0:00
0:00

الاجتناب عن الرياء والسمعة وعن عموم الرعونات الواقعة في صدور الأعمال سواء كان عملك قليلا او كثيرا عزائم او رخصا وإياك إياك الحذر عن مداخل الرياء والتلبيس فإنها من شباك إبليس يضل بها ضعفاء الأنام من منهج الرشد وسبيل الاستقامة والسداد عصمنا الله وعموم عباده من تغريرات الشياطين وتسويلاتها بفضله وجوده
[سورة الفرقان]
فاتحة سورة الفرقان
لا يخفى على ذوى البصائر والألباب المنقطعين نحو الحق السائرين اليه الفارقين بينه وبين الباطل من اظلاله المستهلكة المعدومة في أنفسها الظاهرة المرئية في هياكل الموجودات وأشكالها ان إنزال هذا الكتاب الجامع لأحوال النشأتين الحاوي لأطوار المنزلتين انما هو لتفرقة الحق عن الباطل وتمييز المحق من المبطل لذلك قد سماه سبحانه فرقانا بين اهل الهداية والضلال من المجبولين على فطرة التوحيد المخلوقين لمصلحة الايمان والعرفان فمن امتثل بما فيه امرا ونهيا عظة وتذكيرا اشارة ورمزا حقيقة ومعرفة خلقا وأدبا مثالا وعبرة فقد فاز بمرتبة العرفان بعد جذب الحق نحو ذاته وكحل عين بصيرته بكحل التوحيد ورفع سبل الغربة وسدل التعينات عنها برمتها والاسترشاد من هذا الكتاب موقوف على الاتصاف بأوصاف من انزل اليه وعلى التخلق بأخلاقه والتأدب بآدابه والسلوك اثر سننه بلا فوت شيء منها وإهمال دقيقة من دقائقها حتى تحصل المناسبة المعتبرة بينه صلّى الله عليه وسلّم وبين هذا الكتاب وينزل على قلبه ما نزل فيه من المعارف والحقائق كما اخبر سبحانه عن تنزيله إياه صلّى الله عليه وسلّم متيمنا متبركا باسمه الأعلى بِسْمِ اللَّهِ الذي قد انزل الكتاب على عبده ليبين للناس احوال مبدئهم ومعادهم وينبه عليهم طريق التفرقة بين الحق والباطل والصلاح والفساد الرَّحْمنِ عليهم بإرسال الرسول المبين لهم ما هو الأصلح لحالهم من السداد والإرشاد الرَّحِيمِ يوصلهم الى مرتبة التوحيد الذاتي بعد رفع الحجب بلا ميل والحاد
[الآيات]
تَبارَكَ الله تعاظم وتعالى ذاته سبحانه من ان يحيط بمنافعه وكثرة خيراته وبركاته عقول مظاهره ومصنوعاته حتى يعدوها بألسنتهم ويعبروا عنها بأفواههم حالا او مقالا الحكيم العليم الَّذِي نَزَّلَ بمقتضى جوده الواسع وكرمه الكامل الْفُرْقانَ اى القرآن الجامع لفوائد الكتب السالفة مع زوائد قد خلت عنها تلك الكتب تفضلا وامتنانا ومزيد اهتمام عَلى شأن عَبْدِهِ صلّى الله عليه وسلّم بعد ما هيأه لقبوله وأعده لنزوله ورباه أربعين سنة تتميما لأمر المناسبة المعنوية وتحصيلا لها حتى يستعد ويستحق لنزول الوحى والإلهام ولخلعة الخلافة والنيابة وانما أنزله هذا لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ اى كافة المخلوقين على فطرة التكليف وعامة المجبولين على استعداد المعرفة واليقين نَذِيراً ينذرهم ويحذرهم عما يضرهم ويغويهم عن صراط الحق وطريق توحيده عناية منه سبحانه إياهم ومرشدا لهم الى مبدئهم ومعادهم
وكيف لا يرشدهم سبحانه مع انه هو المالك المطلق والمتصرف المستقل الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ اى عالم الأسماء والصفات المعبر عنها بالعلويات وَالْأَرْضِ اى الطبائع السفلية القابلة للانعكاس من العلويات فلا يضر كثرة الأسماء والصفات وحدوث العكوس والتعينات حسب الشئون والتجليات الإلهية وحدته الذاتية وانفراده الحقيقي وَلهذا لَمْ يَتَّخِذْ سبحانه وَلَداً حتى يتكثر وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ اى في تحققه ووجوده وملكه وملكوته حتى ينازع ويتضرر
بل له خاصة التصرف بالاستقلال والاختيار بلا مزاحمة العكوس والاظلال الهالكة المستهلكة في صرافة وحدته وشمس ذاته وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بعد ما قدره أولا في حضرة علمه المحيط وأظهره حسب تجلياته بمقتضى آثار أسمائه وصفاته وبعد ما اظهر عموم ما اظهر فَقَدَّرَهُ ثانيا تَقْدِيراً بديعا ودبر امره تدبيرا محكما عجيبا بان اقدر البعض على اختراع انواع الصنائع والبدائع من الحرف والإدراكات الكاملة والتدبيرات الغريبة المتعلقة لتمدنهم ومعاشهم وجعل بعضهم آلة للبعض وبعضهم مملوكا وصيرهم ارواجا وأصنافا مؤتلفة وفرقا وأحزابا مختلفة متخالفة وأنواعا متفاوتة الى ما شاء الله وما يعلم جنود ربك الا هو كل ذلك ليتعاونوا ويتظاهروا واختلطوا وامتزجوا الى ان اعتدلوا وانتظموا وصاروا مؤتلفين موانسين محتاجين كل منهم بمعاونة الآخر وانما فعل سبحانه ما فعل ليظهر كمالاته المتكثرة المندرجة في وحدة ذاته ويظهر سلطان الوحدة الذاتية بظهور ضده وبعد ما بلغت الكثرة غايتها فقد انتهت الى الوحدة كما بدأت منها وانتشئت عنها فحينئذ قد اتصل في دائرة الوجود قوسا الوجوب والإمكان البداية والنهاية ومنشأهما الاول والآخر والظاهر والباطن واتحد الأزل والأبد وارتفعت الكثرة والعدد ولم يبق الا الواحد الفرد الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا احد
وَكيف لا يدبر سبحانه امر عباده بانزال الكتب وإرسال الرسل المرشدين لهم الى توحيده بعد ما تاهوا في بيداء الكثرة والضلال مع انهم قد اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ سبحانه آلِهَةً يعبدونها كعبادته مع ان آلهتهم الباطلة لا يَخْلُقُونَ ولا يوجدون ولا يظهرون شَيْئاً من المخلوقات حتى يستحقوا الألوهية والعبادة مع ان من شأن الإله الخلق والإيجاد حتى يستحق التوجه والرجوع اليه بل وَهُمْ يُخْلَقُونَ اى مخلوقون مقدورون لا قادرون خالقون بل هم مرادون وَالمخلوقات التي هي الجمادات لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا اى دفع ضر عنها وَلا نَفْعاً اى جلب نفع إليها وَلا يَمْلِكُونَ ايضا مَوْتاً اى اماتة احد وَلا حَياةً اى احياء له وَلا نُشُوراً اى بعثا وحشرا بعد الموت للحساب والجزاء ومن كان وصفه هذا كيف يتأتى منه الألوهية والربوبية المقتضية للعبودية
وَبعد ما أنزلنا القرآن الفرقان على عبدنا ليهدى به التائهين في بيداء الغفلة والضلال قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا بالله واعرضوا عما جاء به من عنده لتكميل الناقصين إِنْ هَذا وما هذه الأراجيف التي قد جاء بها هذا المدعى إِلَّا إِفْكٌ كذب صرف يصرف به العباد عن الحق ويلبس الباطل بصورته ويروجه بهذه الحيل إذ هو افْتَراهُ واختلقه عن عمد من عنده ونسبه الى الوحى تغريرا وتزويرا وترويجا لأمره وَمع ذلك قد أَعانَهُ ولقن له فحواه عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ وهم احبار اليهود وبعد ما قد سمع فحواه منهم عبر عنه في قالب بليغ فأتى به على الناس ولقبه بالقرآن المعجز وبالفرقان والبرهان المثبت المنزل عليه من ربه بطريق الوحى والإلهام ترويجا لمفترياته وتغريرا للناس على قبولها وبالجملة فَقَدْ جاؤُ اى أولئك المسرفون المفرطون بجعل القرآن الفرقان المعجز لفظا ومعنى إفكا صرفا وافتراء محضا ظُلْماً عدوانا ظاهرا وخروجا فاحشا عن حد الاعتدال وَزُوراً قولا كذبا باطلا وبهتانا ظاهرا متجاوزا عن الحد مسقطا للمروءة سقوطا تاما إذ نسبة هذا الكتاب الذي لا يأتيه الباطل لا من بين يديه ولا من خلفه الى أمثال هذه الخرافات التي قد جاء بها أولئك الجهلة بشأنه في غاية الظلم والزور ونهاية المراء والغرور
وَقالُوا ايضا في حق هذا الكتاب ما هو افحش منه وابعد عن شأنه بمراحل وهوانه أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اى أكاذيب قد سطرها
الأولون الأقدمون فيما مضى وهو اكْتَتَبَها واستنسخها من حبر وكتبها له كاتب وبعد ما أخذ سوادها فَهِيَ الأساطير المذكورة تُمْلى وتقرأ عَلَيْهِ اى على محمد بُكْرَةً وَأَصِيلًا غداة وعشيا على سبيل التكرار ليحفظها إذ هو أمي لا يقدر على ان يكرر من الكتاب وبعد ما قد حفظها على وجهها قراها على الناس مدعيا انها قد اوحى الى من عند الله وقد أنزلها على ملك سماوي اسمه جبرئيل
قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما سمعت مقالهم وتفرست حالهم في العتو والعناد وانواع الإنكار والفساد قد أَنْزَلَهُ اى الفرقان على مع انى أمي كما اعترفتم لا قدرة لي على الإملاء فكيف على الإنشاء العليم الَّذِي يَعْلَمُ بعلمه الحضوري السِّرَّ المكنون والحكمة الكامنة فِي اشكال السَّماواتِ وَاقطار الْأَرْضِ ولهذا أعجزكم بكلامه هذا عن آخركم مع انكم أنتم من ذوى اللسن والفصاحة وعلى أعلى طبقات البلاغة والبراعة فعجزتم عن معارضته بحيث لم يتأت لكم إتيان مثل آية قصيرة منه مع كمال تحديكم ووفور دواعيكم ومع ذلك اما تستحيون ايها المسرفون المفرطون قد نسبتم اليه ما هو برئ منه وبنسبتكم هذه قد استوجبتم العذاب والعقاب عاجلا وآجلا الا انه سبحانه قد أمهلكم رجاء ان تنتبهوا بسوء صنيعكم هذا فترجعوا اليه سبحانه تائبين نادمين فيغفر لكم ما تقدم من ذنبكم ويرحمكم بتوبتكم إِنَّهُ سبحانه في ذاته قد كانَ غَفُوراً للأوابين التوابين رَحِيماً للمتندمين المخلصين
وبعد ما قد افرطوا في طعن الكتاب المنزل والقدح ولم يقصروا على القدح والطعن فيه فقط بل أخذوا في طعن من انزل اليه ايضا حسب عداوتهم وشدة شكيمتهم وضغينتهم معه وَقالُوا مستهزئين متهكمين مالِ هذَا الرَّسُولِ يدعى الرسالة والنبوة مع انه لا يتميز عن العوام إذ يَأْكُلُ الطَّعامَ كما نأكل وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لضبط امور معاشه كما نمشي فما مزيته علينا وامتيازه عنا حتى يكون رسولا علينا اولى منا وان كان صادقا في دعوى نزول الملك اليه بالوحي لَوْلا هلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ ظاهرا بلا سترة حتى نراه ونعاين به ونؤمن له بلا تردد فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً اى يكون الملك المنزل ردأ له في انذارنا وتبليغ الدعوة إلينا
أَوْ هلا يُلْقى إِلَيْهِ من قبل ربه كَنْزٌ فيستغنى به عن الخلق فيتبعه طمعا للإحسان أَوْ هلا تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ موهوبة له من ربه فيها انواع الثمرات والفواكه يَأْكُلُ مِنْها رغدا ويترفه بها أمدا ويعطى منها الناس فيتبعونه أفواجا وأحزابا وبالجملة ما له لا هذا ولا ذاك ولا ذلك فمن اين نصدق برسالته وباى شيء نعتقده نبيا وَبعد ما قد بالغوا في قدحه وإنكاره وافرطوا في استهزائه وسوء الأدب معه صلّى الله عليه وسلّم وبالجملة قد قالَ الظَّالِمُونَ المنكرون المستكبرون على سبيل الذب والاعراض لضعفاء الأنام عن متابعته صلّى الله عليه وسلّم لو اتبعتم ايها الناس لهذا المدعى وآمنتم به مع انكم قد سمعتم بل علمتم بيانا وابصرتم عيانا ان لا مزية له عليكم ولا امتياز بينه وبينكم إِنْ تَتَّبِعُونَ وما تؤمنون وتقتدون إذا إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً مجنونا قد سحر له فجن فاختبط واختل عقله وكل فهمه لذلك قد تكلم بكلام المجانين فاعرض عن معارضته العقلاء إذا لعقل قاصر عن ادراك مموهات الوهم وتسويلات الخيال وتصويراته
انْظُرْ يا أكمل الرسل كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ هؤلاء الضلال بعد ما عجزوا عن معارضتك وتاهوا في كمال رشدك وهدايتك وكيف توغلوا في الحيرة والضلال عن مدركاتك ومكانك فَضَلُّوا وتحيروا وانحسرت عقولهم عن الوصول الى كمالات مدركاتك وانواع هداياتك فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا لتعاليه عن مداركهم
وعقولهم فنسبوك الى ما لا يليق بشأنك عنادا واستكبارا
مع انه قد تَبارَكَ وتعالى ربك الَّذِي رباك بأنواع الكرامات الخارقة للعادات الشاملة لانواع السعادات المعدة لأرباب الشهود والمكاشفات وكذا بأصناف المعجزات الباهرة الدالة على صدقك في جميع ما جئت به من قبل ربك من الآيات البينات وانواع الخيرات والبركات ومع ذلك إِنْ شاءَ ربك وتعلقت مشيئته وارادته جَعَلَ لَكَ يا أكمل الرسل واعطاك في النشأة الاولى ايضا خَيْراً واحسن مِنْ ذلِكَ اى مما قالوا أولئك المسرفون المفرطون وأملوا لك تهكما واستهزاء ولكن قد اخره سبحانه الى النشأة الاخرى إذ هي خير وأبقى والتنعم فيها ألذ واولى إذ اللذات الاخروية انما هي مؤبدة مخلدة بلا انقطاع ولا انصرام. ثم بين سبحانه ما هيأ لحبيبه صلّى الله عليه وسلّم وما أعد لأجله جَنَّاتٍ متنزهات العلم والعين والحق تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ اى انهار المعارف والحقائق المتجددة بتجددات التجليات الإلهية بمقتضى الكمالات الاسمائية والصفاتية وَيَجْعَلْ لَكَ ايضا فيها قُصُوراً عاليات ودرجات مرتفعات متعاليات عن مدارك ذوى العقول والإدراك مما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر وهم من قصور نظرهم وعمى قلوبهم في هذه النشأة لا يلتفتون في أمثال هذه الكرامات العلية الاخروية
بَلْ هم بمقتضى أحلامهم السخيفة قد كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ الموعودة المعهودة وكذا بجميع ما يترتب عليها من المثوبات السنية والدرجات العلية ومن العقوبات والدركات الهوية إذ نظرهم مقصور على هذا الأرذل الأدنى وما فيه وَلهذه قد أَعْتَدْنا وهيئنا بمقتضى قهرنا وجلالنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ وبالأمور الموعودة فيها سَعِيراً نارا مسعرة متلهبة في غاية التلهب ونهاية الاشتعال
بحيث إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ يعنى إذا كانوا بمرأى العين منها مع انهم بعيد عنها بمسافة طويلة قد سَمِعُوا لَها مع بعدها تَغَيُّظاً صوتا كصوت المغتاظ من شدة تلهبها وغليانها وَزَفِيراً ايضا كزفرة المغتاظ والزفرة في الأصل ترديد النفس بحيث تنتفخ عند خروجها الضلوع والجوانب يعنى من شدة غيظها لهم تغلى وتتلهب تلهبا شديدا وغليانا مفرطا وتردد نفسها ترديدا بليغا حتى يردوا فيها وهبطوا إليها
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها اى من النار مَكاناً اى في مكان من أماكنها قد صار ذلك المكان ضَيِّقاً لهم من تشدد العذاب عليهم بحيث صار كل منهم من ضيق مكانهم كأنهم مُقَرَّنِينَ قد قرنت أيديهم الى أعناقهم بالسلاسل والأغلال وبالجملة قد دَعَوْا وتمنوا حينئذ من شدة حزنهم وكربهم هُنالِكَ ثُبُوراً هلاكا وويلا قائلين صائحين صارخين وا ثبوراه وا ويلاه تعال تعال فهذا وقت حلولك وأوان نزولك
ويقال لهم حينئذ لا تَدْعُوا ولا تتمنوا ايها الجاهلون الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً بل وَادْعُوا فيه ثُبُوراً كَثِيراً إذ انواع العذاب يتجدد عليكم دائما مستمرا فاطلبوا لكل منها ثبورا
قُلْ يا أكمل الرسل موبخا عليهم ومقرعا لهم ومعيرا عليهم بعد ما بينت لهم منقلبهم ومثواهم في الآخرة أَذلِكَ السعير الذي قد سمعتم وصفه او المعنى إذ لك الجنة التي قد املتم لنا مستهزئين من جنات الدنيا ومتنزهاتها خَيْرٌ مرجعا ومصيرا أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ المؤبد المخلد أهلها ونعيمها فيها بلا تبديل ولا تغيير الَّتِي قد وُعِدَ الْمُتَّقُونَ بها وبدخولها والخلود فيها حتى كانَتْ لَهُمْ جَزاءً لاعمالهم الصالحة التي قد أتوا بها في النشأة الاولى وصارت بدلا من مستلذاتها الفانية وَمَصِيراً اى مرجعا ومنقلبا لهم بعد ما خرجوا من الدنيا الدنية
مع ان لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ من النعيم المقيم الدائم لكونهم
خالِدِينَ فيها ابدا لا يتحولون عنها أصلا لذلك قد كانَ وصار هذا الوعد الموعود عَلى رَبِّكَ يا أكمل الرسل وَعْداً مَسْؤُلًا مطلوبا للمؤمنين في دعواتهم ومناجاتهم مع الله حيث قالوا في سؤالهم ودعائهم ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك الآية الى غير ذلك من الآيات المشتملة على الدعوات ورفع الدرجات والمناجاة المأثورة من الأنبياء والأولياء وخواص العباد
وَاذكر يا أكمل الرسل للمشركين المتخذين آلهة سوانا وحذرهم يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ونبعثهم من قبورهم للعرض والجزاء وَنحشر ايضا معهم ما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ الواحد الأحد الفرد الصمد يعنى آلهتهم الذين كانوا يعبدون لهم مثل عبادة الله كالملائكة وعزيز وعيسى والجن والكواكب والأصنام عبر سبحانه عن آلهتهم بما مع ان بعضهم عقلاء لعموم لفظة ما او للتغليب او باعتبار ما يتخذون ويعتقدون آلهة من تلقاء أنفسهم بلا حقيقة لها أصلا سوى الاعتبار إذ معبوداتهم لا يرضون باتخاذهم آلهة وبعد ما حشر الآلهة ومتخذوهم مجتمعين فَيَقُولُ الله سبحانه مستفهما عن الآلهة مخاطبا لهم على سبيل التوبيخ والتبكيت لمتخذيهم أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي عن عبادتي ودعوتم أنتم هؤُلاءِ الى عبادة انفسكم مدعين الشركة معى في الإلهية أَمْ هُمْ بأنفسهم قد ضَلُّوا السَّبِيلَ
قالُوا يعنى الآلهة مبرئين نفوسهم عن أمثال هذه الجرأة والجريمة العظيمة منزهين ذاته سبحانه عن وصمة المشاركة والمماثلة عن مطلق الكفاءة سُبْحانَكَ نحن ننزه ونقدس لك يا ربنا عن توهم الشركة في الوهيتك وربوبيتك بل في وجودك وتحققك مطلقا ما كانَ يَنْبَغِي لَنا وما يليق بنا وما يصح منا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ فكيف ان ندعى الولاية لأنفسنا دونك او نزعم الاشتراك معك مع انا نعلم ان لا وجود لنا إلا منك ولا رجوع لنا الا إليك وأنت يا ربنا تعلم منا عموم ما في ضمائرنا وأسرارنا بل جميع ما في استعداداتنا ونياتنا وجميع شئوننا وقابلياتنا وأنت تعلم ايضا منا يا مولانا مالنا علم باتخاذهم وايضا لا إضلال ولا تغرير من قبلنا إياهم وَلكِنْ أنت مَتَّعْتَهُمْ حسب فضلك وجودك بأنواع النعم واصناف الكرم زمانا وَكذا قد متعت آباءَهُمْ كذلك وقد أمهلتهم زمانا مترفهين مترفين مستكبرين حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ اى ذكر المنعم المفضل وغفلوا عن شكر نعمه بالمرة وصاروا عليها زمانا بطرين مفتخرين الى حيث قد أخذوا واتخذوا بمقتضى اهويتهم الفاسدة وآرائهم الباطلة اولياء ظلما وزورا وسموهم أربابا دونك وعبدوهم كعبادتك عتوا واستكبارا وَبالجملة هم قد كانُوا مقدرين مثبتين في حضرة علمك ولوح قضائك قَوْماً بُوراً
هالكين في تيه الغفلة والضلال معدودين من اصحاب الشقاوة الازلية الابدية بحيث لا يرجى منهم السعادة والفلاح أصلا
ثم قيل للمشركين من قبل الحق تفضيحا لهم وإلزاما وتبكيتا فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ آلهتكم ايها الضالون بِما تَقُولُونَ انهم آلهتنا او بما تقولون هؤلاء أضلونا او بقولكم هؤلاء شفعاؤنا فَما تَسْتَطِيعُونَ اى فالان قد لاح وظهر ان آلهتكم وشفعاءكم لا يقدرون صَرْفاً من عذابنا إياكم شيأ وَلا يقدرون ايضا نَصْراً لكم حتى تصرفوا أنتم عذابنا عن انفسكم بمعاونتهم ولا يقدرون ايضا ان يشفعوا لكم ليخفف عذابنا عنكم وَبالجملة مَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ ايها المشركون علينا باتخاذ غيرنا الها سوانا عنادا ومكابرة ولم يتب عن ذلك حتى قد خرج من الدنيا عليه نُذِقْهُ الآن اى يوم الجزاء عَذاباً كَبِيراً لا عذاب اكبر منه.
ثم أشار سبحانه الى تسلية حبيبه صلّى الله عليه وسلّم عما عيره الكفرة الجهلة المستهزءون معه بقولهم ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشى في الأسواق الآية فقال وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ يا أكمل الرسل رسولا
مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ كما تأكل أنت وسائر الناس وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ لحوائجهم كما تمشى أنت وغيرك وامتياز الرسل والأنبياء من عوام بنى نوعهم انما هو بأمور معنوية لا اطلاع لاحد عليها سوى من اختارهم للرسالة واجتباهم للنبوة والخلافة وهم في ظواهر أحوالهم وأطوارهم مشتركون مع نبي نوعهم بل ادنى حالا منهم في ظواهرهم لعدم التفاتهم الى زخارف الدنيا الدنية ومموهاتها العائقة عن اللذة الاخروية ولهذا ما من نبي ولا رسول الا وقد عيرتهم العوام بالفقر والفاقة الا نادرا منهم وَبالجملة من سنتنا القديمة انا قد جَعَلْنا بَعْضَكُمْ ايها الناس لِبَعْضٍ فِتْنَةً اى سبب افتتان وابتلاء وامتحان واختبار من ذلك ابتلاء الفقراء بتشنيع الأغنياء وتعييرهم والنبيين والمرسلين باستهزاء المنكرين المستكبرين وكذا المرضى بالأصحاء وذوى العاهات بالسالمين الى غير ذلك وانما جعلناكم كذلك لنختبر ونعلم أَتَصْبِرُونَ ايها المصابون بما أصابكم من البلاء فتفوزون بجزيل العطاء وجميل اللقاء أم لا وَالحال انه قد كانَ رَبُّكَ يا أكمل الرسل في سابق قضائه وحضرة علمه بَصِيراً لصبر من صبر وشكر من شكر من اولى العزائم الصحيحة ولمن لم يصبروا ولم يشكروا من ذوى الأحلام السخيفة وسر الاختبار والابتلاء الإلهي انما هو اظهار الحجة البالغة الإلهية حين الأخذ والانتقام إذ الإنسان مجبول على الجدال والكفران
وَمن جملة جدالهم قالَ الكافرون الجاحدون الملحدون الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا بل لا يؤملون لقيانا قطعا ولا يخافون عنا مطلقا لإنكارهم بنا وبعموم ما قد وعدنا لهم في يوم الجزاء لو كان محمد رسولا مؤيدا من عند الله لَوْلا هلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ المصدقون لرسالته ليخبرونا بصدقه في دعواه أَوْ هلا نَرى رَبَّنا الذي يدعونا اليه معاينة فيخبر لنا بصدق رسالته حتى نصدقه بلا تردد قال سبحانه في ردهم مقسما على سبيل الاستعجاب والاستغراب والله لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أولئك المسرفون المفرطون بقولهم هذا مكابرة حيث طلبوا من الله ما لا يسع لخلص عباده من ذوى النفوس القدسية فكيف لهؤلاء الملحدين وَبالجملة قد عَتَوْا باخطار هذا المطلب العظيم في خواطرهم وان صدر عنهم هذا تهكما واستهزاء عُتُوًّا كَبِيراً فاستحقوا بذلك اكبر العذاب وأصعب النكال والوبال اذكر لهم يا أكمل الرسل
يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ اى ملائكة العذاب مع انه لا بُشْرى ولا بشارة برؤيتهم يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ بل انما يجيئون إليهم ليجروهم الى جهنم صاغرين مهانين وَبعد ما يرونهم صائلين عليهم صولة الأسود يَقُولُونَ متحسرين خاسرين قولا يقول به العرب عند هجوم البلاء وحلول العناء وعند اليأس التام من الظفر بالمطلوب وهو قولهم هذا حِجْراً مَحْجُوراً هو كناية عن قولهم قد حرمنا عن التبشير بالجنة حرمانا مؤبدا وصرنا مسجونين في النار سجنا مخلدا.
ثم قال سبحانه وَبعد ما قد حرمنا الجنة عليهم وجعلنا مصيرهم النار ابدا قد قَدِمْنا وعمدنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ اى أصلح أعمالهم وأحسنها التي قد أتوا بها في النشأة الاولى كقرى الضيف وصلة الرحم واعانة الملهوف واغاثة المظلوم وغير ذلك من حسنات أعمالهم فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً اى قد صيرناه كالغبار المنثور بالرياح بلا ترتب الثواب والجزاء عليه لفقدهم شرط القبول والاثابة وقت صدورها عنهم الا وهو الايمان والتوحيد والتصديق بالرسل والكتب والعمل بمقتضى الوحى وبالجملة هم كفار مكذبون مستكبرون لذلك لم تقبل أعمالهم
واما أَصْحابُ الْجَنَّةِ المتصفون بالإيمان والتوحيد وتصديق الرسل والكتب الممتثلون بالأوامر والنواهي بمقتضى
ما بلغهم الرسل وبينهم فهم هم يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا اى من جهة مكان يستقرون عليه ويتوطنون فيه وَأَحْسَنُ مَقِيلًا يستريحون ويستروحون فيه ومع الحور والولدان والغلمان يتلذذون او هم يومئذ اى حين انقطاع السلوك وانكشاف السدل والاغطية المانعة من الشهود خير مستقرا من استقرارهم في مقر التوحيد آمنين من وساوس الأوهام والخيالات الباطلة واحسن مقيلا يستريحون فيه بلا مقتضيات القوى والآلات البشرية منخلعين عن جلابيب ناسوتهم مطلقا مشرفين بخلع عالم اللاهوت المهداة الموهوبة لهم من قبل حضرة الرحموت
وَذلك يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ اى تتصفى وتتجلى سماء الأسماء الإلهية المستورة المحتجبة بِالْغَمامِ اى بغيوم التعينات العدمية المنعكسة منها وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ المهيمين عند الذات الاحدية الا وهي الأسماء والصفات التي قد استأثر الله به في غيبه بلا انعكاس وانبساط وامتداد ظل كسائر الأسماء الفعالة الإلهية تَنْزِيلًا على صرافة تجردهم بلا تدنس وانغماس بغيوم التعلقات والتعينات مطلقا
فحينئذ نودي من وراء سرادقات العز والجلال الْمُلْكُ المطلق والاستيلاء التام والسلطنة الغالبة يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ الثابت اللائق المثبت على ما ينبغي ويليق لِلرَّحْمنِ المستوي على عروش ذرائر الأكوان بعموم الرحمة وشمول الفضل والامتنان بلا تقدير مكيال وميزان من زمان ومكان وَقد كانَ ذلك اليوم والشأن يَوْماً وشأنا عَلَى الْكافِرِينَ الساترين بغيوم هوياتهم الباطلة هوية الحق الظاهر في الأنفس والآفاق عَسِيراً في غاية العسرة والشدة وعلى الموحدين الواصلين الى مرتبة الفناء الفانين في الله الباقين ببقائه سهلا يسيرا في غاية اليسر والسهولة
وَاذكر يا أكمل الرسل لمن ظلمك وأساء الأدب معك وأراد مقتك وطردك بغيا عليك وعدوانا بك يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ الجاحد الخارج عن مقتضى الأدب مع الله ورسوله عَلى يَدَيْهِ تحسرا على افراطه وتفريطه في العتو والاستكبار والجحود والإنكار يَقُولُ حينئذ متحسرا متمنيا يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ الهادي الى سواء السبيل سَبِيلًا يوصلني الى منهج الرشد وينجيني عن هذا العذاب
يا وَيْلَتى تعالى ويا هلكتي اسرعى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً مضلا مذلا خَلِيلًا صديقا قد أضلني عن خلة الرسول المرشد المنجى وازالنى عن شرف صحبته والله ذلك المغوى المضل
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ اى عن ذكر الله وتذكير رسوله وعن مصاحبة المؤمنين ومواخاتهم بَعْدَ إِذْ جاءَنِي واختلط معى وصار صديقي وخليلي وخير قرينى ورفيقي بل صار شيطاني فوسوس على وصرفني عن طريق الحق بتغريره وتلبيسه وَبالجملة قد كانَ الشَّيْطانُ المضل المغوى سواء كان جنا او انسا او نفسا لِلْإِنْسانِ المجبول على الغفلة والنسيان خَذُولًا يخذله ويحرمه عن الجنان ويسوقه الى دركات النيران بأنواع الخيبة والحرمان. نعوذ بك يا ذا الفضل والإحسان من شر الشيطان
وَبعد ما قد طعنوا في القرآن طعنا كثيرا ونبذوه وراء ظهورهم نبذا يسيرا بلا التفات لهم اليه والى ما فيه من الأوامر والنواهي قالَ الرَّسُولُ مشتكيا الى الله مناجيا معه يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي الذين قد بعثتني إليهم لأهديهم وارشدهم الى طريق توحيدك وأبين لهم حدود ما أنزلت الى من الكتاب المعجز الجامع لجميع ما في الكتب السالفة المشتمل على عموم المعارف والحقائق والحكم والاحكام المتعلقة بالتدين والتخلق في طريق توحيدك وتفريدك وتقديسك مع ان هؤلاء الجهلة المسرفين قد اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مع سطوح برهانه وقواطع حججه وبيانه مَهْجُوراً متروكا لا يلتفتون اليه ولا يسترشدون
منه بل لا يتوجهون نحوه بل يقدحون فيه ويكذبونه وينسبون اليه ما لا يليق بشأنه
وَبعد ما قد بث صلّى الله عليه وسلّم شكواه الى ربه وبسط فيها معه سبحانه ما بسط قال سبحانه تسلية له صلّى الله عليه وسلّم وازالة لشكواه لا تبال بهم وبشأنهم ولا تحزن من سوء فعالهم وخصالهم إذ كَذلِكَ ومثل ما جعلنا لك يا أكمل الرسل اعداء منكرين مكذبين قد جَعَلْنا ايضا لِكُلِّ نَبِيٍّ من الأنبياء الماضين عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ المنكرين المكذبين لهم يسيئون الأدب معهم ويطعنون بكتبهم وصحفهم ولا ينصرونهم ولا يروجون دينهم ولا يقبلون منهم قولهم ودعوتهم وليس هذا مخصوصا بك وبدينك وكتابك وَبالجملة لا تحزن عليهم إذ قد كَفى بِرَبِّكَ اى كفى ربك لك هادِياً يرشدك الى مقصدك ويغلبك على عدوك وَنَصِيراً حسيبا يكفيك ويكف عنك مؤنة شرورهم وعداوتهم وانكارهم
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا على سبيل الإنكار والتكذيب للقرآن والرسول على وجه الاعتراض والاستهزاء لَوْلا هلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً من عند ربه كالكتب الثلاثة على الأنبياء الماضين يعنى انهم قد استدلوا بنزوله منجما على انه ليس من عند الله إذ من سنته سبحانه إنزال الكتب من عنده جملة واحدة كالكتب السالفة قال سبحانه تسلية لحبيبه صلّى الله عليه وسلّم وردا للمنكرين انما أنزلناه كَذلِكَ اى منجما متفرقا لِنُثَبِّتَ نقوى ونشيد بِهِ فُؤادَكَ يا أكمل الرسل ونمكنك على حفظه نجوما لان حالك مخالف لحال موسى وداود وعيسى صلوات الله عليهم إذ هم اهل الإملاء والإنشاء والكتابة وأنت أمي ولان انزاله عليك بحسب الوقائع والأغراض والإنزال حسب الوقائع والأغراض ادخل في التأييد الإلهي وَلهذه الحكمة العلية والمصلحة السنية قد رَتَّلْناهُ وتلوناه لك وقرأناه عليك تَرْتِيلًا تدريجيا شيأ بعد شيء على التراخي والتؤدة في عرض عشرين سنة او ثلاث وعشرين
وَايضا من جملة حكمة انزاله منجما انه لا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ عجيب غريب يضربون لك جدلا ومكابرة في وقت من الأوقات وحال من الحالات على تفاوت طبقاتهم إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ اى قد جئناك بالمثل الحق على طريق البرهان تأييدا لك وترويجا لأمرك ودينك أوضح بيانا وابلغ تبيانا مما قد جاءوا به وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً كشفا وتبيينا وكيف يتأتى لهم المعارضة والمجادلة معك يا أكمل الرسل مع تأييدنا إياك في النشأة الاولى والاخرى وهم في الدنيا مقهورون مغلوبون
وفي الآخرة هم الَّذِينَ يُحْشَرُونَ ويسحبون عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ البعد والخذلان وجحيم الطرد والحرمان وبالجملة أُوْلئِكَ الأشقياء المردودون عن شرف القبول شَرٌّ مَكاناً منقلبا ومصيرا وَأَضَلُّ سَبِيلًا واخطأ طريقا. اهدنا بفضلك سواء سبيلك
ثم أخذ سبحانه في تعداد المنكرين الخارجين على رسل الله المكذبين لهم المسيئين الأدب معهم وما جرى عليهم بسوء صنيعهم من انواع العقوبات والنكبات فقال وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ اى التورية المشتملة على الاحكام ليبين الأنام ما فيها من الأوامر والنواهي المصفية للنفوس المنغمسة بالمعاصي والآثام ليستعدوا بقبول المعارف والحقائق المنتظرة لهم المكنونة في استعداداتهم الفطرية وقابلياتهم الجبلية وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً ظهيرا له يوازره ويعاون له في ترويج دينه وتبيين احكام كتابه وبعد ما ايدناهما بانزال التورية واظهار المعجزات
فَقُلْنَا لهما اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالة على وحدة ذاتنا واستقلالنا في تصرفات ملكنا وملكوتنا ارادة واختيارا يعنى فرعون وهامان ومن معهما من العصاة والبغاة الهالكين في تيه
العتو والعناد وادعوهم الى توحيدنا واظهرا الدعوة لهم فذهبا بمقتضى الأمر الوجوبي فدعوا فرعون وقومه الى ما امرا فأبوا عن القبول وكذبوهما واستهزؤا معهما كبرا وخيلاء فأخذناهم بتكذيبهم واستنكافهم فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً اى قد أهلكناهم إهلاكا كليا بحيث لم يبق احد منهم على وجه الأرض
وَقد دمرنا ايضا قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ اى حين كذبوا نوحا ومن مضى قبله من الأنبياء إذ قد أمرهم نوح بتصديقهم ايضا والايمان بهم فكذبوا به اصالة وبهم تبعا لذلك أَغْرَقْناهُمْ بالطوفان جميعا وَجَعَلْناهُمْ اى قد جعلنا اغراقنا إياهم بالمرة لِلنَّاسِ المعتبرين من أمثال هذه الوقائع والخطوب العظام آيَةً علامة وعبرة يعتبرون منها ويستوحشون من إلمام أمثالها إياهم لذلك يحسنون الأدب مع الله ورسوله خوفا من بطشه وانتقامه وَكيف لا يخافون من بطشنا وانتقامنا إذ قد أَعْتَدْنا وهيئنا لِلظَّالِمِينَ الخارجين عن مقتضيات حدودنا وأحكامنا عَذاباً أَلِيماً مؤلما أشد إيلام وانتقمنا منهم صعب انتقام
وَقد دمرنا ايضا عاداً وَثَمُودَ يعنى قوم هود وصالح عليهما السلام المكذبين لعموم الأنبياء بتكذيبهم إياهما وانكارهم على ما قد ظهر عليهما من الدعوة الى طريق الحق وَكذا قد دمرنا أَصْحابَ الرَّسِّ ايضا بتكذيبهم رسولهم قيل هم كانوا يعبدون الأصنام فأرسل الله سبحانه إليهم شعيبا عليه السلام فكذبوه وهم يسكنون حينئذ حول الرس وهو البئر الغير المطوية فانهارت فخسف بهم وبديارهم وقيل الرس قرية بفلج اليمامة قد كان فيها بقية قوم ثمود فبعث الله إليهم نبيا فقتلوه فهلكوا وقيل اصحاب الرس هي اصحاب الأخدود وقيل قرية بانطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار وقيل هم اصحاب حنظلة بن صفوان النبي عليه السلام ابتلاهم الله بطير عظيم كان فيها من كل لون وسموها عنقاء لطول عنقها وكانت تسكن جبلهم الذي يقال له فتخ او دمخ وكانت تنقض على صبيانهم فتخطفهم وقت إذ أعوزها الصيد فلذلك سميت مغربا فدعا عليها حنظلة عليه السلام فاصابتها الصاعقة ثم انهم قد كذبوا حنظلة عليه السلام فقتلوه فاهلكوا لذلك وقيل قوم قتلوا نبيهم ورسوه اى دسوه في بئر وَبالجملة قد دمرنا بواسطة تكذيب رسلنا قُرُوناً أخر اى اهل قرون وإعصار قيل القرن أربعون سنة وقيل مائة وعشرون سنة بَيْنَ ذلِكَ المذكور من الأمم الهالكة كَثِيراً لا يعلم عددها الا الله
وَبالجملة كُلًّا اى كل واحد من الأمم الهالكة المذكورة وغير المذكورة قد ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ أولا من الذين هلكوا قبلهم بالتكذيب وبينا له الاحكام والشرائع الموضوعة على مقتضى حكتنا ومصلحتنا فكذبوها ظلما وعدوانا فأهلكناهم بتكذيبهم خيبة وخسرانا بواسطة تلك الخصلة المذمومة المشتركة بينهم وَكُلًّا منهم قد تَبَّرْنا وفتتنا اجزاءه تَتْبِيراً تفتيتا شديدا وتشتيتا بليغا الى حيث لم يبق منهم احد يخلفهم ويحيى اسمهم
ثم أخذ سبحانه بتعيير قريش وتوبيخهم وبيان قساوة قلوبهم وشدة شكيمتهم مع رسول الله وكمال غيهم وغفلتهم عن الله ونهاية عمههم وسكرتهم وعتوهم واستكبارهم وخيلائهم في أنفسهم بحيث لم يتأثروا ولم يتعظوا مما جرى على أمثالهم من العصاة البغاة المتمردين عن الله ورسله فقال سبحانه مؤكدا بالقسم على سبيل التعجب من شدة قسوتهم وَالله لَقَدْ أَتَوْا يعنى القريش كانوا يذهبون الى الشأم للتجارة ويمرون في كل مرة ذهابا وإيابا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي قد أُمْطِرَتْ على أهلها مَطَرَ السَّوْءِ يعنى الحجارة قهرا من الله إياهم وزجرا لهم من سوء فعالهم وخروجهم عن حدود الله وسوء الأدب مع الله ورسوله
يعنى لوطا والقرية سدوم معظم بلاد قوم لوط أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها في مرات مرورهم حتى يتذكروا ويتعظوا منها بَلْ كانُوا يرونها في كل مرة إذ هي على طرف الطريق لكن بكفرهم بالله وبكمال قدرته وعزته لا يَرْجُونَ ولا يأملون نُشُوراً اى يوم ينشرون ويحشرون فيه للجزاء ولا يخافون مما سيجرى عليهم فيه لذلك لم يعتبروا ولم يتعظوا منها ومما جرى على أهلها
وَمن كمال استكبارهم وشدة غيظهم معك يا أكمل الرسل إِذا رَأَوْكَ في المرأى إِنْ يَتَّخِذُونَكَ وما يحدثون عنك وفي شأنك إِلَّا هُزُواً كلاما مشعرا بالاستهانة والاستحقار والسخرية حيث يقولون في كل مرة من مرات رؤيتهم بك متهكمين أَهذَا الَّذِي قد بَعَثَ اللَّهُ إليكم رَسُولًا يرشدكم ويهديكم الى توحيد ربه ويقيم لكم الحجج والبراهين ليصرفكم عن الهتكم وآلهة آبائكم واسلافكم
ومن كمال جده وجهده في شأنه ونهاية سعيه واجتهاده إِنْ كادَ اى انه قد قرب لَيُضِلُّنا ويصرفنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا اى ثبتنا أقدامنا ومكنا قلوبنا ووطنا أنفسنا عَلَيْها اى على عبادة آلهتنا لصرفنا عن آلهتنا البتة وأضلنا عن طريق عبادتهم بسعيه التام وجده البليغ المفرط في ترويج دينه واثبات دعواه وكثرة اظهار ما يخيل له انها حجج ومعجزات وكمال فصاحته في تبيينها وبالجملة لولا صبرنا وثباتنا على ديننا لضللنا عن آلهتنا بإضلاله البتة قال سبحانه ردا عليهم على وجه التنذير والتوبيخ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ أولئك الحمقى الجاهلون حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ النازل عليهم مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا واخطأ طريقا وأسوأ حالا ومآلا أنتم ايها الجاهلون المصرون على الجهل والعناد أم المؤمنون.
ثم قال سبحانه على سبيل التوبيخ لعامة المشركين المتخذين الها من غير الله سواء كانوا مشركين بالشرك الجلى او الخفى المسندين الأفعال والحوادث الكائنة في عالم الكون والفساد الى الأسباب والوسائل العادية بمقتضى اهوية نفوسهم وما ذلك الا لجهلهم بالله وغفلتهم عن احاطة علمه وقدرته وجميع أوصافه وأسمائه بجميع ما ظهر وبطن وكان ويكون أَرَأَيْتَ اى أخبرني يا أكمل الرسل ان كنت من اهل الخبرة والذكاء أتهدي أنت وترشد بسعيك وجهدك الى طريق التوحيد ودين الإسلام مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ اى من اتخذ هوى نفسه ومشتهى قلبه الها يعبده كعبادة الله قدم المفعول الثاني للعناية والاهتمام أَفَأَنْتَ يا أكمل الرسل تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا حفيظا تحفظه عن متابعة هواه ومقتضى طبعه مع انا قد جبلناه على تلك الشقاوة والغي والغباوة وأثبتناه في لوح قضائنا وحضرة علمنا كذلك
أَمْ تَحْسَبُ أنت وتظن من غاية حرصك وشغفك على ايمان هؤلاء الهلكى أَنَّ أَكْثَرَهُمْ اى اكثر المشركين يَسْمَعُونَ كلمة التوحيد سمع قبول ورضاء أَوْ يَعْقِلُونَ ويفهمون معناه وليس بينهم عارف متدرب متدبر الا من سبقت له العناية الازلية والتوفيق بل إِنْ هُمْ وما أكثرهم في حدود ذواتهم إِلَّا كَالْأَنْعامِ يأكلون ويمشون وعن السمع والشعور الفطري معزولون بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا منها إذ هم مجبولون على فطرة المعرفة والشعور والانعام ليس كذلك فهم أسوأ حالا منها فكيف لا يكونون أسوأ حالا وأضل سبيلا من الانعام ومع استعدادهم وقابليتهم لقبول فيضان أنوار التوحيد ومعرفة كيفية سريان الوحدة الذاتية وامتداد اظلالها على هياكل المظاهر والموجودات قد صاروا محرومين عنها وعن شواهدها والاطلاع عليها غافلين عن لذاتها مع انهم انما جبوا لان يدركوها ويشاهدوا عليها وينكشفوا بسرائرها ومع ذلك لا يجتهدون في شأنها بل لا يلتفتون ايضا مع انه سبحانه قد أشار إليها وصرح بها في كتابه العزيز إرشادا لنبيه العزيز صلّى الله عليه وسلّم
وتنبيها على من تبعه من المؤمنين ليتفطنوا منها الى مبدئهم ومعادهم ويتصفوا بكمال المعرفة والتوحيد فقال مخاطبا لحبيبه صلّى الله عليه وسلّم إذا مثال هذه الخطابات الحبيبية لا يسع في سمع غيره صلى الله عليه وسلم
أَلَمْ تَرَ ايها المسترشد البصير والمستكشف الخبير إِلى رَبِّكَ اى مربيك الذي رباك بأنواع الكمالات وهداك الى أعلى المراتب وارفع الدرجات كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ اى كيف مهد وبسط اظلال أوصافه وأسمائه وعكوس شئونه وتطوراته على مرايا الاعدام القابلة للتأثر فيتراءى فيها حسب اقتضاء أسمائه الحسنى وصفاته العليا ما لا يتناهى من الصور العجيبة والهياكل الغريبة حتى توهم المحجوبون الفاقدون بصر البصيرة وظنوا انها موجودات حقيقية متأصلة في الوجود مستقلة في الآثار المرتبة عليها ثم افترقوا فذهب قوم الى انها موجودات متأصلة مستقلة بأنفسها مستغنية عن فاعل خارجى يؤثر فيها الا وهم الدهريون القائلون بان الطبيعة تكفى في تكون الأشياء وإذا وجدت الشرائط وارتفعت الموانع تكون الشيء البتة بلا احتياج الى فاعل خارجى مؤثر في وجوده ولم يتفطنوا أولئك الحمقى العمى ان هذه الصور المرئية والاظلال المحسوسة والعكوس المتشعشعة اللامعة عن سراب العدم باقية على عدمياتها الاصلية ما شمت رائحة من الوجود سوى ان ظل الوجود قد انبسط عليها وانعكس منها وآخر الى انها موجودات حقيقية قديمة بالنوع لها صور ومواد قديمة محتاجة الى فاعل خارجى مؤثر موجب بمقارنة الصورة للمادة وهذا مذهب جمهور الحكماء وهؤلاء الهلكى القاصرون عن درك الحق ومعرفته لم يتنبهوا ايضا ان لا قديم في الوجود الا الله الواحد القهار لمطلق السوى والأغيار وآخر الى انها موجودات حقيقية قد ابدعها الله تعالى من العدم على حسب علمه وقدرته واختياره وارادته بلا وجوب شيء عليه في إيجادها وبلا سبق مادة ومدة عليها وهذا مذهب جمهور المتكلمين المليين وهؤلاء ايضا لم يتفطنوا ان العدم لا يقبل الوجود أصلا كما ان الوجود لا يقبل العدم قطعا إذ بينهما تناقض وتضاد حقيقى وتقابل ذاتى لا يتصف أحدهما بالآخر مطلقا ومنشأ توهم هؤلاء الفرق الثلاث اقتصار نظرهم على الصور المرئية ظاهرا وغفلتهم وذهولهم عن ذي الصورة الذي هي اى الصور المرئية والأشباح المحسوسة عكوس واظلال وآثار له ولو علموا ارتباط هذه الصور المرئية المعدومة بذي الصورة وكوشفوا بوحدة الوجود وشهدوا ان لا موجود الا الله الواحد القهار لجميع السوى والأغيار لم يبق لهم شائبة شك في عدمية هذه الصور المرئية كما لا شك لهم في عدمية الصور المرئية في المرايا والعكوس والاظلال المحسوسة في الماء. ومن لم يجعل الله نورا فماله من نور وَبالجملة لَوْ شاءَ وأراد سبحانه عدم انبساط عكس وجوده وإبقاء العدم على صرافته ولم يجعله مرآة لكمالات جود وجوده ولم يلتفت اليه ولم يتجل عليه لَجَعَلَهُ ساكِناً اى لجعل ظل وجوده مقبوضا غير مبسوط ولفنى العالم دفعة وزال وذهب ما فيه من الصور والأشباح لزوال اسبابها واربابها ثُمَّ أوضحنا هذا المد والبسط بمثال واضح من جملة المحسوسات عناية منا لعبادنا حيث جَعَلْنَا الشَّمْسَ حسب إضاءتها وإشراقها وانبساط نورها وشعاعها على ظلمة الليل المشابه بالعدم عَلَيْهِ اى على بسط الوجود على مرايا الاعدام دَلِيلًا أمثالا واضحا موضحا لكيفية امتداد اظلال الوجود وانعكاسها من العدم وذلك ان الشمس إذا أخذت في الإشراق وبسطت النور على الآفاق قد استنار العالم بعد ما كان مظلما وإذا غربت وقضبت عاد العالم على ظلمته التي كان عليها
ثُمَّ اى بعد قد بسطنا ظل وجودنا على هياكل المظاهر والموجودات قَبَضْناهُ إِلَيْنا دفعا لتوهم الشركة المنافية لصرافة
التوحيد وان كان بحسب الظاهر إذ لا موجود حقيقة الا الواحد القهار قَبْضاً يَسِيراً سهلا بان قدر ناله التغير والتجدد على تعاقب الأمثال ليدل على ان لا وجود لها لذاتها إذ لو كان وجود من نفسها لم يطرأ عليها التغير والانتقال مطلقا فعلم من هذه التغيرات الواقعة في الأكوان ان لا وجود لها لذاتها في الحقيقة بل لا وجود حقيقة الا للواجب الذي هو نفس الوجود المنبسط عليها.
ثم نزل سبحانه عن خطاب حبيبه صلّى الله عليه وسلّم في المعارف والحقائق المتعلقة بالوحدة الذاتية السارية في الأكوان وكيفية ارتباط الأكوان عليها الى مخاطبة العوام على مقتضى استعداداتهم وقابلياتهم فقال وَكيف تغفلون أنتم عن مبدعكم ومظهركم ايها الغافلون مع انه هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً تسترون بظلمته عن أعين الناس لئلا يطلع بعضكم مقابيح بعض وَايضا قد جعل النَّوْمَ فيه سُباتاً راحة للأبدان بعد قطع المشاغل وقضاء الأوطار المتعلقة بالنهار وَايضا قد جَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً تنتشرون فيه في اقطار الأرض لطلب المعاش كل ذلك بتقدير الله وتدبيره وإصلاحه لأمور عباده
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً مبشرا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ اى قدام المطر يبشركم بنزوله وَبعد تبشيرنا إياكم بالرياح المبشرات قد أَنْزَلْنا من مقام جودنا مِنَ جانب السَّماءِ ماءً طَهُوراً متناهيا في الطهارة والنظافة بالغا أقصى غايتها
لِنُحْيِيَ بِهِ اى بالماء بَلْدَةً مَيْتاً قفرا يابسا جامدا بأنواع النباتات والخضروات وَنُسْقِيَهُ اى بالماء مِمَّا خَلَقْنا في البراري والبوادي أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً وهي جمع انسان حذف نونه وعوض منها الياء فأدغم او جمع انسى خصهم بالذكر لان اهل الحضر يسكنون قريب المنابع والأنهار وهم ودوابهم انما يسقون من المطر لبعدهم عن المنابع والأنهار
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ اى المطر بَيْنَهُمْ انعاما لهم وإصلاحا لحالهم وكررنا ذكره في هذا الكتاب وكذا في الكتب السالفة لِيَذَّكَّرُوا ويتفكروا في جلائل نعمنا وانعامنا ويواظبوا على شكرها لنزداد لهم ومع ذلك فَأَبى وامتنع أَكْثَرُ النَّاسِ عن قبوله وتذكره بل ما ازدادوا إِلَّا كُفُوراً اى كفرانا للنعم وإنكارا لمنعمها حيث يقولون منكرين على المنعم قد مطرنا بنوء كذا
وَمن شدة بغيهم وكفرانهم لَوْ شِئْنا وتعلقت مشيئتنا لإنذار كل منهم بمنذر مخصوص لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ من القرى نبيا نَذِيراً ينذرهم عما هم عليه من الكفران والطغيان ولكن قد بعثناك يا أكمل الرسل الى كافتهم وعامتهم تعظيما لشأنك وإجلالا لقدرك ومكانك فلك ان لا تعي من أعباء رسالتنا وتبليغ ما امرناك به ولا تلتفت الى مزخرفاتهم التي أرادوا ان يخدعوك بها
وبالجملة فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ المصرين على الكفر والكفران والعناد والطغيان بحال ولا تتبع أهواءهم مطلقا بل وَجاهِدْهُمْ بِهِ اى بدينك هذا جِهاداً كَبِيراً حتى تقمع وتقلع دينهم الباطل عن أصلها وتروج دينك الحق ترويجا بليغا الى حيث يظهر دينك على الأديان كلها وكفى بالله حسيبا
وَقل لهم تنبيها عليهم كيف تغفلون عن ربكم وتنصرفون عن دينه الموضوع فيكم إصلاحا لحالكم مع انه سبحانه هُوَ الحكيم العليم الَّذِي قد مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ اى الشرك والتوحيد وكلاهما متجاورين متلاصقين في فضاء الوجود مع انه هذا اى التوحيد عَذْبٌ فُراتٌ سائغ شرابه للمتعطشين بزلاله وَهذا اى الشرك والكفر مِلْحٌ أُجاجٌ اى مر مالح في كمال الملوحة والمرارة بحيث يقطع أمعاء شاربيها وَمن كمال لطف الله ومرحمته على عباده قد جَعَلَ سبحانه دين الإسلام والشريعة المصطفوية الموضوعة لضبطه بَيْنَهُما
اى بين التوحيد والشرك بَرْزَخاً مانعا من التصاقهما واتصالهما وَقد جعله حِجْراً مَحْجُوراً اى حدا حصينا محدودا مانعا عن امتزاجهما واختلاطهما
وَكيف تنكرون ايها المنكرون سريان وحدته الذاتية على صفائح مظاهره مع انه سبحانه هُوَ الَّذِي خَلَقَ اى اظهر وأوجد تنبيها لعباده على سر توحيده مِنَ الْماءِ اى النطفة بَشَراً سويا ذا أجزاء مختلفة طبعا وشكلا صلابة ولينا قوة وضعفا رقة وغلظا الى غير ذلك من الصفات المتقابلة والاجزاء المتفاوتة التي قد عجزت عن تشريح جزء من أجزاء شخص من اشخاص نوع الإنسان فحول الحكماء مع توفر دواعيهم لكشفها الى حيث تاهوا وتحيروا عن ضبط ما فيه من الامتزاجات والارتباطات فكيف عن جميع اجزائه وبعد ما قد قدره سبحانه وسواه بكمال قدرته وقوته ووفور حكمته قسمه قسمين فَجَعَلَهُ نَسَباً وقد جعل قسما منه ذكرا ذا نسب ونسل نسب اليه من يخلفه من أولاده الحاصلة من نطفة وَجعل قسما آخر منه صِهْراً أنثى يصاهر بها اى يختلط ويمتزج الذكر معها إبقاء للنوع وتتميما له لبقائه على سبيل التناسل والتوالد الى ما شاء الله وَبالجملة قد كانَ رَبُّكَ الذي رباك يا أكمل الرسل على كمال الذكاء والفطنة في فهم دقائق توحيده ورقائق تجلياته الجلالية والجمالية قَدِيراً على كل ما أراد وشاء بلا فتور وقصور
وَمع كمال قدرته سبحانه وعلو شانه وسطوع برهانه يَعْبُدُونَ من خبث طينتهم وشدة قسوتهم وضغينتهم مِنْ دُونِ اللَّهِ الحقيق بالمعبودية الوحيد في الربوبية والألوهية ذاتا ووصفا واسما ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ يعنى أصناما وأوثانا لا يرجى نفعهم ولا ضرهم لا لأنفسهم ولا لغيرهم وبالجملة لا يملكون شيأ من لوازم الألوهية والربوبية مطلقا وَبالجملة قد كانَ الْكافِرُ الجاهد الجاهل بذات الله وبكمالات أسمائه وصفاته عَلى رَبِّهِ الذي رباه بمقتضى أوصافه وأسمائه ظَهِيراً يظهر عليه بالباطل ويظاهره وينبذ الحق وراء ظهره ويخالفه ولا يلتفت اليه عتوا واستكبارا
وَما أَرْسَلْناكَ يا أكمل الرسل إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً الى كافة البرايا وعامة العباد لتبشرهم وترشدهم على ما ينفعهم وتنذرهم عما يضرهم يعنى تهديهم الى المعرفة والتوحيد الذي هم جبلوا لأجله وتمنعهم عن المفاسد المنافية له ولطريقه وان نسبوك يا أكمل الرسل الى أخذ الجعل والرشى لإرشادك وهدايتك إياهم
قُلْ لهم تبكيتا وإلزاما ما أَسْئَلُكُمْ وما اطلب منكم عَلَيْهِ اى على تبليغى إياكم ما اوحى الى من ربي وإرشادي لكم بمقتضى الوحى الإلهي مِنْ أَجْرٍ جعل ومال آخذه منكم واجعله سببا للجاه والثروة وانواع المفاخرة والمباهات بها كما هو عادة الجهلة المتشيخين في هذا الزمان هم من عونة الشيطان نسبوا أنفسهم الى الصوفية المتشرعين تلبيسا وتغريرا وأخذوا من ضعفاء العوام من حطام الدنيا بعد ما أفسدوا عقائدهم بأنواع التلبيسات والتدليسات وتحليل المحرمات واباحة المحظورات واختزنوها ثم ادعوا بسببها السيادة والرياسة حتى مضوا عليها زمانا وكثروا الاتباع والاحشام بها وهيئوا الأعوان والأنصار بتلبيسهم هذا ثم بعد ذلك قد بغوا على السلطان وقصدوا الخروج على اولى الأمر والطاعة واشتغلوا بتخريب البلدان وإضرار اهل الايمان وقصدوا اموال الأنام واعراضهم وسبى ذراريهم ومع ذلك قد سموا أنفسهم اهل الحق والعدل واصحاب المعرفة والايمان وارباب اليقين والعرفان الا ذلك هو الخسران المبين والطغيان العظيم عصمنا الله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا بل ما أريد واطلب بتبليغي هذا إِلَّا هداية مَنْ شاءَ وأراد سبحانه بتوفيقه إياه ممن قد سبقت لهم العناية الازلية أَنْ يَتَّخِذَ
ويطلب إِلى رَبِّهِ الذي رباه بأنواع الكمالات سَبِيلًا يوصله الى معرفته وتوحيده
وَان انصرفوا عنك يا أكمل الرسل واعرضوا عن هدايتك وارشادك وقصدوا مقتك وقتلك عدوانا وظلما لا تبال يا أكمل الرسل بهم وبشأنهم ولا تحزن عن أمرهم هذا بل تَوَكَّلْ في مقابلتهم ومقاومتهم عَلَى الْحَيِّ القيوم الَّذِي لا يَمُوتُ اى لا يطرأ عليه الموت والفناء وَسَبِّحْ ربك ونزهه عما لا يليق بشأنه مقارنا تسبيحك بِحَمْدِهِ على آلائه ونعمائه الفائضة عليك على التعاقب والتوالي سيما على ما قد اصطفاك من بين البرايا واعطاك الرياسة والسيادة على كافة الأنام والرسالة العامة على قاطبة الأمم وبلغ ما انزل إليك ولا تفرح من ايمانهم ولا تحزن ايضا على كفرهم وطغيانهم وَاعلم انه كَفى بِهِ اى كفى الله سبحانه بِذُنُوبِ عِبادِهِ ما ظهر منهم وما سيظهر وما بطن في استعداداتهم وكمن في قابلياتهم خَبِيراً مطلقا بصيرا على وجه الحضور والشهود ولا يعزب عن حيطة حضرة علمه المحيط شيء منها ومجازيا قديرا ومنتقما عزيزا يجازيهم بقدرته بمقتضى اطلاعه وخبرته
وكيف لا يعلم ولا يطلع سبحانه بعموم ما ظهر وما بطن إذ هو القادر الخالق الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ اى ابدعهما واظهرهما وَما بَيْنَهُما من كتم العدم بلا سبق الهيولى والزمان فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ اى في الجهات والأقطار الستة المحفوفة بها عموم الكوائن والفواسد ثُمَّ بعد ما كمل ترتيبها على ابلغ النظام قد اسْتَوى وتمكن وبسط واستولى عَلَى الْعَرْشِ اى عروش عموم المظاهر بالاستيلاء التام والبسطة العامة الغالبة الرَّحْمنُ الذي قد وسعت رحمته وعمت مرحمته على كل ما ظهر وما بطن غيبا وشهادة فَسْئَلْ بِهِ اى بما ذكر من خبرة الله واحاطة علمه وقدرته وإظهاره عموم ما برز وخفى وغاب وشهد واحاطته وشموله واستيلائه على عروش عموم الأكوان بالرحمة العامة الشاملة خَبِيراً بصيرا اذله خبرة تامة وولاية كاملة يخبرك بصدقها ارباب القلوب الصافية الواصلين الى مرتبة الكشف والشهود ممن سبقت لهم العناية الازلية وجذبته الجذبة الجالبة الغالبة الإلهية من قبل الحق المفنية لهم عن ذنوب انانياتهم الباطلة المبقية لهم ببقاء الحق الحقيق بالحقية
وَمع ظهور استيلاء الحق وانبساطه على عروش ذرائر الأكوان إِذا قِيلَ لَهُمُ على وجه الإيقاظ عن نعاس النسيان والتنبيه عن نومة الحرمان ورقدة الخذلان اسْجُدُوا واخضعوا وتذللوا لِلرَّحْمنِ المظهر من كتم العدم بسعة رحمته وجوده قالُوا منكرين له مع كمال ظهوره مستفهمين على سبيل الاستغراب والاستبعاد وَمَا الرَّحْمنُ الذي أنت تدعونا الى سجوده وقد أتوا في سؤالهم بلفظة ما من غاية نكارته عندهم وشدة انكارهم عليه قائلين ايضا أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا يعنى انخضع ونتذلل اى كل منا لكل مما تأمرنا بسجوده وتذلله أنت من تلقاء نفسك بلا برهان لاح لدينا ودليل ظهر علينا وَبالجملة ما زادَهُمْ قولك وأمرك هذا إياهم الا نُفُوراً عن الحق وطريق توحيده بخبث طينتهم وشدة شكيمتهم وغاية غيهم وقسوتهم
وكيف يتنفرون وينصرفون أولئك الجاهلون الغافلون عن سجوده سبحانه مع انه قد تَبارَكَ وتعالى شأنه ان ينصرف عنه ويتنفر عن عبادته احد من عباده سبحانه مع كثرة خيراته وبركاته عليهم لأنه الَّذِي قد جَعَلَ فِي السَّماءِ اى العلويات بُرُوجاً لتكون منازل الكواكب المدبرة للأمور الارضية وَبعد ما هيأها سبحانه على ابلغ النظام وابدعه قد جَعَلَ فِيها سِراجاً اى شهبا مضيئة دائرة من بروج الى بروج وَقَمَراً مُنِيراً منقلبا من منزل الى منزل من المنازل المذكورة المعروفة
ليحصل من دورانهما وانقلاباتهما الفصول الاربعة المصلحة لأحوال ما في السفليات من المواليد الثلاثة
وَكيف تغفلون عن الصانع الحكيم ايها الضالون المكابرون مع انه سبحانه هُوَ الحكيم العليم المدبر العظيم الَّذِي جَعَلَ لكم اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً متعاقبة متجددة مخلفا أحدهما بالآخر ليكونا مرصدا وميقاتا لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ يتذكر لآلاء الله المتوالية المتتالية عليه الفائضة من عنده على تعاقب الأوقات والآنات وتتابع الازمنة والساعات أَوْ أَرادَ شُكُوراً اى أراد ان يشكر على نعمائه الواصلة اليه في خلالهما
وَالمتذكرون لآلاء الله المواظبون لأداء حقوقها حسب طاقتهم وقدر قوتهم هم عِبادُ الرَّحْمنِ الواصلون الى مرتبة الرضوان الفائزون بلقاء الحنان المنان اللائح على صفائح الأكوان وعلامتهم انهم الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى وجه الْأَرْضِ التي هي محل انواع الفتن والفسادات هَوْناً هينين لينين بلا منازعة وجدال مع احد من بنى نوعهم وبلا سوء خصال وقبح فعال معهم من كبر وخيلاء وعجب ورياء وَهم من كمال سكينتهم ووقارهم وتلطفهم لعباد الله إِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ بعلو شأنهم ورفعة مكانتهم ومكانهم سيما بما يكرهون من الشتم والوقاحة والاستهزاء قالُوا من سلامة نفوسهم وطيب قلوبهم سَلاماً وتسليما عليهم بلا تغير منهم وتأثر من قولهم وتركا لانتقامهم ومخاصمتهم توطينا لنفوسهم على التسليم والرضا بجريان القضاء من غاية الحلم وكظم الغيظ هكذا حالهم وشغلهم بين الناس في النهار
واما في الليل وَهم الَّذِينَ يَبِيتُونَ ويدخلون في الليل بائتين قد صاروا في خلاله لِرَبِّهِمْ سُجَّداً ساجدين واضعين جباههم على تراب المذلة والهوان طلبا لمرضاة الله بلا شوب السمعة والرياء والعجب والهوى لكونهم خالين في خلاله مع الله بلا وقوف احد عليهم وَقِياماً قائمين بين يدي الله تواضعا وإكراما
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ في مناجاتهم مع الله ورفع حاجاتهم نحوه سيما أعقاب صلواتهم وتهجداتهم في خلواتهم رَبَّنَا يا من ربانا بأنواع الكرامات اصْرِفْ عَنَّا بفضلك وجودك عَذابَ جَهَنَّمَ المعدة لعصاة عبادك إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً حتما لازما لنا لولا فضلك بنا وإحسانك علينا فإنهم مع كمال توجههم وتحننهم نحو الحق على وجه الإخلاص ورسوخهم في الأعمال الصالحة الخالصة بلا فوت شيء من لوازمها خائفون وجلون عن بطشه سبحانه وانتقامه لأنهم لا يتكؤن ولا يتكلون الى أعمالهم وطاعاتهم ولا يثقون بها بل ما يعتمدون ولا يثقون ولا يتمسكون الا بفضل الله وسعة رحمته وجوده قائلين مستبعدين من النار إِنَّها اى جهنم البعد والحرمان قد ساءَتْ مُسْتَقَرًّا لا يستقر احد فيها ساعة وآنا وَكيف ان يكون لنا مُقاماً نقيم فيها زمانا
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا مما رزقهم الله من الأطائب المكتسبة بالأيدي على الفقراء والمساكين لَمْ يُسْرِفُوا في الانفاق الى ان وصل حد التبذير المذموم عقلا وشرعا وَلَمْ يَقْتُرُوا في الإمساك والمنع ايضا الى ان وصل حد التقتير المحرم المكروه المنكر شرعا وعقلا ومروءة وعادة وَبالجملة قد كانَ انفاقهم بَيْنَ ذلِكَ قَواماً وسطا عدلا بين طرفي الإفراط والتفريط المذمومين الساقطين عن درجة الاعتبار عند الله وعند المؤمنين المسقطين للنفس عن الاعتدال الحقيقي المقبول عند الله وعند عموم عباده
وَبالجملة أولئك المعتدلون المقسطون هم الموحدون الَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ الواحد المستقل بالالوهية والربوبية إِلهاً آخَرَ يستحق للعبودية مثله وَمن جملة خصائلهم الحميدة انهم لا يَقْتُلُونَ بحال من الأحوال النَّفْسَ الَّتِي
قد حَرَّمَ اللَّهُ الحكيم العليم المتقن في أفعاله وأحكامه قتلها إذ كل نفس من النفوس البشرية انما وضعت وبنيت لتكون بيتا لله مهبطا لوحيه والهامه منزلا ومحلا لحلول سلطان وحدته الذاتية ومجلى لظهور أسمائه الحسنى وصفاته العظمى فلا يصح ولا يجوز هدم بيته وتخريب بنائه إِلَّا بِالْحَقِّ اى بالرخصة الشرعية الموضوعة بوضع الله سبحانه حدا او قصاصا وَمن جملة أخلاقهم الحميدة انهم لا يَزْنُونَ عدوانا وعدولا عن مقتضى الحد الشرعي والوضع الإلهي في حفظ النسب وعن اختلاط النطف والمياه إذ هو من اخس المحرمات وافحش المحظورات لذلك عقبه سبحانه بالوعيد الهائل تنبيها لفظاعتها فقال وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ اى الزنا التي هي الفعلة الشنيعة والديدنة القبيحة المتناهية في القبح والشناعة المستكرهة عند الطبائع السليمة المسقطة للمروءة الفطرية والعدالة الإلهية يَلْقَ يوم الجزاء أَثاماً اى جزاء مسمى بالآثام مبالغة وتأكيدا كان اسم الإثم موضوع له حقيقة وهو الجامع لجميع ما يطلق عليه اسم الإثم مبالغة ادعاء لذلك
يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ لا تضعيفا مرة بل أضعافا كثيرة وَمع ذلك التضعيف والتشديد يَخْلُدْ ويدم فِيهِ اى في العذاب مُهاناً صاغرا ذليلا بين عموم اهل النار إذ الزنا من أقبح الجرائم عند الله وأفحشها إذ لا جرم عنده سبحانه أعظم من هتك محارمه أعاذنا الله وعموم عباده من ذلك
إِلَّا مَنْ تابَ عما جرى عليه من سوء القضاء ورجع الى الله نادما عن فعله خائبا خاسرا مستحيا من الله خائفا عن بطشه مكذبا لنفسه معيرا عليها متأوها متحسرا عما صدر عنها وَمع ذلك قد آمَنَ بتوحيد الله وأكد توبته بتجديد الايمان المقارن بالإخلاص الصائن للمؤمنين عن ارتكاب عموم المحظورات المنافية للايمان وَبالجملة قد جدد إيمانه معتقدا انه حين صدور الزنا عنه لم يكن مؤمنا ومع اظهار التوبة على وجه الندم والإخلاص وتجديد الايمان ساعة فساعة قد عَمِلَ عَمَلًا صالِحاً منبئا عن إخلاصه في إيمانه وتوبته مشعرا على يقينه ومعرفته دالا على انابته ورجوعه عن ظهر القلب وصميم الفؤاد فَأُوْلئِكَ السعداء التائبون الآئبون المقبولون هم الذين يُبَدِّلُ اللَّهُ الحكيم المصلح لأحوال عباده بعد ما وفقهم على التوبة الخالصة والانابة الصحيحة الوثيقة سَيِّئاتِهِمْ التي قد أتوا بها قبل التوبة حَسَناتٍ بعدها بان يمحو سبحانه بفضله معاصيهم المثبتة في صحائف أعمالهم قبل انابتهم ويثبت بدلها حسنات بعدها وَكانَ اللَّهُ المطلع لسرائر عباده وإخلاصهم غَفُوراً لهم متجاوزا عن ذنوبهم وان عظمت بعد ما جاءوا بالتوبة الخالصة رَحِيماً عليهم يقبل توبتهم ويعفو زلتهم
وَبالجملة مَنْ تابَ ورجع الى الله نادما على ما مضى عليه من المعاصي وَعَمِلَ عملا صالِحاً تلافيا لما فات عليه من الطاعات والحسنات جابرا بما انكسر من قوائم إيمانه واعمدة يقينه وعرفانه فَإِنَّهُ يَتُوبُ ويرجع إِلَى اللَّهِ المفضل المحسن الكريم الرحيم مَتاباً توبة مقبولة عند الله مرضية دونه سبحانه
وَبالجملة المؤمنون المقبولون المبرورون عند الله هم الَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ والشهادة الباطلة المسقطة للعدالة والمروءة رأسا وَايضا إِذا مَرُّوا فجاءة بغتة بلا سبق ترقب وتجسس بِاللَّغْوِ مطلقا اى ما يجب ان يلقى ويطرح من المكروهات الشرعية والمحظورات والمستهجنات سواء كانت قولية او فعلية قد مَرُّوا عليها كِراماً مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه مستغفرين من الله لمن ابتلاه الله به غاضين أبصارهم عن تدقيق النظر نحوه وتكرير المشاهدة اليه والمبالغة في المطارحة والمطالعة فيه وبالجملة قد مروا باللغو على وجه التلطف والرفق والتستر والتليين
بحيث يستحيى من غاية رفقهم ولطفهم المبتلون به لعل الله يتوب عليهم بكرامة رفقهم وبكرمه سبحانه بحيث لا يحومون حول ذلك اللغو بعد ذلك أصلا ولا يرومونه مطلقا لو جبلوا على فطرة الهداية والكرامة
وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا ووعظوا بِآياتِ رَبِّهِمْ الدالة على توحيده واستقلاله في ألوهيته وربوبيته لَمْ يَخِرُّوا ولم يسقطوا عَلَيْها اى على تلك الآيات صُمًّا أصمين غافلين عما فيها من الأوامر والنواهي والعبر والأمثال والرموز والإشارات وَعُمْياناً عميا عن مطالعة آثار أوصافه الجلالية وصفاته الجمالية فيها بل يخرون ويتذللون عند سماعها داعين حافظين بما فيها من المواعظ والتذكيرات المتعلقة لأحوالهم في النشأتين مطالعين منها آثار الأوصاف والأسماء الذاتية الإلهية ناظرين عليها بنظر العبرة والاستبصار مسترشدين منها حسب ما يسر الله لهم ووفقهم عليه
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ داعين نحونا مناجين إلينا متضرعين قائلين رَبَّنا يا من ربانا على فطرة التوحيد والإيقان هَبْ لَنا بفضلك وسعة لطفك وجودك ممن في حوزتنا وحيطتنا وكشف حفظنا وجوارنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ اى اجعلهم بحيث تقر وتتنور عيوننا برؤيتهم من كمال صلاحهم وسدادهم ممتثلين بعموم أوامرك مجتنبين عن جميع نواهيك وَبعد ما قد وهبت لنا ولاهلينا يا مولانا ما تقر به عيوننا من الاتقاء عن محارمك والامتثال بأوامرك اجْعَلْنا بلطفك لِلْمُتَّقِينَ المحترزين الحذرين الحاذرين الخائفين عن محارمك ومنهياتك إِماماً مقتدى لهم مرشدا إياهم حسب توفيقك وتيسيرك نرشدهم الى طريق توحيدك وسبيل تقريدك وتمجيدك
وبالجملة أُوْلئِكَ السعداء المقبولون عند الله المذكورة اوصافهم من قوله سبحانه وعباد الرحمن الى هنا هم الذين يُجْزَوْنَ عند ربهم تفضلا عليهم وامتنانا الْغُرْفَةَ التي هي عبارة عن أعلى درجات الجنان وارفع مقاماتها كل ذلك بِما صَبَرُوا اى بسبب صبرهم وثباتهم على مشاق الطاعات والعبادات ومتاعب الرياضات والتحمل على قطع التعلقات وترك المألوفات وعلى الذب والانصراف عن جملة المشتهيات والمستلذات وَبعد ما استقروا عليها يُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وترحيبا من قبل الملائكة من جميع الجوانب والجهات وَسَلاماً اى سلامة وتسليما لهم عن جميع الآفات والعاهات
خالِدِينَ فِيها اى الجنة لا يتحولون عنها ولا يتبدلون بل دائمون فيها مقيمون لذلك قد حَسُنَتْ الجنة مُسْتَقَرًّا لهم يستقرون فيها ويتمكنون عليها وَمُقاماً يقيمون ويتوطنون.
ثم لما دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عموم المشركين الى طريق الايمان والتوحيد وأمرهم بالطاعة والانقياد بعموم ما أمرهم الله ونهاهم سبحانه عنه بمقتضى الوحى والإلهام والكتاب المنزل من عنده وكذبوه وأنكروا له مكابرة وعنادا قائلين نحن لا نؤمن بك ولا بكتابك ولا بربك الذي ادعيت الرسالة من عنده ولا نطيع بما أمرنا به ونهينا عنه مطلقا وبالجملة نحن لا نقبل منك عموم ما جئت به من قبل ربك ونسبته اليه افتراء ومراء رد الله عليهم بقولهم هذا على ابلغ وجه وآكده مخاطبا لحبيبه صلّى الله عليه وسلّم آمرا له بقوله قُلْ يا أكمل الرسل بعد ما انصرفوا عن دعوتك وعن الايمان بك وبربك وبكتابك ما يَعْبَؤُا بِكُمْ وما يبالى ولا يعتد لا بايمانكم ولا بكفركم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ اى إطاعتكم وعبادتكم إياه وانقيادكم له فَقَدْ كَذَّبْتُمْ أنتم بي وبربي وانكرتم بجميع ما جئت به من عنده سبحانه عنادا ومكابرة الزموا مكانكم فتربصوا وانتظروا لجزاء تكذيبكم وانكاركم فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً اى سيكون جزاء تكذيبكم وانكاركم حتما لازما ملازما عليكم جزما لا مقطع عنكم ابدا بل يكبكم سبحانه في النار خالدين صاغرين ويعذبكم فيها ذليلين مهانين نعوذ بك يا ذا القوة المتين
السورة التالية
Icon