0:00
0:00

سورة الفرقان
في السورة صور عديدة لمواقف الكفار من النبي صلى الله عليه وسلم وأقوالهم وتعجيزاتهم. وحملة تقريعية وإنذارية عليهم. وردود مفحمة ببراهين على قدرة الله وعظمته وربوبيته. وتذكير ببعض الأمم السابقة ومصائرهم. وتنويه بالمؤمنين الصالحين وأخلاقهم وحسن عاقبتهم.
وبين موضوعاتها وموضوعات السورة السابقة شيء غير يسير من التشابه والتساوق مما يمكن أن يكون قرينة على صحة ترتيب نزولها بعدها. ونظم السورة مسجع وموزون أكثر منه مرسلا. وفصولها مترابطة. وهذا وذاك مما يسوغ القول بوحدة نزولها، أو تلاحق فصولها في النزول. وقد روى المصحف الذي اعتمدناه أن الآيات [ ٦٨ ٧٠ ] مدنيات. وانسجامها مع السياق والأسلوب وبروز الطابع المكي عليها مما يحمل على الشك في الرواية. وقد روى الطبري تفنيدا للرواية وتوكيدا بمكية الآيات. وهناك حديث رواه مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس سنورده في ما بعد جاء فيه أن الآية [ ٧٠ ] مكية وهذه الآية جزء لا يتجزأ من الآيتين السابقتين لها حيث يؤيد كل هذا شكّنا في الرواية.

تبارك :تزايد خيره وعظمت بركته.
الفرقان :معناها اللغوي الفارق. وهي مصدر فرق بمعنى فصل. ووردت في القرآن بمعان عديدة حيث وردت بمعنى التفريق بين الحق والباطل وبمعنى المبين للحقّ وبمعنى نصر الله وتأييده وللكناية عن القرآن والإشارة إليه وللكناية عن كتب الله مطلقا وعن كتب موسى عليه السلام وهي هنا للكناية عن القرآن. وقيل فيما قيل عن كنايتها للقرآن إنها تأتي أحيانا بمعنى المفرّق ضد المجموع للدلالة على نزوله مفرقا وليس جملة واحدة.
عبده :كناية عن النبي صلى الله عليه وسلم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ١ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والْأَرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا َلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ٢ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ ولَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا ولَا نَفْعًا ولَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولَا حَيَاةً ولَا نُشُورًا ٣ ﴾ [ ١ ـ ٣ ].
بدأت السورة بالثناء على الله تعالى. وهذا المطلع من مطالع السورة المتكررة على اختلاف في الصيغ.
وقد أعقب الثناء في الآية الأولى والثانية تقرير كون الله تعالى هو الذي أرسل عبده صلى الله عليه وسلم لينذر العالم أجمع ويبيّن لهم طريق الحق والهدى ويدعوهم إليه، وتقرير كون الله تعالى هو ملك السماوات والأرض وليس له شريك فيه ولم يتخذ ولدا، وأنه خلق كل شيء على أدقّ ترتيب وحساب. أما الآية الثالثة فقد احتوت تنديدا بالكافرين الجاحدين الذين يتخذون آلهة من دونه لا يخلقون شيئا وهم أنفسهم مخلوقون ولا يملكون لأنفسهم ـ فضلا عن غيرهم ـ ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، حيث انطوى فيها تسفيه للمشركين والجاحدين بعبادتهم مثل هذه الآلهة دون الله تعالى مالك كل شيء وخالق كل شيء دون ما شريك.
ويبدو من الآيات التي جاءت بعد هذه الآيات أن هذه الآيات جاءت مقدمة لحكاية مواقف جحودية واستهزائية وتعجيزية وقفها الكفار والمشركون. وهي قوية نافذة فيما احتوته من تقرير وتنديد وتسفيه.
وفي الآية الأولى تقرير جديد بكون الله عزّ وجلّ إنما أنزل القرآن ليكون نذيرا للعالمين في كل زمان ومكان. وقد سبق تقرير كون القرآن ذكرا للعالمين في سورتي القلم وص كما سبق أمر الله في سورة الأعراف للنبي صلى الله عليه وسلم بإعلان كونه رسول الله إلى الناس جميعا حيث يتلاحق تقرير هذا الأمر منذ أوّل العهد النبوي فينطوي في ذلك ردّ قاطع متكرر على من يزعم خلاف ذلك.

قدّره تقديرا :خلقه بحساب وإحكام دقيقين.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ١ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والْأَرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا َلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ٢ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ ولَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا ولَا نَفْعًا ولَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولَا حَيَاةً ولَا نُشُورًا ٣ ﴾ [ ١ ـ ٣ ].
بدأت السورة بالثناء على الله تعالى. وهذا المطلع من مطالع السورة المتكررة على اختلاف في الصيغ.
وقد أعقب الثناء في الآية الأولى والثانية تقرير كون الله تعالى هو الذي أرسل عبده صلى الله عليه وسلم لينذر العالم أجمع ويبيّن لهم طريق الحق والهدى ويدعوهم إليه، وتقرير كون الله تعالى هو ملك السماوات والأرض وليس له شريك فيه ولم يتخذ ولدا، وأنه خلق كل شيء على أدقّ ترتيب وحساب. أما الآية الثالثة فقد احتوت تنديدا بالكافرين الجاحدين الذين يتخذون آلهة من دونه لا يخلقون شيئا وهم أنفسهم مخلوقون ولا يملكون لأنفسهم ـ فضلا عن غيرهم ـ ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، حيث انطوى فيها تسفيه للمشركين والجاحدين بعبادتهم مثل هذه الآلهة دون الله تعالى مالك كل شيء وخالق كل شيء دون ما شريك.
ويبدو من الآيات التي جاءت بعد هذه الآيات أن هذه الآيات جاءت مقدمة لحكاية مواقف جحودية واستهزائية وتعجيزية وقفها الكفار والمشركون. وهي قوية نافذة فيما احتوته من تقرير وتنديد وتسفيه.
وفي الآية الأولى تقرير جديد بكون الله عزّ وجلّ إنما أنزل القرآن ليكون نذيرا للعالمين في كل زمان ومكان. وقد سبق تقرير كون القرآن ذكرا للعالمين في سورتي القلم وص كما سبق أمر الله في سورة الأعراف للنبي صلى الله عليه وسلم بإعلان كونه رسول الله إلى الناس جميعا حيث يتلاحق تقرير هذا الأمر منذ أوّل العهد النبوي فينطوي في ذلك ردّ قاطع متكرر على من يزعم خلاف ذلك.

نشورا :هنا بمعنى البعث بعد الموت.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ١ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاواتِ والْأَرْضِ ولَمْ يَتَّخِذْ ولَدًا َلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ٢ واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهُمْ يُخْلَقُونَ ولَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا ولَا نَفْعًا ولَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا ولَا حَيَاةً ولَا نُشُورًا ٣ ﴾ [ ١ ـ ٣ ].
بدأت السورة بالثناء على الله تعالى. وهذا المطلع من مطالع السورة المتكررة على اختلاف في الصيغ.
وقد أعقب الثناء في الآية الأولى والثانية تقرير كون الله تعالى هو الذي أرسل عبده صلى الله عليه وسلم لينذر العالم أجمع ويبيّن لهم طريق الحق والهدى ويدعوهم إليه، وتقرير كون الله تعالى هو ملك السماوات والأرض وليس له شريك فيه ولم يتخذ ولدا، وأنه خلق كل شيء على أدقّ ترتيب وحساب. أما الآية الثالثة فقد احتوت تنديدا بالكافرين الجاحدين الذين يتخذون آلهة من دونه لا يخلقون شيئا وهم أنفسهم مخلوقون ولا يملكون لأنفسهم ـ فضلا عن غيرهم ـ ضرّا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا، حيث انطوى فيها تسفيه للمشركين والجاحدين بعبادتهم مثل هذه الآلهة دون الله تعالى مالك كل شيء وخالق كل شيء دون ما شريك.
ويبدو من الآيات التي جاءت بعد هذه الآيات أن هذه الآيات جاءت مقدمة لحكاية مواقف جحودية واستهزائية وتعجيزية وقفها الكفار والمشركون. وهي قوية نافذة فيما احتوته من تقرير وتنديد وتسفيه.
وفي الآية الأولى تقرير جديد بكون الله عزّ وجلّ إنما أنزل القرآن ليكون نذيرا للعالمين في كل زمان ومكان. وقد سبق تقرير كون القرآن ذكرا للعالمين في سورتي القلم وص كما سبق أمر الله في سورة الأعراف للنبي صلى الله عليه وسلم بإعلان كونه رسول الله إلى الناس جميعا حيث يتلاحق تقرير هذا الأمر منذ أوّل العهد النبوي فينطوي في ذلك ردّ قاطع متكرر على من يزعم خلاف ذلك.

إفك :كذب
افتراه :اخترعه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وزُورًا ٤ وقَالُوا أَسَاطِيرُ( ٣ ) الْأَولِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلًا ٥ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاواتِ والْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ٦ ﴾ [ ٤ ـ ٦ ].
في الآيات حكاية لما كان يقوله كفار العرب، حيث كانوا يقولون :إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخترع القرآن وينسبه إلى الله افتراء، وإن هناك أناسا يساعدونه على ذلك، وإن القرآن مستمدّ من كتب الأولين وأساطيرهم وقصصهم، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستكتبها ويكلّف من يتلوها عليه صباحا ومساء حتى يستظهرها. وقد ردّت عليهم الآية الرابعة ردّا قويا فوصفت أقوالهم بالظلم والزور وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم بالتوكيد بأن القرآن وحي أنزله عليه الله الغفور الرحيم الذي يعلم سرّ كل شيء في السماوات والأرض.
والآيات معطوفة على سابقاتها والسياق متّصل ببعضه. وقد انطوى فيها وفي الآيات السابقة تقرير كون الكفار في حين يسخفون ويتخذون من دون الله آلهة لا يخلقون شيئا ولا ينفعون ولا يضرون يتواقحون فيقولون عن القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم هذه الأقوال الجريئة. وهكذا تستحكم الحجة ويأتي الكلام قويا لاذعا.
والمتبادر من جملة ﴿ إنه كان غفورا رحيما ﴾ في هذا المقام أنها أريد بها تقرير كون الله تعالى باتّصافه بالغفران لعباده والرحمة بهم أرسل عبده لينذرهم ويهديهم، وأن ذلك جعله يمهل الكفار على ما يقولونه من أقوال ويقفونه من مواقف ولا يعجل بعذابهم. وقد قال بعض المفسرين :إن في الجملة دعوة للكفار إلى التوبة إلى الله عن قولهم والرجوع إلى الحق. ولا يخلو هذا من الوجاهة وقد تكررت مثل هذه الدعوة في مختلف المواقف والمناسبات المكيّة والمدنيّة.
تعليق على زعم الكفار بأن أناسا
يعاونون النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن
ويعزو المفسرون الأقوال الواردة في الآيات إلى النضر بن الحرث بن عبد الدار وأصحابه من مشركي قريش، ويروون أنهم كانوا يقولون :إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يتعلّم من اليهود أو من بعض أفراد النصارى في مكة كانوا أرقاء وصناعا مثل جبرا ويسار الروميين وعبيد بن الحصر الحبشي الكاهن، ويستكتب ما عندهم من أسفار١.
وفي الردّ الذي احتوته الآيات على أقوال الكفار إفحام قوي، فالوحي الرباني يسجّل أقوالهم في آيات تتلى على الناس جهرة ويردّ عليها ردّا فيه تكذيب لهم وتنديد بهم ونسبة الظلم والزور إليهم ويتلى كذلك على الناس جهرة فيسمع الكفار هذا وذاك ويسمعهما معهم الذين ينسب الكفار إليهم معاونة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي سورة النحل آية تفيد أن الكفار عادوا مرة أخرى فزعموا أن شخصا معينا يعلّم النبي صلى الله عليه وسلم. وهي هذه : ﴿ ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ١٠٣ ﴾ وقد ذكر المفسرون٢ أسماء جبرا ويسار أيضا في سياق هذه الآية، ولقد احتوت الآية ردّا قويا مفحما مثل الردّ الأول حيث حكت قول الكفار وكذّبته علنا على سمعهم وسمع الشخص الذي كانوا يذكرونه في معرض تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، مع زيادة مهمة هي ذكر هوية الشخص وكونه أعجمي اللسان وأنه ليس هناك أي احتمال لتعلّم النبي صلى الله عليه وسلم منه ما يتلوه من قرآن عربي مبين.
وقد يقال :إن الكفار لم يكونوا ليقولوا ما قالوه لو لم يشاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع إلى أفراد من غير أهل مكة متنورين مثقفين مطلعين على الكتب الأولى، وقد يكون هذا واردا. وفي القرآن المكي آيات عديدة نوّهت بالذين أوتوا العلم والكتاب واستشهدت بهم وذكرت فرحهم بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وشهادتهم بأنه حق وتصديقهم به وبرسالة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه مثل آيات سورة القصص هذه : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ٥٢ وإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ٥٣ ﴾ وآيات سورة الإسراء هذه : ﴿ قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ ويَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ١٠٨ ويَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ١٠٩ ﴾ وآية العنكبوت هذه : ﴿ وكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ٤٧ ﴾ وآية سورة الأنعام هذه : ﴿ أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وهُو الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ١١٤ ﴾ وآية سورة الرعد هذه : ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ﴾ [ ٣٦ ] ومن الممكن أن يكون من هؤلاء من اتصل به النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته أيضا. بل لقد روي أنه كان فعلا يمرّ على بعض الذين يقرؤون الكتب الأولى ويسمع منهم٣.
غير أن ذلك لا يجعل للقول الذي يمكن أن يقال أهمية إيجابية في معرض دعوى الكفار بل ومن شأنه أن يحبطه. فإن جلّ الذين استشهد بهم وشهدوا بصدق القرآن والرسالة والذين من المحتمل أن يكون الكفار قد عنوهم أو عنوا بعضهم كمعلمين للنبي صلى الله عليه وسلم، بل كلهم قد انضووا إليه وآمنوا وصدقوا وخشعوا وفرحوا واستبشروا على ما ذكرته الآيات نفسها. وهذا يعني أن هؤلاء قد رأوا من صدق أعلام النبوّة ما جعلهم يؤمنون ويصدقون.
ولقد يقال أيضا :إن الكفار دعموا ما قالوه بما رأوه من تشابه في المبادئ والأخبار بين القرآن والكتب الأولى فقالوا عنه إنه أساطير الأولين اكتتبها كما جاء في الآيات التي نحن في صددها وكرروا ذلك أكثر من مرة كما حكته عنهم آيات عديدة مرّ بعضها. وليس في هذا ما يمكن أن يكون نقضا لتكذيب القرآن لهم وردّه عليهم. حتى مع التسليم بأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع أو استمع لمحتويات ما كان يتداوله اليهود والنصارى من الأسفار. ففصول القرآن ليست سردا لتاريخ وقصدا إلى تدوين وقائع وتكرارا آليا لشرائع ومبادئ. وإنما هي دعوة حية جياشة إلى الله والعمل الصالح، متحدة في جوهرها مع دعوة الأنبياء الأولين وصادرة مثلها عن واجب الوجوب ووحيه كما نبهت إليه آيات سورة النساء هذه ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وإْسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ وعِيسَى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهَارُونَ وسُلَيْمَانَ وآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ١٦٣ ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ١٦٤ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ١٦٥ لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ و الْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا ١٦٦ ﴾ وآية سورة الشورى هذه ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ومَا وصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء ويَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ١٣ ﴾ ومدعومة بما اقتضته حكمة التنزيل من دعائم ووسائل تمثيلية وتذكيرية ووعظية وإنذارية وتبشيرية في قصص الأولين وأخبارهم ومشاهدهم مما كان معروفا ومتداولا لدى سامعي القرآن أو في المشاهد والصور والأحداث القائمة والجارية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته.
تعليق على نسبة المتعصبين من الكتابيين
في العصور المتأخرة الافتراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموقفهم من رسالته العلوية، ومن العجيب أن المتعصبين من الكتابيين في العصور المتأخرة لم يتأثروا ولم يكتفوا بما كان من نسبة الكفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم افتراء القرآن أو تلقيه من أناس آخرين وكتبهم مواجهة وبردّ القرآن عليهم بردوده القوية المفحمة النافذة إلى أعماق الضمير والتي منها الآيات التي نحن في صددها ثم آية سورة الأحقاف هذه : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُو أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وهُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ٨ ﴾ وآية سورة الشورى هذه : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ ويُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٢٤ ﴾ وآية سورة النساء هذه : ﴿ لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ و الْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا ١٦٦ ﴾ وآية سورة الأنعام هذه : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وبَيْنَكُمْ وأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ... ﴾ [ ١٩ ] وآية سورة الأنعام هذه : ﴿ ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ ولَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ... ﴾ [ ٩٣ ] فكرروا ما قاله كفّار العرب مثيرين إشكالات ثانوية لا تمسّ بالجوهر ولا تثبت على التمحيص.
ولقد رأوا في القرآن تطابقا مع بعض ما جاء في الأسفار المتداولة في أيديهم فزعموا أنه مقتبس منها، بل تواقحوا بدون وازع من منطق وضمير وحياء وواقع فقالوا :إن الإسلام صورة ممسوخة أو نسخة مشوهة من اليهودية والنصرانية متجاهلين ما جاء عليه من نقاء وصفاء وانطوى فيه من علوية وروحانية وأتى به من تصحيح لكل انحراف وتحريق عقائدي وأخلاقي ارتكس فيه اليهود والنصارى وأهل الملل الأخرى. ومن مبادئ وتشريعات وأحكام وتلقينات فيها حلّ لكل مشكلة إيمانية واستجابة لكل مطلب حياتي في كل ظرف فجاء فريدا في صفائه ونقائه وروحانيته وعلويته وكماله لينفذ إلى كل ضمير وقلب وعقل وليترشح بذلك ليكون دين الإنسانية العام. وقد فات عنهم بل تعاموا عن قصد أن الكفار هم الذين زعموا هذا حين كانوا يقولون ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَولِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلًا ﴾ [ الفرقان :٥ ] فردّه القرآن عليهم ردّا قويا ش

أساطير :انظر شرحها في سورة القلم.
اكتتبها :بمعنى استكتبها على ما جاء في كشاف الزمخشري.
تملى :تتلى وتقرأ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وزُورًا ٤ وقَالُوا أَسَاطِيرُ( ٣ ) الْأَولِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلًا ٥ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاواتِ والْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ٦ ﴾ [ ٤ ـ ٦ ].
في الآيات حكاية لما كان يقوله كفار العرب، حيث كانوا يقولون :إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي يخترع القرآن وينسبه إلى الله افتراء، وإن هناك أناسا يساعدونه على ذلك، وإن القرآن مستمدّ من كتب الأولين وأساطيرهم وقصصهم، وإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستكتبها ويكلّف من يتلوها عليه صباحا ومساء حتى يستظهرها. وقد ردّت عليهم الآية الرابعة ردّا قويا فوصفت أقوالهم بالظلم والزور وأمرت النبي صلى الله عليه وسلم بالتوكيد بأن القرآن وحي أنزله عليه الله الغفور الرحيم الذي يعلم سرّ كل شيء في السماوات والأرض.
والآيات معطوفة على سابقاتها والسياق متّصل ببعضه. وقد انطوى فيها وفي الآيات السابقة تقرير كون الكفار في حين يسخفون ويتخذون من دون الله آلهة لا يخلقون شيئا ولا ينفعون ولا يضرون يتواقحون فيقولون عن القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم هذه الأقوال الجريئة. وهكذا تستحكم الحجة ويأتي الكلام قويا لاذعا.
والمتبادر من جملة ﴿ إنه كان غفورا رحيما ﴾ في هذا المقام أنها أريد بها تقرير كون الله تعالى باتّصافه بالغفران لعباده والرحمة بهم أرسل عبده لينذرهم ويهديهم، وأن ذلك جعله يمهل الكفار على ما يقولونه من أقوال ويقفونه من مواقف ولا يعجل بعذابهم. وقد قال بعض المفسرين :إن في الجملة دعوة للكفار إلى التوبة إلى الله عن قولهم والرجوع إلى الحق. ولا يخلو هذا من الوجاهة وقد تكررت مثل هذه الدعوة في مختلف المواقف والمناسبات المكيّة والمدنيّة.
تعليق على زعم الكفار بأن أناسا
يعاونون النبي صلى الله عليه وسلم على القرآن
ويعزو المفسرون الأقوال الواردة في الآيات إلى النضر بن الحرث بن عبد الدار وأصحابه من مشركي قريش، ويروون أنهم كانوا يقولون :إن محمدا صلى الله عليه وسلم كان يتعلّم من اليهود أو من بعض أفراد النصارى في مكة كانوا أرقاء وصناعا مثل جبرا ويسار الروميين وعبيد بن الحصر الحبشي الكاهن، ويستكتب ما عندهم من أسفار١.
وفي الردّ الذي احتوته الآيات على أقوال الكفار إفحام قوي، فالوحي الرباني يسجّل أقوالهم في آيات تتلى على الناس جهرة ويردّ عليها ردّا فيه تكذيب لهم وتنديد بهم ونسبة الظلم والزور إليهم ويتلى كذلك على الناس جهرة فيسمع الكفار هذا وذاك ويسمعهما معهم الذين ينسب الكفار إليهم معاونة النبي صلى الله عليه وسلم.
وفي سورة النحل آية تفيد أن الكفار عادوا مرة أخرى فزعموا أن شخصا معينا يعلّم النبي صلى الله عليه وسلم. وهي هذه : ﴿ ولَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ ١٠٣ ﴾ وقد ذكر المفسرون٢ أسماء جبرا ويسار أيضا في سياق هذه الآية، ولقد احتوت الآية ردّا قويا مفحما مثل الردّ الأول حيث حكت قول الكفار وكذّبته علنا على سمعهم وسمع الشخص الذي كانوا يذكرونه في معرض تعليم النبي صلى الله عليه وسلم، مع زيادة مهمة هي ذكر هوية الشخص وكونه أعجمي اللسان وأنه ليس هناك أي احتمال لتعلّم النبي صلى الله عليه وسلم منه ما يتلوه من قرآن عربي مبين.
وقد يقال :إن الكفار لم يكونوا ليقولوا ما قالوه لو لم يشاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم يجتمع إلى أفراد من غير أهل مكة متنورين مثقفين مطلعين على الكتب الأولى، وقد يكون هذا واردا. وفي القرآن المكي آيات عديدة نوّهت بالذين أوتوا العلم والكتاب واستشهدت بهم وذكرت فرحهم بما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم وشهادتهم بأنه حق وتصديقهم به وبرسالة النبي صلى الله عليه وسلم الذي أنزل عليه مثل آيات سورة القصص هذه : ﴿ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ٥٢ وإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ ٥٣ ﴾ وآيات سورة الإسراء هذه : ﴿ قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا ١٠٧ ويَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً ١٠٨ ويَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ ويَزِيدُهُمْ خُشُوعًا ١٠٩ ﴾ وآية العنكبوت هذه : ﴿ وكَذَلِكَ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ فَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومِنْ هَؤُلَاء مَن يُؤْمِنُ بِهِ ومَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ ٤٧ ﴾ وآية سورة الأنعام هذه : ﴿ أَفَغَيْرَ اللّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وهُو الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلاً والَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ١١٤ ﴾ وآية سورة الرعد هذه : ﴿ والذين آتيناهم الكتاب يفرحون بما أنزل إليك ﴾ [ ٣٦ ] ومن الممكن أن يكون من هؤلاء من اتصل به النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته أيضا. بل لقد روي أنه كان فعلا يمرّ على بعض الذين يقرؤون الكتب الأولى ويسمع منهم٣.
غير أن ذلك لا يجعل للقول الذي يمكن أن يقال أهمية إيجابية في معرض دعوى الكفار بل ومن شأنه أن يحبطه. فإن جلّ الذين استشهد بهم وشهدوا بصدق القرآن والرسالة والذين من المحتمل أن يكون الكفار قد عنوهم أو عنوا بعضهم كمعلمين للنبي صلى الله عليه وسلم، بل كلهم قد انضووا إليه وآمنوا وصدقوا وخشعوا وفرحوا واستبشروا على ما ذكرته الآيات نفسها. وهذا يعني أن هؤلاء قد رأوا من صدق أعلام النبوّة ما جعلهم يؤمنون ويصدقون.
ولقد يقال أيضا :إن الكفار دعموا ما قالوه بما رأوه من تشابه في المبادئ والأخبار بين القرآن والكتب الأولى فقالوا عنه إنه أساطير الأولين اكتتبها كما جاء في الآيات التي نحن في صددها وكرروا ذلك أكثر من مرة كما حكته عنهم آيات عديدة مرّ بعضها. وليس في هذا ما يمكن أن يكون نقضا لتكذيب القرآن لهم وردّه عليهم. حتى مع التسليم بأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع أو استمع لمحتويات ما كان يتداوله اليهود والنصارى من الأسفار. ففصول القرآن ليست سردا لتاريخ وقصدا إلى تدوين وقائع وتكرارا آليا لشرائع ومبادئ. وإنما هي دعوة حية جياشة إلى الله والعمل الصالح، متحدة في جوهرها مع دعوة الأنبياء الأولين وصادرة مثلها عن واجب الوجوب ووحيه كما نبهت إليه آيات سورة النساء هذه ﴿ إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وإِسْمَاعِيلَ وإْسْحَاقَ ويَعْقُوبَ والأَسْبَاطِ وعِيسَى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهَارُونَ وسُلَيْمَانَ وآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا ١٦٣ ورُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ ورُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا ١٦٤ رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ ومُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ١٦٥ لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ و الْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا ١٦٦ ﴾ وآية سورة الشورى هذه ﴿ شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وصَّى بِهِ نُوحًا والَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ومَا وصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ ولَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء ويَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ ١٣ ﴾ ومدعومة بما اقتضته حكمة التنزيل من دعائم ووسائل تمثيلية وتذكيرية ووعظية وإنذارية وتبشيرية في قصص الأولين وأخبارهم ومشاهدهم مما كان معروفا ومتداولا لدى سامعي القرآن أو في المشاهد والصور والأحداث القائمة والجارية في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وبيئته.
تعليق على نسبة المتعصبين من الكتابيين
في العصور المتأخرة الافتراء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وموقفهم من رسالته العلوية، ومن العجيب أن المتعصبين من الكتابيين في العصور المتأخرة لم يتأثروا ولم يكتفوا بما كان من نسبة الكفار إلى النبي صلى الله عليه وسلم افتراء القرآن أو تلقيه من أناس آخرين وكتبهم مواجهة وبردّ القرآن عليهم بردوده القوية المفحمة النافذة إلى أعماق الضمير والتي منها الآيات التي نحن في صددها ثم آية سورة الأحقاف هذه : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيْئًا هُو أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ وهُو الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ٨ ﴾ وآية سورة الشورى هذه : ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَإِن يَشَأِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ ويَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ ويُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ ٢٤ ﴾ وآية سورة النساء هذه : ﴿ لَّـكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ و الْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا ١٦٦ ﴾ وآية سورة الأنعام هذه : ﴿ قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللّهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وبَيْنَكُمْ وأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ ومَن بَلَغَ... ﴾ [ ١٩ ] وآية سورة الأنعام هذه : ﴿ ومَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوْحِيَ إِلَيَّ ولَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ... ﴾ [ ٩٣ ] فكرروا ما قاله كفّار العرب مثيرين إشكالات ثانوية لا تمسّ بالجوهر ولا تثبت على التمحيص.
ولقد رأوا في القرآن تطابقا مع بعض ما جاء في الأسفار المتداولة في أيديهم فزعموا أنه مقتبس منها، بل تواقحوا بدون وازع من منطق وضمير وحياء وواقع فقالوا :إن الإسلام صورة ممسوخة أو نسخة مشوهة من اليهودية والنصرانية متجاهلين ما جاء عليه من نقاء وصفاء وانطوى فيه من علوية وروحانية وأتى به من تصحيح لكل انحراف وتحريق عقائدي وأخلاقي ارتكس فيه اليهود والنصارى وأهل الملل الأخرى. ومن مبادئ وتشريعات وأحكام وتلقينات فيها حلّ لكل مشكلة إيمانية واستجابة لكل مطلب حياتي في كل ظرف فجاء فريدا في صفائه ونقائه وروحانيته وعلويته وكماله لينفذ إلى كل ضمير وقلب وعقل وليترشح بذلك ليكون دين الإنسانية العام. وقد فات عنهم بل تعاموا عن قصد أن الكفار هم الذين زعموا هذا حين كانوا يقولون ﴿ أَسَاطِيرُ الْأَولِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وأَصِيلًا ﴾ [ الفرقان :٥ ] فردّه القرآن عليهم ردّا قويا ش

لولا :هنا بمعنى هلاّ للتحدي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ويَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ٧ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ٨ انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا٩ تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ويَجْعَل لَّكَ قُصُورًا ١٠ ﴾ [ ٧-١٠ ].
في الآيات حكاية لأقوال أخرى كان الكفار يقولونها حيث كانوا يبدون دهشتهم لدعوى النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الله تعالى ويقولون كيف يكون رسولا من الله تعالى ثم هو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كما يفعل سائر الناس، وحيث كانوا يطلبون ما يدعم دعواه هذه ويتحدّونه بإنزال ملك يؤيده أو إلقاء كنز عليه ينفق منه أو خلق جنة يأكل منها، وحيث كانوا يقولون للمصدقين المؤمنين :إنكم إنما تتّبعون رجلا يقول ما يقول ويدعو إلى ما يدعو تحت تأثير السحر.
وقد احتوت الآيتان الأخيرتان ردّا تسفيهيا فيه خطاب تطميني للنبي صلى الله عليه وسلم في الوقت ذاته، فإنهم بمثل هذه الأقوال والتحدّيات قد ضلّوا عن طريق الحق والهدى فلن يستطيعوا تبيّنها، وإن الله قادر لو شاء أن يجعل له من القصور والجنات أفضلها وأعظمها فهو خالق الأكوان ولا يعجزه شيء من ذلك بطبيعة الحال.
ولقد روى الطبري :أن الآيتين الأولى والثانية نزلتا في مناسبة اجتماع تمّ بين زعماء المشركين والنبي صلى الله عليه وسلم جادلوه وتحدّوه بمطالب متعددة. والذي يتبادر لنا من انسجام المجموعة وعطفها على ما سبقها أن تحدّي الكفّار قد كان قبل نزول هذه الآيات والتي قبلها وأن المجموعتين نزلتا معا أو واحدة بعد أخرى لتحكي أقوالهم وتردّ عليهم وتندّد بهم وتقرّر حقيقة الرسالة النبويّة وهدفها وتثبّت النبي وتؤيده في موقفه معهم.
تعليق على تحدّي الكفار باستنزال
ملك لتأييد النبي صلى الله عليه وسلم
وحكاية طلب الكفار باستنزال ملك لتأييد النبي صلى الله عليه وسلم ويكون معه نذيرا تحكى عنهم هنا لأول مرة. وقد تكررت حكاية ذلك عنهم في هذه السورة وفي سور أخرى حيث يبدو أن هذا كان من مظاهر تحدّيهم التي رأوها هامة ورأوا تكرارها من آن لآخر، وحيث يؤيد هذا ما نبهنا عليه في سورتي المدثّر والنجم من اعتقادهم بوجودهم وصلتهم بالله تعالى وحظوتهم لديه. وقيامهم بخدمات متنوعة له حتى اعتقدوا أنهم بناته وعبدوهم على سبيل الاستشفاع بهم.
تعليق على ما يفرضه العرب من
طبيعة للنبي تغاير طبيعة البشر
والآية السابعة تشير إلى ما كان يفرضه العرب في " النبي " من طبيعة غير طبيعة البشر ومن قوّة ومواهب فوق قوى البشر ومواهبهم، ثم إلى سبب من أسباب وقوفهم من النبي صلى الله عليه وسلم موقف المكذّب المرتاب وهو طبيعته البشرية التي لم يكن فيها أي فارق عن سائر الناس، فكان هذا مما جعلهم يطلبون المؤيدات لدعواه الصلة بالله تعالى، وقد تكرر هذا منهم في آيات ومواقف عديدة أوردناها في سياق تفسير سورة المدثر. وكانت الآيات تردّ عليهم ردّا مماثلا لما احتوته الآيات التي نحن في صددها دون إجابة إلى تحدّيهم ؛ لأن الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق لا تحتاج إلى مؤيدات خارقة لمن يدعو إليها ؛ مع ترديدها تقرير بشرية النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء وكونه لا يملك لأحد ضرّا ولا رشدا وكونه لا يجيره من الله أحد وكونه لا يعلم الغيب ولا يستطيع دفع الضرر عن نفسه وجلب خير له إلاّ ما شاء الله كما جاء في آيات سورة الأعراف [ ١٨٨ ] وسورة الجن [ ٢١ ـ ٢٢ ] اللتين سبقتا هذه السورة وآية سورة الكهف هذه : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ واحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ١١٠ ﴾ وأمثالها.
تعليق على تعبير
﴿ انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا ﴾
والآية التاسعة في تقريرها ضلال الكفار فيما يبدو منهم من أقوال ويضربونه من أمثال ويتحدونه من تحدّيات قد تضمنت تقرير كون مواقفهم هذه هي مواقف عناد ومكابرة، وليست صادرة عن نيّة حسنة ورغبة في الحق، وتقرير كون من كانت مواقفه ناشئة عن ذلك لا يستطيع أن يتبيّن الحق والهدى فيما يسمع ويشاهد. واستعمال كلمة ﴿ فضلوا ﴾ قد تفيد بالإضافة إلى ما قلناه :أن إنكار الكفار ومكابرتهم وتساؤلهم وتحدّياتهم ناتجة عن ضعف إدراكهم الذي أدّى بهم إلى الظنّ بأن الرسل يجب أن يكونوا من غير البشر أو أن تكون لهم مواهب تفوق مواهب البشر. وهذا المعنى جاء بصراحة في آيات أخرى منها آيات سورة الإسراء هذه : ﴿ وقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا ٩٠ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا ٩١ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ والْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً ٩٢ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء ولَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ٩٣ ومَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً ٩٤ ﴾. وقد يفيد كذلك أن من الضلال أن يظنّ أن دعوة الناس إلى دين الله وطريق الحق تقتضي أن يقوم بها شخص فوق البشر ؛ في حين أن الخصائص التي يقتضي أن يمتاز بها الرسول ليست مما يخرجه من الطبيعة البشرية وإنما هي في الخلق والنفس والروح والعقل.
وفي كل ما تفيده الآية تلقينات جليلة مستمرة المدى في تقبيح المكابرة والشذوذ وعدم تدّبر الأمور، والانحراف عن مقتضى الحق والمنطق وعدم التسليم بهما عند ظهور حجتهما والتمحّل في ما لا طائل من ورائه بسبيل هذا الانحراف.

فلا يستطيعون سبيلا :فلا يجدون طريقا أو حجة إلى إبطال أمر النبي صلى الله عليه وسلم بما يضربونه من أمثال، أو يوردونه من تعجيزات، أو يقولونه من أقوال، أو إنهم ضلّوا عن الحق فلا يستطيعون تبيّنه بمثل تلك الأمثال.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ويَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ٧ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ٨ انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا٩ تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ويَجْعَل لَّكَ قُصُورًا ١٠ ﴾ [ ٧-١٠ ].
في الآيات حكاية لأقوال أخرى كان الكفار يقولونها حيث كانوا يبدون دهشتهم لدعوى النبي صلى الله عليه وسلم برسالة الله تعالى ويقولون كيف يكون رسولا من الله تعالى ثم هو يأكل الطعام ويمشي في الأسواق كما يفعل سائر الناس، وحيث كانوا يطلبون ما يدعم دعواه هذه ويتحدّونه بإنزال ملك يؤيده أو إلقاء كنز عليه ينفق منه أو خلق جنة يأكل منها، وحيث كانوا يقولون للمصدقين المؤمنين :إنكم إنما تتّبعون رجلا يقول ما يقول ويدعو إلى ما يدعو تحت تأثير السحر.
وقد احتوت الآيتان الأخيرتان ردّا تسفيهيا فيه خطاب تطميني للنبي صلى الله عليه وسلم في الوقت ذاته، فإنهم بمثل هذه الأقوال والتحدّيات قد ضلّوا عن طريق الحق والهدى فلن يستطيعوا تبيّنها، وإن الله قادر لو شاء أن يجعل له من القصور والجنات أفضلها وأعظمها فهو خالق الأكوان ولا يعجزه شيء من ذلك بطبيعة الحال.
ولقد روى الطبري :أن الآيتين الأولى والثانية نزلتا في مناسبة اجتماع تمّ بين زعماء المشركين والنبي صلى الله عليه وسلم جادلوه وتحدّوه بمطالب متعددة. والذي يتبادر لنا من انسجام المجموعة وعطفها على ما سبقها أن تحدّي الكفّار قد كان قبل نزول هذه الآيات والتي قبلها وأن المجموعتين نزلتا معا أو واحدة بعد أخرى لتحكي أقوالهم وتردّ عليهم وتندّد بهم وتقرّر حقيقة الرسالة النبويّة وهدفها وتثبّت النبي وتؤيده في موقفه معهم.
تعليق على تحدّي الكفار باستنزال
ملك لتأييد النبي صلى الله عليه وسلم
وحكاية طلب الكفار باستنزال ملك لتأييد النبي صلى الله عليه وسلم ويكون معه نذيرا تحكى عنهم هنا لأول مرة. وقد تكررت حكاية ذلك عنهم في هذه السورة وفي سور أخرى حيث يبدو أن هذا كان من مظاهر تحدّيهم التي رأوها هامة ورأوا تكرارها من آن لآخر، وحيث يؤيد هذا ما نبهنا عليه في سورتي المدثّر والنجم من اعتقادهم بوجودهم وصلتهم بالله تعالى وحظوتهم لديه. وقيامهم بخدمات متنوعة له حتى اعتقدوا أنهم بناته وعبدوهم على سبيل الاستشفاع بهم.
تعليق على ما يفرضه العرب من
طبيعة للنبي تغاير طبيعة البشر
والآية السابعة تشير إلى ما كان يفرضه العرب في " النبي " من طبيعة غير طبيعة البشر ومن قوّة ومواهب فوق قوى البشر ومواهبهم، ثم إلى سبب من أسباب وقوفهم من النبي صلى الله عليه وسلم موقف المكذّب المرتاب وهو طبيعته البشرية التي لم يكن فيها أي فارق عن سائر الناس، فكان هذا مما جعلهم يطلبون المؤيدات لدعواه الصلة بالله تعالى، وقد تكرر هذا منهم في آيات ومواقف عديدة أوردناها في سياق تفسير سورة المدثر. وكانت الآيات تردّ عليهم ردّا مماثلا لما احتوته الآيات التي نحن في صددها دون إجابة إلى تحدّيهم ؛ لأن الدعوة إلى الله ومكارم الأخلاق لا تحتاج إلى مؤيدات خارقة لمن يدعو إليها ؛ مع ترديدها تقرير بشرية النبي صلى الله عليه وسلم في كل شيء وكونه لا يملك لأحد ضرّا ولا رشدا وكونه لا يجيره من الله أحد وكونه لا يعلم الغيب ولا يستطيع دفع الضرر عن نفسه وجلب خير له إلاّ ما شاء الله كما جاء في آيات سورة الأعراف [ ١٨٨ ] وسورة الجن [ ٢١ ـ ٢٢ ] اللتين سبقتا هذه السورة وآية سورة الكهف هذه : ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ واحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ولَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ١١٠ ﴾ وأمثالها.
تعليق على تعبير
﴿ انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا ﴾
والآية التاسعة في تقريرها ضلال الكفار فيما يبدو منهم من أقوال ويضربونه من أمثال ويتحدونه من تحدّيات قد تضمنت تقرير كون مواقفهم هذه هي مواقف عناد ومكابرة، وليست صادرة عن نيّة حسنة ورغبة في الحق، وتقرير كون من كانت مواقفه ناشئة عن ذلك لا يستطيع أن يتبيّن الحق والهدى فيما يسمع ويشاهد. واستعمال كلمة ﴿ فضلوا ﴾ قد تفيد بالإضافة إلى ما قلناه :أن إنكار الكفار ومكابرتهم وتساؤلهم وتحدّياتهم ناتجة عن ضعف إدراكهم الذي أدّى بهم إلى الظنّ بأن الرسل يجب أن يكونوا من غير البشر أو أن تكون لهم مواهب تفوق مواهب البشر. وهذا المعنى جاء بصراحة في آيات أخرى منها آيات سورة الإسراء هذه : ﴿ وقَالُواْ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنبُوعًا ٩٠ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا ٩١ أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللّهِ والْمَلآئِكَةِ قَبِيلاً ٩٢ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاء ولَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً ٩٣ ومَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُواْ إِذْ جَاءهُمُ الْهُدَى إِلاَّ أَن قَالُواْ أَبَعَثَ اللّهُ بَشَرًا رَّسُولاً ٩٤ ﴾. وقد يفيد كذلك أن من الضلال أن يظنّ أن دعوة الناس إلى دين الله وطريق الحق تقتضي أن يقوم بها شخص فوق البشر ؛ في حين أن الخصائص التي يقتضي أن يمتاز بها الرسول ليست مما يخرجه من الطبيعة البشرية وإنما هي في الخلق والنفس والروح والعقل.
وفي كل ما تفيده الآية تلقينات جليلة مستمرة المدى في تقبيح المكابرة والشذوذ وعدم تدّبر الأمور، والانحراف عن مقتضى الحق والمنطق وعدم التسليم بهما عند ظهور حجتهما والتمحّل في ما لا طائل من ورائه بسبيل هذا الانحراف.

أعتدنا :أعددنا وهيأنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ١٢ وإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ١٣ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ١٤ ﴾ [ ١١ ـ ١٤ ].
في الآية الأولى تقرير لواقع أمر الكفار وبواعث مكابرتهم وعنادهم وهو تكذيبهم اليوم الآخر حيث أدّى ذلك إلى عدم مبالاتهم بما ينذرون ويوعدون، وإنذار لهم ولأمثالهم المكذبين المنكرين بالنار التي أعدّها الله لهم.
أما الآيات التالية لها فقد جاءت استطرادية لتصف هذه النار وما يلقى المكذّبون المنكرون فيها. فلسوف تكون شديدة الاستعار والالتهاب والهياج، ولسوف يكون لها من الزفير المدوي ما تهلع له القلوب، ولسوف يساقون إليها مقيدين بالأغلال ويحشرون فيها حشرا من شدّة الضيق والزحام ولسوف يتمنون الموت والهلاك ويطلبونه لشدّة ما يلقون من عذاب فلا ينالونه بل يقال لهم على سبيل السخرية إنكم لسوف تطلبونه كثيرا.
ووصف عذاب المكذبين رهيب وأسلوب اٍلآية الأخيرة لاذع ومن شأن ذلك إثارة الرعب في السامعين وبخاصة للمكذبين وهو مما استهدفته الآيات كما هو المتبادر.
وواضح أن الآيات متصلة بالسياق السابق واستمرار له.

تغيظا :هياجا وغليانا شديدين.
زفيرا :كناية عن الصفير الذي يخرج من النار إذا اشتدّ ضرامها واستعارها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ١٢ وإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ١٣ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ١٤ ﴾ [ ١١ ـ ١٤ ].
في الآية الأولى تقرير لواقع أمر الكفار وبواعث مكابرتهم وعنادهم وهو تكذيبهم اليوم الآخر حيث أدّى ذلك إلى عدم مبالاتهم بما ينذرون ويوعدون، وإنذار لهم ولأمثالهم المكذبين المنكرين بالنار التي أعدّها الله لهم.
أما الآيات التالية لها فقد جاءت استطرادية لتصف هذه النار وما يلقى المكذّبون المنكرون فيها. فلسوف تكون شديدة الاستعار والالتهاب والهياج، ولسوف يكون لها من الزفير المدوي ما تهلع له القلوب، ولسوف يساقون إليها مقيدين بالأغلال ويحشرون فيها حشرا من شدّة الضيق والزحام ولسوف يتمنون الموت والهلاك ويطلبونه لشدّة ما يلقون من عذاب فلا ينالونه بل يقال لهم على سبيل السخرية إنكم لسوف تطلبونه كثيرا.
ووصف عذاب المكذبين رهيب وأسلوب اٍلآية الأخيرة لاذع ومن شأن ذلك إثارة الرعب في السامعين وبخاصة للمكذبين وهو مما استهدفته الآيات كما هو المتبادر.
وواضح أن الآيات متصلة بالسياق السابق واستمرار له.

مقرنين :مقرون بعضهم إلى بعض أو مقيدون بالقيود.
ثبورا :هلاكا ومعنى ﴿ دعوا هنالك ثبورا ﴾ تمنوا الهلاك وطلبوه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ١٢ وإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ١٣ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ١٤ ﴾ [ ١١ ـ ١٤ ].
في الآية الأولى تقرير لواقع أمر الكفار وبواعث مكابرتهم وعنادهم وهو تكذيبهم اليوم الآخر حيث أدّى ذلك إلى عدم مبالاتهم بما ينذرون ويوعدون، وإنذار لهم ولأمثالهم المكذبين المنكرين بالنار التي أعدّها الله لهم.
أما الآيات التالية لها فقد جاءت استطرادية لتصف هذه النار وما يلقى المكذّبون المنكرون فيها. فلسوف تكون شديدة الاستعار والالتهاب والهياج، ولسوف يكون لها من الزفير المدوي ما تهلع له القلوب، ولسوف يساقون إليها مقيدين بالأغلال ويحشرون فيها حشرا من شدّة الضيق والزحام ولسوف يتمنون الموت والهلاك ويطلبونه لشدّة ما يلقون من عذاب فلا ينالونه بل يقال لهم على سبيل السخرية إنكم لسوف تطلبونه كثيرا.
ووصف عذاب المكذبين رهيب وأسلوب اٍلآية الأخيرة لاذع ومن شأن ذلك إثارة الرعب في السامعين وبخاصة للمكذبين وهو مما استهدفته الآيات كما هو المتبادر.
وواضح أن الآيات متصلة بالسياق السابق واستمرار له.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ١١ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وزَفِيرًا ١٢ وإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ١٣ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ١٤ ﴾ [ ١١ ـ ١٤ ].
في الآية الأولى تقرير لواقع أمر الكفار وبواعث مكابرتهم وعنادهم وهو تكذيبهم اليوم الآخر حيث أدّى ذلك إلى عدم مبالاتهم بما ينذرون ويوعدون، وإنذار لهم ولأمثالهم المكذبين المنكرين بالنار التي أعدّها الله لهم.
أما الآيات التالية لها فقد جاءت استطرادية لتصف هذه النار وما يلقى المكذّبون المنكرون فيها. فلسوف تكون شديدة الاستعار والالتهاب والهياج، ولسوف يكون لها من الزفير المدوي ما تهلع له القلوب، ولسوف يساقون إليها مقيدين بالأغلال ويحشرون فيها حشرا من شدّة الضيق والزحام ولسوف يتمنون الموت والهلاك ويطلبونه لشدّة ما يلقون من عذاب فلا ينالونه بل يقال لهم على سبيل السخرية إنكم لسوف تطلبونه كثيرا.
ووصف عذاب المكذبين رهيب وأسلوب اٍلآية الأخيرة لاذع ومن شأن ذلك إثارة الرعب في السامعين وبخاصة للمكذبين وهو مما استهدفته الآيات كما هو المتبادر.
وواضح أن الآيات متصلة بالسياق السابق واستمرار له.

الخلد :قيل إنها علم على جنة خاصة من جنات الآخرة كما قيل إنها صفة للجنة الأخروية بمعنى الخالدة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ( ١ ) الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء ومَصِيرًا ١٥ لَهُمْ فِيهَا مَا يشاءون خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وعْدًا مسئولا ١٦ ﴾ [ ١٥ ـ ١٦ ].
في هذه الآيات استطراد بأسلوب الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الناس عمّا إذا كان المصير الرهيب الذي سيكون للمكذبين خيرا أم جنة الخلد التي وعد المؤمنون المتقون بعملهم الصالح والتي يكون لهم فيها ما يشاءون من النعيم الخالد.
وفي السؤال ينطوي جواب إيجابي بأن جنة الخلد هي الأفضل، وأن الإيمان والتقوى هما اللذان يستحق بهما أصحابهما هذا النعيم الخالد. وينطوي فيه كذلك معنى تبكيتي لمن يسخف فيختار بتكذيبه وكفره وفجوره السعير على جنة الخلد.
والصلة بين هذه الآيات وسابقتها قائمة واضحة. وقد استهدفت فيما استهدفته ترهيب المكذبين ليرعووا عن ضلالهم وترغيب المؤمنين المتّقين ليطمئنوا ويثبتوا على طريق الحق والهدى الذي اختاروه وسلكوا فيه.
تعليق على تعبير
﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وعْدًا مسئولا ﴾
وتعبير ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وعْدًا مسئولا ﴾ من التعابير القرآنية الحاسمة التي تقرّر أن جزاء الآخرة ونعيمها وعذابها هو رهن بأعمال الناس وسلوكهم واختيارهم. فقد وعد الله من آمن واتّقى بالنعيم الخالد ومن كذّب وفجر بالسعير وهو موف وعده.
وهذا التعبير من التعابير التي يتشادّ عليها أصحاب المذاهب الكلامية، حيث يقول المعتزلة إن تعذيب الكفار ونعيم المؤمنين المتّقين قرّره الله تعالى وقطعه على نفسه وعدا وحيث يستبشع الأشاعرة هذا القول ويقررون أن الله تعالى ليس عليه واجب. ولا شك أن في القول بشاعة إذا قصد به أن الله ملزم بالمعنى الذي يكون فيه انتقاص من واجب الاعتقاد بمطلق تصرفه في كونه وخلقة سبحانه وتعالى. ونحن نستبعد أن يكون مقصد المعتزلة ذلك. فهم مؤمنون مخلصون يعظمون الله وينزّهونه في كل قول لهم.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ( ١ ) الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء ومَصِيرًا ١٥ لَهُمْ فِيهَا مَا يشاءون خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وعْدًا مسئولا ١٦ ﴾ [ ١٥ ـ ١٦ ].
في هذه الآيات استطراد بأسلوب الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم بسؤال الناس عمّا إذا كان المصير الرهيب الذي سيكون للمكذبين خيرا أم جنة الخلد التي وعد المؤمنون المتقون بعملهم الصالح والتي يكون لهم فيها ما يشاءون من النعيم الخالد.
وفي السؤال ينطوي جواب إيجابي بأن جنة الخلد هي الأفضل، وأن الإيمان والتقوى هما اللذان يستحق بهما أصحابهما هذا النعيم الخالد. وينطوي فيه كذلك معنى تبكيتي لمن يسخف فيختار بتكذيبه وكفره وفجوره السعير على جنة الخلد.
والصلة بين هذه الآيات وسابقتها قائمة واضحة. وقد استهدفت فيما استهدفته ترهيب المكذبين ليرعووا عن ضلالهم وترغيب المؤمنين المتّقين ليطمئنوا ويثبتوا على طريق الحق والهدى الذي اختاروه وسلكوا فيه.
تعليق على تعبير
﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وعْدًا مسئولا ﴾
وتعبير ﴿ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وعْدًا مسئولا ﴾ من التعابير القرآنية الحاسمة التي تقرّر أن جزاء الآخرة ونعيمها وعذابها هو رهن بأعمال الناس وسلوكهم واختيارهم. فقد وعد الله من آمن واتّقى بالنعيم الخالد ومن كذّب وفجر بالسعير وهو موف وعده.
وهذا التعبير من التعابير التي يتشادّ عليها أصحاب المذاهب الكلامية، حيث يقول المعتزلة إن تعذيب الكفار ونعيم المؤمنين المتّقين قرّره الله تعالى وقطعه على نفسه وعدا وحيث يستبشع الأشاعرة هذا القول ويقررون أن الله تعالى ليس عليه واجب. ولا شك أن في القول بشاعة إذا قصد به أن الله ملزم بالمعنى الذي يكون فيه انتقاص من واجب الاعتقاد بمطلق تصرفه في كونه وخلقة سبحانه وتعالى. ونحن نستبعد أن يكون مقصد المعتزلة ذلك. فهم مؤمنون مخلصون يعظمون الله وينزّهونه في كل قول لهم.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ١٧ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ولَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وكَانُوا قَوْمًا بُورًا ١٨ فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولَا نَصْرًا ومَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ١٩ ﴾ [ ١٧ ـ ١٩ ].
في الآيات أسلوب آخر في صدد إفحام المكذبين المشركين وتسفيههم وإنذارهم. فالله تعالى سيحشرهم يوم القيامة مع معبوداتهم التي اتخذوها من دون الله فيسأل المعبودات عما إذا كانوا هم الذين أضلوا عباده وزينوا لهم عبادتهم أم هم الذين ضلوا عن طريق الحق وزاغوا باختيارهم فيجيبونه متنصلين مقررين أنهم لا يمكنهم أن يجرؤوا على ذلك، ويتخذوا أولياء من دونه أو يفرضوا عبادتهم على الغير ولكن الضالين استغرقوا في متع الحياة وشهواتها هم وآباؤهم من قبلهم حتى نسوا ذكر الله تعالى واختاروا الضلال على الهدى. وحينئذ يوجه الخطاب الرباني إلى الكفار بأسلوب تبكيتي بأن الذين اتخذوهم معبودات من دون الله قد تنصلوا منهم وكذبوهم، وبأنهم في حالة العجز واليأس من دفع العذاب عن أنفسهم أو الانتصار في الموقف العصيب الذي يواجهونه. وانتهت الآية الأخيرة بإنذار عام للناس بأن من يظلم نفسه وينحرف عن طريق الحق يصير إلى شر مصير ويذوق العذاب الأليم.
والآيات استمرار للسياق ومتصلة به كما هو المتبادر، وليس في الآيات تصريح بهوية المعبودات المقصودة. وقد قال المفسرون :إنهم الملائكة أو المسيح عليه السلام أو العزير ومنهم من قال إنهم الأصنام يأتي بهم الله فينطقهم١. والذي نرجّحه أنهم الملائكة. وفي سورة سبأ آيات مشابهات للآية [ ١٧ ] احتوت تصريحا بالملائكة مما يؤيد هذا الترجيح وهي : ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ويقولوا للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ٤٠ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ٤١ ﴾.
ومشركو العرب إنما كانوا يعبدون الملائكة ويتّخذونهم شفعاء عند الله على ما حكته آيات عديدة أوردنا نصوصها في سياق سورة المدثر وسورة النجم. وهذا مما يقوي ترجيحنا.
والحوار الذي احتوته الآيات إنما أُريد به تصوير ما سوف يكون في الآخرة أو حكاية مسبقة له. وفيه معنى تبكيتي وتسفيهي وإنذاري. واستهدف فيما استهدفه تقرير عجز المعبودات عن تحقيق ما يؤمّله المشركون فيهم وكونهم هم أنفسهم عباد الله الذين يخضعون له كل الخضوع ويخافونه كل الخوف مما يتضمن تدعيم ذلك المعنى. وقد استهدف كذلك فيما استهدف حمل المشركين على الارعواء عن الضلال والسخف وإثارة الخوف في نفوسهم.
وفي الآيات بيان سبب من أسباب ضلال الناس وانصرافهم عن واجباتهم وعن التدبّر في آيات الله وحكمته يضاف إلى السبب الذي ذكرته الآيات السابقة أي إنكار الآخرة، وهو استغراقهم في متع الحياة الدنيا وشهواتها استغراقا يميت ضمائرهم ويعمي أبصارهم وينسيهم ذكر الله وواجباتهم نحوه ونحو الناس وينطوي في هذا تحذير من ذلك بطبيعة الحال.
تعليق على تعبير
﴿ مَّتَّعْتهُمْ وآبَاءهُمْ ﴾
وقد توهم عبارة ﴿ مَّتَّعْتَهُمْ وآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ في جواب المعبودات أنها توجه المسؤولية في ضلال الناس إلى الله سبحانه وتعالى بما يسهّله لهم من متع الحياة حتى يستغرقوا فيها. وفي الآيات ما يزيل هذا الوهم. فهي في صدد تصويري لتنصّل المعبودات من عابديهم وإظهار خضوعهم لله. والإشارة إلى استغراق الناس، ذلك الاستغراق الذي ينسيهم ربّهم وواجباتهم هي بسبيل التنديد بعقيدة المشركين وإسرافهم في الاستغراق. ويمكن أن يقال في هذا المقام :إن في تمكّن الناس من المتع الدنيوية مظهرا من مظاهر الانطباق على النواميس التي أودعها الله في كونه وخلقه. ومن هذه النواميس أن يكون الناس متمتعين بجميع مشاعرهم وقابليتهم وقواهم ليكونوا أحرارا في اختيار ما يختارون وترك ما يتركون فيستحقوا جزاءهم وفق اختيارهم.
وفي الآية الأخيرة قرينة على هذا المعنى حيث احتوت وعيدا لمن ( يظلم ) ولا يتحقق معنى هذه الكلمة إلاّ في من كان في قدرته أن يظلم. والإسراف وسوء القصد في الاختيار والانحراف عن طريق الحق والهدى ظلم، ولذلك أوعد الله سبحانه وتعالى صاحبه بالعذاب الأليم. وهذه الآية بهذا المعنى مزيلة للوهم الذي يمكن أن يتبادر إلى الذهن من العبارة والله أعلم.
تعليق على ما في القرآن من تكرار
التنديد بالظالمين ووعيدهم وإنذارهم
والظلم في الآية الأخيرة يعني على ما يتبادر من مقامها الإجرام والبغي والانحراف عن الحق. ونفس المعنى مندمج في الكلمة التي جاءت في الآية الثامنة من هذه السورة. وبهذه المناسبة نقول :إن هذه الكلمة ومشتقاتها قد وردت في القرآن نيفا وثلاثمائة مرة ؛ حيث يدلّ هذا على ما أوّلته حكمة التنزيل من اهتمام عظيم لمعالجة ما انطوى في هذه الكلمة التي تتجسّد فيها معان عديدة على ما تفيده وتلهمه الآيات التي وردت فيها كالجور الذي هو ضدّ العدل والانحراف عن طريق الحق والجناية على النفس والإضرار بالنفس والغير والعدوان على حريّات الناس وحقوقهم وأموالهم ودمائهم وبخاصة الضعفاء واستغلالهم والتحكّم فيهم والاستكبار عن دين الله وسبيله والصدّ عنهما ومناوأة رسل الله ودعاة الإصلاح والهدى والكيد لهم واقتراف الآثام وبخس الحق. وبكلمة واحدة كل المنكرات والفواحش. ومعظم الآيات التي جاءت فيها والتي تغني كثرتها وإثباتها في معظم السور عن التمثيل لها هي بسبيل التنديد بالظلم والظالمين على اختلاف مدلول الكلمة والحملة عليهم ولعنتهم وبيان ما سوف يلقونه من الخزي وانفصال وسوء العاقبة والمنقلب في الدنيا والآخرة. والتعريض بهم والتحريض عليهم وإيجاب مكافحتهم ومقاومتهم بكل وسيلة. وعدم الإذعان لهم والسكوت عنهم وتلقين ما في ذلك من عزّة وكرامة وحق ونصر لدين الله ومصلحة المسلمين العامة وطمأنينة المجتمع وتلقين ما في مخالفة ذلك من إثم ومنكر وذلّ ومهانة وتشجيع على الظلم واستشرائه. وفي كل ذلك ينطوي هتاف قرآني داو ضد الظلم والظالمين ودعوة داوية إلى اجتنابه ومقاومته. وهذا وذاك بقوته وشموله من الخصوصيات التي انفرد بها القرآن.
وهناك آيات عديدة تذكر أن الله يأخذ القرى أيضا إذا كانت ظالمة وأن الله لا يهلك التي تظلم إذا كان أهلها مصلحين وأن الله قد يهمل الظالمين أمدا ولكنه لا بدّ من أن يأخذهم بعذابه وبأسه مثل الآيات التالية :
١ ـ ﴿ وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [ هود :١٠٢ ]
٢ ـ﴿ ومَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [ هود :١١٧ ]
٣ ـ{ وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وإِلَيَّ الْمَصِيرُ{ [ الحج :٤٨ ]٢
وإذا لوحظ أنه لا يكون عادة جميع أهل القرى ظالمين أو صالحين، وإنما يكون ذلك حالة بعضهم فيكون قد انطوى في الآيات سنّة ربانية وهي شمول البلاء أو الرحمة إذا ما كانت حالة الظلم أو حالة الصلاح هي الغالبة. وقد أمر الله المسلمين بالاتقاء من الفتن التي إذا حدثت لا ينحصر شرّها في الذين اقترفوها بل يعمّ كما جاء في آية سورة الأنفال هذه : ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب٢٥ ﴾.
وفي سورة الإسراء آية من هذا الباب تفيد أن سيطرة المترفين الفاسقين على قرية تكون سببا لتدميرها وهي : ﴿ وإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ١٦ ﴾.
ولما كان هناك آيات كثيرة تقرر أن الله لا يظلم أحدا، فينبغي أن يفرض أن غير الظالمين رضوا أو سكتوا عن ظلم الظالمين فعمهم الله ببلائه. وآية سورة الأنفال قويّة التأييد لذلك لأنها تأمر باتقاء الفتنة حتى لا يصيب بلاؤها الجميع واتقاؤها هو بالتضامن على منعها وضرب مثيرتها.
ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في مثل ذلك منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الظلم ظلمات يوم القيامة " ٣. وحديث رواه الشيخان وأحمد عن ابن عمر كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من أخذ من الأرض شبرا بغير حقّ خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " ٤، وفي رواية " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين ". وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل ألاّ يكون دينار ولا درهم. إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه " ٥. وحديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " ٦. وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحتقره. التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " ٧. وحديث رواه أبو داود عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ليس منّا من دعا إلى عصبيّة وليس منّا من قاتل على عصبيّة وليس منّا من مات على عصبيّة. عن واثلة بن الأسقع قال قلت يا رسول الله ما العصبية ؟ قال :أن تعين قومك على الظلم " ٨. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر :" أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره " ٩. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنّ الله ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته " ١٠. وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أبي بكر قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :إنّ الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب " ١١. وحديث رواه مسلم عن أبي ذرّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنّ الله تعالى يقول :إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلاّ نفسه " ١٢. وهناك أحاديث صحيحة أخرى بوجوب الضرب على يد الظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتنويه بمن يقول كلمة حقّ أمام سلطان جائر واعتبار ذلك من أفضل الجهاد أوردناها في سياق تعليقنا على الأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في سورة الأعراف، وتصحّ أن تورد في هذا السياق أيضا بحيث يبدو التساوق في التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر كما في كلّ أمر.

بورا :هالكين بضلالهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ١٧ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ولَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وكَانُوا قَوْمًا بُورًا ١٨ فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولَا نَصْرًا ومَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ١٩ ﴾ [ ١٧ ـ ١٩ ].
في الآيات أسلوب آخر في صدد إفحام المكذبين المشركين وتسفيههم وإنذارهم. فالله تعالى سيحشرهم يوم القيامة مع معبوداتهم التي اتخذوها من دون الله فيسأل المعبودات عما إذا كانوا هم الذين أضلوا عباده وزينوا لهم عبادتهم أم هم الذين ضلوا عن طريق الحق وزاغوا باختيارهم فيجيبونه متنصلين مقررين أنهم لا يمكنهم أن يجرؤوا على ذلك، ويتخذوا أولياء من دونه أو يفرضوا عبادتهم على الغير ولكن الضالين استغرقوا في متع الحياة وشهواتها هم وآباؤهم من قبلهم حتى نسوا ذكر الله تعالى واختاروا الضلال على الهدى. وحينئذ يوجه الخطاب الرباني إلى الكفار بأسلوب تبكيتي بأن الذين اتخذوهم معبودات من دون الله قد تنصلوا منهم وكذبوهم، وبأنهم في حالة العجز واليأس من دفع العذاب عن أنفسهم أو الانتصار في الموقف العصيب الذي يواجهونه. وانتهت الآية الأخيرة بإنذار عام للناس بأن من يظلم نفسه وينحرف عن طريق الحق يصير إلى شر مصير ويذوق العذاب الأليم.
والآيات استمرار للسياق ومتصلة به كما هو المتبادر، وليس في الآيات تصريح بهوية المعبودات المقصودة. وقد قال المفسرون :إنهم الملائكة أو المسيح عليه السلام أو العزير ومنهم من قال إنهم الأصنام يأتي بهم الله فينطقهم١. والذي نرجّحه أنهم الملائكة. وفي سورة سبأ آيات مشابهات للآية [ ١٧ ] احتوت تصريحا بالملائكة مما يؤيد هذا الترجيح وهي : ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ويقولوا للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ٤٠ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ٤١ ﴾.
ومشركو العرب إنما كانوا يعبدون الملائكة ويتّخذونهم شفعاء عند الله على ما حكته آيات عديدة أوردنا نصوصها في سياق سورة المدثر وسورة النجم. وهذا مما يقوي ترجيحنا.
والحوار الذي احتوته الآيات إنما أُريد به تصوير ما سوف يكون في الآخرة أو حكاية مسبقة له. وفيه معنى تبكيتي وتسفيهي وإنذاري. واستهدف فيما استهدفه تقرير عجز المعبودات عن تحقيق ما يؤمّله المشركون فيهم وكونهم هم أنفسهم عباد الله الذين يخضعون له كل الخضوع ويخافونه كل الخوف مما يتضمن تدعيم ذلك المعنى. وقد استهدف كذلك فيما استهدف حمل المشركين على الارعواء عن الضلال والسخف وإثارة الخوف في نفوسهم.
وفي الآيات بيان سبب من أسباب ضلال الناس وانصرافهم عن واجباتهم وعن التدبّر في آيات الله وحكمته يضاف إلى السبب الذي ذكرته الآيات السابقة أي إنكار الآخرة، وهو استغراقهم في متع الحياة الدنيا وشهواتها استغراقا يميت ضمائرهم ويعمي أبصارهم وينسيهم ذكر الله وواجباتهم نحوه ونحو الناس وينطوي في هذا تحذير من ذلك بطبيعة الحال.
تعليق على تعبير
﴿ مَّتَّعْتهُمْ وآبَاءهُمْ ﴾
وقد توهم عبارة ﴿ مَّتَّعْتَهُمْ وآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ في جواب المعبودات أنها توجه المسؤولية في ضلال الناس إلى الله سبحانه وتعالى بما يسهّله لهم من متع الحياة حتى يستغرقوا فيها. وفي الآيات ما يزيل هذا الوهم. فهي في صدد تصويري لتنصّل المعبودات من عابديهم وإظهار خضوعهم لله. والإشارة إلى استغراق الناس، ذلك الاستغراق الذي ينسيهم ربّهم وواجباتهم هي بسبيل التنديد بعقيدة المشركين وإسرافهم في الاستغراق. ويمكن أن يقال في هذا المقام :إن في تمكّن الناس من المتع الدنيوية مظهرا من مظاهر الانطباق على النواميس التي أودعها الله في كونه وخلقه. ومن هذه النواميس أن يكون الناس متمتعين بجميع مشاعرهم وقابليتهم وقواهم ليكونوا أحرارا في اختيار ما يختارون وترك ما يتركون فيستحقوا جزاءهم وفق اختيارهم.
وفي الآية الأخيرة قرينة على هذا المعنى حيث احتوت وعيدا لمن ( يظلم ) ولا يتحقق معنى هذه الكلمة إلاّ في من كان في قدرته أن يظلم. والإسراف وسوء القصد في الاختيار والانحراف عن طريق الحق والهدى ظلم، ولذلك أوعد الله سبحانه وتعالى صاحبه بالعذاب الأليم. وهذه الآية بهذا المعنى مزيلة للوهم الذي يمكن أن يتبادر إلى الذهن من العبارة والله أعلم.
تعليق على ما في القرآن من تكرار
التنديد بالظالمين ووعيدهم وإنذارهم
والظلم في الآية الأخيرة يعني على ما يتبادر من مقامها الإجرام والبغي والانحراف عن الحق. ونفس المعنى مندمج في الكلمة التي جاءت في الآية الثامنة من هذه السورة. وبهذه المناسبة نقول :إن هذه الكلمة ومشتقاتها قد وردت في القرآن نيفا وثلاثمائة مرة ؛ حيث يدلّ هذا على ما أوّلته حكمة التنزيل من اهتمام عظيم لمعالجة ما انطوى في هذه الكلمة التي تتجسّد فيها معان عديدة على ما تفيده وتلهمه الآيات التي وردت فيها كالجور الذي هو ضدّ العدل والانحراف عن طريق الحق والجناية على النفس والإضرار بالنفس والغير والعدوان على حريّات الناس وحقوقهم وأموالهم ودمائهم وبخاصة الضعفاء واستغلالهم والتحكّم فيهم والاستكبار عن دين الله وسبيله والصدّ عنهما ومناوأة رسل الله ودعاة الإصلاح والهدى والكيد لهم واقتراف الآثام وبخس الحق. وبكلمة واحدة كل المنكرات والفواحش. ومعظم الآيات التي جاءت فيها والتي تغني كثرتها وإثباتها في معظم السور عن التمثيل لها هي بسبيل التنديد بالظلم والظالمين على اختلاف مدلول الكلمة والحملة عليهم ولعنتهم وبيان ما سوف يلقونه من الخزي وانفصال وسوء العاقبة والمنقلب في الدنيا والآخرة. والتعريض بهم والتحريض عليهم وإيجاب مكافحتهم ومقاومتهم بكل وسيلة. وعدم الإذعان لهم والسكوت عنهم وتلقين ما في ذلك من عزّة وكرامة وحق ونصر لدين الله ومصلحة المسلمين العامة وطمأنينة المجتمع وتلقين ما في مخالفة ذلك من إثم ومنكر وذلّ ومهانة وتشجيع على الظلم واستشرائه. وفي كل ذلك ينطوي هتاف قرآني داو ضد الظلم والظالمين ودعوة داوية إلى اجتنابه ومقاومته. وهذا وذاك بقوته وشموله من الخصوصيات التي انفرد بها القرآن.
وهناك آيات عديدة تذكر أن الله يأخذ القرى أيضا إذا كانت ظالمة وأن الله لا يهلك التي تظلم إذا كان أهلها مصلحين وأن الله قد يهمل الظالمين أمدا ولكنه لا بدّ من أن يأخذهم بعذابه وبأسه مثل الآيات التالية :
١ ـ ﴿ وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [ هود :١٠٢ ]
٢ ـ﴿ ومَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [ هود :١١٧ ]
٣ ـ{ وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وإِلَيَّ الْمَصِيرُ{ [ الحج :٤٨ ]٢
وإذا لوحظ أنه لا يكون عادة جميع أهل القرى ظالمين أو صالحين، وإنما يكون ذلك حالة بعضهم فيكون قد انطوى في الآيات سنّة ربانية وهي شمول البلاء أو الرحمة إذا ما كانت حالة الظلم أو حالة الصلاح هي الغالبة. وقد أمر الله المسلمين بالاتقاء من الفتن التي إذا حدثت لا ينحصر شرّها في الذين اقترفوها بل يعمّ كما جاء في آية سورة الأنفال هذه : ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب٢٥ ﴾.
وفي سورة الإسراء آية من هذا الباب تفيد أن سيطرة المترفين الفاسقين على قرية تكون سببا لتدميرها وهي : ﴿ وإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ١٦ ﴾.
ولما كان هناك آيات كثيرة تقرر أن الله لا يظلم أحدا، فينبغي أن يفرض أن غير الظالمين رضوا أو سكتوا عن ظلم الظالمين فعمهم الله ببلائه. وآية سورة الأنفال قويّة التأييد لذلك لأنها تأمر باتقاء الفتنة حتى لا يصيب بلاؤها الجميع واتقاؤها هو بالتضامن على منعها وضرب مثيرتها.
ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في مثل ذلك منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الظلم ظلمات يوم القيامة " ٣. وحديث رواه الشيخان وأحمد عن ابن عمر كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من أخذ من الأرض شبرا بغير حقّ خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " ٤، وفي رواية " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين ". وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل ألاّ يكون دينار ولا درهم. إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه " ٥. وحديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " ٦. وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحتقره. التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " ٧. وحديث رواه أبو داود عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ليس منّا من دعا إلى عصبيّة وليس منّا من قاتل على عصبيّة وليس منّا من مات على عصبيّة. عن واثلة بن الأسقع قال قلت يا رسول الله ما العصبية ؟ قال :أن تعين قومك على الظلم " ٨. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر :" أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره " ٩. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنّ الله ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته " ١٠. وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أبي بكر قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :إنّ الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب " ١١. وحديث رواه مسلم عن أبي ذرّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنّ الله تعالى يقول :إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلاّ نفسه " ١٢. وهناك أحاديث صحيحة أخرى بوجوب الضرب على يد الظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتنويه بمن يقول كلمة حقّ أمام سلطان جائر واعتبار ذلك من أفضل الجهاد أوردناها في سياق تعليقنا على الأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في سورة الأعراف، وتصحّ أن تورد في هذا السياق أيضا بحيث يبدو التساوق في التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر كما في كلّ أمر.

صرفا :بمعنى دفعا للعذاب.
نصرا :بمعنى انتصارا على الله في مواجهته لهم.
ومن يظلم :بمعنى ومن يجرم ويتمرّد.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ومَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ١٧ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاء ولَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وكَانُوا قَوْمًا بُورًا ١٨ فَقَدْ كَذَّبُوكُم بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولَا نَصْرًا ومَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ١٩ ﴾ [ ١٧ ـ ١٩ ].
في الآيات أسلوب آخر في صدد إفحام المكذبين المشركين وتسفيههم وإنذارهم. فالله تعالى سيحشرهم يوم القيامة مع معبوداتهم التي اتخذوها من دون الله فيسأل المعبودات عما إذا كانوا هم الذين أضلوا عباده وزينوا لهم عبادتهم أم هم الذين ضلوا عن طريق الحق وزاغوا باختيارهم فيجيبونه متنصلين مقررين أنهم لا يمكنهم أن يجرؤوا على ذلك، ويتخذوا أولياء من دونه أو يفرضوا عبادتهم على الغير ولكن الضالين استغرقوا في متع الحياة وشهواتها هم وآباؤهم من قبلهم حتى نسوا ذكر الله تعالى واختاروا الضلال على الهدى. وحينئذ يوجه الخطاب الرباني إلى الكفار بأسلوب تبكيتي بأن الذين اتخذوهم معبودات من دون الله قد تنصلوا منهم وكذبوهم، وبأنهم في حالة العجز واليأس من دفع العذاب عن أنفسهم أو الانتصار في الموقف العصيب الذي يواجهونه. وانتهت الآية الأخيرة بإنذار عام للناس بأن من يظلم نفسه وينحرف عن طريق الحق يصير إلى شر مصير ويذوق العذاب الأليم.
والآيات استمرار للسياق ومتصلة به كما هو المتبادر، وليس في الآيات تصريح بهوية المعبودات المقصودة. وقد قال المفسرون :إنهم الملائكة أو المسيح عليه السلام أو العزير ومنهم من قال إنهم الأصنام يأتي بهم الله فينطقهم١. والذي نرجّحه أنهم الملائكة. وفي سورة سبأ آيات مشابهات للآية [ ١٧ ] احتوت تصريحا بالملائكة مما يؤيد هذا الترجيح وهي : ﴿ ويوم يحشرهم جميعا ويقولوا للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون ٤٠ قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون ٤١ ﴾.
ومشركو العرب إنما كانوا يعبدون الملائكة ويتّخذونهم شفعاء عند الله على ما حكته آيات عديدة أوردنا نصوصها في سياق سورة المدثر وسورة النجم. وهذا مما يقوي ترجيحنا.
والحوار الذي احتوته الآيات إنما أُريد به تصوير ما سوف يكون في الآخرة أو حكاية مسبقة له. وفيه معنى تبكيتي وتسفيهي وإنذاري. واستهدف فيما استهدفه تقرير عجز المعبودات عن تحقيق ما يؤمّله المشركون فيهم وكونهم هم أنفسهم عباد الله الذين يخضعون له كل الخضوع ويخافونه كل الخوف مما يتضمن تدعيم ذلك المعنى. وقد استهدف كذلك فيما استهدف حمل المشركين على الارعواء عن الضلال والسخف وإثارة الخوف في نفوسهم.
وفي الآيات بيان سبب من أسباب ضلال الناس وانصرافهم عن واجباتهم وعن التدبّر في آيات الله وحكمته يضاف إلى السبب الذي ذكرته الآيات السابقة أي إنكار الآخرة، وهو استغراقهم في متع الحياة الدنيا وشهواتها استغراقا يميت ضمائرهم ويعمي أبصارهم وينسيهم ذكر الله وواجباتهم نحوه ونحو الناس وينطوي في هذا تحذير من ذلك بطبيعة الحال.
تعليق على تعبير
﴿ مَّتَّعْتهُمْ وآبَاءهُمْ ﴾
وقد توهم عبارة ﴿ مَّتَّعْتَهُمْ وآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ في جواب المعبودات أنها توجه المسؤولية في ضلال الناس إلى الله سبحانه وتعالى بما يسهّله لهم من متع الحياة حتى يستغرقوا فيها. وفي الآيات ما يزيل هذا الوهم. فهي في صدد تصويري لتنصّل المعبودات من عابديهم وإظهار خضوعهم لله. والإشارة إلى استغراق الناس، ذلك الاستغراق الذي ينسيهم ربّهم وواجباتهم هي بسبيل التنديد بعقيدة المشركين وإسرافهم في الاستغراق. ويمكن أن يقال في هذا المقام :إن في تمكّن الناس من المتع الدنيوية مظهرا من مظاهر الانطباق على النواميس التي أودعها الله في كونه وخلقه. ومن هذه النواميس أن يكون الناس متمتعين بجميع مشاعرهم وقابليتهم وقواهم ليكونوا أحرارا في اختيار ما يختارون وترك ما يتركون فيستحقوا جزاءهم وفق اختيارهم.
وفي الآية الأخيرة قرينة على هذا المعنى حيث احتوت وعيدا لمن ( يظلم ) ولا يتحقق معنى هذه الكلمة إلاّ في من كان في قدرته أن يظلم. والإسراف وسوء القصد في الاختيار والانحراف عن طريق الحق والهدى ظلم، ولذلك أوعد الله سبحانه وتعالى صاحبه بالعذاب الأليم. وهذه الآية بهذا المعنى مزيلة للوهم الذي يمكن أن يتبادر إلى الذهن من العبارة والله أعلم.
تعليق على ما في القرآن من تكرار
التنديد بالظالمين ووعيدهم وإنذارهم
والظلم في الآية الأخيرة يعني على ما يتبادر من مقامها الإجرام والبغي والانحراف عن الحق. ونفس المعنى مندمج في الكلمة التي جاءت في الآية الثامنة من هذه السورة. وبهذه المناسبة نقول :إن هذه الكلمة ومشتقاتها قد وردت في القرآن نيفا وثلاثمائة مرة ؛ حيث يدلّ هذا على ما أوّلته حكمة التنزيل من اهتمام عظيم لمعالجة ما انطوى في هذه الكلمة التي تتجسّد فيها معان عديدة على ما تفيده وتلهمه الآيات التي وردت فيها كالجور الذي هو ضدّ العدل والانحراف عن طريق الحق والجناية على النفس والإضرار بالنفس والغير والعدوان على حريّات الناس وحقوقهم وأموالهم ودمائهم وبخاصة الضعفاء واستغلالهم والتحكّم فيهم والاستكبار عن دين الله وسبيله والصدّ عنهما ومناوأة رسل الله ودعاة الإصلاح والهدى والكيد لهم واقتراف الآثام وبخس الحق. وبكلمة واحدة كل المنكرات والفواحش. ومعظم الآيات التي جاءت فيها والتي تغني كثرتها وإثباتها في معظم السور عن التمثيل لها هي بسبيل التنديد بالظلم والظالمين على اختلاف مدلول الكلمة والحملة عليهم ولعنتهم وبيان ما سوف يلقونه من الخزي وانفصال وسوء العاقبة والمنقلب في الدنيا والآخرة. والتعريض بهم والتحريض عليهم وإيجاب مكافحتهم ومقاومتهم بكل وسيلة. وعدم الإذعان لهم والسكوت عنهم وتلقين ما في ذلك من عزّة وكرامة وحق ونصر لدين الله ومصلحة المسلمين العامة وطمأنينة المجتمع وتلقين ما في مخالفة ذلك من إثم ومنكر وذلّ ومهانة وتشجيع على الظلم واستشرائه. وفي كل ذلك ينطوي هتاف قرآني داو ضد الظلم والظالمين ودعوة داوية إلى اجتنابه ومقاومته. وهذا وذاك بقوته وشموله من الخصوصيات التي انفرد بها القرآن.
وهناك آيات عديدة تذكر أن الله يأخذ القرى أيضا إذا كانت ظالمة وأن الله لا يهلك التي تظلم إذا كان أهلها مصلحين وأن الله قد يهمل الظالمين أمدا ولكنه لا بدّ من أن يأخذهم بعذابه وبأسه مثل الآيات التالية :
١ ـ ﴿ وكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ ﴾ [ هود :١٠٢ ]
٢ ـ﴿ ومَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ ﴾ [ هود :١١٧ ]
٣ ـ{ وكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وإِلَيَّ الْمَصِيرُ{ [ الحج :٤٨ ]٢
وإذا لوحظ أنه لا يكون عادة جميع أهل القرى ظالمين أو صالحين، وإنما يكون ذلك حالة بعضهم فيكون قد انطوى في الآيات سنّة ربانية وهي شمول البلاء أو الرحمة إذا ما كانت حالة الظلم أو حالة الصلاح هي الغالبة. وقد أمر الله المسلمين بالاتقاء من الفتن التي إذا حدثت لا ينحصر شرّها في الذين اقترفوها بل يعمّ كما جاء في آية سورة الأنفال هذه : ﴿ واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب٢٥ ﴾.
وفي سورة الإسراء آية من هذا الباب تفيد أن سيطرة المترفين الفاسقين على قرية تكون سببا لتدميرها وهي : ﴿ وإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ١٦ ﴾.
ولما كان هناك آيات كثيرة تقرر أن الله لا يظلم أحدا، فينبغي أن يفرض أن غير الظالمين رضوا أو سكتوا عن ظلم الظالمين فعمهم الله ببلائه. وآية سورة الأنفال قويّة التأييد لذلك لأنها تأمر باتقاء الفتنة حتى لا يصيب بلاؤها الجميع واتقاؤها هو بالتضامن على منعها وضرب مثيرتها.
ولقد أثرت أحاديث نبوية عديدة في مثل ذلك منها حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الظلم ظلمات يوم القيامة " ٣. وحديث رواه الشيخان وأحمد عن ابن عمر كذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من أخذ من الأرض شبرا بغير حقّ خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين " ٤، وفي رواية " من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوّقه يوم القيامة من سبع أرضين ". وحديث رواه البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من كانت له مظلمة لأحد من عرضه أو شيء فليتحلّله منه اليوم قبل ألاّ يكون دينار ولا درهم. إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيّئات صاحبه فحمل عليه " ٥. وحديث رواه البخاري ومسلم عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه " ٦. وحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا تحاسدوا ولا تناجشوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا يبع بعضكم على بيع بعض وكونوا عباد الله إخوانا. المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحتقره. التقوى ههنا ويشير إلى صدره ثلاث مرات بحسب امرئ من الشرّ أن يحقر أخاه المسلم. كلّ المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه " ٧. وحديث رواه أبو داود عن جبير بن مطعم عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ليس منّا من دعا إلى عصبيّة وليس منّا من قاتل على عصبيّة وليس منّا من مات على عصبيّة. عن واثلة بن الأسقع قال قلت يا رسول الله ما العصبية ؟ قال :أن تعين قومك على الظلم " ٨. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن جابر :" أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لينصر الرجل أخاه ظالما أو مظلوما إن كان ظالما فينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره " ٩. وحديث رواه الشيخان والترمذي عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنّ الله ليملي للظالم حتّى إذا أخذه لم يفلته " ١٠. وحديث رواه الترمذي وأبو داود عن أبي بكر قال :" سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :إنّ الناس إذا رأوا ظالما فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمّهم الله بعقاب " ١١. وحديث رواه مسلم عن أبي ذرّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أنّ الله تعالى يقول :إني حرّمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا يا عبادي إنّما هي أعمالكم أحصيها لكم فمن وجد خيرا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلاّ نفسه " ١٢. وهناك أحاديث صحيحة أخرى بوجوب الضرب على يد الظالم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتنويه بمن يقول كلمة حقّ أمام سلطان جائر واعتبار ذلك من أفضل الجهاد أوردناها في سياق تعليقنا على الأمر بالمعروف وينهى عن المنكر في سورة الأعراف، وتصحّ أن تورد في هذا السياق أيضا بحيث يبدو التساوق في التلقين النبوي مع التلقين القرآني في هذا الأمر كما في كلّ أمر.

﴿ وما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ ويَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ٢٠ ﴾ [ ٢٠ ].
فتنة :ابتلاء واختبارا.
أتصبرون :أي لنرى من منكم الصابر على ابتلاء الله واختباره. أو هل تصبرون على ابتلاء الله واختباره.
الآية متّصلة بالسياق. وقد احتوت ردّا آخر على تساؤل الكفار الذي حكته إحدى الآيات السابقة ؛ حيث قررت أن مماثلة النبي صلى الله عليه وسلم في طبيعته البشرية للناس ليست بدعا وأن الله تعالى لم يرسل من قبله إلاّ بشرا مثله يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كسائر الناس. ثم قررت أن الله سبحانه وتعالى جرت عادته على ابتلاء الناس واختبارهم ببعضهم ليرى مقدار صبرهم على ذلك وهو البصير بكل شيء.
تعليق على جملة
﴿ وجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾
ولقد تعددت الأقوال والتأويلات في جملة ﴿ وجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ ﴾ منها أن الله ابتلى المرسلين بالمرسل إليهم وبمناصبتهم العداء ونيلهم بأنواع الأذى وطلب منهم الصبر الجميل، وسيق لتأييد هذا القول حديث ورد في صحيح مسلم جاء فيه : " يقول الله تعالى :إنّي مبتليك ومبتل بك " ومنها أن الله جعل الأغنياء فتنة للفقراء، أو الزعماء فتنة للضعفاء لينظر هل يصبر الناس على حكمته في إغناء أناس وإفقار أناس أو جعل أناس أقوياء وآخرين ضعفاء. ومنها أن الجملة نزلت في أبي جهل وأصحاب له من زعماء قريش إذ قالوا حينما رأوا أن الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم من الفقراء والأرقّاء ساخرين :كيف نؤمن بمحمد ونجلس معه مع هؤلاء، أو انظروا إلى هؤلاء الذين اتّبعوا محمدا وهم موالينا وأراذلنا١.
وعلى كل حال فالجملة احتوت تقريرا لحكمة من حكم الله وهي جعله بعض الناس وسيلة لامتحان واختبار البعض الآخر ليرى من منهم الصابر على الابتلاء، الناجح عند الاختبار وينطوي في ذلك تقرير كون الله سبحانه وتعالى يفعل ذلك لاختبار الناس في صبرهم على الابتلاء واستعمال قابليتهم للتمييز بين الخير والشرّ والهدى والضلال والطيب والخبيث لتقوم الحجة عليهم من أعمالهم واختيارهم.
١ انظر تفسير الآيات في ابن كثير والطبري والخازن والطبرسي والزمخشري..
لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا :هنا بمعنى لا يعتقدون بالبعث ولا يخافونه.
عتوا :تمردوا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ٢٢ وقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلًا ٢٤ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ونُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ٢٦ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ٢٩ ﴾ [ ٢١ ـ ٢٩ ].
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير ﴿ الشيطان ﴾ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ ﴾ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو :الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.

حِجْرًا مَّحْجُورًا :أصل كلمة الحجر السدّ أو المنع أو التحريم. والجملة من تعابير العرب ومعناها حراما محرما. وكانوا يقولونها إذا لقي أحد منهم غريمه في الأشهر الحرم يعنون أن دمهم محرّم فيها. ومعنى الآية التي فيها التعبير أن الكافرين يوم يرون الملائكة لا يسمعون بشرى منهم ويقولون لهم :إن البشرى والجنة عليكم حرام محرم أو أنهم حينما لا يسمعون بشرى وترحيبا من الملائكة يقولون الجملة بقصد الاستعاذة بهم وطلب الامتناع عن سوقهم إلى العذاب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ٢٢ وقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلًا ٢٤ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ونُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ٢٦ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ٢٩ ﴾ [ ٢١ ـ ٢٩ ].
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير ﴿ الشيطان ﴾ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ ﴾ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو :الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ٢٢ وقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلًا ٢٤ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ونُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ٢٦ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ٢٩ ﴾ [ ٢١ ـ ٢٩ ].
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير ﴿ الشيطان ﴾ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ ﴾ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو :الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.

مقيلا :منزلا أو مقاما.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ٢٢ وقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلًا ٢٤ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ونُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ٢٦ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ٢٩ ﴾ [ ٢١ ـ ٢٩ ].
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير ﴿ الشيطان ﴾ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ ﴾ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو :الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.

تشقّق السماء بالغمام ونزّل الملائكة تنزيلا :تتشقق وتنفرج عن الغمام فينزل الملائكة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ٢٢ وقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلًا ٢٤ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ونُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ٢٦ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ٢٩ ﴾ [ ٢١ ـ ٢٩ ].
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير ﴿ الشيطان ﴾ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ ﴾ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو :الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ٢٢ وقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلًا ٢٤ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ونُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ٢٦ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ٢٩ ﴾ [ ٢١ ـ ٢٩ ].
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير ﴿ الشيطان ﴾ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ ﴾ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو :الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ٢٢ وقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلًا ٢٤ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ونُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ٢٦ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ٢٩ ﴾ [ ٢١ ـ ٢٩ ].
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير ﴿ الشيطان ﴾ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ ﴾ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو :الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ٢٢ وقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلًا ٢٤ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ونُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ٢٦ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ٢٩ ﴾ [ ٢١ ـ ٢٩ ].
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير ﴿ الشيطان ﴾ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ ﴾ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو :الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا ٢١ يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا ٢٢ وقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ٢٣ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا وأَحْسَنُ مَقِيلًا ٢٤ ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ونُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ٢٥ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ٢٦ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ٢٧ يَا ويْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا ٢٨ لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا ٢٩ ﴾ [ ٢١ ـ ٢٩ ].
في الآيات حكاية لأقوال ومواقف أخرى للكفار وردود ووعيد رباني، وتصوير لما سوف يلقونه يوم القيامة. وهي متصلة بالسياق السابق واستمرار له كما هو واضح.
وأسلوب الآية الأولى يلهم أن اقتراح الكفار ـ الذين ينكرون البعث ـ استنزال الملائكة أو تمكينهم من رؤية الله كان من باب التحدي والتعجيز مع الإنكار والاستهزاء. والآيات التالية ردّ مقابل لذلك، فإنهم سوف يرون الملائكة حيث يتشقّق عنهم الغمام، فينزلون من السماء ولكن يوم نزولهم ورؤياهم لهم يكون هو اليوم الموعود الذي يكون فيه المجرمون في شرّ حال بينما يكون المؤمنون أصحاب الجنة في خير حال، ولن يكون للمجرمين فيه بشرى ولا أمل، ويهتف بهم الملائكة أن كل ذلك حرام عليكم، وسيرون الله قد أحبط جميع أعمالهم في الدنيا فذهبت هباء منثورا لا فائدة لهم منها. وسيتحققون حينئذ أن الملك الحق لله وحده سبحانه وسيلقى الظالم من شدة ذلك اليوم وعسره ما يجعله يعضّ بنان الندم، ويتمنى أن لو استجاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ووصل نفسه به وقدّم معه اليد التي تنفعه أو لو لم يكن اتخذ فلانا خليلا حيث أضلّه عن الحق وجعله يغفل عن ذكر الله ويتصامم عن الدعوة إليه. وقد انتهت الآيات بتذكير رباني بأن الشيطان إنما شأنه أن يخذل الإنسان ويتنصل منه بعد أن يكون قد أضلّه وأغواه.
والآيات قوية التصوير والوعيد. من شأنها أن تثير الهلع في المكذبين والرهبة في السامعين وتحملهم على الارعواء والتدبّر وهم في متسع من الوقت ؛ وفيها في الوقت ذاته بشرى وتطمين للمسلمين. وكلّ هذا مما استهدفته على ما هو المتبادر.
وقد روى المفسرون١ أن آية ﴿ ويَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ إلخ نزلت في عقبة بن أبي معيط الذي أسلم فلما أنّبه أميّة بن خلف وهدّده ارتدّ واشتدّ في أذى النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنه ألقى روثا عليه وهو يصلّي، وأن ( فلانا ) المذكور في الآية التي بعدها عنت أمية. وقد يكون وقوع الحادث صحيحا، غير أن انسجام الآيات وتسلسلها يلهمان أنها بسبيل وعيد الكفار المكذبين بالبعث والتنديد بهم بصورة عامة، ومن المحتمل أنها نزلت في الظرف الذي وقع فيه الحادث المذكور آنفا فروى الرواة أنها نزلت بسببه.
وتعبير ﴿ الشيطان ﴾ يطلق على إبليس كما يطلق على البغاة العتاة المضلّين من الناس على ما تفيده آية الأنعام هذه : ﴿ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نِبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ والْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ولَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ ومَا يَفْتَرُونَ ١١٢ ﴾ والكلمة في الآية الأخيرة تحتمل أن يكون المقصود فيها إبليس كما تحتمل أن يكون المقصود هو :الشخص المضلّ الذي اتخذه الضالّ خليلا فأضلّه عن ذكر ربّه. ونرجّح مع ذلك أن القصد من الجملة هو التنبيه إلى وجوب التروي وعدم الاستماع إلى وساوس الموسوسين الذين لن ينفعوا ولن ينصروا من يضلّونهم، بل لن يلبثوا أن يخذلوهم ويتنصلوا منهم، وفي هذا تلقين مستمر المدى.
ولقد أورد ابن كثير حديثين عن ابن عباس في سياق الآية [ ٢٥ ] فيهما أشياء عجيبة عن تجمّع الخلائق يوم القيامة من إنس وجنّ وبهائم وسباع وطير وتشقّق السماوات واحدة بعد أخرى ونزول أفواج الملائكة منها أفواجا بعد أفواج وإحاطتها بالخلائق الخ. ولما كانت الأخبار الغيبية والأخروية لا تصحّ إلاّ إذا كانت واردة في القرآن أو صادرة بسند وثيق عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم نر طائلا في إيراد نصّ الحديثين. ولاسيما أن المتبادر من نصّ الآية وروحها ثم نصّ وروح الآيات جملة أنها بسبيل الردّ على الكفّار وإنذارهم على ما شرحناه آنفا.

( ١ ) مهجورا :متروكا أو مهملا. والقصد هنا إعراضهم عن القرآن وعدم تصديقه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ٣٠ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا ونَصِيرًا ٣١ ﴾ [ ٣٠ ـ ٣١ ].
في الآية الأولى حكاية نفثة من نفثات النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يرى قومه معرضين عن القرآن ولا يستجيبون للدعوة فيتألم ويحزن، وفي الآية الثانية تقرير رباني من باب التطمين والتسلية له بأنه ليس المنفرد في هذا وأنه كان لكلّ نبي من قبله أعداء من المجرمين يقفون منهم مثل هذا الموقف، وأنه يحسن أن يجعل اعتماده على الله الذي هو نعم الهادي والنصير.
والآيتان ليستا غريبتين عن السياق. فالمواقف التي حكتها الآيات السابقة من شأنها أن تثير ألم النبي صلى الله عليه وسلم وتجعله يرسل ما أرسله من نفثة وزفرة فنزلت الآيات مع السياق تحكي ذلك للتطمين والتسلية، وفي هذا صورة من صور التنزيل القرآني كما هو المتبادر، ولقد جاء ذكر القرآن في الآية التالية وحكاية لتحدّي الكافرين في صدده وقد يكون ذلك هو المناسبة القريبة للآيتين.

تعليـق علـى جملـة :

﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾
وتعبير ﴿ وكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ قد يوهم أن الله هو الذي جعل المجرمين يقفون من أنبيائه موقف العداء. وقد تكرر مثل هذا التعبير وما يدخل في بابه كثيرا في سياقات ومناسبات مماثلة. وقد مرّ مثل منه في آية سورة الأعراف [ ٢٧ ] وعلّقنا عليها بما يزيل الوهم من فحواها وفحوى ما قبلها وبعدها. وما قيل هناك يقال هنا، إجمالا والتعبير أسلوبي. والمتبادر أنه قصد به تقرير واقع أمر النظام الذي أقام الله المجتمع البشري عليه من أنه لا بد من أن يقف في وجه الأنبياء فريق من المنحرفين المجرمين على سبيل تطمين النبي وتسليته بكون ما يراه من قومه ليس بدعا. ولا يمكن أن يكون قصد به معناه الحرفي لأن في ذلك تناقضا يتنزّه الله سبحانه وتعالى عنه، وما جاء في الآية التي ورد فيها التعبير من نعت الكفار بالمجرمين وبأعداء الأنبياء قرينة على هذا التوجيه كما أن في ما احتوته الآيات السابقة واللاحقة من تحميل تبعة الإجرام والكفر على أصحابهما ونعت الكفار بأنهم قد ضلّوا السبيل قرائن قوية على صوابه.
ولقد رأى بعضهم١ في شكوى النبي صلى الله عليه وسلم من قومه لإعراضهم عن القرآن تحذيرا للمسلمين عن الإعراض عنه وعدم التمسّك بأحكامه وتدبّره والاستهانة به عند تلاوته. وهذا وجيه بل بديهي ؛ لأن كل هذا واجب لازب على كل مسلم.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا ٣٠ وكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا ونَصِيرًا ٣١ ﴾ [ ٣٠ ـ ٣١ ].
في الآية الأولى حكاية نفثة من نفثات النبي صلى الله عليه وسلم حينما كان يرى قومه معرضين عن القرآن ولا يستجيبون للدعوة فيتألم ويحزن، وفي الآية الثانية تقرير رباني من باب التطمين والتسلية له بأنه ليس المنفرد في هذا وأنه كان لكلّ نبي من قبله أعداء من المجرمين يقفون منهم مثل هذا الموقف، وأنه يحسن أن يجعل اعتماده على الله الذي هو نعم الهادي والنصير.
والآيتان ليستا غريبتين عن السياق. فالمواقف التي حكتها الآيات السابقة من شأنها أن تثير ألم النبي صلى الله عليه وسلم وتجعله يرسل ما أرسله من نفثة وزفرة فنزلت الآيات مع السياق تحكي ذلك للتطمين والتسلية، وفي هذا صورة من صور التنزيل القرآني كما هو المتبادر، ولقد جاء ذكر القرآن في الآية التالية وحكاية لتحدّي الكافرين في صدده وقد يكون ذلك هو المناسبة القريبة للآيتين.

تعليـق علـى جملـة :

﴿ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾
وتعبير ﴿ وكذلك جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ قد يوهم أن الله هو الذي جعل المجرمين يقفون من أنبيائه موقف العداء. وقد تكرر مثل هذا التعبير وما يدخل في بابه كثيرا في سياقات ومناسبات مماثلة. وقد مرّ مثل منه في آية سورة الأعراف [ ٢٧ ] وعلّقنا عليها بما يزيل الوهم من فحواها وفحوى ما قبلها وبعدها. وما قيل هناك يقال هنا، إجمالا والتعبير أسلوبي. والمتبادر أنه قصد به تقرير واقع أمر النظام الذي أقام الله المجتمع البشري عليه من أنه لا بد من أن يقف في وجه الأنبياء فريق من المنحرفين المجرمين على سبيل تطمين النبي وتسليته بكون ما يراه من قومه ليس بدعا. ولا يمكن أن يكون قصد به معناه الحرفي لأن في ذلك تناقضا يتنزّه الله سبحانه وتعالى عنه، وما جاء في الآية التي ورد فيها التعبير من نعت الكفار بالمجرمين وبأعداء الأنبياء قرينة على هذا التوجيه كما أن في ما احتوته الآيات السابقة واللاحقة من تحميل تبعة الإجرام والكفر على أصحابهما ونعت الكفار بأنهم قد ضلّوا السبيل قرائن قوية على صوابه.
ولقد رأى بعضهم١ في شكوى النبي صلى الله عليه وسلم من قومه لإعراضهم عن القرآن تحذيرا للمسلمين عن الإعراض عنه وعدم التمسّك بأحكامه وتدبّره والاستهانة به عند تلاوته. وهذا وجيه بل بديهي ؛ لأن كل هذا واجب لازب على كل مسلم.

لولا :هنا بمعنى هلاّ للتحدي.
رتلناه ترتيلا :جعلناه رتلا بعد رتل، أي قسما بعد قسم وقيل فصّلناه تفصيلا أو بينّاه تبيينا. والتأويل الأول هو الأوجه والمتّسق مع مضمون الآية.
﴿ وقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ ورَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا ٣٢ ولَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ٣٣ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَانًا وأَضَلُّ سَبِيلًا ٣٤ ﴾ [ ٣٢ ٣٤ ].
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: احتوت الآيات حكاية قول آخر من أقوال الكفار حيث قالوا على سبيل التحدّي :هلا أنزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة ؟ وقد ردّت عليهم ردّا قويّا فيه تثبيت وتوضيح وإنذار. فالله تعالى إنما أنزل القرآن مرتّلا قسما بعد قسم لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته وجعل الناس يحسنون استيعابه، وإن الكفار لا يأتون بمثل أو حجة يظنون فيها تعجيزا أو إشكالا أو إحراجا إلاّ أنزل الله في صدده ما فيه الحق والتفسير الأفضل والحجة الدامغة المفحمة، وأن الذين يظلون في كفرهم ومكابرتهم بعد ذلك سيحشرون إلى جهنّم على وجوههم وسيعلمون حينئذ أنهم الأضل سبيلا والأسوأ مصيرا. والزيادة التي ذكرناها في صدد تنزيل القرآن مقسما مستمدة من آية الإسراء هذه : ﴿ وقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ونَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً ١٠٦ ﴾.
والآيات استمرار في السياق الذي احتوى منذ أول السورة فصولا مماثلة من حيث حكاية مواقف الكفار وأقوالهم والردّ عليهم وإنذارهم.
ولقد روى الشيخان عن أنس في سياق تفسير الآية [ ٣٤ ] حديثا جاء فيه :" إنّ رجلا قال :يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ فقال :أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ؟ قال قتادة :بلى وعزّة ربنا " ١.
تعليـق على تحـدّي الكفار بإنزال القرآن جملة واحدة.
وقد قال المفسرون في سياق الآيات :إن الكفار كانوا يتحدّون النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن جملة واحدة كما أنزلت الكتب السماوية التوراة والإنجيل والزبور جملة واحدة. وعلّلوا نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم متفرقا بأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب فكان لابد له من التلقين والحفظ اللذين يقتضيان إنزال القرآن مفرّقا في حين كان الأنبياء الأولون يقرؤون ويكتبون فنزلت عليهم جملة واحدة ومكتوبة٢.
وقد يكون ما قاله المفسرون عن سبب تحدّي الكفار صحيحا، وأن يكون هؤلاء سمعوا من الكتابيين أن التوراة والإنجيل والزبور نزلت على موسى وعيسى وداود عليهم السلام جملة واحدة. غير أننا لا نستطيع موافقتهم على أخذهم ذلك كقضية مسلّم بها وتعليلهم إياه بأمّية النبي صلى الله عليه وسلم. فباستثناء الألواح التي ذكرت آية الأعراف [ ١٤٥ ] أن الله أنزلها مكتوبة على موسى لم يرد في القرآن صراحة أن الله أنزل الكتب الأخرى مكتوبة ودفعة واحدة. والأسفار المنسوبة إلى موسى والعائدة إلى عهده وحياته والمتداولة اليوم تذكر أن الله إنما أمر موسى بإحضار لوحين، وتكرر كذلك أن موسى كتب كلام الربّ في سفر وسلّمه للآويين لحفظه في تابوت العهد في بيت الربّ، وتفيد أن معظم ما احتوته من تعليمات وتشريعات نزل مفرّقا وفي فترات ومناسبات عديدة وفق سير الظروف بالنسبة لموسى عليه السلام وبالنسبة لبني إسرائيل٣. والزبور الذي هو على الأرجح سفر المزامير مقاطع متتالية فيها تسبيح وتقديس وابتهال بلسان داود عليه السلام. ويتبادر منها أنها لم توح إلى داود مرة واحدة. وليس في اليد إنجيل منسوب إلى عيسى عليه السلام ولم يرو أحد أنه اطّلع على مثل ذلك. والأناجيل المتداولة هي ترجمة لحياته تضمّنت كثيرا من أقواله وتعاليمه التي عليها سمة الوحي. غير أنها تمثل وقائع ومجالس مختلفة فلا يمكن أن تكون نزلت دفعة واحدة. وكل هذا هو شأن القرآن بطبيعة الحال.
ولقد عاد بعض المفسّرين٤ إلى القول في سياق هذه الآية :إن الله تعالى قد أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وأنه صار ينزل منجما على النبي من هذه السماء حسب الوقائع والحوادث. ولقد أوردنا هذا في سياق سورة القدر وعلّقنا عليه بما يغني عن التكرار.
هذا، ومع أن تعبير ( القرآن ) أصبح علما على جميع ما أوحى الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم من الفصول والمجموعات القرآنية المحكمة والمتشابهة، فإن هذه الآية وأمثالها مما تكرر في القرآن ومن ذلك الآية السابقة [ ٣٠ ] تؤيد ما قلناه في سياق تفسير سورة المزمل من أن أصل مفهوم القرآن هو السور والفصول المحكمة التي احتوت مبادئ الدعوة وتدعيماتها الرئيسية كما تؤيد أن هذا هو الذي فهمه العرب، وأن ما جاء في سياق التدعيم والتأييد من قصص وأمثال وحجج وجدل وردود وحملات وحكاية أقوال الكفّار وتحدّياتهم ومشاهد الآخرة مما يصحّ أن يسمّى من المتشابهات لم يكن في الأصل مما عناه التعبير وفهمه العرب، وأن شمول التعبير لكل ما احتواه المصحف من ذلك أيضا إنما كان بسبب أنه من وحي الله وتنزيله مثل ذلك الأصل ؛ وهو ما عنته آية آل عمران هذه : ﴿ هُو الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ [ ٧ ].

أحسن تفسيرا :هنا بمعنى أحسن بيانا وجوابا على ما يورده الكفار من أسئلة وتعجيزات وتحدّيات. وكلمة تفسير من جذر :فسر بمعنى وضح وبان، وتعبير ( تفسير القرآن ) هي في أصله كشف وتوضيح النواحي اللغوية. أما التوسع في مدى التعبير فقد صار بالممارسة إن صحّ التعبير، حيث صار يطلق على كشف وتوضيح معاني الكلمات والجمل القرآنية.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: احتوت الآيات حكاية قول آخر من أقوال الكفار حيث قالوا على سبيل التحدّي :هلا أنزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة ؟ وقد ردّت عليهم ردّا قويّا فيه تثبيت وتوضيح وإنذار. فالله تعالى إنما أنزل القرآن مرتّلا قسما بعد قسم لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته وجعل الناس يحسنون استيعابه، وإن الكفار لا يأتون بمثل أو حجة يظنون فيها تعجيزا أو إشكالا أو إحراجا إلاّ أنزل الله في صدده ما فيه الحق والتفسير الأفضل والحجة الدامغة المفحمة، وأن الذين يظلون في كفرهم ومكابرتهم بعد ذلك سيحشرون إلى جهنّم على وجوههم وسيعلمون حينئذ أنهم الأضل سبيلا والأسوأ مصيرا. والزيادة التي ذكرناها في صدد تنزيل القرآن مقسما مستمدة من آية الإسراء هذه : ﴿ وقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ونَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً ١٠٦ ﴾.
والآيات استمرار في السياق الذي احتوى منذ أول السورة فصولا مماثلة من حيث حكاية مواقف الكفار وأقوالهم والردّ عليهم وإنذارهم.
ولقد روى الشيخان عن أنس في سياق تفسير الآية [ ٣٤ ] حديثا جاء فيه :" إنّ رجلا قال :يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ فقال :أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ؟ قال قتادة :بلى وعزّة ربنا " ١.
تعليـق على تحـدّي الكفار بإنزال القرآن جملة واحدة.
وقد قال المفسرون في سياق الآيات :إن الكفار كانوا يتحدّون النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن جملة واحدة كما أنزلت الكتب السماوية التوراة والإنجيل والزبور جملة واحدة. وعلّلوا نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم متفرقا بأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب فكان لابد له من التلقين والحفظ اللذين يقتضيان إنزال القرآن مفرّقا في حين كان الأنبياء الأولون يقرؤون ويكتبون فنزلت عليهم جملة واحدة ومكتوبة٢.
وقد يكون ما قاله المفسرون عن سبب تحدّي الكفار صحيحا، وأن يكون هؤلاء سمعوا من الكتابيين أن التوراة والإنجيل والزبور نزلت على موسى وعيسى وداود عليهم السلام جملة واحدة. غير أننا لا نستطيع موافقتهم على أخذهم ذلك كقضية مسلّم بها وتعليلهم إياه بأمّية النبي صلى الله عليه وسلم. فباستثناء الألواح التي ذكرت آية الأعراف [ ١٤٥ ] أن الله أنزلها مكتوبة على موسى لم يرد في القرآن صراحة أن الله أنزل الكتب الأخرى مكتوبة ودفعة واحدة. والأسفار المنسوبة إلى موسى والعائدة إلى عهده وحياته والمتداولة اليوم تذكر أن الله إنما أمر موسى بإحضار لوحين، وتكرر كذلك أن موسى كتب كلام الربّ في سفر وسلّمه للآويين لحفظه في تابوت العهد في بيت الربّ، وتفيد أن معظم ما احتوته من تعليمات وتشريعات نزل مفرّقا وفي فترات ومناسبات عديدة وفق سير الظروف بالنسبة لموسى عليه السلام وبالنسبة لبني إسرائيل٣. والزبور الذي هو على الأرجح سفر المزامير مقاطع متتالية فيها تسبيح وتقديس وابتهال بلسان داود عليه السلام. ويتبادر منها أنها لم توح إلى داود مرة واحدة. وليس في اليد إنجيل منسوب إلى عيسى عليه السلام ولم يرو أحد أنه اطّلع على مثل ذلك. والأناجيل المتداولة هي ترجمة لحياته تضمّنت كثيرا من أقواله وتعاليمه التي عليها سمة الوحي. غير أنها تمثل وقائع ومجالس مختلفة فلا يمكن أن تكون نزلت دفعة واحدة. وكل هذا هو شأن القرآن بطبيعة الحال.
ولقد عاد بعض المفسّرين٤ إلى القول في سياق هذه الآية :إن الله تعالى قد أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وأنه صار ينزل منجما على النبي من هذه السماء حسب الوقائع والحوادث. ولقد أوردنا هذا في سياق سورة القدر وعلّقنا عليه بما يغني عن التكرار.
هذا، ومع أن تعبير ( القرآن ) أصبح علما على جميع ما أوحى الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم من الفصول والمجموعات القرآنية المحكمة والمتشابهة، فإن هذه الآية وأمثالها مما تكرر في القرآن ومن ذلك الآية السابقة [ ٣٠ ] تؤيد ما قلناه في سياق تفسير سورة المزمل من أن أصل مفهوم القرآن هو السور والفصول المحكمة التي احتوت مبادئ الدعوة وتدعيماتها الرئيسية كما تؤيد أن هذا هو الذي فهمه العرب، وأن ما جاء في سياق التدعيم والتأييد من قصص وأمثال وحجج وجدل وردود وحملات وحكاية أقوال الكفّار وتحدّياتهم ومشاهد الآخرة مما يصحّ أن يسمّى من المتشابهات لم يكن في الأصل مما عناه التعبير وفهمه العرب، وأن شمول التعبير لكل ما احتواه المصحف من ذلك أيضا إنما كان بسبب أنه من وحي الله وتنزيله مثل ذلك الأصل ؛ وهو ما عنته آية آل عمران هذه : ﴿ هُو الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ [ ٧ ].

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: احتوت الآيات حكاية قول آخر من أقوال الكفار حيث قالوا على سبيل التحدّي :هلا أنزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة ؟ وقد ردّت عليهم ردّا قويّا فيه تثبيت وتوضيح وإنذار. فالله تعالى إنما أنزل القرآن مرتّلا قسما بعد قسم لتثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم ودعوته وجعل الناس يحسنون استيعابه، وإن الكفار لا يأتون بمثل أو حجة يظنون فيها تعجيزا أو إشكالا أو إحراجا إلاّ أنزل الله في صدده ما فيه الحق والتفسير الأفضل والحجة الدامغة المفحمة، وأن الذين يظلون في كفرهم ومكابرتهم بعد ذلك سيحشرون إلى جهنّم على وجوههم وسيعلمون حينئذ أنهم الأضل سبيلا والأسوأ مصيرا. والزيادة التي ذكرناها في صدد تنزيل القرآن مقسما مستمدة من آية الإسراء هذه : ﴿ وقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ ونَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً ١٠٦ ﴾.
والآيات استمرار في السياق الذي احتوى منذ أول السورة فصولا مماثلة من حيث حكاية مواقف الكفار وأقوالهم والردّ عليهم وإنذارهم.
ولقد روى الشيخان عن أنس في سياق تفسير الآية [ ٣٤ ] حديثا جاء فيه :" إنّ رجلا قال :يا نبي الله كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ فقال :أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة ؟ قال قتادة :بلى وعزّة ربنا " ١.
تعليـق على تحـدّي الكفار بإنزال القرآن جملة واحدة.
وقد قال المفسرون في سياق الآيات :إن الكفار كانوا يتحدّون النبي صلى الله عليه وسلم بإنزال القرآن جملة واحدة كما أنزلت الكتب السماوية التوراة والإنجيل والزبور جملة واحدة. وعلّلوا نزول القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم متفرقا بأنه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب فكان لابد له من التلقين والحفظ اللذين يقتضيان إنزال القرآن مفرّقا في حين كان الأنبياء الأولون يقرؤون ويكتبون فنزلت عليهم جملة واحدة ومكتوبة٢.
وقد يكون ما قاله المفسرون عن سبب تحدّي الكفار صحيحا، وأن يكون هؤلاء سمعوا من الكتابيين أن التوراة والإنجيل والزبور نزلت على موسى وعيسى وداود عليهم السلام جملة واحدة. غير أننا لا نستطيع موافقتهم على أخذهم ذلك كقضية مسلّم بها وتعليلهم إياه بأمّية النبي صلى الله عليه وسلم. فباستثناء الألواح التي ذكرت آية الأعراف [ ١٤٥ ] أن الله أنزلها مكتوبة على موسى لم يرد في القرآن صراحة أن الله أنزل الكتب الأخرى مكتوبة ودفعة واحدة. والأسفار المنسوبة إلى موسى والعائدة إلى عهده وحياته والمتداولة اليوم تذكر أن الله إنما أمر موسى بإحضار لوحين، وتكرر كذلك أن موسى كتب كلام الربّ في سفر وسلّمه للآويين لحفظه في تابوت العهد في بيت الربّ، وتفيد أن معظم ما احتوته من تعليمات وتشريعات نزل مفرّقا وفي فترات ومناسبات عديدة وفق سير الظروف بالنسبة لموسى عليه السلام وبالنسبة لبني إسرائيل٣. والزبور الذي هو على الأرجح سفر المزامير مقاطع متتالية فيها تسبيح وتقديس وابتهال بلسان داود عليه السلام. ويتبادر منها أنها لم توح إلى داود مرة واحدة. وليس في اليد إنجيل منسوب إلى عيسى عليه السلام ولم يرو أحد أنه اطّلع على مثل ذلك. والأناجيل المتداولة هي ترجمة لحياته تضمّنت كثيرا من أقواله وتعاليمه التي عليها سمة الوحي. غير أنها تمثل وقائع ومجالس مختلفة فلا يمكن أن تكون نزلت دفعة واحدة. وكل هذا هو شأن القرآن بطبيعة الحال.
ولقد عاد بعض المفسّرين٤ إلى القول في سياق هذه الآية :إن الله تعالى قد أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا وأنه صار ينزل منجما على النبي من هذه السماء حسب الوقائع والحوادث. ولقد أوردنا هذا في سياق سورة القدر وعلّقنا عليه بما يغني عن التكرار.
هذا، ومع أن تعبير ( القرآن ) أصبح علما على جميع ما أوحى الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم من الفصول والمجموعات القرآنية المحكمة والمتشابهة، فإن هذه الآية وأمثالها مما تكرر في القرآن ومن ذلك الآية السابقة [ ٣٠ ] تؤيد ما قلناه في سياق تفسير سورة المزمل من أن أصل مفهوم القرآن هو السور والفصول المحكمة التي احتوت مبادئ الدعوة وتدعيماتها الرئيسية كما تؤيد أن هذا هو الذي فهمه العرب، وأن ما جاء في سياق التدعيم والتأييد من قصص وأمثال وحجج وجدل وردود وحملات وحكاية أقوال الكفّار وتحدّياتهم ومشاهد الآخرة مما يصحّ أن يسمّى من المتشابهات لم يكن في الأصل مما عناه التعبير وفهمه العرب، وأن شمول التعبير لكل ما احتواه المصحف من ذلك أيضا إنما كان بسبب أنه من وحي الله وتنزيله مثل ذلك الأصل ؛ وهو ما عنته آية آل عمران هذه : ﴿ هُو الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ﴾ [ ٧ ].

وزيرا :مؤازرا وعضدا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وزِيرًا ٣٥ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى لْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ٣٦ وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ٣٧ وعَادًا وثَمُودَ وأَصْحَابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ٣٨ وكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ٣٩ ولَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ٤٠ ﴾ [ ٣٥ ـ ٤٠ ].
احتوت الآيات إشارات مقتضبة إلى ما كان من إرسال الله الرسل إلى أقوامهم وإلى مواقف هذه الأقوام التكذيبية. وما كان من تدمير الله ونكاله فيهم بسبب هذه المواقف. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والأسماء التي ذكرت فيها قد ذكرت في مناسبات سابقة وعرّفناها بما لا حاجة إلى تكراره هنا.
وقد جاء هذا الفصل جريا على أسلوب النظم والتنزيل القرآني، حيث يعقب حكاية مواقف كفّار العرب تذكير بما كان من أخبار الأمم السابقة استهدافا للارعواء والاعتبار والاتعاظ والإنذار. والآيات على هذا متصلة بالسياق وغير منفصلة عنه. والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ عائد إلى الكفار السامعين، وفيه توكيد لهذا الاتصال بالآيات السابقة فهي تعني مساكن قوم لوط. وقد ذكرت آيات في سورة الصافات أن العرب كانوا يمرون ببلاد قوم لوط المدمّرة وهي هذه : ﴿ وإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ١٣٦ وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٣٨ ﴾.
وقد انتهت الآيات بتقرير كون الكفار إنما يقفون مواقفهم الإنكارية والعنادية لأنهم لا يصدقون بالبعث الأخروي وأنهم مطمئنون بأنهم لن يصيبهم الشرّ والعذاب. وهذا التقرير قد تكرر في هذه السورة وغيرها كثيرا. وتكراره يظهرنا على الحكمة في التوكيد المستمرّ بالبعث وبالبرهنة على قدرة الله عليه كما هو المتبادر.

دمرنا :حطمنا أو هدمنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وزِيرًا ٣٥ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى لْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ٣٦ وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ٣٧ وعَادًا وثَمُودَ وأَصْحَابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ٣٨ وكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ٣٩ ولَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ٤٠ ﴾ [ ٣٥ ـ ٤٠ ].
احتوت الآيات إشارات مقتضبة إلى ما كان من إرسال الله الرسل إلى أقوامهم وإلى مواقف هذه الأقوام التكذيبية. وما كان من تدمير الله ونكاله فيهم بسبب هذه المواقف. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والأسماء التي ذكرت فيها قد ذكرت في مناسبات سابقة وعرّفناها بما لا حاجة إلى تكراره هنا.
وقد جاء هذا الفصل جريا على أسلوب النظم والتنزيل القرآني، حيث يعقب حكاية مواقف كفّار العرب تذكير بما كان من أخبار الأمم السابقة استهدافا للارعواء والاعتبار والاتعاظ والإنذار. والآيات على هذا متصلة بالسياق وغير منفصلة عنه. والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ عائد إلى الكفار السامعين، وفيه توكيد لهذا الاتصال بالآيات السابقة فهي تعني مساكن قوم لوط. وقد ذكرت آيات في سورة الصافات أن العرب كانوا يمرون ببلاد قوم لوط المدمّرة وهي هذه : ﴿ وإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ١٣٦ وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٣٨ ﴾.
وقد انتهت الآيات بتقرير كون الكفار إنما يقفون مواقفهم الإنكارية والعنادية لأنهم لا يصدقون بالبعث الأخروي وأنهم مطمئنون بأنهم لن يصيبهم الشرّ والعذاب. وهذا التقرير قد تكرر في هذه السورة وغيرها كثيرا. وتكراره يظهرنا على الحكمة في التوكيد المستمرّ بالبعث وبالبرهنة على قدرة الله عليه كما هو المتبادر.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وزِيرًا ٣٥ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى لْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ٣٦ وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ٣٧ وعَادًا وثَمُودَ وأَصْحَابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ٣٨ وكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ٣٩ ولَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ٤٠ ﴾ [ ٣٥ ـ ٤٠ ].
احتوت الآيات إشارات مقتضبة إلى ما كان من إرسال الله الرسل إلى أقوامهم وإلى مواقف هذه الأقوام التكذيبية. وما كان من تدمير الله ونكاله فيهم بسبب هذه المواقف. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والأسماء التي ذكرت فيها قد ذكرت في مناسبات سابقة وعرّفناها بما لا حاجة إلى تكراره هنا.
وقد جاء هذا الفصل جريا على أسلوب النظم والتنزيل القرآني، حيث يعقب حكاية مواقف كفّار العرب تذكير بما كان من أخبار الأمم السابقة استهدافا للارعواء والاعتبار والاتعاظ والإنذار. والآيات على هذا متصلة بالسياق وغير منفصلة عنه. والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ عائد إلى الكفار السامعين، وفيه توكيد لهذا الاتصال بالآيات السابقة فهي تعني مساكن قوم لوط. وقد ذكرت آيات في سورة الصافات أن العرب كانوا يمرون ببلاد قوم لوط المدمّرة وهي هذه : ﴿ وإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ١٣٦ وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٣٨ ﴾.
وقد انتهت الآيات بتقرير كون الكفار إنما يقفون مواقفهم الإنكارية والعنادية لأنهم لا يصدقون بالبعث الأخروي وأنهم مطمئنون بأنهم لن يصيبهم الشرّ والعذاب. وهذا التقرير قد تكرر في هذه السورة وغيرها كثيرا. وتكراره يظهرنا على الحكمة في التوكيد المستمرّ بالبعث وبالبرهنة على قدرة الله عليه كما هو المتبادر.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وزِيرًا ٣٥ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى لْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ٣٦ وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ٣٧ وعَادًا وثَمُودَ وأَصْحَابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ٣٨ وكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ٣٩ ولَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ٤٠ ﴾ [ ٣٥ ـ ٤٠ ].
احتوت الآيات إشارات مقتضبة إلى ما كان من إرسال الله الرسل إلى أقوامهم وإلى مواقف هذه الأقوام التكذيبية. وما كان من تدمير الله ونكاله فيهم بسبب هذه المواقف. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والأسماء التي ذكرت فيها قد ذكرت في مناسبات سابقة وعرّفناها بما لا حاجة إلى تكراره هنا.
وقد جاء هذا الفصل جريا على أسلوب النظم والتنزيل القرآني، حيث يعقب حكاية مواقف كفّار العرب تذكير بما كان من أخبار الأمم السابقة استهدافا للارعواء والاعتبار والاتعاظ والإنذار. والآيات على هذا متصلة بالسياق وغير منفصلة عنه. والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ عائد إلى الكفار السامعين، وفيه توكيد لهذا الاتصال بالآيات السابقة فهي تعني مساكن قوم لوط. وقد ذكرت آيات في سورة الصافات أن العرب كانوا يمرون ببلاد قوم لوط المدمّرة وهي هذه : ﴿ وإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ١٣٦ وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٣٨ ﴾.
وقد انتهت الآيات بتقرير كون الكفار إنما يقفون مواقفهم الإنكارية والعنادية لأنهم لا يصدقون بالبعث الأخروي وأنهم مطمئنون بأنهم لن يصيبهم الشرّ والعذاب. وهذا التقرير قد تكرر في هذه السورة وغيرها كثيرا. وتكراره يظهرنا على الحكمة في التوكيد المستمرّ بالبعث وبالبرهنة على قدرة الله عليه كما هو المتبادر.

تبّرنا :أهلكنا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وزِيرًا ٣٥ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى لْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ٣٦ وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ٣٧ وعَادًا وثَمُودَ وأَصْحَابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ٣٨ وكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ٣٩ ولَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ٤٠ ﴾ [ ٣٥ ـ ٤٠ ].
احتوت الآيات إشارات مقتضبة إلى ما كان من إرسال الله الرسل إلى أقوامهم وإلى مواقف هذه الأقوام التكذيبية. وما كان من تدمير الله ونكاله فيهم بسبب هذه المواقف. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والأسماء التي ذكرت فيها قد ذكرت في مناسبات سابقة وعرّفناها بما لا حاجة إلى تكراره هنا.
وقد جاء هذا الفصل جريا على أسلوب النظم والتنزيل القرآني، حيث يعقب حكاية مواقف كفّار العرب تذكير بما كان من أخبار الأمم السابقة استهدافا للارعواء والاعتبار والاتعاظ والإنذار. والآيات على هذا متصلة بالسياق وغير منفصلة عنه. والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ عائد إلى الكفار السامعين، وفيه توكيد لهذا الاتصال بالآيات السابقة فهي تعني مساكن قوم لوط. وقد ذكرت آيات في سورة الصافات أن العرب كانوا يمرون ببلاد قوم لوط المدمّرة وهي هذه : ﴿ وإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ١٣٦ وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٣٨ ﴾.
وقد انتهت الآيات بتقرير كون الكفار إنما يقفون مواقفهم الإنكارية والعنادية لأنهم لا يصدقون بالبعث الأخروي وأنهم مطمئنون بأنهم لن يصيبهم الشرّ والعذاب. وهذا التقرير قد تكرر في هذه السورة وغيرها كثيرا. وتكراره يظهرنا على الحكمة في التوكيد المستمرّ بالبعث وبالبرهنة على قدرة الله عليه كما هو المتبادر.

القرية التي أمطرت مطر السوء :كناية عن مساكن قوم لوط التي أرسل الله عليها رجوما وحاصبا وجعل عاليها سافلها كما وصف ذلك في آيات أخرى مرّت أمثلة منها.
نشورا :هنا أيضا بمعنى البعث بعد الموت.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ولَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وزِيرًا ٣٥ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى لْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ٣٦ وقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا ٣٧ وعَادًا وثَمُودَ وأَصْحَابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ٣٨ وكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ٣٩ ولَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا ٤٠ ﴾ [ ٣٥ ـ ٤٠ ].
احتوت الآيات إشارات مقتضبة إلى ما كان من إرسال الله الرسل إلى أقوامهم وإلى مواقف هذه الأقوام التكذيبية. وما كان من تدمير الله ونكاله فيهم بسبب هذه المواقف. وعبارتها واضحة لا تحتاج إلى أداء آخر. والأسماء التي ذكرت فيها قد ذكرت في مناسبات سابقة وعرّفناها بما لا حاجة إلى تكراره هنا.
وقد جاء هذا الفصل جريا على أسلوب النظم والتنزيل القرآني، حيث يعقب حكاية مواقف كفّار العرب تذكير بما كان من أخبار الأمم السابقة استهدافا للارعواء والاعتبار والاتعاظ والإنذار. والآيات على هذا متصلة بالسياق وغير منفصلة عنه. والضمير في ﴿ ولقد أتوا ﴾ عائد إلى الكفار السامعين، وفيه توكيد لهذا الاتصال بالآيات السابقة فهي تعني مساكن قوم لوط. وقد ذكرت آيات في سورة الصافات أن العرب كانوا يمرون ببلاد قوم لوط المدمّرة وهي هذه : ﴿ وإِنَّ لُوطًا لَّمِنَ الْمُرْسَلِينَ ١٣٣ إِذْ نَجَّيْنَاهُ وأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ ١٣٤ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ ١٣٥ ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ ١٣٦ وإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِم مُّصْبِحِينَ ١٣٧ وبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ١٣٨ ﴾.
وقد انتهت الآيات بتقرير كون الكفار إنما يقفون مواقفهم الإنكارية والعنادية لأنهم لا يصدقون بالبعث الأخروي وأنهم مطمئنون بأنهم لن يصيبهم الشرّ والعذاب. وهذا التقرير قد تكرر في هذه السورة وغيرها كثيرا. وتكراره يظهرنا على الحكمة في التوكيد المستمرّ بالبعث وبالبرهنة على قدرة الله عليه كما هو المتبادر.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ( ١ ) أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا ٤٣ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤ ﴾ [ ٤١ ـ ٤٤ ].
في هذه الآيات حكاية لموقف وقول آخر من مواقف الكفار وأقوالهم، حيث كانوا يتخذون النبي صلى الله عليه وسلم حينما يرونه موضوع هزء واستخفاف ويتساءلون تساؤل الهازئ المستخفّ قائلين :هل هذا الذي بعثه الله رسولا ثم يأخذون يتفاخرون بما أبدوه من صبر وثبات على عقائدهم ومعبوداتهم وتمسك بتقاليدهم ويقولون :إنه كاد أن يضلّنا عنها لكثرة ما يبذله من جهد ويبديه من نشاط لو لم نبد ما أبديناه من صبر وتمسّك. وقد ردّت عليهم الآيات منذرة منددة مسفّهة. فلسوف يلقون عذاب الله على أقوالهم ومواقفهم ولسوف يعلمون حينئذ من هو الضالّ عن سبيل الحقّ، ثم وجهت الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم متسائلة تساؤل المقرّر عما إذا كان يريد أن يجعل نفسه وكيلا ومسؤولا عمّن اتخذ هواه إلها له وعما إذا كان يظن أن أكثر الكفار يسمعون أو يعقلون، ومقررة أنهم في حالتهم التي هم عليها كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا لأن الأنعام تعرف بالغريزة ما يضرّها فتحذره وما ينفعها فتقبل عليه.
وقد روى بعض المفسرين :أن قائل الأقوال وفاعل الأفعال التي ذكرت في الآيات هو أبو جهل١. ومع احتمال أن أبا جهل كان يفعل ذلك وقوله فالآيات تلهم أن آخرين غيره كانوا يفعلون ويقولون ذلك، وأن الحكاية قد جاءت في معرض التنديد والتقريع ببغاة الكفار وإنذارهم مطلقا. ولاسيما أنها فصل من فصول متسلسلة متماثلة وليست مستقلّة تحكي موقفا خاصا مستقلا. ويكاد الزمخشري ينفرد في الرواية فإننا لم نرها في الطبري وغيره من قدماء المفسرين.
ويتبادر من أسلوب الآية الأولى ومضمونها أنها لا تفيد أن الكفار كانوا يحتقرون النبي صلى الله عليه وسلم وينقصون من قدره وأخلاقه، وإنما تقصد تصوير موقفهم الاستخفافي بدعوته. وفيها بالإضافة إلى ذلك قرينة على ما كان يداخلهم من خوف من نحاج دعوته. ودليل على عظم ما بذله النبي صلى الله عليه وسلم من جهد بدون كلل أو فتور وما كان من استغراقه الشديد في الدعوة.
وفي الآيتين [ ٤٣ـ ٤٤ ] ينطوي معنى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من مواقف الكفار وعنادهم وعلى ما يبذله من جهد عظيم ضائع معهم، فكأنما أريد أن يقال له إن من يتخذ إلهه هواه لا يكون هو مسؤولا عنه ولا وكيلا ولا مطلوبا منه أن يبذل المستحيل لتغيره عمّا هو عليه. فهم لا يسمعون ولا يعقلون وأضلّ من الأنعام فلا ينبغي أن يغتمّ من مواقفهم وعنادهم. وهذا تكرر كثيرا. وقد علّلناه في سياق سورة ( ق ) بما يغني عن الإعادة.
وفي عبارة ﴿ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواه ﴾ تقريع لاذع للكفار وتقرير بأن ما هم عليه ليس ناتجا عن تدبّر وتعقل وإنما هو تعصب أعمى لعقائد باطلة وتمسك بالهوى دون الحق. ونفس التقريع اللاذع منطو في الآية الأخيرة التي تصفهم بأنهم كالأنعام بل أضلّ.
تلقين الآيتين [ ٤٣ و ٤٤ ]
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ ﴾ وما بعدهما
والوصف الذي احتوته الآيتان هو وصف لحالة مألوفة في كثير من الناس في كلّ زمن ومكان، حيث يتعصبون لأفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم تعصّبا أعمى قائما على الهوى والأنانية فلا يطيقون أن يسمعوا كلاما ضدّها ولا يتدبّرون فيما هو موجه إليها من نقد وتجريح وحجّة دامغة، وفي الآيات والحال هذه تلقين قرآني جليل مستمر المدى ضدّ هذه الحالة وتقبيحها وإهابة بالمسلمين بألاّ يتّصفوا بها.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ( ١ ) أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا ٤٣ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤ ﴾ [ ٤١ ـ ٤٤ ].
في هذه الآيات حكاية لموقف وقول آخر من مواقف الكفار وأقوالهم، حيث كانوا يتخذون النبي صلى الله عليه وسلم حينما يرونه موضوع هزء واستخفاف ويتساءلون تساؤل الهازئ المستخفّ قائلين :هل هذا الذي بعثه الله رسولا ثم يأخذون يتفاخرون بما أبدوه من صبر وثبات على عقائدهم ومعبوداتهم وتمسك بتقاليدهم ويقولون :إنه كاد أن يضلّنا عنها لكثرة ما يبذله من جهد ويبديه من نشاط لو لم نبد ما أبديناه من صبر وتمسّك. وقد ردّت عليهم الآيات منذرة منددة مسفّهة. فلسوف يلقون عذاب الله على أقوالهم ومواقفهم ولسوف يعلمون حينئذ من هو الضالّ عن سبيل الحقّ، ثم وجهت الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم متسائلة تساؤل المقرّر عما إذا كان يريد أن يجعل نفسه وكيلا ومسؤولا عمّن اتخذ هواه إلها له وعما إذا كان يظن أن أكثر الكفار يسمعون أو يعقلون، ومقررة أنهم في حالتهم التي هم عليها كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا لأن الأنعام تعرف بالغريزة ما يضرّها فتحذره وما ينفعها فتقبل عليه.
وقد روى بعض المفسرين :أن قائل الأقوال وفاعل الأفعال التي ذكرت في الآيات هو أبو جهل١. ومع احتمال أن أبا جهل كان يفعل ذلك وقوله فالآيات تلهم أن آخرين غيره كانوا يفعلون ويقولون ذلك، وأن الحكاية قد جاءت في معرض التنديد والتقريع ببغاة الكفار وإنذارهم مطلقا. ولاسيما أنها فصل من فصول متسلسلة متماثلة وليست مستقلّة تحكي موقفا خاصا مستقلا. ويكاد الزمخشري ينفرد في الرواية فإننا لم نرها في الطبري وغيره من قدماء المفسرين.
ويتبادر من أسلوب الآية الأولى ومضمونها أنها لا تفيد أن الكفار كانوا يحتقرون النبي صلى الله عليه وسلم وينقصون من قدره وأخلاقه، وإنما تقصد تصوير موقفهم الاستخفافي بدعوته. وفيها بالإضافة إلى ذلك قرينة على ما كان يداخلهم من خوف من نحاج دعوته. ودليل على عظم ما بذله النبي صلى الله عليه وسلم من جهد بدون كلل أو فتور وما كان من استغراقه الشديد في الدعوة.
وفي الآيتين [ ٤٣ـ ٤٤ ] ينطوي معنى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من مواقف الكفار وعنادهم وعلى ما يبذله من جهد عظيم ضائع معهم، فكأنما أريد أن يقال له إن من يتخذ إلهه هواه لا يكون هو مسؤولا عنه ولا وكيلا ولا مطلوبا منه أن يبذل المستحيل لتغيره عمّا هو عليه. فهم لا يسمعون ولا يعقلون وأضلّ من الأنعام فلا ينبغي أن يغتمّ من مواقفهم وعنادهم. وهذا تكرر كثيرا. وقد علّلناه في سياق سورة ( ق ) بما يغني عن الإعادة.
وفي عبارة ﴿ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواه ﴾ تقريع لاذع للكفار وتقرير بأن ما هم عليه ليس ناتجا عن تدبّر وتعقل وإنما هو تعصب أعمى لعقائد باطلة وتمسك بالهوى دون الحق. ونفس التقريع اللاذع منطو في الآية الأخيرة التي تصفهم بأنهم كالأنعام بل أضلّ.
تلقين الآيتين [ ٤٣ و ٤٤ ]
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ ﴾ وما بعدهما
والوصف الذي احتوته الآيتان هو وصف لحالة مألوفة في كثير من الناس في كلّ زمن ومكان، حيث يتعصبون لأفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم تعصّبا أعمى قائما على الهوى والأنانية فلا يطيقون أن يسمعوا كلاما ضدّها ولا يتدبّرون فيما هو موجه إليها من نقد وتجريح وحجّة دامغة، وفي الآيات والحال هذه تلقين قرآني جليل مستمر المدى ضدّ هذه الحالة وتقبيحها وإهابة بالمسلمين بألاّ يتّصفوا بها.

مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ :جعل هواه إلها له.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ( ١ ) أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا ٤٣ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤ ﴾ [ ٤١ ـ ٤٤ ].
في هذه الآيات حكاية لموقف وقول آخر من مواقف الكفار وأقوالهم، حيث كانوا يتخذون النبي صلى الله عليه وسلم حينما يرونه موضوع هزء واستخفاف ويتساءلون تساؤل الهازئ المستخفّ قائلين :هل هذا الذي بعثه الله رسولا ثم يأخذون يتفاخرون بما أبدوه من صبر وثبات على عقائدهم ومعبوداتهم وتمسك بتقاليدهم ويقولون :إنه كاد أن يضلّنا عنها لكثرة ما يبذله من جهد ويبديه من نشاط لو لم نبد ما أبديناه من صبر وتمسّك. وقد ردّت عليهم الآيات منذرة منددة مسفّهة. فلسوف يلقون عذاب الله على أقوالهم ومواقفهم ولسوف يعلمون حينئذ من هو الضالّ عن سبيل الحقّ، ثم وجهت الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم متسائلة تساؤل المقرّر عما إذا كان يريد أن يجعل نفسه وكيلا ومسؤولا عمّن اتخذ هواه إلها له وعما إذا كان يظن أن أكثر الكفار يسمعون أو يعقلون، ومقررة أنهم في حالتهم التي هم عليها كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا لأن الأنعام تعرف بالغريزة ما يضرّها فتحذره وما ينفعها فتقبل عليه.
وقد روى بعض المفسرين :أن قائل الأقوال وفاعل الأفعال التي ذكرت في الآيات هو أبو جهل١. ومع احتمال أن أبا جهل كان يفعل ذلك وقوله فالآيات تلهم أن آخرين غيره كانوا يفعلون ويقولون ذلك، وأن الحكاية قد جاءت في معرض التنديد والتقريع ببغاة الكفار وإنذارهم مطلقا. ولاسيما أنها فصل من فصول متسلسلة متماثلة وليست مستقلّة تحكي موقفا خاصا مستقلا. ويكاد الزمخشري ينفرد في الرواية فإننا لم نرها في الطبري وغيره من قدماء المفسرين.
ويتبادر من أسلوب الآية الأولى ومضمونها أنها لا تفيد أن الكفار كانوا يحتقرون النبي صلى الله عليه وسلم وينقصون من قدره وأخلاقه، وإنما تقصد تصوير موقفهم الاستخفافي بدعوته. وفيها بالإضافة إلى ذلك قرينة على ما كان يداخلهم من خوف من نحاج دعوته. ودليل على عظم ما بذله النبي صلى الله عليه وسلم من جهد بدون كلل أو فتور وما كان من استغراقه الشديد في الدعوة.
وفي الآيتين [ ٤٣ـ ٤٤ ] ينطوي معنى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من مواقف الكفار وعنادهم وعلى ما يبذله من جهد عظيم ضائع معهم، فكأنما أريد أن يقال له إن من يتخذ إلهه هواه لا يكون هو مسؤولا عنه ولا وكيلا ولا مطلوبا منه أن يبذل المستحيل لتغيره عمّا هو عليه. فهم لا يسمعون ولا يعقلون وأضلّ من الأنعام فلا ينبغي أن يغتمّ من مواقفهم وعنادهم. وهذا تكرر كثيرا. وقد علّلناه في سياق سورة ( ق ) بما يغني عن الإعادة.
وفي عبارة ﴿ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواه ﴾ تقريع لاذع للكفار وتقرير بأن ما هم عليه ليس ناتجا عن تدبّر وتعقل وإنما هو تعصب أعمى لعقائد باطلة وتمسك بالهوى دون الحق. ونفس التقريع اللاذع منطو في الآية الأخيرة التي تصفهم بأنهم كالأنعام بل أضلّ.
تلقين الآيتين [ ٤٣ و ٤٤ ]
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ ﴾ وما بعدهما
والوصف الذي احتوته الآيتان هو وصف لحالة مألوفة في كثير من الناس في كلّ زمن ومكان، حيث يتعصبون لأفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم تعصّبا أعمى قائما على الهوى والأنانية فلا يطيقون أن يسمعوا كلاما ضدّها ولا يتدبّرون فيما هو موجه إليها من نقد وتجريح وحجّة دامغة، وفي الآيات والحال هذه تلقين قرآني جليل مستمر المدى ضدّ هذه الحالة وتقبيحها وإهابة بالمسلمين بألاّ يتّصفوا بها.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا ٤١ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ( ١ ) أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا ٤٣ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٤ ﴾ [ ٤١ ـ ٤٤ ].
في هذه الآيات حكاية لموقف وقول آخر من مواقف الكفار وأقوالهم، حيث كانوا يتخذون النبي صلى الله عليه وسلم حينما يرونه موضوع هزء واستخفاف ويتساءلون تساؤل الهازئ المستخفّ قائلين :هل هذا الذي بعثه الله رسولا ثم يأخذون يتفاخرون بما أبدوه من صبر وثبات على عقائدهم ومعبوداتهم وتمسك بتقاليدهم ويقولون :إنه كاد أن يضلّنا عنها لكثرة ما يبذله من جهد ويبديه من نشاط لو لم نبد ما أبديناه من صبر وتمسّك. وقد ردّت عليهم الآيات منذرة منددة مسفّهة. فلسوف يلقون عذاب الله على أقوالهم ومواقفهم ولسوف يعلمون حينئذ من هو الضالّ عن سبيل الحقّ، ثم وجهت الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم متسائلة تساؤل المقرّر عما إذا كان يريد أن يجعل نفسه وكيلا ومسؤولا عمّن اتخذ هواه إلها له وعما إذا كان يظن أن أكثر الكفار يسمعون أو يعقلون، ومقررة أنهم في حالتهم التي هم عليها كالأنعام بل هم أضلّ سبيلا لأن الأنعام تعرف بالغريزة ما يضرّها فتحذره وما ينفعها فتقبل عليه.
وقد روى بعض المفسرين :أن قائل الأقوال وفاعل الأفعال التي ذكرت في الآيات هو أبو جهل١. ومع احتمال أن أبا جهل كان يفعل ذلك وقوله فالآيات تلهم أن آخرين غيره كانوا يفعلون ويقولون ذلك، وأن الحكاية قد جاءت في معرض التنديد والتقريع ببغاة الكفار وإنذارهم مطلقا. ولاسيما أنها فصل من فصول متسلسلة متماثلة وليست مستقلّة تحكي موقفا خاصا مستقلا. ويكاد الزمخشري ينفرد في الرواية فإننا لم نرها في الطبري وغيره من قدماء المفسرين.
ويتبادر من أسلوب الآية الأولى ومضمونها أنها لا تفيد أن الكفار كانوا يحتقرون النبي صلى الله عليه وسلم وينقصون من قدره وأخلاقه، وإنما تقصد تصوير موقفهم الاستخفافي بدعوته. وفيها بالإضافة إلى ذلك قرينة على ما كان يداخلهم من خوف من نحاج دعوته. ودليل على عظم ما بذله النبي صلى الله عليه وسلم من جهد بدون كلل أو فتور وما كان من استغراقه الشديد في الدعوة.
وفي الآيتين [ ٤٣ـ ٤٤ ] ينطوي معنى التسلية للنبي صلى الله عليه وسلم على ما يلقاه من مواقف الكفار وعنادهم وعلى ما يبذله من جهد عظيم ضائع معهم، فكأنما أريد أن يقال له إن من يتخذ إلهه هواه لا يكون هو مسؤولا عنه ولا وكيلا ولا مطلوبا منه أن يبذل المستحيل لتغيره عمّا هو عليه. فهم لا يسمعون ولا يعقلون وأضلّ من الأنعام فلا ينبغي أن يغتمّ من مواقفهم وعنادهم. وهذا تكرر كثيرا. وقد علّلناه في سياق سورة ( ق ) بما يغني عن الإعادة.
وفي عبارة ﴿ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواه ﴾ تقريع لاذع للكفار وتقرير بأن ما هم عليه ليس ناتجا عن تدبّر وتعقل وإنما هو تعصب أعمى لعقائد باطلة وتمسك بالهوى دون الحق. ونفس التقريع اللاذع منطو في الآية الأخيرة التي تصفهم بأنهم كالأنعام بل أضلّ.
تلقين الآيتين [ ٤٣ و ٤٤ ]
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَواهُ ﴾ وما بعدهما
والوصف الذي احتوته الآيتان هو وصف لحالة مألوفة في كثير من الناس في كلّ زمن ومكان، حيث يتعصبون لأفكارهم وعاداتهم وتقاليدهم تعصّبا أعمى قائما على الهوى والأنانية فلا يطيقون أن يسمعوا كلاما ضدّها ولا يتدبّرون فيما هو موجه إليها من نقد وتجريح وحجّة دامغة، وفي الآيات والحال هذه تلقين قرآني جليل مستمر المدى ضدّ هذه الحالة وتقبيحها وإهابة بالمسلمين بألاّ يتّصفوا بها.

الظلّ :معظم المفسرين يؤولون الظلّ هنا من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس أي يعتبرونه وقتا من أوقات النهار ويروون ذلك عن ابن عباس وابن عمر ومسروق ومجاهد وسعيد بن جبير وغيرهم من علماء الصحابة والتابعين فحيث كان هذا الوقت من النهار الذي لا شمس فيه اعتبر ظلا على ما هو المتبادر. وقد رأينا الزمخشري يؤوله بالظلّ المعتاد أي :المكان الذي يكون فيه ظل في أثناء النهار والشمس ساطعة.
ساكنا :أوّلها معظم المفسرين بمعنى دائم لا يزول. وهذا تبعا للتأويل الأول للظلّ، والذين أوّلوا الظلّ بالتأويل الأول هم الذين أوّلوا كلمة ساكن بذلك، أما الزمخشري فأوّل الكلمة بمعناها المعتاد تبعا لتأويله الظلّ.
ثم جعلنا الشمس عليه دليلا :قال الذين أوّلوا كلمتي الظلّ وساكن بالتأويل الأول في تأويل هذه الجملة إن الشمس حينما تشرق يزول الظلّ وهو شيء لا يدرك إلاّ بضدّه. ومن هناك كانت الشمس عليه دليلا. أما الزمخشري فقد قال :إن الناس يستدلّون على أحوال الظلّ وكونه زائلا من مكان ومتقلصا أو واسعا أو موجودا في مكان من مسير الشمس. ولذلك تكون الشمس عليه دليلا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: } أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ٤٥ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ٤٦ وهُو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا والنَّوْمَ سُبَاتًا وجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ٤٧ وهُو الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا ٤٨ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ٤٩ } [ ٤٥ ـ ٤٩ ].
جاءت هذه الآيات تعقيبا على أقوال الكفار ومكابرتهم في ربوبية الله تعالى والدعوة إليه ومناوأة رسوله وتعجيزه وإنكار البعث والحساب جريا على أسلوب النظم القرآني للبرهنة على وجود الله تعالى وعظمته وقدرته بما في نواميس الكون من إتقان وإبداع ومنافع. فهي متصلة بالسياق أيضا.
وقد احتوت تنبيها إلى النواميس التي جعلها الله في حركة الشمس والظلّ والليل والنهار مما فيه مصالح ومنافع متنوعة للناس ثم إلى إرساله الرياح مبشّرة برحمته وإنزاله الماء الطهور الذي يحيى الأرض الميتة والذي يشرب منه الناس والأنعام الذين خلقهم.
وبرغم اختلاف المفسرين في تأويل الظلّ والسكون في الآيتين الأوليين، فإن الذي نرجحه أن سامعي القرآن العرب قد فهموا المقصد منهما بقرينة الصيغة الاستفهامية التي فيها معنى التقرير ولفت النظر لأمر أو مشهد مسلّم به على سبيل الاستشهاد والاستدلال على قدرة الله تعالى.
والليل والنهار والشمس والظلّ والرياح والمطر وانتشار الناس في النهار وانقطاعهم عن العمل في الليل وما في ذلك من إحكام واطراد ومنافع متنوعة هي أمور تحت مشاهدة الناس ومتناولهم ونفعهم جميعهم، فاختصّت بالذكر هنا للفت نظرهم إلى عظمة الله تعالى والبرهنة على رحمته وقدرته. وقد ذكر غيرها من مظاهر الكون في آيات وفصول أخرى للقصد نفسه. وليس من محل للظن بأنها تنطوي على قصد تقريري لأمور فنية كونية، كما أنه ليس من طائل من وراء التمحّل لاستنباط أمور فنية كونية منها أو تطبيقها عليها على ما نبهنا عليه في مناسبة مماثلة في سورة ( يس ).

( ١ ) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا :في تأويل الأولين الضمير في قبضنا عائد إلى الشمس، ومعنى الجملة إننا نقبض الشمس فيعود الظلّ والفيء ثانية. وكلمة ﴿ يسيرا ﴾ في تأولهم بمعنى شيء بعد شيء أي إن القبض لا يكون دفعة واحدة ولكن متدرجا. أما الزمخشري فقد جعل الضمير عائدا إلى الظلّ، وأوّل الجملة بأن الله لو أزال الظلّ دفعة واحدة لتعطلت مصالح الناس ولكنه أزاله على مهل.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: } أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ٤٥ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ٤٦ وهُو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا والنَّوْمَ سُبَاتًا وجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ٤٧ وهُو الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا ٤٨ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ٤٩ } [ ٤٥ ـ ٤٩ ].
جاءت هذه الآيات تعقيبا على أقوال الكفار ومكابرتهم في ربوبية الله تعالى والدعوة إليه ومناوأة رسوله وتعجيزه وإنكار البعث والحساب جريا على أسلوب النظم القرآني للبرهنة على وجود الله تعالى وعظمته وقدرته بما في نواميس الكون من إتقان وإبداع ومنافع. فهي متصلة بالسياق أيضا.
وقد احتوت تنبيها إلى النواميس التي جعلها الله في حركة الشمس والظلّ والليل والنهار مما فيه مصالح ومنافع متنوعة للناس ثم إلى إرساله الرياح مبشّرة برحمته وإنزاله الماء الطهور الذي يحيى الأرض الميتة والذي يشرب منه الناس والأنعام الذين خلقهم.
وبرغم اختلاف المفسرين في تأويل الظلّ والسكون في الآيتين الأوليين، فإن الذي نرجحه أن سامعي القرآن العرب قد فهموا المقصد منهما بقرينة الصيغة الاستفهامية التي فيها معنى التقرير ولفت النظر لأمر أو مشهد مسلّم به على سبيل الاستشهاد والاستدلال على قدرة الله تعالى.
والليل والنهار والشمس والظلّ والرياح والمطر وانتشار الناس في النهار وانقطاعهم عن العمل في الليل وما في ذلك من إحكام واطراد ومنافع متنوعة هي أمور تحت مشاهدة الناس ومتناولهم ونفعهم جميعهم، فاختصّت بالذكر هنا للفت نظرهم إلى عظمة الله تعالى والبرهنة على رحمته وقدرته. وقد ذكر غيرها من مظاهر الكون في آيات وفصول أخرى للقصد نفسه. وليس من محل للظن بأنها تنطوي على قصد تقريري لأمور فنية كونية، كما أنه ليس من طائل من وراء التمحّل لاستنباط أمور فنية كونية منها أو تطبيقها عليها على ما نبهنا عليه في مناسبة مماثلة في سورة ( يس ).

جَعَلَ اللَّيْلَ لِبَاسًا :من باب تشبيه الظلام الذي لا ترى فيه الأشياء باللباس الذي يستر الأجسام حتى لا ترى، أي جعل الليل ستارا حاجبا للناس.
سباتا :راحة وانقطاعا عن العمل.
نشورا :بمعنى الانتشار حيث يكون النهار مجال انتشار الناس ونشاطهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: } أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ٤٥ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ٤٦ وهُو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا والنَّوْمَ سُبَاتًا وجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ٤٧ وهُو الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا ٤٨ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ٤٩ } [ ٤٥ ـ ٤٩ ].
جاءت هذه الآيات تعقيبا على أقوال الكفار ومكابرتهم في ربوبية الله تعالى والدعوة إليه ومناوأة رسوله وتعجيزه وإنكار البعث والحساب جريا على أسلوب النظم القرآني للبرهنة على وجود الله تعالى وعظمته وقدرته بما في نواميس الكون من إتقان وإبداع ومنافع. فهي متصلة بالسياق أيضا.
وقد احتوت تنبيها إلى النواميس التي جعلها الله في حركة الشمس والظلّ والليل والنهار مما فيه مصالح ومنافع متنوعة للناس ثم إلى إرساله الرياح مبشّرة برحمته وإنزاله الماء الطهور الذي يحيى الأرض الميتة والذي يشرب منه الناس والأنعام الذين خلقهم.
وبرغم اختلاف المفسرين في تأويل الظلّ والسكون في الآيتين الأوليين، فإن الذي نرجحه أن سامعي القرآن العرب قد فهموا المقصد منهما بقرينة الصيغة الاستفهامية التي فيها معنى التقرير ولفت النظر لأمر أو مشهد مسلّم به على سبيل الاستشهاد والاستدلال على قدرة الله تعالى.
والليل والنهار والشمس والظلّ والرياح والمطر وانتشار الناس في النهار وانقطاعهم عن العمل في الليل وما في ذلك من إحكام واطراد ومنافع متنوعة هي أمور تحت مشاهدة الناس ومتناولهم ونفعهم جميعهم، فاختصّت بالذكر هنا للفت نظرهم إلى عظمة الله تعالى والبرهنة على رحمته وقدرته. وقد ذكر غيرها من مظاهر الكون في آيات وفصول أخرى للقصد نفسه. وليس من محل للظن بأنها تنطوي على قصد تقريري لأمور فنية كونية، كما أنه ليس من طائل من وراء التمحّل لاستنباط أمور فنية كونية منها أو تطبيقها عليها على ما نبهنا عليه في مناسبة مماثلة في سورة ( يس ).

طهورا :الماء الطهور في اصطلاح الفقهاء هو الطاهر بنفسه المطهّر لغيره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: } أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ٤٥ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ٤٦ وهُو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا والنَّوْمَ سُبَاتًا وجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ٤٧ وهُو الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا ٤٨ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ٤٩ } [ ٤٥ ـ ٤٩ ].
جاءت هذه الآيات تعقيبا على أقوال الكفار ومكابرتهم في ربوبية الله تعالى والدعوة إليه ومناوأة رسوله وتعجيزه وإنكار البعث والحساب جريا على أسلوب النظم القرآني للبرهنة على وجود الله تعالى وعظمته وقدرته بما في نواميس الكون من إتقان وإبداع ومنافع. فهي متصلة بالسياق أيضا.
وقد احتوت تنبيها إلى النواميس التي جعلها الله في حركة الشمس والظلّ والليل والنهار مما فيه مصالح ومنافع متنوعة للناس ثم إلى إرساله الرياح مبشّرة برحمته وإنزاله الماء الطهور الذي يحيى الأرض الميتة والذي يشرب منه الناس والأنعام الذين خلقهم.
وبرغم اختلاف المفسرين في تأويل الظلّ والسكون في الآيتين الأوليين، فإن الذي نرجحه أن سامعي القرآن العرب قد فهموا المقصد منهما بقرينة الصيغة الاستفهامية التي فيها معنى التقرير ولفت النظر لأمر أو مشهد مسلّم به على سبيل الاستشهاد والاستدلال على قدرة الله تعالى.
والليل والنهار والشمس والظلّ والرياح والمطر وانتشار الناس في النهار وانقطاعهم عن العمل في الليل وما في ذلك من إحكام واطراد ومنافع متنوعة هي أمور تحت مشاهدة الناس ومتناولهم ونفعهم جميعهم، فاختصّت بالذكر هنا للفت نظرهم إلى عظمة الله تعالى والبرهنة على رحمته وقدرته. وقد ذكر غيرها من مظاهر الكون في آيات وفصول أخرى للقصد نفسه. وليس من محل للظن بأنها تنطوي على قصد تقريري لأمور فنية كونية، كما أنه ليس من طائل من وراء التمحّل لاستنباط أمور فنية كونية منها أو تطبيقها عليها على ما نبهنا عليه في مناسبة مماثلة في سورة ( يس ).

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: } أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ ولَوْ شَاء لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ٤٥ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ٤٦ وهُو الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا والنَّوْمَ سُبَاتًا وجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ٤٧ وهُو الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا ٤٨ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتًا ونُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ٤٩ } [ ٤٥ ـ ٤٩ ].
جاءت هذه الآيات تعقيبا على أقوال الكفار ومكابرتهم في ربوبية الله تعالى والدعوة إليه ومناوأة رسوله وتعجيزه وإنكار البعث والحساب جريا على أسلوب النظم القرآني للبرهنة على وجود الله تعالى وعظمته وقدرته بما في نواميس الكون من إتقان وإبداع ومنافع. فهي متصلة بالسياق أيضا.
وقد احتوت تنبيها إلى النواميس التي جعلها الله في حركة الشمس والظلّ والليل والنهار مما فيه مصالح ومنافع متنوعة للناس ثم إلى إرساله الرياح مبشّرة برحمته وإنزاله الماء الطهور الذي يحيى الأرض الميتة والذي يشرب منه الناس والأنعام الذين خلقهم.
وبرغم اختلاف المفسرين في تأويل الظلّ والسكون في الآيتين الأوليين، فإن الذي نرجحه أن سامعي القرآن العرب قد فهموا المقصد منهما بقرينة الصيغة الاستفهامية التي فيها معنى التقرير ولفت النظر لأمر أو مشهد مسلّم به على سبيل الاستشهاد والاستدلال على قدرة الله تعالى.
والليل والنهار والشمس والظلّ والرياح والمطر وانتشار الناس في النهار وانقطاعهم عن العمل في الليل وما في ذلك من إحكام واطراد ومنافع متنوعة هي أمور تحت مشاهدة الناس ومتناولهم ونفعهم جميعهم، فاختصّت بالذكر هنا للفت نظرهم إلى عظمة الله تعالى والبرهنة على رحمته وقدرته. وقد ذكر غيرها من مظاهر الكون في آيات وفصول أخرى للقصد نفسه. وليس من محل للظن بأنها تنطوي على قصد تقريري لأمور فنية كونية، كما أنه ليس من طائل من وراء التمحّل لاستنباط أمور فنية كونية منها أو تطبيقها عليها على ما نبهنا عليه في مناسبة مماثلة في سورة ( يس ).

﴿ ولَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ٥٠ ﴾ [ ٥٠ ].
قال معظم المفسرين١ :إن الضمير في ﴿ صرفناه ﴾ عائد إلى المطر، وحينئذ تكون الآية متصلة بسابقتها مباشرة ويكون معناها لفت نظر السامعين إلى حكمة الله في تصريفه الأمطار وإنزالها في مكان دون مكان وكثيرة في مكان قليلة في مكان. ليدّبروها ويشكروا الله على نعمه. ومع ذلك فإن أكثر الناس لا يفعلون ذلك بل ويكفرون ويجحدون.
وقال بعض المفسرين٢ :إن الضمير عائد إلى القرآن، وحينئذ تكون الآية متصلة بالسياق كله اتصال تعقيب وتقريع. ويكون معناها :إن الله ينزل الآيات القرآنية وفيها تفسير حكم الله وبيانها وتنويع الكلام فيها حتى يتذكر السامعون ويتدبروا. ومع ذلك فأكثر الناس يأبون إلاّ الكفر بآيات الله ونعمائه رغم ما فيها من براهين شاهدة على ربوبيته واستحقاقه للعبادة والخضوع والشكر، ويكون من مقاصد الآية التنديد بهم وتقريعهم.
وهذا الاختلاف في صرف الضمير جعلنا نورد الآية لحدتها. ونحن نرجّح القول الثاني على الأول. وفي الآيات التالية قرينة مؤيدة لهذا الترجيح.
١ انظر تفسيرها في الطبري وابن كثير والبغوي والنيسابوري والطبرسي والخازن..
٢ الزمخشري في الكشاف.
.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ولَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ٥١ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ٥٢ ﴾ [ ٥١ ـ ٥٢ ].
وتفيد أقوال معظم المفسرين١ في تأويل الآية الأولى :أنها من قبيل تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته في مهمته والتنويه بقدره، فالله لو شاء لأرسل إلى كل قرية ومدينة رسولا فخفّف عنه العبء وكفاه مئونة الجهد العظيم الذي حمّله إيّاه لإبلاغ الرسالة إلى جميع العالم، ولكنه اختصّه بذلك لعظم منزلته ورفعة شأنه عنده، وقالوا٢ في تأويل الآية الثانية ما يفيد أنها استمرار لما في الآية الأولى من مقصد، حيث تهيب بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد حمّله الله الرسالة العظمى العامة أن يجاهد بالقرآن جهادا كبيرا متواصلا وألاّ يطيع الكافرين أو يتهاون معهم.
وهذا التأويل يجعل الصلة قائمة بين هذه الآيات والآيات السابقة لها كما هو المتبادر.
على أنه تبادر لنا من الآية الأولى أنها جواب على سؤال أو تحدّ صدر عن الكفار، حيث تساءلوا عن سبب عدم إرسال الله تعالى رسلا إلى المدن الأخرى، وقد تضمّن الجواب أنّ ذلك في نطاق قدرة الله، وأنه إذا لم يفعله فلأن النبي الذي اصطفاه وأرسله هو أهل للاضطلاع بالمهمة على أوسع شمولها، وقد تبادر لنا كذلك من الآية الثانية أنها في صدد عروض عرضها الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم من مسايرة أو مداهنة مما تكرر صدوره منهم وتكررت الإشارات القرآنية إليه على ما شرحناه في سياق تفسير سورة القلم، وقد تضمنت الآية هنا كما تضمنت في المناسبات المماثلة تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وشحذ همته في الدعوة وإبلاغ القرآن وإقامة الحجة به على الكفّار وعدم الاستماع إليهم في ما يعرضونه.
وهذا التأويل لا يقطع صلة السياق حيث احتوت الآيتان في حال صوابه صورا من مواقف الكفار وأقوالهم وتحدياتهم كسابقاتها، ولا يقتضي أن يكون ما يتبادر من سؤال الكفار وعروضهم في الآيتين :أن ذلك حدث طارئ نزلت الآيات بمناسبته بل يمكن أن يكون ذلك سابقا لنزولها ومن جملة ما كان الكفار يقولونه فجاءت الإشارة إلى ذلك في السلسلة.
وننبّه إلى أن ما يتبادر لنا في تأويل الآيتين لا يقلل من وجاهة تأويل المفسرين السابق لهما.

( ١ ) جاهدهم به :أي ابذل الجهد في حجاجهم وإنذارهم. وضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى القرآن على ما روي عن ابن عباس. والمفسرون الذين صرفوا الضمير في جملة ﴿ صرفناه بنيهم ﴾ قالوا :إن ضمير ﴿ به ﴾ عائد إلى القرآن أيضا وهذا ما جعلنا نرجّح انصراف الضمير في ﴿ صرفنه ﴾ إلى القرآن أيضا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ولَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ٥١ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ٥٢ ﴾ [ ٥١ ـ ٥٢ ].
وتفيد أقوال معظم المفسرين١ في تأويل الآية الأولى :أنها من قبيل تسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتثبيته في مهمته والتنويه بقدره، فالله لو شاء لأرسل إلى كل قرية ومدينة رسولا فخفّف عنه العبء وكفاه مئونة الجهد العظيم الذي حمّله إيّاه لإبلاغ الرسالة إلى جميع العالم، ولكنه اختصّه بذلك لعظم منزلته ورفعة شأنه عنده، وقالوا٢ في تأويل الآية الثانية ما يفيد أنها استمرار لما في الآية الأولى من مقصد، حيث تهيب بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد حمّله الله الرسالة العظمى العامة أن يجاهد بالقرآن جهادا كبيرا متواصلا وألاّ يطيع الكافرين أو يتهاون معهم.
وهذا التأويل يجعل الصلة قائمة بين هذه الآيات والآيات السابقة لها كما هو المتبادر.
على أنه تبادر لنا من الآية الأولى أنها جواب على سؤال أو تحدّ صدر عن الكفار، حيث تساءلوا عن سبب عدم إرسال الله تعالى رسلا إلى المدن الأخرى، وقد تضمّن الجواب أنّ ذلك في نطاق قدرة الله، وأنه إذا لم يفعله فلأن النبي الذي اصطفاه وأرسله هو أهل للاضطلاع بالمهمة على أوسع شمولها، وقد تبادر لنا كذلك من الآية الثانية أنها في صدد عروض عرضها الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم من مسايرة أو مداهنة مما تكرر صدوره منهم وتكررت الإشارات القرآنية إليه على ما شرحناه في سياق تفسير سورة القلم، وقد تضمنت الآية هنا كما تضمنت في المناسبات المماثلة تثبيت النبي صلى الله عليه وسلم وشحذ همته في الدعوة وإبلاغ القرآن وإقامة الحجة به على الكفّار وعدم الاستماع إليهم في ما يعرضونه.
وهذا التأويل لا يقطع صلة السياق حيث احتوت الآيتان في حال صوابه صورا من مواقف الكفار وأقوالهم وتحدياتهم كسابقاتها، ولا يقتضي أن يكون ما يتبادر من سؤال الكفار وعروضهم في الآيتين :أن ذلك حدث طارئ نزلت الآيات بمناسبته بل يمكن أن يكون ذلك سابقا لنزولها ومن جملة ما كان الكفار يقولونه فجاءت الإشارة إلى ذلك في السلسلة.
وننبّه إلى أن ما يتبادر لنا في تأويل الآيتين لا يقلل من وجاهة تأويل المفسرين السابق لهما.

مرج :خلط.
عذب :ضد الملوحة والمرارة.
فرات :شديد العذوبة.
ملح أجاج :مالح شديد الملوحة إلى درجة المرارة.
برزخا :حاجزا.
حجرا محجورا :منع أحدهما من الطغيان على الثاني.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وهُو الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وحِجْرًا مَّحْجُورًا ٥٣ وهُو الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ٥٤ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ ولَا يَضُرُّهُمْ وكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ٥٥ ﴾ [ ٥٣-٥٥ ].
في الآيتين الأوليين عود إلى التذكير بآيات الله وقدرته ونواميسه في كونه، ومنافع الناس منها مما يمكن أن يقال :إن الآيات الثلاث التي قبلها جاءت كجملة استطرادية، إما لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتقويته والتنويه به كما قال المفسرون، وإما لذكر أقوال ومواقف أخرى للكفار كما تبادر لنا. وعلى كل حال فالصلة قائمة بين هذه الآيات والسياق السابق.
وقد احتوت الآيتان الأولى والثانية إشارة إلى مخالطة الماء الحلو بالماء المالح عند ملتقى البحرين أي البحر والنهر وعدم طغيان المالح على الحلو مع ذلك كأن بينهما برزخا وسدّا، وإلى خلق الله تعالى البشر من نطف مائية فكان منهم النسل الذي منه النسيب ومنه الصهر مما فيه البرهان على قدرة الله تعالى واستحقاقه وحده للعبودية والخضوع. أما الآية الثالثة فقد نحت باللائمة على الكفار وسخفهم. فهم لا يتدبرون في عظمة الله وحكمه ونعمه فيعبدون غيره ما لا ينفعهم ولا يضرهم فيكونون في ذلك مظاهرين على ربهم الحقيقي وواقفين ضده.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وهُو الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وحِجْرًا مَّحْجُورًا ٥٣ وهُو الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ٥٤ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ ولَا يَضُرُّهُمْ وكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ٥٥ ﴾ [ ٥٣-٥٥ ].
في الآيتين الأوليين عود إلى التذكير بآيات الله وقدرته ونواميسه في كونه، ومنافع الناس منها مما يمكن أن يقال :إن الآيات الثلاث التي قبلها جاءت كجملة استطرادية، إما لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتقويته والتنويه به كما قال المفسرون، وإما لذكر أقوال ومواقف أخرى للكفار كما تبادر لنا. وعلى كل حال فالصلة قائمة بين هذه الآيات والسياق السابق.
وقد احتوت الآيتان الأولى والثانية إشارة إلى مخالطة الماء الحلو بالماء المالح عند ملتقى البحرين أي البحر والنهر وعدم طغيان المالح على الحلو مع ذلك كأن بينهما برزخا وسدّا، وإلى خلق الله تعالى البشر من نطف مائية فكان منهم النسل الذي منه النسيب ومنه الصهر مما فيه البرهان على قدرة الله تعالى واستحقاقه وحده للعبودية والخضوع. أما الآية الثالثة فقد نحت باللائمة على الكفار وسخفهم. فهم لا يتدبرون في عظمة الله وحكمه ونعمه فيعبدون غيره ما لا ينفعهم ولا يضرهم فيكونون في ذلك مظاهرين على ربهم الحقيقي وواقفين ضده.

( ١ ) ظهيرا :مظاهرا أو عونا ومعنى الجملة التي وردت فيها الكلمة :أن الكافر بكفره قد وقف ضدّ ربه كأنما يظاهر عليه غيره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ *وهُو الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وحِجْرًا مَّحْجُورًا ٥٣ وهُو الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا وكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ٥٤ ويَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ ولَا يَضُرُّهُمْ وكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ٥٥ ﴾ [ ٥٣-٥٥ ].
في الآيتين الأوليين عود إلى التذكير بآيات الله وقدرته ونواميسه في كونه، ومنافع الناس منها مما يمكن أن يقال :إن الآيات الثلاث التي قبلها جاءت كجملة استطرادية، إما لتسلية النبي صلى الله عليه وسلم وتقويته والتنويه به كما قال المفسرون، وإما لذكر أقوال ومواقف أخرى للكفار كما تبادر لنا. وعلى كل حال فالصلة قائمة بين هذه الآيات والسياق السابق.
وقد احتوت الآيتان الأولى والثانية إشارة إلى مخالطة الماء الحلو بالماء المالح عند ملتقى البحرين أي البحر والنهر وعدم طغيان المالح على الحلو مع ذلك كأن بينهما برزخا وسدّا، وإلى خلق الله تعالى البشر من نطف مائية فكان منهم النسل الذي منه النسيب ومنه الصهر مما فيه البرهان على قدرة الله تعالى واستحقاقه وحده للعبودية والخضوع. أما الآية الثالثة فقد نحت باللائمة على الكفار وسخفهم. فهم لا يتدبرون في عظمة الله وحكمه ونعمه فيعبدون غيره ما لا ينفعهم ولا يضرهم فيكونون في ذلك مظاهرين على ربهم الحقيقي وواقفين ضده.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ٥٦ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ٥٧ وتَوكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ٥٨ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والْأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ٥٩ ﴾ [ ٥٦ ـ ٥٩ ].
في الآيات تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء ما يلقاه من قومه من مناوأة وتحدّ وتعجيز احتوت الفصول السابقة صورا عديدة منه حيث تقول إن الله تعالى لم يرسله إلاّ مبشرا ونذيرا وليس هو مسؤولا عن عنادهم وإيمانهم وكفرهم، وليس عليه إلاّ الدعوة إلى الله ومجاهدة الناس بالقرآن دون تهاون ولا تراخ، وعليه أن يقول للناس :إني لا أطلب منكم ولا أنتظر أجرا ولا مكافأة وكل ما أريده أن يهتدي من كان صادق الرغبة في الحق والهدى ويسير في سبيل الله ورضائه، وعليه بعد ذلك أن يجعل اعتماده وتوكله على الله الحي الذي لا يموت وأن يسبّح بحمده فهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما الملك المسيطر على كونه العظيم الخبير المحيط بذنوب عباده وتصرّفهم والقادر عليهم والكافي لهم.
والآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر. ومحتواها وما فيها من قصد التسلية للنبي صلي الله عليه وسلم قد تكرر كثيرا ؛ لأن ظروف الدعوة وسيرها كانت تقتضي ذلك على ما شرحناه في سياق سورة ( ق ).
وتعبير ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ الذي انتهت به الآيات من تعابير العرب الأسلوبية في صدد توكيد صحة ما يصدر من القائل والمتكلم. وقد جاء هنا لمثل هذا التوكيد.
ولقد سبق القول في موضوع استواء الله على العرش وخلقه السماوات والأرض في ستة أيام في سياق تفسير سورتي ( ق والأعراف ) بما فيه الكفاية. والآية هنا كما هي في السور الأخرى في صدد التنويه بقدرة الله وعظمته وسعة كونه وعلمه وشمول ملكه. على ما يلهمه مضمونها وسياقها. وهو المقصد الجوهري فيما احتوته هنا وفي الأماكن الأخرى.
ولعلّ ورود هذه الآيات التي تنفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم أجرا بعد الآيات السابقة التي تأمره بعدم طاعة الكفار ومجاهدتهم بالقرآن مما يؤيد صحة ما تبادر لنا من الآيتين والله أعلم.
وقد قال المفسرون١ في صدد جملة ﴿ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ إنها بسبيل تقرير أن ما يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الإنفاق والزكاة إنما هو في سبيل القربى إلى الله وليس له خاصة. والتأويل الذي أوّلنا به الجملة هو أكثر اتساقا مع روح الآيات وظرف نزولها وصلتها مع الفصول السابقة كما هو المتبادر.
تعليق على الأمر بالتوكل على الله
وبمناسبة الأمر الوارد في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتوكل على الله تعالى نقول :إن في القرآن آيات كثيرة مكية ومدنية يبلغ عددها نحو سبعين فيها تكرار لمثل هذا الأمر للنبي والمؤمنين وحكاية لقول الأنبياء بأنهم يتوكلون على الله وإيذان بأن التوكّل على الله هو من شأن عباد الله المؤمنين وبأن من شأن ذلك أن يحقّق الله أمل المتوكّل عليه وبأن الله هو وحده الأهل للتوكل عليه، وهو حسب من يتوكل عليه وبأن الله يحب المتوكلين عليه حيث يدلّ هذا على ما أسبغته حكمة التنزيل على هذا الأمر من حفاوة. وفيما يلي طائفة من الآيات على سبيل المثال :
١ـ ﴿ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ واللّهُ ولِيُّهُمَا وعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [ آل عمران :١٢٢ ].
٢ ـ ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوكِّلِينَ ﴾ [ آل عمران :١٥٩ ]
٣ ـ ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ١٧٣ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُواْ رِضْوانَ اللّهِ واللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [ آل عمران :١٧٣ ـ١٧٤ ].
٤ ـ ﴿ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾ [ النساء :٨١ ].
٥ ـ ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ [ التوبة :٥١ ].
٦ ـ ﴿ فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [ التوبة :١٢٩ ].
٧ ـ ﴿ والَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ولَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٤١ الَّذِينَ صَبَرُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ﴾ [ النحل :٤١ـ٤٢ ].
٨ ـ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَولَّوْنَهُ والَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ [ النحل :٩٩ ـ١٠٠ ].
٩ ـ ﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ [ النمل :٧٩ ].
١٠ ـ ﴿ ومَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُو حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [ الطلاق :٣ ].
وما احتوته الآيات وأمثالها من تقرير وحثّ هو حقّ. ويجب على المؤمن بالله أن لا يجعل اعتماده في كل أمر وموقف على غير الله، وأن يكون توجهه في كل شيء إليه وحده وأن يؤمن بأن الله تعالى يساعد المتوكّل عليه ويحقّق له أمله في دفع الضرّ وجلب النفع المشروع كما جاء في الآيات. وبالإضافة إلى هذا فإن روح الآيات وسياقها يلهمان أنها أيضا بسبيل بثّ الروح والقوّة في عباد الله الصالحين وبخاصة في المواقف العصيبة التي تحزّ بهم والمصاعب التي يواجهونها وبمعنى آخر فيها معالجة روحية للمؤمن. وهو ما انطوى في كثير من الآيات مما مرّ منه أمثلة عديدة أخرى.
وهناك أحاديث نبوية تتساوق في تلقينها مع الآيات شأن كل أمر. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون " ٢. وحديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لو أنكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " ٣. وحديث رواه الترمذي عن أبي معبد الجهني قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تعلّق شيئا وكل إليه " ٤.
وهناك من يتوهم أن فكرة التوكل في الإسلام تشلّ حيوية المسلم ونشاطه أو تجعله قليل الحذر والاستعداد لمواجهة مصاعب الحياة. وروح الآيات والأحاديث التي أوردناها، بل وفحواها تجعل هذه الفكرة غير واردة وتبرز أن هدفها هو بثّ الأمل والاعتماد على الله وحده ومواجهة الأحداث بذلك.
وبلفت النظر إلى آية آل عمران [ ١٥٩ ] ففيها ما ينفي ذلك بصراحة وقوة حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة المسلمين واتخاذ الرأي الأفضل ثم العزيمة على السير به والاتكال على الله في تحقيقه. وفي حديث عمر أيضا نفي صريح حيث يذكر أن الطير لا يقعد عن الحركة في سبيل الرزق بل يسعى إليه فييسره الله له. وهذا يكون شأن المسلم الذي يتوكّل على الله حقّ توكله. وهناك حديثان مؤيدان لذلك أيضا. واحد رواه الترمذي عن أنس جاء فيه :" إن رجلا قال يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال :أعقلها وتوكّل " ٥. وحديث رواه الأربعة عن علي قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلاّ وقد علم بمنزلها من الجنّة والنار. قالوا يا رسول الله فلم العمل. أفلا نتّكل ؟ قال :اعملوا فكلّ ميسّر لما
خلق له. ثم قرأ ﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى واتَّقَى ٥ وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧وأَمَّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى ٨ وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [ الليل :٥ ـ١٠ ] " ٦.
وهذا أمر طبيعي لا يتحمل إسهابا. والآيات والأحاديث كالتي لا تحصى كثرة شاهدة عليه فقد أودع الله في الناس العقل والتمييز وجعل فيهم قابلية النشاط والعمل والكسب وأمرهم به والسعي إليه وقرر أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأمرهم بالتسابق في الخيرات. وحثهم على العمل الصالح مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقونه وحذّرهم من العمل السيئ مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقون اجتنابه بما أودعه فيهم من قابلية العمل والتمييز والاختيار وجعل كل نفس رهينة بما كسبت وكل هذا أيضا ينفي ذلك الوهم كما هو المتبادر ويجعل مدى التوكل في نطاق ما شرحناه. والله أعلم.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ٥٦ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ٥٧ وتَوكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ٥٨ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والْأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ٥٩ ﴾ [ ٥٦ ـ ٥٩ ].
في الآيات تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء ما يلقاه من قومه من مناوأة وتحدّ وتعجيز احتوت الفصول السابقة صورا عديدة منه حيث تقول إن الله تعالى لم يرسله إلاّ مبشرا ونذيرا وليس هو مسؤولا عن عنادهم وإيمانهم وكفرهم، وليس عليه إلاّ الدعوة إلى الله ومجاهدة الناس بالقرآن دون تهاون ولا تراخ، وعليه أن يقول للناس :إني لا أطلب منكم ولا أنتظر أجرا ولا مكافأة وكل ما أريده أن يهتدي من كان صادق الرغبة في الحق والهدى ويسير في سبيل الله ورضائه، وعليه بعد ذلك أن يجعل اعتماده وتوكله على الله الحي الذي لا يموت وأن يسبّح بحمده فهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما الملك المسيطر على كونه العظيم الخبير المحيط بذنوب عباده وتصرّفهم والقادر عليهم والكافي لهم.
والآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر. ومحتواها وما فيها من قصد التسلية للنبي صلي الله عليه وسلم قد تكرر كثيرا ؛ لأن ظروف الدعوة وسيرها كانت تقتضي ذلك على ما شرحناه في سياق سورة ( ق ).
وتعبير ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ الذي انتهت به الآيات من تعابير العرب الأسلوبية في صدد توكيد صحة ما يصدر من القائل والمتكلم. وقد جاء هنا لمثل هذا التوكيد.
ولقد سبق القول في موضوع استواء الله على العرش وخلقه السماوات والأرض في ستة أيام في سياق تفسير سورتي ( ق والأعراف ) بما فيه الكفاية. والآية هنا كما هي في السور الأخرى في صدد التنويه بقدرة الله وعظمته وسعة كونه وعلمه وشمول ملكه. على ما يلهمه مضمونها وسياقها. وهو المقصد الجوهري فيما احتوته هنا وفي الأماكن الأخرى.
ولعلّ ورود هذه الآيات التي تنفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم أجرا بعد الآيات السابقة التي تأمره بعدم طاعة الكفار ومجاهدتهم بالقرآن مما يؤيد صحة ما تبادر لنا من الآيتين والله أعلم.
وقد قال المفسرون١ في صدد جملة ﴿ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ إنها بسبيل تقرير أن ما يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الإنفاق والزكاة إنما هو في سبيل القربى إلى الله وليس له خاصة. والتأويل الذي أوّلنا به الجملة هو أكثر اتساقا مع روح الآيات وظرف نزولها وصلتها مع الفصول السابقة كما هو المتبادر.
تعليق على الأمر بالتوكل على الله
وبمناسبة الأمر الوارد في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتوكل على الله تعالى نقول :إن في القرآن آيات كثيرة مكية ومدنية يبلغ عددها نحو سبعين فيها تكرار لمثل هذا الأمر للنبي والمؤمنين وحكاية لقول الأنبياء بأنهم يتوكلون على الله وإيذان بأن التوكّل على الله هو من شأن عباد الله المؤمنين وبأن من شأن ذلك أن يحقّق الله أمل المتوكّل عليه وبأن الله هو وحده الأهل للتوكل عليه، وهو حسب من يتوكل عليه وبأن الله يحب المتوكلين عليه حيث يدلّ هذا على ما أسبغته حكمة التنزيل على هذا الأمر من حفاوة. وفيما يلي طائفة من الآيات على سبيل المثال :
١ـ ﴿ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ واللّهُ ولِيُّهُمَا وعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [ آل عمران :١٢٢ ].
٢ ـ ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوكِّلِينَ ﴾ [ آل عمران :١٥٩ ]
٣ ـ ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ١٧٣ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُواْ رِضْوانَ اللّهِ واللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [ آل عمران :١٧٣ ـ١٧٤ ].
٤ ـ ﴿ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾ [ النساء :٨١ ].
٥ ـ ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ [ التوبة :٥١ ].
٦ ـ ﴿ فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [ التوبة :١٢٩ ].
٧ ـ ﴿ والَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ولَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٤١ الَّذِينَ صَبَرُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ﴾ [ النحل :٤١ـ٤٢ ].
٨ ـ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَولَّوْنَهُ والَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ [ النحل :٩٩ ـ١٠٠ ].
٩ ـ ﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ [ النمل :٧٩ ].
١٠ ـ ﴿ ومَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُو حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [ الطلاق :٣ ].
وما احتوته الآيات وأمثالها من تقرير وحثّ هو حقّ. ويجب على المؤمن بالله أن لا يجعل اعتماده في كل أمر وموقف على غير الله، وأن يكون توجهه في كل شيء إليه وحده وأن يؤمن بأن الله تعالى يساعد المتوكّل عليه ويحقّق له أمله في دفع الضرّ وجلب النفع المشروع كما جاء في الآيات. وبالإضافة إلى هذا فإن روح الآيات وسياقها يلهمان أنها أيضا بسبيل بثّ الروح والقوّة في عباد الله الصالحين وبخاصة في المواقف العصيبة التي تحزّ بهم والمصاعب التي يواجهونها وبمعنى آخر فيها معالجة روحية للمؤمن. وهو ما انطوى في كثير من الآيات مما مرّ منه أمثلة عديدة أخرى.
وهناك أحاديث نبوية تتساوق في تلقينها مع الآيات شأن كل أمر. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون " ٢. وحديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لو أنكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " ٣. وحديث رواه الترمذي عن أبي معبد الجهني قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تعلّق شيئا وكل إليه " ٤.
وهناك من يتوهم أن فكرة التوكل في الإسلام تشلّ حيوية المسلم ونشاطه أو تجعله قليل الحذر والاستعداد لمواجهة مصاعب الحياة. وروح الآيات والأحاديث التي أوردناها، بل وفحواها تجعل هذه الفكرة غير واردة وتبرز أن هدفها هو بثّ الأمل والاعتماد على الله وحده ومواجهة الأحداث بذلك.
وبلفت النظر إلى آية آل عمران [ ١٥٩ ] ففيها ما ينفي ذلك بصراحة وقوة حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة المسلمين واتخاذ الرأي الأفضل ثم العزيمة على السير به والاتكال على الله في تحقيقه. وفي حديث عمر أيضا نفي صريح حيث يذكر أن الطير لا يقعد عن الحركة في سبيل الرزق بل يسعى إليه فييسره الله له. وهذا يكون شأن المسلم الذي يتوكّل على الله حقّ توكله. وهناك حديثان مؤيدان لذلك أيضا. واحد رواه الترمذي عن أنس جاء فيه :" إن رجلا قال يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال :أعقلها وتوكّل " ٥. وحديث رواه الأربعة عن علي قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلاّ وقد علم بمنزلها من الجنّة والنار. قالوا يا رسول الله فلم العمل. أفلا نتّكل ؟ قال :اعملوا فكلّ ميسّر لما
خلق له. ثم قرأ ﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى واتَّقَى ٥ وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧وأَمَّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى ٨ وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [ الليل :٥ ـ١٠ ] " ٦.
وهذا أمر طبيعي لا يتحمل إسهابا. والآيات والأحاديث كالتي لا تحصى كثرة شاهدة عليه فقد أودع الله في الناس العقل والتمييز وجعل فيهم قابلية النشاط والعمل والكسب وأمرهم به والسعي إليه وقرر أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأمرهم بالتسابق في الخيرات. وحثهم على العمل الصالح مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقونه وحذّرهم من العمل السيئ مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقون اجتنابه بما أودعه فيهم من قابلية العمل والتمييز والاختيار وجعل كل نفس رهينة بما كسبت وكل هذا أيضا ينفي ذلك الوهم كما هو المتبادر ويجعل مدى التوكل في نطاق ما شرحناه. والله أعلم.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ٥٦ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ٥٧ وتَوكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ٥٨ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والْأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ٥٩ ﴾ [ ٥٦ ـ ٥٩ ].
في الآيات تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء ما يلقاه من قومه من مناوأة وتحدّ وتعجيز احتوت الفصول السابقة صورا عديدة منه حيث تقول إن الله تعالى لم يرسله إلاّ مبشرا ونذيرا وليس هو مسؤولا عن عنادهم وإيمانهم وكفرهم، وليس عليه إلاّ الدعوة إلى الله ومجاهدة الناس بالقرآن دون تهاون ولا تراخ، وعليه أن يقول للناس :إني لا أطلب منكم ولا أنتظر أجرا ولا مكافأة وكل ما أريده أن يهتدي من كان صادق الرغبة في الحق والهدى ويسير في سبيل الله ورضائه، وعليه بعد ذلك أن يجعل اعتماده وتوكله على الله الحي الذي لا يموت وأن يسبّح بحمده فهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما الملك المسيطر على كونه العظيم الخبير المحيط بذنوب عباده وتصرّفهم والقادر عليهم والكافي لهم.
والآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر. ومحتواها وما فيها من قصد التسلية للنبي صلي الله عليه وسلم قد تكرر كثيرا ؛ لأن ظروف الدعوة وسيرها كانت تقتضي ذلك على ما شرحناه في سياق سورة ( ق ).
وتعبير ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ الذي انتهت به الآيات من تعابير العرب الأسلوبية في صدد توكيد صحة ما يصدر من القائل والمتكلم. وقد جاء هنا لمثل هذا التوكيد.
ولقد سبق القول في موضوع استواء الله على العرش وخلقه السماوات والأرض في ستة أيام في سياق تفسير سورتي ( ق والأعراف ) بما فيه الكفاية. والآية هنا كما هي في السور الأخرى في صدد التنويه بقدرة الله وعظمته وسعة كونه وعلمه وشمول ملكه. على ما يلهمه مضمونها وسياقها. وهو المقصد الجوهري فيما احتوته هنا وفي الأماكن الأخرى.
ولعلّ ورود هذه الآيات التي تنفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم أجرا بعد الآيات السابقة التي تأمره بعدم طاعة الكفار ومجاهدتهم بالقرآن مما يؤيد صحة ما تبادر لنا من الآيتين والله أعلم.
وقد قال المفسرون١ في صدد جملة ﴿ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ إنها بسبيل تقرير أن ما يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الإنفاق والزكاة إنما هو في سبيل القربى إلى الله وليس له خاصة. والتأويل الذي أوّلنا به الجملة هو أكثر اتساقا مع روح الآيات وظرف نزولها وصلتها مع الفصول السابقة كما هو المتبادر.
تعليق على الأمر بالتوكل على الله
وبمناسبة الأمر الوارد في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتوكل على الله تعالى نقول :إن في القرآن آيات كثيرة مكية ومدنية يبلغ عددها نحو سبعين فيها تكرار لمثل هذا الأمر للنبي والمؤمنين وحكاية لقول الأنبياء بأنهم يتوكلون على الله وإيذان بأن التوكّل على الله هو من شأن عباد الله المؤمنين وبأن من شأن ذلك أن يحقّق الله أمل المتوكّل عليه وبأن الله هو وحده الأهل للتوكل عليه، وهو حسب من يتوكل عليه وبأن الله يحب المتوكلين عليه حيث يدلّ هذا على ما أسبغته حكمة التنزيل على هذا الأمر من حفاوة. وفيما يلي طائفة من الآيات على سبيل المثال :
١ـ ﴿ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ واللّهُ ولِيُّهُمَا وعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [ آل عمران :١٢٢ ].
٢ ـ ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوكِّلِينَ ﴾ [ آل عمران :١٥٩ ]
٣ ـ ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ١٧٣ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُواْ رِضْوانَ اللّهِ واللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [ آل عمران :١٧٣ ـ١٧٤ ].
٤ ـ ﴿ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾ [ النساء :٨١ ].
٥ ـ ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ [ التوبة :٥١ ].
٦ ـ ﴿ فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [ التوبة :١٢٩ ].
٧ ـ ﴿ والَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ولَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٤١ الَّذِينَ صَبَرُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ﴾ [ النحل :٤١ـ٤٢ ].
٨ ـ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَولَّوْنَهُ والَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ [ النحل :٩٩ ـ١٠٠ ].
٩ ـ ﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ [ النمل :٧٩ ].
١٠ ـ ﴿ ومَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُو حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [ الطلاق :٣ ].
وما احتوته الآيات وأمثالها من تقرير وحثّ هو حقّ. ويجب على المؤمن بالله أن لا يجعل اعتماده في كل أمر وموقف على غير الله، وأن يكون توجهه في كل شيء إليه وحده وأن يؤمن بأن الله تعالى يساعد المتوكّل عليه ويحقّق له أمله في دفع الضرّ وجلب النفع المشروع كما جاء في الآيات. وبالإضافة إلى هذا فإن روح الآيات وسياقها يلهمان أنها أيضا بسبيل بثّ الروح والقوّة في عباد الله الصالحين وبخاصة في المواقف العصيبة التي تحزّ بهم والمصاعب التي يواجهونها وبمعنى آخر فيها معالجة روحية للمؤمن. وهو ما انطوى في كثير من الآيات مما مرّ منه أمثلة عديدة أخرى.
وهناك أحاديث نبوية تتساوق في تلقينها مع الآيات شأن كل أمر. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون " ٢. وحديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لو أنكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " ٣. وحديث رواه الترمذي عن أبي معبد الجهني قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تعلّق شيئا وكل إليه " ٤.
وهناك من يتوهم أن فكرة التوكل في الإسلام تشلّ حيوية المسلم ونشاطه أو تجعله قليل الحذر والاستعداد لمواجهة مصاعب الحياة. وروح الآيات والأحاديث التي أوردناها، بل وفحواها تجعل هذه الفكرة غير واردة وتبرز أن هدفها هو بثّ الأمل والاعتماد على الله وحده ومواجهة الأحداث بذلك.
وبلفت النظر إلى آية آل عمران [ ١٥٩ ] ففيها ما ينفي ذلك بصراحة وقوة حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة المسلمين واتخاذ الرأي الأفضل ثم العزيمة على السير به والاتكال على الله في تحقيقه. وفي حديث عمر أيضا نفي صريح حيث يذكر أن الطير لا يقعد عن الحركة في سبيل الرزق بل يسعى إليه فييسره الله له. وهذا يكون شأن المسلم الذي يتوكّل على الله حقّ توكله. وهناك حديثان مؤيدان لذلك أيضا. واحد رواه الترمذي عن أنس جاء فيه :" إن رجلا قال يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال :أعقلها وتوكّل " ٥. وحديث رواه الأربعة عن علي قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلاّ وقد علم بمنزلها من الجنّة والنار. قالوا يا رسول الله فلم العمل. أفلا نتّكل ؟ قال :اعملوا فكلّ ميسّر لما
خلق له. ثم قرأ ﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى واتَّقَى ٥ وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧وأَمَّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى ٨ وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [ الليل :٥ ـ١٠ ] " ٦.
وهذا أمر طبيعي لا يتحمل إسهابا. والآيات والأحاديث كالتي لا تحصى كثرة شاهدة عليه فقد أودع الله في الناس العقل والتمييز وجعل فيهم قابلية النشاط والعمل والكسب وأمرهم به والسعي إليه وقرر أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأمرهم بالتسابق في الخيرات. وحثهم على العمل الصالح مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقونه وحذّرهم من العمل السيئ مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقون اجتنابه بما أودعه فيهم من قابلية العمل والتمييز والاختيار وجعل كل نفس رهينة بما كسبت وكل هذا أيضا ينفي ذلك الوهم كما هو المتبادر ويجعل مدى التوكل في نطاق ما شرحناه. والله أعلم.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا ٥٦ قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ٥٧ وتَوكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ٥٨ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاواتِ والْأَرْضَ ومَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا ٥٩ ﴾ [ ٥٦ ـ ٥٩ ].
في الآيات تسلية وتطمين للنبي صلى الله عليه وسلم إزاء ما يلقاه من قومه من مناوأة وتحدّ وتعجيز احتوت الفصول السابقة صورا عديدة منه حيث تقول إن الله تعالى لم يرسله إلاّ مبشرا ونذيرا وليس هو مسؤولا عن عنادهم وإيمانهم وكفرهم، وليس عليه إلاّ الدعوة إلى الله ومجاهدة الناس بالقرآن دون تهاون ولا تراخ، وعليه أن يقول للناس :إني لا أطلب منكم ولا أنتظر أجرا ولا مكافأة وكل ما أريده أن يهتدي من كان صادق الرغبة في الحق والهدى ويسير في سبيل الله ورضائه، وعليه بعد ذلك أن يجعل اعتماده وتوكله على الله الحي الذي لا يموت وأن يسبّح بحمده فهو الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما الملك المسيطر على كونه العظيم الخبير المحيط بذنوب عباده وتصرّفهم والقادر عليهم والكافي لهم.
والآيات متصلة بالسياق واستمرار له كما هو المتبادر. ومحتواها وما فيها من قصد التسلية للنبي صلي الله عليه وسلم قد تكرر كثيرا ؛ لأن ظروف الدعوة وسيرها كانت تقتضي ذلك على ما شرحناه في سياق سورة ( ق ).
وتعبير ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ الذي انتهت به الآيات من تعابير العرب الأسلوبية في صدد توكيد صحة ما يصدر من القائل والمتكلم. وقد جاء هنا لمثل هذا التوكيد.
ولقد سبق القول في موضوع استواء الله على العرش وخلقه السماوات والأرض في ستة أيام في سياق تفسير سورتي ( ق والأعراف ) بما فيه الكفاية. والآية هنا كما هي في السور الأخرى في صدد التنويه بقدرة الله وعظمته وسعة كونه وعلمه وشمول ملكه. على ما يلهمه مضمونها وسياقها. وهو المقصد الجوهري فيما احتوته هنا وفي الأماكن الأخرى.
ولعلّ ورود هذه الآيات التي تنفي طلب النبي صلى الله عليه وسلم أجرا بعد الآيات السابقة التي تأمره بعدم طاعة الكفار ومجاهدتهم بالقرآن مما يؤيد صحة ما تبادر لنا من الآيتين والله أعلم.
وقد قال المفسرون١ في صدد جملة ﴿ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ إنها بسبيل تقرير أن ما يدعو النبي صلى الله عليه وسلم إليه من الإنفاق والزكاة إنما هو في سبيل القربى إلى الله وليس له خاصة. والتأويل الذي أوّلنا به الجملة هو أكثر اتساقا مع روح الآيات وظرف نزولها وصلتها مع الفصول السابقة كما هو المتبادر.
تعليق على الأمر بالتوكل على الله
وبمناسبة الأمر الوارد في الآية للنبي صلى الله عليه وسلم بالتوكل على الله تعالى نقول :إن في القرآن آيات كثيرة مكية ومدنية يبلغ عددها نحو سبعين فيها تكرار لمثل هذا الأمر للنبي والمؤمنين وحكاية لقول الأنبياء بأنهم يتوكلون على الله وإيذان بأن التوكّل على الله هو من شأن عباد الله المؤمنين وبأن من شأن ذلك أن يحقّق الله أمل المتوكّل عليه وبأن الله هو وحده الأهل للتوكل عليه، وهو حسب من يتوكل عليه وبأن الله يحب المتوكلين عليه حيث يدلّ هذا على ما أسبغته حكمة التنزيل على هذا الأمر من حفاوة. وفيما يلي طائفة من الآيات على سبيل المثال :
١ـ ﴿ إِذْ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمْ أَن تَفْشَلاَ واللّهُ ولِيُّهُمَا وعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [ آل عمران :١٢٢ ].
٢ ـ ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ ولَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ واسْتَغْفِرْ لَهُمْ وشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوكِّلِينَ ﴾ [ آل عمران :١٥٩ ]
٣ ـ ﴿ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ ونِعْمَ الْوكِيلُ١٧٣ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ واتَّبَعُواْ رِضْوانَ اللّهِ واللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ ﴾ [ آل عمران :١٧٣ ـ١٧٤ ].
٤ ـ ﴿ وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ﴾ [ النساء :٨١ ].
٥ ـ ﴿ قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولنا وعلى الله فليتوكل المؤمنون ﴾ [ التوبة :٥١ ].
٦ ـ ﴿ فَإِن تَولَّوْاْ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وهُو رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ﴾ [ التوبة :١٢٩ ].
٧ ـ ﴿ والَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ولَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ٤١ الَّذِينَ صَبَرُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ﴾ [ النحل :٤١ـ٤٢ ].
٨ ـ ﴿ إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوكَّلُونَ ٩٩ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَولَّوْنَهُ والَّذِينَ هُم بِهِ مُشْرِكُونَ ﴾ [ النحل :٩٩ ـ١٠٠ ].
٩ ـ ﴿ فتوكل على الله إنك على الحق المبين ﴾ [ النمل :٧٩ ].
١٠ ـ ﴿ ومَن يَتَوكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُو حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [ الطلاق :٣ ].
وما احتوته الآيات وأمثالها من تقرير وحثّ هو حقّ. ويجب على المؤمن بالله أن لا يجعل اعتماده في كل أمر وموقف على غير الله، وأن يكون توجهه في كل شيء إليه وحده وأن يؤمن بأن الله تعالى يساعد المتوكّل عليه ويحقّق له أمله في دفع الضرّ وجلب النفع المشروع كما جاء في الآيات. وبالإضافة إلى هذا فإن روح الآيات وسياقها يلهمان أنها أيضا بسبيل بثّ الروح والقوّة في عباد الله الصالحين وبخاصة في المواقف العصيبة التي تحزّ بهم والمصاعب التي يواجهونها وبمعنى آخر فيها معالجة روحية للمؤمن. وهو ما انطوى في كثير من الآيات مما مرّ منه أمثلة عديدة أخرى.
وهناك أحاديث نبوية تتساوق في تلقينها مع الآيات شأن كل أمر. من ذلك حديث رواه الشيخان والترمذي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب هم الذين لا يسترقون ولا يتطيّرون وعلى ربهم يتوكلون " ٢. وحديث رواه الترمذي وأحمد والحاكم عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لو أنكم توكّلتم على الله حقّ توكّله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا " ٣. وحديث رواه الترمذي عن أبي معبد الجهني قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من تعلّق شيئا وكل إليه " ٤.
وهناك من يتوهم أن فكرة التوكل في الإسلام تشلّ حيوية المسلم ونشاطه أو تجعله قليل الحذر والاستعداد لمواجهة مصاعب الحياة. وروح الآيات والأحاديث التي أوردناها، بل وفحواها تجعل هذه الفكرة غير واردة وتبرز أن هدفها هو بثّ الأمل والاعتماد على الله وحده ومواجهة الأحداث بذلك.
وبلفت النظر إلى آية آل عمران [ ١٥٩ ] ففيها ما ينفي ذلك بصراحة وقوة حيث تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بمشاورة المسلمين واتخاذ الرأي الأفضل ثم العزيمة على السير به والاتكال على الله في تحقيقه. وفي حديث عمر أيضا نفي صريح حيث يذكر أن الطير لا يقعد عن الحركة في سبيل الرزق بل يسعى إليه فييسره الله له. وهذا يكون شأن المسلم الذي يتوكّل على الله حقّ توكله. وهناك حديثان مؤيدان لذلك أيضا. واحد رواه الترمذي عن أنس جاء فيه :" إن رجلا قال يا رسول الله أعقلها وأتوكل أو أطلقها وأتوكل ؟ قال :أعقلها وتوكّل " ٥. وحديث رواه الأربعة عن علي قال :" كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا ذات يوم وفي يده عود ينكت به فرفع رأسه فقال ما منكم من نفس إلاّ وقد علم بمنزلها من الجنّة والنار. قالوا يا رسول الله فلم العمل. أفلا نتّكل ؟ قال :اعملوا فكلّ ميسّر لما
خلق له. ثم قرأ ﴿ فَأَمَّا مَن أَعْطَى واتَّقَى ٥ وصَدَّقَ بِالْحُسْنَى ٦ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ٧وأَمَّا مَن بَخِلَ واسْتَغْنَى ٨ وكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ٩فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ﴾ [ الليل :٥ ـ١٠ ] " ٦.
وهذا أمر طبيعي لا يتحمل إسهابا. والآيات والأحاديث كالتي لا تحصى كثرة شاهدة عليه فقد أودع الله في الناس العقل والتمييز وجعل فيهم قابلية النشاط والعمل والكسب وأمرهم به والسعي إليه وقرر أنه خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملا وأمرهم بالتسابق في الخيرات. وحثهم على العمل الصالح مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقونه وحذّرهم من العمل السيئ مطلقا وهو يعلم أنهم يطيقون اجتنابه بما أودعه فيهم من قابلية العمل والتمييز والاختيار وجعل كل نفس رهينة بما كسبت وكل هذا أيضا ينفي ذلك الوهم كما هو المتبادر ويجعل مدى التوكل في نطاق ما شرحناه. والله أعلم.

﴿ وإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَانِ قَالُوا ومَا الرَّحْمَانُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وزَادَهُمْ نُفُورًا ٦٠ ﴾ [ ٦٠ ].
المتبادر أن هذه الآية جاءت استطرادية. فقد وصف الله تعالى نفسه بالرحمن في الآية السابقة لها مباشرة. فاستطردت هذه إلى التنديد بالكفّار الذين إذا قيل لهم اسجدوا للرحمان تساءلوا تساؤل المنكر المستكبر عن هذا الرحمان وقالوا بأسلوب المتهكم :كيف نسجد لما تأمرنا وازدادوا نفورا وانصرافا عن الدعوة.
تعليق على اسم الرحمان
ولقد ذكر المفسرون١ في سياق هذه الآية أن مسيلمة النبي الكذّاب الذي ظهر في أواخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم في اليمامة كان يتسمّى باسم الرحمان، وأنه أنشأ حديقة سمّاها :حديقة الرحمان، أو أنه كان له صنم يسميه بهذا الاسم أقامه في الحديقة، وأن تساؤل الكفار متّصل بذلك حيث التبس عليهم الأمر فظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالسجود له.
وفي سورة الرعد آية متصلة بهذا المعنى وهي : ﴿ كذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُو عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرحمان قُلْ هُو رَبِّي لا إِلَهَ إِلاَّ هُو عَلَيْهِ تَوكَّلْتُ وإِلَيْهِ مَتَابِ ٣٠ ﴾ حيث ينطوي فيها حكاية موقف آخر للمشركين إزاء اسم الرحمان. وقد روى المفسرون في صدد هذه الآية أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول :يا رحمان فقال :إن محمدا يدعو إلها آخر اسمه الرحمان ولا نعرف الرحمان إلاّ رحمان اليمامة٢.
ومهما يكن من أمر هذه الروايات فإن أسلوب الآيتين قد يدلّ على أن المشركين كانوا يقفون موقفا خاصا عند ذكر القرآن والنبي لهذا الاسم لسبب ما.
وهذا الاسم هو أكثر أسماء الله الحسنى ورودا في القرآن بعد الجلالة ( الله ) ويتضمّن معنى صفة جليلة تتصل بخلق الله وشمول رحمته لهم عامة بقطع النظر عن مواقفهم وسلوكهم. ولعل حكمة كثرة ورود هذا الاسم متصلة بذلك الموقف بقصد تقرير كون الله عزّ وجلّ هو وحده اللائق به هذه الصفة الجليلة والله أعلم.
١ انظر تفسير الآية في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والخازن..
٢ انظر تفسير الخازن والبغوي وابن كثير لسورة الرعد.
.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وقَمَرًا ٦١ وهُو الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ خلقة لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ٦٢ ﴾ [ ٦١ ـ ٦٢ ]
في الآيتين عود آخر إلى التذكير بعظمة الله في ما يشاهد من مشاهد الكون ونواميسه وهذا متسق مع نظم فصول السورة. وبذلك تتصل الآيتان بالسياق.
وقد احتوتا ثناء على الله تعالى وتنويها بنواميس السماء وبعض مشاهدها حيث جعل الله تعالى فيها بروجا تدور في نطاقها النجوم وجعل فيها الشمس سراجا والقمر منيرا وجعل الليل والنهار متعاقدين يخلف أحدهما الآخر نتيجة لذلك.
وفي هذا ما فيه من البرهان القوي على إبداع الله تعالى وقدرته ونعم الله على عباده يدركه ويقنع به من أراد أن يتدبّر ويتذكر ويشكر.
والفقرة الأخيرة تتضمن تنديدا بالذين لا يقنعون بهذا البرهان القوي ولا يعترفون لله بالربوبية والقدرة ولا يشكرونه على نعمه، كما أنها من الجمل القرآنية الحاسمة في تقرير الإرادة والاختبار وقوة التمييز للإنسان كما هو المتبادر.
والآيتان مما تكرر ورود مضمونهما بشيء من اختلاف في الصيغ كما جاء في آية سورة الملك هذه : ﴿ ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِير٥ ﴾ وآية سورة الحجر هذه : ﴿ ولَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ١٦ ﴾.
وفي القرآن غير هذه الآيات آيات كثيرة تنبّه الناس إلى السماء ونجومها وشمسها وقمرها وتسخير الله لها وما في ذلك من دلائل عظمة الله وقدرته. فهذا من أكثر ما يفكر الناس فيه ويرون فيه أعظم مشاهد كون الله ويجعلهم يشعرون تجاهه بالرهبة والذهول. والآيات القرآنية استهدفت ذلك فيما استهدفته ؛ لأن الشعور به عام عند جميع الناس في كل زمان ومكان. ومن الواجب الوقوف في ذلك عند هذا الهدف دون توسع ولا تزيد.

خلقة :بمعنى متعاقبة أي الشيء وراء الشيء.
يذكر :يتذكر.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا وجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وقَمَرًا ٦١ وهُو الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهَارَ خلقة لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ٦٢ ﴾ [ ٦١ ـ ٦٢ ]
في الآيتين عود آخر إلى التذكير بعظمة الله في ما يشاهد من مشاهد الكون ونواميسه وهذا متسق مع نظم فصول السورة. وبذلك تتصل الآيتان بالسياق.
وقد احتوتا ثناء على الله تعالى وتنويها بنواميس السماء وبعض مشاهدها حيث جعل الله تعالى فيها بروجا تدور في نطاقها النجوم وجعل فيها الشمس سراجا والقمر منيرا وجعل الليل والنهار متعاقدين يخلف أحدهما الآخر نتيجة لذلك.
وفي هذا ما فيه من البرهان القوي على إبداع الله تعالى وقدرته ونعم الله على عباده يدركه ويقنع به من أراد أن يتدبّر ويتذكر ويشكر.
والفقرة الأخيرة تتضمن تنديدا بالذين لا يقنعون بهذا البرهان القوي ولا يعترفون لله بالربوبية والقدرة ولا يشكرونه على نعمه، كما أنها من الجمل القرآنية الحاسمة في تقرير الإرادة والاختبار وقوة التمييز للإنسان كما هو المتبادر.
والآيتان مما تكرر ورود مضمونهما بشيء من اختلاف في الصيغ كما جاء في آية سورة الملك هذه : ﴿ ولَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاء الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ وأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِير٥ ﴾ وآية سورة الحجر هذه : ﴿ ولَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاء بُرُوجًا وزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ١٦ ﴾.
وفي القرآن غير هذه الآيات آيات كثيرة تنبّه الناس إلى السماء ونجومها وشمسها وقمرها وتسخير الله لها وما في ذلك من دلائل عظمة الله وقدرته. فهذا من أكثر ما يفكر الناس فيه ويرون فيه أعظم مشاهد كون الله ويجعلهم يشعرون تجاهه بالرهبة والذهول. والآيات القرآنية استهدفت ذلك فيما استهدفته ؛ لأن الشعور به عام عند جميع الناس في كل زمان ومكان. ومن الواجب الوقوف في ذلك عند هذا الهدف دون توسع ولا تزيد.

هونا :بالتواضع والسكينة والوقار ومما روي في معناها عدم التكّبر والتجبّر والظلم والفساد.
الجاهلون :السفهاء والأشرار ويمكن أن يكون عني بها الكفار.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

غراما :متداركا وملما وغير مفارق. والكلمة تعني شدّة العذاب واستمراره.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

وكان ذلك قواما :وسطا لا إسراف ولا تقتير.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

آثاما :عقوبة وجزاء.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

تاب :أصل معنى الكلمة رجع، وصارت تطلق على من كفّ عن الخطأ والإثم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

لا يشهدون الزور :معنى الزور الكذب والافتراء، وقد أوّل المفسرون الجملة بمعنى شهادة الزور المعتادة وبمعنى شهود مجالس الباطل والشرك والمعصية.
وإذا مروا باللغو مروا كراما :اللغو هو الكلام التافه أو الباطل أو الذي لا نفع ولا فائدة منه. وقد أوّل المفسرون الجملة بأنهم إذا سمعوا باطلا وقيلا وقالا أو إذا رأوا معصية أو أمرا مستقبحا نزّهوا أنفسهم وانصرفوا عنه ولم يشاركوا فيه.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

خرّ :وقع و طأطأ وأكبّ.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

قرّة أعين :يقال للعين التي تدمع دمعا باردا قريرة من القرّ، وهذا الدمع لا يأتي إلاّ في حالة السرور والرضاء، وتستعمل الجملة للدلالة على هذه الحالة، ومن مشتقاتها أقرّ الله عينك.
إماما :مقتدى به.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

الغرفة :العلّية أو المسكن العالي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: ﴿ وعِبَادُ الرحمان الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا( ١ ) وإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ ( ٢ ) قَالُوا سَلَامًا ٦٣ والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيَامًا ٦٤ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٣ ) ٦٥ إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٦٦ والَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا وكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا ( ٤ ) ٦٧ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ آثاما ( ٥ ) ٦٨ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ويَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ٦٩ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ٧٠ ومَن تَابَ( ٦ ) وعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ٧١ والَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ( ٧ ) وإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٨ ) ٧٢ والَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا( ٩ ) عَلَيْهَا صُمًّا وعُمْيَانًا ٧٣ والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْواجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ ( ١٠ ) واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ١١ ) ٧٤ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ( ١٢ ) بِمَا صَبَرُوا ويُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وسَلَامًا ٧٥ خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا ومُقَامًا ٧٦ ﴾ [ ٦٣ ـ ٧٦ ].
روى الشيخان والترمذي عن عبد الله قال :" سألت أو سأل رسول الله أيّ الذنب عند الله أكبر ؟ قال :أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قلت ثم أيّ ؟ قال :أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. ثم أي ؟ قال :أن تزاني بحليلة جارك "، قال ونزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ولَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ولَا يَزْنُونَ ﴾. ١
وروى البخاري وأبو داود عن ابن عباس قال :" لما نزلت ﴿ والَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ إلى آخر الآية قال أهل مكة :قد عدّلنا بالله وقتلنا النفس التي حرّم الله وأتينا الفواحش. فأنزل الله : ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ إلى آخر الآية " ٢.
ومقتضى هذين الحديثين أن الآيتين نزلتا لحدتهما ولمناسبات طارئة. مع أن المتبادر المستلهم من روح الآيات جميعها أنها فصل واحد منسجم مع بعضه أشدّ الانسجام. وأنها جاءت بمثابة استطراد لوصف من أراد أن يتذكر أو أراد شكورا الذي ورد في الفقرة الأخيرة من الآيات السابقة. وفيها في ذات الوقت تعقيب على ما حكته الآيات السابقة من تمرّد الكفار عن السجود للرحمان بحيث يصحّ القول إنها استمرار للسياق السابق.
وإزاء الصحة التي يتّسم بها الحديثان يمكن القول :إن ما جاء فيهما قد كان قبل نزول السياق فاقتضت حكمة التنزيل أن يكون في هذه الآيات جواب في سياق ما اقتضته من وصف عباد الرحمان الاستطرادي.

ولقد احتوت الآيات تقرير ما يلي :

إذا كان الكفّار يتمرّدون على الرحمان ويتصاممون عن الدعوة إليه ولا يشكرونه على نعمه ولا يتدبرون في آياته فإن للرحمان عبادا إذا مشوا على الأرض مشوا متواضعين في سكينة ووقار من غير تكبّر ولا تجبّر ولا ظلم. وإذا اعترضهم السفهاء ولا جاهلون ردّوا عليهم بالتي هي أحسن وقالوا نحن نريد السلام، وهم دائمو السجود والقيام لربهم متضرعين إليه بأن يقيهم عذاب جهنم الشديد الرهيب، وهم إذا أنفقوا اعتدلوا فلا يسرفون ولا يقترون، وهم لا يشركون مع الله في الدعاء والعبادة أحدا ولا يقتلون النفس التي حرّم الله باستثناء ما يكون قد حقّ القتل عليه قصاصا، ولا يزنون ؛ لأن من يفعل ذلك يستحقّ العقاب والإهانة ويضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلّد فيه، ويبتعدون عن الزور والإفك والبغي قولا وعملا وشهودا، وإذا سمعوا كلاما باطلا لا خير فيه أو فيه أذيّة ومعصية كرموا أنفسهم وانصرفوا عنه، وهم إذا ذكّروا بآيات الله ونعمه لا يتلقون ذلك تلقي الأعمى والأصم، بل تلقي الواعي المعتبر والشاكر المتذكّر، ويتمنون على الله أن يسرهم ويقرّ أعينهم في أزواجهم وذرياتهم بأن يكونوا على غرارهم في طاعة الله ومرضاته، كما يدعون الله بأن يجعلهم خير قدوة وأحسن أسوة للمتقين. فهؤلاء يجزيهم الله الغرف العالية في الجنة على ما ساروا عليه من سبيل الحق والهدى والخير وصبروا وثبتوا فيه، ويجدون فيها من الله التكريم والترحيب والتحية والسلام وتكون لهم نعم المستقرّ والمقام.
وقد تخلّل الآيات آيتان جاءتا معترضتين فيهما ذلك للتوبة بعد ذكر استحقاق الذين يدعون مع الله إلها آخر ويقتلون النفس التي حرّم الله ويزنون لعذاب الله وسخطه، حيث استثنى فيهما الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون به ويعملون الصالحات، وحيث قرر فيهما أن الله يبدّل سيئات هؤلاء التائبين حسنات لأنه غفور رحيم، ولأن الذي يتوب ويعمل صالحا فإنه يكون قد اعترف بما كان منه من إثم وندم عليه ورجع إلى الله رجوعا تاما.
تعليق على روعة سلسلة عباد الرحمان وتلقيناتها
ويتبادر لنا أن الآيات احتوت ـ بالإضافة إلى ما احتوته من وصف عباد الله الصالحين وصفا مطلقا ـ صورة لما كان عليه المسلمون السابقون في مكة من فضائل وأخلاق مستحبة ونقاء قلب وسريرة وإنابة تامة إلى الله، ثم لما كان يقفه الكفار منهم من مواقف البغي والأذى ويوجهونه إليهم من قارص الكلام وعبارات السخرية، ولما كان من محاولات المسلمين من تجنّب الاشتباك مع الكفار والدخول معهم في نزاع ومهاترات حيث كانوا يلتزمون الوقار والسكينة والتواضع، ويدفعون السفهاء بالتي هي أحسن، ويكرمون أنفسهم عن سماع اللغو والباطل والاندماج فيهما.
وكل هذا من دونه ريب أثر من آثار الهدى القرآني والنبوي رضوان الله عليهم.
وبالإضافة إلى هذا وذاك مما فيه صور من السيرة النبوية وظروف الدعوة في العهد المكي فإن إطلاق العبارة في الآيات يجعلها شاملة مستمرة التلقين، وفي ما احتوته من التنويه بفضائل الأخلاق مثل التواضع وحبّ السلام والابتعاد عن التجبّر والتكبّر والمشاتمات والمهاترات وتكريم النفس عن مستوى الجهلاء والأشرار والتزام الاعتدال وعدم العدوان على دماء الناس وأعراضهم وعدم الاندماج في الزور والباطل قولا وعملا وحضورا وعدم التدخل فيما لا يعني، وتوجيه أفراد الأسرة زوجة وأولادا إلى كل ما فيه الخير والفضيلة، وتحلّي المسلم إجمالا بكل ما يجعله قدوة صالحة وأسوة حسنة للناس ـ تلقينات أخلاقية واجتماعية جليلة رائعة من شأنها أن توجّه المسلم إلى أقوم سبل الخير والحق، وأفضل الأخلاق والسلوك في بيته ومجتمعه وخصوصياته وعمومياته. ولذلك فإن السلسلة من أروع الكلم القرآنية المحكمة.
ويتبادر لنا من فحوى وروح الآيتين [ ٧٠ـ ٧١ ] ومجيئهما بعد الإنذار الرهيب الموجّه لكل من يشرك بالله ويزني ويقتل أنهما عامتا الخطاب لكل مشرك ومجرم. وأنهما أسلوب من أساليب الدعوة ودعامة لها حيث تؤذنان السامعين على اختلافهم أن الإيمان بالله والتوبة إليه يطهران فاعلهما من الأدران والخبائث ويوجهانه في طريق عباد الله الصالحين ويخلّقانه بأخلاقهم. وأن ما اقترفوه ليس مانعا لهم من الرجوع إلى الله والتوبة إليه حيث يجدونه غفورا رحيما وحيث تتبدل بسلوكه الجديد سيئاته بحسنات. وفي هذا ما فيه من روعة وقوّة تلقين.
ولقد شرحنا موضوع التوبة شرحا وافيا في سياق سورة البروج فنكتفي بهذه الإشارة في هذا المقام.
ولقد روى مسلم عن سعيد بن جبير قال :" قلت لابن عباس :ألمن قتل مؤمنا متعمدا من توبة ؟ قال :لا. فتلوتُ عليه آية الفرقان ﴿ إلا من تاب ﴾ فقال هذه آية مكيّة نسختها آية مدنية ﴿ ومن يقتل مؤمنا متعمدا ﴾ [ النساء :٩٣ ] الآية " ٣.
ولقد ذكرنا هذا وتوقفنا في التسليم به، وعلّقنا عليه في سياق شرح موضوع التوبة في سورة البروج بما يغني عن التكرار.
ولقد تعددت روايات المفسرين وأقوالهم في تأويل جملة ﴿ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ في الآية [ ٧٠ ] فهناك من قال إن معناها :" إن الذين يتوبون إلى الله ويؤمنون ويعملون العمل الصالح يكونون بذلك قد تبدّلت أعمالهم السيئة التي كانوا يمارسونها بالأعمال الحسنة التي صاروا يمارسونها، وأن الله يبدّلهم بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في الإسلام ". وهناك من قال :" إن معناها أن الله يمحو السيئات التي اقترفوها قبل الإيمان والتوبة ويثبت لهم بدلها حسنات ". وهناك من خرّج ذلك :" بأن التائب من الذنوب التي عملها قد قارن كل ذنب منها ندما عليه وكفّ نفسه عنه وعزم على ترك معاودته، وهذه حسنات بلا ريب وقد محت التوبة أثر الذنب وخلفه هذا الندم والعزم وهو حسنة، وبهذا تبدّلت السيئة بالحسنة " ٤ وكل من هذه الأقوال وجيه.

﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ [ ٧٧ ].
مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي :يعبأ بمعنى يهيئ أو يكترث. وقد أوّل بعض المفسرين الجملة بمعنى ( ما الذي يصنعه ربي لكم ويهيئه لكم بعد تكذيبكم ) وأوّلها بعضهم بمعنى ( لا يكترث ربي بكم ولا يبالي بعد تكذيبكم ).
لزاما :لازما لا بدّ منه. وأكثر المفسرين على أن جملة ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ٧٧ ﴾ بمعنى سوف يكون عذابكم واقعا ولازما لكم لا بدّ منه.
جاءت الآية خاتمة للسورة، والمتبادر من روحها ومضمونها أنها عود على بدء بسبيل إنذار الكفار وتقريعهم، وأنها ليست استمرارا للآيات السابقة لها مباشرة التي تضمنت وصف عباد الرحمان والثناء عليهم، فبعد أن انتهت تلك الآيات جاءت هذه الآية تلتفت إلى الكفار الذين كانوا موضوع الكلام السابق وتأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم :إن الله لم يكن ليعتدّ بكم ويهتم لأمركم لولا دعاؤكم، وبالرغم من ذلك فقد كذّبتم بما جاءكم فاستحققتم العذاب وصار لازما عليكم لا معدى لكم عنه.
تعليق على تعبير
﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾
وأكثر المفسرين أوّلوا جملة ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ بما يفيد أن الله تعالى ما كان ليكترث بكم ويهتم لأمركم لولا حرصه على دعوتكم إليه وإيمانكم به وعبادتكم له، وهو تأويل وجيه١. ومن المفسرين من أرجح ضمير المخاطب في ﴿ دُعَاؤُكُمْ ﴾ إلى عباد الرحمان وأرجع الضمائر الأخرى في الآية إلى الكفار وهو غريب٢.
ومما يتبادر لنا أن جملة ﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ هي بسبيل الإشارة إلى اعتراف المشركين بالله الخالق البارئ ربّ الأكوان ودعائهم إيّاه وحده حينما يصيبهم الضرّ مما حكته آيات عديدة مثل آية سورة الزخرف هذه : ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم ٩ ﴾ وآية الزخرف هذه : ﴿ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأني يؤفكون ٨٧ ﴾ وآيات سورة النحل هذه : ﴿ ومَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ٥٣ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ٥٤ ﴾ وآية سورة العنكبوت هذه : ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ ٦٥ ﴾ أو بسبيل الإشارة إلى ما كانوا يتمنونه على الله ويدعونه بإرسال نذير بكتاب عربي ليؤمنوا به ويسيروا على هواه مما حكته آية سورة فاطر هذه : ﴿ وأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَاءهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا ٤٢ ﴾ وآيات سورة الأنعام هذه : ﴿ وهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ واتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ١٥٥ أَن تَقُولُواْ إِنَّمَا أُنزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَآئِفَتَيْنِ مِن قَبْلِنَا وإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ ١٥٦ أَوْ تَقُولُواْ لَوْ أَنَّا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ٣ فَقَدْ جَاءكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وهُدًى ورَحْمَةٌ فمن أظلم مِمَّن كَذَّبَ بِآيَاتِ اللّهِ وصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يصدفون عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصْدِفُونَ ١٥٧ ﴾، وكون هذا وذاك هو الذي جعل الله سبحانه يعبأ بهم ويرسل إليهم رسولا وينزل عليه كتابا بلغتهم ليسيروا على هداه، وكأن الآية تقول لهم إنكم بعد أن كذّبتم بما جاءكم وتمرّدتم على الله وتصاممتم عن دعوته وناوأتم رسوله بعد أن تمنيتم ذلك وطلبتموه فقد صار العذاب لزاما عليكم، وكأنها تأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يقول لهم ذلك مشهدا عليهم أنفسهم مخلصا لهم الإعذار والإنذار.
ولما كانت الفصول السابقة التي حكت أقوال الكفار ومواقفهم وردّت عليهم مقرعة مكذّبة منذرة من جهة، ومبرهنة على ربوبية الله عزّ وجلّ واستحقاقه وحده للعبادة من جهة، ومثنية على الذين استجابوا للدعوة واصفة ما كان من أثر ذلك في أخلاقهم من جهة هي بمثابة فصول حجاجية بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين الكفار فتكون الآية قد جاءت إنهاء قويّا لهذه الفصول.
١ انظر تفسير الآيات في تفسير الطبري وابن كثير والبغوي والطبرسي والخازن..
٢ انظر تفسيرها في تفسير ابن كثير والزمخشري..
٣ لئلا تقولوا إننا لا نعرف لغة الكتب التي أُنزلت على الطائفتين ولم ندرسها وإنه لو أنُزل علينا كتاب بلغتنا لكنّا أهدى منهم حيث كانوا يرونهم في شقاق وخلاف وقتال شيعا وأحزابا..
السورة التالية
Icon