :معبوديهم أو لإجرائهم مجرى غير ذوى العقول، تحقيرا لشأنهم لقصورهم عن معنى الربوبية أو المراد أعم، وينطق الله الأصنام٢، ﴿ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ٣ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ :من غير دعوة منكم، وحذف الجار للمبالغة، أي :عن السبيل، وهذا السؤال لتقريع العبدة وتبكيتهم،
١ قاله مجاهد وابن جريج بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد / ١٢ فتح..
٢ قاله الضحاك وعكرمة والكلبي /١٢ فتح..
٣ ولما كان السؤال عن تعيين الفاعل قدم أنتم، وهم نحو (أأنت فعلت هذا بآلهتنا) [الأنبياء: ٦٢] /١٢ وجيز..
﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ ﴾ :تعجب منهم مما قيل لهم، أو سبحانك من أن يكون لك ند، ﴿ مَا كَانَ يَنبَغِي ﴾ :ما يصح ويستقيم، ﴿ لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ أي :نحن لا نعبد إلا أنت، فيكف ندعو أحدا أن يتولى غيرك ؟ قيل :أرادوا من ضمير المتكلم جميع الخلائق، ﴿ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ ﴾ :في الدنيا بالنعم، ﴿ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ أي :نسوا ما أنزلته إليهم أو غفلوا عن ذكرك، ﴿ وَكَانُوا ﴾ :في علمك، ﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾، :هالكين أشقياء راعوا الأدب، وما قالوا :أنت أضللتهم صريحا، لأن المقام غير مقام البسط١( * ) كما قال موسى في مقام الانبساط : ﴿ إن هي إلا فتنتك ﴾ [ الأعراف :١٥٥ ]،
١ (*)في حاشية الأصل: في (ن): الانبساط..
﴿ فَقَدْ١ كَذَّبُوكُم ﴾ التفات، أي :قال الله لهم فقد كذبكم المعبودون، ﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ :في قولكم، إنهم آلهة أو هؤلاء أضلونا، فالباء بمعنى في أو بما تقولون بدل اشتمال من مفعول كذبوا ككذبوا بالحق، وفي قراءة ( يقولون ) بالياء فمعناه كذبوكم بقولهم : ﴿ سبحانك ما كان ينبغي ﴾ إلخ، ﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ﴾ :للعذاب عنكم، ﴿ وَلَا نَصْرًا ﴾ وقراءة التاء فمعناه، فما تستطيعون أيها العابدون صرف العذاب عن أنفسكم ولا نصر أنفسكم، ﴿ وَمَن يَظْلِم ﴾، يشرك٢، ﴿ مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ﴾
١ وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول ونظيرها ﴿يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا﴾ [المائدة: ١٥، ١٩]، وقول القائل:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا *** ثم القفول فقد جئنا خراسانا /١٢ فتح..

٢ كذا فسره ابن عباس وغيره وهو المناسب؛ لأن الكلام من مفتتح السورة في الكافرين، ووعيدهم /١٢ وجيز..
﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا ﴾ :رسلا، ﴿ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾، ما بعد إلا صفة أقيمت مقام موصوفها، وهذا جواب قولهم : ﴿ ما لهذا الرسول ﴾ الآية، ﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ ﴾ :أيها الناس، ﴿ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ :ابتلاء، وامتحانا كابتلاء المرسلين بالمرسل إليهم، والفقراء بالأغنياء، ﴿ أَتَصْبِرُونَ١، علة للجعل أي :لنعلم أيكم يصبر كقوله تعالى : ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ﴾ [ هود :٧، الملك :٢ ]، وقيل :حث على الصبر على ما افتتنوا به ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾، عالما بالصواب فيما يبتلي به وغيره، فلا يضيقن صدرك، أو بمن يصبر.
١ روي البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (انظروا إلى من أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم) / ثم وعد الله الصابرين بقوله: ﴿وكان ربك بصيرا﴾ /١٢ فتح..
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾، لا يخافون البعث، أو لا يأملون لقاءنا بالخير، ﴿ لَوْلَا ﴾، :هلا، ﴿ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ ﴾، :فتختبرنا بصدق محمد، ﴿ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ﴾، فيختبرنا بذلك، ﴿ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ ﴾ :حتى تمنوا ما لم يحصل للرسل، اللام توطئة القسم، ﴿ وَعَتَوْا ﴾، :تجاوزوا الحد في الظلم، ﴿ عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾
﴿ يَوْمَ ﴾، أي :اذكر يوم، ﴿ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ ﴾، عند الموت، أو في القيامة، ﴿ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾، أي :لهم، لأنهم مجرمون لتحلي الملائكة للمؤمنين فتبشرهم حين الموت وفي القيامة بالرحمة والرضوان، وللكافرين فتبشرهم بالخيبة والخسران، ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ أي :الملائكة لهم ﴿ حِجْرًا مَّحْجُورًا١ :حراما محرما عليكم الجنة والرحمة، أو البشرى، فالجملة حال من الملائكة، أي :وهم يقولون، أو يقول المجرمون عند لقاء الملائكة هذه الكلمة، وهي من المصادر المتروك فعلها، ومن الكلمات التي تتكلم بها العرب عند لقاء العدو، وهجوم النازلة في موضع الاستعاذة يعني أنهم يطلبون نزول الملائكة، وهم إذا رأوهم كرهوا٢ واستعاذوا، وقوله :محجورا كموت مائت للتأكيد.
١ قيل: هذا قول الملائكة للمجرمين، يعني: حراما محرما عليكم رحمة الله في الدنيا / ١٢..
٢ أي: يقول المجرمون عند لقاء الملائكة على عادتهم في الدنيا إذا نزلت بهم شدة من لقاء عدو أو غيره، أي: عوذا معاذا، أي: أطلب عوذا معاذا يستعيذون من الملائكة / ١٢..
﴿ وَقَدِمْنَا١ إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ﴾، أي :قصدنا وعمدنا إلى أعمال الكفار من المكارم كقرى ضيف، وإغاثة ملهوف، ﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾ :أحبطناه، لأنها لم تكن خالصا موافقا للشريعة، والهباء غبار يرى في شعاع الشمس يطلع من الكوة شبه عملهم بالغبار في الحقارة وعدم النفع، ثم بالمنثور منه في انتشاره وتفرقه، ومنثورا إما صفة هباء أو مفعول ثالث من حيث إنه كالخبر بعد الخبر،
١ شبه حالهم بحال من خالف سلطانا عظيما فقدم إلى أسبابه فمزقها، ولم يبق لها أثرا، وقوله: ﴿من عمل﴾ بيان للتعميم /١٢ وجيز..
﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا ﴾ :موضع قرار، ﴿ وَأَحْسَنُ١مَقِيلًا٢ :مكان استراحة، وعن بعض السلف يفرغ الله من الحساب نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في مناظر حسان، وروح وريحان. .
١ والقيلولة استراحة نصف النهار وإن لم يكن معها نوم يعني: هؤلاء في أسوأ حال، وهم في أحسنها /١٢..
٢ وأخذ من ذلك انقضاء الحساب في نصف النهار، كما ورد في الحديث /١٢ جلالين..
﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ ﴾، أي :تتشقق، ﴿ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ﴾، أي :بسبب طلوع الغمام، وقيل بالباء بمعنى عن، ﴿ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ ﴾، :في ذلك الغمام، ﴿ تَنزِيلًا ﴾، يعني :تتفتح السماء بغمام يخرج منها، وفي الغمام ملائكة ينزلون، فيحيطون بالخلائق في مقام المحشر.
﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ﴾، الحق خبر وللرحمن متعلق به، أي :الملك ثابت له لا يبقى لغيره، أو صفة للملك، وللرحمن خبره، ﴿ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴾، شديدا ومع طوله وشدته يخفف على بعض من المؤمنين، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها١ في الدنيا،
١ كما وقع في مسند الإمام أحمد /١٢ وجيز..
﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾، عض اليدين والأنامل وأمثاله كنايات عن كمال الحسرة والغيظ، وهذا عام، وإن كان مورده في عقبة بن أبي معيط لما ارتد لأجل خاطر أبي١ بن خلف، ﴿ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ :إلى الهدى، والنجاة،
١ كان صديقا لعقبة فعاتبه على الإسلام فارتد، رواه ابن جرير مرسلا /١٢..
﴿ يَا وَيْلَتَى ﴾، تعال فهذا أوانك، ﴿ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا ﴾، أي :من أضله، والفلان كناية عن الأعلام، ﴿ خَلِيلًا ﴾.
﴿ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ ﴾ :عن القرآن أو عن ذكر الله، ﴿ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ١، كل من صدك عن الحق فهو شيطانك، ﴿ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ﴾، تاركه لا نافعه عند البلاء، وقوله : ﴿ كان الشيطان ﴾، إما من تتمة كلام الكافر، وإما من كلام الله سبحانه من غير حكاية،
١ صرح كثير من السلف على أن حكم هذه الآية عام في جميع المتحابين المتفقين في معصية الله /١٢ وجيز، وفي الفتح وحكم الآية عام في كل خليلين ومتحابين اجتمعا على معصية الله عز وجل، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يحشر المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل) أخرجه أبو داود والترمذي / ١٢ فتح..
﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ١ :محمد عليه السلام يومئذ، أو في الدنيا، ﴿ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي ﴾ :قريشا، ﴿ اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ﴾ :متروكا، أعرضوا عنه ولم يؤمنوا بهز أو بمنزلة الهجر والهذيان، فالمهجور بمعنى الهجر كالمجلود، وفيه تخويف لقومه، وتسلية لرسول الله بقوله :
١ والأظهر أن قوله: هذا مما جرى له في الدنيا إقباله عليه مسليا بقوله: ﴿وكذلك جعلنا﴾ الآية / ١٢ وجيز..
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا ﴾ :يحتمل الواحد والجمع، ﴿ منَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ :الذين يهجرون شرائعهم، فاصبر كما صبروا، ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا ﴾ :إلى اتباعك وإن كان قومك يصدون الناس عنك، ﴿ وَنَصِيرًا ﴾ لك عليهم فلا تبال بمن يعاديك.
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا ﴾، هلا، ﴿ نُزِّلَ١ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ كالتوراة والإنجيل، و " نزّل " بمعنى " أنزل " كخبّر وإلا يكون متدافعا، وهذا من مماراتهم التي لا طائل٢ تحتها، ﴿ كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ﴾، :هذا من الله تعالى جواب لهم، أي أنزلناه كذلك مفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك لتعيه، وتحفظه شيئا بعد شيء، ولا يعسر عليك حفظه، لأنك أمي بخلاف سائر الأنبياء، فإنهم ممكنون من القراءة والكتابة، ولأنه كما أنزل عليك وحي من ربك يزداد لك قوة إلى قوة، وللأعداء كسرا على كسر، ﴿ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ﴾ :وبيناه تبينا على مهل بحسب الوقائع، عطف على فعل مقدر ناصب ل " كذلك ".
١ قال صاحب البحران: نزل وأنزل مترادفان لا يقتضي التفريق في النزول، وعلى هذا لا يحتاج إلى كلفة توجيه /١٢ وجيز..
٢ لأن أمر الاحتجاج به والإعجاز لا يختلف بتروله جملة واحدة أو مفرقا / وجيز..
﴿ وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ ﴾ :بشيء عجيب في القدح في القرآن وفيك، ﴿ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ ﴾ :الذي يرد ما جاءوا به من المثل، ﴿ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ :بيانا وكشفا في جواب اعتراضهم، وهذا أيضا من علل جهة إنزاله مفرقا.
﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ ﴾ :مرفوع بالذم أو بدل من ضمير يأتونك، أو مبتدأ خبره أولئك وعلى أي وجه ففيه بيان أنهم يضربون لك الأمثال، ويحقرونك، ولا يدرون أنهم على تلك الفضيحة، وفي الصحيح أن رجلا قال :يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه ؟ فقال :( إن من أمشاه على رجليه قادر أن يمشيه على وجهه يوم القيامة )،
﴿ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا ﴾ :منزلا أو منزلة، ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلًا١، نسب الضلال إلى السبيل، وهو لهم فيها للمبالغة مجازا.
١ وقوله شر وأضل ليس على بابهما من الدلالة على التفضيل، فيمكن أن يكون من باب العسل أحلى من الخل، يعني قبح مكان الكفرة، وضلال سبيلهم أكثر من حسن مكان المؤمنين، وهداية سبيلهم واستقامتها، ولما سلى رسوله بقوله: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا) كما ذكرنا أخذ يبين أعداءهم مجملا بقوله: (وقرونا بين ذلك كثيرا، وكلا ضربنا له الأمثال) ومفصلا بحكاية موسى ونوح وغيرهما فقال: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب﴾ الآية ١٢ وجيز..
﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾، :الألواح١ أو معنى آتينا أردنا إيتاءه، أو المراد من الكتاب ما يستلزمه وهو الرسالة، لأن التوراة ما كان إلا بعد هلاك فرعون كما مر في سورة الأعراف لما سلى رسوله بقوله :" كذلك جعلنا لكل نبي عدوا " شرع يبين أعداءهم مجملا ومفصلا، ﴿ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴾، :معينا يعاونه في أمر النبوة،
١ كثير من السلف على أن الألواح غير التوراة / ١٢ وجيز..
﴿ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ﴾، فإن قوم فرعون لما أشركوا بالله كذبوا بما جاء به الأنبياء من قبلهم، ﴿ فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا١، :أي :فذهبا فكذبوهما فاستأصلناهم، اختصر القصة فذكر مجملها، لأن المقصود إلزام الحجة ببعثة الرسل أو استحقاق الهلاكة بالتكذيب.
١ اقتصر القصة بمجمل الحكاية فإن المقصود إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق العذاب بالتكذيب / ١٢ وجيز..
﴿ وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ﴾، :نوحا ومن قبله أو لأن من كذب رسولا فقد كذب الرسل، لأن بعضهم يصدق بعضا، ﴿ أَغْرَقْنَاهُمْ ﴾، :بالطوفان، ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ ﴾، إغراقهم أو قصتهم، ﴿ لِلنَّاسِ آيَةً ﴾، عبرة، ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ ﴾ :سوى عذاب الدنيا، ﴿ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾
﴿ وَعَادًا وَثَمُودَ ﴾ :عطف على قوم نوح، وناصبه محذوف، أي :لما فعلوا مثل ما فعل المذكورون عذبناهم كما فعلنا بهم، أو عطف على هم في جعلناهم على أن يكون وجعلناهم عطفا على مجموع الشرط والجزاء، ﴿ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ﴾، اختلف فيهم فمن قائل عباد الأصنام كانوا حول بئر فخسف بهم، والرس البئر الغير المطوية، أو قوم دفنوا ودسوا نبيهم في بئر أو أصحاب يسن، أو أصحاب الأخدود، أو قرى من اليمامة، ﴿ وَقُرُونًا١، أهل أعصار، ﴿ بَيْنَ ذَلِكَ ﴾ :الذين ذكرناهم، ﴿ كَثِيرًا ﴾
١ القرون جمع قرن، والقرن مائة سنة قاله قتادة، وقيل: مائة وعشرون قال زادة بن أوفى، وقيل: أربعون سنة وقيل غيرها وقد سمي الجماعة من الناس قرنا كما في الحديث الصحيح (خير القرون قرني) [كذا قال والذي في الصحيح بلفظ: (خير الناس قرني) وأما اللفظ الذي أورده لا يصح نبه على ذلك الحافظ وغيره] وأخرج الحاكم في الكني عن ابن عباس قاله: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك ثم يقول كذب النسابون) /١٢ فتح. [موضوع، انظر الضعيفة (١١١)]..
﴿ وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ ﴾، :في إقامة الحجة عليهم وأنذرناهم من وقائع أسلافهم فلم يعتبروا، نصب كلا بما دل عليه ضربنا إلخ مثل أنذرنا، ﴿ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ﴾، أي :كسرناهم وفتتناهم،
﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾، أي :مر قريش في طريق الشام بقرى قوم لوط التي أمطرت عليها الحجارة، ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ﴾، فيتعظوا بما يرون من آثار العذاب مع أنهم مروا عليها مرارا، ﴿ بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ﴾ :لا يخافونه أو لا يأملونه فلهذا لم يعتبروا،
﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا ﴾ :مهزوءا به أو موضع هزء، ﴿ أَهَذَا الَّذِي ﴾، أي :يقولون أهذا الذي، والإشارة للاستحقار، ﴿ بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ﴾، :قالوه تهكما،
﴿ إِن كَادَ ﴾، مخففة من المثقلة، ﴿ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا ﴾ :شارفنا أن نترك ديننا لفرط اجتهاده في تقوية دينه وإبطال دين غيره، ويصرفنا عن عبادتها، ﴿ لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا ﴾ :استمسكنا بعبادتها وثبتنا عليها، وجوابه ما دل عليه قبله، ﴿ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾ :جواب عن قولهم إن كاد ليضلنا :لأنهم نسبوه إلى الضلال، وفيه وعيد بأنه لا يهملهم وإن أمهلهم،
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ١هَوَاهُ ﴾، الاستفهام للتعجيب، فإن دينهم ما تهوى أنفسهم، وهم كانوا يعبدون حجرا وإذا رأوا حجرا أحسن منه ترك الأول، ﴿ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ﴾ :حفيظا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات أو ما أنت عليهم بوكيل فتمنعهم عن اتباع الهوى فالآية منسوخة،
١ قوله إلهه هواه مفعولان، والمعنى إنه يتخذ إلها إلا هواه، وليس من باب القلب فإنه من ضرورات الشعر /١٢ وجيز..
﴿ أَمْ تَحْسَبُ ﴾، :بل أتحسب، ﴿ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ١، فيسمعوا أو يعقلوا الحق خص الأكثر ؛ لأن فيهم من عقل وآمن، أو ما آمن استكبارا، ﴿ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ﴾، فإنها تنقاد لمن يتعهدها وتعرف المحسن إليه ممن يسيء، وتجتنب المضار وما لها إضلال، وإن كان لها ضلال.
١ وهذه المذمة بحسب الظاهر أشد عما قبله فحقيق بالإضراب إليه عنه / ١٢ وجيز..
﴿ أَلَمْ١ تَرَ ﴾، :تنظر، ﴿ إِلَى رَبِّكَ ﴾، :إلى صنعه، ﴿ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ﴾، وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس جعله ممدودا ؛ لأنه ظل لا شمس معه، قال تعالى : ﴿ وظل ممدود ﴾ [ الواقعة :٣٠ ] ؛ ﴿ وَلَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ﴾، :ثابتا دائما لا يزيله الشمس، ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ﴾، فإنه لو لم تكن لما عرف الظل، فإن الأشياء تعرف بأضدادها، أو جعلنا مستتبعة عليه تتلوه، وتتبعه كما يستتبع الدليل المدلول وثم لبيان أن هذا أعظم من الأول،
١ لما بين جهل المعترضين على دلائل حقية كلامه ورسوله ورد بأوضح وجه وأحكمه وأثبت عليهم كمال جهلهم، ذكر أنواعا من الدلائل على قدرته التامة العامة، فقال: ﴿ألم تر﴾ الآية /١٢..
﴿ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ﴾، أنزلنا الظل قبضا على مهل أو سهلا أو سريعا بأن أوقعنا موقعه الشمس، وفيه من المنافع ما لا تحصى والقبض في مقابلة المد، وثم هنا أيضا لبيان أن الثالث أعظم من الأولين،
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ١لِبَاسًا ﴾، :شبه الظلام في ستره باللباس، ﴿ وَالنَّوْمَ سُبَاتًا٢، راحة، ﴿ وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ﴾، بعثنا من أخ الموت، أو ذا نشور ينتشر فيه الخلق لمعايشهم وأسبابهم،
١ شرع في آية أخرى ١٢..
٢ ومنه يوم السبت، ويقال للعليل –إذا استراح من تعب العلة: مسبوت / ١٢ وجيز..
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ١ الرِّيَاحَ بُشْرًا ﴾ :مبشرات وقرئ نشرا، أي :ناشرات للحساب، ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ :قدام المطر، قد مر تفصيل معناه، وقراءته في سورة الأعراف، ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا ﴾، هو اسم لما يتطهر به كالسحور، عن بعض أن المطر منه ما ينزل من السماء، وكل قطرة منه في البر بر وفي البحر در يعني :لا يمكن أن لا يكون له فوائد، ومنه ما يسقيه الغيم من البحر، فيعذبه الرعد والبرق،
١ شرع في آية أخرى / ١٢..
﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ﴾، وصفها بمذكر لمعنى الموضع والبلد، ﴿ وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ ﴾، :جمع إنسي أو إنسان، ﴿ كَثِيرًا ﴾ :فإن بعضهم أهل مدن لا يحتاجون غاية الاحتياج إلى المطر، وخص الأنعام من الحيوانات لأنه في معرض تعداد النعم، والأنعام ذخيرة الإنسان متعلقة بهم،
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ١، المطر، ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾، مرة ببلد، ومرة بأخرى، وعن ابن مسعود مرفوعا أن ليس من سنة بأمطر من أخرى، ولكن الله قسم هذه الأرزاق، فإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله إلى غيرهم فإذا عصوا جميعا فإلى البحار والفيافي٢( * )، ﴿ لِيَذَّكَّرُوا ﴾، ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم، ﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴾ :كفران النعمة أو جحودا فإنهم قالوا مطرنا٣ بنوء٤ وكذا،
١ عن ابن عباس الضمير للقرآن لوضوح هذا الكلام فيه، ويعضده قوله: ﴿وجاهدهم به﴾ فإن الضمير فيه للقرآن بلا خلاف، وعن بعض وهو المنقول عن ابن عباس أيضا معناه صرفنا المطر مرة ببلدة، وأيضا مرة بأخرى كما نقل عن ابن مسعود مرفوعا /١٢ وجيز..
٢ أخرجه بنحوه الحاكم (٢/٤٠٢) عن ابن عباس موقوفا، وصححه وأقره الذهبي..
٣ قال النحاس: ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر هنا قولهم: مطرنا بنوء كذا، والنوء كما هو المختار سقوط من المنازل في المغرب، وطلوع رقيبه من المشرق في ساعته / ١٢..
٤ قاله عكرمة /١٢..
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾ :نبينا ينذرهم ليسهل عليك أعباء النبوة، ولكن ما فعلنا تعظيما لأجرك،
﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ﴾ :فيما يريدونك عليه، وهذا يهيج له ولأمته، ﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ ﴾ بالقرآن، ﴿ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ :لا يخالطه فتور بأن تلزمهم بالحجج والآيات أو بما يأمرك القرآن وما عملت منه،
﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ١ الْبَحْرَيْنِ ﴾ :أرسلهما في مجاريهما وخلاهما، ﴿ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ﴾ :بليغ عذوبته، ﴿ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ :هو نقيض الفرات، ﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ﴾ :حاجزا حتى لا يخلط أحدهما بالآخر، ﴿ وَحِجْرًا مَّحْجُورًا ﴾ :وهو كلمة يقولها المتعوذ كما مر في هذه السورة، كأن كلا منهما يقول لصاحبه ما يقوله المتعوذ عنه وهو كدجلة تدخل المالح فتشقه، فتجري في خلاله فراسخ ولا تختلط، وقد ذكر أن في سواحل بحر الهند مثل الدجلة، وأغرب فالحاجز محض القدرة فقط، أو المراد بالعذب الأنهار، والعيون والآبار، وبالملح البحار المعروفة، وبالبرزخ الأرض الحائل بينهما،
١ بين آية أخرى /١٢..
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ١ مِنَ الْمَاء ﴾ :النطفة، ﴿ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا ﴾ :ذوي نسب، أي :ذكورا ينسب إليهم، فيقال :فلان ابن فلان، وفلانة بنت فلان، ﴿ وَصِهْرًا ﴾ :ذوات صهر أناثا يصاهر بهن، أو النسب ما لا يحل نكاحه والصهر ما يحل، وقيل في ابتداء أمره ولدا نسبيا ثم يتزوج، فيصير صهرا، ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ :على ما يشاء،
١ ذكر آية أخرى: ١٢..
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ ﴾ :ما له كل العجز، ويتركون القادر المختار، ﴿ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ :يظاهر الشيطان على ربه بالعداوة والشرك، وقيل من ظهرت به إذا خلفته خلف ظهرك غير ملتفت إليه، أي :هينا مهينا لا وقع له عند الله،
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ١ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾، على ما أرسلت به من البشارة، والإنذار، ﴿ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ أي :لكن ما شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بإنفاق ماله في سبيله فليفعل، أو لا أطلب أجرا إلا فعل من شاء التقرب إليه كأن فعله الطاعات جعله من جنس٢ أجره إظهارا لغاية الشفقة، ودفعا لشبهة الطمع كما تقول :ما أطلب في تعليمك منك أجرا إلا عزتك،
١ ولما ذكر أن كالفر مهين غير ملتفت إليه على الله، فذكر بعده ما يدل على أن اللائق بحلل رسوله أن لا يزيد همه فيهم لما بلغ رسالته، فقال: ﴿وما أرسلناك﴾ الآية / ١٢ وجيز..
٢ ولا شك أنه ليس بأجر له /١٢ وجيز..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٦: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ١ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾، على ما أرسلت به من البشارة، والإنذار، ﴿ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ أي :لكن ما شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بإنفاق ماله في سبيله فليفعل، أو لا أطلب أجرا إلا فعل من شاء التقرب إليه كأن فعله الطاعات جعله من جنس٢ أجره إظهارا لغاية الشفقة، ودفعا لشبهة الطمع كما تقول :ما أطلب في تعليمك منك أجرا إلا عزتك،
١ ولما ذكر أن كالفر مهين غير ملتفت إليه على الله، فذكر بعده ما يدل على أن اللائق بحلل رسوله أن لا يزيد همه فيهم لما بلغ رسالته، فقال: ﴿وما أرسلناك﴾ الآية / ١٢ وجيز..
٢ ولا شك أنه ليس بأجر له /١٢ وجيز..

﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ :في الاستغناء عن أجورهم واستكفاء شرورهم فإنه باق حقيق بالتوكل عليه، ﴿ وَسَبِّحْ ﴾ :نزهه عن كل نقص، ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾، ملتبسا مثنيا بنعوت كماله، ﴿ وَكَفَى بِهِ ﴾ :كفى١ الله، ﴿ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾ :مطلعا فلا عليك إن آمنوا أو كفروا،
١ بكل اعتبار انتهى، وكفى: كلمة يراد بها المبالغة يقال: كفى بالعلم جمالا وبالأدب مالا يعني: حسبك لا تحتاج معه إلى غيره / ١٢ وجيز..
﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى١ عَلَى الْعَرْشِ ﴾، قد مر في سورة الأعراف تفصيل معناه، ﴿ الرَّحْمَنُ ﴾، خبر الذي أو خبر محذوف، ويكون الذي صفة للحي، ﴿ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا٢ أي :سل ما ذكر من الخلق والاستواء عالما يخبرك ومن أعلم من الله ؟ أو المراد سل جبريل، وقيل :أهل الكتاب ليصدقك فيه، والسؤال يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء، أو به متعلق بخبير،
١ قوله تعالى: ثم استوى على العرش قال مجاهد: استوى على العرش: علا العرش، وقال أبو العالية: استوى إلى السماء ارتفع نقل القولين البخاري في صحيحه ووقعا من النسخة الأحمدية في صفحة ١١٠٣، وقال ابن جرير ﴿ثم استوى على العرش الرحمن﴾، أي: علا وارتفع وقال في تفسير قوله: ثم استوى على العرش في كل موضعه أي: علا وارتفع نقله الذهبي في كتاب العلو / ١٢ قال الحافظ العلامة شمس الدين ابن القيم رحمه الله في خطبة النونية: فإن قيل: ما تقولون في مسألة الاستواء، قيل نقول فيها ما قال ربنا تبارك وتعالى وما قاله نبينا – صلى الله عليه وسلم- نصف الله بما وصف به نفسه، وبما وصفه به رسوله من غير تحريف ولا تعطيل ومن غير تشبيه ولا تمثيل، بل نثبت له سبحانه ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات وننفي عنه النقائص والعيوب، ومشابهة المخلوقات إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل، فمن شبه الله بخلقه فقد كفر، ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه أو ما وصفه به رسوله تشبيها فالمشبه يعبد صنما، والمعطل يعبد عدما، والموحد يعبد إلها واحدا صمدا ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، والكلام في الصفات كالكلام في الذات، فلما أنا نثبت ذاتا لا تشبه الذوات فكذا نقول في صفاته إنها لا تشبه الصفات، فليس كمثله شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله فلا نشبه صفات الله بصفات المخلوقين، ولا نزيل عنه سبحانه صفة من صفاته لأجل شناعة المشنعين، وتقليب المفترين، كما أنا لا نبغض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتسمية الروافض لنا نواصب، ولا نكذب بقدر الله ولا نجحد كمال مشيئته وقدرته لتسمية القدرية لنا بجبرية، فلا نجحد صفات ربنا تبارك وتعالى لتسمية الجهمية والمعتزلة لنا مجسمة مشبهة حشوية إلى أن قال: ونقول: إن الله فوق سماواته مستويا على عرشه بائن من خلقه ليس في مخلوقاته شيء من ذاته، ولا في ذاته شيء من مخلوقاته، وإنه سبحانه إليه يصعد الكلم الطيب، وتعرج الملائكة والروح إليه، وإنه يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه وإن المسيح رفع بذاته إلى الله وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم عرج به إلى الله حقيقة وإن أرواح المؤمنين تصعد إلى الله عند الوفاة فتعرض عليه وتقف بين يديه وإنه تعالى هو القاهر فوق عباده وهو العلي الأعلى، وإن المؤمنين والملائكة المقربون يخافون ربهم من فوقهم وإن أيدي السائلين ترفع إليه وحوائجهم تعرض عليه وإن الله سبحانه العلي الأعلى بكل اعتبار انتهى..
٢ بالرحمن فإن أهل الكتاب يعرفون ما يراد به في كتبهم وإن قريشا أنكروا إطلاقه على الله / ١٢ وجيز..
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ﴾، فإنهم ما يطلقون هذا الاسم على الله، ﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ :للذي تأمرنا بسجوده، أو لأمرك لنا، وما نعرفه وقرئ يأمرنا بالياء، فيكون هذا كلام بعضهم لبعض، ﴿ وَزَادَهُمْ ﴾، الأمر بالسجود، ﴿ نُفُورًا ﴾ :عن الإيمان.
﴿ تَبَارَكَ١ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا ﴾، :قصورا عالية هي الكواكب السبعة السيارة كالمنازل٢ لسكانها أو البروج الكواكب العظام، ﴿ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ﴾ :الشمس ومن قرأ سرجا فمراده الكواكب الكبار، ﴿ وَقَمَرًا مُّنِيرًا ﴾ :مضيئا بالليل،
١ ولما ذكر أنه خلق السموات والأرض، عقبه بما خلق في السماء، وبأعظم ما خلق في السماء من منافع السماء والأرض، فقال: ﴿تبارك الذي﴾ / ١٢ وجيز..
٢ وهو المروي عن علي وابن عباس وغيرهما وهي الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت /١٢ وجيز..
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ أي :ذوى خلفة يعقب هذا ذاك وذاك هذا، ويخلف كل واحد منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه١ في الآخر والفعلة بالكسر كالجلسة للحالة، وبالفتحة للمرة، ﴿ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ﴾ :لينظر في اختلافهما فيعلم أن له صانعا قادرا حكيما، ﴿ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾ :أن يشكر الله أو ليكونا وقتين للمتذكرين، والشاكرين من فاته ورده في أحدهما قام به في الآخر،
١ قاله ابن عباس /١٢ وجيز..
﴿ وَعِبَادُ١ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾، هينين أو مشيا هينا بسكينة ووقار من غير جبرية، واستكبار لا مشي المرضى، فإنه مكروه وهو مبتدأ خبره الذين يمشون، أو أولئك يجزون الغرفة، ﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا٢، أي :إذا خاطبوهم بما يكرهون قالوا سدادا من القول يسلمون فيه من الإثم أو تسليما منكم لا خير بيننا ولا شر قال تعالى : ﴿ وإذا سمعوا اللغو ﴾ الآية [ القصص :٥٥ ]، وعن الحسن البصري قالوا :السلام، وفي الحديث ما يؤيده،
١ ولما أنه جعلهما خلفة لمن أراد الذكر والشكر عرفه وبينه فقال: ﴿وعباد الرحمن﴾ الآية / ١٢ وجيز..
٢ ويسمى هذا سلام متاركة قال تعالى: ﴿وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه) الآية [القصص: ٥٥]، يعني يتركونه ولا يعارضونه فإن من عارض جاهلا فهو مثله، وعدم معارضة الجاهل من تتمة الوقار، ولهذا لم يقل والذين إذا خاطبهم الجاهلون / ١٢ وجيز. في الفتح قال النضر بن شميل حدثني الخليل قال: أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من أعلم من رأيت فإذا هو على سطح فسلمنا فرد علينا السلام، وقال لنا استووا فبقينا متحيرين ولم ندر ما قال، فقال لنا: أعرابي إلى جنبه: أمركم أن ترتفعوا قال الخليل: هو من قول الله: (ثم استوى إلى السماء﴾ فصعدنا إليه فقال: هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير ؟ فقلنا: الساعة فارقناه، فقال: سلاما فلم ندر ما قال فقال الأعرابي: إنه سالمكم متاركة لا خير فيها، ولا شر قال الخليل: هو من قول الله عز وجل: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾، قال الحسن: هذا وصف نهارهم ثم وصف ليلتهم بقوله: ﴿والذين يبيتون﴾ الآية /١٢..
﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا١، تخصيص البيتوتة، لأن الصلاة بالليل أفضل،
١ المراد إحياء تمام الليلة أو أكثره بالصلاة، فالقيام والسجود حالان من أحوال الصلاة والبيتوتة أن يدركك الليل نمت أو لم تنم والصلاة في الليل أفضل، قال تعالى: ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ الآية [السجدة: ١٦] /١٢ وجيز..
﴿ وَالَّذِينَ١يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾، هلاكا ملحا٢لازما،
١ فيه إيذان بأنهم مع اجتهادهم في العبادة خائفون مبتهلون في صرف العذاب عنهم لا معجبون بعبادتهم /١٢ وجيز..
٢ من ألح السحاب، أي: دام مطره وأقام /١٢..
﴿ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾، مستقرا مفسر لضمير مبهم في ساءت، والمخصوص بالذم المقدر هو سبب الربط بين اسم إن وخبرها، أي :بئست مستقرا هي، قيل :التعليلان من كلام الله أو حكاية لكلامهم،
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ :ليسوا مبذرين، ولا بخلاء، بل يكون إنفاقهم عدلا وسطا١، وقواما إما خبر ثان أو حال مؤكدة، وقد فسر بعض المفسرين الإسراف بالنفقة في معصية الله وإن قلّت، والإقتار بمنع حق الله، وليت شعري كيف يصح مع قوله، وكان إنفاقهم بين الإسراف، والتقتير قواما فتأمل،
١ وعن عمر من اشترى أي شيء اشتهى فهو مسرف / ١٢ وجيز..
﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾، قتلها، ﴿ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾، :متعلق بلا يقتلون، أو بالقتال المقدر، ﴿ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ﴾، جزاء إثمه، أو الآثام واد، أو بئر في جهنم،
﴿ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾، يدل من يلق أثاما، ﴿ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ﴾، وتضعيف العذاب والخلود فيه لانضمام الكبيرة إلى الكفر،
﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾، أي :تنقلب بنفس التوبة النصوح فإنه كلما تذكر ما مضى تحسر وندم واستغفر، فيقلب الله ذنبه طاعة، فالعبد يتمنى أن تكون سيئاته أكثر من ذلك، والأحاديث الصحاح تدل على هذا المعنى، أو أنه يمحوها ويثبت مكانها الإيمان، وما عمل من الطاعة في إسلامه، ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا١ رَّحِيمًا ﴾، فلذلك يعفو عن السيئات، ويبدلها،
١ والظاهر من الآية قبول توبة المسلم القاتل بغير حق /١٢ وجيز..
﴿ وَمَن تَابَ ﴾، عن المعاصي، ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ ﴾، يرجع إليه بذلك، ﴿ مَتَابًا١ :مرضيا عنده، أو يرجع إلى ثوابه مرجعا حسنا،
١ أو المراد من تاب فقد تاب إلى من له اللطف الشامل والرحمة الواسعة / ١٢ وجيز..
﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ :لا يحضرون محاضر الباطل، أو لا يقيمون الشهادة الباطلة، ﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ ﴾ :المعاصي كلها لغو، ﴿ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ :مكرمين أنفسهم عما يشينهم مسرعين معرضين يعني لم يحضروا مجالسه، وإذا اتفق مرورهم به لم يتدنسوا بشيء،
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ :وعظوا بالقرآن، ﴿ لَمْ يَخِرُّوا ﴾، :لم يسقطوا ولم يقيموا، ﴿ عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾، يعني لم يقيموا عليها غير واعين ولا غير متبصرين بما فيها، بل سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية، فالنفي متوجه إلى القيد١،
١ أي: ليس نقيا للخبر بل هو إثبات له ونفي للصمم والعمى نحو: لا يلقاني زيد مسلما هو نفي للسلام لا للقاء /١٢ وجيز..
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ :يسألون أن تكون أزواجهم وأولادهم مطيعين لله أبرارا تقر بهم١ عيونهم ويسرون برؤيتهم، ومن بيانية كرأيت منك أسدا أو ابتدائية، ﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ :أئمة يقتدي بنا في الخبر، ولنا نفع متعد إلى٢ غيرنا، وحّد إماما لأن المراد كل واحد، أو لأن مجموع لاتحاد طريقتهم كنفس واحدة، أو لدلالته على الجنس، ولا لبس قيل :جمع أم أي :اجعلنا قاصدين تابعين للمتقين،
١ مأخوذ من القر وهو البرد، يقال: أقر الله عينك وأسخن عين عدوك فقيل: دمع السرور بارد ودمع الحزن حار /١٢..
٢ كالأنبياء / ١٢ منه..
﴿ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ ﴾ :الدرجة الرفيعة في الجنة، وهي اسم جنس أريد به الجمع، ﴿ بِمَا صَبَرُوا ﴾ :على طاعة الله وبلائه وعن محارمه، ﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ﴾ :تحييهم الملائكة، وتسلم عليهم، وبعضهم بعضا لقاهم كذا أي :استقبالهم به،
﴿ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾، مقابل ساءت مستقرا ومقاما في المعنى والإعراب،
﴿ قُلْ١ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ :ما يصنع بكم، ﴿ رَبِّي ﴾ :لا وزن ولا مقدار لكم عنده، ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ٢ إيمانكم وعبادتكم، أو ما يعبأ بخلقكم لولا عبادتكم يعني أن خلقكم لعبادته، أو ما يبالي مغفرتكم لولا دعاءكم معه آلهة أخرى، أو ما يفعل بعذابكم لولا شرككم، وما إن كانت استفهامية نصبت على المصدر، أي :أي :عبأ يعبأ بكم، ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ :بما أخبرتكم به، حيث خالفتموه، ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ ﴾ :التكذيب أي :جزاؤه، ﴿ لِزَامًا ﴾ :لازما لا ينفك عنكم.
اللهم اجعلنا ممن أحسنت مستقرهم ومقامهم.
١ لما ختم أوصاف عباد الرحمن بالدعاء والإخلاص وذكر حسن جزائهم أمر الرسول النذير بأن يقول لمن تكبر عن سجود الرحمن فقال: ﴿قل ما يعبأ بكم﴾ الآية / ١٢ وجيز..
٢ قيل: معناه ما يعبأ بعذابكم في الدنيا لولا دعائكم في الشدائد فالعذاب لنفعكم كما قال الله: ﴿فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون﴾ [الأنعام: ٤٢] / ١٢ وجيز..
السورة التالية
Icon