0:00
0:00

سورة الفرقان

بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم
عندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة :
المحور الأول :( القرآن ) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
المحور الثاني :( الرسالة ) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
المحور الثالث :( التوحيد ) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
المحور الرابع :( المعاد ) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،

ومن لطائف التفسير ما يلاحظ من أن فاتحة الفرقان التي نحن بصدد تفسيرها الآن جاء في غاية المناسبة لسورة النور في فاتحتها وخاتمتها معا، فكما قال تعالى في فاتحة سورة النور السابقة : ﴿ سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ﴾ وفي خاتمتها : ﴿ ألا إن لله ما في السموات والأرض ﴾ [ الآية :٦٤ ]. قال سبحانه في بداية سورة الفرقان : ﴿ بسم الله الرحمن الرحيم، تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا* الذي له ملك السماوات والأرض ﴾ [ الآية :١ ] وإنما سمى الله القرآن ( فرقانا ) لأنه يفرق بين الحلال والحرام، والحق والباطل، والهدى والضلال، والرشد والغي، أضف إلى ذلك أن نزول القرآن وضع حدا فاصلا للجاهلية الأولى التي كانت عليها البشرية، وفتح عهدا جديدا من الحضارة والمدنية، فهو فرقان بين عهدين لا يشبه أحدهما الآخر، وهذا هو المعنى المقصود من نذارة رسوله ونذارة كتابه للعالمين.
وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،
وكلمة ﴿ تبارك ﴾ في بداية الآية الأولى من هذه السورة مأخوذة من " البركة " التي هي الزيادة من كل خير، فهي تعبير عما لله من عظمة وجلال، وعطاء متواصل، وإنعام دائم على ممر العصور والأجيال، وقد تكرر ذكرها في هذه السورة وحدها ثلاث مرات، كما وردت فيما سبق عند قوله تعالى في سورة الأعراف : ﴿ ألا له الخلق والامر، تبارك اله رب العالمين ﴾ [ الآية :٥٤ ]، وقوله تعالى في سورة المومنون ﴿ ثم أنشأناه خلقا آخر، فتبارك الله أحسن الخالقين ﴾ [ الآية :١٤ ]، وسيأتي ذكرها مرات أخرى في سورة غافر [ الآية :٦٤ ]، وسورة الزخرف [ الآية :٨٥ ]، وسورة الرحمان [ الآية :٧٨ ]، وسورة الملك [ الآية :١ ]، ولا شك أن تنزيل القرآن، من أعظم البركات والخيرات التي أنعم الله بها على الإنسان.
وقوله تعالى على التوالي : ﴿ الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا ﴾ صريح في إثبات التوحيد، بما يتضمنه من ألوهية وربوبية، ومنافاة تامة للشرك والوثنية، وبديهي أن الإيمان بالوحي يستلزم الإيمان بجميع محتوياته، وفي طليعتها الإيمان بالمعاد، كما أن الاعتراف بقدرة الله البالغة، وبانفراده بالخلق والإبداع في النشأة الأولى، يستلزم الإيمان بقدرته على النشأة الثانية، إذ ليست أشق ولا أصعب من النشأة الأولى ﴿ وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ﴾ [ الروم :٢٧ ].
وقوله تعالى : ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديرا ﴾ إشارة إلى أنه ما من شيء خلقه في هذا الكون، كبر شأنه أو صغر، طال حجمه أو قصر، إلا وقد حددت الحكمة الإلهية شكله وحجمه، وطبيعته ووظيفته، والفائدة المترتبة على وجوده، والعلاقة التي تربطه بغيره من الكائنات، كل ذلك في نظام متناسق ثابت لا خلل فيه ولا اضطراب. وقال جارالله الزمخشري : " المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له، مثاله أنه خلق الإنسان على هذا الشكل المقدرالمسوى الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا، وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدره لأمر ما، ومصلحة ما، مطابقا لما قدره له، غير متجاف عنه.
ولنستعرض الآن ما ورد في هذا الربع من الآيات المتعلقة بالموضوعات الأربعة التي تناولتها سورة الفرقان.
ففي موضوع إنزال القرآن وإبطال الشبهات الموجهة ضد الوحي، جاء في هذا الربع قوله تعالى : ﴿ وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا ﴾
وقوله تعالى : ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوت والأرض ﴾ رد على الشاكين في الوحي الذي بهرتهم آياته البينات، بما تحتوي عليه من حقائق كونية، ومبادئ أخلاقية، وتشريعات مثالية، فلم تستطع عقولهم القاصرة لهذه الظاهرة القرآنية الفريدة من نوعها تحليلا ولا تفسيرا، وأوسعوها بجهلهم وعنادهم طعنا ونكيرا، ولو آمنوا بالله لأدركوا أنه لا أحد يستطيع أن يعرف سر الكون، بما فيه من جماد ونبات وحيوان وإنسان، وأرض وسماء، أكثر من خالقه ومولاه، ولا أحد يستطيع أن يصف سر الكون بأصدق وأبلغ مما يصفه به كتاب الله ﴿ ومن أصدق من الله قيلا ﴾ [ النساء :١٢٢ ] ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ [ الزمر :٢٣ ]، وهذا هو السر في كون كثير من الكشوف العلمية الحديثة التي ثبتت صحتها بعد مرور عدة قرون على إنزال الذكر الحكيم جاءت مطابقة لما في القرآن، غير مناقضة لما فيه من إشارة وبيان.
وفي موضوع إرسال الرسول وتزييف الشبهات الموجهة ضد الرسالة، جاء في هذا الربع قوله تعالى : ﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ﴾
وفي موضوع إثبات المعاد وقيام الساعة وما يكون عليه حال المصدقين والمكذبين والكافرين، جاء في هذا الربع قوله تعالى : ﴿ بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾، وكما أن راحة الجنة مقرونة بسعتها، فإن وحشة النار مقرونة بضيقها، و " الثبور " هو الويل والحسرة والخيبة
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١: وفي موضوع إثبات المعاد وقيام الساعة وما يكون عليه حال المصدقين والمكذبين والكافرين، جاء في هذا الربع قوله تعالى : ﴿ بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾، وكما أن راحة الجنة مقرونة بسعتها، فإن وحشة النار مقرونة بضيقها، و " الثبور " هو الويل والحسرة والخيبة
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١: وفي موضوع إثبات المعاد وقيام الساعة وما يكون عليه حال المصدقين والمكذبين والكافرين، جاء في هذا الربع قوله تعالى : ﴿ بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾، وكما أن راحة الجنة مقرونة بسعتها، فإن وحشة النار مقرونة بضيقها، و " الثبور " هو الويل والحسرة والخيبة

وكما أن راحة الجنة مقرونة بسعتها، فإن وحشة النار مقرونة بضيقها، و " الثبور " هو الويل والحسرة والخيبة
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١: وفي موضوع إثبات المعاد وقيام الساعة وما يكون عليه حال المصدقين والمكذبين والكافرين، جاء في هذا الربع قوله تعالى : ﴿ بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا * إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا * وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا * لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً ﴾، وكما أن راحة الجنة مقرونة بسعتها، فإن وحشة النار مقرونة بضيقها، و " الثبور " هو الويل والحسرة والخيبة
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾
وفي موضوع التوحيد وتزييف الشرك والوثنية، جاء في هذا الربع قوله تعالى : ﴿ واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ﴾ وقوله تعالى : ﴿ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا * فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾
وفي موضوع التوحيد وتزييف الشرك والوثنية، جاء في هذا الربع قوله تعالى : ﴿ واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ﴾ وقوله تعالى : ﴿ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا * فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ﴾.


﴿ قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْماً بُوراً ﴾
وقوله تعالى حكاية على لسان المشركين يوم القيامة : ﴿ ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا ﴾ يتضمن الاعتراف بأن ما أنعم الله به عليهم وعلى آباءهم من النعم المتواصلة، لم يثمر الشكر والإيمان، وإنما ساعدهم على الغرور والغفلة والنسيان، وأغراهم بالكفر والعصيان، ولما استمروا لذكر الله ناسين وعنه غافلين، أبادهم وكانوا من الهالكين.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧: ﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾
وفي موضوع التوحيد وتزييف الشرك والوثنية، جاء في هذا الربع قوله تعالى : ﴿ واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ﴾ وقوله تعالى : ﴿ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل * قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا * فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا ﴾.

وقوله تعالى في ختام هذا الربع : ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ تقرير لحقيقة طبيعية وبشرية اقتضتها حكمة الله في الكون، ألا وهي أن الناس بحكم ما رزقهم الله من حرية الاختيار، إذ جعلهم مخيرين غير مسيرين، لا بد أن تتباعد اتجاهاتهم، وتتضارب اختياراتهم، فيوجد فيهم الضال والمهتدي، والمومن والكافر، والشقي والسعيد، الأمر الذي ينشأ عنه ابتلاء المرسلين بمن أرسلوا إليهم، وابتلاء الدعاة إلى الحق بالدعاة إلى الباطل في كل عصر وجيل، لكن الله تعالى حض حملة رسالاته الإلهية، وورثتهم من بعدهم في الأجيال الآتية، على التزام الصبر والمثابرة في مغالبة المبطلين، ومكافحة المضلين، فالنصر معقود بنواصيهم إلى يوم الدين، لأنم موضع رعاية الله وعنايته في كل حين، وإلى ذلك يشير قوله تعالى : ﴿ أتصبرون ﴾ وهذا الاستفهام في معنى الأمر، أي اصبروا وصابروا ﴿ وكان ربك بصيرا ﴾ على غرار قوله تعالى في آية ثانية : ﴿ واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا ﴾ [ الطور :٤٨ ]، وقوله تعالى في آية ثالثة : ﴿ ولتسمعن من الدين أوتوا الكتب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وأن تصبروا وتقوا فإن ذلك من عزم الأمور ﴾ [ آل عمران :١٨٦ ]، وقوله تعالى في آية رابعة : ﴿ كتب الله لأغلبن أنا ورسلي، إن الله قوي عزيز ﴾ [ المجادلة :٢١ ].
الربع الأول من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم.
منذ نبتت نابتة سوء من أولياء الشيطان، وأعلنوا حرب التزييف والتشويه والطعن على أولياء الرحمان، وهم يدورون في حلقة مفرغة، يرددون طبقة بعد طبقة، نفس القول المتهافت المبتذل، من كل هراء، وسلاحهم الوحيد هو سلاح العناد والجدال والمراء، ولذلك نجد كتاب الله يلاحقهم بقوارعه في كل جيل، ويسلط الأضواء الكاشفة على ما هم متصفون به من سفه وتدجيل. وقد تصدى كتاب الله في هذا الربع للكشف عن تُرّهاتهم وإبطال شبهاتهم، وحكاية مزاعمهم التي لا تستند إلى أساس، وتحدياتهم التي بلغت الغاية في الإسفاف والإفلاس.
ومن هذه المزاعم والتحديات ما حكاه عنهم كتاب الله تعبيرا عن كفرهم بلقاء الله وشكهم في البعث والنشور، إذ قال تعالى : ﴿ وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ﴾ ثم أتبع كتاب الله تحديهم ببيان الحافز عليه، والمصير المفجع الذي يؤدي إليه، فقال تعالى : ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا ﴾.
وبعد أن ألقينا نظرة عامة على ما في هذا الربع من المعاني والموضوعات، لا بد لنا من أن نقف وقفة خاصة عند بعض ما جاء فيه من الآيات، تنويرا للأذهان، وزيادة في البيان.
فقوله تعالى : ﴿ يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين، ويقولون حجرا، محجورا ﴾ هو رد على تحدي الكافرين الذين لا يؤمنون بيوم الدين، وجواب على قولهم، مقترحين رؤية الملائكة ورؤية ربهم : ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا ﴾ فبين الحق سبحانه وتعالى أن الذي سألوه من رؤية الملائكة سيحقق في الوقت المقدر له، وذلك يوم الممات ويوم المعاد، لكنهم سيلقون منهم ما يكرهون، وسيفاجأون بما لم يكونوا يتوقعون، وسيندمون بالغ الندم على رغبتهم في رؤيا الملائكة، إذ لا يخبرونهم عند رؤيتهم إلا بالخيبة والخسران، لا بالبشرى والرضوان، وسيعلنون إليهم أنهم " عن ربهم محجوبون " لأنهم أجرموا في حق الله، وأعلنوا الحرب على الله، حتى أصبح الإجرام صفة لاصقة بهم، وعنوانا عليهم.
ومما يطابق معنى هذه الآية ويزيدها وضوحا قوله تعالى فيما سبق من سورة الأنعام : ﴿ ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم، اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون ﴾ [ الآية :٩٣ ].
وعلى العكس من هذا الموقف موقف الملائكة من المؤمنين المتقين، فقد قال تعالى في شأنهم مبشرا لهم بالنعيم والرضوان في سورة فصلت : ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون، نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون، نزلا من غفور رحيم ﴾ [ ٣٠٣٢ ].
ووصف كتاب الله ما سيؤول إليه يوم القيامة مصير هؤلاء المجرمين الظالمين من خصوم الرسالات الإلهية، مقارنا مصيرهم بمصير المتقين المومنين من اتباع الرسل الصادقين، فقال تعالى في شأن المجرمين الأشقياء : ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ﴾ إشارة إلى أن روح الأعمال كلها هو الإيمان بالله، والسعي في مرضاة الله، فمتى كان الإنسان فاقدا لهذين الشرطين كانت أعماله كالجسم بدون روح، لا عبرة بها، ولا قيمة لها، ولا ثواب عليها، وإن كانت في الظاهر من محاسن الأعمال، ومكارم الخلال، اللهم إلا إذا انتقل صاحبها من الكفر إلى الإيمان، ومن النفاق إلى الإخلاص، فإن الله يثيبه على ما عمل من أعمال سالفة تدخل في عداد الحسنات، ويتوب عليه فيما عمل من أعمال سابقة تندرج في عداد السيئات. و " الهباء المنثور " ما يتراءى للعين كالغبار الخارج من النافذة مع ضوء الشمس، متى حركته الريح تناثر وذهب كل مذهب، بحيث لا يمكن القبض عليه. ونظيره خيبة الكفار فيما عملوه وأملوه، قوله تعالى في آية ثانية : ﴿ كسراب بقيعة ﴾ [ النور :٣٩ ]، وقوله تعالى في آية ثالثة : ﴿ كرماد اشتدّت به الرياح ﴾ [ إبراهيم :١٨ ]، وقوله تعالى في آية رابعة :
﴿ فجعلهم كعصف مأكول ﴾ [ الفيل :٥ ]، وفي نفس الموضوع سبق قوله تعالى في سورة الكهف : ﴿ قل هل نُنَبّئُُكم بالأخسَرين أعمالاً، الذين ضلّ سعيُهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يُحسِنون صُنعاً ﴾ [ ١٠٣ ١٠٤ ].
وقال تعالى في شأن المومنين الأتقياء : ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ﴾.
وقال تعالى في نفس السياق : ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا ﴾
﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن ﴾، وعقب كتاب الله على ذلك بآية كلها إنذار ووعيد، فقال تعالى : ﴿ وكان يوما على الكافرين عسيرا ﴾.
وبين كتاب الله أن الشأن في خصوم الرسالات والرسل أن لا يستيقظوا من غفلتهم، ولا يقوموا من عثرتهم، إلا بعد فوات الوقت وضياع الفرصة، فيندمون ولات حين مندم، معترفين في نفس الوقت بأنهم وقعوا في شرك الضلال على أيدي الضالين المضلين، من أخلائهم وأصدقائهم في الدنيا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧: وبين كتاب الله أن الشأن في خصوم الرسالات والرسل أن لا يستيقظوا من غفلتهم، ولا يقوموا من عثرتهم، إلا بعد فوات الوقت وضياع الفرصة، فيندمون ولات حين مندم، معترفين في نفس الوقت بأنهم وقعوا في شرك الضلال على أيدي الضالين المضلين، من أخلائهم وأصدقائهم في الدنيا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧: وبين كتاب الله أن الشأن في خصوم الرسالات والرسل أن لا يستيقظوا من غفلتهم، ولا يقوموا من عثرتهم، إلا بعد فوات الوقت وضياع الفرصة، فيندمون ولات حين مندم، معترفين في نفس الوقت بأنهم وقعوا في شرك الضلال على أيدي الضالين المضلين، من أخلائهم وأصدقائهم في الدنيا، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى : ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا ﴾.
وحذر كتاب الله أمة الإجابة أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم من إهمال كتاب الله، وتجاهل ما تضمنه من عقائد وشرائع وتعاليم أخلاقية، وتوجيهات كونية، مؤكدا أن خاتم الأنبياء والمرسلين سيشكو أمته إلى ربه، شكوى لوم ومؤاخذة وتقريع، على هجرها للقرآن، وتمسكها بعقائد غير مطابقة لعقائده، وحكمها بشرائع مناقضة لشرائعه، وأخذها في حياتها بسلوك منحرف دخيل لا يتفق مع مبادئه. وبديهي أن الله تعالى الذي اصطفى لرسالته محمدا من بين خلقه لا يهمل شكوى خاتم أنبيائه ورسله، وسيؤاخذ الذين هجروا الذكر الحكيم في الدنيا والآخرة، وهذه الشكوى الصارخة هي التي تضمنها قوله تعالى هنا : ﴿ وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا ﴾. و " قومه " صلى الله عليه وسلم يشمل أمته كلها من البداية إلى النهاية، سواء من عاصر الرسالة ومن جاء بعدها إلى يوم الدين.
أما عقاب من عامل كتاب الله بالهجران والنسيان، فقد جاء صريحا واضحا في قوله تعالى : ﴿ ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى ﴾. [ طه :١٢٤ ١٢٧ ].
ومواساة من الله لرسوله حتى لا يلحقه فتور أو كسل، أو قنوط أو ملل، نبه كتاب الله إلى حقيقة تاريخية وإنسانية واجهها كافة الأنبياء والرسل، أثناء قيامهم بهداية الخلق، وحرصهم على تبليغ ما تلقوه عن الله من دين الحق، فقال تعالى : ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ﴾ ويلحق بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام، في معاناة إصلاح الخلق وهدايتهم ورثتهم من بعدهم، الذين درجوا على سيرتهم. وواضح أن ما جرى على المثل يجري على المماثل، فخاتم الأنبياء والمرسلين، بالرغم مما يتمتع به من المقام المحمود عند ربه، لم يستثن من هذه القاعدة التي هي على عزيمة " أولي العزم " من الرسل وصدقهم شاهدة.
وقوله تعالى : ﴿ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ﴾ يتضمن شقه الأول الإشارة إلى إحدى الشبهات السخيفة التي يوجهها الكافرون والمكذبون، للطعن في القرآن والتشكيك في كونه من عند الله، وهذه الشبهة هي :لماذا نزل القرآن مفرقا، ولم ينزل دفعة واحدة ؟ كما يضمن شقه الثاني إبطال تلك الشبهة وتزييفها، وذلك بإبراز الحكم الإلهية في نزول القرآن منجما مفرقا على فترات متلاحقة :
والحكمة في نزوله مفرقا على تلك الصفة حسبما نصت عليه هذه الآية تتعلق بالرسول مباشرة، وهي تثبيت محتوى آيات القرآن لفظا ومعنى في قلب الرسول، ومساعدته على تلقيه وقراءته بترسل وتمهل وتؤدة، تيسيرا لحفظه أولا، وتمهيدا لتلقينه لأمته ثانيا حسبما أنزل عليه، آية بعد آية، ووقفة بعد وقفة، ويزيد هذا المعنى توضيحا قوله تعالى في سورة القيامة : ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه ﴾، [ ١٦ ١٩ ]، وقوله تعالى في سورة طه : ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ [ الآية :١١٤ ]، وهذا المنهج الإلهي الحكيم في التلقي والتلقين هو المنهج الوحيد الذي يتفق مع ما جاء في خطاب الله لنبيه، واصفا حالته التي كان عليا عند تلقي الرسالة، إذ قال تعالى في سورة الشورى : ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ [ الآية :٥٢ ]. قال القاضي عبد الجبار : " فلو أنزل عليه جملة واحدة لكان مخالفا للحكمة ".
وهناك حكمة أخرى من وراء نزول القرآن منجما مفرقا على فترات متلاحقة، ألا وهي تثبيت الرسول حينا بعد حين، وبشكل متلاحق دون انقطاع، على تبليغ دين الحق، والمجاهدة بقول الحق في مواجهة خصوم الرسالة الماكرين، الذين طالما حاولوا فتنة الرسول، واستعملوا كل الوسائل المادية والأدبية للضغط عليه وصرفه عن رسالته، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في سورة المائدة : ﴿ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ﴾ [ الآية :٤٩ ]، وقوله تعالى في سورة الإسراء : ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ﴾ [ الآية :٧٤ ]، لكن الله عصمه من كيدهم ومكرهم، إذ كلما تجدد اتصال الرسول بالوحي في المواقف الحرجة ازداد قلبه قوة، وتضاعفت ثقته بعناية الله ورعايته، وأحس بمدد إلهي جديد يعينه على المزيد من الصبر والثبات، وتخطي العقبات.
وقد تحدث كتاب الله في آية أخرى عن حكمة دقيقة من حكم تنجيم القرآن ونزوله مفرقا، وذلك بالنسبة للمرسل إليهم، وهذه الحكمة سبقت الإشارة إليها عند قوله تعالى في سورة الإسراء : ﴿ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ﴾، ذلك أن الإنسانية الضالة التي أراد الله ان يخرجها من الظلمات إلى النور لا يمكن ان تقفز من حضيض الجهالة الجهلاء، إلى أعلى درجة في السمو والارتقاء، بين عشية وضحاها، إذ لا بد لتحولها عما كانت عليه، وتطورها إلى ما يجب أن تؤول إليه، من وقت كاف تستوعب فيه يوما بعد يوم، ما جاء به القرآن الكريم من عقيدة وشريعة وأخلاق، فقوله تعالى في خطابه لنبيه في سورة الإسراء : ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ يفيد ان حكمة الله اقتضت أن يكون تبليغ القرآن إلى الناس على مهل، تدريجيا ودون عجلة، حتى يحفظوه ويعوه، ويرتاضوا به ويتبعوه، ويسايروه في حياتهم خطوة خطوة.
وقوله تعالى في نفس السياق : ﴿ ونزلناه تنزيلا ﴾ يشير إلى أن حكمة الله اقتضت أن يكون تنزيل القرآن على فترات، ليواجه ما يتجدد في حياة الناس من حوادث ومسائل وشبهات، إذ لا يخفى على أحد ما تزخر به الحياة اليومية في مثل هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة من إلقاء أسئلة محرجة تحتاج إلى الأجوبة الشافية، ومن وقوع حوادث معقدة تتوقف على الحلول الكافية، فتنزل آيات القرآن مفرقة تبعا لذلك في الوقت المناسب بما هو مناسب، تثبيتا لفؤاد الرسول والمرسل إليهم، وتأنيسا له ولهم في آن واحد، الأمر الذي يكون أوقع في النفوس، لما فيه من تجاوب ملموس، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في هذا الربع ﴿ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ﴾.
ومجمل القول أن نزول القرآن منجما ومفرقا كان هو الطريق المضمون لتلقي الرسول رسالة ربه على أكمل وجه، ولتلقينه المرسل إليهم آيات الذكر الحكيم، وتكاليف دينهم القويم، وبذلك امتزجت روح الإسلام بنفوس الأفراد والجماعات، وقام على أنقاض المجتمع الجاهلي مجتمع إسلامي الطابع، يعتبر هو المثل الأعلى والقدوة الصالحة، لما ينشأ على غراره من المجتمعات.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٢: وقوله تعالى : ﴿ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا ﴾ يتضمن شقه الأول الإشارة إلى إحدى الشبهات السخيفة التي يوجهها الكافرون والمكذبون، للطعن في القرآن والتشكيك في كونه من عند الله، وهذه الشبهة هي :لماذا نزل القرآن مفرقا، ولم ينزل دفعة واحدة ؟ كما يضمن شقه الثاني إبطال تلك الشبهة وتزييفها، وذلك بإبراز الحكم الإلهية في نزول القرآن منجما مفرقا على فترات متلاحقة :
والحكمة في نزوله مفرقا على تلك الصفة حسبما نصت عليه هذه الآية تتعلق بالرسول مباشرة، وهي تثبيت محتوى آيات القرآن لفظا ومعنى في قلب الرسول، ومساعدته على تلقيه وقراءته بترسل وتمهل وتؤدة، تيسيرا لحفظه أولا، وتمهيدا لتلقينه لأمته ثانيا حسبما أنزل عليه، آية بعد آية، ووقفة بعد وقفة، ويزيد هذا المعنى توضيحا قوله تعالى في سورة القيامة : ﴿ لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم إن علينا بيانه ﴾، [ ١٦ ١٩ ]، وقوله تعالى في سورة طه : ﴿ ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ﴾ [ الآية :١١٤ ]، وهذا المنهج الإلهي الحكيم في التلقي والتلقين هو المنهج الوحيد الذي يتفق مع ما جاء في خطاب الله لنبيه، واصفا حالته التي كان عليا عند تلقي الرسالة، إذ قال تعالى في سورة الشورى : ﴿ وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا، ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ﴾ [ الآية :٥٢ ]. قال القاضي عبد الجبار :" فلو أنزل عليه جملة واحدة لكان مخالفا للحكمة ".
وهناك حكمة أخرى من وراء نزول القرآن منجما مفرقا على فترات متلاحقة، ألا وهي تثبيت الرسول حينا بعد حين، وبشكل متلاحق دون انقطاع، على تبليغ دين الحق، والمجاهدة بقول الحق في مواجهة خصوم الرسالة الماكرين، الذين طالما حاولوا فتنة الرسول، واستعملوا كل الوسائل المادية والأدبية للضغط عليه وصرفه عن رسالته، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في سورة المائدة : ﴿ واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ﴾ [ الآية :٤٩ ]، وقوله تعالى في سورة الإسراء : ﴿ ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ﴾ [ الآية :٧٤ ]، لكن الله عصمه من كيدهم ومكرهم، إذ كلما تجدد اتصال الرسول بالوحي في المواقف الحرجة ازداد قلبه قوة، وتضاعفت ثقته بعناية الله ورعايته، وأحس بمدد إلهي جديد يعينه على المزيد من الصبر والثبات، وتخطي العقبات.
وقد تحدث كتاب الله في آية أخرى عن حكمة دقيقة من حكم تنجيم القرآن ونزوله مفرقا، وذلك بالنسبة للمرسل إليهم، وهذه الحكمة سبقت الإشارة إليها عند قوله تعالى في سورة الإسراء : ﴿ وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ﴾، ذلك أن الإنسانية الضالة التي أراد الله ان يخرجها من الظلمات إلى النور لا يمكن ان تقفز من حضيض الجهالة الجهلاء، إلى أعلى درجة في السمو والارتقاء، بين عشية وضحاها، إذ لا بد لتحولها عما كانت عليه، وتطورها إلى ما يجب أن تؤول إليه، من وقت كاف تستوعب فيه يوما بعد يوم، ما جاء به القرآن الكريم من عقيدة وشريعة وأخلاق، فقوله تعالى في خطابه لنبيه في سورة الإسراء : ﴿ لتقرأه على الناس على مكث ﴾ يفيد ان حكمة الله اقتضت أن يكون تبليغ القرآن إلى الناس على مهل، تدريجيا ودون عجلة، حتى يحفظوه ويعوه، ويرتاضوا به ويتبعوه، ويسايروه في حياتهم خطوة خطوة.
وقوله تعالى في نفس السياق : ﴿ ونزلناه تنزيلا ﴾ يشير إلى أن حكمة الله اقتضت أن يكون تنزيل القرآن على فترات، ليواجه ما يتجدد في حياة الناس من حوادث ومسائل وشبهات، إذ لا يخفى على أحد ما تزخر به الحياة اليومية في مثل هذه المرحلة الانتقالية الدقيقة من إلقاء أسئلة محرجة تحتاج إلى الأجوبة الشافية، ومن وقوع حوادث معقدة تتوقف على الحلول الكافية، فتنزل آيات القرآن مفرقة تبعا لذلك في الوقت المناسب بما هو مناسب، تثبيتا لفؤاد الرسول والمرسل إليهم، وتأنيسا له ولهم في آن واحد، الأمر الذي يكون أوقع في النفوس، لما فيه من تجاوب ملموس، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في هذا الربع ﴿ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا ﴾.
ومجمل القول أن نزول القرآن منجما ومفرقا كان هو الطريق المضمون لتلقي الرسول رسالة ربه على أكمل وجه، ولتلقينه المرسل إليهم آيات الذكر الحكيم، وتكاليف دينهم القويم، وبذلك امتزجت روح الإسلام بنفوس الأفراد والجماعات، وقام على أنقاض المجتمع الجاهلي مجتمع إسلامي الطابع، يعتبر هو المثل الأعلى والقدوة الصالحة، لما ينشأ على غراره من المجتمعات.

وكمثال لما تعرض له الأنبياء والرسل من أقوامهم، ومثال لما أصاب أولئك الأقوام من العذاب جزاء إصرارهم على تكذيب رسلهم، والتنقيص من مقامهم، جدد كتاب الله في هذا الربع الحديث عن قصة فرعون وقومه مع موسى، وقصة قوم نوح مع نوح، وقصة عاد مع هود، وقصة صالح مع ثمود، وقصة أصحاب الرس مع نبيهم، فقال تعالى : ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا * فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا * وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما* وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥: وكمثال لما تعرض له الأنبياء والرسل من أقوامهم، ومثال لما أصاب أولئك الأقوام من العذاب جزاء إصرارهم على تكذيب رسلهم، والتنقيص من مقامهم، جدد كتاب الله في هذا الربع الحديث عن قصة فرعون وقومه مع موسى، وقصة قوم نوح مع نوح، وقصة عاد مع هود، وقصة صالح مع ثمود، وقصة أصحاب الرس مع نبيهم، فقال تعالى : ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا * فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا * وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما* وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥: وكمثال لما تعرض له الأنبياء والرسل من أقوامهم، ومثال لما أصاب أولئك الأقوام من العذاب جزاء إصرارهم على تكذيب رسلهم، والتنقيص من مقامهم، جدد كتاب الله في هذا الربع الحديث عن قصة فرعون وقومه مع موسى، وقصة قوم نوح مع نوح، وقصة عاد مع هود، وقصة صالح مع ثمود، وقصة أصحاب الرس مع نبيهم، فقال تعالى : ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا * فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا * وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما* وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥: وكمثال لما تعرض له الأنبياء والرسل من أقوامهم، ومثال لما أصاب أولئك الأقوام من العذاب جزاء إصرارهم على تكذيب رسلهم، والتنقيص من مقامهم، جدد كتاب الله في هذا الربع الحديث عن قصة فرعون وقومه مع موسى، وقصة قوم نوح مع نوح، وقصة عاد مع هود، وقصة صالح مع ثمود، وقصة أصحاب الرس مع نبيهم، فقال تعالى : ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا * فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا * وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما* وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا ﴾.

﴿ وأصحاب الرس ﴾ ورد ذكرهم للمرة الأولى هنا في هذه السورة، وذكروا للمرة الثانية والأخيرة في سورة ( ق ) عند قوله تعالى : ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح وأصحاب الرس وثمود ﴾ [ الآية :١٢ ]، يقال رس البئر يرسها إذا حفرها، ورس الميت إذا دفنه وغيبه في الحفرة، و " الرس " هو كل حفر احتفر كالقبر والبئر والمعدن، وقد اختلفت الروايات في المراد " بأصحاب الرس " من هم، ومن هو نبيهم، وفي أي بلد كانوا ؟. ورجح ابن جرير الطبري أنهم هم " أصحاب الأخدود " الذين ورد ذكرهم في سورة البروج في قوله تعالى : ﴿ قتل أصحاب الأخدود، النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود، وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود ﴾ [ ٤ ٧ ]. ولعله استند في ترجيحه إلى ما بين كلمة " الرس " وكلمة " الأخدود " من تناسب في المعنى، إذ " الأخدود " هو الحفرة المستطيلة، ويذكر ياقوت الحموي في معجمه أن " الرس " كانت آبارا لبني أسد، وأنها تقع في أعالي القصيم، وأكدت بعض الأبحاث الحديثة أن القصيم توجد فيه عدة مدن، من بينها " مدينة الرس " التي فيها معالم تاريخية مشهورة قائمة حتى الآن، على رأسها " وادي عاقل " الذي كانت تقطن فيه قبيلة بني أسد، وترعى في رياضه أغنامها وإبلها، وتوجد بجوار " مدينة الرس " عدة قصور ومزارع، وبذلك يصبح المكان الذي ينسب إليه " أصحاب الرس " معروفا من الناحية الجغرافية، وأنه واقع في الجزيرة العربية المترامية الأطراف.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥: وكمثال لما تعرض له الأنبياء والرسل من أقوامهم، ومثال لما أصاب أولئك الأقوام من العذاب جزاء إصرارهم على تكذيب رسلهم، والتنقيص من مقامهم، جدد كتاب الله في هذا الربع الحديث عن قصة فرعون وقومه مع موسى، وقصة قوم نوح مع نوح، وقصة عاد مع هود، وقصة صالح مع ثمود، وقصة أصحاب الرس مع نبيهم، فقال تعالى : ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا * فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا * وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما* وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا * وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا ﴾.

ولفظ " التتبير " الوارد في الآية ﴿ وكلا تبرنا تتبيرا ﴾ يعني التفتيت والتكسير، تصويرا لهول ما نالهم من الإبادة والتدمير، والشر المستطير.
واستغرب كتاب الله موقف مشركي قريش الذين كانوا يسمعون عن مصارع بعض هؤلاء الأقوام، ولا سيما قوم لوط، حيث كان أولئك المشركون يمرون على مساكنهم الخالية في طريقهم إلى الشام، ثم لا يعتبرون بما أصابهم من الهلاك والتدمير، ولا يعيرون أي التفات لعاقبة الانحراف وسوء التدبير، فقال تعالى محذرا لهم ومذكرا : ﴿ ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا ﴾. والإشارة هنا بمطر السوء، إلى ما أصاب قوم لوط، عندما رجموا بالحجارة من فوق رؤوسهم، فكان ذلك كالمطر النازل من السماء، لكنه مطر سوء ونقمة، لا مطر خير ونعمة، لما رافقه من العذاب الأليم، والسخط العميم، وقوله تعالى : ﴿ لا يرجون نشورا ﴾ أي لا يؤمنون بالبعث، ولا يتوقعون حشرا ولا نشرا.
ومن مزاعمهم وتحدياتهم ما وصفه كتاب الله من استهزائهم بالرسالة والرسول، تعبيرا عن رأيهم الفاسد ومنطقهم الأعوج، إذ قال تعالى : ﴿ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا ﴾
﴿ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها ﴾، ثم عقب كتاب الله على موقفهم السخيف قائلا : ﴿ وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ﴾.
وفي ختام هذا الربع نطق كتاب الله بما يهدئ روع الرسول، ويحدد مسؤوليته تجاه المرسل إليهم، مبينا أن هذه المسؤولية تقف عند حدود التبليغ والبيان، ولا تتجاوزهما إلى انتزاع الإذعان والإيمان، ومنبها إلى أن السر في إصرار الضالين على ضلالهم وعدم إيمانهم بآيات الله البينات، هو اتباعهم الأعمى لأهوائهم، وكونهم لم يحسنوا الانتفاع بما رزقهم الله من حواس وملكات، فقال تعالى مخاطبا لرسوله الأمين : ﴿ أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا ﴾ أي ليست حافظا تحفظه من اتباع هواه
سورة الفرقان


بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم
عندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة :
المحور الأول :( القرآن ) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
المحور الثاني :( الرسالة ) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
المحور الثالث :( التوحيد ) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
المحور الرابع :( المعاد ) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،
الربع الثاني من الحزب السابع والثلاثين في المصحف الكريم
في بداية هذا الربع وجه كتاب الله الخطاب إلى كل إنسان عنده نصيب من الوعي وحظ من التأمل، لينظر إلى ما حوله من ظواهر طبيعية، ونواميس كونية، يزخر بها الكون، نظرة تدبر واعتبار، إذ بالتعرف عليها، والتأمل فيها، والتعمق في بحثها، يهتدي إلى ما تحتوي عليه من المنافع والحكم والأسرار، فينتفع بها في حياته اليومية خير انتفاع، وتكون له خير حافز على الاختراع والإبداع، ويصل في نهاية المطاف عن طريقها العقلي المضمون، إلى معرفة خالق الكون الذي طبع الطبيعة، وشرع الشريعة، فيقدر الله حق قدره، ويهتدي بهديه ويأتمر بأمره، فقال تعالى : ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ﴾
فقوله تعالى : ﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ﴾ يتضمن دعوة كل إنسان إلى ملاحظة ظاهرة طبيعية تبرز عند كل مطلع شمس، لتستفيد من وجودها جميع الكائنات الحية، الموجودة على سطع الأرض، وفي طليعتها الإنسان نفسه الذي لا يستطيع الحياة في راحة وهناء إذا فقدها بالمرة، ألا وهي ظاهرة " الظل " الذي يلاحق ضوء الشمس، " والذي ترخيه الأشياء بجوارها وعلى جوانبها ممتدا أو منقبضا، يتحرك إذا تحركت، ويسكن إذا سكنت، ولكن لا يسمع الناس له همسا، ولا يلقون إليه بالا " فبالرغم من أن طاقة الشمس لا يصل منها إلى الأرض إلا ما يقارب جزءين اثنين من بليون جزء من طاقتها الكلية، نجد الإنسان فضلا عن النبات وبقية الأحياء لا يتحمل تعريض جسمه طيلة النهار لهذا القدر الضئيل من طاقتها باستمرار، وكما أن الإنسان يكره بطبعه الظلمة الخالصة وينفر منها، فإنه لا يحب الضوء الخالص الذي يسطع بقوة فيبهر البصر، والذي يرهق الجسم فيضعفه ويؤذيه بحرارته الزائدة، بل يفضل الظل عليهما معا، لأنه بالنسبة لطبيعته وتكوينه أطيب الأحوال، ولذلك جعله الحق سبحانه وتعالى معدودا في جملة النعم التي سيكرم بها أصحاب اليمين في دار النعيم، إذ قال : ﴿ وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين، في سدر مخضود، وطلح منضود، وظل ممدود ﴾ [ الواقعة :٢٧، ٢٨، ٢٩، ٣٠ ] وقال : ﴿ لهم فيها أزواج مطهرة، وندخلهم ظلا ظليلا ﴾ [ النساء :٥٧ ]، وحرم المكذبين بيوم الدين من هذه النعمة الكبرى، فقال تعالى في شأنهم : ﴿ انطلقوا إلى ما كنم به تكذبون، انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب، لا ظليل ولا يغني من اللهب ﴾ [ المرسلات :٢٩، ٣٠، ٣١ ]، ومعنى قوله : ﴿ لا ظليل ﴾ أي لا يفيد فائدة الظل في كونه واقيا من الحر، وقال تعالى : ﴿ وما يستوي الأعمى والبصيرة، ولا الظلمات ولا النور، ولا الظل ولا الحرور ﴾ [ فاطر :١٩، ٢١ ]. وعلى غرار الإنسان الذي يميل إلى الطقس المعتدل، ويفضل الظل الذي يلطف الحرارة نجد النباتات والحيوانات، بل حتى الحشرات، تبحث بدورها عن الظل، وتفضل الحياة في كنفه، وذلك لتنعم بحرارة مقبولة يمكنها أن تتحملها وتساعدها على البقاء. ونظرا لكون الظل من أهم العوامل الملطفة للجو، استعمله العرب في لغتهم كناية عن معنى " الراحة " فقالوا " السلطان ظل الله في الأرض "، قاصدين بذلك أن الشأن في السلطان أن يدفع الأذى عن الناس ويرعى مصالحهم، كما يدفع الظل عنهم أذى حر الشمس ويلائم مصالحهم.
وقوله تعالى : ﴿ ولو شاء لجعله ساكنا ﴾ توكيد لامتنان الله على خلقه بنعمة الظل، فوجود الظل من أصله إلى جانب الشمس نعمة كبرى، وحركة الظل التي ترافق الشعاع الفائض من الشمس نعمة أخرى، ولولا رعاية الخالق الحكيم لمصالح عباده ورحمته بهم لما أوجد الظل أصلا، فبرزت الكائنات الحية لأشعة الشمس وجها لوجه وهلكت، أو لجعل الظل بعد وجوده دائما لا يتحول، وساكنا لا يتحرك، ففقدت الكائنات الحية ولا سيما النبات الذي هو قوام حياة الإنسان والحيوان منافع الطاقة الشمسية التي تغذيها بالقوة والنماء، إذ بواسطة إشعاع الشمس وانبساط الظل تتمكن من مواصلة حياتها الطبيعية دون تعب ولا عناء.
وقوله تعالى : ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ﴾ إشارة إلى حقيقة طبيعية أخرى هي أن الظل يلاحق أشعة الشمس، وأشعة الشمس تلاحق الظل، فهما متلازمان ومتعاقبان، بحيث كلما ازداد أحدهما نقص الآخر، وإن كانا متعاكسين، كل منهما يسير في اتجاه مغاير للثاني، حتى إذا ما غربت الشمس شرق الظل، وإذا شرقت غرب، فلولا الشمس لما عرف الظل، كما أنه لولا الظلمة لما عرف النور، وبهذا كانت الشمس دليلا على الظل بالتضاد لا بالاتفاق. ونظرا لما بين الظل وشعاع الشمس من رابطة قوية لا تنفصم، فقد انتفع الإنسان بهذه الظاهرة الطبيعية التي تتكرر بانتظام في تنظيم حياته اليومية، فقاس الزمن، وعين ساعات النهار، تبعا للظل الممدود الذي تحدثه أشعة الشمس على الأرض، وعن هذا الطريق اهتدى المسلمون إلى ابتكار ( علم التوقيت )، للتعرف على مواقيت الصلاة، وتعيين الوقت الشرعي لأدائها، بواسطة المزاول الشمسية، التي برعوا في صنعها كل البراعة.
سورة الفرقان


بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم
عندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة :
المحور الأول :( القرآن ) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
المحور الثاني :( الرسالة ) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
المحور الثالث :( التوحيد ) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
المحور الرابع :( المعاد ) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،
وقوله تعالى : ﴿ ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ﴾ إشارة إلى ان الظل لا يظل على حالة واحدة من الانبساط والامتداد، بل يعتريه التقلص والانقباض، إذ كلما ازداد ارتفاع الشمس ازداد نقصان الظل بحسبه والعكس بالعكس. قال جار الله الزمخشري : " وفي هذا القبض اليسير شيئا بعد شيء، من المنافع ما لا يعد ولا يحصى، ولو قبض دفعة واحدة لتعطلت أكثر مرافق الناس بالظل والشمس جميعا ". فما أدق حكمة الله في خلقه، وما أوسع رحمته بعباد، وصدق الله العظيم، إذ قال ممتنا على الناس بهذه النعمة : ﴿ والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا ﴾ [ النحل :٨١ ]، وقال أيضا : ﴿ أو لم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله وهم داخرون ﴾ [ النحل :٤٨ ].
سورة الفرقان


بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم
عندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة :
المحور الأول :( القرآن ) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
المحور الثاني :( الرسالة ) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
المحور الثالث :( التوحيد ) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
المحور الرابع :( المعاد ) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،
﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ﴾
وبعدما وصف كتاب الله ظاهرة الظل وارتباطها بالشمس بغاية الإيجاز ومنتهى الإعجاز، كشف النقاب عن ظاهرة أخرى هي ظاهرة تعاقب الليل والنهار، اللذين يقتسمان المعمور في وقت واحد قسمة عادلة، فيكون نصف الكرة الأرضية نهارا، ونصفها الآخر ليلا، ولو كانت الأرض منبسطة لا كروية لعمها ضوء الشمس عند الشروق دفعة واحدة، فكان النهار فيها جميعا، ثم لعمها الظلام عند الغروب دفعة واحدة، فكان الليل فيها جميعا، لكن حكمة الله اقتضت أن تظل الحياة نابضة فيها على الدوام، وذلك على سبيل التناوب بين نصفها الذي يكون نهارا ونصفها الذي يكون ليلا. تعريفا من الله لعباده، بما في تعاقب الليل والنهار من منافع لهم، وامتنانا عليهم، قال تعالى : ﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا ﴾، فشبه كتاب الله الليل باللباس، لكونه يستر الأشياء والأحياء كما يستر اللباس البدن، إذ في الليل تهدأ الحركة العامة، ويتوقف النشاط اليومي، ويغشى الناس مساكنهم ليسكنوا إلى أهليهم وذويهم، ويقضوا جزءا من الليل في ممارسة حياتهم الخاصة بين الأقرباء، وذلك في ستر تام من فضول الرقباء، وأنسب شيء بالذكر في هذا المقام، هو نوم الليل الذي يعتبر أحسن غذاء للجسم بالراحة والاستجمام، وإنما وصف كتاب الله النوم بكونه ﴿ سباتا ﴾، لما يلازمه في العادة من التمدد والاسترخاء وتوقف الحركات، التي تشترك في القيام بها أثناء النهار مختلف الأعضاء والجوارح والملكات، ووصف كتاب الله النهار، بكونه ﴿ نشورا ﴾، تشبيها لقيام الناس فيه من النوم، وانتشارهم في الأرض لمكاسبهم ومعايشهم، بقيامهم من الموت، وهو البعث الذي يطلق عليه اسم ( النشور ) حقيقة لا مجازا، وسبق ذكر " النشور " بمعناه الحقيقي في قوله تعالى في هذه السورة : ﴿ بل كانوا لا يرجون نشورا ﴾ [ الآية :٤٠ ].
سورة الفرقان


بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم
عندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة :
المحور الأول :( القرآن ) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
المحور الثاني :( الرسالة ) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
المحور الثالث :( التوحيد ) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
المحور الرابع :( المعاد ) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،
﴿ وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا ﴾
ثم نبه كتاب الله كافة الأنظار إلى ظاهرة أخرى جديرة بالتدبر والاعتبار، والكشف عما في كوينها وتصريفها من حكم وأسرار، وهذه الظاهرة هي ظاهرة تصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لإنزال الأمطار، وما يتبع ذلك من نتائج وآثار، وذلك قوله تعالى : ﴿ وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا * لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ﴾، مشيرا إلى أن دور الرياح، أو الهواء الصاعد إلى أعلى، في إثارة السحب على اختلاف أنواعها، وتلقيحها ببخار لكي تجود بالمطر، هو الدور الرئيسي الذي بدونه لا يمكن أن تنزل من السماء، قطرة واحدة من الماء، ومؤكدا لمن لا يزال عنده شك، ان تصريف الرياح وإرسالها أمر لا يقدر عليه إلا الله تعالى وحده، الذي له الخلق والأمر، لأنه يتوقف على طاقة عظمى، ويحتاج إلى تدبير كبير فوق طاقة الإنسان المحدودة وتدبيره القاصر ﴿ وهو الذي أرسل الرياح ﴾.
وقوله تعالى هنا : ﴿ نشرا بين يدي رحمته ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ والناشرات نشرا ﴾ [ المرسلات :٣ ]، من " النشور " الذي هو الحياة بعد الموت، إشارة إلى أن الرياح تسبق السحب، مؤذنة بإحياء الله للبلاد، ورحمته للعباد ﴿ لنحيي به بلدة ميتا ﴾.
وقوله تعالى هنا : ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهورا ﴾ إشارة إلى أن الماء المنزل من السماء طاهر مطهر لغيره، وهو أفضل المياه، ويعتبر طاهرا شرعا وطبعا ما لم يتغير أحد أوصافه، وكما أنزل الله من السماء الذكر الحكيم ليطهر به العقول والأفكار، أنزل منها الماء ليطهر به الأبدان من الأوساخ والأوضار.
سورة الفرقان


بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم
عندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة :
المحور الأول :( القرآن ) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
المحور الثاني :( الرسالة ) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
المحور الثالث :( التوحيد ) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
المحور الرابع :( المعاد ) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،
﴿ لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ﴾،
وقوله تعالى هنا : ﴿ ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ﴾ بتقديم الأنعام على الأناسي إشارة إلى أن قوام حياة الناس بحياة أرضهم وحياة أنعامهم، فعامة معايشهم متعلقة بحياة الحيوان والنبات، إذ عليهما المعول في التغذية والاقتيات، والإنعام من الله بسقي أرضهم وأنعامهم هو في الحقيقة إنعام عليهم، لا يقل أهمية عن الإنعام بسقيهم أنفسهم. ووصف " الأناسي " بالكثرة في قوله تعالى : ﴿ وأناسي كثيرا ﴾ إشارة إلى أن النوع الإنساني سيتضاعف عدده على سطح الأرض مع مرور الزمن ويقول هل من مزيد، لكن لا ينقذه من عوزه وضيق عيشه إلا مدد إلهي جديد.
سورة الفرقان


بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم
عندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة :
المحور الأول :( القرآن ) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
المحور الثاني :( الرسالة ) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
المحور الثالث :( التوحيد ) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
المحور الرابع :( المعاد ) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً ﴾
ونبه كتاب الله إلى أن الذكر الحكيم لم يترك برهانا ساطعا ولا دليلا قاطعا عل وجود الله ووحدانيته، وقدرته وحكمته، إلا فصله تفصيلا، وفسره دليلا دليلا، ومن رفض بعد ذلك ان يسلك المحجة، فقد قامت عليه الحجة، وذلك ما يشير إليه قوله تعالى في هذا الربع : ﴿ ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا ﴾.
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ﴾
وجه كتاب الله الخطاب إلى نبيه، معرفا إياه بأن مسؤولية الرسالة الإسلامية التي هي خاتمة الرسالات قد أصبحت تقع على عاتقه وحده، إذ هو خاتم النبيئين والمرسلين، فما عليه إلا أن يضطلع بها، ويقاوم أعداءها، ويجاهد في سبيل تبليغها للبشرية جمعاء، وذلك قوله تعالى : ﴿ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥١: ﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً ﴾
وجه كتاب الله الخطاب إلى نبيه، معرفا إياه بأن مسؤولية الرسالة الإسلامية التي هي خاتمة الرسالات قد أصبحت تقع على عاتقه وحده، إذ هو خاتم النبيئين والمرسلين، فما عليه إلا أن يضطلع بها، ويقاوم أعداءها، ويجاهد في سبيل تبليغها للبشرية جمعاء، وذلك قوله تعالى : ﴿ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا * فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا ﴾.

سورة الفرقان


بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم
عندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة :
المحور الأول :( القرآن ) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
المحور الثاني :( الرسالة ) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
المحور الثالث :( التوحيد ) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
المحور الرابع :( المعاد ) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،
وعالج كتاب الله في هذا الربع ظاهرة أخرى تثير منتهى العجب والإعجاب عند كافة أولي الألباب، ألا وهي ظاهرة انقسام الماء إلى عذب فرات وملح أجاج، رغما عن كون الماء واحدا في تركيبه الخاص، ثم منع الاختلاط بينهما والامتزاج، رغما من التقاء الماء العذب مع الماء الأجاج، وذلك قوله تعالى : ﴿ وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج، وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ﴾ فالماء العذب ما تجود به الأمطار فتحمله الأنهار، وتخزنه العيون والآبار، ولو جمع هذا الماء في صعيد واحد لكان بحرا من أكبر البحار، لكن الله تعالى وزعه بين خلقه في كل أرض بحسب حاجتهم وكفايتهم، فهو بحر سارح في الأرض بين الناس، إلى جانب البحار المعروفة في العالم، التي خصها الله بالماء الملح الأجاج. على أن الأنهار الكبرى ذات الماء العذب التي تصب في البحار يصح أن يطلق عليها اسم " البحر " بطريق المجاز، لشبهها به في كثرة الماء واتساع الرقعة، فيقال للنهر العذب الكبير الواسع " بحر " كما يقال للبحر الأجاج " بحر ". وإذا ما التقى الماء العذب الذي تجري به الأنهار مع الماء الملح الذي تجري به البحار، فإن كلا من الماءين يتفادى الامتزاج مع الآخر، رغما عما يوجد بينهما من تماس والتصاق، وذلك حتى لا تبطل حكمة الله من وجودهما معا، إذ إن كل ما على اليابسة من الأحياء، لا تنتظم حياته إلا بالعذب من الماء، وعلى العكس من ذلك البحار لو خلت مياهها من الملح لفسدت وفسد ما فيها من الأحياء، ولأنتنت وتلوث الهواء. وقد جعل الله جاذبية الأرض عونا للأنهار، حتى يمكنها أن تصب في البحر، كما جعل الجاذبية لجاما للبحر حتى لا يصب في النهر ولا يطغى عليه رغما عن صغر النهر بالنسبة إلى البحر وذلك الأمر عندما يلتقي بحر ببحر، أو بحر بأرض يابسة، فالبحر ملجم من خالقه الحكيم العليم بلجام الجاذبية، لا يفارق مستقره بحال، وهذه المعاني هي بعض ما يشير إليه قوله تعالى هنا : ﴿ وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا ﴾ أي جعل بينهما حاجزا تلقائيا، ومانعا طبيعيا، على غرار قوله تعالى في آية ثانية : ﴿ مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ [ الرحمن :١٩، ٢٠ ]، أي لا يبغي أحدهما على الآخر، وقوله تعالى في آية ثالثة : ﴿ وجعل بين البحرين حاجزا، أإله مع الله ﴾ [ النمل :٦١ ].
ثم مضى كتاب الله يقيم الحجة تلو الحجة على وحدانية الله وقدرته، وبالغ علمه وحكمته، فلفت نظر الإنسان، في أي مستوى كان، إلى ظاهرة بارزة لا تغيب عن العين، ولا تقبل أي شك أو مين، ألا وهي ظاهرة خلق النوع الإنساني، الذي هو أرقى أنواع الحيوان، وأحسنها تقويما، وأكثرها تعقيدا، وأقدرها على حمل الأمانة والقيام بالخلافة عن الله في عمران الأرض، من نفس العنصر الذي خلق منه أبسط الحيوانات، وأضعف الحشرات، ألا وهو عنصر الماء الذي هو القاسم المشترك بين كافة الأحياء، مصداقا لقوله تعالى : ﴿ والله خلق كل دابة من ماء ﴾ [ النور :٤٥ ]، وقوله تعالى : ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾ [ الأنبياء :٣٠ ]، ثم ظاهرة النطفة الواحدة وهي أيضا ماء التي يخلق الله منها في آن واحد، وحمل واحد، توأمين ذكرا وأنثى، فضلا عما يخلقه منها على انفراد من الذكور والإناث، مصداقا لقوله تعالى : ﴿ خلق من ماء دافق ﴾ [ الطارق :٦ ]، وقوله تعالى : ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾ [ القيامة :٣٩ ]، وإلى هاتين الظاهرتين الأصلية والفرعية يشير قوله تعالى هنا : ﴿ وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا ﴾ وذوو " النسب " هم الذكور، إذ إليهم يقع انتساب الذرية خلفا عن سلف، وذوات " الصهر " هن الإناث، إذ بواسطتهن تتم المصاهرة ويوجد الأصهار، وعن طريق هذين العنصرين تنشأ الأسر وتتسع، حتى تصبح عشائر، وتتسع العشائر، حتى تصبح قبائل، وتتعدد القبائل حتى تصبح شعوبا ﴿ وكان ربك قديرا ﴾.
*خ ففي هذه الآيات لفت كتاب الله أنظار الناس أجمعين إلى عدة ظواهر طبيعية، مرتبطة في نشأتها وسيرها بالسنن الإلهية، كل واحد منها برهان ساطع على وجود الله وقدرته، ودليل قاطع على حكته ورحمته، وهذه الظواهر هي ظاهرة تعاقب الظل والضوء، وتعاقب الصحو والمطر، وتعاقب الليل والنهار، وتعاقب الشمس والقمر، وازدواج الماء بين عذب ومالح، وازدواج الإنسان بين ذكر وأنثى، فمتى فتح الإنسان بصره وبصيرته لدراسة هذه الظواهر واستيعابها أدرك بالبداهة ان تصنيفها وتصريفها فوق قدرة البشر، وأنها من صنع الله الذي أتقن كل شيء، ومتى ربط الإنسان بين هذه الظوار وبين حياته الخاصة فوق سطح الأرض، وعرف أن حياة النوع البشري كله رهينة بوجودها واستمرارها، إذ إنه لولا ما بين هذه الظواهر الطبيعية وبين تكوين الإنسان الخاصة، وحاجياته الملحة، من توافق وتلاؤم وانسجام، لما أمكن له العيش بدونها لحظة واحدة، أدرك لا محالة أن تكوينها على ما هي عليه، وتكوينه هو على ما هو عليه، إنما هما صادران عن قوة مدبرة حكيمة هي قوة الخالق الحكيم الذي يدبر كل شيء بأمره ﴿ وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه، إن في ذلك للآيات لقوم يتفكرون ﴾ [ الجاثية :١٣ ]. /خ*
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيراً ﴾
واستغرب كتاب الله موقف الكافرين الذين يتحدون ربهم، إذ ضلوا وفقدوا لبهم، رغما من آيات الله الباهرة، وحججه القاهرة، فقال تعالى في وصفهم متعجبا من عنادهم وكبريائهم : ﴿ ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا ﴾ ﴿ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا * وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ﴾.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾
وحدد كتاب الله لرسوله مرة أخرى واجبات الرسالة الملقاة على عاتقه، حتى لا يكلف نفسه ما فوق طاقته، وحتى لا يتهم من أعداء الرسالة بما لا يتفق مع قداسة دعوته، فقال تعالى : ﴿ وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ﴾.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٦: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ﴾
وحدد كتاب الله لرسوله مرة أخرى واجبات الرسالة الملقاة على عاتقه، حتى لا يكلف نفسه ما فوق طاقته، وحتى لا يتهم من أعداء الرسالة بما لا يتفق مع قداسة دعوته، فقال تعالى : ﴿ وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا * قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا ﴾.

وحض كتاب الله رسول الهدى ودين الحق على ملازمة الثقة بالله، والالتجاء الدائم إليه، والتوكل التام عليه، إذ من توكل على الحي الذي لا يموت، لا ينقطع عنه مدد الله ولا يفوت، وذلك قوله تعالى : ﴿ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا ﴾.
سورة الفرقان


بسم الله الرحمن الرحيم

الربع الأخير من الحزب السادس والثلاثين في المصحف الكريم
عندما نستنطق الآيات الكريمة التي تتضمنها سورة الفرقان نجدها تدور حول محاور أربعة :
المحور الأول :( القرآن ) وما أودع الله فيه من كنوز الحكمة الإلهية.
المحور الثاني :( الرسالة ) والعبء الثقيل الذي ألقته على عاتق الرسول العناية الربانية.
المحور الثالث :( التوحيد ) وتزييف معتقدات الشرك والوثنية.
المحور الرابع :( المعاد ) وما يؤول إليه مصير الكون ومصير الإنسانية.
ويتخلل هذه الموضوعات وصف جملة وافرة من مظاهر الكون وآيات الله في الأنفس والآفاق، ذكرى للمؤمنين، وحجة على الكافرين، وعبرة للمعتبرين، كما يتخللها ذكر عدد من الأنبياء والرسل السابقين، وما تعرض له أقوامهم من العقاب والعذاب، جزاء تحديهم الصارخ وعنادهم البالغ، ووصف المواقف التي تقفها مختلف فئات البشر من حقائق الوحي والرسالة والتوحيد والمعاد، ما بين مؤمن بها ومصدق لها كل التصديق، وكافر بها مكذب لها بلغ الغاية في الكفر والعناد، وتوجت هذه السورة الكريمة بخاتمة عظيمة تتضمن وصفا كاشفا " لعباد الرحمن " الذين أكرمهم الله بالإيمان والأمان، فأضافهم إلى نفسه إضافة تفضل وإحسان، وقد جاءت فاتحة سورة الفرقان، لتكون لموضوعاتها الرئيسية أفضل تمهيد وخير عنوان، فقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا ﴾ يتضمن إثبات الوحي وإثبات الرسالة وتوكيد صدق الرسول،
وأضاف كتاب الله إلى ما عرضه من آياته الكونية في هذا الربع ظاهرة أخرى لها وثيق الصلة باستمرار الحياة على وجه الأرض، وسيرها سيرا مطردا منتظما، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ألا وهي ظاهرة تعاقب الشمس والقمر، المختلفين بطبيعتهما، والمتكاملين بمنفعتهما، فقال تعالى : ﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سرجا وقمرا منيرا ﴾، وأطلق كتاب الله على الشمس ( اسم السراج ) لكونها مصدرا قائما بذاته للحرارة والنور، بينما اقتصر في وصف القمر على كونه ﴿ منيرا ﴾ إشارة إلى أن إنارته للأرض إذا سطع نوره عليها ليست أصلية، ولكنها مستمدة من ضوء الشمس، إذ القمر في أصله جرم مظلم، ويزيد هذه الآية تفسيرا وتوضيحا قوله تعالى في سورة نوح : ﴿ وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا ﴾ [ الآية :١٦ ].
وقوله تعالى هنا : ﴿ جعل في السماء بروجا ﴾ على غرار قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ والسماء ذات البروج ﴾ [ البروج :١ ]، وقوله تعالى : ﴿ ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين ﴾ [ الحجر :١٦ ] إشارة إلى الكواكب السيارة السابحة في الفضاء، ومداراتها الفلكية في أعالي الأجواء، ومن بينها منازل الشمس والقمر التي لها أهمية خاصة في حياة الإنسان، إذ إن لها علاقة مباشرة بكل ما عرفه من تدرج الأزمنة، وتنقل الفصول، وتحديد الأيام والشهور والأعوام. وواضح أن تعاقب الليل والنهار مرتبط كل الارتباط بحركة الشمس اليومية، التي هي بالنسبة لنا حركة ظاهرية، مردها إلى دوران الأرض حول نفسها، ولذلك يكون نصفها المقابل لضوء الشمس نهارا، ونصفها الآخر الذي لا يقابل ضوءها ليلا.
وقوله تعالى هنا : ﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ﴾ إشارة إلى ما في تعاقب الليل والنهار، وكون كل منهما يخلف الآخر، من حكمة ربانية، وعناية إلهية، مردهما إلى إعانة الإنسان على ممارسة الحياة ممارسة معتدلة منتظمة لا شطط فيها ولا إرهاق، فللكد والسعي، والعلاقات المتداخلة بين الناس، وقتها وهو النهار، وللراحة والاستجمام، والعلاقات الخاصة التي لا تداخل فيها مع الآخرين، وقتها وهو الليل، ولا شك أن هذا التوزيع الإلهي لحياة الإنسان بين الليل والنهار، مع ما يتميز به كل منهما من خصائص وأسرار، نعمة كبرى تستحق الشكر والتدبر والاعتبار، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ﴾ وقوله تعالى في آية أخرى : ﴿ ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون ﴾ [ القصص :٧٣ ].
وحرصا من كتاب الله على هداية الخلق وإن ضلوا، وتمكينهم بكل الوسائل من معرفة الحق وإن زلوا، تصدى كتاب الله في ختام هذا الربع للكشف عن صفات المؤمنين الذين استجابوا لله والرسول فلم يكفروا بالرحمن، بل آمنوا به وأقبلوا على طاعته وعبادته عن اقتناع وإذعان، وتشرفوا بالانتساب إليه حتى وصفهم القرآن بأنهم ﴿ عباد الرحمن ﴾ وذلك ليقتدي بهم من لا يزال سابحا في بحر التردد والعناد، من بقية العباد، فقال تعالى واصفا لهم ومعرفا بهم : ﴿ وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا ﴾ وهذا الوصف الأول يتضمن أمرين، الأمر الأول أنهم لا يعتزلون الناس، بل يعاشرونهم ويخالطونهم، إذ ﴿ الذين يمشون على الأرض ﴾ للقيام بواجباتهم وتحمل مسؤولياتهم، والتعاون مع غيرهم على البر والتقوى، والأمر الثاني أنهم إذا مشوا مشوا برفق وتثبت، دون عجلة بالغة، ولم يظهر عليهم أثر التبختر والاستكبار، بل علتهم السكينة والوقار، ولم تبدر منهم بادرة ازدراء للغير أو احتقار، وذلك هو معنى المشي ﴿ هونا ﴾ مصداقا لقوله تعالى في آية ثانية : ﴿ ولا تمش في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد في مشيك ﴾، [ لقمان :١٨ ]، وقوله تعالى في آية ثالثة : ﴿ ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا ﴾ [ الإسراء :٣٧ ]، وليس المراد بالمشي هونا، التثاقل والتماوت تصنعا ورياء، فقد كان صلى الله عليه وسلم إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، ومناط المدح في الوصف ب ( المشي هونا ) ليس المشي في حد ذاته، وإنما مناط المدح ما يدل عليه ( المشي هونا ) من أخلاق الماشي وسلوكه الحميد، إذ يكون مشيه هونا دليلا على أنه هين لين. روى الإمام أحمد في مسنده عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " حرم الله على النار كل هين لين سهل قريب من الناس ".
والوصف الثاني من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ﴾، بمعنى أنه إذا تجرأ عليهم السفهاء بالقول السيء أغضوا عنهم، وكظموا غيظهم، وردوا عليهم ردا هادئا يوقف أذاهم عند حده، دون أن يقابلوهم بالمثل، أو يشتبكوا معهم في خصام، تجنبا لتوسيع دائرة الشقاق، وحرصا على السداد والمسالمة والسلام، على حد قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ﴾ [ القصص :٥٥ ]، وهذا الوصف لا ينافي ما شرعه الله من الجهاد، دفاعا عن الإسلام، عند توفر الأسباب، كما لا ينافي الدفاع عن عرض المسلم، متى تعرض لقذف الأوباش والأوشاب.
والوصف الثالث من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ﴾ بمعنى أنهم إذا خلوا بأنفسهم في الليل وسكونه، وخصصوا حصة منه لمناجاة الحق سبحانه وتعالى، والتنفل بعدد محدود من الركعات، وقد كان تهجده صلى الله عليه وسلم بالليل لا ينقص عن سبع ركعات في الحد الأدنى، ولا يزيد على ثلاث عشرة ركعة في الحد الأعلى، حسبما ورد في صحيح مسلم وموطأ الإمام مالك، وفي رسول الله للصالحين من أمته إسوة حسنة، قال ابن عباس : " من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدا وقائما ".
والوصف الرابع من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها ساءت مستقرا ومقاما ﴾، بمعنى أنهم بالرغم مما هم عليه من طاعة وعبادة وحسن خلق لا يسيطر عليهم العجب والغرور بما قدموه من أعمال، بل يدعون الله، وهم بين يديه ساجدون، وفي تهجدهم مستغرقون، أن يقيهم عذاب النار ويجنبهم ما في القيامة من أهوال، وهكذا يتقلب قلب المؤمن الحق دائما بين الخوف والرجاء، وإن بلغ ما بلغ في درجات القرب والاصطفاء، ومعنى لفظ " الغرام " في قوله تعالى هنا : ﴿ إن عذابها كان غراما ﴾ الهلاك الملازم، والخسران الدائم.
والوصف الخامس من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ﴾، بمعنى أنهم عند قيامهم بالإنفاق في الطاعات لا يفرطون في الإنفاق، إلى حد أن لا يجدوا ما ينفقون على عيالهم، ومن هم مطالبون بالإنفاق عليهم، كما أنهم لا يقبضون أيديهم عن الإنفاق شحا وبخلا، إلى حد أن يهملوا ما عليهم من الحقوق والواجبات، ولا يتطوعوا بأي شيء من الصدقات، بل يلتزمون الحد الوسط في نفقاتهم المطلوبة شرعا، وهذا معنى قوله تعالى هنا : ﴿ وكان بن ذلك قواما ﴾ قال ابن عطية : " والحسن في ذلك هو القوام أي العدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخفة ظهره، وصبره وجلده على الكسب، أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوساطها "، على حد قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ﴾، [ الإسراء :٢٩ ]، وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد عن أبي الدرداء : " من فقه الرجل قصده في معيشته " وقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد أيضا عن عبد الله بن مسعود " ما عال من اقتصد ". أما الإنفاق في المعاصي، فهو أمر محظور حظرت الشريعة قليله وكثيره، وعباد الرحمن الذين أثنى عليهم القرآن منزهون عن هذا النوع من الإنفاق، لأنه من مظاهر الانحراف وآيات النفاق.
والوصف السادس من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ﴾، بمعنى أنهم أسلموا وجوههم لله بالمرة، وتبرأوا كل البراءة من اتباع الهوى والتمسك بالأثرة والأنانية، فلم يتخذوا إلههم هواهم، فضلا عما هو فوق ذلك من الشرك والوثنية.
والوصف السابع من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ﴾، بمعنى أنهم لا يتسببون في قتل النفوس التي أمر الله بحفظها، بل يحافظون بكل الوسائل على حياة أصحابها، إلى أن يأذن الله بموتها، إيمانا منهم بأنه هو وحده الذي يحيي ويميت. وواضح أن الأمر باحترام نفوس الغير يقتضي من باب أولى وأحرى الأمر باحترام الإنسان لنفسه بنفسه، فلا يسوغ له الانتحار، بدعوى الفشل أو غسل العار، إذ لا عقاب لقاتل نفسه عند ربه إلا النار، قال تعالى :( ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا )النساء ٢٩-٣٠
وقوله تعالى هنا : ﴿ إلا بالحق ﴾ إشارة إلى القتل المشروع في حدود الله، رعاية من الحق، لمصالح الخلق، كالقتل المترتب على الكفر بعد الإيمان، والزنى بعد الإحصان، فعباد الرحمن لا يقفون في وجه إقامة الحدود، حتى لا يحاسبوا على إهمالها في اليوم الموعود. وإذا كان قتل الإنسان لنفسه ونفوس الناس بمعنى القتل المادي أمرا محرما في الشرع والطبع، فإن قتله لنفسه أو نفوس الناس بالمعنى الروحي لا يقل خطورة عن الأول، بل ربما كان عملا أخطر، وجرما أكبر، و " القتل المعنوي للنفوس " هو تركها ترتع في الشهوات والمخالفات دون حساب يسير ولا عسير، وتركها تتخبط في الشبهات والضلالات دون هدى ولا كتاب منير.
والوصف الثامن من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ ولا يزنون ﴾، بمعنى أنهم لا يتناولون الخبائث ولا يقربون الفواحش، لا ما ظهر منها ولا ما بطن، فهم حريصون على أن تكون حياتهم الاجتماعية والعائلية كلها نظافة وطهرا، وترفعا عن انتهاك الأعراض التي حرمها الله سرا وجهرا، فأعراض المحصنات المؤمنات معهم في أمان، في كل الأزمان.
﴿ إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
ونظرا لضعف الإنسان وتعرضه لإغواء الشيطان، وما يمكن أن يصدر عنه من مخالفة وعصيان، نبه كتاب الله إلى عقاب من فرط في جنب الله، وانتهك حرمات الله، إذا لم يبادر إلى التوبة والعمل الصالح، كما بشر المذنبين التائبين إذا تابوا توبة نصوحا بقبول توبتهم، وإسدال الستر الجميل على سيئاتهم، فقال تعالى : ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ﴾. وتبديل السيئات بالحسنات يصدق في الدنيا بالتوفيق إلى الطاعة بعد العصيان، وفي الآخرة بالعفو والغفران.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٠: ﴿ إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً ﴾
ونظرا لضعف الإنسان وتعرضه لإغواء الشيطان، وما يمكن أن يصدر عنه من مخالفة وعصيان، نبه كتاب الله إلى عقاب من فرط في جنب الله، وانتهك حرمات الله، إذا لم يبادر إلى التوبة والعمل الصالح، كما بشر المذنبين التائبين إذا تابوا توبة نصوحا بقبول توبتهم، وإسدال الستر الجميل على سيئاتهم، فقال تعالى : ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاما * يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا * إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما * ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ﴾. وتبديل السيئات بالحسنات يصدق في الدنيا بالتوفيق إلى الطاعة بعد العصيان، وفي الآخرة بالعفو والغفران.

والوصف التاسع من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾، وهذا الوصف يصدق بمعنيين اثنين :
المعنى الأول أنهم لا يشهدون مجالس الخنى والسوء التي يغشاها البطالون المنحرفون ولا يزكونها بحضورهم، والمعنى الثاني أنهم لا يشهدون شهادة الزور، فيحقوا الباطل ويبطلوا الحق بشهادتهم. والمراد " بالزور " كل كذب وباطل زوق وزخرف. وفي الصحيحين عن أبي بكرة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا قلنا بلى يا رسول الله، قال :الشرك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال :ألا وقول الزور. ألا وشهادة الزور. فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت أي شفقة عليه " وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يجلد شاهد الزور أربعين جلدة، ويسخم وجهه، أي يسوده، ويحلق رأسه، ويطوف به في السوق.
والوصف العشر من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراما ﴾ بمعنى أنهم يربأون بأنفسهم عن أن يشغلوها بالسفاسف، مما ليس فيه صلاح دين ولا صلاح دنيا، لا من الأفعال ولا من الأقوال، وهذا معنى مرورهم به مر الكرام، إذ يتكرمون عنه، ويترفعون عن تضييع الوقت فيه، لتفاهته وعدم فائدته. واستعمال " المرور مر الكرام " بقصد الاختصار في القول المفيد، والإيجاز في ذكر الشيء المحتاج إلى التفصيل من مسائل العلم، استعمال في غير محله، واقتباس مقلوب.
والوصف الحادي عشر من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ﴾ بمعنى أن لهم آذانا صاغية، وقلوبا واعية، متى ذكروا بآيات الله تذكروا، واتعظوا وازدجروا، وأكبوا عليها حرصا على استماعها، وأقبلوا على من يذكرهم بها، فلا إعراض منهم ولا إهمال، في أي حال من الأحوال، وقوله تعالى هنا : ﴿ لم يخروا عليها صما وعميانا ﴾ قال ابن عطية : " كأن المستمع للذكر قائم القناة قويم الأمر، فإذا أعرض وضل كان ذلك خرورا، والخرور هو السقوط على غير نظام وترتيب ". وفي شأن من أعرض ونأى بجانبه جاء قوله تعالى : ﴿ وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم ﴾ [ البقرة :٢٠٦ ].
والوصف الثاني عشر من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذريتنا قرة أعين ﴾ بمعنى أنهم يأخذون حظهم المشروع من زينة الدنيا ومتاعها الطيب، ولا يحرمون أنفسهم من الحياة الزوجية، والسعي لإنجاب الذرية، ملتمسين من الله أن يهب لهم من الأزواج والأبناء ما تقر به العين وتسر به النفس، وتحصل به الكفاية، فيكون مجلبة للهناء والسعادة، ونيل الحسنى وزيادة.
والوصف الثالث عشر من أوصاف " عباد الرحمن " يشير إليه قوله تعالى : ﴿ واجعلنا للمتقين إماما ﴾، بمعنى أنهم لا يكتفون بأن يكونوا صالحين في أنفسهم بممارسة هذه الصفات وحدهم، بل يطمحون إلى أن يكونوا مصلحين لغيرهم، وقدوة حسنة لمن يأتي من بعدهم، حتى تتضاعف بهم قافلة النور عددا ومددا، وتستمر رسالتها أبدا وسرمدا.
وإعلانا لما أكرم الله به " عباد الرحمن " وخصهم به من الرحمة والإحسان في كل زمان، بشرهم بخير بشرى، في الدنيا قبل الأخرى، فقال تعالى : ﴿ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ﴾
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٧٥: وإعلانا لما أكرم الله به " عباد الرحمن " وخصهم به من الرحمة والإحسان في كل زمان، بشرهم بخير بشرى، في الدنيا قبل الأخرى، فقال تعالى : ﴿ أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما ﴾
وفي ختام هذا الربع الذي هو مسك الختام لسورة الفرقان المكية وجه الحق سبحانه وتعالى خطابه إلى كافة عباده، من آمن منهم ومن كفر، واضعا لهم جميعا أمام مسؤولياتهم، مذكرا إياهم أنه لولا رحمته بهم، وإحسانه إليهم، لتركهم كريشة في مهب الريح ضحية التضليل والتدجيل، ولما كانوا محل العناية الإلهية ودعوة رسله جيلا بعد جيل، فقال تعالى : ﴿ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما ﴾.
السورة التالية
Icon