0:00
0:00

سورة الفرقان
مكية وآياتها سبع وسبعون
هذه السورة مكية في قول الجمهور، وقال الضحاك :هي مدنية، وفيها آيات مكية، قوله : ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ﴾ الآيات١.
١ وقال ابن عباس رضي الله عنهما، وقتادة: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي: ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر﴾ إلى قوله: ﴿وكان الله غفورا رحيما﴾..

﴿ تبارك ﴾ وزنه تفاعل وهو مطاوع بارك من البركة، وبارك فاعل من واحد معناه زاد، و ﴿ تبارك ﴾ فعل مختص بالله تعالى لم يستعمل في غيره، ولذلك لم يصرف منه مستقبل ولا اسم فاعل، وهو صفة فعل١ أي كثرت بركاته ومن جملتها إنزال كتابه الذي هو ﴿ الفرقان ﴾ بين الحق والباطل، وصدر هذه السورة إنما هو رد على مقالات كانت لقريش، فمن جملتها قولهم إن القرآن افتراه محمد صلى الله عليه وسلم وإنه ليس من عند الله فهو ردّ على هذه المقالة، وقرأ الجمهور «على عبده »، وقرأ عبد الله بن الزبير «على عباده ». والضمير في قوله ﴿ ليكون ﴾ يحتمل أن يكون وهو عبده المذكور وهذا تأويل ابن زيد، ويحتمل أن يكون ل ﴿ الفرقان ﴾، وأما على قراءة ابن الزبير فهو ل ﴿ الفرقان ﴾ لا يحتمل غير ذلك إلا بكره، وقوله ﴿ للعالمين ﴾ عام في كل إنسي وجني عاصره أو جاء بعده وهو متأيد من غير ما موضع من الحديث المتواتر وظاهر الآيات، و «النذير » المحذر من الشر والرسول من عند الله نذير، وقد يكون ﴿ نذيراً ﴾ ليس برسول كما روي في ذي القرنين وكما ورد في رسل رسل الله إلى الجن فإنهم نذر وليسوا برسل الله.
١ هو صفة فعل على التأويل الذي ذكره ابن عطية، وقد يكون صفة ذات ولكن على التأويلات الأخرى التي ذكرها المفسرون، فقد قال ابن عباس رضي الله عنهما: تبارك: لم يزل ولا يزول، وقال الخليل: تمجد، وقال الضحاك: تعظم..
وقوله ﴿ الذي له ملك السماوات ﴾ الآية هي من الرد على قريش في قولهم :إن لله شريكاً، وفي قولهم :اتخذ البنات، وفي قولهم في التلبية :إلا شريك هو لك. وقوله ﴿ خلق كل شيء ﴾، هو عام في كل مخلوق وتقدير الأشياء هو حدها بالأمكنة والأزمان والمقادير والمصلحة والإتقان.
ثم عقب تعالى ذكر هذه الصفات التي هي للألوهية بالطعن على قريش في اتخاذهم آلهة ليست لهم هذه الصفات، فالعقل يعطي أنهم ليسوا بآلهة وقوله، ﴿ وهم يخلقون ﴾، يحتمل أن يريد يخلقهم الله بالاختراع والإيجاد، ويحتمل أن يريد يخلقهم البشر بالنحت والنجارة وهذا التأويل أشد إبداء لخساسة الأصنام، وخلق البشر تجوز ولكن العرب تستعمله١ ومنه قول زهير :
ولأنت تفري ما خلقت وبع. . . ض القوم يخلق ثم لا يفري٢
وهذا من قولهم خلقت الجلد إذا عملت فيه رسوماً يقطع عليها والفري هو أن يقطع على ترك الرسوم، وقوله، ﴿ موتاً ولا حياة ﴾ يريد إماتة ولا إحياء، و «النشور » بعث الناس من القبور.
١ هكذا في الأصول، ونعتقد أن الصواب: "وخلق البشر لا يجوز، ولكن العرب تستعمله" حتى لا يكون تناقض في الكلام، ومع ذلك ففي اللسان أن الخلق في كلام العرب: ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه، وفيه أيضا: الخلق بمعنى التقدير، يقال: خلق الأديم يخلقه خلقا: قدره قبل القطع وقاسه ليقطع منه مزادة أو قربة أو خفا- فقد ينسب الخلق إلى البشر بهذا المعنى، وعليه جاء قول زهير..
٢ خلق هنا بمعنى: قدر الأمر، من قولهم: خلق الأديم يخلقه بمعنى: قدره وقاسه قبل القطع ليقطع منه ما يريد من مصنوعات كالقربة أو الخف أو المزادة، وأما الفري فهو التقطيع نفسه، يقال: فريت الشيء أفريه فريا: شققته وقطعته- على جهة الإصلاح- وأفريته: قطعته على جهة الإفساد، والمراد هنا الإصلاح، ومعنى البيت: أنت تنفذ ما تعزم عليه وتقدره. قال في (اللسان- فرا): وهو مثل..
المراد ب ﴿ الذين كفروا ﴾ قريش وذلك أن بعضهم قال ﴿ هذا إفك ﴾ وكذب ﴿ افتراه ﴾ محمد واختلف المتأولون في «القوم » المعينين على زعم قريش، فقال مجاهد أشاروا إلى قوم من اليهود، وقال ابن عباس أشاروا إلى عبيد كانوا للعرب من الفرس أحدهم أبو فكيهة مولى الحضرميين وجبر ويسار وعداس وغيرهم، ثم أخبر الله تعالى عنهم أنهم ما ﴿ جاؤوا ﴾ إلا إفكاً ﴿ وزوراً ﴾ أي ما قالوا إلا باطلاً وبهتاناً، و «الزور » تحسين الباطل هذا عرفه وأصله التحسين مطلقاً، ومنه قول عمر رضي الله عنه :فأردت أن أقدم بين يدي أبي بكر مقالة كنت زورتها.
وقوله ﴿ وقالوا أساطير الأولين ﴾، قال ابن عباس يعني بذلك قول النضر بن الحارث، وذلك أن كل ما في القرآن من ذكر ﴿ أساطير الأوليين ﴾ فإنما هو بسبب قول النضر ابن الحارث حسب الحديث المشهور في ذلك ثم رموا محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه ﴿ اكتتبها ﴾ وقرأ طلحة بن مصرف «اكتُتِبها » بضم التاء الأولى وكسر الثانية على معنى اكتتب له، ذكرها أبو الفتح١، وقرأ طلحة «تُتلى » بتاء بدل الميم.
١ قال أبو الفتح عثمان بن جني في "المحتسب" :"إن قراءة العامة: [اكتتبها] معناه: استكتبها، ولا يكون معناه: كتبها أي: كتبها بيده؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان أميا لا يكتب، وهو من تمام إعجازه... وإذا كان كذلك فمعنى: [اكتتبها] إنما هو: استكتبها، وهو على القلب، أي: استكتبت له، ومثله في القلب قراءة من قرأ: ﴿قدروها تقديرا﴾، أي: قدرت لهم"، وبعد أن ساق شواهد شعرية على القلب في العربية قال: "وليس ممتنعا أن يكون قوله: [اكتتبها]: كتبها، وإن لم يل ذلك بيده، إلا أنه لما كان عن رأيه أو أمره نسب ذلك إليه، وفي الحديث: (من اكتتب َضِمنا كان له كذا) أي: زمنا، يعني كتب اسمه في الفرض، فعلى هذا يكون [اكتتبها] أي: اكتتبت له". هذا هو كلام ابن جني كاملا ذكرناه لأن ابن عطية اختصره..
ثم أمره تعالى أن يقول إن الذي أنزله هو الله ﴿ الذي يعلم ﴾ سر جميع الأشياء التي ﴿ في السماوات والأرض ﴾ ثم أعلم بأنه غفور رحيم ليرجي كل سامع في عفوه ورحمته مع التوبة والإنابة، والمعنى أن الله غفور رحيم في إبقائه على أهل هذه المقالات.
الضمير في قوله ﴿ قالوا ﴾ لقريش، وذلك أنهم كان لهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلس مشهور، ذكره ابن إسحاق في السير وغيره، مضمنة أن سادتهم عتبة بن ربيعة وغيره اجتمعوا معه فقالوا يا محمد إن كنت تحب الرياسة وليناك علينا، وإن كنت تحب المال جمعنا لك من أموالنا١، فلما أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجعوا في باب الاحتجاج عليه فقالوا له ما بالك وأنت رسول الله تأكل الطعام وتقف بالأسواق وتريد التماس الرزق، أي إن من كان رسول الله مستغن عن جميع ذلك، ثم قالوا له سل ربك أن ينزل معك ملكاً ينذر معك أو يلقي إليك كنزاً تنفق منه، أو يرد لك جبال مكة ذهباً أو تزال الجبال ويكون مكانها جنات تطرد فيها المياه، وأشاعوا هذه المحاجة فنزلت الآية وكتبت اللام مفردة من قولهم ﴿ ما ل ﴾ هذا إما لأن على المصحف قطع لفظه فاتبعه الكاتب، وإما لأنهم رأوا أن حروف الجر بابها الانفصال نحو «في ومن وعلى وعن ». وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وعاصم وابن عامر «يأكل منها » بالياء، وقرأ حمزة والكسائي «نأكل منها » بالنون وهي قراءة ابن وثاب وابن مصرف وسليمان بن مهران٢.
١ أخرجه ابن إسحق، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس رضي الله عنهما، والخبر طويل تجده في السيرة، وفي الدر المنثور، وفيه من أسماء المشركين: عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو سفيان، والنضر بن الحارث، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل، وغيرهم. .
٢ لقب بالأعمش، واعتاد ابن عطية رحمه الله قبل ذلك أن يذكره بلقبه، واسمه سليمان بن مهران، أبو محمد، أسدي بالولاء، تابعي مشهور، أصله من بلاد الري، نشأ وتوفي بالكوفة، وكان عالما بالقرآن والحديث والفرائض، وروى نحو ١٣٠٠ حديث، قال عنه الذهبي: كان رأسا في العلم النافع والعمل الصالح، وقال السخاوي: لم ير السلاطين والملوك والأغنياء في مجلس أحقر منهم في مجلس الأعمش مع شدة حاجته وفقره. (ابن سعد، وتذكرة الحفاظ، وتاريخ بغداد، والوفيات)..
ثم أخبر تعالى عنهم وهم ﴿ الظالمون ﴾ الذين أشير إليهم أنهم قالوا حين يئسوا من محمد صلى الله عليه وسلم إن يتبعون إلا رجلاً مسحوراً، أي قد سحر فهو لا يرى مراشده، ويحتمل ﴿ مسحوراً ﴾ أن يكون من السحر وهي الرؤية١ فكأنهم ذهبوا إلى تحقيره، أي رجلاً مثلكم في الخلقة، ذكره مكي وغيره.
١ قال في (اللسان- سحر): والسحر أيضا: الرئة، والجمع أسحار، وسحر، وسحور، وقد يحرك فيقال: سحر، مثل نهر ونهر، وفي حديث عائشة رضي الله عنها: (مات رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سحري ونحري)، أي: مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مستند إلى صدرها وما يحاذي سحرها منه.
ويظهر أن في الكلام نقضا، وأن بعضه قد سقط من النساخ قبل قوله: يجوز أن يكون من السحر، ومما روي عن العلماء في ذلك أن يكون المعنى: غلب على عقله السحر، أو يسحر بالطعام وبالشراب، أي: يغذى بهما، أو أصيب سحره، كما تقول: رأسته، أي: أصبت رأسه..

ثم نبّهه الله تعالى مسلياً عن مقالتهم فقال ﴿ انظر كيف ضربوا لك الأمثال ﴾ بالمسحور والكاهن والساحر وغيره ﴿ فضلوا ﴾ أي أخطئوا الطريق فلا يجدون سبيل هداية ولا يطيقونه لالتباسهم بضده من الضلال.
وقوله تعالى : ﴿ تبارك الذي ﴾ الآية رجوع بأمور محمد صلى الله عليه وسلم إلى الله تعالى، أي هذه جهتك لا هؤلاء الضالون في أمرك، والإشارة في ذلك قال مجاهد هي إلى ما ذكره الكفار من الكنز والجنة في الدنيا، وقال ابن عباس هي إلى أكله الطعام ومشيه في الأسواق، وقال الطبري والأول أظهر.
قال القاضي أبو محمد :لأن هذا التأويل الثاني يوهم أن الجنّات والقصور التي في هذه الآية هي في الدنيا وهذا تأويل الثعلبي وغيره، ويرد ذلك قوله تعالى بعد ذلك ﴿ بل كذبوا بالساعة ﴾١ [ الفرقان :١١ ] والكل محتمل، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحفص ونافع وأبي عمرو وحمزة والكسائي «ويجعلْ » بالجزم على العطف على موضع الجواب في قوله ﴿ جعل ﴾ لأن التقدير «تبارك الذي إن يشأ يجعل ».
وقرأ أبو بكر عن عاصم أيضاً وابن كثر وابن عامر «ويجعلُ » بالرفع والاستئناف، وهي قراءة مجاهد، ووجوه العطف على المعنى في قوله ﴿ جعل ﴾ لأن جواب الشرط هو موضِع الاستئناف، ألا ترى أن الجمل من الابتداء والخبر قد تقع موقع جواب الشرط، وقرأ عبد الله بن موسى وطلحة بن سليمان «ويجعلَ » بالنصب وهو على تقدير «أن » في صدر الكلام، قال أبو الفتح هي على جواب الجزاء بالواو وهي قراءة ضعيفة، وأدغم الأعرج ﴿ ويجعل لك ﴾ وروي ذلك عن ابن محيصن، و «القصور » البيوت المبنية بالجدرات قاله مجاهد وغيره، وكانت العرب تسمي ما كان من الشعر والصوف والقصب٢ بيتاً، وتسمي ما كان بالجدرات قصراً لأنه قصر عن الداخلين٣ والمستأذنين.
١ قيل: لا يرده لأن المعنى به متمكن، وهو عطف على ما حكي عنهم، يقول: بل أتي بأعجب من ذلك كله وهو تكذيبهم بالساعة. وقد قال ابن عطية: والكل محتمل..
٢ القصب: كل نبات كانت ساقه أنابيب وكعوبا، ونبات مائي من الفصيلة النجيلية له سوق طوال (الغاب البلدي)..
٣ في القرطبي: "لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه"..
المعنى ليس بهم في تكذيبك ومشيك في الأسواق بل إنهم كفرة لا يفقهون الحق، فقوله ﴿ بل ﴾ ترك لنفس اللفظ المتقدم لا لمعناه على ما تقتضيه «بل » في مشهور معناها، ﴿ وأعتدنا ﴾ جعلنا معداً، والعتاد ما يعد من الأشياء، و «السعير » طبق من أطباق. جهنم.
وقوله ﴿ إذا رأتهم ﴾ يريد جهنم، ﴿ إذا ﴾ اقتضاها لفظ السعير ولفظ ﴿ رأتهم ﴾ يحتمل الحقيقة ويحتمل المجاز على معنى صارت منهم على قدر ما يرى الرائي من البعد إلا أنه ورد حديث يقتضي الحقيقة، ويحتمل المجاز، في هذا ذكر الطبري وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ بين عيني جهنم مقعده من النار »، فقيل يا رسول الله أو لجهنم عينان ؟ فقال : «اقرؤوا إن شئتم ﴿ إذا رأتهم من مكان بعيد ﴾١ الآية، وروي في بعض الآثار أن البعد الذي تراهم منه مسيرة خمسمائة سنة، وقوله ﴿ سمعوا لها تغيظاً ﴾ لفظ فيه تجوز وذلك أن التغيظ لا يسمع وإنما المسموع ألفاظ دالة على التغيظ، وهي لا شك احتدامات في النار كالذي يسمع في نار الدنيا إذا اضطربت، ونسبة هذا المسموع الذي في الدنيا من ذلك نسبة الإحراق من الإحراق وهي سبعون درجة كما ورد في الصحيح، و » الزفير «صوت ممدود كصوت الحمار المرجع في نهيقه، قال النقاش » الزفير «آخر صوت الحمار عند نهيقه، قال عبيد بن عمير إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى ملك ولا نبي إلا خرّ ثم ترعد فرائصه، »
١ وأخرجه الطبراني، وابن مردويه من طريق مكحول عن أبي أمامة، وأخرج مثله عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق خالد بن دريك عن رجل من الصحابة..
والمكان الضيق «منها، هو يقصد إلى التضييق عليهم في المكان من النار وذلك نوع من التعذيب، قال صلى الله عليه وسلم » إنهم ليكرهون في النار كما يكره الوتد في الحائط ١«أي يدخلون كرها وعنفاً، وقال ابن عباس :تضيق عليهم كما يضيق الزج على الرمح، وقرأ ابن كثير وعبيد عن أبي عمرو » ضيقاً «بتخفيف الياء والباقون يشدّدون و ﴿ مقرنين ﴾ معناه مربوط بعضهم إلى بعض، وروي أن ذلك بسلاسل من نار، والقرينان من الثيران ما قرنا بحبل للحرث ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
إذا لم يزل حبل القرينين يلتوي. . . فلا بد يوماً من قوى أن تجدما٢
وقرأ أبو شيبة المهري صاحب معاذ بن جبل رحمه الله » مقرنون «بالواو وهي قراءة شاذة، والوجه قراءة الناس.
١ أخرج ابن أبي حاتم عن يحيى بن أبي أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن قول الله: ﴿وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين﴾ قال: (والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط)..
٢ لم نتمكن من قراءة الكلمتين الأخيرتين في البيت –على أن الشاهد فيه هو كلمة "القرينين" في الشطر الأول، وهما الثوران اللذان قرنا بحبل واحد عند الحرث، أو كل اثنين قرنا بحبل لأي غرض من الأغراض..
وقوله ﴿ ثبوراً ﴾ مصدر وليس بالمدعو، ومفعول ﴿ دعوا ﴾ محذوف تقديره دعوا من لا يجيبهم أو نحو هذا من التقديرات، ويصح أن يكون » الثبور «هو المدعو كما تدعى الحسرة والويل، والثبور قال ابن عباس هو الويل، وقال الضحاك هو الهلاك ومنه قول ابن الزبعرى : [ الخفيف ]
إذ أجاري الشيطان في سنن الغ. . . ي ومن مال ميله مثبور١
وقوله ﴿ لا تدعوا ﴾ إلى آخر الآية معناه يقال لهم على معنى التوبيخ والإعلام بأنهم يخلدون أي لا تقتصروا على حزن واحد بل احزنوا كثيراً لأنكم أهل لذلك.
١ عبد الله بن الزبعرى كان شاعر قريش، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ثم أسلم بعد فتح مكة، وحين أسلم قال أبياتا من الشعر، روى منها ابن إسحق أربعة أبيات في السيرة، وهذا البيت واحد منها، وأجاري: أباري وأعارض، والسنن (بفتح السين المشددة والنون الأولى): الطريق، ومثبور: هالك. وابن عطية يستشهد بالبيت على أن معنى الثبور هو: الهلاك..
المعنى ﴿ قل ﴾ يا محمد لهؤلاء الكفرة الذين هم بسبيل مصير إلى هذه الأحوال من النار، ﴿ أذلك خير أم جنة الخلد ﴾ ؟ وهذا على جهة التوقيف والتوبيخ، ومن حيث كان الكلام استفهاماً جاز فيه مجيء لفظ التفضيل بين الجنة والنار في الخير لأن الموقف جائز له أن يوقف محاورة على ما يشاء ليرى هل يجيبه بالصواب أو بالخطأ، وإنما يمنع سيبويه وغيره من التفضيل بين شيئين لا اشتراك بينهما في المعنى الذي فيه تفضيل إذا كان الكلام خبراً لأنه فيه مخالفة، وأما إذا كان استفهاماً فذلك سائغ١، وقيل الإشارة بقوله ﴿ أذلك ﴾ إلى الجنات التي تجري من تحتها الأنهار وإلى القصور التي في قوله ﴿ تبارك الذي إن شاء جعل لك ﴾ [ الفرقان :١٠ ]، وهذا على أن يكون الجعل في الدنيا وقيل الإشارة بقوله ﴿ أذلك خير ﴾ إلى الكنز والجنة التي ذكر الكفار.
قال الفقيه الإمام القاضي :والأصح إن شاء الله أن الإشارة بقوله ﴿ أذلك ﴾ إلى النار كما شرحناه آنفاً، و ﴿ المتقون ﴾ في هذه الآية من اتقى الشرك فإنه داخل في الوعد.
١ ذكر أبو حيان كلام ابن عطية هذا ثم عقب عليه بقوله: "وما ذكره يخالفه قوله: (فشركما لخير كما الفداء)، وقوله تعالى: ﴿قال رب السجن أحب إلي﴾ فإن هذا خبر، وكذلك قولهم: "العسل أحلى من الخل" إلا أن تقييد الخبر بأنه إذا كان واضحا الحكم فيه للسامع بحيث لا يختلج في ذهنه ولا يتردد أيهما أفضل فإنه يجوز".
وقال بعض المفسرين: إن [خير] هنا لا تدل على الأفضلية، بل هي على ما جرت عليه عادة العرب في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابلة، وحسان بن ثابت حين قال مخاطبا أبا سفيان: (فشركما لخيركما الفداء) كان يريد بيان فضل النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يرد أبدا أن ينسب شيئا من الخير لأبي سفيان، ويوسف عليه السلام لم يكن يرى في الفاحشة ما يجعله محبا لها، وإنما أراد أن يبين مقدار حبه للسجن في هذه الأحوال التي يرى نفسه فيها، وكلام ابن عطية على جانب كبير من الصواب، ووجهة نظره تستحق الاعتبار، والخبر واضح في ذهن السامع لا يتردد فيه، وهو الشرط الذي ذكره أبو حيان..

ثم تختلف المنازل في الوعد بحسب تقوي المعاصي١، وقوله ﴿ وعداً مسؤولاً ﴾ يحتمل معنيين وهو قول ابن عباس رضي الله عنه وابن زيد إنه مسؤول لأن المؤمنين سألوه أو يسألونه، وروي أن الملائكة سألت الله نعيم المتقين فوعدهم بذلك، قال محمد بن كعب هو قول الملائكة ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم٢، والمعنى الثاني ذكره الطبري عن بعض أهل العربية أن يريد وعداً واجباً قد حتمه فهو لذلك معد أن يسأل ويقتضي٣ وليس يتضمن هذا التأويل أن أحداً سأل الوعد المذكور.
١ أي: يبقى المتقون في درجات مختلفة داخل الوعد، ودرجاتهم تختلف بحسب درجاتهم في التقوى والبعد عن المعاصي..
٢ من الآية ٨ من سورة غافر، وقيل: هو وعد الله للمؤمنين بالجنة، سألوه ذلك الوعد فقالوا: ﴿ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك﴾..
٣ لأنه كالدين يطلبه صاحبه، وهو واجب بدون سؤال أو طلب، فقد أصبح حقا لصاحبه..
المعنى واذكر يوم، والضمير في ﴿ نحشرهم ﴾ للكفار، وقوله ﴿ وما يعبدون ﴾ يريد به كل شيء عبد من دون الله فغلب العبارة عما لا يعقل من الأوثان لأنها كانت الأغلب وقت المخاطبة، وقرأ ابن كثير وعاصم في رواية حفص والأعرج وأبو جعفر «يحشرهم » «فيقول » بالياء، وفي قراءة عبد الله «وما يعبدون من دونك »، وقرأ الأعرج «نحشِرهم » بكسر الشين وهي قليل في الاستعمال قوية في القياس لأن يفعِل بكسر العين في المتعدي أقيس من يفعُل بضم العين١، وهذه الآية تتضمن الخبر عن أن الله يوبّخ الكفار في القيامة بأن يوقف المعبودين على هذا المعنى ليقع الجواب بالتبري من الذنب فيقع الخزي على الكافرين، واختلف الناس في الموقف المجيب في هذه الآية، فقال جمهور المفسرين هو كل من ظلم بأن عبد ممن يعقل كالملائكة وعزير وعيسى وغيرهم، وقال الضحاك وعكرمة الموقف المجيب الأصنام التي لا تعقل يقدرها الله تعالى يومئذ على هذه المقالة ويجيء خزي الكفرة لذلك أبلغ.
١ قال أبو حيان في (البحر المحيط) تعقيبا على كلام ابن عطية: "وهذا ليس كما ذكر، بل (فعل) المتعدي الصحيح جميع حروفه، إذ لم يكن للمبالغة، ولا حلقي عين ولا لام، فإنه جاء على يفعل ويفعل كثيرا، فإن شهر أحد الاستعمالين اتبع وإلا فالخيار، حتى أن بعض أصحابنا خير فيهما سمعا للكلمة أو لم يسمعا"..
وقرأ جمهور الناس «نَتخذ » بفتح النون وذهبوا بالمعنى إلى أنه من قول من يعقل وأن هذه الآية بمعنى التي في سورة سبأ : ﴿ ويوم نحشرهم جميعاً ثم نقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم ﴾١ [ سبأ :٤٠ - ٤١ ]، وكقول عيسى عليه السلام ﴿ وما قلت لهم إلا ما أمرتني به ﴾٢ [ المائدة :١١٧ ]، و ﴿ من أولياء ﴾ في هذه القراءة في موضع المفعول به، وقرأ أبو جعفر والحسن وأبو الدرداء وزيد بن ثابت وأبو رجاء ونصر بن علقمة ومكحول وزيد بن علي وحفص بن حميد٣ «نُتخذ » بضم النون، وتذهب هذه مذهب من يرى أن الموقف المجيب الأوثان ويضعف هذه القراءة دخول ﴿ من ﴾ في قوله ﴿ من أولياء ﴾، اعترض بذلك سعيد بن جبير، وغيره، قال أبو الفتح ﴿ من أولياء ﴾ في موضع الحال٤ ودخلت ﴿ من ﴾ زائدة لمكان النفي المتقدم كما تقول ما اتخذت زيداً من وكيل، وقرأ علقمة «ما ينبغي » بسقوط «كان » وثبوتها أمكن في المعنى، لأنهم أخبروا على حال كانت في الدنيا ووقت الإخبار لا عمل فيه، وفسّر هذا المجيب بحسب الخلاف فيه الوجه في ضلال الكفار كيف وقع، وأنه لما متعهم الله تعالى بالنعم الدنياوية وأدرها لهم ولأسلافهم الأحقاب الطويلة ﴿ نسوا الذكر ﴾ أي ما ذكر به الناس على ألسنة الأنبياء، و ﴿ بوراً ﴾، معناه هلكاً، والبوار الهلاك واختلف في لفظة بور، فقالت فرقة هو مصدر يوصف به الجمع والواحد ومنه قول ابن الزبعرى :{ الخفيف ]
يا رسول المليك إن لساني. . . راتق ما فتقت إذ أنا بور٥
وقالت فرقة هي جمع بائر وهو الذي قد فارقه الخير فحصل بذلك في حكم الهلاك باشره الهلاك بعد أو لم يباشر، قال الحسن البائر الذي لا خير فيه.
١ الآية ٤٠ ومن الآية ٤١ من سورة سبأ..
٢ من الآية ١١٧ من سورة المائدة..
٣ هو حفص بن حميد القمي بالقاف، أبو عبد الله، روى عن عكرمة، وروى عنه أشعث بن إسحاق وغيره، وثقه النسائي..
٤ أي: على قراءة [نُتَخذ]بضم النون، أما على قراءة الجمهور [نَتَّخذ] بفتح النون فإنها عنده في موضع المفعول به أيضا، قال: فهي كقولك: ضربت رجلا، فإن نفيت قلت: ما ضربت من رجل (المحتسب)..
٥ هذا البيت من الأبيات التي قالها ابن الزبعرى بعد إسلامه، وهو فيها يخاطب الرسول صلى الله عليه وسلم فيقول:
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
إذ أجاري الشيطان في سنن الغـ ي، ومن مال ميله مثبور
و "راتق ما فتقت": مصلح ما أفسدت حين كنت أباري الشيطان في طريق الضلال، وأصل الرتق: سد ما في الثوب الممزق من خروق وإصلاحها، والشاهد هنا أن (بور) معناها: هالك..

وقوله تعالى : ﴿ فقد كذبوكم ﴾ الآية خطاب من الله تعالى بلا خلاف، فمن قال إن المجيب الأصنام كان معنى هذه إخبار الكفار أن أصنامهم قد كذبوهم، وفي هذه الأخبار خزي وتوبيخ، والفرقة التي قالت إن المجيب هو الملائكة وعزير وعيسى ونحوهم اختلفت في المخاطب بهذه الآية، فقالت فرقة المخاطب الكفار على جهة التقريع والتوبيخ وقالت فرقة المخاطب هؤلاء المعبودون أعلمهم الله تعالى أن الكفار بأفعالهم القبيحة قد كذبوا هذه المقالة وزعموا أن هؤلاء هم الأولياء من دون الله، وقالت فرقة خاطب الله تعالى المؤمنين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أي كذبوكم أيها المؤمنون الكفار فيما تقولونه من التوحيد والشرع، وقرأ ابن كثير وأبو بكر عن عاصم «بما يقولون فما يستطيعون » بالياء فيهما، وقرأ حفص عن عاصم «بما تقولون فما تستطيعون » بالتاء فيهما، وقرأ الباقون وأبو بكر أيضاً عن عاصم والناس «تقولون » بالتاء من فوق «فما يستطيعون » بالياء من تحت، ورجحها أبو حاتم، وقرأ أبو حيوة «يقولون » بالياء، من تحت «فما تستطيعون » بالتاء من فوق، وقال مجاهد الضمير في «يستطيعون » هو للمشركين، قال الطبري وفي مصحف ابن مسعود، «فما يستطيعون لك صرفاً » وفي قراءة أبي بن كعب «لقد كذبوك فما يستطيعون لك »، قال أبو حاتم في حرف عبد الله «لكم صرفاً » على جمع الضمير، و ﴿ صرفاً ﴾ معناه ردّ التكذيب أو العذاب أو ما اقتضاه المعنى بحسب الخلاف المتقدم، وقوله ﴿ ومن يظلم منكم نذقه، ﴾، قيل هو خطاب للكفار، وقيل للمؤمنين، والظلم هنا الشرك قاله الحسن وابن جريج وقد يحتمل أن يعم غيره من المعاصي، وفي حرف أبي «ومن يكذب منكم نذقه عذاباً كبيراً ».
هذه الآية رد على كفار قريش في استبعادهم أن يكون من البشر رسول وقولهم ﴿ مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ﴾ [ الفرقان :٧ ] فأخبر الله تعالى محمداً صلى الله عليه وسلم وأمته أنه لم يرسل قبل في سائر الدهر نبياً إلا بهذه الصفة، والمفعول ب ﴿ أرسلنا ﴾ محذوف يدل عليه الكلام تقديره رجلاً أو رسلاً، وعلى هذا المحذوف المقدر يعود الضمير في قوله ﴿ إلا إنهم ﴾ وذهبت فرقة إلى أن قوله ﴿ ليأكلون الطعام ﴾ كناية عن الحدث، وقرأ جمهور الناس «ويَمْشون » بفتح الياء وسكون الميم وتخفيف الشين، وقرأ علي وعبد الرحمن وابن مسعود «يُمَشَّون » بضم الياء وفتح الميم وشد الشين المفتوحة بمعنى يدعون إلى المشي ويحملون عليه، وقرأ أبو عبد الرحمن١ بضم الياء وفتح الميم وضم الشين المشددة وهي بمعنى يمشون ومنه قول الشاعر : [ الطويل ]
أمشي بأعطان المياه وأبتغي. . . قلائص منها صعبة وركوب٢
ثم أخبر عز وجل أن السبب في ذلك أن الله تعالى أراد أن يجعل بعض العبيد ﴿ فتنة ﴾ لبعض على العموم في جميع الناس مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، والفقير الشاكر فتنة للغني، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس الكفار في عصره، وكذلك العلماء وحكام العدل، وقد تلا ابن القاسم هذه الآية حين رأى أشهب٣، والتوقيف ب ﴿ أتصبرون ﴾ خاص للمؤمنين المحقين فهو لأمة محمد صلى الله عليه وسلم كأنه جعل إمهال الكفار فتنة للمؤمنين أي اختباراً ثم وقفهم هل يصبرون أم لا٤، ثم أعرب قوله ﴿ وكان ربك بصيراً ﴾ عن الوعد للصابرين والوعيد للعاصين.
١ هو أبو عبد الرحمن السلمي، قاله في القرطبي..
٢ يروى البيت: "ومشى بأعطان المياه وابتغى" بضمير الغائب، وفي روح المعاني: (ذلول) بدلا من (ركوب). والعطن للإبل كالوطن للإنسان، وقد غلب على مبركها حول الحوض، والجمع أعطان. والقلائص جمع قلوص، وهي من الإبل: الفتية المجتمعة الخلق وذلك من حين تركب إلى التاسعة من عمرها، ثم هي الناقة. والركوب: يريد بها التي ذللت واعتادت الركوب عليها، وهي ضد الصعبة التي لم تستأنس، أو التي تنفر من الراكب ولا تقبل الجلوس فوقها. والشاهد في البيت أن مشى بالتشديد تكون بمعنى مشى بالتخفيف..
٣ ابن القاسم صاحب مالك رحمه الله، وقد رأى أشهب بن عبد العزيز في مملكته عابرا عليه، فتلا الآية، ثم أجاب نفسه بقوله: سنصبر..
٤ الفتنة: أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى، والصبر أن يحبس كل منهما نفسه، المعافى عن البطر، والمبتلى عن الضجر، وقوله سبحانه: [أتصبرون]؟ محذوف الجواب، يعني: أم لا؟ ومن أجل هذا أجاب ابن القاسم حين رأى أشهب في ملكه فقال: سنصبر..
ثم أخبر عن مقالة الكفار ﴿ لولا أنزل علينا الملائكة ﴾ الآية، وقوله ﴿ يرجون ﴾ قال أبو عبيدة وقوم معناه يخافون والشاهد لذلك قول الهذلي : [ الطويل ]
إذا لسعته النحل لم يرج لسعها. . . وخالفها في بيت نوب عوامل١
قال القاضي أبو محمد :والذي يظهر لي أن الرجاء في هذه الآية والبيت على بابه لأن خوف لقاء الله تعالى مقترن أبداً برجائه، فإذا نفي الرجاء عن أحد فإنما أخبر عنه أنه مكذب بالبعث لنفي الخوف والرجاء، وفي ذكر الكفار بنفي الرجاء تنبيه على غبطة ما فاتهم من رجاء الله تعالى، وأما بيت الشعر المذكور فمعناه عندي لم يرج دفعها ولا الانفكاك عنها فهو لذلك يوطن على الصبر ويجد في شغله، ولما تمنت كفار قريش رؤية ربهم أخبر تعالى عنهم أنهم عظموا أنفسهم وسألوا ما ليسوا به بأهل، ﴿ وعتوا ﴾، معناه صعبوا عن الحق واشتدوا، ويقال عتو وعتي على الأصل، وعتي معلول باستثقال الضم على الواو فقلبت ياء ثم كسر ما قبلها طلب التناسب٢.
١ لم يرج: لم يخف ولم يبال، وخالفها (بالخاء): جاء إلى عسلها وهي غائبة ترعى وقد سرحت، خالفها إلى العسل، ويروى: حالفها (بالحاء المهملة) والمعنى: رزمها، ونوب: تنتاب المرعى فتأكل ثم ترجع فتعسل، وقال أبو عبيدة: إنما سميت نوبا لسواد فيها، ونوب: لا واحد له من لفظه، وقيل: بل هو نائب ونوب، مثل: عائذ وعوذ، والبيت من قصيدة له مطلعها:
أساءلت رسم الدار أم لم تسائل عن السكن أو عن عهده بالأوائل؟.

٢ جاءت الآية هنا عتوا: ﴿وعتوا عتوا كبيرا﴾ بالواو، وهذا على الأصل، وفي سورة مريم بالياء في قوله تعالى: ﴿وقد بلغت من الكبر عتيا﴾ على استثقال اجتماع الواوين والقلب لمناسبة الفواصل. هذا ما ذكره أبو حيان وابن عطية، وقال الفراء: وجاز أن يكون المصدر بالياء أيضا لأن المصدر والأسماء تتفق في هذا المعنى، ألا ترى أنهم يقولون: قاعد وقوم قعود، وقعدت قعودا، فلما استويا هاهنا في القعود لم يبالوا أن يستويا في العتو والعتي..
المعنى في هذه الآية أن الكفار لما قالوا ﴿ لولا أُنزل علينا الملائكة ﴾ [ الفرقان :٢١ ]، أخبر الله تعالى أنهم ﴿ يوم يرون الملائكة ﴾ إنما هو يوم القيامة، وقد كان أول الآية يحتمل أن يريد يوم تفيض أرواحهم، لكن آخرها يقتضي أن الإشارة إلى يوم القيامة، وأمر العوامل في هذه الظروف بين إذا تأمل فاختصرناه لذلك، ومعنى هذه الآية أن هؤلاء الذين تمنّوا نزول الملائكة لا يعرفون ما قدر الله في ذلك فإنهم ﴿ يوم يرون الملائكة ﴾ هو شر لهم و ﴿ لا بشرى ﴾ لهم بل لهم الخسار ولقاء المكروه و ﴿ يومئذ ﴾، خبر ﴿ لا بشرى ﴾ لأن الظروف تكون إخباراً عن المصادر.
الضمير في قوله ﴿ ويقولون ﴾، قال الحسن وقتادة والضحاك ومجاهد هو ل ﴿ لملائكة ﴾، المعنى وتقول الملائكة للمجرمين ﴿ حجراً محجوراً ﴾ عليكم البشرى، أي حراماً محرماً. والحجر الحرم ومنه قول المتلمس جرير بن عبد المسيح : [ البسيط ].
حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها. . . حجر حرام الا تلك الدهاريس١
وقال مجاهد أيضاً وابن جريج إن الضمير في قوله ﴿ ويقولون ﴾ هو للكفار المجرمين قال ابن جريج كانت العرب إذا كرهوا شيئاً قالوا حجراً، قال مجاهد ﴿ حجراً ﴾ عوذاً، يستعيذون من الملائكة٢.
قال الفقيه الإمام القاضي :ويحتمل أن يكون المعنى ويقولون حرام محرم علينا العفو، وقد ذكر أبو عبيدة أن هاتين اللفظتين عوذة للعرب يقولها من خاف آخر في الحرم أو في شهر حرام إذا لقيه وبينهما ترة.
قال الفقيه الإمام القاضي :وهذا المعنى هو مقصد بيت المتلمس الذي تقدّم، أي هذا الذي حننت إليه ممنوع. وقرأ الحسن وأبو رجاء «حُجراً » بضم الحاء، والناس على كسرها.
١ جرير بن عبد المسيح عرف باسم المتلمس، والبيت من شواهد أبي عبيدة في مجاز القرآن، وهو في (اللسان- دهرس)، والرواية فيه: (حجت) بدلا من (حنت)، وحنت: اشتاقت، والنخلة القصوى: موضع على ليلة من مكة، وحجر (بالحاء المثلثة): حرام، والدهاريس: الدواهي واحدها دهرس (بكسر الدال وضمها). والضمير في (حنت) يعود على ناقته، يقول لها بعد أن حنت إلى تلك النخلة: ممنوع عليك تلك الأماكن. وفي معجم البكري روي البيت: (بسل عليك) بدلا من (حجر حرام)، والمعنى واحد.
٢ قال الليث: "ظنوا أن ذلك ينفعهم كفعلهم في الدنيا"..
ثم أخبر تعالى عما يأتي عليه قضاؤه وفعله فقال حكاية عن يوم القيامة ﴿ وقدمنا ﴾ أي قصد حكمنا وإنفاذنا ونحو هذا من الألفاظ اللائقة، وقيل هو قدوم الملائكة أسنده إليه لأنه عن أمره، وحسنت لفظة ﴿ قدمنا ﴾ لأن القادم على شيء مكروه لم يقدره ولا أمر به مغير له مذهب، وأما قول الراجز :
وقدم الخوارج الضلال. . . إلى عباد ربنا فقالوا :
إن دماءكم لنا حلال. . . ١ فالقدوم فيه على بابه، ومعنى الآية وقصدنا إلى أعمالهم التي هي في الحقيقة لا تزن شيئاً إذ لا نية معها فجعلناها على ما تستحق لا تعد شيئاً وصيرناها ﴿ هباء منثوراً ﴾ أي شيئاً لا تحصيل له، والهباء هي الأجرام المستدقة الشائعة في الهواء التي لا يدركها حس إلا حين تدخل الشمس على مكان ضيق يحيط به الظل كالكوة أو نحوها، فيظهر حينئذ فيما قابل الشمس أشياء تغيب وتظهر فذلك هو الهباء، ووصفه في هذه الآية ب ﴿ منثور ﴾، ووصفه في غيرها ب «منبث »٢، فقالت فرقة هما سواء، وقالت فرقة المنبث أرق وأدق من المنثور لأن المنثور يقتضي أن غيره نثره كسنابك الخيل والريح أو هدم حائط أو كنس ونحو ذلك، والمنبث كأنه هو انبث من دقته، وقال ابن عباس٣ الهباء المنثور، ما تسفي به الرياح وتبثه، وروي عنه أنه قال أيضاً الهباء الماء المهراق والأول أصح والعرب تقول أهبات الغبار والتراب ونحوه إذا بثثته وقال الشاعر { الحارث بن حلزة اليشكري ] : [ الخفيف ]
وترى خلفها من الربع والوق. . . ع منيناً كأنه أهباء٤
ومعنى هذه الآية جعلنا أعمالهم لا حكم لها ولا منزلة.
١ استشهد أبو عبيدة بهذا الرجز في (مجاز القرآن) وابن عطية يرى أن القدوم في الرجز على بابه، أما في الآية فإن القدوم يقصد معه التغيير لشيء مكروه..
٢ وذلك في الآية رقم (٦) من سورة الواقعة، حيث يقول تبارك وتعالى عن الجبال: ﴿فكانت هباء منبثا﴾..
٣ هو ابن عباس رضي الله عنهما..
٤ البيت للحارث بن حلزة، وهو من معلقته التي ألقاها في مجلس عمرو بن هند، وبدأها بقوله:
آذنتنا ببينها أسماء رب ثاو يمل منه الثواء
والبيت في وصف ناقته التي آنست صوتا وأفزعها القناص وقد دنا الإمساء كما يقول في البيت السابق، والرجع: رجع قوائمها، والوقع: وقع خفافها، والمنين: الغبار الدقيق، والأهباء: الغبار المتفرق، يقول: لقد هربت، وجعلت تعدو بسرعة مثيرة خلفها الغبار الرقيق المتفرق. هذا – وكلمة (هباء) ليست من ذوات الهمز، وإنما همزت لالتقاء الساكنين، ولهذا يقال في التصغير: هبي في موضع الرفع، والواحد هباة، والجمع أهباء، ويؤيد هذا بيت الحارث المذكور..

ثم أخبر عز وجل بأن مستقر أهل الجنة ﴿ خير ﴾ من مستقر أهل النار، وجاءت ﴿ خير ﴾، ها هنا للتفضيل بين شيئين لا شركة بينهما، فذكر الزجاج وغيره في ذلك أنه لما اشتركا في أن هذا مستقر وهذا مستقر فضل الاستقرار الواحد.
قال القاضي أبو محمد :ويظهر لي أن هذه الألفاظ التي فيها عموم ما، يتوجّه حكمها من جهات شتى، نحو قولك :أحب وأحسن وخير وشر، يسوغ أن يجاء بها بين شيئين لا شركة بينهما، فتقول السعد في الدنيا أحب إليّ من الشقاء إذ قد يوجد بوجه ما من يستحب الشقاء كالمتعبد والمغتاظ وكذلك في غيرها، فإذا كانت أفعل في معنى بين أن الواحد من الشيئين لا حظ له فيه بوجه فسد الإخبار بالتفضيل به، كقولك الماء أبرد من النار، ومن هذا إنك تقول في ياقوته ومدرة١ وتشير إلى المدرة هذه أحسن وخير وأحب وأفضل من هذه، ولو قلت هذه ألمع وأشد شراقة من هذه لكان فاسداً، وقوله ﴿ مقيلاً ﴾ ذهب ابن عباس والنخعي وابن جريج إلى أن حساب الخلق يكمل في وقت ارتفاع النهار، ويقيل أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار فالمقيل من القائلة.
قال الفقيه الإمام القاضي :ويحتمل أن اللفظة إنما تضمنت تفضيل الجنة جملة، فالعرب تفضل البلاد بحسن المقيل لأن وقت القائلة يبدو فساد هواء البلاد، فإذا كان بلد في وقت فساد الهواء حسناً جاز الفضل، ومن ذلك قول الأسود بن يعفر الإيادي : [ الكامل ].
أرض تخيرها لطيب مقيلها. . . كعب بن مامة وابن أم دؤاد٢
١ المدرة: واحدة المدر، وهو قطع الطين اليابس، وقيل: الطين العلك الذي لا رمل فيه..
٢ الأسود بن يعفر شاعر جاهلي فصيح، كان ينادم النعمان، ولما أسن كف بصره، وبيته من المفضلية ٤٤، وهي من مختار الشعر، وفيه يصف بلاد إياد بأنها طيبة المقيل، ولهذا اختارها كعب بن مامة، وابن أم دؤاد- وكعب مشهور بالجود عند العرب، فقد آثر بنصيبه من الماء رفيقه النمري فمات عطشا، وضرب به المثل في الجود، (راجع الشعر والشعراء)، وابن أم دؤاد هو أبو دؤاد الإيادي جارية بن الحجاج، وكان في عصر كعب بن مامة، ويقال إن كعب بن مامة أجار أبي دؤاد حين أخافه بعض الملوك بضرب المثل بجار أبي دؤاد، قال طرفة:
إني كفاني من هم هممت به جار كجار الحذاقي الذي انتصفا
والحذاقي هو أبو دؤاد، وحذاق قبيلة من إياد..

وقوله ﴿ ويوم تشقق السماء بالغمام ﴾ يريد يوم القيامة عن انفطار السماء ونزول الملائكة ووقوع الجزاء بحقيقة الحساب، وقرأ نافع وابن كثير وابن عامر : «تشّقّق » بشد الشين والقاف. وقرأ الباقون بتخفيف الشين، وقوله ﴿ بالغمام ﴾ أي يشقق عنه، والغمام سحاب رقيق أبيض جميل لم يره البشر بعد إلا ما جاء في تظليل بني إسرائيل، وقرأ جمهور القراء : «ونُزِّل الملائكةُ » بضم النون وشدّ الزاي المكسورة ورفع «الملائكةُ » على مفعول لم يسم فاعله، وقرأ أبو عمرو في رواية عبد الوهاب : «ونزِل » بتخفيف الزاي المكسورة، قال أبو الفتح :وهذا غير معروف لأن «نَزَل » لا يتعدى إلى مفعول فيبنى هنا «للملائكة »، ووجهه أن يكون مثل زُكم الرجل وجُن، فإنه لا يقال إلا أزْكمه الله وأَجنَّه وهذا باب سماع لا قياس١. وقرأ أبو رجاء : «ونَزّل الملائكة » بفتح النون وشدّ الزاي. وقرأ الأعمش، «وأنزل الملائكة ». وكذلك قرأ ابن مسعود. وقرأ أبي بن كعب : «ونزلت الملائكة ». وقرأ ابن كثير وحده : ٢ «وننزل الملائكةَ » بنونين وهي قراءة أهل مكة، فرويت عن أبي عمرو «ونُزِّل الملائكةُ » بإسناد الفعل إليها. وقرأت فرقة : «وتنزل الملائكة ». وقرأ أبي بن كعب أيضاً : «وتنزلت الملائكة ».
١ ويقول أبو الفتح أيضا بعد ذلك: "فإما أن يكون ذلك لغة لم تقع إلينا، وإما أن يكون على حذف المضاف، يريد: ونزل نزول الملائكة، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فأقام [الملائكة] مقام المصدر الذي كان مضافا إليها، كما فعل الأعشى في قوله:
ألم تغتمض عيناك ليلة أرمدا وبت كما بات السليم مسهدا؟
فهو يريد: اغتماض ليلة أرمد، فنصب (ليلة) إذا إنما هو المصدر لا على الظرف؛ لأنه لم يرد: ألم تغتمض عيناك في ليلة أرمد، وإنما أراد: ألم تغتمض عيناك من الشوق والأسف اعتماضا مثل اغتماض ليلة رمد العين"..

٢ يعني وحده من السبعة..
ثم قرّر أن «الملك الحق هو يومئذ للرحمن »، إذ قد بطل في ذلك اليوم كل ملك وعسره ﴿ على الكافرين ﴾ توجه بدخول النار عليهم فيه وما في خلال ذلك من المخاوف، وقوله : ﴿ على الكافرين ﴾ دليله، أن ذلك اليوم سهل على المؤمنين. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله ليهون القيامة على المؤمنين حتى يكزن أخف عليهم من صلاة مكتوبة صلوها »١.
١ أخرجه أحمد في مسنده (٣-٧٥) عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: (قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يوما كان مقداره خمسين ألف سنة، ما أطول هذا اليوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا)..
قوله ﴿ ويوم ﴾ ظرف العامل فيه فعل مضمر، وعض اليدين هو فعل النادم الملهوف المتفجّع، وقال ابن عباس وجماعة من المفسرين : ﴿ الظالم ﴾ في هذه الآية عقبة بن أبي معيط، ذلك أنه كان أسلم أو جنح إلى الإسلام وكان أبي بن خلف الذي قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده يوم أحد ﴿ خليلاً ﴾ لعقبة فنهاه عن الإسلام فقبل نهيه، فنزلت الآية فيهما
ف ﴿ الظالم ﴾ عقبة. و «فلان » أبي. وفي بعض الروايات عن ابن عباس أن ﴿ الظالم ﴾ أبي، فإنه كان يحضر النبي صلى الله عليه وسلم فنهاه عقبة فأطاعه.
قال الفقيه الإمام القاضي :ومن أدخل في هذه الآية أمية بن خلف فقد وهم إلا على قول من يرى ﴿ الظالم ﴾ اسم جنس، وقال مجاهد وأبو رجاء الظالم اسم جنس و «فلان » الشيطان.
قال الفقيه الإمام القاضي :ويظهر أن ﴿ الظالم ﴾ عام وأن مقصد الآية تعظيم يوم القيامة وذكر هوله بأنه يوم تندم فيه الظلَمَة وتتمنى أن لو لم تطع في دنياها خلانها الذين أمروهم بالظلم، فلما كان خليل كل ظالم غير خليل الآخر، وكان كل ظالم يسمي رجلاً خاصاً به عبر عن ذلك ب «فلان » الذي فيه الشياع التام ومعناه واحد من الناس، وليس من ظالم إلا وله في دنياه خليل يعينه ويحرضه، هذا في الأغلب ويشبه أن سبب الآية وترتب هذا المعنى كان عقبة وأبياً، وقوله ﴿ مع الرسول ﴾ يقوي ذلك بأن يجعل تعريف ﴿ الرسول ﴾ للعهد والإشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى التأويل الأول التعريف بالجنس، وكلهم قرأ «يا ليتني » ساكنة الياء غير أبي عمرو فإنه حرك الياء في «ليتني اتخذت » ورواها أبو خليد عن نافع مثل أبي عمرو، و «السبيل » المتمناة هي طريق الآخرة، وفي هذه الآية لكل ذي نهية١ تنبيه على تجنب قرين السوء، والأحاديث والحكم في هذا الباب كثيرة مشهورة٢.
١ النهية: العقل..
٢ من ذلك ما روي في الصحيح من حديث أبي موسى (واللفظ لمسلم) عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد ريحا طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة)، وذكر أبو بكر البزار عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قيل يا رسول الله، أي جلسائنا خير؟ قال: (من ذكركم بالله رؤيته، وزاد في علمكم منطقه، وذكركم بالآخرة عمله). ولقد أحسن من قال:
تجنب قرين السوء واصرم حباله فإن لم تجد عنه محيصا فداره
وأحبب حبيب الصدق واحذر مراءه تنل منه صفو الود ما لم تماره
وقال آخر:
اصحب خيار الناس حيث لقيتهم خير الصحابة من يكون عفيفا.

وقوله ﴿ يا ويلتى ﴾ التاء فيه١ عوض من الياء في يا ويلي والألف هي التي في قولهم يا غلاماً وهي لغة، وقرأت فرقة بإمالة ﴿ يا ويلتى ﴾ قال أبو علي :وترك الإمالة أحسن لأن أصل هذه اللفظة الياء ﴿ يا ويلتى ﴾ فبدلت الكسرة فتحة والياء ألفاً فراراً من الياء، فمن أمال رجع إلى الذي فر منه أولاً.
١ الصواب أن يقال: الفتحة فيه عوض عن الياء، لأن الياء ذهبت، وجاءت بدلا منها الفتحة لتناسب الألف، ويؤيد هذا كلام أبي علي بعد ذلك..
و ﴿ الذكر ﴾، هو ما ذكر به الإنسان أمر آخرته من قرآن أو موعظة ونحوه، وقوله : ﴿ وكان الشيطان للإنسان خذولاً ﴾ يحتمل أن يكون من قول ﴿ الظالم ﴾ ويحتمل أن يكون ابتداء إخبار من الله تعالى على جهة الدلالة على وجه ضلالتهم والتحذير من الشيطان الذي بلغهم ذلك المبلغ.
وقوله تعالى : ﴿ وقال الرسول ﴾، حكاية عن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الدنيا وتشكيه ما يلقى من قومه، هذا قول الجمهور، وهو الظاهر، وقالت فرقة هو حكاية عن قوله ذلك في الآخرة، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «قومي » بتحريك الياء والباقون بسكونها، و ﴿ مهجوراً ﴾ يحتمل أن يريد مبعداً مقصياً من الهَجر بفتح الهاء. وهذا قول ابن زيد. ويحتمل أن يريد مقولاً فيه الهُجر بضم الهاء١ إشارة إلى قولهم شعر وكهانة وسحر وهذا قول مجاهد وإبراهيم النخعي.
قال القاضي أبو محمد :وقول ابن زيد منبه للمؤمنين على ملازمة المصحف وأن لا يكون الغبار يعلوه في البيوت ويشتغل بغيره، وروى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «من علق مصحفاً ولم يتعاهده جاء يوم القيامة متعلقاً به يقول هذا اتخذني ﴿ مهجوراً ﴾ افصل يا رب بيني وبينه »٢.
١ ما بين العقفتين زيادة لا بد منها لسلامة المعنى، فإن قوله: "بضم الهاء" لا يستقيم مع المعنى الذي ذكره سابقا، وهو أنه يريد من [مهجورا] مبعدا ومقصيا، لأن ذلك يكون من الهجر بفتح الهاء، وهو ما ذكره أبو حيان في البحر المحيط، أما الهجر بضم الهاء فيترتب على معنى آخر هو ما ذكره مجاهد في تفسيره "يهجرون فيه بالقول، يقولون: سحر"، وهذا يتفق مع قول ابن عطية بعد ذلك: "إشارة إلى قولهم: شعر وكهانة وسحر". ويستقيم المعنى بما زدناه بين المعقفتين..
٢ في "رو)ح المعاني، والبيضاوي" جاء النص: (من تعلم القرآن وعلق مصحفه ولم يتعاهده ولم ينظر فيه جاء يوم القيامة متعلقا به، يقول: يا رب العالمين، إن عبدك هذا اتخذني مهجورا، فاقض بيني وبينه)، على أن العلماء قد تكلموا في صحة هذا الحديث، لأن في سنده أبو هدبة، وهو كذاب..
ثم سلاه عن فعل قومه بأن أعلمه أن غيره من الرسل كذلك امتحن بأعداء في زمنه، أي فاصبر كما صبروا و ﴿ عدواً ﴾ يراد به الجمع، تقول هؤلاء عدو لي فتصف به الجمع والواحد والمؤنث ثم وعده تعلق بقوله : ﴿ وكفى بربك هادياً ونصيراً ﴾ والباء في ﴿ بربك ﴾ للتأكيد على الأمر إذ المعنى اكتف بربك.
روي عن ابن عباس وغيره أن كفار قريش قالوا في بعض معارضتهم لو كان هذا القرآن من عند الله لنزل ﴿ جملة ﴾ كما نزل التوراة والإنجيل. وقوله ﴿ كذلك ﴾ يحتمل أن يكون من قول الكفار إشارة إلى التوراة والإنجيل، [ ويحتمل أن يكون من الكلام المستأنف ]١ وهو أولى، ومعناه كما نزل أردناه، فالإشارة إلى نزوله متفرقاً وجعل الله تعالى السبب في نزوله متفرقاً تثبيت فؤاد محمد عليه السلام وليحفظه، وقال مكي والرماني :من حيث كان أمياً لا يكتب وليطابق الأسباب المؤقتة فنزل في نيف على عشرين سنة، وكان غيره من الرسل يكتب فنزل إليه جملة، وقرأ عبد الله بن مسعود «ليثبت » بالياء، والترتيل التفريق بين الشيء المتتابع ومنه قولهم ثغر رتل ومنه ترتيل القراءة٢.
١ ما بين المعقفتين زيادة لا بد منها حتى يستقيم المعنى..
٢ جاء في (اللسان- رتل): "رتل الكلام: أحسن تأليفه وأبانه وتمهل فيه، والترتيل في القراءة: الترسل فيها والتبيين من غير بغي، وفي صفة قراءة النبي صلى الله عليه وسلم: كان يرتل آية آية". والعلماء على أن ترتيل القرآن هو تنزيله مفرقا بعضه إثر بعض، وأما قولهم: "بقر رتل" فهو من الرتل، وهو حسن تناسق الشيء...
وأراد الله تعالى أن ينزل القرآن في النوازل والحوادث التي قدرها وقدر نزوله فيها. ثم أخبر تعالى نبيه أن هؤلاء الكفرة لا يجيئون بمثل يضربونه على جهة المعارضة منهم كتمثيلهم في هذه بالتوراة والإنجيل إلا جاء القرآن ﴿ بالحق ﴾ في ذلك بالجلية ثم هو ﴿ أحسن تفسيراً ﴾ وأفصح بياناً وتفصيلاً.
ثم توعد الكفار بما ينزل بهم يوم القيامة من الحشر على وجوههم إلى النار وذهب الجمهور، إلى أن هذا المشي على الوجوه حقيقة، وروي في ذلك من طريق أنس بن مالك حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له رجل :" يا رسول الله كيف يقدرون على المشي على وجوههم ؟ "، وقال «إن الذي أقدرهم على المشي على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم »١، وقالت فرقة المشي على الوجوه استعارة للذلة المفرطة والهوان والخزي وقوله تعالى : ﴿ شر مكاناً ﴾ القول فيه كالقول في قوله ﴿ خير مستقراً ﴾ [ الفرقان :٢٤ ].
١ الحديث في تفسير الطبري، رواه عن أنس بن مالك رضي الله عنه من عدة طرق..
هذه الآية التي ذكر فيها الأمم هي تمثيل لهم وتوعد أن يحل بهم ما حل بهؤلاء المعذبين، و ﴿ الكتاب ﴾ التوراة، والوزير المعين، وهو من تحمل الوزر أي ثقل الحال أو من الوزر الذي هو ملجأ١
١ قال في (اللسان- وزر): والوزر: الملجأ، وأصل الوزر الجبل المنيع، وكل معقل وزر، وفي التنزيل العزيز: ﴿كلا لا وزر﴾..
و ﴿ القوم الذين كذبوا ﴾ هم فرعون وملؤه من القبط، ثم حذف من الكلام كثير دل عليه ما بقي، وتقدير المحذوف فأديا الرسالة فكذبوهما فدمرناهم. وقرأ علي بن أبي طالب ومسلمة بن محارب «فدمرانهم » أي كونا سبب ذلك، قال أبو الفتح ألحق نون التوكيد ألف التثنية كما تقول اضربان زيداً.
قال الفقيه الإمام القاضي :وروي عن علي رضي الله عنه «فدمراهم »، وحكى عنهم أبو عمرو الداني «فدمِرناهم » بكسر الميم خفيفة، قال وروي عنه «فدمروا بهم » على الأمر لجماعة وزيادة باء، والذي فسر أبو الفتح وهم وإنما القراءة «فدمرا بهم » بالباء، وكذلك المهدوي.
ونصب قوله ﴿ وقومَ نوح ﴾ بفعل مضمر يدل عليه ﴿ أغرقناهم ﴾١، وقوله ﴿ الرسل ﴾ وهم إنما كذبوا نوحاً فقط معناه أن الأمة التي تكذب نبياً واحداً ففي ضمن ذلك تكذيب جميع الأنبياء فجاءت العبارة بما يتضمنه فعلهم تغليظاً في القول عليهم، وقوله ﴿ آية ﴾ أي علامة على سطوة الله تعالى بكل كافر بأنبيائه.
١ في نصب [قوم] أربعة أقوال: العطف على الهاء والميم من [فدمرناهم]، أو بإضمار: اذكر، أو بإضمار فعل يفسره ما بعده، والتقدير: وأغرقنا قوم نوح أغرقناهم، والرابع أنه منصوب ب [أغرقناهم]، قاله الفراء، ورده النحاس، لأن "أغرقنا" ليس مما يتعدى إلى مفعولين فيعمل في المضمر، وفي قوم نوح، واعترض أبو حيان على الإعراب الثالث هنا، وقال: الظاهر أن [أغرقناهم] جواب [لما] فلا يفسر ناصبا لقوم. أما إن كانت [لما] ظرفا فإنه يجوز..
وعاد وثمود يصرف، وجاء ها هنا مصروفاً، وقرأ ابن مسعود وعمرو بن ميمون والحسن وعيسى «وعاداً » مصروفاً «وثمود » غير مصروف، واختلف الناس في ﴿ أصحاب الرس ﴾ فقال ابن عباس هم قوم ثمود، وقال قتادة هم أهل قرية من اليمامة، يقال لها ﴿ الرس ﴾ والفلج، وقال مجاهد هم أهل قرية فيها بير عظيمة الخ. . . يقال لها ﴿ الرس ﴾، وقال كعب ومقاتل والسدي ﴿ الرس ﴾ بير بأنطاكية الشام قتل فيها صاحب ياسين١، وقال الكلبي ﴿ أصحاب الرس ﴾ قوم بعث إليهم نبي فأكلوه، وقال قتادة ﴿ أصحاب الرس ﴾ وأصحاب ليكة قومان أرسل إليهما شعيب عليه السلام، وقاله وهب بن منبه وقال علي رضي الله عنه في كتاب الثعلبي ﴿ أصحاب الرس ﴾ قوم عبدوا شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت، رسوا نبيهم في بير حفروه له في حديث طويل، و ﴿ الرس ﴾ في اللغة كل محفور من بير أو قبر أو معدن ومنه قول الشاعر [ النابغة الجعدي ] : [ المتقارب ]
سبقت إلى فرط بأهل. . . تنابلة يحفرون الرساسا٢
وروى عكرمة ومحمد بن كعب القرظي عن النبي صلى الله عليه وسلم أن أهل الرس المشار إليهم في هذه الآية قوم أخذوا نبيهم فرسوه في بير وأطبقوا عليه صخرة، قال فكان عبد أسود قد آمن به يجيء بطعام إلى تلك البير فيعينه الله على تلك الصخرة إلى أن ضرب الله يوماً على أذن ذلك الأسود بالنوم أربع عشرة سنة وأخرج أهل القرية نبيهم فآمنوا به في حديث طويل٣، قال الطبري فيمكن أنهم كفروا به بعد ذلك فذكرهم الله في هذه الآية، وقوله ﴿ وقروناً بين ذلك كثيراً ﴾ إبهام لا يعلم حقيقته إلا الله عز وجل وقد تقدّم شرح القرن وكم هو، ومن هذا اللفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يروى، ويروى أن ابن عباس قاله، «كذب النسابون من فوق عدنان٤ لأن الله تعالى أخبر عن كثير من الخلق والأمم ولم يحد ».
١ قال في البحر المحيط: وهو حبيب النجار..
٢ استشهد بالبيت صاحب (اللسان- رسس) مرتين: الأولى على أن الرس: البئر القديمة، وأن جمعها: رساس، وسميت بذلك لأن أهلها رسوا صاحبهم فيها، أي دسوه، والثانية على أن كل بئر تسمى عند العرب رسا، والفرط بالتحريك: المتقدم إلى الماء، يتقدم الواردة فيهيء لهم الأرسان والدلاء، ويملأ الحياض ويستسقي لهم، والباهل: بالياء: المتردد بلا عمل، ويروى بالنون بدلا من الباء، والناهل –على هذا- هو العطشان، وهو الذي شرب حتى ارتوى، فهو من الأضداد، والتنابلة –جمع تنبال وتنبل بكسر التاء، وقيل: على وزن جعفر- والتنبل: الرجل القصير، وهو رباعي على مذهب سيبويه، والمذكور في اللسان هو الشطر الثاني فقط، والبيت من قصيدة مشهورة للنابغة الجعدي يقول فيها:
لبست أناسا فأفنيتهم وأفنيت بعد أناس أناسا.

٣ أخرجه ابن إسحق، وابن جرير، عن محمد بن كعب القرظي، وفي ابن جرير زيادات عما ذكره ابن عطية هنا..
٤ أخرج الحاكم في الكنى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك، ثم يقول: كذب النسابون) قال الله تعالى: {وقرونا بين ذلك كثيرا). (الدر المنثور)..
ثم قال تعالى إن كل هؤلاء «ضرب له الأمثال »، ليهتدي فلم يهتد، «فتبره » الله أي أهلكه، والتبار الهلاك ومنه تبر الذهب أي المكسر المفتت، وكذلك يقال لفتات الرخام والزجاج تبر، وقال ابن جبير إن أصل الكلمة نبطي ولكن العرب قد استعملته.
قال ابن عباس وابن جريج والجماعة الإشارة إلى مدينة قوم لوط وهي سدوم بالشام، و ﴿ مطر السوء ﴾ حجارة السجيل، وقرأ أبو السمال «السُّوء » بضم السين المشددة.
ثم وقفهم على إعراضهم وتعرضهم لسخط الله بعد رؤيتهم العبرة من تلك القرية، ثم حكم عليهم أنهم إذا رأوا محمداً صلى الله عليه وسلم استهزؤوا به واستحقروه وأبعدوا أن يبعثه الله رسولاً، فقالوا على جهة الاستهزاء ﴿ أهذا الذي بعث الله رسولاً ﴾ وفي ﴿ بعث ﴾ ضمير يعود على الذي حذف اختصاراً وحسن ذلك في الصلة.
ثم أنس١ النبي صلى الله عليه وسلم عن كفرهم بقوله ﴿ أرأيت من اتخذ إلهه هواه ﴾ الآية، والمعنى لا تتأسف عليهم ودعهم لرأيهم ولا تحسب أنهم على ما يجب من التحصيل والعقل بل هم كالأنعام في الجهل بالمنافع وقلة التحسس للعواقب، ثم حكم بأنهم ﴿ أضل سبيلاً ﴾ من حيث لهم الفهم وتركوه، و ﴿ الأنعام ﴾ لا سبيل لهم إلى فهم المصالح، ومن حيث جهالة هؤلاء وضلالتهم في أمر أخطر من الأمر الذي فيه جهالة الأنعام، وقوله ﴿ اتخذ إلهه هواه ﴾ معناه جعل هواه مطاعاً فصار كالإله والهوى قائد إلى كل فساد لأن النفس أمارة بالسوء وإنما الصلاح إذ ائتمرت للعقل، وقال ابن عباس الهوى الإله يعبد من دون الله ذكره الثعلبي، وقيل الإشارة بقوله ﴿ إلهه هواه ﴾ إلى ما كانوا عليه من أنهم كانوا يعبدون حجراً فإذا وجدوا أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الثاني الذي وقع هواهم عليه، قال أبو حاتم وروي عن رجل من أهل المدينه قال ابن جني هو الأعرج ﴿ إلهه هواه ﴾ والمعنى اتخذ شمساً يستضيء بها هواه إذا الشمس يقال لها إلهة وتصرف ولا تصرف٢، و «الوكيل » القائم على الأمر الناهض به.
١ قال في (اللسان- أيس): "أيست منه آيس يأسا: لغة في يئست منه أيأس يأسا، وآيسني منه فلان مثل: أيأسني)..
٢ قال صاحب البحر المحيط نقلا عن أبي الفتح: الإلاهة: الشمس، ويقال ألاهة بالضم، وهي غير مصروفة للعلمية والتأنيث، لكنها لما كانت مما يدخلها لام المعرفة في بعض اللغات صارت بمنزلة ما كان فيه اللام ثم نزعت، فلذلك صرفت وصارت بمنزلة النعوت فتنكرت"، وروى أبو الفتح شاهدا على صرفها عن أبي علي قول مية بنت عتبة ترثي أخاها:
تروحنا من اللعباء عصرا فأعجلنا الإلاهة أن تثوبا
وقال: "فتكون [إلاهة] هذه المقروءة منزوعا منها حرف التعريف الذي في الإلاهة، فتنكرت فصرفت"، واللعباء: سبخة معروفة بناحية البحرين بحذاء القطيف وسيف البحر، ويروى (قصرا) بدلا من (عصرا)، ومعناها الدخول في العشي، وهو اختلاط الظلام أيضا..

شعيب عليه السلام، وقاله وهب بن منبه وقال علي رضي الله عنه في كتاب الثعلبي أَصْحابَ الرَّسِّ قوم عبدوا شجرة صنوبر يقال لها شاه درخت، رسوا نبيهم في بير حفروه له في حديث طويل، والرَّسِّ في اللغة كل محفور من بير أو قبر أو معدن ومنه قول الشاعر [النابغة الجعدي] : [المتقارب]
سبقت إلى فرط بأهل... تنابلة يحفرون الرساسا
وروى عكرمة ومحمد بن كعب القرظي عن النبي ﷺ أن أهل الرس المشار إليهم في هذه الآية قوم أخذوا نبيهم فرسوه في بير وأطبقوا عليه صخرة، قال فكان عبد أسود قد آمن به يجيء بطعام إلى تلك البير فيعينه الله على تلك الصخرة إلى أن ضرب الله يوما على أذن ذلك الأسود بالنوم أربع عشرة سنة وأخرج أهل القرية نبيهم فآمنوا به في حديث طويل، قال الطبري فيمكن أنهم كفروا به بعد ذلك فذكرهم الله في هذه الآية، وقوله وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً إبهام لا يعلم حقيقته إلا الله عز وجل وقد تقدّم شرح القرن وكم هو، ومن هذا اللفظ قال رسول الله ﷺ فيما يروى، ويروى أن ابن عباس قاله، «كذب النسابون من فوق عدنان لأن الله تعالى أخبر عن كثير من الخلق والأمم ولم يحد»، ثم قال تعالى إن كل هؤلاء «ضرب له الأمثال»، ليهتدي فلم يهتد، «فتبره» الله أي أهلكه، والتبار الهلاك ومنه تبر الذهب أي المكسر المفتت، وكذلك يقال لفتات الرخام والزجاج تبر، وقال ابن جبير إن أصل الكلمة نبطي ولكن العرب قد استعملته.
قوله عز وجل:
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٤٠ الى ٤٤]
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠) وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤)
قال ابن عباس وابن جريج والجماعة الإشارة إلى مدينة قوم لوط وهي سدوم بالشام، ومَطَرَ السَّوْءِ حجارة السجيل، وقرأ أبو السمال «السّوء» بضم السين المشددة، ثم وقفهم على إعراضهم وتعرضهم لسخط الله بعد رؤيتهم العبرة من تلك القرية، ثم حكم عليهم أنهم إذا رأوا محمدا ﷺ استهزؤوا به واستحقروه وأبعدوا أن يبعثه الله رسولا، فقالوا على جهة الاستهزاء أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا وفي بَعَثَ ضمير يعود على الذي حذف اختصارا وحسن ذلك في الصلة، ثم أنس النبي ﷺ عن كفرهم بقوله أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ الآية، والمعنى لا تتأسف عليهم ودعهم لرأيهم ولا تحسب أنهم على ما يجب من التحصيل والعقل بل هم كالأنعام في الجهل بالمنافع وقلة التحسس للعواقب، ثم حكم بأنهم أَضَلُّ سَبِيلًا من حيث لهم الفهم وتركوه، و «الأنعام» لا سبيل لهم
﴿ ألم تر ﴾ معناه انتبه، والرؤية ها هنا رؤية القلب، وأدغم عيسى بن عمر ﴿ ربك كيف ﴾، قال أبو حاتم والبيان أحسن، و ﴿ مد الظل ﴾ بإطلاق هو بين أول الإسفار إلى بزوغ الشمس ومن بعد مغيبها مدة يسيرة فإن في هذين الوقتين على الأرض كلها ظل ممدود على أنها نهار، وفي سائر أوقات النهار ظلال متقطعة والمد والقبض مطرد فيها وهو عندي المراد في الآية والله أعلم، وفي الظل الممدود ما ذكر الله في هواء الجنة لأنها لما كانت لا شمس فيها كان ظلها ممدوداً أبداً.
وتظاهرت أقوال المفسرين على أن ﴿ مد الظل ﴾ هو من الفجر إلى طلوع الشمس وهذا معترض بأن ذلك في غير نهار بل في بقايا الليل لا يقال له ظل، وقوله تعالى : ﴿ ولو شاء لجعله ساكناً ﴾ أي ثابتاً غير متحرك ولا منسوخ، لكنه جعل ﴿ الشمس ﴾ ونسخها إياه وطردها له من موضع إلى موضع ﴿ دليلاً ﴾ عليه مبيناً لوجوده ولوجه العبرة فيه، حكى الطبري أنه لولا الشمس لم يعلم أن الظل شيء إذ الأشياء إنما تعرف بأضدادها.
وقوله ﴿ قبضاً يسيراً ﴾ يحتمل أن يريد لطيفاً أي بعد شيء لا في مرة واحدة ولا بعنف، قال مجاهد، ويحتمل أن يريد معجلاً وهذا قول ابن عباس ويحتمل أن يريد سهلاً قريب المتناول.
قال الطبري ووصف ﴿ الليل ﴾ باللباس تشبيهاً من حيث يستر الأشياء ويغشاها، و «السبات » ضرب من الإغماء يعتري اليقظان مرضاً، فشبه النائم به، والسبت الإقامة في المكان فكأن السبات سكون ما وثبوت عليه، و «النشور » في هذا الموضع الإحياء شبه اليقظة به ليتطابق الإحياء مع الإماتة والتوفي اللذين يتضمنهما النوم والسبات ويحتمل أن يريد ب «النشور » وقت انتشار وتفرق لطلب المعايش وابتغاء فضل الله، وقوله ﴿ النهار نشوراً ﴾ وما قبله من باب ليل نائم ونهار صائم.
قرأت فرقة «الرياح »، وقرأت فرقة «الريح » على الجنس، فهي بمعنى الرياح وقد نسبنا القراءة في سورة الأعراف وقراءة الجمع أوجه١ لأن عرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب، ومتى كانت للمطر والرحمة فإنما هي رياح، لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب١ وتتفرق وتأتي لينة من ها هنا وها هنا، وشيئاً إثر شيء، وريح العذاب خرجت٢ لا تتداءب وإنما تأتي جسداً واحداً، ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه، قال الرماني جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح الجنوب والصبا والشمال وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور.
قال القاضي أبو محمد :يرد٣ على هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم إذا هبت الريح اللهم اجعلها رياحاً ولا تجعلها ريحاً٤، واختلف القراء في «النشر »، في النون والباء٥ وغير ذلك اختلافاً قد ذكرناه في سورة الأعراف٦، و ﴿ نشراً ﴾ معناه منتشرة متفرقة و «الطهور » بناء مبالغة في طاهر وهذه المبالغة اقتضته في ماء السماء وفي كل ما هو منه وبسبيله أن يكون طاهراً مطهراً وفيما كثرت فيه التغايير، كماء الورد وعصير العنب أن يكون طاهراً ولا مطهراً.
١ هكذا في الأصول، ونقلها أبو حيان في البحر أيضا بهذا اللفظ، ولا نجد لها هنا معنى، فلعلها تحريف عن كلمة أخرى، أو لعل معناها: تستمر وتدوم وتلازم..
٢ الحرجف من الرياح: الباردة الشديدة الهبوب مع جفاف، وليلة حرجف: باردة الريح. (المعجم الوسيط)..
٣ غير موجودة في الأصول، ولكنها في البحر نقلا عن ابن عطية، والمعنى هنا يقتضيها. وقد قال في البحر بعد أن نقل كلام ابن عطية عن التعارض بين الحديث وكلام الرماني: "لا يظهر؛ لأنه يجوز أن يريد بقوله عليه الصلاة والسلام: (رياحا) الثلاثة اللواقح، وبقوله: (ريحا) الدبور، فيكون ما قاله الرماني مطابقا للحديث على هذا المفهوم..
٤ راجع الجزء الخامس صفحة ٥٣٧..
٥ لأن بعض القراء قرأها بالنون، وبعضهم قرأها بالباء، فمن قال بالنون مع ضم الشين جعله لريح نشور كصبور، ومن قرأ بالنون مع سكون الشين جعله من النشر، كقوله تعالى: ﴿والناشرات نشرا﴾ ومن قرأ بالباء مع ضم الشين جعله جمع ريح بشور، أي تبشر بالمطر والخير، ومن سكن الشين مع الباء فقد خفف كراهة لتوالي ضمتين..
٦ راجع الجزء الخامس صفحة ٥٣٥ وما بعدها..
ووصف «البلدة » ب «الميت » لأنه جعله كالمصدر الذي يوصف به المذكر والمؤنث وجاز ذلك من حيث البلدة بمعنى البلد، وقرأ طلحة بن مصرف «لننشىء١ به بلدة ونُسقيه » بضم النون وهي قراءة الجمهور ومعناه نجعله لهم سقياً، هذا قول بعض اللغويين في أسقى قالوا وسقى معناه للشفة٢، وقال الجمهور سقى وأسقى بمعنى واحد وينشد على ذلك بيت لبيد : [ الوافر ]
سقى قومي بني نجد وأسقى. . . نميراً والقبائل من هلال٣
وقرأ أبو عمرو «ونَسقيه » بفتح النون وهي قراءة ابن مسعود وابن أبي عبلة وأبي حيوة، ورويت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ﴿ وأناسيٌ ﴾، قيل هو جمع إنسان والياء المشددة بدل من النون في الواحد قاله سيبويه، وقال المبرد هو جمع إنسي وكان القياس أن يكون أناسية٤ كما قالوا في مهلبي ومهالبة٥، وحكى الطبري عن بعض اللغويين في جمع إنسان إناسين بالنون كسرحان وبستان، وقرأ يحيى بن الحارث «أناسي » بتخفيف الياء.
١ هكذا في جميع الأصول..
٢ في (اللسان- سقى): "يقال: سقيته لشفته، وأسقيه لماشيته وأرضه..
٣ سقى وأسقى هنا بمعنى واحد، وقد استشهد اللسان بهذا البيت على ذلك، ومجد: ابنة تيم بن غالب، وهي أم كلاب وكليب ابني ربيعة بن عامر، وبسببها عد بنو عامر من الحمس، لأنها قرشية..
٤ في الأصول: " إنسانية"..
٥ المثال الذي ذكر في كتب اللغة، وعنها أخذ المفسرون، وقاله الفراء في أحد قولين له هو: "جمع القرقور على قراقر وقراقير"، والقرقور: ضرب من السفن، وقيل: هو السفينة الكبيرة الطويلة..
والضمير في ﴿ صرفناه ﴾ قال ابن عباس ومجاهد هو عائد على الماء المنزل من السماء، المعنى أن الله تعالى جعل إنزال الماء تذكرة بأن يصرفه عن بعض المواضع إلى بعض المواضع وهذا كله في كل عام بمقدار واحد، وقاله ابن مسعود، وقوله على هذا التأويل ﴿ فأبى أكثر الناس إلا كفوراً ﴾ أي في قولهم بالأنواء والكواكب قاله عكرمة، وقيل ﴿ كفوراً ﴾ على الإطلاق لما تركوا التذكر، وقال ابن عباس الضمير في ﴿ صرفناه ﴾ للقرآن وإن كان لم يتقدم له ذكر لوضوح الأمر ويعضد ذلك قوله بعد ذلك، ﴿ وجاهدهم به ﴾، وعلى التأويل الأول الضمير في ﴿ به ﴾ يراد به القرآن على نحو ما ذكرناه، وقال ابن زيد يراد به الإِسلام، وقرأ عكرمة «صرَفنا » بتخفيف الراء، وقرأ حمزة والكسائي والكوفيون «ليذْكروا » بسكون الذال، وقرأ الباقون «ليذكّروا » بشد الذال والكاف.
وفي قوله ﴿ ولو شئنا ﴾ الآية اقتضاب يدل عليه ما ذكر تقديره ولكنا أفردناك بالنذارة وحملناك ﴿ فلا تطع الكافرين ﴾.
إلى فهم المصالح، ومن حيث جهالة هؤلاء وضلالتهم في أمر أخطر من الأمر الذي فيه جهالة الأنعام، وقوله اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ معناه جعل هواه مطاعا فصار كالإله والهوى قائد إلى كل فساد لأن النفس أمارة بالسوء وإنما الصلاح إذا ائتمرت للعقل، وقال ابن عباس الهوى الإله يعبد من دون الله ذكره الثعلبي، وقيل الإشارة بقوله إِلهَهُ هَواهُ إلى ما كانوا عليه من أنهم كانوا يعبدون حجرا فإذا وجدوا أحسن منه طرحوا الأول وعبدوا الثاني الذي وقع هواهم عليه، قال أبو حاتم وروي عن رجل من أهل المدينة قال ابن جني هو الأعرج إِلهَهُ هَواهُ والمعنى اتخذ شمسا يستضيء بها هواه إذ الشمس يقال لها إلهة وتصرف ولا تصرف، و «الوكيل» القائم على الأمر الناهض به.
قوله عز وجل:
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٤٥ الى ٤٧]
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧)
أَلَمْ تَرَ معناه انتبه، والرؤية هاهنا رؤية القلب، وأدغم عيسى بن عمر رَبِّكَ كَيْفَ، قال أبو حاتم والبيان أحسن، ومَدَّ الظِّلَّ بإطلاق هو بين أول الإسفار إلى بزوغ الشمس ومن بعد مغيبها مدة يسيرة فإن في هذين الوقتين على الأرض كلها ظل ممدود على أنها نهار، وفي سائر أوقات النهار ظلال متقطعة والمد والقبض مطرد فيها وهو عندي المراد في الآية والله أعلم، وفي الظل الممدود ما ذكر الله في هواء الجنة لأنها لما كانت لا شمس فيها كان ظلها ممدودا أبدا.
وتظاهرت أقوال المفسرين على أن مَدَّ الظِّلَّ هو من الفجر إلى طلوع الشمس وهذا معترض بأن ذلك في غير نهار بل في بقايا الليل لا يقال له ظل، وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً أي ثابتا غير متحرك ولا منسوخ، لكنه جعل الشَّمْسَ ونسخها إياه وطردها له من موضع إلى موضع دَلِيلًا عليه مبينا لوجوده ولوجه العبرة فيه، حكى الطبري أنه لولا الشمس لم يعلم أن الظل شيء إذ الأشياء إنما تعرف بأضدادها وقوله قَبْضاً يَسِيراً يحتمل أن يريد لطيفا أي شيئا بعد شيء لا في مرة واحدة ولا بعنف، قال مجاهد، ويحتمل أن يريد معجلا وهذا قول ابن عباس ويحتمل أن يريد سهلا قريب المتناول، قال الطبري ووصف اللَّيْلَ باللباس تشبيها من حيث يستر الأشياء ويغشاها، و «السبات» ضرب من الإغماء يعتري اليقظان مرضا، فشبه النائم به، والسبت الإقامة في المكان فكأن السبات سكون ما وثبوت عليه، و «النشور» في هذا الموضع الإحياء شبه اليقظة به ليتطابق الإحياء مع الإماتة والتوفي اللذين يتضمنهما النوم والسبات ويحتمل أن يريد ب «النشور» وقت انتشار وتفرق لطلب المعايش وابتغاء فضل الله، وقوله النَّهارَ نُشُوراً وما قبله من باب ليل نائم ونهار صائم.
قوله عز وجل:
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٤٨ الى ٥٢]
وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢)
قرأت فرقة «الرياح»، وقرأت فرقة «الريح» على الجنس، فهي بمعنى الرياح وقد نسبنا القراءة في سورة الأعراف وقراءة الجمع أوجه لأن عرف الريح متى وردت في القرآن مفردة فإنما هي للعذاب، ومتى كانت للمطر والرحمة فإنما هي رياح، لأن ريح المطر تتشعب وتتداءب وتتفرق وتأتي لينة من هاهنا وهاهنا، وشيئا إثر شيء، وريح العذاب خرجت لا تتداءب وإنما تأتي جسدا واحدا، ألا ترى أنها تحطم ما تجد وتهدمه، قال الرماني جمعت رياح الرحمة لأنها ثلاثة لواقح الجنوب والصبا والشمال وأفردت ريح العذاب لأنها واحدة لا تلقح وهي الدبور.
قال القاضي أبو محمد: يرد على هذا قول النبي ﷺ إذا هبت الريح اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا، واختلف القراء في «النشر»، في النون والباء وغير ذلك اختلافا قد ذكرناه في سورة الأعراف، ونَشْراً معناه منتشرة متفرقة و «الطهور» بناء مبالغة في طاهر وهذه المبالغة اقتضته في ماء السماء وفي كل ما هو منه وبسبيله أن يكون طاهرا مطهرا وفيما كثرت فيه التغايير، كماء الورد وعصير العنب أن يكون طاهرا ولا مطهرا، ووصف «البلدة» ب «الميت» لأنه جعله كالمصدر الذي يوصف به المذكر والمؤنث وجاز ذلك من حيث البلدة بمعنى البلد، وقرأ طلحة بن مصرف «لننشىء به بلدة ونسقيه» بضم النون وهي قراءة الجمهور ومعناه نجعله لهم سقيا، هذا قول بعض اللغويين في أسقى قالوا وسقى معناه للشفة، وقال الجمهور سقى وأسقى بمعنى واحد وينشد على ذلك بيت لبيد: [الوافر]
سقى قومي بني نجد وأسقى نميرا والقبائل من هلال
وقرأ أبو عمرو «ونسقيه» بفتح النون وهي قراءة ابن مسعود وابن أبي عبلة وأبي حيوة، ورويت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وَأَناسِيَّ، قيل هو جمع إنسان والياء المشددة بدل من النون في الواحد قاله سيبويه، وقال المبرد هو جمع إنسي وكان القياس أن يكون أناسية كما قالوا في مهلبي ومهالبة، وحكى الطبري عن بعض اللغويين في جمع إنسان أناسين بالنون كسر حان وبستان، وقرأ يحيى بن الحارث «أناسي» بتخفيف الياء، والضمير في صَرَّفْناهُ قال ابن عباس ومجاهد هو عائد على الماء المنزل من السماء، المعنى أن الله تعالى جعل إنزال الماء تذكرة بأن يصرفه عن بعض المواضع إلى بعض المواضع وهذا كله في كل عام بمقدار واحد، وقاله ابن مسعود، وقوله على هذا التأويل فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً أي في قولهم بالأنواء والكواكب قاله عكرمة، وقيل كُفُوراً على الإطلاق لما تركوا التذكر، وقال ابن عباس الضمير في صَرَّفْناهُ للقرآن وإن كان لم يتقدم له ذكر لوضوح الأمر ويعضد ذلك قوله بعد ذلك، وَجاهِدْهُمْ بِهِ، وعلى التأويل الأول الضمير في بِهِ يراد به القرآن على نحو ما ذكرناه، وقال ابن زيد يراد به الإسلام، وقرأ عكرمة «صرفنا» بتخفيف الراء، وقرأ حمزة والكسائي والكوفيون «ليذكروا»
اضطرب الناس في تفسير هذه الآية فقال ابن عباس أراد بحر السحاب والبحر الذي في الأرض، ورتبت ألفاظ الآية على ذلك، وقال مجاهد البحر العذب هو مياه الأنهار الواقعة في البحر «الأجاج » وقوعها فيه هو مرجها. قال و «البرزخ » و «الحجر » هما١ حاجز في علم الله لا يراه البشر، وقاله الزجاج، وقالت فرقة معنى ﴿ مرج ﴾ أدام أحدهما في الآخر، وقال ابن عباس خلى أحدهما على الآخر ونحو هذا من الأقوال التي تتداعى مع بعض ألفاظ الآية، والذي أقول به في الآية إن المقصد بها التنبيه على قدرة الله تعالى وإتقان خلقه للأشياء في أن بث في الأرض مياهاً عذبة كثيرة من أنها وعيون وآبار، وجعلها خلال الأجاج وجعل الأجاج خلالها، فتلقى البحر قد اكتنفته المياه العذبة في ضفتيه، وتلقى الماء العذب في الجزائر ونحوها قد اكتنفه الماء الأجاج فبثها هكذا في الأرض هو خلطها، وهو قوله ﴿ مرج ﴾ ومنه مريج أي مختلط مشتبك، ومنه مرجت عهودهم في الحديث المشهور، و «البحران » يريد بهما جميع الماء العذب وجميع الماء الأجاج، كأنه قال مرج نوعي الماء والبرزخ والحجر هما٢ ما بين ﴿ البحرين ﴾ من الأرض واليبس، قاله الحسن، ومنه القدرة التي تمسكها مع قرب ما بينهما في بعض المواضع. وبكسر الحاء قرأ الناس كلهم هنا والحسن بضم الحاء في سائر القرآن، و «الفرات » الصافي اللذيذ المطعم، و «البرزخ » الحاجز بين الشيئين، وقرأ الجمهور «هذا ملح » وقرأ طلحة بن مصرف «هذا مَلِح » بكسر اللام وفتح الميم، قال أبو حاتم هذا منكر٣ فقي القراءة، قال ابن جني أراد مالحاً وحذف الألف كبرد وبرد٤، و «الأجاج » أبلغ ما يكون من الملوحة.
١ في الأصل (هو).
٢ في الأصل (هو)..
٣ في الأصل :"وهذا المنكر في القراءة" والتصويب عن المحتسب لابن جني، فقد نقل كلام أبي حاتم..
٤ يريد: كعرد وبرد في قول الراجز:
أصبح قلبي صردا لا يشتهي أن يردا
إلا عرادا عردا وصليانا بردا
وعنكثا ملتبدا
فإنه يريد: عاردا وباردا، فحذف الألف تخفيفا، وكذلك هنا حذف الألف من (مالحا) تخفيفا فصارت (ملحا) قال: على أن (مالحا) ليست فصيحة صريحة؛ لأن الأقوى في ذلك: ماء ملح، ومثله من الأوصاف على فعل: نضو، وهرط- وهو اللحم المهزول-..

وقوله تعالى : ﴿ وهو الذي خلق من الماء ﴾ الآية، هو تعديد النعمة على الناس في إيجادهم بعد العدم، والتنبيه على العبرة في ذلك وتعديد النعمة في التواشج الذي جعل بينهم من النسب والصهر، وقوله ﴿ من الماء ﴾ إما أن يريد أصل الخلقة في أن كل حي مخلوق من الماء، وإما أن يريد نطف الرجال وكل ذلك قالته فرقة، والأول أفصح وأبين، و «النسب والصهر » معنيان يعمان كل قربى تكون بين كل آدميين، ف «النسب » هو أن يجتمع إنسان مع آخر في أب أو في أم قرب ذلك أو بعد، و «الصهر » تواشج المناكحة، فقرابة الزوجة هم الأختان١، وقرابة الزوج ثم الأحماء٢ والأصهار يقع عاماً لذلك كله، وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه «النسب » ما لا يحل نكاحه «والصهر » ما يحل نكاحه وقال الضحاك «الصهر » قرابة الرضاع.
قال القاضي أبو محمد :وذلك عندي وهم أوجبه أن ابن عباس قال حرم من النسب سبع ومن الصهر خمس، وفي رواية أخرى من الصهر سبع يريد قول الله تعالى : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت ﴾ [ النساء :٢٣ ]، فهذا هو من النسب. ثم يريد ب «الصهر » قوله تعالى : ﴿ وأمهاتكم التي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم التي في حجوركم من نسائكم التي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ﴾٣ [ النساء :٢٣ ]، ثم ذكر المحصنات، ومجمل هذا أن ابن عباس أراد حرم من الصهر مع ما ذكر معه فقصد مما ذكر إلى عظمه وهو الصهر٤ لأن الرضاع صهر وإنما الرضاع عديل النسب يحرم منه ما يحرم من النسب بحكم الحديث المأثور فيه، ومن روى وحرم من الصهر خمس أسقط من الآية الجمع بين الأختين والمحصنات وهن ذواتي الأزواج٥، وحكى الزهراوي قولاً أن «النسب » من جهة البنين «والصهر » من جهة البنات.
قال الفقيه الإمام القاضي :وهذا حسن وهو في درج ما قدمته، وقال ابن سيرين نزلت هذه الآية في النبي صلى الله عليه وسلم وعلي لأنه جمعه معه نسب وصهر فاجتماعهما وكاد حرمة إلى يوم القيامة. وقوله ﴿ وكان ربك قديراً ﴾ هي ﴿ كان ﴾ التي للدوام قبل وبعد لا أنها تعطي مضياً فقط.
١ قال ابن الأعرابي: الأختان: أبو المرأة وأخوها وعمها، كما قال الأصمعي، والصهر: زوج ابنة الرجل وأخوه وأبوه وعمه، وقال محمد بن الحسن: أختان الرجل: أزواج بناته وأخواته وعماته وخالاته، وكل ذات محرم منه، وأصهاره: كل ذي رحم محرم من زوجته..
٢ في المعجم الوسيط: حما المرأة: أبو زوجها ومن كان من قبله من الرجال، وحما الرجل: أبو امرأته ومن كان من قبله من الرجال، والجمع: أحماء..
٣ الآية ٢٣ من سورة النساء..
٤ في الأصل: "وهو القصد" والتصويب عن القرطبي، فقد نقل العبارة كلها عن ابن عطية..
٥ قال القرطبي بعد أن نقل كلام ابن عطية: "فابن عطية جعل الرضاع مع ما تقدم نسبا، وهو قول الزجاج"..
ثم ذكر تعالى خطأهم في عبادته أصناماً لا تملك لهم ضراً ولا نفعاً وقوله ﴿ وكان الكافر على ربه ظهيراً ﴾ فيه تأويلان :أحدهما أن «الظهير » المعين فتكون الآية بمعنى توبيخهم على ذلك من أن الكفار يعينون على ربهم غيرهم من الكفرة والشيطان بأن يطيعوه ويظاهروه، وهذا هو تأويل مجاهد والحسن وابن زيد، والثاني ذكره الطبري أن يكون «الظهير » فعيلاً، من قولك ظهرت الشيء إذا طرحته وراء ظهرك واتخذته ظهرياً، فيكون معنى الآية على هذا التأويل احتقار الكفرة١، و ﴿ الكافر ﴾ في هذه الآية اسم الجنس وقال ابن عباس بل هو معين أراد به أبا جهل بن هشام.
قال الفقيه الإمام القاضي :ويشبه أن أبا جهل سبب الآية ولكن اللفظ عام للجنس كله.
١ ومنه قوله تعالى: ﴿واتخذتموه وراءكم ظهريا﴾ أي: هينا لا قيمة له، وعليه جاء قول الفرزدق:
تميم بن قيس لا تكونن حاجتي بظهر فلا يعيا علي جوابها
وقيل في معنى "ظهير": وكان الكافر على ربه الذي يعبده – وهو الصنم- قويا غالبا يعمل به ما يشاء، لأن الجماد لا قدرة له على دفع ضر أو جلب نفع..

وقوله تعالى ﴿ وما أرسلناك ﴾ الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم أي لا تهتم بهم ولا تذهب نفسك حسرات حرصاً عليهم فإنما أنت رسول تبشر المؤمنين بالجنة وتنذر الكفرة النار ولست بمطلوب بإيمانهم أجمعين.
ثم أمره تعالى بأن يحتج عليهم مزيلاً لوجوه التهم بقوله ﴿ ما أسألكم عليه من أجر ﴾ أي لا أطلب مالاً ولا نفعاً يختص بي، وقوله ﴿ إلا من شاء ﴾ الظاهر فيه أنه استثناء منقطع، والمعنى مسؤولي ومطلوبي من شاء أن يهتدي ويؤمن ويتخذ إلى رحمة ربه طريق نجاة، قال الطبري المعنى لا أسألكم أجراً إلا إنفاق المال في سبيل الله فهو المسؤول وهو السبيل إلى الرب.
قال الفقيه الإمام القاضي :فالاستثناء على هذا كالمتصل، وكأنه قال إلا أجر من شاء١ والتأويل الأول أظهر.
١ أي: الأجر الحاصل لي من الله على دعوته إلى الإيمان وقبوله هذه الدعوة، لأن الله يأجرني على ذلك، وقيل: التقدير: إلا أجر من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا باتباع ديني حتى ينال كرامة الدنيا والآخرة. وقيل: المعنى: إلا أجر من آمن، ويريد بالأجر الإنفاق في سبيل الله، أي: لا أسألكم أجرا إلا الإنفاق في سبيل الله، فجعل الإنفاق أجرا. قاله في البحر والقرطبي..
المعنى قل لهم يا محمد هذه المقالة التي لا ظن يتطرق إليك معها ولا تهتم بهم وبشّر وأنذر ﴿ وتوكل علىٍ ﴾ المتكفل بنصرك وعضدك في كل أمرك، ثم وصف تعالى نفسه الصفة التي تقتضي التوكل في قوله ﴿ الحي الذي لا يموت ﴾ إذ هذا المعنى يختص بالله تعالى دون كل ما لدينا مما يقع عليه اسم حي، وقوله ﴿ وسبح بحمده ﴾ قل سبحان الله وبحمده أي تنزيهه واجب وبحمده أقول.
قال القاضي أبو محمد :وقال رسول صلى الله عليه وسلم «من قال في كل يوم سبحان الله وبحمده مائة مرة غفرت له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر »١، فهذا معنى ﴿ وسبح بحمده ﴾ وهي إحدى الكلمتين الخفيفتين على اللسان، الحديث، وقوله ﴿ وكفى به ﴾ توعد وإزالة كل عن محمد صلى الله عليه وسلم في همه بهم٢.
١ أخرجه البخاري، ومسلم وأبو داود، والترميذي، والنسائي، وابن ماجه، وأحمد..
٢ (كفى) في كلام العرب يراد بها المبالغة، تقول: كفى بالعلم جمالا، وكفى بالأدب مالا، وفي بعض الأخبار: كفى بك ظفرا أن يكون عدوك عاصيا..
وقوله ﴿ وما بينهما ﴾ مع جمعه ﴿ السماوات ﴾ قبل سائغ من حيث عادل لفظ ﴿ الأرض ﴾ لفظ ﴿ السماوات ﴾ ونحوه قول عمرو بن شييم : [ الوافر ]
ألم يحزنك أن جبال قيس. . . وتغلب قد تباينتا انقطاعا١
من حيث عادلت جبالاً جبالاً، ومنه قول الآخر : [ الكامل ]
إن المنية والحتوف كلاهما. . . يوفي المخارم يرقبان سوادي٢
وقوله ﴿ في ستة أيام ﴾ اختلفت الرواية في اليوم الذي ابتدأ الله فيه الخلق، فأكثر الروايات على يوم الأحد، وفي مسلم وفي كتاب الدلائل يوم السبت، وبين بكون ذلك ﴿ في ستة أيام ﴾ وضع الإناءة والتمهل في الأمور لأن قدرته تقضي أنه يخلقها في طرفة عين لو شاء لا إله إلا هو، وقد تقدّم القول في الاستواء، وقوله ﴿ الرحمن ﴾ يحتمل أن يكون رفعه بإضمار مبتدأ أي هو ﴿ الرحمن ﴾ ويحتمل أن يكون بدلاً من الضمير في قوله ﴿ استوى ﴾ وقرأ زيد بن علي بن الحسين «الرحمنِ » بالخفض٣، وقوله ﴿ فاسأل به خبيراً ﴾ فيه تأويلان :أحدهما ﴿ فاسأل ﴾ عنه و ﴿ خبيراً ﴾ على هذا منصوب إما بوقوع السؤال عليه والمعنى، اسأل جبريل والعلماء وأهل الكتب المنزلة، والثاني أن يكون المعنى كما تقول لو لقيت فلاناً لقيت به البحر كرماً أي لقيت منه والمعنى فاسأل الله عن كل أمر، و ﴿ خبيراً ﴾ على هذا منصوب إما بوقوع السؤال وإما على الحال المؤكدة كما قال ﴿ وهو الحق مصدقاً ﴾٤ [ البقرة :٩١ ]، وليست هذه بحال منتقلة إذ الصفة العلية لا تتغير٥.
١ الشاعر هو القطامي، عمير بن شييم التغلبي، وبيته هذا من قصيدته التي مدح بها زفر بن الحارث الكلابي الذي أسره ثم حماه من القتل، ومن عليه، ووهب له مائة ناقة، ورده إلى قومه: فقال فيه:
أكفرا بعد رد الموت عني وبعد عطائك المائة الرتاعا؟
والشاهد في البيت هنا أن الشاعر قال (تباينتا) بالتثنية مع أن كلمة (حبال) جمع، وذلك لأنه جعل حبال قيس جماعة، وحبال تغلب جماعة أخرى فأعاد الضمير باعتبارهما صنفين أو مجموعتين، وهذا هو مراد المؤلف بقوله: "حيث عادل حبل حبالا"، فقد قدر لتغلب حبلا، وقدر الكلام: "أن حبال قيس وحبل تغلب"، ثم جاءت المعادلة بين النوعين والشيئين..

٢ البيت للأسود بن يعفر، وهو من المفضلية ٤٤، والشاهد موجود في الشطر الأول، وهو أن الشاعر عادل لفظ الموت بلفظ الحتوف، فأعاد الضمير عليهما باعتبارهما صنفين أو شيئين فقال: كلاهما، مع أن الأول مفرد والثاني جمع، كما جاء التعادل في الآية الكريمة بين لفظ [الأرض] وهو مفرد، ولفظ [السموات] وهو جمع. وسوادي: شخصي..
٣ في قراءة الرفع يجوز على مذهب الأخفش أن يكون [الرحمن] مبتدأ و [فاسأل] خبره، على حد قول الشاعر: "وقائلة خولان فانكح فتاتهم"..
٤ قال في البحر: "كونه منصوبا على الحال المؤكدة على هذا التقدير لا يصح، إنما يصح أن يكون مفعولا به". وهو من الآية رقم ٩١ من سورة البقرة..
٥ هذا رأي المهدوي، قال: لا يصح أن تكون حالا، لا من الفاعل ولا من المفعول، والحال في أغلب أمرها تتغير وتنتقل، لكن إذا حملناها على أنها حال مؤكدة جاز، وهذا كقوله تعالى: ﴿وهو الحق مصدقا﴾..
ولما ذكر في هذه الآية ﴿ الرحمن ﴾ كانت قريش لا تعرف هذا في أسماء الله، وكان مسيلمة كذاب اليمامة تسمى ب «الرحمن » فغالطت قريش بذلك وقالت إن محمداً يأمر بعبادة «الرحمن » اليمامة فنزل قوله تعالى : ﴿ وإذا قيل لهم ﴾ الآية، وقولهم ﴿ وما الرحمن ﴾ استفهام عن مجهول عندهم ف ﴿ ما ﴾ على بابها المشهور، وقرأ جمهور القراء «تأمرنا » بالتاء أي أنت يا محمد، وقرأ حمزة والكسائي والأسود بن يزيد وابن مسعود «يأمرنا » بالياء من تحت إما على إرادة محمد والكناية عنه بالغيبة، وإما على إرادة رحمان اليمامة، وقوله : ﴿ وزادهم نفوراً ﴾ أي أضلهم هذا اللفظ ضلالاً لا يختص به حاشى ما تقدم منهم.
لما جعلت قريش سؤالها عن الله تعالى وعن اسمه هو الرحمن سؤالاً عن مجهول نزلت هذه الآية مصرحة بصفاته التي تعرف به وتوجب الإقرار بربوبيته، و «البروج » هي التي علمتها العرب بالتجربة وكل أمة مصحرة١ وهي المشهورة عند اللغويين وأهل تعديل الأوقات وكل برج منها على منزلتين وثلث من منازل القمر التي ذكرها الله تعالى في قوله ﴿ والقمر قدرناه منازل ﴾٢ [ يس :٣٩ ] والعرب تسمي البناء المرتفع المستغني بنفسه برجاً تشبيهاً ببروج السماء. ومنه قوله تعالى : ﴿ ولو كنتم في بروج مشيّدة ﴾٣ [ النساء :٧٨ ]. وقال الأخطل : [ البسيط ]
كأنها برج روميّ يشيدُه. . . لز بجص وآجور وأحجار٤
وقال بعض الناس في هذه الآية التي نحن فيها «البروج » القصور في الجنة، وقال الأعمش :كان أصحاب عبد الله يقرؤونها «في السماء قصوراً »، وقيل «البروج » الكواكب العظام حكاه الثعلبي عن أبي صالح، وهذا نحو ما بيناه إلا أنه غير ملخص، وأما القول بأنها قصور في الجنة فقول يحط غرض الآية في التنبيه على أشياء مدركات تقوم بها الحجة على كل منكر لله أو جاهل به. وقرأ الجمهور «سراجاً » وهي الشمس، وقرأ حمزة الكسائي وعبد الله بن مسعود وعلقمة والأعمش «سرجاً » وهو اسم جميع الأنوار، ثم خص القمر بالذكر تشريفاً، وقرأ النخعي وابن وثاب والأعمش أيضاً «سرْجاً » بسكون الراء، قال أبو حاتم روى عصمة عن الحسن «وقُمُراً » بضم القاف ساكنة الميم ولا أدري ما أراد أن يكون عنى جمعاً كثمر وثمر وقال أبو عمرو وهي قراءة الأعمش والنخعي٥.
١ البروج المعروفة هي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت..
٢ من الآية ٣٩ من سورة يس..
٣ من الآية ٧٨ من سورة النساء..
٤ البيت في وصف الناقة، يشبهها في ضخامتها بالقصر الكبير المرتفع، وهذا كثير في كلام العرب، وشيد البناء: رفعه وعلاه، أو طلاه بالشيد، وهو كل ما طلي به البناء، والشاهد في البيت أن البرج هو البناء المرتفع المستغني بنفسه..
٥ في البحر أن عصمة قرأها عن عاصم لا عن الحسن وفي القرطبي- عصمة عن الأعمش، وقال في البحر: "والظاهر أنه لغة في القمر كالرَّشد والرُّشد والعَرب والعُرب"، وقيل: جمع قمراء، أي ليلة قمراء، كأنه قال: "وذا قمر منير"؛ لأن الليلة تكون قمراء بالقمر، فأضافه إليها، ونظيره في بقاء حكم المضاف بعد سقوطه وقيام المضاف إليه مقامه قول حسان: (بردى يصفق بالرحيق السلسل)، يريد: ماء بردى، لأنه لو لم يراع المضاف لقال: تصفق بالتاء..
وقوله ﴿ خلفة ﴾ أي هذا يخلف هذا، وهذا يخلف هذا، ومن هذا المعنى قول زهير : [ الطويل ]
بها العين والأرآم يمشين خلفة. . . وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم١
ومن هذا قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء إلى منزل في الصيف دأباً [ يزيد بن معاوية ] : [ المديد ]
ولها بالماطرون إذا. . . أكل النمل الذي جمعا
خلفة حتى إذا ارتبعت. . . سكنت من جلق بيعا
في بيوت وسط دسكرة. . . حولها الزيتون قد ينعا٢
وقال مجاهد ﴿ خلفة ﴾ من الخلاف، هذا أبيض وهذا أسود، وما قدمناه أقوى، وقال مجاهد وغيره من النظار ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ أي يعتبر بالمصنوعات ويشكر الله على نعمه عليه في العقل والفهم والفكر، وقال عمرو بن الخطاب والحسن وابن عباس معناه ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ ما فاته من الخير والصلاة ونحوه في أحدهما فيستدركه في الذي يليه، وقرأ حمزة وحده٣ «يذْكُر » بسكون الذال وضم الكاف، وهي قراءة ابن وثاب وطلحة والنخعي، وقرأ الباقون «يذّكر » بشد الذال، وفي مصحف أبي بن كعب «يتذكر » بزيادة تاء، ثم قال تعالى ﴿ لمن أرد أن يذكر أو أراد شكوراً ﴾ جاء بصفة عباده الذين هم أهل التذكر والشكور.
١ العين: البقر، واحدها أعين وعيناء، سميت عيناء لسعة عينها، والآرام: الظباء البيض الخوالص البياض، والواحد ريم، وخلفة معناه: إذا مضى فوج جاء فوج آخر خلفه في مكانه، وحكى يعقوب عن بعض اللغوين أن المعنى: مختلفة، يريد أنها تتردد في كل وجه، وهذا علامة الأمن والخصب، والطلا: ولد البقرة والظبي والشاة، والمجثم: الموضع الذي يجثم فيه الحيوان، ويروى المجثم بفتح الثاء على أنه اسم من جثم يجثم، ويروى بكسر الثاء فهو الاسم من جثم يجثم..
٢ الأبيات ليزيد بن معاوية، وهي من مقطوعة قالها يتغزل في امرأة نصرانية، كانت قد ترهبت في دير عند بستان بظاهر دمشق يسمى الماطرون، وخلفة بااللام: ما يطلع من الثمر بعد الثمر، وهي رواية البغدادي في الخزانة، والعيني عن ابن القوطية، والطبري والقرطبي في تفسيريهما، ورواها المبرد في الكامل: (خرفة) بالخاء المضمومة والراء، وهو ما يخترف ويجتنى. وارتبعت: دخلت في الربيع، ويروى ذكرت بدلا من سكنت، وجلق: مدينة بالشام، يقال إنها دمشق، والبيع: جمع بيعة بكسر الباء، وهي مكان التعبد عند اليهود، ولكن هذا لا يتفق مع ما قاله البغدادي من أن المرأة كانت نصرانية، والدسكرة: القرية العظيمة، وجمعها دساكر، وينع الثمر: أدرك وطاب وحان قطافه..
٣ يعني من السبعة المعروفين في القراءات..
و «العباد » والعبيد بمعنى إلا أن العباد يستعمل في مواضع التنويه، وسمي قوم من عبد القيس العباد لأن كسرى ملكهم دون العرب، وقيل لأنهم تألهوا مع نصارى الحيرة فصاروا عبد الله وإليهم ينسب عدي بن زيد العبادي، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «وعبد الرحمن »، ذكره الثعلبي، وقوله ﴿ الذين يمشون على الأرض ﴾ عبارة عن عيشهم ومدة حياتهم وتصرفاتهم نذكر من ذلك العظم لا سيما وفي الانتقال في الأرض هي معاشرة الناس وخلطتهم ثم قال، ﴿ هوناً ﴾، بمعنى أمره كله هون أي لين، قال مجاهد، بالحلم والوقار، وقال ابن عباس بالطاعة والعفاف والتواضع، وقال الحسن حلماً إن جهل عليهم لم يجهلوا، وذهبت فرقة إلى أن ﴿ هوناً ﴾ مرتبط بقوله ﴿ يمشون على الأرض ﴾ أي المشي هو هون، ويشبه أن يتأول هذا على أن تكون أخلاق ذلك الماشي ﴿ هوناً ﴾ مناسبة لمشيه فيرجع القول إلى نحو ما بيّناه وأما أن يكون المراد صفة المشي وحده فباطل لأنه رب ماش ﴿ هوناً ﴾ رويداً وهو ذئيب أطلس.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكفأ في مشيه كأنما يمشي في صبب وهو عليه السلام الصدر في هذه الآية. وقوله صلى الله عليه وسلم «من مشى منكم في طمع فليمش رويداً » إنما أراد في عقد نفسه ولم يرد المشي وحده، ألا ترى أن المبطلين المتحيلين بالدين تمسكوا بصورة المشي فقط حتى قال فيهم الشاعر ذماً لهم [ أبي جعفر المنصور ] : [ مجزوء الرمل ]
كلهم يمشي رويدا. . . كلهم يطلب صيدا١
وقال الزهري سرعة المشي تذهب ببهاء الوجه.
قال القاضي أبو محمد :يريد الإسراع الحثيث لأنه يخل بالوقار والخير في التوسط وقال زيد بن أسلم كنت أسأل عن تفسير قوله ﴿ الذين يمشون على الأرض هوناً ﴾ فما وجدت في ذلك شفاء، فرأيت في النوم من جاءني فقال هم الذين لا يريدون أن يفسدوا في الأرض.
قال الفقيه الإمام القاضي :فهذا تفسير في الخلق، و ﴿ هوناً ﴾ معناه رفقاً وقصداً، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «أجب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما » الحديث٢ وقوله ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً ﴾. اختلف في تأويل ذلك، فقالت فرقة ينبغي للمخاطب أن يقول للجاهل سلاماً بهذا اللفظ أي سلمنا سلاماً وتسليماً ونحو هذا، فيكون العامل فيه فعلاً من لفظه على طريقة النحويين، والذي أقول إن ﴿ قالوا ﴾ هو العامل في ﴿ سلاماً ﴾ لأن المعنى ﴿ قالوا ﴾ هذا اللفظ، وقال مجاهد معنى ﴿ سلاماً ﴾ قولاً سديداً، أي يقول للجاهل كلاماً يدفعه به برفق ولين ف ﴿ قالوا ﴾ على هذا التأويل عامل في قوله ﴿ سلاماً ﴾ على طريقة النحويين وذلك أنه بمعنى قولاً، وهذه الآية كانت قبل آية السيف فنسخ منها ما يختص الكفرة وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة، وذكر سيبويه النسخ في هذه الآية في كتابه وما تكلم على نسخ سواه، ورجح به أن المراد السلامة لا التسليم لأن المؤمنين لم يؤمروا قط بالتسليم على الكفار والآية مكية فنسختها آية السيف.
قال الفقيه الإمام القاضي :ورأيت في بعض التواريخ أن إبراهيم بن المهدي كان من المائلين على علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال يوماً بمحضر المأمون وعنده جماعة :كنت أرى علياً في النوم فكنت أقول له من أنت ؟ فكان يقول علي بن أبي طالب، فكنت أجيء معه إلى قنطرة فيذهب فيتقدمني في عبورها، فكنت أقول له إنما تدّعي هذا الأمر بإمرة ونحن أحق به منك، فما رأيت له في الجواب بلاغة كما يذكر عنه، فقال المأمون وبماذا جاوبك قال :فكان يقول لي سلاماً سلاماً، قال الراوي وكان إبراهيم بن المهدي لا يحفظ الآية أو ذهبت عنه في ذلك الوقت فنبه المأمون على الآية من حضره وقال هو والله يا عمي علي بن أبي طالب وقد جاوبك بأبلغ جواب فحزن إبراهيم واستحيا وكانت رؤياه لا محالة صحيحة.
١ قال ذلك أبو جعفر المنصور الخليفة في مدح عمرو بن عبيد الزاهد المشهور، وتمامه:
غير عمرو بن عبيد.

٢ أخرجه الترمذي في البر، وفيه: (أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما)، وفي "الأدب المفرد" للبخاري: هو من كلام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، ونصه: (أحبب حبيبك هونا ما عسى أن يكون بغيضك يوما ما، وأبغض بغيضك هونا ما عسى أن يكون حبيبك يوما ما)، ولم يثبت في المرفوع..
هذه آية فيها تحريض على القيام بالليل للصلاة، قال الحسن لما فرغ من وصف نهارهم وصف في هذه ليلهم، وقال بعض الناس من صلى العشاء الآخر وشفع وأوتر فهو داخل في هذه الآية.
قال الفقيه الإمام القاضي :إلا أنه دخول غير مستوفى، وقرأ أبو البرهسم «سجوداً وقياماً ».
ومدحهم تعالى بدعائه في صرف ﴿ عذاب جهنم ﴾ من حيث ذلك دليل على صحة عقدهم وإيمانهم ومن حيث أعمالهم بحسبه، و ﴿ غراماً ﴾ معناه ملازماً، وقيل مجحفاً ومنه غرام الحب ومنه المغرم ومنه قول الأعشى : [ الخفيف ]
إن يعاقب يكن غراماً وإن يع. . . ط جزيلاً فإنه لا يبالي١
وقول بشر أبي حازم : [ المتقارب ]
ويوم النسار ويوم الجفار. . . كانا عناء وكانا غراما٢
١ البيت من قصيدته التي مدح بها الأسود بن المنذر اللخمي، والتي يقول في مطلعها:
ما بكاء الكبير بالأطلال وسؤالي فهل ترد سؤالي؟
والشاهد في البيت أن (غراما) بمعنى: شديدا ثقيلا دائما..

٢ قال بشر هذا البيت في قصيدة يفخر فيها بقومه، وبما سجلوه من أيام، ويوم النسار ويوم الجفار من أيام العرب، والأول نسبة إلى جبل، والثاني نسبة إلى ماء تميم، ويوم النسار كان لبني أسد وأحلافها على بني عامر، ويوم الجفار كان على بني تميم حين أرادت أن تثأر لبني عامر بعد هزيمتها يوم النسار، ولكن دارت الدائرة على بني تميم وانتصر بنو أسد في المعركتين، ولهذا قال: إنه كان عقابا وكان عذابا شديدا دائما، وقد نسبه في اللسان للطرماح..
وقرأ جمهور الناس «مُقاماً » بضم الميم من الإقامة، ومنه قول الشاعر : «حيوا المقام وحيوا ساكن الدار »١، وقرأ فرقة «مَقاماً » بفتح الميم من قام يقوم فجنهم ضد مقام كريم والأول أفصح وأشهر.
١ المقام: مكان الإقامة، فالتحية لكل من الدار وساكنها..
اختلف المفسرون في هذه الآية في الإنفاق، فعبارة أكثرهم أن الذي لا يسرف هو المنفق في الطاعة، وإن أسرف، والمسرف هو المنفق في المعصية وإن قل إنفاقه، وأن المقتر هو الذي يمنع حقاً عليه، وهذا قول ابن عباس ومجاهد وابن زيد، وقال عون بن عبد الله بن عتبة «الإسراف » أن تنفق مال غيرك. ونحو هذه الأقوال التي هي غير مرتبطة بلفظ الآية، وخلط الطاعة والمعصية بالإسراف والتقتير فيه نظر، والوجه أن يقال أن النفقة في المعصية أمر قد حظرت الشريعة قليله وكثيره، وكذلك التعدي على مال الغير، وهؤلاء الموصوفون منزهون عن ذلك، وإنما التأديب بهذه الآية هو في نفقة الطاعات وفي المباحات، فأدب الشرع فيها أن لا يفرط الإنسان حتى يضيع حقاً آخر أو عيالاً ونحو هذا وأن لا يضيق أيضاً ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح، والحسن في ذلك هو القوام، أي المعتدل، والقوام في كل واحد بحسب عياله وحاله وخفة ظهره وصبره وجلده على الكسب أو ضد هذه الخصال، وخير الأمور أوسطها، ولهذا ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر يتصدق بجميع ماله لأن ذلك وسط بنسبة جلده وصبره في الدين ومنع غيره من ذلك، ونعم ما قال إبراهيم النخعي وهو الذي لا يجيع ولا يعري ولا ينفق نفقة يقول الناس قد أسرف، وقال يزيد بن حبيب هم الذين لا يلبسون الثياب للجمال ولا يأكلون طعاماً للذة، وقال عبد الملك بن مروان لعمر بن عبد العزيز حين زوجه ابنته فاطمة :ما نفقتك ؟ فقال له عمر الحسنة بين السيئتين، ثم تلا الآية، وقال عمر بن الخطاب كفى بالمرء سرفاً ألا يشتهي شيئاً إلا اشتراه فأكله، وفي سنن ابن ماجه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( إن من السرف أن تأكل ما اشتهيته )، وقال الشاعر :
ولا تغل في شيء من الأمر واقتصد كلا طرفي قصد الأمور ذميم١
وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم «يُقتِروا » بضم الياء وكسر التاء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ومجاهد وحفص عن عاصم٢ «يَقتِروا » بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ حمزة والكسائي بفتح الياء وضم الياء، وهي قراءة الحسن والأعمش وطلحة وعاصم بخلاف، وقرأ أبو عبد الرحمن بضم الياء وفتح التاء٣، وقرأ أبو عمرو «والناس قَواماً » بفتح القاف، أي معتدلاً٤، وقرأ حسان بن عبد الرحمن بكسر القاف أي مبلغاً وسداداً وملاك حال، و ﴿ قواماً ﴾ خبر ﴿ كان ﴾ واسمها مقدر أي الإنفاق، وجوز الفراء أن يكون اسمها قوله ﴿ بين ذلك ﴾.
١ الغلو: الإفراط في الشيء ومجاوزة الحد فيه، قال في اللسان: "وخير الأمور أوساطها، و... كلا طرفي قصد الأمور ذميم" فاستشهد بالنصف الثاني على أن المراد الاعتدال في الأمور، وعدم مجاوزة الحد في الطرفين بالإفراط أو التفريط، وعلى هذا فالاقتصاد هو الاعتدال، أو هو ما بين الإسراف والتقتير، قال تعالى: ﴿ومنهم مقتصد﴾ أي بين الظالم والسابق، وقال: ﴿واقصد في مشيك﴾ وفي الحديث الشريف: (ما عال مقتصد ولا يعيل)، أي: ما افتقر من لا يسرف في الإنفاق ولا يقتر..
٢ الثابت في المصحف أن قراءة حفص عن عاصم [يقتروا] بفتح الياء وضم التاء، لا بكسرها، ونظن أن الخطأ من الناسخ..
٣ إذا راجعنا ذلك على ما في كتب القراءات نجد اختلافات متعددة، وحتى نأمن العثار والخطأ ننقل لك هنا ما أثبته الحافظ ابن الجزري في كتابه (النشر في القراءات العشر)، قال: "قرأ المدنيان وابن عامر بضم الياء وكسر التاء، وقرأ ابن كثير والبصريان بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ الباقون بفتح الياء وضم التاء". هذا والحجة لمن فتح الياء وكسر التاء أنه أخذه من قتر يقتر، مثل :ضرب يضرب، ومن ضم التاء أخذه من قتر يقتر، مثل: خرج يخرج، والحجة لمن ضم الياء وكسر التاء أنه أخذه من أقتر يقتر، وهما لغتان معناهما: قلة الإنفاق، قاله ابن خالويه في كتاب :"الحجة"..
٤ في بعض النسخ: اعتدالا..
وقوله تعالى : ﴿ والذين لا يدعون ﴾ الآية إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادتهم الأوثان وقتلهم النفس بوأد البنات وغير ذلك من الظلم والاغتيال والغارات وبالزنا الذي كان عندهم مباحاً، وفي نحو هذه الآية قال عبد الله بن مسعود :قلت يوماً يا رسول الله أي الذنب أعظم ؟ قال :
«أن تجعل لله نداً وهو خلقك، قلت ثم أي ؟ قال أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قلت ثم أي ؟ قال أن تزاني حليلة جارك »، ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية١.
قال الفقيه الإمام القاضي :والقتل والزنا يدخل في هذه الآية العصاة من المؤمنين ولهم من الوعيد بقدر ذلك، «والحق » الذي تقتل به النفس هو قتل النفس والكفر بعد الإيمان، و «الزنا » بعد الإحصان والكفر الذي لم يتقدمه إيمان في الحربيين، و «الآثام » في كلام العرب العقاب وبه فسر ابن زيد وقتادة هذه الآية ومنه قول الشاعر : [ الوافر ]
جزى الله ابن عروة حيث أمسى. . . عقوقاً والعقوق له أثام٢
أي جزاء وعقوبة، وقال عكرمة وعبد الله بن عمرو ومجاهد إن ﴿ أثاماً ﴾ واد في جهنم هذا اسمه وقد جعله الله عقاباً للكفرة.
١ أخرجه الفريابي، وأحمد وعبد بن حميد، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان –عن ابن مسعود رضي الله عنه. (الدر المنثور)..
٢ البيت لبلعاء بن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر، اسمه حميضة، وهو من كنانة بن خزيمة، وكان بلعاء رأس بني كنانة وقائدهم في الحروب والغزوات، ولم أخبار كثيرة بسبب إكثاره من الغارات على العرب، وقد أكثر من القول في فنون الشعر المختلفة، وشعره حسن، وقد استشهد صاحب اللسان بالبيت، ونسبه إلى شافع الليثي، قال: "قال أبو إسحق: تأويل الأثام: المجازاة، وقال أبو عمرو الشيباني: لقي فلان أثام ذلك، أي جزاء ذلك، فإن الخليل وسيبويه يذهبان إلى أن معناه: يلق جزاء الأثام، وقول شافع الليثي في ذلك: جزى الله... البيت، أي: عقوبة مجازاة العقوق، وهي قطيعة الرحم". أما أبو عبيدة فقد نسبه إلى بلعاء في مجاز القرآن..
وقرأ نافع وابن عامر وحمزة والكسائي «يضاعفْ ويخلدْ » جزماً، وقرأ ابن كثير وأبو جعفر والحسن «يضعّفْ » بشد العين وطرح الألف وبالجزم في «يضعَفْ ويخلدْ »، وقرأ طلحة بن سليمان «نضعِّف » بضم النون وكسر العين المشددة «العذابَ » نصب «ويخلد » جزم وهي قراءة أبي جعفر وشيبة، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر «يضاعفُ ويخلدُ » بالرفع فيهما، وقرأ طلحة بن سلمان «وتخلد » بالتاء على معنى مخاطبة الكافر بذلك، وروي عن أبي عمرو «ويُخلَّد » بضم الياء من تحت وفتح اللام قال أبو علي وهي غلط من جهة الرواية «ويضاعفْ » بالجزم بدل من ﴿ يلق ﴾ قال سيبويه مضاعفة العذاب هي الأثام قال الشاعر :
«متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا ». . . البيت١.
١ البيت لعبيد الله بن الحر الجعفي، كان مع معاوية على علي، ثم حدثت بينهما مناقشة خرج بعدها وانضم إلى علي رضي الله عنه –اقرأ خبر ذلك في (خزانة الأدب) للبغدادي. والجزل: الغليظ، وهذا يجعل النار قوية فينظر إليها الضيوف عن بعد، وتأججا بضمير الاثنين، للحطب والنار، أو أن الألف في (تأججا) للإطلاق مع تذكير النار، أو عاد الضمير على النار مذكرا لأن النار مؤنث مجازي، والشاهد في البيت جزم (تلمم) لأنه بدل من قوله: (تأتنا)، ولو أمكن رفعه على تقدير الحال لجاز، قال سيبويه: سألت الخليل عن البيت فقال: (تلمم) بدل من الفعل الأول، أراد أن يفسر الإتيان بالإلمام، كما تقول: مررت برجل عبد الله، فتفسر الأول وهو رجل بالثاني وهو عبد الله..
وقوله ﴿ إلا من تاب ﴾ الآية لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني واختلفوا في القاتل من المسلمين، فقال جمهور العلماء له التوبة وجعلت هذه الفرقة قاعدتها قوله تعالى : ﴿ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾١ [ النساء :٤٨ ] فجعل القاتل في المشيئة كسائر التائبين من الذنوب، ويتأولون الخلود الذي في آية القتل في سورة النساء٢ بمعنى الدوام إلى مدة كخلد الدول ونحوه، وروى أبو هريرة في أن التوبة لمن قتل حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم٣، وقيل إن هذه الآية نزلت في وحشي قاتل حمزة، وقاله سعيد بن جبير، وقال ابن عباس وغيره لا توبة للقاتل، قال ابن عباس وهذه الآية إنما أريد بالتوبة فيها المشركون وذلك أنها لما نزلت ﴿ إلا من تاب ﴾ الآية، ونزلت ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾٤ [ الزمر :٥٣ ]، فما رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح فرحه بها وبسورة الفتح٥، وقال غير ابن عباس ممن قال بأن لا توبة للقاتل إن هذه الآية منسوخة بآية سورة النساء قاله زيد بن ثابت، ورواه أيضاً سعيد بن جبير عن ابن عباس، وقال أبو الجوزاء صحبت ابن عباس ثلاث عشرة سنة فما شيء من القرآن إلا سألته عنه فما سمعته يقول إن الله تعالى يقول لذنب لا أغفره وقوله تعالى : ﴿ يبدل الله سيئاتهم حسنات ﴾.
معناه يجعل أعمالهم بدل معاصيهم الأول طاعة فيكون ذلك سبباً لرحمة الله إياهم قاله ابن عباس وابن جبير وابن زيد والحسن، ورد على من قال هو في يوم القيامة، وقد ورد حديث في كتاب مسلم من طريق أبي يقتضي أن الله تعالى يبدل يوم القيامة لمن يريد المغفرة من الموحدين بدل سيئات حسنات، وذكره الترمذي والطبري وهذا تأويل ابن المسيب في هذه الآية.
قال القاضي أبو محمد :وهو معنى كرم العفو، وقرأ ابن أبي عبلة «يبْدِل » بسكون الباء وتخفيف الدال.
١ من الآية ٤٨ من سورة النساء. وتكررت في الآية ١١٦ من السورة نفسها..
٢ وهي قوله تعالى في الآية ٩٣: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابا عظيما﴾..
٣ الحديث الذي يشير إليه أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند ضعيف عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة ثم انصرفت، فإذا امرأة عند بابي، فقالت: جئتك أسألك عن عمل عملته هل ترى لي منه توبة؟ قلت: وما هو.؟ قالت: زنيت وولد لي وقتلته. قلت: لا ولا كرامة، فقامت وهي تقول: واحسرتاه، أيخلق هذا الجسد للنار؟ فلما صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الصبح من تلك الليلة قصصت عليه أمر المرأة، قال: وما قلت لها؟ قلت: لا ولا كرامة، قال: بئس ما قلت، أما كنت تقرأ هذه الآية ﴿والذين لا يدعون مع الله إلها آخر...﴾ إلى قوله: ﴿إلا من تاب﴾ الآية، قال أبو هريرة: فخرجت فما بقيت دار بالمدينة ولا خطة إلا وقفت عليها فقلت: إن كانت فيكم المرأة التي جاءت أبا هريرة فلتأت ولتبشر، فلما انصرفت من العشي إذا هي عند بابي، فقلت: أبشري، إني ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ما قلت وما قلت لك فقال: بئس ما قلت، أما كنت تقرأ هذه الآية؟ وقرأتها عليها، فخرت ساجدة وقالت: أحمد الله الذي جعل لي توبة ومخرجا، أشهد أن هذه الجارية (لجارية معها وابن لها) حران لوجه الله، وإني قد تبت مما عملت..
٤ من الآية ٥٣ من سورة الزمر..
٥ أخرجه بلفظ آخر في أوله ابن المنذر، والطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله عنهما..
أكد بهذه الألفاظ أمر التوبة والمعنى ﴿ ومن تاب ﴾ فإنه قد تمسك بأمر وثيق وهكذا، كما تقول لمن تستحسن قوله في أمره لقد قلت يا فلان قولاً، فكذلك الآية معناها مدح المتاب كأنه قال فإنه يجد باباً للفرج والمغفرة عظيماً.
ثم استمرت الآيات في وصف عباد الله المؤمنين بأن نفى عنهم شهادة الزور، و ﴿ يشهدون ﴾ في هذا الموضع ظاهر معناها يشاهدون ويحضرون، و ﴿ الزور ﴾ كل باطل زور وزخرف فأعظمه الشرك وبه فسر الضحاك وابن زيد، ومنه الغناء، وبه فسر مجاهد، ومنه الكذب، وبه فسر ابن جريج، وقال علي بن أبي طالب ومحمد بن علي المعنى لا يشهدون بالزور فهو من الشهادة لا من المشاهدة والزور الكذب.
قال الفقيه الإمام القاضي :والشاهد بالزور حاضره ومؤديه جرأة، فالمعنى الأول أعم لكن المعنى الثاني أغرق في المعاصي وأنكى، و «اللغو » كل سقط من فعل أو قول يدخل فيه الغناء واللهو وغير ذلك، ويدخل في ذلك سفه المشركين وأذاهم للمؤمنين وذكر النساء وغير ذلك من المنكر، و ﴿ كراماً ﴾ معناه معرضين مستحين يتجافون عن ذلك ويصبرون على الأذى فيه، وروي أن عبد الله بن مسعود سمع غناء فأسرع في مشيه وذهب فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لقد أصبح ابن أم عبد كريماً، وقرأ الآية١.
قال الفقيه الإمام القاضي :وأما إذا مر المسلم بمنكر فكرمه أن يغير، وحدود التغيير معروفة.
١ أخرجه ابن أبي حاتم، وابن عساكر، عن إبراهيم بن ميسرة رضي الله عنه، وفيه أن الذي قرأ الآية هو إبراهيم بن ميسرة، وجاء بلفظ: (ثم تلا إبراهيم): ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما﴾. (الدر المنثور)..
وقوله تعالى : ﴿ والذين إذا ذكروا بآيات ربهم ﴾ ذكروا بالقرآن آخرتهم ومعادهم وقوله : ﴿ لم يخروا عليها صماً وعمياناً ﴾ يحتمل تأويلين :أحدهما أن يكون المعنى لم يكن خرورهم بهذه الصفة بل يكون سجداً وبكياً، وهذا كما تقول لم يخرج زيد للحرب جزعاً أي إنما خرج جريئاً مقدماً. وكأن الذي يخر أصم وأعمى هو المنافق، أو الشاك، والتأويل الثاني ذهب إليه الطبري وهو أن يخروا صماً وعمياناً هي صفة للكافر وهي عبارة عن إعراضهم وجهدهم في ذلك. وقرن ذلك بقوله قعد فلان يشتمني وقام فلان يبكي وأنت لم تقصد الإخبار بقعود ولا قيام وإنما هي توطئات في الكلام والعبارة.
قال الفقيه الإمام القاضي :وكان المستمع للذكر قائم القناة قويم الأمر فإذا أعرض وضل كان ذلك خروراً وهو السقوط على غير نظام ولا ترتيب وإن كان قد شبه به الذي يخر ساجداً، ولكن أصله أنه على غير ترتيب.
ثم مدح المؤمنين حال الدعاء إليه في أن يقر العيون بالأهل والذرية، و «قرة العين » يحتمل أن تكون من القرار، ويحتمل أن تكون من القر، وهو الأشهر لأن دمع السرور بارد ودمع الحزن سخن، فمن هذا يقال أقر الله عينك وأسخن الله عين العدو١، و «قرة العين » في الأزواج والذرية أن يراهم الإنسان مطيعين لله تعالى قاله ابن عباس والحسن وحضرمي، وبين المقداد بن الأسود الوجه من ذلك بأنه كان في أول الإسلام يهتدي الأب والابن كافر والزوج والزوجة كافرة فكانت قرت عيونهم في إيمانهم أحبابهم، وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والحسن «ذرياتنا »، وقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وطلحة وعيسى «ذريتنا » بالإفراد.
وقوله تعالى : ﴿ للمتقين إماماً ﴾ قيل هو جمع، آم مثل قائم وقيام وقيل هو مفرد اسم جنس أي اجعلنا يأتم بنا المتقون، وهذا لا يكون إلا أن يكون الداعي متقياً قدوة وهذا هو قصد الداعي، قال إبراهيم النخعي لم يطلبوا الرياسة بل أن يكونوا قدوة في الدين وهذا حسن أن يطلب ويسعى له.
١ أخذه الشاعر فقال:
فكم سخنت بالأمس عين قريرة وقرت عيون دمعها اليوم ساكب.

قرأ أبي كعب «يجازون » بألف، و ﴿ الغرفة ﴾ من منازل الجنة وهي الغرفة فوق الغرف وهو اسم الجنة كما قال : [ الهزج ]
ولولا الحبة السمراء. . . لم نحلل بواديكم١
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «ويُلَقّون » بضم الياء وفتح اللام وشد القاف وهي قراءة أبي جعفر وشيبة والحسن، وقرأ حمزة والكسائي وابن عامر وعاصم وطلحة ومحمد اليماني ورويت عن النبي صلى الله عليه وسلم «ويلْقون » بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف، واختلف عن عاصم٢.
١ الحبة: واحدة الحب، وهو ما يكون في السنبل والأكمام كالقمح والشعير، وجمع الحب: حبوب، والحلول: النزول، والشاهد أن الحبة: اسم جنس كالغرفة..
٢ لأن القراءة الثابتة في المصحف عن عاصم من طريق حفص جاءت بضم الياء وتشديد القاف..
وقوله ﴿ حسنت مستقراً ومقاماً ﴾ معادل لقوله في جهنم ﴿ ساءت ﴾.
وقوله : ﴿ قل ما يعبؤا بكم ﴾ الآية أمر لمحمد صلى الله عليه وسلم أن يخاطب بذلك، و ﴿ ما ﴾ تحتمل النفي وتحتمل التقرير والكلام في نفسه يحتمل تأويلات أحدها أن تكون الآية إلى قوله ﴿ لولا دعاؤكم ﴾ خطاباً لجميع الناس فكأنه قال لقريش منهم أي ما يبالي الله بكم ولا ينظر إليكم لولا عبادتكم إياه أن لو كانت إذ ذلك الذي يعبأ بالبشر من أجله. قال تعالى : ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾١ [ الذاريات :٥٦ ]. وقال النقاش وغيره المعنى لولا استغاثتكم إليه في الشدائد ونحو ذلك فذلك هو عرف الناس المرعي٢ فيهم، وقرأ ابن الزبير وغيره «فقد كذب الكافرون » وهذا يؤيد أن الخطاب بما يعبأ هو لجميع الناس، ثم يقول لقريش فأنتم قد كذبتم ولم تعبدوه فسوف يكون العذاب والتكذيب الذي هو سبب العذاب لزاماً، والثاني أن يكون الخطاب بالآيتين لقريش خاصة أي ﴿ ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ﴾ الأصنام آلهة دونه فإن ذلك يوجب تعذيبكم، والثالثة وهو قول مجاهد أي ما يعبأ ربكم بكم لولا أن دعاكم إلى شرعه فوقع منكم الكفر والإعراض.
قال القاضي أبو محمد :والمصدر في هذا التأويل مضاف إلى المفعول وفي الأولين مضاف إلى الفاعل و ﴿ يعبأ ﴾ مشتق من العبء، وهو الثقل الذي يعبأ ويرتب كما يعبأ الجيش٣، وقرأ ابن الزبير «وقد كذبت الكافرون فسوف »، قال ابن جني قرأ ابن الزبير وابن عباس الخ. . . «فقد كذب الكافرون »، قال الزهراوي وهي قراءة ابن مسعود قال وهي على التفسير وأكثر الناس على أن «اللزام » المشار إليه في هذا الموضع هو يوم بدر وهو قول أبي بن كعب وابن مسعود، والمعنى فسوف يكون جزاء التكذيب، وقالت فرقة هو تعوذ بعذاب الآخرة، وقال ابن مسعود اللزام التكذيب نفسه أي لا تعطون توبة ذكره الزهراوي، وقال ابن عباس أيضاً «اللزام » الموت وهذا نحو القول ببدر وإن أراد به متأول الموت المعتاد في الناس عرفاً فهو ضعيف، وقرأ جمهور الناس «لِزاماً » بكسر اللام من لوزم وأنشد أبو عبيدة لصخر الغي٤ : [ الوافر ]
فإمّا ينجوا من حتف أرض. . . فقد لقيا حتوفهما لزاما
وقرأ أبو السمال «لَزاماً » لفتح اللام من لزم٥ والله المعين.
١ الآية ٥٦ من سورة الذاريات..
٢ في بعض النسخ: المدعى فيهم..
٣ في (اللسان- عبأ): "عبأ الأمر عبئا وعبأه يعبئه: هيأه، وعبأت المتاع: جعلت بعضه على بعض، وقيل: عبأ المتاع وعبأه: كلاهما هيأه، وكذلك الخيل والجيش، وكان يونس لا يهمز تعبية الجيش"..
٤ هو صخر بن عبد الله الخيثمي الهذلي، وفي الأغاني أنه لقب بصخر الغي لخلاعته وشدة بأسه وكثرة شره، وله ترجمة في الإصابة، وفي الأغاني، والبيت في (اللسان- لزم) وفيه "قال أبو عبيدة: وجاء في التفسير عن الجماعة أنه يوم بدر، وما نزل بهم فيه، فإنه لوزم بين القتلى لزاما، أي: فصل، وأنشد أبو عبيدة لصخر الغي: فإما ينجوا...البيت، وتأويل هذا أن الحتف إذا كان مقدرا فهو لازم، إن نجا من حتف مكان لقيه الحتف في مكان آخر لزاما"..
٥ قال أبو جعفر: يكون مصدر لزم، والكسر أولى، وقال غيره: اللزام بالكسر مصدر لازم لزاما، مثل خاصم خصاما، واللزام بالفتح مصدر لزم، مثل سلم سلاما، أي سلامة، فاللزام بالفتح اللزوم، واللزام: الملازمة، والمصدر في القراءتين وقع موقع اسم الفاعل، فاللزام في موقع: ملازم، واللزام في موقع: لازم..
السورة التالية
Icon