0:00
0:00

قوله تعالى : ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان ﴾ [ ١ ] قال سهل :يعني جل وعلا من خص محمدا صلى الله عليه وسلم بإنزال الفرقان عليه ليفرق بين الحق والباطل، والولي والعدو، والقريب والبعيد، ﴿ على عبده ﴾ [ ١ ] أي على عبده الأخص ونبيه الأخص وحبيبه الأدنى وصفيه الأولى، ﴿ ليكون للعالمين نذيرا ﴾ [ ١ ] أي يكون للخلق سراجا ونورا نهدي به إلى أحكام القرآن، ويستدلون به على طريق الحق ومنهاج الصدق.
قوله : ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا ﴾ [ ٢٠ ] قال :إن الله تعالى أمر بالصبر على ما جعل للإنسان فيه فتنة، ومن ذلك قلة الإطراق إلى ما في أيدي الناس.
وقد روى أبو أيوب١ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل فقال : «إذا قمت إلى صلاتك فصل صلاة مودع ولا تكلمن بكلام تعتذر منه غدا، واجمع اليأس مما في أيدي الناس »٢، وقد كان السلف يغتنمون ذلك حتى حكي عن حذيفة٣ أنه قال :إن أقر أيامي لعيني ليوم أرجع إلى أهلي، فيشكون إلي الحاجة، وذلك أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «إن الله ليحمي عبده المؤمن من الدنيا كما يحمي المريض أهله الطعام والشراب، وإن الله ليتعاهد المؤمن بالبلاء كما يتعاهد الوالد ولده بالخير »٤.
١ - أبو أيوب: خالد بن زيد بن كليب، أو أيوب الأنصار (...- ٥٢ هـ): صحابي، شهد بدرا وأحدا وسائر المشاهد. كان شجاعا صابرا تقيا محبا للغزو والجهاد. (الحلية ١/٣٦١)..
٢ - سنن ابن ماجة: باب الحكمة، ٤١٧١؛ ومسند أحمد ٥/٤١٢؛ والمعجم الكبير ٩/١٥٤..
٣ - حذيفة بن اليمان (حسل) بن جابر العبسي (...-٣٦ هـ): صحابي، من الولاة الشجعان الفاتحين. كان صاحب سر النبي صلى الله عليه وسلم في المنافقين. الحلية ١/٢٧٠..
٤ - شعب الإيمان ٧/٣٢١؛ وفيض القدير ٢/٢٦٠..
قوله تعالى : ﴿ ليتني لم أتخذ فلانا خليلا ﴾ [ ٢٨ ] قال :أصح الخلة ما لا يورث الندامة، وليس ذلك إلا الأنس بالله تعالى :والعزلة عن الخلق. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلازم الخلوة لما فتح الله في قلبه من العلم، فكان يحب التفكر فيه. وما من رجل حسنت صلاته إلا واستأنس به كل شيء. والرجل يكون نائما، فيحركه من نومه أوقات الصلاة فينتبه، وهذا من إخوانه من الجن قد استأنس به، وربما يسافرون معه إذا سافر، ويؤثرونه على أنفسهم، وربما استأنس به الملائكة.
وقد سأل رجل سهلا فقال :إني أريد أن أصحبك. فقال :إذا مات أحدنا فمن يصحب الباقي فليصحبه الآن.
وكان الربيع بن خيثم جالسا على باب داره يوما، فجاء حجر فصك جبهته فشجه، وقال :لقد وعظت يا ابن خيثم، فدخل منزله وأغلق الباب على نفسه، فما رؤي جالسا مجلسه ذلك حتى مات١.
١ - صفوة الصفوة ٣/٦٧؛ وشعب الإيمان ٦/٢٦٤..
قوله : ﴿ وتوكل على الحي الذي لا يموت ﴾ [ ٥٨ ] سئل ابن سالم عن التوكل والكسب بأيهما تعبد الخلق ؟ قال :التوكل حال الرسول صلى الله عليه وسلم، والكسب سنته. وإنما استن الكسب لهم لضعفهم حين أسقطوا عن درجة التوكل الذي هو حاله، فلم يسقطهم عن درجة طلب المعاش بالكسب الذي هو سنته، ولولا ذلك لهلكوا١. قال سهل :من طعن في الكسب فقد طعن في السنة، ومن طعن في التوكل فقد طعن في الإيمان٢.
١ - الحلية ١٠/٣٧٨-٣٧٩؛ وطبقات الصوفية ١/٣١٢؛ وتلبيس إبليس ١/٣٤٤..
٢ - الحلية ١٠/١٩٥؛ وقوت القلوب ٢/٩؛ وتلبيس إبليس ١/٣٤٤..
قوله : ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما ﴾ [ ٦٣ ] أي صوابا من القول وسدادا.
وقال الحسن البصري رحمه الله :هذا دأبهم في النهار، فإذا دخل الليل كانوا كما وصف الله في آخر الآية : ﴿ والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما ﴾ [ ٦٤ ].
قوله : ﴿ إلا من تاب ﴾ [ ٧٠ ] قال :لا تصح التوبة لأحدكم حتى يدع الكثير من المباح، مخافة أن يخرجه إلى غيره، كما قالت عائشة رضي الله عنها :اجعلوا بينكم وبين الحرام سترا من الحلال، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعنا بعد الطهر ثلاثا حتى تذهب فورة الدم.
قوله : ﴿ والذين لا يشهدون الزور ﴾ [ ٧٢ ] قال :الزور مجالس المبتدعين.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
السورة التالية
Icon