0:00
0:00

سورة الفرقان
سبع وسبعون آية
وهي مكية كلها في قول الجمهور. نزلت قبل الهجرة وبه قال ابن الزبير وقال القرطبي وقال ابن عباس وقتادة :إلا ثلاث آيات منها. فإنها نزلت بالمدينة وهي ﴿ والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ﴾ الآيات.
وأخرج البخاري ومسلم ومالك والشافعي وابن حبان والبيهقي في سننه عن عمر بن الخطاب. قال :سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فاستمعت لقراءته. فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئه بها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكدت أساوره في الصلاة. فتصبرت حتى سلم، فلببته بردائه. فقلت :من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ ؟ قال :أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت :كذبت، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد أقرأنيها علي غير ما قرأت :فانطلقت به أقوده إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت :إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :أرسله. اقرأ يا هشام، فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :كذلك أنزلت، ثم قال :اقرأ يا عمر :فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( كذلك أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤا ما تيسر منه ) ١.
١ مسلم ٨١٨ ـ البخاري ١١٩٥..

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ( ١ ) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ( ٢ ) وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ( ٣ ) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا ( ٤ ) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( ٥ ) ﴾.
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ ﴾ تكلم سبحانه في هذه السورة على التوحيد لأنه أقدم وأهم، ثم في النبوة لأنها الواسطة ثم في المعاد، لأنه الخاتمة وأصل تبارك مأخوذ من البركة. وهي النماء والزيادة. حسية كانت أو عقلية. قال الزجاج :تبارك تفاعل من البركة، وبه قال ابن عباس، قال :ومعنى البركة الكثرة من كل ذي خير، وقال الفراء :إن تبارك وتقدس في العربية واحد. ومعناهما العظمة. وقيل المعنى تبارك عطاؤه، أي زاد وكثر، وقيل دام وثبت.
قال النحاس :وهذا أولاها في اللغة، والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت، ومنه برك الجمل، أي دام وثبت، واعترض ما قاله الفراء بأن التقديس إنما هو من الطهارة، وليس من ذا في شيء. قال العلماء :هذه اللفظة لا تستعمل إلا لله سبحانه، ولا تستعمل إلا بلفظ الماضي. والمعنى تعالى الله عما سواه في ذاته وصفاته، وأفعاله التي من جملتها تنزيل القرآن الكريم المعجز الناطق بعلو شأنه تعالى، وسمو صفاته، وابتناء أفعاله على أساس الحكم والمصالح، وخلوها عن شائبة الخلل بالكلية، والفرقان القرآن وسمي فرقانا لأنه يفرق بين الحق والباطل بأحكامه أو بين المحق والمبطل.
قال قتادة :هو القرآن فيه حلاله وحرامه وشرائعه ودينه وقيل لأنه نزل مفرقا في أوقات كثيرة، ولهذا قال : ﴿ نزل ﴾ بالتشديد لتكثير التفريق.
﴿ عَلَى عَبْدِهِ ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم ثم علل التنزيل بقوله، ﴿ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا ﴾ فإن النذارة هي الغرض المقصود من الإنزال والمراد بالعالمين هنا الإنس والجن لأن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل إليهما، قال المحلي :دون الملائكة، ولم يكن غيره من الأنبياء على نبينا وعليهم الصلاة والسلام مرسلا إلى الثقلين.
والنذير المنذر أي ليكون محمد صلى الله عليه وسلم منذرا أي وبشيرا أو ليكون إنزال القرآن منذرا أو ليكون إنزاله إنذارا أو ليكون محمد صلى الله عليه وسلم إنذارا وجعل الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم أولى، لأن صدور الإنذار منه حقيقة ومن القرآن مجاز.
والحمل على الحقيقة أولى، أو لكونه أقرب مذكور قال قتادة :بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم نذيرا من الله لينذر الناس بأس الله، ووقائعه بمن خلا قبلكم.
وقيل إن رجوع الضمير إلى الفرقان ألوى لقوله تعالى : ﴿ إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ﴾. ويصح رجوعه للمنزل وهو الله وقوله ﴿ لِلْعَالَمِينَ ﴾ متعلق ب ﴿ نَذِيرًا ﴾ قدم عليه لرعاية الفاصلة.
ثم إنه سبحانه وصف ذاته الكريمة بصفات أربع.
الأولى : ﴿ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ دون غيره لا استقلالا، ولا تبعا فهو المتصرف فيهما، وفيه تنبيه على افتقار الكل إليه في الوجود وتوابعه من البقاء وغيره.
﴿ وَ ﴾ الصفة الثانية : ﴿ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ﴾ فيه رد على اليهود والنصارى.
﴿ وَ ﴾ : ﴿ لَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ ﴾ فيه رد على طوائف المشركين من الثنوية والوثنية وعباد الأصنام، وأهل الشرك الخفي. فأثبت له الملك بجميع وجهوهه، ثم نفى ما يقوم مقامه فيه، ثم نبه على ما يدل عليه فقال.
﴿ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ﴾ من الموجودات مما تطلق عليه صفة المخلوق، وهي الصفة الرابعة : ﴿ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا ﴾ أي قدر كل شيء مما خلق بحكمته، على ما أراده وهيأه لما يصلح له، وسواه تسوية لا اعوجاج فيه، ولا زيادة على ما تقتضيه الحكمة والمصلحة ولا نقصا عن ذلك في بابي الدنيا والدين. وقيل :أحدثه إحداثا مراعي فيه التقدير حسب إرادته، كخلقه الإنسان من مواد مخصوصة وصور وأشكال معينة، فقدره وهيأه لما أراد منه، من الخصائص والأفعال أو فقدره للبقاء إلى أجل مسمى.
قال قتادة :بيّن الله لكل شيء من خلقه صلاحه وجعل ذلك بقدر معلوم. قال الواحدي :قال المفسرون :قدر له تقديرا من الأجل والرزق فجرت المقادير على ما خلق، وقيل أريد بالخلق هنا مجرد الإحداث والإيجاد مجازا من غير ملاحظة معنى التقدير، وإن لم يخل عنه في نفس الأمر، فيكون المعنى أوجد كل شيء فقدره، لئلا يلزم التكرار هذا أوضح دليل على المعتزلة في خلق أفعال العباد،
ثم صرح سبحانه في تزييف مذاهب عبدة الأوثان فقال :
﴿ وَاتَّخَذُوا مِن دُونِهِ ﴾ الضمير للكفار، أو المنذرين أو للمشركين، وإن لم يتقدم لهم ذكر لدلالة العالمين، ونفي الشريك، والنذير عليهم أي اتخذ المشركون لأنفسهم متجاوزين الله ﴿ آلِهَةً ﴾ قال قتادة :هي الأوثان التي تعبد من دون الله ﴿ لَّا يَخْلُقُونَ شَيْئًا ﴾ أي لا يقدرون على خلق شيء من الأشياء وغلب العقلاء على غيرهم لأن في معبودات الكفار الملائكة وعزيرا والمسيح.
﴿ وَهُمْ يُخْلَقُونَ ﴾ أي يخلقهم الله سبحانه قال قتادة :أي هو الله الخالق الرازق وهذه الأوثان تخلق ولا تخلق شيئا ولا تضر ولا تنفع، وقيل عبر عن الآلهة بضمير العقلاء جريا على اعتقاد الكفار أنها تضر وتنفع، وقيل المعنى عبدتهم يصورنهم وينحتونهم، ثم لما وصف سبحانه نفسه الكريمة بالقدرة الباهرة وصف الآلهة المشركين بالعجز البالغ فقال :
﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا ﴾ أي لا يقدرون على أن يجلبوا لأنفسهم نفعا ولا يدفعوا عنها ضررا، وقدم ذكر الضر لأن دفعه أهم من جلب النفع، وإذا كانوا بحيث لا يقدرون على الدفع والنفع فيما يتعلق بأنفسهم فكيف يملكون ذلك لمن يعبدهم وهذا يدل على غاية عجزهم، ونهاية ضعفهم، ثم زاد في بيان عجزهم فنص على هذه الأمور فقال :
﴿ وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا ﴾ أي لا يقدرون على إماتة الأحياء، ولا إحياء الموتى، ولا بعثهم من القبور، لأن النشور هو الإحياء بعد الموت، يقال :أنشر الله الموتى، فنشروا. وقدم الموت لمناسبته للضر المتقدم.
ولما فرغ سبحانه من بيان التوحيد وتزييف مذاهب المشركين، شرع في ذكر شبه منكري النبوة، فالشبهة الأولى ما حكاه عنه بقوله :
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي مشركو العرب ﴿ إِنْ هَذَا ﴾ أي ما هذا القرآن ﴿ إِلَّا إِفْكٌ ﴾ أي كذب ﴿ افْتَرَاهُ ﴾ أي اختلقه محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ ﴾ أي على الاختلاق ﴿ قَوْمٌ آخَرُونَ ﴾ يعنون من اليهود قيل وهم أبو فكيهة يسار مولى الحضرمي، وعداس مولى حويطب بن عبد العزى، وجبر مولى ابن عامر، وكان هؤلاء الثلاثة من اليهود، وقد مر الكلام على مثل هذا في سورة النحل، ثم رد الله سبحانه عليهم فقال :
﴿ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْمًا وَزُورًا ﴾ أي فقد قالوا ظلما هائلا عظيما وكذبا ظاهرا، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها لكن لا على أنهما أمران متغايران حقيقة بل على أن الثاني هو عين الأول حقيقة، وإنما الترتيب بحسب التغاير الاعتباري و ﴿ قد ﴾ لتحقيق ما جاؤوا به من الظلم والزور، وانتصاب ﴿ ظُلْمًا ﴾ جاؤوا فإن ﴿ قد ﴾ لتحقيق ما جاءوا به من الظلم والزور، وانتصاب ﴿ ظلما ﴾ بجاؤوا فإن جاء قد تستعمل استعمال أتى، وتعدى تعديته، وقال الزجاج :الأصل جاؤوا بظلم، وقيل على الحال، وإنما كان ذلك منهم ظلما لأنهم نسبوا القبيح إلى من هو مبرأ منه. فقد وضعوا الشيء في غير موضعه، وهذا هو الظلم.
وقيل هو جعل الكلام المعجز إفكا مختلفا متلفقا من اليهود، وأما كون ذلك منهم زورا فظاهر لأنهم قد كذبوا في هذه المقالة.
ثم ذكر الشبهة الثانية فقال :
﴿ وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ ﴾ أي أحاديثهم، وما سطروه من الأخبار مثل خبر رستم وإسفنديار. قال الزجاج :واحد الأساطير أسطورة، مثل أحاديث وأحدوثة، وقال غيره :جمع أسطار، مثل أقاويل وأقوال ﴿ اكْتَتَبَهَا ﴾ أي استكتبها أو كتبها لنفسه، أو المعنى جمعها من الكتب، وهو الجمع لأمر الكتابة بالقلم، والأول أولى. ومحل اكتتبها النصب على الحال، أو الرفع على أنه خبر ثان. وقرئ اكتتبها مبنيا للمفعول والمعنى اكتتبها له كاتب، لأنه كان أميا لا يكتب ولا يقرأ.
﴿ فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ ﴾ أي تلقى عليه تلك الأساطير بعدما اكتتبها ليحفظها من أفواه من يملكها عليه من ذلك المكتتب. لكونه أميا لا يقدر على أن يقرأها من ذلك المكتوب بنفسه. أو المعنى أراد اكتتابها فهي تملي عليه لأنه يقال أمليت عليه فهو يكتب ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ أي غدوة وعشيا، كأنهم قالوا :إن هؤلاء يعلمون محمدا صلى الله عليه وسلم، طرفي النهار، وقيل معنى بكرة وأصيلا دائما في جميع الأوقات فأجاب الله سبحانه عن هذه الشبهة بقوله :
﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ٦ ) وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ( ٧ ) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ( ٨ ) انظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ( ٩ ) تَبَارَكَ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا ( ١٠ ) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ( ١١ ) ﴾.
﴿ قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ أي ليس ذلك مما يفترى، ويفتعل، بإعانة قوم وكتابة آخرين من الأحاديث الملفقة وأخبار الأولين بل هو أمر سماوي أنزله الذي يعلم كل شيء لا يغيب عنه شيء من الأشياء فلهذا عجزتم عن معارضته ولم تأتوا بسورة مثله، وخص السر للإشارة إلى انطواء ما أنزله سبحانه على أسرار بديعة، لا يبلغ إليها عقول البشر، والسر :الغيب، أي يعلم الغيب الكائن فيهما.
﴿ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ تعليل لتأخير العقوبة أي :إنكم، وإن كنتم مستحقين لتعجيل العقوبة بما تفعلونه من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظلم له فإنه لا يعجل عليكم بذلك لأنه كثير المغفرة والرحمة،
ثم لما فرغ سبحانه من ذكر ما طعنوا به على القرآن، ذكر ما طعنوا به على الرسول صلى الله عليه وسلم فقال :
﴿ وَقَالُوا :مَالِ هَذَا الرَّسُولِ ؟ ﴾ في الإشارة هنا تصغير لشأن المشار إليه، وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم وسموه رسولا استهزاء وسخرية، وحاصل ما ذكر هنا ستة قبائح، والأخيرة هي قوله ﴿ إلا رجلا مسحورا ﴾ وقد رد الله عليهم هذه الستة إجمالا في البعض، وتفصيلا في البعض، والمعنى، أي شيء. وأي سبب حصل، لهذا الذي يدعي الرسالة حال كونه ﴿ يَأْكُلُ الطَّعَامَ ﴾ كما نأكله.
﴿ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ ويتردد فيها لطلب المعاش كما نتردد، زعموا أنه كان يجب أن يكون الرسول ملكا مستغنيا عن الطعام، والكسب، والاستفهام للإنكار، وهو يرجع إلى السبب مع تحقيق المسبب، وهو الأكل والمشي، ولكنه استبعد تحقق ذلك لانتفاء سببه عندهم، تهكما واستهزاء، والمعنى :أنه إن صح ما يدعيه من النبوة فما باله يخالف حاله حالنا ؟ ﴿ لَوْلَا ﴾ للتحضيض، هذا ما استظهره ابن هشام، بعد نقله عن الهروي أنها للاستفهام أي :هلا.
﴿ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا ﴾ طلبوا أن يكون النبي مصحوبا بملك. يعضده ويساعده، تنزلوا عن اقتراح كون الرسول ملكا، مستغنيا عن الأكل والكسب، إلى اقتراح أن يكون معه ملك يصدقه، ويشهد له بالرسالة
﴿ أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنزٌ ﴾ تنزلوا من مرتبة نزول الملك معه إلى اقتراح أن يكون معه كنز يلقى إليه من السماء، ليستغني به عن طلب الرزق.
﴿ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا ﴾ قرأ الجمهور بالفوقية، وقرئ بالتحتية لأن تأنيث الجنة غير حقيقي، وقرئ نأكل بالنون، أي :بستان نأكل نحن من ثماره، وبالتحتية، أي :يأكل هو وحده منه، ليكون له بذلك مزية علينا، حيث يكون أكله من جنته :قال النحاس :والقراءتان حسنتان، وإن كانت القراءة بالياء أبين، لأنه قد تقدم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم وحده، فعود الضمير إليه أبين.
عن ابن عباس قال :إن عتبة بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب، والنضر ابن الحرث، وأبا البختري والأسود بن عبد المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبا جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ومنبه بن الحجاج، اجتمعوا فقال بعضهم لبعض :ابعثوا إلى محمد وكلموه، وخاصموه، حتى تعذروا منه، فبعثوا إليه، إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك.
قال :فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :يا محمد، إنا بعثنا إليك لنعذر منك، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا، جمعنا لك من أموالنا، وإن كنت تطلب به الشرف. فنحن نسودك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما بي تقولون ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا وأنزل عليّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم ) قالوا :يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضنا عليك، أو قالوا :فإذا لم تفعل هذا، فسل نفسك، وسل ربك، أن يبعث معك ملكا يصدقك، بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانا، وقصورا، من ذهب وفضة، يغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم بالأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك، ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا، كما تزعم.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم :( ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا ) فأنزل الله في ذلك هذه الآية أخرجه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر.
﴿ وَقَالَ الظَّالِمُونَ ﴾ المراد بهم هنا هم القائلون بالمقالات الأول، وإنما وضع الظاهر موضع المضمر مع الوصف بالظلم للتسجيل عليهم به : ﴿ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَّسْحُورًا ﴾ أي مخدوعا مغلوبا على عقله بالسحر، وقيل ذا سحر، وهي الرئة، أي :بشرا :له رئة لا ملكا، فالمراد بالسحر هنا لازمه، وهو اختلال العقل وقد تقدم بيان مثل هذا في سبحان.
﴿ انظُرْ كَيْفَ ﴾ استعظام للأباطيل التي اجترؤا على التفوه بها، وتعجب منها أي :أنظر كيف ﴿ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ ﴾ وقالوا :في حقك تلك الأقاويل العجيبة الخارجة عن العقول، الجارية مجرى الأمثال واخترعوا لك تلك الصفات، والأحوال الشاذة، البعيدة من الوقوع، ليتوصلوا بها إلى تكذيبك والأمثال هي الأقوال النادرة، والاقتراحات الغريبة، وهي ما ذكروه ههنا من المفتري، والمملي عليه، والمسحور.
﴿ فَضَلُّوا ﴾ عن الصواب، فلا يجدون طريقا إليه، ولا وصلوا إلى شيء منه، بل جاؤوا بهذه المقالات الزائفة، التي لا تصدر عن أدنى العقلاء، وأقلهم تمييزا، ولهذا قال ﴿ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا ﴾ يعني لا يجدون إلى القدح في نبوة هذا النبي طريقا من الطرق.
﴿ تَبَارَكَ ﴾ أي تكاثر خير ﴿ الَّذِي إِن شَاء جَعَلَ لَكَ ﴾ في الدنيا معجلا ﴿ خَيْرًا مِّن ذَلِكَ ﴾ الذي اقترحوه من الكنز والبستان، ثم فسر الخير فقال ﴿ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أي في الدنيا لأنه تعالى شاء أن يعطيه إياها في الآخرة ﴿ وَيَجْعَل لَّكَ قُصُورًا ﴾ قد تقرر في علم الإعراب أن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع فجعل ههنا في محل جزم ورفع فيجوز فيما عطف عليه أن يجزم كما قرأ الجمهور، وأن يرفع كما قرأ ابن كثير، والقصر البيت من الحجارة، لأن الساكن به مقصور عن أن يوصل إليه. وقيل هو بيت الطين. وبيوت الصوف، والشعر.
عن خيثمة قال :قيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم :إن شئت أعطيناك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا نعطيها أحدا بعدك، ولا ينقصك ذلك مما لك عند الله شيئا وإن شئت جمعتها لك في الآخرة، فقال :( اجمعوها لي في الآخرة ) فأنزل الله سبحانه هذه الآية أخرجه الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وغيرهم.
ثم أضرب الله سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم من الكلام الذي لا يصدر عن العقلاء فقال :
﴿ بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ ﴾ أي :بل أتوا بأعجب من ذلك كله، وهو تكذيبهم بالساعة، فلهذا لا ينتفعون بالدلائل، ولا يتأملون فيها، ثم ذكر سبحانه ما أعده لمن كذب بالساعة فقال ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ أي :والحال إنا أعتدنا، وهيأنا وخلقنا ﴿ لِمَن كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا ﴾ قال أبو مسلم :أي جعلناه عتيدا، ومعدا لهم، انتهى. والسعير هي النار المتسعرة المشتعلة، والنار موجودة اليوم
﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا ( ١٢ ) وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا ( ١٣ ) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ( ١٤ ) قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاء وَمَصِيرًا ( ١٥ ) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاؤُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئولًا ( ١٦ ) ﴾.
لهذه الآية، كما أن الجنة كذلك لقوله تعالى ﴿ أعدت للمتقين ﴾
ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة في التشنيع وإعداد السعير لهم وإن لم يكن لخصوص تكذيبهم بالساعة بل لأي تكذيب بشيء من الشريعة، لكن الساعة لما كانت هي العلة القريبة لدخولهم السعير، اقتصر على ترتيب الإعداد على التكذيب بها.
﴿ إِذَا رَأَتْهُم ﴾ قيل :معناها إذا ظهرت لهم فكانت بمرأى الناظر في البعد، وقيل :المعنى إذا رأتهم خزنتها وقيل :إن الرؤية هنا حقيقية وكذلك التغيظ والزفير، ولا مانع من أن يجعلها الله سبحانه مدركة هذا الإدراك، وهو الأرجح ومعنى ﴿ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ أنها رأتهم وهي بعيدة عنهم، قيل :بينها وبينهم مسيرة خمسمائة عام، وقيل :عام.
وعن ابن عباس قال :من مسيرة مائة عام، وذلك إذا أتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام، يشد بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت على كل بر وفاجر، فترى تزفر زفرة لا تبقى قطرة من دمع إلا بدت، ثم تزفر الثانية فتقطع القلوب من أماكنها، وتبلغ القلوب الحناجر.
وعن رجل من الصحابة قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم :( من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه أو انتمى إلى غير مواليه فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدا، قيل :يا رسول الله وهل لها من عينين ؟ قال :" نعم أما سمعتم الله يقول : ﴿ إِذَا رَأَتْهُم مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ ؟ ﴾ أخرجه عبد بن حميد وابن جرير من طريق خالد بن دريك ونحوه عند رزين في كتابه وصححه ابن العربي في قبسه، وله لفظ بمعناه.
وأخرج الترمذي من حديث أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان يبصران، وأذنان تسمعان ولسان ينطق، يقول :إني وكلت بثلاث بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إله آخر. وبالمصورين ) ١وفي الباب عن أبي سعيد قال أبو عيسى هذا حديث حسن غريب صحيح.
﴿ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا ﴾ أي :غليانا كالغضبان إذا على صدره من الغضب، يعني :أن لها صوتا يدل على التغيظ على الكفار أو لغليانها صوتا يشبه صوت المغتاط. ﴿ وَزَفِيرًا ﴾ هو الصوت، أي سمعوا لها صوتا يشبه صوت المتغيظ وقال قطرب :أراد علموا لها تغيظا، وسمعوا لها زفيرا، وقيل المعنى فيها تغيظا، وزفيرا للمعذبين، كما قال لهم فيها زفير وشهيق، وفي واللام، متقاربان بأن تقول هذا الله وفي الله
١ الترمذي كتاب جهنم باب ١ – الإمام أحمد ٢/٣٣٦- ٣/٤٠..
﴿ وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا ﴾ أي طرحوا ﴿ مَكَانًا ضَيِّقًا ﴾ وصف المكان بالضيق للدلالة على زيادة الشدة، وتناهي البلاد عليهم.
وعن يحيى بن أسيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لما سئل عن هذه الآية قال :والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار، كما يستكره الوتد في الحائط ) وعن ابن عباس ( أنه يضيق عليهم كما يضيق الزج في الرمح ).
﴿ مُقَرَّنِينَ ﴾ أي حال كونهم قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالجوامع مصفدين بالحديد. وقيل :مكتفين. وقيل قرنوا مع الشياطين، أي قرن كل واحد منهم إلى شيطانه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة إبراهيم ﴿ دَعَوْا هُنَالِكَ ﴾ أي في ذلك المكان الضيق ﴿ ثُبُورًا ﴾ أي هلاكا، كما قال الزجاج، وقال ابن عباس :ثبورا، أي ويلا. وقيل تبرنا ثبورا وقيل مفعول له، والمعنى أنهم يتمنون هنالك الهلاك، وينادونه لما حل بهم من البلاء، ويقولون يا ثبوراه. أي إحضر، فهذا أوانك، لكنهم لا يهلكون.
وأجيب عليهم بقوله :
﴿ لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا ﴾ والقائل لهم هم الملائكة خزنة جهنم، أي اتركوا دعاء ثبورا واحدا ﴿ وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا ﴾ والثبور مصدر يقع على القليل والكثير، فلهذا لم يجمع، ومثله ضربته ضربا كثيرا، وقعد قعودا طويلا، فالكثرة ههنا هي بحسب كثرة الدعاء المتعلق به، لا بحسب كثرته في نفسه، فإنه شيء واحد، والمعنى لا تدعوا على أنفسكم بالثبور دعاء واحدا، وادعوه أدعية كثيرة. فإن ما أنتم فيه من العذاب أشد من ذلك لطول مدته، وعدم تناهيه. وقيل هذا تمثيل وتصوير لحالهم بحال من يقال له ذلك من غير أن يكون هناك قول وهو خلاف ظاهر القرآن.
وقيل إن المعنى أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدا، بل هو ثبور كثير لأن العذاب أنواع كثيرة، كل نوع منها ثبور لشدته أو لأنه يتجدد لقوله تعالى ﴿ كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ﴾ أو لأنه ينقطع فهو في كل وقت ثبور، والأولى أن المراد بهذا الجواب عليهم الدلالة على خلود عذابهم وإقناطهم عن حصول ما يتمنونه من الهلاك المنجي لهم مما هم فيه.
أخرج أحمد، والبزار والبيهقي، وغيرهم قال السيوطي بسند صحيح عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :( إن أول ما يكسى حلته من النار إبليس فيضعها على حاجبيه ويسحبها من خلفه، وذريته من بعده، وهو ينادي يا ثبوراه، ويقولون :يا ثبورهم. حتى يقف على الناس، فيقول :يا ثبوراه ويقولون :يا ثبورهم، فيقال لهم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا، وادعوا ثبورا كثيرا ) ١
١ الإمام أحمد ٣/١٥٢- ٣/١٥٣- ٣/٢٤٩..
ثم وبخهم الله سبحانه توبيخا بالغا، على لسان رسوله فقال :
﴿ قُلْ أَذَلِكَ ﴾ أي السعير المتصفة بتلك الصفات العظيمة ﴿ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ ﴾ وفي إضافة الجنة إلى الخلد إشعار بدوام نعيمها. وعدم انقطاعه. والمجيء بلفظ ﴿ خير ﴾ هنا مع أنه لا خير في النار أصلا لأن العرب قد تقول ذلك، ومنه ما حكاه سيبويه عنهم، أنهم يقولون :السعادة أحب إليك أم الشقاوة ؟ وقد علم أن السعادة أحب إليه. وقيل ليس هذا من باب التفضيل، وإنما هو كقولك عنده خير قال النحاس وهذا قول حسن.
﴿ الَّتِي وُعِدَ ﴾ أي وعدها ﴿ الْمُتَّقُونَ ﴾ فالراجح إلى الموصول محذوف ثم قال سبحانه ﴿ كَانَتْ ﴾ أي تلك الجنة ﴿ لَهُمْ ﴾ أي للمتقين ﴿ جَزَاء ﴾ على أعمالهم ﴿ وَمَصِيرًا ﴾ يصيرون إليه وهذا في علم الله، أو في اللوح المحفوظ قبل خلقهم بأزمنة متطاولة، أو قال ذلك لأن ما وعد الله به فهو في تحققه كأنه قد كان.
﴿ لَهُمْ فِيهَا ﴾ أي في الجنة ﴿ مَا يَشَاؤُونَ ﴾ أي ما يشاءونه من النعم، وضروب الملاذ كما في قوله ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم. ولعله تقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبتها، لأن الظاهر أن الناقص لا يدرك شيئا مما هو للكامل بالتشهي وفيه تنبيه على أن كل المرادات لا تحصل إلا في الجنة، قال الشهاب :وإنه تعالى لا يلقي في خواطرهم أن ينالوا رتبة من هو أشرف منهم، ولا يتلفتوا إلى حال غيرهم ﴿ خَالِدِينَ ﴾ أي في نعيم الجنة ومن تمام النعيم أن يكون دائما إذ لو انقطع لكان مشوبا بضرب من الغم وقد تقدم تحقيق معنى الخلود.
﴿ كَانَ ﴾ أي ما يشاءونه، وقيل كان الخلود وقيل الوعد المدلول عليه وبقوله ﴿ وعد المتقون ﴾ ﴿ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئولًا ﴾ أي الوعد الحقيقي بأن يسأل وبطلب كما في قوله ﴿ ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ﴾، وقيل إن الملائكة تسأل لهم الجنة كقوله ﴿ وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ﴾ وقيل المراد به الوعد الواجب وإن لم يسأل، وقال ابن عباس :يقول تعالى سلوا الذي وعدتكم تنجزوه.
﴿ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ ﴾ أي اذكر، وتعليق التذكير اليوم، ومع أن المقصود ذكر ما فيه للمبالغة والتأكيد، كما مر مرارا ﴿ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ﴾ غلب غير العقلاء من الأصنام والأوثان ونحوها على العقلاء من الملائكة والجن والمسيح تنبيها على أنها جميعا مشتركة في كونها غير صالحة لكونها آلهة، أو لأن من يعبد من لا يعقل. أكثر ممن يعبد من يعقل منها. فغلبت اعتبارا بكثرة من يعبدها، وقال مجاهد، وابن جريج :المراد الملائكة والإنس والجن، والمسيح وعزير بدليل خطابهم وجوابهم فيما بعد، وقال الضحاك وعكرمة والكلبي :المراد الأصنام خاصة، وأنها وإن كانت لا تسمع ولا تتكلم، فإن الله سبحانه يجعلها يوم القيامة سامعة ناطقة، وقيل عام و ﴿ ما ﴾ يتناول العقلاء وغيرهم، لأنه أريد به الوصف كأنه قيل ومعبوديهم.
﴿ فَيَقُولُ ﴾ الله تعالى إثباتا للحجة على العابدين ؛ وتقريعا وتبكيتا لهم ﴿ أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاء ﴾ الاستفهام للتوبيخ والتقريع، والمعنى إن كان ضلالهم بسببكم ؛ وبدعوتكم لهم إلى عبادتكم ﴿ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ ﴾ أي طريق الحق بأنفسهم لعدم التفكر فيما يستدل به على الحق والتدبر فيما يتوصل به إلى الصواب
﴿ قَالُوا ﴾ أي المعبودون مستأنفة جواب سؤال مقدر، ومعنى ﴿ سُبْحَانَكَ ﴾ التعجب مما قيل لهم، لكونهم ملائكة. أو أنبياء معصومين، أو جمادات لا تعقل، أي تنزيها لك.
﴿ مَا كَانَ يَنبَغِي ﴾ وقرئ مبنيا للمفعول قال ابن خالويه :زعم سيبويه أنها لغة، أي ما صح ولا استقام ﴿ لَنَا أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ ﴾ أي متجاوزين إياك ﴿ مِنْ أَوْلِيَاء ﴾ فنعبدهم فكيف ندعو عبادك إلى عبادتنا نحن مع كوننا لا نعبد غيرك، والولي يطلق على التابع كما يطلق على المتبوع، هذا معنى الآية على قراءة الجمهور ﴿ نتخذ ﴾ مبنيا للفاعل وقرئ مبنيا للمفعول. والمعنى أن يتخذنا المشركون أولياء من دونك، وقال أبو عبيدة :لا تجوز هذه القراءة وبه قال أبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر، لأنه سبحانه ذكر ﴿ من ﴾ مرتين، ولو كانت صحيحة لقال أن نتخذ من دونك أولياء أي لحذفت من الثانية، وقيل إنها زائدة، ثم حكى عنهم سبحانه بأنهم بعد هذا الجواب ذكروا سبب ترك المشركين للإيمان فقال :
﴿ وَلَكِن مَّتَّعْتَهُمْ وَآبَاءهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ ﴾ وفي هذا ما يدل على أنهم هم الذين ضلوا السبيل، ولم يضلهم غيرهم، والمعنى ما أضللناهم ؛ ولكنك يا رب متعتهم ومتعت آباءهم بالنعم، ووسعت عليهم الرزق، وأطلت لهم العمر، حتى غفلوا عن ذكرك، ونسوا موعظتك، والتدبر لكتابك والنظر في عجائب صنعك، وغرائب مخلوقاتك، وجعلوا ذلك ذريعة إلى ضلالهم ؛ عكس القضية ؛ وقيل المراد بنسيان الذكر ههنا، هو ترك الشكر.
﴿ وَكَانُوا ﴾ هؤلاء الذين أشركوا بك، وعبدوا غيرك في قضائك الأزلي ﴿ قَوْمًا بُورًا ﴾ أي هلكى، قاله ابن عباس مأخوذ من البوار، وهو الهلاك يقال رجل بائر. وقوم بور ؛ يستوي فيه الواحد والجماعة. لأنه مصدر يطلق على القليل والكثير، أو جمع بائر، وقيل البوار الفساد، يقال :بارت بضاعته أي فسدت، وأمر بائر، أي فاسد، وهي لغة الأزد. وقيل المعنى الأخير فيهم مأخوذ من بوار الأرض، وهو تعطيلها من الزرع، فلا يكون فيها خير، وقيل إن البوار الكساد. ومنه بارت السلعة إذا كسدت، وهذا كله يرجع إلى معنى الهلاك والفساد ثم يقال للكفار بطريق الخطاب عدولا عن الغيبة.
﴿ فَقَدْ كَذَّبُوكُم ﴾ وفي الكلام حذف، والتقدير فقال الله عند تبري المعبودين مخاطبا للمشركين العابدين لغير الله فقد كذبكم المعبودون، وقرئ مخففا أي كذبوكم في قولهم ﴿ بِمَا تَقُولُونَ ﴾ أي في قولكم أنهم آلهة وهذه المفاجأة بالاحتجاج والإلزام حسنة رائعة، وخاصة إذا انضم إليها الالتفات، وحذف القول، ونظيرها ﴿ يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من الرسل ﴾، إلى قوله ﴿ فقد جاءكم بشير ونذير ﴾ وقول القائل :
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا
وقال ابن زيد :المعنى قد كذبوكم أيها المؤمنون، هؤلاء الكفار بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم وعلى هذا فمعنى بما تقولون :بما تقولونه من الحق وقرئ فقد كذبوكم مخففا، وبما يقولون بالتحتية أي كذبوكم في قولهم.
﴿ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ ﴾ أيها الكفار ﴿ صَرْفًا ﴾ أي دفعا للعذاب عنكم بوجه من الوجوه وقيل حيلة ﴿ وَلَا نَصْرًا ﴾ أي نصركم، وقرئ بالتحتية فالمعنى فما يستطيع آلهتكم أن يصرفوا عنكم العذاب أو ينصروكم، وقيل المعنى فما يستطيع هؤلاء الكفار لما كذبهم المعبودون صرفا للعذاب الذي عذبهم الله به ولا نصرا من الله وقال أبو عبيد :المعنى فما يستطيعون لكم صرفا عن الحق الذي هداكم الله إليه ولا نصرا لأنفسهم بما ينزل بهم من العذاب بتكذيبهم إياكم ﴿ وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ﴾ هذا وعيد لكل ظالم ويدخل تحتهم الذين فيهم السياق دخولا أوليا، والعذاب الكبير عذاب النار، وفسر الخلود فيها، وهو يليق بالمشرك دون الفاسق إلا على قول المعتزلة والخوارج.
وقرئ يذقه بالتحتية وهذه الآية وأمثالها مقيدة بعدم التوبة، وعن الحسن قال :الظلم هو الشرك، وقال ابن جريج :يظلم يشرك
ثم يرجع سبحانه على خطاب رسوله موضحا لبطلان ما تقدم من قولهم يأكل الطعام ويمشي في الأسواق فقال :
﴿ وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ ﴾ قال الزجاج :الجملة الواقعة بعد إلا صفة لموصوف محذوف والمعنى ما أرسلنا قبلك أحدا منهم إلا آكلين وماشين فأنت مثلهم في ذلك وقد قيل لهم مثل ما قيل لك، وقال الفراء :لا محل لها من الإعراب إنما هي صلة لموصول محذوف والتقدير إلا من أنهم كما في قوله ﴿ إلا واردها ﴾ أي إلا من يردها، وبه قال الكسائي وقال الزجاج :هذا خطأ لأن من الموصولة لا يجوز حذفها، وقال ابن الأنباري :التقدير إلا وإنهم، وقرئ إنهم بكسر إن لوجود اللام في خبرها وهو مجمع عليه عند النحاة. وقال المبرد :يجوز فيه الفتح، قال النحاس :وأحسبه وهما. وقرئ يمشون مخففا ومثقلا. قال قتادة :يقول إن الرسل قبل محمد صلى الله عليه وسلم كانوا بهذه المنزلة يأكلون ويمشون.
﴿ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً ﴾ هذا الخطاب عام للناس، وفيه تسلية له صلى الله عليه وسلم أيضا، فإنه أشرف الأشراف، وقد ابتلى بأخس الأخساء، وقد جعل سبحانه بعض عبيده فتنة لبعض، فالصحيح فتنة للمريض، والغني فتنة للفقير، وقيل المراد بالبعض الأول كفار الأمم، وبالبعض الثاني الرسل، ومعنى الفتنة الابتلاء، والمحنة. والأول أولى، فإن البعض من الناس ممتحن بالبعض مبتلي به فالمريض يقول لم لم أجعل كالصحيح ؟ وكذا صاحب كل آفة، والصحيح مبتلى بالمريض، فلا يضجر منه ولا يحقره، والغني مبتلى بالفقير يواسيه، والفقير مبتلى بالغنى يحسده، ونحوه هذا مثله.
وقيل المراد بالآية أنه كان إذا أراد الشريف أن يسلم، ورأى الوضيع قد أسلم قبله، أنف وقال :لا أسلم بعده فيكون له على السابقة والفضل، فيقيم على كفره. فذلك افتتان بعضهم ببعض، واختار هذا الفراء والزجاج ولا وجه لقصر الآية على هذا فإن هؤلاء إن كانوا سبب النزول فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وقال الحسن :في الآية يقول الفقير لو شاء الله جعلني غنيا مثل فلان، ويقول السقيم :لو شاء الله لجعلني صحيحا مثل فلان ويقول الأعمى :لو شاء الله لجعلني بصيرا مثل فلان.
وعن أبي الدرداء أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم بقول :( ويل للعالم من الجاهل وويل للجاهل من العالم، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف وويل للضعيف من الشديد، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان بعضكم لبعض فتنة، وهو قوله تعالى ﴿ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة ﴾ ١ أسنده الثعلبي ثم قال سبحانه بعد الإخبار بجعل البعض فتنة للبعض :
﴿ أَتَصْبِرُونَ ﴾ هذا الاستفهام للتقرير والتقدير :أتصبرون على ما ترون من هذه الحالة الشديدة والابتلاء العظيم فتؤجروا أم لا تصبرون فيزداد غمكم، وعليه جرى الأكثرون وقيل :معنى أتصبرون اصبروا مثل قوله ﴿ فهل أنتم منتهون ﴾ أي انتهوا، روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله قال :( انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم ) ٢ ثم وعد الله الصابرين بقوله :
﴿ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا ﴾ أي بكل من يصبر ومن لا يصبر فيجازي كلا منهما بما يستحقه
١ الأحاديث الضعيفة ٦١٥٤- ٦١٥٥، من حديثين حتى ويل للملوك من المالك.
٢ مسلم ٢٩٦٣- البخاري ٢٤٣٤.
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا ﴾ هذه المقالة من جملة شبههم التي قدحوا بها في النبوة أي وقال :المشركون الذين لا يبالون بلقاء الله وقيل المعنى لا يخافون لقاء ربهم بالشر، وهي لغة تهامة، وأصل اللقاء :الوصول إلى الشيء، ومنه الرؤية فإنها وصول إلى المرئي، والمراد به الوصول إلى جزائه، ويمكن أن يراد به الرؤية على الأول، قال الفراء :وضع الرجاء موضع الخوف. وقيل :لا يأملون لقاءنا بالخير لكفرهم بالبعث والحمل على المعنى الحقيقي أولى.
فالمعنى لا يأملون لقاء ما وعدنا على الطاعة من الثواب ومعلوم أن من لا يرجو الثواب لا يخاف العقاب.
﴿ لَوْلَا ﴾ هلاّ ﴿ أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ ﴾ فيخبروننا أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق، أو هلاّ أنزلوا علينا رسلا يرسلهم الله ﴿ أَوْ نَرَى رَبَّنَا ؟ ﴾ عيانا فيخبرنا بأن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول، ثم أجاب الله سبحانه عن شبهتهم هذه فقال :
﴿ لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا ﴾ أي أضمروا الاستكبار عن الحق والعناد في قلوبهم كما في قوله تعالى ﴿ إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه ﴾ والعتو :مجاوزة الحد في الطغيان والبلوغ إلى أقصى غاياته، قال ابن عباس :عتوا أي شدة الكفر، ووصفه بالكبر لكون التكلم بما تكلموا به من هذه المقالة الشنيعة في غاية الكبر والعظم، فإنهم لم يكتفوا بإرسال البشر حتى طلبوا إرسال الملائكة إليهم بل جاوزوا ذلك إلى التخيير بينه وبين مخاطبة الله سبحانه ورؤيته في الدنيا من دون أن يكون بينهم وبينه ترجمان، ولقد بلغ هؤلاء الرذالة بأنفسهم مبلغا هي أحقر وأقل وأرذل من أن تكون من أهله أو تعد من المستعدين له، وهكذا من جهل قدر نفسه ولم يقف عند حده ومن جهلت نفسه قدره رأى غيره منه ما لا يرى.
﴿ يَوْمَ ﴾ أي :اذكر يوم ﴿ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ ﴾ أي ملائكة العذاب رؤية ليست على الوجه الذي طلبوه والصورة التي اقترحوها، بل على وجه آخر، وهو يوم ظهورهم لهم عند الموت أو عند الحشر، قال مجاهد :يوم القيامة، وعن عطية العوفي نحوه.
﴿ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ ﴾ أي يمنعون البشرى يوم يرون، أو لا توجد لهم بشرى فيه، فأعلم سبحانه بأن الوقت الذي يرون فيه الملائكة وهو وقت الموت أو يوم القيامة قد حرمهم الله البشرى، بخلاف المؤمنين فلهم البشرى بالجنة، قال الزجاج :المجرمون في هذا الموضع الذين اجترموا الكفر بالله، وهو ظاهر في موضع مضمر، أو عام يتناولهم بعمومه، وهم الذين اجترموا الذنوب، والمراد الكفار، لأن مطلق الأسماء يتناول أكمل المسميات.
﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ عند مشاهدتهم للملائكة : ﴿ حِجْرًا ﴾ حراما ﴿ مَّحْجُورًا ﴾ هذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو، وهجوم نازلة هائلة، يضعونها موضع الاستعاذة يقال للرجل :أتفعل كذا ؟ فيقول :حجرا محجورا أي حراما عليك التعرض لي.
والمعنى يطلبون من الله أن يمنع المكروه فلا يلاحقهم أي :يسأله أن يمنع ذلك منعا، ويحجره حجرا. وقيل إن هذا من الملائكة أي يقولون للكفار :حراما محرما أن يدخل أحد منكم الجنة. وأن تكون البشرى اليوم إلا للمؤمنين وقال أبو سعيد الخدري :حراما محرما أن نبشركم مما نبشر به المتقين، وعن الحسن. وقتادة قالا :هي كلمة كانت العرب تقولها عند الشدائد، وقال مجاهد :أي عوذا معاذ الملائكة تقوله، والحجر مصدر، بمعنى الاستعاذة، والكسر والفتح لغتان وقرئ بهما، وقرئ الضم، وهو لغة فيه، وهو من حجره إذا منعه. وقد ذكر سيبويه في باب المصادر المنصوبة بأفعال متروك إظهارها هذه الكلمة، وجعلها من جملتها، وبه قال السمين، والبيضاوي. والحجر :العقل، لأنه يمنع صاحبه، ومحجورا صفة مؤكدة للمعنى، كقولهم ذيل ذائل وموت مائت.
﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ ﴾ هذا وعيد آخر، وذلك أنهم كانوا يعملون أعمالا لها صور الخير، من صلة الرحم، وإغاثة الملهوف، وإطعام الطعام، وأمثالها ولم يمنع من الأثابة عليها إلا الكفر، الذي هم عليه فمثلت حالهم وأعمالهم، بحال قوم خالفوا سلطانهم، واستعصوا عليه، فقدم إلى ما معهم من المتاع فأفسده، ولم يترك منه شيئا، وإلا فلا قدوم ههنا أو هو من الصفات، كالمجيء والنزول، فيجب الإيمان به من غير تأويل، ولا تعطيل، ولا تكييف ولا تشبيه، ولا تمثيل، كما هو مذهب السلف الصلحاء، وهو الحق.
قال الواحدي :معنى قدمنا عمدنا، وقصدنا، يقال :قدم فلان إلى أمر كذا إذا قصده، أو عمده، وقيل هو قدوم الملائكة أخبر به عن نفسه تعالى والقصد في حق الله يرجع لمعنى الإرادة.
﴿ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا ﴾ أي باطلا، لا ثواب له، لأنهم لم يعملوا لله عز وجل ومنه الحديث الصحيح ( كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد ) ١ والهباء واحده هباءة، والجمع أهباء. قال النضر بن شميل :الهباء التراب الذي تطيره الريح، كأنه دخان. وقال الزجاج :هو ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس شبه الغبار. وكذا قال الخليل، والأزهري. وقال ابن عرفة :الهباء، والهبوة التراب الدقيق. وقيل هو ما يسطع من حوافر الدواب، عند السير من الغبار، وعن علي قال :الهباء شعاع الشمس، الذي يخرج من الكوة، وعنه الهباء وهج الغبار، يسطع، ثم يذهب، فلا يبقى منه شيء.
وعن ابن عباس قال :الهباء الذي يطير من النار إذا اضطرمت يطير منها الشرر، فإذا وقع لم يكن شيئا، وعنه قال :هو ما تسفي الريح، وتبثه من التراب وحطام الشجر، وعنه هو الماء المهراق، والمعنى الأول هو الذي ثبت في لغة العرب، ونقله العارفون بها، والمنثور المفرق، والمعنى أن الله سبحانه أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور، لم يكتف سبحانه بتشبيه عملهم بالهباء حتى وصفه بأنه متفرق متبدد، وبالجملة هو استعارة عن جعله بحيث لا يقبل الاجتماع ولا يقع به الانتفاع. إذا لا ثواب فيه، لعدم شرطه ويجازون عليه في الدنيا.
١ مسلم ١٧١٨ –البخاري ١٣٠٣.
ثم ميز سبحانه حال الأبرار من حال الفجار فقال : ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذ ﴾ أي يوم القيامةٍ ﴿ خَيْرٌ مُّسْتَقَرًّا ﴾ أي أفضل منزلا في الجنة، من الكافرين في الدنيا
﴿ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ أي موضع قائلة فيها، أو هم خير منهم في الآخرة لو فرض أن يكون لهم ذلك، أو " أفعل " لمجرد الوصف من غير مفاضلة. عن ابن عباس قال :في الغرف من الجنة، قال النحاس :والكوفيون يجيزون " العسل أحلى من الخل " قال ابن مسعود :لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، وقال الأزهري :القيلولة عند العرب الاستراحة نصف النهار إذا اشتد الحر، وإن لم يكن ذلك نوم لأن الله تعالى قال : ﴿ وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ والجنة لا نوم فيها.
وقال ابن عباس :الحساب في ذلك اليوم في أوله، ويروي أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين حتى يكون كما بين العصر إلى الغروب. والآية أشارت إلى أن كلا من أهل الجنة وأهل النار قد قالوا، أي :استقروا في وقت القيلولة، وإن كان استقرار المؤمنين في راحة، واستقرار الكافرين في عذاب فيكون الحساب لجميع الخلق قد انقضى في هذا الوقت.
﴿ وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاء بِالْغَمَامِ ﴾ وصف سبحانه ههنا بعض حوادث يوم القيامة، والتشقق :التفتح، قرئ بتخفيف الشين وأصله :تشقق، وقرئ مشددا على الإدغام، والمعنى :أنها تتشقق عن الغمام لأن الباء وعن تتعاقبان، كما تقول :رميت بالقوس. قال أبو علي الفارسي :تشقق السماء وعليها غمام كما تقول :ركب الأمير بسلاحه. أي :وعليه سلاحُه، وخرج بثيابه، أي :وعليه ثيابُه، وروي أن السماء تتشقق عن سحاب رقيق، أبيض، مثل الضبابة. ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، وقيل :إن السماء تتشقق بالغمام الذي بينها وبين الناس، والمعنى :أنه يتشقق السحاب بتشقق السماء. وقيل :إنها تشقق لنزول الملائكة، كما قال سبحانه : ﴿ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنزِيلًا ﴾ وقيل :الباء للسببية يعني بسبب طلوع الغمام منها، كأنه الذي يشقق به السماء، وقيل :أي متلبسة بالغمام، وقرئ :نُنْزِلُ مخففا من الإنزال، مضارع أنزل، وقرئ :نزَِّل، مشددا ماضيا مبنيا للمفعول، وقرئ مبنيا للفاعل، وفاعله الله سبحانه، والملائكة منصوبة على المفعولية. وقرئ :أنزل، وقرئ :تنزلت الملائكة، وتأكيد هذا الفعل بقوله تنزيلا، يدل على أن هذا التنزيل على نوع غريب، ونمط عجيب. قال أهل العلم :هذا تنزيل رضا ورحمة، لا تنزيل سخط وعذاب.
وعن ابن عباس١ قال في الآية :يجمع الله الخلق يوم القيامة، في صعيد واحد، الجن والإنس والبهائم والسباع والطير، وجميع الخلق قتنشق السماء الدنيا، فينزل أهلها، وهم أكثر ممن في الأرض، من الجن والإنس، وجميع الخلق، فيحيطون بالإنس والجن وجميع الخلق. فيقول أهل الأرض أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا، ثم تنشق السماء الثانية، وذكر مثل ذلك، ثم كذلك في كل سماء، إلى السماء السابعة، وفي كل سماء أكثر من السماء التي قبلها، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون، وهم أكثر من أهل السماوات السبع والإنس والجن، وجميع الخلق، لهم قرون ككعوب القثاء، وهم تحت العرش، لهم زجل بالتسبيح والتهليل والتقديس لله تعالى، ما بين أخمص قدم أحدهم إلى كعبه مسيرة خمسمائة عام، ومن ركبته إلى فخده مسيرة خمسمائة عام، ومن فخده إلى ترقوته مسيرة خمسمائة عام، وما فوق ذلك مسيرة خمسمائة عام. أخرجه الحاكم وابن أبي الدنيا وابن جرير وغيرهم.
١ حديث موقوف على ابن عباس ولا يعد حجة في مشاهدة القيامة، وفي الأسانيد التي رواها ابن جرير وغيره مجاهيل وكذابون "المطيعي"..
﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ﴾ أي الملك الثابت الذي لا يزول ولا يشركه فيه أحد، للرحمن يومئذ، لأن الملك الذي يزول وينقطع، ليس بملك في الحقيقة. ولأن السلطان الظاهر والاستيلاء الكلي العام الثابت صورة ومعنى ظاهرا وباطنا بحيث لا زوال له أصلا، لا يكون إلا لله تعالى، فالملك مبتدأ، والحق صفته، وللرحمن خبره، ويومئذ متعلق بالملك، وفائدة التقييد بالظرف، أن ثبوت الملك المذكور له سبحانه خاصة في هذا اليوم، وأما فيما عداه من أيام الدنيا فلغيره أيضا ملك في الصورة، وإن لم يكن حقيقيا، وقيل إن خبر المبتدأ هو الظرف. والحق نعت للملك، والمعنى الملك الثابت للرحمن خاصة في هذا اليوم، وقيل الملك مبتدأ، والحق خبره، وللرحمن متعلق بالحق.
﴿ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴾ أي وكان هذا اليوم مع كون الملك فيه لله وحده، شديدا على الكفار لما يصابون به فيه وينالهم من العقاب، بعد تحقيق الحساب. وأما على المؤمنين فهو يسير غير عسير لما ينالهم فيه من الكرامة والبشرى العظيمة، وجاء في الحديث " أنه يهون يوم القيامة على المؤمن، حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة صلاها في الدنيا ".
﴿ و ﴾ اذكر ﴿ يَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ الظاهر أن العض هنا حقيقة ولا مانع من ذلك، ولا موجب لتأويله، قال عطاء :يأكل الظالم يديه، حتى يأكل مرفقيه، ثم ينبتان، ثم يأكلهما، وهكذا كلما نبتت يداه أكلهما تحسرا على ما فعل، ذكر الخازن، وقيل هو كناية عن الغيظ والحسرة والأول أولى. والمراد بالظالم كل ظالم، يرد ذلك المكان وينزل ذلك المنزل، ولا ينافيه ورود الآية على سبب خاص، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وعن ابن عباس قال في الآية :هو أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط وهما الخليلان في جهنم.
﴿ يَقُولُ يَا ﴾ قوم ﴿ لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ﴾ أي طريقا. وهو طريق الحق ومشيت فيه، حتى أخلص من هذه الأمور المضلة. والمراد إتباع النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما جاء به، يعني ليتني اتبعت محمدا صلى الله عليه وآله وسلم واتخذت في الدنيا معه طريقا، إلى الهداية.
﴿ يَا وَيْلَتَى ﴾ وقرء يا ويلي، بالياء الصريحة. وقرئ بالإمالة، وتركها أحسن.
﴿ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا ﴾ دعا على نفسه بالويل والثبور وعلى مخاللة الكافر، الذي أضله في الدنيا، وفلان كناية عن الأعلام. قال النيسابوري :زعم بعض أئمة اللغة أنه لم يثبت استعمال فلان في الفصيح إلا حكاية. لا يقال جاءني فلان، ولكن يقال :قال زيد جاءني فلان، لأنه اسم اللفظ الذي هو علم الاسم، وكذلك جاء في كلام الله وقيل فلان كناية عن علم ذكور من يعقل، وفلانة عن علم إناثهم، وهو منصرف.
وقيل كناية عن نكرة من يعقل من الذكور، وفلانة عمن يعقل من الإناث، وأما الفلان والفلانة بالألف واللام فكناية عن غير العقلاء. وفل يختص بالنداء إلا في ضرورة الشعر، وليس فل مرخما من فلان خلافا للفراء، وزعم أبو حيان أن ابن عصفور وابن مالك وَهِما في جعل فلان كناية علم من يعقل، وفي لامه وجهان، أحدهما :أنها واو. والثاني :أنها ياء، وحكم الآية عام في كل خليلين ومتحابين، اجتمعا على معصية الله عز وجل. وعن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" يحشر المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل " أخرجه أبو داوود والترمذي١ ولهما عن أبي سعيد الخدري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم :" لا تصاحب إلا مؤمنا. ولا يأكل طعامك إلا تقي " وروى الشيخان عن أبي٢ موسى الأشعري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال :" مثل الجليس الصالح، وجليس السوء، كحامل المسك، ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحا طيبة، ونافح الكير إما يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحا خبيثة " ٣
١ الترمذي كتاب الزهد باب ٢٥..
٢ الإمام أحمد ٣/٣٨ ـ الدارمي كتاب الأطعمة باب ٢٣..
٣ مسلم ٢٦٢٨ ـ البخاري ١٠٦٤..
﴿ لَقَدْ ﴾ أي :والله لقد ﴿ أَضَلَّنِي ﴾ هذا الذي اتخذته خليلا، تعليل لتنمية المذكور، وتوضيح لتعلله، وتصديره باللام القسمية للمبالغة في بيان خطئه وإظهار ندمه وحسرته. ﴿ عَنِ الذِّكْرِ ﴾ أي :القرآن أو كتاب الله، أو ذكره، أو الموعظة، أو كلمة الشهادة، أو مجموع ذلك.
﴿ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ﴾ وتمكنت منه وقدرت عليه بأن ردني عن الإيمان به ﴿ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنْسَانِ خَذُولا ﴾ بأن يتركه، ويتبرأ منه عند البلاء، والخذل :ترك الإغاثة، ومنه خذلان إبليس للمشركين، حيث يوالونه، ثم يتركهم عند استغاثتهم به، وهذه الجملة مقررة لمضمون ما قبلها، ويحتمل أن تكون من كلام الله تعالى، أو من تمام كلام الظالم، وأنه سمى خليله شيطانا بعد أن جعله مضلا، أو أراد بالشيطان إبليس، لكونه الذي حمله على مخاللة المضلين.
﴿ وَقَالَ الرَّسُولُ ﴾ أي :يقول في يوم القيامة بثا وشكاية لله مما صنع قومه. أو هو حكاية لقوله صلى الله عليه وآله وسلم في الدنيا : ﴿ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ ﴾ الذي جئت به إليهم وأمرتني بإبلاغه وأرسلتني به ﴿ مَهْجُورًا ﴾ أي :متروكا، لم يؤمنوا به، ولا قبلوه بوجه من الوجوه، أو لم يعملوا به. وقيل من هجر إذا هذي، والمعنى أنهم اتخذوه هُجرا وهذيانا. وقيل :المعنى مهجورا فيه، وهجرهم فيه قولهم :إنه سحر، وشعر، وأساطير الأولين.
﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ ﴾ هذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والمعنى :أن الله جعل لكل نبي من الأنبياء الداعين إلى الله عدوا يعاديه من مجرمي قومه فلا تجزع يا محمد، فإن هذا دأب الأنبياء قبلك، واصبر كما صبروا. قال ابن عباس في الآية :كان عدو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أبو جهل، وعدو موسى قارون، وكان قارون ابن عم موسى ﴿ وَكَفَى بِرَبِّكَ ﴾ الباء زائدة ﴿ هَادِيًا ﴾ يهدي عباده إلى مصالح الدين والدنيا ﴿ وَنَصِيرًا ﴾ ينصرهم على الأعداء.
﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ؟ ﴾ هذا من جملة اقتراحاتهم وتعنتاتهم، أي :هلا أنزل الله عليه الكتاب دفعة واحدة غير منجم، كما أنزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، والزبور على داود عليهم السلام. واختلف في قائل هذه المقالة، فقيل كفار قريش، وقيل اليهود قالوا :هلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة ؟ وهذا زعم باطل، ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن، ولكنهم معاندون، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه، واعتراض منهم لا طائل تحته، لأن الإعجاز لا يختلف بنزول جملة أو متفرقا، مع أن للتفريق فوائد، منها أن نزوله بحسب الوقائع، يوجب زيد بصيرة وغوصا على المعنى، ولأنه إذا نزل منجما وهو يتحدى بكل نجم فيعجزون عن معارضته زاد ذلك في قوة قلبه، ومنها انضمام القرائن الحالية إلى الدلالات اللفظية فإنه يعين على البلاغة ثم رد الله سبحانه عليهم فقال : ﴿ كَذَلِكَ ﴾ إشارة إلى ما يفهم من كلامهم أي مثل ذلك التنزيل المفرق، الذي قدحوا فيه واقترحوا خلافه نزلناه ﴿ لِنُثَبِّتَ ﴾ لنقوي ﴿ بِهِ ﴾ أي بهذا التنزيل على هذه الصفة ﴿ فُؤَادَكَ ﴾ فإن إنزاله مفرقا منجما، على حسب الحوادث، أقرب إلى حفظك له وفهمك لمعانيه، وذلك من أعظم أسباب التثبيت، وقرأ بالتحية أي الله سبحانه.
وقيل قوله : ﴿ كذلك ﴾ هي من تمام كلام المشركين، والمعنى كذلك أي كالتوراة والإنجيل والزبور فيوقف على قوله : ﴿ كذلك ﴾ ثم يبتدئ : ﴿ لِنُثَبِّتَ به فُؤَادَكَ ﴾ على معنى أنزلناه عليك متفرقا لهذا الغرض. قال ابن الأنباري :وهذا أجود وأحسن قال النحاس :وكان ذلك أي إنزال القرآن منجما من إعلام النبوة، لأنهم لا يسألونه عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي، فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، قال ابن عباس :أي لنشدد به فؤادك، ونربط على قلبك، والمعنى أنزلناه مفرقا لتعيَه وتحفظه، فإن الكتب المتقدمة نزلت على أنبياء يكتبون ويقرؤون، وأنزل القرآن على نبي أمي لا يكتب ولا يقرأ، ولأن من القرآن الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب سؤال عن أمور تحدث في الأوقات المختلفة، ففرقناه ليكون أدعى لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأيسر على العامل به.
﴿ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا ﴾ بديعا، لا يقادر قدره ومعنى الترتيل أن تكون آية بعد آية، قاله النخعي والحسن وقتادة، وقيل إن المعنى بيناه تبيينا، وقال السدي :فصلناه تفصيلا، وقال ابن عباس :رسلناه ترسيلا يقول شيئا بعد شيء. وقال مجاهد :بعضه في إثر بعض، قال ابن الأعرابي :ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين، وقيل قرأناه عليك بلسان جبريل شيئا بعد شيء في عشرين أو ثلاث وعشرين سنة على تؤدة وتمهل لتيسر فهمه وحفظه.
ثم ذكر سبحانه أنهم محجوجون في كل أوان مدفوع قولهم بكل وجه وعلى كل حالة فقال :
﴿ وَلا يَأْتُونَكَ ﴾ أي لا يأتيك يا محمد المشركون ﴿ بِمَثَلٍ ﴾ من أمثالهم التي من جملتها اقتراحاتهم المتعنتة في إبطال أمرك ﴿ إِلا جِئْنَاكَ ﴾ في مقابلة مثلهم ﴿ بِالْحَقِّ ﴾ أي بالجواب الحق الثابت الذي يبطل ما جاؤوا به من المثل، ويدمغه ويدفعه، فالمراد بالمثل هنا السؤال والاقتراح، وبالحق جوابه الذي يقطع ذريعته، ويبطل شهيته، ويحسم مادته، والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال، والجملة في محل الحال. أي لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال إلا في حال إيتائنا إياك ذلك.
﴿ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا ﴾ أي جئناك بأحسن تفسير بيانا وتفصيلا. وبما هو معنى ومؤدى من مثلهم، أي من سؤالهم، وإنما حذف من مثلهم لأن في الكلام دليلا عليه.
ثم أوعد هؤلاء الجهلة وذمهم فقال ﴿ الَّذِينَ يُحْشَرُونَ ﴾ كائنين ﴿ عَلَى وُجُوهِهِمْ ﴾ ومعنى الحشر على الوجوه أنهم يسحبون عليها ويطؤون الأرض على رؤوسهم، مع ارتفاع أقدامهم، بقدرة الله، ويساقون ويجرون عليها.
﴿ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا ﴾ أي منزلا، ومصيرا، ومسكنا وهو جهنم ﴿ وَأَضَلُّ سَبِيلا ﴾ وأخطأ طريقا من غيرهم، وهو كفرهم، وذلك لأنهم قد صلوا في النار، وهو من الإسناد المجازي، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في سورة سبحان، وقد قيل، إن هذا متصل بقوله. " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ".
﴿ وَلَقَدْ ﴾ أي والله لقد ﴿ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ ﴾ أي التوراة كما آتيناك القرآن ذكر سبحانه طرفا من قصص الأولين تسلية له صلى الله عليه وسلم بأن تكذيب قوم أنبياء الله لهم عادة للمشركين بالله، وليس ذلك بخاص بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا ﴾ أي عونا وعضدا في الدعوة، وإعلاء الكلمة قاله قتادة، وقال الزجاج :الوزير في اللغة الذي يرجع إليه، ويعمل برأيه، والوزر ما يعتصم به، ومنه :كلا ولا وزر، وقد تقدم تفسير الوزير في طه، والوزارة لا تنافي النبوة، فقد كان يبعث في الزمن الواحد أنبياء، ويؤمرون بأن يوازر بعضهم بعضا، وقد كان هرون في أول الأمر وزيرا لموسى عليهما السلام، أو لاشتراكهما في النوبة لأن المتشاركين في الأمر متوازران عليه.
﴿ فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا ﴾ وهم فرعون وقومه، يعني القبط ﴿ بِآيَاتِنَا ﴾ هي التسع المذكورة التي تقدم ذكرها، وإن لم يكونوا قد كذبوا بها عند أمر الله لموسى وهرون، بالذهاب فيحمل الماضي على معنى الاستقبال أي سيكذبون بها. وقيل إنما وصفوا بالتكذيب عند الحكاية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بيانا لعلة استحقاقهم للعذاب، وقيل يجوز أن يراد إلى القوم الذين آل حالهم إلى أن كذبوا، وقيل إن المراد بوصفهم بالتكذيب عند الإرسال أنهم كانوا مكذبين للآيات الإلهية، وليس المراد آيات الرسالة. قال القشيري :وقوله تعالى في موضع آخر ﴿ اذهب إلى فرعون إنه طغى ﴾. لا ينافي هذا لأنهما إذا كانا مأمورين، فكل واحد مأمور، ويمكن أن يقال :إن تخصيص موسى بالخطاب في بعض المواطن لكونه الأصل في الرسالة، والجمع بينهما في الخطاب لكونهما مرسلين جميعا.
﴿ فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا ﴾ في الكلام حذف، أي فذهبا إليهم فكذبوهما فأهلكناهم إثر ذلك التكذيب إهلاكا عظيما، فاقتصر على حاشيتي القصة اكتفاء بما هو المقصود منها، وهو إلزام الحجة ببعثة الرسل. واستحقاق التدمير بتكذيبهم، وقيل إن المراد هنا الحكم به، لأنه لم يحصل عقب بعث موسى وهرون إليهم، بل بعده بمدة.
﴿ و ﴾ اذكر ﴿ قَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ ﴾ أي كذبوا نوحا وإنما جمع لطول لبثه فيهم، فكأنه رسل في المعنى، أو كذبوه. وكذبوا من قبله من رسل الله، لاشتراكهم في المجيء بالتوحيد :قال الزجاج :من كذب نبيا فقد كذب جميع الأنبياء.
﴿ أَغْرَقْنَاهُمْ ﴾ بالطوفان، كما تقدم في هود ﴿ وَجَعَلْنَاهُمْ ﴾ أي جعلنا إغراقهم، أو قصتهم ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ كلهم بعدهم ﴿ آيَةً ﴾ أي عبرة يتعظ بها كل مشاهد لها، وسامع لخبرها ﴿ وَأَعْتَدْنَا ﴾ في الآخرة ﴿ لِلظَّالِمِينَ ﴾ الكافرين أي قوم نوح خاصة، فيكون وضعا للظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم بوصف الظلم :ويجوز أن يكون المراد كل من سلك مسلكهم في التكذيب ﴿ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ هو عذاب الآخرة، سوى ما حل بهم من عاجل العذاب في الدنيا.
﴿ وَ ﴾ اذكر ﴿ عادا ﴾ قوم هود ﴿ وَثَمُودَ ﴾ قوم صالح، وقصتهما قد ذكرت فيما سبق، وثمود بالصرف على معنى الحي، وتركه على تأويله بالقبيلة قراءتان سبعيتان ﴿ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ ﴾ هو في كلام العرب البئر التي تكون غير مطوية أي لم نبن بالحجارة والجمع رساس، كذا قال أبو عبيد، وقيدها أهل اللغة، كصاحب القاموس، بأنها التي طويت، أي بنيت بالحجارة، فيؤخذ من مجموع النقلين أن الرس ابتداء الشيء، ومنه رس الحمى ورسيسها، والبئر المطوية بالحجارة انتهى قال السدي :هي بئر بأنطاكية قتلوا فيها حبيب النجار، فنسبوا إليها، وهو صاحب يس الذي قال ﴿ يا قوم اتبعوا المرسلين ﴾، وكذا قال مقاتل وعكرمة وغيرهما وقيل هم قوم بأذربيجان قتلوا أنبياءهم، فجفت أشجارهم، وزروعهم، فماتوا جوعا وعطشا.
وقيل كانوا يعبدون الشجر وقيل كانوا يعبدون الأصنام فأرسل الله إليهم شعيبا عليه السلام فكذبوه وآذوه، وقيل بئر بفلج اليمامة قرية عظيمة بناحية اليمن، أو موضع باليمن من مساكن عاد، وهم قوم أرسل الله إليهم نبيا فقتلوه وقيل هم أصحاب الأخدود، وقيل إن الرس هي البئر المعطلة التي تقدم ذكرها أو صحابها أهلها، وقال في الصحاح :الرس لاسم بئر كانت لبقية ثمود، وقيل الرس ماء ونخل لبني أسد وقيل هو الثلج المتراكم في الجبال، أو الرس اسم واد قريب من البصرة قاله ابن كثير والرس أيضا الإصلاح بين الناس، والإفساد بينهم فهو من الأضداد.
وقيل الرس نهر بالشرق وقيل هم قوم كذبوا نبيهم ورسوه أي دسوه في بئر فبينما هم حول الرس وهي البئر غير المطوية فانهارت فخسف بهم وبمنازلهم وديارهم، وقيل هم أصحاب حنظلة بن صفوان وهم الذين ابتلاهم الله بالطائر المعروف العنقاء قال ابن عباس :الرس قرية من ثمود وعنه بئر بأذربيجان وعنه أنه سأل كعبا عن أصحاب الرس قال :صاحب يس، وورد عن محمد بن كعب القرظي في صاحب الرس خبر طويل مرفوع فيه نكارة وغرابة ولعل فيه إدراجا كما قال ابن كثير في تفسيره والحديث أيضا مرسل.
﴿ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا ﴾ القرون جمع قرن أي أهل قرون يعني وأذكر أقواما، والقرن مائة سنة، قاله قتادة وقيل مائة وعشرون سنة قاله زرارة بن أوفى وقيل أربعون سنة وقيل سبعون سنة قاله قتادة أيضا وقد روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " القرن مائة سنة " وقال القرن خمسون سنة وقال القرن أربعون سنة، وما أظنه يصح شيء من ذلك وقد سمي الجماعة من الناس قرنا كما في الحديث الصحيح " خير القرون قرني " ١ وأخرج الحاكم في الكني عن ابن عباس قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انتهى إلى معد بن عدنان أمسك ثم يقول :" كذب النسابون، قال الله وقرونا بين ذلك كثيرا والإشارة بقوله ﴿ بين ذلك ﴾ إلى ما تقدم ذكره من الأمم أي بين عاد وأصحاب الرس، وهم جماعات فلذلك حسن دخول ﴿ بين ﴾ عليه وقد يذكر الذاكر أشياء مختلفة ثم يشير إليها بذلك، ويحسب الحاسب أعدادا متكاثرة ثم يقول :فذلك كيت وكيت أي ذلك المحسوب، أو المعدود.
١ الترمذي كتاب الفتن باب ٤٥ ـ البخاري كتاب الشهادات باب ٩..
﴿ وَكُلا ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ( ٣٩ ) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا ( ٤٠ ) وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولا ( ٤١ ) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا ( ٤٢ ) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا ( ٤٣ ) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلا ( ٤٤ ) ﴾.
﴿ وَكُلا ﴾ أي كل الأمم ﴿ ضَرَبْنَا لَهُ الأَمْثَالَ ﴾ أي القصص العجيبة من قصص الأولين التي تشبه الأمثال في الغرابة وبينا لهم الحجة فلم نهلكهم إلا بعد الإنذار، ولم نضرب لهم الأمثال الباطلة كما يفعله هؤلاء الكفرة ﴿ وَكُلا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا ﴾ التتبير الإهلاك بالعذاب، قال الزجاج، كل شيء كسرته وفتته فقد تبرته، ومنه التبر لفتات الذهب والفضة وقال المؤرخ والأخفش :معناه دمرنا تدميرا أبدلت التاء، الباء من الدال والميم.
﴿ وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ ﴾ مستأنفة مبينة لمشاهدتهم لآثار هلاك بعض الأمم، وضمن أتى معنى مر لأنه يستعمل متعديا بنفسه أو بإلى، والمعنى ولقد أتى مشركو مكة في أسفارهم إلى الشام، على قرية قوم لوط، وهي سدوم، وهي أعظم قرى قومه وكانت خمسا. أهلك الله أربعا مع أهلها، وبقيت واحدة، وهي أصغرها، وكان أهلها لا يعمل الخبائث.
﴿ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ﴾ وهي الحجارة، قاله ابن عباس، والأمطار معناه الرمي، أي هلكت بالحجارة، التي أمطروا بها، ورميت رمي الحجارة، والمعنى أعطيتها وأوليتها، مطر السوء، أي أمطارا مثل مطر السوء وقد تقدم، تفسير السوء في براءة ﴿ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا ﴾ الاستفهام للتقريع والتوبيخ أي يرون القرية المذكورة عند سفرهم إلى الشام للتجارة، فإنهم يمرون بها مرارا أي :يرون آثارها، وآثار ما حل بأهلها، وقيل :للتقرير، أي :حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه، وهو ما بعد النفي، أي :ليقروا بأنهم رأوها حتى يعتبروا بها، والفاء للعطف على مقدر، أي لم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها، أو كانوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها في مرات مرورهم ليتعظوا بما كانوا يشاهدونه من آثار العذاب، فالمنكر في الأول :ترك النظر وعدم الرؤية معا، والمنكر في الثاني :عدم الرؤية مع تحقق النظر، الموجب لها.
﴿ بَلْ كَانُوا لا يَرْجُونَ ﴾ أي :لا يأملون ﴿ نُشُورًا ﴾ أي بعثا أضرب سبحانه عما سبق، من عدم رؤيتهم لتلك الآثار، إلى عدم رجاء البعث منهم، المستلزم لعدم رجائهم للجزاء، أو معنى يرجون يخافون، على اللغة التهامية
﴿ وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ ﴾ أي :ما ﴿ يَتَّخِذُونَكَ إِلا هُزُوًا ﴾ أي مهزوا بك، قصر معاملتهم له على اتخاذهم إياه هزوا، قيل نزلت في أبي جهل، كان. إذا مر مع أصحابه قال مستهزيا ﴿ أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ ؟ ﴾ أي بعثه ﴿ اللَّهُ رَسُولا ﴾ أي مرسلا في دعواه، وفي اسم الإشارة دلالة على استحقارهم له، وتهكمهم به
﴿ إِنْ كَادَ ﴾ أي قالوا إنه كاد هذا الرسول ﴿ لَيُضِلُّنَاّ ﴾ ليصرفنا ﴿ عَنْ آلِهَتِنَا ﴾ فنترك عبادتها بفرط اجتهاده والدعاء إلى التوحيد، وكثرة ما يورده مما يسبق إلى الذهن أنه حجج ومعجزات.
﴿ لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا ﴾ أي حبسنا أنفسنا على عبادتها ثم إنه سبحانه أجاب عليهم بقوله : ﴿ وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ ﴾ عيانا، أي عذاب يوم القيامة الذي يستحقونه، ويستوجبونه، لسبب كفرهم ﴿ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلا ﴾ أي أبعد طريقا عن الحق والهدى، أهم ؟ أم المؤمنون ؟
ثم بين لهم سبحانه أنه لا تمسك لهم فيما ذهبوا إليه سوى التقليد، وإتباع الهوى، فقال معجبا لرسوله :
﴿ أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاه ﴾ قدم المفعول الثاني للعناية به كما تقول علمت منطلقا زيدا قاله الزمخشري، أي أطاع هواه طاعة. كطاعة الإله، أي أنظر إليه يا محمد، وتعجب منه والوجه الآخر أنه لا تقديم، ولا تأخير، لاستوائهما في التعريف، قاله السمين فادعاء القلب ليس بجيد، لأنه من ضرورات الشعر وقال أبو السعود بالوجه الأول، ثم قال :ومن توهم أنهما على الترتيب بناء على تساويها في التعريف، فقد غاب عنه أن المفعول الثاني في هذا الباب هو المتلبس بالحالة الحادثة، أي أرأيت من جعل هواه إلها لنفسه، من غير أن يلاحظه، وبني عليه أمر دينه، معرضا عن استماع الحجة الباهرة، والبرهان النير بالكلية عن ابن عباس قال :كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زمانا من الدهر في الجاهلية، فإذا وجد حجرا أحسن منه، رمى به، وعبد الآخر، فأنزل الله الآية، وعنه قال :ذلك الكافر لا يهوى شيئا إلا اتبعه، وعن الحسن مثله.
﴿ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلا ؟ ﴾ أي حفيظا، وكفيلا، حتى ترده إلى الإيمان وتخرجه من الكفر وتحفظه من إتباع الهوى، وعادة ما يهواه من دون الله، والاستفهام للإنكار والاستعباد، فالمعنى لست تقدر على ذلك، ولا تطيقه، فليست الهداية والضلالة موكولتين إلى مشيئتك، وإنما علي البلاغ، وقد قيل إن هذا الآية منسوخة بآية القتال. قاله الكلبي،
ثم انتقل سبحانه من الإنكار الأول إلى إنكار آخر فقال :
﴿ أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ ؟ ﴾ " ما تتلو عليهم من آيات القرآن، ومن المواعظ سماع تفهم، واعتبار " ﴿ أَوْ يَعْقِلُونَ ﴾ معاني ذلك ويفهمونه، حتى تعتني بشأنهم، وتطمع في إيمانهم، وليسوا كذلك، بل هم بمنزلة من لا يسمع، ولا يعقل. وتخصيص الأكثر بالذكر، لأنه كان منهم من آمن، ومنهم من عقل الحق، وكابر استكبارا وخوفا على الرياسة، ثم بين سبحانه حالهم، وقطع مادة الطمع فيهم فقال :
﴿ إِنْ هُمْ ﴾ أي ما هم في الانتفاع بما يسمعونه ﴿ إِلا كَالأَنْعَامِ ﴾ التي هي مسلوبة العقل والفهم، فلا تطمع فيهم فإن فائدة السمع والعقل مفقودة، وإن كانوا يسمعون ما يقال لهم، ويعقلون ما يتلى عليهم، ولكنهم لما لم ينتفعوا بذلك، كانوا كالفاقد له. ثم أضرب سبحانه عن الحكم عليهم، بأنهم كالأنعام، إلى ما هو فوق ذلك، فقال :
﴿ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ﴾ من الأنعام ﴿ سَبِيلا ﴾ أي طريقا قال مقاتل :البهائم تعرف ربها، وتهتدي إلى مراعيها ومشاربها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء لا ينقادون ولا يعرفون ربهم، الذي خلقهم، ورزقهم، والمعنى أنها تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وهؤلاء، لا ينقادون لربهم، ولا يعرفون إحسانه من إساءة الشيطان، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي إلى تهييج الفتن، وصد الناس عن الحق، ولأنها غير متمكنة من طلب الكمال، فلا تقصير منها، ولا ذم عليها، وهؤلاء مقصرون، ومستحقون أعظم العقاب على تقصيرهم.
وقيل إنما كانوا أضل من الأنعام لأنه لا حساب عليها ولا عقاب لها، وقيل إنما كانوا أضل لأن البهائم إذا لم تعقل صحة التوحيد والنبوة، لم تعتقد بطلان ذلك، بخلاف هؤلاء، فإنهم اعتقدوا البطلان عنادا ومكابرة، وتعصبا. وغمطا للحق، وقيل إن الأنعام تسجد وتسبح، والكفار لا يفعلون ذلك، وقيل الملائكة روح، وعقل، والبهائم نفس، وهوى، والآدمي مجمع الكل ابتلاء، فإن غلبته النفس والهوى، فضلته الأنعام، وإن غلبته الروح وضلالتهم، أتبعه بذكر طرف من دلائل التوحيد مع ما فيها من عظيم الإنعام، وحاصل ما ذكر منها خمسة، فأولها الاستدلال بأحوال الظل فقال :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا ( ٤٥ ) ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا ( ٤٦ ) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ( ٤٧ ) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ( ٤٨ ) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ( ٤٩ ) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلا كُفُورًا ( ٥٠ ) ﴾.
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ ﴾ أي :على أي وجه ﴿ مَدَّ الظِّلَّ ؟ ﴾ هذه الرؤية إما بصرية، والمراد بها ألم تبصر إلى صنع ربك ؟ أو ألم تبصر إلى الظل ؟ كيف مده ربك ؟ وإما قلبية، بمعنى العلم، فإن الظل متغير وكل متغير حادث ولكل حادث موجد. قال الزجاج : ﴿ ألم تر ﴾ :ألم تعلم ؟ وهذا من رؤية القلب، قال :وهذا الكلام على القلب، والتقدير :ألم تر إلى الظل كيف مده ربك، يعني الظل من وقت الإسفار إلى وقت طلوع الشمس، وهو ظل لا شمس معه، وبه قال الحسن وقتادة. وقيل :هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها، قال القرطبي :والأول أصح، والدليل على ذلك أنه ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة، فإن فيها يجد المريض راحة، والمسافر، وكل ذي علة، وفيها ترد نفوس الأموات والأرواح منهم إلى الأجساد، وتطيب نفوس الأحياء فيها، وهذه الصفة مفقودة بعد المغرب، وقال أبو العالية :نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين إلى ساعة المصلين صلاة الفجر.
قال أبو عبيدة :الظل بالغداة، والفيء بالعشي، لأنه يرجع بعد زوال الشمس، سمي فيئا لأنه فاء من المشرق إلى جانب المغرب، وقال ابن السكيت :الظل ما نسخته الشمس، والفيء ما نسخ الشمس، وعن رؤية قال :كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه فهو فيء، وظل، وما لم تكن عليه الشمس فهو ظل، انتهى. وحقيقة الظل أنه أمر متوسط بين الضوء الخالص والظلمة الخالصة، وهذا التوسط هو أعدل من الطرفين، وأطيب الأحوال، لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عنها الحس، والضوء الكامل لقوته يبهر الحس البصري، ويؤذي بالتسخين، ولذلك وصفت به الجنة في قوله :
﴿ وظل ممدود ﴾ قال أبو السعود، وأما ما قيل من أن المراد بالظل ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس فغير سديد، إذ لا ريب في أن المراد تنبيه الناس على عظم قدرة الله عز وجل، وبالغ حكمته فيما يشاهدونه، فلا بد أن يراد بالظل ما يتعارفونه من حالة مخصوصة يشاهدونها، في موضع يحول بينه وبين الشمس جسم كثيف، مخالفة لما في جوانبه من مواقع ضح الشمس وما ذكر ؛ وإن كان في الحقيقة ظلا للأفق الشرقي، لكنهم لا يعدونه ظلا، ولا يصفونه بأوصافه المعهودة، انتهى.
وعن ابن عباس قال :كيف مد الظل أي :بعد الفجر، قبل أن تطلع الشمس، وعنه قال :ألم تر أنك إذا صليت الفجر، كان ما بين مطلع الشمس إلى مغربها ظلا ؟ ثم بعث الله عليه الشمس دليلا فقبض الظل، وعنه قال :ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وبه قال الجمهور، واعترض عليه بأنه لا يسمى ظلا لأنه من بقايا الليل واقع في غير النهار، ومعنى الآية كيف أنشأ ظلا لأي مظل كان من جبل أو بناء أو شجر عند ابتداء طلوع الشمس ممتدا، وأنه تعالى مده، بعد أن لم يكن كذلك، كما بعد نصف النهار إلى غروبها، فإن ذلك مع خلوه عن التصريح يكون نفسه بإنشائه تعالى وإحداثه يأباه سياق النظم الكريم.
﴿ وَلَوْ شَاء ﴾ سكونه ﴿ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ﴾ ثابتا دائما لا يزول، ومستقرا لا تنسخه الشمس، ولا يذهب عن وجه الأرض، وقيل :المعنى ولو شاء لمنع الشمس الطلوع، فلا يزول، أو جعلها مسلوبة الضوء، والأول أولى، والتعبير بالسكون عن الإقامة والاستقرار شائع، ومنه قولهم :سكن فلان بلد كذا إذا أقام به، واستقر فيه ﴿ ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ ﴾ أي على الظل بنسخها إياه عند مجيئها ﴿ دَلِيلًا ﴾ أي :حجة وبرهانا. وعلامة يستدل بأحوالها على أحواله، وذلك لأن الظل يتبعها، كما يتبع الدليل في الطريق من جهة أنه يزيد بها وينقص، ويمتد ويتقلص والمعنى أنه لو لم تكن الشمس لما عرف الظل، ولولا النور لما عرفت الظلمة، فالأشياء تعرف بأضدادها، ولم يؤنث الدليل، وهو صفة للشمس لأنه في معنى الاسم، كما يقال :الشمس برهان، والشمس حق.
﴿ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ ﴾ أي :ذلك الظل الممدود، ومحوناه عند إيقاع شعاع الشمس، موقعه بالتدريج حتى انتهت تلك الأظلال إلى العدم والاضمحلال، ومعنى ﴿ إِلَيْنَا ﴾ أن مرجعه إليه سبحانه، كما أن حدوثه منه، وجاء بثم استعارة تبعية لتفاضل ما بين الأمور الثلاثة، مد الظل، وجعل الشمس عليه دليلا وقبضه يسيرا، فكان الثاني أعظم من الأول، والثالث أعظم من الثاني، شبه تباعد ما بينها في الفضل بتباعد ما بين الحوادث في الوقت، أو لتفاضل مبادي أوقاتها ظهورها، وقيل :المراد في الآية قبضه عند قيام الساعة قبض أسبابه، وهي الأجرام النيرة، والأول أولى، وقيل :المعنى أن الظل يبقى في هذا الجو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا جزءا فجزءا، وخلفه في هذا الجو شعاع الشمس فأشرقت على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها، فإذا غربت فليس هناك ظل إنما ذلك بقية نور النهار.
وقال قوم :قبضة بغروب الشمس لأنها إذا لم تغرب فالظل فيه بقية، وإنما يتم زواله لمجيء الليل ودخول الظلمة عليه وقيل :إن هذا القبض وقع بالشمس لأنها إذا طلعت أخذ الظل في الذهاب شيئا فشيئا قاله مالك وإبراهيم التيمي. وقيل :المعنى ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء.
﴿ قَبْضًا يَسِيرًا ﴾ أي :قليلا قليلا على تدريج بقدر ارتفاع الشمس، لتنظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق، وقيل :يسيرا أي سريعا، قال الضحاك، وقيل :المعنى يسير علينا، ليس بعسير. وقال قتادة :أي خفيفا، كلما قبض *** جزء منه جعل مكانه جزء من الظلمة، وليس يزول دفعة واحدة، وهو قول مجاهد.
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا ﴾ شبه سبحانه ما يستر من ظلام الليل باللباس الساتر. قال ابن جرير :وصف الليل باللباس تشبيها من حيث إنه يستر الأشياء ويغشاها ﴿ وَ ﴾ جعل ﴿ النَّوْمَ سُبَاتًا ﴾ أي :راحة لكم لأنكم تنقطعون عن الاشتغال، وأصل السبات التمدد، يقال سبتت المرأة شعرها، أي :نقضته وأرسلته. ورجل مسبوت أي ممدود الخلقة، وقيل للنوم سبات، لأنه بالتمدد يكون، وفي التمدد معنى الراحة، وقيل السبت القطع فالنوم انقطاع عن الاشتغال، ومنه سبت اليهود لانقطاعهم عن الاشتغال قال الزجاج :السبات النوم الخفيف، وهو أن ينقطع عن الحركة، والروح في بدنه، أو ابتداؤه في الرأس، حتى يبلغ القلب، أي :جعلنا نومكم راحة لكم.
وقال الخليل :السبات نوم ثقيل، أي جعلنا نومكم ثقيلا ليكمل الإجمام، والراحة، وقيل السبات الموت، والمسبوت الميت، لأنه مقطوع الحياة، هو كقوله تعالى : ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ ويعضده ذكر النشور في مقابلته، ذكره الزمخشري، والنسفي ﴿ وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا ﴾ أي :ذا نشور وانتشار ينتشر فيه الناس للمعاش، أي جعله زمان بعث من ذلك السبات شبه اليقظة بالحياة، كما شبه النوم بالسبات الشبيه بالممات، وهذه الآية مع دلالتها على قدرة الخالق فيها إظهار لنعمته على خلقه، لأن في الاحتجاب بستر الليل فوائد دينية دنيوية، وفي النوم واليقظة المشبهين بالموت والحياة عبرة لمن اعتبر، قال لقمان لابنه :كما تنام فتوقظ كذلك تموت فتنشر.
﴿ وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا ﴾ جمع بشور، وقرئ نشرا بالنون ﴿ بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ﴾ أي متفرقة قدام المطر لأنه ريح ثم سحاب ثم مطر، وهذه استعارة مليحة، والمراد بالرياح الجنس، وهي الصبا والجنوب والشمال، بخلاف الدبور، فإنها ريح العذاب التي بها عاد. والشمال تأتي من ناحية الشام والجنوب تقابلها وهي اليمانية، والصبا تأتي من مطلع الشمس وهي القبول أيضا، والدبور تأتي من ناحية المغرب، والريح مؤنثة على الأكثر فيقال هي الريح. وقد تذكر على معنى الهواء فيقال :هو الريح وهب الريح نقله أبو زيد وقال ابن الأنباري :إنها مؤنثة لا علامة فيها، وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر، قد تقدم تفسير هذه الآية مستوفى في الأعراف.
﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا ﴾ وصف الماء به إشعارا بالنعمة وتتيما للمنة بما بعده. فإن الماء الطهور أهنأ وأنفع مما خالطه ما يزيل طهوريته. وفيه تنبيه على أن ظواهرهم لما كانت مما ينبغي أن يطهروها، فبواطنهم أولى بذلك، قال الأزهري :الطهور في اللغة المطهر، قال :وفعول في كلام العرب لمعان منها فعول لما يفعل به، مثل الطهور لما يتطهر به، والوضوء لما يتوضأ به قال ابن الأنباري :الطهور بفتح الطاء الاسم وكذلك الوضوء والوقود، وبالضم المصدر، هذا هو المعروف في اللغة، وقد ذهب الجمهور إلى أن الطهورة هو الطاهر المطهر، ويؤيد ذلك كونه بناء مبالغة، ويدل له ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم عليه وآله وسلم أنه قال في البحر " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. ١
وروي عن أبي حنيفة أنه قال :الطهور هو الطاهر. واستدل لذلك بقوله تعالى ﴿ وسقاهم ربهم شرابا طهورا ﴾ يعني طاهرا وعلى كل حال فقد ورد الشرع بأن الماء طاهر في نفسه مطهر لغيره. قال الله تعالى : ﴿ وينزل عليكم من السماء ماءا ليطهركم به ﴾ وقال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم ﴿ خلق الماء طهورا ﴾ وأخرج أهل السنن وأحمد وغيرهم من حديث أبي سعيد قال :قيل يا رسول الله أتتوضأ من بئر قضاعة، وهي بئر تلقى فيه الحيض ولحوم الكلاب والنتن، فقال :" إن الماء طهور لا ينجسه شيء " ٢ وفي إسناد هذا الحديث كلام طويل قد استوفاه الحافظ بن حجر في التلخيص، وتبعه الشوكاني في شرحه على المنتقى،
١ أبو داود كتاب الطهارة باب ٤١.
الترمذي كتاب الطهارة ٥٢
النسائي كتاب الطهارة باب ٤٦..

٢ أبو داود كتاب الطهارة باب ٣٤ ـ الإمام أحمد ٣/ ٣١ ـ ٤/١٧..
ثم ذكر سبحانه علة الإنزال فقال :
﴿ لِنُحْيِيَ بِهِ ﴾ أي الماء المنزل من السماء ﴿ بَلْدَةً مَّيْتًا ﴾ وصف البلدة بالميت، وهي صفة للمذكر، لأنها بمعنى البلد وقال الزجاج :أراد بالبلد المكان أو يستوي فيه المذكر والمؤنث والمراد بالإحياء هنا إخراج النبات من المكان الذي لا نبات فيه ﴿ وَنُسْقِيَهُ ﴾ بضم النون، وقريء فتحها والضمير المنصوب راجع إلى الماء ﴿ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا ﴾ أي بهائم أي إبلا، وبقرا وغنما وقد تقدم الكلام عليها، وخص بالذكر لأنها ذخيرتنا. ومدار معاش أكثر أهل المدر، ولذلك قدم سقيها على سقيهم، كما قدم عليها إحياء الأرض فإنها سبب لحياتها وتعيشها فقدم ما هو سبب بحياتهم ومعاشهم.
﴿ وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا ﴾ جمع إنسان على ما ذهب إليه سيبويه ؛ وهو الراجح وقال المبرد، والفراء والزجاج :إنه جمع إنسي أي بياء النسب وفيه أن ما هي فيه لا يجمع على فعالي، وللفراء قول آخر أنه جمع الإنسان والأصل على الأول أناسين مثل سرحان وسراجين، وبستان وبساتين، فجعلوا الياء عوضا من النون.
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ( ٥١ ) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا ( ٥٢ ) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا ( ٥٣ ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ( ٥٤ ) وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ( ٥٥ ) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ( ٥٦ ) قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ( ٥٧ ) ﴾.
﴿ وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا ﴾ أي كررنا أحوال الإضلال. وذكر إنشاء السحاب، وإنزال المطر في القرآن، وفي سائر الكتب السماوية، ليتفكروا أو يعتبروا، وقرئ صرفناه مثقلا ومخففا، وكذا ليذكروا مخففة من الذكر، ومثقلة من التذكر، وقيل ضمير صرفناه يرجع إلى أقرب المذكورات وهو المطر أي صرفنا المطر بينهم، في البلدان المختلفة. والأوقات المتغايرة، وعلى الصفات المتفاوتة من وابل وطش وطل وجود ورذاذ. وديمة فنزيد منه في بعض البلدان، وننقص في بعض آخر منها.
وقيل :الضمير راجع إلى القرآن، وقد جرى ذكره في أول السورة حيث قال ﴿ تبارك الذي نزل الفرقان على بعده ﴾ وقوله ﴿ لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ﴾ وقوله : ﴿ اتخذوا هذا القرآن مهجورا ﴾ والمعنى ولقد كررنا هذا القرآن بإنزال آياته بين الناس، ليذكروا به، ويعتبروا بما فيه، وقيل هو راجع إلى الريح، وعلى رجوع الضمير إلى المطر. فقد اختلف في معناه فقيل ما ذكرناه وقيل تصريفه تنويع الانتفاع به، في الشرب والسقي. والزراعات، والطهارات عن ابن عباس قال :ما من عام بأقل مطرا من عام، ولكن الله يصرفه حيث يشاء ثم قرأ هذه الآية.
﴿ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ﴾ أي كفران النعمة وجحودها وقلة الاكتراث لها قال عكرمة :إن المراد هو قولهم في الأفواه :مطرنا بنوء كذا، قال النحاس :ولا نعلم بين أهل التفسير اختلافا أن الكفر هنا قولهم مطرنا بنوء كذا، والنوء كما في المختار سقوط نجم من المنازل في المغرب، وطلوع رقيبة من المشرق في ساعته في كل ثلاثة عشر يوما، ماخلا الجبهة فإن لها أربعة عشر يوما وكانت العرب تضيف الأمطار والرياح والحر والبرد إلى الساقط منهما وقيل إلى الطالع لأنه في سلطانه والجمع أنواء.
﴿ وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا ﴾ أي في زمنك ﴿ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا ﴾ أي رسولا ينذرهم ليكون الرسل المبعوثون معاونين لك، فتخف عليك أعباء النبوة. كما قسمنا المطر بينهم، ولكنا لن نفعل ذلك بل جعلنا نذيرا واحدا وهو أنت يا محمد، وقصرنا الأمر عليك إجلالا لك، وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرسل، وليعظم أجرك، فقابل ذلك بشكر النعمة وبالثبات والاجتهاد في الدعوة وإظهار الحق.
﴿ فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ ﴾ فيما يدعونك إليه من إتباع آلهتهم، بل اجتهد في الدعوة وأثبت فيها ولا تضجر ﴿ وَجَاهِدْهُم بِهِ ﴾ أي بالقرآن واتل عليهم ما فيه من القوارع، والنواذر والزواجر والأوامر والنواهي، وقيل الضمير يرجع إلى الله أو الإسلام أو إلى السيف. والأول أولى، وهذه السورة مكية والأمر بالقتال إنما كان بعد الهجرة، وقيل راجع إلى ترك الطاعة المفهوم من قوله فلا تطع الكافرين، وقيل الضمير يرجع إلى ما دل عليه ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا، من كونه نذير كافة القرى لأنه سبحانه لو بعث في كل قرية نذيرا لم يكن على كل نذير إلا مجاهدة القرية التي أرسل إليها، وحين اقتصر على نذير واحد لكل القرى وهو محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلا جرم اجتمع عليه كل المجاهدات فكبر جهاده وعظم فكأنه قال له :وجاهدهم بسبب كونك نذير كافة القرى جهادا جامعا. لكل مجاهدة ولا يخفى ما في هذين الوجهين من البعد.
﴿ جِهَادًا كَبِيرًا ﴾ أي شديدا عظيما موقعه عند الله لما يحتمل فيه من المشاق لأن مجاهدة السفهاء بالحجج أكبر من مجاهدة الأعداء بالسيوف وأريد بهذا تهييجه وتهييج المؤمنين وتحريكهم،
ثم ذكر سبحانه دليلا رابعا على التوحيد فقال :
﴿ وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ ﴾ أي أرسلهما متجاورين أو خلاهما متلاصقين بحيث لا يتمازجان، من مرج أي خلى وخلط وأرسل يقال مرجت الدابة وأمرجتها إذا أرسلتها في المرعى وخليتها تذهب حيث تشاء قال مجاهد :أرسلهما وأفاض أحدهما إلى الآخر، وقال ابن عرفة :خلطهما فهما يلتقيان، يقال مرجته إذا خلطته، ومرج الدين والأمر اختلط واضطراب، ومنه قوله تعالى : ﴿ في أمر مريج ﴾ وقال الأزهري :مرج البحرين خلى بينهما لا يلتبس أحدهما بالآخر، يقال :مرجت الدابة إذا خليتها ترعى، وقال ثعلب :المرج الإجراء فالمعنى أجراهما، وقال الأخفش :وتقول قوم مثل مرج فعل وأفعل بمعنى.
﴿ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ ﴾ هو البليغ العذوبة، المائلة إلى الحلاوة، والجملة مستأنفة كأنه قيل :كيف مرجهما ؟ فقيل :هذا عذب الخ، أو حال بتقدير مقولا فيهما، قيل سمى الماء الحلو فراتا، لأنه يفرت العطش، أي يقطعه، ويشقه ويكسره ولا يجمع إلا نادرا على فرتان كغربان ﴿ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ ﴾ أي بليغ الملوحة، وقيل البليغ في الحرارة وقيل البليغ في المرارة. وقرئ ملح بفتح الميم وكسر اللام. قال ابن عباس :خلع أحدهما على الآخر، فليس يفسد العذب المالح العذب، وهذا من أحسن المقابلة، حيث قال :عذب فرات، وملح أجاج.
﴿ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا ﴾ هو الحاجز والحائل، الذي جعله الله بينهما من قدرته، يفصل بينهما ويمنعهما التمازج ولا يحس ﴿ وَحِجْرًا مَّحْجُورًا ﴾ أي سترا مستورا، يمنع أحدهما من الاختلاط بالآخر فلا يبغي أحدهما على الآخر، ولا يفسد الملح العذب. فالبرزخ الحاجز والحجر المانع.
وقيل معناه ما تقدم من أنها كلمة يقولها المتعوذ، كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من صاحبه ويقول له هذا القول، وهو استعارة تمثيلية، وقيل حدا محدودا، وقيل المراد من البحر العذب، الأنهار العظام كالنيل والفرات وجيحون، ومن البحر الأجاج، البحار المشهورة، والبرزخ بينهما حائل من الأرض. وقيل معناه حراما محرما أن يعذب هذا المالح بالعذب أو يملح هذا العذب المالح. ومثل هذه الآية قوله سبحانه في سورة الرحمان ﴿ مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان ﴾ وعن ابن عباس قال :حجر أحدهما عن الآخر بأمره وقضائه،
ثم ذكر سبحانه حالة من أحوال خلق الإنسان من الماء فقال :
﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَرًا ﴾ أي خلق من ماء النطفة إنسانا، وقيل المراد بالماء، الماء المطلق الذي يراد في قوله ﴿ وجعلنا من الماء كل شيء حي ﴾. وقيل هو الماء الذي خمرت به طينة آدم عليه السلام وجعله جزءا من مادة البشر، ليجتمع، ويتسلسل، ويستعد لقبول الأشكال والهيئات بسهولة، قاله أبو السعود.
﴿ فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا ﴾ أي جعله ذا نسب وصهر، قيل المراد بالنسب هو الذي لا يحل نكاحه، والصهر ما يحل نكاحه قاله الفراء والزجاج، واشتقاق الصهر من صهرت الشيء إذا خلطته وسميت المناكح صهرا لاختلاط الناس بها وقيل الصهر قرابة النكاح فقرابة الزوجة هم الأختان، وقرابة الزوج هم الأحماء، والأصهار تعمهما. قاله الأصمعي.
وفي القاموس الصهر بالكسر، القرابة والخنن وجمعه أصهار. وفي المصباح قال الخليل :الصهر أهل بيت المرأة قال :ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعا أصهارا. وقال الأزهري :الصهر يشتمل على قرابات النساء، ذوي المحارم كالأبوين، والإخوة وأولادهم والأعمام والأخوال والخالات فهؤلاء أصهار زوج المرأة، ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضا.
وقال ابن السكيت :كل من كان من قبل الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه، فهم الأحماء ومن كان من قبل المرأة فهم الأختان ويجمع الصنفين الأصهار وصاهرت لهم وإليهم وفيهم صهرت لهم صهرا انتهى. وفي القرطبي :النسب والصهر معنيان يعمان كل قربى تكون بين آدميين، قال الواحدي :قال المفسرون :النسب سبعة أصناف من القرابة يجمعهما قوله : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ إلى قوله ﴿ وأمهات نسائكم ﴾ ومن هنا إلى قوله ﴿ وأن تجمعوا بين الأختين ﴾ تحريم بالصهر وهو الخلطة التي تشبه القرابة وهو النسب المحرم للنكاح، وقد حرم الله سبعة أصناف من النسب وسبعة من جهة الصهر أي السبب، قد اشتملت الآية المذكورة على ستة منها والسابعة قوله ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ وقد جعل ابن عطية والزجاج وغيرهما الرضاع من جملة النسب ويؤيده قوله صلى الله عليه وآله وسلم :" يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " ١.
أراد سبحانه تقسيم البشر قسمين ذوي النسب أي ذكورا ينسب إليهم، فيقال فلان بن فلان وفلانة بنت فلان وذوات صهر أي إناثا يصاهر بهن، كقوله تعالى فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى. وسئل عمر بن الخطاب عن نسب وصهر فقال :ما أراكم إلا وقد عرفتم النسب وأما الصهر فالأختان، والصحابة.
﴿ وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا ﴾ أي بليغ القدرة عظيمها، ومن جملة قدرته الباهرة خلق الإنسان من النطفة الواحدة وتقسيمه إل القسمين المذكورين،
١ مسلم ١٤٤٥ ـ البخاري ١٢٨٣..
ولما ذكر سبحانه دلائل التوحيد عاد إلى ذكر قبائح الكفار وفضائح سيرتهم فقال :
﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُهُمْ ﴾ إن عبدوه ﴿ وَلَا يَضُرُّهُمْ ﴾ إن تركوه ﴿ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا ﴾ هو المظاهر أي المعاون على ربه بالشرك والعداوة، والمظاهر على الرب هي المظاهرة على رسوله أو على دينه قال الزجاج :لأنه يتابع الشيطان ويعاونه على معصية الله لأن عبادتهم للأصنام معاونة للشيطان. وقال أبو عبيدة :المعنى وكان الكافر على ربه هينا مهينا ذليلا من قول العرب ظهرت به أي جعلته خلف ظهري لم ألتفت إليه. ومنه قوله تعالى ﴿ واتخذتموه وراءكم ظهريا ﴾ وقيل إن المعنى وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو الصنم قويا غالبا يعمل به ما يشاء لأن الجماد لا قدرة له على دفع ونفع.
ويجوز أن يكون الظهير جمعا كقوله : ﴿ والملائكة بعد ذلك ظهيرا ﴾ أو المعنى أن بعض الكفرة مظاهر لبعض على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو دين الله والمراد بالكفرة هنا الجنس ولا ينافيه كون سبب النزول هو كافرا معينا، كما قيل إنه أبو جهل. وقال ابن عباس :يعني أبا الحكم الذي سماه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا جهل بن هشام فالأصح انه عام في كل كافر.
﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ ﴾ في حال من الأحوال ﴿ إِلَّا ﴾ حال كونك ﴿ مُبَشِّرًا ﴾ للمؤمنين بالجنة ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ للكافرين بالنار فلا تحزن على عدم إيمانهم، واقتصر على صيغة المبالغة في الإنذار لتخصيصه بالكافرين إذ الكلام فيهم والإنذار الكامل لهم، ولو قيل إن المبالغة باعتبارها لكم لشموله للعصاة جاز.
﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ ﴾ أي على القرآن أو على تبليغ الرسالة المدلول عليها بالإرسال أو على ما أدعوكم إليه ﴿ مِنْ أَجْرٍ ﴾ أي عرض من عرض الدنيا قاله ابن عباس، والاستثناء في قوله ﴿ إِلَّا مَن شَاء أَن يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا ﴾ منقطع أي لكن من شاء فليفعل.
وقيل هو متصل والمعنى إلا من شاء أن يتقرب إليه سبحانه بالطاعة، وصور ذلك بصورة الأجر من حيث إنه مقصود الحصول،
ولما بين سبحانه أن الكفار متظاهرون على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره ان لا يطلب منهم أجرا البتة، وأمره أن يتوكل عليه في دفع المضار وجلب المنافع فقال : ﴿ وَتَوَكَّلْ ﴾ في استكفاء شرورهم والاستغناء عن أجورهم ﴿ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ ﴾ فإنه الحقيق بأن يتوكل عليه، وخص صفة الحياة إشارة إلى أن الحي الدائم هو الذي يوثق به في المصالح والمنافع ودفع المضار، ولا حياة على الدوام إلا الله سبحانه، دون الأحياء المنقطعة حياتهم فإنهم إذا ما تواضع من يتوكل عليهم. وقرأها بعض الصالحين فقال :لا يصح لذي عقل أن يثق بعدها بمخلوق، والتوكل اعتماد العبد على الله في كل الأمور، والأسباب وسائط، أمر بها من غير اعتماد عليها.
﴿ وَسَبِّحْ ﴾ أن نزهه عن صفات النقصان مقترنا ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ وقيل معنى سبح صل، والصلاة تسمى تسبيحا ﴿ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا ﴾ أي حسبك وهذه كلمة يراد بها المبالغة كقولك :كفى بالله ربا والخبير المطلع على الأمور بحيث لا يخفى عليه منها شيء فلا لوم عليك إن آمنوا وكفروا، وقيل معناه أنه لا يحتاج معه إلى غيره لأنه خبير عالم قدير على مكافأتهم، وفيه وعيد شديد، كأنه قال :إذا قدمتم على مخالفة أمره كفاكم علمه في مجازاتكم بما تستحقون من العقوبة،
ثم زاد في المبالغة فقال :
﴿ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ﴾ لعل ذكره زيادة تقرير، لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه، من حيث أنه الخالق للكل والمتصرف فيه ﴿ ومَا بَيْنَهُمَا ﴾ ولم يقل بينهن، لأنه أراد النوعين والمعنى خلقهما ﴿ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ﴾ فخلق الأرض في يومين الأحد والاثنين، وما بينهما في يومين الثلاثاء والأربعاء، والسماوات في يومين الخميس والجمعة، وفرغ من آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل في مقدار هذه المدة، لأنه لم يكن حينئذ ليل ولا نهار وإنما خلقها في ستة أيام وهو يقدر على أن يخلقها في لحظة، تعليما لخلقه الرفق والتثبيت والتأني في الأمر والتؤدة والتدرج.
فإن قيل يلزم ان يكون خلق العرش بعد خلق السماوات والأرض، كما يفيده قوله : ﴿ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ﴾ فيقال :إن كلمة ﴿ ثم ﴾ تدخل على خلق العرش بل على علوه على السماوات والأرض، والعرش في اللغة سرير الملك، والمراد هنا الجسم العظيم المحيط بالعالم الكائن فوق السماوات السبع، والاستواء صفة لله سبحانه معناها مباينته عن الخلق وكونه على الذات وفوق العالم، وقد تقدم الكلام عليها في سورة الأعراف وأخواتها.
قال الشوكاني رحمه الله تعالى :أعلم ان الكلام في الآيات والأحاديث الواردة في الصفات قد طالت ذيوله وتشعبت أطرافه، وتباينت فيه المذاهب وتفاوتت فيه الطرائق، وتخالفت النحل، وسبب هذا عدم وقوف المنتسبين إلى العلم حيث أوقفهم الله، ودخولهم في أبواب لم يأذن الله لهم بدخولها، ومحاولتهم لعلم شيء استأثر الله بعلمه، حتى تفرقوا فرقا وتشعبوا شعبا وصاروا أحزابا كانوا في البداية، ومحاولة الوصول إلى ما يتصورونه من العامة مختلفي المقاصد متبايني المطالب فطائفة وهي أخف هذه الطوائف المتكلفة، علم ما لم يكلفها الله سبحانه بعلمه إثما، وأقلها عقوبة وجرما وهي التي أرادت الوصول إلى الحق والوقوف على الصواب لكن سلكت في طلبه طريقة متوعرة، وصعدت في الكشف عنه إلى عقبة كؤود، لا يرجع من سلكها سالما فضلا عن أن يظفر فيها بمطلوب صحيح، ومع هذا أصلوا أصولا ظنوها حقا، فدفعوا بها آيات قرآنية، وأحاديث صحيحة نبوية واعتلوا في ذلك الدفع بشبهة واهية وحالات مختلفة.
وهؤلاء هم طائفتان الطائفة الأولى، هي الطائفة التي غلت في التنزيه فوصلت إلى حد يقشعر عنده الجلد ويضطرب له القلب، من تعطيل الصفات الثابتة، بالكتاب والسنة، ثبوتا أوضح من شمس النهار وأظهر من فلق الصباح، وظنوا هذا من صنيعهم موافقا للحق، مطابقا لما يريده الله سبحانه، فضلوا الطريق المستقيمة، وأضلوا من رام سلوكها، والطائفة الأخرى :هي الطائفة التي غلت في إثبات القدرة، غلوا بلغ إلى حد أنه لا تأثير لغيرها، ولا اعتبار بما سواها، وأفضى ذلك إلى الجبر المحض، والقسر الخالص، فلم يبق لبعثة الرسل، وإنزال الكتب، كثير فائدة، ولا يعود ذلك على عبادة بعائدة، و جاؤا بتأويلات للآيات البينات، ومحاولات لحجج الله الواضحات، فكانوا كالطائفة الأولى في الضلال والإضلال، مع أن كلا المقصدين صحيح، ووجه كل منهما صبيح، لولا ما شأنه من الغلو القبيح.
وطائفة توسطت، ورامت الجمع بين الضب والنون، وظنت أنها قد وقفت بمكان بين الإفراط والتفريط، ثم أخذت كل طائفة من هذه الطوائف الثلاث تجادل، وتناضل، وتحقق، وتدقق في زعمها، وتجول عمل الأخرى، وتصول، بما ظفرت به، مما يوافق ما ذهبت إليه، وكل حزب بما لديهم فرحون، وعند الله تلتقي الخصوم.
ومع هذا فهم متفقون فيما بينهم على أن طريق السلف أسلم، ولكن زعموا أن طريق الخلف أعلم، فكان غاية ما ظفروا به من هذه الأعلمية بطريق الخلف أن تمنى محققوهم وأذكياؤهم في آخر أمرهم دين العجائز وقالوا :هنيئا للعامة، فتدبر هذه الأعلمية التي كان حاصلها أن يهنأ من ظفر لأهل الجهل البسيط، ويتمنى أنه في عدادهم وممن تدين بدينهم ويمشي على طريقتهم، فإن هذا ينادي بأعلى صوت ويدل بأوضح دلالة على أن هذه الأعلمية التي طلبوها، الجهل خير منها بكثير، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه أن الجهل خير منه ويتمنى عند البلوغ إلى غايته والوصول إلى نهايته، أن يكون جاهلا به عاطلا عنه ففي هذا عبرة للمعتبرين وآية بينة للناظرين، فهلا عملوا على جهل هذا المعارف التي دخلوا فيها بدء ؟ وسلموا من تبعاتها، وأراحوا أنفسهم من تعبها، وقالوا كما قال القائل :
أرى الأمر يفضي إلى آخر فصير آخره أولا
وربحوا الخلوص من هذا التمني، والسلامة من هذه التهنئة للعامة، فإن العاقل لا يتمنى رتبة مثل رتبته أو دونها، ولا يهنئ لمن هو مثله أو دونه، بل لا يكون ذلك إلا لمن رتبته، أرفع من رتبته، ومكانه أعلى من مكانه، فيالله العجب، من علم يكون الجهل البسيط أعلى رتبة منه، وأفضل مقدارا بالنسبة إليه.
وهل سمع السامعون بمثل هذه الغربية، ونقل الناقلون ما يماثلها أو يشابهها، وإذا كان هذا حال هذه الطائفة التي قد عرفناك أنها أخف الطوائف تكلفا، وأقلها تبعة فما ظنك بما عداها من الطوائف، التي قد ظهر فساد مقاصدها، وتبين بطلان مواردها ومصادرها، كالطوائف التي أرادت بالمظاهر، التي تظاهرت به، كيد الإسلام وأهله، والسعي في التشكيك فيه بإيراد الشبه، وتقرير الأمور المفضية إلى القدح في الدين، وتنفير أهله عنه. وعند هذا تعلم أن :
خير الأمور والسالفات على الهدى وشر الأمور المحدثات البدائع
وأن الحق الذي لا شك فيه، ولا شبهة، هو ما كان عليه خير القرون، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، وقد كانوا رحمهم الله تعالى وأرشدنا إلى الاقتداء بهم، والاهتداء بهديهم، يمرون آيات الصفات على ظاهرها، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون، ولا يحرفون ولا يؤولون، وهذا المعلوم من أقوالهم وأفعالهم، والمتقرر من مذهبهم، لا يشك فيه شاك ولا ينكره منكر ولا يجادل فيه مجادل، وإن نزغ من بينهم نازغ أو نجم في عصرهم ناجم أوضحوا للناس أمره وبينوا لهم أنه على ضلالة، وصرحوا بذلك في المجامع والمحافل :وحذروا الناس من بدعته، كما كان منهم لما ظهر معبد الجهني وأصحابه، وقالوا :إن الأمر أنف، فتبرؤوا منه وبينوا ضلالته، وبطلان مقالته للناس فحذروه إلا من ختم الله على قلبه، وجعل على بصره غشاوة.
وهكذا كان من بعدهم، يوضح للناس بطلان أقوال أهل الضلال، ويحذرهم منها، كما فعل التابعون رحمهم الله بالجعد بن درهم، ومن قال بقوله، وانتحل نحلته الباطلة، ثم ما زالوا هكذا لا يستطيع المبتدع في الصفات أن يتظاهر ببدعته، بل يتكتمون بها كما يتكتم الزنادقة بكفرهم، وهكذا سائر المبتدعين في الدين، على اختلاف البدع، وتفاوت المقالات الباطلة.
ولكنا نقتصر ههنا على الكلام في هذه المسألة، التي ورد السؤال عنها، وهي مسألة الصفات، وما كان من المتكلمين فيها بغير الحق المتكلفين علم ما لم يأذن الله، بأن يعلموه، وبيان أن إمرار آيات الصفات على ظاهرها، هو مذهب السلف الصالح، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وأن كل من أراد من نزاغ المتكلفين، وشذاذ المحرفين، والمتأولين، أن يظهر ما يخالف المرور على ذلك الظاهر، قاموا عليه، وحذروا الناس منه، وبينوا لهم أنه على خلاف ما عليه أهل الإسلام، فصار المبتدعون في الصفات، القائلون بأقوال تخالف ما عليه السواد الأعظم من الصحابة والتابعين وتابعيهم، في خبايا وزوايا لا يتصل بهم إلا مغرور.
ولا ينخدع بزخارف أقوالهم إلا مخدوع، وهم مع ذلك على تخوف من أهل الإسلام وترقب لنزول مكروه بهم من حماة الدين من العلماء الهادين والرؤساء والسلاطين، حتى نجم ناجم المحنة وبرق بارق الشر من جهة الدولة ومن لهم في الأمر والنهي والإصدار والإيراد الأعظم صولة، وذلك في الدولة المأمونية بسبب قاضيها أحمد بن أبي دؤاد.
فعند ذلك أطلع المنكمشون في تلك الزوايا رؤوسهم، وانطلق ما كان قد خرس من ألسنتهم، وأعلنوا مذاهبهم الزائغة، وبدعهم المضلة، ودعوا الناس إليها، وجادلوا عنها، وناضلوا المخالفين، حتى اختلط المعروف بالمنكر، واشتبه على العامة الحق بالباطل، والسنة بالبدعة.
ولما قال الله سبحانه، قد تكفل فإظهار دينه على الدين كله، وحفظه عن التحريف، والتغيير، والتبديل، أوجد من علماء الكتاب والسنة في كل عصر من العصور، من يبين للناس دينهم، وينكر على أهل البدع بدعهم، فكان لهم ولله الحمد المقامات المحمودة، والمواقف المشهورة في نصر الدين، وهتك المبتدعين، وبهذا الكلام القليل الذي ذكرناه، تعرف أن مذهب السلف من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، هو إمرار أدلة الصفات على ظاهرها، من دون تحريف لها، ولا تأويل متعسف، لشيء منها، ولا جبر، ولا تشبيه، ولا تعطيل، يفضي إليه كثير من التأويلات وكانوا إذا سأل سائل عن شيء من الصفات، تلوا عليه الدليل، وامسكوا عن القال والقيل، وقالوا :قال الله هكذا ولا ندري بما سوى ذلك.
ولا نتكلف ولا نتكلم بما لم نعلمه ولا أذن الله لنا بمجاوزته فإن أراد السائل ان يظفر منهم بزيادة على الظاهر زجروه عن الخوض فيما لا يعنيه ونهوه عن طلب ما لا يمكن الوصول إليه بالوقوع في بدعة من البدع التي هي غير ما هم عليه وما حفظوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وحفظه التابعون عن الصحابة، وحفظه من بعد التابعين عن التابعين.
وكان في هذه القرون الفاضلة الكلمة في الصفات متحدة والطريقة لهم جميعا متفقة، وكان اشتغالهم بما أمرهم الله بالاشتغال به، وكلفهم القيام بفرائضه من الإيمان بالله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وإنفاق الأموال، في أنواع البر وطلب العلم النافع وإرشاد الناس إلى الخير على اختلاف أنواعه والمحافظة على موجبات الفوز بالجنة والنجاة من النار، والقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم بحسب الاستطاعة وبما تبلغ إليه القدرة ولم يشتغلوا بغير ذلك مما لم يكلفهم الله بعلمه ولا تعبدهم بالوقوف على حقيقته.
فكان الدين إذ ذاك صافيا عن كدر البدع، خالصا عن شوب قذر التمذهب، فعلى هذا النمط كان الصحابة والتابعون وتابعوهم وبهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم اهتدوا وبأفعاله وأقواله اقتدوا، فمن قال إنهم تلبسوا بشيء من هذه المذاهب الناشئة في الصفات أو غيرها فقد أعظم عليهم الفرية وليس بمقبول في ذلك، فإن تقول الأئمة المطلعين على أحوالهم العارفين بها الآخذين لها عن الثقات الأثبات ترد عليه وعليهم وتدفع في وجهه.
يعلم ذلك كل من له علم، ويعرفه كل عارف، فاشدد يديك على هذا واعلم انه مذهب خير القرون ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ودع عنك ما حدث من تلك التمذهبات في الصفات، وأرح نفسك من تلك العبارات التي جاء بها المتكلمون واصطلحوا عليها وجعلوها أصلا يرد إليه كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فإن وافقاها فقد وافقا الأصول المقررة في زعمهم، وإن خالفاها فقد خالفا الأصول المقررة في زعمهم، ويجعلون المرافق لها من قسم المقبول والمحكم، والمخالف لها م
ثم أخبر سبحانه عنهم بأنهم جهلوا معنى الرحمن فقال :
﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ؟ ﴾ قال المفسرون :إنهم قالوا :ما نعرف الرحمن، إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة قال الزجاج :الرحمن اسم من أسماء الله فلما سمعوه أنكروا فقالوا :وما الرحمن ؟ ﴿ أَنَسْجُدُ ﴾ الاستفهام للإنكار أي :لا نسجد ﴿ لِمَا تَأْمُرُنَا ﴾ أي للرحمن الذي تأمرنا بالسجود له، ومن قرأ بالتحتية فالمعنى أنسجد لما يأمرنا محمد، بالسجود له. قيل هذه السجدة من عزائم السجود فيسن للقارئ والمستمع أن يسجد عند سماعها وقراءتها.
﴿ وَزَادَهُمْ ﴾ الأمر بالسجود ﴿ نُفُورًا ﴾ عن الدين وبعدا عنه، وقيل :زادهم ذكر الرحمن تباعدا من الإيمان، كذا قال مقاتل. والأول أولى،
ثم ذكر سبحانه ما لو تفكروا فيه لعرفوا وجوب السجود للرحمن، فقال :
﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاء بُرُوجًا ﴾ المراد بها، بروج النجوم السبعة السيارة، أي منازلهم، ومحالها الإثنا عشر، التي تسير فيها، وقال الحسن، وقتادة، ومجاهد :هي النجوم الكبار، سميت بروجا لظهورها، والأول أولى وأصل البروج :القصور العالية، لأنها للكواكب كالمنازل الرفيعة لمن يسكنها، واشتقاق البروج من التبرج، وهو الظهور. وقال الزجاج :إن البرج كل مرتفع، فلا حاجة إلى التشبه، أو النقل، قال ابن عباس في الآية :هي هذه الإثنا عشر برجا، أولها الحمل، ويسمى الكبش، ثم الثور، ثم الجوزاء، ثم السرطان، ثم الأسد، ويسمى الليث، ثم السنبلة، ثم الميزان، ثم العقرب، ثم القوس، ثم الجدي، ثم الدلو، ويسمى بالدالي ثم الحوت وقد نظمها بعضهم وفي قوله :
حمل الثور جوزة السرطان ورعى الليث سنبل الميزان
ورمى عقرب بقوس لجدي نزح الدلو بركة الحيتان
وهي منازل الكواكب السيارة السبعة، المريخ وله الحمل، والعقرب، والزهرة ولها الثور، والميزان وعطارد، وله الجوزاء، والسنبلة والقمر، وله السرطان، والشمس ولها الأسد، والمشتري وله القوس، والحوت وزحل وله الجدي والدلو قاله المحلى. وقد نظم بعضهم هذه السبعة بقوله :
زحل شرى مريخه من شمسه فتزاهرت لعطارد الأقمار
فزحل نجم في السماء السابعة، والمشتري نجم في السماء السادسة والمريخ١ نجم في السماء الخامسة، والشمس في الرابعة والزهرة في الثالثة، وعطارد في الثانية والقمر في الأولى والحاصل :أن خمسة من الكواكب السبعة أخذت عشرة بروج كل واحد أخذ اثنين وأن اثنين من السبعة وهما الشمس والقمر كل واحد منهما أخذ واحدا من البروج المذكورة.
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ( ٦٢ ) وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ( ٦٣ ) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا ( ٦٤ ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ( ٦٥ ) إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( ٦٦ ) وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ( ٦٧ ) ﴾.
﴿ وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا ﴾ أي شمسا ومثله قوله ﴿ وجعل الشمس سراجا ﴾ وقرئ سرجا بالجمع أي النجوم العظام الوقادة ورجح الأولى أبو عبيدة وقال الزجاج في تأويل الثانية :أراد الشمس والكواكب ﴿ وَقَمَرًا مُّنِيرًا ﴾ أي ينير الأرض إذا طلع، وقرئ قمرا بضم القاف وإسكان الميم، وهي قراءة ضعيفة شاذة وخص القمر بالذكر لنوع فضيلة عند العرب لأنها تبني السنة على الشهور القمرية.
١ لقد ثبت علميا بالحس المفيد للقطع بواسطة المجاهر والمقاييس والآلات الرياضية أن المريخ أقرب الكواكب إلى الأرض وهو بنص القرآن في سماء الدنيا وهذه الكواكب التي ذكرها المصنف كلها في سماء الدنيا كما قال الله تعالى: ﴿ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح﴾ ولا يعارض القرآن العلم فالعلم مؤيد للقرآن ومثبت لإعجازه والله أعلم. المطيعي..
﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً ﴾ قال أبو عبيدة :الخلفة كل شيء بعد شيء الليل خلفة للنهار، والنهار خلفة الليل، لأن أحدهما يخلف الآخر، ويأتي بعده، ومنه خلفة النبات، وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصيف. قال الفراء :يقول :يذهب هذا، ويجيء هذا، وقال مجاهد وابن عباس :خلفة من الخلاف، هذا أبيض وهذا اسود والأول أقوى. وقيل :يتعاقبان في الضياء والظلام، والزيادة والنقصان. وقيل :هو من باب حذف المضاف أي :جعل الليل والنهار ذوي خلفة أي :اختلاف. قال ابن عباس وعمر والحسن :يقول من فاته شيء من الخير بالليل أن يعلمه أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه الليل.
وعن الحسن أن عمر أطال صلاة الضحى، فقيل له :صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه ؟ فقال :إنه بقي علي من وردي شيء فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه، وتلا هذه الآية : ﴿ لمن أراد أن يذكر ﴾ مشددا من التذكر لله وقرئ مخففا من الذكر له.
والمعنى أن المتذكر المعتبر إذا نظر في اختلاف الليل والنهار علم أنه لا بد في إنقالهما من حال إلى حال من ناقل. وقيل :المعنى يتذكر، فيعلم أن الله لم يجعلهما كذلك عبثا فيعتبر في مصنوعات الله ويشكره سبحانه على نعمه عليه في العقل، والفكر والفهم. قال الفراء :يذكر ويتذكر يأتيان بمعنى واحد قال الله تعالى : ﴿ واذكروا ما فيه ﴾ وفي حرف عبد الله :ويذكروا ما فيه ﴿ أو أراد شكورا ﴾ أي :أراد أن يشكر الله على ما أودعه في الليل والنهار، من النعم العظيمة والألطاف الكثيرة و ﴿ أو ﴾ للتقسيم والتنويع وهي مانعة خلو فتجوز الجمع.
﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا ﴾ هذا كلام مستأنف مسوق لبيان أوصاف صالحي عباد الله سبحانه وأحوالهم الدنيوية والأخروية بعد بيان حال المنافقين قيل :هذه الإضافة للتخصيص والتشريف والتفضيل وإلا فالخلق كلهم عباد الله. وهونا مصدر وهو السكينة والتواضع والوقار. وقد ذهب جماعة من المفسرين إلى أن الهون متعلق ب ﴿ يمشون ﴾ أي مشيا هونا، قال ابن عطية :ويشبه أن يتأول هدأ على أن يكون أخلاق ذلك الماشي هونا مناسبة لمشيه. وأما ان يكون المراد صفة المشي وحده فباطل لأنه رب ماش هونا رويدا وهو ذئب أطلس.
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يتكفأ في مشيه كأنما يمشي في صبب، قال ابن عباس في الآية :هم المؤمنون الذين يمشون على الأرض هونا. أي بالطاعة والعفاف والتواضع، وقال أيضا :هونا، أي :علما وحلما، والمعنى :يمشون بالسكينة والوقار، متواضعين غير أشرين، ولا مرحين ولا متكبرين، بل علماء حكماء، أصحاب وقار وعفة، ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله :ويمشي في الأسواق.
﴿ وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴾ ذكر سبحانه أنهم يتحملون ما يرد عليهم من أذى أهل الجهل والسفه، فلا يجهلون من يجهل، ولا يشافهون أهل السفه. قال النحاس :ليس هذا السلام من التسليم إنما هو من التسلم، تقول العرب :سلاما، أي تسلما منك، أي :براءة منك، يعني قالوا :سلمنا سلاما، وهذا على قول سيبويه، أو مفعول به، أي قالوا :هذا اللفظ ورجحه ابن عطية، وقال مجاهد معنى :سلاما سدادا، أي يقولون للجاهل، كلاما يدفعه به برفق ولين، قال سيبويه :لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، لكنه على معنى قوله :تسلما منكم ومتاركة، ولا خير ولا شر. بيننا وبينكم، قال المبرد :كان ينبغي أن يقال لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم، ثم أمروا بحربهم.
وقال محمد بن يزيد المبرد :أخطأ سيبويه في هذا، وأساء العبارة. قال النحاس ولا نعلم لسيبويه كلاما في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، لأنه قال في آخر كلامه :فنسختها آية السيف :وأقول هكذا يكون كلام الرجل إذا تكلم في غير علمه، ومشى في غير طريقته، ولم يؤمر المسلمون بالسلام على المشركين، ولا نهوا عنه، بل أمروا بالصفح، والهجر الجميل، فلا حاجة إلى دعوى النسخ، وفي الخطيب عن أبي العالية نسختها آية القتال. ولا حاجة إلى إدعاء النسخ بها ولا غيرها، لأن الإغضاء عن السفهاء، وترك المقابلة، مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة، وأسلم للعرض والورع.
وقال ابن العربي :لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين، ولا نهوا عن ذلك بل أمروا بالصفح والهجر الجميل. وقد كان عليه الصلاة والسلام يقف على أنديتهم ويحييهم، ويدانيهم ولا يداهنهم. قال النضر بن شميل حدثني الخليل قال :أتيت أبا ربيعة الأعرابي، وكان من اعلم من رأيت فإذا هو على سطح، فسلمنا، فرد علينا السلام، وقال لنا ! استووا فبقينا متحيرين، ولم ندر ما قال فقال لنا أعرابي إلى جنبه أمركم أن ترتفعوا. فقال الخليل :هو من قول الله ثم استوى إلى السماء فصعدنا إليه فقال :هل لكم في خبز فطير، ولبن هجير ؟ فقلنا :الساعة فارقناه، فقال :سلاما فلم ندر ما قال فقال الإعرابي :إنه سالمكم متاركة لا خير فيها، ولا شر. قال الخليل :هو من قول الله عز وجل ﴿ وإذا خاطبهم الجاهلون، قالوا سلاما ﴾. قال الحسن :هذا وصف نهارهم،
ثم وصف ليلهم بقوله :
﴿ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا ﴾ على وجوههم ﴿ وَقِيَامًا ﴾ على أقدامهم بيان لحالهم في معاملة الخالق بعد بيان حالهم في معاملة الخلق، وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل أحمص، وأبعد عن الرياء، وتأخير القيام للفاصلة والبيتوتة، هي أن يدركك الليل، نمت أم لم تنم قال الزجاج :من أدركه الليل فقد بات، نام أو لم ينم، كما يقال بات فلان قلقا، قال النسفي :والظاهر أنه وصفهم بإحياء الليل أو أكثره.
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا ﴾ أي لزوما كليا في حق الكفار. ولزوما بعده إطلاق إلى الجنة في الجنة في حق عصاة المؤمنين، أي هم مع طاعتهم، وحسن معاملتهم لخالقهم، وخلقه، لا يؤمنون مكر الله، بل هم مشفقون، وجلون، خائفون من عذابه، والغرام الشر اللازم الدائم قاله ابن زيد كما ورد مرفوعا إليه صلى الله عليه وآله وسلم، ومنه سمي الغريم لملازمته، ويقال فلان مغرم بكذا، أي ملازم له، مولع به هذا معناه في كلام العرب، كما ذكره ابن الأعرابي، وابن عرفة، وغيرهما. وقال الزجاج :الغرام أشد العذاب، وقال أبو عبيدة :هو الهلاك الدائم.
﴿ إنَّهَا سَاءتْ ﴾ تعليل لما قبلها، أي بئست جهنم، أو أحزنت أصحابها وداخلها ﴿ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ﴾ المراد بهما جهنم، فلذلك جاز تأنيث فعله قيل هما مترادفان وإنما عطف أحدهما على الآخر لاختلاف لفظهما. وقيل بل هما مختلفان معنى، فالمستقر للعصاة، فإنهم يخرجون، والمقام للكفار فإنهم يخلدون، والمخصوص بالذم محذوف، أي هي، ويجوز أن يكون هذا من كلام الله سبحانه، ويجوز ان يكون حكاية لكلامهم،
ثم وصفهم سبحانه بالتوسط في الإنفاق فقال :
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا ﴾ على عيالهم ﴿ لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا ﴾ بفتح التحتية وضم الفوقية من قتر يقتر كقعد يقعد وقرئ بفتح التحتية وكسر التاء، وهي لغة معروفة حسنة، وقرئ بضم التحتية وكسر الفوقية، قال أبو عبيدة :يقال قتر الرجل على عياله، يقتر ويقتر قترا، وأقتر يقتر إقتارا. ومعنى الجميع التضييف في الإنفاق. قال النحاس :من أحسن ما قيل في معنى الآية إن من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف، ومن أمسك عن طاعة الله فهو الإقتار، ومن أنفق في طاعة الله فهو القوام، وقال إبراهيم النخعي :هو الذي لا يجيع، ولا يعرى، ولا ينفق نفقة تقول الناس قد أسرف.
وقال يزيد بن حبيب :أولئك أصحاب محمد، كانوا لا يأكلون طعاما للتنعم واللذة، ولا يلبسون ثوبا للجمال، ولكن كانوا يريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة الله، ومن اللباس ما يستر عوراتهم ويقيهم الحر والبرد. وقال أبو عبيدة :لم يزيدوا على المعروف ولم يبخلوا، كقوله ﴿ ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ﴾. قال ابن عباس :هم المؤمنون لا يسرفون فينفقوا في معصية الله ولا يقترون فيمنعوا حقوق الله قال عمر بن الخطاب :كفى سرفا أن لا يشتهي شيئا إلا اشتراه وأكله. وقيل الإسراف مجاوزة الحد في الإنفاق حتى يدخل في حد التبذير، والإقتار التقصير عما لا بد منه.
﴿ وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا ﴾ بفتح القاف وقرئ بكسرها فقيل هما بمعنى، وقيل القوام بالكسر ما يدوم عليه الشيء، ويستقر بالفتح العدل والاستقامة، قاله ثعلب، قيل بالفتح بين الشيئين، وبالكسر ما يقال به الشيء لا يفضل عنه ولا ينقص. وقيل بالكسر السداد، والمبلغ واسم كان مقدر فيها، وخبرها قواما قاله الفراء، أي كان إنفاقهم قصدا وسطا بين الإسراف والإقتار، وحسنة بين السيئتين، وروي عن الفراء قول آخر، وهو ان اسم كان ﴿ بين ذلك ﴾ وتبنى ﴿ بين ﴾ على الفتح لأنها من الظروف المفتوحة وقال النحاس :ما أدري ما وجه هذا لأن ﴿ بين ﴾ إذا كانت في موضع رفع رفعت.
﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ( ٦٨ ) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ( ٦٩ ) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ( ٧٠ ) وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ( ٧١ ) وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ( ٧٢ ) ﴾.
﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ ﴾ لما فرغ من ذكر إتيانهم بالطاعات شرع في بيان اجتنابهم للمعاصي، والمعنى لا يدعون معه ربا من الأرباب، ولا يشركون به شيئا بل يوحدونه، ويخلصون له العبادة والدعوة.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود قال سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أي :الذنب أكبر ؟ قال :" أن تجعل لله ندا وهو خلقك " قلت :ثم أي قال :" أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك " قلت :ثم أي قال :" أن تزاني بحليلة جارك " فأنزل الله تصديق ذلك والذين لا يدعون مع الله الآية. ١
وأخرج الشيخان وغيرهما أيضا عن ابن عباس، أن ناسا من أهل الشرك قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فاكثروا، ثم أتوا محمدا صلى الله عليه وسلم، فقالوا :إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت : ﴿ وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ ﴾ الآية ونزلت : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ الآية. ٢
﴿ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ ﴾ قتلها بسبب من الأسباب ﴿ إِلَّا بِالْحَقِّ ﴾ أي بسبب الحق المزيل لحرمتها وعصمتها، أي بما يحق أن تقتل به النفوس، من كفر بعد إيمان أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس ﴿ وَلَا يَزْنُونَ ﴾ أي لا يستحلون الفروج المحرمة بغير نكاح ولا ملك يمين.
﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ﴾ أي شيئا مما ذكر ﴿ يَلْقَ أَثَامًا ﴾ هو في كلام العرب العقاب، قال الفراء :آثمنه الله يوثمه آثاما وأثاما، أي جازاه جزاء الإثم فهو مأثوم، أي مجزى جزاء الإثم. وقال عبد الله بن عمر وعكرمة ومجاهد :إن أثاما واد في جهنم جعله الله عقابا للكفرة وقال السدي :جبل فيها. وقرئ يلق بضم الياء وتشديد القاف، قال أبو مسلم :الأثام والإثم واحد. والمراد هنا جزاء الآثام. فأطلق اسم الشيء على جزائه، وقرأ الحسن أياما جمع يوم يعني شدائد، والعرب تعبر عن ذلك بالأيام، وما أظن هذه القراءة تصح عنه.
١ مسلم ٨٦ – البخاري ١٩٦٢.
٢ مسلم ٨٦ – البخاري ١٩٦٢.
﴿ يضاعف ﴾ وقرئ يضعف بالتشديد، وكل من القراءتين يجيء مع جزم الفعل، ورفعه فالقراآت أربع وكلها سبعية، وقرئ نضعف بضم النون، وكسر العين المشددة والجزم.
﴿ له العذاب يوم القيامة ﴾ سبب المضاعفة أن المشرك إذا ارتكب المعاصي مع الشرك، يضاعف له العذاب على شركه ومعصيته ﴿ وَيَخْلُدْ ﴾ وقرئ بالفوقية، خطابا للكافر، وقرئ يخلد بضم الياء وفتح اللام، قال أبو علي الفارسي :وهي غلط من جهة الرواية وضمير ﴿ فِيهِ ﴾ راجع إلى العذاب المضاعف، وقرئ فيها بالإشباع مبالغة في الوعيد، والعرب تمد للمبالغة، مع أن الأصل في هاء الكناية الإشباع، ﴿ مُهَانًا ﴾ ذليلا حقيرا جامعا للعذاب الجسماني والروحاني. قال ابن عباس :قرأناها على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سنين ثم نزلت.
﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا ﴾ فما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بشيء قط فرحه بها، وفرحه ب ﴿ إنا فتحنا لك فتحا مبينا ﴾. قيل والاستثناء متصل من الضمير المستتر في يلق، أي إلا من تاب، فلا يلق أثاما بل يزاد له في الإكرام بتبديل سيئاته حسنات. وقيل منقطع. قال أبو حيان :لا يظهر الاتصال لأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب، فيصير التقدير إلا من تاب وآمن وعمل صالحا. فلا يضاعف له العذاب. ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف، قال :والأولى عندي أن يكون منقطعا، أي لكن من تاب. قال القرطبي :لا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عام في الكافر، والزاني. واختلفوا في القاتل من المسلمين وقد تقدم بيانه في المائدة.
والإشارة بقوله ﴿ فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ ﴾ إلى المذكورين سابقا، ومعنى تبديلها حسنات أنه يمحو عنهم سوابق المعاصي بالتوبة، ويثبت لهم مكانها لأحق الطاعات. قال النحاس :من أحسن ما قيل في ذلك أنه يكتب موضع كافر مؤمن وموضع عاص مطيع. قال الحسن :قوم يقولون هذا التبديل في الآخرة وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا، يبدل الله لهم إيمانا مكان الشرك، وإخلاصا مكان الشك، وإحصانا مكان الفجور، وقتل المشرك مكان المؤمن. قال الزجاج :ليس يجعل مكان السيئة الحسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة، والحسنة مع التوبة، وقيل إن السيئات تبدل الحسنات، وبه قال جماعة من الصحابة، ومن بعدهم.
وقيل تبدل ملكة المعصية ودواعيها في النفس، بملكة الطاعة بان يزيل الأولى ويأتي بالثانية مكانها. وقيل التبديل عبارة عن الغفران، إي يغفر الله لهم تلك السيئات، لا أنه يبدلها حسنات. قلت ولا يبعد في كرم الله تعالى إذا صحت توبة العبد، ان يضع مكان كل سيئة حسنة، وقد قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ :" وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن " ١ وقال ابن عباس :أبدلهم الله بالكفر الإسلام، وبالمعصية الطاعة، وبالإنكار المعرفة، وبالجهالة العلم. وعنه قال :هم المؤمنون كانوا من قبل إيمانهم على السيئات فرغب الله بهم عن ذلك فحولهم إلى الحسنات فأبدلهم مكان السيئات الحسنات.
وأخرج أحمد وهناد والترمذي وابن جرير والبيهقي عن أبي ذر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيقال :اعرضوا عليه صغار ذنوبه، فيعرض عليه صغارها، وينحى عنه كبارها، فيقال :علمت كذا وكذا وهو يقر ليس ينكر، وهو مشفق من الكبائر أن تجيء فيقال أعطوه بكل سيئة عملها حسنة ) ٢ والأحاديث في تكفير السيئات وتبديلها بالحسنات كثيرة. ﴿ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ﴾ مقررة لما قبلها من التبديل، وتكفير السيئات بالحسنات، أي لم يزل متصفا بذلك.
١ الترمذي كتاب البر باب ٥٥ ـ الإمام أحمد ٥/١٥٣ ـ ٥/١٥٨..
٢ الإمام أحمد ٥/١٥٧ ـ مسلم ١٩٠ بلفظ آخر..
﴿ وَمَن تَابَ ﴾ عن المعاصي بتركها، والندم عليها ﴿ وَعَمِلَ صَالِحًا ﴾ يلافي به ما فرط ﴿ فَإِنَّهُ يَتُوبُ ﴾ يرجع ﴿ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا ﴾ رجوعا صحيحا، مرضيا، قويا عند الله، ماحيا للعقاب، محصلا للثواب، أو متابا إلى الله الذي يحب التائبين، ويحسن إليهم أو فإنه يرجع إلى الله. وإلى ثوابه مرجعا حسنا، وهذا تعميم بعد تخصيص. قال القفال :يحتمل أن تكون الآية الأولى فيمن تاب من المشركين، ولهذا قال ﴿ إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ ﴾ ثم عطف عليه، ومن تاب من المسلمين وأتبع توبته عملا صالحا فله حكم التائبين أيضا.
وقيل أي من تاب بلسانه ولم يحقق التوبة بفعله، فليست تلك التوبة نافعة بل من تاب وعمل صالحا فحقق توبته بالأعمال الصالحة فهو الذي تاب إلى الله متابا، أي تاب حق التوبة، وهي النصوح، ولذلك أكد بالمصدر ومعنى الآية من أراد التوبة وعزم عليها فليتب إلى الله فالخبر في معنى الأمر كذا، قيل :لئلا يتحد الشرط والجزاء، فإنه لا يقال من تاب فإنه يتوب، وقيل :المعنى من تاب من الشرك وأدى الفرائض، ممن لم يقتل ولم يزن فإنه يعود إلى الله بعد الموت حسنا، يفضل على غيره، ممن قتل وزنا، فالتوبة الأولى رجوع عن الشرك، والثانية رجوع إلى الله، للجزاء والمكافأة. والأول أولى.
ثم وصف سبحانه هؤلاء التائبين العاملين للصالحات فقال :
﴿ وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ ﴾ أي لا يقيمون الشهادة الكاذبة أو لا يحضرون الزور، وهو الكذب والباطل، ولا يشاهدونه، وإلى الثاني ذهب جمهور المفسرين قال الزجاج :الزور في اللغة الكذب، ولا كذب فوق الشرك بالله، قال الواحدي :أكثر المفسرين على أن الزور ههنا بمعنى الشرك والحاصل أن ﴿ يشهدون ﴾ إن كان من الشهادة ففي الكلام مضاف محذوف، أي لا يشهدون شهادة الزور وإن كان من الشهود والحضور كما ذهب إليه الجمهور فقد اختلفوا في معناه، فقال قتادة :لا يساعدون أهل الباطل على باطلهم وقال محمد بن الحنفية :لا يحضرون اللهو والغناء.
وقال ابن جريح :الكذب، وعن مجاهد أيضا. وقيل ينفرون عن محاضر الكذابين، ومجالس الخطائين، فلا يقربونها تنزها عن مخالطة الشر، وأهله، وقيل أعياد المشركين، وقيل النوح، والأولى عدم التخصيص بنوع دون نوع من أنواع الزور بل المراد الذين لا يحضرون ما يصدق عليه اسم الزور كائنا ما كان، وعن ابن عباس قال :إن الزور كان صنما بالمدينة يلعبون حوله كل سبعة أيام.
﴿ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ ﴾ على سبيل الاتفاق من غير قصد ﴿ مَرُّوا كِرَامًا ﴾ أي معرضين عنه، غير ملتفتين إليه، مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه، والخوض فيه. ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش، والصفح عن الذنوب، والكناية عما يستهجن التصريح به قال ابن عباس :كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه آله وسلم إذا مروا به، يعني الصنم المذكور، مروا كراما، لا ينظرون إليه، كقوله ﴿ وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ﴾.
وقال الباقر :إذا ذكروا الفروج كنوا عنها. وقيل الشتم، والأذى ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا ( ٧٣ ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ( ٧٤ ) أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ( ٧٥ ) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا ( ٧٦ ) قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ( ٧٧ ) ﴾
واللغو، كل ساقط، من قول أو فعل. قال الحسن :اللغو المعاصي كلها، وقيل المراد مروا بذوي اللغو، يقال فلان يكرم عما يشينه، أي بتنزه، ويكرم نفسه، عن الدخول في اللغو، والاختلاط بأهله.
﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ ﴾ أي بالقرآن أو بما فيه من موعظة وعبرة ﴿ لَمْ يَخِرُّوا ﴾ أي لم يسقطوا، ولم يقعوا ﴿ عَلَيْهَا ﴾ حال كونهم ﴿ صُمًّا وَعُمْيَانًا ﴾ ولكنهم أكبوا عليها سامعين، مبصرين، بآذان واعية، وعيون راعية، وانتفعوا بها. قال ابن قتيبة :المعنى لم يتغافلوا عنها، كأنهم صم لم يسمعوها، وعمي لم يبصروها قال ابن جرير :ليس ثم خرور، بل كما يقال قعد يبكي، وإن كان غير قاعد. قال ابن عطية :كأن المستمع للذكر قائم، فإذا أعرض عنه كان ذلك خرورا، وهو السقوط على غير نظام :قيل المعنى إذا تليت عليهم آيات الله، وجلت قلوبهم، فخروا سجدا وبكيا، ولم يخروا عليهما صما وعميانا. قال الفراء بأي لم يقعدوا على حالهم الأول، كأن لم يسمعوا قال في الكشاف :ليس بنفي للخرور. وإنما هو إثبات له ونفي للصمم والعمى، وأراد أن النفي متوجه إلى القيد لا إلى المقيد.
﴿ وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا ﴾ من ابتدائية، أو بيانية، قاله الزمخشري ﴿ وَذُرِّيَّاتِنَا ﴾ قرئ بالجمع، وبالإفراد، وهما سبعيتان، والذرية تقع على الجمع، كما في قوله ﴿ ذرية ضعافا ﴾ وتقع على الفرد كما في قوله ذرية طيبة.
﴿ قُرَّةَ أَعْيُنٍ ﴾ يقال :قرت عينه قرة. قال الزجاج :يقال أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما تحبه وقال المفضل :في قرة العين ثلاثة أقوال، أحدها برد دمعها لأنه دليل السرور والضحك، كما أن حره دليل الحزن والغم، والثاني نومها، لأنه يكون مع فراغ الخاطر وذهاب الحزن، والثالث حصول الرضا قال ابن عباس :يعنون من يعمل بالطاعة فتقر به أعيننا في الدنيا والآخرة فإنه ليس شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله عز وجل، فيطمع ان يحلوا معه في الجنة، فيتم سروره، وتقر عينه بذلك.
﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ أي قدوة يقتدي بنا في الخير وإقامة مراسم الدين بإفاضة العلم والتوفيق للعمل الصالح. وإنما قال إماما ولم يقل أئمة لأنه أريد الجنس، كقوله ﴿ ثم يخرجكم طفلا ﴾ قال الفراء :قال إماما، ولم يقل أئمة كما للاثنين ﴿ إنا رسول رب العالمين ﴾ يعني أنه من الواحد الذي أريد به الجمع وقال الأخفش :الإمام جمع أم من أم يؤم جمع على فعال نحو صاحب وصحاب وقائم وقيام، وقيل إن إماما مصدر، يقال أم فلان فلانا إماما مثل الصيام والقيام، وقيل أرادوا اجعل كل واحد منا إماما، وقيل أرادوا اجعلنا إماما واحدا، لاتحاد كلمتنا واتفاق طريقتنا وقيل :إنه من الكلام المقلوب وأن المعنى واجعل المتقين لنا إماما. وبه قال مجاهد.
وقيل :إن هذا الدعاء صادر عنهم بطريق الانفراد وإن عبارة كل واحد منهم عند الدعاء واجعلني للمتقين إماما ولكنها حكيت عبارات القوم بصيغة المتكلم، مع الغير لقصد الإيجاز، كقوله : ﴿ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا ﴾، وفي هذا إبقاء إماما على حاله قال القفال :وعندي أن الإمام إذا ذهب به مذهب الاسم وحد كأنه قيل اجعلنا حجة للمتقين. ومثله البينة، يقال هؤلاء بينة فلان، قال الحنفاوي :ولفظ إمام يستوي فيه الجمع وغيره، فالمطابقة حاصلة.
قال النيسابوري :قيل في الآية دلالة على أن الرياسة الدينية مما يجب أن تطلب ويرغب فيها والأقرب أنهم سألوا الله أن يبلغهم في الطاعة المبلغ الذي يشار إليهم ويقتدي بهم وقال ابن عباس في الآية :أئمة هدى يهتدي بنا ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال لأهل السعادة ﴿ وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا ﴾ ولأهل الشقاوة ﴿ وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ﴾.
﴿ أُوْلَئِكَ ﴾ إشارة إلى المتصفين بتلك الصفات المفصلة في حيز الموصولات الثمانية من حيث اتصافهم بها وفيه دليل على أنهم متميزون بذلك أكمل تميز ومنتظمون في سلك الأمور المشاهدة وهو مبتدأ وخبره ما بعده والجملة مستأنفة وقيل ذلك ﴿ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ ﴾ أي الدرجة الرفيعة وهي أعلى منازل الجنة وأفضلها كما أن الغرفة أعلى مساكن الدنيا، وهي في الأصل كل بناء مرتفع والجمع غرف، وقال الضحاك :الغرفة الجنة أي يجزون الجنة، ووحد الغرفة لدلالتها على الجنس دليله قوله ﴿ وهم في الغرفات آمنون ﴾.
وعن سهل بن سعد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال :" الغرفة من ياقوته حمراء وزبرجدة خضراء ودرة بيضاء ليس فيها فصم ولا وصم١ " أخرجه الحكيم الترمذي ﴿ بِمَا صَبَرُوا ﴾ أي بسبب صبرهم على مشاق التكليفات والطاعات ورفض الأهواء والشهوات وتحمل المجاهدات.
﴿ وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا ﴾ بضم الياء مشددا، واختاره أبو عبيد، أي :يعطون، لقوله : ﴿ ولقاهم نضرة وسرورا ﴾ وقرئ يلقون بفتح الياء مخففا، واختاره الفراء، ومعناه يجدون، ويصادفون، قال :لأن العرب تقول فلان يلقى بالسلام والتحية، والخير، وقلما يقولون يلقي، والمعنى أنه يحيي بعضهم بعضا، ويرسل إليهم الرب سبحانه بالسلام وقيل التحية البقاء الدائم، والملك العظيم وقيل هي بمعنى السلام، وقيل إن الملائكة تحييهم، وتسلم عليهم، والظاهر ان هذه التحية والسلام هي من الله سبحانه لهم ومن ذلك قوله سبحانه تحيتهم يوم يلقونه سلام. وقيل معنى التحية الدعاء لهم بطول الحياة والتعمير ومعنى السلام الدعاء لهم بالسلامة من الآفات وقيل المراد بالتحية إكرام الله تعالى لهم بالهدايا والتحف، وبالسلام سلامه عليهم بالقول.
١ ضعيف الجامع الصغير ٣٩٢٩..
﴿ خَالِدِينَ ﴾ أي مقيمين ﴿ فِيهَا ﴾ من غير موت ولا خروج ﴿ حَسُنَتْ ﴾ الغرفة ﴿ مُسْتَقَرًّا ﴾ أي موضع قرار يستقرون فيه ﴿ وَمُقَامًا ﴾ يقيمون فيه، وهذا في مقابل ما تقدم من قوله ساءت مستقرا ومقاما
﴿ قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي ﴾ بين سبحانه أنه غني عن طاعة الكل، وإنما كلفهم لينتفعوا بالتكليف، يقال ما عبأت بفلان، أي ما باليت به ولا له عندي قدر وأصل يعبأ من العبء، وهو الثقل. قال الخليل :ما أعبأ بفلان أي ما أصنع به كأنه يستقله ويستحقره، ويدعي أن وجوده وعدمه سواء، وكذا قال أبو عبيدة.
قال الزجاج :ما يعبأ بكم ربي، يريد أي وزن يكون لكم عنده، أو ما يصنع بكم، أو بعذابكم والعبء الثقل و ﴿ ما ﴾ استفهامية أو نافية، وصرح الفراء بإنها استفهامية قال ابن الشجري :وحقيقة القول عندي أن موضع ﴿ ما ﴾ نصب، والتقدير :أي عبء يعبأ بكم ؟ أي أيّ مبالاة يبالي بكم ؟ وأي اعتداد يعتد بكم ؟.
﴿ لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ ﴾ أي لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه، وعلى هذا فالمصدر الذي هو الدعاء مضاف إلى مفعوله، وهو اختيار الفراء، وفاعله محذوف، ، وجواب لولا محذوف تقديره لولا دعاؤكم لم يعبأ بكم ويؤيد هذا قوله ﴿ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ والخطاب لجميع الناس وعن ابن عباس في الآية قال :يقول لولا إيمانكم فأخبر الله سبحانه أنه لا حاجة له بهم إذ لم يخلقهم مؤمنين، ولو كانت له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين وقيل إن المصدر مضاف إلى الفاعل أي لولا استغاثتكم إليه في الشدائد.
وقيل المعنى ما يعبأ بكم أي بمغفرة ذنوبكم لولا دعاؤكم الآلهة معه، وممن قال إن الدعاء مضاف إلى الفاعل القتيبي والفارسي، قالا والأصل لولا دعاؤكم آلهة من دونه، وجواب لولا محذوف أي لولا دعاؤكم لم يعذبكم، قال أبو السعود :أمر رسوله بأن يبين للناس أن الفائزين بتلك النعماء الجليلة التي يتنافس فيها المتنافسون إنما نالوها بما عدد من محاسنهم، ولولاها لم يعتد بهم أصلا، يعني إنما اكترث بأولئك وعبأ بهم وأعلى ذكرهم لأجل عبادتهم وحدها لا لمعنى آخر، ولولا عبادتهم لم يكترث بهم البتة ولم يعتد بهم ولم يكونوا عنده شيئا يبالي به قاله الزمخشري.
ثم خصّ الكفار منهم فقال ﴿ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ ﴾ وقرأ ابن الزبير فقد كذب الكافرون وبه قرأ ابن عباس وابن مسعود كما حكاه ابن جني وفي هذه القراءة دليل بين على أن الخطاب لجميع الناس ويكون معنى فقد كذبتم على الأول فقد كذبتم ما دعيتم إليه وعلى الوجه الثاني فقد كذبتم بالتوحيد، ثم قال سبحانه ﴿ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ﴾ أي يكون جزاء التكليف لازما لكم، وجمهور المفسرين على أن المراد باللزام هنا ما لزم المشركين يوم بدر، وبه قال ابن مسعود وقالت طائفة هو عذاب الآخرة، قال أبو عبيد :لزاما فيصلا بينكم وبين المؤمنين، وقال الزجاج :يكون تكذيبكم لزاما يلزمكم فلا تعطون التوبة، وجمهور القراء على كسرة اللام من لزاما قال ابن جرير :لزاما عذابا دائما وهلاكا مفنيا يلحق بعضكم بعضا، وقرأ أبو السماك لزاما بفتح اللام قال أبو جعفر :يكون مصدر لزم والكسر أولى قال ابن عباس :لزاما موتا وقيل وبالا.
وفي الصحيحين عنه قال :" قد مضين " أي خمس علامات دالات١ على قيام الساعة الدخان والقمر والروم والبطشة واللزام.
١ مسلم ٢٧٩٨ ـ البخاري ٥٧٠..
السورة التالية
Icon