0:00
0:00

سورة الفرقان
مكية وآياتها ٧٧
بسم الله الرحمان الرحيم

قوله تعالى : ﴿ تبارك ﴾ [ الفرقان :١ ].
هو مطاوع «بارك » من البَرَكَةِ، و«بارك » فاعَل من واحد، ومعناه :زاد، و«تبارك » :فعل مُخْتَصٌّ باللّه تعالى، لم يُسْتَعْمَلْ في غيره، وهو صفة فعل أي :كَثُرَت بركاته، ومن جملتها :إنزال كتابه الذي هو الفُرْقَانُ بين الحَقِّ والباطل، والضمير في قوله : ﴿ لِيَكُونَ ﴾.
قال ابن زيد :هو لمحمد صلى الله عليه وسلم وهو عبده المذكور، ويُحْتَمَلُ أن يكون للفرقان.
وقوله : ﴿ وَخَلَق كُلَّ شَيْءٍ ﴾ [ الفرقان :٢ ].
عامٌّ في كل مخلوق، ثم عَقَّبَ تعالى بالطعن على قريش في اتخاذهم آلهة ليست لها صفاتُ الألوهِيَّةِ والنشور، بعث الناس من القبور.
﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُوا ﴾ [ الفرقان :٤ ] يعني :قريشاً ﴿ إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه ﴾ محمد، ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ تقدمت الإشارة إلى ذلك في سورة النحل، ثم أكذبهم اللّه تعالى، وأخبر أَنَّهم ما جاؤوا إلاَّ إثماً وزوراً، أي :ما قالوا إلاَّ باطلاً وبُهْتَاناً.
قال البخاريُّ : ﴿ تملى عَلَيْهِ ﴾ [ الفرقان :٥ ] تقرأ عليه من أمليت وأمللت، انتهى.
ثم أمر تعالى نَبِيُّه عليه السلام أنْ يقول :إنَّ الذي أنزله هو الذي يعلم سِرَّ جميع الأشياء التي في السموات والأرض، وعبارة الشيخ العارف باللّه، سيدي عبد اللّه بن أبي جمرة ( رضي اللّه عنه )، ولما كان المرادُ مِنَّا بمُقْتَضَى الحكمة الرَّبَانِيَّةِ العبادَةُ ودوامُهَا، ولذلك خُلِقْنَاكما ذكر مولانا سبحانه في الآية الكريمة، يعني : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ الآية [ الذاريات :٥٦ ].
وهو عز وجل غَنِيٌّ عن عبادتنا وعن كل شيء لكن الحكمة اقتضته لأَمرٍ لا يعلمه إلاَّ هو كما قال اللّه عز وجل : ﴿ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض ﴾ [ الفرقان :٦ ] أي :الذي يعلم الحكمةَ في خلقها وكذلك في خَلْقِنَا وخَلْقِ جميعِ المخلوقات، انتهى.
﴿ وَقَالُوا مَّالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام ﴾ [ الفرقان :٧ ] المعنى عندهم :أَنَّ مَنْ كان رسولاً فهو مُسْتَغْنٍ عن الأكل والمشي في الأسواق، ومُحَاجَّتُهُمْ بهذا مذكورة في السِّيَرِ.
ثم أَخبر تعالى عن كفَّارِ قريش، وهم الظالمون المشار إليهم، أَنَّهم قالوا : ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً ﴾ أي :قد سُحِرَ،
ثُمَّ نَبَّهَ تعالى نِبَيَّهُ مُسَلِّياً له عن مقالتهم فقال : ﴿ انظر كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمثال ﴾ [ الفرقان :٩ ].
و﴿ قصورا ﴾ [ الفرقان :١٠ ]. التي في هذه الآية تَأَوَّلَهَا الثعلبيُّ وغيره أَنَّها في الدنيا، والقصور هي البيوتُ المبنية بالجدرات، لأَنَّها قصرت عن الداخلين والمستأذنين. وباقي الآية بَيِّنٌ.
والضمير في ﴿ رَأَتْهُم ﴾ لجهنم [ الفرقان :١٢ ] لجهنم.
وقوله سبحانه : ﴿ قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد ﴾ [ الفرقان :١٥ ]. المعنى :قل يا محمدُ لهؤلاء الكفرة الصائرين إلى هذه الأحوال من النار ﴿ أذلك خير أم جَنَّةُ الخلد ﴾ وهذا استفهام على جِهَةِ التوقيف والتوبيخ لأَنَّ الموقِفَ جائز له أنْ يُوقِفَ مُحَاوِرَهُ على ما شاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطأ.
وقوله تعالى : «وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ » [ الفرقان :١٧ ].
يعني الكفار، ﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله ﴾ يريد كل شيء عُبِدَ من دون اللّه، وقرأ ابن عامر : «فَنَقُولُ » بالنون، قال جمهور المفسرين :والموقف المجيب كل من ظلم بأن عُبِدَ مِمَّنْ يعقل كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، وقال الضَّحَّاكُ وعِكْرِمَةُ :الموقف المجيب :الأصنام التي لا تَعْقِلُ يقدرها اللّه تعالى على هذه المقالة، ويجيء خزيَ الكفرة لذلك أبلغ.
وقرأ الجمهور : «نَتَّخِذَ » [ الفرقان :١٨ ].
بفتح النون، وذهبوا بالمعنى إلى أَنَّه مِنْ قول مَنْ يَعْقِلُ وأَنَّ هذه الآية بمعنى التي في سورة سبأ : ﴿ وَيَوْمَ يحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ نَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ ﴾ الآية [ سبأ :٤٠ ]. وكقول عيسى : ﴿ مَا قُلتُ لَهُمْ إلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ ﴾ [ المائدة :١١٧ ]، وقولهم : ﴿ حتى نَسُوا الذكر ﴾ [ الفرقان :١٨ ] أي :ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء عليهم السلام، وقرأ زيد بن ثابت وجماعة : «نُتَّخَذَ » بضم النون.
وقوله تعالى : ﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ ﴾ [ الفرقان :١٩ ] خطابٌ من اللّه تعالى للكفرة، أخبرهم أنَّ مَعْبُودَاتِهم كذبتهم، وفي هذا الإخبار خِزْيٌ وتَوْبِيخٌ لهم، وقرأ حفص عن عاصم : «فَمَا تَسْتَطِيعُونَ » بالتاء من فوق ؛ قال مجاهد :الضمير في «يستطيعون » هو للمشركين، و﴿ صرفاً ﴾ معناه رَدُّ التكذيب أو العذاب.
وقوله تعالى : ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ ﴾ قيل :هو خطاب للكُفَّارِ، وقيل :للمؤمنين، والظلم هنا :الشِّرْكُ، قاله الحسن وغيره، وقد يحتمل أنْ يعم غيرَه من المعاصي، وفي حرف أُبَيِّ : «وَمَنْ يَكْذِبْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً ».
وقوله تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين ﴾ [ الفرقان :٢٠ ].
رَدٌّ على قريش في قولهم : ﴿ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق ﴾ [ الفرقان :٧ ].
ثم أخبر عز وجل أَنَّ السبب في ذلك أَنَّه جعل بعض عَبيدَهُ فتنةً لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، والتوقيف ب﴿ تَصْبِرُونَ ﴾ خَاصٌّ بالمُؤمنين المحققين، قال ابن العربي في «الأحكام » :( ولما كثر الباطل في الأسواق، وظهرت فيه المناكر كَرِهَ علماؤُنا دخولَها لأرباب الفضل والمُقْتَدَى يهم في الدِّينِ تنزيهاً لهم عن البقاع التي يُعْصَى اللّه تعالى فيها ) انتهى.
ثم أعرب قوله تعالى : ﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً ﴾ عن الوعد للصابرين والوعيد للعاصين وعن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنَّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال :( مَنْ دَخَلَ السُّوقَ، فَقَالَ :لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ، لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللّهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَرَفَعَ لَهُ أَلْفَ أَلْفَ دَرَجَةٍ ) رواه الترمذيُّ وابن ماجه، وهذا لفظ الترمذي، وزاد في رواية أخرى : «وَبَنَى لَهُ بَيْتاً فِي الجَنَّةِ » ورواه الحاكم في «المستدرك » من عدة طرق، انتهى من «السلاح ».
وقوله تعالى : ﴿ وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ [ الفرقان :٢١ ].
الرجاء هنا على بابه، وقيل :هو بمعنى الخوف، ولمَا تَمَنَّتْ كُفَّارُ قريش رؤيةَ رَبِّهِمْ أخبر تعالى عنهم أَنَّهُم عَظَّمُوا أَنفسهم، وسألوا ما ليسوا له بأهل.
( ص ) ﴿ لَقَدْ ﴾ جواب قَسَمٍ محذوف، انتهى.
والضمير في قوله : ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ [ الفرقان :٢٢ ].
قال مجاهد، وغيرُه :هو للملائكة، والمعنى :يقول الملائكة للمجرمين :حِجْراً محجوراً عليكم البُشْرَى، أي :حراماً مُحَرَّماً، والحِجْرُ :الحرامُ، وقال مجاهد أيضاً وابن جريج :الضمير للكافرين المجرمين، قال ابن جريج :كانت العرب إذا كرهوا شيئاً، قالوا :حِجْراً، قال مجاهد :عوذاً يستعيذون من الملائكة.
قال ( ع ) :ويحتمل أنْ يكونَ المعنى :ويقولون حرام مُحَرَّمٌ علينا العَفْوُ، وقد ذكر أبو عبيدة أنَّ هاتين اللفظتين عوذة للعرب يقولها مَنْ خاف آخَرَ في الحَرَمِ، أو في شهرٍ حرامٍ إذا لقيه وبينهما تِرَةٌ، قال الداودِيُّ :
وعن مجاهد : ﴿ وقدمنا ﴾ أي :عمدنا، انتهى.
قال ( ع ) : ﴿ وقدمنا ﴾ [ الفرقان :٢٣ ].
أي :قصد حكمنا وإنفاذنا ونحو هذا من الألفاظ اللائقة، ومعنى الآية :وقصدنا إلى أعمالهم التي لا تَزِنُ شَيْئاً فصيرناها هباءً، أي :شَيْئاً لا تحصيلَ له، والهباء :ما يتطايرُ في الهواء من الأجزاء الدقيقة ولا يكادُ يَرى إلاَّ في الشمس، قاله ابن عباس وغيره، ومعنى هذه الآية :جعلنا أَعمالهم لا حُكْمَ لها ولا منزلة، ووصف تعالى الهباء في هذه الآية بمنثور، ووصفه في غيرها بمُنْبَثٍّ فقالت فرقة :هما سواء، وقالت فرقة :المُنْبَثُّ :أرَقُّ وأَدَقُّ من المنثورِ، لأَنَّ المنثورَ يقتضي أَنَّ غيره نَثَرَهُ، والمُنْبَثَّ كأنه انبثَّ من دِقَّتِهِ.
وقوله تعالى : ﴿ وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ﴾ [ الفرقان :٢٤ ].
ذهب ابن عباس والنَّخَعِيُّ وابن جريج :إلى أَن حساب الخلق يَكْمُلُ في وقت ارتفاع النهار، وَيَقِيلُ أهلُ الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فالمقيل :القائلة.
قال ( ع ) :ويُحْتَمَلُ أَنَّ اللفظة إنَّما تضمنت تفضيلَ الجَنَّةِ جُمْلَةً، وحُسْنَ هوائها ؛ فالعرب تفضِّل البلادَ بحُسنِ المقيل لأَنَّ وقت القائلة يُبْدِي فسادَ هواء البلاد، فإذا كان بلد في وقت فساد الهواء حسناً حاز الفضل، وعلى ذلك شواهد.
﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السماء ﴾ [ الفرقان :٢٥ ].
يريد :يومَ القيامة.
( ص ) : ﴿ بالغمام ﴾ الباء :للحال، أي :متغيمة، أو للسبب، أو بمعنى «عن »، انتهى.
وفي قوله تعالى : ﴿ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً ﴾ [ الفرقان :٢٦ ]. دليل على أَنَّهُ سهل على المؤمنين، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قال :( إنَّ اللّهَ لَيُهَوِّنُ يَوْمَ القِيَامَةِ عَلَى المُؤْمِنِ، حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهِ أَخَفَّ مِنْ صَلاَةٍ مَكْتُوبَةٍ صَلاَّهَا فِي الدُّنْيَا ).
وعضُّ اليدين هو فعل النادم، قال ابن عباس وجماعةٌ من المفسرين : ﴿ الظالم ﴾ [ الفرقان :٢٧ ].
في هذه الآية عُقْبَةُ بْنُ أبي معِيطٍ وذلك أَنَّهُ كان أسلم أو جَنَحَ إلى الإسلام، وكان أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يومَ أُحُدٍ خليلاً لعُقْبَةَ، فنهاه عن الإسلام، فَقَبِلَ نَهْيَهُ فنزلت الآية فيهما، فالظالم :عقبة، و﴿ فُلاَناً ﴾ أُبيُّ، قال السُّهَيْلِيُّ :وَكَنَّى سبحانه عن هذا الظالم ولم يُصَرَّحْ باسمه ليكون هذا الوعيدُ غيرَ مخصوصٍ به ولا مقصور عليه بل يتناول جميعَ مَنْ فعل مثل فعله، انتهى.
وقال مجاهد وغيره : ﴿ الظالم ﴾ عام، اسم جنس، وهذا هو الظاهر، وأَنَّ مقصد الآية تعظيمُ يوم القيامة وذِكْرُ هوْله بأَنَّهُ يوم تندم فيه الظَّلَمَةُ، وتتمنَّى أَنَّها لم تُطِعْ في دنياها أخِلاَّءَهَا. والسبيل المُتَمَنَّاةُ :هي طريق الآخرة، وفي هذه الآية لكل ذي نُهْيَةٍ تنبيهٌ على تجنب قرين السوء، والأحاديث والحكم في هذا الباب كثيرة مشهورة.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٧: وعضُّ اليدين هو فعل النادم، قال ابن عباس وجماعةٌ من المفسرين : ﴿ الظالم ﴾ [ الفرقان :٢٧ ].
في هذه الآية عُقْبَةُ بْنُ أبي معِيطٍ وذلك أَنَّهُ كان أسلم أو جَنَحَ إلى الإسلام، وكان أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده يومَ أُحُدٍ خليلاً لعُقْبَةَ، فنهاه عن الإسلام، فَقَبِلَ نَهْيَهُ فنزلت الآية فيهما، فالظالم :عقبة، و﴿ فُلاَناً ﴾ أُبيُّ، قال السُّهَيْلِيُّ :وَكَنَّى سبحانه عن هذا الظالم ولم يُصَرَّحْ باسمه ليكون هذا الوعيدُ غيرَ مخصوصٍ به ولا مقصور عليه بل يتناول جميعَ مَنْ فعل مثل فعله، انتهى.
وقال مجاهد وغيره : ﴿ الظالم ﴾ عام، اسم جنس، وهذا هو الظاهر، وأَنَّ مقصد الآية تعظيمُ يوم القيامة وذِكْرُ هوْله بأَنَّهُ يوم تندم فيه الظَّلَمَةُ، وتتمنَّى أَنَّها لم تُطِعْ في دنياها أخِلاَّءَهَا. والسبيل المُتَمَنَّاةُ :هي طريق الآخرة، وفي هذه الآية لكل ذي نُهْيَةٍ تنبيهٌ على تجنب قرين السوء، والأحاديث والحكم في هذا الباب كثيرة مشهورة.

و ﴿ الذكر ﴾ [ الفرقان :٢٩ ].
ما ذَكر الإنسانَ أمر آخرته من قرآن، أو موعظة ونحوه.
﴿ وَكَانَ الشيطان للإنسان خَذُولاً ﴾ يحتمل :أَنْ يكونَ من قول الظالم، ويحتمل :أنْ يكون ابتداءَ إخبارٍ من اللّه عز وجل على وجه التحذير من الشيطان الذي بَلَّغهم ذلك المبلغ.
وقوله تعالى : ﴿ وَقَالَ الرسول ﴾ [ الفرقان :٣٠ ].
حكاية عن قول رسول اللّه، صلى الله عليه وسلم، في الدنيا وتشكيهِ ما يَلْقَى من قومه. هذا قول الجمهور، وهو الظاهر، وقالت فرقة :هو حكاية عن قوله ذلك في الآخرة. و﴿ مَهْجُوراً ﴾ يحتمل :أَنْ يريدَ مُبْعَداً مقصيّاً من الهَجْر بفتح الهاء، وهذا قول ابن زيد، ويحْتَمَلُ :أَنْ يريدَ مقولاً فيه الهُجْرُ بضم الهاء إشارة إلى قولهم :شعر وكهانة ونحوه ؛ قاله مجاهد.
قال ( ع ) :وقول ابن زيد مُنَبِّهٌ للمؤمن على مُلازمة المُصْحَفِ، وأَن لا يكون الغبارُ يعلوه في البيوت، ويشتغلَ بغيره. وروى أنس عن النبي، صلى الله عليه وسلمن أنه قال :( مَنْ عَلَّقَ مُصْحَفاً، ولَمْ يَتَعَاهَدْهُ جَاءَ يَوْمَ القِيَامَةِ مُتَعَلِّقاً بِهِ يَقُولُ :يَا ربِّ، هَذَا اتَّخَذَنِي مَهْجُوراً اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ). وفي حلية النووي، قال :وروينا في سنن أبي داود ومُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ عن سعد بن عُبَادَةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال :( مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ، لَقِيَ اللّه تعالى يَوْمَ القِيَامَةِ أَجْذَمَ )، وروينا في كتاب أبي دَاودَ والترمذيِّ عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :( عُرِضَتْ عَلَيَّ أُجُورُ أُمَّتِي حَتَّى القَذَاةِ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ المَسْجِدِ، وعُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْباً أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ أَو آيَةٍ أُوتِيها رَجُلٌ ثم نَسِيَهَا ) تكلم الترمذي فيه. انتهى.
ثم سَلاَّه تعالى عن فعل قومه بقوله : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً مِّنَ المجرمين ﴾ [ الفرقان :٣١ ].
أي :فاصبر كما صبروا. قاله ابن عباس، ثم وعد تعالى بقوله : ﴿ وكفى بِرَبِّكَ هَادِياً وَنَصِيراً ﴾ والباء في ﴿ بِرَبِّكَ ﴾ :للتأكيد دَالَّةٌ على الأمر إذ المعنى :اكتفِ بربك.
﴿ وَقَالَ الذين كَفَرُوا لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً ﴾ [ الفرقان :٣٢ ].
قال ابن عباس وغيره :قالوا في بعض معارضاتهم :لو كان من عند اللّه لنزل جُمْلَةً كالتوراة والإنجيل.
وقوله : ﴿ كذلك ﴾ يحتمل أَنْ يكونَ من قول الكُفَّارِ إشارةً إلى التوراة والإنجيل، ويحتمل أَنْ يكون من الكلام المستأنف وهو أولى، ومعناه :كما نُزِّل أردناه، فالإشارة إلى نزوله مُتَفَرِّقاً، والترتيل :التفريق بين الشيء المتتابع، ومنه تَرْتِيلُ القرآن، وجعل اللّه تعالى السبب في نزوله متفرقاً تثبيتَ قلب نَبِيِّهِ محمد صلى الله عليه وسلم وأَنْ ينزله في النوازل والحوادث التي قد قَدَّرَهَا وَقَدَّرَ نزوله فيها.
وأَنَّ هؤلاءِ الكفرة لا يجيئون ﴿ بمثل ﴾ [ الفرقان :٣٣ ]. يضربونه على جهة المعارضة منهم إلاَّ جاء القرآن بالحَقِّ في ذلك والجلية، ثم هو ﴿ وأحسن تفسيراً ﴾، وأفصح بياناً، وباقي الآية بَيِّنٌ تقدم تفسير نظيره.
والجمهور :أَنَّ هذا المشي على الوجوه حقيقة، وقد جاء كذلك في الحديث، وقد تقدَّمَ ولفظ البخاريِّ عن أنس رضي اللّه عنه :( أَنَّ رَجُلاَّ قَالَ :يَا نَبِيَّ اللّه، أَيُحْشَرُ الكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قال :( أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ في الدُّنْيَا قَادِراً عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ ) قال قتادة :بلى وَعِزَّةِ رَبِّنَا. انتهى.
وقوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب ﴾ [ الفرقان :٣٥ ].
الآيات تنبيه لكفار قريشٍ، وَتَوَعَّدٌ أَنْ يَحِلَّ بِهِم ما حَلَّ بهؤلاء المُعَذَّبين.
قال قتادة :أصحاب الرَّسِّ، وأَصحابُ الأيْكَةِ :قومانِ أُرْسِلَ إليهِما شُعَيْبٌ، وقاله وهب بن منبه، وقيل غير هذا.
وقوله تعالى : ﴿ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلك كَثِيراً ﴾ [ الفرقان :٣٨ ] إبهام لاَ يَعْلَمُ حقيقتَه إلاَّ اللّهُ عز وجل.
والتَّبَارُ :الهلاك.
و﴿ القرية التي أُمْطِرَت مَطَرَ السوء ﴾ [ الفرقان :٤٠ ].
هي : «سدُوم » مدينة قوم لوط، وما لم نذكر تفسيره قد تقدم بيانه للفاهم المتيقظ.
ثم ذكر سبحانه أَنَّهُم إذا رأوا محمداً عليه السلام، قالوا على جهة الاستهزاء : ﴿ أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً ﴾ [ الفرقان :٤١ ].
قال ( ص ) : ﴿ إِن يَتَّخِذُونَكَ ﴾ [ الفرقان :٤١ ].
إنْ نافية، جوابُ «إذا »، انتهى. ثم أنس اللّه تعالى نَبِيَّه بقوله : ﴿ أَرَأيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ ﴾ [ الفرقان :٤٣ ].
المعنى :لا تتأسف عليهم ومعنى ﴿ اتخذ إلهه هواه ﴾ أي :جعل هواه مطاع فصار كالإله.
﴿ إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام ﴾ [ الفرقان :٤٤ ] أي :بل هم كالأنعام.
( ت ) :وعبارة الواحدي : ﴿ إِن هُم ﴾ أي :ما هم إلاَّ كالأنعام انتهى.
وقوله سبحانه : ﴿ أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل ﴾ [ الفرقان :٤٥ ].
مَدُّ الظل بإطلاقٍ :هو ما بين أول الإسفار إلى بُزُوغ الشمس، ومن بعد مغيبها أيضاً وقتاً يسيراً فإنَّ في هذين الوقتين على الأَرض كُلِّها ظِلاًّ ممدوداً.
﴿ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً ﴾ أي :ثابتاً غيرَ متحرك ولا منسوخ، لكنه جعل الشمس ونسخها إيَّاه، وطردها له من موضع إلى موضع دليلاً عليه مُبَيِّناً لوجوده ولوجه العبرة فيه. وحكى الطبريّ أَنَّه :لولا الشمسُ لم يُعْلَمْ أَنَّ الظل شيء، إذِ الأشياء إنَّما تُعْرَفُ بأضدادها.
وقوله تعالى : ﴿ قَبْضاً يَسِيراً ﴾ [ الفرقان :٤٦ ].
يحتمل أَنْ يريد، لطيفاً، أي :شيئاً بعدَ شيءٍ، لا في مرة واحدة.
قال الداوُديُّ :قال الضَّحَّاكُ : ﴿ قَبْضاً يَسِيراً ﴾ يعني :الظِّلَّ إذا علته الشمسُ انتهى.
قال الطبريُّ :ووصف الليل باللباس من حيث يستُر الأَشياء ويغشاها، والسبات :ضرب من الإِغماء يعترى اليقظانَ مرضاً، فشُبِّهَ النوم به، والنشور هنا :الإحياء، شبَّهَ اليقظةَ به، ويحتمل أَنْ يريد بالنشور وقتَ انتشار وتفرق.
و﴿ أناسِيَّ ﴾ [ الفرقان :٤٩ ] قيل هو جمع إنسان، والياء المُشَدَّدَةُ بدل من النون في الواحد، قاله سيبويه، وقال المُبَرِّدُ :هو جمع أنسي.
والضمير في ﴿ صَرَّفْنَاهُ ﴾ [ الفرقان :٥٠ ] عائد على القرآن وإن لم يتقدم له ذكر، ويَعْضُدُ ذلك قوله : ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً ﴾ [ الفرقان :٥٢ ].
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٠: والضمير في ﴿ صَرَّفْنَاهُ ﴾ [ الفرقان :٥٠ ] عائد على القرآن وإن لم يتقدم له ذكر، ويَعْضُدُ ذلك قوله : ﴿ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبيراً ﴾ [ الفرقان :٥٢ ].
وقوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهذا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ [ الفرقان :٥٣ ]. مَرَجَ معناه :خَلَطَ.
قال ( ع ) :والذي أقول به في معنى هذه الآية :أَنَّ المقصود به التنبيهُ على قدرة اللّه تعالى في أنَّ بَثَّ في الأرض مياهاً عذبة كثيرة، جعلها خلال الأُجَاجِ، وجعل الأُجَاجَ خلالها، كما هو مَرْئِيٌّ تجدُ البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضَفَّتِهِ، وتجد الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأُجاج، وكُلٌّ باقٍ على حاله ومطعمه فالبحران :يراد بهما جميعُ الماء العذب، وجميع الماء الأجاجُ، والبرزخ والحجر هو ما بين البحرين من الأرض واليبس، قاله الحسن، ، والفرات :الصافي اللذيذُ المطعم، والأُجَاجُ أبلغ ما يكون من الملوحة.
وقوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ الماء بَشَراً ﴾ [ الفرقان :٥٤ ].
تعديدُ نِعَمٍ على الناس، والنسب :هو أنْ يجتمع إنسان مع آخر في أب أو أمٍّ، والصِّهْرُ هوَ تَوَاشُجِ المناكحة، فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم الأحماء، والأصهار يقع عاماً لذلك كله.
وقوله تعالى : ﴿ وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً ﴾ [ الفرقان :٥٥ ].
أي :مُعِيناً يعينون على رَبِّهم غيرهم من الكفرة بطاعتهم للشيطان، وهذا تأويل مجاهد وغيره، والكافر هنا اسم جنس، وقال ابن عباس :هو أبو جهل.
قال ( ع ) فشْبِهُ أَنَّ أبا جهل هو سبب الآية، ولكنَّ اللفظ عام للجنس كله.
( ت ) :والمعنى :على دِينِ رَبِّه ظهيراً.
وقوله تعالى : ﴿ إِلاَّ مَن شَاءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً ﴾ [ الفرقان :٥٧ ].
الظاهر فيه :أنَّه استثناءٌ مُنْقَطِعٌ، والمعنى :لكن مسؤولي ومطلوبي مَنْ شاء أَنْ يهتدي ويؤمن، ويتخذ إلى رحمة ربه طريقَ نجاة.
وقوله سبحانه : ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ ﴾ [ الفرقان :٥٧ ].
قال القشيريُّ في «التحبير » :وإذا عَلِمَ العبدُ أَنَّ مولاه حَيٌّ لا يموت، صَحَّ تَوَكُّلُهُ عليه، قال تعالى : ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ ﴾ قيل :إنَّ رجلاً كتب إلى آخر أَنَّ صديقي فلاناً قد مات، فَمِنْ كَثَرَةِ ما بكيت عليه ذَهَبَ بَصَرِي، فكتب إليه :الذَّنْبُ لك حين أحببتَ الحيَّ الذي يموت، فهلا أحببت الحيَّ الذي لا يموت حتى لا تحتاج إلى البكاء عليه انتهى.
وعن أبي هريرة قال :قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :( ما كَرَبَنِي أَمْرٌ إلاَّ تَمَثَّلَ لِي جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ، قُلْ :تَوَكَّلْتُ عَلَى الحَيِّ الَّذِي لاَ يَمُوتُ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ، وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً ) رواه الحاكم في «المستدرك » وقال :صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح ».
وقوله تعالى : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ أي :قل :سبحان اللّه وبحمده أي :تنزيهه واجب وبحمده أقول، وصَحَّ عنه صلى الله عليه وسلم أَنَّه قال :( مَنْ قَالَ فِي كُلِّ يَوْمٍ سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ مائَةَ مَرَّةٍ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ ) فهذا معنى قوله : ﴿ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ ﴾ وهي إحدى الكلمتين الخفيفتين على اللسان الثقيلتين في الميزان، الحديث في البخاري وغيره.
( ت ) :وعن جُوَيْرِيَّةَ رضي اللّه عنها أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم خَرَجَ مِنْ عِنْدِهَا بُكْرَةً حِينَ صَلَّى الصُّبْحَ، وَهِيَ فِي مَسْجِدِهَا، ثُمَّ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ أَضْحَى وَهِيَ جَالِسَةٌ فَقَالَ :( مَا زِلْتِ عَلَى الحَالِ الَّتِي فَارَقْتُكِ عَلَيْهَا ؟ قَالَتْ :نعم، قَال النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( لَقَدْ قُلْتُ بَعْدَكِ أَرْبَعَ كَلِمَاتٍ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، لَوْ وُزِنَتْ بِمَا قُلْتُ مُنْذُ الْيَوْمَ لَوَزَنْتُهِنَّ :سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ ) رواه الجماعة إلاَّ البخاريَّ، زاد النسائي في آخره : «وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَذَلِكَ » وفي رواية له :( سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ، وَلاَ إلَهَ إلاَّ اللّهُ، وَاللَّهُ أكْبَرُ عَدَدَ خَلْقِهِ وَرِضَا نَفْسِهِ وَزِنَةَ عَرْشِهِ وَمِدَادَ كَلِمَاتِهِ » انتهى من «السلاح ».
وقوله سبحانه : ﴿ وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً ﴾ :وعيدٌ بَيِّنٌ.
وقوله تعالى : «الرحمن » [ الفرقان :٥٩ ].
يحتمل أنْ يكون :رفعه بإضمار مبتدأ، أي :هو الرحمن، ويحتمل أنْ يكونَ :بَدَلاً من الضمير في قوله : ﴿ استوى ﴾.
وقوله : ﴿ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ﴾ فيه تأويلان :أحدهما :فاسأل عنه خبيراً والمعنى :اسأل جبريلَ والعلماء وأهل الكتاب، والثاني :أنْ يكون المعنى كما تقول :لو لقيت فلاناً لقيتَ له البحرَ كرماً، أي :لقيتَ منه، والمعنى :فاسأل اللّهَ عن كل أمر، وقال عِيَاضٌ في «الشِّفَا » قال القاضي أبو بكر بن العلاء :المأمور بالسؤال غيرُ النبي صلى الله عليه وسلم والمسؤول الخبير هو النبي صلى الله عليه وسلم انتهى.
قال أبو حيان :والظاهر تعلق به ﴿ فاسأل ﴾ وبقاء الباء على بابها، و﴿ خبيراً ﴾ من صفاته تعالى، نحو :لَقِيتُ بِزَيْدٍ أَسَداً، أي :أَنَّهُ الأَسَدُ شجاعةً، والمعنى :فاسألِ اللّهَ الخبيرَ بالأَشياءِ، انتهى.
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن قَالُوا وَمَا الرحمن ﴾ [ الفرقان :٦٠ ]. يعني أَنَّ كفار قريش قالوا :ما نعرف الرحمن إلاَّ رحمن اليمامة، وهو مُسَيْلَمَةَ الكَذَّابَ، وكان مُسَيْلَمَةُ تَسَمَّى بالرحمن.
﴿ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ ﴾ هذا اللفظُ ﴿ نُفُوراً ﴾.
والبروج هي التي عَلِمْتَها العرب، وهي المشهورة عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات، وكل برج منها على منزلتين وثلث من منازل القمر التي ذكرها اللّه تعالى في قوله : ﴿ والقمر قدرناه مَنَازِلَ ﴾ [ يس :٣٩ ].
﴿ وَهُوَ الذي جَعَلَ الليل والنهار خِلْفِةً ﴾ [ الفرقان :٦٢ ].
أي :هذا يَخْلُفُ هذا، وهذا يخلف هذا، قال مجاهد وغيره : ﴿ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ﴾ أي :يعتبر بالمصنوعات ويشكرَ اللّه تعالى على آلائه، وقال عمر وابن عباس والحسن :معناه :لمن أراد أَنْ يَذْكُرَ ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه، وقرأ حمزة وحده : «يذْكُرُ » بسكون الذال وضم الكاف، ثم لما قال تعالى : ﴿ لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُوراً ﴾ جاء بصفات عباده الذين هم أهل التذكرة والشكور.
وقوله : ﴿ الذين يَمْشُونَ ﴾ [ الفرقان :٦٣ ] خبر مبتدأ، والمعنى :وعباده حَقُّ عباده هم الذين يمشون.
وقوله : ﴿ يَمْشُونَ عَلَى الأرض ﴾ عبارة عن عيشهم ومُدَّةِ حياتهم وَتَصَرُّفَاتِهم، و﴿ هَوناً ﴾ بمعنى أَنَّ أمرهم كله هَيِّنُ، أي :ليِّنٌ حسن، قال مجاهد :بالحلم والوقار، وقال ابن عباس بالطاعة والعَفَاف والتواضع، وقال الحسن :حُلَمَاءُ، إنْ جُهلَ عليهم لم يجهلوا.
قال الثعلبيُّ :قال الحسن :يمشون حلماء علماء مثلَ الأنبياء، لا يؤذون الذَّرَّ في سكونٍ وتواضع وخشوع، وهو ضدُّ المُخْتَالُ الفخور الذي يختال في مشيه، اه.
قال عياض في صفة نَبِيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم :( يخطو تكفُّؤاً، ويمشي هوناً، كأنَّما ينحطُّ من صبب ) انتهى من «الشفا ».
قال أبو حيان : ﴿ هَوناً ﴾ :نعت لمصدر محذوف، أي :مشياً هوناً، أول حال، أي :هَيِّنِينَ، انتهى، وروى الترمذيُّ عن ابن مسعود أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :( أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِمَنْ يَحْرُمُ عَلَى النَّارِ أَوْ بِمَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّارُ ؟ على كُلِّ قَرِيبٍ، هَيِّنٍ، سَهْلٍ )، قال أَبو عيسى :هذا حديث حسن، انتهى.
﴿ وَإِذا خَاطَبَهُمُ الجاهلون قَالُوا سلاما ﴾ العامل في ﴿ سلاماً ﴾ ﴿ قالوا ﴾، والمعنى :قالوا هذا اللفظ، وقال مجاهد :معنى ﴿ سلاماً ﴾ :قولاً سداداً، أي :يقول للجاهل كلاماً يدفعه به برفقٍ ولينٍ، وهذه الآية كانت قبل آية السيف فَنُسِخَ منها ما يَخُصُّ الكَفَرَةَ، وَبَقِيَ أَدبها في المسلمين إلى يوم القيامة، قال صاحب «الحكم الفارقية » :إذا نازعك إنسان فلا تجبه فإنَّ الكلمة الأولى أُنْثَى واجباتُها فحلها، فإنْ أمسكت عنها بترتها وقطعت نسلها، وإنْ أجبتها ألقحتها، فكم من نسل مذمومٍ يتولد بينهما في ساعة واحدة، انتهى.
﴿ والذين يِبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وقياما ﴾ [ الفرقان :٦٤ ].
هذه آية فيها تحريض على قيام الليل بالصلاة، قال الحسن :لما فرغ من وصف نهارهم، وَصَفَ في هذه ليلهم.
و﴿ غَرَاماً ﴾ [ الفرقان :٦٥ ] معناه :ملازماً ثقيلاً.
و﴿ مُقَاماً ﴾ [ الفرقان :٦٦ ] من الإقامة، وعن أنس بن مالك قال :قال رسولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم، ( مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الجنة ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، قَالتِ الجَنَّةُ :اللَّهُمَّ، أَدْخِلْهُ الجَنَّةَ، وَمَن استجار مِنَ النَّارِ ثَلاَث مَرَّاتٍ، قَالتِ النَّارُ :اللَّهُمْ أَجْرِهُ مِنَ النَّار ) رواه أبو داود، والنسائي وابن ماجه، وابن حِبَّانَ في «صحيحه » بلفظ واحد، ورواه الحاكم في «المستدرك »، وقال :صحيح الإسناد، انتهى من «السلاح ».
وقوله سبحانه : ﴿ والذين إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ﴾ [ الفرقان :٦٧ ]. عبارة أكثر المفسرين أَنَّ الذي لا يُسْرِفُ هو المُنْفِقُ في الطاعة وإنْ أفرط، والمُسْرِفَ هو المُنْفِقُ في المعصية وإنْ قَلَّ إنفاقهُ، وإنَّ الْمُقتِرَ هو الذي يمنع حَقّاً عليه وهذا قول ابن عباس وغيره، والوجه أَنْ يقال :إنَّ النفقة في المعصية أمر قد حَظَرَتِ الشريعةُ قليلَه وكثيره، وهؤلاءِ الموصوفون مُنَزَّهُونَ عن ذلك، وإنَّما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات والمُبَاحَاتِ، فأدب الشريعة فيها إلاَّ يفرط الإنسانِ حتى يُضَيِّعَ حَقّاً آخر أو عيالاً ونحوَ هذا، أَلاَّ يُضَيِّقَ أَيضاً ويقتر حتى يجيع العيالَ ويفرط في الشُّحِّ، والحَسَنُ في ذلك هو القوام، أي :المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله، وخير الأمور أوساطها ولهذا ترك النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أبا بكْرٍ الصِّدِّيقَ يَتَصَدَّقُ بِجَمِيعِ مَالِهِ ؛ لأَنَّ ذلك وَسَطٌ بنسبة جَلَدِهِ وَصَبْرِهِ في الدِّينِ، ومنع غيره من ذلك، قال عبد الملك بن مروان لعمرَ بن عبد العزيز حين زَوَّجَه ابنته فاطمة :( مَا نَفَقَتُكَ ؟ فقال له عمر :الحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، ثم تلا الآية )، وقال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه كفى بالمرء سَرَفاً أَلاَّ يشتهيَ شيئاً إلاَّ اشتراه فَأَكَلَهُ. و﴿ قَوَاماً ﴾ :خبر ﴿ كَانَ ﴾ واسمها مُقَدَّرٌ، أي :الإنفاق.
﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ ﴾ [ الفرقان :٦٨ ].
في نحو هذه الآية قَال اْبنُ مَسْعودٍ :( قَلْتُ يَوْماً :يا رَسُولَ اللّهِ، أيُّ الذَّنْبِ أَعْظمُ ؟ قال :( أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ، قْلتُ :ثُمَّ أَي قال :أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ، خَشْيَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ :قُلْتُ :ثُمَّ أَيٌّ ؟ قَالَ :أَنْ تَزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ ) ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللّه صلى الله عليه وسلم هذه الآية والآثام في كلام العرب :العِقَابُ، وبه فَسَّرَ ابن زيد وقتادة هذه الآية.
قال ( ع ) : ﴿ يضاعف ﴾ [ الفرقان :٦٩ ].
بالجزم بدل من ﴿ يَلْقَ ﴾ قال سيبويه :مضاعفة العذاب هو لقي الآثام.
وقوله تعالى : ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ ﴾ [ الفرقان :٧٠ ].
لا خلاف بين العلماء أَن الاستثناء عام في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل، وقد تقدم بيان ذلك في «سورة النساء ».
وقوله سبحانه : ﴿ فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حسنات ﴾ أي :بأنْ يجعلَ أعمالهم بَدَل معاصيهم الأُولَى طاعةً قاله ابن عباس وغيره، ويحتمل أنْ يكونَ ذلك في يوم القيامة، يجعل بدل السيئات الحسنات تَكَرُّماً منه سبحانه وتعالى كما جاء في «صحيح مسلم »، وهو تأويل ابن المُسَيِّبِ.
( ص ) :والأَوْلَى :ويحتمل أنْ يكون الاستثناءُ هنا مُنْقَطِعاً، أي :لكن ﴿ مَنْ تاب وآمن، وعمل عملاً صالحاً فأولئك يُبَدِّلُ اللّه سيئاتهم حسنات ﴾ انتهى. ثم أَكَّدَ سبحانه أمر التوبة.
ومدح المتاب فقال : ﴿ وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً ﴾ [ الفرقان :٧١ ].
كأنه قال :فإنه يجد باباً للفرج والمغفرة عظيماً
ثم استمرت الآيات في صفة عباد اللّه المؤمنين بأَنْ نَفَى عنهم شهادة الزور، و﴿ يَشْهَدُونَ ﴾ في هذا الموضع ظاهر، معناها :يُشَاهِدُون وَيَحْضُرُون.
و﴿ الزور ﴾ [ الفرقان :٧٢ ] كل باطل زُوِّرَ، وأعظمه الشرك، وبه فسر الضَّحَّاكُ، ومنه الغِنَاءُ، وبه فَسَّرَ مجاهد، وقال عليٌّ وغيره :معناه لا يشهدون بالزور، فهي من الشهادة لا من المشاهدة، والمعنى الأوَّلُ أعَمُّ، واللغو :كل سَقَطٍ من فعل أو قول، وقال الثعلبيُّ :اللغو كل ما ينبغي أنْ يطرح ويُلْغَى، انتهى. و﴿ كِرَاماً ﴾ معناه :معرضين مستحيين، يتجافون عن ذلك، ويصبرون على الأذى فيه.
قال ( ع ) :وإذا مَرَّ المسلم بمنكر فَكَرَمُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، وحدود التغير معروفة.
وقوله تعالى : ﴿ والذين إِذَا ذُكِّرُوا بآيات رَبِّهِمْ ﴾ [ الفرقان :٧٣ ] يريدُ :ذكِّرُوا بالقرآن أمر آخرتهم ومعادهم.
وقوله : ﴿ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ يحتمل تأويلين :أحدهما :أنْ يكون المعنى :لم يكن خُرُورُهم بهذه الصفة بل يكونوا سُجَّداً وُبكِيّاً، وهذا كما تقول :لم يخرج زيد إلى الحرب جزعاً، أي :إنما خرج جريئاً مِقْدَاماً، وكأنَّ الذي يَخِرُّ أَصَمَّ أعمى هو المنافق أو الشَّاكُّ، والتأويل الثاني :ذهب إليه الطبريُّ وهو أنَّ يخروا صماً وعمياناً هي صفة للكفار، وهي عبارة عن إعراضهم.
وقال الفَرَّاءُ : ﴿ لَمْ يَخِرُّوا ﴾ أي :لم يقيموا، وهو نحو تأويل الطبري انتهى.
وقال ابن العربيِّ في «أحكامه » :قوله تعالى : ﴿ والذين إِذَا ذُكِّرُوا بآيات رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾.
قال علماؤنا :يعني الذين إذا قرأوا القرآن قرأوه بقلوبهم قراءةَ فهم وَتَثْبِيتٍ، ولم يَنْثِرُوه الدَّقَلِ، فإنَّ المرور عليه بغير فهم ولا تثبيت صَمَمٌ وعَمًى انتهى.
وقُرَّةُ العين :من القر وهذا هو الأشهر لأَنَّ دمعَ السرور بارد، ودَمْعَ الحُزْنِ ساخنٌ فلهذا يقال :أَقَرَّ اللّه عينك، وأسخن اللّه عين العَدُوِّ، وقرة العين في الأزواج والذُّرِّيَّةِ أَنْ يراهم الإنسان مطيعين للَّه تعالى قاله ابن عباس والحسن وغيرهما، وبَيَّن المقداد بن الأسود الوجه من ذلك بأنَّه كان في أوَّلِ الإسلام يهتدي الأبُ، والابن كافِرٌ، والزوجُ والزوجة كافرة، فكانت قرة أعينهم في إيمان أحبابهم.
﴿ واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً ﴾ [ الفرقان :٧٤ ].
أي :اجعلنا يَأْتَمُّ بنا المتقون، وذلك بأن يكون الداعي متقيا قدوة وهذا هو قصد الداعي، قال النخعي لم يطلبوا الرياسة، بل أنْ يكونوا قدوة في الدين، وهذا حَسَنٌ أَنْ يُطْلَبَ وَيُسْعَى له،
قال الثعلبي :قال ابن عباس :المعنى :واجعلنا أئمة هدى انتهى. وهو حسن، لأَنَّهُم طلبوا أن يجعلهم أهلاٌ لذلك.
و﴿ الغرفة ﴾ [ الفرقان :٧٥ ] من منازل الجنة وهي الغرف فوق الغرف، وهي اسم جنس ؛ كما قال : [ من الهزج ]
وَلَوْلاً الْحَبَّةُ السَّمْرَا ءُ لَمْ نَحْلُلْ بِوَاديَكُم
( ت ) :وأخرج أبو القاسم، زاهر بن طاهر بن محمد بن الشحامي عن أنس بن مالك قال :قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم :( إنَّ فِي الجَنَّةِ لَغُرَفاً لَيْسَ لَهَا مَعَالِيقُ مِنْ فَوْقِهَا وَلاَ عِمَادٌ مِنْ تَحْتِهَا، قِيلَ :يَا رَسُولَ اللّه، وَكَيْفَ يَدْخُلُهَا أَهْلُهَا ؟ قال :يَدْخُلُونَهَا أَشْبَاهَ الطَّيْرِ، قيل :هِيَ يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَنْ ؟ قال :هِيَ لأَهْلِ الأَسْقَامِ وَالأَوْجَاعِ وَالْبَلْوَى ) انتهى من «التذكرة ». وقرأ حمزة وغيره : «يَلْقَوْنَ » بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف.
وآمن، وعمل عملاً صالحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سيئاتهم حسنات، انتهى. ثم أَكَّدَ سبحانه أمر التوبة، ومدح المتاب فقال: «وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً» كأنه قال:
فإنه يجد باباً للفرج والمغفرة عظيماً، ثم استمرت الآيات في صفة عباد الله المؤمنين بأن ٤٦ أنفى/ عنهم شهادة الزور، ويَشْهَدُونَ في هذا الموضع ظاهر، معناها: يُشَاهِدُون وَيَحْضُرُون، والزور: كل باطل زُوِّرَ، وأعظمه الشرك، وبه فسر الضَّحَّاكُ «١»، ومنه الغِنَاءُ، وبه فَسَّرَ مجاهد «٢»، وقال عليٌّ وغيره: معناه لا يشهدون بالزور، فهي من الشهادة لا من المشاهدة، والمعنى الأوَّلُ أعَمُّ. واللغو: كل سَقَطٍ من فعل أو قول، وقال الثعلبيُّ: اللغو كل ما ينبغي أن يطرح ويلغى، انتهى. وكِراماً معناه: معرضين مستحيين، يتجافون عن ذلك، ويصبرون على الأذى فيه.
قال ع «٣» :وإذا مَرَّ المسلم بمنكر فَكَرَمُهُ أنْ يُغَيِّرَهُ، وحدود التغير معروفة.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٧٣ الى ٧٦]
وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦)
وقوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ يريدُ: ذكِّرُوا بالقرآن أمر آخرتهم ومعادهم.
وقوله: لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً يحتمل تأويلين: أحدهما: أنْ يكون المعنى: لم يكن خُرُورُهم بهذه الصفة بل يكونوا سُجَّداً وُبكِيّاً، وهذا كما تقول: لم يخرج زيد إلى الحرب جزعاً، أي: إنما خرج جريئاً مِقْدَاماً، وكأنَّ الذي يَخِرُّ أَصَمَّ أعمى هو المنافق أو الشَّاكُّ، والتأويل الثاني: ذهب إليه الطبريُّ «٤» وهو أنَّ: يخروا صماً وعمياناً، هي صفة للكفار، وهي عبارة عن إعراضهم.
وقال الفَرَّاءُ: لَمْ يَخِرُّوا، أي: لم يقيموا، وهو نحو تأويل الطبريّ، انتهى. وقال
(١) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٢٠) برقم (٢٦٥٣٦)، وذكره البغوي (٣/ ٣٧٨)، وابن عطية (٤/ ٢٢٢).
(٢) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٢٠) برقم (٢٦٥٣٨)، وذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٢) والسيوطي (٥/ ١٤٨)، وعزاه للفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في «ذم الغضب»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن مجاهد.
(٣) ينظر: «المحرر الوجيز» (٤/ ٢٢٢).
(٤) ينظر: «الطبريّ» (٩/ ٤٢٣).
ابن العربيِّ في «أحكامه» «١» :قوله تعالى: وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً.
قال علماؤنا: يعني الذين إذا قرأوا القرآن قرأوه بقلوبهم قراءة فهم وتثبيت، ولم ينثروه نثر الدَّقَلِ، فإنَّ المرور عليه بغير فهم ولا تثبيت صَمَمٌ وعَمًى، انتهى. وقُرَّةُ العين:
من القر وهذا هو الأشهر لأَنَّ دمعَ السرور بارد، ودَمْعَ الحُزْنِ سُخْنٌ فلهذا يقال: أَقَرَّ الله عينك، وأسخن الله عين العَدُوِّ، وقرة العين في الأزواج والذُّرِّيَّةِ أَنْ يراهم الإنسان مطيعين للَّه تعالى قاله ابن عباس والحسن وغيرهما «٢»، وبَيَّن المقداد بن الأسود الوجه من ذلك بأنَّه كان في أوَّلِ الإسلام يهتدي الأب، والابن كافر، أو الزوج والزوجة كافرة، فكانت قرة أعينهم في إيمان أحبابهم.
وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً أي: اجعلنا يَأْتَمُّ بنا المتقون، وذلك بأن يكون الداعي متقيا قدوة، وهذا هو قصد الداعي، قال النخعي: لم يطلبوا الرياسة، بل أنْ يكونوا قدوة في الدين، وهذا حَسَنٌ أَنْ يُطْلَبَ وَيُسْعَى «٣» له.
قال الثعلبي: قال ابن عباس: المعنى: واجعلنا أئمة هدى «٤»، انتهى، وهو حسن، لأَنَّهُم طلبوا أن يجعلهم أهلاٌ لذلك. والغرفة من منازل الجنة وهي الغرف فوق «٥» الغرف، وهي اسم جنس كما قال: [من الهزج]
وَلَوْلاً الحبّة السمراء... لم نحلل بواديكم
ت: وأخرج أبو القاسم، زاهر بن طاهر بن محمد بن الشحامي عن أنس بن مالك قال: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلّم: «إنَّ فِي الجَنَّةِ لَغُرَفاً لَيْسَ لَهَا مَعَالِيقُ مِنْ فَوْقِهَا وَلاَ عِمَادٌ مِنْ تَحْتِهَا، قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَدْخُلُهَا أَهْلُهَا؟ قال: يَدْخُلُونَهَا أَشْبَاهَ الطَّيْرِ، قيل: هِيَ يَا رَسُولَ اللهِ لِمَنْ؟ قال: هِيَ لأَهْلِ/ الأَسْقَامِ وَالأَوْجَاعِ والبلوى «٦» ». انتهى من ٤٦ ب «التذكرة». وقرأ حمزة «٧» وغيره: «يَلْقَوْنَ» بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف.
(١) ينظر: «أحكام القرآن» (٣/ ١٤٣٣).
(٢) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٢).
(٣) ذكره ابن عطية (٤/ ٢٢٢).
(٤) أخرجه الطبريّ (٩/ ٤٢٥) برقم (٢٦٥٦٢)، وذكره السيوطي (٥/ ١٤٩)، وعزاه لابن المنذر عن ابن عباس.
(٥) في ج: الغرفة فوق فوق الغرف. [..... ]
(٦) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ١٥٠)، وعزاه إلى زاهر بن طاهر الشحامي عن أنس.
(٧) وقرأ بها الكسائيّ وأبو بكر.
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ ﴾ [ الفرقان :٧٧ ].
ما نافية وتحتمل التقرير، ثم الآية تحتمل أنْ تكون خطاباً لجميع الناس، فكأنه قال لقريش منهم :ما يبالي اللّه بكم، ولا ينظر إليكم لولا عبادتكم إيَّاه، أَنْ لو كانت إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله، قال تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ [ الذاريات :٥٦ ].
وقال النقاش وغيره :المعنى :لولا استغاثتكم إليه في الشدائد، وقرأ ابن الزبير وغيره : «فَقَدْ كَذَّبَ الْكَافِرُونَ » وهذا يؤيِّد أَنَّ الخطاب بما يعبأ هو لجميع الناس، ثم يقول لقريش :فأنتم قد كذبتم، ولم تعبدوه ﴿ فسوف يكون ﴾ العذاب أو التكذيب الذي هو سبب العذاب لزاماً، ويحتمل أنْ يكون الخطابُ بالآيتين لقريش خاصة.
وقال الداوديُّ :وعن ابن عُيَنْنَةَ : ﴿ لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ ﴾ معناه :لولا دعاؤكم إيَّاهُ لتطيعوه، انتهى.
قال ابن العربي في «أحكامه » :زعم بعض الأدباء أنَّ ﴿ لَوْلاَ دُعَاؤُكُمْ ﴾ معناه :لولا سؤالُكم إياه وطلبُكم منه، ورأى أَنَّه مصدر أُضِيفَ إلى فاعل، وليس كما زعم وإنما هو مصدر أضيف إلى مفعول، والمعنى :قل يا محمد للكفار :لولا دعاؤكم ببعثة الرسول إليكم وتبين الأدلة لكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاماً ذكر هذا عند قوله تعالى : ﴿ لاَ تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً ﴾ [ النور :٦٣ ] في آخر سورة النور انتهى.
( ت ) والحق أنَّ الآية محتملة لجميع ما تقدم، ومَنِ ادَّعى التخصيص فعليه بالدليل، واللّه أعلم ويعبأ :مشتق من العِبْءِ وهو الثِّقَلُ الذي يُعَبَّأُ ويرتب كما يعبأ الجيش، قال الثعلبيُّ :قال أبو عُبَيْدَةَ :يقالُ :ما عَبَأْتُ به شيئاً، أي :لم أَعُدَّه شيئاً فوجوده وعدمه سواء انتهى.
وقال العراقي : ﴿ مَا يَعْبَأُ ﴾ أي :ما يبالي، انتهى.
وأكثر الناس على أن اللزام المشار إليه هو يوم بدر، وقالت فرقة :هو توعد بعذاب الآخرة، وقال ابن عباس :اللزام الموت، وقال البخاريُّ : ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً ﴾ [ الفرقان :٧٧ ] أي :هلكةً انتهى.
السورة التالية
Icon