0:00
0:00

سورة الفرقان مكية وآيها سبع وسبعون آية.

﴿ بسم الله الرحمن الرحيم ﴾ ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ﴾ تكاثر خيره من البركة وهي كثرة الخير، أو تزايد على كل شيء وتعالى عنه في صفاته وأفعاله فإن البركة تتضمن معنى الزيادة، وترتيبه عن إنزاله ﴿ الفرقان ﴾ لما فيه من كثرة الخير أو لدلالته على تعاليه. وقيل دام من بروك الطير على الماء ومنه البركة لدوام الماء فيها، وهو لا يتصرف فيه ولا يستعمل إلا لله تعالى و﴿ الفرقان ﴾ مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بينهما سمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل بتقريره أو المحق والمبطل بإعجازه أو لكونه مفصولا بعضه عن بعض في الإنزال، وقرئ " على عباده " وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته كقوله تعالى : ﴿ وقد أنزلنا إليكم آيات ﴾ أو الأنبياء على أن ﴿ الفرقان ﴾ اسم جنس للكتب السماوية. ﴿ ليكون ﴾ العبد أو الفرقان. ﴿ للعالمين ﴾ للجن والإنس. ﴿ نذيرا ﴾ منذرا أو إنذارا كالنكير بمعنى الإنكار، هذه الجملة وإن لم تكن معلومة لكنها لقوة دليلها أجريت مجرى العلوم وجعلت صلة.
﴿ الذي له ملك السموات والأرض ﴾ بدل من الأول أو مدح مرفوع أو منصوب. ﴿ ولم يتخذ ولدا ﴾ كزعم النصارى. ﴿ ولم يكن له شريك في الملك ﴾ كقول الثنوية أثبت له الملك مطلقا ونفى ما يقوم مقامه وما يقاومه فيه ثم نبه على ما يدل عليه فقال : ﴿ وخلق كل شيء ﴾ أحدثه إحداثا مراعى فيه التقدير حسب إرادته كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة. ﴿ فقدره تقديرا ﴾ فقدره وهيأه لما أراد منه من الخصائص والأفعال، كتهيئة الإنسان للإدراك والفهم والنظر والتدبير واستنباط الصنائع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة إلى غير ذلك، أو ﴿ فقدره ﴾ للبقاء إلى أجل مسمى. وقد يطلق الخلق لمجرد الإيجاد من غير نظر إلى وجه الاشتقاق فيكون المعنى وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده حتى لا يكون متفاوتا.
﴿ واتخذوا من دونه آلهة ﴾ لما تضمن الكلام إثبات التوحيد والنبوة أخذ في الرد على المخالفين فيهما. ﴿ لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ﴾ لأن عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم. ﴿ ولا يملكون ﴾ ولا يستطيعون. ﴿ لأنفسهم ضرا ﴾ دفع ضر. ﴿ ولا نفعا ﴾ ولا جلب نفع. ﴿ ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا ﴾ ولا يملكون إماتة أحد وإحياءه أولا وبعثه ثانيا ومن كان كذلك فبمعزل عن الألوهية لعرائه عن لوازمها واتصافه بما ينافيها، وفيه تنبيه على أن الإله يجب أن يكون قادرا على البعث والجزاء.
﴿ وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك ﴾ كذب مصروف عن وجهه. ﴿ افتراه ﴾ اختلقه. ﴿ أعانه عليه قوم آخرون ﴾ أي اليهود فإنهم يلقون إليه أخبار الأمم وهو يعبر عنها بعبارته، وقيل جبر ويسار وعداس وقد سبق في قوله ﴿ إنما يعلمه بشر ﴾. ﴿ فقد جاءوا ظلما ﴾ بجعل الكلام المعجز ﴿ إفك ﴾ مختلفا متلقفا من اليهود. ﴿ وزورا ﴾ بنسبة ما هو بريء منه إليه وأتى وجاء يطلقان بمعنى فعل فيعديان تعديته.
﴿ وقالوا أساطير الأولين ﴾ ما سطره المتقدمون. ﴿ اكتتبها ﴾ كتبها لنفسه أو استكتبها. وقرىء على البناء للمفعول لأنه أمي وأصله :اكتتبها كاتب له، فحذف اللام وأفضى الفعل إلى الضمير فصار اكتتبها إياه كاتب ثم حذف الفاعل وبني الفعل للضمير فاستتر فيه. ﴿ فهي تملى عليه بكرة وأصيلا ﴾ ليحفظها فإنه أمي لا يقدر أن يكرر من الكتاب أو لتكتب.
﴿ قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والأرض ﴾ لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمنه أخبارا عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلى عالم الأسرار فكيف تجعلونه ﴿ أساطير الأولين ﴾. ﴿ إنه كان غفورا رحيما ﴾ فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبا.
﴿ وقالوا مال هذا الرسول ﴾ ما لهذا الذي يزعم الرسالة وفيه استهانة وتهكم. ﴿ يأكل الطعام ﴾ كما نأكل. ﴿ ويمشي في الأسواق ﴾ لطلب المعاش ما نمشي، والمعنى إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا، وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات فإن تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأحوال نفسانية كما أشار إليه تعالى بقوله ﴿ قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى إنما إلهكم إله واحد ﴾. ﴿ لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ﴾ لنعلم صدقة بتصديق الملك.
﴿ أو يلقى إليه كنز ﴾ فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش. ﴿ أو تكون له جنة يأكل منها ﴾ هذا على سبيل التنزل أي إن لم يلق إليه كنز فلا أقل من أن يكون له بستان كما للدهاقين والمياسير فيتعيش بريعه، وقرأ حمزة والكسائي بالنون والضمير للكفار. ﴿ وقال الظالمون ﴾ وضع ﴿ الظالمون ﴾ موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوه. ﴿ إن تتبعون ﴾ ما تتبعون. ﴿ إلا رجلا مسحورا ﴾ سحر فغلب على عقله، وقيل ذا سحر وهو الرئة أي بشرا لا ملكا.
﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ أي قالوا فيك الأقوال الشاذة واخترعوا لك الأحوال النادرة. ﴿ فضلوا ﴾ عن الطريق الموصل إلى معرفة خواص النبي والمميز وبينه وبين المتنبي فخبطوا خبط عشواء. ﴿ فلا يستطيعون سبيلا ﴾ إلى القدح في نبوتك أو إلى الرشد والهدى.
﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك ﴾ في الدنيا. ﴿ خيرا من ذلك ﴾ مما قالوا لكن أخره إلى الآخرة لأنه خير وأبقى. ﴿ جنات تجري من تحتها الأنهار ﴾ بدل من ﴿ خيرا ﴾. ﴿ ويجعل لك قصور ﴾ عطف على محل الجزاء، وقرأ ابن كثير وابن عامر وأبو بكر بالرفع لأن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع كقوله :
وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم
ويجوز أن يكون استئنافا بوعد ما يكون له في الآخرة، وقرئ بالنصب على أن جواب بالواو.
﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾ فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية وظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال فطعنوا فيك لفقرك، أو فلذلك كذبوك لا لما تمحلوا من المطاعن الفاسدة، أو فكيف يلتفتون إلى هذا الجواب ويصدقونك بما وعد الله لك في الآخرة، أو فلا تعجب من تكذيبهم إياك فإنه أعجب منه. ﴿ واعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا ﴾ نارا شديدة الاستعار، وقيل هو اسم لجهنم فيكون صرفه باعتبار المكان.
﴿ إذا رأتهم ﴾ إذا كانت بمرأى منهم كقوله عليه السلام " لا تتراءى ناراهما " أي لا تتقاربان بحيث تكون إحداهما بمرأى من الأخرى على المجاز والتأنيث لأنه بمعنى النار أو جهنم. ﴿ من مكان بعيد ﴾ هو أقصى ما يمكن أن يرى منه. ﴿ سمعوا لها تغيظا وزفيرا ﴾ صوت تغيظ، شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه، هذا وإن الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق الله فيها حياة فترى وتتغيظ وتزفر. وقيل إن ذلك لزبانيتها فنسب إليها على حذف المضاف.
﴿ وإذا ألقوا منها مكانا ﴾ في مكان ومنها بيان تقدم فصار حالا. ﴿ ضيقا ﴾ لزيادة العذاب فإن الكرب مع الضيق والروح مع السعة ولذلك وصف الله الجنة بأن عرضها كعرض السموات والأرض. ﴿ مقرنين ﴾ قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل. ﴿ دعوا هنالك ﴾ في ذلك المكان. ﴿ ثبورا ﴾ هلاكا أي يتمنون الهلاك وينادونه فيقولون تعال يا ثبوراه فهذا حينك.
﴿ لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا ﴾ أي يقال لهم ذلك. ﴿ وادعوا ثبورا كثيرا ﴾ لأن عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته، أو لأنه يتجدد لقوله تعالى ﴿ كلما نضجت جلودكم بدلناها جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور.
﴿ قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون ﴾ الإشارة إلى العذاب والاستفهام والتفضيل والترديد للتقريع مع التهكم أو إلى ال﴿ كنز ﴾ أو ال ﴿ جنة ﴾، والراجع إلى الموصول محذوف وإضافة ال﴿ جنة ﴾ إلى ﴿ الخلد ﴾ للمدح أو لدلالة على خلودها، أو التمييز على جنات الدنيا. ﴿ كانت لهم ﴾ في علم الله أو اللوح، أو لأن ما وعده الله تعالى في تحققه كالواقع. ﴿ جزاء ﴾ على أعمالهم بالوعد. ﴿ ومصيرا ﴾ ينقلبون إليه، ولا يمنع كونها جزاء لهم أن يتفضل بها على غيرهم برضاهم مع جواز أن يراد بالمتقين من يتقي الكفر والتكذيب لأنهم في مقابلتهم.
﴿ لهم فيها ما يشاءون ﴾ ما يشاؤونه من النعيم، ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبته إذ الظاهر أن الناقص لا يدرك شأو الكامل بالتشهي، وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة. ﴿ خالدين ﴾ حال من أحد ضمائرهم. ﴿ كان على ربك وعدا مسئولا ﴾ الضمير في ﴿ كان ﴾ ل ﴿ ما يشاؤون ﴾ والوعد الموعود أي :كان ذلك موعدا حقيقيا بأن يسأل ويطلب، أو مسؤولا سأله الناس في دعائهم ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾. أو الملائكة بقولهم ﴿ ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾، وما في ﴿ على ﴾ من معنى الوجوب لامتناع الخلف في وعده تعالى ولا يلزم منه الإلجاء إلى الإنجاز، فإن تعلق الإرادة بالوعود مقدم على الوعد الموجب للإنجاز.
﴿ ويوم نحشرهم ﴾ للجزاء، وقرئ بكسر الشين وقرأ ابن كثير ويعقوب وحفص بالياء. ﴿ وما يعبدون من دون الله ﴾ يعم كل معبود سواه تعالى، واستعمال ﴿ ما ﴾ إما لأن وضعه أعم ولذلك يطلق لكل شبح يرى ولا يعرف، أو لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبودهم أو لتغليب الأصنام تحقيرا أو اعتبار لغلبة عبادها، أو يخص الملائكة وعزيرا والمسيح بقرينة السؤال والجواب، أو الأصنام ينطقها الله أو تتكلم بلسان الحال كما قيل في كلام الأيدي والأرجل. ﴿ فيقول ﴾ أي للمعبودين وهو على تلوين الخطاب، وقرأ ابن عامر بالنون. ﴿ أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل ﴾ لإخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد النصيح، وهو استفهام تقريع وتبكيت للعبدة، وأصله ﴿ أأضللتم ﴾ أو ﴿ ضلوا ﴾ فغير النظم ليلي حرف الاستفهام المقصود بالسؤال وهو المتوالي للفعل دونه لأنه لا شبهة فيه وإلا لما توجه العتاب وحذف صلة الضل مبالغة.
﴿ قالوا سبحانك ﴾ تعجبا مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة أو أنبياء معصومون، أو جمادات لا تقدر على شيء أو إشعارا بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده فكيف يليق بهم إضلاله عبيده، أو تنزيها لله تعالى عن الأنداد. ﴿ ما كان ينبغي لنا ﴾ ما يصح لنا. ﴿ أن نتخذ من دونك أولياء ﴾ للعصمة أو لعدم القدرة فكيف يصح لنا أن ندعو غيرنا أن يتولى أحدا دونك، وقرئ ﴿ نتخذ ﴾ على البناء للمفعول من اتخذ الذي له مفعولان كقوله تعالى : ﴿ واتخذ الله إبراهيم خليلا ﴾ ومفعوله الثاني ﴿ من أولياء ﴾ و﴿ من ﴾ للتبعيض وعلى الأول مزيدة لتأكيد النفي. ﴿ ولكن متعتهم وآباءهم ﴾ بأنواع النعم فاستغرقوا في الشهوات. ﴿ حتى نسوا الذكر ﴾ حتى غفلوا عن ذكرك أو التذكر لآلائك والتدبر في آياتك، وهو نسبة للضلال إليهم من حيث إنه بكسبهم وإسناد له إلى ما فعل الله بهم فحملهم عليه، وهو عين ما ذهبنا إليه فلا ينتهض حجة علينا للمعتزلة. ﴿ وكانوا ﴾ في قضائك. ﴿ قوما بورا ﴾ هالكين مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه الواحد والجمع، أو جمع بائر كعائذ وعوذ.
﴿ فقد كذبوكم ﴾ التفات إلى العبدة بالاحتجاج والإلزام على حذف القول والمعنى فقد كذبكم المعبودون. ﴿ بما تقولون ﴾ في قولكم إنهم آلهة أو هؤلاء أضلونا والباء بمعنى في، أو مع المجرور بدل من الضمير، وعن ابن كثير بالياء أي : ﴿ كذبوكم ﴾ بقولهم ﴿ سبحانك ما كان ينبغي لنا ﴾. ﴿ فما يستطيعون ﴾ أي المعبودون وقرأ حفص بالتاء على خطاب العابدين. ﴿ صرفا ﴾ دفعا للعذاب عنكم، وقيل حيلة من قولهم إنه ليتصرف أي يحتال. ﴿ ولا نصرا ﴾ يعينكم عليه. ﴿ ومن يظلم منكم ﴾ أيها المكلفون. ﴿ ندقه عذابا كبيرا ﴾ هي النار والشرط وإن عم كل من كفر أو فسق لكنه في اقتضاء الجزاء مقيد بعدم المزاحم وفاقا، وهو التوبة والإحباط بالطاعة إجماعا وبالعفو عندنا.
﴿ وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ﴾ أي إلا رسلا إنهم فحذف الموصوف لدلالة المرسلين عليه وأقيمت الصفة مقامه كقوله تعالى : ﴿ وما منا إلا له مقام معلوم ﴾، ويجوز أن تكون حالا اكتفى فيها بالضمير وهو جواب لقومهم ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾. وقرىء ﴿ يمشون ﴾ أي تمشيهم حوائجهم أو الناس. ﴿ وجعلنا بعضكم ﴾ أيها الناس. ﴿ لبعض فتنة ﴾ ابتلاء ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء، والمرسلين بالمرسل إليهم ومناصبتهم لهم العداوة وإيذائهم لهم، وهو تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم على ما قالوه بعد نقضه، وفيه دليل على القضاء والقدر. ﴿ أتصبرون ﴾ علة للجعل والمعنى ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ لنعلم أيكم يصبر ونظيره قوله تعالى : ﴿ ليبلوكم أيكم أحسن عملا ﴾، أو حث على الصبر على ما افتتنوا به ﴿ وكان ربك بصيرا ﴾ بمن يصبر أبو بالصواب فيما يبتلى به وغيره.
﴿ وقال الذين لا يرجون ﴾ لا يأملون ﴿ لقاءنا ﴾ بالخير لكفرهم بالبعث، أولا يخافون ﴿ لقاءنا ﴾ بالشر على لغة تهامة، واصل اللقاء الوصول إلى الشيء ومنه الرؤية فإنه وصول إلى المرئي، والمراد به الوصول إلى جزائه ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول. ﴿ لولا ﴾ هلا. ﴿ أنزل علينا الملائكة ﴾ فتخبرنا بصدق محمد صلى الله عليه وسلم، وقيل فيكونوا رسلا إلينا. ﴿ أو نرى ربنا ﴾ فيأمرنا بتصدقيه واتباعه. ﴿ لقد استكبروا في أنفسهم ﴾ أي في شأنها حتى أرادوا لها ما يتفق لأفراد من الأنبياء الذين هم أكمل خلق الله في أكمل أوقاتها وما هو أعظم من ذلك. ﴿ وعتوا ﴾ وتجاوزوا الحد في الظلم. ﴿ عتوا كبيرا ﴾ بالغا أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها، واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ماسدت دونه مطامح النفوس القدسية، واللام جواب قسم محذوف وفي الاستئناف بالجملة حسن وإشعار بالتعجب من استكبارهم وعتوهم كقوله :
وجارة جساس بنابها *** كليبا علت ناب كليب بواؤها.
﴿ يوم يرون الملائكة ﴾ ملائكة الموت أو العذاب، و﴿ يوم ﴾ نصب باذكر أو بما دل عليه ﴿ لا بشرى يومئذ للمجرمين ﴾ فإنه بمعنى يمنعون البشرى أو يعدمونها، و ﴿ يومئذ ﴾ تكرير أو خبر و ﴿ للمجرمين ﴾ تبيين أو خبر ثان أو ظرف لما يتعلق به اللام، أول ﴿ بشرى ﴾ إن قدرت منونة غير مبينة مع ﴿ لا ﴾ فإنها لا تعمل، ولل ﴿ مجرمين ﴾ إما عام يتناول حكمه حكمهم من طريق البرهان ولا يلزم عن نفي البشرى لعامة المجرمين حينئذ نفي البشرى بالعفو والشفاعة في وقت آخر، وإما خاص وضع موضع ضميرهم تسجيلا على جرمهم وإشعارا بما و المانع للبشرى والموجب لما يقابلها. ﴿ و ويقولون حجرا محجورا ﴾ عطف على المدلول أي ويقول الكفرة حينئذ، هذه الكلمة استعاذة وطلبا من الله تعالى أن يمنع لقاءهم وهي مما كانوا يقولون عند لقاء عدو أو هجوم مكروه، أو تقولها الملائكة بمعنى حراما عليكم الجنة أو البشرى. وقرىء ﴿ حُجرا ﴾ بالضم وأصله الفتح غير أنه لما اختص بموضع مخصوص غير كقَعدَك وعمرك ولذلك لا يتصرف فيه ولا يظهر ناصبه، ووصفه بمحجورا للتأكيد كقولهم :موت مائت.
﴿ وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ﴾ أي وعمدنا إلى ما عملوا في كفرهم من المكارم كقري الضيف وصلة الرحم وإغاثة الملهوف فأحبطناه لفقد ما هو شرط اعتباره، وهو تشبيه حالهم وأعمالهم بحال قوم استعصوا على سلطانهم فقدم إلى أشيائهم فمزقها وأبطلها ولم يبق لها أثرا، وال ﴿ هباء ﴾ غبار يرى في شعاع يطلع من الكوة من الهبوة وهي الغبار، و ﴿ منثورا ﴾ صفته شبه عملهم المحبط بالهباء في حقارته وعدم نفعه ثم بالمنثور منه في انتشاره بحيث لا يمكن نظمه أو تفرقه نحو أغراضهم التي كانوا يتوجهون به نحوها، أو مفعول ثالث من حيث إنه كالخبر بعد الخبر كقوله تعالى : ﴿ كونوا قردة خاسئين ﴾.
﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ﴾ مكانا يستقر فيه أكثر الأوقات للتجالس والتحادث. ﴿ وأحسن مقيلا ﴾ مكانا يؤوي إليه للاسترواح بالأزواج والتمتع بهن تجوزا له من مكان القيلولة على التشبيه، أو لأنه لا يخلو من ذلك غالبا إذ لا نوم في الجنة وفي أحسن رمز إلى ما يتميز به مقيلهم من حسن الصور وغيره من التحاسين. ويحتمل أن يراد بأحدهما المصدر أو الزمان، إشارة إلى أن مكانهم وزمانهم أطيب ما يتخيل من الأمكنة والأزمنة، والتفضيل إما لإرادة الزيادة مطلقا أو بالإضافة إلى ما للمترفين في الدنيا. روي أنه يفرغ من الحساب في نصف ذلك اليوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار.
﴿ ويوم تشقق السماء ﴾ أصله تتشقق فحذفت التاء، وأدغمها ابن كثير ونافع وابن عامر ويعقوب ﴿ بالغمام ﴾ بسبب طلوع الغمام منها، وهو الغمام المذكور في قوله ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظل من الغمام والملائكة ﴾. ﴿ ونزل الملائكة تنزيلا ﴾ في ذلك الغمام بصحائف أعمال العباد، وقرأ ابن كثير " وننزل " وقرئ و " نزلت " " وأنزل " ﴿ ونزل الملائكة ﴾ بحذف نون الكلمة.
﴿ الملك يومئذ الحق للرحمن ﴾ الثابت لهن لأن كل ملك يبطل يومئذ ولا يبقى إلا ملكه، فهو الخبر و﴿ للرحمن ﴾ صلته، أو تبين، و ﴿ يومئذ ﴾ معمول ﴿ للملك ﴾ لا ﴿ الحق ﴾ لأنه متأخر أو صفته والخبر ﴿ يومئذ ﴾ أو ﴿ للرحمن ﴾. ﴿ وكان يوما على الكافرين عسيرا ﴾ شديدا.
﴿ ويوم يعض الظالم على يديه ﴾ من فرط الحسرة، وعض اليدين وأكل البنان وحرق الأسنان ونحوها كنايات عن الغيظ والحسرة لأنها من روادفهما، والمراد ب﴿ الظالم ﴾ الجنس. وقيل عقبة بن أبي معيط كان يكثر مجالسة النبي صلى الله عليه وسلم، فدعاه إلى ضيافته فأبى أن يأكل من طعامه حتى ينطق بالشهادة ففعل وكان أبي بن خلف صديقه فعاتبه وقال صبأت فقال :لا، ولكن آلى أن لا يأكل من طعامي وهو في بيتي فاستحيت منه فشهدت له، فقال لا أرى منك إلا أن تأتيه فتطأ قفاه وتبزق في وجهه، فوجده ساجدا في دار الندوة ففعل ذلك، فقال عليه الصلاة والسلام :لا ألقاك خارجا من مكة إلا علوت رأسك بالسيف، فأسر يوم بدر فأمر عليا فقتله وطعن أبيا بأحد في المبارزة فرجع إلى مكة ومات. ﴿ يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا ﴾ طريقا إلى النجاة أو طريقا واحدا وهو طريق الحق ولم تتشعب بي طرق الضلالة.
﴿ يا ويلتى ﴾ وقرئ بالياء على الأصل. ﴿ ليتني لم اتخذ فلانا خليلا ﴾ يعني من أضله وفلان كناية عن الأعلام كما أن هنا كناية عن الأجناس.
﴿ لقد أضلني عن الذكر ﴾ عن ذكر الله أو كتابه أو موعظة الرسول، أو كلمة الشهادة. ﴿ بعد إذ جاءني ﴾ وتمكنت منه. ﴿ وكان الشيطان ﴾ يعني الخليل المضل أو إبليس لأنه حمله على مخالته ومخالفة الرسول، أو كل من تشيطن من جن وإنس. ﴿ للإنسان خذولا ﴾ يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك ثم يتركه ولا ينفعه، " فعول " من الخذلان.
﴿ وقال الرسول ﴾ محمد يومئذ، أو في الدنيا بثا إلى الله تعالى. ﴿ يا رب إن قومي ﴾ قريشا. ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجورا ﴾ بأن تركوه وصدوا عنه، وعنه عليه الصلاة والسلام " من تعلم القرآن وعلق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به يقول :يا رب عبدك هذا اتخذني مهجورا اقض بيني وبينه " أو هجروا ولغوا فيه إذا سمعوه أو زعموا أنه هجر وأساطير الأولين، فيكون أصله ﴿ مهجورا ﴾ فيه فحذف الجار ويجوز أن يكون بمعنى الهجر كالمجلود والمعقول، وفيه تخويف لقومه، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا شكوا إلى الله تعالى قومهم عجل لهم العذاب.
﴿ وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين ﴾ كما جعلناه لك فاصبر كما صبروا، وفيه دليل على أنه خالق الشر، والعدو يحتمل الواحد والجمع. ﴿ وكفى بربك هاديا ﴾ إلى طريق قهرهم. ﴿ ونصيرا ﴾ لك عليهم.
﴿ وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ﴾ أي أنزل عليه ك " خبّر " بمعنى " أخبر " لئلا يناقض قوله : ﴿ جملة واحدة ﴾ دفعة واحدة كالكتب الثلاثة، وهو اعتراض لا طائل تحته لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة أو مفرقا مع أن للتفريق فوائد منها ما أشار إليه بقوله : ﴿ كذلك لنثبت به فؤادك ﴾ أي كذلك أنزلناه مفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه، لأن حاله يخالف حال موسى وداود وعيسى حيث كان عليه الصلاة والسلام أميا وكانوا يكتبون، فلو ألقي عليه جملة لعيل بحفظه، ولعله لم يستتب له، فإن التلقف لا يتأتى إلا شيئا فشيئا، ولأن نزوله بحسب الوقائع يوجب مزيد بصيرة وغوص في المعنى، ولأنه إذا نزل منجما وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك قوة قلبه، ولأنه إذا نزل به جبريل حالا بعد حال يثبت به فؤاده، ومنها معرفة الناسخ والمنسوخ، ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية، فإنه يعين على البلاغة، و " كذلك " صفة مصدر محذوف والإشارة إلى إنزاله مفرقا فإنه مدلول عليه بقوله ﴿ لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة ﴾ ويحتمل أن يكون من تمام كلام الكفرة، ولذلك وقف عليه، فيكون حالا، والإشارة إلى الكتب السابقة، واللام على الوجهين متعلق بمحذوف. ﴿ ورتلناه ترتيلا ﴾ وقرأناه عليك شيئا بعد شيء على تؤدة وتمهل في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين وأصل الترتيل في الأسنان وهو تفليجها.
﴿ ولا يأتونك بمثل ﴾ سؤال عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك. ﴿ إلا جئناك بالحق ﴾ الدامغ له في جوابه. ﴿ وأحسن تفسيرا ﴾ وبما هو أحسن بيانا أو معنى من سؤالهم، أو ﴿ لا يأتونك ﴾ بحال عجيبة يقولون هلا كانت هذه حاله إلا أعطيناك من الأحوال ما يحق لك في حكمتنا وما هو أحسن كشفا لما بعثت له.
﴿ الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم ﴾ أي مقلوبين أو مسحوبين عليها، أو متعلقة قلوبهم بالسفليات متوجهة وجوههم إليها. وعنه عليه الصلاة والسلام " يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف، صنف على الدواب وصنف على الأقدام وصنف على الوجوه " وهو ذم منصوب أو مرفوع أو مبدأ خبره. ﴿ أولئك شر مكانا وأضل سبيلا ﴾ والمفضل عليه هو الرسول صلى الله عليه وسلم على طريقة قوله تعالى : ﴿ قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه ﴾ كأنه قيل إن حاملهم على هذه الأسئلة تحقير مكانه وتضليل سبيله ولا يعلمون حالهم ليعلموا أنهم شر مكانا وأضل سبيلا، وقيل إنه متصل بقوله ﴿ أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا ﴾ ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي للمبالغة.
﴿ ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا ﴾ يوازره في الدعوة وإعلاء الكلمة ولا ينافي ذلك مشاركته في النبوة، لأن المتشاركين في الأمر متوازرون عليه.
﴿ فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا ﴾ يعني فرعون وقومه. ﴿ بآياتنا فدمرناهم تدميرا ﴾ أي فذهبنا إليهم فكذبوهما فدمرناهم، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل واستحقا التدمير بتكذيبهم والتعقيب باعتبار الحكم لا الوقوع، وقرىء " فدمرتهم " فدمراهم فدمرانهم " على التأكيد بالنون الثقيلة.
﴿ وقوم نوح لما كذبوا الرسل ﴾ كذبوا نوحا ومن قبله، أو نوحا وحده ولكن تكذيب واحد من الرسل كتكذيب الكل أو بعثة الرسل مطلقا كالبراهمة. ﴿ أغرقناهم ﴾ بالطوفان.
﴿ وجعلناهم ﴾ وجعلنا إغراقهم أو قصتهم. ﴿ للناس آية ﴾ عبرة. ﴿ وأعتدنا للظالمين عذابا أليما ﴾ يحتمل التعميم والتخصيص، فيكون وضعا للظاهر موضع المضر تظليما لهم.
﴿ وعادا وثمود ﴾ عطف على هم في ﴿ جعلناهم ﴾ أو على " الظالمين " لأن المعنى ووعدنا الظالمين، وقرأ حمزة وحفص " وثمود " على تأويل القبيلة. ﴿ وأصحاب الرس ﴾ قوم كان يعبدون الأصنام فبعث الله تعالى إليهم شعيبا فكذبوه، فبينما هم حول الرس وهي البئر الغير المطوية فانهارت فخسف بهم وبديارهم. وقيل ﴿ الرس ﴾ قرية بفلج اليمامة كان فيها بقايا ثمود فبعث إليهم نبي فقتلوه فهلكوا. وقيل الأخدود وقيل بئر بانطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان النبي ابتلاهم الله تعالى بطير عظيم كان فيها من كل لون، وسموها عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتخ أو دمخ وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إذا أعوزها الصيد، ولذلك سميت مغربا فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ثم أنهم قتلوه فأهلكوا. وقيل هم قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي دسوه في بئر. ﴿ وقرونا ﴾ وأهل أعصار قيل القرن أربعون سنة وقيل سبعون وقيل مائة وعشرون. ﴿ بين ذلك ﴾ إشارة إلى ما ذكر. ﴿ كثيرا ﴾ لا يعلمها إلا الله.
﴿ وكلا ضربنا له الأمثال ﴾ بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين إنذارا وإعذارا فلما أصروا أهلكوا كما قال : ﴿ وكلا تبرنا تتبيرا ﴾ فتتناه تفتيتا ومنه التبر لفتات الذهب والفضة، ﴿ وكلا ﴾ الأول منصوب بما دل عليه ﴿ ضربنا ﴾ كأنذرنا والثاني ب ﴿ تبرنا ﴾ لأنه فارغ.
﴿ ولقد أتوا ﴾ يعني قريشا مروا مرارا في متاجرهم إلى الشام. ﴿ على القرية التي أمطرت مطر السوء ﴾ يعني سدوم عظمى قرى قوم لوط أمطرت لعيها الحجارة. ﴿ أفلم يكونوا يرونها ﴾ في مرار مرورهم فيتعظوا بما يرون فيها من آثار عذاب الله. ﴿ بل كانوا لا يرجون نشورا ﴾ بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشورا ولا عاقبة فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا فمروا بها كما مرت ركابهم، أو لا يأملون نشورا كما يأمله المؤمنون طمعا في الثواب، أو لا يخافونه على اللغة التهامية.
﴿ وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا ﴾ ما يتخذونك إلا موضع هزء أو مهزوء به. ﴿ أهذا الذي بعث الله رسولا ﴾ محكي بعد قول مضمر والإشارة للاستحقار، وإخراج بعث الله رسولا في معرض التسليم يجعله صلة وهم على غاية الإنكار واستهزاء ولولاه لقالوا أهذا الذي زعم أنه بعثه الله رسولا.
﴿ إن ﴾ إنه ﴿ كاد ليضلنا عن آلهتنا ﴾ ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء إلى التوحيد وكثرة ما يوردها مما يسبق إلى الذهن بأنها حجج ومعجزات. ﴿ لولا أن صبرنا عليها ﴾ ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها و ﴿ لولا ﴾ في مثله تقيد الحكم المطلق من حيث المعنى دون اللفظ. ﴿ وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا ﴾ كالجواب لقولهم ﴿ وإن كان ليضلنا ﴾ فإنه يفيد نفي ما يلزمه ويكون الموجب له، وفيه وعيد ودلالة على أنه لا يمهلهم وإن أمهلهم.
﴿ أرأيت من أتخذ إلهه هواه ﴾ بأن أطاعه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة ولا يبصر دليلا، وإنما قدم المفعول الثاني للعناية به. ﴿ أفأنت تكون عليه وكيلا ﴾ حفيظا تمنعه عن الشرك والمعاصي وحاله هذا فالاستفهام الأول للتقرير والتعجيب والثاني للإنكار.
﴿ أم تحسب ﴾ بل أتحسب. ﴿ أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون ﴾ فتجدي لهم الآيات أو الحجج فتهتم بشأنهم وتطمع في إيمانهم، وهو أشد مذمة مما قبله حتى حق بالإضراب منه إليه، وتخصيص الأكثر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارا وخوفا على الرئاسة. ﴿ إن هم إلا كالأنعام ﴾ في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات. ﴿ بل هم أضل سبيلا ﴾ من الأنعام لأنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها وتتجنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار، ولأنها إن لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا، بخلاف هؤلاء ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى هيج الفتن وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم.
﴿ ألم تر إلى ربك ﴾ ألم تنظر إلى صنعه. ﴿ كيف مد الظل ﴾ كيف بسطه أو ألم تنظر إلى الظل كيف مده ربك، فغير النظم إشعارا بأنه المعقول من هذا الكلام لوضوح برهانه وهو دلالة حدوثه وتصرفه على الوجه النافع بأسباب ممكنة على أن ذلك فعل الصانع الحكيم كالمشاهد المرئي فكيف بالمحسوس منه، أو ألم ينته علمك إلى أن ربك كيف مد الظل وهو فيما بين طلوع الفجر والشمس وهو أطيب الأحوال فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس :يسخن الجو ويبهر البصر، ولذلك وصف به الجنة فقال ﴿ وظل ممدود ﴾. ﴿ ولو شاء لجعله ساكنا ﴾ ثابتا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد. ﴿ ثم جعلنا الشمس عليه دليلا ﴾ فإنه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الأجرام، أو لا يوجد ولا يتفاوت إلا بسبب حركتها.
﴿ ثم قبضناه إلينا ﴾ أي أزلناه بإيقاع الشمس موقعه لما عبر عن أحداثه بالمد بمعنى التسيير عبر عن إزالته بالقبض إلى نفسه الذي هو في معنى الكف. ﴿ قبضنا يسيرا ﴾ قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس لينتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، و﴿ ثم ﴾ في الموضعين لتفاضل الأمور أو لتفاضل مبادئ أوقات ظهورها، وقيل ﴿ مد الظل ﴾ لما بنى السماء بلا نير، ودحا الأرض تحتها فألقت عليها ظلها ولو شاء لجعله ثابتا على تلك الحالة، ثم خلق الشمس عليها دليلا، أي مسلطا عليه مستتبعا إياه كما يستتبع الدليل المدلول، أو دليل الطريق من يهديه فإنه يتفاوت بحركتها ويتحول بتحولها، ﴿ ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا ﴾ شيئا فشيئا إلى أن تنتهي غاية نقصانه، أو ﴿ قبضا ﴾ سهلا عند قيام الساعة يقبض أسبابه من الأجرام المظلة والمظل عليها.
﴿ وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ﴾ شبه ظلامه باللباس في ستره. ﴿ والنوم سباتا ﴾ راحة للأبدان بقطع المشاغل، وأصل السبت القطع أو موتا كقوله : ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ لأنه قطع الحياة ومنه المسبوت للميت. ﴿ وجعل النهار نشورا ﴾ ذا نشور أي انتشار ينتشر فيه الناس للمعاش، أو بعث من النوم بعث الأموات فيكون إشارة إلى أن النوم واليقظة أنموذج للموت والنشور. وعن لقمان عليه السلام يا بني كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنتشر.
﴿ وهو الذي أرسل الرياح ﴾ وقرأ ابن كثير على التوحيد إرادة للجنس. ﴿ نشرا ﴾ ناشرات للحساب جمع نشور، وقرأ ابن عامر بالسكون على التخفيف وحمزة والكسائي به وبفتح النون على أنه مصدر وصف به وعاصم ﴿ بشرا ﴾ تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر ﴿ بين يدي رحمته ﴾ يعني قدام المطر. ﴿ وأنزلنا من السماء ماء طهورا ﴾ مطهرا لقوله ﴿ ليطهركم به ﴾. وهو اسم لما يتطهر به كالوضوء والوقود لما يتوضأ به ويوقد به. قال عليه الصلاة والسلام " التراب طهور المؤمن "، " طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسل سبعا إحداهن بالتراب ". وقيل بليغا في الطهارة وفعول وإن غلب في المعنيين لكنه قد جاء للمفعول كالضبوث وللمصدر كالقبول وللاسم كالذنوب، وتوصيف الماء به إشعارا بالنعمة فيه وتتميم للمنة فيما بعده فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته، وتنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها فبواطنهم بذلك أولى.
﴿ لنحيي به بلدة ميتا ﴾ بالنبات وتذكير ﴿ ميتا ﴾ لأن البلدة في معنى البلد، ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة فأجرى مجرى الجامد. ﴿ ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا ﴾ يعني أهل البوادي الذين يعيشون بالحيا ولذلك نكر الأنعام والأناسي، وتخصيصهم لأن أهل المدن والقرى يقيمون بقرب الأنهار، والمنافع فيهم وبما حولهم من الأنعام غنية عن سقيا السماء وسائر الحيوانات تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب غالبا مع أن مساق هذه الآيات كما هو للدلالة على عظم القدرة، فهو لتعداد أنواع النعمة والأنعام قنية الإنسان وعامة منافعهم وعلية معايشهم منوطة بها، ولذلك قدم سقيها على سقيهم كما قدم عليها إحياء الأرض فإنه سبب لحياتها وتعيشها، وقرئ ﴿ نسقيه ﴾ بالفتح وسقى وأسقى لغتان، وقيل أسقاه جعل الله له سقيا ﴿ وأناسي ﴾ بحذف ياء وهو جمع إنسي أو إنسان كظرابي في ظربان على أن أصله أناسين فقلبت النون ياء.
﴿ ولقد صرفناه بينهم ﴾ صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن الكريم وسائر الكتب، أو المطر بينهم في البلدان المختلفة والأوقات المتغايرة وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما، وعن ابن عباس رضي الله عنه :" ما عام أمطر من عام ولكن الله قسم ذلك بين عباده على ما شاء وتلا هذه الآية " أو في الأنهار والمنافع. ﴿ ليذكروا ﴾ ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره، أو ليعتبروا بالصرف عنهم وإليهم. ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفورا ﴾ إلا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها، أو جحودها بأن يقولوا مطرنا بنوء كذا، ومن لا يرى الأمطار إلا من الأنواء كان كافرا بخلاف من يرى أنها من خلق الله، والأنواء وسائط وأمارات بجعله تعالى.
﴿ ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا ﴾ نبيا ينذر أهلها فيخف عليك أعباء النبوة لكن قصرنا الأمر عليك إجلالا لك وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرسل، فقابل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق.
﴿ فلا تطع الكافرين ﴾ فيما يريدونك عليه، وهو تهييج له عليه الصلاة والسلام وللمؤمنين. ﴿ وجاهدهم به ﴾ بالقرآن أو بترك طاعتهم الذي يدل عليه فلا تطع، والمعنى إنهم يجتهدون في إبطال حقك فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وإزاحة باطلهم ﴿ جهادا كبيرا ﴾ لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف، أو لأن مخالفتهم ومعاداتهم فيما بين أظهرهم مع عتوهم وظهورهم، أو لأنه جهاد مع كل الكفرة لأنه مبعوث إلى كافة القرى.
﴿ وهو الذي مرج البحرين ﴾ خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج ذابته إذا خلاها. ﴿ هذا عذب فرات ﴾ قامع للعطش من فرط عذوبته. ﴿ وهذا ملح أجاج ﴾ بليغ الملوحة، وقرىء ﴿ ملح ﴾ على فعل ولعل أصله مالح فخفف كبرد في بارد. ﴿ وجعل بينهما برزخا ﴾ حاجزا من قدرته. ﴿ وحجرا محجورا ﴾ وتنافرا بليغا كان كلا منهما يقول للآخر ما يقوله المتعوذ للمتعوذ عنه، وقيل حدا محدودا وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقه فتتتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها، وقيل المراد بالبحر العذب النهر العظيم مصل النيل وبالبحر الملح البرح الكبير وبالبرزخ ما يحول بينهما من الأرض فتكون القدرة في الفصل واختلاف الصفة مع أن مقتضى طبيعة أجزاء كل عنصر أن تضامت وتلاصقت وتشابهت في الكيفية.
﴿ وهو الذي خلق من الماء بشرا ﴾ يعني الذي خمر به طينة آدم، أو جعله جزءا من مادة البشر لتجتمع لتبشر وتسلس وتقبل الأشكال والهيئات بسهولة، أو النطفة. ﴿ فجعله نسبا وصهرا ﴾ أي قسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم، وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن كقوله تعالى : ﴿ فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى ﴾. ﴿ وكان ربك قديرا ﴾ حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا أعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين، وربما يخلق من نطفة واحدة توأمين ذكرا وأنثى.
﴿ ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم ﴾ يعني الأصنام أو كل ما عبد من دون الله إذ ما من مخلوق يستقل بالنفع والضر. ﴿ وكان الكافر على ربه ظهيرا ﴾ يظاهر الشيطان بالعداوة والشرك والمراد ب ﴿ الكافر ﴾ الجنس أو أبو جهل. وقيل هينا مهينا لا وقع له عنده من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك فيكون كقوله ﴿ ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ﴾.
﴿ وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا ﴾ للمؤمنين والكافرين.
﴿ قل ما أسئلكم عليه ﴾ على تبليغ الرسالة الذي يدل عليه ﴿ إلا مبشرا ونذيرا ﴾. ﴿ من أجر إلا من شاء ﴾ إلا فعل من شاء. ﴿ إن يتخذ إلى ربه سبيلا ﴾ أن يتقرب إليه ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة، فصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود فعله واستثناه منه قلعا لشبهة الطمع وإظهارا لغاية الشفقة حيث اعتد بإنفاعك نفسك بالتعرض للثواب والتخلص عن العقاب أجرا وافيا مرضيا به مقصورا عليه، وإشعارا بأن طاعتهم تعود عليه بالثواب من حيث إنها وافيا بدلالته. وقيل الاستثناء منقطع معناه لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا فليفعل.
﴿ وتوكل على الحي الذي لا يموت ﴾ في استكفاء شرورهم والإغناء عن أجورهم، فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الأحياء الذين يموتون فإنهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم. ﴿ وسبح بحمده ﴾ ونزهه عن صفات النقصان مثنيا عليه بأوصاف الكمال طالبا لمزيد الانعام بالشكر على سوابغه. ﴿ وكفى به بذنوب عباده ﴾ ما ظهر منها وما بطن. ﴿ خبيرا ﴾ مطلعا فلا عليك أن آمنوا وكفروا.
﴿ الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن ﴾ قد سبق الكلام فيه، ولعل ذكره زيادة تقرير لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه من حيث إنه الخالق للكل والمتصرف فيه، وتحريض على الثبات والتأني في الأمر فإنه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ أمره في كل مراد خلق الأشياء على تؤدة وتدرج، و﴿ الرحمن ﴾ خبر للذي إن جعلته مبتدأ ولمحذوف إن جعلته صفة للحي، أو بدل من المستكن في ﴿ استوى ﴾ وقرىء بالجر صفة للحي. ﴿ فسئل به خبيرا ﴾ فاسأل عما ذكر من الخلق والاستواء عالما يخبرك بحقيقته وهو الله تعالى، أو جبريل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه، وقيل الضمير ﴿ للرحمن ﴾ والمعنى إن أنكروا إطلاقه على الله تعالى فاسأل عنه من يخبرك من أهل الكتاب ليعرفوا مجيء ما يرادفه في كتبهم، وعلى هذا يجوز أن يكون ﴿ الرحمن ﴾ مبتدأ والخبر ما بعده والسؤال كما يعدى بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالياء لتضمنه معنى الاعتناء. وقيل إنه صلة ﴿ خبيرا ﴾.
﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن ﴾ لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله، أو لأنهم ظنوا أنه أراد به غيره ولذلك قالوا : ﴿ أنسجد لما تأمرنا ﴾ أي للذي تأمرناه يعني تأمرنا بسجوده أو لأمرك لنا من غير عرفان. وقيل لأنه كان معربا لم يسمعوه. وقرأ حمزة والكسائي " يأمرنا " بالياء على أنه قول بعضهم لبعض. ﴿ وزادهم ﴾ أي المر بالسجود ﴿ للرحمن ﴾. ﴿ نفورا ﴾ عن الإيمان.
﴿ تبارك الذي جعل في السماء بروجا ﴾ يعني البروج الاثني عشر سميت به وهي القصور العالية لأنها للكواكب السيارة كالمنازل لسكانها واشتقاقه منا لتبرج لظهوره. ﴿ وجعل فيها سراجا ﴾ يعني الشمس لقوله ﴿ وجعل الشمس سراجا ﴾ وقرأ حمزة والكسائي " سرجا " وهي الشمس والكواكب الكبار. ﴿ وقمرا منيرا ﴾ مضيئا بالليل، وقرىء ﴿ وقمرا ﴾ أي ذا قمر وهو جمع قمراء ويحتمل أن يكون بمعنى القمر كالرشد والرشد والعرب و العرب.
﴿ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ﴾ أي ذوي خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي أن يعمل فيه، أو بأن يعتقبا لقوله تعالى : ﴿ واختلاف الليل والنهار ﴾. وهي للحالة من خلف كالركبة والجلسة. ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ بأن يتذكر آلاء الله ويتفكر في صنعه فيعلم أن لا بد له من صانع حكيم واجب الذات رحيم على العباد. ﴿ أوأراد شكورا ﴾ أن يشكر الله تعالى على ما فيه من النعم، أو ليكونا وقتين للمتذكرين والشاكرين من وفاته ورده في أحدهما تداركه في الآخرة، وقرأ حمزة ﴿ أن يذكر ﴾ من ذكر بمعنى تذكر وكذلك ليذكروا وافقه الكسائي فيه.
﴿ وعباد الرحمن ﴾ مبتدأ خبره ﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أو : ﴿ الذين يمشون على الأرض ﴾ وإضافتهم إلى ﴿ الرحمن ﴾ للتخصيص والتفضيل، أو لأنهم الراسخون في عبادته على أن عباد جمع عابد كتاجر وتجار. ﴿ هونا ﴾ هينين أو مشيا هينا مصدر وصف به والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ﴾ تسلما منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر، أو سدادا من القول يسلمون فيه من الإيذاء والإثم، ولا ينافيه آية القتال لتنسخه فإن المراد به الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام.
﴿ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ﴾ في الصلاة، في الصلاة وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمز وأبعد عن الرياء وتأخير القيام للروي وهو جمع قائم أو مصدر أجري مجراه.
﴿ والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ﴾ لازما ومنه الغريم لملازمته، وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى الله تعالى في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم بأعمالهم ووثوقهم على استمرار أحوالهم.
﴿ إنها ساءت مستقرا ومقاما ﴾ أي بئست مستقرا، وفيها ضمير مبهم يفسره المميز والمخصوص بالذم ضمير محذوف به ترتبط الجملة باسم إن، أو أحزنت وفيها ضمير اسم أن ومستقرا حال أو تمييز والجملة تعليل للعلة الأولى أو تعليل ثان وكلاهما يحتملان الحكاية والابتداء من الله.
﴿ والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ﴾ لم يجاوزا حد الكرم. ﴿ ولم يقتروا ﴾ ولم يضيقوا تضييق الشحيح. وقيل الإسراف هو الإنفاق في المحارم والتقتير منع الواجب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بفتح الياء وكسر التاء ونافع وابن عامر والكوفيون بضم الياء وكسر التاء من أقتر، وقرئ بالتشديد والكل واحد. ﴿ وكان بين ذلك قواما ﴾ وسطا عدلا سمي به لاستقامة الطرفين كما سمي سواء لاستوائهما، وقرئ بالكسر وهو ما يقام به الحاجة لا يفضل عنها ولا ينقص وهو خير ثان أو حال مؤكدة، ويجوز أن يكون الخبر بين ذلك لغوا، وقيل إنه اسم﴿ كان ﴾ لكنه مبني لإضافته إلى غير متمكن وهو ضعيف لأنه بمعنى القوام فيكون كالإخبار بالشيء عن نفسه.
﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله ﴾ أي حرمها بمعنى حرم قتلها. ﴿ إلا بالحق ﴾ متعلق بالقتل المحذوف، أو بلا يقتلون ﴿ ولا يزنون ﴾ نفى عنهم أمهات المعاصي بعدما أثبت لهم أصول الطاعات إظهارا لكمال إيمانهم وإشعارا بأن الأجر المذكور موعود للجامع بين ذلك، وتعريضا للكفرة بأضداده ولذلك عقبه بالوعيد تهديدا لهم فقال : ﴿ ومن يفعل ذلك يلق أثاما ﴾ جزاء إثم أو إثما بإضمار الجزاء، وقرئ " أياما " أي شدائد يقال يوم ذو أيام أي صعب.
﴿ يضاعف له العذاب يوم القيامة ﴾ بدل من ﴿ يلق ﴾ لأنه في معناه كقوله :
متى تأتينا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبا جزلا ونارا تأججا
وقرأ أبو بكر بالرفع على الاستئناف أو الحال وكذلك : ﴿ ويخلد فيه مهانا ﴾ وابن كثير ويعقوب يضعف بالجزم وابن عامر بالرفع فيهما مع التشديد وحذف الألف في " يضعف "، وقرئ ﴿ ويخلد ﴾ على بناء المفعول مخففا، وقرئ مثقلا وتضعيف العذاب مضاعفته لانضمام المعصية إلى الكفر ويدل عليه قوله :
﴿ إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾ بأن يمحو سوابق معاصيهم بالتوبة ويثبت مكانها لواحق طاعتهم، أو يبدل ملكة المعصية في النفس بملكة الطاعة. وقيل بأن يوفقه لأضداد ما سلف منه، أو بأن يثبت له بدل كل عقاب ثوابا. ﴿ وكان الله غفورا رحيما ﴾ فلذلك يعفو عن السيئات ويثبت على الحسنات.
﴿ ومن تاب ﴾ عن المعاصي بتركها والندم عليها. ﴿ وعمل صالحا ﴾ يتلافى به ما فرط، أو خرج عن المعاصي ودخل في الطاعة. ﴿ فإنه يتوب إلى الله ﴾ يرجع إلى الله بذلك. ﴿ متابا ﴾ مرضيا عند الله ماحيا للعقاب محصلا للثواب، أو يتوب متابا إلى الله الذي يحب التائبين ويصطنع بهم ؛ أو فإنه يرجع إلى الله وإلى ثوابه مرجعا حسنا وهو تعميم بعد تخصيص.
﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ لا يقيمون الشهادة الباطلة، أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه ﴿ وإذا مروا باللغو ﴾ ما يجب أن يلقى ويطرح. ﴿ مروا كراما ﴾ معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه، ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية فيما يستهجن التصريح به.
﴿ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ﴾ بالوعظ أو القراءة. ﴿ لم يخروا عليها صما وعميانا ﴾ لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر، بل أكبوا عليها سامعين بآذان واعية مبصرين بعيون راعية، فالمراد من النفي نفي الحال دون الفعل كقولك لا يلقاني زيد مسلما وقيل الهاء للمعاصي المدلول عليها ﴿ باللغو ﴾.
﴿ والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين ﴾ بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل، فإن المؤمن إذا شاركه أهله في طاعة الله سر بهم قلبه وقرت بهم عينه لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة، و﴿ من ﴾ ابتدائية أو بيانية كقولك :رأيت منك أسدا، وقرأ حمزة وأبو عمرو والكسائي وأبو بكر و﴿ ذريتنا ﴾ وقرأ ابن عامر والحرميان وحفص ويعقوب ﴿ وذرياتنا ﴾ بالألف، وتنكير ال ﴿ أعين ﴾ لإرادة تنكير ال ﴿ قرة ﴾ تعظيما وتقليلها لأن المراد أعين المتقين وهي قليلة بالإضافة إلى عيون غيرهم. ﴿ واجعلنا للمتقين إماما ﴾ يقتدون بنا في أمر الدين بإضافة العلم والتوفيق للعمل، وتوحيده إما للدلالة على الجنس وعدم اللبس كقوله ﴿ ثم يخرجكم طفلا ﴾ أو لأنه مصدر في أصله، أو لأن المراد واجعل كل واحد منا، أو لأنهم كنفس واحدة لاتحاد طريقتهم واتفاق كلمتهم. وقيل جمع آم كصائم وصيام ومعناه قاصدين لهم مقتدين بهم.
﴿ أولئك يجزون الغرفة ﴾ أعلى مواضع الجنة وهي اسم جنس أريد به الجمع كقوله تعالى : ﴿ وهم في الغرفات آمنون ﴾ وللقراءة بها، وقيل هي من أسماء الجنة. ﴿ بما صبروا ﴾ وبصبرهم على المشاق من مضض الطاعات ورفض الشهوات وتحمل المجاهدات. ﴿ ويلقون فيها تحية وسلاما ﴾ دعاء بالتعمير والسلامة أي يحييهم الملائكة ويسلمون عليهم، أو يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه، أو تبقية دائمة وسلامة من كل آفة، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر يلقون من لقي.
﴿ خالدين فيها ﴾ لا يموتون فيها ولا يخرجون. ﴿ حسنت مستقرا ومقاما ﴾ مقابل ﴿ ساءت مستقرا ﴾ معنى ومثله إعرابا.
﴿ قل ما يعبأ بكم ربي ﴾ ما يصنع بكم من عبأت الجيش إذا هيأته أو لا يعتد بكم ﴿ لولا دعاؤكم ﴾ لولا عبادتكم فإن شرف الإنسان وكرامته بالمعرفة والطاعة وإلا فهو وسائر الحيوانات سواء. وقيل معناه ما يصنع بعذابكم لولا دعاؤكم معه آلهة إن جعلت استفهامية فمحلها النصب على المصدر كأنه قيل :أي عبء يعبأ بكم. ﴿ فقد كذبتم ﴾ بما أخبرتكم به حيث خالفتموه. وقيل قصرتم في العبادة من قولهم :كذب القتال إذا لم يبالغ فيه. وقرئ " فقد كذب الكافرون " أي الكافرون منكم لأن توجه الخطاب إلى الناس عامة بما وجد في جنسهم من العبادة والتكذيب. ﴿ فسوف يكون لزاما ﴾ يكون جزاء التكذيب لازما يحيق بكم لا محالة، أو أثره لازما بكم حتى يكبكم في النار، وإنما أضمر من غير ذكر للتهويل والتنبيه على أنه لا يكتنهه الوصف، وقيل المراد قتل يوم بدر وأنه لوزم بين القتلى لزاما، وقرئ " لزاما " بالفتح بمعنى اللزوم كالثبات والثبوت.
السورة التالية
Icon