0:00
0:00

سورة الفرقان
آياتها سبع وسبعون وهي مكية

﴿ تبارك ﴾ تفاعل من البركة وهي كثرة الخير يعني تكاثر خيره وهذه الصيغة لا يتصرف فيه ولا يستعمل إلا لله تعالى قال ابن عباس معناه جاء كل بركة من قبله كذا قال الحسن وقيل معناه تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله فإن البركة تتضمن معنى الزيادة ومن هاهنا قال الضحاك معناه تعظم ﴿ الذي نزل الفرقان ﴾ مصدر فرق بين الشيئين إذ فصل بينهما سمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل بتقريره والمحق والمبطل بإعجازه أو لكونه مفصولا بعضه عن بعض في الإنزال رتب الله سبحانه قوله تبارك على إنزال القرآن لما فيه من كثرة الخير ولدلالته على تعظمه سبحانه وتعاليه ﴿ على عبده ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ ليكون ﴾ أي العبد أو الفرقان ﴿ للعالمين ﴾ أي الإنس والجن عامة وعموم الرسالة من خصائصه صلى الله عليه وسلم ﴿ نذيرا ﴾ أي منذرا أو إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار وهذه الجملة وإن كانت في حيز الإنكار لأهل مكة المخاطبين بها ولا بد من أن تكون الصلة معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى المعلوم
﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾أي سلطانه والموصول بدل من الأول وجاز الفصل بين البدل والمبدل منه بقوله ليكون لأن المبدل منه أي الموصول مع الصلة وقوله ﴿ ليكُونُ ﴾ من متعلقات الصلة تعليل له فكان المبدل منه لم يتم إلا به وجاز أن يكون الموصول مرفوعا بتقدير المبتدأ أي هو أو منصوبا بتقدير أعني أو أمدح ﴿ ولَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ﴾ كما زعم النصارى ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ كما يقول المجوس والثنوية أثبت له الملك مطلقا ونفى ما يقاومه فيه ثم نبه على ما يدل عليه فقال ﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ يعني أحدث كل شيء مراعى فيه التقدير كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة على صورة وأشكال معينة ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ فسواه وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال كتهيئة الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة أو المعنى فقدره للبقاء إلى أجل مسمى وقد يطلق الخلق لمجرد الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاستقامة فيكون المعنى أوجد كل شيء فقدره في إيجاده حتى لا يكون متفاوتا وقيل قدر لكل شيء تقديرا من الأجل والعمل والرزق فجرت المقادير على ما خلق ولما تضمن الكلام إثبات التوحيد والنبوة أخذ في الرد على من أنكرهما في بيان نقص آلهتهم الباطلة فقال ﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾
﴿ وَاتَّخَذُوا ﴾ أي المنذرون يدل عليه قوله ﴿ نَذِيرًا ﴾ والمراد كفار مكة والجملة معطوفة على قوله تبارك ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ أي غير الله من زائدة وهو في محل النصب على الحال من قوله آلهة ﴿ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا ﴾ من الجواهر والأعراض والأعمال والأحوال صفة الآلهة ﴿ وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ حيث خلق الله كل شيء وهذا المعنى يعم الآلهة الباطلة كلها وإن كان المراد بالآلهة الأصنام فجاز أن يكون المعنى وهم ينحتون ويصورون أي حصلت لهم صورهم بكسب عبدتهم والجملة معطوفة على ما سبق أو حال أو رد صيغة المضارع والمعنى على الماضي للاستحضار ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ ﴾ أي لا يقدرون ﴿ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا ﴾ أي دفع ضر أريد بهم ﴿ إن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه منه ﴾ ١ ﴿ وَلَا نَفْعًا ﴾ ولا جلب نفع وهذا حال الأصنام بل حال كل شيء سوى الله تعالى فإن عيسى وعزيرا والملائكة مع علو مرتبتهم ﴿ لا يملكون لأنفسهما نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ﴾ قال الله تعالى : ﴿ قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ﴾ ٢ ﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾ يعني لا يملكون إماتة أحد ولا إحياءه أولا ولا بعثه ثانيا وهذه الأمور من لوازم الألوهية فكل من ليس كذلك فليس بإله وفيه إشارة إلى أن الإله يجب أن يكون قادرا على البعث والجزاء
١ سورة الحج الآية: ٧٣..
٢ سورة الأعراف الآية: ١٨٨..
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ عطف على اتخذوا وضع الظاهر موضع الضمير للإشعار بأن إنكار النبوة كفر كإنكار التوحيد وذلك لأن التوحيد على ما ينبغي لا يتأتى بمجرد العقل بل حقيقة التوحيد ما ورد به الشرع ألا ترى إلى الفلاسفة وأمثالهم كيف خطبوا في الإلهيات حتى ضلوا وأضلوا في الصحيحين عن ابن عباس في قصة وفد عبد القيس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أتدرون ما الإيمان بالله وحده ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال :أن تشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ١ الحديث ﴿ إِنْ هَذَا ﴾ أي القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ إِلَّا إِفْكٌ ﴾ أي كذب مصروف عن وجهه يعني ليس هذا من كلام الله كما يقول محمد صلى الله عليه وسلم بل ﴿ افْتَرَاهُ ﴾ ويعني اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَأَعَانَهُ ﴾ أي محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ عَلَيْه ﴾ أي على اختلاق القرآنِ ﴿ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ قال مجاهد يعنون اليهود وقال الحسن عبيد بن الحصر الحبشي الكاهن وقيل جبر ويسار وعداس عبيد كانوا بمكة من أهل الكتاب زعم المشركون أن محمدا صلى الله عليه وسلم يأخذ منهم ﴿ فَقَدْ جَاؤُوا ﴾ يعني قائلي هذه المقالة ﴿ ظُلْمًا ﴾ حيث حكموا على الكلام المعجز بكونه إفكا مختلفا متلفقا من اليهود ﴿ وَزُورًا ﴾ حيث نسبوا الإفتراء إلى من هو برئ منه قال البيضاوي أتى وجاء يطلقان بمعنى فعل فيعديان تعديته وقيل هذان منصوبان بنزع الخافض تقديره فقد جاءوا بظلم وزور
١ أخرجه البخاري في كتاب: الإيمان باب: أداء الخمس من الإيمان (٥٣) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وشرائع الدين (١٧)..
﴿ وَقَالُوا ﴾ عطف على ﴿ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي قال بعضهم يعني النضر بن الحارث فإنه كان يقول القرآن ليس من الله إنما هو ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ يعني مما سطره أي كتبه الأولون أي المتقدمون مثل قصة رستم واسفنديار ﴿ اكْتَتَبَهَا ﴾ أي استكتبها محمد صلى الله عليه وسلم من جير ويسار وعداس وأمثالهم ﴿ فَهِيَ ﴾ أي تلك الأساطير ﴿ تُمْلَى ﴾ أي تقرأ ﴿ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ ليحفظها فإنه أمي لا يقدر أن يكتب ولا أن يكرر من الكتاب.
﴿ قُلْ ﴾ استئناف فإنه في جواب ماذا أقول لهم يعني له لهم ردا عليهم ليس الأمر كما قلتم بل ﴿ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ كما يدل على ذلك إعجازه البلغاء عن آخرهم عن معارضته وكونه مشتملا على علوم لا يعلمها إلا عالم السر والخفيان فكيف تحكمون عليه بكونه من كلام البشر من المتأخرين أو المتقدمين ﴿ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ فلذلك لا يعجلكم بالعقوبة على ما تقولون مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم إياها
﴿ وَقَالُوا ﴾ عطف على ﴿ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ يعني وقالوا في مقام الاستدلال على إنكارهم النبوة ﴿ مَالِ هَذَا الرَّسُولِ ﴾ أي ما لهذا الذي يدعي الرسالة وفيه إستهانة وتهكم ﴿ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ﴾ كما يأكل أحدنا حال من المشار إليه والعامل فيه معنى الإشارة ﴿ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ كما يمشي أحدنا يعني لو كان نبيا لامتاز عن غيره من الناس وليس فليس قال البغوي كانوا يقولون لست أنت بملك لأنك تأكل والملك لا يأكل ولست بملك لأن الملك لا يتسوق وأنت تتسوق وتتبدل قلت كلامهم هذا فاسد لأنه صلى الله عليه وسلم لم يدع الملكية ولا السلطان بل قال : ﴿ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ ﴾١ فادعاؤه النبوة غير مناف لأكل الطعام والمشي في الأسواق الذي هو مقتضى البشرية التي هي من لوازم النبوة لان النبي لا يكون إلا بشرا لان المجانسة شرط للإفاضة والاستفاضة قال الله تعالى : ﴿ قُل لَّوْ كَانَ فِي الأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاء مَلَكًا رَّسُولاً ﴾ ٢﴿ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ﴾ نراه﴿ فَيَكُونَ ﴾ جواب لولا معنى هلا منصوب بتقدير أن بعد الفاء﴿ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ فنعلم صدقه بتصديق الملك جملة لولا مع جوابه بدل إشتمال من الجملة السابقة يعني ما لهذا الرسول بشرا ليس ملكا قويا بذاته ولا مؤيدا بأحد الأمور الثلاثة المذكورة أنزل إليه ملك
١ سورة الكهف الآية: ١١٠..
٢ سورة الإسراء الآية ٩٥..
﴿ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ ﴾من السماء﴿ كَنزٌ ﴾ ينفقه فلا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش ﴿ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ صفة لجنة قرأ حمزة والكسائي نأكل بالنون على صيغة المتكلم مع الغير ذكروا كلا من الثلاثة على سبيل التنزل يعنون أنه إن كان رسولا كان ملكا وإن لم يكن ملكا كان معه ملك يصدقه وإن لم يكن كذلك كان يلقي إليه من السماء كنز وإن لم يكن كذلك فلا أقل أن يكون له بستان كما يكون المدهاقين والمياسير فيعيش بربحه﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ ﴾ وضع الظالمين موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوا﴿ إِن تَتَّبِعُونَ ﴾ أيها المسلمون أحدا حين تتبعون محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ﴾ يعني سحر فغلب على عقله وقيل أي مخدوعا وقيل مصروفا عن الحق وقيل مسحورا أي ذا سحر وهو الرئة أي بشرا وقيل هو مفعول بمعنى الفاعل
﴿ انظُر ﴾ يا محمد﴿ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ ﴾ كيف ظرف متعلق بضربوا قدم عليه لتضمنه مصدر الكلام والجملة بتأويل المفرد مفعول لا نظر أي انظر على كيفية ضربهم الأمثال أي الأشباه يعني جعلوك مثل المفترين والقاصين حتى حكموا عليه بالافتراء واستكتاب القصص ومثل المسحورين ومثل من يدعي الملكية والسلطنة حتى حكموا عليك باستحالته الأكل والتسوق واستلزام لوازم الأغنياء والسلاطين من الكنز والجنة ( فضلوا ) عطف على ضربوا أي كيف ضربوا وكيف ضلوا عن الطريق الموصل إلى الحق ومعرفة نبوتك بمعرفة خواص الأنبياء من كونه بشرا معصوما يوحى إليه من ربه ومعرفة ما يميز بينه وبين المتنبي من المعجزات الدالة على نبوته﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ إلى الرشد والهدى عطف على ضلوا أو المعنى ضربوا لك أمثالا متناقضة فلا يستطيعون سبيلا إلى القدح في نبوتك لان الكلام المتناقض ساقط والله أعلم.
أخرج ابن أبي شيبه في المصنف وابن جرير وابن أبي حاتم عن خيثمة قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم إن شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها لا ينقص ذلك عندنا شيئا في الآخرة وإن شئت جمعتها لك في الآخرة قال لا أجمعهما لي في الآخرة فنزلت ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ ﴾ في الدنيا ﴿ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ ﴾الذي قالوا من الكنز والبستان ولكن أخره للآخرة لأنه خير وأبقى خيرا مفعول أول لجعل ولك مفعول ثان له قال البغوي وروى عن عكرمة عن ابن عباس قال يعني خيرا من المشي في الأسواق والتماس المعاش ثم بين ذلك الخير بقوله ﴿ جَنَّاتٍ ﴾ فهو بدل من خيرا ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ صفة لجنات ﴿ وَيَجْعَل لَّكَ ﴾ عطف على جعل قرأ ابن كثير وابن عامر برواية أبي بكر بالرفع والباقون بالجزم لان الشرط إن كان ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع ويجوز أن يكون الرفع على استئناف على أنه وعد بما يكون له في الآخرة ﴿ قُصُورًا ﴾ أي بيوتا مشيدة والعرب تسمي كل بيت مشيد قصرا روى أحمد والترمذي وحسنه عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما " ١ وفي رواية عند البغوي أو قال ثلاثا ونحو هذا " فإذا جعت تضرعت إليك وإذا شبعت حمدتك وشكرتك " وعن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو شئت لسارت معي جبال الذهب جاءني ملك إن حجزته لتساوى الكعبة فقال إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول إن شئت نبيا عبدا وإن شئت نبيا ملكا فنظرت إلى جبريل فأشار إلى أن ضع نفسك فقلت نبيا عبدا قالت فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لا يأكل متكئا ويقول آكل كما يأكل العبيد وأجلس كما يجلس العبيد " ٢
١ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه (٢٣٤٧)..
٢ رواه أبو يعلي وإسناده حسن انظر: مجمع الزوائد في كتاب علامات النبوة باب: في تواضعه صلى الله عليه وسلم (١٤٢١)..
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ﴾ عطف على قالوا يعني قالوا ذلك بل قالوا أعجب من ذلك أو متصل بما يليه يعني بل قصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فكذبوك وطعنوا فيك بالفقر وبما تحلوا من المطاعن الفاسدة أو المعنى بل كذبوا بالساعة فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب ويصدقونك بما وعد الله لك في الآخرة أو فلا تعجب تكذيبهم إياك فإنه أعجب منه ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ عطف على كذبوا ﴿ لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴾ نارا شديد الإسعار وقيل اسم لجهنم فيكون صرفه باعتبار المكان
﴿ إِذَا رَأَتْهُم ﴾ أي إذا رأت النار الكفار حمل بعض المحققين إسناد الرؤية إلى النار على الحقيقة لما قال البغوي إنه روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده بين عيني النار قالوا وهل لها عينين ؟ قال ألم تسمع قول الله تعالى ﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيد ﴾.
﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيد ﴾ وقيل الإسناد مجازي فقيل والتقدير إذا رأتهم زبانيتها على حذف المضاف وقيل يعني إذا كانت بمرأى من الأخرىٍ ﴿ مِّن مَّكَانٍ بَعِيد ﴾ قال الكلبي من مسيرة مائة عام وقيل من مسيرة خمس مائة سنة ﴿ سَمِعُوا ﴾ أي الكفار ﴿ لَهَا ﴾ أي للنار ﴿ تَغَيُّظًا ﴾ أي صوت تغيظ هي صوت غليانها شبيها بصوت المتغيظ ﴿ وَزَفِيرًا ﴾ وهو صوت يسمع من جوفه والجملة الشرطية صفة لسعير وتأنيث ضمير رأتهم لأنه بمعنى النار أو جهنم
﴿ وإذا ألقوا ﴾ يعني الكفار عطف على الشرطية الأولى ﴿ مِنْهَا ﴾ أي من جهنم حال مما بعده ﴿ مَكَانًا ﴾ ظرف لألقوا ﴿ ضَيِّقًا ﴾ لزيادة العذاب فإن الكرب مع الضيق والروح مع السعة قرأ ابن كثير بسكون الياء والباقون بتشديدها أخرج ابن أبي حاتم عن يحيي بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن هذه الآية قال :" والذي نفسي بيده ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط " وأخرج عن ابن عمر في الآية قال مثل الزج في الرمح وقال ابن المبارك من طريق قتادة قال ذكر لنا أن عبد الله كان يقول :ان جهنم لتضيق على الكافرين كضيق الزج على الرمح فأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا والبيهقي عن ابن مسعود قال إذا ألقي في النار من يخلد في النار جعلوا في توابيت من حديد فيها مسامير من حديد ثم جعلت تلك التوابيت في توابيت من حديد ثم قذفوا في أسفل جهنم فما يرى أحدهم أنه يعذب غيره واخرج أبو نعيم والبيهقي عن سويد بن غفلة نحوه﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ حال من الضمير المرفوع في ألقوا يعني وقد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل وقيل مقرنين مع الشياطين ﴿ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ﴾ جزاء للشرط
قال ابن عباس يعني ويلا وقال الضحاك هلاكا أخرج أحمد والبزار وابن أبي حاتم والبيهقي بسند صحيح عن أنس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من بعده وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم حتى يقفوا على النار " فيقال لهم ﴿ لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا ﴾ استئناف كأنه في جواب ماذا يقال لهم حين يدعون ثبورا يعني هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة وذلك لان عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته أو لأنه يتجدد كقوله تعالى : ﴿ كلما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ ﴾ ١ أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبورا
١ سورة النساء الآية ٥٦..
قال الله تعالى ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد استئناف ﴿ أذَلِكَ ﴾ الذي ذكرت لك من صفة النار وأهلها أو أذلك الكنز والجنة التي في الدنيا ﴿ خَيْرٌ ﴾ من جنة الخلد ﴿ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْد ﴾ خير من ذلك استفهام تقرير للتقريع معِ ألهتكم والتوبيخ للكفار وإضافة الجنة إلى الخلد للمدح أو للدلالة على خلودها أو للتميز عن جنات الدنيا ﴿ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ﴾ العائد إلى الموصول محذوف والمراد بالمتقين من يتقي الشرك والتكذيب بدلالة مقابلة الكفار وان الجنة جزاء لكل مؤمن ﴿ كانت لهم ﴾ في علم الله أو اللوح المحفوظ أو لان ما وعد الله في تحققه كالواقع ﴿ جزاء ﴾ ثوابا على أعملهم﴿ ومصيرا ﴾ مرجعا ينقلبون إليه التنكير فيها للتعظيم وجزاء ومصيرا حالان من الضمير المرفوع في كانت أو خبر ثان له وجملة كانت لهم حال من المفعول المقدر لوعد أي ( جنة الخلد التي وعد المتقون إياها وقد كانت لهم جزاء ومصيرا ) أو حال من المتقون والرابط ضمير لهم
﴿ لهم فيها ﴾ أي في الجنة ﴿ ما يشاءون ﴾ العائد محذوف أي ﴿ ما يشاؤونه ﴾ العائد محذوف أي ما يشاؤونه من النعيم يعني على ما يليق برتبته إذ الظاهر ان الناقص لا يدرك ما يدركه الكامل بالتشهي وفيه تنبيه على أن جميع المرادات لا يحصل إلا في الجنة ﴿ خالدين ﴾ حال من أحد ضمائرهم ﴿ كان ﴾ الضمير الراجع إلى ما يشاءون ﴿ على ربك وعدا ﴾ أي موعودا من الله وكلمة على للوجوب استعمل لاستحالة الخلف في الموعود ولا يلزم منه الإلجاء لان تعلق الإرادة بالموعود مقدم على الوعد الموجب للإنجاز وهو تحقق الاختيار ﴿ مسؤولا ﴾ أي حقيقيا بأن يسأل ويطلب أو مسؤولا سأله الناس في دعائهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾ ١ قال محمد بن كعب القرظي كان مسؤولا من الملائكة بقولهم﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ ٢.
١ سورة آل عمران الآية ١٩٤..
٢ سورة غافر الآية: ٨..
﴿ ويوم يحشرهم ﴾ متعلق بقالوا سبحانك وجملة قالوا سبحانك مع متعلقاتها عطف على ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ قرأ ابن كثير وأبو جعفر ويعقوب وحفص بالياء على الغيبة والباقون بالنون على التكلم والتعظيم ﴿ وما يعبدون من الله ﴾ أي كل معبود سواه عبد بالباطل عاقلا كان أو غير عاقل لان كلمة ما يعمهما على الأصح وقال مجاهد يعني من الملائكة والجن وعيسى وعزير لهؤلاء بقرينه السؤال والجواب وقال عكرمة والضحاك والكلبي يعني الأصنام لأن ما لغير ذوي العقول وهذا القول محمول على أن الله سبحانه يجعلها في الآخرة ذات حياة ونطق فتنطق كما تنطق الجوارح والأمكنة ونحو ذلك ﴿ فيقول ﴾ للمعبودين بالباطل عطف على يحشر قرأ ابن عامر بالنون على التكلم والتعظيم والباقون بالياء أي الغيبة أي يقول الله سبحانه لهم ﴿ ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء ﴾ بدل من عبادي يعني أضللتم إياهم بدعوتكم إياهم إلى عبادة أنفسكم أم هم ضلوا السبيل } أي معرفة الحق لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد النصيح الفصيح وهو استفهام تقريع وتبكيت للعبيد وأصله أضللتم أم ضلوا فغير النظم ليلي حرف الاستفهام المقصود بالسؤال وهو المتولى للفعل دون نفس الفعل لأنه قطعي لا شبهة فيه وإلا لما توجه العتاب
﴿ قالوا ﴾ أورد صيغة الماضي للمستقبل لتحقق الوقوع ﴿ سبحانك ﴾ تعجبا لما قيل لهم لعصمتهم إن كانوا ملائكة أو أنبياء أو لعدم قدرتهم على الإضلال إن كانوا جمادات أو غير ذلك أو إشعارا بأنهم الموسومون بتسبيحه وتحميده حيث قال الله تعالى : ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ﴾ ١ فكيف يليق بهم إضلال عبيده أو تنزيها لله تعالى من أن يكون له شريك ﴿ ما كان ينبغي لنا ﴾ جملة ينبغي خبر كان واسمه ضمير الشأن ﴿ أن نتخذ من دونك من أولياء ﴾ من مزيدة لتأكيد النفي أي أن ما يصح لنا أن نوالي أحدا غيرك للعصمة وعدم القدرة فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا على أن يتخذ وليا دونك ولهذا جواب صحيح للأنبياء والملائكة وكذا للجمادات وأما من ادعى في الدنيا ألوهية باطلة من شياطين الجن والإنس فهذا الجواب منهم كقولهم ﴿ والله ربنا ما كنا مشركين ﴾٢ وكقول الشيطان ﴿ لما قضى الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم وما كان لي عليكم من سلطان ﴾ ٣ الآية ﴿ ولكن متعتهم وآباءهم ﴾ بطول العمر والصحة وأنواع النعم فاستغرقوا في الشهوات ﴿ حتى نسوا الذكر ﴾ عطف على متعتهم يعني حتى غفلوا عن ذكرك وتذكر آلائك والتدبر في آياتك المنصوبة الدالة على ذلك وعن احتياجهم إليك أو تركوا الموعظة والإيمان بالقرآن فهو نسبة للضلال إليهم من حيث أنه بكسبهم وإسناد له إلى ما فعل الله بهم فحملهم عليه فهذه الآية حجة لنا على المعتزلة لا لهم علينا ﴿ وكانوا ﴾ في قضائك عطف على نسوا ﴿ قوما بورا ﴾ أي هلكي مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع وقيل جمع بائر كعائذ وعوذ
١ سورة الإسراء الآية ٤٤..
٢ سورة الأنعام الآية: ٢٣..
٣ سورة إبراهيم الآية: ٢٢.
﴿ فقد كذبوا ﴾ خطاب مع المشركين في الدنيا يعني فسيكذبكم في الآخرة آلهتكم التي تعبدونها أو رد صيغة الماضي للقطع بوقوعها كما في قوله تعالى : ﴿ إذا السماء انشقت١ ﴾ ١ وجاز أن يكون بتقدير القول يعني فنقول حينئذ للمشركين فقد كذبكم المعبودون ﴿ بما تقولون ﴾ الباء بمعنى في أي في قولكم أنهم آلهة أو هؤلاء أضلونا وجاز أن يكون ﴿ بما تقولون ﴾ بدل اشتمال من الضمير المنصوب في ﴿ كذبوكم ﴾ يعني كذبوا قولكم ﴿ فما تستطيعون ﴾ عطف على فقد كذبوكم قرأ حفص بالتاء على الخطاب للعابدين والباقون بالياء على أن الضمير راجع إلى المعبودين ﴿ صرفا ؟ ﴾ أي لا يستطيع المعبودون صرف العذاب عنكم ﴿ ولا نصرا ﴾ لكم أو لا تستطيعون أنتم صرف العذاب عن أنفسكم ولا نصر أنفسكم وقيل الصرف الحيلة ومنه قول العرب انه يتصرف أي يحتال ﴿ ومن يظلم منكم ﴾ أيها الناس ﴿ نذقه عذابا كبيرا ﴾ إن كان المراد بالظلم الشرك فالجزاء لازم إجماعا وإن كان يعم الكفر والفسق فاقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقا وهو التوبة والإحباط بالطاعة إجماعا وبالعفو عندنا أخرج الواحدي من طريق جويبر والبغوي عن الضحاك عن ابن عباس وابن جرير نحوه من طريق سعيد أو عكرمة عنه أنه لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاتحة ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل ﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾.
١ سورة الانشقاق الآية ١.
﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ يعني إلا رسلا أنهم ليأكلون فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه والمعنى إلا رسلا آكلين الطعام والماشين في الأسواق كقوله تعالى : ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم١٦٤ ﴾١ أي ما منا من أحد إلا من له مقام معلوم وجاز أن يكون حالا اكتفى منها بالضمير يعني ﴿ ما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين ﴾ في حال من الأحوال إلا والحال إنهم ليأكلون وجملة ما أرسلنا معترضة لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ أي بلية فالغني فتنة للفقير يقول الفقير مالي لم أكن مثله والصحيح فتنة للمريض والشريف للوضيع وقال ابن عباس أي جعلت بعضكم لبعض بلاء لتصبروا على ما تسمعون فيهم وترون من خلافهم وتتبعوا الهدى وقيل نزلت في إبتلاء الشريف بالوضيع وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم فرأى الوضيع قد أسلم قبله أنف وقد أسلم بعده فيكون له على الشريف السابقة والفضل فيقيم على الكفر ويمتنع عن الإسلام فذلك افتتان بعضهم ببعض وهذا قول الكلبي وقال مقاتل نزلت في أبي جهل والوليد بن عتبة والعاص بن وائل والنضر بن الحارث وذلك أنهم إذا رأوا أبا ذر وابن مسعود وعمارا وبلالا وصهيبا وعامر بن فهيرة قالوا نسلم ونكون مثل هؤلاء وقال قتادة نزلت في ابتلاء المؤمنين بالمستهزئين من قريش كانوا يقولون أنظروا الذين اتبعوا محمدا من موالينا ورذالتنا فقال الله تعالى لهؤلاء المؤمنين ﴿ أتصبرون ﴾ على هذه الحالة من الفقر والشدة والأذى فتؤجروا أم لا تصبرون فتزدادوا غما على غمكم وحاصل المعنى اصبروا ﴿ وكان ربك بصيرا ﴾ بمن صبر وجزع عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والجسم فلينظر إلى من هو أسفل منه " ٢ رواه الشيخان في الصحيحين وأحمد.
١ سورة الصافات الآية: ١٦٤..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق باب: لينظر إلى من هو أسفل منه ولا ينظر إلى من هو فوقه (٦٤٩٠) وأخرجه مسلم في أوائل كتاب الزهد والرقائق (٢٩٦٣)..
﴿ وقال ﴾ عطف على ﴿ قال الذين كفروا ﴾ ﴿ الذين لا يرجون ﴾ أي لا يأملون ﴿ لقاءنا ﴾ بالخير لإنكارهم البعث ولا لقاءنا بالشر إما مجاز أو إما على لغة تهامة، قال الفراء إن الرجاء بمعنى الخوف على لغتهم ومنه قوله تعالى : ﴿ ما لكم لا ترجون لله وقارا١٣ ﴾ ١ أي لا يخافون لله عظمة، وأصل اللقاء الوصول إلى الشيء، ومنه الرؤية فإنه وصول إلى المرئي، والمراد به الوصول إلى جزائه ﴿ لولا ﴾ أي هلا ﴿ أنزل علينا الملائكة ﴾ فيخبروننا بصدق محمد أو يكونون رسلا من الله إلينا ﴿ أو نرى ربنا ﴾ فيأمرنا بإتباعه ﴿ لقد استكبروا ﴾ جواب قسم محذوف ﴿ في ﴾ شأن ﴿ أنفسهم ﴾ حيث طلبوا لأنفسهم ما ينفق لأفراد من الأنبياء الذين هم أكمل خلق الله في أكمل أوقاتها وما هو أعظم من ذلك ﴿ وعتوا ﴾ تجاوزوا الحد في الظلم وقال مجاهد طغوا وقال مقاتل علوا في القول وقال البغوي العتو أشد الكفر وأفحش الظلم ﴿ عتوا كبيرا ﴾ بالغا أقصى مراتبه حيث طلبوا رؤية الله ولا شيء فوق ذلك وقيل عتوهم أنهم عاينوا المعجزات الباهرة فأعرضوا عنها وطلبوا لأنفسهم الخبيثة ما تقطعت دونه أعناق الطالبين الكاملين.
١ سورة نوح الآية: ١٣..
﴿ يوم يرون ﴾ أي الكفار ﴿ الملائكة ﴾ يعني حين الموت أو يوم القيامة جملة معترضة، والظرف إما متعلق باذكر
﴿ ويقولون حجرا محجورا ﴾ عطف على يرون وجملة ﴿ لا بشرى يومئذ للمجرمين ﴾ معترضة أخرى، وإما متعلق بقوله تعالى :لا بشرى، بتقرير القول، يعني :يوم يرون الملائكة يقولون أي الملائكة ﴿ لا بشرى ﴾ للمجرمين قال عطية :إن الملائكة يبشرون المؤمنين يوم القيامة ويقولون للكافرين لا بشرى لكم، وقيل معناه يوم يرون الملائكة لا يبشرون كما يبشرون المؤمنين بالجنة ﴿ يومئذ ﴾ تكرير أو خبر ل " لا "، أو ظرف لما تعلق به اللام في للمجرمين ﴿ للمجرمين ﴾ إما متعلق بالظرف المستقر أعني يومئذ، أو خبر ل " لا "، أو متعلق بالبشرى إن قدرت منونة غير مبنية مع " لا "، فإنها لا تعمل، وللمجرمين إما عام يتناول حكمه حكمهم، وإما خاص وضع موضع ضميرهم تسجيلا على جرمهم وإشعارا بما هو المانع للبشرى والموجب لما يقابله. ﴿ ويقولون ﴾ أي الملائكة عطف على يقولون لا بشرى ﴿ حجرا محجورا ﴾ كذا قال البغوي عن عطاء عن ابن عباس :أنه تقول الملائكة حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. وعن مقاتل أنه إذا خرج الكفار من قبورهم قالت الملائكة لهم :حراما محرما عليكم أن تكون لكم الجنة. وقال بعضهم معنى الآية :يقولون أي المجرمون حين يخرجون من قبورهم ويرون الملائكة :حجرا محجورا. قال البغوي قال ابن جريج :كانت العرب إذا نزلت بهم شدة ورأوا ما يكرهون قالوا حجرا محجورا، فهم يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة، ومعناه :عوذا معوذا. قال مجاهد :يستعيذون من الملائكة يعني يوم يرون الملائكة وتقول الملائكة لا بشرى، ويقول المجرمون حجرا محجورا، أي يطلبون من الله أن يمنع لقاءهم.
﴿ وقدمنا ﴾ أي عمدنا ذلك اليوم عطف على ويقولون﴿ إلى ما عملوا ﴾ أي الكفار ﴿ من عمل ﴾ صالح كقرى الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف ونحوها ﴿ فجعلناه ﴾ عائد إلى ما عملوا ﴿ هباء منثورا ﴾ أي باطلا لا ثواب له لفوات شرط الثواب عليه من الإيمان والإخلاص لله تعالى قال علي الهباء ما يرى في الكوى إذا وقع الشمس فيها كالغبار ولا يمس منها بالأيدي ولا يرى في الظل وسعيد بن جبير هو ما تسفه الريح وتذريه من التراب وحطام الشجر وقال مقاتل هو ما يطير من حوافر الدواب عند السير وقيل الهباء المنثور ما يرى في الكوة والهباء المنبت ما يطيره الريح من سنابك الخيل شبه عملهم المحيط في حقارته وعدم نفعه بالهباء ثم بالمنثور منه في انتثاره بحيث لا يمكن نظمه أو في تفرقة نحو أغراضهم التي كانوا يتوجهون نحوها أو مفعول ثالث من حيث انه كالخبر كقوله تعالى : ﴿ كونوا قردة خاسئين ﴾١.
١ سورة البقرة الآية: ٦٥..
﴿ أصحاب الجنة يومئذ ﴾ أي يوم يرون الملائكة ﴿ خير مستقرا ﴾ أي مكانا يستقر في أكثر الأوقات ﴿ وأحسن مقيلا ﴾ مكانا يؤوى إليه للاسترواح بالأزواج وهو التمتع بهن. ويجوز أن يراد به مكان القيلولة على التشبيه إذ لا نوم في الجنة. وقال الأزهري :القيلولة والمقيل الاستراحة نصف النهار وإن لم يكن مع ذلك نوم لأن الله تعالى قال : ﴿ وأحسن مقيلا ﴾ والجنة لا نوم فيها، وفي أحسن رمز إلى ما يتزين به مقيلهم من حسن الصور وغيره من المحاسن. ويحتمل أن يراد بالمستقر :المقيل، المصدر أو الزمان وإشارة إلى أن مكانها وزمانها أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة، والتفضيل إما لإرادة الزيادة مطلقا أو بالإضافة إلى ما للمترفين في الدنيا. أخرج ابن المبارك في الزهد وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال :لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء. وذكر البغوي عن ابن مسعود :ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار وقرأ : ﴿ ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم ﴾ ١ هكذا كان يقرأه. وأخرج ابن المبارك وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وأبو نعيم في الحلية عن إبراهيم النخعي قال :كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة نصف النهار فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار. وقال البغوي :كان ابن عباس رضي الله عنه يقول في هذه الآية :الحساب ذلك اليوم في أوله، وقال القوم حيث قالوا في منازلهم في الجنة. قال البغوي :ويروي أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس.
١ الآية هي: ﴿ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم﴾ سورة الصافات الآية: ٦٨..
﴿ ويوم تشقق ﴾ عطف على يوم يرون قرأ أهل الكوفة وأبو عمر وبتخفيف الشين هاهنا وفي سورة ق بحذف إحدى التائين والباقون بالتشديد بإدغام التاء في الشين ﴿ السماء بالغمام ﴾ أي بسبب طلوع الغمام وهو الغمام المذكور في قوله تعالى : ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ﴾ ١ وقد مر في سورة " البقرة " وهو غمام أبيض رقيق مثل الضبابة ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. وقال البغوي :الباء بمعنى عن يتعاقبان يقال :رميت السهم بالقوس وعن القوس، فالمعنى :تشقق السماء عن الغمام. ﴿ ونُزّل الملائكةُ ﴾ قرأ العامة بنون واحدة وتشديد الزاء وفتح اللام، على صيغة الماضي المبني للمفعول ورفع الملائكة على انه مسند إليه. وقرأ ابن كثير بنونين وتخفيف الزاء وضم اللام على صيغة المضارع المبني للفاعل المتكلم على التعظيم من الإنزال ونصب الملائكة على المفعولية. ﴿ تنزيلا ﴾ أخرج الحاكم وابن أبي حاتم وابن جرير وابن أبي الدنيا في كتاب الأهوال عن ابن عباس أنه قرأ ﴿ يوم تشقق السماء بالغمام ﴾ قال :يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فتشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق، فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق، فيقول أهل الأرض :أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا، ثم ينزل أهل السماء والثانية وهم أكثر من أهل السماء الدنيا وأهل الأرض فيقولون :أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلائق، ثم ينزل أهل السماء الثالثة وهم أكثر من أهل السماء الثانية والأولى وأهل الأرض فيقولون ؟أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا، ثم ينزل أهل السماء الرابعة وهم أكثر من أهل السماء الثالثة والثانية والأولى وأهل الأرض، فيقولون أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا، ثم ينزل أهل السماء الخامسة وهم أكثر ممن تقدم ثم أهل السماء السادسة كذلك ثم أهل السماء السابعة وهم أكثر من أهل السماوات وأهل الأرض، فيقولون أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم أكثر من أهل السماوات السبع والأرضين وحملة العرش، لهم قرون ككعوب القناما بين قدم أحدهم كذا وكذا ومن أخمص قدمه إلى كعبه خمس مائة عام ومن كعبه إلى ركبته خمس مائة عام ومن أرنبه إلى ترقوته مسيرة خمس مائة عام ومن ترقوته إلى موضع القوط خمس مائة عام. وقد مر هذا الحديث وأقوال العلماء في تأويل نزوله تعالى في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى : ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام ﴾. ٢ وأخرج ابن جرير وابن المبارك عن الضحاك قال :إذا كان يوم القيامة أمر الله السماء فتشقق بأهلها فيكون الملائكة على حافتها حين يأمرهم الرب فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة، فصفوا صفا دون صف ثم ينزل ملك على مجنته اليسرى جهنم فإذا رآها أهل الأرض نادوا فلا يأتون قطرا من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة، فرجعوا إلى المكان الذي كانوا فيه وذلك قوله تعالى : ﴿ إني أخافُ عليكم يوم التّنَاد يوم تُولُّون مُدْبِرِين ﴾ ٣ وقوله تعالى ﴿ وجاء ربُّك والملَكُ صَفّاً صَفّاً٢٢ وجِيئَ يوْمئِذٍ بجهنّم ﴾ ٤ وقوله تعالى﴿ يا معشرَ الجنِّ والإنس إن استطعتم أن تَنفُذوا من أقطار السماوات والأرضِ فانفُذُوا ﴾ ٥ وقوله تعالى ﴿ وانشقت السماءُ فهي يومئذ واهية والمَلَك على أرجائها ﴾ ٦ يعني ما تشقق منهما فبينما كذلك إذ سمعوا الصوت وأقبلوا إلى الحساب.
١ سورة البقرة الآية: ٢١٠..
٢ سورة البقرة الآية: ٢١٠..
٣ سورة غافر الآية: ٣٢- ٣٣..
٤ سورة الفجر الآية: ٢٢-٢٣..
٥ سورة الرحمن الآية ٣٣..
٦ سورة الحاقة الآية ١٦- ١٧..
﴿ الملك ﴾ مبتدأ ﴿ يومئذ ﴾ أي يوم إذ تشقق السماء متعلق بالملك ﴿ الحق ﴾ صفة للملك ﴿ للرحمان ﴾ خبر للمبتدأ، يعني الملك الثابت المتحقق الذي لا زوال له يومئذ ثابت للرحمن دون غيره. وجاز أن يكون يومئذ خبرا للمبتدأ وللرحمن متعلق به ﴿ وكان يوما ﴾ خبر كان واسمه ضمير مستتر ﴿ على الكافرين عسيرا ﴾ صفة ليوم، وعلى الكافرين متعلق به، يعني :كان ذلك اليوم يوما شديدا على الكافرين. وجاء في الحديث عن أبي سعيد قال :سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يوم مقدره خمسين ألف سنة ما أطول هذا اليوم ؟ فقال " والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أهون عليه من الصلاة المكتوبة يصليها في الدنيا " ١ والله أعلم.
١ رواه أحمد وأبو يعلى وإسناده حسن على ضعف في رواية انظر مجمع الزوائد في كتاب: البعث باب: خفة يوم القيامة على المؤمنين (١٨٣٤٧)..
قال البغوي :كان عقبة بن أبي معيط لا يقدم من سفر إلا صنع طعاما يدعو إليه إشراف قومه، وكان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم، فقدم ذات يوم من سفر فصنع الطعام فدعا الناس ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قرب الطعام قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أنا بآكل طعامك حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فقال عقبة :أشهد أن لا إله إلا الله وان محمدا رسول الله، فأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم من طعامه، وكان عقبة صديقا لأبي بن خلف، فلما أخبر أبي بن خلف قال له :يا عقبة صبأت ؟ قال :لا والله ما صبأت ولكن دخل علي رجل فأبى أن يأكل طعامي إلا أن أشهد له فاستحييت أن يخرج من بيتي ولم يطعم فشهدت له فطعم، فقال :ما أنا بالذي أرضى منك أبدا إلا أن تأتيه فتبزق في وجهه ففعل ذلك عقبة.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم :لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أبي بن خلف فقتله النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد بيده. وكذا أخرج ابن جرير مرسلا وفيه :وقال أبي لعقبة لا أرضى منك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك، فقال عليه السلام :ولا ألقاك خارجا من مكة إلاعلوت رأسك بالسيف. فأسر يوم بدر، فأمر عليا بقتله وطعن أبيا بأحد في المبارزة، فرجع إلى مكة فمات. ففي شأن عقبة وأبي نزلت ﴿ ويوم يعض ﴾ عطف على يوم تشقق
﴿ الظالم ﴾ يعني عقبة بن أبي معيط ﴿ على يديه ﴾ من فرط الحسرة. أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال :كان أبي بن خلف يحضر النبي صلى الله عليه وسلم فزجره عقبة بن أبي معيط فنزلت هذه الآية إلى قوله " خذولا " وأخرج مثله عن الشعبي ومقسم قال البيضاوي :عض اليدين وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة. قال الضحاك :لما بزق عقبة فى وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في خده فاحترق خداه وكان أثر ذلك فيه حتى الموت. وقال الشعبي :كان عقبة بن أبي معيط خليل أمية بن خلف فأسلم عقبة فقال أمية :وجهي من وجهك حرام إن بايعت محمدا. فكفر وارتد. فأنزل الله عز وجل ﴿ ويوم يعض الظالم ﴾ يعني عقبة بن أبي معيط بن أمية بن عبد الشمس بن عبد مناف ﴿ على يديه ﴾ ندما وأسفا على ما فرط في جنب الله وأوبق نفسه بالمعصية والكفر لطاعة خليله الذي صده عن سبيل ربه. قال عطاء :يأكل يديه حتى يبلغ مرفقيه ثم تنبتان ثم يأكل هكذا كلما نبتت يده أكلها تحسرا على ما فعل ﴿ يقول يا ليتني ﴾ تقديره يا قوم ليتني. قرأ أبو عمرو بفتح الياء والآخرون بإسكانها قال من فاعل يعض ﴿ اتخذت ﴾ في الدنيا ﴿ مع الرسول سبيلا ﴾ يا ليتني اتبعت محمدا أو اتخذت معه سبيلا إلى الهدى والنجاة طريقا واحدا وهو طريق الحق ولم ينشعب بي طريق الضلالة.
﴿ يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا ﴾ يعني أبي بن خلف وفلان كناية عن الأعلام ﴿ خليلا ﴾.
﴿ لقد أضلني ﴾ فلان ﴿ عن الذكر ﴾ أي عن ذكر الله، أو كتابه أو موعظة الرسول، أو كلمة الشهادة جواب قسم محذوف ﴿ بعد إذ جاءني ﴾ أي الذكر مع الرسول ﴿ وكان الشيطان ﴾ يعني الخليل المضل. فإن كل متمرد عات من الإنس والجن وكل من صد عن سبيل الله فهو شيطان ﴿ للإنسان خذولا ﴾ " فعول " من الخذلان وهو ترك الإعانة والنصر، يعني لا يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك ثم يتركه ولا ينفعه. وهذه الآيات وإن كان موردها خاصا لكنها عامة من حيث العبارة يشتمل حكمه كل متحابين اجتمعا على معصية. عن أبي موسى رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه أو تجد ريحا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد ريحا خبيثة " ١ رواه البخاري. وعن أبي سعيد الخدري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" لا تصاحب إلا مؤمنا ولا يأكل طعامك إلا تقي ". ٢
رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان والحاكم عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل " ٣ رواه البغوي وفي الصحيحين. وعند أحمد وأصحاب السنن عن أنس. وفي الصحيحين عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" المرء مع من أحب " ٤
١ أخرجه البخاري في كتاب: الذبائح والصيد باب: المسك (٥٥٣٤) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب باب: اسحباب مجالسه الصالحين ومجانية قرناء السوء (٢٦٢٨)..
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد باب: ما جاء في صحبة المؤمن (٢٣٩٥) وأخرجه أبز داود في كتاب: الأدب باب: من يؤمر أن يجالس (٤٨٢٤)..
٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الأدب باب: من يؤمر أن يجالس (٤٨٢٥) وأخرجه الترمذي في كتاب: الزهد (٢٤١٨).
٤ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق باب: علامة حب الله عز وجل (٦١٦٨) وأخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب باب: المرء مع من أحب (٢٦٤٠)..
﴿ وقال الرسول ﴾ محمد، صلى الله عليه وسلم، يومئذ عطف على " يعَضُّ الظالمُ " ﴿ يا رب إن قومي ﴾ قرأ نافع وأبو عمرو والبزي بفتح الياء، والباقون بإسكانها يعني قريشا ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجورا ﴾ أي متروكا فأعرضوا عنه ولم يؤمنوا به ولم يعملوا بما فيه. وقيل معناه جعلوه بمنزلة الهُجر والهذيان والقول السيئ، فزعموا أنه شعر أو سحر أو كهانة. وهو قول النخعي ومجاهد. وقيل معناه قال الرسول، صلى الله عليه وسلم، في الدنيا يشكوا قومه إلى ربه : ﴿ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ﴾ وعلى هذا قال الرسول عطف على ﴿ قال الذين لا يرجون ﴾.
ولما شكا رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه إلى ربه عزاه الله تعالى بقوله ﴿ وكذلك ﴾ أي جعل مثل ما جعلنا لك أعداء من مشركي قريش ﴿ جعلنا ﴾ عطف على " قال الرسول "
﴿ لكل نبي عدوا ﴾ لفظ العدو يتحمل الواحد والجمع ﴿ من المجرمين ﴾ أي من المشركين. فاصبر كما صبروا فإني ناصرك وهاديك ﴿ وكفى بربك هاديا ﴾ إلى طريق قهرهم ﴿ ونصيرا ﴾ عليهم، هاديا ونصيرا حال من فاعل كفى أو تمييز من النسبة مثل قوله تعالى : ﴿ وكفى بالله شهيدا ﴾ ١ و " لله درُّه فارساً " جملة كفى بربك عطف على " كذلك جعلنا ".
١ سورة النساء الآية: ٧٩..
وأخرج ابن أبي حاتم والحاكم وصححه والضياء في المختار عن ابن عباس أنه قال المشركون إن كان محمد ( كما يزعم ) نبيا فلم يعذبه ربه ؟ ألا ينزل عليه القرآن جملة واحدة ؟ فأنزل الله تعالى : ﴿ وقال الذين كفروا ﴾عطف على " قال الذي لا يرجون " ﴿ لولا ﴾ هلاّ ﴿ نزل عليه القرآن ﴾ أي أنزل عليه، كخبّر معنى أخبر، كيلا يناقض قوله ﴿ جملة واحدة ﴾ دفعة واحدة، حال من القرآن، كما أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى والزبور على داود عليهم الصلاة والسلام. قال البيضاوي :هذا اعتراض لا طائل تحته لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقا، مع أن للتفريق فوائد منها ما أشار إليه بقوله ﴿ كذلك ﴾ متعلق بمحذوف أي :أنزلناه كذلك مفرقا ﴿ لنثبت به فؤادك ﴾ أي لنقوي بتفريقه قلبك على حفظه وفهمه، ولأن نزوله بحسب الوقائع يوجب بصيرة في المعنى، ولأنه إذا نزل منجما وهو يتحدى كل نجم فيعجزون عن معارضة ذلك، زاد ذلك في قوة قلبه، ولأنه إذا نزل به جبرئيل حالا بعد حال يثبت به فؤاده، ومن فوائد التفريق في النزول معرفة الناسخ من المنسوخن ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية، فإنه يعين على البلاغة ﴿ ورتلناه ترتيلا ﴾ عطف على أنزلناه المقدر الذي تعلق به لنثبت. قال ابن عباس :بينه بيانا، والترتيل :القراءة في ترسل وتثبت. وقال السدي :فصلناه تفصيلا. وقال مجاهد :بعضه في أثر بعض. وقال النخعي والحسن :فرقناه تفريقا وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفليجها.
﴿ ولا يأتونك بمثل ﴾ أي سؤال عجيب كأنه مثل يريدون به القدح في نبوتك ﴿ إلا جئناك بالحق ﴾ يعني إلا جئنا لك في جواب سؤالهم بما يحق لرد ما جاءوك ﴿ وأحسن تفسيرا ﴾ عطف على الجار والمجرور أي بما هو أحسن بيانا يزيل إشكالها، أو المعنى لا يأتونك بحال عجيب يقولون هذا كان حاله إلا أعطيتك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وما هو أحسن كشفا لما بعثت له، والفسر :الإبانة وكشف المغطى. كذا في القاموس.
﴿ الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ﴾ ذم منصوب أو مرفوع أو مبتدأ خبره﴿ أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ﴾ والمفضل عليه هو الرسول على طريقة قوله تعالى : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه ﴾ ١ كأنه قيل :إن حاملهم على هذه الأسئلة تحقير مكانه بتضليل سبيله، ولا يعلمون حالهم ليعلموا أنهم هم شر مكانا وأضل سبيلا، وقيل إنه متصل بقوله تعالى : ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ﴾ فالمفضل عليه عام كما كان هناك، يعني أولئك شر مكانا من كل مكين وأضل سبيلا من كل سالك ضال، فكلمتا " مكانا " و " سبيلا " تمييزان من النسبة، ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي للمبالغة. عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف ركبانا ومشاة وعلى وجوههم، فقال رجل :يا رسول الله أو يمشون على وجوههم ؟ قال الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم " ٢ رواه أبو داود والبيهقي. وعن أنس :سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف يحشر الكافر على وجهه ؟ قال :" أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة " ٣ متفق عليه. وعن معاوية بن حيدة قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إنكم تحشرون رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم ) ٤ رواه الترمذي وحسنه. وعن أبي ذر قال :حدثني الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم :" إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج، فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج يسحبهم الملائكة على وجوههم " ٥ رواء النسائي والحاكم والبيهقي.
١ سورة المائدة الآية ٦٠..
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن باب: ومن سورة بني إسرائيل (٣١٤٢).
٣ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق باب: كيف الحشر (٦٥٢٣) وأخرجه مسلم في كتاب: صفة القيامة والجنة والنار باب: يحشر الكافرعلى وجهه (٢٨٠٦)..
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: صفة القيامة والرقائق والورع باب: ما جاء في شأن الحشر (٢٤٢٤)..
٥ أخرجه النسائي في كتب: الجنائز باب: البعث (٢٠٧٧)..
﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ أي التوراة ﴿ وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ﴾ يوادده يعينه في الدعوة وإعلاء كلمة الله ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة لان المتشاركين في الأمر متوازران عليه.
﴿ فقلنا ﴾ لهما ﴿ اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا ﴾ فادعواهم إلى الإيمان بالله وآياته الدالة على وجوده ووحدته وصفاته الكاملة، فإنهم كانوا ينكرون الصانع أو يشركون به غيره ويعبدون الأصنام. وجاز أن يكون المراد بالآيات معجزات موسى عليه السلام، وعلى هذا قوله تعالى : ﴿ الذين كذبوا بآياتنا ﴾ صادق بالنسبة إلى زمان الحكاية، يعني حين نزول القرآن. ولا يجوز أن يكون المراد بالآيات التوراة لأنها ما نزلت إلا بعد هلاك فرعون وقومه ﴿ فدمرناهم تدميرا ﴾ في الكلام حذف للإيجاز تقديره :فذهبا إليهم فدعواهم إلى الإيمان بالله وآياته فكذبوهما فدمرناهم تدميرا، اقتصر على ما هو المقصود من القصة وهو الكلام الحجة ببعثة الرسل واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
﴿ وقوم نوح ﴾ منصوب باذكر أو بفعل مضمر يفسره قوله ﴿ أغرقناهم ﴾ يعني أغرقنا قوم نوح ولا يجوز أن يكون معطوفا على هم في دمرناهم إذ لو كان كذلك لزم تعقيب تدمير قوم نوح بإتيان موسى وقد كان قبل ذلك ﴿ لما كذبوا الرسل ﴾ ظرف بفعل مضمر ناصب لقوم نوح أو ظرف لما بعده والمراد بتكذيب الرسل تكذيب نوح ومن قبله من الرسل عليهم السلام أو تكذيب نوح وحده وأورد صيغة الجمع لان تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الكل أو المعنى كذبوا بعثة الرسل ﴿ أغرقناهم ﴾ بالطوفان ﴿ وجعلناهم ﴾ أي جعلنا إغراقهم أو قصتهم ﴿ للناس آية ﴾ عبرة ﴿ واعتدنا للظالمين ﴾ على أنفسهم بالكفر ﴿ عذابا أليما ﴾
وعادا وثمودا عطف على هم في جعلناهم وجاز أن يكون منصوبا بفعل محذوف دل عليه سياق الكلام يعني أهلكنا عادا وثمودا وبأذكر وقد مر قصتهما فيما سبق من سورة الأعراف وغيرها وعادا وثمودا عطف على هم في جعلناهم وجاز أن يكون منصوبا بفعل محذوف دل عليه سياق الكلام يعني أهلكنا عادا وثمودا وبأذكر وقد مر قصتهما فيما سبق من سورة الأعراف وغيرها ﴿ وأصحاب الرس ﴾ في القاموس الرس ابتداء الشيء ومنه رس الحمى ورسيسها والبئر المطوية بالحجارة والإصلاح والإفساد ضد وواد بأذربيجان عليه ألف مدينة والحفر ودفن الميت ولعل إطلاق أصحاب الرس على قوم معهودين لكونهم بادين بالشر والكفر مفسدين في الأرض أو لكونهم أهل بئر أو ساكني تلك الوادي أو لأنهم قتلوا نبيهم ودفنوه والمراد هاهنا قوم كانوا أهل بئر قعود عليها أصحاب مواش يعبدون الأصنام فوجه الله عليهم شعيبا عليه السلام يدعوهم إلى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي أذى شعيب عليه السلام فبينما هم حول البئر في منازلهم انهارت البئر فخسف الله بهم وبديارهم ورباعهم فهلكوا جميعا كذا قال وهب بن منبه وأخرجه ابن جرير وابن عساكر عن قتادة قال البغوي قال قتادة والكلبي الرس بئر بفلح اليمامة قتلوا نبيهم فقتلهم الله عز وجل وقال بعضهم هم بقية ثمود قوم صالح وهم أصحاب البئر التي ذكرها الله تعالى في قوله : ﴿ وبئر معطلة وقصر مشيد ﴾ ١ وكذا أخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن قتادة وقال البغوي قال سعيد بن جبير كان لهم ببي يقال له حنظلة بن صفوان فقتلوه فأهلكهم الله قيل إبتلاهم الله بطير عظيم كان فيها من كل لون وسموها عنقا لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتح ادمخ وتنقض على صبيانهم فتخطفهم فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ثم إنهم قتلوه واهلكوا وقال البغوي قال كعب ومقاتل والسدي الرس بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار وهم الذين ذكرهم الله في سورة يس وقيل هم أصحاب الأخدود الذي حفروه وقال عكرمة هم رسوا لنبيهم في البئر أي دفنوه وقيل الرس المعدن وجمعه رساس ﴿ وقرونا ﴾ عطف على أصحاب الرس يعنى وأهلكنا قرونا وهم جمع الكثرة لقرن وهو قوم مقترنون من زمن واحد القرن إذا كان مضاف إلى شخص معين أو جمع معلوم يراد به من يقترن ويلاقي ذلك الشخص أو تلك الجماعة يعني أكثرهم أو واحدا منهم ومنه ما يقال القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير بقوله صلى الله عليه وسلم " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " ٢ فقرن النبي صلى الله عليه وسلم هم الصحابة الذين رأوا النبي صلى الله عليه وسلم والقرن الثاني الذين رأوا واحدا من الصحابة أو أكثر والثالث الذين رأوا واحدا منهم أو أكثر وان كان غير مضاف يراد به قوم مقترنون في ومن واحد ولا شك في انه إذا إقترن جماعة في زمان فكبارهم تقترن في صغرهم بكبار سبقوا أو صغارهم تقترن في كبرهم بصغار تلحقهم فوضعوا لإطلاق القرن مدة فقيل أربعون أو عشرة أو عشرون أو ثلاثون أو خمسون أو ستون أو سبعون أو تسعون أو مائة أو مائة وعشرون والأصح أنها مائة سنة بقوله صلى الله عليه وسلم لغلام " عش قرنا " فعاش مائة سنة والعنى على هذا أو أهلكنا أهل أعصار كثيرة كافرة ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين عاد وثمود وأصحاب الرس وقوم موسى ﴿ كثيرا ﴾ صفة لقرون
١ سورة الحج الآية ٤٥..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة باب: فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (٢٥٣٣)..
﴿ وكلا ﴾ منصوب بفعل مضمر يدل عليه ﴿ ضربنا له الأمثال ﴾ والتنوين عوض من المضاف إليه تقديره وأنذرنا كل واحد من تلك القرون ضربنا له الأمثال أي بينا له القصص العجيبة من القصص الأولين ليعتبروا بها ﴿ وكلا ﴾ أي كل واحد منهم ﴿ تبرنا تتبيرا ﴾ أي أهلكنا إهلاكا لما لم يعتبروا بالأمثال وكذبوا المنذرين قال الأخفش معناه كسرناه تكسيرا قال الزجاج كل شيء كسرته وفتنه فقد تبرته ومنه التبر لفتات الذهب والفضة
﴿ ولقد أتوا ﴾ جواب لقسم محذوف معطوف على ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب ﴾ والضمير راجع إلى أهل مكة أسند فعل البعض إلى الكل كما في قوله ﴿ فكذبوه فعقورها ﴾١.
يعني والله لقد مر أهل مكة يعني أكثرهم مروا مرارا في أسفارهم إلى الشام ﴿ على القرية التي أمطرت مطر السوء ﴾ يعني سدوم عظمى قريات قوم لوط لما أمطرت عليها الحجارة لما كانوا يعلمون الخبائث إتيان الرجال في أدبارهم قال البغوي :قريات قوم لوط كانت خمسا فأهلك الله تعالى منها أربعا ونجت واحدة وهي صغيرة وكان أهلها لا يعملون الخبيث وكانت تلك القرى على طريق أهل مكة عند ممرهم إلى الشام ﴿ أفلم يكونوا يرونها ﴾ الاستفهام للإنكار وإنكار النفي إثبات وتقرير يعني لقد كانوا يرونها فما لهم لم يعتبروا بها ولم يتذكروا ﴿ بل كانوا لا يرجون نشورا ﴾ يعني ليس عدم اتعاظهم لأجل عدم رؤيتهم بل لعمه في قلوبهم لا يتوقعون نشورا ولا عاقبة أو لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون علما في الثواب أو لا يخافونه على لغة تهامة.
١ سورة الشمس الآية:١٤..
﴿ وإذا رأوك ﴾ يعني كفار قريش عطف على لا يرجون ﴿ إن يتخذونك ﴾ أي ما يتخذونك ﴿ الا هزوا ﴾ استثناء مفرغ منصوب على انه مفعول ثان ليتخذونك مصدر بمعنى المفعول أي مهزوا استثناء نزلت في أبي جهل وأصحابه مروا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا إستهزاء ﴿ أهذا ﴾ يعنون محمدا صلى الله عليه وسلم مبتدأ خبره ﴿ الذي بعث الله ﴾ أي بعثه الله ﴿ رسولا ﴾ جملة أهذا معمول لفعل محذوف تقديره يقولون ﴿ أهذا الذي بعثه الله رسولا ﴾ والاستفهام للتعجب والإنكار وكلمة هذا للتحقير وجملة يقولون بيان لما سبق يعني يتخذونك مهزأوا به يقولون فيك كذا
﴿ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا ﴾ أي ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة إتيانه بما يسبق إلى الذهن أنها حجج ومعجزات أن مخففة من الثقيلة واللام فارقة وفيه دليل على فرط اجتهاده صلى الله عليه وسلم وفي دعوتهم وعرض المعجزات المتكاثرة المتوافرة عليهم حتى شارفوا بزعمهم أن يتركوا دينهم المعوج إلى دينه القويم لولا فرط لجاجهم واستمساكهم بعبادة آلهتهم ومن هذا شأنه أن لا يتذكر بمشاهدة المعجزات المتوافرة الباهرة فكيف يعتبر برؤية حجارة القرى الخالية ﴿ لولا أن صبرنا ﴾ أي ثبتنا ﴿ عليها ﴾ واستمسكنا بعبادتها وجواب لولا محذوف دل عليه ما قبله تقديره لولا صبرنا ثابت أو لولا صبرنا لأضلنا ولولا في مثله تفيد الحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ ولما كان كلامهم هذا مشعرا بنسبة الضلال إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه قال الله سبحانه ردا عليهم ﴿ وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ﴾ أهم أضل سبيلا أم المؤمنون وفيه وعيد ولا دلة على أنه لا يهملهم الله.
﴿ أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا٤٣ ﴾ بأن أطاع هواه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة ولا يتبصر دليلا قدم المفعول الثاني للعناية به قال البغوي قال ابن عباس أرأيت من ترك عبادة الله خالقه وهوى حجرا فعبده من شرطية جزاءه أفأنت تكون عليه وكيلا حفيظا يمنعه عن ذلك والجملة الشرطية قائم مقام المفعولين لرأيت والاستفهام الأول للتقرير والتعجيب والثاني للإنكار يعني لست عليهم حفيظا قال الكلبي نسختها آية القتال
﴿ أم تحسب ﴾ أم منقطعة يعني بل أتحسب ﴿ أن أكثرهم يسمعون ﴾ كلام الله منك ﴿ أو يعقلون ﴾ ما يستفاد منه والاستفهام للإنكار يعني أنهم لا يسمعون ولا يعقلون حيث ﴿ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ) والمراد بالسمع هاهنا سمع قلوبهم فهم لا ينتفعون المواعظ والحجج وفيه دليل على أن إفادة البرهان العلم بالنتيجة أمر عادي منوط بمشيئة الله تعالى وتخصيص الأكثر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من تعقل الحق وكابر استكبارا أو خوفا على الرياسة ( إن هم ) أي ما هم الضمير راجع إلى أكثرهم { إلا كالأنعام ﴾ حيث يسمعون بآذانهم كالأنعام ولا يسمعون بقلوبهم فلا ينتفعون بها ولا يتدبرون فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات ﴿ بل هم أضل سبيلا ﴾ من الأنعام فإن الأنعام إن لم يدركوا الحق حقا والباطل باطلا فهم لا يزعمون الحق باطلا والباطل حقا فالأنعام في جهل بسيط والكفار في جهل مركب ولا شك أن الجاهل بالجهل المركب أضل وأبعد من الحق من الجاهل بالجهل البسيط فالأنعام لا يميزون بين الحق والباطل والكفار يحكمون بحقيقة الشرك ويعبدون الحجارة بلا دليل بل مع ظهور بطلانها وينكرون الرسل مع شواهد الحجج والمعجزات وسطوع برهانها وقيل لأن البهائم تنقاد من يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها وتهرب مما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لديهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان ويمكن إن يقال أن الأنعام تعرف خالقها وتسجد له وتسبح له بحمده وتعقل وإن كان تعقلهم غير مدرك للعوام.
وقد روى الشيخان في الصحيحين عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" بينما رجل يسوق بقرة إذ عيي فركبها فقالت لم نخلق لهذا إنما خلقنا لحراثة الأرض فقال الناس :سبحان الله بقرة تتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإني أومن به وأبو بكر وعمر وما هما ثم وقال بينما رجل في غنم له إذ عدا الذئب على شاة منها فأخذها فأدركها صاحبها فاستنقذها فقال له الذئب فمن له يوم السبع إذ لا راعي لها غيري فقال سبحان الله ذئب يتكلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أومن به أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم " ١
فائدة :
للملائكة روح وعقل وللبهائم نفس وهوى والآدمي مجمع للجميع فان غلب نفسه وهواه على الروح والعقل كان أضل من البهائم وإن غلب عقله وروحه على النفس والهوى كان أفضل من الملائكة.
١ أخرجه البخاري في كتاب: أحاديث الأنبياء (٣٤٧١) وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة باب: من فضائل أبي بكر الصديق رضي الله عنته (٢٣٨٨).
.

﴿ ألم تر إلى ربك ﴾ ألم تنظر إلى صنعه ﴿ كيف مد الظل ﴾ كيف بسطه أو المعنى ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك فغير النظم إشعارا بأن المفعول من هذا الكلام بوضوح برهانه هو دلالة حدوث الظل وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل للصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس أو المعنى ألم ينته علمك إلى ربك كيف مد الظل وهو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس جعله ممدودا لأنه ظل لا شمس معه كما قال في ظل الجنة ﴿ وظل ممدود٣٠ ﴾ ١ أو المراد بالظل ما يقع للجدران والأشجار بعد طلوع الشمس قال أبو عبيدة الظل ما نسخته الشمس والفيء ما نسخ الشمس فقبل الزوال يسمى ظلا وبعد الزوال فيئا لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب ويمكن أن يقال أن الظل هو ظلمة الليل تنسخه الشمس بطلوعها ﴿ ولو شاء ﴾ ربك ﴿ لجعله ساكنا ﴾ أي ثابتا مستقرا من سكن بمعنى قر بأن جعل الليل سرمد إلى يوم القيامة أو غير متقلص من السكون أن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد وجملة ولو شاء إما حال من ربك أو معترضة ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه ﴾ أي على الظل ﴿ دليلا ﴾ يعني لو لم تكن الشمس لما عرف الظل ظلا ولولا النور لما عرف الظلمة ظلمة فأن الأشياء تعرف بأضدادها وأيضا لا يوجد الظل ولا يتفاوت إلا بسبب حركات الشمس وفيه إلتفات من الغيبة إلى التكلم
١ سورة الواقعة الآية: ٣٠..
﴿ ثم قبضناه ﴾ أي أزلناه بطلوع الشمس وارتفاعها ووقوع شعاعها موقع الظل لما عبر أحداثه بالمد عبر عن إزالته بالقبض ﴿ إلينا ﴾ أي إلى حيث ما أردناه
قيل القبض إلى نفسه كناية عن الكف ﴿ قبضا يسيرا ﴾ سهلا غير عسير أو قليلا قليلا حيثما ترتفع الشمس تنقص الظل وإن كان المراد بالظل ظلمة الليل فقبضه اليسير وإزالة الظلمة قليلا قليلا حين طلوع الفجر تقل الظلمة آنا نآنا حتى تسفر جدا ثم إذا طلعت الشمس تزول الظلمة عن مواضع تقع فيها شعاع الشمس وتقل الظلمة عن مواضع تقع فيها أنوارها مع الحجب على حسب تفاوت الحجب وثم في الموضعين لتفاضل أوقات ظهورها شبه تباعد ما بينهما في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت ولي ههنا تأويل آخر وهو أن يراد بالظل عالم الإمكان فإنه ظل لمرتبة الوجوب موجود بوجود ظلي في خارج ظلي ويراد بالشمس مراتب صفات الله سبحانه وأسمائه والمعنى ألم تر إلى صنع ربك كيف أوجد عالم الإمكان ومد الوجود المنبسط على هياكل الماهيات الممكنة الذي هو ظل للوجود الحق ﴿ ولو شاء لجعله ساكنا ﴾ مستقرا على حالة واحدة ولكن لم يشأ ذلك بل جعله محلا للحوادث مستعدا للتغير والفناء حتى يتضح إمكانه وافتقاره إلى ماهية متأصلة الوجود ذات الوجوب والبقاء قال الله تعالى : ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ﴾ وذلك حين يتجلى على الصوفي أسماء الله تعالى وصفاته وشاهد ببصيرة القلب لوجود الحق فحينئذ ظهر له كون عالم الإمكان ظلا من ظلاله وكان يزعم قبل تلك التجليات والشاهدات أن عالم الإمكان هو الموجود على الحقيقة دون غيره ثم يعني بعد تلك التجليات والمشاهدات قبضناه إلينا يعني اجتبيناه وقرباه قربا غير متكيف إلينا أي إلى مرتبة الصفات والذات قبضا يسيرا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حكاية عن ربه عز وجل :" لا يزال عبدي يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به " ١ الحديث وقالت الصوفية من استوى يوماه فهو مغبون.
١ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق باب: التواضع (٦٥٠٢).
.

﴿ وهو ﴾ يعني ربك ﴿ الذي جعل لكم الليل لباسا ﴾ شبه ظلمة الليل باللباس في ستره ﴿ والنوم سباتا ﴾ أي راحة للأبد أن يقطع المشاغل وأصل السبت القطع أو موتا كقوله تعالى : ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ١ ومنه لاكتساب المنافع الدينية والدنيوية.
١ سورة الأنعام الآية: ٦٠.
﴿ وهو الذي أرسل الرياح ﴾ قرأ ابن كثير الريح على التوحيد إرادة للجنس والباقون على الجمع ملاحظة للإفراد ﴿ بشرا ﴾ قرأ الجمهور بضم النون والشين من النشور وابن عامر بضم النون وسكون الشين على التخفيف وأصله ضم الشين جمع ناشرة يعني ناشرات للسحاب وقرأ حمزة والكسائي بفتح النون على أنه مصدر وصف به قرأ عاصم بضم الباء التحتانية وتخفيف الشين تخفيف بشر جمع بشير بمعنى مبشرين ﴿ بين يدي رحمته ﴾ أي قدام المطر ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهورا ﴾ عطف على أرسل على سبيل الالتفات من الغيبة إلى التكلم والطهور إما اسم لما يتطهر به كالسحور لما يتسحر به و الفطور لما بفطر به كما في قوله صلى الله عليه وسلم :" إن الصعيد الطيب طهور المسلم ما لم يجد الماء ولو إلى عشر حجج " ١ رواه أحمد وأبو داود والترمذي عن أبي ذر وصححه وقوله صلى الله عليه وسلم :" جعلت لنا الأرض كلها مسجدا وترابها طهورا " ٢ إما مصدر كالقبول ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب " ٣ رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة وإنما وصف الماء به مبالغة وما صفة للمبالغة كالصبور والشكور والقطوع بمعنى الكامل في الطاهرية قال البغوي ذهب قوم إلى أن الطهور ما يتكرر به التطهير كالصبور اسم لما يتكرر منه الصبر والشكور اسم لما يتكرر به الشكر وهو قول مالك حتى جوزوا الوضوء بالماء الذي استعمل في الوضوء مرة قلت وهذا ليس بشيء لأن الفعول ليس من التفعيل في شيء وأيضا لا دلالة فيه على التكرار بل على المبالغة إلا أن يقال الكمال في الطاهرية إما بأن يكون طاهرا في نفسه مطهرا لغيره وقد ثبت كون الماء على هذه الصفة بالنصوص والإجماع والنقل المتواتر وإما بأن كان طاهرا بحيث لا ينجسه شيء وبه قال مالك محتجا بقوله صلى الله عليه وسلم :" الماء لا ينجسه شيء " ٤ رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان عن ابن عباس وروي أصحاب السنن الأربعة بلفظ " إن الماء لا يخبث " ورواه الدارقطني عن عائشة والطبراني في الأوسط وأبو يعلى والبزار وأبو علي بن السكن في صحاحه من حديث شريك وروى أحمد والترمذي وأبو داود والنسائي عن أبي سعيد الخذري قال قيل يا رسول الله أنتوضأ من بئر بضاعة وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب والنتن ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الماء طهور لا ينجسه شيء " وروى أبن ماجه عن أبي سعيد قوله صلى الله عليه وسلم في الحياض تردها السباع والكلاب والحمر " لها ما حملت في بطونها ولنا ماء غير طهور " فإن قيل هذه الأحاديث متروكة بالإجماع حتى أن مالكا يقول أن الماء إذ تغير أحد أوصافه يتنجس بوقوع النجاسة فيه قلنا :إذا تغير أحد أوصاف الماء فهو ليس مطلق وكلامنا في الماء المطلق.
والجواب عن هذا الاحتجاج أن المراد بالماء هاهنا الماء المعهود يعني الماء الكثير المستقر في الحياض وفي بئر بضاعة ونحو ذلك حتى يندفع التعارض بين هذه الأحاديث وأحاديث أخر تدل على تنجس الماء بوقوع النجاسة فيه وإن لم يتغير أحد أوصافه منها قوله صلى الله عليه وسلم :" طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب " رواه مسلم وأبو داود ومنها قوله صلى الله عليه وسلم :" لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يتوضأ منه " ٥ متفق عليه وهذا لفظ البخاري ومنها قوله صلى الله عليه وسلم " إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإنائ حتى يغسلها ثلاثا فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده " ٦ رواه مالك والشافعي وأحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة وقد روى نحو هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عمر وجابر وعائشة فحملنا أحاديث تنجس الماء على القليل وأحاديث عدم التنجس على الكثير فاختلف العلماء في حد الكثير ؟ فقال الشافعي وأحمد الماء إذا بلغ القلتين ( وهي خمسمائة رطل بالبغدادي وبالمساحة ذراع وربع ذراع طولا وعرضا وعمقا ) فهو كثير لا يتنجس إلا إذا تغير بالنجاسة طعمه أو لونه أو ريحه وما دونه قليل يتنجس وقال أبو حنيفة ما لا يصل فيه النجاسة من جانب إلى جانب آخر على أكبر رأي المبتلي به فكثير وإلا فقليل وقدره بعض المتأخرين بعشر في عشر وقيل خمسة عشر في خمسة عشر وقيل إثني عشر وقيل ثمان في ثمان وقيل سبع في سبع بذراع الكرباس وهي سبع قبضات كل قبضة أربع أصابع والتقدير غير منقول عن أبي حنيفة ولا عن صاحبه
وجه قول أبي حنيفة أن التقدير لم يرد من جهة الشارع وحديث القلتين ضعيف فيجب تفويضه إلى رأي المبتلى به واحتج الشافعي وأحمد بحديث القلتين والحق انه حديث صحيح رواه الشافعي وأحمد والأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن أبيه ولفظ أبي داود " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء وما ينوبه من السباع والدواب ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " ٧ ولفظ الحاكم " إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء " وفي رواية لأبي داود وابن ماجه " فإنه لا ينجس " قال الحاكم صحيح على شرطهما وقد احتجا بجميع رواته وقال ابن مندة إسناده على شرط مسلم وقد اعترف الطحاوي بصحة الحديث أيضا فإن قيل مدار هذا الحديث على الوليد بن كثير فقيل عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير وقيل عنه عن محمد بن عباد بن جعفر تارة عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر وتارة عن عبد الله بن عبد الله بن عمر قلنا :قال الحافظ هذا الاضطراب ليس بقادح فإنه على تقدير كون الجميع محفوظا انتقال من ثقة إلى ثقة وعند التحقيق الصواب عن الوليد بن كثير عن محمد بن عباد بن جعفر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر المكبر وعن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر المصغر ومن رواه على هذا غير هذا الوجه فقد وهم وقد رواه جماعة عن الوليد بن كثير على الوجهين قال الدارقطني القولان صحيحان عن أسامة عن الوليد وله طريق ثالث رواه الحاكم وغيره من طريق حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبد الله بن عبد الله بن عمر سأل ابن معين عن هذا الطريق فقال إسناده جيد فإن قيل قد روي لم يحمل خبثا وقد روي لم ينجسه شيء وقد روي لا يتنجس ؟ قلنا هذا مبني على الرواية بالمعنى وهي صحيحة والاضطراب في المتن لا يقال إلا عند التعارض. فإن قيل قد روى بالشك قلتين أو ثلاثا روى أحمد عن وكيع والدارقطني عن يزيد بن هارون كلاهما عن حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه مرفوعا " إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا لم ينجسه شيء " قلنا :قال ابن الجوزي قد اختلف عن حماد فروى عنه إبراهيم بن الحجاج وهذبه وكامل بن طلحة فقالوا قلتين أو ثلاثا وروى عنه عقان ويعقوب بن إسحاق الحضرمي وبشر بن السري والعلاء بن عبد الجبار وموسى بن إسماعيل وعبيد الله بن موسى العبسي " إذا كان الماء قلتين " ولم يقولوا ثلاثا واختلف عن يزيد بن هارون فروى عنه ابن السباح بالشك وروى عنه ابن مسعود بغير شك فوجب العمل على قول من لم يشك قلت ويمكن أن يقال أن كلمة أوليس للشك بل للترديد والتخبير والمعنى أي المبلغين بلغ الماء لا يتنجس فلا يتنجس إذا بلغ القلتين كما لا يتنجس إذا بلغ ثلاثا. فان قيل قد روي أربعين قلة رواه الدارقطني وابن عدي والعقيلي عن القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن المنكذر عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا بلغ الماء أربعين قلة فانه لا يحمل الخبث " قلنا :قال أحمد المقاسم كان يكذب ويضع الحديث وكذا قال يحيي بن معين وأبو حاتم الرازي وأبو زرعة فلا يضطرب بروايته الحديث الصحيح فإن قيل روى الدارقطني بإسناد صحيح من طريق روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن ابن عمر موقوتا إذا بلغ الماء أربعين قلة لم يتنجس ومن طريق وكيع عن سفيان الثوري عن ابن المنكدر عنه نحوه ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن ابن المنتكدر عنه نحوه وقول الراوي على خلاف ما رواه طعن الحديث قلنا :أولا أن مفهوم الشرط ليس بحجة عند أبي حنيفة مطلقا وكذا عند الشافعي وغيره إذا خرج على طبق السؤال وثانيا بأن القلة لفظ مشترك يطلق على الكوز والجرة أيضا صغرت أو كبرت فيحمل حديث الأربعين على الصغيرة التي تساوى عشرون منها قلة واحدة كبيرة لدفع التعارض فإن قيل إذا كان القلة لفظا مشتركا بين الجرة والقربة والدلو ورأس الجبل وغير ذلك قال في القاموس القلة بالضم أعلى الرأس والسنام والجبل أو كل شيء والجب العظيم والجرة العظيمة أو عامة أو من الفخار والكوز الصغير ضد والتقييد بقلال هجر لم يثبت في الحديث الصحيح المرفوع وما رواه ابن عدي من حديث ابن عمر رضي الله عنه " إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شيء " ففي إسناده صغيرة بن صقلان وهو منكر الحديث فلا بد أن يترك العمل بالحديث ما لم يتبين المراد منه كما هو الحكم المجمل ومن ثم قال الطحاوي هذا حديث صحيح لكنا تركنا العمل به لعدم علمنا بالقلتين قلنا :قد ترجح حد معانيه وهي قلال هجر بوجوه فوجب العمل به لأن رأس الجبل وكذا أعلى الرأس والسنام غير مراد بالإجماع لأن وصول الماء إلى رأس الجبلين في الإرتفاع لا يتصور إلا في البحر المحيط أو عند الطوفان وأعلى الرأس والسنام أيضا غير مراد للإجماع على أن الماء أقل من ذلك القدر يصير كثيرا فوجب الانصراف إلى الأواني وبعد الانصراف إلى الأواني ترجح قلال هجر بوجوه أحدها كثرة استعمال العرب لفظ القلة لهذا المعنى في إشعارهم كذا قال أبو عبيدة في كتاب الطهور قال البيهقي قلال هجر كانت مشهورة عندهم ولهذا شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى ليلة المعراج من سدرة المنتهى فإذا أوراقها مصل إذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر ثانيها أن قلال هجر أكبرها كذا قال الأزهري فجعل الشارع الحد مقدرا بالعدد يدل على أن المراد بها أكبرها لأنه لا فائدة في تقديرها لقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة ثالثها أن الكبيرة إن كانت مراد مذاك وإن كانت الصغيرة مرادة فعدم تنجس الماء عند البلوغ قدر القلتين الكبيرتين أولى للقطع لوجود الصغيرة في الكبيرة فحملنا القلتين على الكبيرتين احتياطا وبه يحصل التيقن والله أعلم فإن قيل قد ضعف حديث القلتين الحافظ ابن عبد البر والعاصي إسماعيل بن إسحاق وأبو بكر بن الولي المالكيون قال ابن عبد البر ما ذهب إليه الشافعي مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت من جهة الأثر لأنه حديث تكلم فيه جماعة من أهل العلم ولأن القلتين لم يوقف على مبلغها في أثر ثابت ولا إجماع قلنا أقوالهم إجمالات للأسئلة المتقدمة ولم يقل أحد بتضعيف واحد من رواته فإنهم رجال الصحيحين فإذا ظهر لك أجوبة الأسئلة اندفع ما قالوا والله أعلم.
مسألة :
لا يجوز الوضوء والغسل بغير الماء من المائعات الطاهرة إجماعا لقوله تعالى : ﴿ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا ﴾ ٨ وهل يجوز التطهير من النجاسة الحقيقية بغير الماء من المائعات الطاهرة أم لا ؟ قال الجمهور لا يجوز وقال أبو حنيفة يجوز احتج البغوي للجمهور بهذه الآية وقال الطهور في الآية بمعنى المطهر لما قال في آية أخرى ﴿ وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم ﴾ ٩ فثبت أن ال
١ أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارى باب: ما جاء في التيمم للجنب إذ لم يجد الماء (١٢٤). وأخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة باب: الجنب يتيمم (٨٣٣١).
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة (٥٢٢)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الطهارة باب: حكم ولوغ الكلب (٢٧٩) وأخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب: الوضوء بسؤر الكلب (٧١).
٤ أخرجه الترمذي في كتاب: الطهارة باب: ما جاء أن الماء لا ينجسه شيء (٦٦) وأخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة باب: ما جاء في بئر بضاعة (٦٧) وأخرجه النسائي في كتاب: المياه (٣٢٠).
٥ أخرجه البخاري في كتاب: الوضوء باب: البول في الماء الدائم (٢٣٦) وأخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب: النهي عن البول في الماء الدائم (٢٨٢)..
٦ أخرجه مالك في أبواب: الصلاة باب: غسل اليدين في الوضوء (٩) وأخرجه البخاري في كتاب: الوضوء باب: الاستجمار وترا (١٦٠) وأخرجه مسلم في كتاب الطهارة باب: كراهة غسل المتوضئ وغيره يده المشكوك في الإناء قبل غسلها (٢٧٨)..
٧ أخرجه أبو داود في كتاب: الطهارة (٦٧) وأخرجه الترمذي في كتابك الطهارة باب: ما ينجس الماء (٦٣).
٨ سورة المائدة الآية: ٦..
٩ سورة الأنفال الآية: ١١.
﴿ لنحيي به ﴾ أي بالماء ﴿ بلدة ميتا ﴾ ذكر ميتا لان البلدة بمعنى البلد أو بتأويل المكان أو لأن تأنينه غير حقيقي أو لأنه جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجري مجرى الجامد ﴿ ونسقيه ﴾ سقى وأسقى لغتان بمعنى واحد ﴿ مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ﴾ يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالمطر ولذلك نكر الأنعام والأناسي وتخصيصهم لان أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار والآبار والمنابع فيستغنون لأنفسهم ولأنعامهم عن سقي السماء ولأن سياق الآية لتعداد النعم على الإنسان وعامة منافعهم وغالب معايشهم منوط بالأنعام ولذلك قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها وأناسي جمع إنسي أو جمع إنسان كظرابي جمع ظربان على أن أصله أناسين كبساتين جمع بستان فقلبت النون ياء
﴿ ولقد صرفناه ﴾ يعني المطر ﴿ بينهم ﴾ مرة ببلد ومرة ببلد آخر قال البغوي قال ابن عباس ما من عام بأمطر من عام ولكن الله يصرفه في الأرض وقرأ هذه الآية وروي مرفوعا " ما من ساعة من ليل ولا نهار إلا السماء يمطر فيها يصرفه الله حيث يشاء " وذكر ابن إسحاق وابن جرع ومقاتل وبلغوا ابن مسعود يرفعه قال " ليس من سنة بأمطر من أخرى ولكن الله قسم هذه الأرزاق فجعلها في السماء الدنيا في هذا القطر ينزل منه كل سنة بكيل معلوم ووزن معلوم وإذا عمل قوم بالمعاصي حول الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعا صرف ذلك إلى الفيافي والبحار " وقيل المراد بتصريف المطر تصريفه وابلا وطلا ورذاذا ونحوها وقيل المراد تصريفه في الأنهار أو في المنابع وقيل التصريف راجع إلى القول يعني صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وسائر الكتب ﴿ ليذكروا ﴾ أي ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره أو ليعتبروا بالصرف عنهم واليهم ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفورا ﴾ أي إلا كفران النعمة إذا مطروا قالوا مطرنا بنوء كذا عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال :" صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح بالحديبية في أثرة سماء كانت بالليل فلما انصرف أقبل على الناس فقال هل تدرون ماذا قال ربكم ؟ قالوا الله ورسوله أعلم قال قال :أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب وأما من قال مطرنا بنوء كذا فذلك كافر بي ومؤمن بالكواكب " ١ متفق عليه.
١ أخرجه البخاري في كتاب: كصفة الصلاة باب: يستقبل الإمام الناس إذا سلم (٨٤٦) وأخرجه مسلم في كتاب باب: بيان كفر من قال مطرنا بالنوء (٧١)..
﴿ ولو شئنا ﴾ بعث الرسول في كل قرية ﴿ لبعثنا في كل قرية نذيرا ﴾ نبيا ينذر أهلها فيخف عليك أعياء التبليغ ولكن بعثناك إلى الناس كافة إجلالا لك وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرسل
﴿ فلا تطع الكافرين ﴾ فيما يدعونك إليه من موافقتهم ومداهنتهم ولكن اشكر إنعامنا عليك بالرسالة العامة فاثبت على ما أنت عليه من الدعوة وإظهار الحق ﴿ وجاهدهم به ﴾ أي بالله يعني بعونه وتوفيقه أو بالقرآن أو بترك طاعتهم الذي يدل عليه فلا تطع والمعنى أنهم يجتهدون في إبطال الحق فقابلهم بالإجتهاد في مخالفتهم وإحقاق الحق ﴿ جهادا كبيرا ﴾ شديدا بالقلب واللسان والسيف والسنان
﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ أي خلاهما متجاورين متلاصقين يقال هرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء عطف على قوله ﴿ وهو الذي أرسل الرياح ﴾ وما بينهما معترضات ﴿ هذا عذب فرات ﴾ قامع للعطش من فرط عذوبته ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ أي حر شديد الملوحة من تأجج النار إذا تلهب فإنه يريد في العطش هذان الجملتان بتقدير القول حال من البحرين أو صفة له على طريقة ولقد أمر على اللئيم يسبني أو بحذف الموصول مع الصلة والتقدير مرج البحرين اللذين يقال في شأنهما هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج ﴿ وجعل بينهما ﴾ عطف على مرج يعني جعل بينهما بقدرته ﴿ برزخا ﴾ حاجزا مانعا لاختلاط بعضها ببعض ﴿ وحجرا محجورا ﴾ أي سترا ممنوعا فلا يبغيان ولا يفسد الملح العذب قال البيضاوي وذلك كدخيلة تدخل البحر فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها وقيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم مثل النيل وبالبحر الملح البحر الكبير وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض فيكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة مع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت وتشابهت في الكيفية
﴿ وهو الذي خلق من الماء ﴾ أي من النطفة ﴿ بشرا فجعله نسبا وصهرا ﴾ أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم وذوات مهر إي إناثا يصاهر بهن فهو كقوله تعالى : ﴿ وجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ ١ وقيل ﴿ جعله نسبا وصهرا ﴾ أي ذا نسب منسوب إلى الآباء ذكرا كان أو أنثى وذا مهر بأن يتزوج ذكرا أو أنثى ﴿ وكان ربك قديرا ﴾ أي قادرا على ما يشاء حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين ربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكرا وأنثى
١ سورة القيامة الآية ٣٩..
﴿ ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ﴾ إن عبدوه عطف على الجملة السابقة أو حال بتقدير المبتدأ يعني وهم يعبدون ما لا ينفعهم ﴿ ولا يضرهم ﴾ أن هجروه ﴿ وكان الكافر على ربه ظهيرا ﴾ أي معينا للشيطان على ربه بالمعاصي وقيل معناه كان الكافر على ربه هينا ذليلا يقال جعلني ظهيرا أي ذليلا من ظهرت الشيء إذا جعلته خلف ظهرك ولم تلتفت إليه
﴿ وما أرسلناك إلا مبشرا ﴾ للمؤمنين بالجنة ﴿ ونذيرا ﴾ للكافرين من النار
جملة معترضة ﴿ قل ما أسئلكم عليه ﴾ أي على تبليغ الرسالة يدل عليه قوله ﴿ مبشرا ونذيرا ﴾ ﴿ من أجر ﴾ حتى يشق عليكم إتباعي خوف الغرامة جملة مستأنفة﴿ إلا ﴾ فعل ﴿ من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ ليتقرب إليه ويطلب الزلفي عنده جعل طاعة الرسول في امتثال أوامر الله والانتهاء عن مناهيه أجرا على الرسالة من حيث أنه مقصود منه واستثناه من الأجر المنفى سؤاله قلعا لشبهة الطمع وإظهارا لغاية الشفعة حيث جعل ما ينفعهم أجرا لنفسه وافيا مرضيا به مقصودا عليه وإشعارا بان طاعتهم يعود عليه بالثواب من حيث أنها بدلالته قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدال على الخير كفاعله " ١ رواه البراز عن ابن مسعود والطبراني عن سهل بن سعد وعن أبي مسعود ورواه أحمد وأصحاب الكتب الستة والضياء بزيادة " والله يحب إغاثة اللهفان " عن بريدة وابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج عن أنس نحوه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من غير أن ينقص من أجورهم شيء " ٢ رواه مسلم في حديث طويل عن جرير وقيل هذا استثناء منقطع ولكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا بالإنفاق من ماله في سبيله فليتخذ يعني لا أسألكم لنفسي أجرا ولكن لا منع من إنفاق المال في سبيل الله وطلب مرضاته واتخاذ السبيل إلى جنته ولعل الله سبحانه دفعا لتهمة سؤال الأجر في الأمر بأداء الزكاة وغيرها من الصدقات حرم الصدقات على نبيه وأهل بيته.
يستنبط من هذه الآية أنه لا يجوز الاستئجار للطاعة كتعليم القرآن والأذان والإمامة ونحو ذلك وقوله إلى ربه أي إلى ثواب ربه حال من سبيلا وهو مفعول ليتخذ
١ أخرجه الترمذي في كتاب: العلم باب: ما جاء الدال على الخير كفاعله (٢٦٧٠)..
٢ أخرجه مسلم في كتاب: الزكاة باب: التحريض على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار (١٠١٧)..
﴿ وتوكل على الحي الذي لا يموت ﴾ في دفع شرهم أو الاستغناء عن أجورهم فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم عطف على قل لا أسألكم ﴿ وسبح وبحمده ﴾ ونزهه عن صفات النقصان مثنيا عليه بصفات الكمال طالبا لمزيد الإنعام فقل سبحان الله وبحمده.
وقيل معناه صل لله شكرا على نعمه ﴿ وكفى به بذنوب عباده خبيرا ﴾ أي عالما فيجازيهم بها جملة كفى به حال من الحي
﴿ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش ﴾ لعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه من حيث أنه الخالق للكل والمتصرف وفيه إشارة إلى الثبات والتأني في الأمور فانه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج الموصول مبتدأ وخبره ﴿ الرحمان ﴾ أو الموصول صفة للحي أو منصوب على المدح بتقدير أعنى أو أمدح والرحمن خبر مبتدأ محذوف أي هو الرحمن أو بدل من فاعل استوى ﴿ فاسأل به ﴾ أي بما ذكر من الخلق والاستواء ﴿ خبيرا ﴾ أي عالما يخبرك بحقيقته كذا قال الكلبي والخبير هو الله أو جبرئيل أو من قرأ في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه.
وقيل الضمير للرحمن والمعنى إن أنكروا إطلاقه على الله فسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم وعلى هذا يجوز أن يكون مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدي بعن يعدي بالباء وقيل معناه فسأل إليها الإنسان بالرحمان خبيرا يخبرك بصفاته
﴿ وإذا قيل لهم ﴾ عطف على قوله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمان أو على جملة هو الرحمان ﴿ اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمن ﴾ لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله وكانوا يقولون لا نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب يسمونه رحمن لليمامة ﴿ أنسجد لما تأمرنا ﴾ أنت يا محمد كذا قرأ الجمهور بصيغة المخاطب خطابا للنبي صلى الله عليه وسلم وقرأ حمزة والكسائي ﴿ لما يأمرنا ﴾ بصيغة الغائب يعنون لما يأمرنا محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وزادهم ﴾ عطف على قالوا يعني وزادهم الأمر بالسجود للرحمن ﴿ نفورا ﴾ عن الإيمان.
﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجا ﴾ قال الحسن ومجاهد وقتادة البروج هي النجوم الكبار سميت بروجا لظهورها وقال عطية العوفي بروجا قصورا فيها الحرس ﴿ وجعل فيها سراجا ﴾ يعني الشمس لقوله تعالى : ﴿ وجعل الشمس سراجا ﴾ ١ قرأ حمزة والكسائي سرجا على الجمع وهي الشمس وسائر الكواكب سوى القمر فإنه ليس بسراج لأن السراج ما يضيء بنفسه والقمر نوره مستفاد من نور الشمس كما يدل عليه كماله ونقصانه على حسب مقابلة الشمس ويدل عليه العطف بقوله ﴿ وقمرا منيرا ﴾ مضيئا بالليل
١ سورة نوح الآية: ١٦..
﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ﴾ أي ذوي خلفة يخلف كل واحد منهما الآخر بأن يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر قال البغوي جاء رجل إلى عمر بن الخطاب قال فاتتني صلاة الليلة قال أدرك ما فاتك من ليلك في نهارك قال الله تعالى : ﴿ جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر ﴾ وقال مجاهد يعني كل واحد منهما مخالف للآخر هذا أسود وهذا أبيض ﴿ لمن أراد ﴾ متعلق بجعل ﴿ أن يذكر ﴾ قرأ حمزة والكسائي بتخفيف الذال والكاف وضمها مع سكون الذال من المجرد أي يذكر الله سبحانه والباقون بتشديد الذال والكاف وفتحهما من التفعل بإدغام التاء في الذال يعني لمن أراد أن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أنه لا بد له من صانع حكيم واجب لذاته رحيم على العباد أو المعنى أراد أن يذكر ما فاته في أحد الملوين من خير يفعله في الآخرة ﴿ أو أراد شكورا ﴾ أي شكر نعمة ربه عليه يعني أن خلق الليل والنهار وما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار وما فيها من المنافع لأجل أن يتذكر فيهما المتذكرون ويشكر على نعمائه الشاكرون فمن خلا وقته عن الذكر والشكر والتذكر والتفكر فقد ضاع وقته وهلك رأس ماله
﴿ وعباد الرحمان ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أضاف إلى نفسه تشريفا لهم وإظهارا لفضلهم أو لأنهم موصوفون بكمال الرحمة على الخلق وموعودون بكمال رحمة الله عليهم ﴿ الذين يمشون على الأرض هونا ﴾ هينين أو مشيا هينا مصدر وصف به والمعنى أنهم يمشون على الأرض بالسكينة والوقار متواضعين غير أشرين ولا متكبرين.
والهون في اللغة الرفق واللين وفي القاموس الهون الوقار ومنه قوله صلى الله عليه وسلم " المؤمن هين لين حتى تخاله من اللين أحمق " رواه البيهقي بسند ضعيف عن أبي هريرة ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون ﴾ عطف على يمشون يعني إذا خاطبهم السفهاء بما يكرهون ﴿ قالوا سلاما ﴾ قال مجاهد يعني سدادا من القول ما يسلمون فيه من الإيذاء والإثم كذا قال مقاتل بن حبان قال الحسن لو جهل عليهم جاهل حملوا ولم يجهلوا وروى عن الحسن معناه سلموا عليهم دليله قوله عز وجل ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم ﴾١ قال الكلبي وأبو العالية هذا قبل أن يؤمر بالقتال ثم نسختها آية القتال والحق أن الآية محكمة غير منسوخة فإنما الأمر بالقتال إنما هو لإعلاء كلمة الله حقا لله سبحانه وهو منته بقول لا إله إلا الله أو إعطاء الجزية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله " ٢ الحديث متفق عليه عن ابن عمر قال الله سبحانه ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ﴾ إلى قوله ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ﴾ ٣ وهذا بيان لحال المؤمنين في مقابلة السفهاء وإعراضهم عن انتقامهم وعدم مؤاخذ تهم لأجل أنفسهم عن أبي هريرة أن رجلا قال يا رسول الله :" إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني وأحسن إليهم ويسيئون إلي وأحلم عنهم ويجهلون علي فقال :لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل ولا يزال معك من الله ظهير ما دمت على ذلك " ٤ رواه مسلم روى عن الحسن البصري أنه إذا قرأ هذه الآية قال هذا وصف نهارهم ثم قرأ ﴿ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما٦٤ ﴾ فقال هذا وصف ليلهم
١ سورة القصص الآية: ٥٥..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: الزكاة باب: وجوب الزكاة (١٣٩٩) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إلع إلا الله محمدا ورسول الله (٢٠)..
٣ سورة التوبة الآية: ٢٩..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: البر والصلة والآداب باب: صلة الرحم وتحريم قطيعتها (٢٥٥٨)..
ثم قرأ ﴿ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما٦٤ ﴾ فقال هذا وصف ليلهم وخص البيتوتة لأن العبادة بالليل أشق وأبعد من الرياء وأوفق للقلب باللسان ولأن النهار خص لنوع آخر من العبادة وهو أنهم يجاهدون في سبيل الله لا يخافون في الله لومة لائم ويصاحبون خيار الناس للتعليم والتعلم والإرشاد والاسترشاد قوله لربهم متعلق بسجدا وهو جمع ساجد وقياما جمع قائم أو مصدر أجرى مجراه وتأخير القيام المروي عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أشراف أمتي حملة القرآن وأصحاب الليل " رواه البيهقي في شعب الإيمان وعن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" أفضل الصلاة بعد المفروضة صلاة في جوف الليل " رواه أحمد وعن أبي أمامة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عليكم بقيام الليل فإنه في دأب الصالحين قبلكم وهو قربة إلى ربكم ومكفرة للسيئات ومنهاة عن الإثم " ١ رواه الترمذي وعن أبي سعيد الخذري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ثلاثة يضحك الله إليهم الرجل إذا قام يصلي والقوم إذا صفوا في الصلاة والقوم إذا صفوا في قتال العدو " ٢ رواه البغوي في شرح السنة قال البغوي قال ابن عباس من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين أو أكثر فقد بات لله ساجدا أو قائما وعن عثمان بن عفان قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة ومن صلى الفجر في جماعة كان كقيام ليلة " ٣ رواه أحمد ومسلم في الصحيح.
١ أخرجه الترمذي في كتاب: الدعوات باب: في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم (٣٥٤٩)..
٢ رواه أحمد وأبو يعلى بسند صحيح.
أنظر: الجامع الصغير (٣٥٥)..

٣ أخرجه أبو داود في كتاب: الصلاة باب: في فضل صلاة الجماعة (٥٥٤) وأخرجه الترمذي في كتاب: الصلاة باب: ما جاء في فضل العشاء والفجر في الجماعة (٢٢٠)..
﴿ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ﴾ يعني أنهم مع حسن معاشرتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق خائفون من عذاب الله مبتهلون إلى الله في صرفه عنهم لعدم إعتذارهم بأعمالهم وعدم وثوقهم على استمرار حالهم عن علي رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل قل لأهل طاعتي من أمتك أن لا يتكلوا على أعمالهم فإني لا أناصب عند الحساب يوم القيامة أشاء أن أعذبه إلا عذبته وقل لأهل معصيتي من أمتك لا يلقوا بأيديهم فإني أغفر الذنوب العظيمة ولا أبالي " رواه أبو نعيم ﴿ إن عذابها كان غراما ﴾ أي لازما ومنه الغريم للملازمة وقال البغوي الغرام أشد اللازم وقيل غراما يعني هلاكا وقيل الغرام ما يصيب الإنسان من شدة ومصيبة قال محمد بن كعب القرظي سأل الله الكفار عن شكر نعمه فلم يؤدوا فأغرمهم الله فبقوا في النار قال الحسن كل غريم يفارق غريمه إلا جهنم.
﴿ إنها ﴾ يعني جهنم ﴿ ساءت مستقرا ومقاما ﴾ ساءت فعل ذم بمعنى بئست وفيها ضمير مبهم يفسره الضمير والمخصوص بالذم ضمير محذوف أي هي به يرتبط باسم إن ومستقرا حال أو تمييز والجملة تعليل للجملة الأولى أو تعليل ثان وكلاهما يحتملان الحكاية والابتداء من الله وجاز أن يكون ساءت من الأفعال المتصرفة من ساء يسوء سوءا ومساءة بمعنى مضاد لحسنت ويؤيد هذا المعنى قوله تعالى في وصف الجنة﴿ حسنت مستقرا ومقاما ﴾ ١ وعلى هذا في ساءت وضمير مستتر راجع إلى اسم إن مستقرا حال أو تمييز عن النسبة بمعنى ساء الاستقرار والإقامة فيها
١ سورة الفرقان الآية: ٧٦..
﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا ﴾ قرأ ابن كثير وأهل البصرة يقتروا بفتح الياء وكسر التاء وقرأ أهل المدينة وابن عامر بضم الياء وكسر التاء وقرأ الآخرون بفتح الياء وضم التاء وكلها لغات يقال اقتر يقتر وقتر بالتشديد وقتر يقتر ويقتر على وزن ينصر ويضرب والإسراف الإنفاق في معصية الله وإن قلت والإقتار منع حق الله تعالى وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن جريج وبه قال الحسن في هذه الآية أن معناه لم ينفقوا في معاصي الله ولم يمسكوا عن فرائض الله وقال قوم الإسراف مجاوزة الحد في الإنفاق حتى يدخل في حد التبذير والإقتار التقتير عما لا بد منه هذا معنى قول إبراهيم لا يجيعهم ولا يعريهم ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف قلت وهذا القول راجع إلى القول الأول بل هو أخص منه فانه مجاوزة الحد المشروع في الإنفاق المباح حتى دخل في حد التبذير وذلك حرام معصية حيث قال الله تعالى : ﴿ إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا٢٧ ﴾ ١ وإنفاق من وجب نفقته عليه بحيث لا يجيعهم ولا يعريهم فريضة والإمساك عنه إمساك عن فريضة الله ﴿ وكان ﴾ أي الإنفاق ﴿ بين ذلك ﴾ أي بين الإسراف والإقتار ﴿ قواما ﴾ قصدا وسطا حسنة بين السيئتين سمى الوسط قواما لاستقامة الطرفين كما سمى سواء لاستوائهما وهو خبر ثان أو حال مؤكدة وجاز أن يكون خبرا لكان وبين ذلك ظرفا لغوا وقيل إنه اسم كان مبني لإضافته إلى غير متمكن وهو ضعيف لأنه بمعنى القوام فيكون كالإخبار بالشيء عن نفسه
١ سورة الإسراء الآية: ٢٧..
أخرج الشيخان في الصحيحين عن ابن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم :أي الذنب أعظم ؟ قال " أن تجعل لله ندا وهو خلقك قلت ثم أي ؟ قال أن تقتل ولديك مخافة أن يطعم معك " قلت ثم أي ؟ قال أن تزاني حليلة جارك " ١ فأنزل الله تصديقها ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾ متعلق بمحذوف أي لا يقتلون قتلا إلا قتلا بالحق أو متعلق بلا يقتلون أي لا يقتلون بسبب إلا بالحق يعني بقود أو رجم أو نحو ذلك ﴿ ولا يزنون ﴾ نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات إظهارا لكمال إيمانهم وإشعارا بأن الأجر موعود للجامع بين ذلك وتعريضا للكفرة من الاتصاف بأضدادها كأنه قال والذين ظهرهم الله عما أنتم عليه من الشرور والسيئات ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لهم فقال ﴿ ومن يفعل ذلك ﴾ أي أشياء من هذه الأمور ﴿ يلق أثاما ﴾ يعني جزاء إثم كذا قال ابن عباس وقال أبو عبيدة الآثام العقوبة وقال مجاهد الآثام واد في جهنم قال البغوي يروى ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص ويروى في الحديث الغي والآثام بئران يسيل فيهما صديد أهل النار قلت :أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عمر في هذه الآية واد في جهنم وأخرج هناد عن سفيان مثله وأخرج ابن جرير والطبراني والبيهقي قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو أن صخرة زنة عشر أواق قذف بها من شفير جهنم ما بلغت سبعين خريفا ثم تنتهي إلى غي وآثام قلت وما غي وآثام قال نهران في أسفل جهنم يسيل فيهما صديد أهل النار " وهما اللذان ذكرهما الله تعالى في كتابه ﴿ فسوف يلقون غيا ﴾ ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاما ﴾
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: أخرج الشيخان عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لعملنا كفارة فنزلت ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ﴾.

١ أخرجه البخاري في كتاب: الأدب باب: قتل الولد خشية أن يأكل معه (٦٠٠١) وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: كون الشرك أقبح الذنوب وبيان أعظمها بعده (٨٦)..
﴿ يضاعف ﴾ قرأ ابن كثير وابن عامر يضعف من التفعيل والباقون من المفاعلة ﴿ له العذاب يوم القيامة ﴾لانضمام المعصية إلى الكفر ﴿ ويخلد ﴾ قرأ ابن عامر وأبو بكر يضاعف ويخلد بالرفع على الاستئناف أو الحال والباقون بجزمهما بدلا من يلق ﴿ فيه ﴾ قرأ ابن كثير على أصله وحفص هاهنا خاصة بصلة الضمير المجرور مبالغة في الوعيد والباقون على ما هو الأصل في الضمير المجرور إذا سكن ما قبله باختلاس كسرتها ﴿ مهانا ﴾ أي ذليلا حال
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: أخرج الشيخان عن ابن عباس أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا وزنوا فأكثروا ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لعملنا كفارة فنزلت ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا ﴾.
﴿ إلا من تاب ﴾ عن الشرك ﴿ وآمن وعمل عملا صالحا ﴾ إلى قوله تعالى : ﴿ غفورا رحيما ﴾ ونزلت ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ ١ الآية قال ابن عباس إلا من تاب من ذنبه ﴿ وآمن بربه وعمل عملا صالحا ﴾ فيما بينه وبين ربه وأخرج البخاري وغيره عن ابن عباس قال لما أنزل في الفرقان ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي ﴾ الآية قال مشركو مكة قد قتلنا النفس بغير الحق ودعونا مع الله إلها آخر وأتينا الفواحش فنزلت ﴿ إلا من تاب ﴾ ٢ وقال البغوي أخبرنا عن ابن عباس قال قرأنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنتين ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ﴾ الآية ثم نزلت ﴿ إلا من تاب وآمن ﴾ فما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فرح بشيء وفرحه بها فرحه ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ﴾ فإن قيل :لا يجوز الاستثناء مفصولا فكيف يقال بنزوله بعد سنتين ؟ قلنا :نزلت هذه الآية أول مرة بغير الاستثناء ثم نزلت تلك الآيات مع الاستثناء فهذه الآية ناسخة الأولى في المقدار المستثنى فإن قيل تقرر في الأصول أن محل النسخ الأحكام دون الأخبار وهذه الآية إخبار فكيف يمكن نسخه ؟ قلنا :عدم جواز النسخ في الإخبار لعدم إحتمال التخلف فيها كيلا يلزم وآية الوعيد يجوز نسخه لأنه أنشئ للوعيد يحتمل التخلف فيه تفضلا ومغفرة هذه الآية تدل على أن الاستثناء من الإثبات نفي وبالعكس كما يدل على ذلك الاستثناء المفرغ وليس كما قالوا أن المستثنى في حكم المسكوت عنه والاستثناء تكلم بالباقي بعد الثنيا إذ لو كان كذلك لما لجاز نسخ المنطوق بالمسكوت وقوله عملا صالحا منصوب على المفعولية أو المصدر به ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ فذهب جماعة على أن المراد أن يمحو الله سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم أو يبدل الله في الدنيا ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة ويوفقه لأضداد ما سلف منهم من المعاصي وهذا معنى قال ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك والسدي يبدل الله بقبائح ما عملوا في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام فيبدل الله لهم بالشرك التوحيد وبقتل المؤمنين قتل المشركين المحاربين وبالزنى عفة وإحصانا وذهب جماعة إلى أن المراد أن الله تعالى يبدل سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة تفضلا وهو قول سعيد بن المسيب ومكحول وعائشة وأبي هريرة وسلمان رضي الله عنهم أجمعين ويؤيده حديث أبي ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال أعرضوا صغائر ذنوبه فتعرض عليه صغائرها وتخبأ كبائرها فيقال أعملت كذا وكذا وهو يقر ليس ينكر وهو مشفق من الكبائر فيقال أعطوه مكان كل سيئة حسنة فيقول إن لي ذنوبا لا أراها هاهنا فلقد رأيت رسول الله ضحك حتى بدت نواجذه " ٣ رواه مسلم وأخرج ابن أبي حاتم عن سلمان قال يعطى رجل يوم القيامة صحيفة فيقرأ أعلاها فإذا يكاد ليسوء ظنه نظر في أسفلها فإذا حسناته ثم ينظر في أعلاها فإذا هي قد بدلت حسنات وأخرج أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :ليأتين الله بناس يوم القيامة ودوا أنهم أكثروا من السيئات قيل من هم ؟ قال الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات. فإن قيل كيف يتصور تبديل ا لسيئة على هذا المعنى بالحسنة وكيف يثاب على السيئة فإن السيئة أمر مكروه غير مرضي لله تعالى فكيف يتصور كونه مرضيا له تعالى فإن الله لا يرضى لعباده الكفر والعصيان ؟ قلت :توجيه ذلك عندي بوجهين أحدهما :أن عباد الله الصالحين كلما صدر عنهم ما كتب الله عليهم من العصيان ندموا غاية الندم واستحقروا أنفسهم غاية الاستحقار والتجئوا إلى الله تعالى كمال الالتجاء وخافوا عذاب الله مع رجاء المغفرة فاستغفروه حتى صاروا مهبطا لكمال الرحمة بحيث لو لم يدنبوا لم يصيروا بهذه المثابة فعلى هذا صاروا عصيانهم الذي كان سبب للعقاب سببا للثواب ولو بتوسط الندم والتوبة ومن هاهنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله ويغفر لهم " ٤ رواه مسلم من حديث أبي هريرة وقال رسول الله :صلى الله عليه وسلم :" استغفروا لماعز بن مالك لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لو سعتهم " ٥ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد بن الوليد حين سب المرأة الغامدية " مهلا يا خالد فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له " ٦ رواه مسلم في قصة ماعز والغامدية عن بريدة وهذا ما قيل معصية أولها غفلة وآخرها ندامة خير من طاعة أولها عجب وآخرها رؤية. ثانيهما أن الغائصين في بحار المحبة قد يصدر منهم أمور لا يتزن بميزان الشرع ككلمات الشيخ والسماع والوجد ورهبانية ابتدعوها يجعل الله تعالى هذه الأمور الصادرة منهم كلها حسنات لصدورها عن محبة صرفة ومن هاهنا قال العارف الرومي مثنوي :
فرجه كيرد علتي علت شرد كفر كيرد كاملي ملت شرد
كاريا كان راقياس ازخودمكير*** كرجه ما نددو نوشتن شيرشير
أو بدل كشت وبدل شدكاراو لطف كشت ونورشد هرناراو
ولعل ما ورد في حديث أبي ذر أنه يقال " أعرضوا صغائر ذنوبه فيعرض عليه صغائرها ويخبأ عنه كبائرها " اشارة إلى هذا فإن هذه الأمور التي تصدر من الكاملين لغلبة المحبة إنما هي بميزان الشرع صغار الذنوب دون كبائرها يجعلها الله تعالى لهم حسنات لكونها ناشئة من منابع المحبة وأما كبار الذنوب التي صدرت عنهم على سبيل الندرة لما كتب الله تعالى صدورها عنهم فيخبأ عنهم ويغفر ويسترو لا يذكركما أشير إليه بقوله تعالى :
﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ يغفر الذنوب جميعا صغائرها وكبائرها بالتوبة وبلا توبة قلت لعل قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إشارة إلى فناء القلب فإن المرء بعد فناء بعد فناء قلبه لا يقصد شيئا غير الله ولا يرجوا شيئا إلا منه ولا يخاف غيره وكل ما هو مقصود لك فهو معبود لك بل لا يري غيره موجود الموجود متأصل والإله هو الوجود بوجود متأصل يقتضي ذاته وجوده فإن قيل أليس المؤمنون عامة قبل الفناء يعتقدون بأن الله موجود بوجود يقتضيه ذاته وغيره ليس كذلك ؟ قلت :بلى يعتقدون ذلك لكن بالاستدلال دون الرؤية والشهود ويشهد على ذلك بداهة الوجدان وخوفهم وطمعهم من الخلق وقوله تعالى : ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ﴾ إشارة إلى فناء النفس وأن النفس الأمارة بالسوء إذا فنيت واطمأنت بمرضاة الله تعالى انسلخ عن دواعي العصيان والدليل على هذه الإشارة وصفهم بهذه الصفات بعد وصفهم بصفات الكمال بقوله ﴿ عباد الرحمن الذين يمشون ﴾ إلى آخره ولو كان المراد به التوحيد المجازي والتقوى الظاهري لقدم ذلك على الصفات المذكورات فيما سبق
١ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: كون الإسلام يهدم ما قبله وكذا الهجرة والحج (١٢٢) وأخرجه البخاري في كتاب: التفسير باب: ﴿قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ (٤٨١٠)..
٢ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير باب: ﴿يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا﴾ (٤٧٦٥) وأخرجه مسلم في كتاب: التفسير (٣٠٢٣)..
٣ أخرجه مسلم في كتاب: الإيمان باب: أدنى أهل الجنة منزلة فيها (١٩٠)..
٤ أخرجه مسلم في كتاب: التوبة باب: الذنوب بالاستغفار توبة (٢٧٤٩)..
٥ أخرجه مسلم في كتاب: الحدود باب: من اعترف على نفسه بالزنا (١٦٩٥)..
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الحدود باب: من اعترف على نفسه بالزنا (١٦٩٥).
﴿ ومن تاب ﴾ عن الشرك والمعاصي بتركها والندم عليها والاستغفار ﴿ وعمل صالحا ﴾ بتلافي ما فرط أو خرج عن الشرك والمعاصي ودخل في الطاعة ﴿ فانه يتوب ﴾ أي يرجع ﴿ إلى الله متابا ﴾ لا إلى غيره فحق عليه تعالى أن يثيبه ويبدل سيئاته بالحسنات وهذه الجملة معترضة معطوفة على معترضة سابقة وهي قوله تعالى ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاما ﴾ والجملتان وقعتا بين الموصولات التي هي صفات مادحة لعباد الرحمن الأولى منهما لبيان عقاب المسيئين المفهومين من قوله تعالى ﴿ والذين لا يدعون ﴾ إلى آخره والثانية منهما لبيان عاقبة التوابين المذكورين في الاستثناء قيل التنكير في متابا للتعظيم والترغيب إلى التوبة لئلا يتحد الشرط يعني أنه يتوب إلى الله متابا فرضيا عند الله ماحيا للعقاب محصلا للثواب وقيل معناه فانه يرجع إلى الله أي ثوابه مرجعا حسنا وهذه تعميم بعد تخصيص وقال البغوي قال بعض أهل العلم هذه الآية في التوبة عن غير ما ذكر في الآية الأولى من القتل والزنى يعني من تاب ورجع عن الشرك وأدى الفرائض فمن لم يقتل ولم يزن فإنه يتوب إلى الله أي يعود إليه بعد الموت متابا حسنا يفضل على غيره ممن قتل وزنى ثم تاب فالتوبة الأولى أي الشرط أعني قوله ومن تاب معناها رجع عن الشرك والثانية أي الجزاء أي الجزاء أعنى فإنه يتوب إلى الله متابا معناها رجع إلى الله للجزاء والمكافآت فافترقا وقال بعضهم هذه الآية في التوبة عن جميع المعاصي ومعناه ومن أراد التوبة وعزم عليها فليتب لوجه الله فقوله يتوب إلى الله متابا خبر بمعنى الأمر ليتب إلى الله وقيل معناه فليعلم أن توبته ومصيره إلى الله قلت وعلى تقدير كون المراد بقوله تعالى يبدل الله سيئاتهم التائبين الذين صدر عنهم بعض الأمور التي لم يتزن بميزان الشرع لغلبة السكر والمحبة فبدل الله سيئاتهم حسنات لأجل محبتهم جاز أن يكون المراد بالتائبين في هذه الآية عباد الله الصالحين الذين لم يصدر عنهم شيء من تلك الأمور يعني من رجع عن جميع ما كره الله ولم يعملوا شيئا منها ولو بغلبة المحبة والسكر فإنه يتوب إلى الله متابا أحسن من الأولين وهم أصحاب الصحو من الأولياء كالنقشبندية الذين هم على هيئة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في إتباع السنة والله أعلم.
﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ قال البغوي قال الضحاك وأكثر المفسرين يعني الشرك فإنه شهادة بالزور قلت ويلزم على ذلك التكرار لما مر من قوله تعالى والذين لا يدعون مع الله إلها آخر وقال علي بن طلحة يعني لا يشهدون على الناس شهادة الزور.
مسألة :
قال البغوي قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلد شاهد الزور أربعبن جلدة ويسخم وجهه ويطاف به في السوق وروى ابن أبي شبية ثنا أبو خالد عن حجاج عن مكحول عن الوليد عن عمر أنه كتب إلى عماله بالشام في شاهد الزور يضرب أربعين سوطا ويسخم وجهه ويحلق رأسه ويطال حبسه وروى عبد الرزاق في مصنفه عن مكحول أن عمر ضرب شاهد الزور أربعين سوطا وقال أخبرنا يحيي بن العلاء أخبرني الأحوص بن الحكيم عن أبيه أن عمر بشاهد الزور أن يسخم وجهه ويلقى عمامته في عنقه ويطاف به في القبائل ومن هاهنا قال مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد أنه يعزر شاهد الزور بالضرب ويوقف في قومه حتى يعرفوا أنه شاهد الزور وزاد مالك فقال ويشهد في الجوامع والأسواق قالوا إنه كبيرة من الكبائر على ما صرح به النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أنس رواه الشيخان في الصحيحين وفيها رواه البخاري أنه صلى الله عليه و سلم قال :" ألا أخبركم بأكبر الكبائر ؟ قالوا بلى يا رسول الله قال :الشرك بالله وعقوق الوالدين ( وكان متكئا فجلس فقال ) :ألا وقول الزور وشهادة الزور " فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت " ١ وقرن الله تعالى بينها وبين الشرك حيث قال : ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور ﴾ ٢ فإذا كان كبيرة وليس فيها تقدير شرعي في الحد ففيها التعزير وقال أبو حنيفة يكتفي في تعزيره بالتشهير ولا يضرب ولا يحبس فإن المقصود الإنزجار ويحصل ذلك بالتشهير وأما الضرب وغير ذلك فمبالغة في الزجر لكنه يقع مانعه من الرجوع وشهادة الزور لا يظهر إلا بالإقرار والرجوع فوجب التخفيف نظرا إلى هذا الوجه وأثر عمر محمول على السياسة ومثل مذهب أبي حنيفة روي عن شريح روى محمد بن الحسن في كتاب الآثار من طريق أبي حنيفة عن أبي الهيثم عمن حدثه عن شريح أنه كان إذا أخذ شاهد الزور فإن كان من السوق قال للرسول قل لهم أي لأهل السوق إن شريحا يقرئكم السلام ويقول لكم إنا وجدنا هذا شاهد زور فاحذروه فإن كان من العرب أرسل إلى مسجد قومه أجمع ما كانوا فقال للرسول مثل ما قال في المرة الأولى وكذا روى ابن أبي شيبة عن شريح وقال ابن جريج المراد بشهادة الزور الكذب مطلقا وقيل معنى الآية لا يحضرون مجالس الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه فلا يجوز أن يسمع قصة فيها أباطيل أو يقرأ شعرا كذلك قال مجاهد يعني لا يحضر أعياد المشركين وقيل المراد به النوح وقال قتادة لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم وقال محمد بن الحنفية لا يشهدون اللغو والغناء قال ابن مسعود الغناء ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الزرع قال البغوي وأصل الزور تحسين الشيء ووضعه على خلاف صفته فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق قلت الزور في اللغة الميل قال الله تعالى : ﴿ تزاور عن كهفهم ﴾ ٣ وفي الكذب ميل من الحق إلى الباطل وكذا في كل لغو وفي القاموس الزور بالضم الكذب والشرك بالله وأعياد اليهود والنصارى والرئيس ومجلس الغناء وما يعبد من دون الله والقوة قلت :وهذه الآية يصلح كل ما ذكر من المعاصي إلا الرئيس والقوة ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراما ﴾ عطف على ﴿ لا يشهدون الزور ﴾ فهما صلتان لموصول واحد والأظهر في وجه إشتراكهما أن يراد بالزور المعاصي كلها بالشهود الحضور وباللغو أيضا المعاصي كلها كما قال الحسن والكلبي والمعنى الذين لا يحضرون مجالس المعاصي باختيارهم وإذا مروا هناك اتفاقا وإكراما مسرعين معرضين غير مقبلين عليه يقال كرم فلان عما يشينه إذا تنزه وأكرم نفسه عنه وقال مقاتل معنى الآية وإذا سمعوا من الكفار الشتم والأذى أعرضوا وصفحوا وهو رواية ابن جريج عن مجاهد نظيره ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ﴾ ٤ قال السدي هي منسوخة بآية القتال قلت بل هي غير منسوخة إذا القتال منته بإعطاء الجزية ولا يجوز القتال بالشتم والأذى.
١ أخرجه البخاري في كتاب: الشهادات باب: ما قيل في شهادة الزور (٢٦٥٤) وأخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب: بيان الكبائر وأكبرها (٨٧)..
٢ سورة الحج الآية: ٣٠..
٣ سورة الكهف الآية: ١٧..
٤ سورة القصص الآية:٥٥..
﴿ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ﴾ بالوعظ والقراءة أو بالدلالة على دلائل التوحيد والتنزيه ﴿ لم يخروا عليها صما وعميانا ﴾ أي لم يقيموا غير واعين لها وغير متبصرين بعيون متغافلين عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يروها بل يسمعون ما يذكرون به سماع قبول فيفهمونه ويرون الحق فيتبعونه والمراد نفي الحال دون الفعل كقولك لا يلقاني زيد راكبا ويقول الهاء للمعاصي المدلول عليها باللغو
﴿ والذين يقولون ربنا هبا لنا من أزواجنا وذرياتنا ﴾ قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وأبو بكر وذريتنا بغير ألف والباقون بالألف على الجمع ﴿ قرة أعين ﴾ تنكير الأعين لإرادة تنكير القرة تعظيما وأورد الأعين بصيغة جمع القلة لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم ومن إبتدائية يعني هب لنا قرة أعين كائنة من أزواجنا وذرياتنا يعني اجعلهم صالحين تقربهم أعيننا قال القرطبي ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل قال الحسن وحد القرة لأنها مصدر وأصلها من البرد لان العرب تتأذى من الحر وتستريح من البرد وتذكر قرة العين عند السرور وسخنة الأعين عند الحزن ويقال دمع العين عند السرور بارد وعند الحزن حار وقال الأزهري معنى قرة الأعين أن يصادف قلبه من يرضاه وتقر عينه عن النظر إلى غيره ﴿ واجعلنا للمتقين إماما ﴾ تأكيد للجملة السابقة فإن أزواجهم وذرياتهم إذا كانوا متقين وهم أئمة لأزواجهم وذرياتهم صاروا للمتقين إماما واحدا إماما للدلالة على الجنس وعدم اللبس كما في قوله تعالى : ﴿ ثم يخرجكم طفلا ﴾ ١ ﴿ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ﴾٢ وقيل لأنه مصدر كالقيام والصيام يقال أم إماما كما يقال قياما وصام صياما أو لأن المراد أجعل كل واحد منا للمتقين إماما كما في قوله تعالى : ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ ٣ أو لكون كلهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم وقيل هي جمع أم كصائم وصيام والمعنى قاصدين للمتقين سالكين سبيلهم
١ سورة غافر الآية: ٦٧..
٢ سورة الشعراء الآية: ٧٧..
٣ سورة الشعراء الآية: ١٦..
﴿ أولئك ﴾أي عباد الله الصالحين الموصوفين بتلك الصفات ﴿ يجزون الغرفة ﴾ أي يثابون أعلى مواضع الجنة روى الشيخان في الصحيحين وأحمد عن أبي سعيد الخذري رضي الله عنه والترمذي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف فوقهم كما ترون الكوكب الدري الغابر من أفق المشرق أو المغرب لتفاضل ما بينهم قالوا يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم بلى والذي نفسي بيده رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين " ١ وروي عن سهل بن سعد مثله وأخرج أحمد والحاكم وصححه والبيهقي عن ابن عمرو الترمذي والبيهقي عن علي وأحمد عن أبي مالك الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن في الجنة غرف يرى ظاهرها من باطنها من ظاهرها قالوا لمن يا رسول الله ؟ قال لمن أطاب الكلام وأطعم الطعام وبات قانتا والناس نيام " ٢ كذا في حديث ابن عمر وفي حديث علي " لمن أطاب الكلام وأفشى السلام ويطعم الطعام وصلى بالليل والناس نيام " وفي حديث أبي مالك " لمن أطعم الطعام وألان الكلام وتابع الصيام وصلى بالليل والناس نيام " وأخرج البيهقي وأبو نعيم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال :قال لنا النبي صلى الله عليه وسلم :" ألا أخبركم بغرف الجنة ؟ قلنا بلى يا رسول الله قال إن في الجنة غرفا من أصناف الجواهر يرى ظاهرها من باطنها فيها من النعيم واللذات والشرف ما لا عين رأت ولا أذن سمعت قلنا يا رسول الله لمن هذه الغرف ؟ قال :لمن أفشى السلام وأطعم الطعام وأدام الصيام وصلى بالليل والناس نيام قلنا يا رسول الله ومن يطيق ذلك ؟ قال :أمتي يطيق ذلك وسأخبركم عن ذلك من لقي أخاه وسلم عليه ورد عليه فقد أفشى السلام ومن أطعم أهله وعياله من الطعام حتى يشبعهم فقد أطعمهم الطعام ومن صام رمضان ومن كل شهر ثلاثة فقد أدام الصيام ومن صلى العشاء الأخيرة وصلى الغداة في جماعة فقد صلى بالليل والناس نيام اليهود والنصارى والمجوس " وإسناده غير قوي وأخرج ابن عدي والبيهقي عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن في الجنة لغرفا فإذا كان ساكنها فيها لم يخف عليه ما خلفها وإذا كان خلفها لم يخف عليه ما فيها فقيل لمن هي يا رسول الله ؟ قال :لمن أطاب الكلام وواصل الصيام وأطعم الطعام وأفشي السلام وصلى بالليل والناس نيام قيل وما طيب الكلام ؟ قال سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر فإنه يأتي يوم القيامة وهن مقدمات ومنجيات ومعقبات قيل وما وصال الصوم ؟ قال من صام شهر رمضان فصامه قيل فما إطعام الطعام ؟ قال من قات عياله قيل فما إفشاء السلام ؟ قال مصاحبة أخيك وتحيته قيل وما الصلاة والناس نيام ؟ قال صلاة العشاء الآخرة " وأخرج الحكيم الترمذي عن سهل بن سعد مرفوعا في هذه الآية قال :الغرفة من ياقوتة حمراء وزبرجد خضراء ودرة بيضاء ليس فيها قصم ولا صم " ﴿ بما صبروا ﴾ أي بصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وعلى تحمل المجاهدات وعلى أذى المشركين وأخرج أبو نعيم عن أبي جعفر قال بما صبروا على الفقر في دار الدنيا ﴿ ويلقون ﴾ قرأ حمزة والكسائي وأبو بكر بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف والباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف ﴿ فيها ﴾ أي في تلك الغرفة ﴿ تحية وسلاما ﴾ أي يحييهم الملائكة ويسلمون عليهم أي يدعون الله لهم أو يبشرهم بالبقاء والسلامة من كل آفة وقال الكلبي يحياء بعضهم على بعض بالسلام ويرسل الرب إليهم السلام وأخرج أحمد والبزار وابن حبان عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أول من يدخل الجنة من خلق الله فقراء المهاجرين الذين تسد بهم الثغور وتتقي بهم المكاره ويموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء فيقول الله تعالى لمن يشاء من الملائكة ائتوهم فحيوهم فيقول الملائكة ربنا نحن سكان سمائك وخيرتك من خلقك فتأمرنا أن نأتي هؤلاء ونسلم عليهم قال إنهم كانوا يعبدونني لا يشركون بي شيئا وتسد بهم الثغور وتتقى بهم المكاره يموت أحدهم وحاجته في صدره لا يستطيع لها قضاء قال فتأتيهم الملائكة عند ذلك فيدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار " ٣ وقيل معناه يلقون فيها تحية أي بقاء دائما وسلام من الآفات
١ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة (٣٢٥٦) وأخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها باب ترائي أهل الجنة وأهل الغرف (٢٨٣١)..
٢ أخرجه الترمذي في كتاب: البر والصلة باب: ما جاء في قول المعرف (١٩٩٠)..
٣ رواه أحمد والبزار ورجاله ثقات.
أنظر مجمع الزوائد في كتاب: الزهد باب: فضل الفقراء (١٧٨٨٦).

﴿ خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما٧٦ ﴾ أي موضع في قرار وإقامة وأخرج مسلم عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ينادي مناد إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا " ١.
١ أخرجه مسلم في كتاب: الجنة وصفه نعيمها وأهلها باب: في دوام نعيم أهل الجنة (٢٨٣٧)..
﴿ قل ﴾ يا محمد ﴿ ما يعبؤا بكم ربي ﴾ جملة مستأنفة من عبأت الجيش عبوا أي رتبتهم وهيئتهم كذا في النهاية ما يهيئكم لدخول الجنة ﴿ لولا دعاؤكم ﴾ إياه بالاستغفار وقيل لولا عبادتكم وقيل لولا إيمانكم وقيل لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام فإذا آمنتم هيأكم لدخول الجنة وقيل ما يعبؤا من العبا بمعنى الثقل يعني ما يرى ربكم لكم وزنا وقدرا ولا يعتد بكم لولا دعاؤكم أي عبادتكم وطاعتكم إياه فإن شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة وإلا فهو كالإنعام بل هو أضل سبيلا أو لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام فإذا آمنتم ظهر لكم قدر وقيل معناه ما يعبؤكم ولا يعتد بكم أي بخلقكم لولا عبادتكم وطاعتكم يعني أنه خلقكم لعبادته كما قال : ﴿ ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾١
وقال البغوي هذا قول ابن عباس ومجاهد وقيل معناه ما يبالي بكم وهذا المعنى مأخوذ من الثقل والوزن والقدر فإن الشيء الثقيل ذا القدر والوزن يبالي به فقيل معناه ما يبالي بمغفرتكم ربي لولا دعاؤكم معه آلهة وما يفعل بعذابكم لولا شرككم كما قال الله تعالى : ﴿ ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ﴾ ٢ وقيل معناه ما يبالي بعذابكم لولا دعاؤكم إياه في الشدائد كما يدل عليه قوله تعالى : ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ﴾ ٣ وقيل معناه ما خلقكم ربكم وله إليكم حاجة وليس لكم في جنبه تعالى قدر إلا أن تسألوه فيعطيكم وتستغفروه فيغفر لكم فما على هذه الوجه نافية وإن جعلتها استفهامية فمحلها النصب على المصدر كأنه قيل أي عبأ يعبؤا بكم ﴿ فقد كذبتم ﴾ خطاب لكفار مكة يعني أن الله دعاكم بالرسول إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول فلم تجيبوا فكيف يهيئكم لدخول الجنة أو فكيف يكون لكم عنده وزن وقدر أو فكيف يبالي بعذابكم أو فكيف لا يبالي بمغفرتكم ﴿ فسوف يكون ﴾ تكذيبكم ﴿ لزاما ﴾ أي لازما لكم فلا ترزقون التوبة حتى تجازى أعمالكم أو المعنى يكون جزاء تكذيبكم لازما لكم يحيق بكم لا محالة أو أثره لازما بكم حتى يكبكم في النار وقال ابن عباس لزاما يعني موتا وقال أبو عبيدة هلاكا وقال ابن زيد قتالا وقال ابن جرير عذابا دائما لازما وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم ببعض قال البغوي اختلفوا فيه فقال قوم هو يوم بدر قتل منهم سبعون وهو قول ابن مسعود وأبي بن كعب ومجاهد يعني أنهم قتلوا يوم بدر وأتصل به عذاب الآخرة لازما روى البخاري في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال :" خمس قد مضين الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام " ٤ وقيل اللزام هو عذاب الآخرة والله أعلم.
١ سورة الذاريات الآية: ٥٦..
٢ سورة النساء الآية: ١٤٧..
٣ سورة العنكبوت الآية: ٦٥..
٤ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير باب: ﴿فسوف يكون لزاما﴾ (٤٧٦٧)..
السورة التالية
Icon