0:00
0:00
تفسير سورة الفرقان عدد ٤٢- ٢٥
نزلت بمكة بعد سورة يس وهي سبع وسبعون آية، وثلاثمائة واثنتان وتسعون كلمة، وثلاثة آلاف وسبعمائة وثلاثون حرفا، ويوجد في القرآن سورتان مبدوءتان بلفظ تبارك هذه وسورة الملك، ومنها الآيات ٦٨ و ٦٩ و ٧٠ نزلن بالمدينة، وما قيل إنها نزلت في مسجد قباء بالمدينة لا صحة له، وإنما قرأها ﷺ بالمدينة، عند هجرته إليها كسائر السور التي نزلت بمكة للاطلاع عليها والتقيد بما فيها من أمر ونهي وغيره.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

قال تعالى «تَبارَكَ» علوه وتعالى عزّه وتعاظم مجده، وتسامى جلاله، وتكاثر خيره، وتعمم عطاؤه وبره، وتنزه عن صفات خلقه جنابه، وتبرأت عن كل نقص حضرته، واعلم أن فعل تبارك وتعالى لا يسندان لغيره عز وجل ولا ينصرفان غالبا لمشابهتهما اسم الفعل، وكرر في الآيتين ١٠ و ٦١ منها، وفي الآية ٣٥ من الأعراف المارة، وفي الآية ٤٣ من الزخرف وفي الآية ٦٣ من المؤمن وفي الآية ١٤ من المؤمنين في ج ٢ وفي الآية ٧٨ من من سورة الرحمن، وأول تبارك الملك في ج ٣. قال الحسن معناه تزايد خيره وتكاثر عطاؤه، وذلك لأنه مأخوذ من البركة لمجمع الماء ولذلك قالوا: معناه دام لدوام الماء فيها عند كبرياء «الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ» الفارق بين الحق والباطل ولفظه يدل على الكثير، لأنه مصدر فرق فرقا، وهذا فرقان، وزيادة المبني تدلّ غالبا على زيادة المعنى، والفرق الفصل بين الشيئين بما يدركهما البصر أو البصيرة وقيل إذا كان بين الأجسام يقال تفريق، وإذا كان بين المعاني يقال فرق. والمراد به القرآن العظيم بدليل قوله جل علاه «عَلى عَبْدِهِ» محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أحب أسمائه إليه ولهذا كرره في سورة الكهف وفي الآية ٣٦ من سورة الزمر في ج ٢ وفي الآية ١٠ من سورة الحديد والآية ٢٣ من البقرة والآية ٤١ من الأنفال في ج ٣ وفي الآية ١٠ من سورة النجم والآية ١٩ من سورة الجن المارتين. وقد
أضيف إلى ضمير المتكلم والغائب وإلى اسم الكريم إضافة تشريف، ولا شك أن العبودية أفضل من العبادة لبقائها في الآخرة، وإنما أنزلنا على عبدنا هذا القرآن «لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً» ١ محظرا ومخوفا وزاجرا ومحذرا من سوء العاقبة لمن لم يؤمن به في العالمين أجمع أحمرهم وأخضرهم، أسودهم وأبيضهم، إنسهم وجنهم، لان أل فيه للجنس، فيعم جميع أفراده، وفيها دليل قاطع لا يحتمل التأويل على أن محمدا ﷺ مرسل برسالة عامة للخلق كافة خلافا لما يقوله من لا ثقة به من أن رسالته خاصة بالعرب. وقد بينا ما يتعلق بهذا في الآية ١٥٨ من سورة الأعراف وله صلة في تفسير الآية ٢٨ من سورة سبأ في ج ٢، وتدل هذه الآية صراحة على أنه مرسل لجميع الناس على اختلاف مللهم ونحلهم. وقرأ ابن الزبير للعالمين بالتثنية، يريد الإنس والجن وقراءتها بالجمع أحسن، وعليها المصاحف. وفي تقديم الجار والمجرور على المتعلق تشويق للسامع بانتظار ما بعده، ومراعاة لفواصل الآي، لأن أكثرها جاءت على نسق واحد في هذه السورة كالإسراء وطه ومريم الآتيات والقمر والمرسلات المارتين وسورة الرحمن والإنسان في ج ٢. ثم وصف نفسه تعالت نفسه بقوله «الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ» يتصرف فيهما وفيما بينهما وما فوقهما وتحتهما كما يريد ويختار، لا ينازعه فيها أحد إذ الكل تحت قبضته. واعلم أن لفظ الملك يطلق على الأرض، والملكوت على السماء، وما فيهما على الانفراد، وفي حالة الجمع كما في الآية ٧٥ من سورة الأنعام ج ٢ والآية ١٧٤ من سورة الأعراف المارّة، ويجوز استعمال أحدهما مكان الآخر، راجع تفسير الآية ٨٩ من سورة الأنبياء في ج ٢ «وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً» كما يقوله الظالمون لعدم حاجته إليه «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ» يعاونه على تدبيره أو لا يعاونه، لأنه العظيم المدبر له وحده الجليل المنفرد في أمره الرحيم المستقل بشؤونه. وفيها ردّ على من يقول من العرب واليهود والنصارى بأن الملائكة وعزير والمسيح أبناؤه، وعلى التنويه القائلين بتعدد الآلهة وبأن خالق النور غير خالق الظلمة، وخالق الخير غير خالق الشر، تعالى الله في ذلك وتنزه
«وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ» من المكونات الأرضية والسماوية «فَقَدَّرَهُ» هيأه لما يصلح إليه، وما يليق به وما يكون منه «تَقْدِيراً» ٢ بديعا لا يبلغ كنهه أحد سبحانه خلق ووفق وسوى وهيأ لكل حيوان وشيء ما يناسبه ويحتاجه وقدر سائر مخلوقاته، وأحسن كل شيء خلقه، وهداه لما يحتاجه ويسر له ما يلزم، فهيأ للإنسان الفهم والإدراك والنظر والتدبر في أمور المعاش والمعاد واستنباط الصنايع المتنوعة ومزاولة الأعمال المختلفة، وجعل له فكرا واسعا كلما استعمله انصقل وازداد في المعارف الكونية، وهكذا سائر مخلوقاته يسرها لمنافعها
، وسهل عليها ما تحتاجه «وَاتَّخَذُوا» مع هذا كله «مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» من الجماد والحيوان ومما صنعته أيديهم «لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً» البتة إنسانا ولا حيوانا ولا جمادا «وَهُمْ يُخْلَقُونَ» من قبل عبدتهم لأنهم ينحتونها ويصوغونها ويصورونها وينجزونها بأيديهم وهم مخلوقون بخلقنا، قال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) الآية ٩١ من الصافات الآتية «وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً» فعجزهم عن نفع وضر غيرهم من باب أولى، لأن من لا يستطيع أن يحفظ نفسه فكيف يدافع عن غيره «وَلا يَمْلِكُونَ» كرره تأكيدا لبيان عجزهم وضعفهم «مَوْتاً» لأحد في الدنيا لأنهم ميتون فيها «وَلا حَياةً» لمن يموت في الدنيا «وَلا نُشُوراً» ٣ في الآخرة ليحيوا فيها حياة دائمة في الجنة، فالإله الذي يستحق العبادة هو من يقدر على أن يميت في الدنيا، ويحيي في الآخرة من يميته، وينعمه بالجنة إذا كان صالحا، ويعذبه بالنار إذا كان كافرا، فالذي لا يقدر على شيء من هذا كالآلهة المتخذة، يجب أن تهان وتداس لأنها لا ترضي ولا تخشى، فكيف يليق أن تكون آلهة فأعرضوا أيها الناس عن هذه الأوثان، واعبدوا الإله القادر على كل شيء الفعال لما يريد، مالك الملك والملكوت، المنصرف به إيجادا وإعداما، النافع الضار، المحيي المميت الذي يؤمل خيره ويخشى ضره ويحذر شره «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ» ما «هَذا» الذي يتلوه عليكم محمد ويحسنه لكم ويرغبكم فيه ويأمركم باتباعه على أنه كلام الله ما هو «إِلَّا إِفْكٌ» كذب محض «افْتَراهُ» اختلقه من تلقاء نفسه واخترعه من تصوراته
وليس كما يزعم أنه كلام الله أنزله عليه، كلا وإنما زوره هو «وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ» يعنون عدّاسا وعايشا مولى حويطب بن عبد العزّى ويسار مولى العلاء ابن الحضرمي وجبر مولى عامر، لأنهم من أهل الكتاب يحسنون قراءة التوراة والإنجيل والزّبور، وكان ﷺ يتعاهدهم رأفة بهم، لا أنه يتعلم منهم، فهم أعجز من أن ينطقوا بآية من القرآن لأنهم أعاجم، وقال المبرد عنوا جماعة من المؤمنين، لأن لفظ آخر لا يكون إلا من جنس الأول، وقد غفل عن أن الاشتراك في الوصف غير لازم، ألا يرى قوله تعالى (فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ) الآية ١٣ من سورة آل عمران في ج ٣، فإن الأخرى فيها ليست من جنس الأولى من حيث الوصف، مما يدل على أن اللزوم الذي ذكره غير لازم كلزوميات المعرّي إذ سماها لزوم ما لا يلزم، وذلك أنه ألزم على نفسه فيها أن يكون حرف الرويّ وما قبله من جنس واحد من كل ما نظمه هناك، وهو غير لازم في أصول الشعر. وما قيل إن المراد بهم اليهود فغير صحيح، لأن اليهود لم يجالسوا الرسول في مكة، وكل ما وقع منهم معه في المدينة وهذه السورة مكية عدا الآيات المستثنيات الآتية وهذه ليست منها، وقال جل المفسرين إنها نزلت في النضر بن الحارث بن عبد الدار وجماعته رؤوس الكفر القائلين إن هذا القرآن ليس من عند الله وإنما هو من نفس محمد وأعوانه، فأكذبهم الله بقوله «فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً» لجعلهم العربي الفصيح يتلقن من الرومي والبربري، وكلام الله أعجز البلغاء بيانه وأفحم العقلاء معناه، وهؤلاء لا يقدرون على فهمه فضلا عن تعليمه فما جاءوا به تعسفا «وَزُوراً» ٤ لاتهامهم حضرة الرسول بنسبه ما هو بريء منه، كما هو منزه عما وصموه به من السحر والكهانة وشبهها في آيات أخرى «وَقالُوا» أيضا ما هذا القرآن إلا «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ» خرافاتهم «اكْتَتَبَها» عن غيره «فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» ٥ صباح ماء ليحفظها خفية قبل أن ينتشر خبرها بين الناس، وبعد انتهائه من كتابتها صار يتلوها علينا ويقول إن الله أوحاها إليه. واعلم أن هذه وأشباهها مما فيها لفظ أساطير الأولين
قد قال فيها ابن عباس إنها من جملة ثمان آيات في معناها، نزلت في النظر المذكور أعلاه ويراد بها أخبارهم البالية غير المخطوطة المحققة، كما تقول الآن عند ما تسمع حكاية غير معقولة هذه خرافة وإسرائيلية، أي لا قيمة لها لعدم الجزم بصحتها لانها لم تنقل عن حديث صحيح وسند حسن، ولهذا أمره الله بأن يردّ عليهم بقوله عز قوله «قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ» كل أمر خفي عن القلب فضلا عن غيره مما هو «فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ»
ومما تسرونه أنتم وليس كما تزعمون وتقولون «إِنَّهُ كانَ غَفُوراً» دائم المغفرة أزلا وأبدا «رَحِيماً» ٦ مستمر الرحمة لعباده لا يعجل العقوبة ويمهل عباده علهم يتوبوا ويرجعوا، ولا يهمل من بصر على كفره، وأحب شيء إليه رجوع عبده إليه، فقد جاء عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: (الله أشدّ فرحا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فأيس منها، فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد أيس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده، فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح) - رواه الشيخان والترمذي-. أما الذي لا يتوب ومات على كفره فقد أعد له من العذاب ما لا تقواه قواه، والمعنى أن الذي أتلوه عليكم أيها الناس هو كلام الله، فمن اتبعه أوصله إلى الجنة، ومن كفر به أدى به كفره إلى النار، فآمنوا به لعلكم تفوزون في الدنيا والآخرة «وَقالُوا» أيضا مدعمين أقوالهم الواهية المارة بما هو أوهى منها وهو «مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ» كما نأكل «وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ» كما نمشي يبتغي الرزق مثلنا فمن كان رسولا يجب ان يكون ملكالا بشرا مثلنا يأكل ويتطلب الرزق ويحتاج إلى البشر «لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ» ردا له إذا لم يكن هو ملكا، وهذا على زعمهم أنهم نزلوا إلى درجة أدنى مما قبلها والحال أنها أكبر «فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً» ٧ للبشر ليصدقه في قوله ويقويه في أمره ثم تنزلوا إلى ما هو أدنى أيضا بوهمهم فقالوا أو يلقى إليه كنز من السماء يكتفي به عن السعي كآحاد الناس إذ لا يليق بمن يدعي هذه الدعوة أن
يساوي الناس، بل يجب أن يتنزه عن مضاهاتهم في المأكل والمشرب والملبس والعمل، ثم تنزلوا عما هو أقل من ذلك كله «أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها» على الأقل فيسدّ بها حاجته ويمتاز بها عما من شأن الغير وهم يعلمون أنه ما احتاج قط إلى غيره منذ نشأته بينهم إلا لربّه «وَقالَ الظَّالِمُونَ» وضع الظاهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بالظلم في قولهم «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً» ٨ مخدوعا مجنونا وقد وصموه بهذا بعد أن وصموه بالشعر والكهانة ووصموا كلام الله بأنه مفترى، وأنه من أساطير الأولين، وانه تعلمه من الغير وانه مملى عليه، إلى غير ذلك.
مطلب اجتماع أشراف قريش مع حضرة الرسول.
أخرج ابن إسحاق وابن المنذر وابن جرير عن ابن عباس أن عتبة وشيبة ابني ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحارث وأبا البحتري والأسود ابن المطلب وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد الله بن أمية وأمية ابن خلف والعاص بن وائل ونبيه ومنبه ابني الحجاج، اجتمعوا فقال بعضهم لبعض ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه إذا لم يقبل منكم ما تعرضو عليه من الأمر، فبعثوا إليه ان أشراف قومك اجتمعوا ليكلموك فاحضر، فجاء ولما استقر به المقام، قالوا يا محمد، إنا بعثنا إليك لنعتذر منك، فان كنت إنما جئت بهذا الأمر تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنانا وإن كنت تطلب الشرف نسوّدك بأن نجعلك سيدا علينا، وان كنت تريد الملك أيضا ملكناك علينا، فقال صلى الله عليه وسلم: ما لي مما تقولون ما جئنكم بما جئنكم أطلب أموالكم أو الشرف فيكم أو الملك عليكم، ولكن الله بعثني رسولا إليه وأنزل علي كتابا وأمرني أن أكون بشيرا بجنته ورضاه إن أطعتم، ونذيرا من سخطه وعذابه إن أبيتم، وإني بلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئنكم به فهو حظكم بالدنيا والآخرة، وان تردّوه عليّ أصبر لأمر الله تعالى حتى يحكم بيني وبينكم. قالوا يا محمد، فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه
عليك فاسأل لنفسك ربّك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، أو سله أن يجعل لك كنزا أو جنة تغنيك عما تبتغي حتى نعرف فضلك لديه، ومنزلتك عنده، إن كان ما تزعمه صحيحا، لأنه لا يجدر بك وأنت على دعوتك هذه أن تمشي بالأسواق وتلتمس المعاش مثلنا فقال صلى الله عليه وسلم: ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه، وما بعثت إليكم بهذا، وما أنا إلا بشر مثلكم. فتفروا منه وقالوا ما قالوا قال تعالى «انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ» التي لا علاقه لها بالرسالة ولا فائدة لهم بها فضلا عن أنها غير معقولة «فَضَلُّوا» بها طريق الهدى ومنهج الصواب «فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا» ٩ يخرجون منه لضعف حجتهم، ولا يقدرون أن يستدلّوا بدليل على ما قالوه وان ما وصموك به لا حجه لهم به ولا برهان كما انهم لا طريق لهم للرشد فلا يؤمنوا بما انزل إليك ولا يقدرون على مباراتك، وإنا نعلم قولهم هذا كما نعلم جوابك لهم القاطع لقلوبهم قبل أن تقوله لهم «تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ» يا سيد الرسل «خَيْراً مِنْ ذلِكَ» الذي عرضه عليك قومك وخيرا مما اقترحوه عليك وكلفوك بقبوله «جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ» دائمة مستمرة في جنان الدنيا والآخرة، لا جنة فانية مثل جنان هذه الدار «وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً» ١٠ بديعة من صنعه لا من صنع خلقه، عظيمة يعجز عن إنشاء مثلها البشر أجمع مثل قصور الآخرة، وهو قادر على أن يجعل لك ذلك كله في الدنيا، ولكن لا يريده لك فيها، بل إنه هيأها لك، خبأها للدار الآخرة، وذلك لعلمه جل علمه أنه ﷺ غير ميّال إلى الدنيا وزخارفها، لذلك قال إن شاء، وإلا لكونها له حال سؤالهم له. يدل على هذا ما جاء عن أبي أمامة أن النبي ﷺ قال عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا، قلت لا يا رب، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك. وجاء عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو شئت «ما كلفني به ربي» لسارت معي جبال مكة ذهبا، جاءني ملك ان حجزته تساوي الكعبة «مقعد
إزاره أو موضع التكة في السروال وهو كناية عن عظمته لأنه إذا كان ذلك منه يساوي الكعبة فكيف بجثته؟ وهو بضم الحاء وسكون الجيم وفتح الزاي أو بفتحها معناه الظلمة أو الذين يحولون دون المتنازعين يمنعون التعدي «ويفصلون بينهم بالحق» فقال يا محمد إن ربك يقرئك السلام وبقول إن شئت نبيّا عبدا وإن شئت نبيّا ملكا، فنظرت إلى جبريل فأشار إليّ أن ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا، قال فكان رسول الله ﷺ بعد ذلك لا يأكل متكئا، يقول أنا عبد آكل
كما يأكل العبد وأجلس كما يجلس العبد. ذكر هذين الحديثين البغوي في سنده
قال تعالى «بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ» وهي حق ثابت وقد جحدوها وهذا أعظم مما وصموك به لأنه ليس بشيء بالنسبة لانكار وجود القيامة وإعادة الأجساد إلى ما كانت عليه، وعليه فان ما قالوه لك ليس بعجيب، لاتيانهم بأعجب منه وهو جحودهم الآخرة التي أمرناك أن تهددهم بها «وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً» ١١ لأن تكذيبك بها تكذيب لنا قال تعالى «قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ» الآية ٣٠ من سورة الأنعام في ج ٢ وقد هيّأنا لهم هذه النار التي لا تنطفيء لبعد مداها وكثرة وقودها بأمثالهم «إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ» بمرأى الناظرين أمثالنا ولا يقال كيف تراهم وهي ليست من أصحاب الرؤية لان الذي سعرها قادر على خلق الرؤية فيها فتراهم من مسيرة أعوام، لأنها تشرف لأهلها، أو ان رأتهم بمعنى قابلتهم فتكون بمرأى منهم وإذا رأوها فكأنها رأتهم، قال تعالى «وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ» الآية ٩١ من سورة الشعراء الآتية والمعنى أنها لا تخفى على أحد وقريء تراهم أي زبانيتها ولا مندوحة فيه «سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً» ١٢ غليانا شديدا وصوتا من تلهبها غير صوت تغيظها من توقدها يشبه الغليان بالغيظ بجامع علو الصوت في كل لأن الغضبان يرتفع صوته لحرارة الغضب في جوفه والغليان له صوت يسمع أيضا لحرارة النار والزفير خروج النفس بشدة، ضد الشهيق الذي هو نزوله بشدة أيضا قال عبيد بن عمير تزخر جهنم يوم القيامة زخرة لا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل
إلا خرّ على وجهه لهول ما يسمع ويرى فيا ويل أهلها، ويا سعادة من زحزح عنها اللهم أجرنا منها وأبعدنا عنها «وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً» شديدا لعذابهم إذ فيها مواقع ضيقة وأخرى واسعة ومتوسطة ولكل منها ناس «مُقَرَّنِينَ» بالسلاسل مصفدين بالحديد بجوامع تجمع بين أيديهم وأعناقهم قال ابن عباس: تضيق عليهم كما يضيق الزج بالرمح، والكرب مع الضيق أشد منه مع السعة كما أن الروح مع السّعة أروح منه مع الضيق «دَعَوْا هُنالِكَ» في ذلك المكان الضيق الهائل منها تمنوا أن يصيبهم «ثُبُوراً» ١٣ هلاكا قاضيا عليهم ليتخلصوا مما هم فيه وأشد من الموت ما يتمنى معه الموت، وأول بعض المفسرين دعوا ينادوا، أي قالوا يا هلاكاه والأول أولى. أخرج أحمد وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في البعث بسند صحيح عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
أول من يكسى حلة من النار إبليس فيضعها على صاحبه وذريته من بعده وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون يا ثبورهم، حتى يقف على النار فيقول يا ثبوراه ويقولون يا ثبورهم، وفي بعض الروايات: أول من يقول ذلك إبليس، ثم يتبعه أتباعه.
وظاهره شمول الاتباع كفرة الإنس والجن.
مطلب لمعة من أسباب النزول:
قالوا إن هذه الآية نزلت في أبي جهل خاصة مع ان هذا الحديث يفيد أنها في إبليس وأتباعه ولا يخفى أن الآية عامة فدخل فيها إبليس وأبو جهل وأتباعهما وغيرهم ممن قدر عليه ان يعذب فيها فلا تختص فيمن نزلت فيهم إذ لم يوجد ما يقيدها أو يخصصها في أبي جهل أو إبليس أو غيرهما ويعلم أن جل الأقوال الواردة في أسباب النزول منشأوها موافقة الآية، لمن جعلوها نازلة فيه أو تلاوتها عند ما يناسبها، وان مطلق التلاوة لمطلق سبب مناسب للآية لا يكون سبب النزول كما ان الموافقة لا تكون مدارا للتخصيص، وإنما المخصص هو منزل الآيات، فما وجدنا فيها صريحا في ذلك أو صريحا من قول المنزل عليه صرفناه إليه، وإلا لا لأن غالب كلام الله عام والماضي منه قليل، وذلك لأن القرآن العظيم لم يخص الله
تعالى به زمن الرسول ﷺ فقط بل عام لكل الأزمان وموافق لكل العصور ومطابق لجميع الدهور، بخلاف الكتب المتقدمة لأن لها حدا بنزول ما بعدها غالبا، والقرآن خاتمه الكتب الإلهية، وقد أنزل على خاتم النبيين، فهو صالح لكل أوان لآخر الدوران، جعلنا الله من المتمسكين به العالمين بما فيه المنتفعين بأوامره ونواهيه قال تعالى «لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً» من هول النار وكنتم تجحدونها «وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً» ١٤ لا غاية له فليس بنافع دعاؤكم اليوم لأنكم لم تنتفعوا بدعاء الرسل أمس قال تعالى «فَادْعُوا وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ» الآية ٥٠ من سورة المؤمن فيا سيد الرسل «قُلْ» لهؤلاء الذين لا ينظرون عاقبة أمرهم «ذلِكَ» المذكور في العذاب الموصوف بالسعير الموعود به المكذبون «خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ» بها المصدقون بما جاءكم به رسلهم من الله «كانَتْ لَهُمْ» بمقابل تصديقهم الرسل وامتثالهم أوامرهم «جَزاءً وَمَصِيراً» ١٥ لهم الآن في الآخرة، وجاء بلفظ الماضي بدل المضارع المناسب الإخبار بالمستقبل لتحققه، لأن وعد الرسل من وعد الله (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) الآيتين ٨٧ و ١٢٢ من سورة النساء في ج ٣ (وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) الآية ١١١ من سورة التوبة «لَهُمْ» أي أولئك المنقون «فِيها ما يَشاؤُنَ» مما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين من كل ما يخطر بالبال في الآخرة، لأن بالهم الدنيوي بعيد عن تلك الخطرات الأخروية لأن فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، فخطرات الآخرة غير خطرات الدنيا وبينهما ما بينهما «خالِدِينَ» في نعيمها دائمين دائبين إذ لو انقطع لكان مشوبا بشيء من الغم والآخرة لا غم فيها لأنه غير منقطع، قال:
أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا
وقد «كانَ» وجود ما يريدونه فيها «عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا» ١٦ عنه للطائعين الذين كانوا يقولون في الدنيا (رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ) الآية ١٩٤ من آل عمران والاستفهام في صدر الآية المفسرة تقريري يفهم جوابه من المقام لأن
انعدام الأخيرية في النار معلوم، والقصد توبيخ الكفرة المقصودين بالآية السابقة وأمثالهم وتقريعهم على ما هم متلبسون به، قال تعالى «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ» كالملائكة وعيسى بن مريم وعزير عليهم السلام والإنس والجن والأوثان والشمس والقمر والكواكب والحيوان.
مطلب استعمال من لمن لا يعقل وما لمن يعقل وبراءة المعبودين من العابدين:
ذلك لأن لفظ (ما) هنا يتناول العقلاء وغيرهم باعتبار الوصف، وفي كل محل يراد بها الوصف لا تخص بالعقلاء، وقد تأتي على قلّة فيهم كما تأتي من على قلّة في غير العقلاء، راجع آية السجدة من سورة النحل، والآية ٥٣ من سورة يوسف في ج ٢، وآية السجدة من سورة الحج في ٣، كما سنبينه في تفسير هذه الآيات إن شاء الله، لذلك كان المراد في هذه الآية نحشرهم ومعبوديهم جميعا بدليل قوله تعالى (ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ) الآية ٤٠ من سورة سبأ في ج ٢، وقوله تعالى (أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ) الآية ١١٦ من سورة المائدة في ج ٣، وقوله تعالى (وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ) الآية ١٢ من سورة إبراهيم في ج ٢، وقوله تعالى أيضا «فَيَقُولُ» الله عز وجل للمعبودين كلهم، لأن إطلاق الآية يفيده «أَأَنْتُمْ» غلب العقلاء بخطابه على غيرهم. وقد سبق أن ذكرنا أن الله تعالى ينزل في بعض خطابه ما لا يعقل منزلة من يعقل، وقد يجعله عاقلا لفهم مراده، وهو القادر على أكثر من ذلك، راجع الآية ٦٥ من سورة يس المارة «أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ» في الدنيا يفيد هذا الخطاب الجليل والإشارة العظيمة أنه عزت قدرته جعل المعبودين صفّا والعابدين صفّا مقابلا ليسمع كل منهم خطاب الآخر وخطاب ربه عند مقابلتهم بعضهم ببعض، أي أأنتم دعوتم هؤلاء لعبادتكم «أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ» بأنفسهم لإعراضهم عن الذين أرسلناهم لإرشادهم فلم يسلكوا طريقهم لعدم استعمالهم النظر الثاقب في ملوكيتنا والفكر الصحيح في عبادتنا «قالُوا» المعبودون، وهو أعلم بما يقولون وإنما السؤال والجواب عبارة عن التبكيت بهم
وإطلاع الأمم على ما سيقع منهم، فابتدءوا بالتنزيه لحضرته المقدسة قائلين «سُبْحانَكَ» أن يكون معك آلهة أو أن يدعى غيرك أو يعبد أحد دونك كيف وأنت يا ربنا إله الكل، وكيف يجدر بالعاجزين أمثالنا ادعاء الربوبية القاهرة لكل شيء ونحن من جملة المقهورين لربوبيتك وعزتك يا ربنا «ما كانَ يَنْبَغِي لَنا» أن نجرا على ذلك ولا على «أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ» فكيف ندعو الغير إلى ولاية غيرك ونحن عبيدك المخلصون وكيف نأمرهم بعبادتنا أو نحملهم على أن يتولوا أحدا غيرك من دونك «وَلكِنْ» يا مولانا هؤلاء هم الغافلون بطبيعتهم لأنك يا ربنا «مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ» من قبلهم بالنعم وطول العمر على ما هم عليه من الجحود والكفر «حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ» وغفلوا عن الإيمان بذكرك ولم ينتبهوا إلى من ذكرهم به من المرشدين وظنوا أن ما هم عليه حسن، فتشبثوا به ولم يقلعوا عنه «وَكانُوا» في ذلك «قَوْماً بُوراً» ١٧ بائرين جمع بائر مثل عائدين جمع عائد، وأولوه بمعنى هالك، أي أنهم هلكوا إذ غلب عليهم الخذلان، وذلك أن بورا مصدر وصف به الفاعل مبالغة فينوى فيه الواحد والجمع قال:
فلا تكفروا ما قد ضنعنا إليكم وكافوا به فالكفر بور لصانعه
وقال ابن الزبيدي:
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
ثم يقول تعالى للعابدين بعد أن أسمعهم قول معبوديهم على زعمهم مواجهة انظروا «فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ» من زعم هؤلاء أنهم آلهة وأنهم دعوكم في الدنيا لعبادتهم فما تقولون؟ وهذا زيادة في التقريع والتوبيخ فيصمتون، ثم يخاطبهم الله تعالى بقوله «فَما تَسْتَطِيعُونَ» الآن «صَرْفاً» أي دفع العذاب عنكم بوجه من الوجوه كما يقتضيه التنكير، أي لا بالذات ولا بالواسطة «وَلا نَصْراً» ١٨ لكم ولا عونا من أحد، أي لا أنتم ولا الذين اتخذتموهم آلهة، فكلاكما بالضعف والعجز سواء، وقرىء بالياء، وعليه يكون المعنى فما يقدرون هؤلاء الذين عبدتموهم في الدنيا بصورة من الصور ولا بنوع من الأنواع، دفع العذاب عنكم بأنفسهم
وليس لهم أعوان بذلك، فهم عاجزون أنفسهم وغيرهم أعجز، ثم التفت جل شأنه بخطابه إلى كافة المكلفين فقال «وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ» نفسه أيها الناس فيشرك به «نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً» ١٩ على شركه، لأن يظلم هنا بمعنى يشرك لذلك عظم عذابه، إذ لا يكون العذاب الكبير إلا على الشرك، لأن مطلق الظلم لا يستوجب ذلك، وقد سمى الله الشرك ظلما بقوله (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) الآية ١٢ من سورة لقمان في ج ٢، ولأن من الظلم ما هو كبيرة يفسق بها مرتكبه، والفاسق لدى أهل السنة والجماعة لا يخلد بالنار، والمراد بقوله تعالى كبيرا أي مخلدا فيصرف هنا بسبب هذا القيد إلى الشرك، ولا قيمة لقول من يقول إن مرتكب الكبيرة يخلد في النار لمخالفته إجماع الأمة وما عليه عقائدهم، قال صاحب الشيبانية:
ولا تبصر في نار الجحيم موحدا ولو قتل النفس الحرام تعمدا
أي دون استحلال لأنه به يكفر فيخلد إذا لم يتب. وسيأتي لهذا البحث صلة في تفسير الآية ٧٢ من سورة مريم الآتية، ثم التفت جلت عظمته إلى حبيبه ﷺ ليسليه عما قلوه فيه «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ» مثلك لأن هذا من شأن البشر فلا مبرر لهم أن يعيروك فيه لانك لم تدع غير البشر به كي يتوجه إليك قولهم.
ولأن جميع الرسل قبلك كان هذا شأنهم ولك بهم أسوة، وبما أن ذلك كان عادة مطردة مستمرة لا يستغنى عنها البشر فليست محلا للطعن، وهذا الخطاب وان كان موجها لحضرة الرسول إلا أنه جاء بمعرض الرد لقومة فكأنه قال قل لهم هكذا ولا تلتفت إلى تقولهم «وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً» بلاء ومحنة واختبارا وامتحانا، قالوا نزلت هذه الآية في ابتلاء الشريف بالوضيع، وذلك أن الشريف إذا أراد أن يسلم رأي الوضيع أسلم قبله فيقدم عليه بالإسلام فيأنف عن الإسلام محتجّا بسابقته والفضل له عليه، فيصر على كفره، ولم يعلم أن التفضيل يكون بالأعمال الصالحة والآداب الكاملة، لا بمطلق الإسلام فذلك افتتان بعضهم ببعض، وقال غير واحد إنها نزلت في الذين عيّروا حضرة الرسول
بالفقر تسلية له، كالآية قبلها إذ نزلت في الذين عيّروه بالأكل والمشي «أَتَصْبِرُونَ» على هذه الحالة أيها المؤمنون من التعيير بالفقر وغيره، وعلى الأذى الواقع بكم من الكفرة والشدة التي أنتم فيها أم لا؟ وفي هذا الاستفهام معنى التهديد على عدم الصبر كما لا يخفى، فاصبروا على هذا كله ليزداد أجركم وتقوى عزيمتكم، وإلا فيزداد همكم وحزنكم. هذا على جعل الخطاب للمؤمنين كافة، أما إذا كان لحضرة الرسول فقط فيكون الخطاب على جهة التعظيم، لأنه جاء بلفظ الجمع وهو أولى بمن يعظمه ربه، ويكون المعنى: جعلتك يا محمد فقيرا تحتاج إلى طلب الرزق في الأسواق كغيرك من البشر فتنة لقومك المعاندين، لأنك لو كنت غنيا صاحب كنوز وجنان أو كان معك ملك لانقادت الناس إليك عفوا وأطاعتك قسرا طلبا لما عندك في الدنيا أو خوفا من القوة، لا طاعة خالصة لنا ولا خوفا من عذابنا وطمعا برحمتنا، ويجوز أن يكون ذلك الافتتان علة للجعل، أي ابتلينا الغني بالفقير والشريف بالوضيع لنختبركم على حد قوله تعالى «لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» الآية ٢ من سورة الملك في ج ٢، وعلى كل فالمعنى أخبروني عن اختياركم الصبر أم الضجر، وهو خبير بما يقولون ويكنّون بدلالة قوله «وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً» ٢٠، بك وبهم عالما بالصابر والجازع فلا يضيق صدرك يا سيد الرسل بما يقولون ولا تعبا بهم. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة يبلغ به النبي ﷺ قال إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه بالمال والجسم فلينظر إلى من دونه في المال والجسم.
هذا لفظ البخاري، لمسلم: انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعم الله عليكم. وفي تكرير لفظ المال والجسم في رواية البخاري إشارة إلى أنه يطلب من الناس النظر إلى من هو فوقهم في الدين والتقوى وهو كذلك
قال تعالى «وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا» في الآخرة لأنهم ينكرون البعث أي يخافون بلغة تهامه وهي أيضا من لغة هذيل وهذا الفعل إذا كان مع الرجاء جحد، أي نفي ذهبوا به إلى معنى الخوف فيقولون فلان لا يرجو ربه أي لا يخافه ففية معنى الجحد ومنه قوله تعالى «ما لَكُمْ لا
تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً»
الآية ٤٤ من سورة نوح وإذا قالوا فلان يرجو ربه فليس فيه معنى الجحد ويكون معناه يسأله ضد يأس ويجوز هنا أن يكون بمعنى لا يتوقعون ولا يعتقدون وجود الآخرة التي فيها لقاء الله والحساب والعقاب على ما كان منهم في الدنيا وهو أولى «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ» فتخبرنا بصدق محمد «أَوْ نَرى رَبَّنا» عيانا فيخبرنا بذلك لآمنا بهذا الرسول وصدقناه قال تعالى مستعظما عليهم قولهم «لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» هؤلاء الكفرة وعدوها كبيرة بأعينهم وعظموا شأنهم في هذا القول العظيم والله أجل وهم أحقر من أن ينزل عليهم ملائكته أو يكلمهم أو يرونه فقد فسقوا بقولهم هذا «وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً» ٢١ فتجاوزوا الحد في مقالهم هذا. ولام لقد واقعة في جواب قسم محذوف، أي وعزتي وجلالي لقد رأى هؤلاء الكفرة أنفسهم كبيرة حتى جرأوا على قولهم هذا، يا سيد الرسل قل لهؤلاء المنحطّين «يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ» لا يستطيعون التكلم معهم لأنهم لا يرونهم إلا عند الموت الذي فيه صك أسنانهم، وعند البعث في الآخرة وفيه تذهل عقولهم، مما يلاقونه من الهول «لا بُشْرى» في هذين الوقتين «يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ» بل لهم الخزي والخوف والذّل والهوان، وفي هذا القيد بشارة للمؤمنين بالفرح والأمان، لأن الملائكة عند الموت وفي البعث تبشرهم بما لهم عند الله من الكرامة، فيهون عليهم الأمر فيهما، كما تقول الكفار لا بشرى لكم بل الويل والثبور، فيزيد ذعرهم. يدل على هذا قوله تعالى «وَيَقُولُونَ» لهم الملائكة «حِجْراً مَحْجُوراً» ٢٢ أي أنتم ممنوعون من بشارة الخير منعا باتا أيها الكفرة. قال ابن عباس حراما محرما أن يدخل الجنة إلا من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. ومعنى الحجر المنع، وكانت العرب إذا نزل بهم شدة أو كرب أو رأوا ما يكرهون قالوا: حجرا محجورا، فهم أيضا يقولون ذلك إذا عاينوا الملائكة لأنهم يكرهونهم، لعلمهم أنهم يوقعون بهم العذاب الشديد الدائم قال المتلمس:
أي الدواهي لأنهم يستعملون هذه الكلمة بمعنى الحرمان إذا سألهم سائل ويقولونه بمعنى الاستعاذة وعند رؤية ما يخاف منه، أي حرام عليك التعرض وقرىء بفتح الحاء وهو الأصل في اللغة إلا أنهم لما خصوه بالاستعاذة أو الحرمان صار كالمنقول عن معناه الأصلي وهو المنع، ولما تغير لفظه عما هو عليه، فنقل من الفتح إلى الكسر. وقرأ أبو رجاء والحسن والضحاك بضم الحاء، وكل منها جائزة على المعنى المؤدية له.
مطلب ما يؤجر عليه من العمل وما لا يؤجر:
قال تعالى «وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ» عظيم عندهم كانوا يرجون ثوابه في الدنيا كصلة رحم، وإقراء ضيف، وإغاثة ملهوف، ورد ظالم ومظالم، ورحمة فقير، ولطف بحقير، واطلاق الأسير دون فدية منّا، وما ضاهاها من الأعمال الحسنة التي جبل عليها العرب قبل الإسلام وازدادت به شرفا ونفوذا على غيرها حسا ومعنى «فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً» ٢٣ ذرا متفرقا بالهواء وهذا كناية عن بطلان ثواب أعمالهم وعدم مكافأتهم عليها مهما كانت طيبة حسنة كثيرة، لأنهم عملوها حال كفرهم مشوبة بالسمعة والرياء والفخر والأنانية ولم تكن حالة الإيمان لتكون خالصة لله تعالى، والله طيب لا يقبل إلا الطيب المخلص من الطيب المخلص، وأصل الهباء ما يرى في الظل فهو شيء وليس بشيء وقد سبقه صدقة الكافر به، لأنها من حيث الحسّ صدقة وعمل صالح محمود، ومن حيث المعنى لا ثواب لها، فكأنها لم تكن، وهكذا كل شيء لم يبتغ به وجه الله، قال ﷺ كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردّ. ولكن الله الكريم الذي لا يضيع عمل عامل كما جاء في الآية ١٩٥ من آل عمران في ج ٢ الذي تعهد بالمكافأة على الذرة كما يأتي في سورة الزلزلة في ج ٣ قد كافأهم على أعمالهم المذكورة في الدنيا بإطالة أعمارهم وسعة رزقهم ومعافاتهم حتى يلقونه وليس لهم عنده حسنة يرجون ثوابها، كما أن المؤمنين يمحو الله سيئاتهم بمقابل تحملهم الفقر والمرض والذلة في الدنيا حتى يلقوا الله، وليس عليهم سيئة يعاقبون عليها، وله الحمد هذا ما مر لك أيها القارئ الكريم من حال
أهل النار، أجارنا الله منها أمّا «أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ» يوم يكون ما يكون من الشر للكافرين في الآخرة فيكون مستقرهم الذي يأوون إليه لتناول ملاذهم، فيقولون إنه «خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا» وأشرف مقرا هذا المكان، فيقيلون به للاستراحة من الراحة لا عن تعب ونصب لأن الجنة لا شيء فيها من ذلك «وَأَحْسَنُ مَقِيلًا» ٢٤ ذلك المكان العالي الشان في تلك الجنان، والقيلولة النوم وسط النهار أو الاضطجاع للراحة نام أو لم ينم، والكلام مسوق لبيان راحتهم على طريق التشبيه بأحوال الدنيا، وإلا فإن الجنة لا نوم فيها ولا تعب والأفضلية هنا للتقريع والتهكم لمن ذكر في الآية قبل من أهل النار كما في قوله تعالى (أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ) الآية ١٥ المارة إذ لا يتصور أن يقال نزل أهل الجنة خير من نزل أهل النار، كما لا يقال العسل أحلى أم الخل مثلا، وقد يكون لمطلق الزيادة قال تعالى «وَ» اذكر يا محمد لقومك وغيرهم «يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ» حقيقة كما هو المستفاد من ظاهر الآية، ولأنها تبدل بغيرها قال تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات الآية ١٨ من سورة إبراهيم في ج ٢ وقال بعض المفسرين يطلع منها سحاب فيظهر عليها فيتبين للرائي كأنها تنشق به، والأول أولى والله أعلم وأنسب بالنسبة لقوله «وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا» ٢٥ من السماء إلى أرض الوقف ومن الملائكة حملة العرش، قال تعالى «وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» الآية ١٢ من سورة الحاقة في ج ٢، مما يدل على انشقاق السماء حقيقة، قال ابن عباس تشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تشقق الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في سماء الدنيا وكذلك حتى تشقق السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على التي قبلها، ثم تتنزّل الكروبيون، ثم حملة العرش، ومن بين الملائكة ملائكة يحملون صحائف أعمال العباد. وفي رواية عن ابن عباس ثم ينزل ربنا جل جلاله في ظلل من الغمام قال تعالى «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ» الآية ٢١٠ من سورة البقرة في ج ٣ ومما يدل على
هذا قوله جل قوله «الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ» أي السلطنة القاهرة والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهرا وباطنا، بحيث لا يزول أبدا ولا يغيب سرمدا هو ثابت «لِلرَّحْمنِ» وحده وهناك يزول ملك كل ملك ولا يبقى إلا ملك المالك الأعظم، فينادي المنادي «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ» فلا يجيب أحد فيقول العظيم الجبار الجليل الغفار الستار «لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» الآية ١٦ من سورة المؤمن في ج ٢ فيجيب نفسه بنفسه، وفي اتصافه تعالى بعنوان الرحمانية بشارة لمن مات مؤمنا به ونذارة بعدم
التّهوين على الكافر في قوله «وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً» ٢٦ شديدا عسره بالغا شره، وفيها إيذان بأنه يسير على المؤمنين، إذ خصّ عسره بالكافرين الذين لا تشملهم رحمته المتناهية في ذلك اليوم العظيم المنوه به بقوله «وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ» حسرة وندامة على ما فاته من عمل الخير في الدنيا لا أعظم منه لأنه يوم الحسرة، والموقف كله يوم واحد ولكنه بالنسبة لطوله ولاختلاف ما يقع فيه من الأهوال التي تشيب الوليد يعد أياما لكل عذاب يوم، ولكل مجادلة يوم، ولكل محاسبة يوم، وذلك تقديري على نسبة أيام الدنيا، وهذه الآية عامة في كل ظالم لنفسه في الدنيا بحرمانه من الإيمان بالله. وقد صرفه بعض المفسرين للظالم المعروف بالظلم الموبق به عقبة بن معيط خليل أمية بن خلف الذي كان أسلم أولا فقال له أمية: وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمدا. فارتدّ عن الإيمان، وتابعه على الكفر. وقد جاء بالآية معرفا لتخصيصه به ونزول هذه الآية فيه. ولكن تخصيصها لا يمنع عمومها لكل ظالم كما علمت من أن العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب «يَقُولُ» في ذلك اليوم العسير «يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ» في الدنيا «مَعَ الرَّسُولِ» محمد ﷺ «سَبِيلًا» ٢٧ إلى النجاة من هول هذا اليوم، ليتني اتبعته ومت مؤمنا على دينه، فأتخلص من هذا العذاب المحيط بي، ثم طفق يدعو على نفسه بقوله «يا وَيْلَتى» يا هلاكاه على ما سلف من ارتدادي إلى الكفر ومتابعة أمية بن خلف «لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً» يريد أمية المذكور على خصوص الآية في عقبة المرتد، وعلى
إطلاقها تشمل كل ظالم ومضل كائنا من كان، لأن خصوص السبب لا يقيد الآيات «خَلِيلًا» ٢٨ مأخوذ من الخلة بضم الخاء بمعنى المودة لأنها تتخلل في النفس وتؤثر فيها تأثير السهم في الرميّة وتأثير الدم في العروق وعليه قوله:
حنّت إلى النحلة القصوى فقلت لها حجر حرام ألا تلك الدهاريس
تخللت مسلك الروح مني وبه سمي الخليل خليلا
ثم قال هذا الضال وعزتك يا رب «لَقَدْ أَضَلَّنِي» ذلك المضل «عَنِ الذِّكْرِ» قبول القرآن الذي هو ذكر الله وعن الإيمان به وبمن أنزل عليه «بَعْدَ إِذْ جاءَنِي» من قبل رسولك واتبعته «وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا» ٢٩ يوقع من يطيعه في المهالك ثم يتبرأ منه، وهذا معنى الخذول لأنه يقول يوم القيامة لا تلوموني ولوموا أنفسكم الآية ٢٢ من سورة إبراهيم كما قال في الدنيا لمن خذلهم «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ» الآية ٤٨ من الأنفال في ج ٣ وقد سمي خليله شيطانا تشبيها بفعله بجامع الإغواء في كل أو انه نسب الجنوح إلى قول خليله إلى الشيطان إذ ينسب إليه كل فعل قبيح وهو المضل لخليله فكأنما أضله فعلا، وحكم هذه الآية عام في كل خليل أو حبيب اجتمعا في الدنيا على معصية الله فإنها تنقلب إلى عداوة وندامة وحسرة قال تعالى «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» الآية ٦٧ من الزخرف في ج ٢ فلينظر أحدكم أيها الناس من يخالل، فإنه يحشر معه، لأنه غالبا يكون على دينه، لأن هذا الذي نزلت فيه هذه الآية بعد أن دخل في الإسلام وتمكن به اغواه صاحبه حتى ردّه عنه فهلكا جميعا قال:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
فإذا كنت أيها العاقل لا تحب العزلة أو لا تقدر عليها فعليك بصحبة الصادقين، قال تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» الآية ١٢٠ من سورة التوبة في ج ٣، ولبحث الصحبة صلة في تفسير الآية المذكورة آنفا من سورة الزخرف، فراجعها. «وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ» وهذا من طريق بعث الشكوى من محمد ﷺ إلى مولاه على قومه اثر ما شاهد منهم من العتو والطغيان
والأعراض عن إجابة الدعوة ومقول القول «إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ» الذي أنزلته لخيرهم وصلاحهم وأمرتني أن آمرهم به وأنهاهم لمنفعتهم «مَهْجُوراً» ٣٠ متروكا لا يلتفتون إليه ولا يؤمنون بهديه ولا ينظرون لرشده. ومعنى الهجر القول السيء، وذلك أنهم وصموه بالسحر والشعر والكهانة وخرافات الأولين، فجعلوه بمثابة الهجر، وفي هذه الآية تخويف لقريش لأن الأنبياء إذا شكوا أقوامهم إلى ربهم أو شك أن يحلّ بهم عذابه ويكدون أن لا يمهلوا
قال تعالى «وَكَذلِكَ» كما جعلنا لك يا محمد أعداء من قومك «جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ» أمثالهم، وهذا كالتسلية له ﷺ لئلا يكبر عليه ما جبهه به قومه وليصبر عليهم كما صبر أولئك الرسل على أقوامهم حتى يأتي وعد الله فيهم «وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً» لعباده إلى ما خلقوا له «وَنَصِيراً» ٣١ لك عليهم. ثم ذكر جل شأنه نوعا آخر من أباطيل المشركين فقال «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ» الذي يدعي إنزاله عليه من ربه «جُمْلَةً واحِدَةً» كالتوراة والإنجيل والزبور المنزلة على من قبله «كَذلِكَ» كمثل ما أنزلنا على من قبلك الكتب جملة واحدة لأنهم يحسنون القراءة والكتابة فلا يعزب عنهم شيء منه ويسهل عليهم تلاوته، وبما أنك أمي فقد جمعنا لك الأمرين فأنزلناه أولا جملة واحدة من اللوح إلى بيت العزّة، ثم أنزلناه عليك مفرقا «لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ» فنقرّه به أولا بأول لنعيه وتحفظه، لأنه نظم بديع عظيم، ولو لم نقو قلبك بقوة منا لما قدرت على حفظه لأن القوى البشرية لا تقوى على حفظه دفعة واحدة فضلا عن أنه يتلى عن ظهر الغيب بخلاف الكتب الأخرى فإنّها تتلى بالصحف وحتى الآن لا تجد من يستظهر الإنجيل أو التوراة، وهذا من معجزات القرآن إذ تجد الآلاف تستظهره فضلا عن أن الكتب القديمة لا تضاهيه ولا تحتوي على ما فيه وهو شامل لما كان ويكون مما فيها وفي غيرها من الصحف المنزلة على بقية الأنبياء ومما يحدث بعد إلى يوم القيامة وما يقع فيها من أحوال أهل الجنة والنار وما بعد ذلك، ولهذا ولكونك أمّيّا أنزلناه مفرّقا ليسهل عليك تلقيه وحفظه، وإن
إنزاله هكذا بحسب الحوادث والوقائع أبلغ في النفوس وأوقع بالأسماع «وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا» ٣٢ بيناه تبيانا واضحا بتثبيت وترسّل آية فاية وخمسا فخمسا وسورة فسورة، ولولا هذه الأسباب لأنزلناه عليك جملة واحدة، لان هذا في مصلحتك مما هو موافق لما في علمنا فكنت من حيث الإنزال جملة كمن قبلك ومن حيث إنزاله مفرقا زيادة على غيرك من هؤلاء الكفرة على ربهم الذي لا يسأل عما يفعل وما يفعل إلا لحكمة ومن جهلهم عن مراده يعترضون عليه وليس لهم ذلك لانه ليس من خصائصهم قال تعالى «وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ» من أسئلتهم الواهية وتدخلهم فيما لا يعنيهم وما ليس لهم به علم «إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ» الواضح والجواب القاطع لتبطل به شبههم الباطلة بقول فصل لا محيد عنه ولا مرد له «وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً» ٣٣ بيانا وكشفا لأن برهانك قوي وحجتهم قاصرة ضعيفة وجوابك قاطع، وأسئلتهم لا شأن لها وكلمة تفسيرا لم تكرر في القرآن. ثم ذكر ما يؤول إليه أمرهم في الآخرة التي يجب أن يسألوا عنها ويعملوا لأجلها لأن مصيرهم إليها فقال «الَّذِينَ يُحْشَرُونَ» سحبا تحقيرا لهم «عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ» وأمثالهم «شَرٌّ مَكاناً» من غيرهم «وَأَضَلُّ سَبِيلًا» ٣٤ أخطأ طريقا، لأن جهنم دركات كل واحدة شرّ من الأخرى وأشد عذابا من التي فوقها، كما أن الجنة درجات وكل درجة أحسن من التي تحتها. روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفا مشاة وصنفا ركبانا وصنفا على وجوههم، قيل يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟ قال إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم كل حدب وشوك. وهذا يحتمل أنهم حينما يسحبون على وجوههم يصيبهم ذلك، ويحتمل أنهم ينكسون نكسا فتكون رؤوسهم التي فيها وجوههم مما يلي الأرض، والأول أولى لموافقته ظاهر القرآن ولهذا البحث صلة بتفسير الآية ٩٧ من سورة الإسراء الآتية. ثم شرع يقصّ على رسوله أخبار من تقدم من الرسل، وما لا قوه من أقوامهم ليهون عليه ما يرى
من قومه تسلية له فقال «وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ» المعهود وهو التوراة «وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً» ٣٥ معينا له لأن الوزير من يؤازر غيره ويعينه على تنفيذ ما يريده، وإن الشريعة خاصة لموسى بدليل تخصيصه بالكتاب، وهرون تابع له فيها اتباع الوزير لسلطانه، «فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ» القبط الذين يرأسهم فرعون «الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» التسع العظام وغيرها وأرشدهم إلى طريقنا فذهبا، ولم يجد معهم إرشادهما نفعا وكذبوهما «فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً» ٣٦ إهلاكا هائلا
عجيبا لا يدرك كنهه البشر «وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ» قبله وهم إدريس وشيث وأتباعهم المؤمنين ثم كذبوا نوحا أيضا، ولهذا جاء بلفظ الجمع إيذانا بأن من كذب رسولا واحدا فكأنما كذب الرسل كلها، وهو كذلك، ولهذا فلا مقال على مجيء الآية بلفظ الجمع بسبب أن المذكور واحد «أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً» عظيمة ليعتبروا بها هم ومن بعدهم «وَأَعْتَدْنا» هيأنا «لِلظَّالِمِينَ» منهم في الآخرة «عَذاباً أَلِيماً» ٣٧ مبرحا شديدا غير عذاب الدنيا، وإنما وصفه بالأليم لأن عذابه لا يقادر قدره في الشدة، أجارنا الله منه «وَعاداً» قوم هود «وَثَمُودَ» قوم صالح «وَأَصْحابَ الرَّسِّ» قوم شعيب أهلكناهم كلهم لمخالفتهم أو أمرنا وعدم انقيادهم لرسلنا وإصرارهم على الكفر. وقد تقدمت قصصهم في الآية ٥٨ فما بعدها من سورة الأعراف المارة وسيأتي لقصصهم صلة في الآية فما بعدها من سورة هود في ج ٢ «وَقُرُوناً» دمرناهم أيضا «بَيْنَ ذلِكَ» بين نوح وشعيب «كَثِيراً» ٣٨ منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص كما سيأتي في الآية ٧١ من سورة المؤمن في ج ٢ أيضا «وَكُلًّا» من الجاحدين والمعاندين المار ذكرهم والآتي، لأن التنوين في كلا للعرض أي لكل منهم «ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ» في إقامة الحجة عليهم من أخبار الأولين «وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً» ٣٩ مزقناهم تمزيقا هائلا يتعجب منه لا تتصوره عقول البشر لعدم إجابتهم الدعوة أيضا «وَلَقَدْ أَتَوْا» أي طائفة من قومك يا محمد «عَلَى الْقَرْيَةِ» التي كانت مسكنا لقوم لوط المسماة سذوما باسم قاضيها
سذوم، وجاء في المثل: أجور من سذوم. أعاذنا الله مما وقع عليها. وإنما ذكر هذه القرية دون غيرها لأنها على طريقهم حين يذهبون إلى الشام وقد مروا بها مرارا كثيرة وتناقلت لهم أخبارها فهي «الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ» بالحجارة النازلة من السماء بعد أن قلبت وجعل أسفلها أعلاها «أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها» أجهلوها ألم يعلموا سبب تدميرها «بَلْ» رأوها وعرفوها وبلغهم ما وقع بأهلها ولكنهم «كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً» ٤٠ بعثا بعد الموت ولا يتوقعون حصوله وجهدهم هذا في إصرارهم على فعل الفحشاء أسّ عنادهم وأصل عتوهم ومنشأ عذابهم وسبب إهلاكهم
«وَإِذا رَأَوْكَ» يا سيد الرسل ما «إِنْ يَتَّخِذُونَكَ» هؤلاء الكفرة «إِلَّا هُزُواً» سخرية ويقولون «أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا» ٤١ استخفافا به قاتلهم الله، نزلت هذه الآية في أبي جهل وأضرابه، إذ كانوا إذا مرّ بهم حضرة الرسول قالوا ذلك الكلام وقالوا أيضا «إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا» وقد قرب وأوشك من تنفيذ مراده بها «لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها» بتحملنا تأنيب محمد وأصحابه وتعريضهم بها وبنا، ولكنا لم نلتفت إليهم، فثبتنا ودمنا على عبادتها، وإلا لصرفنا عنها بما أوتيه من بلاغة وفصاحة ولين جانب، وهذا دليل على فرط مجاهدته ﷺ في دعوته إلى الله، ولهذا هددهم فأنزل فيهم هذه الآية وختمها بقوله «وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ» إذا لم يقلعوا عما هم عليه «حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ» ال فيه للجنس، فيشمل عذابي الدنيا والآخرة «مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا» ٤٢ هم أم نحن بل هم حقا حقا يا أكمل الرسل «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ» بأن أطاع هوى نفسه فيما يأتي ويذر وأطلق لها العنان فلم يقيدها بقيود الشريعة ولم يصغ إلى نصح الرسل «أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا» ٤٣ تراقبه وتحفظه من عبادة ما يهواه كلا لا تقدر على ذلك «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ» الوعظ والإرشاد سماع قبول «أَوْ يَعْقِلُونَ» معنى ما يذكرون به من الحجج والدلائل كلا «إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ» في عدم الانتفاع بالذكرى، وعدم التدبر والتفكر بالمصير، وعدم
صرف جوارحهم إلى ما خلقت لها «بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا» ٤٤ من الأنعام لأنها تهتدي لمرعاها ومأواها وتتقي الحر والبرد، وتصرف الضار من النبات، والنافع والعذاب والمالح والمر من الماء، وتنقاد لمن يتعهدها، وتنفر من غيره، وتسبّح ربها بما ألهمت به من أنواع التسبيح كما سيأتي في الآية ٤٣ من سورة الإسراء الآتية، وهم لا يعقلون شيئا من ذلك، مع علمهم بأن الله خلقهم ورزقهم، ولم ينقادوا إليه، ولم يتبعوا رسله. ونظير هذه الآية، الآية ١٧١ من البقرة في ج ٣ من حيث المعنى، ثم طفق يذكر لهم بعض دلائل توحيده فقال عز قوله «أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ» وهو ما تنسخه الشمس من طلوعها إلى الزوال والفيء ما ينسخ الشمس من الزوال إلى الغروب، فهو عكسه، وكل منهما متحرك بحركة لطيفة لا تدرك، فهو من قبيل الموجود المعدوم كفلكة المروحة لا تكاد تراها وهي موجودة. قال الإمام الغزالي في تشبيه الدنيا من حيث تلقيها بالظل:
إنه متحرك ساكن، متحرك في الحقيقة ساكن في الظاهر، لا تدرك حركته بالبصر بل بالبصيرة الباطنة (ص ١٨٦ ج ٣ في كتاب ذم الدنيا) أي ألم تر أيها الإنسان إلى صنع ربك البديع، إذ ليس المقصود هنا رؤية الله تعالى ذاته، لأن الرؤية هنا بصرية بدليل تعديتها بإلى «وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً» ثابتا دائما لا تذهب الشمس، وفي هذا تنبيه على أن لا دخل للأسباب العادية من قرب الشمس إلى الأفق الشرقي على للقول بأن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر والشمس أو ما بين غروبها وطلوعها، أو قيام الشاخص الكثيف على القول بأن المراد مطلق الظل وهو الأولى على ظاهر القرآن، وإنما المؤثر فيه حقيقة المشيئة والقدرة الإلهية وحدها «ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» ٤٥ فلولاها لما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً» ٤٦ جدا أي أزلناه بعد ما أنشأناه بتسليط الشمس عليه شيئا فشيئا، بصورة محسوسة فعلا غير محسوسة نظرا لدقة السير، ذلك صنع الخالق المبدع من غير عسر عليه دلالة على توحيده، وجاء الخطاب في هذه خاصا كما هو شأن كل خطاب مثله،
بخلاف الخطاب بقوله (أَفَلا يَنْظُرُونَ) فإنه للعام، لأن المراد تقرير رؤيته عليه السلام لكيفية مدّ الظل بينها إلى أن نظره عليه الصلاة والسلام غير مقصود على ما يطالعه من الآيات في آثار الله وصنايعه، بل مطمح أنظاره ﷺ معرفة شؤون الصانع المجيد، وفي هذه الآية الجليلة إشارة إلى التصوير الشمسي لأن الشمس دالة عليه وتقبضه الآلة الآخذة بسهولة عند مقابلتها لشخص الإنسان، وهذا من أسرار القرآن التي لم يطلع عليها البشر قبل اختراع آلة التصوير، ومن أموره الغيبية التي يطلعنا الله عليها، وكم من أسرار ستظهر بعد للبشر من مكوناته وكان التصوير قبلا بطريق النحت والتجميل، وهذه هي المنهي عنها صنعا واتخاذا. هذا ومن دلائل توحيده قوله عز قوله «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً» غطاء ساترا لكم بظلمته كالثوب يستر لابه فيختفي فيه من أراد الاختفاء عن عيون الناس «وَالنَّوْمَ سُباتاً» لأجل الراحة لا عمل فيه للقوى الحيوانية «وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً» ٤٧ ينتشر فيه الناس لمصالحهم ابتغاء فضل الله، ويطلق النشور على الانبعاث من الموت، كما يطلق على اليقظة من النوم، وكذلك السبات يطلق على الموت لأن النوم أحد التوفيتين الواردة في قوله تعالى «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ» الآية ٤٢ من سورة لزمر قال لقمان لابنه: كما تنام توقظ كذلك تموت فتنشر. وهذا مما اتفقت عليه عامة أهل الكتب السماوية كوجود الآله والاعتراف بالرسل، وأنكره من لا دين له كالدهرية. ومن دلائل توحيده قوله جل قوله «وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً» لعباده بنزول الغيث ولهذا فأن الإبرة المخصوصة الدالة على تقلبات الجو المسمات (بارومتر) وتشير إلى وقوع المطر خلال أربع وعشرين ساعة بسبب هذه الرياح، وقد يقع خلالها إذا لم يتغير الجو فتبشر بها الناس. وقريء نشرا بالنون أي ناشرات السحاب وباعثات له، لأنها تجمعه لا من النشر بمعنى التفريق، لأنه غير مناسب للمعنى، إلا أن يراد به معنى السوق مجازا، ولا محل هنا للمجاز، فأصبحت الحقيقة «بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» أي قدام المطر على طريق الاستعارة، بجامع الخير الكثير والنفع العام في كل من
رحمته وغيثه استعارة مليحة لأنه ريح فسحاب فمطر «وَأَنْزَلْنا» بعد إنزال وإثارة الغمام «مِنَ السَّماءِ» الجهة العلوية وكل ما علاك فأظلك فهو سماء «ماءً طَهُوراً» ٤٨ في نفسه مطهرا لغيره «لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً» أرضا لا نبات فيها، وتطلق البلدة على الأرض وعليه قوله:
أنيخت فألفت بلدة بعد بلدة قليل بها الأصوات إلا بغامها
أي خباؤها، راجع تفسير الآيتين ٥٧، ٥٨ من سورة الأعراف المارة، والآية العاشرة من سورة طه الآتية. قال تعالى «وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً» ٤٩ من أهل البوادي والقرى وغيرهم، وأهل البوادي أحوج من غيرهم إليه، لأن القرى والأمصار لا تكون إلا على الماء غالبا من نهر أو عين أو مسبح أو بئر أو صهاريج وأناسيّ جمع أنيسي مثل كرسي وكراسي، وما قيل إنه جمع إنسان أو جمع ناس فغير وجيه، وقال سيبويه إنه جمع إنسان وعلله بأن أصله أناسين، فقلبت نونه ياء وأدغمت فيما قبلها. وقال صاحب الخازن جمع ناسي.
وقري ونسقيه بفتح النون. وسقى وأسقى لغتان وما جرينا عليه أوجه «وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ» على أنحاء وأوقات مختلفة، وهذا معنى التصريف واللام في لقد للقسم، والمعنى وعزّتي وجلالي لقد قسمنا مياه الأمطار «بَيْنَهُمْ» أي الناس بحسب الحاجة على البلدان المتغايرة والأوقات المختلفة والصفات المتفاوتة، راجع الآية ٢٧ من سورة السجدة في ج ٢ «لِيَذَّكَّرُوا» في قدرتنا كيف نرسله إلى محل دون آخر ووقت دون وقت، مرة وابلا وأخرى طلا أي مطرا شديدا وخفيفا وطورا ديمة يداوم أياما، وتارة طشا متقطعا كالمزن أو متصلا، وأوانا رذاذا، على مقتضى الحال والحاجة المحل الذي ينزل فيه، ومع هذا «فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً» ٥٠ بنعمنا المترادفة عليهم، وعدم التذكر بآلاءنا ولم يكتفوا بذلك حتى أسندوه إلى مخلوقاتنا، إذ يقولون مطرنا بنوء كذا، روى البخاري ومسلم عن زيد بن خالد الجهمي أنه قال قال صلى بنا رسول الله ﷺ صلاة الصبح بالحديبية في اثر سماء من الليل، فلما انصرف أي سلّم أقبل على الناس فقال
أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال قال أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذلك كافر مؤمن بالكواكب، والمراد بالأنواء مطالع النجوم في المشرق عند سقوط ما يقابلها بالمغرب، وكانت العرب تسند بعض الحوادث كالأمطار والرياح وغيرها إلى تلك الأوقات، ويطلق النوء على النجم أيضا إذا مال إلى الغروب وقدم في هذه الآية الأنعام على الناس لا لفضلها، بل لأنها قنية الناس وعامة منافعهم ومعايشهم منها من تقويم الأسباب على المسببات كما قدم أحياء الأرض على إسقاء مخلوقاته لأنه السبب في حياتها
قال تعالى «وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً» ٥١ ينذرهم بأسنا ويخوفهم عقابنا، فما بالهم استكثروا علينا إرسالك عليهم يا خاتم الرسل ألم يعلموا أن من قدر على إرسال واحد يقدر على إرسال أكثر إذ لا يعجزنا إرسال الأنبياء الكثيرين كما فعلنا ذلك في بني إسرائيل ومن قبلهم، ولكن قضت حكمتنا أن نختم الرسل بك ونعمم رسالتك إلى كافة الخلق وإجلالا لشأنك، وقد حملناك ثقل إنذار العامة خلافا للرسل قبلك، إذ أرسلناهم خاصة لأناس دون آخرين لتستوجب لدينا بصبرك عليهم واجتهادك على نصحهم وعنايتك وجدك بما عهدناه إليك، ما أعددناه إليك من الكرامة العظيمة والدرجة الرفيعة وحسن المنقلب في دار كرامتنا «فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ» فيما يريدونك عليه من الإمساك عن كلامنا الذي نوحيه إليك لإرشادهم، وما يندبونك إليه من اتباع دينهم المعوج، وهذا في حقه محال إلا أن فيه تهيج وإلهاب المؤمنين على التصلب بدينهم تجاه الكفرة وتحريكهم إلى التقدم في أمر دينهم كما يدل عليه قوله تعالى «وَجاهِدْهُمْ بِهِ» عظهم بالقرآن بكل جهدك وازجرهم وأغلظ عليهم بالوعظ «جِهاداً كَبِيراً» ٥٢ شديدا يقطع أملهم عما يريدونه من الميل إلى دينهم ويستميلهم إلى الإيمان بالله وحده.
مطلب بيان البرزخ بين العذب والمالح:
ومن دلائل توحيده قوله «وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ» أرسل «الْبَحْرَيْنِ» في
مجاريهما متجاورين متلاحقين بقدرته وأهل المرج الخلط يقال مرج الأمر إذا اختلط والمرج المكان الواسع الجامع للكلأ والماء، وفيه أنواع كثيرة من النبات، ويسمى المرعى مرجا لاختلاط النبات فيه «هذا عَذْبٌ» حلو ماؤه «فُراتٌ» قاطع للعطش لشدة عذوبته المائلة للحلاوة «وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ» ضد الأول على طرفي نقيض، والأجاج الشديد الملوحة المائل إلى المرارة، وفي الإشارة إشارة إلى بعدها عن بعضها بدليل قوله جل قوله «وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً» حاجزا عظيما يمنعهما من التمازج. وجاء بالفارسية كلمة (برزة) بمعنى برزخ وجاء في سورة الرحمن بينهما برزخ لا يبغيان الآية ٢٠ في ج ٣ فالتنوين في هاتين الآيتين يدل على عظم هذا البرزخ الفاصل بينهما وهو كذلك حيث يوجد بينهما مسافات كثيرة قبل التلاقي «وَحِجْراً مَحْجُوراً» ٥٣ تنافر مفرطا كأن أحدهما يتعوذ من الآخر، وقد ذكرنا في تفسير الآية، المارة أنهم يستعملون هاتين الكلمتين مقام الاستعاذة عند طروء ملمة أو هجوم عدو أو وقوع نازلة أو حدوث مهم، والمراد من إيجاد هذا البرزخ العظيم بين العذب والملح لزوم كل منهما صفته التي هو عليها، لئلا ينقلب العذب ملحا ولا الملح عذبا، وهو في مكانه لم يختلط بغيره مهما بقي، وذلك من كمال قدرة الله لا بطبيعة الأرض ولا بطبيعة الماء، وإلا لكان الكل عذبا أو ملحا. وما قيل إنهما بحران متلاصقان حلو ومالح لم يشاهدهما أحد، أو أن أحدهما في الأرض والآخر في السماء وأنهما يلتقيان في كل عام كما ذكره بعض المفسرين قيل لا يرتضي ولا ينبغي أن يقال، لأن الله كلم الناس على لسان نبيه بما يفهمون ويعقلون وهو لا يعجزه جعلها كذلك، لأنه القادر على أكثر من ذلك، إلا أنه لا حاجة لذكر غير المعقول والجنوح إليه عند وجود المعقول المشاهد، على أنه لا ينكر وجود عيون ماء حلو تنبع في وسط البحر وعلى شواطئه تشرب منها الناس وتذهب إليها بالزوارق كما في البحرين، حيث يوجد نبع ماء فيه يتدفق بقوة وينساب مع ماء البحر على سطحه ويمتاز عنه بلونه ويصير كالخط المستطيل، إلى أن يندمج فيه. ولهذا البحث صلة في تفسير الآية ١٤ من سورة فاطر الآتية
ومن دلائل توحيده قوله «وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ» المني وأطلقه بعض المفسرين على الماء الذي خمّر به طينة آدم عليه السلام ولكنه لا ينطبق على المعنى لأن آدم لم يخلق من الماء وحده بل من الماء والطّين تأمل «بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً» ينسب إليه كالذكور من نوعه «وَصِهْراً» يصاهر به الغير كالإناث، أي أنه جل شأنه قسم البشر المخلوق من النطفة للقسمين المذكورين قال تعالى «فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى» الآية قبل الأخيرة من سورة القيامة المارة «وَكانَ رَبُّكَ» سابقا ولاحقا «قَدِيراً» ٥٤ على ما أراده وجعله طبق مراده، فجعل من المني الواحد المعرفة بالماء وهو النطفة المختلطة من ماء الزوجين ذكرا وأنثى، وقد يكونا في بطن واحدة، وجعل النسب المذكور فيقال فلان بن فلان وفلانه بنت فلان، والصهر للأنثى فيقال فلان صهر فلان إذا تزوج ابنته وأخته، ولهذا البحث صلة في تفسير الآية الأولى من سورة النساء في ج ٣، هذا وقد ذكر الله تعالى خمس آيات، من ألم تر إلى هنا مدعمات بالدلائل على عجائب قدرته وبديع صنع وحدانيته، ليتذكر بها من تذكر من الذين أرسل إليهم محمد إبان نزولها وبعده وإلى قيام الساعة، وكأنها مع الأسف لم تتل عليهم ولم يسمعوا بها ولم يلقوا لها بالا لقوله تعالى «وَيَعْبُدُونَ» أولئك الكفرة مع بيان هذه الآيات المعجزات والبيّنات أوثانا يخصونها بالعبادة «مِنْ دُونِ اللَّهِ» خالقهم وخالقها ومانحهم هذه النعم العظيمة «ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ» عبدوها أولا لأنها جماد لا تحس بعبادتهم لها، ويتركون عبادة النافع الضار الإله الواحد ويجحدون وجوده «وَكانَ الْكافِرُ المتوغل بكفره «عَلى رَبِّهِ» الذي يرى آثار نعمه عليه ويحس بها عند الحاجة قال تعالى (وَإِذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) الآية ٦٧ من سورة الإسراء الآتية، وينسونه عند الفرج ويكون «ظَهِيراً» ٥٥ معينا لنفسه وللشيطان على ربه اللطيف به المعطوف عليه، وذلك أنه يتابع الشيطان بما يوسوس إليه على عبادة الصنم ويعاونه في إغوائه على معصية الله فيغفله وينساه حتى إذا
أدركته الشدة رجع إليه واعترف بربوبيته، فإذا زالت تلك الشدة عنه،
وأغدق عليه من المال والولد وغمره في خيره وأقر عينه، نسى ربه وأعرض عنه ولجأ إلى أوثانه، فلا حول ولا قوة إلا بالله. وهذه الآية عامة في كل كافر هذا شأنه، وما قيل إنها نزلت في أبي جهل وإخوانه الكفرة على فرض صحته لا يخصصها بهم بل تبقى على عمومها، لأن العبرة دائما لعموم اللفظ ما لم يقيد أو يخصص، وما قيل إن ظهيرا بمعنى مهين أخذا من قولهم ظهرت به إذا نبذته خلف ظهرك، ويكون المعنى حينئذ وكان الكافر مهينا عند الله لا خلاق له عنده، بداعي أن فعيلا بمعنى مفعول كما ذكره الطبري ونقله عنه غيره فهو قيل غير معروف، لأن المعروف أن ظهر بمعنى معين لا بمعنى مظهور به وهو كما ترى، قال تعالى «وَما أَرْسَلْناكَ» يا سيد الرسل «إِلَّا مُبَشِّراً» بالثواب العميم لأهل الإيمان «وَنَذِيراً» ٥٦ بالعقاب الجسيم لأهل العصيان المصرين على كفرهم «قُلْ» يا حبيبي لهؤلاء الذين يقولون لك نجمع لك مالا لتكون أغنانا كما مر في الآية الثامنة «ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ» على تبليغكم هذا القرآن «مِنْ أَجْرٍ» لي مطلقا «إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ» بإنفاق شيء من ماله لصلة رحمه أو فقراء قومه أو غيرهم من أبناء السبيل واليتامى والأرامل إنفاقا خاصا «إِلى رَبِّهِ» يبتغي بذلك الإنفاق «سَبِيلًا» ٥٧ طريقا طلبا لمرضاته وليوصله إلى نعيم جناته، لأن هذا من جملة ما أوحى إلي به ربي وأمرني بتبليغه وجعل عليه الخير الكثير والأجر الكبير، قل لهم هذا يا حبيبي «وَتَوَكَّلْ» في جميع أمورك «عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ» فهو أحق من يتوكل عليه وأوجب من يفوض الأمر إليه، لأن من يتوكل على من يموت انقطع أمله منه بموته، ومن يتوكل على الميت طبعا كالأصنام فهو أشر حالا وأسوأ مآلا أيضا. أخرج ابن الدنيا في التوكل والبيهقي في شعب الإيمان عن عقبة بن أبي بثيث قال: مكتوب في التوراة لا توكل على ابن آدم فإن ابن آدم ليس له قوام، ولكن توكل على الحي الذي لا يموت. ولما قرأ بعض السلف هذه الآية قال لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق وكيف يثق به وهو متقلّب إن لم يمت يرجع عن قوله، فتوكل على الله وحده أيها العاقل «وَسَبِّحْ
بِحَمْدِهِ»
ليزيدك من أفضاله «وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ» ما ظهر منها وما بطن وما كان منها عن قصد أو خطأ أو إكراه أو رغبة «خَبِيراً» ٥٨ بها لأن الخبرة معرفة بواطن الأمور ومن علم البواطن فهو في علم الظواهر أعلم. وفي هذه الآية وعيد وتهديد فكأنه جل جلاله يقول: إذا خالفتم أمري يكفيكم علمي بما تستحقونه من العقوبة إذ لا يخفى عليّ شيء مما تفعلون أو تتصورون.
مطلب الأيام الستة ومعنى فاسأل به خبيرا:
واعلموا أن ذلك الإله العظيم القادر هو «الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ» زمانية بحسب تقديركم أيها الناس، والقصد من خلقها في ستة أيام مع أنه قادر على خلقها في لحظة واحدة هو أنه جعل لكل شيء حدا محدودا لا يتعداه، فلا يدخل شيء من مخلوقاته في الوجود إلّا بالوقت الذي قدره لدخوله فيه، ولفائدة أخرى هي تعليم عبادة التؤدة والتريث في الأمور والتأني بفعلها.
قال عليه الصلاة والسلام: التأني من الله والعجلة من الشيطان. ولفائدة ثالثة وهي أن الشيء إذا فعل دفعة واحدة ظن وقوعه اتفاقيا، وإذا حدث شيئا فشيئا على سبيل المصلحة والحكمة كان أبلغ في القدرة وأقوى في الدلالة. والقول الفصل في هذا وغيره مما هو من شأن الله أن أفعال الله لا تعلل، اقرأ قوله جل قوله (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ) الآية ٢٣ من سورة الأنبياء في ج ٢، ولا شك أن الله تعالى قادر على إبادة هذا الكون بما فيه علوه وسفله وإنشائه كما كان أو على شكل آخر في لحظة واحدة، لأن أمره بذلك عبارة عن كن، قال تعالى: (وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) الآية ٥٠ من سورة القمر المارة، راجع الآية ٨٢ من سورة يس، والآية ٥٤ من سورة الأعراف المارتين، وسيأتي لهذا البحث صلة في الآية ٩ من من سورة فصلت في ج ٢، «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ» استواء يليق بذاته ويراد به الاستيلاء والله أعلم «الرَّحْمنُ» بالرفع بدلا من ضمير استوى «فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً» ٥٩ بكل ما خطر ببالك وما لم يخطر، قال تعالى (وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ) الآية ١٤ من سورة فاطر الآتية، قيل الخبير هنا هو جبريل عليه السلام
أو من له علم في الكتب القديمة، وعلى هذا يعود ضميريه إلى الرحمن ويكون المعنى اسأل رسولي أو من له خبرة بما أنزلته من كتاب يعلمك أفعالي بمن كذب الرسل وصدقهم، والأول أولى وأحسن، لأن محمدا ﷺ أولى بمن يسأل ربه وهو أعلم بربه من غيره، راجع الآية ٤٠ من سورة النحل الآتية، واعلم أن فعل سأل يتعدى بعن إذا ضمن معنى التفتيش، ويتعدى بالياء إذا ضمن معنى الاعتناء، ويتعدى بإلى إذا ضمن معنى الطلب، وإذا كان كذلك فلا حاجة للجري على القول بأن الباء هنا بمعنى عن لأن لك أن تجعلها بمعنى من وإلى أيضا، وغير خاف عليك أن حروف الجر تخلف بعضها كما سننوه به في الآية ٧١ من سورة طه الآتية، قال علقمة بن عبيدة:
فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب
فقد ضمن الباء هنا معنى عن، وأمثاله كثير في القرآن والحديث والضمير راجع إلى الرحمن كما ذكرنا، وقيل يعود إلى ما ذكر من الخلق الاستواء، والمعنى إن شئت تحقيق ما ذكر أو تفصيله فاسأل عليما به معتنيا بصيرا عظيم الشان محيطا بظواهر الأمور وخوافيها، عارفا بها، يخبرك بقدرته، ومن هذا الخبير الذي يسأله محمد ﷺ غير ربه جلّ وعلا؟ أي كأنه يقول له اسألني أخبرك لأن من أنشأ هذه الأجرام العظام على هذا النمط الفائق، والنسق الرائق، بتدبير متين، وترتيب مبين، في أوقات معينة مع كمال الإبداع، لجدير بالإخبار عن ماهيتها وبيان ما أودع فيها من حكم جميلة وغايات نبيلة لا تقف على تفاصيلها العقول، وهو أحق أن يسأل لأنه هو وحده القادر على خلقها دفعة واحدة في أقل من لحظة، وهو جدير بأن يطلعك على جليلة أمرها ووضوح حقائقها لا غير، قال تعالى «وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ» لا نعرفه يا محمد من هو، وإنما نعرف رحمن اليمامة يعنون مسيلمة الكذاب، وهذا كقول فرعون لموسى (وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) الآية ٢٣ من سورة الشعراء الآتية، صدق الله بقوله (تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) الآية ١١٨ من البقرة في ج ٣، لأن ردّ الكفرة للأنبياء من لدن نوح إلى محمد جاء
على وتيرة واحدة، وسؤالهن هذا من تجاهل العارف لأنه مذكور في الكتب المتقدمة بالعبرانية بلفظ رحمان كما ذكر موسي (موشى). وقالوا على طريق الاستفهام الإنكاري «أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا» يا محمد؟ كلا لا نفعل أبدا «وَزادَهُمْ» طلب السجود والأمر به «نُفُوراً» ٦٠ عن الإيمان بالله ورسوله وجاهروه بعدم الامتثال.
واعلم أن هذه السجدة من عزائم السجود فتجب على القارئ والسامع، وقدمنا ما يتعلق بالسجود لله في الآية الأخيرة من سورة الأعراف وص والنجم المارات فراجعها.
مطلب البروج وأقسامها وما يتعلق بقضاء الورد:
قال تعالى «تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً» قال ابن عباس هي منازل الكواكب السيارات السبع وقد بيناها أول سورة البروج المارة وسميت بروجا تشبيها لها بالمنازل لمنازل هذه الكواكب، ومعناها القصور، فالأسد بيت الشمس، والسرطان بيت القمر، والحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهي مقسومة على الطبائع الأربع فالحمل والأسد والقوس مثلثة ناريّة، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة مائية، وقسمنا في الآية ٣٨ من سورة يس المارة ما يتعلق بالمنازل مفصلا فراجعها، ولهذين البحثين صلة في الآية ١٦ من سورة الحجر في ج ٢ تستكمل به ما يتعلق بها ان شاء الله «وَجَعَلَ فِيها سِراجاً» شمسا «وَقَمَراً مُنِيراً» ٦١ مضيئا راجع الآية ١٣ من سورة الإسراء الآتية تجد تمام هذا البحث «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً» لبعضهما يعقب الواحد الآخر ويقوم مقامه بالعمل، فإذا فات الإنسان عمله بالليل قضاه بالنهار، وإذا فاته بالنهار أتى به بالليل، والمراد هنا اختلافها في الزيادة والنقصان أيضا والسواد والبياض وذهاب أحدهما ومجيء الآخر دون فاصلة، وانما جعلهما يخلف كل منهما الآخر لمقتضى الحكمة والمصلحة «لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ» في عبادة ربه فيهما وما فاته من ذكره أو نسيه في أحدهما أو لم يتمكن من إتمام
الأذكار المأثورة التي رتّبها على نفسه في الليل قضاه في النهار، وكذلك بالعكس روى الطيالسي وابن أبي حاتم أن عمر رضي الله عنه أطال صلاة الفجر، فقيل له صنعت شيئا لم تكن تصنعه؟ قال إنه بقي عليّ من وردي شيء فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه. وتلا هذه الآية. ومن التذكر المأجور عليه أن يتفكر في كيفية تسخيرهما واختلافهما وانتظام سيرهما، ويستدل بذلك على عظمة مبدعهما ومدبرهما، ويستفاد من ظاهر الآية أن الأوراد التي قد اعتادها السادة الصوفية بارك الله فيهم لها أصل في النوع مقتبس من هذه الآية المؤيدة بفعل عمر رضي الله عنه، وفيهما دليل على تقننها وأن قضاء ما فات منها لازم على النفوس الطاهرة التي ترى ما التزمته على نفسها من الذكر واعتادته لازما عليها قضاؤه استنباطا من الأصول الفقهية مثل من شرع في نفل وأبطله وجب عليه قضاؤه، مع أنه نفل «أَوْ أَرادَ شُكُوراً» ٦٢ بأداء نوع من العبادة وردا خاصا له شكرا لنعم ربه وإفضاله عليه لانه لو استغرق زمنه كله في شكر ربه لم يؤد حقه ورحم الله الشيخ بشيرا الغزي إذ يقول في مقدمته منظومة الشمسية في علم المنطق:
لو أن كل الكائنات ألسنة تثني على علاه طول الأزمنه
لم تقدر الرحمن حق قدره ولم تؤد موجبات شكره
ويؤذن عطف إرادة الشكر على التذكر إرادة فعل النافلة بعد الفريضة وتلاوة الأذكار المأثورة بعدها والتفكر في بدايع صنع الله مما ينور القلب ويطلعه على علم ما لم يعلم. فاغتنم أيها العاقل واستكثر من الذكر المشروع ولا تنظر لأقوال المتطفلين على الدين الذين (يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ) الآية ٧ من سورة الروم في ج ٢ أجارنا الله من الغفلة وحمانا من العطلة، ووفقنا لما به الفلاح والنجاح هذا وقد قرأ زيد بن علي وطلحة وغيرهما (أَنْ يَذَّكَّرَ) بالتخفيف مضارع ذكر وهي قراءة جائزة وتؤيد ما ذكرناه، ومما يوثقه أيضا وصف الله تعالى عباده بقوله «وَعِبادُ الرَّحْمنِ» الذين دأبهم ذكره وشكره العارفون به «الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً» بالسكينة والوقار متواضعين
لا يمرحون ولا يختالون ولا يتبخترون. راجع الآية ٣٦ من الإسراء الآتية، وقد أضافهم جل شأنه لنفسه للعلم بأنهم المخصوصون بإفضاله المنعم عليهم بصفة كماله، لأن العبودية فعل المأمورات وترك المنهيات، لا لرجاء الثواب والنجاة من العقاب الذين تقتضيهما معنى العبادة، بل لمجرد إحسان الله تعالى ومطلق أمره ونهيه، استحقاقا لذاته المقدسة «وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً» ٦٣ أي ومن صفاتهم أيضا يقولون قولا يدل على المتاركة والإغضاء عند ما يجابههم السفيه وقليل الأدب والساخر والمستهزئ بما لا ينبغي أن يقال لمثلهم، ولفظ الجاهل يدخل فيه ما ذكرنا إذ لم يرد فيه في هذه الآية من هو دون البلوغ ولا عديم العلم، وهذا الجواب الذي علمه الله لخيرة خلقه على نهاية من الاستحسان أدبا ومروءة، وأسلم للغرض، وأوفق للورع، ولا وجه لقول من قال أن المراد به السلام المعروف لأنه جاء في الآية ٩٢ من سورة النساء مع أن سورة النساء مدنية وهذه مكية ولم يؤمر فيها بعد بالسلام بل هو سلام متاركة وتوديع لا سلام تحية واستقبال مثله قول سيدنا إبراهيم لأبيه (سلام عليك) الآية ٤٨ من سورة مريم الآتية وفسره بعضهم «بسداد» أي أراد قولا من سداد القول ولينه، وهو داخل فيما ذكرته أي أنهم يحلمون ولو تعدى عليهم ولا يسفهون وإن تسوفه عليهم، ولا يجهلون وإن جهل عليهم، ولا يتمثلون بقول صاحب المعلقة عمرو بن كلثوم:
ألا لا يجهلن أحد علينا... فنجهل فؤق جهل الجاهلينا
وذلك لأنهم تركوا نفوسهم وأقبلوا على ربهم فلم تبق عندهم أنفة الجاهلية، ولهذا نهي عن مخالطة الجهال بذلك المعنى لئلا يكون في عدادهم قال علي كرم الله وجهه:
فلا تصحب أخا الجهل... وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى... حليما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء... إذا ما هو ماشاه
وللقلب على القلب... دليل حين يلقاه
وقال الآخر:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي
مطلب إحياء الليل والآيات المدنيات وكلمات لغوية:
وهكذا كان شأنهم بالنهار، وانظر كيف وصفهم ربهم بما يكون منهم بالليل بقوله جل قوله «وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً» ٦٤ أي أنهم يجعلون بدل النوم الصلاة، لأنهم يتلذذون بالتشوق إلى المعبود أكثر من التذاذهم بالنوم، والبيتوتة لا تختص بالنوم، بل إن يدركك الليل تمت أو لم تنم وقيام الليل من السنن التي دأب عليها الصالحون، لأنه وقت اجتماع المحب بالمحبوب، والطالب بالمطلوب، وإحياء الليل أنواع أفضلها إحياؤه كله بالصلاة والذكر، ثم الاقتصار على ثلثيه، فعلى ثلثه، فسدسه، فعلى ما يتيسر منه، كما مر في آخر سورة المزمل قال الفقهاء: من قرأ شيئا من القرآن في الليل في صلاته فقد بات ساجدا. روى مسلم عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ من صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف الليل، ومن صلى الفجر بجماعة كان كقيام ليله كله.
وقريء سجودا على وزن قعودا، وهي أوفق بالنسبة لذكر قياما من حيث اللغة، إلا إن سجدا يدل على التكثير أكثر من سجودا فهو أنسب بالمقام وأبلغ في المعنى. ومن أراد الوقوف على الأوراد وأوقاتها وفضلها فليراجع الباب الأول من كتاب عين العلم للأستاذ الملا علي القاري رحمه الله، ففيه كل ما يريده ويتصوره، قال تعالى في وصف دعائهم «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً» ٦٥ لازما دائما لا ينفك، وهذا الغرام يراد منه الامتداد والاستمرار، فيختص بالكفار أجارنا الله منه، مثله مثل ملازمة الغريم مدينه، ومعناه الجزاء بأكثر مما يستحق. ثم وصف الله تعالى جهنم بقوله «إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً» ٦٦ فبئس الموضع موضعها وبئس المقام مقامها وأنت الضمير لتأويل المستقر بجهنم أو لأجل المطابقة للمخصوص بالذم، ثم وصف الله صدقاتهم فقال «وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا» أي بأن
يتجاوزوا بها قدرتهم أو يعطوها لغير مستحقيها، فإن هاتين الخصلتين من الإسراف، فكيف بمن ينفق ماله في معصية الله إذا جيء به يوم يؤخذ بالنواصي، يوم يفوز الطائع ويهلك العاصي، يوم لا تملك نفس لنفس شيئا والأمر يومئذ لله، أما نفقات الرياء والسمعة فسيأتي ذكرهما في الآية ٢٦٤ من سورة البقرة في ج ٣ إن شاء الله «وَلَمْ يَقْتُرُوا» على الفقراء مما أنعم به الله عليهم فيعطوهم حقهم وافيا مما افترضه الله عليهم لهم وقريء بكسر التاء مع فتح الياء، وبضم الياء وكسر التاء، وبضم الياء وفتح القاف، وتشديد التاء وكسرها وعلى كل، فمعنى التقتير التضييق على الفقراء بمنع الحق الذي فرض لهم على الأغنياء «وَكانَ» إنفاقهم «بَيْنَ ذلِكَ» الإسراف والتقتير «قَواماً» ٦٧ وسطا وهذا مما يدل على أن الإسراف مجاوزة الحد لأن يصل به إلى حد التبذير، وبالإقتار التقصير عما لا بد منه حتى يصل إلى منع عيال الله وعياله من حقهم، وهو أوفق لسياق الآية، ولهذا البحث صلة في تفسير الآيات ٢٦ و ٣١ من سورة الإسراء الآتية والآيات ٢٦٠ فما بعدها من البقرة، أخرج الإمام أحمد عن أبي الدرداء أن النبي ﷺ قال: من فقه الرجل رفقه في معيشته. واعلم أن معنى هذه الآية عام في نفقة الرجل على نفسه وأهله ومن هو تحت وصايته وولايته وغيرهم، ومعنى القوام غير الوسط العدل، وقوام الرجل قامته، وبكسر القاف ما أقامك من الرزق، ومن هذا القبيل حجام بالفتح الفرس، وبالضم المكوك، وحصان بالفتح العفة من النساء، وبالكسر الجواد، والذل بالكسر ضد الصعوبة، وبالضم ضد العز، والطعم بالفتح الشهوة، وبالضم الطعام، والجرم بالكسر البدن، وبالضم الذنب، والسلم بالكسر الصلح وبالفتح الاستسلام، والأرب بالفتح الحاجة، وبسكون الراء الدهاء. وقد بينا شيئا من هذا في تفسير الآية ١٧ من سورة التكوير والآية ١٦٩ من سورة الأعراف وله صلة في تفسير الآية ٥٩ من سورة مريم الآتية، وكلمة قوام لم تكرر في القرآن وهذه الآيات المدنيات قال تعالى «وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ» أي أن صفتهم في تنزيه معبودهم عدم إشراكهم أحدا معه في
دعائهم ووصفهم في عدم التعدي على الغير بقوله «وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ» المزيل لحرمتها وعصمتها كالكفر بعد الإيمان والزنى بعد الإحصان والقصاص «وَلا يَزْنُونَ» أي أنهم مبرّءون من هذه الخبائث التي كان عليها الجاهليون وأنهم مطهرون من كل سوء، وهذا تعريض بالمشركين الذين كانوا يعملون الكبائر القبيحة كهذه «وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ» كله أو شيئا منه بأن يزني أو يقتل بغير حق أو يرتد عن دينه والعياذ بالله «يَلْقَ أَثاماً» ٦٨ عقابا كثيرا لا يقادر قدره وقري يلق بضم الياء وتشديد القاف وفتح اللام، وقريء ابن مسعود أيامى بالياء أي شدائد يقال إلى يوم أيام أي شديدا عظيما، ويلقى بالألف المقصورة، كأنه نوى حذف الضمة المقدرة على الألف فأقرّت الألف، وقد ذكرنا غير مرة أن هذه القراءات التي لا زيادة فيها ولا نقص من حيث الحروف جائزة، روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال قال رجل يا رسول الله أي الذّنب أكبر عند الله؟ قال أن تدعو مع الله ندا وهو خلقك.
قال ثم؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال ثم؟ قال تزني بحليلة جارك. فأنزل الله هذه الآية تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم. والأثام قد يأتي بمعنى الجزاء قال عامر بن الطفيل:
وروينا الأسنة من صداء ولاقت حمير منها أثاما
هذا وإن من يفعل هذه الأشياء «يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» بحسب مضاعفته عصيان ربه وتعدد المعاصي «وَيَخْلُدْ فِيهِ» أي العذاب لأن الكفر والشرك واستحلال قتل النفس والزنى تقتضي التخليد بالنار إذا لم يتب ومات مصرا على ذلك كما سيأتي، وقرىء فيه بإشباع الهاء بالكسر ولا يوجد في القرآن مثله وكذلك كلمة «مُهاناً» ٦٩ أي ذليلا حقيرا مخزيا «إِلَّا» استثناء من الجنس في موضع النصب لا استثناء المؤمن قد بدل اعتبار الكفر في المستثنى منه «مَنْ تابَ» ومات على توبته «وَآمَنَ» بربه وكتابه ورسوله إيمانا صادقا «وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً» فيما بينه وبين ربه وبين الناس بعد توبته.
مطلب تبديل الحسنات بالسيئات وشهادة الزور:
«فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» فيبدل شركهم بالإيمان، وقتل المؤمنين بقتل الكافرين الحربيين والزنى بالإحصان والعفة، وليس ببعيد على الملك الديان أن يبدل ما عملوه في الدنيا من السيئات بحسنات بالآخرة. روى مسلم عن أبي ذر رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ إني لأعلم آخر رجل يخرج من النار، رجل يؤتى به يوم القيمة فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه وادفعوا عنه كبائرها، فتعرض عليه صغارها، فيقال له عملت يوم كذا، كذا وكذا فيقول نعم، لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبائر ذنوبه أن تعرض عليه، فيقال له إن لك مكان كل سيئة حسنة. فيقول يا رب عملت أشياء لا أراها هنا، قال فلقد رأيت رسول الله ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه، وسبب ضحكه أن الرجل كان خائفا من كبار ذنوبه ولذلك اعترف بصغارها، فلما رآها تبدل بحسنات أراد أن يعترف بالكبائر لتبدل أيضا «وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً» ٧٠ بعباده بما يمن عليهم بذلك الفضل العميم. واعلم أن هذا التبديل لا يكون إلا لمن اتصف بما ذكر في الآيات المارات بدليل الإشارة إليها بقوله أولئك،
ثم عمم بعد التخصيص فقال «وَمَنْ تابَ» من ذنوبه من العاصين أجمع «وَعَمِلَ صالِحاً» تحقيقا لتوبته «فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً» ٧١ أي يرجع إلى ربه بعد الموت رجوعا حسنا أفضل من غيره، فالتوبة الأولى عن أمهات الكبائر وهي الموبقات السبع الثلاثة المبينة في الآية المارة وقذف المحصنات، والفرار من الزحف، والسحر، وشهادة الزور، والثانية عن فروعها من مقدمات الزنى، والقتل، والتعديات الأخر، والمراد بهذه التوبة الرجوع إلى الله والندم طلبا للمجازات والمكافآت إذا أريد بهم التائبون المستثنون أو عن مطلق الذنوب إذا أريد غيرهم «وَ» من صفة أولئك العباد أيضا «الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ» خصصها بعد التعميم لعظمها عند الله، ولما فيها من تضييع الحقوق وفساد الأخلاق، لأنها لا تكون إلا بالمقابلة أو بالعصبية أو الرشوة، وكلها مذمومة. روى البخاري ومسلم عن
أبي بكر رضي الله عنه قال قال رسول الله ﷺ ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
قلنا بلى يا رسول الله، قال الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس وقال: ألا وقول الزور، فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت.. وكان عمر ابن الخطاب رضي الله عنه يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ويسخم وجهه ويطوف به بالأسواق. فليتنا نفعل بعض هذا في هؤلاء الذين تجارأوا على الله في شهاداتهم وأتلفوا حقوق ذوي الحقوق. اللهم سخر عبادك لاتباع الهدى وسلوك سنن الصلاح واجعلهم داخلين في قولك «وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً» ٧٢ معرضين عنه لا يلتفتون إليه ولا يلقون له بالا، وأسرعوا عن أهله تنزيها لأنفسهم الطاهرة من أن يسمعوا كلام الغواة المتفحشين بالكلام البذيء الذي يجب أن يتباعد عنه وعلى العقلاء أن يعرضوا عن أهل اللغو ولا يجالسوهم ولا يرافقوهم حفظا لكرامتهم وهيبة لوقارهم واحتراما لمكانتهم وإهانة لهم، أخرج ابن عساكر عن إبراهيم بن ميسرة قال: بلغني أن ابن مسعود مر بلهو معرضا ولم يقف فقال ﷺ لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما، ثم تلا هذه الآية. فالوقوف مواقف هؤلاء والخوض معهم قد يؤدي للانخراط معهم ولذلك وصف ﷺ ابن مسعود بالكرم لإعراضه عن اللهو، فمن أراد أن يكون كريما عند الله وعند الناس فلا يقفنّ مواقف التهم.
ولا معنى لقول من قال أن هذه الآية منسوخة بآية القتال لأن الإعراض عن مثل هذا مطلوب قبل الأمر بالقتال وبعده ثم ذكر صفتهم عند ما يوعظون فقال «وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ» أو زجروا فيها وحذروا مخالفتها فسمعوها سماع قبول بدليل قوله «لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها» أي يسقطوا وينكبوا «صُمًّا وَعُمْياناً» ٧٣ بأن لا يلقوا لها بالا، بل يتلقون تلك الآيات التي ذكروا بها بالقبول، ويعوها بالإذعان، ويرعوها بالطاعة، ويخروا لها سجدا وبكيا، بآذان واعية وقلوب منكسرة وقوالب خاضعة مخبته، لا كالكفرة الذين لا يسمعونها إذا تليت ولا يعقلونها ولا ينظرون إليها ولم يقبلوها ولم يستكينوا لربهم.
مطلب قرة العين وسخنها والذرية:
ثم ذكر صفة دعائهم لأنفسهم بقوله «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا» أولادهم وأولادهم واجعلهم لنا «قُرَّةَ أَعْيُنٍ» أبرارا صالحين أتقياء فائزين تقر أعيننا بهم لما هم عليه من عمل صالح وخلق كريم وذكر حسن. واعلم أن ليس أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده وأحفاده طائعين لأوامر الله مطيعين له ليطمع أن يحلوا معه في الجنة فيتم سروره بهم في الدنيا والآخرة، وإقرار العين بردها لما يرد على صاحبها من الفرح والسرور، فتدمع دمعا باردا لشدة انشراح صدره، لهذا يقال أقرّ الله عينيك. وضدّه حمانا الله، أسخن الله عينيك. واسخان العين حرها لما يرد على صاحبها من الضيق والحزن فتدمع دمعا حارا لما حل به من الكرب وضيق الصدر، قال أبو تمام:
فأما عيون العاشقين فأسخنت وأما عيون الشامتين فقرت
وقال الآخر:
نعم الإله على العباد كثيرة وأجلهن نجابة الأولاد
وقال تعالى هنا، أعين جمعا للعيون الباهرة، لأن لفظ العيون في القرآن العظيم كله جمع للعيون الجارية. وقرئ ذرّيتنا بالإفراد وقرئت بالجمع قال تعالى «وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً» ٧٤ يقتدى بنا في أفعال الخير اللهم اجعلنا منهم وقرّ أعيننا بأولادنا وأحفادنا يا الله يا الله يا الله بجاهك على نفسك، وحرمة كتبك وحق أنبيائك ومكانة أوليائك عليك وإمام يستعمل مفردا وجمعا واختير على أئمة المطابق لما قبله لكونه أوفق للفواصل التي قبله وبعده، والمراد هنا الجمع رعاية لمفعول جعل قال تعالى «أُوْلئِكَ» الذين هذه صفاتهم الممدوحة «يُجْزَوْنَ» من ربهم يوم الجزاء «الْغُرْفَةَ» الدرجة العالية في الجنة، لأن الغرف تطلق على البيوت الفوقية والحجر على السفلية والبيت عليهما، وذلك الجزاء الحسن ينالهم «بِما صَبَرُوا» على طاعة ربهم وعن شهوات أنفسهم في الدنيا هذا على أن الباء في بما سببية أو بدل صبرهم على أنها مصدرية وعليه قوله:
فليت لي بهم قوما إذا ركبوا شنّوا الإغارة فرسانا وركبانا
وعلاوة على الجزاء الحسن الذي يعطونه ويرون ثوابه فإنهم يكرمون عليه «وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً» ٧٥ من كل مكروه ولا مكروه في الجنة أي دعاء بالبقاء فيها ودعاء بالسلامة، والسلام من الله وملائكته ومن بعضهم أيضا، وهؤلاء يبقون في هذا النعيم «خالِدِينَ فِيها» أي الجنة الموصوفة بالغرفة التي هي أعلى منازلها وتسمى محل الأمن من الأكوار قال تعالى «وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ» الآية ٧٨ من سورة سبأ في ج ٢ «حَسُنَتْ» تلك المنزلة الكريمة «مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً» ٧٦ كرمت مقاما وقرارا وهذا بمقابل «ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً» الآية ٦٦ المارة بسياق أهل العذاب الجهنميين «قُلْ» يا أكرم الرسل إن الفائزين بتلك النعم الجليلة التي يتنافس بها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم، ولولاها لم يعتدّ بهم كغيرهم، كما أن أولئك الساقطين بتلك البلايا القبيحة التي يتباعد عنها المتباعدون إنما عوقبوا عليها بما عدد من مساويهم الخبيثة ولولاها لكانوا كغيرهم منعمين، ولهذا أكد عليهم يا حبيبي وقل لهم «ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي» ما يصنع وما يبالي بكم «لَوْلا دُعاؤُكُمْ» إياه عند الشدائد الملمات، ولكن لا ينفع هذا نفعا دائما إلا إذا آمنتم به وبرسوله وبكتابه، فإذ ذاك يظهر لكم عند ربكم وزن وقيمة ويعلو قدركم وتسمو مكانتكم عنده، لأنه لم يخلق الخلق إلا ليعبدوه ويحمدوه ويشكروا آلاءه لا لحاجة بهم- راجع تفسير الآية ٥٦ من الذاريات في ج ٢- لأن معنى عبأ ثقل والعبء في الأصل ثقل، والنفي منه معناه عدم الاعتناء والاعتداد والاكتراث بالشيء. أي أيّ اعتداد يعتد بكم ربكم إذا لم يكن لكم عنده قدر، فوجودكم لديه وعدمه سواء، وجواب لولا محذوف وتقديره لما اعتد بكم، لأنه لولا ما يقع منكم من الدعاء لكنتم والبهائم سواسية، وهذا بيان لحال المؤمنين من هذا الخطاب العام، أما حال الكفرة منهم فقد ذكره بقوله «فَقَدْ كَذَّبْتُمْ» برسولي وكتابي أيها الكفرة وجحدتم ربوبيتي ورفضتم توحيدي وعبادتي وكذبتم بي وأصررتم على مخالفة حكمي، ولم تقتدوا بأولئك الطائعين الصالحين من عبادي،
السورة التالية
Icon