0:00
0:00
سورة الفرقان
مكية: وآياتها سبع وسبعون وقيل هي مكية إلا آيات ٦٨، ٦٩، ٧٠ فقط.
لقد تكلم الله في هذه السورة على التوحيد الخالص له وعلى القرآن. وعلى النبوة، وأحوال القيامة، وختمها بوصف العباد المؤمنين، كما افتتحها بالكلام على إثبات الصانع ووصفه بالجلال والكمال، وتنزهه عن النقص وما هو محال، وفي خلال ذلك تكلم عن أعمال المؤمنين والكافرين وعاقبتها... وهدد الكفار بذكر قصص الأمم السابقة.
لا معبود بحق في الوجود إلا الله [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ١ الى ٣]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣)
المفردات:
تَبارَكَ البركة: الزيادة في الخير وكثرته الْفُرْقانَ هو القرآن نُشُوراً النشور: الإحياء بعد الموت للحساب.
المعنى:
البركة لله وحده، والحمد له، فقد تزايد خيره وتكاثرت نعمه وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها وقد تعالى وتزايد عن الكل ذاتا وصفة وفعلا، فالحمد لله- تبارك وتعالى-، وكيف لا..؟ وهو الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، والقرآن هو الفرقان، لأنه فرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، بل وفرق بين الحضارة التي تنعم الدنيا في ظلها، وبين الهمجية والجاهلية التي كانت ترزح تحت أثقالها، وانظر إلى وصف النبي الكريم بالعبودية حين يضفى القرآن عليه شيئا يرفعه ويجله لتوضع الأمور في نصبها، وليظل المسلم على نور الحق والصراط المستقيم فلا يرفع المصطفى صلّى الله عليه وسلّم عن موضع العبودية لله كما فعلت النصارى مع المسيح، ألم تر إلى قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا إلى قوله: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً على أن في وصف النبي بالعبودية تكريم له وتشريف ونزل الله على عبده القرآن فارقا بين الحق والباطل، ومفرقا في النزول، فكان ينزل منجما تبعا للحوادث، ليكون ذلك أدعى إلى حفظه والتثبت منه وفهمه وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا.
ليكون النبي أو القرآن للعالمين جميعا إنسه وجنه في كل زمان ومكان، نذيرا وسراجا منيرا يهدى به الله من يشاء من عباده.
تبارك الحق الذي نزل الفرقان، والذي له ملك السموات والأرض، وقد وصف الله- سبحانه وتعالى- نفسه بأنه نزل القرآن، وله ملك السموات والأرض، ولم يتخذ ولدا، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا، فهذه أوصاف تدل على العظمة واستحقاق العبادة والتقديس.
(أ) له ملك السموات والأرض، وإذا كان كذلك فهل يعبد سواه؟
(ب) ولم يتخذ ولدا إذ هو المالك للكل، والملكية تتنافى مع الولدية، فهو غير محتاج للولد في شيء، ولا يشبه أحدا من خلقه في شيء، فهو المستحق وحده للعبادة ولا يصح أن يكون غيره معبودا ووارثا للملك عنه. وفي هذا رد على من ادعى أن له ولدا من النصارى.
(ج) ولم يكن له شريك في الملك، إذ له وحده الملك. وهو المنفرد وحده بالألوهية، وهو صاحب الأمر، وإذا عرف العبد ذلك انقطع رجاؤه وخوفه عن الكل، ولا يبقى مشغولا إلا بالحق- تبارك وتعالى-، وفي هذا رد على من زعم أن لله شريكا.
(د) وخلق كل شيء فقدره تقديرا، نعم خلق كل شيء مراعيا فيه التقدير والإحكام والتسوية، فقدره وهيأه لما خلق من أجله رَبُّنَا الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى [سورة طه آية ٥٠].
وإنك يا أخى إذا نظرت إلى هذا الكون وما فيه من عجائب لارتد إليك بصرك، وهو كليل دون إدراك هذه الأسرار العجيبة، ولعرفت أن هذا الكون محكم التقدير كامل التنظيم كالآلة كل جزء فيها يؤدى وظيفته على أتم ما يكون.
خذ مثلا الإنسان وما يقوم به من عمل تجده على وضع وشكل مقدر لهذه المهمة العالية والرسالة السامية المطلوبة منه. انظر إلى الجمل تجد له عنقا طويلا، وإلى الحصان ورقبته القصيرة، وإلى الحيوان الذي يعوم في الماء وقد خلق على تصميم وتقدير عجيب ليتمكن من السباحة، ألم تر إلى رجل الفرخة، وما فيها من أظافر تساعدها على نبش التراب باحثة عن رزقها؟ وإلى الإوزة والبطة ورجليهما، وقد صنعت على شكل يساعدها على السباحة في الماء... والشواهد على ذلك كثيرة...
وقد ثبت بهذا أن ربك العليم الخبير خلق كل شيء فقدره تقديرا، أفتعبدون سواه؟
وتتجهون لغيره؟!! ومع هذا كله فقد اتخذ المشركون آلهة من دونه، وآثروا على عبادة الله- سبحانه وتعالى- عبادة آلهة عاجزة عن كل عمل في الوجود، لا يقدرون على شيء من أفعال الله، بل ولا يقدرون على مثل ما يعمل الناس، حيث لا يفعلون شيئا، ولا يخلقونه، والحال أنهم يخلقون، وإنه لعجيب حقا أن تنحت بيدك وتصنع بنفسك شيئا، لا يحس ولا يسمع ولا يتكلم ثم تعبده من دون الله!!! وهذه المعبودات لا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا فما بال نفعها وضرها لغيرها؟، ولا يملكون موتا ولا حياة، ولا نشورا لأحد من الناس! ومن كان كذلك أيليق أن يعبد من دون الله؟ الذي أنزل الفرقان، وله ملك السموات والأرض، وما كان له ولد ولا شريك، وخلق كل شيء فقدره تقديرا!!
شبهاتهم في القرآن والنبي صلّى الله عليه وسلّم والرد عليهم [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٤ الى ٩]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤) وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦) وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨)
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩)
المفردات:
إِفْكٌ الإفك: الكذب البعيد عن الصدق افْتَراهُ اختلقه ظُلْماً هو وضع الشيء في غير موضعه وَزُوراً هو القول الباطل البعيد عن الحق مَسْحُوراً سحر فغلب على عقله.
وهذه هي شبهاتهم الواهية، على القرآن، وعلى النبي صلّى الله عليه وسلم، وهذا هو رد القرآن عليهم في ذلك بما يقطع الشك، ويهدى إلى الحق.
المعنى:
الله- سبحانه وتعالى- نزل القرآن، وهو كتاب لا ريب فيه، متشابه في البلاغة والبيان، محكم في الحجج والبراهين، تقشعر عند تلاوته قلوب الذين يخشون ربهم ثم تلين لذكر الله، وهذا هو القرآن كتاب الله، وهذا هو موقف المؤمنين منه. أما الذين ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة التعامي عن الحق فيقولون: ما هذا إلا إفك وكذب قد توغل في البعد عن الحق، وقد افتراه محمد من عنده، وأعانه عليه قوم آخرون، هم بعض اليهود. ومن أسلم من أهل الكتاب كأبى فكيهة مولى بن الحضرمي، وعداس مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار مولى عامر ابن الحضرمي، ولقد رد الله عليهم هذه الشبهة والواهية بقوله فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً.
نعم لقد قالوا شيئا إدّا- منكرا عظيما- فقد تحداهم الله على لسان النبي بالقرآن تحديا ظاهرا على أن يأتوا بمثله، مستعينين في ذلك بشهدائهم وأعوانهم من الإنس والجن، فلو كان محمد افترى هذا القرآن، وكذب في نسبته إلى الله، واستعان على ذلك بقوم آخرين، فلم لم تستعينوا أنتم أيها المشركون بهم أو بغيرهم وتأتوا بمثل هذا القرآن؟ وأنتم أهل الفصاحة والبيان، فإن لم تفعلوا، ولن تفعلوا، هذا أبدا رغم شدة تلك النتيجة عليكم فاعلموا أنكم بقولكم إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ.. قد جئتم بظلم وزور من القول لا سند له أصلا، أما أن قولكم ظلم فلأنكم نسبتم القرآن إلى النبي، وهو مبرأ منه لأنه من عند الله، ولا شك أن ذلك ظلم، وأما أنه وزر فلأنكم قلتم كذبا وادعيتم باطلا، وانظر إليهم في شبهتهم الثانية حيث قالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا يا لها من شبهة واهية!! أهذا القرآن المحكم الآيات أساطير الأولين وأحاديثهم؟! كتبها النبي صلّى الله عليه وسلّم بمعنى أنه أمر بكتابتها له إذ هو أمى لا يقرأ ولا يكتب، فهي تملى عليه وتقرأ أول النهار وآخره ليحفظها، ويلقى عليكم ما يتلى عليه صباحا في المساء، وما يتلى عليه في الأصيل يقرأه عليكم في الصباح.
وقد رد الله عليهم بقوله قُلْ أَنْزَلَهُ على رسوله ربكم الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ وأخفى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أنزله عالم الغيب والشهادة فكيف يكذب عليه النبي في نسبة القرآن إليه، ويتركه وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ والله- سبحانه وتعالى- هو القادر وحده على تركيب مثل هذا
القرآن. وعلى إيجاده كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ومع هذا فالله غفور رحيم لمن يتوب ويرجع عن عناده وكفره.
وانظر إليهم، وقد ساقوا صفات النبي صلّى الله عليه وسلّم زعموا أنها تتنافى مع الرسالة، وهذه الشبهة إن دلت على شيء فإنما تدل على قصر في العقل، وسوء في الرأى، ومادية غالبة أضلتهم السبيل، وأعمتهم عن الصراط المستقيم.
(١) يأكل الطعام (٢) يمشى في الأسواق.
(٣) ليس معه ملك من السماء يؤيده.
(٤) لم يلق إليه كنز ينفق منه.
(٥) لم تكن له جنات وبساتين يأكل منها. كأنهم فهموا أن الرسالة تتنافى مع البشرية، وكيف يكون رسولا وهو يأكل ويتبرز، ويأتى النساء، ويمشى في الأسواق؟!!، وما علموا أن الرسول بشر أوحى إليه قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [سورة فصلت آية ٦].
إن تعجب فعجب هذا كيف ينكرون الرسالة لبشر من الناس ثم يعبدون حجرا لا يسمع ولا يبصر!!! فكأن الألوهية لا تتنافى مع الجماد والحجر.
أما طلبهم أن يكون معه ملك يؤيده في قوله فها هو ذا القرآن هو المعجزة الباقية الشاهدة على صدق الرسول فيما يدعيه عن ربه، وهو المؤيد له والمدافع عنه أما كونه ليس له كنز، وليس له جنة كأغنيائهم ورؤسائهم، فالله أعلم حيث يجعل رسالته! وليس الرسول نائبا عن الأغنياء والأثرياء، لكنه رسول الله إلى الناس، يهديهم ويقودهم إلى الخير في الدنيا والآخرة فمن تتوفر فيه صفات الرسالة هو الرسول.
وقال المشركون الظالمون: ما تتبعون إلا رجلا قد سحر عقله، وطاش فكره انظر يا محمد: كيف ضربوا لك الأمثال؟ ووصفوك بهذه الصفات فقالوا: كاذب، أو ساحر، أو مجنون، أو هو رجل يمشى في الأسواق، أو يأكل الطعام.. إلخ ما ذكروه هنا، كل ذلك لينالوا منك، وينفروا الناس عنك، يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم، ويأبى الله إلا أن يتم نوره، ولو كره الكافرون، وانظر إليهم فقد ضلوا عن سواء السبيل إذ الطعن عليك إنما يتوجه إلى معجزتك أو عملك أو خلقك لا إلى هذه الأشياء التي ذكروها، وهم لا يستطيعون سبيلا إلى إطفاء نور الله، وعدم تأييد رسول الله أبدا.
رد عليهم وبيان لحالهم يوم القيامة [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ١٠ الى ١٦]
تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١) إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤)
قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦)
المفردات:
قُصُوراً القصر في اللغة: الحبس، وسمى القصر قصرا لأن من فيه مقصور عن أن تمتد إليه يد، وممنوع من الأعداء، والعرب ترى البيت من الحجارة قصرا أيا كان، وما يتخذ من الصوف أو الشعر تسميه بيتا سَعِيراً نارا شديدة الاستعار تَغَيُّظاً التغيظ: شدة الغضب وَزَفِيراً الزفير: هو النفس الخارج من جوف الإنسان ضد الشهيق مُقَرَّنِينَ مصفدين بالسلاسل قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم ثُبُوراً هلاكا.
المعنى:
الله الذي رفع السماء وبسط الأرض، وخلق الإنسان وصوره، هو صاحب الخير والبركات، تبارك خيره، وزادت نعمه، وهو إن شاء جعل لحبيبه المصطفى خيرا مما يطلبون من الكنز والجنة، وجعل له بدل الجنة جنات تجرى من تحت أشجارها الأنهار، ويجعل له القصور الشماء، إذ هو صاحب الأمر إذا قال للشيء كن فيكون وفي هذا رد عليه حث قالوا: أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها ولكنه الله- سبحانه وتعالى- أراد لنبيه عيشة الكفاف مع غنى النفس وقوة الإيمان، وكثرة الصبر. حتى لا يشتغل بدنياه عن دينه، وكيف لا يكون كذلك، والله يعده لتحمل أكبر رسالة في الوجود. وهذه الزعامة والرسالة تتنافى مع الدنيا وزخارفها الفانية.
وفي رواية سفيان عن حبيب بن أبى ثابت عن خيثمة قال: قيل للنبي صلّى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك ولا يعطاه أحد بعدك، وليس ذلك بناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة فقال النبي: «يجمع ذلك لي في الآخرة» فأنزل الله- عز وجل- هذه الآية.
وفي رواية. يا رضوان- حينما عرض عليه ذلك- «لا حاجة لي فيها، الفقر أحبّ إلىّ وأن أكون عبدا صابرا شكورا»
وعلى ذلك فيكون المعنى أن هذه الجنان والقصور تكون في الآخرة.
بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ هذا إضراب عن شبههم، وبيان أن هذه التعللات ليست حقيقية فلو أجيبوا إلى ما طلبوا ما آمنوا أبدا، وإنما السبب هو أنهم كذبوا بالساعة، ولم يؤمنوا بالغيب والحياة الآخرة ومن كان كذلك لم يكن عنده استعداد للبحث والنظر والإيمان بالرسل، وهؤلاء قد أعد الله لهم جهنم سعيرا ذات نار مسعرة موقدة.
والله قد وصف السعير المعد لهم بصفات:
(أ) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا وهذا كقوله- تعالى-:
إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ وهذا وصف يفيد بوجه عام شدة النار ولهبها [سورة الملك الآيتان ٧ و ٨].
(ب) وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا، وهذا وصف لهم في
النار بعد ما وصفهم خارج النار روى عن عبد الله بن عمر قال: إن جهنم لتضيق على الكافر كضيق الزج- الحديدة التي في أسفل الرمح- على الرمح، أما الجنة فعرضها السموات والأرض ولا شك أن الضيق شيء مؤلم للنفس وهم مع ذلك مصفدون في الأغلال والسلاسل. يسحبون على وجوههم في النار فإذا ألقوا فيها بهذا الوضع دعوا هناك قائلين: ووا ثبوراه! فقيل لهم: لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا، ولكن ادعوا ثبورا كثيرا فما وقعتم فيه ليس يكفيه ثبور واحد بل ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان كل نوع منه ثبور، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلودا غيرها فلا غاية لثبورهم وهلاكهم. بعد أن وصف النار بما وصف مما يفتت الأكباد، ويقطع القلوب حسرة وندامة على أصحابها أمر النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يقول: قل لهم: أذلك خير أم جنة الخلد؟ وأى خير في النار؟ ولكنه استهزاء بهم، وسير على طريقتهم الضالة التي يرون فيها أن للنار خيرا حيث لم يعملوا للجنة وثوابها تلك الجنة التي وعد المتقون أن يدخلوها ويتمتعوا بها وكانت لهم جزاء ومصيرا ونعم الثواب وحسنت مرتفقا، لهم فيها ما يشاءون، وما تشتهيه نفوسهم، وتلذه أعينهم، وترنو إليه أبصارهم، وهم فيها خالدون، ورضوان من الله أكبر من كل ذلك، وكان ذلك وعدا كتبه على نفسه، وتفضل به على خلقه المؤمنين، وقد سأله الناس فقالوا: رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ [آل عمران ١٩٤] رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة ٢٠١].
من مشاهد يوم القيامة [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ١٧ الى ٢٠]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠)
المفردات:
بُوراً هلكى مأخوذ من البوار أى: الهلاك.
المعنى:
هذا مشهد من مشاهد يوم القيامة، مشهد يتبرأ فيه المتبوعون من التابعين ويتخلص المعبودون من العابدين بل يكذبونهم فيما يقولونه عنهم وفي هذا تأييد لأهل الحق والإيمان، وكشف لستر المخدوعين المغرورين بالأصنام والأوثان ومن عبدوهم من دون الرحمن.
ويوم يحشرهم ربك وما يعبدون من دون الله، فيقول لهم على سبيل التقرير والتثبيت ليقروا بما يعلمون عن هذا السؤال فيظهر الحق وينكشف الصبح: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء الذين عبدوكم أم هم ضلوا السبيل؟ وهذا السؤال كما يقول علماء البلاغة للتقرير أى: حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه هو، ونظيره قول الله لعيسى ابن مريم:
أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ [سورة المائدة آية ١١٦].
وكان جواب المعبودين من الملائكة والجن والإنس كعيسى والعزير وغيرهم وكذا الأصنام- وجوابهم بلسان الحال أو المقال- سبحانك ربنا وتنزيها لك!! ما كان ينبغي لنا نحن العبيد الفقراء إليك، المستعينين بك العابدين لك وحدك. ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء وآلهة فما بال هؤلاء؟!!، وقيل المعنى: ما كان يصح لنا ولا يستقيم منا أن نتخذ أولياء من دون الله، فكيف يصح لنا أن نحمل غيرنا على أن يتولانا دونك، سبحانك هذا بهتان منهم عظيم!.
ولكن السبب في هذا يا رب، وأنت العالم بكل شيء، أنك متعتهم وآباءهم حتى أبطرتهم النعمة، وأضلهم الغرور حتى نسوا الذكر الذي أنزلته على رسلك، وكانوا قوما هلكى لا خير فيهم «وتلك مقالة الملائكة فيما يظهر» فها أنتم أولاء أيها الكفار.
ترون أنهم كذبوكم في دعواكم أنهم يقربونكم إلى الله زلفى، وأنهم آلهة، فحقا كذبوكم فيما تقولون عنهم، فما تستطيعون الآن أيها الكفار صرف العذاب عنكم بأى شكل، ولا تستطيعون نصرا بحال من الأحوال، وقرئ فما يستطيعون، أى: الآلهة المزعومون صرف العذاب، ولا يستطيعون نصركم أبدا.
ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا يتناسب مع ظلمه، والظلم هو الإشراك أو هو نوع منه إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ فالظلم أمر عام يدخل فيه الشرك والكفر والفسوق.
وهذا رد عليهم في اعتراضهم على الرسول بأنه يأكل الطعام ويمشى في الأسواق، وما أرسل الله رسلا فيما مضى إلا رسلا يأكلون الطعام كالناس تماما، ويمشون في الأسواق جريا وراء العيش وتحصيله من طرق شريفة حيث لم يكن في هذا الوقت جهاد، فليس الفقر عيبا، وليس العمل ينقص من قيمة الشخص، وقد جعل الله بعض الناس فتنة لبعض فجعل المؤمن مع الكافر، والصحيح مع المريض، والغنى مع الفقير كل منهم فتنة لصاحبه فالغنى ممتحن بالفقير إذ تجب عليه المواساة، وعدم السخرية منه، والفقير ممتحن كذلك بالغنى فلا يحسده، ولا يسرق منه، وأن يصبر كل منهما على ما أراد الله له.
والرسول وأصحابه فتنة لأشراف القوم من الكفار في عصره، ولذلك نرى أن من يقود الكفار والخارجين على الرسل قديما وحديثهم أشراف القوم، ألم تر إلى قوله تعالى وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ وإرسال رسول من القوم ليس ذا جاه ومال ومادة كان سببا في كفر كثير من الناس، وكان فتنة لبعض القوم لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ. ألم يجد الله غير يتيم بنى هاشم يرسله رسولا؟ نعم وجعلنا بعضكم لبعض فتنة! أتصبرون؟.
روى أنها نزلت في أبى جهل بن هشام، والوليد بن المغيرة، والعاصي بن وائل وغيرهم من أشراف قريش حين رأوا أبا ذر، وعبد الله بن مسعود، وعمارا، وبلالا،
وصهيبا، وسالما مولى أبى حذيفة... فقالوا: أنسلم فنكون مثل هؤلاء!؟ فأنزل الله- تعالى- يخاطب هؤلاء المؤمنين أَتَصْبِرُونَ
على ما ترون من هذه الحال الشديدة والفقر والجهد والإيلام- كأنه جعل إمهال الكفار والتوسعة عليهم والتضييق على المؤمنين فتنة لهم واختبارا، ولما صبر المسلمون أنزل الله فيهم إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِما صَبَرُوا.
بعض سوءاتهم وعاقبتها [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٢١ الى ٢٤]
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤)
المفردات:
لا يَرْجُونَ لِقاءَنا أى: لا يخافون لقاءنا والرجاء في بعض لغات العرب الخوف، وقيل لا يأملون لقاءنا بالخير لأنهم لا يؤمنون به وَعَتَوْا العتو: تجاوز الحد في الظلم حِجْراً الحجر: المنع ومنه حجر القاضي عليه، أى منعه من التصرف، وسمى العقل حجرا لأنه يمنع صاحبه من بعض الأعمال هَباءً الهباء ما يرى من الذرات في شعاع الشمس الذي يدخل من النافذة الضيقة مَنْثُوراً متفرقا والمراد أنه لا ينتفع به.
المعنى:
هذا ضرب من تعنت الكفار، وعنادهم الشديد الذي يدل حقّا على استكبارهم وعتوهم وفجورهم، وكأنى بهم وقد امتلأت قلوبهم كبرا وطغيانا فطالبوا أن تنزل عليهم الملائكة كما تنزل على النبي صلّى الله عليه وسلم قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتى مِثْلَ ما أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ويحتمل أن يكون مرادهم: لولا أنزلت علينا الملائكة فنراهم عيانا فيخبرونا أن محمدا رسول الله إلى الناس وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً آية ٩٠ من سورة الإسراء حتى قالوا في آية ٩٢ من السورة نفسها أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا ولهذا قالوا هنا: لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا وكأنهم لم يقنعوا بالقرآن على أنه معجزة ناطقة بصدق النبي صلّى الله عليه وسلّم في دعوى الرسالة فطالبوا برؤية الملائكة أو الله- سبحانه وتعالى- وما علموا أن الله لا يرى!! ولو أنزل إليهم ملك فليست فيهم قدرة على الاتصال به، ومكالمته، ولا غرابة في هذا، فها هو النبي صاحب الروح القوية حينما التقى بجبريل- عليه السلام- لأول مرة ناله ما ناله مما لم يقو على تحمله، وقد خفف جبريل عنه الشيء الكثير بضمه إليه مرارا وكأن الله يعده لذلك حتى حبب إليه الخلاء والبعد عن المادة والدنيا ومع ذلك حصل له ما حصل فكيف بعامة الناس؟ ولو جعل الملك رجلا لحصل اللبس، وطالبوا بالدليل وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ من سورة الأنعام الآيتان ٨، ٩ ولهذا قال الله تعالى: لقد استكبروا كبرا صادرا من أنفسهم مستكنا فيها، وقد عتوا عتوا كبيرا، يدعو إلى العجب العجاب ولقد صدق الله وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ، وما لهم يطلبون رؤية الملائكة؟! وهم سيرونهم في يوم عبوس قمطرير، يوم تقبض فيه أرواحهم ويطلعون فيه على ما أعد لهم، يوم يرون الملائكة قائلين لهم: لا بشرى لهم أبدا حين يبشرونهم بالنار وغضب القوى الجبار، وتقول الملائكة لهم: أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ حقا يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين، وهل هناك إجرام أشد من إجرام الكفار والمشركين؟ ويقولون: حجرا محجورا، ومن القائلون؟
قيل هم الكفار على عادة الجاهلين حينما يلتقى الرجل بعدوه يقول: حجرا. على معنى
الاستعاذة بالله ليمنع منه الخطر. وقيل هم الملائكة تقول للكفار: حراما محرما أن تبشروا بخير كما يبشّر المؤمنون يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ «١» فللمؤمن من الملائكة التحية والبشارة والتثبيت، وللكفار الإنذار والإيلام والإضلال وسوء المصير.
هؤلاء الكفار كانوا يعملون بعض البر من صدقة وإكرام، وفك أسير وخدمة البيت والحجيج، وكانوا يعتزون بذلك، ويعلقون عليه آمالا كبارا فقال الله لهم: وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فيه خير فَجَعَلْناهُ لا خير فيه، ولا جزاء له، بل صار كالهباء المبثوث مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ «٢» ولا تعجب من هذا فهم قوم لم يؤمنوا بالله، ولم يقدروه حق قدره، وقاسوه بالأصنام والأوثان، وعبدوا معه غيره، وجعلوا له ولدا أو شريكا أو شبهوه ببعض خلقه فأولى بهؤلاء أن يثيبهم على عملهم آلهتهم!! أما المؤمنون بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد من رسله فأولئك هم أصحاب الجنة الفائزون، وهم- يومئذ يتلظى الكفار بنار جهنم- خير مستقرا، وأحسن مقيلا إِنَّ أَصْحابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرائِكِ مُتَّكِؤُنَ لَهُمْ فِيها فاكِهَةٌ وَلَهُمْ ما يَدَّعُونَ [سورة يس الآيات ٥٥- ٥٧].
وفي الحديث «إن الله- تبارك وتعالى- يفرغ من حساب الخلق في مقدار نصف يوم فيقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار»
وهذا معنى أحسن مقيلا...
من مشاهد يوم القيامة [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٢٥ الى ٢٩]
وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩)
(١) سورة ابراهيم الآية ٣٧.
(٢) سورة ابراهيم الآية ١٧.
المفردات:
تَشَقَّقُ تتفتح السماء عن الغمام: الْحَقُّ الثابت الذي لا يزول عَسِيراً شديدا يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ كناية عن الندم خَلِيلًا صاحبا وصديقا الذِّكْرِ المراد القرآن خَذُولًا الخذل الترك من الإعانة.
المعنى:
واذكر يوم تتشقق السماء عن الغمام. وتتفتح عنه، وتنزل عنه، وتنزل الملائكة من السماء ومعها صحائف الأعمال لتحاسب الخلق! وهذه الآية قريبة من قوله تعالى:
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ [البقرة ٢١٠].
الملك يوم إذ تنتهي الخلائق إلى يوم الفصل، وتزول الدنيا ومعالمها، الملك الحق يومئذ للرحمن «لمن الملك اليوم؟ لله الواحد القهار» وكان هذا اليوم على الكافرين عسيرا وشديدا، إذ هو يوم الفصل والقول الحق فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ [سورة المدثر الآيتان ٩ و ١٠] أما المؤمنون فلا يحزنهم الفزع الأكبر، واذكر يوم يعض الظالم على يديه ندما وأسفا على ما فرط منه، ويقول: يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا نافعا، وطريقا موصلا الى الخير، وتركت طرق الغي والشيطان التي أتبعتها وكانت عاقبة أمرها خسرا.
يا ويلتى احضرى، فهذا أوانك! ليتني لم أتخذ فلانا هذا الذي أضلنى لم أتخذه خليلا وصديقا حميما أتبعه فيما يشير علىّ به.
روى أنها نزلت في عقبة بن أبى معيط، وكان صديقا لأمية بن خلف وأطاعه في إيذاء الرسول صلّى الله عليه وسلم
لقد أضلنى هذا الصديق عن القرآن والإيمان بعد إذ جاءني، ومعه الدليل على صدقه وأنه حق من الله.
وهل هذا اليوم الذي يندم فيه الظالم وهو يوم القيامة أو يوم بدر؟ الآية تحتمل، ولم يسم القرآن الظالم وصديقه تحقيرا لشأنهما، وليعم ذلك كل من شاكلهما.
وكان الشيطان للإنسان خذولا، يخذله ولا ينصره وقت شدة الحاجة إلى النصرة، وهكذا دائما شأن الشيطان، فليحذر الذين يتبعونه، ويسمعون لمشورته!!...
من سوءاتهم أيضا [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٣٠ الى ٣٤]
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤)
المفردات:
مَهْجُوراً متروكا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ لنقوى به قلبك وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا بيناه تبيينا بِمَثَلٍ بحال وصفه غريبة تشبه المثل.
المعنى:
وهذه شكاية الرسول لرب العزة والجبروت من سوءاتهم وأفعالهم التي تناهت في الفحش والسوء، وقال الرسول: يا رب: إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا! ولا شك أن ترك الإيمان بالقرآن والتصديق به هجران له، وترك تدبره وتفهمه هجران له، وإن ترك العمل به وعدم امتثال أمره واجتناب نهيه في كل شيء هجران له، وإن ترك الحكم به والعمل بقانونه في كل صغيرة وكبيرة- مع أن حكمه مرن وصالح لكل زمان ومكان- هجران له، وإن اللغط واللغو عند تلاوته هجران له وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ وناهيك عن وصفه بأنه كذب وسحر وشعر فهو هجران له وأى هجران؟ وفي كل هذا ألم للنبي صلّى الله عليه وسلم، وأى ألم أكثر من هذا؟!!، ولذا يقول الله لا تحزن يا محمد فتلك سنة الله في خلقه، ولن تجد لسنة الله تبديلا، وكذلك جعلنا لكل نبىّ عدوا من المجرمين، إى: وربي قد جعل الله- سبحانه- لكل نبي ورسول عدوا من شياطين الجن والإنس، الذي يوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا.
ولماذا يكون للنبي أعداء! ألم يأت بالحق؟ ألم يدع إلى الخير؟ ألم يأمر بالمعروف وينه عن المنكر؟ ألم يدع إلى عبادة الله الذي خلق الخلق، وفطر السموات والأرض، نعم الأنبياء رسل الله إلى الناس، والدعاة إلى كل خير، ولهذا فقط كان لهم أعداء، وأعداء كثيرون!!! سبحانك يا رب ما أعدل حكمك وأجل شأنك!! ألست قادرا على إهلاك الأعداء ونصرة عبادك الأنبياء؟ نعم الله- سبحانه- قادر على كل شيء، ولكن هذا يحصل ليبتلى الله المؤمنين، وليمحص الله الذين اتقوا، ويمحق الكافرين والمنافقين، وليبوء أعداء الله والحق، وأعداء الأنبياء بالإثم الكبير، والذنب العظيم.
نعم جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكذلك الدعاة إلى الله في كل وقت وحين لهم أعداء يقفون لهم بالمرصاد، ويذيقونهم سوء العذاب أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ [سورة العنكبوت الآيتان ٢ و ٣].
ولكن مع هذا كله فالله معهم، وناصرهم ومؤيدهم ما داموا على الحق الصريح يحاربون نفوسهم، ويهزمون شياطينهم، وكفى بربك هاديا، وكفى به نصيرا، وهو على كل شيء قدير!
اسمع لمشركي قريش يعترضون على النبي والقرآن اعتراضا آخر لما عجزوا وأفحموا وتحداهم القرآن فلم ينجحوا، اسمع لهم يقولون: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كما نزلت الكتب على موسى وعيسى وداود! كذلك نزل القرآن منجما تبعا للحوادث والظروف لحكم إلهية هي تثبيت فؤاد النبي صلّى الله عليه وسلّم ومن معه، فيكون ذلك أدعى إلى حفظه وفهمه فهما عميقا لأن الحوادث تفسره تفسيرا عمليّا، وكذلك رتلنا القرآن ترتيلا، وبيناه تبيينا وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا ولا يأتونك بصفة وحال غريبة تشبه المثل كقولهم: لولا أنزل عليه ملك، لولا كانت له جنة إلى آخر ما قالوا. إلا جئناك بالقول الحق والرد القوى الذي يلجمهم، ولا يسألونك سؤالا للتعنت والتحدي إلا جعلناك تجيب بأن ننزل عليك القرآن، وهو الحق من عند ربك، فلو نزل جملة واحدة لوقفت إذا سألوك عن شيء خارج،... حقا ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا.
الذين من دأبهم هذا ومن طبعهم، يحشرون على وجوههم إلى جهنم، وبئس القرار، أولئك هم شر مكانا وأضل سبيلا.
والخلاصة: ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق، وأنت منصور عليهم بالحجج الواضحة، وهم محشورون على وجوههم، أولئك مأواهم جهنم، وبئس المصير مصيرهم.
قصص بعض الأمم التي كذبت رسلها [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٣٥ الى ٤٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩)
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠)
المفردات:
وَزِيراً يقال: فلان وزير الملك أو الرئيس لأنه يؤازره أعباء الملك، أى: يعينه من المؤازرة، وقد مضى الكلام عليه في آية (٢٩) من سورة طه تَدْمِيراً أهلكناهم إهلاكا الرَّسِّ البئر التي لم تطو، وقيل: الرس الحفر، ومنه رس الميت أى:
قبر تَتْبِيراً التتبير: التفتيت والتكسير ومنه التبر وهو كسارة الذهب والفضة، والمراد أهلكناهم إهلاكا.
وهذا قصص ما مضى من الأمم التي وقفت من أنبيائها مواقف تشبه مواقف قريش مع النبي، وكيف كان جزاؤهم في الدنيا!.
المعنى:
وتالله لقد آتينا موسى الكتاب الذي هو التوراة، وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا له ليشد أزره، ويحمل معه عبء الرسالة، فقلنا: اذهب أنت وأخوك بآياتنا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى، اذهبا إلى القوم- فرعون وملئه- الذين كذبوا بآياتنا وعصوا رسلنا فكانت عاقبتهم أنا دمرناهم تدميرا، فانظروا يا كفار مكة عاقبة الكفر وتكذيب الرسل.
واذكر لهم قوم نوح. لما كذبوا الرسل جميعا، إذ من يكذب رسولا فقد كذب الرسل، ومن يؤمن برسول حقا فقد آمن بجميع الرسل، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية، فهل من مدكر؟ وأعتدنا للظالمين أى: لكل من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذابا أليما، وقوم نوح يدخلون في ذلك دخولا أوليا.
واذكر لهم عادا لما كذبوا هودا وثمود لما كذبوا أخاهم صالحا، وأصحاب الرس قيل: هم قوم من عبدة الأصنام أصحاب آبار وماشية فبعث الله لهم شعيبا فدعاهم إلى الإسلام فكذبوه، وآذوه فخسف الله بهم وبدارهم الأرض، وقيل هم أصحاب الأخدود وقيل غير ذلك، وأيا ما كانوا. فهم قوم أخبر الله عنهم بالهلاك، فاعتبروا يا أولى الأبصار.
واذكر لهم قرونا بين ذلك، أى: أمما لا يعلمهم إلا الله بين قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس...
وكلا من الذين ذكروا بالنص كقوم نوح وعاد، ومن الذين ذكروا بالإجمال ضربنا له الأمثال، وبينا له الحجج والآيات، وأجبناهم على كل الشبه والاعتراضات فلما لم يجد هذا ولا ذاك تبرناهم تتبيرا، وأهلكناهم هلاكا تاما.
فما لكم لا تعتبرون؟!! ولقد أتى أهل مكة على القرية، ومروا بها في رحلاتهم، والمراد بالقرية (سدوم) من قرى قوم لوط، التي أمطرت بالحجارة فكان أسوأ مطر وأشده عليهم! أفلم يكونوا يرونها؟ أفلم يكونوا في مرورهم ينظرون إلى آثار عذاب الله- تعالى- ونكاله بهم!! بل السبب في جحودهم وعدم اعتبارهم والتفاتهم إلى موضع العبرة والعظة، أنهم قوم كفرة لا يرجون نشورا. نعم إن الإنسان لا يتحمل متاعب التكاليف، إلا رجاء ثواب الآخرة وخوف عقابها فإذا لم يؤمن بها ولم يرج ثوابها فلا يتحمل مشاق التكاليف، ولا يفتح عينه ولا قلبه على موضع العبرة والعظة، وهذا هو معنى قوله تعالى لا يَرْجُونَ نُشُوراً ولعلك تدرك من هذا السر في قوله:
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ «١» ولا شك أنهم هم المنتفعون بالقران إذ من لا يؤمن بالحياة الآخرة بعيد عليه ان يتقبل الهدى والنور.
(١) سورة البقرة الآيتان ٢ و ٣.
من قبيح أعمالهم [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤)
يا عجبا لهؤلاء! لم يكتفوا بتكذيبهم لرسول الله الصادق الأمين، وإنما جعلوه موضع استهزائهم، يستهزئون به ويتندرون عليه، وأيم الله إن هذا منهم لعجيب فلم يكن المصطفى صلّى الله عليه وسلّم في شكله العام أو تصرفاته الخاصة يصح أن يكون موضع استهزاء، على أن الآيات والحجج التي ظهرت على يد الرسول تمنع من ذلك، بل هم الذين يستحقون الاستهزاء بهم حيث تركوا عبادة الواحد القهار إلى عبادة الأصنام والأحجار!! وإذ رأوك- ما يتخذونك إلا هزوا- يقولون: أهذا الذي بعث الله رسولا؟
والاستفهام هنا للتحقير والاستهزاء، ولعل منشأ ذلك أنه ليس غنيا من أغنياء القوم.
والعجب منهم كيف يستهزئون به ثم ينسبون له في الوقت نفسه العمل الجليل والأثر الخطير حيث يقولون: إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها فهو قوى الحجة شديد التأثير يكاد يصرفنا عن عبادة الآلهة، لولا أن حبسنا أنفسنا على عبادتها وتعظيمها، وهذا يدل على جد الرسول واجتهاده في تبليغ دعوته، وعلى مقدار تمسكهم بالباطل، وقد رد الله عليهم بأمور ثلاثة:
(أ) وسوف يعلمون حين يرون العذاب يوم القيامة من هو أضل سبيلا؟ من هو أقوم طريقا؟ أمحمد وصحبه أم كفار مكة ومن على شاكلتهم؟.
(ب) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ والمعنى. تعجب يا محمد من جهل هؤلاء الذين اتخذوا آلهتهم هواهم، فهم لم يتخذوا لأنفسهم آلهة إلا هواهم، وانظر إلى قول سعيد بن جبير: كان الرجل من المشركين يعبد الصنم فإذا رأى أحسن منه رماه، واتخذ الآخر وعبده. وهذا يدل على أنه لم يكن لهم حجة في عبادة الأصنام إلا اتباع الهوى وتقليد الآباء! أما الحجة والنظر السليم فهم بعيدون عنها كل البعد.
وقيل المعنى: إن هؤلاء كانوا عبيدا لهواهم. وكان هو الحكم في كل شيء بلا عقل ولا عقيدة ولا نظر...
أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا ولست عليه بمسيطر ولن تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، ما عليك إلا البلاغ فقط.
(ج) وهذا هو الرد الثالث عليهم أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا وأم بمعنى بل، وهي تفيد الإضراب عما مضى كأن هذا هو الرد فقط، نعم لا تظن أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون وقد نفى عن أكثرهم السماع والعقل- وهذا حكم عدل إذ كل مجموعة فيها الحسن والقبيح- ونفى السماع والعقل هنا يدلنا على أن المراد بهما السماع والعقل الروحيان الذي يكون القلب موضعهما أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها فليس المراد السماع والعقل الحسى فالكفار يسمعون بلا شك ويعقلون بلا شك، وإنما الروح التي هي من الله، والتي هي القوة الدافعة إلى الخير والمحاربة للنفس المادية والشيطان، تلك الروح لها حواس موضعها القلب، ومن أضله الله وأعمى بصره القلبي وسمعه وعقله وختم عليهما، لا يكون له سمع يسمع الحق ويهتدى به. ولا يكون له بصر يبصر الطريق المستقيم ويسير عليه، وهذا بلا شك لا يعقل ولا ينظر ولا يتذكر إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ.
ما هؤلاء الكفار إلا كالأنعام في أن لهم سمعا وبصرا حسيين، وليس لهم إدراك وإحساس روحي، بل هم أضل، لأن البهائم لم تكلف ولم تعص خالقها، وأما هؤلاء فقوم عندهم الاستعداد لإدراك الخير، والقوة لمعرفة الحق، ولكنهم قوم ضلوا وأضلوا، ولهم النار وبئس القرار...
بعض الظواهر الكونية التي تدل على وجود الله ونعمه علينا [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٤٥ الى ٥٢]
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢)
المفردات:
الظِّلَّ حالة وسط بين الظلام الخالص والنور الخالص، ومده بسطه، وينشأ من وجود جسم تقع عليه أشعة الشمس فيظهر ظله صباحا جهة المغرب وبعد الزوال يكون جهة المشرق، وقال ابن السكيت: الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس ساكِناً ثابتا لا يزول لِباساً ساترا كاللباس سُباتاً من السبت وهو القطع لانقطاع التعب فيه، أو لانقطاع الحياة الكاملة نُشُوراً ذا نشور أى انتشار ينتشر فيه الناس لمعاشهم بُشْراً مبشرات طَهُوراً مطهرا لغيره
أَناسِيَّ هم الناس صَرَّفْناهُ صرفنا المطر أى: فرقناه وحولناه من جهة إلى جهة، ومنه قيل تصريف الأمور كُفُوراً أى كفرا.
ما مضى كان نقاشا لأهل مكة في أمور معنوية عامة، وتهديدا لهم حيث كذبوا ولم يؤمنوا ثم ساق لهم قصصا يؤيد ذلك. وبين لهم أن هلاكهم أمر واقع، ليس له من دافع، ثم ساق أدلة على وجود الصانع المختار، وهذه الأدلة بعض الظواهر الكونية، التي يدركها كل مخلوق مع بيان قدرة الله ونعمه التي لا تنفد، وكان الكلام على الظل.
والليل والنهار. والريح. والمطر وغير ذلك مما يناسب عقول هؤلاء الناس، ويلتقى مع خيالهم، وهو عماد بيتهم.
المعنى:
ألم تنظر إلى صنيع ربك الذي يدل على كمال قدرته، ومنتهى رحمته حيث مد الظل وبسطه، أو قبضه وقلله، والظل نعمة من الله على الناس جميعا، إذ الحياة والدفء من نور الشمس، ولكن قد يبهر العين، ويجلب الحر، ويقتل النفس. وفي الظلام السكون والهدوء، ولكن النفس لا تألفه، والطبع السليم يأباه، فكان من نعم الله علينا الظل وسطا بين النور والظلام، وجاء وصفا للجنة حيث كانت ذات ظل ممدود، ومن هنا ندرك السر في تفسير بعض العلماء للظل بأنه الوقت من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس إذ هو وقت الهدوء والسكون والراحة النفسية، والجو الصافي، وقت النشاط الروحي والصفاء النفسي: ولا تنس أن للظل مكانة عند العرب.
ولو شاء ربك لجعل الظل ساكنا ثابتا لا يحول ولا يزول، ومن هنا يذهب رواؤه، ويقل تأثيره، إذ تأثيره الطبعي والمعنوي في ذهابه وحضوره ووجوده وانعدامه وقلته وكثرته.
والظل أمر لا يعرف ولا يدرك إلا بالشمس، وتبارك الله أحسن الخالقين ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا فكأن الله- سبحانه- خلق الظل أولا، ثم جعل الشمس دليلا على وجود هذه النعمة الجليلة ذات الأثر الفعال في الإنسان والحيوان والنبات.
أليس في وجود الظل ثم تحركه وتغيره، وانتقاله من حال إلى حال ثم جعل الشمس
دليلا عليه؟ أليس في ذلك كله ما يدل على الخبير البصير القوى الحكيم؟ على أنه بنا رءوف رحيم.
وانظر إلى قوله تعالى: ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً وكأنه يسير الهوينا، ولا شك أن قبضه وبسطه يسير على فاطر السموات والأرض.
إنها الشمس تشرق على الكون فتملؤه حياة وبهجة وحركة ودفئا، ويظهر بسببها الظل في أول النهار، والفيء من آخره، ثم يأتى الليل بجحافله، فتغيب الشمس، ويحمر الأفق، وتبيت الطير، وتسكن الحركة، وينام الناس.. أليس في ذلك كله مظاهر دالة على قدرة الله؟
وهو الذي جعل الليل لباسا، فهو ساتر بظلامه الناس. وفي ظلام الليل وسكونه آية وأى آية؟ على وجود الله، وفيه منافع للناس في الدنيا والدين، لا تخفى على ذي بصيرة.
سبحانك يا رب خلقت فأبدعت، وصنعت فأحكمت، ولا غرابة فأنت الحكيم العليم!! يا أخى تصور أن الله حرمنا من الليل والنوم، أيكون للدنيا ذلك البهاء، وتلك الروعة؟ إننا نبيت متعبين مكدودين فنأوى إلى فراشنا طلبا للراحة والهدوء فيمن الله علينا بالنوم والسبات العميق فيقطع علينا تفكيرنا وألمنا، ويجدد من نشاطنا بل ويبعثنا من جديد، فنصحو وكلنا نشاط وقوة وعمل واجتهاد، حقا من نعم الله علينا أن جعل لنا النوم سباتا، والنهار معاشا، وإن من يحاول العمل في الليل والنوم في النهار لا يفلح ولا ينتج وما أحسن جعل الليل للسبات والنهار للنشور والمعاش.
وهو الذي أرسل الرياح مبشرات بين يدي رحمته تبشر بالغيث والمطر والإنبات وسير السفن، وأنزل ربك من السماء ماء طهورا، أى في نفسه مطهر لغيره، يزيل النجس والخبث، ويرفع الحدث.
أنزله ليحيى به الأرض بعد موتها، إذ حياة الأرض بالزرع والنبات، فالأرض المجدبة، والصحراء القاحلة ميتة لا حياة فيها، وإذا كان هذا حالها فما بال البلاد الواقعة فيها والناس الذين يسكنونها؟!! ومن المطر يشرب من خلق الله الأنعام من إبل وبقر وغنم وغيرها: ويشرب منه ويحيا به خلق كثير، ربطت حياتهم بالمطر، وهم سكان الصحارى والقفار.
ولقد صرف الله المطر، وغير أحواله فتارة يكثر، وطورا يقل، بل وينعدم والله- سبحانه- يسوقه إلى حيث يشاء حسب إرادته وعلمه، وصرفه الله وقلب أحواله ليذكر الناس ويتدبروا، ويعلموا أن ذلك صادر من فاعل مختار، ولا يمكن أن يكون بالطبع والعلة كما يقول الطبعيون، ومع ذلك فقد أبى وكفر أناس كثيرون.
وقيل المراد تصريف القرآن، وتقليب حججه وآياته من حال إلى حال ليذكر الناس ويتعظوا. ومع هذا فقد كفر به خلق كثير...
ولو شاء ربك لبعث في كل قرية أو جماعة نذيرا ينذرهم ويبشرهم كما كان يحصل قديما، ولكن الله- سبحانه وتعالى- أرسل محمدا خاتم النبيين أرسله للناس جميعا، لأنه جمع خير الرسالات، وفضائل الأنبياء وصفاتهم، وكان بعثه فاتحة عصر جديد للعالم، يمكن فيه لسهولة الاتصالات وانتشار نواحي العلم والمدنية أن يعلم الكل ولو بالإجمال إرسال رسول للناس وقد كان ذلك. فما من أمة أو جماعة إلا وقد عرفت برسالة محمد صلّى الله عليه وسلم.
فلا تطع يا محمد الكافرين، وجاهدهم بكل سلاح جهادا كبيرا، جهادا يتناسب مع كل عصر وزمن، وهكذا يكون أمراء دينك وحكام أمتك، بل وأمتك كلها واجب عليها ألا تطيع الكافرين وأن تجاهدهم بكل سلاح والويل لها حين أطاعت ولم تجاهد!!
من دلائل التوحيد وجميل الإنعام وكريم التوجيه للنبي صلّى الله عليه وسلم [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٥٣ الى ٦٢]
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧)
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢)
المفردات:
مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ خلاهما وأرسلهما متجاورين فُراتٌ المراد شديد العذوبة وأصل الكلمة من فرته وهو مقلوب رفته إذا كسره لأنه يكسر سورة العطش ويزيلها أُجاجٌ شديد الملوحة مع مرارة بَرْزَخاً حاجزا يحجز كلا منهما عن الآخر نَسَباً أى: ذوى نسب أى: ذكورا ينسب إليهم وَصِهْراً أى: وذوى صهر أى: قرابة، واشتقاق الصهر من صهرت الشيء إذا خلطته، وسميت المناكح صهرا لاختلاط الناس بها ظَهِيراً أى: مظاهرا وقيل: هو من الظهر والمراد هينا ذليلا لا يعبأ به نُفُوراً أى: بعدا عن الدين بُرُوجاً أى: منازل كالقصور للكواكب السيارة خِلْفَةً أى: كل منها يأتى بعد الآخر.
المعنى:
وهو الذي مرج البحرين العذب والملح وخلى بينهما وخلط، وأفاض أحدهما إلى الآخر، فهما يلتقيان أحدهما عذب فرات، يزيل العطش، ويكسر سورته وذلك كمياه الأنهار والعيون والآبار، وهي المياه الجارية التي فرقها الله بين عباده لاحتياجهم إليها كأنهار النيل والفرات والمسيسبى في أمريكا وغير ذلك كثير في جميع بقاع العالم، وكذا العيون والآبار التي في الواحات والصحارى الكبرى وغالب هذه الأنهار وروافدها تتكون من الأمطار، وبعضها يتسرب في الأرض ثم يظهر على شكل عيون وآبار.
والثاني ملح أجاج، مر المذاق لا يستساغ شربه، كالبحار الكبيرة والمحيطات المعروفة، وهذه مياه ساكنة إلا من المد والجزر، وتصب فيها الأنهار الجارية.
وإنا نرى أن البحرين العذب والملح، يسيران جنبا إلى جنب بل وقد يصب العذب في الملح، مع ذلك يبقى كل منهما محافظا على خصائصه مسافة طويلة، هذا هو المشاهد عند مصاب الأنهار، ونشاهد كذلك أن الأرض تحمل النوعين، والقارة فيها الصنفان المتميزان كل عن الآخر، لا يبغى أحدهما على الآخر أبدا.
وعلى ذلك يصدق فيهم قوله تعالى: وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً وقوله تعالى في سورة الرحمن مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ فالحاجز هو اليابس من الأرض ولقد صرح بذلك بعض أئمة التفسير كابن كثير وغيره، وإلى هذا أميل، وبعضهم يرى أن الحاجز ما يشاهد من نهر النيل مثلا يصب في البحر الأبيض وهو ملح، ومع هذا يظل ماء النيل سائرا في الملح مسافة وهو محتفظ بخاصيته وهذا من نعم الله التي أنعم بها على خلقه فللماء العذب فوائد كلنا يعرفها، وللماء الملح فوائد لا تخفى في تربية بعض الأسماك والأصداف والأحجار الكريمة كاللؤلؤ والمرجان. ولقد أثبت العلم الآن أن للمحيطات وملحها أثرا كبيرا في حياة الناس ولو كانت عذبة لفسد الجو.
وهو الذي خلق الإنسان من ماء مهين هو ماء النطفة، فسواه وعدله، وجعله كامل الخلقة ذكرا أو أنثى تكون لها مصاهرة وقرابات وأختان، وتبارك ربك الخلاق وكان ربك قديرا بالغ القدرة، خلق الإنسان، وكان أن جعل منه الذكر والأنثى يَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ إِناثاً وَيَهَبُ لِمَنْ يَشاءُ الذُّكُورَ أرأيت الله واهب الوجود مبدع ذلك
الكون الغريب؟ كيف ضل عن عبادته وكفر به المشركون، فهم يعبدون من دون الله أشياء لا تنفعهم ولا تضرهم لو أرادت ضررهم، لأنها لا تدفع عن نفسها الضرر، ولا تجلب لها الخير، فكيف بها معكم أيها الجهلة؟!.
وكان الكافر على عصيان ربه، ومخالفة أمره، وتكذيب رسله مظاهرا ومتعاونا مع الشيطان وهو وحزبه هم الخاسرون، وقيل المعنى: وكان الكافر هينا لا قيمة له عند ربه.
وأما أنت يا محمد فلا يهمنك هذا العناد والكفر، فما أنت إلا نذير، وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا، وعلى الله وحده الحساب والعقاب قل لهم: لم لا تطيعوني وقد قامت الأدلة على صدقى؟ هل سألتكم أجرا على رسالتي حتى تخالفوني، لا: لم أسألكم أجرا أبدا، لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا حسنا، ومن شاء أن يكون عند الله من المقربين بالإنفاق والعمل الصالح فليفعل، فكل ذلك عنده بمقدار ولا يضيع عنده مثقال ذرة من عمل.
وتوكل يا محمد على الحي الذي لا يموت، صاحب هذا الملكوت، القوى الباقي بعد فناء الخلق جميعا، فمن يتوكل عليه فهو حسبه وكافيه من كل شر إن الله بالغ أمره، قد جعل الله لكل شيء قدرا، والتوكل لا ينافي الأخذ بالأسباب الظاهرة مع اعتقاد أن الله- سبحانه- بيده كل شيء، فهو كما ترى حي لا يموت، فسبحه وقدسه وأطعه واعبده فهو العالم الخبير، وكفى به بذنوب عباده خبيرا، وسيجازى كلا على عمله إن خيرا فخير، وإن شرا فشر، وهو الرحمن الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام الله أعلم بمقدارها، ولا تسل عن عددها بل تذكر قول الله في عدد خزنة النار حيث يقول: وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا [سورة المدثر آية ٣١].
خلق الله السموات والأرض في ستة أيام، ثم استوى على العرش استواء يليق بعظمته، وهو أعلم به- وهذا رأى السلف- أما الخلف فيؤولون ويقولون ثم استولى على العرش يدبر الأمر. ويقضى بالحق وهو خير الفاصلين، وثم للترتيب الإخبارى لا للترتيب الزمنى.
فاسأل خبيرا عنه واتبعه واقتد به، ولا أحد أعلم بالله ولا أخبر به من عبده ورسوله والكتاب الذي نزل عليه إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى.
[النجم ٤ و ٥] وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن- سبحانه وتعالى- قالوا: وما الرحمن؟ كما قال فرعون لموسى: وما رب العالمين؟ وهل هم يسألون عن حقيقته؟ أو هم يعرفونها وينكرون الاسم ويسألون عن الوصف.
أنسجد لما تأمرنا بالسجود له وهو الرحمن؟ وزادهم هذا القول نفورا، وبعدا عن الصواب والحق، وبخاصة حينما يسجد المسلمون.
تبارك وتعاظم الذي جعل في السماء بروجا ومنازل للكواكب السيارة، سبحانه من إله قوى قادر حكيم خبير، ولكن المشركين لا يعقلون.
تبارك الله الذي جعل في السماء سراجا قويا ذا ضوء وحرارة، وجعل فيها قمرا منيرا للكون في الليل، وخص هذان لأنهما المعروفان المشاهدان.
وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة، يخلف كل منهما الآخر فمن فاته خبر في الليل يعلمه في النهار، هذا لمن أراد أن يتذكر ويعمل، وكأن الليل والنهار المختلفان على الكون من آيات ربك الكبرى لمن أراد أن يتذكر ويتعظ، ثم يشكر ربه على نعمه التي لا تحصى.. تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام...
من صفات المؤمنين [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٦٣ الى ٦٧]
وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧)
المفردات:
هَوْناً المراد متواضعين بسكينة ووقار سَلاماً أى: خيرا من القول يَبِيتُونَ كل من أدركه الليل فقد بات وإن لم ينم غَراماً لازما لا يفترق يَقْتُرُوا القتر والإقتار والتقتير البخل، وهو ضد الإسراف قَواماً بفتح القاف: العدل والاستقامة، وبالكسر: ما يدوم عليه الأمر ويستقر.
وهذا بيان لصفات المؤمنين بعد ما تكلم على الكفار والمشركين، وبين أعمالهم واعتقادهم وما هم فيه، وما ينتظرهم من جزاء فكان ختاما للسورة على أتم ما يكون وأحسنه، وقد وصف الله المؤمنين هنا بتسع صفات، كلها ترجع إلى صفة الشخص وخلقه، وقد تعرض القرآن الكريم إلى صفات المؤمنين في عدة مواضع لاعتبارات مختلفة، فمرة يذكرهم كجماعة وأمة، ومرة كأفراد عاملين، وأخرى يذكر صفاتهم وأخلاقهم كما هنا- إن شئت فارجع إلى الآيات من سورة التوبة، والآيات ٤٠، ٤١ من سورة الحج، وكذا أول سورة المؤمنون إلى آخر ما مضى وما مر عليك.
المعنى:
وعباد الرحمن- وهم المؤمنون حقا- الذين يفعلون كيت وكيت أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، يلقّون فيها تحية وسلاما.
والعبودية للرحمن، أعلى صفة للإنسان: بل أعطيت لأكرم الرسل وخاتم الأنبياء صلّى الله عليه وسلّم انظر إلى قوله تعالى: سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ، تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ فدل ذلك على أن هذه الصفة من أشرف صفات المخلوقات، ولا تعطى إلا للمشتغلين بالعبودية حقا، وإلا فالكل عبد الله.
١- الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً.. هم الذين يمشون في نهارهم مع الناس ويعاملونهم برفق ولين، ويمشون في سكينة ووقار، وخضوع وتواضع من غير أشر ولا بطر، ولا عجب ولا كبر، ولا يفسدون، ولا يتكبرون، ولا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعا ورياء، وقد كان النبي صلّى الله عليه وسلّم إذا مشى كأنما ينحط من صبب. أى: مرتفع.
٢- وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً أى: إذا تعرض لهم غيرهم من الناس بسوء ردوا عليه بالخير، وألقوا قولا فيه سلام وتسليم، وفيه العفو والصفح، فهم يقابلون السيئة بالحسنة حيث صدرت السيئة من جاهل حقيقة أو حكما وَإِذا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ فإذا وصلت حالة إلى أنه لا يعتبر جاهلا بل قاصدا عامدا للإهانة فهم يعتزون بالله وبرسوله، ويدفعون عنهم الذل والعار، ويضربون على أيدى السفيه الأحمق المعاند حتى يكون عبرة له ولغيره.
٣- وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً وهذه صفة تختلف باختلاف الناس فمنهم من إذا صلّى العشاء في جماعة وأتبعها بسنتها ثم صلّى الفجر في جماعة كان متصفا بأنه بات لربه ساجدا وقائما، ومن الناس من يصدق فيهم قوله تعالى كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. تَتَجافى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وفي الحق أن كل نفس عليها ما تستطيعه بل وأقل منه حتى لا تنفر من العبادة، ولا يصيبها الملل والكسل.
وقد وصف الله عباده في النهار بالمشي هونا، وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، وفي الليل بأنهم يبيتون لربهم سجدا وقياما «عبّاد الليل وفرسان النهار».
٤- وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً نعم هؤلاء هم عباد الرحمن حقا يفعلون من الخير ما يفعلون، ولكنهم دائما في حذر وخوف، ولا يأمنون مكر الله، إنه لا يأمن مكره إلا القوم الفاسقون، هؤلاء دائما يذكرون الله، ويخشون عذابه، ويقولون سائلين متضرعين: ربنا اصرف عنا عذاب جهنم الذي أعد للعصاة إن عذابها كان لازما لزوم الغريم، إنها ساءت مستقرّا ومقاما وهذه الآية كقوله تعالى: وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ [سورة المؤمنون آية ٦٠].
٥- وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً وتلك أساس الاقتصاد بل أولى دعائمه ساقها القرآن من أربعة عشر قرنا، وإن جهلها المسلمون ولم يعملوا بها حتى غزانا الأجنبى اقتصاديا كما غزانا سياسيا.
والدين كثيرا ما أمرنا به انظر إلى قوله تعالى: وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ من سورة
الإسراء. والإنفاق المطلوب شرعا في الأمور المباحة هو ما كان بين الإسراف والتقتير إذ خير الأمور أوسطها، واعلم أنه لا سرف في الخير ولا خير في السرف، وقد قيل:
الاقتصاد نصف المعيشة وما عال من اقتصد. والاقتصاد فضيلة بلا شك بشرط أن لا يصل إلى حد التقتير والمبالغة في الإمساك، واحذروا أيها المسلمون من أعدائكم في الاقتصاديات فهم يريدون فرض نفوذهم علينا إما بالسيف أو بالمال أو بالعلم، وحذار ثم حذار من ألا عيبهم التي تجوز على كثير منا.
من صفاتهم أيضا [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٦٨ الى ٧٧]
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢)
وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧)
المفردات:
أَثاماً عقابا وجزاء مُهاناً ذليلا مطرودا لا يَشْهَدُونَ إما من الشهادة أو من الشهود أى الحضور بِاللَّغْوِ اللغو: كل ما لا خير فيه من قول أو فعل لَمْ يَخِرُّوا الخرور. السقوط على غير ترتيب ونظام قُرَّةَ أَعْيُنٍ المراد ما به تقر عيوننا أى: تسكن وتهدأ الْغُرْفَةَ كل بناء عال فهو غرفة المراد الدرجة الرفيعة، وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي يقال: أنا لا أعبأ بفلان أى لا أبالى به، وأصل العبء هو الحمل الثقيل: والمراد ما كان له عندي وزن ولا قدر.
وهذه صفات سلبية بعيدة كل البعد عن العباد المؤمنين، وهي صفات المشركين الجاهلين، فقد كان منتشرا عندهم الشرك وعبادة الصنم، وقتل النفس بغير حق، والإغارة على الآمن، ووأد البنات خوف الفقر، والزنا السرى في الأشراف، العلنى في الإماء. وغير ذلك من الموبقات.
وقد روى مسلم من حديث عبد الله بن سعود قال: قلت: يا رسول الله. أى الذنب أكبر عند الله؟ قال: «أن تدعو لله ندّا وهو خلقك» قال: ثم أى؟ قال:
«أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك» قال: ثم أى؟ قال: «أن تزانى حليلة جارك»
فأنزل الله- تعالى- تصديقها في هذه الآيات.
المعنى:
وعباد الرحمن الموصفون بما تقدم من صفات هم أيضا المنزهون عن تلك..
٦- وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فهم البعيدون عن الشرك بالله، ولا يدعون مع الله إلها آخر بل وجهتهم ربهم، به آمنوا، وعليه توكلوا، وإليه التجئوا مخلصين غير مشركين.
٧- وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ اعلم يا أخى أن دم الإنسان محترم ولا يباح الاعتداء عليه إلا في ثلاث، إذا ارتد بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان أو اعتدى بقتل إنسان لم يحل قتله، فالمؤمنون هم الذين لا يقتلون نفسا حرم الله قتلها إلا بحق، وصاحب الحق في قتل من ارتد أو قتل أو زنى هو الإمام، أى الحاكم.
٨- وَلا يَزْنُونَ... والزنى جريمة شنعاء، وفعلة نكراء، لا يأتيها إنسان ومعه ضمير حي،
ولقد صدق رسول الله «لا يزنى الزّاني حين يزنى وهو مؤمن»
ولذا كان النهى عن القرب من الزنا في قوله تعالى وَلا تَقْرَبُوا الزِّنى [الإسراء ٣٢] وهذه الصفات الثلاث أمهات الكبائر، وعنوان الرذائل فمن يفعلها يلق أثاما وعذابا ونكالا.
ويضاعف له العذاب يوم القيامة أضعافا، الله أعلم بها، ويخلد فيه حالة كونه مهانا، إلا من تاب وأناب، وآمن بالله وعاد إلى رشده، وعمل عملا صالحا كدليل على صدق التوبة، وحسن النية، وحقيقة الندم.
والتوبة كما قلنا مرارا عملية تطهير للنفس، لها أصول تقتضي الإيمان الكامل، والعلم بالذنب والإقرار به، والندم عليه. والعزم على عدم العودة إليه والعمل الصالح فليست التوبة باللسان فقط.
فأولئك التائبون العاملون يبدل الله سيئاتهم حسنات، وكان الله غفورا للذنوب رحيما بالعباد يقبل التوبة عنهم، ويعفو عن سيئاتهم.
وفي تبديل السيئة بالحسنة نظريتان، قيل يبدل الله إيمانا بدل الشرك، وإخلاصا بدل النفاق والشك، وإحصانا بدل الفجور، وحسنات بدل سيئات الأعمال،
وقد روى أبو ذر الغفاري عن النبي صلّى الله عليه وسلم «إنّ السّيئات تبدّل بحسنات».
وفي الخبر: «ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات» فقيل: ومن هم؟ قال: «الذين يبدل الله سيئاتهم حسنات» رواه أبو هريرة
.. ولا حرج على فضل الله يجعل مكان السيئة حسنة إذا تاب العبد وأحسن التوبة،
ففي الحديث «اتّق الله حيثما كنت، وأتبع السّيّئة الحسنة تمحها، وخالق النّاس بخلق حسن»
. النظرية الثانية أن المراد تغيرت أحوالهم السيئة إلى أحوال حسنة فأبدلهم الله بالعمل السيئ العمل الصالح، والأمر كله بيد الله، ومن
تاب عن أى ذنب عمله فإنه يتوب إلى الله توبة حقا، والله تكفل بجزائه الجزاء الحسن على ذلك.
٩- وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً والزور هو:
الكذب أو الشرك وعبادة الأصنام، أو الفسق والباطل، وقيل هو أعياد المشركين أى:
مشاركة الكفار في مواسمهم وأعيادهم، وعلى هذا فالمراد حضور تلك المآثم والاشتراك فيها، أو المعنى لا يشهدون الزور وهو الكذب متعمدا على الغير.
وقد روى عن النبي صلّى الله عليه وسلّم في الصحيحين عن أبى بكرة قال: قال رسول الله «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟ - ثلاثا» - قلنا: بلى يا رسول الله قال: «الشّرك بالله، وعقوق الوالدين» وكان متكئا فجلس فقال: «ألا وقول الزّور ألا وشهادة الزّور»
فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.
والأظهر أن المراد لا يحضرون الزور وكل بهتان وإثم، وإذا اتفق ومروا عليه مرور الكرام لا يلتفتون، ولا يشتركون مع الآثمين.
١٠- وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً فهم الذين إذا ذكروا بآيات الله أو تليت عليهم آياته وجلت قلوبهم، وازداد إيمانهم وتوكلهم على الله بخلاف الكفار فهم إذا سمعوا آيات الله لم يتأثروا، ولم يتغيروا عما كانوا عليه بل يظل حالهم على ما كان بل وقد يسوء وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً؟ «١» فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ «٢»، إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُ الرَّحْمنِ خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيًّا «٣» وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية ما معناه:
إذا ذكروا بآيات الله أكبوا عليها وأقبلوا على من ذكروهم بها بأذن سامعة وأعين باصرة، وقلوب واعية لا كالكفار وعصاة المؤمنين إذا ذكروا بالقرآن تراهم مقبلين بوجوههم فقط وهم صم الآذان عمى البصائر والأبصار حيث لم يفهموا من هذا القرآن شيئا، ولم يتعظوا بمرور تلك الآيات أبدا.
١١- وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً المؤمن الكامل هو الذي يجعل نفسه متجهة إلى الباقية لا العاجلة فيكون همه الآخرة وما فيها، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، وهو الذي يطلب من الله أن
(١) التوبة الآية ١٢٤. -
(٢) التوبة الآيتان ١٢٤ و ١٢٥. -[..... ]
(٣) مريم الآية ٥٨.
يهب له زوجا وذرية مؤمنة صالحة عاملة الخير مبتعدة عن الشر لتقر عينه وتسكن نفسه، ولا تتطلع إلى غيره، وليس معقولا أن يطلب ذلك لمال أو جمال بدليل قوله تعالى بعد ذلك: وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً يقتدى بنا في الإيمان العميق والعمل الوثيق «إنكم أيها الرهط أئمة يقتدى بكم» وكان ابن عمر يقول في دعائه: اللهم اجعلنا من أئمة المتقين أولئك الموصفون بما ذكر من جليل الصفات وعظيم الأعمال والخلال الإيجابية والسلبية وهي إحدى عشرة صفة: التواضع وعدم الكبر، والحلم. والتهجد ليلا.
والخوف من عذاب الله، وترك الإسراف والتقتير، والبعد عن الشرك، والزنا، والقتل، والبعد عن شهادة الزور، ودعاء الله بصالح الأزواج والذرية أولئك يجزون الغرفة بما صبروا، ويعطون الجنة بما عملوا من صالح الأعمال، ويلقون فيها تحية من الله وسلاما من الملائكة.
خالدين فيها حسنت الغرفة مستقرا، وحسنت مقاما وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها.. [سورة هود آية ١٠٨].
وفي الختام بين الله أنه غنى عن الكل، وإنما كلفهم لينتفعوا، وعذبهم لعصيانه وتكذيب رسله فقال ما يفعل الله بعذابكم... الآية والمعنى.
لا يبالى بكم، ولا يكترث، وليس لكم وزن عنده إذا لم تعبدوه، فإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه، ويوحدوه، ويسبحوه بكرة وأصيلا، والمعنى لولا إيمانكم ما أبالى بكم أى: إنى لا أعتد بعبادي إلا لعبادتهم، وأما أنتم يا كفار مكة فقد خالفتم بتكذيبكم حكمى فسوف يلزمكم نتيجة تكذيبكم وهو عقاب الآخرة لزوما دائما مستمرا فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِما يُرِيدُ [سورة هود الآيتان ١٠٦، ١٠٧].
السورة التالية
Icon