0:00
0:00

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الآيات: (١- ٦) [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ١ الى ٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤)
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦)
التفسير:
قوله تعالى:
«تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً».
تبارك: عظمت بركته، وكثر حيره وفضله..
والمراد بهذا الخبر، الثناء على الله سبحانه، وتعالى.. وهو ثناء من ذاته لذاته، جلّ وعلا.. ومن حقّه على عباده أن يثنوا عليه، كما أثنى سبحانه على نفسه.. وقد كان من دعاء الرسول صلوات الله عليه، وتسبيحه بحمد ربه، قوله:
«سبحانك.. لا أحصى ثناء عليك.. أنت كما أثنيت على نفسك».. والثناء على الله سبحانه، من ذاته، أو من مخلوقاته، في هذا المقام، إنما هو شعور بعظم المنّة العظيمة، التي كانت بنزول القرآن، وما في هذا القرآن من رحمة، وهدى للعالمين..
- وقوله تعالى: «الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ» - هو وصف لله سبحانه وتعالى، يكشف عن بعض إحسانه وفضله، الذي استحق به التمجيد، والتبريك..
- وفي قوله تعالى: «نَزَّلَ» بدلا من «أنزل» إشارة إلى أن ما نزل على النبىّ من آيات ربّه، لم ينزل جملة واحدة، وإنما نزل نجوما مفرّقة.. وذلك لحكمة عالية، كشف عنها سبحانه وتعالى في ردّه على الكافرين والضالين، الذين قالوا: «لولا نزّل عليه القرآن جملة واحدة؟» فقال سبحانه: «كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً» (٣٢- ٣٣: الفرقان).
وفي تسمية القرآن «فرقانا» إشارة إلى أن ما يحمل القرآن من هدى ونور، يفرق به العاملون به، بين الحقّ والباطل، والخير والشر، والهدى والضلال..
- وفي قوله تعالى: «عَلى عَبْدِهِ» تكريم للنبىّ الكريم، وإدناء له من ربّه، بإضافته إلى ذاته سبحانه وتعالى.. ووصفه- صلوات الله وسلامه عليه- بالعبودية لله، رفع لمقامه وتشريف لقدره، وأنه هو الإنسان الذي يستحقّ هذه الصفة وحده من عباد الله..
فلم يذكر القرآن الكريم عبدا من عباد الله، أو رسولا من رسله،
مضافا إلى الذات العليّة إلا «محمدا» صلوات الله وسلامه ورحمته وبركاته عليه..
لقد جاء وصف العبد لعيسى عليه السلام، ولكن غير مضاف إلى ذات الله، فقال تعالى: «إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنا عَلَيْهِ وَجَعَلْناهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرائِيلَ» (٥٩: الزخرف) وجاء وصف زكريا بأنه عبد، وقد أضيف إلى ضمير الذات، ولم تطلق هذه الإضافة، بل قيّدت بذكر اسم زكريّا.. فقال تعالى: «ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا» (٢: مريم).
وبهذا لم تخلص له الإضافة على إطلاقها..
كذلك أضيف كثير من الأنبياء بصفة العبودية، إلى ضمير الذات، ولكن قيّدت هذه الإضافة بذكر أسمائهم، بعدها، كما في قوله تعالى: «وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ» (٤١: ص).
وقوله سبحانه: «وَاذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصارِ» (٤٥: ص).
وأكثر من هذا، فإن «محمدا» صلوات الله وسلامه عليه قد تكرر ذكره في القرآن الكريم، مضافا إلى ذات الله سبحانه وتعالى بوصف العبودية، ولم تقيّد هذه الإضافة في أية مرة، بذكر اسمه، أو صفته بعدها، بل ترسل الإضافة، هكذا في كل مرة، على إطلاقها، وذلك مما يؤكّد المعنى الذي ذهبنا إليه، وهو إفراد «محمد» صلوات الله وسلامه عليه، بهذه المنزلة بين عباد الله جميعا.. وأنه عبده، الخالص من بين العبيد جميعا.
ومما يؤيد هذا المعنى، ويؤكده، أن إضافة محمد إلى ربّه، بصفة العبودية، لم يكن إلا في أحوال خاصة، وصل فيها النبىّ إلى أعلى مقامات القرب من ربّه.
ففى الإسراء.. يوصف «محمد» صلوات الله عليه بصفة العبودية، مضافا إلى الذات العلية.. فيقول سبحانه: «سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» (١: الإسراء).
وفي المعراج، تخلع على «محمد» - صلوات الله وسلامه عليه- تلك الخلعة السنيّة، وهو في أعلى عليين.. فيقول سبحانه وتعالى: «فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى»
(١٠: النجم).
وأكثر من هذا أيضا.. فإن «محمدا» - صلوات الله وسلامه عليه، لم تخلع عليه صفة العبودية مضافة إلى ضمير الذّات، وحسب، بل أضيفت إلى الذات ذاتها، في قوله تعالى: «وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً» (١٩: الجن).. وهذه خصوصية أخرى، تعطى هذه العبودية وضعا ليس لغيرها من عباد الله جميعا..
ومع هذا التفرّد، الذي للنبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- بين خلق الله جميعا، ومع هذا القرب الذي ليس لأحد غيره من عباده، فإنه- صلوات الله وسلامه عليه- لن يخرج عن قيد العبودية، ولن يكون إلا عبدا لله، وإن كان أكرم العبيد.. وإلّا خلقا من خلقه، وإن كان أفضل الخلق..
وأن هذه المنزلة الرفيعة العالية، التي لم تكن ولن تكون لبشر، هى تكريم للإنسان من حيث هو ابن الماء والطين، والذي يرقّ، ويصفو، ويعلو، حتى يتقدم الملأ الأعلى، ويدنو من ذى العرش، حتى يكون قاب قوسين أو أدنى..
ومع هذا كلّه، فإن ما يتحدث به المتحدثون عن الحقيقة المحمدية، يريدون بهذا الحديث أن يقطعوه عن البشرية، وأن يعزلوه عن هذا الوجود البشرى،
إنما يسيئون من حيث لا يدرون إلى مقام النبىّ الكريم، بهذه الألوان الصارخة من الخيال، الذي يلقونه على صورته الكريمة، فيطمسون معالمها، ويشوّهون حقيقتها، فلا يمسك منها النظر، أو العقل، أو الخيال، إلا بظلال باهتة متراقصة، يموج بعضها في بعض، فلا تستبين فيها حقيقة لمخلوق، من أهل الأرض، أو عالم السماء، وإنما هى أمشاج مختلطة، من خيالات وأوهام... ! «١»
إن عظمة «محمد» فى أنه بشر كامل البشرية.. ولد من أب وأم..
وحملت به أمه تسعة أشهر، وأرضع في البادية كما يرضع الأطفال، وعاش كما يعيش أطفال قومه، وصبيانهم، وشبّانهم، ورجالهم.. وإن كان ذلك على أحسن صورة يراها الناس في إنسان، ويتمنّونها لهم، ولأبنائهم..
فلما كرّم الله سبحانه وتعالى محمدا بالرسالة، لم تقطعه هذه الرسالة عن حاله الأولى، ولم ير فيه الناس غير ما يرون، بل إنه لم يأتهم بخارقة من الخوارق، أو معجزة من المعجزات، يملكها في يده، وإنما جاءهم بآيات هى كلمات الله، مضافة إلى الله سبحانه، ومنسوبة إليه جلّ شأنه.. وما محمد إلا مبلغ لهذه الكلمات، وليس له منها إلا ما للناس جميعا، من الاهتداء بنورها، والامتثال لأمرها ونهيها.. فكان ذلك أعظم توكيد وأبلغه، للدلالة على بشرية الرسول من جهة، وعلى أن ابن الماء والطين يحمل في كيانه من قوى الخير، ومشاعل النور، ما يرتفع به إلى أعلى عليين، وأن الطريق مفتوح إلى مالا حدود له من الكمالات، أمام الإنسان.. وأمامه المثل الأعلى للإنسان.. في محمد- «صلوات الله وسلامه عليه»..
(١) انظر بحثنا في هذا عن «الحقيقة المحمدية.. وما يقال فيها» في الكتاب الثامن من هذا التفسير.
وما أحسن ما يقول «البوصيرى» في رسول الله، وفيما يقال، وما لا يقال، فيه، إذ يقول:
دع ما ادّعته النصارى في نبيّهم وقل ما شئت مدحا فيه واحتكم قوله تعالى:
«الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً»..
هو تمجيد لله سبحانه، وتعظيم لذاته، بإضافة هذا الوجود إليه، في سماواته وأرضه، وما في السموات والأرض..
- وقوله تعالى:
- «وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً» هو تنزيه لله أن يكون له ولد، كما يدعى النصارى، في المسيح، وكما يدّعى اليهود في عزيز.. لأن اتخاذ الولد إنما يكون لافتقار الأب إلى من يحفظ نسبه، ويبقى ذكره.. ثم إن هذا الولد في حاجة أيضا إلى أن يكون له ولد.. وهكذا في سلسلة من التوالد، تجعل الآلهة وأبناء الآلهة أكثر من الآدميين، وأبناء الآدميين.. إذ كان الآلهة- على حسب هذا المنطق- أطول أعمارا، وأكثر قدرة على الإنجاب.. أو أنهم يتوالدون، ولا يموت لهم مولود..!
ومن جهة أخرى، فإن الابن- قياسا على هذا المنطق البشرى- لا بد أن تكون له أم، هى زوج الإله..
ومن جهة ثالثة، فإن التناسل لا يكون إلا بين الطبائع المتماثلة.. وعلى هذا
تكون زوجة الإله شبيهة به، مشابهة المرأة للرجل.. ويكون الابن شبيها لهما مشابهة الأولاد للآباء..
وهذا كلّه، مما لا يرتفع بالإله عن مستوى البشر.. ومن ثمّ فلا يكون له في هذا الوجود أكثر مما لأى إنسان.. وبهذا يظل مكان مالك الوجود- فى هذا التصوّر- خاليا.. فلمن إذن يضاف هذا الوجود، خلقا، وحفظا وتدبيرا وتصريفا؟
لمن هذا الملك؟ لمن ما في السموات والأرض؟
من يقول أنا؟
ألا فلتخرس الألسنة، وألا فلتخضع الأعناق.. وألا فلتخشع القلوب..
فذلكم الله ربّ العالمين!..
- «الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً.. وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً».
وإنّا إذا ننظر في هذه الآية، وفي قوله تعالى في الآية قبلها: «عَلى عَبْدِهِ» نجد أن فيها حراسة لعبودية النبىّ لربه أن تطغى عليها عواطف الحب والإكبار للنبىّ صلوات الله وسلامه عليه، من أتباعه، وأوليائه، فيجعلوا له إلى الله نسبا، بولادة أو مشاركة، أو نحو هذا، مما يمليه الحبّ، الذي لا تحكمه بصيرة ولا يضبطه عقل! - وقوله تعالى: «وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ».. أي خلق كلّ ما في السموات والأرض من مخلوقات، ظاهرة أو خفية عرفها الناس، أو لم يعرفوها..
- وقوله تعالى: «فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً» أي أن كل مخلوق خلقه الله، هو عن علم،
وتدبير، وتقدير.. وليس خلقا آليا، كما يقول الطبيعيون، الذين يرون فى قوانين الطبيعة قدرة ذاتية خلّاقة! وهذا ضلال في ضلال..
فأولا: لو كانت الطبيعة هى التي تعطى هذا المحصول الوافر من المخلوقات، لكانت كل مخلوقاتها على صورة واحدة، ولما تعددت أجناسا، واختلفت صورا وأشكالا.. لأن تعدد الأجناس، واختلاف الصور والألوان، إنما يكون من عمل إرادة حرّة، مختارة، تفعل ما تشاء.. والطبيعة عند الطبيعيين لا إرادة لها ولا اختيار.. أشبه بالحجر يلقى به من أعلى الجبل، فلا يملك إلا أن يخضع لحكم الجاذبية، ويسقط على السفح! وثانيا: لو سلمنا أن هذه القوانين التي تحكم الطبيعة، وتحدد مسيرتها، هى التي تعمل وتنتج هذا النتاج المتولد من قوانينها- لو سلمنا بهذا.. لكان لنا أن نسأل: فمن أوجد الطبيعة هذه؟ ثم من أودع في هذه الطبيعة تلك القوى الكامنة فيها؟ ومن رسم القوانين التي تحكم الصلات التي بين أشيائها؟..
وكيف يقبل الطبيعيون تأليه الطبيعة، في كل ذرة من ذراتها.. ثم لا يقبلون أن يكون على هذه الطبيعة قوة قادرة، تردّ إليها هذه الطبيعة، إيجادا وتقديرا، وتنظيما؟ أليس ذلك أقرب إلى منطق العقل، وأشكل بأسلوب العلم، فى كشف الحقائق، وتقعيد القواعد؟
إن قوانين الطبيعة التي كشف العلم عنها، لا يعيش بعضها بمعزل عن بعض..
فهى وإن كان بينها تفاضل من جهة فإن بينها تكاملا من جهة أخرى.. حتى ينتهى الأمر بها إلى أن تكون قانونا واحدا عاما، شاملا.. هو الذي يحدّث القرآن الكريم عنه بأنه «سنة الله».. فكل ما عرف وهو هباءة مما لم
يعرف من قوانين هو مندرج تحت هذا القانون العام «سنة الله»، أي نظام الله، وتقدير الله، الذي أقام عليه هذا الوجود..
قوله تعالى:
«وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً»..
الضمير فى «اتخذوا» يراد به المشركون بالله، الذين يجعلون مع الله آلهة أخرى، ولم يجر لهؤلاء المشركين ذكر من قبل في هذه الصورة..
وفي عود هذا الضمير على غير مذكورين، تحقير لهم، وإصغار لشأنهم، وأنهم ليسوا شيئا ذا بال، حتى يذكروا ذكرا ظاهرا..
وقوله تعالى: «لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ» - هو صفة لتلك الآلهة التي اتخذها المشركون، واصطنعوها بأيديهم، وجعلوها آلهة..
وإنه ليس بعد سفه هؤلاء المشركين سفه.. يخلقون آلهة بأيديهم، ثم يعبدونها؟..
إن ذلك وضع معكوس منكوس.. فهم بالنسبة إلى هذه الدّمى التي صنعوها بأيديهم، أشبه بالآلهة.. لأنهم هم الذين خلقوها، وأنه إذا كان لا بدّ من أن يعبد أحدهما الآخر، فإن المخلوق هو الذي يعبد خالقه.. أما أن يعبد الخالق ما خلق.. فهذا ضلال بعيد بعيد! وفي قوله تعالى: «وَهُمْ يُخْلَقُونَ» - وفي إضفاء صفة العقلاء على هذه الدّمى إشارة إلى أنها إذا قيست بهؤلاء المشركين، الذين يعبدونها، كانت أثقل منهم ميزانا، وأعلى منزلة، وأشرف قدرا.. إنها معبودة وهم لها عابدون.. وأنهم- فيما يبدو للناس- أصحاب عقول، فكيف لا يكون
لآلهتهم تلك التي يعبدونها عقول كعقولهم؟ وهل يعقل أن يكون المعبود، دون العابد في شىء؟..
إنهم هم أنفسهم لا يرضون بهذا، لا يرضون لأحد أن ينزل آلهتهم من هذه السماء التي ينظرون من أرضهم إليها.. فهذه الدّمى عاقلة، وإن كانت من حجر منحوت، أو خشب منجور، أو معدن مصنوع..!! وهل يرى الأطفال فى الدّمى واللعب التي بين أيديهم إلا شخوصا حية، عاقلة، يناجونها، ويلقون إليها بأمانيهم، وخواطرهم.. إن هذا من ذاك سواء بسواء..!
وقوله تعالى: «وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً، وَلا نُشُوراً» هو بيان لصفات أخرى، من صفات هذه الآلهة..
فهى مخلوقة غير خالقة، وهى لا حول لها ولا طول، إذ أنها في جمودها هذا لا تستطيع التحول من حال إلى حال، ولا الحركة من مكان إلى مكان.. حتى لو أرادت أن تحطم نفسها ما استطاعت، ولو أرادت أن تدفع عنها يد من يحطمها ما كان لها إلى ذلك من سبيل.. إنها باقية على حالها تلك، إلى أن يطرقها حدث من الأحداث، فيغير من وضعها، كيف يشاء، دون أن يكون لها موقف.. إيجابا، أو سلبا.. وهل يملك الجماد شيئا إلا أن يجمد على ما هو عليه، حتى تجىء إليه قوّة من الخارج، فتحدث فيه ما تحدث من تغيير وتبديل؟..
وقدمّ الضّرّ على النفع، لأن جلب الضرّ أيسر من تحصيل النفع..
فالإنسان يستطيع أن يضر نفسه بأيسر مجهود، بل وبلا مجهود أصلا، وحسبه أن يقف في طريق الحياة من غير حركة، فإنه إن فعل، سيجد ألوانا من الضرّ والأذى تزحف إليه من كل اتجاه.. وليس كذلك تحصيل النفع، فإنه يحتاج إلى بذل، وجهد، هو الثمن المقابل لهذا النفع، كيلا بكيل، ووزنا بوزن..
وهذه الجمادات- ومنها تلك الأصنام- لا تملك أن تتحول من حال إلى حال أبدا، سواء في الاحتفاظ بوضعها، أو التحول عنه إلى وضع أسوأ، أو أحسن.. إنها لا تملك «موتا» لنفسها، وذلك بتحطيم صورتها التي تشكلت عليها، ولا «حياة» أي إيجاد هذه الصورة من قبل أن توجد، «ولا نشورا» أي إعادة هذه الصورة بعد تحطيمها..
هذا شأنها مع نفسها.. عجز مطلق واستسلام صامت.. فهل يمكن- مع هذا- أن يكون لها حيلة مع غيرها، فى دفع ضر، أو جلب نفع؟ ذلك محال..
وأبعد منه استحالة، أن تقدر على إماتة حى، أو إيجاد حى، أو بعث ميت..
فذلك مما عجز عنه الأحياء.. والذي لا يملكه إلا خالق الحياة، وموجد الأحياء.. الله رب العالمين..
قوله تعالى:
«وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ.. فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً».
تكشف الآية هنا عن وجه هؤلاء الذين ذكرتهم الآية السابقة بضمير الغيبة، دون أن تذكر صفتهم، أو ترجع هذا الضمير إلى مذكورين من قبل ذلك في قوله تعالى: «وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً» :
- ففي قوله تعالى: «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ».. إشارة دالة على أن هؤلاء الكافرين الذين يقولون هذا القول المنكر في القرآن الكريم- هم أولئك الذين اتخذوا من دونه آلهة! وإنك لو ذهبت تضع كلا من الآيتين مكان الأخرى، لا استقام النظم.
بل إنك لو كنت الذي يحدّث بهذا الأمر، ويصوغ هذا القول، لما ذهبت غير هذا المذهب فجعلت تكذيب المشركين بآيات الله، واتهامهم الرسول بالكذب
والافتراء على الله، سببا في كفرهم، وفي اتخاذهم آلهة يعبدونها من دون الله..
ولكن نظم القرآن وإعجازه، هو وحده الذي يستولى على الحقيقة كاملة، حيث ينفذ إلى الصدور، وينكشف ما تجنّ من خلجات وخطرات..
فهؤلاء الذين التقوا بكلمات الله، وقالوا فيها هذا القول المنكر، إنما التقوا بها، وقد فسدت فطرتهم، بما دخل على قلوبهم من مرض، وما غطّى على عيونهم من موروثات الضلال.. ولو أنهم التقوا بآيات الله من غير أن يكون معهم هذا الداء الذي تمكن منهم، وأفسد عليهم فطرتهم- لكان لهم فى آيات الله قول غير هذا القول، ولرأوا في سناها الوضيء وجه الحق، فاهتدوا إلى الله، وآمنوا به، وبرسوله، وبكلماته..!
وكيف يرجى من عقول تملى لأصحابها أن ينحتوا بأيديهم صورا من أحجار ثم يخرون بين يدى هذه الأحجار عابدين، يرجون منها ما لا يرجونه من أنفسهم، ويحملون عليها من آلامهم، وآمالهم ما لا يحتملون هم، أفرادا، أو جماعات- كيف يرجى من هذه العقول أن تعقل آيات الله، وما تحمل فى كيانها من أنوار الحق، والخير، والإحسان؟ ذلك ما لا يكون!.
وإذن، فهذا القول الذي يقوله هؤلاء الكافرون في آيات الله.. هو من منطق هذه العقول التي تتعامل مع الدّمى، وتقف بين يديها هذا الموقف الذليل المستكين..
قوله تعالى:
«وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ، وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ..».
والإفك: هو الزّور والبهتان..
والافتراء خلق الأكاذيب، ونسبتها إلى الغير..
ومن منطق هؤلاء الضالين، أنهم يتهمون النبىّ بالكذب والافتراء، وهم الذين لم يجرّبوا عليه في حياته كلّها قولة واحدة جانبت الصواب، أو بعدت عن الصميم من الحقّ.. ولم يسألوا أنفسهم: لم يكذب؟ وما غايته من هذا الكذب؟ إن الذي يزوّر الكلام، ويختلق الأكاذيب، لا بدّ أن يكون له وراء ذلك غاية يتغيّاها، ومطلب يسعى للحصول عليه.. فماذا طلب النبىّ منهم من وراء هذا الدّين الذي يدعوهم إليه؟ إنهم- لو عقلوا، لعرفوا أنما يدعوهم ليحترموا عقولهم، وليرتفعوا بإنسانيتهم عن هذا الصّغار الذي هم فيه، من لعب في التراب! ومن عجب، أن هؤلاء الرجال الأطفال، قد استطاعوا أن يميزوا هذا القول، وأن يعرفوا أنه فوق مستوى البشر، وأنه ما كان لمحمد أن يقدر على افترائه، وإنما استعان بأهل الصنعة والخبرة فأعانوه عليه- من عجب أن تبهرهم آيات الله، وأن يروا بعض ما فيها من عظمة وجلال.. ثم تأبى عليهم عقولهم التي أذلّها الجهل والضلال، أن يسلّموا بأن هذا الكلام ليس من صنعة بشر، وإنما هو من كلام ربّ العالمين، كما يقول لهم ذلك محمد، الذي لم يجرّبوا عليه كذبة قط، وكما تحدّثهم بذلك كلمات الله، فى جلالها، وسموّها، وبعدها عن أن تكون في متناول إنسان!.
- وفي قوله تعالى: «فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً» - هو ردّ على قول الكافرين:
«إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ».. إنهم هم الذين جاءوا بهذا القول الظالم، الجائر عن الحق، والذي زوّروه على أنفسهم، وكذّبوا عليها به..
وفي تعدية الفعل «جاء» إلى المفعول، وهو يتعدّى بحرف الجرّ، فيقال
جاء بكذا، لا جاء كذا.. فى هذا إشارة إلى أن هذا القول الذي قالوه، إنما هو مستجلب من وراء عقولهم، وأنه من موروثات الضلال الذي يعيش معهم.. فهم قد استجلبوا هذا القول، الذي ظلموا به الحقيقة، وظلموا به أنفسهم، وكذبوا به عليها.. فالفعل «جاء» ضمّن معنى «جلب» أو «اختلق»..
قوله تعالى:
«وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها.. فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا».
هو قول آخر من مقولات المشركين في كلمات الله.. وكأنهم أرادوا بهذا أن يقيموا لهذا الزور الذي استجلبوه أو اختلقوه، مستندا يستند إليه، وقد رأوه يكاد يفرّ من بين أيديهم..
ونسبة القرآن إلى أنه من أساطير الأولين، فرار من القول بأنه من معطيات الحياة التي يعيشون فيها، وذلك حين رأوا أن هذه الحياة لا تعطى مثل هذا الكلام في جلاله وروعته، وأنه لو كان ذلك ممكنا لكان عليهم أن يجيئوا بقول مثله، فلم يكن- والحال كذلك- إلا أن ينسبوه إلى علم الماضين، وما سطروه من علم وحكمة..
وفي أساطير الأولين مدخل فسيح للخيال، واصطياد الغرائب التي لا تخطر على البال، حيث يقع الماضي من الناس موقع القداسة والرهبة، لكل صغير وكبير يستجلب منه.. فلا حجة عليهم لمن يجيئهم من عالم الأساطير بما لم يقع لأيديهم، فهذا عالم لا حدود له، ولا مجاز بين أحد وبينه..!!
وفي قولهم: «اكتتبها» إشارة إلى أمية النبىّ، ودفع الاعتراض القائم بين يدى قولهم: «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ».. وقولهم عن هذا الإفك المفترى
إنه من «أساطير الأولين».. فأنّى لمحمد بأساطير الأولين، وهو الأميّ؟
فكان قولهم: «اكتتبها» دفعا لهذا الاعتراض... أي أنه وإن كان أمّيّا، فإنه استعان بمن يكتبها له!! وفي قولهم: «فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» دفع لاعتراض آخر.. وهو:
إذا كان محمد قد استكتب هذه الأساطير، واستعان بمن يكتبها له- فما فائدة هذه الكتابة، وهو لا يقرأ ما كتب له؟ ثم هو إنما يتحدث بهذا الكلام مشافهة بلسانه، لا يقرؤه من كتاب، ولا يقرؤه له أحد عليهم.. فكيف هذا؟.. وجوابهم- كما قدروه-: أن هذا الذي استكتبه، يتلى عليه بكرة وأصيلا، تلاوة دائمة، حتى يحفظه، ثم يحفظه، ثم يخرج على الناس به! وهكذا يركبون بجهلهم، وسفههم، هذا المركب الوعر، والطريق أمامهم مستقيم قاصد.. فماذا عليهم لو أخذوا بما تحدّثهم به أنفسهم، وقالوا إنّ هذا الكلام من عند الله؟.
إنهم لو قالوا هذا.. لكان لهم في هذا القول ما لمحمد نفسه.. إنه ليس لمحمد فيه إلّا ما هو لهم، وإنه إذا كان له من فضل عليهم، فهو فضل الدّليل على الراكب الضّالّ، وفضل الطبيب على الأعمى، يعيد إليه بصره، فيرى النور، الذي هو من نعمة الله، على عباد الله، وليس للطبيب ولا لغيره فضل على أحد فيه! أفيكرهون أن يقوم من بينهم طبيب، يجلى عمى أبصارهم، ويزيح ضلال عقولهم، فيروا آيات الله بعيون مبصرة، وعقول سليمة مدركة؟ إنه العناد، والكبر.. عناد الأطفال، وكبر السفهاء والحمقى.. يموت أحدهم غرقا ولا يمدّ يده إلى حبل النجاة الممدود له من يد كريمة رحيمة، حتى لا يقال إن فلانا قد أخذ بيده، ونجّاه من مهلكه!!
قوله تعالى:
«قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً».
هذا هو القول، الذي يلقى به رسول الله، قول هؤلاء الضالين عن كلام الله، بأنه إفك افتراه محمد، وأعانه عليه قوم آخرون، وأنه أساطير الأولين اكتتبها، فهى تملى عليه بكرة وأصيلا..
فهذا الذي بين يدى محمد، وعلى لسانه، وفي قلبه- هو كلام ربّ العالمين.
أنزله عليه، هدى ورحمة للعالمين..
وفي وصف الله سبحانه وتعالى بتلك الصفة هنا، وهو أنه يعلم السرّ فى السموات والأرض- إشارة إلى ما لله سبحانه وتعالى من علم، فلا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.. وأن ما عند الأولين من علم، وما خلفوا من آثار، باقية، أو مطموسة، هى في علم الله، وأنه إذا كان فيما نزل على محمد أخبار من حياة الأولين، ومن أحداثهم- فذلك في علم الله، ومن علم الله.. وإنه ليس بمحمد حاجة- وهو يتلقى آيات ربه- أن يستكتب أساطير الأولين، وأن يحفظها، ثم يحدث بها.. إنه يستقى من مصدر العلم، ومن ينابيعه الصافية، فما حاجته إلى أن يمدّ بصره إلى سراب خادع، أو بئر مطموسة؟.
وفي قوله تعالى: «إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» - إشارة إلى أن الله سبحانه، مع علمه بخفايا الناس، وبما يرتكبون من منكرات يخشون أن يطلع عليها من يفضحهم، ويكشف المستور من أمرهم- فإنه سبحانه وتعالى، «غفور» لأصحاب المنكرات، ولا يعجّل لهم العقاب، ولا يفضح المستور منهم، حتى
تكون لهم عودة إلى أنفسهم، ورجعة إلى الطريق المستقيم.. فإنهم إن فعلوا، وجدوا ربا «غفورا» يقبل توبتهم، ويغفر لهم ما كان منهم..
«إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً».
الآيات: (٧- ١٦) [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٧ الى ١٦]
وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١)
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢) وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً»..
بعد أن فضحت الآيات السابقة مقولة المشركين في القرآن الكريم، بأنه إفك مفترى، وأنه أساطير الأولين، اكتتبها محمد، فهى تملى عليه بكرة وأصيلا- بعد أن فضحت الآيات السابقة تلك المقولة الظالمة عن المشركين فى القرآن الكريم، وردّ الله سبحانه وتعالى كذبهم وافتراءهم بقوله: «قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً» - جاءت هذه الآيات لتفضح مقولتهم في النبىّ نفسه.. فإن لهم فيه مقولات، كتلك المقولات التي يقولونها في كلمات الله التي حملها إليهم..
ومن مقولاتهم في الرسول قولهم الذي حكاه القرآن عنهم:
«مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ؟».
فهم ينكرون أن يكون هذا الإنسان رسولا، ثم يأكل الطعام كما يأكلون، ويمشى في الأسواق، ليبيع أو يشترى، كما يمشون ويبيعون ويشترون! وفي حديثهم عن محمد بأنه رسول، استهزاء، وسخرية، وإنكار.. إذ كيف يكون رسولا ثم يكون بشرا تحكمه الضرورات البشرية، من طعام وشراب، وغيرهما؟ هكذا يجرى تفكيرهم وتقديرهم.
وفي قولهم: «لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً» تسليم جدلىّ منهم، بأن يكون الرسول بشرا، ولكن لا يعترف به رسولا، إلا أن يكون معه ملك هو الذي يأخذ منه الناس شاهدا على أن محمدا رسول الله، وأن هذه الكلمات التي ينذرهم بها هى كلمات الله!! ولم يسأل هؤلاء الضالين أنفسهم ما جدوى الرسول إذن، مع هذا الملك المنزل من السماء بكلمات الله؟ ولم لا يتصل بهم الملك اتصالا مباشرا إن كان ذلك ممكنا؟ ومع أىّ من المرسلين يتعاملون؟ أمع البشر، أم الملك؟..
ثم، من يرى ملكا ويتعامل مع بشر؟.
قوله تعالى:
«أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً».
ثم ها هم أولاء يسلّمون جدلا، أن يكون محمد رسولا، يأكل الطعام ويمشى في الأسواق.. ولكن كيف يكون على هذه الحال، من الضيق فى العيش، وهو على صلة بالله، الذي يفيض الخير على الناس ويملأ أيديهم من النعم؟ ألا يلقى إليه ربّه كنزا من السماء، ينفق منه عن سعة، وينال به كلّ ما شاء من متع الحياة؟ أولا يجعل له ربّه جنة يأكل منها، ويعيش في خيرها، كتلك الجنات التي يملكها أصحاب الجاه والنعمة فيهم؟
إن الذين يتصلون بالملوك، والأمراء، وأصحاب الجاه والغنى، يعيشون فى نعمة ورخاء.. فكيف تكون تلك الحال من الفقر والضيق، لمن يدّعى أنه على صلة بالله، وأنه رسول الله؟ - هكذا يقيس القوم أقدار الناس ومنازلهم عند الله! فعلى قدر ما وسع الله لإنسان في الرزق، يكون- فى تقديرهم- على قدر حبّه له، ومنزلته عنده! إن مقاييس الناس عندهم بما ملكوا من مال، وما جمعوا من حطام.. ولم يدخل في حسابهم شىء من كمالات النفس، وسمّو الروح.. وحسبوا أن هذه الحياة الدنيا هى كلّ ما للإنسان، فإذا انتهت حياته بموته انتهى كلّ شىء بالنسبة له..! ومن هنا كان حسابهم قائما على ميزان فاسد، لا يقام لشىء وزن فيه، إلا إذا كان فاسدا معطوبا..
ثم يدور هذا الحديث في القوم، ويتعاطونه فيما بينهم كما يتعاطون كئوس الخمر.. ثم يكون حصيلة هذا كله، أن يقولوا: «إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً» ! أي ما تتبعون إن اتبعتم إلا إنسانا سحر، فاختلط عقله، واضطرب تفكيره..
وفي قوله: «وَقالَ الظَّالِمُونَ» بدلا من قوله «وقالوا» إظهارا للصفة التي يدمغهم بها الله سبحانه وتعالى، فى مقابل تلك المقولات المنكرة، الضالة، التي يقولونها في النبىّ. إنّهم ظالمون، جائرون عن الطريق المستقيم، راكبون طرق الضلال، والهلاك..
قوله تعالى:
«انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا»..
التفات إلى النبي الكريم بهذا الخطاب من ربّه جلّ وعلا، يدعوه إلى أن ينظر فى هذه المقولات التي يقولونها فيه، وليعجب من تلك العقول الفارغة التي لا يخرج منها غير هذا اللّغو من القول؟ إنهم أعجوبة، تثير الدهش والعجب، وتبعث على السخرية والاستهزاء! والأمثال التي ضربوها، هى تلك الصور التي صورتها عقولهم الفارغة لمن يرون أن يكون أهلا لرسالة السماء.
- وفي قوله تعالى: «فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا» إشارة إلى أن ضلالهم كان ضلالا بعيدا، مستوليا على وجودهم كله.. ومن هنا، فإنهم لا يقدرون- ولو حاولوا- على أن يجدوا سبيلا للخلاص من هذا الضلال، الذي غرقوا فى لججه المتلاطمة! قوله تعالى:
«تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً».
أي تبارك ربّك، وكثرت خيراته وبركاته.. وإنه ليس بالذي يمسك عنك هذا المتاع الدنيوي، الذي يقتتل عليه هؤلاء المشركون، ويأبون متابعتك
إلا إذا كنت على تلك الصورة التي تمثلوها لمبعوث السماء إليهم، من وفرة الغنى وكثرة الأموال والزروع.. فلو شاء ربك لجعل لك بدل الجنة جنات، وبدل القصر قصورا.. ولكنه سبحانه ضنّ بك على هذه الدنيا أن تشغل قلبك، عن ذكره، أو تحجز عينك عن النظر في غير آياته..!
قوله تعالى:
«بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً».
إن هؤلاء القوم، لا يرضون عن هذا القول، ولا يجدون فيه ما يعتدل به ميزانك عندهم.. لأنهم لا يؤمنون بالآخرة، ولا يرجون وراء هذه الدنيا حياة أخرى.. ولو أنهم آمنوا بالحياة الآخرة، لعلموا أنها هى الحياة، وأن نعيمها هو النعيم، وأن شقاءها هو الشقاء.
وأن ما في هذه الدنيا من متاع وشقاء، إلى زوال: «وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ» (٦٤: العنكبوت).
- وفي قوله تعالى: «وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً» وعيد لهؤلاء المشركين بالعذاب الأليم الذي أعده الله للظالمين في الآخرة.. وإنهم لمن الظالمين..
قوله تعالى:
«إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً»..
فهذه جهنم- وهذه أهوالها- إنها إذا رأت أهلها المساقين إليها، وهم على بعد منها، «سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً» إنها ترسل إليهم بنذرها قبل أن يصلوا
إليها، حتى لكأن بينها وبينهم ترة وثأرا.. فما أن تلمحهم من بعيد، حتى يفور فائرها، ويموج مائجها.. حتى إذا بلغوها، وألقوا منها في مكان ضيق خانق، أطبقت عليهم، فضاقت أنفسهم، واختنقت أنفاسهم، وتنادوا بالويل والثبور.. فقالوا: يا ويلنا، يا ضيعتنا، يا سوء مصيرنا.. ثم لا يجدون لهذا الاستصراخ من يسمع أو يجيب، وصوت الحال يقول لهم: «لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً» إن صراخكم سيطول، وإن عويلكم لا ينتهى.. ولن ينفعكم صراخ أو عويل! - وقوله تعالى: «مُقَرَّنِينَ» إشارة إلى ما يؤخذ به الظالمون من إذلال وهوان، وأنهم إذ يساقون إلى جهنم، وإذ يلقون فيها، فإنما يحزمون كحزم الحطب، ويقرن بعضهم إلى بعض كما يقرن القطيع من الحيوان..
قوله تعالى:
«قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا».
أفهذا العذاب الأليم والهوان المهين الذي ستجدونه يوم القيامة أيها الضالون المكذبون، أم جنة الخلد التي وعدها الله المتقين من عباده؟. فذلك هو جزاؤهم، وهذا هو مصيرهم، إنها جنة الخلد، أعدها الله سبحانه وتعالى لعباده المتقين، وأعد لهم فيها ما يشاءون من نعيم خالد، لا ينفد- أفذلك الذي أنتم فيه أيها الضالون، خير، أم هذا النعيم المقيم؟ ألا فذوقوا هذا العذاب، وانعموا به، واسكنوا إليه، كما كنتم تحيون مع آلهتكم وتسكنون إليهم! - وفي قوله تعالى: «كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا» - إشارة إلى أن هذا النعيم الذي وعده الله عباده المؤمنين المتقين، هو وعد أوجب الله سبحانه
وتعالى على نفسه- فضلا منه وإحسانا وكرما- تحقيقه لمن وعدوا به، وإن لهم على الله- فضلا وإحسانا وكرما- أن يسألوه إنجاز هذا الوعد، الذي هو منجز ومعدّ لهم من غير سؤال.. ولكن الله سبحانه، قد جعل هذا الوعد كدين لعباده المتقين وجعل لهم حق استقضاء هذا الدين! وفي هذا ما فيه من كرم الكريم، وإحسان المحسن.
ويجوز أن يكون معنى قوله تعالى: «كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا» أن هذا الوعد كان مما يدعو به المؤمنون ربّهم في الدنيا، ويطلبون استجابته لهم، كما يقول الله سبحانه وتعالى على لسانهم: «رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ وَلا تُخْزِنا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّكَ لا تُخْلِفُ الْمِيعادَ»، وقد تلقى الله سبحانه وتعالى دعاءهم هذا بالقبول، فقال سبحانه: «فَاسْتَجابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى» (١٩٥: آل عمران).
فلما كان يوم القيامة، صدقهم الله وعده، وأنزلهم منازل رحمته ورضوانه..
الآيات: (١٧- ٢٠) [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ١٧ الى ٢٠]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ»..
هذا مشهد من مشاهد يوم القيامة، يعرض على هؤلاء المشركين، وهم فى هذه الدنيا، مع ضلالاتهم ومعبوداتهم.. وفي هذا المشهد يرون ما سيكون بينهم وبين هذه المعبودات، من عداوة وخصام، وشقاق..
فإذا حشر الناس إلى ربهم، ووقفوا موقف الحساب والمساءلة، جىء بالمشركين، وبمعبوداتهم التي كانوا يعبدونها من دون الله.. من جماد، وحيوان، وإنسان، وملائكة، وجنّ.. وهنا يسأل الحقّ جل وعلا أولئك المعبودين:
«أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ».. أي أأنتم أيها المعبودون، الذين أضللتم عبادى هؤلاء؟ أم هم ضلوا السبيل؟.
وانظر إلى- ما لله سبحانه وتعالى من لطف وكرم.. كيف يدعو هؤلاء الضالين إليه، وكيف يضيفهم إلى ذاته الكريمة: «عِبادِي هؤُلاءِ» الذين أشركوا بي، وكذّبوا رسلى!! فما أقلّ حياء هؤلاء الضالين، الشاردين عن ربّهم.. يدعوهم إليه، ثم هم لا يستجيبون له، ويأبون إلا أن يولّوا وجوههم إلى غيره! ويجىء جواب المعبودين.
«قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً»..
إن هؤلاء المعبودين للمشركين.. من جماد، وحيوان، وإنسان،
وملائكة، يعرفون قدر الله، ويعطونه ولاءهم كاملا.. «سبحانك» أي جلّ جلالك، وعلا علاك، «ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ» أي أنه ما كان يصح لنا، أو يقع في تقديرنا، أن نستنصر بغيرك، ونعتز بغير عزتك، ونقبل ولاء من عبادك، الذين ينبغى أن يكون ولاؤهم لك وحدك..
- وفي قوله تعالى: «وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً»..
إشارة إلى الجهة التي جاء منها الضلال إلى هؤلاء الضالين.. إنه البطر بنعم الله، والكفر بإحسانه وفضله عليهم.. «وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ» أي أن إحسانك إليهم، ربّنا، ومدّهم بالنعم، وحلمك عليهم، فلم تعجل لهم العقاب فى الدنيا، مع محادتهم لك، وشركهم بك- إن ذلك هو الذي صار بهم إلى هذا المصير، وإنهم حين رأوا آباءهم قد سلكوا هذا المسلك من قبلهم، ولم يحل عليهم غضبك ولم تنزل بهم نقمتك، اطمأنوا إلى هذا الضلال، وتمادوا في هذا الغىّ.. وهكذا أهل السوء، تبطرهم النّعم، ويفسدهم الإحسان..
وفي هذا يقول الله تعالى: «بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ» (٤٤: الأنبياء).
وهذا العرض الكاشف، الذي يعرض فيه المعبودون، نعم الله وإحسانه على هؤلاء الضالين، وما ركبهم من هذه النعم وذلك الإحسان، من سفه، وغواية- هو زجر، وتعنيف، وتقريع لهؤلاء المشركين الذين يقفون هذا الموقف، وأنهم ليسوا موضعا لهذا الإحسان، ولا أهلا لهذا الفضل.. وإن هذا العذاب الذي ينتظرهم، لهو الجزاء العادل الذي يؤخذون به..
وفي قوله تعالى: «حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ».. إشارة إلى أن تطاول العهد عليهم بالعافية، من غير أن تحل بهم النقم، أو يشتمل عليهم البلاء- قد أنساهم ذكر
الله، وأبعدهم عن مواطن اللجأ إليه.. فإن المحن والشدائد، هى التي تشدّ المرء إلى الله، فيكثر من ذكره، والغياث به.. والله سبحانه وتعالى يقول:
«قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُماتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجانا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ» (٦٣: الأنعام) ويقول سبحانه «وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ» (٥١: فصلت).
وإنه لمن الإيمان أن يذكر الإنسان ربّه في الضراء، وأن يدعوه لما نزل به من مكروه، إذ هو سبحانه وحده غياث المستغيثين، وحمى اللاجئين، وقد أمرنا سبحانه وتعالى أن ندعوه، ووعدنا الإجابة لما ندعوه به، فقال سبحانه: «ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ» (٦٠: غافر) وقال جلّ شأنه:
«وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ» (١٨٦: البقرة).. ولكن الذي ليس من الإيمان في شىء، بل هو من المكر بالله، وآيات الله، أن يذكر الإنسان ربه في الشدّة، وينكره في الرخاء والعافية إن ذلك إيمان كإيمان فرعون حين أدركه الغرق، فقال وقد ضاقت به سبل النجاة: «آمنت» ! إن المؤمن حقّا هو الذي يملأ قلبه أبدا بذكر الله، فى السرّاء والضرّاء على السواء.. فهو في السرّاء يذكر الله شاكرا نعمه، مسبحا بحمده، طالبا المزيد من فضله.. وهو في الضراء يذكر الله، طالبا كشف الضرّ، ورفع البلاء.. وهذا ما أشار إليه الرسول الكريم في قوله، حين خيره ربه، بين أن يكون ملكا نبيا، أم عبدا رسولا، فاختار أن يكون عبدا، وقال: «بل أكون عبدا أشبع يوما فأشكرك، وأجوع يوما فأذكرك» بل إن حقيقة الإيمان لا تنكشف إلا في مواقع النعم، وفي مواطن الإحسان، ولهذا مدح الله سبحانه وتعالى الشاكرين من عباده، ونوّه بهم، كما قال سبحانه فى نوح: «ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ. إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً» (٣: الإسراء)
كما حثّ سبحانه عباده الذين أجزل لهم العطاء، وأغدق عليهم الإحسان، أن يشكروا له، فقال لداود وآله: «اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً، وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ» (١٣: سبأ).
أما ذكر الله في ساعة العسرة والضيق، فإنه أمر يكاد يستوى فيه الناس جميعا، المؤمنون والمشركون.. كما يقول سبحانه: «وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ الضُّرُّ دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً، فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنا إِلى ضُرٍّ مَسَّهُ» (١٢: يونس) فالإنسان هنا هو مطلق الإنسان، والحكم واقع على الأعمّ الأغلب من الناس.
وفي قوله تعالى: «وَكانُوا قَوْماً بُوراً» - إشارة إلى هؤلاء المشركين بالله، وإلى أن شركهم هذا قد حرمهم كل خير، فكانوا بهذا «قوما بورا» أي هلكى، لا سبيل لهم إلى النجاة من هذا المصير المشئوم الذي هم صائرون إليه..
وقوله تعالى:
«فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً، وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً» فى هذا، التفات إلى هؤلاء المشركين، الذين يقولون فى كلام الله، وفي رسول الله هذا القول المنكر، الذي لا يزال على ألسنتهم، ولا تزال أصداؤه تطنّ في آذانهم..
فقد سمعوا شهادة آلهتهم فيهم، وبراءتهم منهم، بل وقرعهم بمقارع التعنيف والتسفيه، وأنهم ليسوا أهلا لما ألبسهم الله من نعم، وما دفع عنهم من نقم..
ومن إعجاز القرآن الكريم هنا، أنه- بكلماته المعجزة- ينقل الناس من الدنيا إلى الآخرة، ثم يردّهم إلى الدنيا مرة أخرى، فى لحظات عابرة، يرتفع فيها هذا الحجاز بين الحياة والموت، وبين الدنيا والآخرة، وإذا هؤلاء
المشركون ينتقلون من ناديهم الذي يتفكهون فيه بهذه الكلمات الساخرة الهازئة، بآيات الله وكلمات الله- ينتقلون من ناديهم هذا إلى الآخرة، وإلى موقف الحساب والجزاء، وإلى جهنم وسعيرها.. ثم إذا هم- فى حلم كأحلام اليقظة- قائمون في ناديهم، وقد دخلت عليهم مشاعر كئيبة ثقيلة خانقة، من هذه الرحلة القصيرة، وإذا هم في وجوم ورهق، كمن أفاق من حلم مزعج، ثم إذا هم وقد صكّت آذانهم بهذا القول الذي يطلع عليهم من حيث لا يعلمون:
«فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ» ! ويصحو القوم من وجومهم هذا، ويدورون بأعينهم هنا وهناك، باحثين عن هؤلاء الذين كذبوهم بما يقولون.. فيذكرون هذا الحلم المخيف، ويتذكرون هذا الموقف الذي كان بينهم وبين معبوداتهم، وتكذيبهم لهم.. ثم ما يكادون يصلون ما انقطع من حياتهم، حتى يلقاهم هذا الصوت قائلا: «فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً».. فلقد كذبكم آلهتكم، وتخلّوا عنكم، وذهب النصير الذي كان متعلقكم به.. وها هو ذا العذاب مقبل عليكم، وإنكم لا تستطيعون له صرفا، ولا تستطيعون أن تجدوا لكم ناصرا ينصركم من دون الله.. ثم لا ينتهى الموقف بهم عند هذا، فإنهم ما يكادون يستسلمون لليأس، ويعطون أيديهم لهذا العذاب في استسلام ذليل، حتى يلقاهم هذا الصوت بقوله: «وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً».. إنه ليذكرهم بأنهم ليسوا في الآخرة، وإنما هم مازالوا في هذه الدنيا، وأن طريق الخلاص مفتوح أمامهم، إذا هم أرادوا أن يلتمسوا وجه النجاة من هذا العذاب الذي رأوه بأعينهم.. فليرجعوا إلى الله، وليأخذوا في غير هذا الحديث المنكر، الذي يقولونه في آيات الله، وفي رسوله الله.. فإنهم إن رجعوا إلى الله، وآمنوا بالله وبآيات الله وبرسول الله، فقد نجوا بأنفسهم، وإلا فإن أمسكوا بما هم فيه من ظلم، فإن الله أعدّ للظالمين عذابا كبيرا..
واقرأ كلمات الله مرة أخرى، وانظر في هذا البيان المعجز.
«وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ»..
«فَيَقُولُ: أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ.. أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ؟».. «قالُوا سُبْحانَكَ.. ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ!.. «وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً».. «فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ!!».. «فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً».. «وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً»..
آمنت بالله، وصدقت بكلمات الله، وبرسول الله..
ففى هذه الكلمات المعدودات ملحمة، لا يستطيع أن يمسك بها خيال، أو أن يضبط صورها ومشاهدها كل ما عرف الإنسان من ألوان التعبير، مجتمعة ومتفرقة.. إن ذلك لا يكون إلا بكلمات الله.. التي يخرج بها الحىّ من الميت، ويخرج الميت من الحىّ، ويحيى الأرض بعد موتها! قوله تعالى:
«وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً.. أَتَصْبِرُونَ. وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً».
هذا التفات إلى النبىّ الكريم، وهو على مرأى ومسمع من قومه، وهم فى حالهم تلك، التي صورتهم عليها الآيات السابقة، ودارت بهم تلك الدورة العجيبة، بين الدنيا والآخرة..
وهذا الحديث إلى النبي الكريم، هو حديث إلى قومه هؤلاء، وهو ردّ على قولهم: «مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق».. وكأنه
يقول لهم. هذا هو رسول الله إليكم، وإنه ليأكل الطعام ويمشى في الأسواق، شأنه في هذا شأن المرسلين من قبله جميعا.. فهل أنتم بعد هذا الذي رأيتم من مشاهد الآخرة- هل أنتم مؤمنون به على صفته تلك، أم لازلتم على ما أنتم عليه من إنكار له، وتكذيب به؟
وقوله تعالى: «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ» - هو توكيد لبشرية الرسل جميعا.. وأنه ما أرسل الله سبحانه وتعالى من رسل، إلا كانوا على تلك الصفة، وكان حالهم هو هذا الحال: «لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ» ! أي يتعاملون مع الناس، بيعا وشراء، وأخذا وعطاء.
وقوله تعالى: «وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً» إشارة إلى أن هؤلاء المشركين هم فتنة للنبىّ وللمؤمنين، وابتلاء من الله لهم بهم، وبما يسوقون إليهم، من مكر، وما يرمونهم به من أذى.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ.. فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ» (١١٢: الأنعام).
أما ما يذهب إليه معظم المفسّرين من إطلاق الآية على عمومها، وأن الناس جميعا- مؤمنهم وكافرهم- هم فتنة، يفتن بعضهم بعضا، فالكافرون يفتنون المؤمنين، والمؤمنون يفتنون الكافرون- فإنه مردود من أكثر من وجه..
فأولا: الفتنة، حيث لبست إنسانا كانت وبالا عليه، وعلى غيره..
وإذن فلن يكون المؤمن فتنة أبدا، لا لغيره، ولا للناس.. وقد كان من دعاء
المؤمنين، ما جاء في قوله تعالى: «رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا» (٥: الممتحنة).
وثانيا: توعّد الله سبحانه وتعالى، أهل الضلال، الذين يفتنون المؤمنين والمؤمنات بقوله سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا.. فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ» (١٠: البروج)..
فكيف يكون المؤمنون على موقف كهذا؟
وثالثا: جاء تعقيبا على قوله تعالى: «وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً»..
قوله تعالى:
«أتصبرون؟». وهو دعوة للنبى وللمؤمنين إلى الصبر على هذه الفتن التي يرميهم بها المشركون.. وهذا الاستفهام مراد به الأمر أي: اصبروا على ما تكرهون، مما يهبّ عليكم من ريح الفتن من أهل الضلال والشرك..
رابعا: جاء ختام الآية.. هكذا: «وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً» وفيه تطمين للنبى، وللمؤمنين، وربط على قلوبهم، حتى يصبروا على أذى المشركين، فالله سبحانه وتعالى بصير، عالم بما يحتملون من مكروه في سبيل الحق، وفي الثبات على الإيمان، وسيجزيهم عليه، كما أنه سبحانه، بصير عالم بما يعمل المشركون، وسيلقون جزاء ما يعملون: «وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمالَهُمْ إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ» (١١١: هود).
فهرست المجلد الثالث
من موضوعات هذا المجلد الموضوع الصفحة لمحة من القضاء والقدر ٢١ قميص يوسف.. ما هو؟ ٤٣ الحق والباطل.. دولة ودولة ٩٣ ذكر الله واطمئنان القلوب ١١٠ الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة ١٧٠ إبليس.. ومن له سلطان عليهم ٢٣٤ القرآن الكريم.. والحقائق الكونية ٣٤١ مع النسخ.. مرة أخرى ٣٦١ وقفة مع الإسراء والمعراج ٤١٢ الحقيقة المحمدية وما يقال فيها ٤٣٤ بنو إسرائيل.. ووعد الآخرة ٤٤٢ العرب وقتل الأبناء ووأد البنات ٤٧٨ الشجرة الملعونة فى القرآن.. ما هى؟ ٥١٢ أصحاب الكهف.. من هم؟ ٥٨٥ قصة موسى والعبد الصالح ٦٤٠ القضاء والقدر.. والإنسان ٦٧٢
الموضوع الصفحة ذو القرنين.. من هو؟ وما شأنه ٦٩٦ يأجوج ومأجوج ٧٠٦ جهنم وهل يردها الناس جميعا؟ ٧٥٦ الخير والشر ٨٧٤ أولياء الله وما يبتلون به ٩٣٣ الحياة.. وخالق الحياة ٩٧٥ مناسك الحج ومشاهد القيامة ١٠١٤ الغرانقة العلى.. قصّتها ومن أين جاءت؟ ١٠٦١ الجلد والرجم.. وجريمة الزنا ١٢٠١
بعون الله تم الكتاب التاسع، ويليه الكتاب العاشر، وفيه تفسير الجزءين التاسع عشر والعشرين.. إن شاء الله..

[الجزء العاشر]

[تتمة سورة الفرقان]
الآيات: (٢١- ٢٩) [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٢١ الى ٢٩]
وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣) أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥)
الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً».
هو بيان لمقولة من مقولات المشركين، فى مواجهة الدّعوة التي يدعوهم إليها رسول الله، وما يحمل إليهم من كلمات ربّه وآياته.. من هدى ونور..
فقد قالوا فى آيات الله وكلماته: «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ».. وقالوا فيها أيضا: «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا». وقالوا فى رسول الله: «مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ
وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً. أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها».
وهم هنا يقولون أكثر مما قالوا.. يقولون: «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا».. فهم لا يجدون فيما اقترحوه من قبل مقنعا لهم، للتصديق بالرسول، وبرسالته.. بل يطلبون أن يكون المبعوث إليهم من الله، ملكا من ملائكته.. «لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ» ثم يمدّون فى حبل الأمانىّ، فلا يجدون فى إنزال الملائكة إليهم ما يقيم حجة بأنهم من عند ربّهم..
إنهم يريدون أن يروا الله عيانا. «أَوْ نَرى رَبَّنا» ! فيال لضلال القوم، وبال لعتوّهم وغرورهم!! وقد ردّ الله سبحانه عليهم بقوله: «لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً» فكشف عن الغرور الذي استبدّ بهم، وملك عليهم أمرهم.. إنهم سادة فى الناس، ورؤساء فى القوم، وزعماء فى العشيرة.. وإنه إذا كان للسماء حديث معهم، فليكن بلسان جنود الله فيها، وهم الملائكة.. فهذا أقلّ ما يقبلونه من السماء إذا أرادت السماء أن تتحدث إليهم.. وإنهم ليعدّون هذا تنازلا منهم، وإلّا فإنهم فى المستوي الذي ينبغى أن يلقاهم فيه الله لقاء مباشرا..
هكذا بلغ بهم السّفه والجهل والغرور!.
- وفى قوله تعالى: «لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ» إشارة إلى أن هذا الكبر الذي أراهم فى أنفسهم هذا الرأى- هو داء سكن فى كيانهم، فأشاع فيهم مشاعر كاذبة، من ضلالات وأوهام، ورمت بها أنفسهم، كما يتورم الجسد بالمرض الخبيث! وهذا هو بعض السرّ فى ذكر النفوس، وإسناد الاستكبار إليها، دون إطلاقه ليكون كبرا لهم، فقال تعالى: «لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ».. وهذا الذي جاء عليه النظم القرآنى، يبين أن استكبارهم استكبار يعيشون به فى نفوسهم،
وأنه لا أثر له فى الخارج، إذ لا يرى الرائي منهم، إلا سفها وجهلا، تخفّ به موازينهم فى الحياة، وينزل به قدرهم فى أعين الناس..
وقوله تعالى: «وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً» - إشارة إلى مخلّفات هذا الاستكبار الكاذب، وأنه أغرى القوم بأن يلبسوا ثوب الجبابرة العتاة المتكبرين..
فإذا نظرنا إلى القوم فى هذا الوصف الكاشف، الذي وصفهم الله به، ثم نظرنا فى قوله تعالى: «وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا» - رأينا أن قولهم:
«لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا» إنما هو منطلق من قلوب لا تؤمن بالبعث، ولا بالحساب والجزاء، ومن هنا أطلقوا العنان لسفههم وتطاولهم على الله، حتى تمثّلوه واحدا منهم! قوله تعالى:
«يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً».
إن هؤلاء السفهاء طلبوا مطلبين، لكى يصدّقوا بما ينزل عليهم من السماء.. إما أن تأتيهم الملائكة، أو يأتيهم الله! وقد ردّ الله سبحانه وتعالى على المطلب الأول، وهو نزول الملائكة، وأضرب عن المطلب الثاني، إذ لا سبيل إليه، وهو رؤية الله! وإنه إذا كان من الممكن أن تنزل عليهم الملائكة، فإنها لا تنزل عليهم إلا بالهلاك والدمار.. فذلك ما كانت ننزل به الملائكة على الأقوام الظالمين قبلهم، كما يقول سبحانه: «ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ» (٨: الحجر) والحقّ هنا، هو ما حقّ على الضالين من عذاب الله، بعد أن كفروا بالله، وكذّبوا برسله..
فلو أن الله سبحانه استجاب لهؤلاء المشركين، ورأوا الملائكة، لكان ذلك إيذانا ببلاء واقع بهم، فلا يرى لهم بعد هذا من باقية.
وقوله تعالى: «لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ».. أي أن هذا اليوم الذي يرى فيه هؤلاء المجرمون الملائكة، هو يوم عسر، لا يطلع عليهم إلا بما يسوءهم، سواء أكان ذلك فى الدنيا، أو فى الآخرة.. فلا شىء من البشريات المسعدة لهم فى هذا اليوم الذي يرون فيه الملائكة..
وقوله تعالى: «وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً».
الحجر: المنع، ومنه سمى العقل حجرا، لأنه يحجر صاحبه عن العثار، والزلل..
والضمير فى «يَقُولُونَ» يعود إلى الملائكة.. و «حِجْراً مَحْجُوراً» هو مقول قولهم للمجرمين.. أي أنهم يقولون للمجرمين: «حِجْراً مَحْجُوراً» أي ادخلوا هذا الحجر الضيّق، الذي لا تستطيعون الهرب منه..
ويجوز أن يكون الضمير فى: «يَقُولُونَ» عائدا على المجرمين أنفسهم، ويكون ذلك من مقولاتهم، حين يرون الملائكة، وما بين أيديهم من نذر الهلاك، والعذاب، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً».. فقولهم: «حِجْراً مَحْجُوراً» بمعنى قولهم: ثبورا ثبورا، أي هلاكا مهلكا..
قوله تعالى:
«وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً».
القدوم على الشيء: الورود عليه، والوصول إليه من مكان بعيد عنه..
وقدوم الله سبحانه وتعالى إلى أعمال هؤلاء المجرمين، لا يعنى أنها كانت
بعيدة عن الله، إذ كل شىء حاضر بين يدى الله سبحانه، وإنما بعدها عن الله، هو بعدها عن موضع الرضا والقبول منه سبحانه وتعالى.. فهو بعد معنوى، استعير للبعد الحسىّ.. وذلك مثل قوله تعالى: «وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ» (٧٧: آل عمران).. فالمراد بالنظر، هو نظر الرضا والرحمة..
وفى التعبير بقدوم الله سبحانه وتعالى إلى أعمال الكافرين، دون التعبير بقدومها هى إلى الله سبحانه وتعالى- إشارة إلى سوء هذه الأعمال، وكراهية الله سبحانه وتعالى لها، وأنها لا ترد عليه، ولا تنزل بحماه، وإنما تظل بمعزل عن هذا الحمى حتى يجئ اليوم الموعود، ويعرض أصحابها على الحساب، فيجاء لهم بأعمالهم تلك من مكانها المنعزل البعيد.. وإذا هى هباء منثور.
والهباء: الغبار الدقيق الذي لا يرى إلّا على أشعة الشمس.
والمنثور: المنتشر المتطاير..
وهذا يعنى، أن هذه الأعمال إذ تعرض على أصحابها، لا يرونها إلا هباء لا يمسكون منه بشئ، ولا يحصلون منه على ما ينفع، فى هذا الموقف الحرج.
والمراد بالعمل هنا، هو العمل الذي يحسب فى الأعمال الصالحة للمؤمنين، على حين أنه لا يعتدّ به إذا كان من عمل غير المؤمنين بالله.. لأن كل عمل لا يزكّيه الإيمان، هو عمل مردود على صاحبه، لأنه لم يرد به وجه الله، فهو- كما قلنا فى غير موضع- أشبه بالميتة من الحيوان، قد خبث لحمه، لأنه لم يزكّ بالذبح، ولو زكّى بالذبح لكان طيّبا، حلالا..
قوله تعالى:
«أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا».
هو عرض لأهل الإيمان، الذين تقبل الله سبحانه منهم أحسن ما عملوا، وتجاوز عن سيئاتهم، وأدخلهم منازل رضوانه..
وهذا العرض لأصحاب الجنة، وما يلقون عند الله من رضوان- هو مما يضاعف فى حسرة الكافرين، ويزيد فى قسوة البلاء المحيط بهم.. فإن أهل البؤس، يزداد بؤسهم، حين يرون النعيم الذي يعيش فيه غيرهم، ولو أنهم كانوا يعيشون وحدهم، فى عزلة مع بؤسهم، لخفّف ذلك كثيرا من عناء ما يعانون من قسوة الحرمان..
وفى التعبير عن المؤمنين النازلين بالجنة، بأنهم أصحاب الجنة- إشارة إلى التمكين لهم من كلّ ما فيها من نعيم، وأنهم أصحابها المالكون لها، يتصرّفون فيها تصرّف المالك فيما ملك، من غير مراجعة أو حساب، كما يقول سبحانه وتعالى لهم: «تِلْكُمُ الْجَنَّةُ، أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (٤٣ الأعراف).
والمستقرّ: مكان الاستقرار، والأمن، والطمأنينة، حيث لا يجد الإنسان داعية للتحول عنه..
والمقيل: مكان القيلولة وقت الظهيرة، حيث الظلّ الذي يفرّ إليه الإنسان من الحرور فى ذلك الوقت.
فأصحاب الجنة فى أمن واستقرار، وفى ظلّ ظليل من حرّ الشمس، ولفح الهجير.. وتلك أمنية يتمنّاها الذين يعانون حياة الصحراء، ويكتوون بنار شمسها المحرقة، كما يقول سبحانه وتعالى: «وَدانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا» (١٤: الإنسان).. أما الذين يعانون حياة البرد ولفحات الزّمهرير، فإنهم سيجدون أمنيتهم فى جوّ معتدل، لا تحرقهم شمسه، ولا يلفحهم برده، كما يقول سبحانه: «لا يَرَوْنَ فِيها شَمْساً وَلا زَمْهَرِيراً» (١٣: الإنسان).
وكلّ ما جاء فى القرآن الكريم من أوصاف الجنة ونعيمها، هو مما كان يتمنّاه المؤمنون فى الدنيا، وتقصر عنه أيديهم.. فإذا منّ الله عليهم بالجنّة، كان من تمام هذه النعمة، أن يجدوا كل ما فاتهم فى الدنيا حاضرا بين أيديهم، إلى جانب ما أعدّ الله لهم من نعيم، لم يكن يخطر على قلب بشر..
وإذا كلّ نعيم هذه الدنيا الذي كانوا يتشهوّنه، لا يوازى مثقال ذرة من هذا النعيم الذي لم يروه من قبل، ولم يتخيّلوه! وكذلك الشأن فى عذاب الآخرة، فإن ما يساق منه إلى أهل النار، هو مما كان يراه أهلها واقعا بالمؤمنين فى الدنيا، ومما كان يأخذ به الظالمون أولياء الله- هو شىء لا يذكر، إلى جانب ما يلقون هم اليوم من عذاب فوق هذا العذاب.. فالسياط من النار، والمقامع من الحديد، والسلاسل والأغلال، وغيرها مما تحدّث به القرآن من ألوان النكال لأهل النار، هو مما كانوا يعذّبون به أهل الإيمان.. كما فعل المشركون بالسابقين الأولين من المؤمنين، كبلال وآل ياسر وغيرهم.
قوله تعالى:
«وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً».
تشقّق السماء بالغمام: أي يأخذ الغمام فيها طرقا، فيتشقق بهذه الطرق أديمها، وبتغير وجهها، وتتلوّن صفحتها..
والمراد بالغمام هنا، هو ما يشبه السّحاب، الذي ينزل الملائكة على هيئته يوم القيامة، فلا يراهم الناس يومئذ إلا فى هذه الظلل من الغمام.
كما يقول الله تعالى: «هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَالْمَلائِكَةُ» (٢١٠: البقرة).
ففى يوم القيامة، يتشقق أديم السماء، حين يتنزل الملائكة فى صورة محسوسة، يراهم الناس فيها كما يرون قطع السحاب..
وفى هذا اليوم، يجىء الناس إلى موقف الحساب، مجردين من كل شىء..
عراة حفاة، كما ولدتهم أمهاتهم.. فإن ما كانوا يملكونه فى الدنيا هو ملك زائل.. أما الملك الحق، فهو للرحمن، سبحانه وتعالى.. كما يقول سبحانه يوم القيامة: «لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ؟..» فلا يكون إلا جواب واحد، هو:
«لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ» (١٦: غافر).
وفى إضافة الملك إلى «الرحمن» - دون ما لله سبحانه من صفات أخرى- فى هذا إشارة إلى ما لله سبحانه وتعالى من رحمة بعباده، فى ذلك اليوم، الذي تلتمس فيه الرحمة، وبلاذ فيه بجناب الرحمن الرحيم.. فحساب الناس، فى هذا اليوم، هو إلى ربّ رحمن، رحيم، وأن ما ينال العصاة والمذنبين، والمنحرفين من عذاب، هو ممسوس برحمة الله، لا يراد منه، إلا تطهير هذه النفوس الخبيثة، وإلّا شفاء هذه القلوب المريضة.. وليست النقمة ولا التشفي مما يتصل بهذا العذاب الذي يلقاه العصاة.. فإنه لا ينتقم ولا يتشفّى إلا من كان عاجزا فقدر، وإلّا من كان عدوّا، فقهر، ثم انتصر.. وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.. فالناس خلقه، وصنعة يده.. هو الذي أوجدهم، وربّاهم، وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة.. ولا يتفق الانتقام والتشفّى، مع الإنعام والإحسان.
وإن صحّ ولزم الإصلاح، والتقويم! وفى قوله تعالى: «وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً» - إشارة إلى
ما يلقى العصاة والمجرمون، فى هذا اليوم- يوم القيامة- من شدائد وأهوال، وما يطلع عليهم منه، من بلاء، وعذاب.. مع الرحمة المحفوفة به.
من الرحمن الرحيم.. فكيف بهذا العذاب لو جاءهم خالصا من غير رحمة الرحمن؟
قوله تعالى:
«وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا».
هو معطوف على قوله تعالى: «وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ».. وكلا الظّرفين متعلّق بقوله تعالى: «الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ».. أي أنه يتجلّى للناس عيانا فى هذا اليوم، يوم تشقق السماء بالغمام، ويوم يعضّ الظالم على يديه- يتجلى لهم أن الملك الحق، هو لله، وأن ما كانوا يملكونه فى الدنيا، لا شىء فى أيديهم منه اليوم، وأنه باطل الأباطيل وقبض الريح..
وعضّ الظالم على يديه، كناية عن الحسرة والندم، على ما فاته من خير، ولا يمكنه الآن دركه..
وقوله تعالى: «يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا» جملة حالية، تكشف عن سبب الحسرة، التي تملأ قلب الظالم فى هذا اليوم، وهو أنه قد كان على طريق مخالف لطريق النبىّ، وأنه دعى إلى الإيمان فأبى؟؟؟؟، ولم يتخذ مع الرسول سبيلا، بل اتخذ سبيله مع الضالين، والظالمين من أمثاله، الذين أغووه، وأغواهم، فكانوا حزبا على النبىّ والمؤمنين.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى، على لسان هذا الظالم: «لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا».
وفلان: كناية عن إنسان، يعرفه المتحدّث عنه، ولا يريد ذكر اسمه
كراهية له.. وهو هنا كناية عن كل ضالّ أضلّ صاحبه، كما يقول الله تعالى:
«الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ» (٦٧: الزخرف).!
فالأخلّاء فى الدنيا، إذا كانت المخالّة بينهم قائمة على الخير، وعلى الإيمان والتقوى، كانت فى الآخرة روحا وأنسا.. أما إذا كانت قد جمعت بينهم على طريق الضلال والغواية، فإنها تكون يوم القيامة حسرة وندامة، وعداوة بادية، وتراميا باللّعن والسّباب.. وفى هذا يقول الله تعالى فى الكافرين: «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ» (٢٥: العنكبوت).
روى أن بعض الصالحين، افتتن بامرأة، حتى كاد يجنّ بها، ولم يستطع مغالبة هواه، وجعل يتوسل إليها بوسائل كثيرة، وهى تأبى عليه، حتى إذا استجابت له بعد لأى، وأمكنته من نفسها، أعرض عنها، وفرّ من وجهها، فسألته: لم هذا الإعراض والفرار، بعد الطلب الملحّ والملاحقة المتصلة؟
فقال: لقد ذكرت قول الله تعالى: «الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ».. وأنا أريد أن أحرص على هذا الحبّ الذي لك فى قلبى، وأحتفظ بذلك الإعزاز الذي لك فى نفسى، وألّا ينقلب هذا الحب وذلك الإعزاز إلى عداوة وخصام، ولعان.. يوم القيامة!! وقوله تعالى: «لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي» - هو مقولات الظالم يوم القيامة، حيث ينحى باللائمة على كل من كان سببا فى إضلاله وغوايته.
«وَالذِّكْرِ» هو ذكر الله، والاتجاه إليه، والإيمان به.. وقد جاء ذلك الذكر على لسان الرسول الكريم فى آيات الله المنزلة عليه.. فالقرآن الكريم، هو ذكر فى ذاته، وهو منبع الذكر، ومصدره، كما يقول الله تعالى: «وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ» (١: ص).
وقوله تعالى: «وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا» - يجوز أن يكون من كلام الظالم، تعقيبا على الصفات التي وصف بها صاحبه. وأنه شيطان، يغوى، ويضل، كما يغوى الشيطان ويضلّ.. ففى الناس من هو أقدر من الشيطان فتنة، وغواية، لمن بصحبه، ويستجيب له.. ومن هذا كان على الإنسان، أن يتخير الأخيار من الناس، ليصل بهم نفسه، ويشدّ بهم ظهره، على طريق الاستقامة والهدى.. فالإنسان على دين من يصاحب، وعلى هوى من يخالط ويعاشر..
يروى عن السيدة عائشة رضى الله عنها، أنها كانت تحدّث فنقول: «إن امرأت كانت تدخل على نساء قريش، تضحكهم.. فلما هاجرت إلى المدينة، قدمت علىّ، فقلت لها: أين نزلت؟ قالت على فلانة (وكانت تضحك الناس بالمدينة) فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: فلانة المضحكة عندكم؟ قلت نعم! قال: على من نزلت؟ قلت على فلانة المضحكة، فقال: الحمد لله.. إن الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف، وما تناكر منها اختلف!»..
الآيات: (٣٠- ٣٤) [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٣٠ الى ٣٤]
وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً»..
هو أسلوب من أساليب القرآن، فى تنويع العرض، وفى إثارة المشاعر، وتحريك العواطف، فى مجال الدعوة إلى الله، وذلك بعرض الناس على مشاهد القيامة، وما يلقون هناك من حساب وجزاء، ثم العودة بهم إلى حياتهم الدنيا، حيث تواجههم الآيات بماهم متلبسون به من كفر وعناد، فيكون لذلك وقعه فى كثير من القلوب القاسية، والعقول المظلمة.. حيث تلين القلوب، وتنقشع الضلالات عن العقول..
وهنا فى هذه الآية، تقرع آذان المشركين كلمات الله، صارخة بشكوى الرسول الكريم من إعراض قومه عنه، وسخريتهم به، واستهزائهم بكلمات الله.. ذلك، وما زالت مشاهد القيامة، التي كانوا بين يديها منذ قليل- ما زالت تلبس كيانهم، وما زال العرق المتصبب من هولها يرشح على وجوههم!..
وانظر فى قوله تعالى: «وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً» وإلى هذه الكلمات الشاكية الضارعة، وإلى ما تحمل من مشاعر الألم والضيق اللذين يجدهما الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- من هذا الموقف الذي يقفه قومه، من مركب النجاة، التي يدعوهم إليها الرسول، وهم غرقى، يتخبطون فى أمواج الضلال، والهلاك..!
إنك لتستشعر لتلك الكلمات حرارة هذا الدعاء الذي يدعو به الرسول ربّه، إلى هداية قومه، وإلى إنقاذهم مما هم فيه.. إنها رحمات يستمطرها الرسول
- صلوات الله ورحمته وبركاته عليه- من السماء، لتلين هذه القلوب القاسية، ولتبصر هذه العيون العمى!.
وإنك لتجد فى كلمة «قَوْمِي» من الحنو الممزوج بالحسرة والألم، ما تجده فى قول نوح:
«رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي!».. إن هذا من ذاك، سواء بسواء! وفى قوله تعالى: «هذَا الْقُرْآنَ».. إشارة إلى أن هذا الخير الذي يتجنبه القوم، بل ويرمونه بالفحش من القول، والهجر من الكلام، وهو اليد البرّة الرحيمة، الودود.. فما أبعد ما بين القوم، وبين هذا القرآن! إنه يحسن ويسيئون، ويتودد إليهم ويحزنون؟؟؟؟، ويروّض ويجمحون، ويسمع ولا يسمعون! وفى قوله تعالى: «مَهْجُوراً».. بيان جامع لموقف المشركين من القرآن.
وهو أنهم اتخذوه، كما يتخذون الأماكن المهجورة، يلقون فيها بالنفايات، والقاذورات.. فإن ما يخرج من ألسنتهم فى شأن هذا القرآن، هو من ساقط القول، وسخف الكلام، وهجر الحديث! قوله تعالى:
«وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً»..
هذا عزاء كريم، من ربّ كريم، للنبىّ الكريم، عن مصابه فى قومه، الذين تفيض نفسه الرحيمة عطفا عليهم، ورحمة بهم.. فهذا حكم الله فى الضالين المعاندين منهم.. وتلك هى سنة الله فى الذين خلوا من قبل.. وأنه مما قضى الله به فى الناس، أن يكون منهم المؤمنون، والكافرون، وأولياء الأنبياء وأعداؤهم..
فلكلّ نبى أعداء من المجرمين، يقفون من دعوته موقف الخلاف، والعداء.
وفى هذا ابتلاء للنبىّ، وللمؤمنين، ليميز الله الخبيث من الطيب، كما يقول سبحانه: «وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً.. أَتَصْبِرُونَ؟ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً» (٢٠: الفرقان).
وكما تحمل الآية الكريمة عزاء للنبىّ، تحمل كذلك التهديد والوعيد للمجرمين، الذين يقفون منه، ومن دعوته، هذا الموقف العنادىّ اللئيم..
وكفى أن يكون الوصف الذي لهم، هو أنهم مجرمون، قد حملوا أبشع جريمة تعرفها الحياة فى عالم البشر.. وهى قتل أنفسهم بأيديهم..!
وقوله تعالى: «وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً» يهدى من يشاء من عباده..
«وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً.. أُولئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ.. لَهُمْ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ» (٤١: المائدة).
وفى قوله تعالى: «وَنَصِيراً» تثبيت للنبىّ وللمؤمنين، ودعوة لهم إلى الصبر على أذى «الْمُجْرِمِينَ».. فالله سبحانه وتعالى هو الذي يتولّى نصر النبىّ ومن معه، وكفى بالله نصيرا.. «إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكُمْ» (١٦٠: آل عمران)..
قوله تعالى:
«وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً.. كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا»..
وهذه مقولة أخرى من مقولات المشركين فى القرآن، ومن مما حكاتهم
الغثّة الباردة حوله.. لقد أخزاهم قولهم فيه: «إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ».. وقولهم: «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا» - لقد أخزاهم هذا القول، ولم يجدوا له بينهم أذنا تسمع، أو إنسانا يصدّق.. فجاءوا إلى ما حول القرآن، لا إلى القرآن نفسه، إذ لم يجدوا للزّور فيه مقالا، وبدا لهم أن الصورة التي ينزل عليها القرآن، يمكن أن ينظروا إليها على أنها دليل على العجز، والقصور، وعلى معاودة النظر، ومعاناة البحث، حتى يقع النبىّ على الكلمات المناسبة، والظرف المناسب، ثم يطلع على الناس بها.
هذا، وإلّا لماذا جاء هذا القرآن منجّما هكذا، تتنزّل آياته قطرات قطرات، ولا تنزل جملة واحدة؟ إنه لو كان هذا القرآن من عند الله لأنزله الله جملة واحدة، إذ أن قدرة الله لا يكون منها هذا العجز البادي فى نزول القرآن قطعا متناثرة!.. هكذا فكروا وهكذا قدّروا.. وإنه لبئس التفكير ولبئس التقدير! وفى قولهم «نُزِّلَ» بدل أنزل، الذي يناسب قولهم: «جُمْلَةً واحِدَةً».
لأن «نُزِّلَ» يفيد تقطيع الفعل، ووقوع النزول حالا بعد حال- فى قولهم هذا تعريض بالتهمة التي يتّهم بها القرآن عندهم، وهو أنه نزّل لا أنزل، فهم يحكون الصورة التي نزل عليها القرآن، ثم ينكرونها بقولهم: «جُمْلَةً واحِدَةً»..
وقد ردّ سبحانه وتعالى عليهم هذا الإنكار، مبيّنا الحكمة من نزول القرآن منجّما، على هذا الأسلوب، بقوله سبحانه:
«كَذلِكَ.. لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً».
فقوله تعالى: «كَذلِكَ» - إشارة إلى الصورة التي نزل عليها القرآن..
أي أنزلناه على هذا الأسلوب المنجم: «لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ».. وذلك التثبيت، هو بهذا الاتصال الدائم بالسماء، وبتلقّى ما ينزل منها، حالا بعد حال، على مدى ثلاث وعشرين سنة، تنتظم مسيرة الدعوة، من مبدأ الرسالة إلى خاتمتها.. فعلى كلّ خطوة في هذه المسيرة، وعند كل موقف من مواقفها، كان الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- يتلقى أمداد السماء، ويفتح قلبه وسمعه، لنداء الحق جل وعلا، فيما يحمل إليه الملك من كلمات ربّه، فيجد الرّوح لروحه، والأنس لنفسه، والعزاء الجميل لكل ما يلقى من ضرّ وأذى.. «كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ».. ولو نزل القرآن جملة واحدة، لما وجد الرسول هذا الذي كان يجده منه، من أنس دائم، ومدد ممتد، من تلك الثمرات الطيبة، التي ينال غذاءه الروحي منها، كلّما أحسّ جوعا، وهفت روحه إلى زاد من مائدة السماء!! إنه لو نزل القرآن جملة واحدة، لكان على النبيّ، أن يحمل هذا الزاد الكثير معه على كاهله، ثم كان عليه- كلما أحسّ جوعا- أن يتخير من هذا الزاد طعامه.. ثم كان عليه أن يعدّ هذا الطعام، وأن يهيئه.. ثم كان عليه أيضا أن يحدد القدر المناسب لحاجته. وهذه كلّها عمليات تستنفد جهدا كبيرا من النبيّ، وتذهب بكثير من طاقانه الروحية في البحث والإعداد. وهذا على خلاف نزول القرآن منجّما، حسب الحاجة، وعند الظروف الداعية.. حيث يجد النبيّ في تلك الحال وجوده كلّه مع آيات الله المنزلة عليه، فتشتمل عليه، وتنسكب في مشاعره ووجدانه، وتملأ عقله، وتلبس روحه.. وشتان بين طعام محفوظ في علب، وبين هذا الطعام المجننى من مغارسه لساعته! قوله تعالى: «وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا» إشارة إلى الصورة التي نزل عليها القرآن، وأنه جاء أرتالا متواكبة، ومواكب يتبع بعضها بعضا، حيث تستطيع العين
أن تشهد كل ما في هذه المواكب، وأن تتبيّن شخوصها، وملامحها، وما تحمل معها من متاع، وذلك على خلاف ما لو جاءت هذه الحشود في موكب واحد، يزحم بعضه بعضا، ويختلط بعضه ببعض، فإن أخذت العين جانبا، فاتها كثير من الجوانب، وإن أمسكت بطرف، أفلت منها كثير من الأطراف.
والترتيل: - كما يقول الراغب في مفرداته «هو اتساق الشيء وانتظامه على استقامة واحدة.. يقال رجل رتل الأسنان (أي منتظمها) والترتيل:
إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة»
.
ومن هنا كان «ترتيل القرآن».. وهو قراءته، قراءة مستأنية، فى أنغام متساوقة، يأخذ بعضها بحجز بعض، فيتألف منها نغم علويّ، هو أشبه بتسابيح الملائكة، يجده المرتّل لآيات الله في أذنه، وفي قلبه، وفي كل خالجة منه..
قوله تعالى:
«وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً» - هو بيان لحكمة أخرى من حكم نزول القرآن منجما، وهو أن هذا النزول على تلك الصورة، يرصد الأحداث الواقعة على طريق الدعوة الإسلامية من مبدئها إلى ختامها..
ثم يطلع على كل حدث، بما هو مناسب له.. فيحقّ حقّا، ويبطل باطلا، ويزيل شبهة، ويحيى سنة، ويميت بدعة.. وهكذا..
ونكتفى هنا بأن نضرب لهذا مثلا واحدا..
فقد كان من مقولات المشركين. فى إنكارهم للبعث، قولهم: كيف تبعث هذه العظام النّخرة، وتلبسها الحياة مرة أخرى؟. وذلك ما حكاه القرآن عنهم فى قوله تعالى: «وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ»
فجاء قوله تعالى: «قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ.. بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ» (٧٩- ٨١: يس).
فكان ذلك ردّا على هذا المثل الذي ضربوه، وإبطالا له، وإطفاء لنار الفتنة المنطلقة منه، قبل أن يعظم لهيبها، ويشتدّ ضرامها.
قوله تعالى:
«الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا»..
«الَّذِينَ» بدل من الضمير في قوله تعالى في الآية السابقة: «وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ».. «فهؤلاء الذين يضربون الأمثال للنبيّ الكريم، يجادلونه بها، ويشوّشون على دعوته، ويثيرون الشكوك والريب عند صغار الأحلام ومرضى القلوب- هؤلاء الذين يجيئون تلك الأمثال، هم الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم، وهم شر الناس مكانا في هذه الحياة الدنيا، وأضلهم سبيلا، إذ عزلوا عن طريق الحق، وركبوا طرق الغواية والضلال.. وحشرهم على وجوههم، هو تنكيل بهم، وامتهان لهم، حيث يعاملون معاملة الحيوانات الميتة،؟؟؟
من أرجلها، ويلقى بها في مكان بعيد.. وفي هذا يقول الله تعالى في هؤلاء الظالمين: «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ»
(٤٨: القمر)
الآيات: (٣٥- ٤٤) [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٣٥ الى ٤٤]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩)
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً».
مناسبة هذه الآية وما بعدها، لما قبلها من آيات، هى أن الآيات السابقة كانت تحدّث عن موقف المشركين من النبيّ الكريم، وخلافهم عليه، ومقولاتهم المنكرة فيه، وفي الكتاب الذي نزل عليه- فجاءت هذه الآية وما بعدها، تحدّث عن الظالمين من الأمم السابقة، وموقفهم من رسلهم، وكيف أخذهم الله سبحانه بعذابه، وأوفع بهم بلاءه.
وفرعون والملأ الذين معه، هم الظّلم ممثلا في أبشع صورة. وهم الأئمة في الضلال، والعناد، والكفر.. ولهذا نجد القرآن الكريم، يعرض فرعون،
وعناده، وضلاله، وما انتهى إليه أمره، من الهلاك غرقا- يعرضه في مواجهة المشركين من قريش، وفي المواقف التي يكشف فيها القرآن عن عنادهم وضلالهم، حيث يلقاهم بهذا العرض الكاشف لفرعون، وموقفه من آيات الله وما أخذه الله من نكال، وما ينتظرهم، هم، من بلاء وعذاب، قد رأوه فيمن كذبوا بآيات الله وعصوا رسله..!
فهذا موسى رسول الله، قد آتاه الله كتابا من عنده، وشد أزره بأخيه هرون، حتى يلقى فرعون ويبلغه رسالة ربّه.. ولكن فرعون أبى واستكبر، وكذّب بآيات الله التي طلع بها موسى عليه، وهي آيات مادية محسوسة، كتلك الآيات التي يقترحها المشركون على النبيّ، ويجعلونها شرطا لازما لتصديقهم به.. وما موقف القوم إزاء هذه الآيات بأحسن من موقف فرعون.. إنهم لن يؤمنوا بها، وسيكون لهم فيها مقال، كما كان لفرعون فيها مقال! وكذلك شأن الظالمين جميعا مع آيات الله.. إنهم على موقف سواء إزاءها، هو الاتهام والتكذيب! وفي كلمات معدودات، تعرض قصة موسى مع فرعون، هذا العرض الذي يمسك بالصميم منها: «اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً» وفي هذا ما يسأل عنه:
- كيف يوصف فرعون وقومه بأنهم كذبوا بآيات الله، ولم يكن موسى قد التقى بهم، وعرض عليهم آيات الله.. والله سبحانه يقول: «اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا» ؟
والجواب، هو أن فرعون لم يؤمن بآيات الله المبثوثة في هذا الوجود، وهي آيات تتمثل له في كل شىء.. فى نفسه، وفي عالم الجماد والنبات والحيوان.
وفي ظواهر الطبيعة، وفي الكواكب والنجوم.. وفي كل ما يقع عليه النظر، من قريب وبعيد..
وفي كل شىء له آية... تدل على أنه الواحد
فإغفاله لهذه الآيات، وعدم استنطاقها بما تحدّث به من جلال الخالق وعظمته، هو تكذيب بها.. ولو نظر نظرا باحثا عن الحقيقة، لآمن واهتدى..
ومن جهة أخرى.. فإن الآية حديث إلى هؤلاء المشركين، وعرض لما انتهى إليه أمر فرعون، وأنه قد كذّب بالآيات التي عرضها عليه موسى، فكان أن قال له: «أَجِئْتَنا لِتُخْرِجَنا مِنْ أَرْضِنا بِسِحْرِكَ يا مُوسى؟ فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ!» (٥٧- ٥٨: طه).
-لماذا لم يذكر القرآن فرعون وملأه، واقتصر على الإشارة إليهم بقوله تعالى: «الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا؟» ألا يمكن أن ينصرف هذا الوصف إلى غير فرعون وملائه، كبني إسرائيل مثلا؟
والجواب، من وجوه:
أولا: أن بني إسرائيل، لم يدمّروا تدميرا، حين آذوا موسى، ومكروا به، وعبدوا العجل من ورائه، بل كان عقابهم أن صبّ الله عليهم اللعنة، ومسخهم مسخا، وهم أحياء.
وثانيا: أن هذا الوصف، وهو التكذيب بآيات الله التي جاء بها موسى، إنما كانت من فرعون وملائه، وقد تحدّث عنها القرآن في غير موضع، تفصيلا، وإجمالا.. ومن هنا كان هذا الوصف علما على فرعون وملائه، لا يشاركهم أحد فيه، فى هذا الموقف.
وثالثا: أنه ليست العبرة هنا في ذوات الأشخاص، وإنما العبرة بالصفة التي يكونون عليها مع آيات الله.. فحيث كان التكذيب بها، كان التدمير، وكان الهلاك.. يستوى في هذا فرعون وغير فرعون.. فما دمّر الله فرعون لأنه فرعون، وإنما لأنه كذّب بآيات الله.. وهؤلاء الذين يكذبون بآيات الله من المشركين، هم فراعين، يلقون ما لقى فرعون! وفي هذا العرض الموجز للقصة كلها: «اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً» تهديد بهذا البلاء المطلّ على رءوس المشركين، وأنه منهم كلمح البصر أو هو أقرب.. إنه التكذيب، فالهلاك والتدمير..
قوله تعالى:
«وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً».
الواو في قوله تعالى: «وَقَوْمَ نُوحٍ» للعطف، وَ «قَوْمَ نُوحٍ» معطوف على قوله تعالى: «فَدَمَّرْناهُمْ» أي وكذلك دمّرنا قوم نوح لمّا كذّبوا الرسل.
والتدمير الذي وقع على فرعون، وعلى قوم نوح، هو الإغراق.. ومن هنا كان عطف الحدثين وجمعهما في سياق واحد..
وعلى هذا يكون قوله تعالى: «أَغْرَقْناهُمْ» هو جواب عن سؤال: كيف كان تدمير هؤلاء وهؤلاء؟ فكان الجواب: «أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً».. فالإغراق والعبرة الماثلة للناس من هذا الإغراق، هو حكم واقع على الفريقين معا.. وكذلك التعقيب على هذا الحكم: «وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً» هو تعقيب على مهلك السّابقين واللّاحقين.. ثم هو تهديد ووعيد للحاضرين، والآتين!
قوله تعالى:
«وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً».
هو معطوف على قوله تعالى: «وَقَوْمَ نُوحٍ» أي وكذلك دمّرنا عادا وثمود وأصحاب الرسّ وقرونا بين ذلك كثيرا..
والقرون: جمع قرن، والمراد الجيل من الناس.
وقد اختلف في أصحاب الرسّ.. فقيل إنهم أهل قرية باليمامة يقال لها الرسّ، وقيل هم بقية عاد وثمود، وقيل هم وأصحاب الأيكة قومان، أرسل إليهما شعيب..
وفي مفردات الراغب: الرّس: الأثر القليل الموجود في الشيء. يقال سمعت رسّا من خبر أي قليلا منه..
وفي القرآن الكريم لم يرد ذكر لهذه الجماعة إلا في هذه الآية، وفي آية أخرى في سورة (ق) هى قوله تعالى: «كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ».
ويلاحظ أن «أَصْحابَ الرَّسِّ» قدّموا على ثمود في سورة (ق) على حين جاء عكس هذا في سورة الفرقان، فجاء ذكرهم بعد ذكر ثمود.
ويمكن أن يتخذ من هذا قرينة على أن أصحاب الرسّ وثمود متجاوران زمانا، أو مكانا، أو زمانا ومكانا معا.
كما يلاحظ أنه لم يذكر في الموضعين الرسول الذي أرسل إلى أصحاب الرسّ..
والخلاف الذي وقع فى «أَصْحابَ الرَّسِّ» وقع فى «الرَّسِّ» نفسه..
ما هو؟ وأبن هو؟ وهل هو مكان، كما في قوله تعالى: «كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ»
(١٧٦: الشعراء) ؟ أم هو اسم حيوان، كما في قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ» ؟ أم هو سمة من سمات القوم الغالبة فيهم، كما فى قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ» (٨٠: الحجر) ؟
وليس في التعرف على «أَصْحابَ الرَّسِّ» وفي الكشف عن موطنهم، وزمنهم، ورسلهم، ما يزيد في حجم أو أثر العبرة والعظة من مهلكهم..
فما هم إلا جماعة من تلك الجماعات التي شردت عن الحقّ، وتأبّت على الهدى، ووقفت من آيات الله، ومن رسل الله، موقف اللجاج والعناد.. وفي ذكرهم مع عاد، وثمود، ما يصبغهم بهذا الصّبغ الذي اصطبغ به هؤلاء وهؤلاء، من الضلال، والعناد.. فهم، ومن سبقهم، أو لحق بهم من الأقوام الضالين- على سواء في الكفر والضلال..
وفي قوله تعالى: «وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً» إضافة للكثير من الأقوام الضالين، الذين احتواهم الزّمن بين قوم نوح، وبين عاد وثمود وأصحاب الرس.. فهناك كثيرون من الرسل، قد بعثهم الله سبحانه وتعالى إلى أقوام عديدين، فى تلك الحقبة، بين نوح، وبين عاد وثمود وأصحاب الرس.. وأن هؤلاء الأقوام لم يختلف موقفهم مع رسلهم، عن موقف عاد وثمود وأصحاب الرسّ، من رسلهم..
وعلى هذا، فإنه إذا كشف الزمن عن وجه أصحاب الرس- فليكونوا كعاد وثمود، وإذا لم يكشف الزمن عن وجوههم فليكونوا في هؤلاء الأقوام الذين احتواهم الزمن، بين نوح وبين عاد وثمود..! وهذا هو بعض السرّ فى وضع «أَصْحابَ الرَّسِّ» فى هذا الوضع من الآية.. فهم بين معلومين علما قاطعا، وبين مجهولين جهلا تاما.. وكذلك كان وضعهم في آية «ق» :
«كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ».. فقد أخذوا وضعا وسطا بين
معلومين قد ذهبت آثارهم، وبين معلومين قد بقيت من آثارهم بقية، هى أطلال دائرة، يمرّ عليها المشركون! قوله تعالى:
«وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً».
أي وكلّ قوم من هؤلاء الأقوام الذين أهلكهم الله، ودمدم عليهم- قد ضرب الله لهم الأمثال، وأراهم العبر فيمن سبقهم من الهالكين، حيث ذكّرهم بهم، وبما كان منهم من ضلال وعناد، وما أثمر لهم هذا الضلال وذلك العناد من ثمر نكد.. هو «التتبير» أي الهلاك والعذاب.
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ.. أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها؟ بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً».
أتوا: أي مرّوا، ووقفوا على هذه القرية.. والضمير، يعود إلى المشركين من أهل مكة.. والقرية التي أمطرت مطر السوء: هى قرية لوط..
فقد أهلكها الله سبحانه، بما صبّ عليها من حجارة من سجيل، كما يقول سبحانه وتعالى: «فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ» (٨٢: هود).
والمعنى: أن هؤلاء المشركين، قد مرّوا على هذه القرية، قرية لوط، وهم في تجارتهم إلى الشام، ورأوا من آثار هذه القرية ما يحدّث عن مصارع أهلها..
وفي قوله تعالى: «أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها؟» استفهام يراد به التقريع والتوبيخ.
فهم كانوا يرون هذه الآثار، وما تنطق به، ولكنهم كانوا ينظرون بأبصار
ترى ولا تعقل، فلم يك ينفعهم هذا النظر شيئا.. كما يقول سبحانه وتعالى:
«وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وَهُمْ عَنْها مُعْرِضُونَ» (١٠٥: يوسف).
وفي قوله تعالى: «بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً» إضراب عن الاستفهام فى قوله تعالى: «أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها» - والمعنى، أنهم كانوا يرون هذه القرية بأعينهم، ولكنهم كانوا لا يرجون نشورا، ولا يتوقعون حياة بعد الموت.. وتلك هي علّتهم في حجب الرؤية النافذة إلى مواقع العبرة في قلوبهم، من تلك القرية.. إنهم ينظرون إليها ويرون مصارع أهلها، ولم يرد على خاطرهم، ما وراء هذا البلاء الذي نزل بهؤلاء القوم؟، إذ كانوا لا يرون أن وراء هذا شيئا آخر.. ولو أنهم كانوا يؤمنون بالبعث، وبالحياة الآخرة، لتمثل لهم العذاب الذي ينتظر هؤلاء الذين ضمّهم الثرى، وأصبحوا ترابا.. وإذن لها لهم الأمر، واستولى عليهم الفزع، ولطلبوا لأنفسهم النجاة من أن يصيروا إلى هذا المصير، الذي ينتهى إليه كل متكبر جبار، لا يؤمن بالله، ولا باليوم الآخر..
قوله تعالى:
«وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً.. أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها..»
إنه لقاء مع المشركين، بعد أن وقفوا على مصارع القوم الظالمين، وما سيلقونه من عذاب أليم، يوم البعث والجزاء..
وفي هذا اللقاء يستمع المشركون إلى مقولاتهم المنكرة، التي يقولونها فى رسولهم، الذي جاء ليستنقذهم من مصير كهذا المصير، الذي رأوه في أصحاب
القرية، الذين أعنتوا رسولهم، وسفهوا عليه، كما يعنت هؤلاء المشركون رسولهم ويسفهون عليه..
وفي قوله تعالى: «إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً».. إعلان بالجرم الذي أجرمه المشركون في حقّ الرسول.. وأنهم اتخذوه هزوا وسخرية.. وأن من هزئهم وسخريتهم به، هو الإشارة إليه تلك الإشارة المنكرة له، المستخفّة به، المستصغرة لشأنه: «أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا» ؟.
و «إِنْ يَتَّخِذُونَكَ» جملة منفية، و «إن» حرف يفيد النفي، أي ما يتخذونك إلا هزوا..
وفي التعبير عن هزء المشركين بالنبي بقوله تعالى: «يَتَّخِذُونَكَ» إشارة إلى أنهم يجعلون النبي غرضا لسهام السخرية، كلما لاح لهم، وبدا لأعينهم..
فذلك هو دأبهم معه. وفي هذا تشنيع عليهم، وتهويل لجرمهم.
وقوله تعالى: «إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها».
«إِنْ» أداة تفيد التوكيد، وهي المخففة من إنّ الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، وتقديره: إنه كاد ليضلنا عن آلهتنا..
وهذه الجملة هي بقية مقول القول: «أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا»..
أي قائلين أهذا الذي بعث الله رسولا؟ إنه كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها..!!
وإنهم ليحمدون لأنفسهم هذا الوقوف في وجه النبيّ، وهذا الثبات على ما هم عليه مع آلهتهم، وأنه لولا هذا، لجرفهم هذا التيار الجديد، ولأفسد النبيّ ما بينهم وبين آلهتهم، كما أفسد كثيرا ممن ليس لهم مثل ما عندهم من قوة وإرادة! هكذا ظنهم بأنفسهم، وبما أمسكوا به من ضلال!
وفي قولهم: «لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا» ما يكشف عن مدى ما ركب القوم من سفه وضلال، إذ يرون أن ما هم فيه من ولاء لهذه الأصنام، هو الهدى، وأن ما يدعوهم إليه النبيّ من الانخلاع عنها، هو الضلال!! ألا ساء ما يحكمون.
وفي قوله تعالى: «وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا» هو ردّ على مقولة المشركين: «لَيُضِلُّنا».. فإن الضلال هو ما هم فيه.. وسوف يعلمون ذلك، حين ينكشف الغطاء، ويساقون إلى جهنم.. حيث لا ينفع العلم، ولا ينصلح ما فسد..
قوله تعالى:
«أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا».
هو استفهام يراد به الإغراء برؤية هذا الأمر العجيب المنكر، الذي يتلبس به ذلك الإنسان الضال، الذي اتخذ إلهه هواه، وجعله معبودا، يعطيه ولاءه، ويسلم إليه إرادته.
والخطاب للنبيّ- صلوات الله وسلامه عليه- وإلفات له إلى هؤلاء الضالين من قومه، الذين لعبت بهم الأهواء فلم تكن لهم أعين يبصرون بها، إلى هذا الوجود، وما فيه من آيات تحدث عن أن لهذا العالم خالقا خلقه، ومدبرا حكيما أقامه على هذا النظام المحكم الدقيق، ولم يكن لهم آذان يسمعون بها ما يتلى عليهم من آيات الله، فصمّوا عنها، واستمعوا إلى ما تحدثهم به أهواؤهم، - فكان منهم هذا السخف، وهذا الضلال الذي هم فيه..!
وفي قوله تعالى: «أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا» إزاحة لهذا العبء الثقيل من الهمّ الذي كان يجده النبيّ، وهو ينظر إلى سفاهة قومه، وضلالهم، ويعانى من ذلك ما يعانى من آلام.. إنه ليس وكيلا عليهم، يحمل عنهم
ما حملوا من أوزار.. إنهم مسئولون عن أنفسهم، بعد أن بلغتهم رسالة ربك.. فتخفف من هذه المشاعر الثقيلة الضاغطة عليك، ودعهم وما حملوا:
«وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها» (١٦٤: الأنعام).. «فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ» (٨: فاطر).
قوله تعالى:
«أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ.. إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا».
هو بيان لهذا الهوى الذي استولى على القوم، واستبدّ بعقولهم، وأن أكثرهم لا يسمعون، ولا يعقلون.. فما هم إلا كالأنعام، فيما يسمعون أو يعقلون..
إن أجهزة السمع عندهم لا تنقل إليهم إلا أصواتا، وإن عقولهم لا تعقل إلا خواطر مبهمة غائمة.. فهم- والحال كذلك- دون الأنعام قدرا، وأنزل منها منزلة في عالم الأحياء.. إذ كانت الأنعام مستقيمة على فطرتها التي فطرها الله عليها.. أما هؤلاء، فقد أفسدوا فطرتهم، واتخذوا أهواءهم قائدا يقودهم إلى كل مهلكة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا!. وفي هذا تخفيف عن النبيّ فى مصابه في قومه، هؤلاء الضالين. إنهم شىء تافه، وأجسام تعرّت من آدميّتها، فليس في فقدهم ما تخف به موازين الإنسانية أبدا..
الآيات: (٤٥- ٥٢) [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٤٥ الى ٥٢]
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً» مناسبة هذه الآيات لما قبلها، هى أن الآيات السابقة، تحدثت عن الضالين، الذين لهم أعين لا يبصرون بها، ولهم آذان لا يسمعون بها، وكل ما لهم، هو هوّى مطاع متسلط عليهم، مستبد بهم، لا يملكون معه نظرا عاقلا، أو سمعا واعيا..
وهنا في هذه الآيات، عرض لصورة كريمة، للإنسان الذي يرى فيعتبر، ويسمع فيعقل، ثم ينتفع بما عقل.
والخطاب، وإن كان للنبيّ- صلوات الله وسلامه عليه- فإنه خطاب عام لكل من يستجيب لهذا النداء العلويّ، ويلقاه بقلب سليم، ونظر مستقيم.
والاستفهام، إنما يراد به الأمر بالنظر في هذه الظاهرة، التي تحدثت عنها الآية الكريمة، ولفتت الأنظار إليها..
ومجىء الأمر، على هذا الأسلوب الاستفهامى، هو إغراء بهذا الأمر.
حيث يطلع من هذا الاستفهام إنكار، واستغراب من عدم النظر إلى الظل، وكيف مدّه الله.. ثم يطلع من هذا الإنكار والاستغراب داع يدعو إلى المبادرة بالنظر، وإدراك مافات.. والتقدير هكذا: ألم تر إلى ربّك كيف مدّ الظل؟
ماذا صرفك عن هذا؟ فيأيها الإنسان إذا كنت إلى الآن لم تكن قد نظرت فهيّا، فذلك أمر لا ينبغى أن يفوت ذا عقل! وقوله تعالى: «إِلى رَبِّكَ» أي إلى قدرة ربّك، وحكمته ورحمته.. وهذا يعنى النظر إلى الله سبحانه وتعالى من خلال آثاره، وما يتجلّى على هذه الآثار، من صفات الكمال والجلال، التي تفرّد بها، الإله الواحد، الفرد الصمد..
وفي إضافة النبيّ الكريم إلى ربّه، تكريم له، وأنس لوحشته، فى هذا الوقت العصيب، الذي كان يعيش فيه مع قومه، وقد وصفوه بالجنون والسّفه.
وقوله تعالى: «مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً» أي نشره، وبسطه..
حتى ليكاد يغمر الكائنات.
وقوله تعالى: «ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا» - إشارة إلى أنه لولا الشمس، لما عرف الظل، فظهور الشمس، هو الذي يدل على أن هناك ظلّا يطوى، فتحرك الظلّ مع الشمس هو الذي يدل على وجوده، وإن كان موجودا فى ذاته.. وهذا يعنى أن التضادّ بين الأشياء، هو الذي يدل على وجودها، ويجعل لهذا الوجود صفات، تحدد شخصيته، وذاتيته.. وهذا يعنى أيضا أن التضادّ أمر لازم في نظام حياتنا البشرية- على الأقل- حتى نميز بين الأشياء ونحدّد سلوكنا إزاءها.. فهناك الخير والشر، والهدى والضلال، والكفر والإيمان، والنور والظلام، والجميل والقبيح، والحلو والمرّ.. إلى ما لا يحصى من محسوسات ومعنويات.. حتى لا نكاد نجد معنى من المعاني، أو محسوسا من
المحسوسات إلّا وفي الجانب الآخر، الوجه المضاد له.. فإن لم نجد هذا الوجه بحثنا عنه، حتى نعثر عليه، واقعا أو متخيّلا.
وفي قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً» إشارة إلى أن هذا الظل هو فى يد الله، وتحت سلطان مشيئته، وأنه سبحانه لو شاء أن يجعله ساكنا، أي مقيما أبدا على حال واحدة لا ينسخه ضوء- لو شاء سبحانه ذلك، لنفذت مشيئته، ولأظلّنا هذا الظلّ أبدا.. ولكنه سبحانه قضى- بحكمته ورحمته- أن ينسخ الظلّ بالنور، وأن ينسخ النور بالظل، فنلبس في حياتنا هذين الثوبين على التناوب، كل يوم..
وفي قوله تعالى: «ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً» - إشارة إلى حركة التناسخ بين الظل والنور.. وأن يد القدرة تقبض الظلّ شيئا فشيئا، على حين تبسط النور بقدر ما تقبض من الظل..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِياءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهارَ سَرْمَداً إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (٧١- ٧٣: القصص)..
والصورتان، وإن كانتا تدلان على مدلول واحد، إلا أن الصورة الأولى- على صغرها- فيها حركة، وفيها تفصيل، أريد بهما الالتفات إلى تلك العملية، التي تجريها يد القدرة في تناسخ الليل والنهار، أو الظلام، والنور، على حين أن الصورة ثانية كانت غايتها الكشف عن الحكمة في هذا التناسخ، وبهذا تتآلف الصورتان، وتتكون منهما صورة واحدة وإن كانت كل صورة منهما قائمة على التمام والكمال، لا ينقصها شىء من الألوان أو الظلال..
قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً» - هو بيان لتلك الحكمة العالية في هذا التدبير الحكيم، من قبض الظل، وبسطه فيحدث من هذا القبض والبسط، الليل، والنهار..
- وفي قوله تعالى: «جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً» - إشارة إلى ما في الليل من ظلمة، تلبس الكائنات، وتسترها، وكأنه بهذا يضم الكائنات الحية تحت جناحه، لتأخذ حظها من الراحة، والهدوء، بعد سعيها، وتعبها خلال النهار.. فهى تحت هذا الجناح لا تملك إلا أن تستسلم للدعة والسكون، حتى يتجدد نشاطها، ويتجمع ما ذهب من قوتها، لتستقبل صبحها الجديد بالعمل الجادّ والسعى المتصل.. فهذا نظام تفرضه الطبيعة، ومن مصلحة الكائن الحيّ أن يأخذ به ويلتزمه.
- وفي قوله تعالى: «وَالنَّوْمَ سُباتاً» إشارة إلى أن النوم ظاهرة غير ظاهرة الراحة والسكون.. فقد يستريح الإنسان ويسكن، ولكن وجوده كلّه حركة عن طريق العقل، الذي لا يكفّ عن العمل والتفكير، إلا بالنوم المستغرق، الذي يسكن فيه العقل، كما تسكن الجوارح. فالسبات، هو السكون التام..
الذي يمثل صورة مصغرة للموت.
- وقوله تعالى: «وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً» أي تنتشر فيه الكائنات الحية، وتبعث من مرقدها، كما يبعث الموتى من القبور..
وفي هذه الصورة التي تعرضها الآية الكريمة، للنوم، واليقظة، إشارة إلى صورة أخرى ينبغى أن يستحضرها أولئك الذين ينكرون البعث.. فما النوم إلا الموت، وما اليقظة إلا البعث!
قوله تعالى:
«وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً»..
هو امتداد لهذا العرض، الذي تحدّث فيه الآيات عن قدرة الله.. وعن إحسانه إلى عباده، ورحمته بهم.. وأنّ من سوابغ إحسانه، سبحانه، ومن فواضل رحمته، أنه يرسل الرياح فيجد الناس فيها بشريات الغيث، الذي يوشك أن ينزل، فيحيى الأرض بعد موتها..
- وفي قوله تعالى: «بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ» - إشارة أن إلى الريح، وإن كان يدفع السحاب، فإنه هو الذي ينشىء السحاب، وأنه لولا الريح، ما نشأ السحاب..
فإذا هبت الريح، أثارت وجه البحار، وحدث البحار الذي يتصاعد في السماء، ويكوّن السحاب.. ثم يدفعه الريح إلى حيث يشاء الله سبحانه وتعالى..
وفي التعبير عن المطر بالرحمة، إشارة إلى أنه رحمة خالصة، إذ لولا هذا الماء الذي ينزل من السماء، ما كان للحياة أثر على هذه الأرض..
وفي قوله تعالى: «وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً» هو بيان لرحمة الله، التي تقدّمتها «الرِّياحَ» معلنة البشرى بمسيرتها إلى الناس..
وفي وصف ماء المطر بأنه ماء طهور، إشارة إلى أنه ماء خالص، لم يختلط به شىء مما على الأرض، ولم تعلق به شائبة من شوائبها.. فهو ماء نقيّ صاف، طهور..
وفي قوله تعالى: «أَنْزَلْنا» بدلا من قوله «أنزل» الذي يجرى مع السياق لقوله تعالى: «أَرْسَلَ الرِّياحَ» - إلفات إلى جلال الله، وإلى عظمته، وقدرته، وإلى ما بين يديه من رحمة، يجود بها على عباده، ويدعوهم إلى تناولها من يدى
رحمته.. فهذا الحضور للوجود كله، بين يدى رحمة الله، هو دعوة جامعة إلى صلاة شكر، وحمد، وثناء.. لله رب العالمين.
قوله تعالى:
«لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً».
هو بيان للحكمة من سوق هذه الرحمة إلى الناس.. إنها حياة لكل ميت، وبعث لكل هامد..
ففى قوله تعالى: «لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً» إشارة إلى أن الماء هو أصل الحياة، ومبعثها، كما يقول سبحانه: «وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ».
وفي قوله سبحانه: «وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً» - إشارة إلى أن الماء، هو الذي يمسك الحياة على الأحياء، بعد أن قامت به الحياة ذاتها.. فهو الذي يقيم الحياة بقدرة الله، وهو الذي يمسكها، برحمة الله!..
وفي تقديم الأنعام على الناس- إشارة إلى أن رحمة الله، تسرى في الكائنات كلها، وأنها ليست، للناس وحدهم، كما يقع ذلك عند بعض ذوى العقول القاصرة.. والله سبحانه وتعالى يقول:
«وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها» (٦: هود).
وليس هذا فحسب، فإنه مع تقديم الأنعام على الناس، استعمل القرآن لفظ «ما» الذي هو لغير العقلاء، بدلا من «من» الذي للعقلاء، فقال تعالى: «مِمَّا خَلَقْنا» بدلا «ممن خلقنا» وذلك لتوكيد المعنى المقصود هنا،.
وهو أن الأنعام لها عند الله سبحانه وتعالى وزنها وتقديرها، وأنها إذ كانت أقل حيلة من الإنسان، فقد كفل الله سبحانه لها حاجتها، وقدم مطلوبها على مطلوب
الإنسان، شأن الأب، يرعى صغاره، وينظر في حاجة الصغير قبل الكبير..
إذ كان الصغير لا حيلة له، على حين أن الكبير يستطيع أن يدبر أمره، ويرعى شئونه.. ومع هذا فإن الأب لا يحرم الكبير- وإن بلغ مبلغ الرجال، أو الشيوخ- عطفه، وحنانه، ورحمته! وهذه النظرة إلى الآية الكريمة، جديرة بأن تفتح الأعين على حقيقة ينبغى أن يعيها المجتمع الإنسانى، وأن يجعلها أساسا من أسس النظام الذي يقوم عليه المجتمع، وتلك الحقيقة، هى أن ضعاف المجتمع، الذين لا حول لهم ولا حيلة في جلب خير، أو دفع ضر، هم أولى الناس بالرعاية وبتوفير أسباب الحياة لهم، حتى يأخذوا مكانهم في المجتمع، فينتظم خطوهم، ويجتمع شملهم مع شمله فى أسرة واحدة، متكافلة، متساندة..
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً».
الضمير فى «صَرَّفْناهُ» يراد به القرآن الكريم، وهو إن لم يجر له ذكر صريح في الآيات السابقة، فإنه مذكور في كل كلمة، وفي كل آية.. فهذه الآيات السابقة، هى بعض القرآن الكريم في مجموعه، وهي القرآن الكريم كله فى مضمونه..
وتصريف القرآن، هو تنويع معارضه، وعرض حقائقه ومقرراته في صور متعددة، بين الإيجاز والبسط، والإجمال والتفصيل، والتصريح والتلميح، إلى غير ذلك من أساليب البيان، التي ملك القرآن زمانها، واستولى على غايتها..
وقوله تعالى: «لِيَذَّكَّرُوا» بيان للحكمة من هذا التصريف، وهو أن يجد
المستمع لكلمات الله، والناظر في هذه المعارض المتعددة، ما يكشف له وجه الحقيقة، ويطلعه على جوانبها كلها، وفي ذلك ما يفتح له الطريق إلى التعرف على الله والإيمان به..
وقوله تعالى: «فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً» هو عرض لموقف هؤلاء للمعاندين الضالين، إزاء آيات الله، وأن هذا البيان المبين الذي يخاطبهم به القرآن الكريم، لم يزدهم إلا نفورا من الدعوة التي يدعوهم إليها، وإلا إمعانا فى الضلال والسفه.. وذلك هو الشأن الغالب على الناس، وقليل هم أولئك الذين يرون النور، ويهتدون به..
قوله تعالى:
«وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً»..
أي أنه سبحانه وتعالى الذي صرف القرآن، وعرض حقائقه هذا العرض الكاشف المضيء، الذي ليس بعد نوره نور، ولا وراء هداه هدى- الله سبحانه الذي نزل هذا القرآن المبين، لو شاء لجعل في كل قرية نذيرا، يحمل إلى أهلها ما حمل محمد إلى الناس جميعا، من هذا النور.. ولكن ذلك لم يكن من مشيئة الله، ولا مما اقتضته حكمته.. فإن نذيرا واحدا يحمل آيات الله وكلماته فيه بلاغ مبين، لكل ذى نظر وعقل، لأن مع كل إنسان نذيرا في كيانه، هو ما أودعه الله سبحانه وتعالى فيه من عقل، يميز به بين الخير والشر، وبين الهدى والضلال، والحق والباطل: فمن كان معه هذا النذير فإن أية إشارة من إشارات الحق تكفى لإيقاظه إن كان نائما، ولتنبيهه إن كان غافلا، ولهدايته إن كان ضالا.. أما من فقد هذا النذير، فإنه لن تنفعه النّذر أبدا، ولو جاءه رسول خاص به من عند الله..
فالقرآن الكريم- مثلا- ليس نذيرا واحدا، وإنما في كل آية منه نذير، ولكل نذير ذاتيته، وشخصيته، حتى لكأن كل آية رسول ينشر بين الناس رسالته.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا»..
فهذا التصريف والتنويع في معارض القول، ووجوه النذر، هو بمثابة أعداد كثيرة من الرسل، تجىء إلى الناس من كل جهة، وتلقاهم على كل طريق، ومع هذا فإن كثيرا من الناس لم يستجيبوا لتلك الآيات التي يلقاهم من كل آية منها رسول كريم ونذير مبين..
وإذن، فإن كثرة الرسل، فى الناس، واختصاص كل رسول بقرية من القرى، أو جماعة من الجماعات لا يغنى كثيرا في مجال الهداية إلى الإيمان بالله، وإقامة الناس على طريق الحق، والخير..
ولو كان ذلك مغنيا في هذا المقام لكان في القرآن الكريم، وفي النذر المديدة التي تحملها آياته وكلماته، ما يزع هؤلاء الضالين الغاوين عن ضلالهم وغوايتهم.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ» (٩٥- ٩٦: يونس) ويقول سبحانه: «قُلِ انْظُرُوا ماذا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ» (١٠١: يونس)..
قوله تعالى:
«فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً».
هو التفات كريم إلى النبيّ- صلوات الله وسلامه عليه- وتوجيه له إلى الوجهة التي ينبغى أن يأخذها من موقف هؤلاء الكافرين المشركين من قومه
وهو ألا يلتفت إلى عنادهم، وألا يلقى بالا إلى لغوهم وسفههم، وما يتقوّلونه عليه، وعلى القرآن الذي بين يديه، وأن يتصدّى لهم، ويقف في وجههم بهذا الحق الذي معه، وأن يجاهدهم به، ويرميهم بنذره، كما يقول الله تعالى:
«فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ.. إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ» (٧٩: النمل) وكما يقول جلّ شأنه «فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ» (٩٤: الحجر).
وقد امتثل النبي- صلوات الله وسلامه عليه- أمر ربّه، فوقف من المشركين، وقفة الجبل الراسخ الأشمّ في وجه الرياح الهوج، والأعاصير العاتيات.. وقال قولته الخالدة، لعمّه أبى طالب، حين جاء يعرض عليه مهادنة قريش، وله عندها ما يشاء من جاه، ومال، وسلطان، فقال: «والله يا عمّ، لو وضعوا الشمس في يمنى، والقمر في شمالى، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته، أو أهلك دونه».
وفي قوله تعالى: «وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً» - إشارة إلى ما كان ينتظر النبي من أعباء ثقال، فى مواجهة قومه، وفي الصبر على المكاره التي يرمونه بها، فى قسوة، وحنق، وجنون.
الآيات: (٥٣- ٥٩) [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٥٣ الى ٥٩]
وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧)
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً».
مرج البحرين: المرج، خلط الشيء بالشيء، ومرج الخاتم في اليد، أي اضطرب، وأمر مريج، أي مختلط.. ومرج البحرين: أي خلطهما، وجمع بعضهما ببعض..
والعذب: الحلو، الطيب.. والفرات: العذب أيضا.. وهو توكيد للعذب، أي عذب عذب.
والسائغ: الذي تقبله النفس وتستطيبه..
والأجاج: الشديد الملوحة.
والبرزخ: الحاجز بين الشيئين..
والحجر المحجور: المحتجز، المحجوز، الذي لا سبيل له إلى الخروج من هذا الحجاز..
والآية الكريمة، مثل واقع محسوس، لقدرة الله، ولسلطانه القائم على
هذا الوجود، حيث ترى في لقاء الماء بالماء قدرة القادر الحكيم، فى عزل أجزاء هذا السائل المائع، الذي يشبه الهواء في سيولته.. فالماء الملح في جانب، والماء العذب الفرات في جانب، وهما حيث ترى العين، ماء واحد، لا يعرف أيهما هذا أو ذاك، إلا بالمذاق باللسان..! فما أروع هذه القدرة، وما أعظم سلطانها الذي يحجز هذين السائلين بعضهما عن بعض، فلا يطغى أحدهما على الآخر، ولا يختلط العذب بالملح.. وفي هذا يقول الحقّ جلّ وعلا: «مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ» (١٩- ٢٠: الرحمن).
وفي هذا المثل صورة للمجتمع الإنسانى، حيث الأخيار والأشرار، والمؤمنون والكافرون، والهواة والضالون.. إنهما في محيط حياة واحدة، حيث يموج بعضهم في بعض، وحيث تتشابه وجوههم وصورهم، تشابه الماء والماء، ومع هذا فإن بين الأخيار والأشرار، حجاز، وبرزخ، أشبه بهذا البرزخ غير المنظور، الذي يحجز بين الماء والماء: «هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ».
[الماء والماء. والناس والناس] ومن إعجاز القرآن الكريم، ما تكشف عنه هذه الآية، من روعة التصوير، ودقة التمثيل، فيما بين مجتمع الماء والماء، والناس والناس:
فأولا: هذا التشابه في الصورة بين الماء العذب، والماء الملح، وبين الأخيار والأشرار من الناس.. وأن التطابق يكاد يكون تامّا في الظاهر، بين المتناقضين، فى كل من وجهى الصورة.. فعلى أحد وجهيها، ماء عذب فرات، وماء ملح أجاج، وعلى الوجه الآخر.. مؤمنون، أخيار،
طيبون، وكافرون، أشرار، خبيثون.. لا يعرف أي من هذه الأطراف، إلا بالمذاق والاختبار، ولا يبين فضل أىّ منها إلا في موقع العمل والتجربة..
وعلى هذا، فإن ما في كيان المؤمنين من إيمان وخير وطيب، إنما تظهر آثاره في مجال العمل، وفي موقع التجربة والاحتكاك بالحياة وبالناس..
وكذلك ما عند الكافرين من كفر وشر وخبث، إنما يعرف حسابه، ويأخذ الوصف الذي له، حين يتحول إلى عمل، واقع في الحياة.. وإلا فالناس جميعا على سواء، ما لم ينكشف ما بداخلهم من خير أو شر، ومن إيمان وكفر، فى صورة سلوك، وعمل..! «وَقُلِ اعْمَلُوا.. فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ».
وثانيا: الناس- وإن ظهروا في صورة واحدة- هم في حقيقتهم، فريقان: مؤمن وكافر، ومستقيم، ومعوج، ومهتد وضال، وطيب وخبيث..
سواء اختبروا أم لم يختبروا، وجرّبوا أم لم يجرّبوا.. هكذا خلقهم الله، وإن توالد بعضهم من بعض، كما يتولد الماء العذب، من الماء الملح.. «يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ» (٩٥: الأنعام).. «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ» (٢: التغابن).
وفي هذا يقول الرسول الكريم: «النّاس معادن.. خيارهم في الجاهلية، خيارهم في الإسلام»..
وثالثا: المؤمنون الأخيار في المجتمع الإنسانى، وهم مادة الحياة، وهم الروح الذي يسرى في شرايين كل ما هو نافع، وصالح، لإثبات شجرة الحياة، وإروائها، وإزهارها، وإثمارها، ولو افتقدتهم هذه الأرض، لما كان للحياة أثر فيها- إنهم الماء العذب، الذي هو حياة الأحياء، من نبات، وجماد،
وإنسان.. «وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ» (٣٠: الأنبياء).. وفي هذا يقول بعض العارفين: «الماء العذب، ما وقع منه على الأرض أنبت البرّ، وما وقع فى البحر ولد الدرّ» أي اللؤلؤ والمرجان..
ورابعا: المؤمنون الأخيار، فى المجتمع الإنسانى، هم قلّة- فى كل زمان ومكان- بالإضافة إلى الضالين، والأشرار.. وتكاد نسبتهم تعدل نسبة الماء العذب، إلى الماء الملح..
وفي هذا يقول الحقّ تبارك وتعالى: «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (١٠٣: يوسف) ويقول سبحانه: «مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفاسِقُونَ» (١١٠: آل عمران).
ويقول: «وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ» (٨: الروم) ويقول: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَقَلِيلٌ ما هُمْ» (٢٤: ص).
وخامسا: ليس في الناس من هو شر خالص، أو خير محض.. ففى الأشرار الماء ما في الملح، من عناصر الماء العذب.. بل إن من هذا الماء الملح، ما يرقّ ويصفو، ويتحول إلى بخار، وسحاب، ثم ينزل على الأرض ماء عذبا فراتا..
وفي الأخيار ما في الماء العذب الفرات من قابلية للاختلاط بما يفسده وبغير طبيعته وهو يسلك مسالكه في الأرض.. فتارة يسلك مجرى طيّبا. فيكدر، ثم يصفو.. وتارة يقع في مستنقع، فيركد، ثم يتعفن.. وهكذا..
قوله تعالى:
«وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً».
هو مضمون من مضامين هذا المثل، الذي ضربه الله سبحانه وتعالى فى
الآية السابقة، للمؤمنين والكافرين، فيما بين الماء العذب، والماء الملح، من تشابه، وتضادّ في آن واحد..
فالماء العذب. والماء الملح.. هما ماء واحد.. وهما في الوقت نفسه ماءان..
فالصلة بينهما قريبة، وبعيدة معا..!!
والناس، مؤمنون، وكافرون.. من أصل واحد.. هم أبناء هذا الماء..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «فَجَعَلَهُ نَسَباً».. أي فجعل هذا الماء هو صلة القرابة القريبة، التي تجمع الإنسان إلى الإنسان، كما تجمع الأخ إلى أخيه..
والناس، مؤمنون وكافرون.. هم صنفان، وكان من الممكن، أن يفرّق بينهما هذا الاختلاف، ولكن ما بينهما من نسب قريب، يمنع هذه الفرقة، ويرفع هذا الاختلاف..
ومن هنا، فإنه إذا كان لكلّ من المؤمنين والكافرين ذاتيته، وطريقه فى الحياة، فإن ما بينهما من تلاق في الأصل يجعل طريقيهما كالخطّين المتقابلين، يلتقيان، عند نقطة هندسية، أشبه بهذا اللقاء بين الماء العذب والماء الملح، وليس كالخطين المتوازيين اللذين لا يلتقيان أبدا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَصِهْراً» ! فالصهر: أهل بيت المرأة بالنسبة لزوجها.. وأصهر إلى فلان: أي تزوج ابنته أو أخته..
وفي قوله تعالى: «وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً» - إشارة إلى قدرة الله سبحانه وتعالى، فى الجمع، بين المختلفين، والتفرقة بين المتشابهين في حال معا.!
قوله تعالى:
«وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً»..
الضمير في قوله تعالى: «وَيَعْبُدُونَ» يعود إلى الكافرين، الذين ذكرهم الله سبحانه في قوله: «فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً»..
فهؤلاء الكافرون، لا يستمعون إلى هذا القرآن، ولا ينتفعون بما يضرب لهم من أمثال، وما يكشف لهم من جلال الله وقدرته.. وإذا هم على ما هم عليه من ضلال الجاهلية وشركها، لم ينكشف لعقولهم من هذا النور السماوي، ما هم فيه من عمى وضلال.. وهاهم أولاء- كما عهدتهم الحياة من قبل- عاكفون على عبادة هذه الدّمى وتلك الأحجار، التي لا تنفع ولا تضرّ، إذا دعاها عابدها لجلب خير، أو دفع ضرّ..
وقوله تعالى: «وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً» إشارة إلى جناية من يكفر بربّه ويعبد إلها غيره. إنه يحارب خالقه، إذ يكون حربا على أولياء الله، من الرسل، وأتباع الرسل سواء أكان ذلك باتباع سبيل غير المؤمنين، أم كان بالوقوف في وجه المؤمنين، وإعلان الحرب سافرة عليهم..
وهو بهذا يظاهر أعداء الله على أوليائه، وفي هذا حرب لله، ومظاهرة لأعدائه المحاربين له، على حربه.
فالظهير، هو المعين الذي يسند ظهر غيره.. والكافر بكفره، وبانتظامه فى صفوف الكافرين المحاربين لله، هو يظاهر على الله، ولا يظاهر لله.. وذلك كما يقول سبحانه: «رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ» (١٧: القصص).
قوله تعالى:
«وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً».
هو عزاء للنبيّ الكريم، لما يلقى في تبليغ رسالته من عنت هؤلاء المشركين، وضلالهم، وما يسوءه من خلافهم عليه، وهم في هذا الضلال الذي لن يسلمهم إلا إلى الهلاك والبوار..
وماذا يفعل الرسول أكثر ممّا فعل مع هؤلاء المعاندين الضالّين.. إنه لا يملك بين يديه قوة تحركهم على أن يركبوا سفينة النجاة معه، وإن كلّ ما يملكه هو كلمات الله، يبشر بها المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا، وينذر الضالين المكذّبين بأن لهم عذابا أليما.. «فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ» (٢١- ٢٢: الغاشية).
قوله تعالى:
«قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا».
أي أن الرسول الذي يحمل عبء هذه الرسالة، ويحتمل الأذى في سبيلها من الضالين والمعاندين، والسفهاء- لا يطلب لذلك أجرا على هذا الجهد المضنى الذي يبذله، كما يطلب الناس أجرا لكل عمل يعملونه.. إنه يؤدى رسالة الله خالصة لوجه الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يتولى جزاءه، وحسن مثوبته.
وقوله تعالى: «مِنْ أَجْرٍ».. من هنا لاستغراق النّفى، للشىء الذي وقع عليه الفعل، وهو الأجر.. وهذا يعنى أنه لا يسأل على هذا العمل الذي يقدمه لهم أي أجر، وإن قلّ سواء أكان أجرا ماديا من مال ومتاع، أم أجرا معنويا، من جاه وسلطان..
وقوله تعالى: «إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا»..
إلا هنا أداة استثناء عاملة، وما بعدها مستثنى من عموم النفي الواقع على كلمة أجر..
والتقدير: لا أسألكم أجرا على ما أقدم لكم من خير، إلا أجر من شاء أن يتخذ إلى ربّه سبيلا، بالإنفاق في سبيل الله، والإحسان إلى الفقراء والمساكين، والضعفاء.. فذلك هو الأجر الذي أناله منكم، فهو وإن لم يكن لى، فإنى أحتسبه لى، لأن ما يقدّم لله، وما يؤدّى لعباد الله، هو لى.. وما ينفق فى سبيل الله، هو كأنما ينفق في سبيلى.. إذ ليس لى سبيل إلا سبيل الله..
وهذا مثل قوله تعالى: «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» (٢٣: الشورى) فالإحسان إلى ذوى القربى، كالوالدين، والإخوة والأعمام والعمات ونحوهم- هو إحسان إلى النبيّ، وتحقيق لدعوة الخير التي يدعو إليها.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً» (٢٣: الإسراء)..
فالإحسان إلى الوالدين، هو من تمام الإيمان بالله، وكأن ذلك الإحسان هو إحسان إلى النبيّ، وهو الأجر الذي يناله من المؤمنين، الذين هداهم الله إلى الإيمان على يديه..
قوله تعالى:
«وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً».
هو معطوف على قوله تعالى: «قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ» - أي: قل لهم هذا القول، ودعهم وما يشاءون، متوكلا على الحيّ الذي لا يموت..
أما كلّ حيّ سواه، ففى كيانه معاول هدمه وفنائه: «كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ» (٨٨: القصص).. وسبّح بحمد ربك، منزّها له عن الشريك والولد، حامدا له أن هداك إلى الإيمان، وأن جعلك السّراج المنير الذي يهتدى به الضالون، ويسير على سنا ضوئه المؤمنون..
- وقوله تعالى: «وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً».. هو تهديد للكافرين والضالين، وما يقترفون من آثام، وأن الله سبحانه وتعالى عليم بما يعملون، خبير.. لا يختلط عليه المحسنون بالمسيئين..
قوله تعالى:
«الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً».
هو من صفات الله سبحانه وتعالى، الذي دعى النبيّ إلى التوكّل عليه، وتفويض أمره إليه.. فهو سبحانه، حيّ لا يموت، خلق السموات والأرض، وما بينهما من عوالم، فى ستة أيام..
وقد قلنا من قبل، إن هذه الأيام الستة، هى الظرف الحاوي، الذي تمّ فيه ميلاد المخلوقات، جميعها، أي الوجود كله، فى أرضه وسماواته، وما في أرضه وسماواته.. وليس هذا الزّمن مرتبطا بقدرة الله سبحانه وتعالى في خلق المخلوقات.. ولو شاء- سبحانه- لخلق العالم كله في لحظة واحدة: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» (٨٢: يس).
- وقوله تعالى: «ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ».
الاستواء على العرش، هو القيام على هذا الوجود، والاستيلاء على مركز القوة والسلطان فيه. فلا تخرج ذرّة من ذرات هذا الوجود عن سلطان الله، وعن علم الله: «وَما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُها وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُماتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يابِسٍ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ» (٥٩: الأنعام).
وقوله تعالى: «الرَّحْمنُ» هو فاعل الفعل «اسْتَوى».. وهو يعنى أن صاحب السلطان القائم على هذا الوجود هو «الرَّحْمنُ» الذي أفاض رحمته
على الوجود.. فبالرحمة أقام الوجود وأوجده، وبالرحمة ملك أمر الموجودات، ودبّر شئونها، وقدّر مقام كل موجود بين الموجودات.
- وقوله تعالى: «فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً» الأمر هنا إلى كل إنسان غابت عنه هذه الحقيقة، وهي رحمانية الرحمن، القائم على هذا الوجود.. فمن غابت عنه هذه الحقيقة، ولم يدرك آثارها في هذا الوجود، وفي كل موجود.. فليسأل أهل العلم والخبرة، الذين يقدرون الله حق قدره، ويعرفون مواقع رحمته في خلقه.. والله سبحانه وتعالى يقول: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (٧: الأنبياء).
الآيات: (٦٠- ٧٧) [سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٦٠ الى ٧٧]
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠) تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤)
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩)
إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١) وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤)
أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً»..
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الله سبحانه وتعالى، قد ذكر في الآية السابقة عليها، أنه- جل شأنه- هو الذي خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام، وأنه استوى على العرش، برحمانيته، ثم دعا- سبحانه- من غابت عنه هذه الحقيقة من رحمانية الرحمن، أن يسأل أهل العلم والخبرة في هذا المقام.. فناسب ذلك أن يدعو إليه- سبحانه- الضالين، باسم «الرحمن» الذي له في كل مخلوق أثره، وله في كل حيّ نفحة من رحمته.. وبهذا يظهر ما عندهم من علم بالرحمن، سواء أكان هذا العلم مما أدركوه بعقولهم، وعرفوه بنظرهم، أو أخذوه عن أهل العلم والخبرة..
وقد كشف هذا الامتحان، عن جمود هؤلاء الضالين على ضلالهم، وأنهم لم يهتدوا إلى هذه الحقيقة بأنفسهم، ولم يسألوا عنها أهل الذكر.. وأنهم إذا قيل لهم: «اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ» وآمنوا به، واجعلوا ولاءكم له- أنكروا هذا الاسم، ولم يعرفوا مدلوله ومسماه الذي يسمى به، فقالوا منكرين: «وَمَا الرَّحْمنُ» ؟ فيا لخسران القوم، ويا لتطاولهم على الله!! إن الرحمن هو الذي رحمهم برحمته، فلم يأخذهم بعاجل عذابه، وهم ينكرونه إنكار المستخفّ المستهزئ.. وكلمة منه- سبحانه- تمسخهم قردة وخنازير، أو تسلبهم السمع والبصر والكلام، فيعيشون صمّا، عميا، بكما، بين الأحياء!! فما أوسع رحمة الرحمن، التي يعيش في ظلها أعداء الرحمن، المحاربون له، المستكبرون عن عبادته..
- وفي قوله تعالى: «أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا؟» بيان لجريمة أخرى من جرائم هؤلاء المجرمين.. إنهم لن يسجدوا للرحمن، لأنهم لا يعرفونه، وإنهم لو عرفوه لا يسجدون له، لأن الذي يدعوهم إليه بشر مثلهم، ورجل منهم!! إنه الكبر والعناد، إلى جانب الجهل والضلال..
وقوله تعالى: «وَزادَهُمْ نُفُوراً» أي زادهم هذا الطلب الموجّه إليهم من النبي نفورا إلى نفورهم، فهم نفروا أولا، لأنهم لا يعرفون الرحمن، وهم نفروا ثانيا، لأن الذي يدعوهم إليه إنسان، من الناس، وليس ملكا من الملائكة، كما كانوا يقترحون! قوله تعالى:
«تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً».
هو عرض لبعض آثار رحمة الرحمن في خلقه، وأنه سبحانه، «جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً».. أفليس ذلك من آثار
رحمة الله؟ وكيف كانت تكون الحياة على هذه الأرض، ولا شمس ولا قمر؟
وقوله تعالى: «تَبارَكَ» أي تمجد، وتقدّس، وكثرت آلاؤه ونعمه..
فهو- سبحانه- يمجّد ذاته، وإن لم يمجده الضالون المجرمون من خلقه وهو سبحانه جدير بأن يحمد ويمجّد من عباده الذين أسبغ عليهم نعمه ظاهرة، وباطنة والبروج: هى مدارات الكواكب، ومنازلها..
والسراج: هى الشمس..
والقمر المنير: هو القمر، الذي يستمد نوره من الشمس.. وقد وصف بأنه منير، ولم يوصف بأنه مضىء، لأن النور خلاف الضوء.. فالنور لا حرارة فيه، على خلاف الضوء، والنور ليس ذاتيا، وإنما هو متولد من وقوع الضوء على الأجسام.. وقد أشرنا إلى ذلك في سورة يونس، عند تفسير قوله تعالى:
«هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَالْقَمَرَ نُوراً» (الآية: ٥).
قوله تعالى:
«وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً».
ومن آثار رحمة الله، أنه جعل الزمن على هذه الأرض خلفة بين الليل والنهار، حيث يخلف أحدهما الآخر، ويحلّ محلّه..
وفي هذا آية لمن أراد أن يتذكر، ويتعظ، إذا لم يكن قد وجد في آيات الله المبثوثة في الكون طريقا إلى التذكر والاعتبار، أما من وجد التذكر والاعتبار في غير هذه الآية، فإنها تزيده تذكرا واعتبارا، كما تزيده شكرا وحمدا، لآلاء الله. ونعمائه..
قوله تعالى:
«وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً» تعرض هذه الآية والآيات التي بعدها، الصفات الكريمة التي يتصف بها أولئك الذين استحقوا أن يضافوا إلى الله سبحانه، وأن يحسبوا في عباده، أما غيرهم ممن لا يتحلّون بهذه الصفات، فإنهم ليسوا أهلا لهذا المقام ولا موضعا لهذا الشرف العظيم.. وأن هؤلاء الذين قيل لهم اسجدوا للرحمن فأنكروا هذا، وقالوا: وما الرحمن؟ - هؤلاء ليسوا من عباد الرحمن، ولن يكونوا من عباده، ما داموا على حالهم تلك..
[عباد الرحمن.. من هم؟] أما عباد الرحمن الذين يستحقون هذا الشرف العظيم، فهم هؤلاء الذين جاءت تلك الآيات، تكشف عن صفاتهم التي يتحّلون بها، والتي تؤهلهم لهذا المقام الكريم..
وهذه الصفات التي يتحلّى بها عباد الرحمن، هى أنهم:
- «يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً.. وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً».
والمشي الهيّن على الأرض، هو دليل على التواضع، ولين الجانب، وسماحة الخلق.. بخلاف المشي الذي يضرب وجه الأرض، تيها وفخرا، وقد نهى الله تعالى عنه في قوله: «وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً.. إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا» (٣٧: الإسراء).
- «وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً».. أي أن عباد الرحمن لا يلقون فحش القول وهجره، بفحش، وهجر مثله.. فإذا رماهم السفهاء بالكلمة الخبيثة أعرضوا عنهم، وقالوا: «سَلامٌ عَلَيْكُمْ لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ» (٥٥: القصص).
وليس هذا المشي الهيّن، أو الإمساك عن الفحش من القول، هو عن
ضعف وذلّة، وإنما هو عن قوة نفس، ومتانة خلق، وكرم طبيعة.. وكلّ إناء ينضح بما فيه.. وكل شجرة لا تعطى إلا من ثمرها.. فالشجرة الطيبة.
تعطى ثمرا طيبا، والشجرة الخبيثة لا تعطى إلا ثمرا خبيثا..
- «وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً».
أي ومن صفات عباد الرحمن أن قلوبهم لا تخلو من ذكر الله أبدا، وأنهم يقضون نهارهم في كفاح وعمل، فإذا جهّم الليل أقبلوا على ربّهم بالعبادة والذكر، راكعين ساجدين.. والليل هو أنسب الأوقات للعبادة، ومناجاة الله سبحانه وتعالى، حيث تسكن النفوس، وتجتمع الخواطر، وتهدأ القلوب، فيجد الإنسان منطلقه في عالم الروح، وقد انزاحت من طريقه السدود التي يقيمها ضجيج الحياة، ولغط الأحياء أثناء النهار.. وقد نوه القرآن الكريم في أكثر من موضع بشأن العبادة في أوقات الليل، وما للعابدين عند الله في تلك الأوقات، من رضا ورضوان، فيقول سبحانه للنبى الكريم. «وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً» (٧٨- ٧٩: الإسراء). ويقول له سبحانه: «يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ. قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا. إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا. إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا».
(١- ٦: المزمل) ويقول سبحانه في وصف المتقين من عباده، وما أعدّ لهم من جزاء عظيم: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَ مُحْسِنِينَ كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (١٥- ١٨: الذاريات).
وفي قوله تعالى: «لِرَبِّهِمْ» - إشارة إلى أنهم يقصرون عملهم كله بالليل
على ذكر الله، لا يذكرون إلا الله جلّ وعلا، لا يشغلهم شىء عن ذكره..
فاللام هنا للاختصاص.
- «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً» إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً» أي أن عباد الرحمن هؤلاء، إنما يعبدون ربّهم، وهم من عذاب ربّهم مشفقون.. إن عذاب ربّهم غير مأمون.. فهم مع طمع ورجاء في رحمته، وخشية وخوف من بأسه وعقابه.. هكذا حال المؤمنين بالله، لا يأس من روح الله، ولا أمن من بأسه وعذابه..
وقوله تعالى: «إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً» أي أنها- نعوذ بالله منها- لا يلقى أهلها إلا السوء والوبال، فهى أشأم وأسوأ مكان.. فكيف إذا كان هذا المكان مستقرا ومقاما لا يتحول عنه أهله؟ إن أهله أشقى خلق الله، وأنكدهم حظّا، وأشأمهم مصيرا..
- «وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً».
وهذه صفة أخرى من صفات عباد الرحمن.. إنهم يلزمون الطريق الوسط فى حياتهم، وفي كل شان من شئونهم، فلا إفراط، ولا تفريط، فإن خير الأمور أوساطها.. وأكثر ما يتجلّى هذا المبدأ في إنفاق المال، حيث هو عملية مستمرة، يقوم بها الإنسان مرات كل يوم، سواء أكان غنيا أم فقيرا..
كلّ ينفق حسب ما معه من مال..
والإسراف، هو مجاوزة الحدّ في زيادة المطلوب في النفقة والتقتير، هو الإمساك دون الحدّ المطلوب..
وقوله تعالى: «وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً» أي وكان إنفاقهم وسطا، وقواما، بين الإسراف، والتقتير..
- «وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ،»
«إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ.. وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً».
ومن صفات عباد الرحمن أيضا، أنهم لا يشركون بالله شيئا، ولا يدعون معه إلها آخر، بل عبادتهم خالصة لله، ودعاؤهم متجه إليه وحده.. وأنهم لا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا قصاصا، وأنهم يحصنون فروجهم فلا يأتون الفاحشة.. فإن من يفعل شيئا من هذه الكبائر، لن يكون في عباد الله هؤلاء للكرمين، بل إنه سينزل منازل المجرمين، أصحاب النار..
وقوله تعالى: «يَلْقَ أَثاماً» أي أن من يفعل هذه الآثام يلق أثاما مثلها، فهذه الآثام منكرات، والعذاب الذي يساق إلى فاعلها، ويلقاه، هو عذاب منكر شديد..
وقوله تعالى: «يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً» بيان لما يلقى مرتكبو هذه المنكرات الغليظة من العذاب، والهوان يوم القيامة..
فهم أكثر الناس عذابا يومئذ، لأن جرائمهم الثلاث تلك، من أعظم الجرائم..
وهي الشرك بالله، وقتل النفس التي حرم الله، والزنا.. فإذا عذب غيرهم من المعذبين بألوان من العذاب، فإن ما يلقاه هؤلاء، أضعاف ما يلقاه المعذبون من أهل النار غيرهم..
وقوله تعالى: «وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً» الخلد والخلود، هو اللصوق بالأرض في ذلة ومهانة.. والضمير فى «فِيهِ» يعود إلى العذاب الذي لا يخرج منه، بل يعيش فيه، مستكينا، ضارعا، ذليلا، مهينا..
وقوله تعالى:
«إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ، وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً».
- هو استثناء من عموم الضمير الواقع فاعلا في قوله تعالى: «يَلْقَ أَثاماً» أي ويستثنى من الوقوع في هذا العذاب، من تاب من هؤلاء المرتكبين لتلك الآثام من آثامه، ورجع إلى الله، مؤمنا به غير مشرك، مستقيما على ما أمر به، من عدل وإحسان.. فلا يقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا يزنى.. فمن اجتنب هذه الكبائر، فإنه لن يلقى هذا المصير، بل يخرج من زمرة هؤلاء المجرمين، ويأخذ طريقه مع عباد الله المكرمين..
وقوله تعالى: «فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» - إشارة إلى أن هؤلاء التائبين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، قد قبلهم الله في عباده، وأنه سيبدل سيئاتهم تلك حسنات، فإنه سبحانه كريم بعفو عن طالبى عفوه ومغفرته، رحيم بعباده، يرحم ضعفهم، وما غلبتهم عليه أهواؤهم، إذا هم رجعوا إليه تائبين، مؤمنين، مصلحين- ما أفسدوا.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ» (١١٤: هود) ولهذا قدم سبحانه التوبة- فقال سبحانه: «إِلَّا مَنْ تابَ» أي عقد النية، وعزم على التوبة، ثم أتبعها بقوله تعالى: «وَآمَنَ» أي وقرن النية بالتوبة بالإيمان بالله، وبكتبه ورسله، واليوم الآخر، فإن التوبة من غير إيمان بالله، لا متوجّه إليها، ولا محصل لها..
ثم جاء قوله تعالى: «وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً» شرطا ثالثا لقبول التوبة، وتصحيح الإيمان، وهو العمل الصالح.. فالإيمان بلا عمل، زرع بلا ثمر..
وقوله تعالى: «وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً».. لم يجىء هنا ذكر للإيمان مع التوبة، لأنه ذكر في الآية السابقة، ولأن التوبة لا تكون إلا من مؤمن.. وذكر الإيمان في الآية السابقة للإلفات إليه، والتنويه
به، وبأنه لا تقبل توبة إلا إذا زكاها الإيمان بالله..
وقوله تعالى: «فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً» - أي يتوب توبة، فمتابا توكيد، وفي هذا إشارة إلى أن الذين ارتكبوا هذه المنكرات، قد بعدوا عن الله، وشردوا عن الطريق إليه، وأنهم حين عدلوا عن طريقهم، وأخذوا الطريق إلى الله- قد رجعوا إلى الله رجوعا حقّا، وأصبحوا في عباده المؤمنين المكرمين، غير منظور إلى شىء من حياتهم الماضية، التي كانوا عليها قبل أن يتوبوا.. إنهم بعد التوبة والعمل الصالح، قد ولدوا ميلادا جديدا، ذهب به كل ما كان عليهم من أدران وأوزار.. فتوبتهم حينئذ توبة مثمرة ثمرا طيبا، لأنها أثمرت هذه الأعمال الصالحة التي أتوا بها بعد توبتهم تلك..
- «وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً»..
وصفة أخرى من صفات عباد الرحمن..
إنهم لا يشهدون الزور، أي لا يحضرون مجالس الفحش، والهجر، ولا يستمعون لمقالات الكذب والبهتان.. وإنهم إذا وقع لهم في طريقهم مشهد من مشاهد العبث واللهو، لم يقفوا عنده، ولم يلقوا بآذانهم، أو أبصارهم إليه، بل مرّوا به وهم كرام مترفعون بإيمانهم، وبمروءاتهم، عن أن يشاركوا في هذا الباطل من قريب أو بعيد! - «وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً»..
وصفة سادسة من صفات عباد الرحمن، وهي أنهم يحيون مع آيات الله حياة عاقلة واعية، ويعايشونها معايشة ودودا طيبة.. فإذا قرءوا، وسمعوا آيات الله تتلى عليهم، أعطوها عقولهم وقلوبهم، وفقهوا ما تتسع له عقولهم وقلوبهم من نورها، وهديها.. وهذا غير ما يلقى به الغافلون والجاهلون آيات الله، حيث يخرون بين
يديها كما يخر عابد الوثن على وثنه، من غير أن يكون معه نظر أو رأى، فيما هو عاكف عليه..
فآيات الله لا تسمع الصم، ولا تهدى العمى، وإنما تهدى من نظر إليها بعقله، وأعطاها وجدانه ومشاعره، وعندئذ يؤذن له بأن يجنى من ثمارها، ويقطف من زهرها، وينشق من طيبها..
ومن هنا، كان واجبا على المسلم أن يطلب العلم، والمعرفة، حتى يأخذ حظه من النظر في آيات الله، وحتى ينتفع بهديها، ويستضىء بنورها.. وإلا فإنه أشبه بالأعمى الذي يستوى عنده طلوع الشمس ومغيبها.. والله سبحانه وتعالى يقول:
«وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ» (٤٣: العنكبوت).
ويقول سبحانه: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (٢٨ فاطر) إذ لا خشية لله إلا عن علم بجلاله، وعظمته، وعلمه، وقدرته.. ولا علم إلا مع أهل العلم! - «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً».
وصفة سابعة من صفات عباد الله الرحمن..
إنهم أهل صلاح وتقوى، ومن تمام صلاحهم وتقواهم أن يكون أزواجهم وأولادهم- وهم بعض منهم- عى حال من الصلاح والتقوى، أقرب إليهم، وأشبه بهم، حتى يأتلف جمعهم، وتتوحد مشاعرهم، ولا يقع في محيطهم ما يثير شقاقا، أو يبعث ألما وحسرة، لخلاف زوجة، وضلال ولد.. فإن هذا من شأنه أن يجور على صلة المؤمن بربه ويشغله كثيرا أو قليلا عن ذكره.. ومن هنا كان من دعاء المؤمنين: «رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي» (١٥: الأحقاف).
وكان مما امتن به الله سبحانه وتعالى على بنى كريم من أنبيائه، هو زكريا عليه السلام- أن وهب له الولد الصالح، وأن أصلح له زوجه، كما يقول سبحانه:
«فَاسْتَجَبْنا لَهُ.. وَوَهَبْنا لَهُ يَحْيى، وَأَصْلَحْنا لَهُ زَوْجَهُ» (٩٠: الأنبياء) «وقرة الأعين» ما تقرّ به، وتطمئن.. وذلك لا يكون إلا عن هدوء النفس، واطمئنان القلب، وراحة الضمير.. الأمر الذي يجعل العين تنظر إلى الحياة نظرا هادئا مطمئنا.. أما المذعور الخائف المضطرب، فإنه ينظر بعين زائغة مضطربة.. ومن هنا كان للعيون لغتها التي يعرفها أهل البصيرة والرأى، حيث يكون للرضا نظرة، وللغضب نظرة، وللحب نظرة، وللبغض نظرة. وهكذا تنطبع الأحاسيس والمشاعر على مرآة العين، كما تنطبع صور الأشياء على المرايا..
قوله تعالى: «وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ» - أي ومما يدعو به عباد الرحمن ربهم، أن يجعلهم قدوة لأهل الإيمان، فى الخير والإحسان، وأن تكون أعمالهم قائمة على طريق الحق والعدل، حتى يكونوا أسوة في الطريق إلى الله.. وبذلك يكون لهم ثوابهم، وثواب من اقتدى بهم.. على خلاف أهل الضلال، الذين يكون عليهم وزر ضلالهم، ووزر من ضل بضلالهم.. وفي الحديث: «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة».
قوله تعالى: «أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا» - الإشارة هنا إلى عباد الرحمن، الذين ذكرت أوصافهم في الآيات السابقة.. فهؤلاء المكرمون من عباد الله، الذين أضافهم سبحانه وتعالى إليه، سيجزون الغرفة بما صبروا على التكاليف، والعبادات، وعلى مغالبة أهوائهم وشهواتهم.. وإنه لولا الصبر لا نحلّت عزائمهم، وفترت هممهم، واختلّ توازنهم على الصراط المستقيم..
فبالصبر، استطاعوا أن يصمدوا أمام الشدائد، وأن يحتملوا ما يصابون به في أموالهم وأنفسهم، مستسلمين لأمر الله، راضين بقضائه.. وبالصبر قهروا نوازع أهوائهم.. فالصبر، هو زاد المؤمن على طريق الإيمان، وهو القوّة التي تشدّه إلى الله، وتمسك به على طريق الحق والخير..
والغرفة، أعلى مكان في الجنة، وهي في البيت أعلى موضع منه.. وهي فى الجنة ليست غرفة واحدة، وإنما هي غرفات، كما يقول الله تعالى: «وَهُمْ فِي الْغُرُفاتِ آمِنُونَ».. وإنما أفردت هنا لأن المراد بها، المنزلة، أي يجزون المنزلة التي فيها الغرفة، وفيها الغرفات، لأنها جميعها في درجة واحدة.
قوله تعالى: «وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً» أي أن الذين ينزلون بهذه الغرفة، هم في موضع احتفاء وتكريم، وأن مما يكون لهم فيها من صور الإحسان، أن تتردد عليهم الملائكة، وتغشى مجالسهم، بالتحية والسلام..
وفي ذلك ما فيه من أنس وروح لهم..
قوله تعالى: «خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً».. أي أنهم ساكنون ووادعون في هذه الغرفة، سكون أمن وطمأنينة وقرار.. لا يريدون التحول عنها، فقد حسن فيها مستقرّهم، وطاب فيها مقامهم..
هذا، ويلاحظ أن عرض صفات المؤمنين، الذين استحقوا، أن يضيفهم الله سبحانه وتعالى إليه، وأن ينزلهم منازل رحمته، وأن يكونوا عباد الرحمن- يلاحظ أن هذه الصفات لم تجىء مرتبة ترتيبا تصاعديا أو تنازليا.. وذلك لغاية قصد إليها القرآن، كما سنرى.
فأول صفة لعباد الرحمن.. أنهم «يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً، وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً».
فهذا هو الوجه الظاهر لإيمان المؤمنين. فيهم تواضع، وتعفف عن السّفه والفحش.. وهذا حالهم مع الناس..
والصفة الثانية، هى حالهم مع الله.. فهم يقطعون الليل عبادة وتسبيحا لله، فيما بينهم وبين خالقهم.. «وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً».
فالصفتان، تمثلان صورة كريمة للإنسان، الذي رضى عنه الناس، ورضى عنه ربّه.. وتلك غاية ما يمكن أن يدركه أحسن الناس، وأكمل الناس..
والصفة الثالثة.. خاصة بهم: إذ يطلبون لأنفسهم النّجاة من النّار، والخلاص من عذاب جهنم..
فقد أدّوا أولا حقّ الله عندهم لعباده، ثم أدّوا حقه لذاته.. ثم طلبوا من الله ما هو مطلوب لهم..! «وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً» وهذه الصفات الثلاث، صفات وجوب.. أي صفات عاملة، يقوم عليها سلوكهم..
ثم تأتى بعد ذلك صفة تجمع بين الإيجاب والسّلب، وهي أنهم يلزمون فى الإنفاق طريقا بين الإسراف والتقتير، وهو التوسط والاعتدال بين الأمرين، وتلك صفة موجبة، متولدة من صفتين سالبتين.. وهما الإسراف والتقتير..
وهما من صفات غير المؤمنين، من عباد الرحمن!.
ثم تجىء بعد ذلك صفة سلبية،.. هى في إيجابها صفة خاصة بغير المؤمنين..
أو بالمؤمنين الذين ليسوا عبادا للرحمن.
فهم ليسوا ممن يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله
إلا بالحق ولا يزنون.. على حين أن من غير المؤمنين أو الذين ليسوا عبادا للرحمن، من يتصف بهذه الصفات كلها، أو بعضها.
ثم تأتى بعد ذلك صفة متولدة من حال، يذهب غير المؤمنين بشرّها، على حين لا ينال المؤمنين سوء منها.. وتلك الصفة هي شهود مجالس الإثم واللغو.
فغير المؤمنين يعمرون هذه المجالس، ويطعمون من زادها الخبيث، والمؤمنون، عباد الرحمن.. يعطونها ظهورهم، ويصمّون عنها آذانهم..
ثم تجىء صفة سلبية، يتصف بها عباد الرحمن سلبا، على حين يتصف بها الجاهلون من المؤمنين إيجابا.. : «وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً».
فعباد الرحمن، إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخرّوا عليها صمّا وعميانا، على حين أن المؤمنين الذين لم يدخلوا في عباد الرحمن، يخرّون عليها صمّا وعميانا..
ففى صفات السلب الثلاث هذه، تعريض بغير المؤمنين أصلا، وبغير المؤمنين الذين لم يكمل إيمانهم، ولم يصبحوا أهلا لأن يكونوا من عباد الرحمن..
ثم تختم هذه الصفات الإيجابية والسلبية التي وصف بها المؤمنون- تختم بهذا الوصف الذي تسوّى به صورتهم على أحسن حال وأكمله، حتى يصبحوا قدوة للناس في الخير والإحسان- «وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً» فهم على حال من الكمال الإنسانى، بحيث يكونون فيه أئمة، يدعون الناس إلى الهدى، ويقودونهم إلى البرّ والتقوى..
وارجع البصر كرة أخرى إلى هذه الآيات، وإلى سلاسة نظمها، وتدفّق
سلسالها، وروعة بيانها، وصلصلة أنغامها، ثم استروح أنسام هذا الإعجاز الذي يطلع عليك، من هذا المنطق المحكم، الذي يستولى بسلطانه على كل نفس، وينفذ بقدرته إلى كل قلب..
فإنك إن فعلت- وخير لك أن تفعل- رجعت وملء إهابك خشوع وولاء، لآيات الله، ولكلمات الله، وكنت في هذا الموكب الكريم، الذي ينتظم عباد الرحمن، الذين إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا.. «وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً» (١٠٩: الإسراء)..
قوله تعالى: «قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً»..
وبهذه الآية تختم السورة، وهي إعلان عام للناس جميعا- مؤمنين وكافرين، مهتدين وضالين- إعلان لهم أنهم ما خلقوا إلا ليعبدوا الله، وأن من لا يعبد الله، فكأنه غير مخلوق، لأنه لم يؤدّ ما خلق له.
وعبأ بالشيء يعبأ به: إذا اهتمّ به، وعمل له حسابا.. والعبء: الحمل الثقيل، من ماديات أو معنويات..
والمعنى: أنكم أيها الناس، إنما خلقتم لتعبدوا الله، وتسبّحوا بحمده، وأن من فاتته هذه الغاية، فقد سقط من حساب المخلوقات.. فقيمتكم أيها الناس عند الله هي في عبادتكم له، واتجاه وجوهكم إليه، فى السّرّاء والضّرّاء، وأنه لولا هذا، ولولا أن فيكم مؤمنين بالله، عابدين له، لما كان لكم وزن في عالم المخلوقات.. فإذا اعتدل ميزانكم، وأقيم لكم وزن، فإنما ذلك بفضل المؤمنين منكم.
وفي تسليط حرف النفي «ما» على الفعل «يعبأ» بدلا من «لا» الذي يتسلط على الفعل المضارع، على حين يتسلط الحرف «ما» على الفعل الماضي- وذلك
للمبالغة في النفي، وإنه نفى لازم لا يتعلق بزمن، بل هو واقع في الزمان كله، ماضيه وحاضره ومستقبله، على خلاف النفي بلا الذي يقيّد النفي بالمستقبل وحده.. تقول: لا أفعل هذا الأمر، إذا كنت على نية ألا تفعله، حالا أو استقبالا، فإذا قلت: ما أفعل هذا الأمر، كان المعنى، أنه لا يليق بك، ولا ينبغى منك أن تفعله أبدا، وأنه ما كان منك فعله في الماضي، ولن تفعله حالا أو مستقبلا.. وعلى هذا جاء قوله تعالى لنبيه الكريم: «قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَما أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ» (٨٦: ص).. أي ليس لى أن أسألكم أي أجر على ما بلغتكم من رسالة ربّى في أي وقت من الأوقات.. ومنه قوله في هذه السورة- سورة الفرقان- «قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا». (٧٥)
وعلى هذا، فإن تسلط حرف النفي «ما» على الفعل «يعبأ» يعنى أن خلق الناس إنما كان لحكمة أرادها الله، وأنه لولا هذه الحكمة لما اتجهت إرادة الله سبحانه إلى خلقهم، وهذه الحكمة هي أن يعبدوه، وفي هذا يقول الله تعالى: «وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» (٥٦: الذاريات)، فخلق النّاس، وقيومة الله سبحانه وتعالى عليهم، وتسخير ما سخّر لهم، وإنعامه بما أنعم به عليهم- إنما كان ليعبدوه، ولتتجلّى فيهم آيات قدرته، وعلمه، ومن أجل هذا عبأ الله سبحانه وتعالى بهم، ونظر إليهم، وجعلهم خلقا من خلقه!!.
وقد يسأل سائل: فيقول: إن أكثر الناس لا يعبدون الله أي لا يدعونه، ولا يعترفون بوجوده، فكيف تتحقق حكمة الله من خلق الناس؟ وكيف يعبأ بهم، وهم لا يعبدونه ولا يدعونه؟.
وقد أجبنا على هذا الاعتراض من قبل، إذ قلنا: إن الذين آمنوا بالله،
وولّوا وجوههم إليه- وإن كانوا قلّة في النّاس- هم وجه الإنسانية، ومن أجلهم كانت رحمة الله بالناس جميعا.
ومن جهة أخرى، فإن الناس جميعا، مؤمنهم وكافرهم، منقادون لله، طوعا أو كرها، كما يقول سبحانه: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ» (١٥: الرعد).
وكما يقول جلّ شأنه: «وَلِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ مِنْ دابَّةٍ وَالْمَلائِكَةُ وَهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ» (٤٩: النحل).
فالناس جميعا، والخلق كلّهم، منقادون لله، خاضعون لسلطانه، مسبحون بحمده، كما يقول سبحانه: «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ» (٤٤: الإسراء).
وقوله تعالى: «فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً».
هو تهديد ووعيد للكافرين المكذبين، الذين دعوا إلى عبادة الله ليحققو الغاية من خلقهم، ولكنهم كذبوا رسول الله وأبوا أن يؤمنوا بالله، ويوجّهوا وجوههم إليه، فحقّ عليهم العذاب، ولزمهم ما قضى الله سبحانه وتعالى به في أهل الكفر والضلال.
السورة التالية
Icon