0:00
0:00

سورة الفرقان ١
١ سورة مكية كلها في قول الجمهور. وقال ابن عباس وقتادة: إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون...٦٨﴾(الفرقان) إلى قوله: ﴿وكان الله غفورا رحيما٧٠﴾(الفرقان) وقال الضحاك: هي مدنية، وفيها آيات مكية.(تفسير القرطبي ٦/٤٨٦٣)وسورة الفرقان عدد آياتها ٧٧آية، وهي السورة رقم(٢٥) في ترتيب سور المصحف، أما في ترتيب النزول فهي السورة رقم(٤١) نزلت بعد سورة يس، وقبل سورة الملائكة (سورة فاطر)..

بعد أن ختمت سورة النور بهذه الآية ﴿ ألا إن لله ما في السماوات والأرض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم٦٤ ﴾ التي تبين ما لله تعالى من ملك وقهر وجبروت، وبينت أن العودة إليه والرجوع يوم القيامة للحساب، بدأت سورة الفرقان تبين أن هذا الملك ليس ملك استعباد، إنما ملك رحمة، نظمت لكم الحياة لتعيشوا فيها على هدى ونور، فقال تعالى :
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا١ ﴾.
﴿ تبارك... ١ ﴾( الفرقان ) :مادة الباء والراء والكاف عادة تدل على البركة، وهي أن يعطيك الشيء من الخير فوق ما تظن فيه ويزيد عن تقديرك، كما لو أريت طعام الثلاثة كفي العشرة، فتقول :إن هذا الطعام مبارك أو فيه بركة.
ومن معاني تبارك :تعالى قدره و﴿ تبارك... ١ ﴾( الفرقان ) :تنزه عن شبه ما سواه، وتبارك :عظم خيره وعطاؤه، وهذه الثلاثة تجدها مكملة لبعضها.
ومن العجيب أن هذا اللفظ ﴿ تبارك... ١ ﴾( الفرقان ) :معجز في رسمه ومعجز في اشتقاقه، فلو تتبعت القرآن لوجدت أن هذه الكلمة وردت في القرآن تسع مرات :سبع منها بالألف﴿ تبارك... ١ ﴾( الفرقان ) :ومرتان بدون الألف١، فلماذا لم تكتب بالألف في الجميع، أو بدونها في الجميع ؟ ذلك ليدلل على أن رسم القرآن رسم توقيفي، ليس أمرا( ميكانيكيا )، كما في قوله تعالى في أول سورة العلق : ﴿ اقرأ باسم ربك الذي خلق١ ﴾( العلق ) :فرسم كلمة اسم هنا بالألف، وفي باقي القرآن بدون الألف.
إذن :فالقرآن ليس عاديا في رسمه وكتابه، وليس عاديا في قراءته، فأنت تقرأ في أي كتاب آخر على أي حال كنت، إلا في القرآن لا بد أن تكون على وضوء وتدخل عليه بطهر... الخ ما نعلم من آداب تلاوة القرآن.
ومن حيث الاشتقاق نعلم أن الفعل يشتق منه الماضي والمضارع والأمر واسم الفاعل... الخ، لكن﴿ تبارك.. ١ ﴾( الفرقان ) :لم يذكر منها القرآن إلا هذه الصيغة، وكأنه يريد أن يخصها بتنزيه الله تعالى، مثلها مثل كلمة سبحان ؛ لذلك على كثرة ما مر في التاريخ من الجبابرة أرغموا الناس على مدحهم والخضوع لهم، لكن ما رأينا واحدا مهما كان مجرما في الدين يقول لأحد هؤلاء :سبحانك.
لذلك نقول في تسبيح الله :سبحانك، ولا تقال إلا لك، مهما اجترأ الملاحدة فإنهم لا ينطقونها لغير الله.
إذن : ﴿ تبارك... ١ ﴾( الفرقان ) :تدور حول معان ثلاثة :تعالى قدره، وتنزه عن مشابهة ما سواه، وعظم خيره وعطاؤه، ومن تعاظم خيره سبحانه أنه لا مثيل له :في قدره، ولا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في فعله. وهذا كله من مصلحتنا نحن، فلا كبير إلا الله، ولا جبار إلا الله، ولا غني إلا الله.
وسمي القرآن فرقانا :لأنه يفرق بين الحق والباطل، وقد نزل القرآن ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، فيسير الناس على هدى وعلى بصيرة، فالقرآن إذن فرق لهم مواضع الخير عن مواضع العطب، فالفرقان سائر في كل جهات الدين، ففي الدين قمة هي الحق- تبارك وتعالى- ومبلغ عن القمة هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ومرسل إليه هم المؤمنون، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه الثلاثة.
ففي القمة، وجد من ينكر وجود إله خالق لهذا الكون، وآخرون يقولون بوجود آلهة متعددة، وكلاهما على طرفي نقيض للآخر، ليس هناك سيال فكر يجمعهم، فجاء القرآن ليفرق بين الحق والباطل في هذه المسألة، ويقول :الأمر وسط بين ما قلتم :فالإله موجود، لكنه إله واحد لا شريك له، ففرق في مسألة القمة.
كذلك فرق في مسألة وهو بشر من قومه، فلما اعترض بعضهم عليه وحسدوه على هذه المكانة وهو واحد منهم أيده الله بالمعجزة التي تؤيده وتظهر صدقه في البلاغ عن الله، وكانت معجزته صلى الله عليه وسلم في شيء نبغ فيه القوم، وهي الفصاحة والبلاغة والبيان، والعرب أهل بيان، وهذه بضاعتهم الرائجة وتحداهم بهذه المعجزة فلم يستطيعوا.
وكذلك فرق في مسألة الخلق من حيث مقومات حياتهم، فبين لهم الحلال والحرام، وفي استبقاء النوع بين لهم الحلال، وشرع لهم الزواج، ونهاهم عن الزنا ليحفظ سلالة الخليفة لله في الأرض.
إذن :فرق القرآن في كل شيء :في الإله، وفي الرسول، وفي قوام حياة المرسل إليهم، وما دام قد فرق في كل هذه المسائل فلا يوجد لفظ أفضل من أن نسميه " الفرقان ".
ولا شك أن الألفاظ التي ينطق بها الحق- تبارك وتعالى- لها إشعاعات، وفي طياتها معان يعلمها أهل النظر والبصيرة ممن فتح الله عليهم، وما أشبهها بفصوص الماس ! والذي جعل الماس ثمينا أن به في كل ذرة من ذراته تكسرات إشعاعية ليست في شيء غيره، فمن أي ناحية نظرت إليه قابلك شعاع معكوس يعطي بريقا ولمعانا يتلألأ من كل نواحيه، وكذلك ألفاظ القرآن الكريم.
ومن معاني الفرقان التي قال بعض العلماء أنه نزل مفرقا، كما جاء في قوله تعالى : ﴿ وقرآنا فرقناه... ١٠٦ ﴾( الإسراء ) :يعني :أنزلناه مفرقا لم ينزل مرة واحدة كالكتب السابقة عليه، وللحق- تبارك وتعالى- حكمة في إنزال القرآن مفرقا، حيث يعطي الفرصة لكل نجم ينزل من القرآن أن يستوعبه الناس ؛ لأنه يرتبط بحادثة معينة، كذلك ليحدث التدرج المطلوب في التشريعات.
يقول تعالى : ﴿ وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا١٠٦ ﴾( الإسراء ) :
لقد كان المسلمون الأوائل في فترة نزول القرآن كثيري الأسئلة، يستفسرون من رسول الله عن مسائل الدين، كما قال تعالى : ﴿ يسألونك عن الأهلة... ١٨٩ ﴾( البقرة )، ﴿ يسألونك عن الخمر والميسر... ٢١٩ ﴾( البقرة )، ﴿ يسألونك عن الأنفال.... ١ ﴾( الأنفال ) :فكان النجم من القرآن ينزل ليجيب عليهم ويشرع لهم، وما كان يتأتى ذلك لو نزل القرآن جملة واحدة.
وكلمة : ﴿ نزل الفرقان... ١ ﴾( الفرقان ) :تؤيد هذا المعنى وتسانده ؛ لأن نزل تفيد تكرار الفعل غير " أنزل " التي تفيد تعدي الفعل مرة واحدة.
وقوله تعالى : ﴿ على عبده... ١ ﴾( الفرقان ) :كأن حيثية التنزيل هي العبودية لله تعالى، فهو العبد المأمون أن ينزل القرآن عليه. وسبق أن قلنا :إن العبودية لفظ بغيض إن استعمل في غير جانب الحق سبحانه، أما العبودية لله فهي عز وشرف ولفظ محبوب في عبودية الخلق للخالق ؛ لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله فيأخذ العبد خير سيده.
لذلك جعل الله تعالى العبودية له سبحانه حيثية للارتقاء السماوي في رحلة الإسراء، فقال﴿ سبحان الذي أسرى بعبده... ١ ﴾( الإسراء ) :فالرفعة هنا جاءت من العبودية لله.
ثم يقول سبحانه : ﴿ ليكون للعامين نذيرا١ ﴾( الفرقان ) :العالمين :جمع عالم، والعالم ما سوى الله تعالى، ومن العوالم :عالم الملائكة، عالم الإنس، وعلم الجن، وعالم الحيوان، وعالم النبات، وعالم الجماد، إلا أن بعض هذه العوالم لم يأتها بشير ولا نذير ؛ لأنها ليست مخيرة، والبشارة والنذارة لا تكون إلا للمخير.
يقول تعالى : ﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا٧٢ ﴾( الأحزاب ).
فإن عزلت من هذه العوالم من ليس له اختيار، فيتبقى منها ؛ الجن والإنس، وإليهما أرسل الرسول صلى الله عليه وسلم بشيرا ونذيرا، لكن لماذا قال هنا﴿ ليكون للعالمين نذيرا١ ﴾( الفرقان ) :ولم يقل :بشيرا ونذيرا ؟.
قالوا :لأنه سبحانه سيتكلم هنا عن الذين خاضوا في الألوهية، وهؤلاء تناسبهم النذارة لا البشارة ؛ لذلك قال في الآية بعدها : ﴿ الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا٢ ﴾
١ - وردت ﴿تبارك﴾ في سبعة مواضع بالألف: (الأعراف:٥٤).(المؤمنون١٤).(الفرقان ١-١٠-٢١)،(غافر٦٤)،(الزخرف٨٥).
-وردت مرتين بدون الألف﴿تبارك﴾: (الرحمان:٧٨)،(الملك:١)قال السيوطي في(الإتقان في علوم القرآن)(٢/١٨٨): "تبارك: فعل لا يستعمل إلا بلفظ الماضي، ولا يستعمل إلا لله"..

في آخر سورة النور قال سبحانه : ﴿ ألا إن لله ما في السماوات والأرض... ٦٤ ﴾( النور ) :فذكر ملكية المظروف، وهنا قال : ﴿ الذي له ملك السماوات والأرض.... ٢ ﴾( الفرقان ) :فذكر ملكية الظرف أي :السماوات والأرض.
ثم تكلم سبحانه في مسألة القمة التي تجرأوا عليها، فقال : ﴿ ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك.... ٢ ﴾( الفرقان ).
وسبق أن تكلمنا كثيرا عن مسألة اتخاذ الولد والحكمة منها، فالناس تحب الولد، إما ليكون امتدادا للذكر، وإما ليساند والده حال ضعفه، وإما للكثرة، والحق- تبارك وتعالى- هو الحي الباقي الذي لا يموت، ولا يحتاج لمن يخلد ذكراه، وهو القوي الذي لا يحتاج لغيره، فلم إذن يتخذ ولدا ؟.
وقوله : ﴿ ولم يكن له شريك في الملك... ٢ ﴾( الفرقان ) :وهذا أمر يؤيده الواقع ؛ لأن الله تعالى أول ما شهد شهد لنفسه، فقال سبحانه : ﴿ شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم... ١٨ ﴾( آل عمران ).
أي :لما خلقت الملائكة شهدوا لله تعالى، ثم شهد أولو العلم بالاستدلال، فشهادة الحق سبحانه لنفسه شهادة الذات للذات، والملائكة شهدت شهادة المشاهدة، ونحن شهدنا شهادة الاستدلال والبرهان.
والحق- تبارك وتعالى – يعطينا الدليل على صدق هذه المشاهدة، فيقول تعالى : ﴿ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض... ٩١ ﴾( المؤمنون ).
وقال سبحانه : ﴿ قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا٤٢ ﴾( الإسراء ).
وهذا هو التفصيل المنطقي العاقل الذي نرد به على هؤلاء، فلو كان مع الله تعالى آلهة أخرى لذهب كل منهم بجزء من الكون، وجعله إقطاعية خاصة به، وعلا كل منهم على الآخر وحاربه، ولو كان معه سبحانه آلهة أخرى لاجتمعوا على هذا الذي أخذ الملك منهم ليحاكموه أو ليتوسلوا إليه.
وقلنا :إن الدعوى تثبت لصاحبها إذا لم يدعها أحد غيره لنفسه، وهذه المسألة لم يدعها أحد، فهي –إذن- ثابتة لله تعالى إلى أن يوجد من يدعي هذا الخلق لنفسه.
وسبق أن مثلنا لذلك بجماعة في مجلس فقد أحدهم محفظته فيه، ولما انصرفوا وجدها صاحب البيت، فسألهم عنها، فلم يدعها أحد منهم، ثم اتصل به أحدهم يقول :إنها لي، فلا شك أنها له حتى يوجد مدع آخر، فنفصل بينهما.
ثم يقول تعالى : ﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديرا ٢ ﴾( الفرقان ) :فخلق الله تعالى ليس خلقا كما اتفق، إنما خلقه سبحانه بقدر وحساب وحكمة، فيخلق الشيء على قدر مهمته التي يؤديها ؛ لذلك قال في موضع آخر : ﴿ الذي خلق فسوى٢ والذي قدر فهدى٣ ﴾( الأعلى ).
﴿ واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا٣ ﴾
أي :أتوا بآلهة غير الله، هذه الآلهة بإقرارهم وبشهادتهم وواقعهم لا تخلق شيئا، ويا ليتها فقط لا تخلق شيئا، ولكن هي أنفسها مخلوقة، فاجتمع فيها الأمران.
وهذه من الآيات التي وقف عندها المستشرقون وقالوا :إن فيها شبهة تناقض ؛ لأن الله- سبحانه وتعالى- قال : ﴿ فتبارك الله أحسن الخالقين ١٤ ﴾( المؤمنون ) :فأثبت أن معه آخرين لهم صفة الخلق، بدليل أنه جمعهم معه، وهو سبحانه أحسنهم. وفي موضع آخر يقول سبحانه﴿ ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله... ٤٩ ﴾( آل عمران ).
وللرد على هؤلاء نقول :تعالوا أولا نفهم معنى الخلق، الخلق :إيجاد لمعدوم، كما مثلنا سابقا بصناعة كوب الزجاج من صهر بعض المواد، فالكوب كان معدوما وهو أوجده، لكن من شيء موجود، كما أن الكوب يجمد على حالته، لكن الحق سبحانه وتعالى يوجد من معدوم :معدوما من معدوم، ويوجده على هيئة فيها حياة ونمو وتكاثر من ذاته، كما قال سبحانه : ﴿ ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون٤٩ ﴾( الذاريات ).
والذين يصنعون الآن الورد الصناعي، ويحاولون جاهدين مضاهاة الورد الطبيعي الذي خلقه، فيضعون عليه رائحة الورد ليتوفر لها الشكل والرائحة، ثم ترى الوردة الصناعية زاهية لا تذبل، لكن العظمة في الوردة الطبيعية أنها تذبل ؛ لأن ذبولها يدل على أن بها حياة.
لذلك سمى الله الإنسان خالقا، فأنصفه واحترم إيجاده للمعدوم، لكنه سبحانه أحسن الخالقين، ووجه الحسن أن الله تعالى خلق من لا شيء، وأنت خلقت من موجود، الله خلق خلقا فيه حياة ونمو وتكاثر، وأنت خلقت شيئا جامدا على حالته الأولى، ومع ذلك أنصفك ربك.
ففي قوله تعالى : ﴿ أخلق لكم من الطين كهيئة الطير... ٤٩ ﴾( آل عمران ) :معلوم أنه في مقدور كل إنسان أن يصور من الطين طيرا، ويصممه على شكله، لكن أيقال له :إنه خلق بهذا التصوير طيرا ؟ وهل العظمة في تصويره على هيئة الطير ؟ العظمة في أن تبعث فيه الحياة، وهذه لا تكون إلا من عند الله ؛ لذلك قال عيسى عليه السلام : ﴿ فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله... ٤٩ ﴾( آل عمران ).
فإن سلمنا أنهم يخلقون شيئا فهم في ذات الوقت مخلوقون، والأدهى من هذا أن الذي يتخذونه إلها لا يستطيع حتى أن يحمي نفسه أو يقيمها، إن أطاحت به الريح، وإن كسر ذراع الإله أخذوه ليرمموه، الإله في يد العامل ليصلحه ! ! شيء عجيب وعقليات حمقاء.
لذلك يقول تعالى عن آلهتهم : ﴿ إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب٧٣ ﴾( الحج ).
ثم يقول سبحانه : ﴿ ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا... ٣ ﴾( الفرقان ) :يعني :لا تنفعهم إن عبدوها، ولا تضرهم إن كفروا بها﴿ ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا٣ ﴾( الفرقان ) :أي :موتا أو حياة، لغيرهم، فهم لا يملكون شيئا من هذا كله، لأنه من صفات الإله الحق الذي يحيي ويميت، ثم ينشر الناس في الآخرة. إذن :للإنسان مراحل متعددة، فبعد أن كان عدما أوجده الله، ثم يطرأ عليه الموت فيموت، ثم يبعثه الله، ويحييه حياة الآخرة.
ثم يقول سبحانه :
﴿ وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا٤ ﴾
بعد ان تكلم الفرقان وفرق في مسألة القمة والألوهية واتخاذ الولد والشركاء، وبين الإله الحق من الإله الباطل، أراد سبحانه أن يتكلم عن الفرقان في الرسالة، فيحكي ما قاله الكفار عن القرآن﴿ إن هذا... ٤ ﴾( الفرقان ) :يعني :ما هذا – أي القرآن- الذي يقوله محمد ﴿ إلا إفك٤ ﴾( الفرقان ) :الإفك :تعمد الكذب الذي يقلب الحقائق، وسبق أن قلنا :إن النسبة الكلامية إن وافقت الواقع فهي صدق، وإن خالفته فهي كذب.
والإفك قلب للواقع يجعل الموجود غير موجود، وغير الموجود موجودا، كما جاء في حادثة الإفك حين اتهموا عائشة أم المؤمنين بما يخالف الواقع، فالواقع أن صفوان١ أناخ لها ناقته حتى ركبت دون أن ينظر إليها، وهذا يدل على منتهى العفة والصيانة، وهم بالإفك جعلوا الطهر والعفة عهرا.
ومن العجيب أن هؤلاء الذين اتهموا القرآن بأنه إفك هم أنفسهم الذين قالوا عنه :
﴿ لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم٣١ ﴾( الزخرف ) :فهم يعترفون بالقرآن ويشهدون له، لكن يتعبهم وينغص عليهم أن ينزل على محمد بالذات، فلو نزل –فرضا- على غير محمد لآمنوا به.
ومن حمقهم أن يقولوا : ﴿ اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم٣٢ ﴾( الأنفال ).
والمنطق أن يقولوا فاهدنا إليه، لكنه العناد والمكابرة.
وقوله : ﴿ افتراه... ٤ ﴾( الفرقان ) أي :ادعاه، وعجيب أمر هؤلاء، يتهمون القرآن بأنه إفك مفترى، فلماذا لا يفترون هم أيضا مثله، وهم أمة بلاغة وبيان ؟ !.
وفي موضع آخر يقول تعالى : ﴿ ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين١٠٣ ﴾( النحل ).
وقديما قالوا :إن كنت كذوبا فكن ذكورا، وإلا فكيف تتهمون محمدا أن رجلا أعجميا يعلمه القرآن، والقرآن عربي ؟.
وقوله تعالى : ﴿ وأعانه عليه قوم آخرون... ٤ ﴾( الفرقان ) :الذي قال هذه المقولة هو النضر بن الحارث، ولما قالها رددها بعده آخرون أمثال :عداس، ويسار، وأبي فكيهة الرومي، والقرآن يرد على كل هذه الاتهامات : ﴿ فقد جاءوا ظلما وزورا٤ ﴾( الفرقان ) :أي :حكموا به والظلم هو :الحكم بغير الحق، والزور هو :عدة الحكم ودليله. والظلم يأتي بعد الزور، لأن القاضي يستمع أولا إلى الشهادة، ثم يرتب عليها الحكم، فإن كانت الشهادة شهادة زور كان الحكم حينئذ ظلما.
لكن الحق- تبارك وتعالى- يقول﴿ ظلما وزورا٤ ﴾( الفرقان ) :وهذا دليل على أن الحكم جاء منهم مسبقا، ثم التمسوا له دليلا.
١ هو: صفوان بن المعطل بن رحضة السلمي الذكواني، أبو عمرو: صحابي، شهد الخندق والمشاهد كلها، وحضر فتح دمشق، واستشهد بأرمينية عام١٩هـ.(الأعلام للزركلي ٣/٢٠٦)..
ثم يقول الحق سبحانه : ﴿ وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا٥ ﴾
الأساطير :جمع أسطورة، مثل :أعاجيب جمع أعجوبة، وأحاديث جمع أحدوثة، والبكرة أول النهار، والأصيل آخره، والمعنى أنهم قالوا عن القرآن :إنه حكايات وأساطير السابقين﴿ اكتتبها.... ٥ ﴾( الفرقان ) :يعني :أمر بكتابتها. وهذا من ترددهم واضطراب أقوالهم، فالنبي صلى الله عليه وسلم أمي لا يقرأ ولا يكتب، وقولهم : ﴿ فهي تملى عليه بكرة وأصيلا٥ ﴾( الفرقان ) :أي :باستمرار ليكررها ويحفظها.
ويرد القرآن عليهم :
﴿ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما٦ ﴾ :
﴿ أنزله... ٦ ﴾( الفرقان ) :أي :القرآن مرة واحدة من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا﴿ الذي يعلم السر في السماوات والأرض... ٦ ﴾( الفرقان ) :فلا تظن أنك بمجرد خلقك قدرت أن تكشف أسرار الله في كونه، إنما ستظل إلى قيام الساعة تقف على سر، وتقف عند سر آخر.
لماذا ؟ لأن الحق- سبحانه وتعالى- يريد أن يبطل هذه المدعيات، ويأتي بأشياء غيبية لم تكن تخطر على بال المعاصرين لمحمد، ثم تتضح هذه الأشياء على مر القرون، مع أن القرآن نزل في أمة أمية، والرسول الذي نزل عليه القرآن رجل أمي، ومع ذلك يكشف لنا القرآن كل يوم عن آية جديدة من آيات الله.
كما قال سبحانه : ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق... ٥٣ ﴾( فصلت ).
والحق- تبارك وتعالى- يكشف لرسوله صلى الله عليه سلم شيئا من الغيبيات، ليراها المعاصرون له ليلقم الكفار الذين اتهموه حجرا، فيكشف بعض الأسرار كما حدث في بدر وقف النبي صلى الله عليه وسلم في ساحة المعركة، وقف يشير بعصاه إلى مصارع الكفار، ويقول " هذا مصرع أبي جهل، وهذا مصرع عتبة بن ربيعة... " ١... الخ يخطط على الأرض مصارع القوم.
ومن الذي يستطيع أن يحكم مسبقا في معركة فيها كر وفر، وضرب وانتقال وحركة، ثم يقول :سيموت فلان في هذا المكان.
والوليد بن المغيرة والذي قال عنه القرآن٢ ﴿ سنسمه على الخرطوم١٦ ﴾( القلم ) :يعني :ستأتيه ضربة على أنفه تسمه بسمة تلازمه، وبعد المعركة يتفقده القوم فيجدونه كذلك.
هذه كلها أسرار من أسرار الكون يخبر بها الحق- تبارك وتعالى- رسول الله صلى الله عليه وسلم، والرسول يخبر بها أمته في غير مظنة العلم بها.
ومن ذلك ما يروي من أن ابنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تزوجتا من ولدين لأبي لهب، فلما حدثت العداوة بينه وبين رسول الله أمر ولديه بتطليق ابنتي رسول الله، وبعدها رأي أحد الولدين رسول الله ماشيا، فبصق ناحيته، ورأى رسول الله ذلك فقال له :" أكلك كلب٣ من كلاب الله " ٤. فقال أبو لهب بعد أن علم بهذه الدعوة :أخاف على ولدي من دعوة محمد.
وعجيب أن يخاف هذا الكفار من دعوة رسول الله، وهو الذي يتهمه بالسحر وبالكذب ويكفر به وبدعوته.
ولما خرج هذا الولد في رحلة التجارة إلى الشام أوصى به القوم أن يحرسوه، ويجعلوا حوله سياجا من بضائعهم يحميه خشية أن تنفذ فيه دعوة محمد، وهذا منه كلام غير منطقي، فهو يعلم صدق النبي صلى الله عليه وسلم وأنه مرسل من عند الله، لكن يمنعه من الإيمان حقده على رسول الله وتكبره على الحق.
وخرج الولد في رحلة التجارة ورغم احتياطهم في حمايته هجم عليه سبع في إحدى الليالي واختطفه من بين أصحابه، فتعجبوا لأن رسول الله قال " كلب من كلاب الله " وهذا أسد ليس كلبا. قال أهل العلم :ما دام أن رسول الله نسب الكلب إلى الله، فكلب الله لا يكون إلا أسدا.
فالمعنى :قل يا محمد في الرد عليهم ولإبطال دعاواهم : ﴿ أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض... ٦ ﴾( الفرقان ) :وسوف يفضحكم ويبطل افتراءكم على رسول الله من قولكم إفك وكذب وافتراء وأساطير الأولين، وسوف يخزيكم أمام أعين الناس جميعا.
وعلى عهد رسول الله قامت معركة بين الفرس والروم غلبت فيها الروم، فحزن رسول الله لهزيمة الروم ؛ لأنهم أهل كتاب يؤمنون بالله وبالرسل، أما الفرس فكانوا كفارا لا يؤمنون بالله ويعبدون النار وغيرها. فمع أنهما يتفقان في تكذيبهم لرسول الله، إلا أن إيمان الروم بالله جعل رسول الله يتعصب لهم مع أنهم كافرون به، فعصبية رسول الله لا تكون إلا لربه عز وجل.
فلما حزن رسول الله لذلك أنزل الله تعالى عليه : ﴿ آلم١غلبت الروم ٢ في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون٣ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ٤ بنصر الله٥ ﴾( الروم ).
فأي عقل يستطيع أن يحكم على معركة ستحدث بعد عدة سنوات ؟ لو أن المعركة ستحدث غدا لأمكن التنبؤ بنتيجتها، بناء على حساب العدد والعدة والإمكانات العسكرية، لكن من يحكم على معركة ستدور رحاها بعد سبع سنين ؟ ومن يجرؤ أن يقولها قرآنا يتلى ويتعبد به إلى يوم القيامة. فلو أن هذه المدة مرت ولم يحدث ما أخبر به رسول الله لكفر به من آمن وانفض عنه من حوله.
إذن :ما قالها رسول الله قرآنا يتلى ويتعبد به إلا وهو واثق من صدق ما يخبر به ؛ لأن الذي يخبره ربه- عز وجل- الذي يعلم السر في السماوات والأرض ؛ لذلك قال هنا الحق سبحانه وتعالى : ﴿ قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض... ٦ ﴾( الفرقان ).
ومن العجيب أن ينتصر الروم على الفرس في نفس اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الكفر في غزوة بدر، هذا اليوم الذي قال الله تعالى عنه : ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ٤بنصر الله.... ٥ ﴾( الروم ).
وما دام أن الذي أنزل القرآن هو سبحانه الذي يعلم السر في السماوات والأرض، فلن يحدث تضارب أبدا بين منطوق القرآن ومنطوق الأكوان ؛ لأن خالقهما واحد- سبحانه وتعالى- فمن أين يأتي الاختلاف أو التضارب ؟.
ثم يقول سبحانه : ﴿ إنه كان غفورا رحيما٦ ﴾( الفرقان ) :فما مناسبة الحديث عن المغفرة والرحمة هنا ؟ قالوا :لأن الله- تبارك وتعالى- يريد أن يترك لهؤلاء القوم الذين يقرعهم مجالا للتوبة وطريقا للعودة إليه- عز وجل- وإلى ساحة الإيمان.
لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم لمن أشار عليه بقتل الكفار :" لعل الله يخرج من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا " ٥.
وكان الصحابة يألمون أشد الألم إن أفلت أحد رءوس الكفر من القتل في المعركة، كما حدث مع خالد بن الوليد وعمرو بن العاص قبل إسلامهما، وهم لا يدرون أن الله تعالى كان يدخرهم للإسلام فيما بعد.
فقوله تعالى : ﴿ إنه كان غفورا رحيما٦ ﴾( الفرقان ) :حتى لا يقطع سبيل العودة إلى الإيمان بمحمد على من كان كافرا به، فيقول لهم :على رغم ما حدث منكم، إن عدتم إلى الجادة وإلى حظيرة الإيمان ففي انتظاركم مغفرة الله ورحمته.
والحق- تبارك وتعالى- يبين لنا هذه المسألة حتى في النزوع العاطفي عند الخلق، فهند بنت عتبة٦ التي أغرت وحشيا ٧.
بقتل حمزة عم رسول الله وأسد الله وأسد رسوله، ولم تكتف بهذا، بل مثلت به بعد مقتله، ولاكت٨ كبده رضي الله عنه، ومع ذلك بعد أن أسلمت وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم نسيت لها هذه الفعلة وكأنها لم تكن.
ولما قال أحدهم لعمر بن الخطاب :هذا قاتل أخيك ( يشير إليه ) والمراد زيد بن الخطاب٩، فما كان من عمر إلا أن قال :وماذا أفعل به وقد هداه الله للإسلام ؟.
١ أخرجه مسلم في صحيحه(١٧٧٩)، وأحمد في سنده(٣/٢١٩-٢٥٨)من حديث أنس بن مالك، قال: فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال النووي" فما ماط" أي فما تباعد..
٢ قال ابن حجر في الفتح(٨/٦٦٢):"اختلف في الذي نزلت فيه، فقيل هو الوليد المغيرة وذكره يحي بن سلام في تفسيره. وقيل: الأسود بن عبد يغوث ذكره سند بن داود في تفسيره. وقيل: الأخنس بن شريق وذكره السهيلي عن القتيبي، وحكى هذين القولين الطبري".
٣ الكلب: كل سبع عقور، ومنه الأسد، قال ابن سيده: غلب الكلب على هذا النوع النابح. وقد يكون التكلب واقعا على الفهد وسباع الطير.(لسان العرب- مادة: كلب). اونظر فتح الباري(٤/٣٩)..
٤ وذلك أن عتيبة بن أبي لهب حين فارق أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء النبي وقال: كفرت بدينك، وفارقت ابنتك، لا تحبني ولا أحبك، ثم تسلط على رسول الله صلى الله عليه وسلم فشق قميصه، فقال صلى الله عليه وسلم: "أما إني أسال الله أن يسلط عليه كلبه" (٦/١٩) وعزاه للطبراني مرسلا وقال:" فيه زهير بن العلاء وهو ضعيف"وقد أخرجه الحاكم في مستدركه (٢/٥٣٩)من حديث أبي عقرب وصححه، وحسنه ابن حجر في الفتح(٤/٣٩)..
٥ أخرج البخاري في صحيحه(٣٢٣١-٧٣٨٩)، وكذا مسلم في صحيحه(١٧٩٥)من حديث عائشة رضي الله عنها أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليه ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين، فقال صلى الله عليه وسلم:"بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به"..
٦ هي: هند بنت عتبة بن ربيعة القرشية، والدة معاوية بن أبي سفيان، شهدت أحدا في جانب المشركين وفعلت ما فعلت بحمزة، وقد أسلمت يوم الفتح، ماتت في خلافة عثمان.(الإصابة في تمييز الصحابة ٨/٢٠٦)..
٧ هو: وحشي بن حرب الحبشي مولى بني نوفل، وهو اتل حمزة عم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله يوم أحد، وقد أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغيب وجهه عنه، وقد شارك في حروب الردة في قتل مسيلمة وقد شهد موقعة اليرموك ثم سكن حمص ومات بها، وقد عاش إلى خلافة عثمان.(الإصابة ترجمة ٩١١٠)..
٨ لاك: مضغ. وهو مضغ الشيء الصلب تديره في فمك. واللوك: إدارة الشيء في الفم. (لسان العرب –مادة: لوك)..
٩ هو: زيد بن الخطاب بن نفيل العدوى، أخو عمر بن الخطاب لأبيه، أمه أسماء بنت وهب من بني أسد، أما أم عمر فهي حنتمة بنت هاشم المخزومية، وكان زيد أكبر سنا من عمر وأسلم قبله وشهد بدرا والمشاهد واستشهد باليمامة.(تمييز الصحابة ٣/٢٧).
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا٧ ﴾
عجيب أمر هؤلاء المعاندين :يعترضون على رسول الله أن يأكل الطعام ويمشي في الأسواق لكسب العيش، فهل سبق لهم أن رأوا نبيا لا يأكل الطعام، ولا يمشي في الأسواق ؟ ولو أن الأمر كذلك لكان لاعتراضهم معنى، إذن :قولهم﴿ ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق... ٧ ﴾( الفرقان ) :قول بلا حجة من الواقع، ليستدركوا بهذه المسألة على رسول الله.
فماذا يريدون ؟.
قالوا : ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا٧ ﴾( الفرقان ) :صحيح أن الملك لا يأكل، لكن معنى﴿ لولا أنزل إليه ملك... ٧ ﴾( الفرقان ) :يعني :يسانده، وفي هذه الحالة لن يغير من الأمر شيئا، وسيظل كلام محمد هو هو لا يتغير. إذن :لن يضيف الملك جديدا إلى الرسالة... وعليه، فكلامهم هذا سفسطة وجدل لا معنى له.
وكلمة﴿ فيكون معه نذيرا٧ ﴾( الفرقان ) :لم يقولوا بشيرا، مما يدل على اللدد واللجاج، وأنهم لن يؤمنوا ؛ لذلك لن يفارقهم الإنذار.
﴿ أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا٨ ﴾ :
تلحظ أنهم يتنزلون في لددهم وجدلهم، فبعد أن طلبوا ملكا يقولون﴿ أو يلقى إليه كنز٨ ﴾( الفرقان ) :أي :ينزل عليه ليعيش منه﴿ أو تكون له جنة يأكل منها٨ ﴾( الفرقان ) :أي :بستان﴿ وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا٨ ﴾( الفرقان ).
والمسحور هو الذي ذهب السحر بعقله، والعقل هو الذي يختار بين البدائل ويرتب التصرفات، ففاقد العقل لا يمكن أن يكون منطقيا في تصرفاته ولا في كلامه، ومحمد صلى الله عليه وسلم ليس كذلك، فأنتم تعرفون خلقه وأمانته، وتسمونه " الصادق الأمين " وتعترفون بسلامة تصرفاته وحكمته، كيف تقولون عنه مجنون ؟.
لذلك يقول تعالى ردا عليهم : ﴿ ن والقلم وما يسطرون ١ ما أنت بنعمة ربك بمجنون ٢ وإن لك لأجرا غير ممنون٣ وإنك لعلى خلق عظيم٤ ﴾( القلم )..
والخلق يسوي تصرفات الإنسان فيجعلها مسعدة غير مفسدة، فكيف- إذن- يكون ذو الخلق مجنونا ؟ إذن :ليس محمد مسحورا.
وفي موضع آخر قالوا :ساحر، وعلى فرض أنه صلى الله عليه وسلم ساحر، فلماذا لم يسحركم كما سحر المؤمنين به ؟ إنه لجج الباطل وتخبطه واضطرابه في المجابهة.
ثم يقول الحق سبحانه : ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا٩ ﴾ :
﴿ انظر... ٩ ﴾( الفرقان ) :خطاب لإيناس رسول الله وتطمينه﴿ كيف ضربوا لك الأمثال... ٩ ﴾( الفرقان ) :أي :اتهموك بشتى التهم فقالوا ساحر. وقالوا :مسحور. وقالوا :شاعر. وقالوا :كاهن﴿ فضلوا فلا يستطيعون سبيلا٩ ﴾( الفرقان ) :لأنهم يقولون كذبا وهراء وتناقضا في القول.
﴿ فضلوا... ٩ ﴾( الفرقان ) :أي :عن المثل الذي يصدق فيك ليصرف عنك المؤمنين بك، ويجعل الذين لم يؤمنوا يصرون على كفرهم، فلم يصادفوا ولو مثلا واحدا، فقالوا :ساحر وكذبوا وقالوا :مسحور وكذبوا﴿ فلا يستطيعون سبيلا ٩ ﴾( الفرقان ) :أي :إلى ذلك.
ثم يقول الحق سبحانه١ :
﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا١٠ ﴾ :
﴿ تبارك.. ١٠ ﴾( الفرقان ) :كما قلنا :تنزه وعظم خيره ؛ لأن الكلام هنا أيضا فيه عطاء متمثل في الخير الذي ساقه الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم، فعطاؤه سبحانه دائم لا ينقطع، بحيث لا يقف خير عند عطائه، بل يظل عطاؤه خيرا موصولا، فإذا أعطاك اليوم عرفت أن ما عنده في الغد خير مما أعطاك الأمس.
١ سبب نزول الآية: قال ابن عباس: لما عير المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفاقة قالوا: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزل جبريل من عند ربه معزيا له، فقال:السلام عليك يا رسول الله، رب العزة يقرئك السلام ويقول لك: ﴿وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق...٢٠﴾(الفرقان) وقال جبريل: أبشر يا محمد، هنا رضوان خازن الجنة قد أتاك بالرضا من ربك، فأقبل رضوان حتى سلم ثم قال: يا محمد رب العزة يقرئك السلام، ومعه سفط من نور يتلألأ ويقول لك ربك: هذه مفاتيح خزائن الدنيا مع ما لا ينتقص لك مما عنده في الآخرة مثل جناح بعوضة، فقال: يا رضوان، لا حاجة لي فيها، الفقر أحب إلي وأن أكون عبدا صابرا شكورا. بتصرف واختصار(من أسباب النزول للواحدي النيسابوري ص١٩٠، ١٩١)،و(تفسير القرطبي ٦/٤٨٦٩)..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا١١ ﴾ :
يضرب السياق عن الكلام السابق، ويعود إلى مسألة تكذيبهم وعدم الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن الإيمان ليس في مصلحتهم، فالإيمان يقتضي حسابا وجزاء، وهم يريدون التمادي في باطلهم والاستمرار في لغوهم واستهتارهم ومعاصيهم ؛ لذلك يكذبون أنفسهم ويخدعونها ليظلوا على ما هم عليه.
ولذلك ترى الذين يسرفون على أنفسهم في الدنيا من الماديين والملاحدة والفلاسفة يتمنون أن تكون قضية الدين قضية فاسدة كاذبة، فينكرونها بكل ما لديهم من قوة، فالدين عندهم أمر غير معقول ؛ لأنهم لو أقروا به فمصيبتهم كبيرة.
ومعنى : ﴿ أعتدنا... ١١ ﴾( الفرقان ) :هيأنا وأعددنا لهم سعيرا ؛ لأن عدم إيمانهم بالساعة هو الذي جر عليهم العذاب، ولو أنهم آمنوا بها وبلقاء الله وبالحساب وبالجزاء لاهتدوا، واعتدلوا على الجادة، ولنجوا من هذا السعير.
والسعير :اسم للنار المسعورة التي تلتهم كل ما أمامهم، كما نقول :كلب مسعور،
ثم يقول سبحانه في وصفها : ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا١٢ ﴾ :
يريد الحق- تبارك وتعالى- أن يشخص لنا النار، فهي ترى أهلها من بعيد، وتتحرش بهم تريد من غيظها أن تثب عليهم قبل أن يصلوا إليها.
والتغيظ :ألم وجداني في النفس يجعل الإنسان يضيق بما يجد، ومن ذلك نسمع ما يقول :( أنا أطق من جنابي )، يعني :نتيجة ما بداخله من الغيظ لا يتسع له جوفه، وما دام الغيظ فوق تحمل النفس وسعتها فلا بد أن يشعر الإنسان بالضيق، وأنه يكاد ينفجر.
لذلك يقول تعالى عن النار في موضع آخر : ﴿ تكاد تميز من الغيظ ٨ ﴾( الملك ) :تميز يعني :تكاد أبعاضها تنفصل بعضها عن بعض.
لكن، لماذا تميز النار من الغيظ ؟ قالوا :لأن الكون كله مسبح لله حامد شاكر لربه ؛ لذلك يسر بالطبائع ويحبه، ويكره العاصي، ألا ترى أن الوجود كله قد فرح لمولد النبي صلى الله عليه وسلم، فرح لمولده الجماد والنبات والحيوان واستبشر، لأنه صلى الله عليه وسلم جاء ليعيد للإنسان انسجامه مع الكون المخلوق له، ويعدل الميزان.
ومع ذلك نرى من البشر العقلاء أصحاب الاختيار من يكفر، لذلك تغتاظ النار من هؤلاء الذين شذوا عن منظومة التسبيح والتحميد ورضوا لأنفسهم أن يكونوا أدنى من الجماد والنبات والحيوان، ومن ذلك يقولون :نبا بهم المكان من كفرهم، يعني الأماكن من الأرض تنكرهم وتتضايق من وجودهم عليها، كما تفرح الأرض بالطائع وتحييه ؛ لأنه منسجم معها، المكان والمكين ينتظمان في منظومة التسبيح والطاعة.
لذلك ينبهنا إلى هذه المسألة الإمام علي- رضي الله عنه- فيقول :إذا مات المؤمن بكى عليه موضعان :موضع في السماء، وموضع في الأرض. أما في الأرض فموضع مصلاه ؛ لأنه حرم من صلاته، وأما موضعه في السماء فمصعد عمله الطيب١.
والحق- تبارك وتعالى- يظهر لنا هذه الصورة في قوله سبحانه : ﴿ يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد٣٠ ﴾( ق ) :فالنار تتشوق لأهلها كالذي يأكل ولا يشبع، فمهما ألقي فيها من العصاة تقول : ﴿ هل من مزيد٣٠ ﴾( ق ) :
ومعنى﴿ زفيرا... ١٢ ﴾( الفرقان ) :النفس الخارج، وفي موضع آخر يقول تعالى : ﴿ إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور٧ ﴾( الملك ) :فذكر أن لها شهيقا وزفيرا، وهي في المكان الضيق.
١ ذكره ابن كثير في تفسيره (٤/١٤٢) وعزاه لابن أبي حاتم أن عليا قال: "إنه ليس من عبد إلا له مصلي في الأرض ومصعد عمله من السماء، وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا عمل يصعد في السماء". وعن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه" قال الهيثمي في المجمع "رواه أبو يعلى، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف"..
﴿ وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا١ مقرنين ٢دعوا هنالك ثبورا١٣ ﴾ :
فجمع الله عليهم من العذاب ألوانا حتى يقول الواحد منهم لمجرد أن يرى العذاب﴿ يا ليتني كنت ترابا٤٠ ﴾( النبأ ) :وهنا يدعو بالويل والثبور، يقول :يا ويلاه يا ثبوراه يعني :يا هلاكي تعال احضر، فهذا أوانك لتخلصني مما أنا فيه من العذاب، فلن ينجيني من العذاب إلا الهلاك ؛ لذلك يقولون :أشد من الموت الذي يطلب الموت على حد قول الشاعر :
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا * وحسب المنايا أن يكن أمانيا٣.
ولك أن تتصور بشاعة العذاب الذي يجعل صاحبه يتمنى الموت، ويدعو به لنفسه.
١ قال عبد الله بن مسعود: إن جهنم لتضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح. ذكره ابن المبارك في رقائقه(٢٩٩-زوائد الزهد) وأورده القرطبي في تفسيره(٦/٤٨٧١)..
٢ مقرنين: مكتفين. قاله أبو صالح. وقيل: مصفدين قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. وقيل: قرنوا مع الشياطين، أي: قرن كل واحد منهم إلى شيطانه.(أورد هذه الأقوال القرطبي في تفسيره(٦/٤٨٧١).
٣ البيت للمتنبي (ديوانه٤/٢٨١) وذكره شهاب الدين محمود الحلبي في "صناعة الترسل" (ص٢٥٢) في شواهد حسن الابتداءات..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا١٤ ﴾ :
يوبخهم الحق- سبحانه وتعالى- ويبكتهم :يا خيبتكم ويا ضياعكم، لن ينفعكم أن تدعو ثبورا واحدا، بل ادعوا ثبورا وثبورا وثبورا ؛ لأنها مسألة لن تنتهي، فسوف يسلمكم العذاب إلى عذاب، حتى ينادوا : ﴿ يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ٧٧ ﴾( الزخرف ) :وهو عذاب متجدد : ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب... ٥٦ ﴾( النساء ).
ثم يذكر الحق سبحانه المقابل ليكون أنكى لأهل الشر وأغيظ لهم، فيذكر بعد العذاب الثواب على الخير وعظم الجزاء على الطاعة، ومثل هذه المقابلات كثيرة في كتاب الله، كما في قوله تعالى : ﴿ إن الأبرار لفي نعيم ١٣ وإن الفجار لفي جحيم١٤ ﴾( الانفطار ).
ويقول سبحانه : ﴿ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون٨٢ ﴾( التوبة ).
وهنا بعد أن ذكر النار وما لها من شهيق وزفير، يقول سبحانه :
﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا١٥ ﴾ :
﴿ قل١٥ ﴾( الفرقان )أمر لرسول الله بأن يقول، والمقول له هم الذين اعترضوا على نبوته صلى الله عليه وسلم باعترضات واهية من المعاصرين له، وكانوا يتخبطون في هذه المسائل تخبط من لا يعرف فيها حقيقة، وإنما غرضه فقط أن يتعرض لرسول الله في أمر دعوته، والتعرض لأي نبي في أمر دعوته من المعاصرين له أمر طبيعي :لأن الرسل إنما يجيئون حين يستشري الفساد.
وسبق أن قلنا :إن الحق سبحانه وتعالى – جعل في كل نفس ملكة تجعل الإنسان يفعل شيئا، ثم تأتي ملكة أخرى فيه لتلومه على ذلك، حينئذ تكون المناعة في ذات الإنسان ويسمونها اللوامة، لكن قد تنطمس فيه هذه الملكة، فتتعاون كل ملكاته على الشر، بحيث تكون النفس بكل ملكاتها أمارة بالسوء، وهي أمارة بصيغة المبالغة لا آمرة أي :أنها أخذت هذا الأمر حرفة لها.
كما لو رأيت رجلا ينجر في قطعة من الخشب تقول له :ناجر، فإن اتخذها حرفة له، لا يعمل إلا هي، تقول له :نجار، ومثله :خائط وخياط. فالمعنى :أمارة يعني :لم يعد لها عمل في أن تردع عن الشر، بل دائما تقوي نوازع الشر في النفس، وتتأصل فيها حتى تصير لها حرفة.
فماذا يكون الموقف إذن ؟.
لا بد أن يجعل الحق سبحانه في نفوس قوم آخرين ملكة الخير ليواجهوا أصحاب هذه الأنفس الأمارة بالسوء، يواجهونهم بالنصح والإرشاد والموعظة، ويصرفونهم عن الشر إلى الخير. فإذا ما فسد المجتمع كله، لا نفس مانعة، ولا مجتمع مانع، فلا بد أن تتدخل السماء برسول جديد.
ومن رحمة الله بالعالم أنه سبحانه ضمن لأمة محمد صلى الله عليه وسلم أن تكون فيها النفس اللوامة، وضمن لما أن يظل مجتمعها آمرا بالمعروف، ناهيا عن المنكر ؛ لذلك لا حاجة لرسول بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذن :فالمناعة موجودة في أمة الإسلام، ولو لم تكن هذه المناعة موجودة في النفس أولا، وفي المجتمع ثانيا لتدخلت السماء بعد رسول الله برسول جديد ومعجزة جديدة ليعيد الخلق إلى رشدهم.
ولا شك أن في المجتمع طائفة تنتفع بهذا الفساد، ويعيشون في ترف في ظله، فطبيعي- إذن- أن يدافعوا عنه، وطبيعي أن يتصدوا لدعوة الرسول التي جاءت لتعدل ميزان المجتمع، وأن يقفوا له بالمرصاد ؛ لأنه يهدد هذه النفعية ويقضي على مصلحتهم.
وإن كان الرسل السابقون قد تعرضوا لمثل هذا الاضطهاد، فقد تعرض رسول صلى الله عليه وسلم لأضعاف ما تعرضوا له ؛ لأن اضطهاده صلى الله عليه وسلم جاء مناسبا لضخامة مهمته، فقد جاءت الرسل قبله، كل إلى أمته خاصة في زمن محدد، أما رسالته صلى الله عليه وسلم فقد جاءت للناس كافة، تعم كل الزمان وكل المكان إلى أن تقوم الساعة، فلا بد إذن أن تكون مهمته أصعب.
وهؤلاء الكبراء الذين ينتفعون بالفساد في المجتمع يظنون أن رسول الله إذا لوح له بالمال والنعيم يمكن أن يتنازل عن دعوته، ويترك لهم الساحة ؛ لذلك اجتمع صناديد قريش على رسول الله، يلوحون له بالمال والجاه والسلطان، ليصدوه عن الدعوة ويصرفوه عنها، هؤلاء الذين سماهم أستاذنا الشيخ موسى :دستة الشر، وكانوا اثنا عشر رجلا، منهم :أبو البختري١، وأبو جهل، وأبو سفيان، والأسود بن المطلب، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، وعتبة بن ربيعة، ومنبه بن الحجاج، والوليد بن المغيرة، والنضر بن الحارث، وشيبة بن ربيعة، ونبيه ابن الحجاج٢.
لقد ذهب هؤلاء ٣ إلى سيدنا رسول الله يقولون : " نحن وفد قومك إليك، جئنا لنقدم المعذرة حتى لا يلومنا أحد بعد ذلك، فإن كنت تريد مالا جمعنا لك الأموال، وإن كنت تريد شرفا سودناك علينا وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا ".
وفرق بين المال والشرف :المال أن يكون الإنسان غنيا، لكن ربما لا شرف له، ولا مكانة بين الناس، وهناك من له شرف وسيادة، وليس له مال.
ونلحظ أنهم ارتقوا في مساومة رسول الله من المال إلى الشرف والسيادة، ثم إلى الملك. فماذا كان موقفه صلى الله عليه وسلم ؟ كان موقفه هو الموقف الذي مهد الله له به، حينما عرض عليه جبريل عليه السلام أن يجعل الله له جبال مكة ذهبا، فقال صلى الله عليه وسلم :" بل أشبع يوما فأشكر، وأجوع ثلاثة أيام فأتضرع " ٤.
وفي موقف آخر، قال له جبريل :يخيرك ربك أن تكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا ؟ فقال : " بل نبيا عبدا " ٥.
والنبي مالك منهج السماء، والملك الذي ملك يملك السيطرة بحيث لا يستطيع أحد أن يقف في وجهه، مثل سليمان عليه السلام، حيث آتاه الله ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، ومع ذلك لم يكن هذا الملك هو المطلوب في ذاته، بدليل أن سليمان –عليه السلام- مع ما أوتيه من الملك كان لا يأكل إلا الخوشكار يعني :الخبز الأسمر غير النقي ( الردة ) في حين يأكل عبيده ومواليه الدقيق الفاخر النقي٦، فلم يكن سليمان يريد الملك لذاته، إنما ليقوى به على دعوته، فلا يعارضه فيها أحد.
لذلك، لما أرسلت إليه ملكة سبأ بهدية لتستميله بها وتصرفه عما يريد رد عليها : ﴿ فلما جاء سليمان قال أتمدونني بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون٣٦ ﴾( النمل )،
لذلك جاءته صاغرة تقول : ﴿ رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمان لله رب العالمين٤٤ ﴾( النمل ).
إذن :مسألة المال هذه عرضت على رسول الله قبل أن يقترحها كفار مكة، فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد رفضه ممن يملكه، فكيف يقبله ممن لا يملك شيئا ؟ لذلك قال لهم :والله ما بي حاجة إلى ما تقولون، فلست طالب مال، ولا ملك، ولا شرف، إنما أنا رسول الله أرسلت إليكم، ومعي كتاب فيه منهجكم، وأمرني ربي أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فإن جئتم على ما أحب فقد ضمنتم حظ الدنيا والآخرة، وإن رددتم علي قولي فإنني سأصبر إلى أن يحكم الله بيننا، وهو خير الحاكمين٧.
فلجئوا إلى عم النبي صلى الله عليه وسلم، لعله يستطيع أن يستميله، فلما كلمه عمه قال قولته المشهورة :" والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر ما تركته حتى يظهره الله أو أهلك دونه " ٨.
﴿ أذلك١٥ ﴾( الفرقان ) :أي :ما أنتم فيه الآن من العذاب خير، أم جنة الخلد التي وعد المتقون ؟ احكموا أنتم في هذه المسألة وسنرضى بحكمكم، إنها إغاظة لأهل النار، حيث جمع الله عليهم مقاساة العذاب مع النظر إلى أهل الجنة وما هم فيه من النعيم، ولو كانت الأولى وحدها لكانت كافية، إنما هو في العذاب ويأتيه أهل الجنة ليبكتوه :انظر ما فاتك من النعيم ! !.
وفيها أيضا تقريع لهم، فليس هناك وجه للمقارنة بين الجنة والنار، فأنت مثلا لا تقول :العسل خير أو الخل ؛ لأنه أمر معروف بداهة.
وسبق أن تكلمنا عن الصراط، ولماذا ضرب على متن جهنم، والجميع يمرون عليه ؛ لأن الله- تبارك وتعالى- يريد أن يجعل لك من مرائي النار التي تمر عليها فوق الصراط نعمة أخرى تذكرك بالنجاة من النار قبل أن تباشر نعيم الجنة.
لذلك لا يمتن الله علينا بدخول الجنة فحسب، إنما أيضا بالنجاة من النار، فيقول سبحانه : ﴿ فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز... ١٨٥ ﴾( آل عمران ).
فالحق- سبحانه وتعالى- يذكر لنا النار، وأن من صفاتها كذا وكذا، أما في الآخرة فسوف نراها رأي العين، كما قال سبحانه : ﴿ ثم لترونها عين اليقين٧ ﴾( التكاثر )وذلك حين تكون على الصراط، فتحمد الله على الإسلام الذي أنجاك من النار، وأدخلك الجنة، فكل نعمة منها أعظم من الأخرى.
وفي قوله تعالى : ﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد... ١٥ ﴾( الفرقان ) :كلمة خير في اللغة تدور على معنيين :خير يقابله شر، وخير يقابله خير أعظم منه. كما جاء في الحديث الشريف :" المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " ٩ فكلاهما فيه خير، وإن زاد الخير في المؤمن القوي، وعادة ما تأتي ( من ) في هذا الأسلوب :هذا خير من هذا.
أما الخير الذي يقابله شر، فمثل قوله تعالى : ﴿ أولئك هم خير البرية٧ ﴾( البينة ).
والجنة كما نستعملها في استعمالات الدنيا :هي المكان المليء بالأشجار والمزروعات التي تستر السائر فيها، أو تستر صاحبها أن ينتقل منها إلى خارجها ؛ لأن بها كل متطلبات حياته، بحيث يستغني بها عن غيرها، لذلك أردفها الحق- تبارك وتعالى- بقوله : ﴿ الخلد... ١٥ ﴾( الفرقان ).
إذن :فالجنة التي تراها في الدنيا مهما بلغت فليست هي جنة الخلد ؛ لأنها لابد إلى زوال، فعمرها من عمر دنياها، كأنه سبحانه يقول كل صاحب جنة في الدنيا :لا تغتر بجنتك ؛ لأنها ستؤول إلى زوال، وأشد الغم لصاحب السرور أن يتقين زواله، كما قال الشاعر :
أشد الغم عندي في سرور **** تيقن عنه صاحبه انتقالا
لذلك يطمئن الله تعالى عباده المؤمنين بأن الجنة التي وعدهم بها هي جنة الخلد والبقاء، حيث لا يفني نعيمها، ولا ينغص سرورها، فلذاتها دائمة، لا مقطوعة ولا ممنوعة.
وقوله تعالى : ﴿ التي وعد المتقون١٥ ﴾( الفرقان ) :الوعد هنا من الله تعالى الذي يملك كل أسباب الوفاء، والوعد بشارة بخير قبل مجيئه لتستعد لأن تكون من أهله، ويقابله الإنذار، وهو التهديد بشر قبل مجيئه لتتلافاه، وتجتنب أسباب الوقوع فيه.
وكلمة( متق ) الأصل فيها من جعل بينه وبين الشر وقاية، كما يقول سبحانه : ﴿ فاتقوا النار٢٤ ﴾( البقرة ) :يعني :اجعلوا بينكم وبينها وقاية.
ومن العجيب أن يقول سبحانه : ﴿ اتقوا الله١٩٤ ﴾( البقرة )، ويقول﴿ فاتقوا النار٢٤ ﴾( البقرة ) :والمعنى :اجعلوا بينكم وبين صفات جلاله القهرية وقاية ؛ لأنكم لا تتحملون صفات قهره، والنار جند من جنود الله في صفات جلاله، فكأنه تعالى قال :اتقوا جنود صفات الجلال من الله.
وقوله تعالى : ﴿ كانت لهم جزاء... ١٥ ﴾( الفرقان ) :أي :جزاء لما قدموا، وهذا المعنى واضح في قوله تعالى : ﴿ كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية٢٤ ﴾( الحاقة ) :فهذا تعليل ما هم فيه من النعيم :أنهم كثيرا ما تعبوا، واضطهدوا وعذبوا، وجزاء من عذب في ديننا أن نسعده الآن في الآخرة.
﴿ ومصيرا١٥ ﴾( الفرقان ) :أي :يصيرون إليه، إذن :لا تنظر إلى ما أنت فيه الآن، لكن انظر إلى ما تصير إليه حتما، وتأمل وجودك في الدنيا، وأنه موقوت مظنون، ووجودك في الآخرة وأنه باق دائم لا ينتهي، لذلك يقولون :إياك أن تدخل مدخلا لا تعرف كيفية الخروج منه.
١ أبو البختري: اسمه العاص بن هشام بن الحارث، قاله ابن إسحاق. وقال ابن هشام: هو العاص بن هاشم.(السيرة النبوية ١/٢٦٤)..
٢ ذكر ابن هشام في السيرة النبوية(١/٢٦٤)أنهم تسعة نفر، واستثنى ممن ذكرهم الشيخ: أمية بن خلف، النضر بن الحارث.
هذا الوفد ذهبوا إلى أبي طالب وقالوا: يا أبا طالب، إن ابن أخيك قد سب آلهتنا، وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلى بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فنكفيكه فقال لهم أبو طالب قولا رفيقا، وردهم ردا جميلا، فانصرفوا عنه، ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (١/٢٦٥)وانظر موقفا آخر(١/٢٩٥)..

٣ هو: الوليد بن المغيرة في واقعة أخرى أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم، يا بن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا، حتى لا لانقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب وبذلنا فيه أمولنا حتى نبرك منه. (سيرة ابن هشام١/٢٩٣-٢٩٤) باختصار..
٤ عن أبي أمامة قال النبي صلى الله عليه وسلم:"عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت: لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما وقال ثلاثا أو نحو هذا، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك. أخرجه الترمذي في سننه(٢٣٤٧)، وأحمد في مسنده (٥/٢٥٤). قال الترمذي: حديث" حسن..
٥ أخرجه ابن مبارك في الزهد(ص٢٦٥)، والطبراني في المعجم الكبير(١٠٦٨٦)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد(٩/٢٠):"فيه بقية بن الوليد وهو مدلس". وعزاه للطبراني في الأوسط وقال(١٠/٣١٥):"فيه سعدان بن الوليد ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح".
.

٦ أخرج أحمد في الزهد(ص١٤١ طبعة دار الكتاب العربي-بيروت) عن عطاء رضي الله عنه قال: كان سليمان عليه السلام يعمل الخوص بيده، ويأكل خبز الشعير، ويطعم بني إسرائيل الحوارى. وأورده السيوطي في الدر المنثور (٧/١٨٩) في تفسير آية ٣٥ –سورة ص. والحواري هو الدقيق الأبيض النقي..
٧ ذكره ابن هشام في السيرة النبوية بنحو هذا (١/٢٩٦)..
٨ أورده ابن هشام في السيرة النبوية (١/٢٦٦) معزوا لابن إسحاق، أن قريشا قالوا لأبي طالب: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب هذه المقالة..
٩ أخرجه أحمد بن حنبل في مسنده (٢/٣٦٦-٣٧٠) ومسلم في صحيحه (٢٦٦٤)وابن ماجة في سننه (٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا١٦ ﴾ :
في الآية السابقة قال سبحانه : ﴿ جنة الخلد... ١٥ ﴾( الفرقان ) :وهنا يقول﴿ خالدين.... ١٦ ﴾( الفرقان ) :وهذه من المواضع التي يرى فيها السطحيون تكرارا في كلام الله، مع أن الفرق واضح بينهما، فالخلد الأول للجنة، أما الثاني فلأهلها، بحيث لا تزول عنهم ولا يزولون هم عنها.
وقوله : ﴿ لهم فيها ما يشاءون... ١٦ ﴾( الفرقان ) :كأن امتياز الجنة أن يكون للذي دخلها ما يشاء، وفي هذه المسألة بحث يجب أن نتنبه إليه﴿ لهم فيها ما يشاءون.... ١٦ ﴾( الفرقان ) :يعني :إذا دخلت الجنة فلك فيها ما تشاء. إذن :لك فيها مشيئة من النعيم، ولا تشاء إلا ما تعرف من النعيم المحدود، أما الجنة ففيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وهذا الوعد لا يتحقق للمؤمن إلا في الجنة، أما في الدنيا فلا أحد ينال كل ما يشاء- حتى الأنبياء- ألا ترى أن نوحا عليه السلام طلب من ربه نجاة ولده. فقال : ﴿ إن ابني من أهلي... ٤٥ ﴾( هود ) :فلم يجب إلى ما يشاء.
ومحمد صلى الله عليه وسلم – رغم كل المحاولات- لم يتمكن من هداية عمه أبي طالب، وهذا لا يكون إلا في الدنيا، لذلك فاعلم أن الله تعالى حين يحجب عنك ما تشاء في الدنيا إنما ليدخره لك كما يشاء في الآخرة، مع أن الكثيرين يظنون هذا حرمانا، وحاشا لله تعالى أن يحرم عبده.
وفي قوله : ﴿ لهم فيها ما يشاءون... ١٦ ﴾( الفرقان ) :عطاءات أخرى، لكن ربك يعطيك على قدر معرفتك بالنعيم، ويجعل عليك( كنترولا ) فأنت تطلب وربك يعطيك، ويدخر لك ما هو أفضل مما أعطاك.
والمشيئة في الأخرى ستكون بنفسيات وملكات أخرى غير نفسيات وملكات مشيئات الدنيا، إنها في الآخرة نفوس صفائية خالصة لا تشتهي غير الخير، على خلاف ما نرى في الدنيا من ملكات تشتهي السوء، لأن الملكات هنا محكومة بحكم الجبر في الأشياء والاختيار في أشياء :الجبر في الأشياء التي لا تستطيع أن تتزحزح عنها كالمرض والموت مثلا، أما الاختيار ففي المسائل الأخرى.
ثم يقول سبحانه : ﴿ كان على ربك وعدا مسئولا١٦ ﴾( الفرقان ) :الوعد- كما قلنا- البشارة بخير قبل أوانه. وبعض العلماء يرى أن وعدا هنا بمعنى حق، لكن هل لأحد حق عند الله ؟
وفي موضع آخر يسميه تعالى جزاء، فهل هو وعد أم جزاء ؟ نقول :حينما شرع الحق سبحانه الوعد صار جزاء ؛ لأن الحق- تبارك وتعالى- لا يرجع في وعده، ولا يحول شيء دون تحقيقه.
وكلمة﴿ مسئولا١٦ ﴾( الفرقان ) :من السائل هنا ؟ قالوا :الله تعالى علمنا أن نسأله، واقرأ قوله تعالى : ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك... ١٩٤ ﴾( آل عمران ) :فقد سألناها نحن.
وكذلك سألتها الملائكة، كما جاء في قوله سبحانه على لسان الملائكة : ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم... ٨ ﴾( غافر ).
فالجنة- إذن- مسئولة من أصحاب الشأن، ومسئولة من الملائكة الذين يستغفرون لنا١.
١ أخرج ابن أبي حاتم البيهقي من طريق سعيد بن هلال عن محمد بن كعب القرظي في قوله﴿كان على ربك وعدا مسئولا١٦﴾(الفرقان) قال: إن الملائكة تسأل لهم ذلك في قولهم ﴿وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم...٨﴾(غافر) قال سعيد: وسمعت أبا حازم يقول: إذا كان يوم القيامة قال المؤمنون: ربنا عملنا لك بالذي أمرتنا، فانجز لنا ما وعدتنا، فذلك قوله﴿وعدا مسئولا ١٦﴾(الفرقان). أورده السيوطي في الدر المنثور(٦/٢٤١)..
﴿ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل١٧ ﴾ :
قوله : ﴿ ويوم يحشرهم... ١٧ ﴾( الفرقان ) :الحشر :جمع الناس أجمعين من لدن آدم-عليه السلام- وإلى أن تقوم الساعة في مكان واحد، ولغاية واحدة، وإذا كنا الآن نضج من الزحام ونشكو من ضيق الأرض بأهلها، ونحن في جيل واحد، فما بالك بموقف يجمع فيه كل الخلائق من آدم إلى قيام الساعة ؟.
والعبادة :أن يطيع العابد أوامر معبوده، فينبغي أن ننظر في كل من له أمر نطيعه :أهو أمر من ذاته ؟ أم أمر مبلغ من أعلى منه :رسول أو إله ؟ فإن كان الأمر من ذاته فعليك أن تنظر أهو مباح أم يتعارض مع نص شرعي ؟ فإن كان مباحا فلا بأس في إطاعته، أما إن كان مخالفا للشرع فإن أطعته فكأنك تعبده من دون الله.
إذن :حينما يأمرك الآمر بالصلاة أو الزكاة أو الصوم فأنت قبل أن تطيعه أطعت من حمله هذه الأمانة، والذين يطيعون من يأمرونهم بأشياء مخالفة لمنهج الله عبدوهم من دون الله، وجعلوهم آلهة مطاعين، كما قال سبحانه في الشياطين : ﴿ وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم... ١٢١ ﴾( الأنعام ) :وآخرون عبدوا الطاغوت، أو عبدوا الشمس، أو القمر، أو النجوم، أو الأصنام والجماد.
ومعلوم أن عبادة هذه الجمادات عبادة باطلة خاطئة، فالعبادة إطاعة أمر، وهل للجمادات أمر لأحد ؟ إنما العبادة إن صحت بهذا المعنى فتكون لمن يملك أمرا أو سلطة زمنية من الرهبان، أو من الشياطين، أو الملائكة، أو من عيسى عليه السلام حيث قال البعض بألوهيته أو العزيز الخ. ودخلت الجمادات مع هؤلاء على سبيل العموم.
لذلك يقول تعالى : ﴿ ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله... ١٧ ﴾( الفرقان ) :يعني :يجمع العابد على الضلال والمعبود على الضلال في مكان واحد معا، لماذا ؟ لأن العابد إذا وجد نفسه في العذاب ربما انتظر معبوده أن ينقذه من العذاب، لكن ها هو يسبقه إلى النار ويقطع عنه كل أمل في النجاة.
وقول الحق سبحانه وتعالى : ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل١٧ ﴾( الفرقان ) :
والخطاب هنا موجه لمن يعقل منهم، ولا مانع أن يكون للجميع، فنحن نتحدث عن القانون الذي نعرفه، وقد بين لنا الحق- تبارك وتعالى- أن لكل شيء لغة، فلماذا نستبعد أن يكون الخطاب هنا للعاقل ولغير العاقل، بدليل قوله تعالى : ﴿ وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم... ٤٤ ﴾( الإسراء ).
وقد قال سليمان عليه السلام وهو ممن فقه التسبيح : ﴿ رب أوزعني١ أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي... ١٥ ﴾( الأحقاف ) لما سمع النملة تحذر قومها : ﴿ ادخلوا مساكنكم... ١٨ ﴾( النمل ) :فتبسم سليمان –عليه السلام- لما سمع من النملة وسماه قولا، وفي الرد على من يقول :إن التسبيح هنا من النملة تسبيح حال، لا تسبيح مقال.
وهو قول مخالف لنص القرآن الذي قال : ﴿ ولكن لا تفقهون تسبيحهم... ٤٤ ﴾( الإسراء ) :فقد حكم الحق سبحانه بأنك لا تفقه هذا التسبيح، فإن قلت :هو تسبيح دلالة فقد فقهته، وقد حكم سبحانه بعدم فقهك له إلا إذا عرفك الله تعالى، وأطلعك على لغات هذه المخلوقات.
ولماذا نستبعد هذه المسألة والعلم الحديث يقرر الآن أن لكل أمة من أمم الموجودات لغتها الخاصة، وألسنا نتحدث الآن فيما بيننا بلغة غير منطوقة، وهي لغة الإشارات التي يتفاهم بها البحارة مثلا ؟.
فالحق –سبحانه وتعالى – يسأل المعبودين : ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء... ١٧ ﴾( الفرقان ) :والله يعلم إن كانوا أضلوهم أم لا ؛ لذلك أجاب عيسى –عليه السلام- على مثل هذا السؤال في قوله تعالى : ﴿ وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي... ١٦ ﴾( المائدة ).
وسؤال الله للمعبودين تقريع للعابدين أمام من عبدوهم، ولو أن عبادتهم بحق لكان المعبودون دافعوا عن هؤلاء أمام الله ؛ لذلك أجاب عيسى عليه السلام : ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم... ١١٧ ﴾( المائدة ).
أما الآخرون فقالوا :ما أضللناهم، بل هم ضلوا السبيل.
وكلمة﴿ عبادي.... ١٧ ﴾( الفرقان ) :سبق أن قلنا إن ( عبد ) تجمع على ( عباد )و( عبيد )، وعبد يعني أنه خاضع لأمر السيد، وليس له تصرف من ذاته، إن نظرت هذه النظرة فكل خلق الله عبيد ؛ لأن هناك أشياء لا يخرجون فيها عن مراد الله تعالى كميلاده على شكل خاص أو مرضه أو وفاته.
لذلك نقول للذين ألفوا مخالفة أوامر الله والتمرد عليه سبحانه :قد تتمردون على الإيمان به فتكفروا، وقد تتمردون على الإيمان برسوله فتكذبوا، وقد تتمردون على حكم من الأحكام فتخالفوه.
إذن :لكم جرأة على المخالفة وإلف للتمرد، وما دام لك دربة على ذلك، فعليك أن تتمرد أيضا عند المرض وتقول :لن أمرض وتتمرد على الموت فلا تموت، لكن هيهات، فهذه مسائل، الكل فيها عبيد الله مقهورون لإرادته سبحانه، المؤمن والكافر، والطائع والعاصي.
وهناك أمور أخرى جعلها الله بالاختيار، فالذين سبقت لهم من الله الحسنى، وألهموا التوفيق يتنازلون عن اختيارهم لاختيار ربهم ومراده، فيكونون عبيدا لله في كل الأمور القهريات وغير القهريات، وهؤلاء هم الذين يستحقون أن يكونوا عبادا لله.
فالعباد- إذن- يشتركون مع العبيد في القهريات، ويتميزون عنهم بتنازلهم عن مرادهم لمراد ربهم، وعن اختيارهم لاختياره عز وجل ؛ لذلك سماهم عبادا، كما جاء في قوله سبحانه :
﴿ وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا٢ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما٦٣ ﴾( الفرقان ).
والاستفهام في قوله سبحانه : ﴿ أأنتم أضللتم عبادي... ١٧ ﴾( الفرقان ) :يقول فيه بعض غير المؤهلين للفهم عن الله ؛ أما كان يقول أأضللتم عبادي ؟ ونقول لهؤلاء :ليس لديكم الملكة اللغوية لفهم القرآن، فأنت تستفهم عن الفعل إذا لم يكن موجودا أمامك، تقول :أبنيت البيت الذي أخبرتني أنك ستبنيه ؟ فيخبرك :بنيته أو لم أبنه، أما حين تقول :أبنيت هذا البيت ؟ فالسؤال ليس عن البناء، إنما عن فاعله، أنت أم غيرك ؟ لأن البناء قائم أمامك.
إذن :فرق بين السؤال عن الحدث، والسؤال عن فاعل الحدث، والضلال هنا موجود فعلا، فالسؤال عن الفاعل﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل١٧ ﴾( الفرقان ).
وسماهم عبادا هنا مع أنهم ضالون ؛ لأن الكلام في الآخرة، حيث لم يعد لأحد اختيار، الاختيار كان في الدنيا وعليه ميزنا بين العبيد والعباد، أما في الآخرة فالجميع عبيد والجميع عباد، فقد زال ما يميزهم ؛ لأنهم جميعا مقهورون لا اختيار لأحد منهم.
١ أوزعه أن يفعل كذا: دفعه وحثه وأغراه، أو ألهمه وأرشده، قال تعالى: ﴿رب أوزعني أن أشكر نعمتك...١٥﴾(الأحقاف) أي: ألهمني شكرك وادفعني إليه وحببه إلي(القاموس القويم٢/٣٣٤)..
٢ المشي هونا: بالسكينة والوقار. قاله عكرمة ومجاهد فيما نقله ابن منظور في(لسان العرب- مادة:هون).
﴿ قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا١٨ ﴾ :
كلمة( سبحان ) أي :تنزيها لله تعالى في ذاته عن مشابهة الذوات، وتنزيها لله تعالى في صفاته وأفعاله عن مشابهة الصفات والأفعال، فلله سمع ولك سمع، ولله وجود ولك وجود، ولله حياة ولك حياة، لكن أحياتك كحياة الله ؟ الله جبار وأنت قد تكون جبارا، الله غني وأنت قد تكون غنيا، فهل غناك كغنى الله ؟ ولله تعالى فعل ولك فعل، فهل فعلك كفعل الله ؟.
إذن :هناك فرق بين الصفات الذاتية والصفات الموهوبة التي يقبضها واهبها إن شاء.
وقد تقال سبحان الله ويقصد بها التعجب، فحين تسمع كلاما عجيبا تقول :سبحان الله يعني :أنا أنزه أن يكون هذا الكلام حدث.
لذلك يقولون هنا : ﴿ سبحانك... ١٨ ﴾( الفرقان ) :يعني :عجيبة أننا نضل، كيف ونحن نعبدك نجعل الآخرين يعبدوننا، والمعنى :أن هذا لا يصح منا، كيف ونحن ندعو الناس إلى عبادتك، وليس من المعقول أننا ندعوهم إلى عبادتك ونتحول نحن لكي يعبدونا : ﴿ سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء... ١٨ ﴾( الفرقان ).
فأنت ولينا الذي نتقرب إليه، وقد بعثتنا لمهمة من المهمات، ولا بد أن صواب اختيارك لنا يمنعنا أن نفعل هذا، وإلا ما كنا أمناء على هذه المهمة. فسبحانك :تنزيها لك أن نختار من ليس جديرا بالمهمة، فيأخذ الأمر منك لنفسه.
ومعنى : ﴿ ما كان ينبغي لنا... ١٨ ﴾( الفرقان ) :نفى الانبغاء، نقول :ما ينبغي لفلان أن يفعل كذا، كما قال تعالى في حق رسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له... ٦٩ ﴾( يس ) :والشعر ملكة وموهبة بيان أدائية، وكان العرب يتفاضلون بهذه الموهبة، وإن نبغ فيهم شاعر افتخروا به ورفع من شأنهم، ولقد توفرت لرسول الله هذه الملكة.
ولو كان صلى الله عليه وسلم شاعرا لكان شاعرا مبدعا، لكنه صلى الله عليه وسلم ما ينبغي له ذلك ؛ لأن الشعر مبني على التخيل ؛ لذلك أبعده الله عن الشعر حتى لا يظن القوم أن ما يأتي به محمد من القرآن تخيلات شاعر، فلم تكن طبيعة رسول الله جامدة لا تصلح للشعر، إنما كان صلى الله عليه وسلم ذا إحساس مرهف، ولو قدر له أن يكون شاعرا لكان عظيما.
وقد قال الحق سبحانه وتعالى عن الشعراء :
﴿ والشعراء يتبعهم الغاوون٢٢٤ألم تر أنهم في كل واد يهيمون٢٢٥ وأنهم يقولون ما لا يفعلون ٢٢٦ ﴾( الشعراء ).
وقالوا عن الشعر :أعذبه أكذبه، لذلك لم يدخل رسول الله طوال حياته هذا المجال.
إذن :فقولهم ﴿ سبحانك... ١٨ ﴾( الفرقان ) :رد على﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء... ١٧ ﴾( الفرقان ) :ثم يذكر الدليل على﴿ أم هم ضلوا السبيل١٧ ﴾ ( الفرقان ) :في قوله : ﴿ ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا١٨ ﴾( الفران ) فلما متعتهم يا رب أترفهم النعيم، وشغلتهم النعمة عن المنعم، فانحرفوا عن الجادة.
والآية تنبه المؤمن ألا يأسى على نعيم فاته، فربما فتنك هذا النعيم وصرفك عن المنعم عز وجل، فمن الخير – إذن- أن يمنعه الله عنك ؛ لأنك لا تضمن نفسك حال النعمة.
وقوله تعالى : ﴿ حتى نسوا الذكر... ١٨ ﴾ ( الفرقان ) :أي :نسوا المنعم، وحق النعمة ألا تنسى المنعم ؛ لذلك سب أن قلنا :إن الصحيح إن كان في نعمة العافية من المنعم سبحانه، فالمريض الذي حرم منها ليس في نعمة المنعم، إنما في صحبته ومعيته.
ومن هنا لما مرض أحد العارفين بالله كان يغضب إذا دعي له بالشفاء، ويقول لعائده :لا تقطع علي أنسي بربي.
وجاء في الحديث القدسي :" يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال :وكيف أعودك وأنت رب العالمين، قال :أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده، أما إنك لو عدته لوجدتني عنده " ١
إذن :حينما يعلم المريض أنه في معية الله يستحي أن يجزع ومعنى﴿ قوما بورا١٨ ﴾( الفرقان ) :البور :الهلاك، ومنه أرض بور، وهي التي لا تنبت.
١ أخرجه مسلم في صحيحه(٢٥٦٩)كتاب البر والصلة- من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا١٩ ﴾ :
بعد أن سألهم الحق- تبارك وتعالى- وهو أعلم بهم : ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء... ١٧ ﴾( الفرقان ) :وأجابوا : ﴿ ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا١٨ ﴾( الفرقان ) :وقد هزهم هذا السؤال هزة عنيفة أراد سبحانه أن يبرئهم فقال﴿ فقد كذبوكم بما تقولون... ١٩ ﴾( الفرقان ) :يعني :أنا أعرف أنكم قلتم الحق، لكنهم كذبوكم بما تقولون﴿ فما تستطيعون صرفا ولا نصرا... ١٩ ﴾( الفرقان ) :فالتفت إليهم. والصرف :أن تدفع بذاتك عن ذاتك الشر إن تعرض به أحد لك، والنصر :إذا لم تستطع أنت أن تدفع عن نفسك فيأتي من يدفع عنك.
ثم يقول سبحانه : ﴿ ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا١٩ ﴾ ( الفرقان ) :وقد يسأل سائل :لماذا يخاطب الحق سبحانه أولياءه بهذا العنف ؟ قالوا :في الواقع ليس هذا العنف نهرا لأولياء الله، إنما زجر ولفت نظر للآخرين، فإذا كان الحق سبحانه يخاطب أهل طاعته بهذا العنف، فما بالك بأعدائه والخارجين على منهجه ؟.
إنهم حين يسمعون هذا الخطاب لا بد أن يقولوا :مع أن الله اصطفاهم وقربهم لم يمنعه ذلك أن يوجههم إلى الحق وينهرهم.
ألم يقل سبحانه عن حبيبه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ ولو تقول علينا بعض الأقاويل٤٤ لأخذنا منه باليمين٤٥ ثم لقطعنا منه الوتين١ ٤٦ ﴾( الحاقة ) :فالحق- تبارك وتعالى – يتحدث عن نبيه بهذه الطريقة ليخيف الآخرين ويرهبهم.
والظلم :أخذ حق الغير، وما دام أن الله تعالى حرم ذلك، فهذا يعني أن الله يريد أن يتمتع كل واحد بثمرة مجهوده ؛ لأن أمور الحياة لا تستقيم إن أخذ الإنسان ثمرة غيره، وتعود أن يعيش على دماء الآخرين وعرقهم ؛ لذلك نرى في المجتمع بعض المجرمين والمنحرفين( الفاقدين ) الذين يعيشون على عرق الآخرين وهم لا يعرقون.
وحين يؤخذ الحق من صاحبه، ثم لا يجد من ينصفه، ويعيد له حقه المسلوب يميل إلى الكسل ويزهد في العمل وبذل المجهود، ومعلوم أن العمل لا تعود ثمرته على صاحبه فحسب، وإنما على الآخرين حيث ييسير للناس مصالحهم، ويسهم بحركته في حركة المجتمع.
وسبق أن قلنا :إن الفرق بين المؤمن وغيره في العمل أن الكافر يعمل لنفسه، أما المؤمن فيعمل لما يكفيه، ويجهد ليساعد الآخرين ؛ لذلك عليك أن تعمل على قدر طاقتك لا على قدر حاجتك، فحاجتك تتوفر لك مما أتيته بطاقتك، ثم يكون الباقي عندك لمن لا يقدر على العمل وليس لديه طاقة.
والمعركة التي تدور بين الكفار والمؤمنين وعلى رأسهم الرسل، الله تعالى بفصل فيها، يقول :لا يستطيع أحد من خلقي أن يظلمني، لأن المظلوم فيه نقطة ضعف، والظالم فيه نقطة قوة ؛ لذلك يقول سبحانه : ﴿ وما ظلمونا... ٥٧ ﴾( البقرة ) :أي :لا يقدر أحد على ذلك﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون٥٧ ﴾( البقرة )، فظلمهم لأنفسهم، لا للمؤمنين.
فالحق- تبارك وتعالى- يغار على عبده أن يظلم نفسه ؛ لأن للإنسان ملكات متعددة :ملكة الاشتهاء العاجل وملكة التأني الآجل. فالتلميذ المجتهد اختار الراحة الآجلة، والكسول اختار الراحة العاجلة، فكلاهما محب لنفسه يسعى إلى راحتها، لكن فرق بين حب واع، وحب أحمق، فالأول يتحمل المشاق لينال في نهاية الأمر أعلى المراتب، والآخر تستهويه الراحة العاجلة، وسرعان ما يجد نفسه صعلوكا في المجتمع، فمتعة الأول أبقى وأطول، ومتعة الآخر سريعة منتهية.
هذه قاعدة عامة تقال في عمل الدنيا، وتقال في عمل الآخرة، فالحق- تبارك وتعالى- خلق الإنسان ويحب منه ألا تظلم ملكة في النفس ملكة أخرى، وألا تظلم ملكة العجلة ملكة التأني ؛ لأن ملكة العجلة تأخذ خيرا عاجلا منتهيا، أما ملكة التأني فتنال الخير الآجل الباقي غير المنتهي.
إذن :فالله تعالى يريد لصنعته، سواء المؤمن أو الكافر ألا يظلم نفسه ؛ لأن الله كرمه وخلق الكون كله لخدمته وسخره من أجله ؛ لذلك يقول له :إنك لا تستطيع أن تظلمني ولا تظلم المؤمنين، إنما تظلم نفسك، فرب يعاقب الإنسان على أنه ظلم نفسه فهو نعم الرب.
لذلك جاء في الحديث القدسي : " يا ابن آدم، أنا لك محب- بدليل أنني أعاقبك إذا ظلمت نفسك- فبحقي عليك كن لي محبا " ٢.
وحين يضخم الحق- سبحانه وتعالى- العقوبة : ﴿ ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا١٩ ﴾( الفرقان ) :إنما لينفر عباده منها، ويبتعد بهم عن أسبابها، فلا تقع.
وكثيرا ما يتعرض أعداء الإسلام على قوله تعالى : ﴿ لا إكراه في الدين... ٢٥٦ ﴾( البقرة ). يقولون :فلماذا تقتلون من يرتد عن الإسلام ؟ وهؤلاء لا يدرون أن هذا الحكم نضعه عقبة في طريق كل من يريد الإيمان، وتنبيه له حتى يفكر جيدا فيما هو مقبل عليه إن اختار الإسلام، فلا يدخله إلا بعد رضا واقتناع تام، وحين يعلم هذا الحكم يحتاط للأمر فيدخل عليه بمحض اختياره وتعقله.
فالإسلام لا يريد كثرة متسرعة، إنما يريد ترويا وتعقلا وتدبرا، وهذا يحسب للإسلام لا عليه، فهو سلعة غالية يثق صاحبها في جودتها، كما تذهب إلى تاجر القماش مثلا، فيعرض عليك بضاعته ويظهر لك جودتها ويختبرها أمامك، لماذا ؟ لأنه واثق من جودة بضاعته.
ومن ذلك ما ختمت به كثير من آيات الذكر الحكيم مثل :تفكرون، تعقلون، تذكرون. وهذا دليل على أنك لو تعقلت، لو تدبرت، لو تذكرت لاهتديت إلى ما جاء به القرآن.
إذن :فقوله تعالى : ﴿ ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا١٩ ﴾( الفرقان ) :كان الذي يؤخذ على القرآن، أو على الحق سبحانه أن الظالم حين يظلم هو يعاقب لنفسه حيث أخذ منه شيء، لكن الحق سبحانه ما أخذ منه شيء، إنما هو سبحانه بصفات الكمال فيه سبحانه خلقكم، فما ظلمتم إلا أنفسكم.
١ الوتين: عرق في القلب إذا قطع مات صاحبه وهو الشريان الرئيسي الهام الذي يغذي الجسم بالدم النقي الخارج من القلب. قال تعالى: ﴿ثم لقطعنا منه الوتين٤٦﴾(الحاقة)أي: أمتناه عاجلا وأهلكناه سريعا إذا خالف أمرنا أي مخالفة.(القاموس القومي٢/٢١٩)..
٢ أورده الإمام أبو حامد الغزالي في "إحياء علوم الدين"(٤/٢٩٦)قال:"في بعض الكتب: عبدي أنا وحقك لك محب، فبحقي عليك كن لي محبا"..
ثم يقول الحق سبحانه عن رسله وأنبيائه :
﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا٢٠ ﴾ :
سبق أن تكلمنا في قوله تعالى : ﴿ وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق... ٧ ﴾( الفرقان ) :وهذه صفة كل الرسل، وليس محمد بدعا في ذلك، وإذا كان أكل الطعام يقدح في كونه صلى الله عليه وسلم رسولا، وكانوا يريدون رسولا لا يأكل الطعام، فنقول :بالله إذا كان أكل الطعام منعه عندكم أن يكون رسولا، فكيف تقولون لمن أكل الطعام أنه إله ؟ كيف وأنتم ما رضيتم به رسولا ؟.
وقد جعل الحق- تبارك وتعالى- الرسل يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ؛ لأن الرسول يجب أن يكون قدوة وأسوة في كل شيء للخلق، ولذلك كان رسول الله على أقل حالات الكون المادية من ناحية أمور الدنيا من أكل وشرب ولباس، ذلك ليكون أسوة للناس، وكذلك نجده صلى الله عليه وسلم حريصا على أن أهل بيته مثله، لذلك لم يجعل لهم نصيبا في الزكاة التي يأخذها أمثالهم من الفقراء.
ويقول صلى الله عليه وسلم :" إنا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة " ١.
ومن كان عليه دين من المسلمين تحمله عنه رسول الله، وهذا كله إذا دل فإنما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم واثق من جزاء أخراه، فلا يجب أن يناله منه شيء في الدنيا.
لذلك قلنا :لو نظرت في مبادئ الحق ومبادئ الباطل أمامك في الدنيا لوجدت أن مبدأ الباطل يدفع ثمنه أولا، فمثلا لكي تكون شيوعيا لا بد أن تأخذ الثمن أولا، أما مبدأ الحق فأنت تدفع الثمن مقدما :تتعب وتظلم وتعذب وتجوع وتتشرد، وتخرج من أهلك ومن مالك، ثم تنتظر الجزاء في الآخرة، وبهذا القياس تستطيع أن تفرق بين الحق والباطل.
وقوله تعالى : ﴿ ويمشون في الأسواق... ٢٠ ﴾( الفرقان ) :أي :يرتادونها لقضاء مصالحهم وشراء حاجياتهم، دليل على تواضعهم وعدم تكبرهم على مثل هذه الأعمال ؛ لذلك كان سيدنا رسول الله يحمل حاجته بنفسه، فإن عرض عليه أحد صحابته أن يحملها عنه يقول صلى الله عليه وسلم :صاحب الشيء أحق بحمله " ٢.
ومعنى : ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون... ٢٠ ﴾( الفرقان ) :فأي بعض فتنة لأي بعض ؟ كما في قوله تعالى : ﴿ ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات... ٣٢ ﴾( الزخرف ) :أي بعض مرفوع، وأي بعض مرفوع عليه ؟.
نلاحظ في مثل هذه المسائل أن الناس لا تنظر إلا إلى زاوية واحدة :أن هذا غني وهذا فقير، لكنهم لو أخذوا في المفاضلة بكل جوانب النفس الإنسانية لوجدوا أن في كل إنسان موهبة خصه الله بها، فكل منا عنده ميزة ليست عند أخيه ؛ ذلك ليتكاتف الناس ويتكامل الخلق ؛ لأن العالم لو كان نسخة واحدة مكررة ما احتاج أحد لأحد، وما سأل أحد عن أحد، أما حين تتعدد المواهب فيكون عندك ما ليس عندي، فيترابط المجتمع ترابط الحاجة لا ترابط التفضل.
ولو تصورنا الناس جميعا تخرجوا في الجامعة وأصبحوا ( دكاترة ) فمن يكنس الشارع ؟ ساعتها سيتطوع أحدنا يوما لهذه المهمة، إذن :تصبح الحاجة بنت تطوع وتفضل، والتفضل لا يلزم أحد بعمل، فقد تتعطل المصالح، أما حين تدعوك الحاجة فأنت الذي تسرع إلى العمل وتبحث عنه.
ألا ترى أصحاب المهن الشاقة يخرجون في الصباح يبحثون عن عمل، ويغضب الواحد منهم إذا لم يجد فرصة عمل في يومه مع ما سيتحمله من آلام ومشاق، لماذا ؟ إنها الحاجة.
فالعامل الذي يعمل في المجاري مثلا ويتحمل أذاها هو في قدرته على نفسه ورضاه بقدر الله فيه أفضل مني أنا في هذه المسألة، لأنني لا أقدر على هذا العمل وهو يقدر، ولو ترك الله مثل هذه الأعمال للتفضل ما أقدم عليها أحد، إذن :التسخيرات من الحق سبحانه وتعالى لحكمة.
ومثل هذه الأعمال الشاقة أو التي تؤذي العامل يعدها البعض أعمالا حقيرة، وهذا خطأ، فأي عمل يصلح المجتمع لا يعد حقيرا، فلا يوجد عمل حقير أبدا، وإنما يوجد عامل حقير.
فمعنى : ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة... ٢٠ ﴾( الفرقان ) :كل بعض منا فتنة للآخر، فالغني فتنة للفقير، والفقير فتنة للغني.. إلخ فحين يتعالى الغني على الفقير ويستذله فالفقير هنا فتنة للغني، وحين يحقد الفقير على الغني ويحسده، فالغني هنا فتنة للفقير، وهكذا الصحيح فتنة للمريض، والرسل فتنة لمن كذبوهم، والكفار فتنة للرسل.
والناس يفرون من الفتنة في ذاتها، وهذا لا يصح ؛ لأن الفتنة تعني الاختبار، فالذي ينبغي أن نفر منه نتيجة الفتنة، لا الفتنة ذاتها، فالامتحان فتنة للطلاب، من ينجح فالفتنة له خير ومن يخفق فالفتنة في حقه شر. إذن :الفتنة في ذاتها غير مذمومة.
لذلك تؤخذ الفتنة من فتنة الذهب حين يصهر، ومعلوم أن الذهب أفضل المعادن، وإن وجد ما هو أنفس منه، لماذا ؟ لأن من ميزاته أنه لا يتأكسد ولا يتفاعل مع غيره، وهو كذلك سهل السبك ؛ لذلك يقولون :المعدن النفيس كالأخيار بطئ كسره، سريع جبره. فمثلا حين يتكسر الذهب يسهل إعادته وتصنيعه على خلاف الزجاج مثلا.
إذن :الفتنة اختبار، الماهر من يفوز فيه، فإن كان غنيا كان شاكرا مؤديا لحق الغني متواضعا يبحث عن الفقراء ويعطف عليهم، والفقير هو العاجز عن الكسب، لا الفقير الذي احترف البلطجة وأكل أموال الناس بالباطل.
ولما كانت الفتنة تقتضي صبرا من المفتون، قال سبحانه : ﴿ أتصبرون... ٢٠ ﴾( الفرقان ) :فكل فتنة تحتاج إلى صبر، فهل تصبرون عليها ؟
ولأهمية الصبر يقول تعالى في سورة العصر : ﴿ والعصر١ إن الإنسان لفي خسر٢ ﴾( العصر ) :يعني :مطلق الإنسان في خسر لا ينجيه منه إلا أن يتصف بهذه الصفات : ﴿ إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر٣ ﴾( العصر ) :
وتختم الآية بقوله سبحانه : ﴿ وكان ربك بصيرا٢٠ ﴾( الفرقان ) :لينبهنا الحق سبحانه أن كل حركة من حركاتكم في الفتنة مبصرة لنا، وبصرنا للأعمال ليس لمجرد العلم، إنما لنرتب على الأعمال جزاء على وفقها.
١ أخرجه أحمد في مسنده(٢/٤٦٣) بلفظ:"إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركت بعد مؤنة عاملي ونفقة نسائي صدقة" من حديث أبي هريرة. وأخرجه البخاري في صحيحه (٤٠٣٣)كتاب المغازي من حديث عمر بن الخطاب، وكذا مسلم في صحيحه- كتاب الجهاد..
٢ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد(٥/١٢٢) من حديث أبي هريرة وقال: "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط وفيه يوسف بن زياد البصري وهو ضعيف ". قال العجلوني في كشف الخفاء(٢/٢٥): "ذكره القاضي عياض في الشفاء بدون عزو وهو ضعيف، بل بالغ ابن الجوزي فعده في الموضوعات" وخطأه الملا على القاري في "الأسرار المرفوعة "(حديث ٥٥٣)..
ثم يقول سبحانه :
﴿ وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوّاً كبيرا٢١ ﴾ :
واللقاء :يعني البعث، وقد آمنا بالله غيبا، وفي الآخرة نؤمن به تعالى مشهدا ﴿ لمن الملك اليوم... ١٦ ﴾( غافر ) :حتى من لم يؤمن في الدنيا سيؤمن في الآخرة.
لذلك يقول سبحانه في موضع آخر : ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بِقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفّاه حسابَه والله سريعُ الحساب ٣٩ ﴾( النور ) :
ويا ليته جاء فلم يجد عمله، المصيبة أنه وجد عمله كاملا، ووجد الله تعالى يحاسبه ويجازيه، ولم يكن هذا كله على باله في الدنيا ؛ لذلك يفاجأ به الآن.
وقوله : ﴿ لا يرجون لقاءنا... ٢١ ﴾( الفرقان ) :يعني :لا ينتظرونه ولا يؤمنون به ؛ لذلك لم يستعدوا له، لماذا ؟ لأنهم آثروا عافية العاجلة على عافية الآجلة، ورأوا أمامهم شهوات ومتعا لم يصبروا عليها، وغفلوا عن الغاية الأخيرة.
ما هو اللقاء ؟ اللقاء يعني الوصل والمقابلة، لكن كيف يتم الوصل والمقابلة بين الحق- تبارك وتعالى – وبين الخلق- وهذه من المسائل التي كثر فيها الجدال، وحدثت فيها ضجة شككت المسلمين في كثير من القضايا.
قالوا :اللقاء يقتضي أن يكون الله تعالى مجسما وهذا ممنوع، وقال آخرون :ليس بالضرورة أن يكون اللقاء وصلا، فقد يكون مجرد الرؤية ؛ لأن رؤية العين للرب ليست لقاء، وهذا قول أهل السنة.
أما المعتزلة فقد نفوا حتى الرؤية، فقال :لا يلقونه وصلا ولا رؤية، لأن الرائي يحدد المرئي، وهذا محال على الله عز وجل.
ونقول للمعتزلة :أنتم تأخذون المسائل بالنسبة لله، كما تأخذونها بالنسبة لمخلوقات الله، لماذا لا تأخذون كل شيء بالنسبة لله تعالى في إطار﴿ ليس كمثله شيء... ١١ ﴾( الشورى ) :فإذا كان لكم ببعض لقاء يقتضي الوصل، فلله تعالى لقاء لا يقتضي الوصل، وإذا كانت الرؤية تحدد فلله تعالى رؤية لا تحدد، إن لك سمعا ولله سمع، أسمعك كسمع الله عز وجل ؟ إذن :لماذا تريد أن يكون لقاء الله كلقائك يقتضي تجسدا، أو رؤيته كرؤيتك ؟
لذلك في قصة رؤية موسى عليه السلام لربه عز وجل، ماذا قال موسى ؟ قال : ﴿ رب أرني أنظر إليك... ١٤٣ ﴾( الأعراف ) :فطلب من ربه أن يريه لأنه لا يستطيع ذلك بذاته، ولا يصلح لهذه الرؤية، إلا أن يريه الله ويطلعه، فالمسألة ليست من جهة المرئي، إنما من جهة الرائي. لكن هل قرعه الله على طلبه هذا وقال عنه :استكبر وعتا عتوا كبيرا كما قال هنا ؟ لا إنما قال له : ﴿ لن تراني... ١٤٣ ﴾( الأعراف ) :ولم يقل سبحانه :لن أرى، وفرق بين العبارتين.
فقوله : ﴿ لن تراني... ١٤٣ ﴾( الأعراف ) :يعني :أأنت أقوى أم الجبل ؟ ﴿ فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقا... ١٤٣ ﴾( الأعراف )
ولاحظ : ﴿ فلما تجلى ربه للجبل... ١٤٣ ﴾( الأعراف ) :كلمة تجلى أي :أن الله تعالى يتجلى على بعض خلقه، لكن أيصبرون على هذا التجلي ؟ وليس الجبل أكرم عند الله من الإنسان الذي سخر الله له الجبل وكل شيء في الوجود.
إذن :فالإنسان هو الأكرم، لكن تكوينه وطبيعته لا تصلح لهذه الرؤية، وليس لديه الاستعداد لتلقي الأنوار الإلهية ؛ ذلك لأن الله تعالى خلقه للأرض. أما في الآخرة فالأمر مختلف ؛ لذلك سيعدل الله هذا الخلق بحيث تتغير حقائقه ويمكنه أن يرى، وإذا كان موسى –عليه السلام- قد صعق لرؤية المتجلي عليه وهو الجبل، فكيف به إذا رأى المتجلي عز وجل ؟.
لذلك، كان من نعمة الله تعالى على عباده في الآخرة : ﴿ وجوه يومئذ ناضرة٢٢ إلى ربها ناظرة٢٣ ﴾( القيامة ).
وقال عن الكفار : ﴿ كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون١٥ ﴾( المطففين ) :إذن :ما يميز المؤمنين عن الكافرين أنهم لا يحجبون عن رؤية ربهم عز وجل بعد أن تغير تكوينهم الأخروي، فأصبحوا قادرين على رؤية ما لم يروه في الدنيا. وإذا كان البشر الآن بتقدم العلم يصنعون لضعاف البصر ما يزيد من بصرهم ورؤيتهم، فلماذا نستبعد هذا بالنسبة لله تعالى ؟
لذلك، تجد المسرفين على أنفسهم يجادلونك بما يريحهم، فتراهم ينكرون البعث، ويبعدون هذه الفكرة عن أنفسهم ؛ لأنهم يعلمون سوء عاقبتهم إن أيقنوا بالبعث واعترفوا به.
ومن المسرفين على أنفسهم حتى مؤمنون بإله، يقول أحدهم :ما دام أن الله تعالى قدر علي المعصية، فلماذا يحاسبني عليها ؟ ونعجب لأنهم لم يذكروا المقابل ولم يقولوا :ما دام قد قدر علينا الطاعة، فلماذا يثيبنا عليها ؟ إذن :لم يقفوا الوقفة العقلية السليمة ؛ لأن الأولى ستجر عليهم الشر فذكروها، أما الأخرى فخير يساق إليهم ؛ لذلك غفلوا عن ذكرها.
وقولهم : ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا... ٢١ ﴾( الفرقان ) :وهذا يدل على تكبرهم واعتراضهم على كون الرسول بشرا، وفي موضع آخر قالوا : ﴿ أبشر يهدوننا... ٦ ﴾( التغابن ) :
إذن :كل ما يغيظهم أن يكون الرسول بشرا، وهذا الاستدراك يدل على غبائهم، فلو جاء الرسول ملكا ما صح أن يكون لهم قدوة، وما جاء الرسول إلا ليكون قدوة ومعلما للمنهج وأسوة سلوك، ولو جاء ملكا لأمكنه نعم أن يعلمنا منهج الله، لكن لا يصح أن يكون لنا أسوة سلوك، فلو أمرك بشيء وهو ملك لكان لك أن تعترض عليه تقول :أنت ملك تقدر على ذلك، أما أنا فبشر لا أقدر عليه.
فالحق سبحانه يقول :لاحظوا أن للرسل مهمتين :مهمة البلاغ، ومهمة الأسوة السلوكية، فلو أنهم كانوا من غير طبيعة البشر لتأتى لهم البلاغ، لكن لا يتأتى لهم أن يكونوا قدوة ونموذجا يحتذى.
ولو جاء الرسول ملكا على حقيقته ما رأيتموه، ولا احتجتم له على صورة بشرية، وساعتها لن تعرفوا أهو ملك أم بشر، إذن، لا بد أن تعود المسألة إلى أن يكون بشرا، لذلك يقول سبحانه : ﴿ ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون٩ ﴾( الأنعام ).
ومسألة نزول الملائكة مع الرسول من الاقتراحات التي اقترحها الكفار على رسول الله ليطلبها من ربه، وهذا يعني أنهم يريدون دليل تصديق على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وسبق أن جاءهم رسول الله بمعجزة من جنس ما نبغوا فيه وعجزوا أن يجاروه فيها، ليثبت أن ذلك جاء من عند ربهم القوى، ومعنى هذه المعجزة أنها تقوم مقام قوله :صدق عبدي في كل ما يبلغ عني. وما دامت المعجزة قد جاءت بتصديق الرسول، فهل هناك معجزة أولى من معجزة ؟.
لقد كانت معجزة القرآن كافية لتقوم دليلا على صدق الرسول في البلاغ عن الله، وأيضا جاءكم بغيبيات لا يمكن أن يطلع عليها إنسان، لا في القديم الذي حدث قبل أن يولد، ولا في الحديث الذي سيكون بعد أن يولد.
إذن :فدليل صدق الرسول قائم، فما الذي دعاكم إلى اقتراح معجزات أخرى ؟.
وقولهم : ﴿ أو نرى ربنا... ٢١ ﴾( الفرقان ) :والله، لو كان إله يرى لكم ما صح أن يكون إلها ؛ لأن المرئي محاط بحدقة الرائي، وما دام أحاط به فهو- إذن- محدود، ومحدوديته تنافي ألوهيته.
وإلا فالمعاني التي تختلع بها النفس الإنسانية مثل الحق والعدل الذي يتحدث عنه الناس وينشدونه ويتعصبون له، ويتهافتون عليه لحل مشاكلهم وتيسير حياتهم :أتدرك هذه المعاني وأمثالها بالحواس ؟ كيف تطلب أن تدرك خالقها عز وجل بالحواس ؟
لذلك يختم الحق سبحانه هذه المسألة بقوله : ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا٢١ ﴾( الفرقان ) :استكبر وتكبر :حاول أن يجعل نفسه فوق قدره، وكل إنسان منا له قدر محدود.
ومن هنا جاء القول المأثور :" رحم الله امرءا عرف قدر نفسه ". فلماذا إذن يتكبر الإنسان ؟ لو أنك إنسان سوي فإنك تسعد حين نمنع عندك من يسرقك، أو ينظر إلى محارمك أو يعتدي عليك، فلماذا تغضب حينما نمنعك عن مثل هذا ؟.
النظرة العقلية أن تقارن بين ما لك وما عليك، لقد منعنا يدك –وهي واحدة- أن تسرق، ومقابل ذلك منعنا عنك جميع أيدي الناس أن تسرق منك، منعنا عينك أن تمتد إلى محارم الآخرين، ومنعنا جميع الأعين أن تمتد إلى محارمك، فلماذا إذن تفرح لهذه وتغضب من هذه ؟ كان يجب عليك أن تحكم بنفس المنطق، فإن أحببت ما كان لك وكرهت ما كان لغيرك فقد جانبت الصواب وخالفت العدالة.
ومن استكبارهم مواجهتهم لرسول الله في بداية دعوته وقولهم : ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم٣١ ﴾( الزخرف ) :إذن :القرآن لا غبار عليه، وهذا حكم واقعي منهم ؛ لأنهم أمة بلاغة وفصاحة، والقرآن في أرقى مراتب الفصاحة والبيان، إنما الذي وقف في حلوقهم أن يكون الرسول رجلا من عامة الناس، يريدونه عظيما في نظرهم، حتى إذا ما اتبعوه كان له حيثية تدعو إلى اتباعه.
إذن :الاستكبار أن تستكبر أن تكون تابعا لمن تراه دونك، ونحن ننكر هذا ؛ لأنك لم تر محمدا صلى الله عليه وسلم بل أن يقوم بالرسالة أنه دونك، بل كنت تضعه في المكان الأعلى، وتسميه الصادق الأمين، فمتى إذن جعلته دونك ؟ إنها الهبة التي وهبه الله، إنها الرسالة التي جعلتك تأخذ منه ما كانت تعطيه قبل أن يكون رسولا.
وهل سبق لكم أن سمعتم عن رسول جاء معه ربه عز وجل يقول لقومه :هذا رسولي ؟ وما دام أن الله تعالى سيواجهكم هذه المواجهة فلا داعي إذن للرسول ؛ لأن الله تعالى سيخاطبكم بالتكليف مباشرة وتنتهي المسألة. ومعلوم أن هذا الأمر لم يحدث، فأنتم تطلبون شيئا لم تسمعوا به، وهذا دليل على تلكئكم واستكباركم عن قبول الإيمان فجئتم بشيء مستحيل.
إذن :المسألة من الكفار تلكؤ وعناد واستكبار عن قبول الحق الواضح، وقد سبق أن اقترحوا مثل هذه الآيات والمعجزات، فلما أجابهم الله كذبوا، مع أن الآيات والمعجزات ليست باقتراح المرسل إليهم، إنما تفضل من الله تعالى واهب هذه الرسالة.
والاستكبار مادته الكاف والباء والراء، وتأتي بمعان عدة :تقول كبر يكبر أي :في عمره وحجمه، وكبر يكبر أي :عظم في ذاته، ومنها قوله تعالى : ﴿ كبرت كلمةً تخرج من أفواههم... ٥ ﴾( الكهف ) :
وتكبر :أظهر صفة الكبرياء للناس، واستكبر :إذا لم يكن عنده مؤهلات الكبر، ومع ذلك يطلب أن يكون كبيرا.
فالمعنى : ﴿ استكبروا... ٢١ ﴾( الفرقان ) :ليس في حقيقة تكوينهم إنما﴿ استكبروا في أنفسهم... ٢١ ﴾( الفرقان ) :في أنهم يتبعون الرسول، أي :أنها كبيرة عليهم أن يكونوا تابعين لرجل يرون غيره أغنى منه أو أحسن منه ( على زعمهم ).
ونرى مثلا أحد الفتوات الذي يخضع له الجميع إذا ما رأى من هو أقوى منه انكمش أمامه وتواضع ؛ لأنه يستكبر لا رصيد وبشيء ليس ذاتيا فيه.... إذن :المتكبر بلا رصيد غافل عن كبرياء ربه، ولو استشعر كبرياء الله عز وجل لاستحى أن يتكبر.
لذلك نرى أهل الطاعة والمعرفة دائما منكسرين، لماذا ؟ لأنهم دائما مستشعرون كبرياء الله، والإنسان ( لا يتفرعن ) إلا إذا رأى الجميع دونه، وليس هناك من هو أكبر منه. فينبغي ألا يتكبر الإنسان إلا بشي ذاتي فيه لا يسلب منه، فإن استكبرت بغناك فربما افتقرت، وإن استكبرت بقوتك فربما أصابك المرض، وإن استكبرت بعلمك لا تأمن أن يسلب منك لكي لا تعلم من بعد علم شيئا.
ومن لطف الله بالخلق ورحمته بهم أن يكون له وحده الكبرياء، وله وحده سبحانه التكبر والعظمة، ويعلنها الحق تبارك وتعالى : " الكبرياء ردائي، والعظمة إزاري، فمن نازعني و
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا٢٢ ﴾ :
يتحدث الحق –تبارك وتعالى- عن هؤلاء الذين اقترحوا على رسول الله الآيات وطلبوا أن تنزل معه الملائكة فيرونها، وتشهد لهم بصدقه صلى الله عليه وسلم، فيقول لهم سبحانه :أنتم تشتهون أن تروا الملائكة، فسوف ترونها لكن في موقف آخر، ليس موقف البشريات والخيرات، إنما في موقف الخزي والندامة والعذاب : ﴿ يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين.... ٢٢ ﴾( الفرقان ).
فسوف ترونهم رؤيا الفزع عندما يأتون لقبض أرواحكم، أو سترونهم يوم القيامة يوم يبشرونكم بالعذاب.
يوم يستقبلون المؤمنين : ﴿ بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار... ١٢ ﴾( الحديد ). فيستشرف الكفار لسماع هذه الكلمة لكن هيهات﴿ لا بشرى يومئذ للمجرمين... ٢٢ ﴾( الفرقان ). فيمنعون عنهم هذه الكلمة المحببة التي ينتظرونها، ويقابلونهم بكلمة أخرى تناسبهم.
يقولون لهم : ﴿ حجرا محجورا٢٢ ﴾( الفرقان ) :والحجر :المنع، ومنه :نحجر على فلان يعني :نمنعه من التصرف. وقديما كانوا يقولون في دفع الشر :حجرا محجورا يعني :منعا، ومثل ذلك ما نسمعهم يقولون إذا ذكر الجن :حابس حابس يعني :ابتعد عني لا تقربني.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا٢٣ ﴾ :
حين تنظر في غير المؤمنين تجد من بينهم أهلا للخير وعمل المعروف، ومنهم أصحاب ملكات طيبة، كالذين اجتمعوا في حلف الفضول لنصرة المظلوم، وكأهل الكرم وإطعام الطعام، ومنهم من كانت له قدر عظيمة استظل رسول الله في ظلها يوم حر قائظ، وهذا يعني أنها كانت كبيرة واسعة منصوبة وثابتة كالبناء، كان يطعم منها الفقراء والمساكين، وحتى الطير والوحوش، وما زلنا حتى الآن نضرب المثل في الكرم بحاتم الطائي، وكان منهم من يصل الرحم ويغيث الملهوف... الخ.
لكن هؤلاء وأمثالهم عملوا لجاه الدنيا، ولم يكن في بالهم إله يبتغون مرضاته، والعامل يأخذ أجره ممن عمل له، كما جاء في الحديث القدسي :" فعلت ليقال، وقد قيل " ١.
والحق- تبارك وتعالى- يوضح هذه المسألة في قوله تعالى : ﴿ والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ٣٩ ﴾( النور ).
وقال تعالى أيضا : ﴿ أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف... ١٨ ﴾( إبراهيم ).
فقد عمل هؤلاء أعمال خير كثيرة، لكن لم يكن في بالهم الله، إنما عملوا للإنسانية وللشهوة وليقال عنهم ؛ لذلك نراهم في رفاهية من العيش وسعة ممتعين بألوان النعيم، لماذا ؟ لأنهم أخذوا الأسباب المخلوقة لله تعالى، ونفذوها بدقة، والله –تبارك وتعالى – لا يحرم عبده ثمرة مجهوده، وإن كان كافرا، فإن ترك العبد الأسباب وتكاسل حرمه الله وإن كان مؤمنا. وفرق بين عطاءات الربوبية التي تشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، وبين عطاءات الألوهية.
فمن الكفار من أحسن الأخذ بالأسباب، فاخترعوا أشياء نفعت الإنسانية، وأدوية عالجت كثيرا من الأمراض. ولا بد أن يكون لهم جزاء على هذا الخير، وجزاؤهم أخذوه في الدنيا ذكرا وتكريما وتخليدا لذكراهم، وصنعت لهم التماثيل وأعطوا النياشين، وألفت في سيرتهم الكتب، كأن الله تعالى لم يجحدهم عملهم، ولم يبخسهم حقهم.
ألا ترى أن أبا لهب الذي وقف من رسول الله موقف العداء حتى نزل قوله تعالى : ﴿ تبت يدا أبي لهب وتب١ ما أغنى عنه ماله وما كسب ٢ ﴾
( المسد ) :ومع ذلك يخفف الله عنه العذاب ؛ لأنه أعتق جارته ثويبة حينما بشرته بميلاد محمد بن عبد الله ؛ لأنه فرح بهذه البشرى وأسعده هذا الخبر٢.
ومن العجيب أن هؤلاء يقفون عند صناعات البشر التي لا تعدو أن تكون ترفا في الحياة، فيؤرخون لها ولأصحابها، وينسون خالق الضروريات التي أعانتهم على الترقي في كماليات الحياة وترفها.
وكلمة﴿ هباء... ٢٣ ﴾( الفرقان ) :الأشياء تتبين للإنسان، إما لأن حجمها كبير أو لأنها قريبة، فإن كانت صغيرة الحجم عزت رؤيتها، فمثلا يمكنك رؤية طائر أو عصفور إن طار أمامك أو حتى دبور أو نحلة، لكن لو طارت أمامك بعوضة لا تستطيع رؤيتها.
إذن :الشيء يختفي عن النظر لأنه صغير التكوين، لا تستطيع العين إدراكه ؛ لذلك اخترعوا المجاهر والتليسكوب.
وقد يكون الشيء بعيدا عنك فلا تراه لبعده عن مخروطية الضوء ؛ لأن الضوء يبدأ من نقطة، ثم يتسع تدريجيا على شكل مخروط، كما لو نظرت من ثقب الباب الذي قطره سنتيمتر فيمكن رؤية مساحة أوسع منه بكثير.
إذن :إن أردت أن ترى الصغير تكبره، وإن أردت أن ترى البعيد تقربه.
والهباء :هو الذرات التي تراها في المخروط الضوئي حين ينفذ إلى حجرتك، ولا تراها بالعين المجردة لدقتها، وهذا الهباء الذي تراه في الضوء﴿ هباء منثورا٢٣ ﴾( الفرقان ) :يعني :لا تستطيع أن تجمعه ؛ لأنه منتشر وغير ثابت، فمهما أوقفت حركة الهواء تجده في الضوء يتحرك لصغر حجمه.
فإن قلت :نراهم الآن يصنعون ( فلاتر ) لحجز هذا الهباء فتجمعه وتنقي الهواء منه، وهي على شكل مسام أسفنجية يعلق بها الهباء، فيمكن تجميعه.
نقول :حتى مع وجود هذه الفلاتر، فإنها تجمع على قدر دقة المسام، وتحجز على قدرها، وعلى فرض أنك جمعته في هذا الفلتر، ثم أفرغته وقلت لي :هذا هو الهباء، نقول لك :أتستطيع أن ترد كل ذرة منها إلى أصلها الذي طارت منه ؟
١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده(٢/٣٢٢)، ومسلم في صحيحه (١٩٠٥)والنسائي في سننه(٦/٢٣-٢٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول "إن أول الناس يقضي يوم القيامة عليه رجلا استشهد فأتى به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت.قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال جرئ فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار"الحديث بطوله..
٢ قال الحافظ ابن حجر في"الإصابة في تمييز الصحابة "(٨/٣٦):"قال ابن سعد: أخبرنا الواقدي عن غير واحد من أهل العلم قالوا: كانت ثويبة مرضعة رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلها وهو بمكة وكانت خديجة تكرمها وهي على ملك أبي ملك أبي لهب وسألته أن يبيعها لها فامتنع فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعتقها أبو لهب وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبعث إليها بصلة وبكسوة حتى جاء الخبر أنها ماتت سنة سبع مرجعه من خيبر"..
﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا٢٤ ﴾ :
بعد أن وصف الحق- تبارك وتعالى – ما يؤول إليه عمل الكافرين أراد سبحانه أن يحدثنا عن جزاء المؤمنين على عادة القرآن في ذكر المتقابلات التي يظهر كل منها الآخر، وهذه الطريقة في التعبير كثيرة في كتاب الله منها : ﴿ فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا... ٨٢ ﴾( التوبة ).
ومنها أيضا قول الحق سبحانه : ﴿ إن الأبرار لفي نعيم١٣ وإن الفجار لفي جحيم١٤ ﴾( الانفطار ).
وهكذا، ينقلك القرآن من الشيء إلى ضده لتميز بينهما، فالمؤمن في النعيم ينظر إلى النار وحرها، فيحمد الله الذي نجاه منها، هذه نعمة أخرى أعظم من الأولى. والكافر حين ينظر إلى نعيم الجنة يتحسر ويعلم عاقبة الكفر الذي حرمه من هذا النعيم، فيكون هذا أبلغ في النكاية وأشد في العذاب ؛ لذلك قالوا :وبضدها تتميز الأشياء.
وقوله سبحانه : ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ٢٤ ﴾( الفرقان ) :صاحب الشيء :المرافق له من حب، فكأن الجنة تعشق أهلها وهم يعشقونها، فقد نشأت بينهما محبة وصحبة، فكما تحب أنت المكان يحبك المكان، وأيضا كما تبغضه يبغضك، ومنه قولهم :نبا به المكان يعني :كرهه المكان.
وكلمة﴿ أصحاب الجنة... ٢٤ ﴾( الفرقان ) :تدل أيضا على الملكية ؛ لأنهم لن يخرجوا منها، وهي لن تزول ولن تنتهي.
وكلمة﴿ خير... ٢٤ ﴾( الفرقان ) :قلنا :إنها تستعمل استعمالين :خير يقابله شر، كما في قوله تعالى : ﴿ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ٧ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره٨ ﴾( الزلزلة ) وقوله تعالى : ﴿ أولئك هم خير البرية٦ ﴾( البينة ).
وهناك أيضا خير يقابله خير، لكن أقل منه، كما لو قلت :هذا خير من هذا، وكما في الحديث الشريف :" المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير " ١.
وفي بعض الأساليب لا نكتفي بصيغة ( خير ) للتمييز بين شيئين، فنقول بصيغة أفعل التفضيل :هذا أخير من هذا.
وكلمة﴿ مستقرا... ٢٤ ﴾( الفرقان ) :المستقر :المكان الذي تستقر أنت فيه، والإنسان لا يؤثر الاستقرار في مكان عن مكان آخر، إلا إذا كان المكان الذي استقر فيه أكثر راحة لنفسه من غيره، كما نترك الغرفة مثلا في الحر، ونجلس في الحديقة أو الشرفة.
ومن ذلك نقول :إذا ضاقت بك أرض فاتركها إلى غيرها، على حد قوله تعالى :{ ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما ٢ كثيرا... ١٠٠(
النساء ).
ويقول الشاعر :
لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها **** ولكن أخلاق الرجال تضيق
ومعنى﴿ وأحسن مقيلا٢٤ ﴾( الفرقان ) :المقيل :هو المكان الذي كانت تقضي فيه العرب وقت القيلولة، وهي ساعة الظهيرة حين تشتد حرارة الشمس، ونسميها في العامية ( القيالة ) ويقولون لمن لا يستريح في هذه الساعة :العفاريت مقيلة ! !
لكن أفي الجنة قيلولة وليس فيها حر، ولا برد، ولا زمهرير ؟
قالوا :القيلولة تعني محل فراغ الإنسان لخاصة نفسه، ألا ترى أن الحق – تبارك وتعالى – حينما ذكر أوقات الاستئذان في سورة النور جعل منها هذا الوقت، فقال سبحانه : ﴿ وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة... ٥٨ ﴾( النور ) :فأمر الصغار أن يستأذنوا علينا في هذا الوقت ؛ لأنه من أوقات العورة.
إذن :المستقر شيء، والمقيل للراحة النفسية الشخصية شيء آخر، لأنك قد تستقر في مكان ومعك غيرك، أما المقيل فمكان خاص بك، إذن :لك في الجنة مكانان :عام وخاص ؛ لذلك قالوا في قول الله تعالى : ﴿ ولمن خاف مقام ربه جنتان٤٦ ﴾( الرحمن ) :قالوا :جنة عامة وجنة خاصة، كما يكون لك مكان لاستقبال الضيوف، ومكان لخاصة نفسك وأهلك.
١ أخرجه الإمام أحمد في مسنده(٢/٣٦٦-٣٧٠)، ومسلم في صحيحه(٢٦٦٤)وابن ماجة في سننه(٧٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٢ أي: يجد مكانا متسعا يراغم فيه القوم الذين راغموه واضطروه إلى الهجرة، أو يجد مكانا يصلح لمراغمة أعدائه أو اتقاء شره.(القاموس القويم١/٢٧٠)..
ويقول الحق سبحانه :
﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا٢٥ ﴾ :
وقد سبق منهم أن طلبوا من الله أن ينزل عليهم ملائكة، فها هي الملائكة تنزل عليهم كما يريدون، لكن في غير مسرة لكم، ولا إجابة لسؤال منكم.
والسماء :هي السقف المرفوع فوقنا المحفوظ الذي ننظر إليه، فلا نرى فيه فطورا١ ولا شروخا، ولك أن تنظر إلى السماء حال صفائها، وسوف تراها ملساء لا نتوء فيها، ولا اعوجاج على اتساعها هذا وقيامها هكذا بلا عمد.
لذلك يدعوك الحق – تبارك وتعالى – إلى النظر والتأمل، يقول لك :لن نغشك... انظر في السماء وتأمل : ﴿ ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير٤ ﴾( الملك ).
والسماء التي تراها فوقك على هذه القوة والتماسك لا يمسكها فوقك إلا الله، كما يقول سبحانه : ﴿ إن الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أنْ تزولا ولئن زالتا إنْ أَمْسَكهما من أحدٍ من بعدِه.... ٤١ ﴾( فاطر ).
ويقول تعالى : ﴿ ويُمسكُ السماءَ أنْ تقعَ على الأرض إلا بإذنه... ٦٥ ﴾( الحج ) :إذن :هناك إذن للسماء أن تقع على الأرض، وأن تتشقق وتتبدل، كما قال سبحانه : ﴿ يوم تُبَدَّلُ الأرضُ غيرَ الأرضِ والسماواتُ... ٤٨ ﴾( إبراهيم ).
ويقول تعالى عن تشقق السماء في الآخرة : ﴿ إذا السماءُ انشقت ١ وأذِنت لربها وحُقَّت ٢ ﴾( الانشقاق ).
معنى : ﴿ وأذنت لربها... ٢ ﴾( الانشقاق ) :يعني :استمعت وأطاعت بمجرد الاستماع.
وهذا يقول تعالى : ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام... ٢٥ ﴾( الفرقان ) :أي :تنشق وينزل من الشقوق الغمام، وقد ذكر الغمام أيضا في قوله تعالى : ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكةُ... ٢١٠ ﴾( البقرة ).
وقوله تعالى : ﴿ ونُزِّل الملائكةُ تنزيلا٢٥ ﴾( الفرقان ) :يدل على قوة النزول ليباشروا عملية الفصل في موقف القيامة.
١ الفطور: الشقوق والصدوع. وتفطر الشيء :تشقق. والفطر: الشق وجمعه فطور. (لسان العرب- مادة: فطر)..
﴿ الملك يومئذ الحق للرحمان وكان يوما على الكافرين عسيرا٢٦ ﴾ :
إن كانت الدنيا يملك الله فيها بعض خلقه بعض خلقه، كما قال سبحانه : ﴿ قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء... ٢٦ ﴾( آل عمران ) :وقلنا :فرق بين المِلك والُملك :الِملك كل ما تملك ولو كان حتى ثوبك الذي ترتديه فهو ملك، أما المُلك فهو أن تملك من يملك، وهذا يعطيه الله تعالى، ويهبه لمن يشاء من باطن ملكه تعالى، كما أعطاه للذي حاج خليله إبراهيم عليه السلام : ﴿ ألم تر إلى الذي حاج١ إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك... ٢٥٨ ﴾( البقرة ) هذا في الدنيا، أما في الآخرة فلا ملك ولا ملك لأحد، فقد سلب هذا كله، والملك اليوم لله وحده : ﴿ لمن الملك اليوم لله الواحد القهار١٦ ﴾( غافر ).
إذن :فما في يدك من ملك الدنيا ملك غير مستقر، سرعان ما يسلب منك ؛ لذلك يقول أحد العارفين للخليفة، لو دام الملك لغيرك ما وصل إليك. فالمسألة ليست ذاتية فيك، فملكك من باطن ملك الله تعالى صاحب الملك، وهو الملك الحق، فملكه تعالى ثابت مستقر، لا ينتقل ولا يزول.
وإن انتقلت الملكية في الدنيا من شخص لآخر فإنها تجمع يوم القيامة في يده تعالى، وتجمع الملك والسلطة في يد واحدة إن كانت ممقوتة عندنا في الدنيا، حيث نكره الاحتكار والدكتاتورية التي تجعل السلطة والقهر في يد واحدة، إن كانت هذه مذمومة في البشر فهي محمودة عند الله تعالى ؛ لأنها تتركز في الدنيا في يد واحد صاحب هوى.
أما في الآخرة فهي في يده تعالى، فالرحمة في الدنيا أن يوزع الملك والسلطان، والرحمة في الآخرة أن تجمع في يده تعالى : ﴿ الملك يومئذ الحق للرحمان... ٢٦ ﴾( الفرقان ) :إذن :اجتماع الملك يوم القيامة لله تعالى من مظاهر الرحمة بنا، فلا تأخذها على أنها احتكار أو جبروت ؛ لأنها في يد الرحمان الرحيم.
وكأن الحق –تبارك وتعالى- يطمئنك :لا تقلق، فالملك يوم القيامة ليس لأحد تخاف أن تقع تحت سطوته، إنما الملك يومئذ الحق للرحمان.
والحق :الشيء الثابت الذي لا يتغير، وما دام ثابتا لا يتغير فهو لا يتناقض ولا يتعارض، فالرجل إذا كلمك بكلام له واقع في الحياة وطلبت منه أن يعيده لك أعاده ألف مرة، دون أن يغير منه شيئا، لماذا ؟ لأنه يقول من خلال ما يستوحي من الحقيقة التي شاهدها، أما إن كان كاذبا فإنه لا يستوحي شيئا ؛ لذلك لا بد أن يختلف قوله في كل مرة عن الأخرى ؛ لذلك قالوا :إن كنت كذوبا فكن ذكورا.
ومن رحمانيته تعالى أن يقول سبحانه : ﴿ وكان يوما على الكافرين عسيرا٢٦ ﴾( الفرقان ) :فينبهنا إلى الخطر قبل الوقوع فيه، وهذه رحمة بنا أن ينصحنا ربنا ويعدل لنا، وإلا لو فاجأنا بالعقوبة لكان الأمر صعبا.
فإن ذكرت المقابل تقول إنه يسير على المؤمنين، فاحرص أيها الإنسان أن تكون من الميسر لا من المعسر عليهم.
١ حاجه: نازعه الحجة فهي مفاعلة من الجانبين، أي: قدم كل منهما حجته ليغلب بها الآخر.(القاموس القويم١/١٤٣)..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا٢٧ ﴾ :
هذه عدة أيام ذكرتها هذه الآيات : ﴿ يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين... ٢٢ ﴾( الفرقان )، ﴿ يوم يعض الظالم على يديه... ٢٧ ﴾( الفرقان ) :فيوم القيامة جامع لهذا كله.
وقلنا :إن الظالم :الذي يأخذ حق غيره، تبارك وتعالى- يوضح هذا الظلم بقوله تعالى : ﴿ وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون٥٧ ﴾( البقرة ).
لأنهم لا يقدرون على ظلم الله تعالى، ولا على ظلم النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمة الله ورسوله هي العليا، وسينتصر دين الله في نهاية المطاف. ومع ذلك يعاقبهم الله تعالى على ظلمهم لأنفسهم، فنعم الإله إله يفعل هذا من عصاه.
والكافر حتى في مظهرية ظلمه للغير يظلم نفسه ؛ لأنه يضعها في موضع المسئولية عن هذه المظالم. إذن :لو حقق الإنسان الظلم لوجده لا يعود إلا على الظالم نفسه.
وحين يرى الظالم عاقبة ظلمه، ويعاين جزاء فعله يعض على يديه ندما وحسرة. والعض :انطباق الفكين الأعلى والأسفل على شيء، وللعض مراحل تتناسب مع المفزع الذي يلجأ الإنسان له، وفي موضع آخر يقول سبحانه : ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ.... ١١٩ ﴾( آل عمران ).
والأنامل :أطراف الأصابع وعضها من الغيظ عادة معروفة حينما يتعرض الإنسان لموقف يصعب عليه التصرف فيه فيعض على أنامله عضا يناسب الموقف والحدث، فإن كان الحدث أعظم ناسبه أن يعض يده على مجرد أصابعه، فإن عظم عض على يديه معا كما يحدث لهم في الآية التي معنا : ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه..... ٢٧ ﴾( الفرقان ) :لأنه في موقف حسرة وندم على الفرصة التي فاتته ولن تعود، والخطأ الذي لا يمكن تداركه ؛ لذلك يعذب نفسه قبل أن يأتيه العذاب.
فيعض على يديه معا، فكأن الأمر المفزع الذي يعاينه بلغ الغاية ؛ لذلك عض على يديه ليبلغ الغاية في المعضوض، وهو العاض والمعضوض، ولا يعذب نفسه بهذه الطريقة إلا من يئس من النجاة.
ثم يبين علة ذلك : ﴿ يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا٢٧ ﴾( الفرقان ) :وإن كانت هذه الآية قد نزلت في حدث مخصوص وفي شخص بعينه، فإنها تعم كل من فعل هذا، فالعبرة- كما يقولون – بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا جزاء كل ظالم حاد عن الجادة.
وهذه الآية نزلت في حدث خاص باثنين١ :عقبة بن أبي معيط، وكان رجلا كريما يطعم الطعام، وقد دعا مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طعامه، لكن رسول الله اعتذر له وقال :لا أستطيع أن أحضر طعامك إلا أن تشهد أن :لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فلما شهد الرجل الشهادتين زاره رسول الله وأكل من طعامه، فأغضب ذلك أمية ابن خلف صاحب عقبة فقال له :لقد صبوت يا عقبة، فقال عقبة :والله ما قلت ذلك إلا لأنني أحببت أن يأكل محمد عندي كما يأكل الناس، فقال أمية :فلا يبرئك مني إلا أن تذهب إلى محمد في دار الندوة فتطأ عنقه وتبصق.... إلخ، وفعل عقبة ما أشار عليه به صاحبه٢ فنزلت الآية : ﴿ ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ٢٧ ﴾( الفرقان ) :والمراد بالسبيل قوله :لا إله إلا الله محمد رسول الله.
١ أورده الواحدي النيسابوري في أسباب النزول (ص١٩١) قال ابن كثير في تفسيره (٢/٣١٧):"سواء كان سبب نزولها في عقبة بن أبي معيط أو غيره من الأشقياء فإنها عامة في كل ظالم"..
٢ قال الضحاك: لما بزق عقبة في وجهه رسول الله صلى الله عليه وسلم عاد بزاقه في وجهه فتشعب شعبتين، فأحرق خديه، وكان أثر ذلك فيه حتى الموت. نقله الواحدي في أسباب النزول (ص١٩٢)..
ثم يقول : ﴿ يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا٢٨ ﴾ :
الويل :الهلاك، فهو يدعو الهلاك ويناديه أن يحل به، والإنسان لا يطلب الهلاك لنفسه إلا إذا تعرض لعذاب أشد من الهلاك، كما قال أحدهم :
*أشد من السقم الذي يذهب السقما*
وقول الشاعر :
كفى بك داء أن ترى الموت شافيا **** وحسب المنايا أن يكن أمانيا١
فلما كانت المسألة أكبر منه وفوق احتماله نادى يا ويلتي احضري، فهذا أوانك لتخلصيني مما أنا فيه من العذاب.
وقوله﴿ ليتني.... ٢٨ ﴾( الفرقان ) :تمن، والتمني :طلب أمن محبوب لا سبيل إلى حصوله، كما قال الشاعر في التمني :
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمها **** عقود مدح فما أرضى لكم كلمي
وهذا أمر لا يمكن أن ينال.
وآخر يقول :
فيا ليت الشبابَ يعود يوماً **** فأُخبرَه بما فعل المشيبُ
فقصارى ما يعطيه أسلوب التمني أنه يدل على أمر محبوب، كنت أحب أن يحدث، لكن أيحدث بالفعل ؟ لا.
وكلمة( فلان ) تقولها كناية عن شخص لا تحب حتى ذكر اسمه، فعقبة( ابن أبي معيط ) لم يقل :ليتني لم أتخذ أمية ( بن خلف ) خليلا إنما قال ( فلانا ) لأنه كاره له يبغض حتى ذكر اسمه.
والخليل :من الخلة والمخالة يعني :الصداقة المتداخلة المتبادلة وفي ذلك يقول الشاعر :
ولما التقينا قرب الشوق جهده **** خليلين ذابا لوعة وعتبا
كان خليلا في خلال خليله **** تسرب أثناء العناق وغابا
١ البيت بيت مشهور للمتنبي (ديوانه ٤/٢٨١) وأورده شهاب الدين محمود الحلبي في كتاب "حسن التوسل إلى صناعة الترسل"(٢٥٢) في فصل "حسن الابتداءات)..
ثم يذكر علة ذلك :
﴿ لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا٢٩ ﴾ :
﴿ خذولا٢٩ ﴾( الفرقان ) :صيغة مبالغة من الخذلان، نقول :خاذل وخذول، ومعنى خذلك أي :تخلى عنك في الأمر بعد أن مد لك حبال الأمل، فإذا ما جاء وقت الحاجة إليه تخلى عنك وتركك، كذلك الشيطان يفعل بأوليائه، كما جاء في آيات أخرى : ﴿ كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إن بريء منك إني أخاف الله رب العالمين ١٦ ﴾( الحشر )، وفي آية أخرى : ﴿ وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم... ٤٨ ﴾( الأنفال ).
وفي موضع آخر يقول لأتباعه : ﴿ ما أنا بمصرخكم ١ وما أنتم بمصرخي... ٢٢ ﴾( إبراهيم ) :
فحين يقولون له :لقد أغويتنا وأضللتنا يقول لهم : ﴿ وما كان لي عليكم من سلطان.... ٢٢ ﴾( إبراهيم ) :لا سلطان حجة أقنعكم به، ولا سلطان قهر أحملكم به وأقهركم على طاعتي، بل كنتم على ( تشويرة ) : ﴿ إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي... ٢٢ ﴾( إبراهيم ).
١ المصرخ: المغيث المنقد من يستصرخه، واستصرخه: استغاث به. والصريخ: الاستغاثة والمستغيث والمغيث.(القاموس القويم١/٣٧٣)..
ثم يقول الحق سبحانه عن رسوله محمد صلى الله عليه وسلم :
﴿ وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا٣٠ ﴾ :
القوم :قوم الرجل :أهله وعشيرته والمقيمون معه، ويجمعهم إما أرض، وإما دين. وسموا قوما لأنهم هم الذين يقومون على أمر الأشياء، فهم الرجال خاصة ؛ لأن النساء المفروض فيهن السكن والقرار في البيوت.
والحق- تبارك وتعالى- يوضح لنا هذا الفرق في قوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن.... ١١ ﴾( الحجرات ) :إذن :فالقوم هم الرجال خاصة.
ومن ذلك أيضا قول الشاعر١ :
وما أدري ولست إخال أدري **** أقوم آل حصن أم نساء ٢
وقوله تعالى : ﴿ إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا٣٠ ﴾ ( الفرقان ) :أضاف القوم إليه- صلى الله عليه وسلم – لأنه منهم يعرفونه ويعرفون أصله، وقد شهدوا له بالصدق والأمانة ومكارم الأخلاق قبل أن يبعث، وكان عندهم مؤتمنا على نفائس أموالهم ؛ لذلك خاطبهم الحق تبارك وتعالى بقوله : ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ١٢٨ ﴾( التوبة ).
إذن :فالرسول ليس بعيدا عنكم، ولا مجهول لكم، فمن لم يؤمن به كرسول ينبغي أن يؤمن به كأسوة وقدوة سلوك لسابق تاريخه فيكم.
لذلك نرى أن سيدنا أبا بكر ما انتظر من رسول الله دعوة، ولا أن يقرأ له قرآنا، أو يظهر له معجزة، إنما آمن وصدق بمجرد أن قال رسول الله، فما دام قد قال فقد صدق، ليس بمعجزة رآها أبو بكر، إنما برصيده القديم في معرفة رسول الله في سلوكه وخلقه، فلما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدع الكذب على الخلق، ويكذب على الخالق.
وكذلك السيدة خديجة :هل انتظرت من رسول الله ما يثبت نبوته ؟ إنها بمجرد أن قال رسول الله صدقت به، ووقفت بجانبه وثبتته وهدأت من روعه، وقالت له : " والله لا يسلمك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل٣، وتعين على نوائب الدهر " ٤.
ومعنى : " مهجورا٣٠ }( الفرقان ) :من الهجر وهو قطع الصلة، فإن كانت من جانب واحد فهي هجر، وإن كانت من الجانبين فهي ( هاجرا ). والمعنى :أنهم هجروا القرآن، وقطعوا الصلة بينهم وبينه، وهذا يعني أنهم انقطعوا عن الألوهية وانقطعوا عن الرسالة المحمدية، فلم يأخذوا أدلة اليقين العقدية، وانقطعوا عن الرسالة المحمدية حينما كذبوا بها، وانقطعوا عن الأحكام حينما عصوها، وبذلك اتخذوا هذا القرآن مهجورا في كل هذه المسائل :العقائد والعبادات والتصديق بالرسول.
مع أن العرب لو فهموا قوله تعالى : ﴿ وإنه لذكر لك ولقومك... ٤٤ ﴾( الزخرف ) :لمجدوا القرآن وتمسكوا به، فهو الذي عصمهم وعصم لغتهم، وأعلى ذكرهم بين الأمم، ولو أن كل أمة من الأمم المعاصرة أخذت لهجتها الخاصة الوطنية، وجعلت منها لغة لتلاشت العربية كلغة.
وفي كثير من بلدان الوطن العربي لو حدثوك بلهجتهم الخاصة لا تفهم منها شيئا، ولولا أن الفصحى لغة القرآن تربط بين هذه اللهجات لأصبحت كل منها لغة خاصة، كما حدث في اللغات اللاتينية التي تولدت منها الفرنسية والإيطالية والألمانية والإنجليزية، ولكل منها أسسها وقواعدها الخاصة بها، وكانت في الأصل لغة واحدة، إلا أنها لا رابط لها من كتاب مقدس.
فالحق –تبارك وتعالى- ينبههم إلى أن القرآن فيه ذكرهم وشرفهم وعزتهم، وفيه شهرتهم وصيتهم، فالقرآن جعل العرب على كل لسان، ولولاه لذابوا بين الأمم كما ذابت قبلهم أمم وحضارات لم يسمع عنها أحد.
لذلك يقول لهم النبي صلى الله عليه وسلم : " إن تؤمنوا بما جئت به يكن حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا علي قولي صبرت حتى يحكم الله بيني وبينكم " ٥.
١ الشاعر هو: زهير ابن أبي سلمى، حكيم الشعراء في الجاهلية، كان أبوه وخاله وأخته سلمى وابناه كعب وبجير وأخته الخنساء شعراء، ولد في بلاد "مزينة" بنواحي المدينة، من أشهر شعره معلقته، توفى عام ١٣ق، هـ.(الأعلام للزركلي ٣/٥٢)..
٢ ديوان زهير بن أبي سلمى ٧٣، وحسن التوسل صفحة ٢٣١..
٣ تحمل الكل: أي تعين المثقل ومنه الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال انظر شرح النووي على مسلم(٢/٥٦١)، وفتح الباري للعسقلاني (١/٢٤)..
٤ حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه(٣) وستة مواضع أخرى من صحيحه، وكذا مسلم في صحيحه(١٦٠) من حديث عائشة رضي الله عنها..
٥ ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (١/٢٩٦) ضمن حديث وفد كفار قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم..
﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا٣١ ﴾ :
وإذا لم يكن للرسول أعداء، فلماذا جاء ؟ لو انتظرنا من الجميع ساعة يأتي الرسول أن يصدقوه ويؤمنوا به إذن :فلماذا جاء الرسول ؟ لا يأتي الرسول إلا إذا طم الفساد وعم، كما أننا لا نأتي بالطبيب إلا إذا حدث مرض أو وباء.
وهؤلاء القوم كانت لهم سيادة ومكانة، وقد جاء الإسلام ليسوي بين الناس، ويسلب هؤلاء سيادتهم، فلا بد أن يقفوا منه موقف العداء، وهذا العداء هو حيثية وجود الرسول فيهم. وليس النبي صلى الله عليه وسلم بدعا في ذلك، فما من نبي إلا وكان له أعداء، مع أن الأنبياء السابقين كان النبي منهم في فترة زمنية محدودة وفي مكان محدود.
أما رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فكانت رسالة عامة في الزمان وفي المكان، ولا بد أن يتناسب العداء- إذن- مع انتشار الرسالة وعمومها في الزمان والمكان إلى قيام الساعة وعلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يوطن نفسه ذلك.
وكلمة( عدو ) من الكلمات التي تطلق مفردة وتشمل المثنى والجمع، ومن ذلك قوله على لسان سيدنا إبراهيم : ﴿ فإنهم عدو لي إلا رب العالمين ٧٧ ﴾( الشعراء ).
وفي سورة الكهف : ﴿ أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو... ٥٠ ﴾( الكهف )، ولم يقل :أعداء.
وفي بعض الآيات تأتي بصيغة الجمع كما في قوله تعالى : ﴿ واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم... ١٠٣ ﴾( آل عمران ) :فلو كانت قضية لغوية لجاءت بصيغة المفرد في كل الآيات.
لكن لماذا عدل القرآن هنا عن صيغة المفرد إلى صيغة الجمع ؟.
قالوا :إن كانت العداوة من المفرد والمثنى والجمع عداوة واحدة قال ( عدو ) بصيغة المفرد لاتحاد سبب العداوة، فإن كانت العداوات مختلفة :هذا يعاديك لشرفك، وهذا يعاديك لعلمك، وهذا يعاديك لمالك، فتعددت أسباب العداوة قال( أعداء ) أما في مسألة الإيمان واليقين بالنسبة للكافرين فالعداوة واحدة، لكن في أمور الدنيا العداوات متعددة :هذا يعاديك لكذا، وهذا يعاديك لكذا ؛ لأنه مخالف لهواه.
وحينما تحدثنا عن قوله تعالى : ﴿ ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم... ٦١ ﴾( النور ) :كلها بصيغة الجمع إلا في قوله تعالى : ﴿ أو صديقكم... ٦١ ﴾( النور ) :بصيغة المفرد، لماذا ؟ لأن صداقة المؤمنين ينبغي ألا تكون إلا لمعنى واحد، هو الحب لله، وفي الله، لا ينبغي أن يكون لك صديق لكذا وصديق لكذا.
وفي ذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان :أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار " ١.
فإذا كان أصدقاؤك يحبونك لله، فهم جميعا كصديق واحد.
وقوله تعالى : ﴿ وكذلك... ٣١ ﴾( الفرقان ) :يعني :كأعدائك الذين اتخذوا القرآن مهجورا، والذين وقفوا منك موقف التعنت والإيذاء والسخرية.
﴿ جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين... ٣١ ﴾( الفرقان ) :أي :الذين يجرمون يعني :يرتكبون الجرائم، وهي المعاصي والذنوب حسب مدلولاتها.
الحق- تبارك وتعالى – حينما يكشف لرسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة أعدائه، وأنهم كثيرون، وأنهم مجرمون إنما ليوطن نفسه على ذلك، فلا يفاجأ به، ويتحمل أذاهم إن أصابوه بسوء. وهذه المسألة كالمصل والتحصين الذي يعطونه للناس لمواجهة المرض قبل حدوثه، فالحق سبحانه يعطي رسوله المناعة اللازمة لمواجهة أعداء الدعوة.
لذلك نجد " تشرشل " القائد البريطاني الذي ساس الحرب العالمية الثانية كان يواجه جنوده بالحقائق أفظع مما هي في الواقع ومهما واجههم من مصاعب قال لهم ما زال هناك المزيد منها، حتى إذا ما حدث ذلك كانوا على استعداد له.
وقوله تعالى : ﴿ وكفى بربك هاديا ونصيرا٣١ ﴾( الفرقان ) :أي :أن الله تعالى سيهديك إلى الطريق الذي بمقتضاه تنتصر على هؤلاء جميعا. وسبق أن ذكرنا عن الفاروق عمر- رضي الله عنه – أنه حينما نزل قوله تعالى : ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ٤٥ ﴾( القمر ) :قال :أي جمع هذا ؟ يعني تعجب كيف سنهزم هؤلاء ونحن الآن عاجزون حتى عن حماية أنفسنا ؟ ولا نبيت إلا في السلاح، ولا نصبح إلا في السلاح نخاف أن يتخطفنا الناس، فلما وقعت بدر وهزم المشركون وحصدت أرواح صناديدهم قال :صدق الله : ﴿ سيهزم الجمع ويولون الدبر ٤٥ ﴾
( القمر )٢.
كيف حدث هذا ؟ حدث من هداية الله لرسوله صلى الله عليه وسلم إلى أسباب النصر، والحق- تبارك وتعالى- ينصر الشيء وينصر بضده، وقد اجتمع في بدر سادات قريش وأقوياؤها وأغنياؤها وصناديد الكفر بها، حتى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هذه مكة، قد ألقت إليكم أفلاذ٣ كبدها " ٤، وقد خرجوا جميعا على حال الاستعداد للحرب، أما المؤمنون فقد كانوا قلة مستضعفين على غير استعداد للحرب، ومع ذلك نصرهم الله.
والحق سبحانه يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه : ﴿ كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله.... ٢٤٩ ﴾( البقرة ).
وقال تعالى : ﴿ وإن جُنْدَنا لهم الغالبون١٧٣ ﴾( الصافات ).
وقال تعالى : ﴿ أولم يروا أنّا نأتي الأرضَ نَنْقُصها من أطرفها.. ٤١ ﴾( الرعد ) :أي :ننقص من أرض الكفر، ونزيد في أرض الإيمان، والحق سبحانه أخبرنا بقضايا يجب أن توجد أحداث في الحياة والواقع خادمة لتصديق هذه القضايا.
١ حديث متفق عليه، أخرجه البخاري في صحيحه(١٦) وكذا مسلم في صحيحه (٤٣) كلاهما في كتاب الإيمان من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه..
٢ أورد ابن كثير في تفسيره وعزاه لابن أبي حاتم (٤/٢٦٦) عن عكرمة قال: " لما نزلت : ﴿سيهزم الجمع ويولون الدبر ٤٥﴾(القمر) قال عمر: أي جمع يهزم؟ أي: أي جمع يغلب؟ قال عمر: فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يثب في الدرع وهو يقول: "سيهزم الجمع ويولون الدبر" فعرفت تأويلها يومئذ"..
٣ الفلذة :القطعة من الكبد واللحم والمال والذهب والفضة. والجمع أفلاذ. وفي حديث بدر: "هذه مكة قد رمتكم بأفلاذ كبدها" أراد صميم قريش ولبابها وأشرافها، كما يقال: فلان قلب عشيرته؛ لأن الكبد من أشرف الأعضاء"(لسان العرب-مادة: فلذ)..
٤ أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/٤٣)، وأورده ابن هشام في السيرة النبوية (٢/٦١٧) عن عروة بن الزبير..
ثم يقول الحق سبحانه : ﴿ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا٣٢ ﴾ :
هذه أيضا أحد الأمور التي يتعقلون بها كي لا يؤمنوا، وكيف يطلبون أن ينزل القرآن جملة واحدة، وهم لا يطيقون منه آية واحدة ؟ لكنه الجدل والسفسطة والإفلاس في الحجة، فاعتراضهم على نزول القرآن منجما١.
إذن :لا غضاضة عندهم في القرآن، وعيبه في نظرهم أنه نزل على محمد بالذات، وأنه ينزل منجما لا جملة واحدة، وكأن طاقة الإيمان عندهم تناسب نزول القرآن جملة واحدة ! !
ثم يقول سبحانه : ﴿ كذلك... ٣٢ ﴾( الفرقان ) :يعني :أنزلناه كذلك منجما حسب الأحوال، والحكمة من ذلك﴿ لنثبت به فؤادك... ٣٢ ﴾( الفرقان ) :لأنك ستتعرض على مدى ثلاث وعشرين سنة لمواقف تزلزل، فكلما تعرضت لموقف من هذه المواقف نزل القرآن تسلية لك وتثبيتا وصلة بالسماء لا تنقطع. ولو نزل القرآن مرة واحدة لكان التثبيت مرة واحدة، ثم تأتي بقية الأحداث بدون تثبيت، ولا شك أن الصلة بالسماء تقوي المنهج وتقوي الإيمان.
كما أن القرآن لو نزل مرة واحدة، كيف يتسنى لهم أن يسألوا عما سألوا عنه مما حكاه القرآن :يسألونك عن كذا، يسألونك عن كذا.... إلخ. إذن :نزوله منجما اقتضاء لحكمة الحق سبحانه ليعدد مواقف تثبيتك، لتعدد مواقف الإيذاء لك.
ومعنى : ﴿ ورتلناه ترتيلا٣٢ ﴾( الفرقان ) :أي :أنزلناه منجما حسب الأحوال، فكلما نزل نجم تمكنتم من حفظه وتكراره في الصلاة.
١ منجما: أي: مفرقا مقطعا على حسب الأحداث وأسباب نزول الآيات آية آية. قال ابن كثير في تفسيره(٣/٣١٨):" روى النسائي بإسناده عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة"..
﴿ ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا٣٣ ﴾ :
المثل مثل قولهم : ﴿ لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة... ٣٢ ﴾( الفرقان )، أو قولهم : ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم٣١ ﴾( الزخرف ) والمثل :الأشياء العجيبة التي طلبوها.
ولو أجابهم الله لما قالوا لأنكروا قولهم وتنصلوا منه، كما قال تعالى عن اليهود : ﴿ سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها... ١٤٢ ﴾( البقرة ) :ومع ذلك قالوا ما حكاه القرآن عنهم. أما كان فيهم رجل يتنبه لقول القرآن، فيحذرهم من هذا القول ليوقع رسول الله في حرج، ويظهر القرآن على أنه كذب، ويقول كلاما يخالف الحقيقة، وعندها، لهم أن يقولوا :لقد قال القرآن كذا وكذا ولم يحدث منا هذا ؟.
﴿ الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا٣٤ ﴾ :
﴿ الذين... ٣٤ ﴾( الفرقان ) :إجمال لأشخاص معروفين بذواتهم، وقفوا من الرسول موقف العداء، ومنهم من سبق أن قال : ﴿ يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ٢٧ يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا٢٨ ﴾ :والحشر :الجمع للحساب، لكن سيحشرون على وجوههم ؛ لذلك لما نزلت هذه الآية سألوا رسول الله :كيف يمشون على وجوههم، قال صلى الله عليه وسلم : " الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم " ١.
فالذي يمشي على وجهه كالذي يمشي على بطنه، ولعله يجر جرا، سواء أكان على وجهه أو على أي شيء آخر، ثم إن الإنسان لا ينبغي له أن يسأل عن أمور هي مناط القدرة المطلقة.
والحق- تبارك وتعالى- يوضح هذه المسألة في قوله تعالى : ﴿ والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شي قدير٤٥ ﴾( النور ).
إذن :المشي لا ينحصر في الحالات التي نعرفها فقط، إنما هي طلاقة القدرة التي تفعل ما تشاء.
لكن، لماذا لم يذكر القرآن أسماء هؤلاء الأشخاص الظالمين المعاندين للإسلام ؟ قالوا :هذا من باب إرخاء العنان للخصم، وكلمة ( العنان ) تأتي بكسر العين وفتحها، واللغويون يقولون :هي على وزن ما هي بمعناه، فإن قصدت بها عنان السماء فهي على وزن سحاب، وإن أردت بها عنان الفرس، فهي على وزن لجام.
وراكب الدابة إن أرخى لها العنان تركها تسير كما تشاء، كذلك الحق- تبارك وتعالى – يرخي للخصم العنان ليقول كل ما عنده، وليأخذه إلى جانبه، لا بما يكره، بل بما يحب. وقد علم الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يرد عليهم ويجادلهم الجدل الهادئ بالتي هي أحسن، فحين قالوا عنه مفتر، وعن القرآن مفترى ومكذوب رد عليهم : ﴿ أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله... ٣٨ ﴾( يونس ).
ثم يترقى في جدالهم : ﴿ أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون٣٥ ﴾( هود )، وفي آية أخرى يرد عليهم : ﴿ وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين٢٤ ﴾
( سبأ ). وهل النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرف من على الهدى ومن على الضلال ؟ لا شك أنه إرخاء العنان للخصم، يقول لهم :أنا وأنتم على طرفي نقيض :أنا أقول بإله واحد وأنتم تكذبون قولي، فأنا متناقض معكم في هذه القضية، والقضية لا بد أن تأتي على شكل واحد، فإما أنا على الهدى، وإما أنتم، وأنا لا أدعي الحق لنفسي.
إذن :المطلوب أن تعملوا عقولكم لتميزوا من منا على الهدى ومن منا على الضلال، وكأن رسول الله يرتضي حكموتهم في هذه المسألة، وما ترك لهم رسول الله الحكم إلا وهو واثق أنهم لو تجردوا من الهوى لعرفوا أن الحق معه، وأنه على الهدى، وأنهم على الضلال.
إذن :عندما تكلم القرآن عن كفار قريش الذين تعنتوا في اقتراحاتهم، وعاندوا وآذوا رسول الله بكل أنواع الإيذاء، ومع ذلك حينما تكلم عنهم جاء بأسلوب عام فقال :( الذين ) ولم يقل هؤلاء، بل جاء بالقضية العامة ولم يواجههم بالجزاء مما يدل على التلطف في أمر الدعوة، وهذا نوع من استمالة الخصم لنقطع منه شراسة العداء والعناد.
لذلك يخاطب الحق –تبارك وتعالى – رسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ فبما رحمة من الله لنت لهم... ١٥٩ ﴾( آل عمران ) :كأنك لم تلن لهم بطبعك ؛ لأن عنادهم وأذاهم كان سيرغم طبعك على أن تكون قاسيا معهم ولكن رحمة الله شملتك فلنت لهم﴿ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا حولك... ١٥٩ ﴾( آل عمران ) :
هذا يعني أن الداعية لا بد أن يكون رحب الصدر، رحب الساحة، ذلك لأنه يخرج أهل الضلال عما ألفوه إلى شيء يكرهونه، فلا تخرجهم من ذلك بأسلوب يكرهونه، فتجمع عليهم شدتين، إنما تلطف معهم، كما قال عز وجل لموسى وهارون عندما أمرهم بدعوة فرعون : ﴿ فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى ٤٤ ﴾( طه ).
لأن الذي بلغ من عناده أن يتكبر لا على المخلوقين أمثاله، إنما يتكبر على الخالق فيدعي الألوهية لا بد أن تأتيه بأسلوب لين لطيف.
وفي آية أخرى يعلم الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم كيف يجادل المشركين، فيقول سبحانه : ﴿ قل لا تسألون عما أجرمنا... ٢٥ ﴾( سبأ ).
وهل يتصور الإجرام من رسول الله ؟ ! وفي المقابل : ﴿ ولا نسأل عما تعملون ٢٥ ﴾( سبأ ) :مع أن منطق الجدل هنا أن يقول :ولا نسأل عما تجرمون، لكنه نسب الإجرام لنفسه، ولم يذكره في حق الآخرين، فهل هناك تلطف وترقيق للقلوب فوق هذا ؟
الحق –تبارك وتعالى – يعرض لكل هذه المسائل ليثبت أن رسوله صلى الله عليه وسلم كان حريصا على إيمان قومه، وأنه لم يدخر وسعا في سبيل هدايتهم وجذبهم إليه ؛ لدرجة أنه حمل نفسه فوق ما يطلبه الله منه، حتى قال له ربه : ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا٦ ﴾( الكهف ).
وقال : ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين٣ ﴾( الشعراء ).
يعني :مهلك نفسك من أجل هدايتهم، وما عليك إلا البلاغ، ولا يقول له ربه هذا الكلام إلا إذا كان قد علم منه حرصا ورغبة أكيدة في هداية قومه.
ومعنى : ﴿ أولئك شر مكانا وأضل سبيلا٣٤ ﴾ ( الفرقان )، قوله تعالى﴿ شر... ٣٤ ﴾( الفرقان ) :ولم يقل أشر ؛ لأن معناها :أن الجهة الثانية فيها شر، وهذا أيضا من إرخاء العنان للخصم.
١ عن أنس بن مالك أن رجلا قال :يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة ؟ قال :"أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة". أخرجه البخاري في صحيحه (٤٧٦٠-٦٥٢٣) وكذا مسلم في صحيحه (٢٨٠٦) كتاب صفات المنافقين..
ثم يحدثنا الحق سبحانه عن أقوام الرسل السابقين :
﴿ ولقد ءآتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا١٣٥ ﴾ :
سبق قول الحق تبارك وتعالى : ﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين... ٣١ ﴾( الفرقان ) :فلا بد أن يكون لكل نبي أعداء ؛ لأنه جاء ليعدل ميزان المكارم الذي تحكم فيه ناس مستبدون في شراسة، وأهل لفساد سيحرمون من ثمرة هذا الفساد، فطبيعي أن يقفوا في وجه الدعوة.
لذلك يضرب الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم بعض الأمثال من موكب الرسالات، فيقول : ﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه آخاه هارون وزيرا٣٥ ﴾( الفرقان ).
كأن الحق سبحانه يقول لرسوله :لقد تعرضت لمشقة دعوة أناس لا يؤمنون بالإله، أما موسى فقد تعرض لدعوة من ادعى أنه إله، إذن :هناك من تحمل كثيرا من المشقات في سبيل الدعوة، لدرجة أن موسى عليه السلام رأى نفسه لن يستطيع القيام بهذه المهمة وحده.
فنراه وهو النبي الرسول الذي اختاره الله- يقول : ﴿ وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني... ٣٤ ﴾( القصص ) :وهذا يعني أن موسى- عليه السلام- يعلم مدى المشقة، وحجم المهمة التي سيقوم بها.
فالرسالات السابقة كان الرسول يبعث إلى أمته المحدودة في الزمان وفي المكان، ومع ذلك لاقوا المشقات، أما أنت يا محمد فقد أرسلت برسالة عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم الساعة، فلا بد أن تكون متاعبك مثل متاعب من سبقوك جميعا.
١ الوزير: المعين والمساعد. قال في(لسان العرب- مادة: وزر) :"الوزير في اللغة اشتقاقه من الوزر، والوزير: الحبل الذي يعتصم به ليبنجي من الهلاك، وكذلك وزير الخليفة معناه الذي يعتمد على رأيه في أموره ويلتجئ إليه"..
﴿ فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا ٣٦ ﴾ :
الخطاب في﴿ اذهبا... ٣٦ ﴾( الفرقان ) :للرسول موسى، وللوزير هارون وقال : ﴿ إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا.. ٣٦ ﴾( الفرقان ) :مع أن فيهم من ادعى الألوهية استمرارا لإرخاء العنان للخصم، فقد كذب فرعون بأن من آيات الله أن يؤمن بإله واحد.
ثم كانت النهاية ﴿ فدمرناهم تدميرا٣٦ ﴾( الفرقان ) :لأنهم وقفوا من موسى وهارون موقف العداء، وقامت بينهما معركة تدخل فيها الحق سبحانه، ودمرهم تدميرا، كأن الحق سبحانه يقول لرسوله :اطمئن فإن حادوا عن جادة الحق وأبوا أن يأتوك طائعين، فسوف تكون نهايتهم كنهاية هؤلاء.
﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما٣٧ ﴾ :
ذكر الحق- تبارك وتعالى- نوحا بعد موسى عليهما السلام ؛ لأن كلا منهما تميز في دعوته بشيء، وتحمل كل منهما ألوانا من المشقة، فموسى واجه من ادعى الألوهية، ونوح أخذ سلطة زمنية واسعة انتظمت كل الموجودين على الأرض في وقته- ولا يعني هذا أنه- عليه السلام- أرسل إلى الناس كلهم، إنما كان قومه هم الموجودون على الأرض في هذا الوقت- فقد لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما.
واقرأ قصته- عليه السلام- في سورة نوح لتقف على مدى معاناته في دعوة قومه طوال هذه الفترة، ومع ذلك ما آمن معه إلا قليل، وكانت الغلبة له في النهاية.
وأيضا لأنه- عليه السلام- تعرض لأمر يتعلق بالبنوة، بنوة في المنهج، وبنوة في النسب، فقد كان ابنه- نسبا- كافرا، ولم يتمكن من هدايته، ولما قال لربه عز وجل ﴿ إن ابني من أهلي... ٤٥ ﴾( هود )، قال له : ﴿ يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح... ٤٦ ﴾( هود ) :
فجعل حيثية النفي﴿ إنه عمل غير صالح... ٤٦ ﴾( هود ) :فالنسب هنا عمل وطاعة، فكأن النبوة للأنبياء بنوة عمل، لا بنوة نسب، فابنك الحق من سار على منهجك، وإن لم يكن من دمك.
مسألة أخرى نلحظها في الجمع بين موسى ونوح عليهما السلام في مقام تسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهما يشتركان في ظاهرة كونية تستحق التأمل والنظر، فكل مظاهر الكون التي أمامنا لو حققنا في كل مظهر من مظاهرها بعقل وتؤدة ويقين لأمكننا أن نستنبط منها ما يثري حياتنا ويترفها ويسعدها.
لذلك الحق- تبارك وتعالى- ينعي على الذين يعرضون عن النظر في آياته، فيقول : ﴿ وكأين من آية في السماوات والأرض يمرون عليها وهم عنها معرضون١٠٥ ﴾( يوسف ).
وسبق أن قلنا :إن كل المخترعات التي رفهت حياة الناس وأسعدتهم، وقللت مجهوداتهم، وقصرت الوقت عليهم، كانت نتيجة الملاحظة والتأمل في مظاهر الكون كالذي اخترع العجلة والبخار... إلخ.
وهنا نلاحظ أن العلاقة بين موسى ونوح- عليهما السلام- أن الله تعالى يهلك وينجي بالشيء الواحد، فالماء الذي نجى موسى هو الماء الذي أغرق فرعون، والماء الذي نجى نوحا هو الماء الذي أغرق الكافرين من قومه. فهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فالله تعالى إن أراد الإنجاء ينجي، وإن أراد الإهلاك يهلك، ولو بالشيء الواحد.
ألا ترى أن أصحاب موسى حينما رأوا البحر من أمامهم، وفرعون من خلفهم قالوا﴿ إنا لمدركون٦١ ﴾( الشعراء ) :فهذه حقيقة وقضية كونية من يملك ردها ؟ إنما ردها موسى فقال ( كلا ) لن ندرك، قالها بملء فيه، لا ببشريته، إنما بالربوبية التي يثق في أنها لن تسلمه، ﴿ قال كلا إن معي ربي سيهدين٦٢ ﴾( الشعراء ).
وكذلك كانت مسألة نوح عليه السلام، لكن بطريقة أخرى، هي السفينة، وفكرة السفينة لم تكن موجودة قبل نوح عليه السلام، ألم يصادف واحد شجرة ملقاة في الماء تطفو على سطحه، ففكر في ظاهر الطفو هذه، وكيف أن الشجرة لم تغطس في الماء ؛ لقد كان النجارون الماهرون يقيسون كثافة الخشب بأن يلقوه في الماء، ثم ينظروا مقدار الغاطس منه في الماء، وعليه يعرفون كثافته.
هذه الظاهرة التي تنبه لها أرشميدس وبنى عليها نظرية الأجسام الطافية والماء المزاح، وتوصل من خلالها إلى النقائض، فبها تطفو الأشياء أو تغوص في الماء، إن زادت الكثافة يثقل الشيء ويغوص في الماء، وإن قلت الكثافة يطفو.
وتلاحظ ذلك إذا رميت قطعة نقود مثلا، فإنها تطفو مع أن الكتلة واحدة، نعم الكتلة واحدة، لكن الماء المزاح في الحالة الثانية أكثر، فيساعد على طفوها.
وقد أراد الحق – تبارك وتعالى- أن ينبه الإنسان إلى هذه الظواهر، ويهديه إلى صناعة السفن التي تحمله في الماء ؛ لأن ثلاثة أرباع الكرة الأرضية مياه، وقد جعل الله لك وسائل مواصلات في الربع، ألا يجعل لك مواصلات في الثلاثة أرباع ؛ فتأخذ خيرات البحر، كما أخذت خيرات البر ؟
وتأمل أسلوب القرآن : ﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل... ٣٧ ﴾( الفرقان ) :ومعلوم أنهم كذبوا رسولهم نوحا لا جميع الرسل، قالوا :لأن النبوة لا تأتي بمتعارضات، إنما تأتي بأمور متفق عليها ؛ لذلك جعل تكذيب رسول واحد كتكذيب جميع الرسل.
ثم ذكر عاقبة ذلك : ﴿ أغرقناهم وجعلناهم للناس آية... ٣٧ ﴾( الفرقان ). وكلمة﴿ أغرقناهم... ٣٧ ﴾( الفرقان ) :تعني :أن الذي أغرق المكذبين نجى المؤمنين، وإغراق المكذبين أول عملية ترد على سخريتهم من نوح، حينما مروا عليه وهو يصنع السفينة : ﴿ وكلما مر عليه ملأ من قومه سخروا منه قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون٣٨ ﴾( هود ).
ولم يكن الغرق نهاية الجزاء، إنما هو بدايته، فهناك العذاب الذي ينتظرهم في الآخرة : ﴿ وأعتدنا للظالمين عذابا أليما ٣٧ ﴾ ( الفرقان ) :وهكذا جمع الله عليهم الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة.
ثم يضرب الحق –تبارك وتعالى- لرسوله مثلا آخر :
﴿ وعادا و ثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا ٣٨ ﴾ :
إنها نماذج من المتاعب التي لاقاها الرسل من أممهم، كما قال في موضع آخر : ﴿ وإلى عاد أخاهم هودا.... ٦٥ ﴾( الأعراف ). ﴿ وإلى ثمود أخاهم صالحا.... ٧٣ ﴾( الأعراف ).
وكانت النهاية أن نصر الله أولياءه ورسله، و دحر خصومهم والمكذبين بهم، كل ذلك ليقول لرسوله صلى الله عليه وسلم :يا محمد لست بدعا من الرسل، فإن وقف منك قومك موقف العناد والتكذيب، فكن على يقين وعلى ثقة من نصر الله لك كما قال :
﴿ ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين١٧١ إنهم لهم المنصورون١٧٢ وإن جندنا لهم الغالبون ١٧٣ ﴾( الصافات ).
إنها قضية يطلقها الحق – تبارك وتعالى – لا للتأريخ فقط، ولكن لتربية النفس البشرية، فإن أردت الغلبة فكن في جند الله وتحت حزبه، ولن تهزم أبدا، إلا إذا اختلت فيك هذه الجندية، ولا تنس أن أول شيء في هذه الجندية الطاعة والانضباط، فإذا هزمت في معركة فعليك أن تنظر عن أي منهما تخليت.
لذلك رأينا في غزوة أحد أن مخالفة الرماة لأمر رسول الله قائد المعركة كانت هي سبب الهزيمة١، وماذا لو انتصروا مع مخالفتهم لأمر الرسول ؟ لو انتصروا لفهموا أنه ليس من الضروري الطاعة والانقياد لأمر رسول الله. إذن :هذا دليل على وجوب الطاعة، وألا يخرجوا عن جندية الإيمان أبدا خضوعا وطاعة، ولا تقولوا :إن الرسول بيننا فهو يربيكم ؛ لأنه لن يخلد فيكم.
وقوله تعالى : ﴿ وأصحاب الرس... ٣٨ ﴾( الفرقان ) :الرس :هو البئر أو الحفرة، وكانت في اليمامة، ويسمونها الأخدود، وقد ورد ذكرها في سورة البروج.
وقد قال سبحانه هنا : ﴿ وقرونا بين ذلك كثيرا٣٨ ﴾( الفرقان ) :لم يرد الحق سبحانه أن يعدد كل الأمم السابقة، واكتفى بذكر نماذج منها، وفي مواضع أخرى يجمعهم جملة، فيقول تعالى : ﴿ فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا٢ ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا.... ٤٠ ﴾( العنكبوت ).
١ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير، والرماة خمسون رجلا، فقال له صلى الله عليه وسلم: "أنضح عنا الخيل بالنبل لا يأتوننا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك" (دلائل النبوة ٣/٢٢٧) وفي رواية أخرى (٣/٢٢٩): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم: "إذا رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا حتى أرسل إليكم وإن رأيتمونا هزمنا القوم وأوطأناهم فلا تبرحوا حتى أرسل إليكم. ثم لاحت لهم الغنائم، فقال الرماة: الغنيمة، ظهر أصحابكم فما تنظرون؟ قال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقالوا: لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، فأتوهم فصرفت وجوههم، فأقلبوا منهزمين"..
٢ حصبه: قذفه بالحصى. والحاصب: إعصار شديد يقذفكم بالحصى فيهلككم والرياح العاصفة تفعل أكثر من ذلك.(القاموس القويم ١/١٥٦)..
ثم يقول سبحانه :
﴿ وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا٣٩ ﴾ :
﴿ وكلا... ٣٩ ﴾( الفرقان ) :أي :كل من المتقدمين﴿ ضربنا له الأمثال... ٣٩ ﴾( الفرقان ) :يعني :لم أدع رسولا إلا وجئت له بالعبرة برسول قبله، أقول له :انظر فيمن سبقك كيف كذبه قومه ؟ وكيف عاندوه ووقفوا منه هذا الموقف، ومع ذلك كانت له الغلبة عليهم ؛ ذلك ليأخذ كل نبي شحنة مناعة وطاقة يصمد بها أمام شدائد الدعوة، فلا يلين، ولا ييأس، وليكن على يقين أن النهاية له وفي صالحه.
﴿ وكلا تبرنا تتبيرا٣٩ ﴾( الفرقان ) :أي :أهلكنا ودمرنا كل من كذب الرسل بأنواع مختلفة ومتعددة من ألوان العذاب، فعوقب بعضهم بالصيحة أو الخسف أو الإغراق أو بالريح الصرصر العاتية.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ ولقد أتوا١ على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا٤٠ ﴾ :
هذه المشاهد لم تكن مجرد تاريخ يحكيه القرآن، إنما مشاهد ومراء رآها كفار مكة في رحلة الصيف يمرون على هذه الديار، كما قال سبحانه في موضع آخر : ﴿ وإنكم لتمرون عليهم مصبحين ١٣٧ وبالليل أفلا تعقلون١٣٨ ﴾( الصافات ) :إذن :فهذا التاريخ له واقع يسانده، وآثار تدل عليه.
والقرية التي أمطرت مطر السوء هي سدوم قرية قوم لوط﴿ أفلم يكونوا يرونها... ٤٠ ﴾( الفرقان ) :ألم يشاهدوها في أسفارهم.
﴿ بل كانوا لا يرجون نشورا٤٠ ﴾( الفرقان ) :كلمة( بل ) للإضراب، فهي تنفي ما قبلها، وتثبت ما بعدها، فالمعنى :أنهم مروا عليها وشاهدوها، ويعرفونها تمام المعرفة، لكنهم لا يرجون نشورا يعني :لا ينتظرون البعث، ولا يؤمنون به، ولا يعترفون بالوقوف بين يدي الله للحساب، ألم يقولوا : ﴿ أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون٨٢ ﴾( المؤمنون ).
وعجيب ألا يؤمن هؤلاء بالبعث والحساب، وهم أنفسهم كانوا إذا رأوا ظالما وقفوا في وجهه ومنعوه من الظلم، كما كان في حلف الفضول مثلا، فيأخذون الظالم ويعاقبونه حتى يرجع عن ظلمه، ثم يردون للمظلوم حقه، لكن ألم ينظروا في حال الظالمين الذين مروا في الدنيا دون عقاب، ودون قصاص ؟ أليس من العدل أن تكون لهم دار أخرى يحاسبون فيها ؟
لذلك كنا نرد على الشيوعيين بهذه المسألة، نقول لهم :لقد عذبتم أعداءكم من الإقطاعيين والرأسماليين، وانتقمتم منهم فما بال الذين سبقوكم ولم تدركوهم ؟ أليس من العدل أن تعترفوا بيوم جامع يحاسب فيه هؤلاء ؟
ولما قال القائل :لن يموت ظلوم حتى ينتقم الله منه، قالوا له :إن فلانا الظالم قد مات، ولم نر فيه شيئا، فقال :إن وراء هذه الدار دارا يجازى فيها المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته.
١ المقصود بهم مشركو قريش، فقد كانوا في الصيف يمرون على قرية قوم لوط في رحلتهم إلى الشام في الصيف..
وبعد أن عرض الحق- تبارك وتعالى – بعض النماذج من موكب النبوات تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم يبين أن الأمر مع هؤلاء الكفار لن يتوقف عند العناد والتعنت بمطالب سخيفة، إنما يتعدى ذلك إلى محاولة الاستهزاء به والسخرية منه، فقال سبحانه :
﴿ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا٤١ ﴾ :
( إن ) نافية بمعنى :ما يتخذونك إلا هزوا، ثم ذكر صيغة الاستهزاء : ﴿ أهذا الذي بعث الله رسولا٤١ ﴾( الفرقان )، وفي موضع آخر قالوا : ﴿ أهذا الذي يذكر آلهتكم... ٣٦ ﴾( الأنبياء ) :كأنه صلى الله عليه وسلم دون هذه المنزلة، وما دام الرسول في نظرهم دون هذه المنزلة فإنهم يريدون شخصا على مستوى المنزلة، كما قالوا : ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم٣١ ﴾( الزخرف ).
ومعنى هذا أنهم مؤمنون بضرورة وجود إله ورسول ومنهج، وكل اعتراضهم أن تكون الرسالة في محمد بالذات.
ثم يتناقضون مع أنفسهم، فيقولون :
﴿ إن كاد ليضلنا عن ءآلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا٤٢ ﴾ :
فكيف تستهزئون به وترونه دون مستوى الرسالة، ثم تقولون إنه كاد أن يضلكم عن آلهتكم يعني :قرب أن يضلكم عن آلهتكم، مع ما أنتم عليه من التعنت والعناد ؟ هذا دليل وشهادة لرسول الله أنه قوي وأنه على مستوى الرسالة، وأنه لم يدخر وسعا في دعوتكم، حتى كاد أن يصرفكم عن آلهتكم.
والدليل على أنهم كانوا يخافون من تأثير رسول الله عليهم قولهم لأتباعهم إذا رأوهم يستمعون للقرآن : ﴿ لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون٢٦ ﴾( فصلت ) :إذن :يريدون أن يشوشوا على القرآن لما يعلمون من تأثيره في النفوس، وهم أمة فصاحة وبلاغة، فإن سمعوا القرآن فلا بد أن يؤثر في قلوبهم ويجذبهم إليه.
ألا ترى قصة إسلام عمر – رضي الله عنه – وكيف كان قبل الإسلام شديدا جبارا ؟ فلما تهيأت له الفرصة فاستمع للقرآن وصادف منه ملكة سليمة وفطرة نقية، حيث أعاده حادث ضربه لأخته وشجه لها، أعاده إلى سلامة الفطرة والطوية، فلما سمع منها القرآن وصادف منه قلبا نقيا وفطرة سليمة تأثر به، فأسرع إلى رسول الله يعلن إسلامه.
إذن :فقولكم : ﴿ إن كاد ليضلنا عن آلهتنا... ٤٢ ﴾( الفرقان ) :دليل على أنه كفء للمهمة التي بعث بها، وهذا يناقض قولكم سخرية منه واستهزاء : ﴿ أهذا الذي بعث الله رسولا٤١ ﴾( الفرقان ).
وقولهم : ﴿ لولا أن صبرنا عليها... ٤٢ ﴾( الفرقان ) :يدل على أنه صلى الله عليه وسلم فعل معهم أفعالا اقتضت منهم أن يصبروا١ على الضلال﴿ وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا٤٢ ﴾( الفرقان ) :سيعرفون ذلك، لكن بعد فوات الأوان، وبعد ألا تنفعهم هذه المعرفة.
١ قال القرطبي في تفسيره (٧/٤٩١١) :"أي: حبسنا أنفسنا على عبادتها"..
﴿ أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا٤٣ ﴾ :
الحق- تبارك وتعالى- يضع لرسوله صلى الله عليه وسلم قضية، هي أن الدين إنما جاء ليعصم الناس من أهواء الناس، فلكل نفس بشرية هوى، وكل إنسان يعجبه هواه، وما دام الأمر كذلك فلن ينقاد لغيره ؛ لأن غيره أيضا له هوى ؛ لذلك يقول تعالى : ﴿ ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض... ٨١ ﴾( المؤمنون ).
لكن، لماذا تختلف الأهواء ؟ قالوا :لأن طبيعة الحياة تتطلب أن تكون الأهواء مختلفة ؛ لأن مجالات الحياة متعددة، فهذا هواه في كذا، وهذا هواه في كذا. فترى الصديقين يلازم أحدهما الآخر، ويشاركه طعامه وشرابه، فلا يفرقهما شيء، فإذا ما ذهبا لشراء شيء ما تباينت أهواؤهما، كما أن هوى مختلفا يخدم هوى مختلفا، فالذين اختلفوا مثلا في تصميم الأشياء يخدمون اختلاف الأذواق والأهواء، لذلك يقولون :خلاف هو عين الوفاق، ووفاق هو عين الخلاف.
وقد ضربنا لذلك مثلا بسيطا :هب أنك دخلت مطعما، وأنت تفضل مثلا ورك الدجاجة وغيرك كذلك يفضله، وصادف أن في المطعم ( وركا ) واحدا، فلا شك أنكما ستختلفان عليه، إذن :اتفقتما في الأول لتختلفا في الآخر، لكن إن اختلفت رغباتكما، فسوف ينتج عن هذا الاختلاف اتفاق في النهاية، فأنت ستأخذ الورك، وغيرك سيأخذ الصدر، فهذا- إذن- خلاف يؤدي إلى وفاق، ووفاق يؤدي إلى خلاف.
هنا يقول الحق سبحانه : ﴿ أرأيت من اتخذ إلهه هواه... ٤٣ ﴾ ( الفرقان ) :الهوى. أن تكون هناك قضية ظاهر فيها وجه الحق، إلا أنك تميل عنه وأنت تعرفه، لا أنك تجهله.
لذلك يقول العلماء :آفة الرأي الهوى. فالرأي قد يكون صائبا، لكن يميل به الهوى حيث يريد الإنسان، وقلنا :لا أدل على ذلك من أن الرجل منهم كان يسير فيجد حجرا أجمل من حجره الذي يعبده، فيلقي الإله الذي يعبده ليأخذ هذا الذي هو أجمل منه فيتخذه إلها، إذن :هواه في جمال الحجر غلب أنه إله.
وقد وقف المستشرقون عند قوله تعالى في حق النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ وما ينطق عن الهوى٣ ﴾( النجم ).
يقولون :كيف يحكم الله بأن رسوله لم ينطق عن الهوى، وقد عدل الله له بعض ما نطق به، مثل قوله تعالى : ﴿ يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك... ١ ﴾( التحريم ).
وقال تعالى : ﴿ عفا الله عنك لم أذنت لهم حتى يتبين لك... ٤٣ ﴾ ( التوبة ).
ولا بد أن نحدد مفهوم الهوى أولا :أنت مدرك أن لديه قضيتين :الحق واضح في إحداهما، إلا أن هواه يميل إلى غير الحق. إنه صلى الله عليه وسلم نطق لأنه لم تكن هناك قضية واقعة، وهو يعرف وجه الحق فيها، فهو- إذن- لم يسر على الهوى، إنما على ما انتهى إليه اجتهاده.
ألا ترى قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم في مسألة تبنيه لزيد بن حارثة ﴿ ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله... ٥ ﴾( الأحزاب ) :فمعنى أن نسبته لأبيه أقسط أن رسول الله لم يكن جائرا، فما فعله قسط، لكن فعل الله أقسط منه.
فالحق- تبارك وتعالى – لم يخطئ رسوله صلى الله عليه وسلم، وسمى فعله عدلا، وهو عدل بشرى يناسب ما كان من تمسك زيد برسول الله، وتفضيله له على أهله، فلم يجد رسول الله أفضل من أن يتبناه مكافأة له.
ثم يقول سبحانه : ﴿ أفأنت تكون عليه وكيلا٤٣ ﴾( الفرقان ) :وكيلا يتولى توجيهه، ليترك هواه ويتبع الحق، كما قال سبحانه في موضع آخر : ﴿ لست عليهم بمسيطر٢٢ ﴾( الغاشية ). وقال : ﴿ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين٩٩ ﴾( يونس )وقال : ﴿ إن عليك إلا البلاغ... ٤٨ ﴾( الشورى ).
فالذي اتبع هواه حتى جعله إلها له لا يمكن أن تحمله على أن يعدل عن هواه ؛ لأن الأهواء مختلفة، فالبعض يريد أن يتمتع بجهد غيره، فيضع يده في جيوب الآخرين ليسرقهم، لكن أيسره أن يفعل الناس معه مثل فعله معهم ؟ إذن :هوى صادم هوى، فأيهما يغلب ؟ يغلب من يحكم بلا هوى، لا لك ولا عليك، وقضية الحق في ذاتها لا توجد إلا من الله تعالى.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا٤٤ ﴾ :
﴿ يسمعون... ٤٤ ﴾( الفرقان ) :أي :سماع تعقل وتدبر، فلو سمعوا وعقلوا ما وصلت بهم الوسائل إلى هذا الحد﴿ إن هم إلا كالأنعام.... ٤٤ ﴾( الفرقان ) :مع أن الأنعام مسخرة وتؤدى مهمتها ولم تمتنع عن شيء خلقت له، فقد شبههم الله بالأنعام ؛ لأن الأنعام لا يطلب منها أن تسمع الهداية لأنها مسخرة، والذي يطلب منه السماع والهداية هو المخير بين أن يفعل أو لا يفعل.
كأن الحق سبحانه يقول :أتظن أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ؟ وكلمة﴿ أكثرهم... ٤٤ ﴾( الفرقان ) :تدل على أن بعضهم يسمع ويعقل، وهذا من قانون الاحتمال، فكثير من كفار قريش ناصبوا رسول الله العداء، وانتهى الأمر بهم إلى أن أسلموا وحسن إسلامهم، إذن :كان فيهم من يسمع، ومن يكفر ويعقل ؛ لذلك قال﴿ أكثرهم... ٤٤ ﴾( الفرقان ) :ليحمي هذا الحكم، وليحتاط لما سيقع من إيمان هؤلاء البعض، هذا دقة في تحري الحقيقة.
وسبق أن ذكرنا ما كان من أسف المؤمنين حين يفوتهم قتل أحد صناديد الكفر في المعركة، فكانوا يألمون لذلك أشد الألم، وهم لا يدرون أن حكمة الله كانت تدخرهم للإيمان فيما بعد، ومنهم خالد ابن الوليد الذي أصبح بعد ذلك سيف الله المسلول.
والأنعام قلنا :لا دخل لها في مسألة الهداية أو الضلال ؛ لأنها مسخرة لا اختيار لها ؛ لذلك ضرب الله بها المثل لليهود : ﴿ كمثل الحمار يحمل أسفارا.... ٥ ﴾( الجمعة ) :فالحمار مهمته أن يحمل فحسب، أما أنت أيها اليهودي فمهمتك أن تحمل وتطبق، الحمار لا يطبق ؛ لأنه لم يطلب منه ذلك، مع أن الحيوان يعرف صاحبه ويعرف طعامه ومكان شرابه، ويعرف طريقه ومكان مبيتة، حتى أن أحدهم مات على ظهر جواده، فسار به الجواد إلى بيته.
إذن :فالأنعام تفهم وتعقل في حدود المهمة التي خلقها الله لها، ولا تقصر في مهمتها، أما المهمة الدينية فتعلمها في باطن الأمر، لكن لا يطلب منها شيء الآن ؛ لأنها انتهت من هذه المسألة أولا، كما قال سبحانه وتعالى :
﴿ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ٧٢ ﴾( الأحزاب ).
فاختاروا أن يكونوا مسيرين بالغريزة محكومين بها، إذن :فلهم اختيار، لكن نفذوا اختيارهم جملة واحدة من أول الأمر.
خذ مثلا الهدهد وهو من المملوكات التي سخرها الله لسليمان- عليه السلام- يقول له : ﴿ أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين٢٢ ﴾( النمل ) :أي ديمقراطية هذه التي تمتع بها الهدهد مع سليمان. ؟ ! إذن :فحتى الحيوانات تعرف هذه القضية، وإن لم يطلب منها شيء، والحيوانات لا يمكن أن تفعل شيئا إلا إذا كان منوطا بغرائزها وفي مقدورها.
وسبق أن ضربنا مثلا بالحمار، إذا أردت منه أن يقفز فوق جدول ماء فإنه ينظر إليه، فإن كان في مقدوره قفز، وإن كان فوق مقدوره تراجع، ولا يمكن أن يقدم مهما ضربته ؛ لأنه علم بغريزته أنه فوق إمكاناته، أما الإنسان فقد يقدم على مثل هذا دون حساب للإمكانات، فيوقع نفسه فيما لا تحمد عقباه.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا٤٥ ﴾ :
الحق- سبحانه وتعالى- وهو خالق الآيات في الكون ينبه إليها الخلق، وكان من المفروض ممن يرى أن يتنبه إليها بدون أن ينبه، فإذا رأى عجيبة من عجائب الكون تأملها، وسبق أن ضربنا لذلك مثلا بمن انقطعت به السبل في صحراء شاسعة، ليس بها أنيس ولا حياة، وقد بلغ به الجهد حتى نام، فلما استيقظ وجد مائدة عليها أطايب الطعام أو الشراب، بالله قبل أن تمتد يده إلى الطعام، أليس من المفروض أن يفكر في هذا الطعام، من أتى به ؟ وأعده على هذه الصورة ؟
إذن :في الكون آيات كان يجب أن تشد انتباهك لتبحث فيها وفي آثار وجودها وكلها آيات عالية وفوق إمكاناتنا :الشمس والقمر، الهواء والمطر... إلخ، ومع ذلك لم يتركك الله ؛ لأن تتنبه أنت، بل نبهك ولفتك وجذب انتباهك لهذه ولهذه.
وهنا، الحق- تبارك وتعالى- يعرض الآيات والكونيات التي يراها الإنسان برتابة كل يوم، يراها الفيلسوف كما يراها راعي الشاة، يراها الكبير كما يراها الصغير كل يوم على نظام واحد، لا يكاد يلتفت إليها.
يقول سبحانه : ﴿ ألم تر... ٤٥ ﴾( الفرقان ) :أي :ألم تعلم، أو ألم تنظر إلى صنعة ربك﴿ كيف مد الظل ولو شاء لجعله١ ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا٤٥ ﴾( الفرقان ) :نعم نرى الظل، فما هو ؟ الظل أن يحجب شيء كثيف على الأرض- مثل جبل أو بناء أو شجرة أو نحوه- ضوء الشمس، فتظهر منطقة الظل في المكان المشمس، فالمسألة- إذن- متعلقة بالشمس، وبالأرض التي نعيش عليها.
وقد علمنا أن الأرض كرة تواجه الشمس، فالجهة المواجهة منها للشمس تكون مضاءة، والأخرى تكون ظلاما لا نقول- ظلا، فما الفرق بين الظل والظلام ؟ قالوا :إذا كان الحاجب لضوء الشمس من نفس الأرض فهي ظلمة، وإن كان الحاجب شيئا على الأرض فهو ظل.
والظل نراه في كل وقت، وقد ورد في عدة مواضع من كتاب الله، فقال سبحانه : ﴿ إن المتقين في ظلال وعيون٤١ ﴾( المرسلات ).
وقال : ﴿ لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا ٥٧ ﴾( النساء ).
وقال : ﴿ أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ ظلاله... ٤٨ ﴾( النحل ).
ينبهنا ربنا- تبارك وتعالى – إلى مهمة أخرى من مهام الظل، وهي أنه يحمينا من وخزة الشمس وحرارتها، ويرتقي الإنسان في استخدام الظل فيجعله كما قال تعالى ﴿ ظلا ظليلا٥٧ ﴾( النساء ) :أي :أن الظل نفسه مظلل، فيجعلون الخيمة مثلا لها سقفان منفصلان حتى لا يتأثر داخل الخيمة بالحرارة خارجها.
لذلك تجد ظل الشجرة ألطف من ظل الحائط مثلا أو المظلة ؛ لأن أوراق الشجرة يظلل بعضها بعضا، فالظل يأتيك من مظلل آخر، فتشعر تحت ظل الشجرة وكأنك في( تكييف ) ؛ لأن الأوراق تحجب عنك حرارة الشمس، في حين تسمح بمرور الهواء، كما قال الشاعر في وصف دوحة :
يصد الشمس أنى واجهتنا **** فيحجبها ويأذن للنسيم
وقال تعالى : ﴿ وإذ نتقنا٢ الجبل فوقهم كأنه ظلة... ١٧١ ﴾( الأعراف ).
وحين تتأمل هذه الظاهرة ساعة طلوع الشمس ترى الشيء الكثيف الذي يحجب ضوء الشمس يطول ظله إلى نهاية الأفق، ثم يأخذ في القصر كلما ارتفعت الشمس إلى أن يصير في زوال، ثم ينعكس الظل مع ميل الشمس ناحية الغرب فيطول إلى نهاية الأفق.
والحق- تبارك وتعالى- يريد منا أن نلاحظ هذه الظاهرة، وأن نتأملها﴿ ألم تر إلى ربك كيف مد الظل.... ٤٥ ﴾( الفرقان ) أي :ساعة طلوع الشمس﴿ ولو شاء لجعله ساكنا... ٤٥ ﴾( الفرقان ) :لأن مشيئة الله تستطيع أن تخلق الشيء ونقيضه، فإن شاء مد الظل، وإن شاء أمسكه.
ولكنه يتغير :ينقص في أول النهار، ويزيد في آخره وكل ما يقبل الزيادة يقبل النقص، والنقص أو الزيادة حركة، وللحركة نوعان :حركة قفزية كحركة عقرب الدقائق في الساعة، فهو يتحرك بحركة قفزية، وهي أن يمر على المتحرك وقت ساكن ثم يتحرك، إنما أتدرك ذلك في حركة عقرب الساعات ؟ لا ؛ لأنه يسير بحركة انسيابية، بحيث توزع أجزاء الحركة على أجزاء الزمن.
ومثلنا هذه الحركة بنمو الطفل الصغير الذي لا تدرك حركة نموه حال نظرك له منذ ولادته، إنما إن غبت عنه فترة أمكنك أن تلاحظ أنه يكبر ويتغير شكله ؛ لأن نموه موزع على فترات الزمن، لا يكبر هكذا مرة واحدة، فهي مجموعات كبر تجمعت في أوقات متعددة، وليس لديك المقياس الدقيق الذي تلاحظ به كبر الطفل في فترة قصيرة.
وإذا كنا نستطيع إجراء هذه الحركة في الساعات مثلا، فالحق –تبارك وتعالى- يحدثها في حركة الظل وينسبها لعظمها إلى نفسه تعالى ؛ لأن الظل لا يسير بحركة ميكانيكية كالتي تراها في الساعة إنما يسير بقدرة الله.
والحق سبحانه لفتنا إلى هذه الظاهرة، لا لأنها مجرد ظاهرة كونية نراها ونتعجب منها، إنما لأننا سنستغلها وننتفع بها في أشياء كثيرة.
فقدماء المصريين أقاموا المسلات ليضبطوا بها الزمن عن طريق الظل، وصنع العرب المسلمون المزولة لضبط الوقت مع حركة الشمس، ونرى الفلاح البسيط الآن ينظر إلى ظل شيء ويقول لك :الساعة الآن كذا ؛ لأنه تعود أن يقيس الوقت بالظل، مع أن مثل هذا التقدير يكون غير دقيق ؛ لأن للشمس مطالع متعددة على مر أيام العام ؛ لذلك في أحد معابد الفراعنة معبد به٣٦٥ طاقة، تدخل الشمس كل يوم واحدة منها.
إذن :أفادنا الظل في المسلات والمزاول، ومنها انتقل المسلمون إلى عمل الساعات، وأولها الساعة الدقاقة التي كانت تعمل بالماء، وقد أهدوا شارلمان ملك فرنسا واحدة منها فقال :إن فيها شيطانا، هكذا كان المسلمون الأوائل.
وقوله تعالى : ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلا٤٥ ﴾( الفرقان ) :أي :أن الضوء هو الذي يدل على الظل.
١ أي: دائما مستقرا لا تنسخه الشمس، قاله القرطبي في تفسيره(٧/٤٩١٤)..
٢ نتقه نتقا: رفعه من مكانه وحركه وجذبه.(القاموس القويم٢/٢٥٢).قال ابن عباس: رفعته الملائكة فوق رؤوسهم. وذكر سنيد بن داود في تفسيره أن الله أوحى إلى الجبل فانقلع فارتفع في السماء حتى إذا كان بين رؤوسهم وبين السماء قال لهم موسى: ألا ترون ما يقول ربي عز وجل، لئن لم تقبلوا التوراة لما فيها أرمينكم بهذا الخيط.(تفسير ابن كثير ٢/٢٦١)..
﴿ ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا٤٦ ﴾ :
الحق- تبارك وتعالى- يبين الحركة البطيئة للظل فيقول : ﴿ قبضا يسيرا٤٦ ﴾( الفرقان ) :لا تدركه أنت أبدا ؛ لأن في كل لحظة من لحظات الزمن حركة فلا يخلو الوقت مهما قل من الحركة، لكن ليس لديك المقياس الذي تدرك به بطء هذه الحركة.
وقوله : ﴿ قبضناه إلينا... ٤٦ ﴾( الفرقان ) :دليل على أن المسألة ليست ميكانيكا، إنما هي بقيومية الله تعالى ؛ لذلك فكأن الحق سبحانه يقول :يا عبادي ناموا ملء جفونكم، فربكم قيوم على مصالحكم لا ينام.
وأهل المعرفة يستنبطون من ظاهرة الظل أسرارا، فيرون أن ظل الأشياء الشاهقة المتعالية يخضع لله تعالى، ويسجد على الأرض، رغم أنه متعال شامخ، كما جاء في قوله سبحانه : ﴿ ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال١٥ ﴾( الرعد ).
وقال سبحانه : ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه... ٤١ ﴾( النور ) :فللظل حركة بطيئة لا يعلمها إلا الله ؛ لأنك لا تدرك مدى صغرها ؛ لذلك قلنا في الهباء :إنه نهاية ما يمكن أن يكون من التفتيت المنظور.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا٤٧ ﴾ :
﴿ الليل.... ٤٧ ﴾( الفرقان ) :يعني :الظلمة لا الظل، فالظلمة هي التي منعت النور، وإياك أن تظن أن الظلمة ضد النور، وتحاول أنت أن تنسخ الظلمة بنور من عندك، وهذه آفة الحضارة الآن أن جعلت الليل نهارا.
وقد تنبه العلماء أخيرا إلى مدى ضرر الأشعة على صحة الإنسان، لذلك جاء في الحديث الشريف :" أطفئوا المصابيح إذا رقدتم " ١ فالشعاع له عمل وقت حركتك، لكن ساعة نومك وراحتك ليس له مهمة، بل هو ضار في هذا الوقت.
والحق- تبارك وتعالى- يمتن علينا بالليل والنهار، فيقول : ﴿ قل أرأيتكم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا٢ إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون ٧١ قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون٧٢ ﴾( القصص ).
إذن :فلليل مهمة، وللنهار مهمة يوضحها هنا الحق سبحانه بقوله : ﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباسا... ٤٧ ﴾( الفرقان ) :أي :ساترا، كما أن اللباس يستر الجسم، والنوم ردع ذاتي يقهر الكائن الحي، وليس ردعا اختياريا.
لذلك تلاحظ أنك إن أردت أن تنام في غير وقت النوم تتعب وترهق، أما إن أتاك النوم فتسكن وتهدأ، ومن هنا قالوا :النوم ضيف ثقيل إن طلبته أعنتك، وإن طلبك أراحك.
لذلك ساعة يطلبك النوم تنام ملء جفونك، ولو على الحصى يغلبك النوم فتنام، وكأن النوم يقول لك :اهمد واسترح، فلم تعد صالحا للحركة، أما من غالب هذه الطبيعة فأخذ مثلا حبوبا تساعده على السهر، فإن سهر ليلة نام بعدها ليلتين، كما أن الذي يغالب النوم تأتي حركته مضطربة غير متوازنة.
فعليك- إذن- أن تخضع لهذه الطبيعة التي خلقك الله عليها وتستسلم للنوم إن ألح عليك، ولا تكابر لتقوم في الصباح نشيطا وتستأنف حركة حياتك قويا صالحا للعمل والعطاء.
وللصوفية في النوم ملحظ دقيق يبنى على أن الكون كله غير المختار مسبح لربه، كما قال تعالى : ﴿ كل قد علم صلاته وتسبيحه... ٤١ ﴾( النور ) :وعليه، فذرات الكافر في ذاتها مؤمنة، يؤلمها ويغيظها أن صاحبها عاص أو كافر فتطيعه، وهي كارهة لفعله بدليل أنها ستشهد عليه يوم القيامة، فإن كانت مسخرة لمراداته في الدنيا فإنها ستتحرر من هذه الإرادة في الآخرة.
فاللسان مسخر لصاحبه، إن شاء نطق به الشهادتين، وإن شاء نطق به كلمة الكفر ؛ لأنه مقهور لإرادته، أما في القيامة فلا إرادة إلا للحق تبارك وتعالى.
وفي النوم ترتاح هذه الجوارح وهذه الذرات من سيئات صاحبها ومن ذنوبه، تستريح من نكده وإكراهه لها على معصية الله، فالنوم ردع طاقي، فلم يعد الإنسان صالحا للحركة، ولا للتعايش السالم مع جوارحه، لقد كثرت ذنوبه ومعاصيه حتى ضاقت بها الجوارح، فيأتي النوم ليريحها.
وهذه الظاهرة نشاهدها مثلا في موسم الحج، يقول لك الحاج :يكفيني أن أنام في اليوم ساعة أو ساعتين لماذا ؟ لأن السيئات في هذا المكان قليلة، فجوارحك في راحة وانسجام معك فلا تحملك على النوم، أما العاصي فلا يكفيه أن ينام عشر ساعات ؛ لأن جوارحه وأعضاءه متعبة متضايقة من أفعاله.
وهذه نفسر بها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه٣ ذلك لأن جوارحه صلى الله عليه وسلم تصحبه خير صحبة، فهي في طاعة دائمة مستمرة، فكيف تحمله على أن ينام ؟.
والخالق- عز وجل- يعامل الناس على المعنى العام، فالنفوس دائما ميالة للشر جانحة للسوء ؛ لذلك تتعب الطاقة وتتعب الجوارح، وكأن الله تعالى يريد إحداث هدنة للتعايش بينك وبين جوارحك، نم لتصبح نشيطا.
ومعنى﴿ والنوم سباتا... ٤٧ ﴾( الفرقان ) :السبت أي :القطع، فمعنى﴿ سباتا... ٤٧ ﴾( الفرقان ) :يعني :قاطعا للحركة، لا انقطاعا نهائيا، إنما انقطاعا مستأنفا لحركة أفضل، وبدن أقوى وأصح، فالذي يقضي ليلة ساهرا يقوم من نومه متعبا مضطربا، على خلاف من جعل وقت النوم للنوم ؛ لأن الخالق عز وجل جعل نومك بالليل على قدر ما تتحرك بالنهار، فإن أردت حركة متزنة نشيطة وقوية فنم على مقدار هذه الحركة.
وقوله تعالى : ﴿ وجعل النهار نشورا٤٧ ﴾( الفرقان ) :النشور مثل الشكور : ﴿ إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا٩ ﴾( الإنسان ) أي :شكر، وكذلك النشور أي نشر، والنشر يعني الانطلاق في الأرض بالحركة، كما في قوله تعالى : ﴿ فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله... ١٠ ﴾( الجمعة ).
١ أخرجه البخاري في صحيحه(٥٦٢٤)، وأحمد في مسنده(٣/٣٨٨) عن جابر بن عبد الله واللفظ للبخاري..
٢ السرمد: الدائم الذي لا ينقطع. والسرمد: دوام الزمان من ليل أو نهار. (لسان العرب –مادة: سرمد).
٣ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه(٣٥٦٩)، وكذا مسلم في صحيحه (٧٣٨)كتاب صلاة المسافرين، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" يا عائشة، إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي"..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا٤٨ ﴾ :
قلنا :إن الرياح إذا جاءت هكذا بصيغة الجمع دلت على الخير، وإن جاءت مفردة فهي آتية بالشر، وإذا نظرت إلى الجبال العالية وإلى ناطحات السحاب تقول :ما الذي يقيم هذه المباني العالية، فلا تميل ؟ الذي يمسكها هو الهواء الذي يحيط بها من كل ناحية، ولو فرغت الهواء من أحد نواحيها تنهار فورا.
إذن :فالريح من هنا، ومن هنا، ومن هنا، فهي رياح متعددة تصلح ولا تفسد، وتحدث هذا التوازن الذي نراه في الكون، أما الريح التي تأتي من ناحية واحدة فهي مدمرة مهلكة، كما جاء في قوله تعالى : ﴿ وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر١ عاتية ٦ ﴾( الحاقة ).
وقال سبحانه وتعالى : ﴿ بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم ٢٤ ﴾( الأحقاف ).
ومعنى﴿ بشرا.... ٤٨ ﴾( الفرقان ) :بسكون الشين، مع أنها في الأصل بشرا مثل رسل، فلما خففت صارت بشرا، والبشرى هي الإخبار بما يسر قبل زمنه، فلا تقول يبشر إلا في الخير، وكان العربي ساعة تمر عليه الرياح يعرف كم بينه وبين المطر، فيحكم على مجيء المطر بحركة الرياح الطرية التي تداعب خده.
وقوله سبحانه : ﴿ بين يدي رحمته.... ٤٨ ﴾( الفرقان ) :يقال :بين يديك يعني :أمامك. والمراد هنا المطر الذي يسبق رحمة الله.
ثم يقول تعالى : ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهورا٤٨ ﴾( الفرقان ) :السماء لها معنى لغوي، ومعنى شرعي. فهي لغة :كل ما علاك، وشرعا :هي هذه السماء العالية والتي تتكون من سبع سماوات، لكن أينزل المطر من السماء أم من جهة السماء ؟
المطر ينزل من الغمام من جهة السماء، والغمام أصله من الأرض نتيجة عملية البخر الذي يتجمع في طبقات الجو، كما قال سبحانه :
﴿ ألم تر أن الله يزجي٢ سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق٣ يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد... ٤٣ ﴾( النور ).
إذن :فرحمة الله هي الماء الذي خلق الله منه كل شيء حي.
وقوله تعالى : ﴿ ماء طهورا٤٨ ﴾( الفرقان ) :الطهور :الماء الطاهر في ذاته، المطهر لغيره، فالماء الذي تتوضأ به طاهر ومطهر، أما بعد أن تتوضأ به فهو طاهر في ذاته غير مطهر لغيره، وماء السماء طاهر ومطهر ؛ لأنه مصفى مقطر، والماء المقطر أنقى ماء.
بالإضافة إلى أن الماء قوام الحياة، منه نشرب ونسقي الزرع والحيوان والطير، فالماء يعطيك الحياة ويعطيك الطهارة.
١ الريح الصرصر: شديد البرد، وقيل: شديدة الصوت.(لسان العرب-مادة:صرر)..
٢ أزجى الشيء: يسوقه برفق، فيزجي سحابا: أي يسوقه إلى حيث يشاء.(القاموس القويم١/٢٨٤، تفسير القرطبي٦/٤٨٢٥)..
٣ في الودق قولان:
الأول: أنه البرق، قاله أبو الأشهب العقيلي.
الثاني: أنه المطر، قاله الجمهور.(تفسير القرطبي٦/٤٨٢٦) وقد ذكر السيوطي القولين أيضا في (الدر المنثور٦/٢١١)الأول عن أبي بجيلة وعزاه لابن أبي حاتم، والثاني عن الضحاك ومجاهد. عند ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة..

ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا٤٩ ﴾ :
قوله تعالى : ﴿ بلدة ميتا.... ٤٩ ﴾( الفرقان ) :أي :أرض بلدة ميت، وفرق بين ميت وميت :الميت هو الذي مات بالفعل، والميت هو الذي يؤول أمره إلى الموت، وإن كان ما يزال على قيد الحياة، ومن ذلك قوله تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم : ﴿ إنك ميت وإنهم ميتون٣٠ ﴾( الزمر ).
والأرض الميتة هي الجرداء الخالية من النبات، فإذا نزل عليها الماء أحياها بالنبات، كما في قوله سبحانه : ﴿ وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج٥ ﴾( الحج ).
وقوله تعالى : ﴿ ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا٤٩ ﴾( الفرقان ) :يقال سقاه وأسقاه :أسقاه :أعد له ما يستقي منه، وإن لم يشرب الآن، لكن سقاه يعني :ناوله ما يشربه، ومن ذلك قوله سبحانه : ﴿ وسقاهم ربهم شرابا طهورا٢١ ﴾( الإنسان ).
أما في المطر فيقول سبحانه : ﴿ فأسقيناكموه... ٢٢ ﴾( الحجر ) :أي :أعددناه لسقياكم إن أردتم السقيا.
ومعنى﴿ وأناسي... ٤٩ ﴾( الفرقان ) :جمع إنسان، وأصلها أناسين، وخففت إلى أناسي.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس١ إلا كفورا٥٠ ﴾ :
التصريف :التحويل والتغيير، والمعنى حولناه من هنا إلى هنا. ومع كل هذه العبر والآيات﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفورا٥٠ ﴾( الفرقان ) :فالكافرون بآيات الله كثير لا يلتفتون إلى آيات الله، حتى بعد أن تقدم العلم وتقدمت الحضارة الإنسانية، ووقف الناس على كثير من الآيات.
فالحق- تبارك وتعالى- يصرف المطر إلى بلاد بغزارة، فإن شاء أصابها الجفاف والجدب حتى تموت مزروعاتهم وحيواناتهم. إذن :ليست المسألة بيئة باردة أو كثيرة الأمطار، إنما المسألة مرادات خالق، ومرادات حق.
١ "قال عكرمة: يعني الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا، وهذا الذي قاله عكرمة كما صح في الحديث المخرج في صحيح مسلم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأصحابه يوما على إثر سماء أصابتهم من الليل: أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي وكافر بالكوكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب".(تفسير ابن كثير ٣/٣٢١)..
﴿ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا٥١ ﴾ :
يريد الحق- تبارك وتعالى- أن يمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم منة، فيقول له :المسألة ليست قلة رسل عندنا حتى نرسل رسولا للناس كافة وللزمن كله، ونحن نستطيع أن نخفف عنك ونبعث في كل قرية رسولا، إنما يقدر أن يرسل رسولا ويعطيه طاقة تتحمل هذا كله.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا٥٢ ﴾ :
أي :ما دمنا قد جمعنا لك كل القوى، وحملناك الرسالة العامة في كل الزمان وفي كل المكان، فعليك أن تقف الموقف المناسب لهذه المهمة﴿ فلا تطع الكافرين... ٥٢ ﴾( الفرقان ) :إن لوحوا لك بالملك أو بالمال أو بالجاه والشرف، واعلم أن ما أعده الله لك وما ادخره لك فوق هذا كله.
وحين يقول سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم ﴿ فلا تطع الكافرين... ٥٢ ﴾( الفرقان ) :فإنه يعذره أمامهم، فالرسول ينفذ أوامر الله.
ونهى الرسول عن طاعة الكافرين لا يعني أنه صلى الله عليه وسلم يطيعهم، فهذه كقوله تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا آمنوا.... ١٣٦ ﴾( النساء ) :فكيف يطلب الإيمان ممن ناداهم بالإيمان ؟ إنه تحصيل حاصل. قالوا :المعنى :أنت آمنت قبل أن أقول لك هذه الكلمة، وأقولها لك الآن لتواصل إيمانا جديدا بالإيمان الأول، وإياك أن ينحل عنك الإيمان. إذن :إذا طلب الموجود فالمراد استدامة الوجود.
وقوله تعالى : ﴿ وجاهدهم به... ٥٢ ﴾( الفرقان ) :أي :بما جاءك من القرآن ﴿ جهادا كبيرا٥٢ ﴾( الفرقان ) :وأعلم أنك غالب بأمر الله عليهم، ولا تقل :إن هناك تيار إشراك وكفر وإيمان، وسوف أعطيك مثلا كونيا في أهم شيء في حياتك، وهو الماء
﴿ وهو الذي مرج١ البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج٢ وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا٥٣ ﴾ :
تأتي هذه الآية استمرارا لذكر بعض آيات الله في الكون التي تلفت نظر المكابرين المعاندين لرسول الله، وسبق أن ذكر سبحانه :الظل والليل والرياح.... الخ إذن :كلما ذكر عنادهم يأتي بآية كونية ليلفتهم إلى أنهم غفلوا عن آيات الله، وجدالهم مع رسول الله يدل على أنهم لم يلتفتوا إلى شيء من هذا ؛ لذلك ذكر آية كونية من آيات الله المرئية للجميع ومكررة، وعليها الدليل القائم إلى يوم القيامة، فقال تعالى : ﴿ وهو الذي مرج البحرين... ٥٣ ﴾( الفرقان ).
المرج :المرعى المباح، أو الكلأ العام الذي يسوم فيه الراعي ماشيته تمرح كيف تشاء.
فمعنى﴿ مرج البحرين... ٥٣ ﴾( الفرقان ) :أي :جعل العذب والمالح يسيران، كل كما يشاء، لذلك تجد البحار والمحيطات المالحة التي تمثل ثلاثة أرباع اليابسة ليس لها شكل هندسي منتظم، بل تجده تعاريج والتواءات، وانظر مثلا إلى خليج المكسيك أو خليج العقبة، وكأن الماء يسير على ( هواه ) ودون نظام، فلا يشكل مستطيلا أو مربعا أو دائرة.
وكذلك الأنهار التي تولدت من الأمطار على أعلى الجبال، فتراها حين تتجمع وتسير كما تشاء، ملتوية ومتعرجة ؛ لأن الماء يشق مجراه في الأماكن السهلة، فإن صادفته عقبة بسيطة ينحرف هنا أو هناك، ليكمل مساره، وانظر إلى التواء النيل مثلا عند( قنا ).
إذن :الماء عذب أو مالح يسير على هواه، وليست المسألة ( ميكانيكا )، وليست منتظمة كالتي يشقها الإنسان، فتأتي مستقيمة.
ونلحظ هذه الظاهرة مثلا حينما يقضي الإنسان حاجته في الخلاء، فينزل البول يشق له مجرى في المكان الذي لا يعوقه، فإن صادفته حصاة مثلا انحرف عنها كأنه يختار مساره على هواه.
والبحر يقال عادة للمالح وللعذب على سبيل التغليب، كما نقول الشمسان للشمس والقمر.
ومرج البحرين آية كونية تدل على قدرة الله، فالماء مع ما عرف عنه من خاصية الاستطراق- يعني :يسير إلى المناطق المنخفضة، يسير المالح والعذب معا دون أن يختلط أحدهما بالآخر، ولو اختلطا لفسدا جميعا ؛ لأن العذب إن خالطه المالح أصبح غير صالح للشرب، وإن خالط المالح العذب فسد المالح، وقد خلقه الله على درجة معينة من الملوحة بحيث تصلحه فلا يفسد، وتحفظه أن يكون آسنا.
فالماء العذب حين تحصره في مكان يأسن٣ ويتغير، أما البحر فقد أعده الله ليكون مخزن الماء في الكون ومصدر البخر الذي تتكون منه الأنهار ؛ لذلك حفظه، وجعل بينه وبين الماء العذب تعايشا سلميا، لا يبغي أحدهما على الآخر رغم تجاورهما.
وقوله تعالى : ﴿ هذا عذب فرات... ٥٣ ﴾( الفرقان ) :أي :مفرط في العذوبة مستساغ، ومن هذه الكلمة سموا نهر الفرات لعذوبة مائه، فليس المراد بالفرات أن الماء كماء نهر الفرات ؛ لأن الكلمة وضعت أولا، ثم سمي بها النهر، ذلك لأن القرآن هو كلام الله الأزلي.
﴿ وهذا ملح أجاج.... ٥٣ ﴾( الفرقان ) :أي :شديد الملوحة، ومع ذلك تعيش فيه الأسماك والحيوانات المائية، وتتغذى عليه كما تتغذى على الماء العذب، كما قال سبحانه : ﴿ ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها.... ١٢ ﴾( فاطر ).
ثم يقول سبحانه : ﴿ وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا٥٣ ﴾ ( الفرقان ) :البرزخ :شيء من شيئين، وأصل كلمة برزخ :اليابسة التي تفصل بين ماءين، فإن كان الماء بين يابستين فهو خليج.
﴿ وحجرا محجورا ٥٣ ﴾( الفرقان ) :الحجر :هو المانع الذي يمنع العذب والمالح أن يختلطا، والحجر نفسه محجور، مبالغة في المنع من اختلاط الماءين، كما جاء في قوله تعالى : ﴿ وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا٤٥ ﴾( الإسراء ) :
ومثل قوله تعالى : ﴿ ظلا ظليلا٥٧ ﴾( النساء ).
١ مرج: أرسلهما وأفاض أحدهما في الآخر. قاله مجاهد. وقال ابن عرفة:أي خلطهما فهما يلتقيان. وقال الأزهري: مرج البحرين. خلي بينهما.(تفسير القرطبي٧/٤٩٣٤)..
٢ الأجاج: الملح الشديد الملوحة. أج الماء: اشتدت ملوحته.(القاموس القويم١/٧)..
٣ أسن الماء يأسن: تغيرت رائحته فهو آسن.(القاموس القويم١/٢٠)..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا٥٤ ﴾ :
وفي آية عامة عن الماء، قال تعالى : ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي.... ٣٠ ﴾( الأنبياء ) :يعني :كل شيء فيه حياة فهو من الماء، لا أن الماء داخل في كل شيء، فالمعنى : ﴿ كل شيء حي... ٣٠ ﴾( الأنبياء ) :أي :كل شيء موصوف بأنه حي، فالماء- إذن- دليل الحياة ؛ لذلك إذا أراد العلماء أن يقضوا على الميكروبات أو الفيروسات جعلوا لها دواء يفصل عنها المائية فتموت.
والإنسان الذي كرمه الله تعالى وجعله أعلى الأجناس، خلقه الله من الماء، ﴿ وهو الذي خلق من الماء بشرا... ٥٤ ﴾( الفرقان ) :وفي موضع آخر قال سبحانه : ﴿ فلينظر الإنسان مم خلق٥ خلق من ماء دافق٦ يخرج من بين الصلب والترائب١ ٧ ﴾( الطارق ) :وهو ماء له خصوصية، وهو المني الذي قال الله فيه : ﴿ ألم يك نطفة من مني يمنى٣٧ ثم كان علقة فخلق فسوى٣٨ ﴾( القيامة ).
والبشر أي :الإنس﴿ فجعله نسبا وصهرا... ٥٤ ﴾( الفرقان ) :فمن الماء خلق الله البشر، وهم قسمان :ذكور وإناث، فكلمة( نسبا ) تعني :الذكورة( وصهرا ) تعني :الأنوثة ؛ لأن النسب يعني انتقال الأدنى من الأعلى بذكورة، فيظل الإنسان فلان بن فلان بن فلان... الخ.
فالنسب يأتي من ناحية الذكورة، أما الأنوثة فلا يأتي نسب، إنما مصاهرة، حينما يتزوج رجل ابنتي، أو أتزوج ابنته، يسمونه صهرا.
لذلك قال الشاعر :
وإنما أمهات القوم أوعية مستحدثات وللأحساب آباء
فمن عظمة الخالق-عز وجل- أن خلق من الماء هذين الشيئين، كما قال في موضع آخر : ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى٣٩ ﴾( القيامة )، وقد توصل العلماء مؤخرا إلى أن بويضة الأنثى لا دخل لها في نوع الجنين، وما هي إلا حاضنة للميكروب الآتي من مني الرجل.
وهذا معنى قوله تعالى : ﴿ ألم يكن نطفة من مني يمنى٣٧ ﴾ثم كان علقة فخلق فسوى ٣٨ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى٣٩ }( القيامة ) :فالذكر والأنثى كلاهما من المني، والذي يطلق عليه العلماء الآن ( الإكس، والإكس واي ) فالحيوان المنوي يخرج من الرجل، منه ما هو خاص بالذكورة، ومنه ما هو خاص بالأنوثة، ثم تتم عملية انتخاب للأقوى الذي يستطيع تلقيح البويضة.
وهذه الظاهرة واضحة في النحل، حيث تضع الملكة البيض، ولا يخصبها إلا الأقوى من الذكور، لذلك تطير الملكة على ارتفاعات عالية، لماذا ؟ لتنتخب الأقوى من الذكور.
كذلك الميكروب ينزل من الرجل، والأقوى منه هو الذي يستطيع أن يسبق إلى بويضة المرأة، فإن سبق الخاص بالذكورة كان ذكرا، وإن سبق الخاص بالأنوثة كان أنثى، والحق سبحانه قال : ﴿ الذي خلق فسوى٢ والذي قدر فهدى٣ ﴾( الأعلى ).
وبهذه الآية الكونية في خلق الإنسان نرد على الذين يحلو لهم أن يقولوا :إن الإنسان خلق صدفة، فإذا كان الإنسان ذكرا وأنثى بينهما مواصفات مشتركة وأجهزة ومقومات واحدة، إلا أن الذكر يختلف في الجهاز التناسلي وكذلك الأنثى، فهل يرد هذا إلى الصدفة ؟
ومعلوم أن الصدفة من أعدائها الاتفاق، فإذا جاء الذكر صدفة، وجاءت الأنثى كذلك صدفة، فهل من الصدفة أن يلتقيا على طريقة خاصة، فيثمر هذا اللقاء أيضا ذكورة وأنوثة ؟ ! إذن :المسألة ليست مصادفة، إنما هي غاية مقصودة للخالق عز وجل.
ثم يقول سبحانه في ختام الآية ﴿ وكان ربك قديرا٥٤ ﴾( الفرقان ) :وذكر سبحانه القدرة هنا ؛ لأن هذه مسألة دقيقة لا تحدث إلا بقدرة الله تعالى.
وقد فطن العرب حتى قبل نزول القرآن إلى هذه العملية بالفطرة، فهذه زوجة أبي حمزة تعاتبه ؛ لأنه تركها وتزوج من أخرى، لأنها لم تلد له ذكرا، فتقول :
ما لأبي حمزة لا يأتينا **** غضبان ألا نلد البنينا
تالله ما ذلك في أيدينا **** فنحن كالأرض لغارسينا
نعطي لهم مثل الذي أعطينا
وهذه المسألة التي فطن إليها العربي القديم لم يعرفها العلم إلا في القرن العشرين.
١ الترائب: عظام الصدر. (القاموس القويم١/٩٩). قال ابن عباس: هذه الترائب. ووضع يده على صدره. وعنه أيضا: تربية المرأة موضع القلادة.(تفسير ابن كثير ٤/٤٩٨)..
وبعد هذه الآية الكونية ( الآية ٥٤ ) يعود- سبحانه وتعالى- إلى خطابهم مرة أخرى لعلل قلوبهم ترق، فالحق- تبارك وتعالى- يتعهدهم مرة بالنصح، ومرة بإظهار آياته تعالى في الكون.
﴿ ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا٥٥ ﴾ :
يعني :أيليق بهم بعد أن أوضحنا لهم كل هذه الآيات أن يلتفتوا إلى غير الله، ويقصدوه بالعبادة ؟
وقوله تعالى : ﴿ ما لا ينفعهم ولا يضرهم... ٥٥ ﴾( الفرقان )+ البعض يرى أن هذه الآلهة نعم لا تنفع لكنها تضر، نقول لهم :هي لا تنفع ولا تضر، أما الذي يضر فهو الإله الحق الذي انصرفوا عنه إلى عبادة غيره، والمعنى هنا : ﴿ ما لا ينفعهم... ٥٥ ﴾( الفرقان ) :إن عبدوه﴿ ولا يضرهم٥٥ ﴾( الفرقان ) :إن كفروا به وتركوه.
والقرآن يسمى فعلهم مع هذه الآلهة عبادة، وهم أنفسهم يقولون : ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى... ٣ ﴾( الزمر ) :
إذن :أثبتوا لهم عبادة، والعبادة طاعة العابد للمعبود فيما يأمر به، وفيما ينهى عنه، فما الذي أمرتهم به الأصنام ؟ وما الذي نهتهم عنه ؟ فلكلمة عبادة هنا خطأ، وهم ما عبدوا هذه الآلهة إلا لأنها لا أوامر لها ولا التزام معها، فتدينهم تدين( فنطزية ).
وما أسهل أن تعبد إلها لا يأمرك ولا ينهاك، والذي يكرهونه في التدين الحقيقي أنه التزام وتكليف :افعل كذا، ولا تفعل كذا.
لذلك ترى المسرفين على أنفسهم من خلق الله يتمنى كل منهم أن يكون هذا الدين كذبا، لماذا ؟ ليسيروا على هواهم، ويعملوا ما يحلوا لهم. كذلك رأينا الدجالين الذين ادعوا النبوة بداية من مسيلمة وسجاح١، كيف كانوا يجذبون الناس إليهم ؟ كانوا يجذبونهم بتخفيف الأوامر وتبسيط الدين، ولما شقت الزكاة على البعض أسقطوها من حسابهم، وأعفوا الناس منها... إلخ.
ولكل زمان دجالون يناسبون العصر الذي يعيشون فيه، وفي عصرنا الحاضر دجالون يخففون عنك الدين ويطوعونه لأهواء الناس ورغباتهم، فلا مانع عندهم من الاختلاط، ولا بأس في أن ترتدي المرأة من اللباس ما تشاء... إلى آخر هذه المسائل.
ثم يقول سبحانه : ﴿ وكان الكافر على ربه ظهيرا ٥٥ ﴾( الفرقان ).
الظهير :هو المعين، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى : ﴿ .... وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهيرا٤ ﴾( التحريم ) :
وكانوا في الماضي يحملون الأحمال على الظهر قبل اختراع آلات الحمل، وحتى الآن نرى ( الشيالين ) يحملون الأثقال على ظهورهم، ويخيطون لهم( ظهرية ) يرتدونها على ظهورهم ؛ لتحميلهم ساعة حمل الأثقال، وإذا أراد أحدهم معاونة الآخر يقول له :أعطني ظهرك، فكان الظهر إذن بهذا المعنى.
والظهر أيضا يقتضي العلو، ومنه قوله تعالى عن السد الذي بناه ذو القرنين : ﴿ فما استطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا٩٧ ﴾( الكهف ) :يعني :ما استطاعوا اعتلاءه.
لكن، كيف يكون الكافر ظهيرا على الله ؟ قالوا :لأنه يفعل المعصية، ويتخذ أسوة فيها يقلده الناس، ولو كان طائعا لكان أسوة خير ونموذج صلاح، فالكافر أسوة شر، وأسوة فساد، وهو شيطان الإنس الذي يواري شيطان... الجن الذي عصى ربه، ورفض السجود لآدم.
وتوعد ذريته حين قال : ﴿ قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين ٣٩ ﴾( الحجر ) :
وكل من شياطين الجن وشياطين الإنس يستعين بالنفس فيسلطها على صاحبها حتى توقعه، فالإنسان حينما يستمع لنداء الشيطان، سواء شيطان الإنس أو شيطان الجن ويطيعه بعمل المخالفة، فإنه يعينه على الله، والمعنى الصحيح :على معصية الله.
كما أن الظهير يطلق على من جعلته وراء ظهرك، لا تأبه به، ولا تلتفت إليه، ومنه قول العرب :( لا تجعلن حاجتي منك بظهر ) يعني :اجعلها أمام عينيك لا تطوها وراء ظهرك٢.
إذن :فكلا المعنيين جائز :ظهيرا أي :معينا، كأن الحق- تبارك وتعالى- يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم :اعلم يا محمد أن الكافر ظهير على الله، فقف له بالمرصاد، وجاهده ما استطعت، فكأنه تعالى يحمس رسوله ليقف هذا الموقف، ويشجعه ليكون من عدوه على حذر وعلى يقظة.
أو :ظهيرا لا يؤبه له، وهذا طمأنة لرسول الله، فالكافر هين على الله، فلا يهمك كيدهم.
١ هي: سجاج بنت الحارث بن سويد التميمة، من بني يربوع، أم صادر، كانت شاعرة أديبة عارفة بالأخبار، ادعت النبوة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكانت في بني تغلب بالجزيرة، وتبعها جمع من عشيرتها، فأقبلت تريد غزو أبي بكر، فالتقت بمسيلمة وتزوج بها، ثن انصرفت راجعة إلى أخوالها بالجزيرة، ثم بلغها مقتل مسيلمة، فأسلمت وهاجرت إلى البصرة وتوفيت فيها، وصلى عليها سمرة بن جندب وإلى البصرة لمعاوية، توفيت ٥٥هـ (الأعلام للزركلي ٣/٧٨)..
٢ قال ابن منظور في لسان العرب – مادة: ظهر" يقال للشيء الذي لا يعني به: قد جعلت هذا الأمر بظهر، ورميته بظهر. وقولهم: لا تجعل حاجتي بظهر أي: لا تنسها، ومنه قوله تعالى: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا...٩٢﴾(هود) وهو استهانتك بحاجة الرجل. وجعلني بظهر أي: طرحني"..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا٥٦ ﴾ :
صحيح أن الله تعالى قال لرسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم.... ٧٣ ﴾( التوبة ) :لكن لا يعني هذا أن يهلك رسول الله نفسه في دعوتهم، ويألم أشد الألم لعدم إيمانهم ؛ لأن رسول الله نفسه في دعوتهم، ويألم أشد الألم لعدم إيمانهم ؛ لأن مهمة الرسول البلاغ، وقد أسف رسول الله لحال قومه حتى خاطبه ربه بقوله : ﴿ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا٦ ﴾( الكهف ).
وما أمره الله بجهاد الكفار والمنافقين إلا ليحفزه، فلا يترك جهدا إلا بذله معهم، وإلا فأنت عندي مبشر ومنذر﴿ وما أرسلناك إلا مبشرا... ٥٦ ﴾( الفرقان ) :أي :بالخير قبل أوانه ليلتفت الناس إلى وسائله﴿ ونذيرا٥٦ ﴾( الفرقان ) أي :بالشر قبل أوانه ليحذره الناس، ويجتنبوا أسبابه ووسائله.
ثم يوجه رب العزة نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم :
﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا٥٧ ﴾ :
في آية أخرى يقو تعالى : ﴿ أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون٤٠ ﴾( الطور ) :
يعني :غير قادرين على دفع الثمن ؛ لأنهم بخلاء وعندهم كزازة١ ؟ أو لا يريدون أن يخرجوا من جيوبهم شيئا تنتفع أنت به ؟ مع أنك لم تسألهم أجرا، فهل يعني ذلك أن النبي كان من المفروض أن يسألهم أجرا ؟
قالوا :نعم ؛ لأنه إذا قدم إنسان لإنسان شيئا نافعا، فعليه أن يدفع له أجرا بمقتضى التبادل والمعاوضة، وكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لهم :لقد قدمت إليكم جميلا يفترض أن لي عليه أجرا، لكني لا أريد منكم أجرا، والمسألة من عندي تفضل.
وما هو الأجر ؟ الأجر :جعل يقابل عملا، والثمن :جعل يقابل تملكا، وقيمة هذا الجعل تختلف باختلاف مشقة العمل، وطول زمنه، ومهارة العامل فيما يقتضيه العمل ومخاطر ما يقتضيه العمل.
فكل مسألة من هذه ترفع من قيمة الأجر، فحين تسافر مثلا تحتاج إلى ( شيال ) يحمل لك الحقائب، فتعطيه الأجر الذي يتناسب ومجهوده، فإن استأجرت سيارة وسرت بها مسافة فلا بد أن الأجر سيزيد ؛ لأنه أخذ مجهودا ووقتا أكثر، فإن احتجت مثلا سباكا ليصلح لك شيئا فسوف ترى ما في هذا العمل من المشقة، ولا تبخل عليه بأكثر من سابقيه.
وربما كان العمل في نظرك بسيطا لا يستغرق وقتا، لكنه يحتاج إلى مهارة، هذه المهارة ليست وليدة اللحظة، ولكنها مجهود ونتيجة عوامل من التعلم والخبرة حتى وصل صاحبها إلى هذه المهارة.
فالمهندس مثلا الذي يصمم لك منزلك في ساعة أو ساعتين، ومع ذلك يطلب مبلغا كبيرا، لماذا ؟ لأنه لا يتقاضى أجرا على هذا الوقت، إنما على سنوات طويلة من الدراسة والمجهود والتحصيل، حتى وصل إلى هذه المهارة.
إذن :كل أجر يقدر بما يقابله من عمل، ويتناسب مع ما يقاضيه العمل من وقت ومجهود ومشقة ومخاطرة ومهارة.... إلخ.
وإذا كان الأمر كذلك فانظروا إلى عمل الرسول وإلى مدى إفادتكم من رسالته، انظروا إلى المنهج الذي جاءكم به، وكيف أنه يريحكم مع أنفسكم، ويريحكم مع المجتمع، ويريحكم مع ربكم عز وجل، ويريحكم من شرور أنفسكم، ومن شرور الناس جميعا.
إذن :للرسول عمل كبير ومجهود عظيم، لو قدرت له أجرا لكان كذلك عظيما. إن الإنسان إذا أجر مثلا حارسا يحرسه بالليل، كم يدفع له ؟ فالنبي يأتيك بمنهج يحرسك ويحميك في نفسك وفي مالك وفي عرضك وفي كل ما تملك، ولا يحميك من فئة معينة إنما يحميك من الناس أجمعين.
بل إن حماية منهج الله لك لا تقتصر على الدنيا، إنما تتعدى إلى الآخرة، فتحميك فيها حماية ممتدة لا نهاية لها، فإن قدرت لهذه الحماية أجرا، فكم يكون ؟.
إنما أنا أقول لك :لا أريد أجرا، لا كراهية في الأجر، بل لأنك أنت أيها الإنسان لا تستطيع تقدير هذا العمل أو تقديم الأجر عليه، أما الذي يقدر ذلك فهو ربي الذي بعثني، وأنت أيها العبد مهما قدمت لي من أجر على ذلك فهو قليل.
وحكينا قصة الرجل الطيب الذي قابلناه في الجزائر، يقف على الطريق يلوح لسيارة تحمله، فوقفنا وفتحنا له الباب ليركب معنا، وقبل أن يركب قال :بكم ؟ يعني :الأجرة. فقال له صاحبي :لله، فقال الرجل :إذن فهي غالية جدا. هذا هو المعنى في قوله تعالى : ﴿ إن أجري إلا على الله.... ٢٩ ﴾( هود ).
وفي موضع آخر يقول سبحانه : ﴿ إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين٧٢ ﴾( يونس ) فما العلاقة بين الأجر وبين ﴿ وأمرت أن أكون من المسلمين٧٢ ﴾( يونس ) ؟.
كان المسلم ينبغي عليه أن يعمل العمل، لا لمن يعمل له، ولكن يعمله لله ليأخذ عليه الأجر الذي يناسب هذا العمل من يده تعالى، إنما إن أخذه من صاحبه فهو كالذي " فعل ليقال وقد قيل " وانتهت المسألة، وربما حتى لا يشكر على عمله.
لذلك وردت هذه العبارة على ألسنة كل الرسل : ﴿ وما أسألكم عليه من أجر.... ١٠٩ ﴾( الشعراء ). وليس هناك آية طلب فيها الأجر الظاهر إلا هذه الآية التي نحن بصددها : ﴿ قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا٥٧ ﴾( الفرقان ).
وقوله تعالى : ﴿ إلا المودة في القربى.... ٢٣ ﴾( الشورى ).
ومعنى : ﴿ إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا٥٧ ﴾( الفرقان ) :أي :سبيلا للمثوبة، وسبيلا للأجر من جهاد في سبيل الله، أو صدقة على الفقراء.... إلخ.
وقوله : ﴿ إلا من شاء.... ٥٧ ﴾( الفرقان ) :تدل على التخيير في دفع الأجر، فالرسول لا يأخذ إلا طواعية، والأجر : ﴿ أن يتخذ إلى ربه سبيلا٥٧ ﴾( الفرقان ) :من الجهاد والعمل الصالح، فكأن أجر الرسول العمل للغير، لتأخذ أنت الأجر من الله، فالرسول لا يأخذ شيئا لنفسه.
ونلحظ في آيات الأجر أنها جاءت مرة﴿ أجرا.... ٩٠ ﴾الأنعام )، ومرة٢ ﴿ من أجر... ٥٧ ﴾( الفرقان ) :والبعض يرى أن ( من ) هنا زائدة، وهذا لا يقال في كلام الله، عيب أن نتهم كلام الله بأن فيه زيادة، فكل حرف فيه له معناه.
وسبق أن ضربنا لمن هذه مثلا بقولنا :ما عندي مال، وما عندي من مال. فالأولى نفت أن يكون عندك مال يعتد به، لكن قد يكون عندك القليل منه، أما القول الثاني فيعني نفي المال مطلقا بداية مما يقال له مال، إذن :فأيهما أبلغ من النفي ؟ فمن هنا تفيد العموم.
لذلك يقول تعالى : ﴿ أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير... ٧٢ ﴾( المؤمنون ) :لماذا ؟ لأنه سيعطيك ويكافئك على قدره هو، وبما يناسب جوده تعالى وكرمه الذي لا ينفد، أما الإنسان فسيعطيك على قدره وفي حدود إمكاناته المحدودة.
ملحظ آخر في هذه المسألة في سورة الشعراء، وهي أحفل السور بذكر مسألة الأجر، حيث تعرضت لموكب الرسل، فذكرت ثمانية هم :موسى وهارون وإبراهيم ونوح وهود وصالح ولوط وشعيب.
تلحظ أن كل هؤلاء الرسل٣ قالوا : ﴿ إن أجري إلا على رب العالمين١٠٩ ﴾( الشعراء ) :عدا إبراهيم وموسى عليهما السلام لم يقولا هذه الكلمة، لماذا ؟
قالوا :لأنك حين تطلب أجرا على عمل قمت به لا يكون هناك ما يوجب عليك أن تعمل له مجانا، فأنت لا تتقاضى أجرا إن عملت مثلا مجاملة لصديق، وكذلك إبراهيم- عليه السلام- أول ما دعا إلى الإيمان دعا عمه آزر، ومثل هذا لا يطلب منه أجرا، وموسى عليه السلام أول ما دعا دعا فرعون الذي احتضنه ورباه في بيته، ولو طلب منه أجرا لقال له :أي أجر وقد ربيتك٤ وو.... إلخ.
الآية الأخرى في الاستثناء هي قوله تعالى : ﴿ قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى.... ٢٣ ﴾( الشورى ) فكأن المودة في القربى أجر لرسول الله صلى الله عليه وسلم على رسالته، لكن أي قربى :قربى النبي أو قرباكم ؟
لا شك أن النبي الذي يجعل حب القريب للقريب ورعايته له هو أجره، يعني بالقربى المسلمين جميعا، كما قال عنه ربه عز وجل : ﴿ النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم... ٦ ﴾( الأحزاب ).
١ الكز: الذي لا ينبسط. ووجه كز: قبيج. ورجل كز: قليل الخير. والكزازة: اليبس والانقباض.(لسان العرب –مادة:كزز)..
٢ - وردت(أجرا) في ٦آيات: (الأنعام:٩٠)،(هود:٥١)،(يس:٢١)،(الشورى:٢٣)،(الطور: ٤٠)،(القلم:٤٦).
-ووردت(من أجر) في ١٠ آيات: (يونس:٧٢)،(يوسف:١٠٤)، (الفرقان:٥٧)،(الشعراء،١٠٩-١٢٧-١٤٥-١٦٤-١٨٠)،(سبأ: ٤٧)،(ص:٨٦)..

٣ -قالها نوح في: (يونس: ٧٢)،(هود:٢٩)،(الشعراء:١٠٩).
-وقالها هود في: (هود:٥١)،(هود:٥١)،(الشعراء:١٢٧)
-وقالها صالح في: ﴿(الشعراء: ١٤٥).
-وقالها لوط في: (الشعراء:١٦٤).
-وقالها شعيب في: (الشعراء:١٨٠)..

٤ ورغم أن موسى عليه السلام لم يطلب منه أجرا، لا مالا وملكا ولا غيره إلا أن فرعون امتن عليه بأنه الذي رباه، فقال:{ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين١٨﴾(الشعراء)..

﴿ وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا ٥٨ ﴾ :
الحق –تبارك وتعالى- يطمئن رسوله صلى الله عليه وسلم :يا محمد لا تهتم بكثرة الكفار ومكرهم بك وتعاونهم مع شياطين الإنس والجن ؛ لأن هؤلاء سيتساقطون ويموتون، إما بأيديكم، أو بعذاب من عند الله، وعلى فرض أنهم عاشوا فلن تغلب قوتهم وحيلهم قوة الله تعالى ومكره، وإن توكلوا على أصنام لا تضر ولا تنفع، فتوكل أنت على الله : ﴿ وتوكل على الحي الذي لا يموت... ٥٨ ﴾( الفرقان ).
والعاقل لا يتوكل إلا على من يثق به ويضمن معاونته، وأنه سيوافقك في كل ما تريد، لكن ما جدوى أن تتوكل على أحد ليقضي لك مصلحة، وفي الصباح تسمع خبر موته ؟
وكأن الحق –تبارك وتعالى- يريد أن ينصح خلقه :إن أردت أن تتوكل فتوكل على من ينفعك ولا يتركك، على من يظل على العهد معك لا يتخلى عنك، على من لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. هذه هي الفطنة.
لكن ما جدوى أن تتوكل على من ليس فيه حياة ؟ وعلى فرض أن فيه حياة دائمة فلا تضمن ألا يتغير قلبه عليك.
﴿ وسبح بحمده.... ٥٨ ﴾( الفرقان ) :سبح يعني :نزه، والتنزيه تضعه في إطار ﴿ ليس كمثله شيء... ١١ ﴾( الشورى ) :فلله وجود، ولك وجود، لكن وجوده تعالى ليس كصفتك، ولله تعالى فعل، ولك فعل، لكن فعله تعالى ليس كفعلك.
إذن :نزه الله في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله عن مشابهة الخلق، وما دام الحق سبحانه منزها في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، فأنت تتوكل على إله لا تطرأ عليه عوامل التغيير أبدا.
وهذا التنزيه لله تعالى، وهذه العظمة والكبرياء له سبحانه في صالحك أنت أيها الإنسان، من صالحك ألا يوجد لله شبيه، لا في وجوده، ولا في بقائه، ولا في تصرفه، من صالحك أن يعرف كل إنسان أن هناك من هو أعلى منه، وأن الخلق جميعا محكومين بقانون الله، فهذا يضمن لك أن تعيش معهم آمنا، إذن :من الخير لنا أن يكون الإله ليس كمثله شيء، وأن يكون سبحانه عاليا فوق كل شيء.
ويجب عليك حين تنزه الله تعالى ألا تنزهه تنزيها مجردا، إنما تنزيها مقرونا بالحمد﴿ وسبح بحمده... ٥٨ ﴾( الفرقان ) :فتحمده على أنه واحد لا شريك له، ولا مثيل له، وليس كمثله شيء، ففي ظل هذه العقيدة لا يستطيع القوي أن يطغى على الضعيف، ولا الغني على الفقير... إلخ.
ثم يقول سبحانه : ﴿ وكفى به ذنوبا عباده خبيرا٥٨ ﴾( الفرقان ) :نقول :كفاك فلان. يعني :لا تحتاج لغيره. كقولنا :حسبك الله يعني :كافيك عن الاحتياج لغيره ؛ لأنه يعطيك كل ما تحتاج إليه، ويمنع عنك الشر، وإن كنت تظنه خيرا لك.
وكان الحق- تبارك وتعالى – يقيم لك( كنترولا ) يضبط حياتك ويضمن لك السلامة، لذلك حين تدعو الله فلا يستجيب لك، لا تظن أن الله تعالى موظف عندك، لا بد أن يجيبك لما تريد، إنما هو ربك ومتول أمرك، فيختار لك ما يصلح لك، ويقدم لك الجميل وإن كنت تراه غير ذلك.
وقد ضربنا لهذه المسألة مثلا بالأم التي تكثر الدعاء على ولدها، فكيف بها إذا استجاب الله لها ؟ إذن :من رحمة الله بها أن يرد دعاءها، ويمنع إجابتها، فمنع الإجابة هنا إجابة.
﴿ وكفى به بذنوب عباده خبيرا ٥٨ ﴾( الفرقان ) :المعنى :إذا توكلت على الحي الذي لا يموت، فآثار هذا التوكل أن يحميك من ذنوب العباد، فهو وحده الذي يعلم ذنوبهم، ويعلم حتى ما يدور في أنفسهم.
ألم يقل الحق لرسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصيت الرسول وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير٨ ﴾( المجادلة ).
فما زال القول في أنفسهم لم يخرج، ومع ذلك أخبره الله به، وكأن الحق سبحانه يطمئن رسوله :مهما تآمروا عليك، ومهما دبروا لك، ومهما تكاتف ضدك جنود الإنس والجن، فاطمئن لأن ربك عليم بالذنوب التي قد لا تدركها أنت، ولا حيلة عندك لردها، فيكفيك أن يعلم الله ذنوب أعدائك.
﴿ ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ٣٠ ﴾( الأنفال ).
والخبير :الذي يعلم خبايا الأمور، حتى في مسائل الدنيا الهامة نقول :نستدعي لها الخبير ؛ لأن المختص العادي لا يقدر عليها.
وفي موضع آخر يقول تعالى : ﴿ ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ١٤ ﴾( الملك ).
ثم ينقلنا الحق- تبارك وتعالى- إلى آية كونية، تنضاف إلى الآيات السابقة، والهدف من ذكر المزيد من الآيات الكونية أنه لعلها تصادف رقة قلب واستمالة مواجيد، فتعطف الخلق إلى الخالق، وتلفت الأنظار إليه سبحانه.
﴿ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمان فسئل به خبيرا٥٩ ﴾ :
البعض يظن أن خلق السماوات والأرض شيء سهل، وأعظم منه خلق الإنسان، لكن الحق- تبارك وتعالى- يقول : ﴿ لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس... ٥٧ ﴾( غافر ).
فالإنسان يخلقه الله، وقد يموت بعد يوم، أو بعد مائة عام، وقد تصيبه في حياته الأمراض، أما السماوات والأرض، فقد خلقها الله تعالى بهندسة دقيقة، وقوانين لا تتخلف ولا تختل مع ما يمر عليها من أزمنة، وكأن الحق سبحانه يقول للإنسان :إن السماوات والأرض هذه خلقتي وصنعتي، لو تدبرت فيها وتأملتها لوجدتها أعظم من خلقك أنت.
وقوله تعالى : ﴿ في ستة أيام... ٥٩ ﴾( الفرقان ) :سبق أن تكلمنا في هذه المسألة وقلنا :إن جمهرة آيات القرآن تدل على أن الخلق تم في مدة ستة أيام إلا سورة واحدة تشعر آياتها أن الخلق في ثمانية أيام، وهي سورة فصلت :
حيث يقول فيها الحق سبحانه وتعالى : ﴿ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين٩ وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين ١٠ ثم استوى إلى السماء وهي دخان١ فقال لها وللأرض ائتنا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ١١ فقضاهن سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم ١٢ ﴾( فصلت ).
وجملة هذه ثمانية أيام، وكل مجمل يخضع للتفصيل إلا تفصيل العدد فيرجع للمجمل، كيف ؟
الحق سبحانه يتكلم هنا عن خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، ثم تكلم عن خلق الأرض في يومين، وجعل فيها رواسي من فوقها، وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، فالأربعة الأيام هذه تكملة لخلق الأرض فهي تكملة ليومين، كأنه قال في تتمة أربعة أيام، فالأرض في يومين والباقي أكمل الأربعة. كما تقول :سرت إلى طنطا في ساعة، وإلى الأسكندرية في ساعتين أي يدخل فيهما الساعة الأولى إلى طنطا، فاليومان من الأربعة الأيام.
لكن، كيف نقدر هذا اليوم ؟ الله يخاطبنا باليوم الذي نعرفه ونعرف مدلوله، فالمعنى :في ستة أيام من أيامكم التي تعرفونها.
وإلا لو كان المراد يوما لا نعرفه نحن، فسيكون لا معنى له ؛ لأننا لا نفهمه.
ولقائل أن يقول :كيف يستغرق الخلق كل هذه المدة والحق –تبارك وتعالى- يخلق بكن، وكن لا تحتاج وقتا ؟ قالوا :فرق بين عملية الخلق وما يحتاجه المخلوق في ذاته.
فأنت مثلا، إن أردت أن تصنع كوبا من الزبادي تحضر اللبن مثلا وتضع عليه خميرة الزبادي المعروفة المأخوذة من زبادي دسم سبق صنعه، وتضعه في درجة حرارة معينة، بعد هذه العملية تكون قد صنعت الزبادي فعلا، لكن هل يمكنك أن تأكل منه فور الانتهاء من صناعته ؟ لا، بل لا بد أن تتركه عدة ساعات لتتفاعل عناصره، فهل تقول :أنا صنعت الزبادي في عدة ساعات مثلا ؟.
كذلك، حين تذهب إلى ( الترزي ) لتفصيل ثوب مثلا يقول لك :موعدنا بعد شهر، فهل تستغرق خياطة الثوب شهرا ؟ لا، إنما مدته عنده شهر.
فالحق- تبارك وتعالى- يفعل ويخلق دون معالجة، وبالتالي دون زمن ؛ لأنه سبحانه يقول للشيء :كن فيكون.
وقوله سبحانه : ﴿ ثم استوى على العرش... ٥٩ ﴾( الفرقان ) :سبق أن تكلمنا في هذه المسألة. فاستوى تعني :صعد وارتفع وعلا وجلس، ونحن ننزه الله تعالى عن استواء يشابه استواء خلقه.
والاستواء هنا رمزية لتمام الأمر بما نعرفه في عادة الملوك في الجلوس على كرسي العرش، حين يتم لهم الأمر ويستتب.
و﴿ الرحمان... ٥٩ ﴾( الفرقان ) :دليل على أن مسألة الخلق كلها تدور في إطار الرحمانية﴿ فاسأل به خبيرا٥٩ ﴾( الفرقان ) :لأنه سبحانه خلق السماوات والأرض و خلقنا، ومع ذلك لا نعرف :كيف تم هذا الخلق ؟ ولن نستطيع أن نقف على تفصيل هذا الخلق، إلا إذا أطلعنا الخالق عليه، وإلا فهذا أمر لم نشاهده، فكيف نخوض فيه، كمن يقول :إن الأرض كانت قطعة من الشمس، ثم انفصلت عنها مع دوران الشمس... إلخ هذه الأقوال.
لذلك الحق- تبارك وتعالى- يحذرنا من سماع مثل هذه النظريات ؛ لأن مسألة الخلق لا تخضع للعلم التجريبي أبدا، فيقول سبحانه : ﴿ ما أشهدتم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا٢٥١ ﴾( الكهف ).
إذن :سيوجد في الكون مضلون يقولون للناس مثل هذه الأقوال في الخلق، ويدعون بها أنهم علماء يعرفون ما لا يعرفه الناس، فاحذروهم فما شاهدوا عملية الخلق، وما كانوا مساعدين لله تعالى، فيطلعوا على تفاصيل الخلق.
لذلك تقوم هذه الأقوال في خلق الإنسان وخلق السماء والأرض دليلا على صدق هذه الآية، فما موقف هذه الآية –إذن- إذا لم تقل هذه الأقوال ؟.
ومثال ذلك الذين يحلو لهم التعصب للقرآن الكريم ضد الحديث النبوي يقول لك أحدهم :حدثني عن القرآن، سبحان الله، أتتعصب للقرآن ضد الرسول الذي بلغك القرآن، وما عرفت القرآن إلا من طريقه ؟ يعني( الواد رباني ) لا يعترف إلا بالقرآن. ونقول لمثل هذا الذي يهاجم الحديث النبوي :أنت صليت المغرب ثلاث ركعات، فأين هذا من القرآن ؟.
لذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم :" يوشك الرجل يتكئ على أريكته يحدث بحديثي فيقول :بيني وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه حلالا استحللناه، وما كان حراما حرمناه، وإن ما حرم رسول الله كما حرم الله " ٣.
لماذا ؟ لأني أقول لكم من باطن قول الله تعالى : ﴿ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا... ٧ ﴾( الحشر ).
بالله، لو لم يجد الآن من يقول بهذا القول، فماذا سيكون موقف هذا الحديث ؟ وكيف لنا أن نفهمه ؟ لقد فضحهم هذا الحديث، وأبان ما عندهم من غباء، فقد كان بإمكانهم بعد أن عرفوا حديث رسول الله أن يمسكوا عن التعصب للقرآن ضد الحديث النبوي، فيكون الحديث ساعتها غير ذي معنى لكن هيهات.
نعود إلى موضوعنا، ونحن بصدد الكلام عن خلق السماوات وخلق الأرض، واستواء الحق- تبارك وتعالى- على العرش، وهاتان المسألتان لا تسأل فيهما إلا الله﴿ فاسأل به خبيرا ٥٩ ﴾( الفرقان ) :لأنه وحده الذي يعلم خبايا الأمور، وهذه أمور لم يطلع عليها أحد فيخبرك بها.
وكلمة :( سأل ) الإنسان لا يسأل عن شيء إلا إذا كان يجهله، والسؤال له مراحل :فقد تجهل الشيء ولا تهتم به، ولا تريد أن تعرفه، فأنت واحد من ضمن الذين لا يعرفون، وقد تجهل الشيء لكن تهتم به، فتسأل عنه لاهتمامك به، فمرة نقول :اسأل به. ومرة نقول :اسأل عنه.
والمعنى :اسأل اهتماما به، أي :سبب اهتمامك به اسأل عنه خبيرا ليعطيك ويخبرك بما تريد، فهو وحده الذي يعرف خبايا الأمور ودقائقها، وعنده خبر خلق السماوات وخلق الأرض، ويعلم مسألة الاستواء على العرش ؛ لذلك إن سألت عن هاتين المسألتين، فلا تسأل إلا خبيرا.
والذين قالوا في قوله تعالى : ﴿ فاسأل به خبيرا٥٩ ﴾( الفرقان ) :أي :ممن يعلم الكلام عن الله من أهل الكتاب نقول :لا بأس ؛ لأنه سيؤول إلى الله تعالى في النهاية.
١ الدخان: يطلق على ما يرتفع فوق النار من غازات لم يتم احتراقها، وقد يطلق على البخار وما يشبهه من الغازات المتصاعدة، والمقصود أن مواد النجوم كانت في حالة غازية كالدخان ثم خلق منها السماوات(القاموس القويم١/٢٢٤)..
٢ أي: أعوانا مساعدين. وقال تعالى: ﴿قال سنشد عضدك بأخيك...٣٥﴾(القصص) أي: سنقويك به على سبيل المجاز المرسل، فتقوية العضد تقوية للإنسان كله.(القاموس القويم١/٢٤)..
٣ أخرجه أحمد في مسنده(٤/١٣٢)، والترمذي في سننه (٢٦٦٤)وابن ماجه في سننه (١٢)، والدارقطني (٤/٢٨٦) في سننه، واللفظ للدارقطني..
﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمان قالوا وما الرحمان أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا٦٠ ﴾ :
نلحظ أن الحق- تبارك وتعالى- حينما ذكر الصفة الملزمة لأن تخضع له سبحانه لم يقل مثلا :اسجدوا لله، إنما﴿ اسجدوا للرحمان... ٦٠ ﴾( الفرقان ) :وأتى بالصفة التي تعدي رحمانيته إليك، فكان من الواجب أن تطيع، وأن تخضع له. كما قلنا سابقا :اجعل طاعتك لمن لا تستغني عنه، واجعل خضوعك لمن لا تخرج عن ملكه.
﴿ قالوا وما الرحمان... ٦٠ ﴾( الفرقان ) :كأنهم لا يعرفون هذه الكلمة، إنهم لا يعرفون إلا رحمان اليمامة.
وقولهم : ﴿ أنسجد لما تأمرنا.... ٦٠ ﴾( الفرقان ) :دليل على أن الامتناع عن السجود ليس للذات المسجود لها، بل لمن أمر بالسجود، كمن سبق وأن قالوا : ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم٣١ ﴾( الزخرف ) :فكأنهم إن أمرهم الله بالسجود لسجدوا، لكن كيف يأتي الأمر من الرسول خاصة ؟ وما ميزته عليهم حتى يأمرهم ؛ لذلك قال بعدها : ﴿ وزادهم نفورا٦٠ ﴾( الفرقان ) والنفور :الانفكاك عن الشيء بكره.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجا١ وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا٦١ ﴾ :
يعود السباق مرة أخرى لذكر آية كونية ؛ لأن الحق –تبارك وتعالى – يراوح بين آية تطلب منهم شيئا، وأخرى تلفتهم إلى قدرة الله وعظمته، وهذا يدل على مدى تعنتهم ولجاجتهم وعنادهم، وحرص الحق- سبحانه وتعالى- على لفتهم إليه، والأخذ بأيديهم إلى ساحته تعالى.
ولو شاء سبحانه لسرد الآيات الكونية مرة واحدة، وآيات التكذيب مرة واحدة، ولكن يزاوج- سبحانه وتعالى- بين هذه وهذه لتكون العبرة أنفذ إلى قلوب المؤمنين.
قلنا : ﴿ تبارك... ٦١ ﴾( الفرقان ) :يعني :تنزه، وعلا قدره، وعظم خيره وبركته. والبروج :جمع برج، وهو الحصن الحصين العالي الذي لا يقتحمه أحد، والآن يطلقونها على المباني العالية يقولون :برج المعادي، برج النيل... الخ، ومنه قوله تعالى : ﴿ والسماء ذات البروج ١ ﴾( البروج ).
وقوله سبحانه : ﴿ أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة... ٧٨ ﴾ ( النساء ) :
والبروج :منازل في السماء يحسب الناس بها الأوقات، ويربطون بينها وبين الحظوظ، فترى الواحد منهم أول ما يفتح جريدة الصباح ينظر في باب " حظك اليوم "، وقد دلت الآيات على أن هذه البروج جعلها الله لتسهل على الناس أمور الحساب.
كما قال سبحانه : ﴿ الشمس والقمر بحسبان٥ ﴾( الرحمن ).
وقال تعالى : ﴿ والشمس والقمر حسبانا... ٩٦ ﴾( الأنعام ).
يعني :بها تحسب المواقيت، فالشمس تعطيك المواقيت اليومية والليلية، والقمر يدلك على أول كل شهر ؛ لأنه يظهر على جرم معين، وكيفية مخصوصة توضح لك أول شهر ومنتصفه وآخره، ثم تعطيك الشمس بالظل حساب جزئيات الزمن.
ومعلوم أن في السماء اثنى عشر برجا جمعها الناظم في قوله :
حمل الثور جوزة السرطان **** ورعى الليث سنبل الميزان
عقرب القوس جدي دلو **** وحوت ما عرفنا من أمة السريان
فهي :الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت. فأولها الحمل، وآخرها الحوت، وكل برج يبدأ من يوم ٢١في الشهر وينتهي يوم٢٠.
ثم يقول تعالى : ﴿ وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا٦١ ﴾( الفرقان ) :السراج هو المصباح الذي نشعله ليعطي حرارة وضوءا ذاتيا، والمراد هنا الشمس ؛ لأن ضوءها ذاتي منها، وكذلك حرارتها، على خلاف القمر الذي يضيء بواسطة الأشعة المنعكسة على سطحه، فإضاءته غير ذاتية ؛ لذلك يقولون عن ضوء القمر :الضوء الحليم ؛ لأنه ضوء بلا حرارة.
والعجيب أن سطح القمر- كما وجدوه- حجارة، ولما أخذوا منه حجرا ليجروا عليه بحوثهم فهل قل ضوء القمر ؟ لا لأن دائرته الكاملة هي التي تعكس إلينا ضوء الشمس وحين تأخذ منه حجرا يعكس لك ما تحته أشعة الشمس.
وفي موضع آخر، يوضح الحق سبحانه هذه المسألة، فيقول تعالى : ﴿ هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا... ٥ ﴾( يونس ) :فالضياء هو الذي يأتي من الكوكب ذاتيا، والنور هو انعكاس الضوء على جسم آخر، فهو غير ذاتي.
١ البروج: مواقع النجوم بالسماء ومنازلها.(القاموس القويم ١/٦١)..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا٦٢ ﴾ :
عرفنا أن الليل :غياب الشمس عن نصف الكرة الأرضية، والنهار مواجهة الشمس للنصف الآخر، والليل والنهار متعاقبان ﴿ خلفة٦٢ ﴾( الفرقان ) :يأتي الليل ثم يعقبه النهار، كل منهما خلف الآخر، وهذه المسألة واضحة لنا الآن، لكن كيف كانت البداية عندما خلق الله تعالى الخلق الأول، فساعتها، هل كانت الشمس مواجهة للأرض أم غائبة عنها ؟.
إن كان الحق سبحانه خلق الشمس مواجهة للأرض، فالنهار هو الأول، ثم تغيب الشمس، ويأتي الليل ليخلف النهار، أما النهار فلم يسبق بليل. وكذلك إن كانت الشمس عند الخلق غير مواجهة للأرض، فالليل هو الأول، ولا يسبقه نهار، وفي كلتا الحالتين يكون أحدهما ليس خلفة للآخر، ونحن نريد أن تصدق الآية على كليهما.
إذن :لا بد أنهما خلفة منذ الخلق الأول ؛ ذلك لأن الأرض –كما عرفنا ولم يعد لدينا شك في هذه المسألة، كروية، والحق – تبارك وتعالى- حينما خلق الشمس والقمر الخلق الأول كان المواجه منها للشمس نهارا، والمواجه منها للقمر ليلا، ثم تدور حركة الكون، فيخلف أحدهما الآخر منذ البداية.
وهذه النظرية لا تستقيم إلا إذا قلنا بكروية الأرض، وهذه يؤديها قوله تعالى : ﴿ ولا الليل سابق النهار... ٤٠ ﴾( يس ).
والمعنى أيضا :ولا النهار سابق الليل، لكن ذكر الليل ؛ لأنهم كانوا يعتقدون أن الليل خلق أولا، لماذا ؟ لأن الزمن عندهم يثبت بليله، كما يحدث مثلا في الصوم، فهل تصوم أولا في النهار ثم ترى الهلال بالليل ؟ إنما ترى الهلال بالليل أولا، فكأن رمضان يبدأ يومه بليله.
وما دام الأمر كذلك فالليل سابق النهار عندهم، وهذه قضية يعتقدونها ومسلمة عندهم، وجاء القرآن وخاطبهم على أساس هذا الاعتقاد :أنتم تعتقدون أن الليل سابق النهار يعني :النهار لا يسبق الليل، نعم لكن :اعلموا أيضا أن الليل لا يسبق النهار. إذن :المحصلة :لا الليل سابق النهار، ولا النهار سابق الليل.
ولو قلنا بأن الأرض مسطوحة لما استقام لنا هذا القول.
لكن أي ليل ؟ وأي نهار ؟ نهاري أنا، أم نهار المقابل لي ؟ وكل واحد على مليون من الثانية يولد نهار ويبدأ ليل ؛ لأن الشمس حين تغيب عني تشرق على آخرين، والظهر عندي يوافقه عصر أو مغرب أو عشاء عند آخرين.
إذن :كل الزمن فيه الزمن، وهذا الاختلاف في المواقيت يعني أن نغمة الأذان( الله أكبر ) شائعة في كل الزمن، فالله تعالى معبود بكل وقت وفي كل زمن، فأنت تقول :الله أكبر وغيرك يقول :أشهد أن لا إله إلا الله.... وهكذا.
وإن كان الحق –تبارك وتعالى- خلق الليل للسبات وللراحة، والنهار للسعي وللعمل، فهذه الجمهرة العامة لكنها قضية غير ثابتة، حين يوجد من مصالح الناس ما يتعارض وهذه المسألة، فمن الناس من تقتضي طبيعة عمله أن يعمل بالليل كالخبازين والحراس والممرضين... إلخ.
فهؤلاء يسمح لهم بالعمل بالليل والراحة بالنهار، ولو لم يكن لهؤلاء منفذ لقلنا :إن هذا الكلام متناقض مع كونيات الخلق ؛ لذلك يقول – سبحانه وتعالى- في آية أخرى : ﴿ ومن آياته منامكم بالليل والنهار.... ٢٣ ﴾( الروم ) فتراعي هذه الآية ظروف هؤلاء الذين يضطرون للعمل ليلا، وللراحة نهارا.
وقوله تعالى : ﴿ لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا٦٢ ﴾ ( الفرقان ) :يعني :يا من شغله نهار عمله عن ذكر ربه انتهز فرصة الليل ويا من شغله نوم الليل عن ذكر ربه انتهز فرصة النهار، وذلك كقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل " ١.
فمن فاته شيء في ليله فليتداركه في نهاره، ومن فاته شيء في نهاره فليتداركه في ليله، وإذا كان الله تعالى يبسط يده بالليل ويبسط يده بالنهار، وهما مستمران، فمعنى ذلك أن يده تعالى مبسوطة دائما.
ومعنى﴿ يذكر... ٦٢ ﴾( الفرقان ) :يتمعن ويتأمل في آيات الله، في الليل وفي النهار، كأنه يريد أن يصطاد لله نعما يشكره عليها، على خلاف الغافل الذي يلتفت إلى شيء من هذا، فمن فضل الله علينا أن ينبهنا إلى هذه النعم، ويلفت نظرنا إليها ؛ لأننا أهل غفلة.
وقوله : ﴿ أو أراد شكورا٦٢ ﴾( الفرقان ) :أي :شكرا، فهي صيغة مبالغة في الشكر.
١ أخرجه الإمام مسلم في صحيحه(٢٧٥٩) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، وكذا أحمد في مسنده (٤/٣٩٥-٤٠٤)..
﴿ وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون١ قالوا سلاما٦٣ ﴾ :
يعطينا الحق- تبارك وتعالى- صورة للعبودية الحقة، ونموذجا للذين اتبعوا المنهج، كأنه-تبارك وتعالى- يقول لنا :دعكم من الذين أعرضوا عن منهج الله وكذبوا رسوله، وانظروا إلى أوصاف عبادي الذين آمنوا بي، ونفذوا أحكامي، وصدقوا رسولي.
نقول :عباد وعبيد. والتحقيق أن( عبيد ) جمع لعبد، وأن ( عباد ) جمع لعباد مثل :رجال جمع راجل : ﴿ وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا... ٢٧ ﴾( الحج ) :إذن :عبيد غير عباد.
وسبق أن تحدثنا عن الفرق بين العبيد والعباد، فكلنا عبيد لله تعالى :المؤمن والكافر، والطائع والعاصي، فما دام يطرأ، عليه في حياته ما لا يستطيع أن يدفعه مع أنه يكرهه فهو مقهور، فالعبد الكافر الذي تمرد على الإيمان بالله، وتمرد على تصديق الرسول، وتمرد على أحكام الله فلم يعمل بها.
فهل بعد أن ألف التمرد يستطيع أن يتمرد على المرض إن أصابه ؟ أو يستطيع التمرد على الموت إن حل بساحته ؟ إذن :فأنت عبد رغما عنك، وكلنا عبيد فيما نحن مقهورون عليه، ثم لنا بعد ذلك مساحة من الاختيار.
أما المؤمن فقد خرج من اختياره الذي منحه الله في أن يؤمن أو يكفر، وتنازل عنه لمراد ربه، فاستحق أن يكون من عباد الله﴿ وعباد الرحمان... ٦٣ ﴾( الفرقان ) :فنحن وإن كنا عبيدا فنحن سادة ؛ لأننا عبيد الرحمان ؛ لذلك كانت حيثية تكريم الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في الإسراء في عبوديته لله تعالى، حيث قال : ﴿ سبحان الذي أسرى بعبده... ١ ﴾( الإسراء )، فالعبودية هي علة الارتقاء.
فلما أخلص رسول الله العبودية نال هذا القرب الذي لم يسبقه إليه بشر.
لذلك وصف الملائكة بأنهم﴿ عباد مكرمون٢٦ ﴾( الأنبياء ) :وباستقراء الآيات لم نجد سوى آية واحدة تخالف في ظاهر الأمر هذا المعنى الذي قلناه في معنى العباد، وهي قوله تعالى في الكلام عن الآخرة : ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء... ١٧ ﴾( الفرقان ).
فقال للضالين ( عبادي ) وهي لا تقال إلا للطائعين، لماذا ؟ قالوا :لأن في القيامة لا اختيار لأحد، فالجميع في القيامة عباد، حيث انتفى الاختيار الذي يميزهم.
والعلماء يقولون :إن العباد تؤخذ منها العبادية، وأن العبيد تؤخذ منها العبودية :العبادية في العباد أن يطيع العابد أمر الله، وينتهي عن نواهيه طمعا في ثوابه في الآخرة، وخوفا من عقابه فيها، إذن :جاءت العبادية لأخذ ثواب الآخرة وتجنب عقابها.
أما العبودية فلا تنظر إلى الآخرة، إنما إلى أن الله تعالى تقدم بإحسانه على عبيده إيجادا من عدم، وإمدادا من عدم، وتربية وتسخيرا للكون، فالله يستحق بما قدم من إحسان أن يطاع بصرف النظر عن الجزاء في الآخرة ثوابا أو عقابا.
أما العبودية فهي :ألا ينظر العبد إلى ما قدم من إحسان، ولا ما أخر من ثواب وعقاب، وإنما ينظر إلى جلال الله يستحق أن يطاع، وإن لم يسبق به الإحسان، وإن لم يأت بعد ذلك ثواب وعقاب.
وإن كانت العبودية مكروهة في البشر كما قال أحد الساسة٢ :متى استعبدتم الناس، ولقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا ؟ ذلك لأن العبودية للبشر يأخذ السيد خير عبده، أما العبودية لله تعالى فعز وشرف، حيث يأخذ العبد خير سيده، فهي عبودية سيادة، لا عبودية قهر.
فحين تؤمن بالله يعطيك الله الزمام :يقول لك :إن أردت أن أذكرك فاذكرني، وفي الحديث القدسي :" من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم " ٣.
وإن كان –سبحانه وتعالى- يستدعيك إلى خمس صلوات في اليوم والليلة، فما ذلك ألا لتأنس بربك، لكن أنت حر تأتيه في أي وقت تشاء من غير موعد، وأنت تستطيع أن تحدد بدء المقابلة ونهايتها وموضوعها... إلخ، فزمام الأمر في يدك. وقد تعلم سيدنا رسول الله خلق الله، فكان إذا وضع يده في يد أحد الصحابة يسلم عليه لا ينزع يده منه حتى يكون هو الذي ينزع يده من يد رسول الله ٤، وهذا أدب من أدب الحق- تبارك وتعالى- إذن :فالعبودية لله تعالى عبودية لرحمن، لا عبودية لجبار.
وأول ما نلحظ في هذه الآية أنه تعالى أضاف العباد إلى الرحمن، حتى لا نظن أن العبودية لله ذلة، وأن القرآن كلام رب وضع بميزان، ثم يذكر- سبحانه وتعالى- صفات هؤلاء العباد، صفاتهم في ذواتهم، وصفاتهم مع مجتمعهم، وصفاتهم مع ربهم، وصفاتهم في الارتقاء بالمجتمع إلى الطهر والنقاء.
أما في ذواتهم، فالإنسان له حالتان هما محل الاهتمام :إما قاعد، وإما سائر، ونخرج حالة النوم لأنه وقت سكون، أما حال القعود فالحركة محدودة في ذاته، والمهم حال الحركة والمشي، وهذا هو الحال الذي ينبغي الالتفات إليه.
لذلك يوضح لنا ربنا- عز وجل- كيف نمشي فيقول : ﴿ وعباد الرحمان الذين يمشون على الأرض هونا... ٦٣ ﴾( الفرقان ).
يعني :برفق وفي سكينة، وبلين دون اختيال، أو تكبر، أو غطرسة، لماذا ؟ لأن المشي هو الذي سيعرضك لمقابلة مجتمعات متعددة، وهذا الأدب الرباني في المشي يحدث في المجتمع استطراقا إنسانيا يسوي بين الجميع.
وفي موضع آخر يقول تعالى في هذه المسألة : ﴿ ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الأرض مرحا... ١٨ ﴾( لقمان )، ﴿ إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا٣٧ ﴾( الإسراء ).
وتصعير الخد أن تميله كبرا وبطرا وأصله ( الصعر ) مرض في البعير يصيب عنقه فيسير مائلا، ومن أراد أن يسير متكبرا مختالا فليتكبر بشيء ذاتي فيه، وهل لديك شيء ذاتي تستطيع أن تضمنه لنفسك أو تحتفظ به ؟
وإن كنت غنيا فقد تفتقر، وإن كنت قويا صحيحا قد يصيبك المرض فيقعدك، وإن كنت عزيزا اليوم فقد تذل غدا. إذن :فكل دواعي التكبر ليست ذاتية عندك، إنما هي موهوبة من الله، فعلام التكبر إذن ؟ !
لذلك يقولون في المثل ( اللي يخرز يخرز على وركه ) إنما يخرز على ورك غيره ؟ ! وأصل هذا المثل أن صانع السروج كان يأتي بالصبي الذي عمل تحت يده، ويجعله يمد رجله، ويضع السرج على وركه، ثم يأخذ في خياطته، فرآه أحدهم فرق قلبه للصبي فقال للرجل :إنه ضعيف لا يتحمل هذا، فإن أردت فاجعله على وركك أنت. كذلك الحال هنا، من أراد أن يتكبر فليتكبر بشيء ذاتي فيه، لا بشيء موهوب له.
والمتكبر شخص ضرب الحجاب على قلبه، فلم يلتفت إلى ربه الأعلى، ويرى أنه أفضل من خلق الله جميعا، ولو استحضر كبرياء ربه لاستحى أن يتكبر على خلق الله، فتكبره دليل على غفلته عن هذه المسألة.
لذلك يقول الناظم :
فدع كل طاغية للزمان **** فإن الزمان يقيم الصعر
يعني :سيرى من الزمان ما يقوم اعوجاج، ويرغم أنفه.
ومعنى﴿ مرحا... ١٨ ﴾( لقمان ) :المرح :الفرح ببطر. والبطر :أن تأخذ النعمة وتنسى المنعم، وتتنعم بها، وتعصي من وهبك إياها، إذن :المنهي عنه الفرح المصاحب للبطر، وإنكار فضل المنعم، أما الفرح المصاحب للشكر فمحمود، كما قال تعالى : ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا... ٥٨ ﴾( يونس ).
وفي موضع آخر يعلمنا أدب المشي، فيقول : ﴿ واقصد في مشيك واغضض من صوتك... ١٩ ﴾( لقمان ).
وقالوا :إن المراد بالمشي الهون، هو الذي يسير فيه الإنسان على سجيته دون افتعال للعظة أو الكبر، لكن دون انكسار وذلة، وسيدنا عمر-رضي الله عنه- حينما رأى رجلا يسير متماوتا ضربه، ونهاه عن الانكسار والتماوت في المشية، وهكذا فمشية المؤمن وسط، لا متكبر ولا متماوت متهالك.
ثم تتحدث الآية بعد ذلك عن صفات عباد الرحمن وعلاقتهم. بالناس : ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما... ٦٣ ﴾( الفرقان ) :والجاهل :هو السفيه الذي لا يزن الكلام، ولا يضع الكلمة في موضعها، ولا يدرك مقاييس الأمور، لا في الخلق ولا في الأدب.
وسبق أن فرقنا بين الجاهل والأمي :الأمي هو خالي الذهن، ليس عنده معلومة يؤمن بها، وهذا من السهل إقناعه بالصواب. أما الجاهل فعنده معلومة مخالفة للواقع ؛ لذلك يأخذ منك مجهودا في إقناعه ؛ لأنه يحتاج أولا لأن تخرج من ذهنه الخطأ، ثم تدخل في قلبه الصواب.
والمعنى :إذا خاطبك الجاهل، فحذار أن تكون مثله في الرد عليه فتسفه عليه كما سفه عليك، بل قرعه بأدب وقل ﴿ سلاما٦٣ ﴾( الفرقان ) :لتشعره بالفرق بينكما.
والحق- تبارك وتعالى – يوضح في آية أخرى ثمرة هذا الأدب، فيقول : ﴿ ادفع بالتي هي أحسن فإذا كان بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم٣٤ ﴾( فصلت ).
وما أجمل ما قاله الإمام الشافعي٥ في هذا المعنى :
إذا نطق السفيه فلا تجبه **** فخير من إجابته السكوت٦
فإن كلمته فرجت عنه **** وإن خليته كمدا يموت
فإن اشتد السفيه سفاهة، وطغى عليك وتجبر، فلا بد لك من رد العدوان بمثله، لأنك حلمت عليه، فلم يتواضع لك، وظن حلمك ضعفا، وهنا عليك أن تريه الفرق بين الضعف وكرم الخلق، كالشاعر٧ الذي قال :
صفحنا عن بني ذهل **** وقلنا القوم إخوان
عسى الأيام أن ير **** جعن قوما كالذي كانوا
فلما صرح الشر فأم **** سى وهو عريان
ولم يبق سوى العدوا **** ن دناهم كما دانوا
مشينا مشية الليث **** غدا والليث غضبان
بضرب فيه توهين **** وتخضيع وإقران
وطعن كفم الزق٨ **** غدا والزق ملآن
وفي الشر نجاة حي **** ن لا ينجيك إحسان
وبعض الحلم عند الجه **** ل للذلة إذعان
وللإمام علي كرم الله وجهه :
إن كنت محتاجا إلى الحلم إنني **** إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج
ولي فرس للحلم بالحلم ملجم **** ولي فرس للجهل بالجهل مسرج
فمن رام تقويمي فإني مقوم **** ومن رام تعويجي فإني معوج
ومعنى : ﴿ قالوا سلاما٦٣ ﴾( الفرقان ) :قالوا :المراد هنا سلام المتاركة، لا سلام الأمان الذي نقوله في التحية( السلام عليكم ) فحين تتعرض لمن يؤذيك بالقول، ويتعدى عليك باللسان تقول له سلام يعني :سلام المتاركة.
وبعض العلماء يرى أن كلمة ﴿ قالوا سلاما٦٣ ﴾( الفرقان ) :هنا تعني المعنيين :سلام المتاركة، وسلام التحية والأمان، فحين تحلم على السفيه فلا تجاريه تقول له :لو تماديت معك سأوذيك، وأفعل بك كذا وكذا، فأنت بذلك خرجت من سلام المتاركة إلى سلام التحية والأمان.
ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين٥٥ ﴾( القصص ).
ألم يقل إبراهيم- عليه السلام- لعمه آزر لما أصر على كفره : ﴿ سلام عليك سأستغفر لك ربي... ٤٧ ﴾( مريم ).
والمعنى :لو وقفت أمامك لربما اعتديت عليك، وتفاقمت بيننا المشكلة.
١ الجهل: الطيش والسفه والتعدي بغير حق. والجهل أيضا: ضد العلم وهو الخلو من المرفة. ويتحدد معنى الجهل بما يناسب المقام. والمقصود بالجاهلين هنا: السفهاء.(القاموس القويم ١/١٣٤)..
٢ هو: أحمد عرابي بن محمد عرابي، زعيم مصري، ممن تركت لهم الحوادث ذكرا في تاريخ مصر الحديث، ولد في القرية "هرية رزنة" (عام ١٨٤١م) من قرى الزقازيق بمصر، جاور في الأزهر سنتين، ثم انتظم في الجيش سنة(١٨٥٥م) وكان عمره ١٤عاما حتى بلغ رتبة "أميرالاي" في أيام الخديوي توفيق. توفى ١٩١١م عن ٧٠عاما. انظر (الأعلام للزركبي١/١٦٨)..
٣ أخرجه أحمد في مسنده (٢/٢٥١-٣٥٤-٤٠٥)، والبخاري في صحيحه (٧٤٠٥-٧٥٠٥-٧٥٣٧)والترمذي في سننه (٣٦٠٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث حسن صحيح، وقد شرح الشيخ الشعراوي رحمه الله هذا الحديث القدسي في سلسلة "الأحاديث القدسية "(١/١٧-٢٥) بتحقيقنا..
٤ أخرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتابه" أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وآدابه" –ص٣٦ طبعة الدر المصرية اللبنانية ١٩٩٣ "عن أنس بن مالك قال: كان صلى الله عليه وسلم إذا صافح رجلا لم ينزع يدع من يده حتى يكون الرجل هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه عنه حتى يكون هو الذي يصرف"..
٥ هو: محمد بن إدريس الشافعي المطلبي، أبو عبد الله، أحد الأئمة الأربعة، صاحب المذهب الشافعي، وإليه نسبة الشافعية، ولد في غزة بفلسطين(عام ١٥٠هـ).زار بغداد مرتين، وقصد مصر سنة ١٩٩هـ فتوفي بها(عام٢٠٤هـ) عن٥٤عاما، وقبره معروف بالقاهرة، (الأعلام للزركلي٦/٢٦)..
٦ هذا البيت ذكره أبو الحسن الماوردي في"أدب الدنيا والدين" (ص٢٢٦)، ولكن عزاه لعمرو ابن علي. وانظر: ديوان الإمام الشافعي- طبعة مكتبة ابن سينا ١٩٨٨ص٣٨، فقد ورد فيه هذان البيتان..
٧ هو: شهل بن شيبان بن زمان الحنفي، الشهير بالفند الزماني، من بني بكر بن وائل، شاعر جاهلي، كان سيد بكر في زمانه، وفارسها وهو من أهل اليمامة. شهد حرب بكر وتغلب وقد ناهز عمره المئة. توفي نحو ٧٠ ق هـ، وسمي الفنذ لعظم خلقته.(الأعلام ٣/١٧٩)..
٨ الزق: السقاء. وهو كل وعاء اتخذ لشراب ونحوه. وهو من الجلد.(لسان العرب- مادة: زقق)..
وبعد أن تناولت الآيات حال عباد الرحمن في ذواتهم، و حالهم مع الناس، تتحدث الآن عن حالهم مع ربهم :
﴿ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما٦٤ ﴾
والبيتوتة تكون بالليل، حين يأوي الإنسان إلى بيته وبعد عناء اليوم وسعيه، وبعد أن تقلب في ألوان شتى من نعم الله عليه، فحين يأوي إلى مبيته يتذكر نعم الله التي تجلت عليه في ذلك اليوم، وهي نعم ليست ذاتية فيه، إنما موهوبة له من الله ؛ لذلك يتوجه إليه سبحانه بالشكر عليها، فيبيت لله ساجدا وقائما.
كما قال سبحانه : ﴿ أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.... ٩ ﴾( الزمر ).
وقال سبحانه : ﴿ كانوا قليلا من الليل ما يهجعون ١٧ وبالأسحار١ هم يستغفرون١٨ ﴾( الذاريات ).
لكن، أيطلب الله تعالى منا ألا نهجع بالليل، وقد قال في آية أخرى : ﴿ وجعلنا نومكم سباتا٩ ﴾( النبأ ).
قالوا :ليس المراد قيام الليل كله، إنما جزء منه حين تجد عندك النشاط للعبادة، كما قال الحق سبحانه وتعالى في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم :
﴿ قم الليل إلا قليلا٢ نصفه أو انقص منه قليلا ٣ أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا٤ ﴾( المزمل ) :
حتى قال ابن عباس :من صلى بعد العشاء ركعتين فأكثر كان كمن بات الله ساجدا وقائما٢، فربك يريد منك أن تذكره قبل أن تنام، وأن تتأمل نعمه عليك فتشكره عليها.
وذكر سبحانه حالتي السجود والقيام﴿ سجدا وقياما٦٤ ﴾( الفرقان ) :لأن بعض الناس يصعب عليهم أن يسجدوا، وآخرين يسهل عليهم السجود، ويصعب عليهم القيام، فذكر الله سبحانه الحالتين ليعدل فيهما.
١ الأسحار: جمع سحر، وهو الجزء الأخير من الليل إلى مطلع الفجر. (القاموس القويم١/٣٠٥)..
٢ عن ابن عمر – رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" من صلى العشاء الآخرة في جماعة، وصلى أربع ركعات قبل أن يخرج من المسجد كان كعدل ليلة القدر" أورده المنذري في"الترغيب والترهيب" (١/٢٠٥) وعزاه للطبراني في "المعجم الكبير"..
﴿ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ٦٥ ﴾ :
هذا القول يناسب عباد الرحمان الذين يفعلون الخيرات، طمعا في الثواب، وخوفا من العقاب، فهم الذين يقولون﴿ ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ٦٥ ﴾( الفرقان ) كلمة( غرام ) نقولها بمعنى الحب والهيام والعشق، ومعناها :اللزوم، أي لازم لهم لا ينفك عنهم في النار أبدا ؛ لأن العاقبة إما جنة أبدا، أو نار أبدا.
فمعنى﴿ إن عذابها كان غراما٦٥ ﴾( الفرقان ) :أي :لازما دائما، ليس مرة واحدة وتنتهي المسألة.
ومنه كلمة ( الغريم )، وهو الذي يلازم المدين ليأخذ منه دينه.
وكلمة﴿ اصرف عنا عذاب جهنم... ٦٥ ﴾( الفرقان ) كأنهم متصورون أن جهنم ستسعى إليهم، وأن بينها وبينهم لددا، بدليل أنها ستقول : ﴿ هل من مزيد٣٠ ﴾( ق ).
ثم تذكر الآيات سبب هذه المقولة : ﴿ إنها ساءت مستقرا ومقاما ٦٦ ﴾
ساء الشيء أي :قبح، وضده حسن ؛ لذلك قال تعالى عن الجنة في مقابل هذه الآية : ﴿ حسنت مستقرا ومقاما٧٦ ﴾( الفرقان ) :وهكذا السوء يلازمه القبح، والحسن يلازمه الحسن.
وقال : ﴿ مستقرا ومقاما٦٦ ﴾( الفرقان ) :حتى لا يظنوا أن النار فترة وتنتهي، ثم يخرجون منها، فهي مستقرهم الدائم، ومقامهم الذي لا يفارقونه.
أو أن الحق- سبحانه وتعالى – أراد بهذا نوعين من الناس :مؤمن أسرف في بعض السيئات ولم يتب، أو لم يتقبل الله منه توبته، فهو في النار لحين، والمستقر هنا بمعنى المكان المؤقت، أما المقام فهو الطريق.
إذن :الناس ساءت مستقرا لمن أسرف على نفسه ولم يتب، أو لم يتقبل الله منه توبته، فهو في النار لحين، والمستقر هنا بمعنى المكان المؤقت، أما المقام فهو الطويل.
إذن :النار ساءت مستقرا لمن أسرف على نفسه ولم يتب، أو لم يتقبل الله توبته، إنما ليست إقامة دائمة، والمقام يكون للخادين فيها أبدا.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قوما٦٧ ﴾ :
الإسراف :تبديد ما تملك فيما عنه غناء، فلا نقول ( مسرف ) مثلا للذي يأكل ليحفظ حياته ؛ لذلك يقول سيدنا عمر-رضي الله عنه –لولده عاصم١ :كل نصف بطنك، ولا تطرح ثوبا إلا إذا استخلقته٢، ولا تجعل كل رزقك في بطنك وعلى جسدك٣.
والإسراف أن تنفق في غير حل، فلا سرف في حل، حتى إن أسرف الإنسان في شيء من الترف المباح، فإنه يؤدي لنفسه بعض الكماليات، في حين يؤدي للمجتمع أشياء ضرورية، فالذي لا يرتدي الثوب إلا ( مكويا ) كان بإمكانه أن يرتديه دون كي، فكي الثوب في حقه نوع من الترف، لكنه ضرورة بالنسبة ( للمكوجي ) حيث يسر له أكل العيش.
والذي يستقل سيارة أجرة وهو قادر على السير، أو يجلس على ( القهوة ) كل يوم ليمسح حذاءه وهو قادر على أن يمسحه بنفسه، هذه كلها ألوان من الترف بالنسبة لك، لكنها ضرورة لغيرك، فلا يسمى هذا إسرافا.
وقوله تعالى : ﴿ وكان بين ذلك قواما٦٧ ﴾( الفرقان ) أي :بين الإسراف والتقتير ﴿ قواما٦٧ ﴾( الفرقان ) يعني :وسطا أي :أن الإنفاق وسط بين طرفين، وقوام الشيء :ما به يقوم، والحياة كلها تقوم على عملية التوسط بين الإسراف والتقتير.
وأذكر ونحن تلاميذ كانوا يعلموننا نظرية الروافع، وكيف نوسط مركزا على عصا من الخشب، بحيث تساوي الذراعات، وسيكونان سواء، لا تميل إحداهما بالأخرى، وإذا أرادت إحداهما أن تميل قاومتها الأخرى، كأنها تقول لها :نحن هنا. فإذا ما علقت ثقلا بأحد الذراعين لزمك أن تطيل الأخرى لتقاوم هذا الثقل.
وروي عبد الملك بن مروان٤ لما أراد أن يزوج ابنته فاطمة من عمر بن عبد العزيز اختبره بهذا السؤال ليعرف ميزانه في الحياة :يا عمر، ما نفقتك ؟ قال :يا أمير المؤمنين، نفقتي حسنة بين سيئتين٥، ثم تلا هذه الآية : ﴿ والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما٦٧ ﴾( الفرقان ).
فعلم الخليفة أن زوج ابنته يسير سيرا يضمن له ولزوجته مقومات الحياة، ويضمن كذلك المقومات العليا للنفس وللمجتمع.
وسبق أن ذكرنا أن الإنسان الذي ينفق كل دخله لا يستطيع أن يرتقي بحياته وحياة أولاده ؛ لأنه أسرف في الإنفاق، ولم يدخر شيئا ليبني مثلا بيتا، أو يشتري سيارة... الخ.
ومصيبة المجتمع أعظم في حال التقتير، فمصلحة المجتمع أن تنفق، وأن تدخر، كما قال سبحانه : ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط... ٢٩ ﴾( الإسراء ).
وهكذا جعل الله لنا ميزانا بين الإسراف والتقتير ؛ ذلك لأن المال قوام الحياة، والذي يقتر يقتر على نفسه وعلى الناس، فليست له مطلوبات يشتريها، ويشارك بها في حركة الحياة، وينتفع بها غيره، فهذه السلع وهذه الصناعات وهؤلاء العمال، وأهل الحرف من أين يرتزقون إذن وليس هناك استهلاك ورواج لسلعهم ؟ لا شك أن التقتير يحدث كسادا، ويحدث بطالة، وهما من أشد الأمراض فتكا بالمجتمع.
ولو نظرت إلى رغيف العيش، وهو أبسط ضروريات الحياة، كم وراءه من عمال وصناع وزراع ومهندسين ومطاحن ومخازن ومصانع وأفران، وهب أنك أحجمت مثلا عنه، ماذا يحدث ؟.
إذن :ربك يريدك أن تنفق شيا، وتدخر شيئا يتيح لك تحقيق ارتقاءات حياتك وطموحاتها ؛ لذلك ختمت الآية السابقة بقوله تعالى : ﴿ فتقعد ملوما محسورا٢٩ ﴾( الإسراء ).
ملوم النفس لما بددت من أموال لم ينتفع بها عيالك، ومحسورا حينما ترى غيرك ارتقى في حياتك وأنت لم تفعل شيئا، إذن :فالإنسان ملوم إن أسرف، محسور إن قتر، والقوام في التوسط بين الأمرين، وبالحسنة بين السيئتين، كما قال عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، ولذلك قالوا :خير الأمور الوسط.
١ هو: عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي: شاعر، كان من أحسن الناس خلقا، وكان طويلا جسيما، وهو جد عمر بن عبد العزيز لأمه. ولد٦ هـ، وتوفى بالربذة عام ٧٠هــ عن ٦٥عاما. (الأعلام للزركلي ٣/٢٤٨).
٢ خلق الثوب خلوقا: بلى، وشيء خلق: بال.(لسان العرب- مادة:خلق). ومقصود عمر رضي الله عنه أن لا يطرح ابنه ثوبا إلا إذا أصبح قديما باليا..
٣ ذكره القرطبي في تفسيره(٧/٤٩٥١)، وفيه"ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم" وقد كان عمر بن الخطاب قدوة لابنه في هذا، فقد أخرج أبو نعيم في الحلية (١/٥٣) أن الحسن البصري قال: خطب عمر بن الخطاب وهو خليفة وعليه إزار فيه ثنتي عشرة رقعة..
٤ هو: أبو الوليد الأموي، من أعاظم الخلفاء ودهاتهم، ولد في المدينة ٢٦ هـ ونشأ به فقيها واسع العلم متعبدا، استعمله معاوية على المدينة وهو ابن ١٦سنة، عربت في أيامه الدواوين، وضبطت الحروف بالنقط والحركات وهو أول من صك الدنانير في الإسلام ونقش بالعربية عليها. توفي ٨٦ هـ عن ٦١ عاما. (الأعلام٤/١٦٥)..
٥ ذكره القرطبي في تفسيره (٧/٤٩٥١)..
ثم يقول الحق سبحانه١ :
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما٦٨ ﴾
وهنا قد يسأل سائل :أبعد كل هذه الصفات لعباد الرحمن ننفي عنهم هذه الصفة﴿ لا يدعون مع الله إلها آخر... ٦٨ ﴾( الفرقان ) وهم ما اتصفوا بالصفات السابقة إلا لأنهم مؤمنون بالإله الواحد سبحانه ؟ قالوا :هذه المسألة عقيدة وأساس لا بد للقرآن أن يكررها، ويهتم بالتأكيد عليها.
ومعنى : ﴿ لا يدعون مع الله إلها آخر... ٦٨ ﴾( الفرقان ) أي :لا يدعون أصحاب الأسباب لمسبباتهم، وهذا هو الشرك الخفي. ومنه قولهم :توكلت على الله وعليك. فنقول له، انتبه ليس علي شيء، الأمر كله على الله. فقل :توكلت على الله. وإن أردت فقل :ثم عليك٢.
ونسمع آخر يقول للأمر الهام :هذا علي، والباقي على الله، فجعل الأصل المهم لنفسه، وأسند الباقي لله، أيليق هذا والمسألة كلها أصلها وفروعها على الله ؟
إذن :يمكن أن تكون هذه الآية للمفتونين في الأسباب الذين ينتظرون منها العطاء، وينسون المسبب سبحانه، وهذا هو الشرك الخفي.
ثم يقول سبحانه : ﴿ ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق... ٦٨ ﴾( الفرقان ) سبق أن تحدثنا عن الفرق بين الموت والقتل، وقلنا :إن كليهما تذهب به الحياة، لكن في الموت تذهب الحياة أولا، ثم تنقض البنية بعد ذلك، أما في حالة القتل فتنقض البنية أولا، ثم يتبعها خروج الروح. فالموت- إذن- بيد الله عز وجل، أما القتل فقد يكون بيد البشر.
وهنا نهي صريح عن هذه الجريمة ؛ لأنه " ملعون من يهدم بنيان الله " ويقضي على الحياة التي وهبها الله تعالى لعباده.
وقوله تعالى : ﴿ إلا بالحق... ٦٨ ﴾( الفرقان ) أي :حق يبيح القتل كرجم الزاني حتى الموت، وكالقصاص من القاتل، وكقتل المرتد عن دينه، فإن قتلنا هؤلاء فقتلهم بناء على حق استوجب قتلهم.
فإن قال قائل :فأين حرية الدين إذن ؟ نقول :أنت حر في أن تؤمن أو لا تؤمن، لكن أعلم أولا أنك إن ارتددت عن إيمانك قتلناك، فإياك أن تدخل في ديننا إلا بعد اقتناع تام حتى لا تعرض نفسك لهذه العاقبة.
وهذا الشرط يمثل عقبة وحاجزا أمام من أراد الإيمان ويجعله يفكر مليا قبل أن ينطق بكلمة الإيمان ويحتاط لنفسه، إذن :فربك عز وجل ينبهك أولا، ويشترط عليك، وليس لأحد بعد ذلك أن يقول :أين حيرة الدين ؟.
وقوله تعالى : ﴿ ولا يزنون... ٦٨ ﴾( الفرقان ) تحدثنا عن هذه المسألة في أول سورة النور وقلنا :إن الإنسان الذي كرمه الله وجعله خليفة له في أرضه أراد له الطهر والكرامة، وأن يسكن الدنيا على مقتضى قانون الله، فلا يدخل في عنصر الخلافة شيئا يخالف هذا القانون ؛ لأن الله تعالى يريد أن يبني المجتمع المؤمن على الطهر ويبنيه على عناية المربى بالمربي.
لذلك تجد الرجل يعتني بولده مطعما ومشربا وملبسا ويفديه بنفسه، لماذا ؟ لأنه ولده من صلبه ومحسوب عليه، أما إن شك في نسب ولده إليه فإنه يهمله، وربما فكر في الخلاص منه، وإن ربي مثل هذا ربي لقيطا لا أصل له، وهذا لا يصلح لخلافة الله في أرضه، ولا لأن يحمل هذا الشرف.
وهذا يدل على أن الفطرة السليمة تأبى أن يوجد في كون الله شخص غير منسوب لأبيه الحق، من هنا نهى الإسلام عن الزنا، وجعل من صفات عباد الرحمان أنهم لا يزنون.
﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاما٦٨ ﴾( الفرقان ) أثاما مثل :نكالا وزنا ومعنى، والآثام :عقوبة الإثم والجزاء عليه.
١ سبب نزول الآية: عن عبد الله بن مسعود قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم:أي الذنب أكبر؟ قال: أن تجعل الله ندا وهو خلقك. قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك. قال عبد الله: وأنزل الله تصديق ذلك: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر....٦٨﴾(الفرقان). أورده ابن كثير في تفسيره (٣/٣٢٦)، والقرطبي في تفسيره (٧/٤٩٥٢)، والواحدي في أسباب النزول (ص ١٩٢). والحديث في الصحيحين البخاري ومسلم أصحاب السنن..
٢ أخرج ابن ماجة في سننه (٢١١٧) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال قال صلى الله عليه وسلم "إذا حلف أحدكم فلا يقل: ما شاء وشئت، ولكن ليقل: ما شاء الله ثم شئت"..
﴿ يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا٦٩ ﴾ :
كيف نفهم مضاعفة العذاب في هذه الآية مع قوله تعالى في آية أخرى : ﴿ وجزاء سيئة سيئة مثلها... ٤٠ ﴾( الشورى ).
ويقول سبحانه : ﴿ من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون١٦٠ ﴾( الأنعام ).
الحقيقة لا يوجد تناقض بين آيات القرآن الكريم، فالذي يرتكب هذه الفعلة يكون أسوة في المجتمع تجرئ الغير على ارتكاب هذه الجريمة ؛ لذلك عليه وزره كفاعل أولا، وعليه وزر من اقتدى به.
كما جاء في قوله تعالى حكاية عن الكافرين : ﴿ إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون٢٣ ﴾( الزخرف ) إذن :فوجود الآباء كقدوة للشر يزيد من شر الأبناء، فكأنهم شركاء فيه.
لذلك يقول تعالى في موضع آخر : ﴿ ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم... ٢٥ ﴾( النحل ).
وقال : ﴿ وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم... ١٣ ﴾( العنكبوت ).
الوزر الأول لضلالهم في ذاته، والوزر الآخر ؛ لأنهم أضلوا غيرهم، هذا هو المراد بمضاعفة العذاب.
وقوله تعالى : ﴿ ويخلد فيه مهانا٦٩ ﴾( الفرقان ) معنى( مهانا ) :حينما وصف القرآن العذاب وصفه مرة بأنه أليم، ومرة عظيم، ومرة مهين. فالذي ينظر إلى إيلام الجوارح يقول :هذا عذاب أليم ؛ لأنه يؤلم كل حاجة فيه، فالعذاب أمر حسي، أما الإهانة فأمر معنوي، ومن الناس من تؤلمه كلمة تنال من كرامته، ومنهم من يضرب فلا يؤثر فيه.
والخالق- عز وجل- خلق الناس وعلم أزلا أنهم أبناء أغيار، ليس معصوما منهم إلا الرسل، إذن :فالسيئة محتملة منهم.
ومن تمام رحمته تعالى بربوبيته أن فتح باب التوبة لعباده، لمن أسرف منهم على نفسه في شيء ؛ لأن صاحب السيئة إن يئس من المغفرة استشرى خطره وزاد فساده، لكن إن فتحت له باب التوبة والمغفرة عاد إلى الجادة، واستقام على الطاعة، وفي هذا رحمة بالمجتمع كله.
يقول تعالى :
﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما٧٠ ﴾ :
فربكم كريم ورحيم، فإن قدمتم العمل الصالح واشتد ندمكم على ما فات منكم من معصية يبدل سيئاتكم حسنات.
وللتوبة أمران :مشروعيتها من الله أولا، وقبولها من صاحبها ثانيا، فتشريعها فضل، وقبولها فضل آخر ؛ لذلك يقول سبحانه : ﴿ ثم تاب عليهم ليتوبوا... ١١٨ ﴾( التوبة ) والمعنى :تاب عليهم بأن شرع لهم التوبة حتى لا يستحوا من الرجوع إلى الله.
وقوله تعالى : ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا... ٧٠ ﴾( الفرقان ) تاب وآمن لمن عمل معصية تخرجه عن الإيمان، فالعاصي لم يقارف المعصية إلا في غفلة عن إيمانه، كما جاء في الحديث الشريف :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن " ١.
ولو استحضر العاصي جلال ربه ما عصاه، ولتضخمت عنده المعصية فانصرف عنها، وما دام قد غاب عنه إيمانه فلا بد له من تجديده، ثم بعد ذلك يوظف هذا الإيمان في العمل الصالح.
﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا... ٧٠ ﴾( الفرقان ) فالجزاء ﴿ فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات... ٧٠ ﴾( الفرقان ) وليس المراد أن السيئة تبدل فتصير حسنة مباشرة، إنما يرفع العبد السيئة ويحل محلها التوبة، وبعد التوبة يضع الله له الحسنة.
وقد أطمعت رحمة الله ومغفرته بعض الناس، حتى قال الشاعر :
مولاي إني قد عصيتك عامدا لأراك أجمل ما تكون غفورا
ولقد جنيت من الذنوب كبارها ضنا بعفوك أن يكون صغيرا
حتى وصل الحال ببعضهم أن يستكثر من السيئة طمعا في أن تبدل حسنات، لكن من يضمن له أن يعيش إلى أن يتوب، أو أنه إن تاب قبل الله منه ؟.
والعلة النفسية التي تكلم عنها العلماء في هذه المسألة أن الذي ابتعد عن المعصية فلم يقع في شراكها لم يدرك لذة الشهوة، فلا تأتي على باله، أما من خاض فيها، وذاق لذتها، وأسرف فيها على نفسه فيعاني كثيرا حينما يحجز نفسه وينأى بها عن معصية الله، فهذه المعاناة هي التي جعلت له هذه المنزلة.
١ حديث متفق عليه. أخرجه البخاري في صحيحه(٢٤٧٥)، وكذا مسلم في صحيحه (٥٧) كتاب الإيمان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
﴿ ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ٧١ ﴾
معنى﴿ يتوب إلى الله متابا٧١ ﴾( الفرقان ) يعني :توبة نصوحا، لا عودة بعدها إلى المعصية، لا يرجع في توبته كالمستهزئ بربه، يقول :أفعل كذا ثم أتوب. وكلمة﴿ متابا٧١ ﴾( الفرقان ) تعني :العزم ساعة أن يتوب ألا يعود، والخطر في أن يقدم العبد على الذنب بوجود التوبة، فقد يقبض في حال المعصية، وقبل أن يمكنه التوبة١.
١ قال القفال: يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ولهذا قال﴿إلا من تاب وآمن...٧٠﴾(الفرقان)ثم عطف عليه من تاب من المسلمين وأتبع توبته عملا صالحا، فله حكم التائبين أيضا. (تفسير القرطبي٧/٤٩٥٦)..
ثم تذكر الآيات خصلة أخرى من خصال عباد الرحمن :
﴿ والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما٧٢ ﴾
الزور :الشيء الكذب، ويزور في الشهادة. أي :يثبت الحق لغير صاحبه، لكن نلاحظ أن الآية لم تقل :والذين لا يشهدون بالزور، مما يدل على أن للآية معنى أوسع من النطق بقول الزور في مجال التقاضي، حيث تقول عن القاضي :فلان فعل وهو لم يفعل.
فللشهادة معنى آخر :أي :لا يحضرون الزور، والزور كل ما خالف الحق، ومنه قوله تعالى في شهر رمضان : ﴿ فمن شهد منكم الشهر فليصمه... ١٨٥ ﴾( البقرة ).
فمعنى﴿ لا يشهدون الزور... ٧٢ ﴾( الفرقان ) أي :لا يحضرون الباطل في أي لون من ألوانه قولا أو فعلا أو إقرارا، وكل ما خالف الحق.
لذلك يقول الحق سبحانه في موضع آخر : ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ٥٥ ﴾( القصص ).
ويقول سبحانه : ﴿ وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ٦٨ ﴾( الأنعام )
وقال تعالى : ﴿ وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره... ١٤٠ ﴾( النساء ).
ومعلوم أن قول الزور والشهادة بغير حق تقلب الحقائق وتضر بالمجتمع ؛ لأنك حين تشهد بالزور تأخذ الحق من صاحبه وتعطيه لغيره، وهذا يؤدي إلى تعطل حركة الحياة، وتجعل الإنسان لا يأمن على ثمار تعبه وعرقه، فيحجم الناس عن السعي والعمل ما دامت المسألة زورا في النهاية.
لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم متكئا فجلس، فما زال يكررها حتى قلنا :ليته سكت " ١.
لماذا ؟ لأن شهادة الزور تهدم كل قضايا الحق في المجتمع.
ثم يقول سبحانه : ﴿ وإذا مروا باللغو مروا كراما٧٢ ﴾( الفرقان ) اللغو :هو الذي يجب في عرف العاقل أن يلغي ويترك، وهو الهراء الذي لا فائدة منه ؛ لذلك قال فيمن يتركه﴿ مروا كراما٧٢ ﴾( الفرقان ) والكرام يقابلها اللئام، فكأن المعنى :لا تدخل مع اللئام مجال اللغو والكلام الباطل الذي يصادم الحق ليصرف الناس عنه.
ومن ذلك ما حكاه القرآن عن الكفار ليصرفوا الناس عن الاستماع لآيات الذكر : ﴿ لا تسعوا لهذا القرآن والغوا فيه... ٢٦ ﴾( فصلت ).
يعني :شوشوا عليه حتى لا يتمكن الناس من سماعه، وهذه شهادة منهم بأنهم لو تركوا آذان الناس على طبيعتها وسجيتها فسمعت القرآن، فلا بد أن ينفعوا به، وأن يؤمنوا به، ولو لم يكن للقرآن أثر في النفوس ما قالوا هذه المقولة.
وقولهم : ﴿ والغوا فيه... ٢٦ ﴾( فصلت ) يعني :وإن سمعتموه يقرأ فالغوا فيه، وشوشوا عليه، حتى لا يصل إلى الآذان، لماذا ؟ ألم يؤمن سيدنا عمر لما سمع آيات منه في بيت أخته فاطمة ؟ لكن لماذا أثر القرآن في عمر هذه المرة بالذات، وقد سمعه كثيرا فلم يتأثر به ؟
قالوا :لأن اللجج والعناد يجعل الإنسان يسمع غير سامع، أما سماع عمر هذه المرة، فكان بعد أن ضرب أخته فشجها، وسال منها الدم، فحرك فيه عاطفة الأخوة وحنانها، ونفض عنه الكبرياء والعناد واللجاج، فصادف القرآن منه نفسا صافيا، وقلبا خاليا من اللدد للإسلام فأسلم.
ألا ترى الكفار يقول بضعهم لبعض عند سماع القرآن- كما حكاه القرآن : ﴿ ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا... ١٦ ﴾( محمد ).
يعني :ما معنى ما يقول، أو :ما الجديد الذي جاء به، وهذا على وجه التعجب منهم. فيرد القرآن : ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى... ٤٤ ﴾( فصلت ).
إذن :فالقرآن واحد، لكن المستقبل له مختلف :هذا استقبله بنفس صافية راضية، وهذا استقبله بلدد٢ وقلب مغلق، فكأنه لم يسمع، فالمسألة مسألة فعل وقابل للفعل، وسبق أن مثلنا لذلك بمن ينفخ في يده أيام البرد والشتاء بقصد التدفئة، وينفخ في كوب الشاي مثلا بقصد التبريد، فالفعل واحد، لكن المستقبل مختلف.
١ أخرجه مسلم في صحيحه (٨٧) كتاب الإيمان، وأحمد في مسنده(٥/٣٧)، والترمذي في سننه (٣٠١٩) من حديث أبي بكر نفيع بن الحارث، قال الترمذي هذا حديث حسن غريب صحيح..
٢ اللدد: الخصومة الشديدة والألد: الشديد الخصومة الجدل.(لسان العرب- مادة: لدد)..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ٧٣ ﴾
قوله تعالى ﴿ ذكروا... ٧٣ ﴾( الفرقان ) لا تقال إلا إذا كان المقابل لك الذي تذكره عنده إلف بالذكر، وعنده علم به، والآيات التي تذكر بها لها قدوم أول، ولها قدوم ثان :القدوم الأول، هو الإعلان الأول بها، والقدوم الثاني :حين تنسى نذكرك بها.
وسبق أن قلنا :إن الآيات تطلق على معان ثلاثة :إما آيات كونية تلفت النظر إلى قدرة الله تعالى، وأنه صانع حكيم... الخ، وإما آيات معجزات جاءت لتأييد الرسل وإثبات صدقهم في البلاغ عن الله، وإما آيات الذكر الحكيم، والتي تسمى حاملة الأحكام، وهي تنبه من الغفلة، وتذكر الناس.
فالمعنى﴿ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم... ٧٣ ﴾( الفرقان ) أي :في القرآن الكريم : ﴿ لم يخروا عليها صما وعميانا٧٣ ﴾( الفرقان ) لم يخروا :الخر :هو السقوط بلا نظام وبلا ترتيب.
كما جاء في قوله تعالى : ﴿ فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم... ٢٦ ﴾( النحل ) فالسقف إن خر يخر بلا نظام وبلا ترتيب.
ومنه قوله تعالى في صفات المؤمنين : ﴿ ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا١٠٨ ويخرون للأذقان يبكون... ١٠٩ ﴾( الإسراء ) لأنهم يخرون بانفعال قسري، ينشأ من سماع القرآن.
إذن :حين يذكروا بآيات الله لم يخروا عليها صما وعميانا، إنما يخرون وهم مصغون تمام الإصغاء، ومبصرون تمام الإبصار.
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما٧٤ ﴾
هذه صفة أخرى من صفات عباد الرحمن، يطلبون فيها أمرين ﴿ ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين... ٧٤ ﴾( الفرقان ) والذرية لا تأتي إلا بعد الزواج ؛ لذلك جاء الدعاء للأزواج، ثم للذرية.
وكلمة﴿ قرة... ٧٤ ﴾( الفرقان ) تستعمل بمعنيين، وفي اللغة شيء يسمونه ( عامل اشتقاق ) يعني :يشتق اللفظ من معنى عام، وقد يختلف معناه، لكن في النهاية يلتقيان على معنى واحد.
وكلمة( قرة ) تأتي بمعنى اللزوم والثبات، من قر في المكان يعني :لزمه وثبت فيه، وتأتي بمعنى السرور ؛ والقر يعني أيضا :شدة البرودة، كما جاء في قول الشاعر :
أوقد فإن الليل ليل قر والريح ما غلام ريح صر
عل أن يرى نارك من يمر إن جلبت ضيفا فأنت حر
فالقر :البرد، والقرور :السكون، والعين الباردة :دليل السرور، والعين الساخنة دليل الحزن والألم، على حد قول الشاعر :
فأما قلوب العاشقين فأسخنت وأما قلوب العازلين١ فقرت
لذلك يكنون ببرودة العين عن السرور، و بسخونتها عن الحزن، يقولون :رزقني الله ولدا قرت به عيني، ويقولون :أسخن الله عين فلان يعني :أصابه بحزن تغلي منه عينه.
ولأن العين جوهرة غالية في جسم الإنسان فقد أحاطها الخالق –عز وجل- بعناية خاصة، وحفظ لها في الجسم حرارة مناسبة تختلف عن حرارة الجسم التي تعتدل عند ٣٧، فلو أخذت العين هذه الدرجة لانفجرت.
ومن عجيب قدرة الله تعالى أن تكون حرارة العين تسع درجات، وحرارة الكبد أربعين، وهما في جسم واحد.
فالمعنى﴿ قرة أعين... ٧٤ ﴾( الفرقان ) يعني :أجعل لنا من أزواجنا ما نسر به، كما جاء في الحديث الشريف عن صفات الزوجة الصالحة :" ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله خيرا له من زوجة صالحة :إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله " ٢.
وهب لنا من ذريتنا أولادا ملتزمين بمنهج الله، لا يحيدون عنه، ولا يكلفوننا فوق ما نطيق في قول أو فعل ؛ لأن الولد إن جاء على خلاف هذه الصورة كان مصيبة كبرى لوالديه، بدليل أن الرجل قد يسرف على نفسه بأنواع المعاصي، وقد يقصر في حق الله، لكن يحزن إن فعل ولده مثل فعله.
فالأب قد لا يصلي، لكن يحث ولده على الصلاة، ويفرح له إن صلى واستقام، لماذا ؟ لأنه يريد أن يرى وأن يعوض ما فاته من الخير والجمال في ابنه، ولا يحب الإنسان أن يرى غيره أحسن منه إلا ولده ؛ لأنه امتداده وعوضه فيما فات.
وإن أخذنا ﴿ قرة أعين.... ٧٤ ﴾( الفرقان ) على أنها بمعنى الاستقرار والثبات، فالمعنى أن تكون الزوجة على خلق وأدب وجمال، بحيث ترضي الزوج، فلا تمتد عينه إلى غيرها، وتسكن عندها لأنها استوفت كل الشروط، ومن ذلك قوله تعالى : ﴿ لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم... ٨٨ ﴾( الحجر ).
وكذلك إن وجد صفات الخير والأدب والجمال في أولاد بحيث لا تمتد عينه إلى أكثر من ذلك ؛ لأنه يرى في أولاده كل تطلعاته، وكل ما يتمناه، فلا يتطلع إلى غيرهم ؛ لذلك حين يمدحون، يقولون :فلان لم يعد عنده تطلعات، لماذا ؟ لأنه حقق كل ما يريد.
ويقولون في المدح أيضا :فلان هذا قيد النظر، يعني :حين تراه تسكن عنده عينك، ولا تتحول عنه لجماله وكمال صفاته.
والولد حين يكون على هذه الصورة، يريح والديه في الدنيا وفي الآخرة ؛ لأنه ولد صالح لا ينقطع بره بوالديه لموتهما، إنما يظل بارا بهما حتى بعد الموت فيدعو لهما. وفي الآخرة يجمعهم الله جميعا في مستقر رحمته : ﴿ والذين آمنوا واتبعهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم.... ٢١ ﴾( الطور ).
وهكذا كله في الأزواج وفي الأولاد هبة ومنحة من الله.
ونلحظ أن بعض الأزواج يعيشون مع أزواجهم على مضض، وربما على كره تحملهم عليه ظروف الحياة والأولاد واستقرار الأسرة، فإن قلت للزوج :إن زوجتك ستكون معك في الجنة يقول :كيف، حتى في الآخرة ؟ ! وهو لا يعلم أن الله تعالى سيطهرها من الصفات التي كرهها منها في الدنيا.
قال سبحانه : ﴿ للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة٣... ١٥ ﴾( آل عمران ).
ويقول سبحانه : ﴿ إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون٥٥ هم وأزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون٥٦ ﴾( يس ).
وقوله تعالى : ﴿ واجعلنا للمتقين إماما٧٤ ﴾( الفرقان ) نلحظ أن الدعوة هنا جماعية، ومع ذلك لم يقل أئمة، وذكر إماما بصيغة المفرد، فلماذا ؟.
قالوا :لأنه تعالى ينبهنا إلى أن الإمام هو الذي يسير على وفق منهج الله ولا يحيد عنه ؛ لذلك إن تعددت الأئمة فهم جميعا في حكم إمام واحد ؛ لأنهم يصدرون عن رب واحد، وعن منهج واحد لا تحكمهم الأهواء فتفرقهم كالأمراء مثلا. فجمعهم في القول من كل منهم على حدة ووحدهم في الإمامة.
١ عزل الشيء يعزله فاعتزله: نحاه جانبا فتنحي.(لسان العرب –مادة:عزل) أي: أنهم عزلوا قلوبهم عن العشق والحق والوصال فاستراحت واستقرت قلوبهم..
٢ أخرجه ابن ماجة في سننه (١٨٥٧) من حديث أبي أمامة رضي الله عنه، قال البوصيري في زوائده:"في إسناده على بن يزيد. قال البخاري: منكر الحديث. وعثمان ابن أبي العاتكة مختلف فيه. والحديث رواه النسائي من حديث أبي هريرة وسكت عليه. وله شاهد من حديث ابن عمر "..
٣ قال ابن كثير في تفسيره(١/٣٥٢): "أي مطهرة من الدنس والخبث والأذى والحيض والنفاس وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا". ونقل ابن منظور في لسان العرب(مادة: طهر) قول أبي إسحاق في معنى هذه الكلمة في الآية: "معناه أنهن لا يحتجن إلى ما يحتاج إليه نساء أهل الدنيا بعد الأكل والشرب، ولا يحضن ولا يحتجن إلى ما يتطهر به، وهن مع ذلك طاهرات طهارة الأخلاق والعفة، فمطهرة تجمع الطهارة كلها لأن مطهرة أبلغ في الكلام من طاهرة"..
ثم يقول الحق سبحانه عن جزاء عباد الرحمن :
﴿ أولئك يجزون الغرفة ١ بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما٧٥ ﴾
﴿ أولئك.... ٧٥ ﴾( الفرقان ) خبر عن عباد الرحمن الذين تقدمت أوصافهم، فجزاؤهم ﴿ يجزون الغرفة.... ٧٥ ﴾( الفرقان ) وجاءت الغرفة مفردة مع أنهم متعددون، يحتاج كل منهم إلى غرفة خاصة به.
قالوا ؛ لأن الغرفة هنا معناها المكان العالي الذي يشتمل على غرفات، كما قال تعالى : ﴿ إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون ٣٧ ﴾( سبأ )
وهذا الجزاء نتيجة﴿ بما صبروا... ٧٥ ﴾( الفرقان ) صبروا على مشاق الطاعات، وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذه المسألة بقوله :" حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات " ٢.
فالجنة تستلزم أن أصبر على مشاق الطاعات، وأن أقدر الجزاء على العمل، وأستحضره في الآخرة، فإن ضقت بالطاعات وكذبت بجزاء الآخرة، فلم العمل إذن ؟.
ومثلنا لذلك بالتلميذ الذي يجد ويجتهد في دروسه، لأنه يستحضر يوم الامتحان ونتيجته، وكيف سيكون موقفه في هذا اليوم، إذن :لو استحضر الإنسان الثواب على الطاعة لسهلت عليه وهانت عليه متاعبها، ولو استحضر عاقبة المعصية وما ينتظره من جزائها لابتعد عنها.
فالتكاليف الشرعية تستلزم الصبر، كما قال تعالى : ﴿ واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين ٤٥ ﴾( البقرة ).
فالحق- تبارك وتعالى- يريد منا ألا نعزل التكاليف عن جزائها، بل ضع الجزاء نصب عينيك قبل أن تقدم على العمل.
لذلك النبي صلى الله عليه وسلم يسأل أحد صاحبته :" كيف أصبحت يا حارثة٣ " فيقول :أصبحت مؤمنا حقا، فقال : " إن لكل حق حقيقة، فما حقيقة إيمانك " ؟.
قال :عزفت نفسي عن الدنيا، حتى استوى عندها ذهبها ومدرها٤، وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة ينعمون، وإلى أهل النار في النار يعذبون.
فالمسألة –إذن- في نظرهم لم تكن غيبا، إنما مشاهدة، كأنهم يرونها من شدة يقينهم بها ؛ لذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم :" عرفت فالزم " ٥
والإمام علي-كرم الله وجهه- يقول :لو كشف عني الحجاب ما ازددت يقينا. لماذا ؟ لأنه بلغ من اليقين إلى حد العلم والمشاهدة.
ثم يقول تعالى : ﴿ ويلقون فيها تحية وسلاما٧٥ ﴾( الفرقان ).
التحية :أن نقوله له :إننا نحييك يعني :نريد حياتك بأنسك بنا، والسلام :الأمان والرحمة، لكن ممن يكون السلام ؟ ورد السلام في القرآن الكريم بمعان ثلاثة :سلام من الله، كما في قوله تعالى : ﴿ سلام قول من رب رحيم ٥٨ ﴾( يس ).
وسلام من الملائكة : ﴿ والملائكة يدخلون عليهم من كل باب٢٣ سلام عليكم... ٢٤ ﴾( الرعد ).
وسلام من أهل الأعراف، وهم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فلم يدخلوا الجنة، ولم يدخلوا النار وهؤلاء يقولون : ﴿ وعلى الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون٤٦ ﴾( الأعراف )
إذن :فعباد الرحمن يلقون في الجنة سلاما من الله، وسلاما من الملائكة، وسلاما من أهل الأعراف.
١ الغرفة: الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها، كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا. حكاه ابن شجرة. وقال الضحاك: الغرفة الجنة.(ذكره القرطبي ٧/٤٩٦١)..
٢ أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٣/١٥٣-٢٥٤)، ومسلم في صحيحه(٢٨٢٢)، والترمذي في سننه (٢٥٥٩)من حديث أنس رضي الله عنه..
٣ هو: الحارث بن مالك الأنصاري، انظر ترجمته في كتاب "الإصابة في تمييز الصحابة- ١٤٧٥)لابن حجر العسقلاني، وقد ذكر روايات كثيرة لحديثه هذا..
٤ المدر: قطع الطين اليابس.(لسان العرب- مادة:مدر)..
٥ أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (١/٥٧) وعزاه للطبراني في الكبير، وقال: "فيه ابن لهيعة وفيه من يحتاج إلى الكشف عنه"..
ثم يقول الحق سبحانه :
﴿ خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما ٧٦ ﴾
وسبق أن قال تعالى عن النار﴿ ساءت مستقرا ومقاما٦٦ ﴾( الفرقان ) لأنها قبيحة، ومقابلها هنا﴿ حسنت.... ٧٦ ﴾( الفرقان ) والمستقر :مكان الإقامة العابرة غير الدائمة، والمقام :مكان الإقامة الدائمة، ومعلوم أن من يدخل الجنة يقيم فيها إقامة أبدية دائمة.
أما من يدخل النار فقد يخرج منها، إن كان مؤمنا. فكيف قال عن كل منهما :مستقرا ومقاما ؟
قالوا :لأنهم ساعة يأتيهم نعيم وجزاء نقول لهم :ليس هذا النعيم الدائم، فالمستقر في نعمة واحدة، إنما المقام في نعم أخرى كثيرة مترقية مستعلية، لدرجة أن الكمالات في عطاء الله لا تتناهى.
ثم ينهي الحق سبحانه سورة الفرقان بقوله تعالى :
﴿ قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما٧٧ ﴾
بعد أن تحدث الحق –تبارك وتعالى- عن عباد الرحمن، وذكر أوصافهم وجزاءهم توجه إلى الآخرين الذين لم يتصفوا بهذه الصفات، ولن ينالهم شيء من هذا النعيم، يقول لهم :إياكم أن تظنوا أن الله تعالى سيبالي بكم، أو يهتم، أو يكون في معونتكم ؛ لأن الله تعالى لا يبالي إلا بعباده الذين عبدوه حق العبادة، وأطاعوه حق الطاعة، وأنتم خالفتم الأصل الأصيل من إيجاد الخلق، ولم تحققوا معنى الاستخلاف في الأرض الذي خلقكم الله تعالى من أجله.
فكما أنكم انصرفتم عن منهج الله ولم تعبئوا به ولم تعبدوه، ولم يكن على بالكم، فكذلك لا يعبأ الله بكم، ولن تكونوا على ذكر منه سبحانه، وسوف يهملكم.
وقوله تعالى : ﴿ لولا دعاؤكم... ٧٧ ﴾( الفرقان ) يعني :لولا عبادتكم، حيث إنها لم تقع ﴿ فقد كذبتم... ٧٧ ﴾( الفرقان ) أي :بالأصل الأصيل، وهو أنكم مخلوقون للعبادة ﴿ فسوف يكون لزاما ٧٧ ﴾( الفرقان ) كما لازمتم أنتم الكفر بي ولم تعبدوني وأصررتم على الكفر، كذلك يكون الجزاء من جنس العمل لزاما لكم، فلا يفارقكم أبدا.
السورة التالية
Icon