0:00
0:00

بسم الله الرحمن الرحيم

١ - ﴿تَبَارَكَ﴾ قال ابن عباس: تعالى عما قال القائلون. وروي عنه: جاء بكل بركة (١).
وقال الفراء: البركة والتقدس: العظمة، وهما سواء، وهو كقولك: تقدس ربنا (٢). وذكرنا الكلام في ﴿تَبَارَكَ﴾ في سورة: الأعراف (٣).
= والحديث هو: عن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من قرأ سورة: الفرقان؛ يبعث يوم القيامة وهو مؤمن أن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، ودخل الجنة بغير حساب. وهو حديث موضوع، قال ابن الجوزي: وقد فرق هذا الحديث أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره فذكر عند كل سورة منه ما يخصها، وتبعه أبو الحسن الواحدي في ذلك، ولا أعجب منهما؛ لأنهما ليسا من أهل الحديث. "الموضوعات" ١/ ١٧٤. والحديث في "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩١ ب. وحكم عليه بالوضع الزيلعي، في تخريجه لأحاديث الكشاف ٢/ ٤٦٩، والمناوي في: "الفتح السماوي في تخريج أحاديث البيضاوي" ٢/ ٨٨٥.
(١) لم أجد هذا القول فيما تيسر لي من المراجع، والذي ذكره ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١٧٩، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: تفاعل من البركة، وهو كقول القائل: تقدس ربنا. وإسناده فيه ضعف وانقطاع؛ لأن فيه بشر بن عمارة وهو ضعيف، وفيه الضحاك وهو لم يلق ابن عباس. "تفسير ابن كثير" ١/ ١١٣. وضعفه ابن حجر في كتابه "العجاب في بيان الأسباب" ١/ ٢٢٣، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٥٩، بإسناد ابن جرير، بلفظ: تفاعل من البركة. وهو كذلك عند الثعلبي في تفسيره ٨/ ٩٢ أ، ثم قال: كأن معناه: جاء بكل بركة. ﴿تَبَارَكَ﴾ اسم مختص بالله تعالى، لم يستعمل في غيره، ولذلك لم يصرف منه مستقبل، ولا اسم فاعل. "تفسير ابن عطية" ١١/ ٢، و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٢.
(٢) "معاني القرآن" ٢/ ٢٦٢، وفيه تقديم وتأخير.
(٣) عند قوله تعالى: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] قال =
﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ قال المفسرون: يعني القرآن (١). قال ابن عباس: قرآنا فرقت فيه بين الحق والباطل، وجعلت فيه المخرج من جميع الشبهات (٢). والكلام في ﴿تَبَارَكَ﴾ ماض (٣).
وذكر أبو علي، في "المسائل الحلبية"، الفرق بين: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ و ﴿الْقُرْآنَ﴾ فقال: الفرقان: صفة لأنه بمعنى الفارق (٤). ويقوي كونه صفة
= الواحدي: قال الليث: تفسير ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ تمجيد وتعظيم. وقال أبو العباس: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾: ارتفع، والمتبارك: المرتفع. وقال ابن الأنباري: ﴿تَبَارَكَ اللَّهُ﴾ باسمه يتبرك في كل شيء. وقال الزجاج: ﴿تَبَارَكَ﴾ تفاعل من البركة، كذلك يقول أهل اللغة.
(١) قال قتادة: هو القرآن، فيه حلال الله، وحرامه، وشرائعه، ودينه، فرق الله به بين الحق والباطل، أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٠، وزاد السيوطي ٦/ ٢٣٥ نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وهو قول مقاتل ٤٢ ب. والثعلبي ٨/ ٩٢ أ.
(٢) لم أعثر على من نسبه لابن عباس، فيما لديّ من المراجع. وفي "تفسير مقاتل"، ٤٢ ب: يعني القرآن، وهو المخرج من الشبهات. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٥٩، بسنده عن مجاهد وفي إسناده رجل لم يسمَّ. وقال الزجاج: والفرقان: القرآن، يُسمى فرقانًا؛ لأنه فُرِّق به بين الحق والباطل. ولم ينسبه. وذكر نحوه القرطبي ١٣/ ٢، ولم ينسبه.
(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٥٣] قال الواحدي: الفرقان مصدر فرقت بين الشيئين أفرق فرْقًا وفرقانًا، كالرجحان والنقصان، هذا هو الأصل، ثم يسمى كل فارق: فرقانًا، كتسميتهم الفاعل بالمصدر، كما سمي كتاب الله: الفرقان؛ لفصله بحججه وأدلته بين المحق والمبطل، وسمى الله تعالى يوم بدر: يوم الفرقان، في قوله: لأنه فرق في ذلك اليوم بين الحق والباطل فكان ذلك اليوم يوم الفرقان.
(٤) أي: أن الفرقان صفة لكلام الله تعالى، سواء كان هذا الكلام في القرآن، أو الإنجيل، أو التوراة. قال الماوردي ٤/ ١٣١، في تفسيره للفرقان: وقيل: إنه اسم لكل كتاب منزل كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾.
مجيئه على وزن يجيء عليه الصفات، نحو: عُرْيَان، وخُمْصَان (١)، وهو صفة لا تجري على موصوف بل استعمل (٢) استعمال الأسماء، كالعبد، والصاحب، فإنهما صفتان في الأصل، وقد استعملا استعمال الأسماء، ومن ثمّ لم يعمل: صاحبٌ، أعمال أسماء الفاعلين، نحو: ضارب، وقاتل، وكذلك الأَجرَعُ (٣)، والأَبْطَح (٤)، والأُدْم (٥)، حيث كُسِّرت (٦) على الأفاعل فتَعَدَّوا فيها: فُعْلا وفُعْلان، والحمر (٧) والحمران، والسود والسودان، وإذا كثر في كلامهم هذا النحو من الصفات التي تجري مجرى الأسماء، وأن لا تجري على موصوف، كذلك: الفرقان والقرآن في الأصل مصدر وليس بصفة، إلا أن القرآن أضيف إلى ضمير التنزيل في
(١) الخَمْصان، والخُمْصان: الجائع الضامر البطن. "مقاييس اللغة" ٢/ ٢١٩، و"اللسان" ٧/ ٢٩.
(٢) في (أ): (استعمال).
(٣) مصدر جَرع الماء يجرعه، لا غير، والجَرَع: جمع جَرَعة، وهي: دِعص بكسر الدال من الرمل لا ينبت شيئًا. واجَرَع: التواء في قوّة من قوى الحبل تكون ظاهرة على سائر القوى. المشوف المعلم ١/ ١٤٩، و"مجمل اللغة" ١/ ١٨٤، و"القاموس المحيط" ٩١٥، وقيل: هي الرملة السهلة المستوية. "اللسان" ٨/ ٤٦.
(٤) الأبطح: البطيحة والأبطح والبطحاء: كل مكان متسع. "مجمل اللغة" ١/ ١٢٨، أو: مسيل واسع فيه دُقاقُ الحصى. "القاموس المحيط" ٢٧٣.
(٥) الآدَم، هكذا من اللون: الأسمر، والأنثى: أدماء. المشوف المعلم ١/ ٥٨، والأَدَمَة: باطن الجلد، والبشرة ظاهرها، والأَدَم: جمع الأَديم. والإدام: ما يطيب به الطعام. "مجمل اللغة" ١/ ٩٠، والأُدمَة بالضم: القرابة، والوسيلة. "القاموس المحيط" ١٣٨٨. وفي "المسائل الحلبية" ص ٣٠٠: الأدهم، بدل الأدم.
(٦) أي: جمعت جمع تكسير.
(٧) في "المسائل الحلبية" ص ٣٠٠ كأحمر وحمر وحمران، وأسود وسود وسودان.
قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ولو كانت صفة لم تجز إضافته إلى نفسه (١). وسنذكر هذا الفصل مشروحًا إذا انتهينا إلى هذه الآية (٢) ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد -عليه السلام- (٣). ليكون محمد بالقرآن ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ يعني الجن، والإنس (٤) ﴿نَذِيرًا﴾ مخوفًا من عذاب الله، هذا قول المفسرين في النذير أنه: محمد -عليه السلام-، وأجاز آخرون أن يكون النذير هو: القرآن، وقالوا: إنه نذير للعالمين إلى يوم القيامة (٥).
(١) "المسائل الحلبية" ٢٩٩. وفيه: إن الدلالة قد قامت على أن القرآن لا يكون صفة كما جاز أن يكون الفرقان صفة، ألا ترى أن القرآن قد أضيف إلى ضمير التنزيل في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ [القيامة: ١٧] ولو كان صفة لم تجز هذه الإضافة فيها؛ لأن من أضاف المصدر إلى الفاعل نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٢٥١] لم يضف إليه اسم الفاعل فيقول: هذا ضاربُ زيد، فيضيف الصفة إلى الفاعل؛ من حيث كان اسم الفاعل هو الفاعل في المعنى، والشيء لا يضاف إلى نفسه... وقد نقله الواحدي بالمعنى.
(٢) لم أجد في تفسير الواحدي لهذه الآية ما يتعلق بهذه المسألة، حيث ذكر فيها معنى جمع القرآن في الآية، المراد به، ونقل أقوال المفسرين وأهل اللغة في ذلك. والله أعلم.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٠، عن ابن إسحاق.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٠، عن ابن عباس. قال السمرقندي ٢/ ٤٥٣: وأراد هاهنا جميع الخلق. وقد يذكر العام ويراد به الخاص من الناس كقوله -عز وجل-: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧، ١٢٢] أي: على عالمي زمانهم. ويذكر ويراد به جميع الخلائق كقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. قال ابن زيد: لم يرسل الله رسولاً إلى الناس عامة إلا نوحاً -صلى الله عليه وسلم- بدأ به الخلق، فكان رسولَ أهل الأرض كلهم، ومحمدًا -صلى الله عليه وسلم- ختم به. أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٠. قال البرسوي ٦/ ١٨٨: وأما نوح -عليه السلام- فإنه وإن كان له عموم بعثة لكن رسالته ليست بعامّة لمن بعده.
(٥) ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩] حيث =
٢ - قال ابن عباس ومقاتل: ثم عظم نفسه فقال: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ عزيرًا، ولا عيسى، ولا الملائكة، كما قالت اليهود، والنصارى، والمشركون (١).
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال عبدة الأوثان. وقال الكلبي ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ فيعازه في عظمته (٢). ﴿وَخَلَقَ كُلَّ﴾ أي مما يطلق له صفة المخلوق ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قال ابن عباس: فجرت المقادير على ما خلق الله تعالى إلى يوم القيامة، وبعد القيامة (٣).
= أضاف الهداية إليه. "تفسير الرازي" ٢٤/ ٤٥. قال السمين الحلبي: وفي اسم يكون ثلاثة أوجه؛ أحدها: أنه ضمير يعود على الذي نزل؛ أي: ليكون الذي نزل الفرقان نذيرًا. الثاني: أنه يعود على الفرقان، وهو القرآن؛ أي: ليكون الفرقان نذيرًا. الثالث: أنه يعود على عبده؛ أي: ليكون عبده محمد -صلى الله عليه وسلم-، نذيرًا. وهذا أحسن الوجوه معنىً وصناعة لقربه مما يعود عليه، والضمير يعود على أقرب مذكور. الدر المصون ٨/ ٤٥٣. وذكر هذا الترجيح الشوكاني ٤/ ٥٨، ولم ينسبه. قال ابن زيد: النبي النذير، وقرأ: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [فاطر ٢٤] وقرأ: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٨]. أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٠، قال ابن عطية ١١/ ٣: وقد يكون النذير ليس برسول، كما روي في ذي القرنين، وكما ورد في رسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الجن؛ فإنهم نذر وليسوا برسل.
(١) "تفسير مقاتل" ٤٢ ب بتصرف. ولم ينسب الواحدي هذا القول لأحد في تفسيره "الوسيط" ٣/ ٣٣٣، وذكره ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦١، عن عكرمة. وذكره القرطبي ١٣/ ٢ ولم ينسبه. ولم أجده منسوبًا لابن عباس رضي الله عنهما فيما تيسر لي.
(٢) في "تنوير المقباس" ص ٣٠٠: قال تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ كما قال مشركو العرب فيماريه.
(٣) "تفسير القرطبي" ١٣/ ٢، ولم ينسبه.
وقال الكلبي: جعل لكل شيء خلقًا، ومنتهى، وأجلًا ينتهي إليه (١).
وقال أبو إسحاق: خلق الله الحيوان وقدر له ما يصلحه ويقيمه، وقدر جميع ذلك لخلقه بحكمته وتقديره (٢). وعلى هذا المعنى يكون: وقدر له تقديرًا من الأجل والمعيشة.
وقال الآخرون: سوَّى كل ما خلق وهيأه لما يصلح له (٣).
٣ - قال ابن عباس: ثم ذكر ما صنع المشركون فقال: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ يعني: الأصنام اتخذها أهل مكة (٤).
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ أي: وهي مخلوقة ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ قال مقاتل: لا تقدر الآلهة أن تمتنع ممن أراد بها سوءًا (٥). والمعنى: لا يملكون دفع ضر ولا جلب نفع فحذف المضاف. وهذا معنى قول المفسرين: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا﴾ فيدفعونه عن أنفسهم ﴿وَلَا نَفْعًا﴾ فيجرونه إلى أنفسهم. ويجوز أن يكون المعنى: ولا يقدرون أن يضروا أنفسهم أو ينفعونها بشيء ولا لمن يعبدها؛ لأنها جماد لا قدرة لها. وهذا معنى قول الكلبي (٦). ولا يحتاج في هذا إلى تقدير المضاف.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا﴾ قال مقاتل: أن تميت أحدًا (٧) ﴿وَلَا حَيَاةً﴾ ولا
(١) "تنوير المقباس" ص ٣٠٠، بمعناه.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٧.
(٣) ممن قال بهذا القول ابن جرير، ١٨/ ١٨٠.
(٤) "تفسير ابن جرير" ١٨/ ١٨١، ولم ينسبه.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٢ ب. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٣ بنصه، ولم ينسبه.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٠.
(٧) "تفسير مقاتل" ص ٤٢ ب.
يحيون أحدًا ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ ولا تقدر الآلهة أن تبعث الأموات (١). أي: فكيف تعبدون من لا يقدر على أن يفعل شيئًا من هذا وتتركون عبادة ربكم الذي يملك ذلك كله (٢).
٤ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ ما هذا القرآن إلا إفك: كذب افتراه محمد واختلقه من تلقاء نفسه (٣).
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قال مجاهد: يعني اليهود (٤). وقال مقاتل: قالوا: أعان محمدًا على هذا القرآن عدَّاس، مولى حويطب بن عبد العزى، ويسار غلام عامر بن الحضرمي (٥)، وجبر مولى عامر. وكان هؤلاء الثلاثة من أهل الكتاب (٦).
(١) "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٣، ثم قال: "وإنما ذكر الأصنام بلفظ العقلاء؛ لأن الكفار يجعلونهم بمنزلة العقلاء فخاطبهم بلغتهم".
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٢ ب، بتصرف يسير.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٢ ب. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣١، والقرطبي ١٣/ ٣، إلى ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٣، عن سعيد بن جبير: كل شيء في القرآن إفك فهو كذب. والفرق بين الافتراء والكذب، أن الافتراء: افتعال الكذب من قول نفسه. والكذب: قد يكون على وجه التقليد للغير فيه. "تفسير روح البيان" ٦/ ١٨٩. وفي "لسان العرب" ١٥/ ١٥٤: "يقال: فرى فلان الكذب يفتريه: اختلقه".
(٤) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٣. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ٩٢ أ.
(٥) عامر بن عبد قيس الحضرمي، له وفادة، وهو أخو عمرو. "الإصابة" ٤/ ١٣. ولم يذكر شيئاً عن غلامه.
(٦) "تفسير مقاتل" ٤٢ ب، ونسبه للنضر بن الحارث. وفيه: جبر مولى عامر بن الحضرمي، كان يهوديا فأسلم. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٢ أ، ولم ينسبه. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٠: جبر ويسار وأبو فكيهة الرومي. قال الماوردي ٤/ ١٣٢: =
قال الله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ قال مقاتل: يقول: فقد قالوا شركًا، وكذبًا، حين زعموا أن القرآن ليس من الله (١)! قال الكلبي ومقاتل: نزلت في النضر بن الحارث، كان يقول للمشركين: ما يقول محمد لأصحابه إلا كما كنت أحدثكم عن رستم وأسفنديار (٢).
وقال أبو إسحاق: نصب ﴿ظُلْمًا وَزُورًا﴾ على: فجاءوا بظلم وزور، فلما سقطت الباء أفضى الفِعلُ فَنَصبَ (٣).
وقال الكسائي ﴿جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ كما تقول: أتيت أمرًا عظيمًا، وجئت أمرًا عظيمًا، وجئت شيئًا إدًّا، وشئت شيئًا نكرًا (٤). يعني أن القول واقع عليه، وليس بمعنى حذف الخافض. وهذا أحسن وأليق مما ذكره
= وفيمن زعموا أنه أعانه عليه أربعة أقاويل:
١ - قوم من اليهود، قاله مجاهد.
٢ - عبد الله ابن الحضرمي، قاله الحسن.
٣ - عدّاس، غلام عتبة، قاله الكلبي.
٤ - أبو فكيهة الرومي، قاله الضحاك. ونسبه القرطبي ١٣/ ٣، لابن عباس. قال ابن الأثير: أبو فكيهة، اسمه أفلح، وقيل: يسار، كان عبداً لصفوان بن أمية، أسلم مع بلال، أخذه أمية بن خلف وقام بتعذيبه، ثم اشتراه أبو بكر -رضي الله عنه- فأعتقه. "الكامل" ٢/ ٤٦. وهذا يدل على اختلافهم في التعيين فتبقى الآية على عمومها. والله أعلم.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ، بتصرف.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠٠، و"تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ، بتصرف، وفيه: عن رستم وأسفنديار. وليس فيه أنها نزلت في النضر. بل فيه: وقال النضر. وهو مذكور عند الآية: ٦، الفرقان، وليس عند هذه الآية. قال الهواري، ٣/ ٢٠١، في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ وقال الكلبي: عبد ابن الحضرمي، وعداس، مولى عتبة. ولم أجده في أسباب النزول للواحدي. ونسبه القرطبي ١٣/ ٣، لابن عباس رضي الله عنهما.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٨.
(٤) نسبه للكسائي أبو حيان ٦/ ٤٤١.
المفسرون (١).
٥ - قوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَسَاطِيرُ﴾ خبر ابتداء محذوف. المعنى: وقالوا: الذي جاء به أساطير الأولين، معناه: ما سطَّره الأولون (٢). قال المفسرون: يعني قول النضر: هذا القرآن أحاديث الأولين حديث رستم واسفنديار (٣).
﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها محمد من: عداس، وجبر، ويسار. ومعنى ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ هنا: أمر أن تكتب له، كما يقال: احتجم، وابتنى، إذا أمر بذلك. وقد يكون اكتتب بمعنى: كتب، وليس هاهنا بمعنى: كتب بنفسه؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يكن كاتبًا، ولكنهم نسبوه إلى أنه أمر هؤلاء بأن ينسخوا له ويكتبوه له.
قوله تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ فأبدلت اللام الأخيرة ياءً هربًا من التضعيف (٤).
(١) قال الزمخشري ٣/ ٢٥٧: "وظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من العجمي الرومي كلاماً عربياً أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب. والزور أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه".
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٨، بتصرف.
(٣) "تفسير ابن جرير" ١٨/ ١٨٢، وقد ذكر خبر النضر مطولاً من طريق محمد بن إسحاق، وفيه مجهول. وانظر "تفسير الطوسي" ٧/ ٤٧٢، حيث ورد ذكر: اسفنديار، في خبر ذكره. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٦ ب، عن علي -رضي الله عنه- في شأن أهل الرس، وفيه: وكانت أعظم مداينهم اسفنديار، وهي التي ينزلها ملكهم، وكان يسمى: فركور بن عامور.
(٤) "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٧٥٨، بنصه. وفيه: وقد جاء القرآن باللغتين جميعاً، قال تعالى: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان:٥] وقال عز اسمه: قال =
كقولهم: تَظَنَّيْتُ (١)، و:
تَقَضِّيَ البازي....... (٢)
قال المفسرون، وأهل المعاني: فهي تقرأ عليه؛ ابن عباس، ومقاتل، وأبو عبيدة، وغيرهم (٣). والإملاء المعروف يستعمل مع الكتابة، يُملِي الرجلُ على من يكتب، وهاهنا استعمل لا مع الكتابة؛ لأن النبي لم يكن يكتب، والمعنى: يُملَى عليه ليحفظ كما يُملَى على الكاتب ليكتب، فلما كان الإملاء هاهنا مع الحفظ فُسر بالقراءة.
= تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. وذكره بنصه القرطبي ١٣/ ٤، ولم ينسبه.
(١) التظنِّي: إعمال الظن، وأصله: التظنُّن، أُبدل من إحدى النونات ياء. "اللسان" ١٣/ ٢٥٧. و"القاموس" ١٥٦٦.
(٢) جزء شطر وتمامه: تَقَضِّيَ البازي إذا البازي كسر. وصدره: دانَى جناحيه من الطور فمرْ "ديوان العجاج" ٥٢، قال محققه: دانى جناحيه من الطور، وهو الجبل، ولكنه عني هاهنا: الشام، إنما هذا مثل، يقول: انقض ابن معمر انقضاضةً من الشام، والطور بالشام، يقول: انقض انقضاض البازي ضم جناحيه، فكأن مجيئه من سرعته انقضاضُ بازٍ إذا البازي كسر، وإذا كسر ضم جناحيه. وفي "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٧٥٩: تقضي: تفعُّل من الانقضاض، وأصله: تقضُّض، فأبدلت الضاد الآخرة ياءً.
والبازي: واحد البُزاة التي تصيد؛ ضرب من الصقور. "لسان العرب" ١٤/ ٧٢ (بزا)، و"القاموس" ١٦٣٠.
(٣) أخرجه البخاري، كتاب التفسير معلقاً بصيغة الجزم. "فتح الباري" ٨/ ٤٩٠. ولم أجده بهذا اللفظ عند مقاتل، في تفسيره، والذي فيه ٤٣ أ: هؤلاء النفر الثلاثة يعلمون محمداً -صلى الله عليه وسلم- طرفي النهار بالغداة والعشي. و"مجاز القرآن"، لأبي عبيدة ٢/ ٧١، وفيه: "وهي من أمليته عليه، وهي في موضع آخر أمللت عليه". وذكره ابن جرير ١٨/ ١٨٣، ولم ينسبه لأحد.
قوله تعالى: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ قال ابن عباس: غدوةً وعشيًا (١). وقال مقاتل: يقولون: هؤلاء النفر الثلاثة يعلمون محمدًا طرفي النهار بالغدوة والعشي (٢).
٦ - قال الله تعالى: ﴿قُلْ﴾ لهم يا محمد (٣) ﴿أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أنزل القرآن الذي لا يخفى عليه شيء. قال مقاتل: وذلك (٤) أنهم قالوا بمكة سرًّا هل هذا إلا بشر مثلكم ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ [الأنبياء ٣] (٥)، كما أخبر الله عنهم في سورة: الأنبياء ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ الآية، فأنزل الله في هذه السورة: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس: لأوليائه رحيمًا بهم (٦). وقال مقاتل: ﴿غَفُورًا﴾ في تأخير العذاب عنهم ﴿رَحِيمًا﴾ لا يعجل عليهم بالعقوبة (٧).
قال أهل المعاني في قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أنزله على ما يقتضيه العلم بباطن الأمور لا على ما تقتضيه أهواء النفوس (٨).
٧ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني: المشركين (٩) {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ
(١) لم أجده إلا في "تنوير المقباس" ص٣٠٠.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ. وهو قول ابن جرير ١٨/ ١٨٣.
(٣) "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٣.
(٤) وذلك. من "تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ.
(٦) ذكره القرطبي ١٣/ ٤، ولم ينسبه.
(٧) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ.
(٨) "تفسير الطوسي" ٧/ ٤٧٣، بنصه، ولم ينسبه.
(٩) "تفسير الطبري " ١٨/ ١٨٤.
يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ} قال أبو إسحاق: أي شيء لهذا الرسول في حال أكله الطعام ومشيه في الأسواق، التمَسوا أن يكون الرسول على غير بِنْية الآدميين، والواجب أن يكون الرسول إلى الآدميين آدميًا ليكون أقرب إلى الفهم عنه (١).
والمعنى: أنهم أنكروا أن يكون الرسول بشرًا يأكل الطعام، ويمشي في الأسواق لطلب المعيشة، وهذا هو الصحيح؛ ألا ترى أنهم قالوا ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾ أي: ليستغني عن طلب المعاش. وعبر بعض البلغاء عن معنى هذه الآية فقال: يعنون أنه ليس بملَك ولا ملِك؛ وذلك أن الملائكة لا يشربون ولا يأكلون، والملوك لا يتسوقون ولا يتبذَّلون (٢) فعجبوا أن يكون مثلَهم في الحال يمتاز من بينهم بعلو المحل والجلال، و ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤].
قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ قال محمد بن إسحاق: إنهم قالوا للنبي -صلى الله عليه وسلم-: سل ربك أن يبعث معك ملَكًا يصدقك بما تقول ويجعل لك جنانًا وقصورًا وكنوزًا من ذهب وفضة يغنيك بها عمّا نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتبتغي المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولاً كما تزعم (٣).
وقال أبو إسحاق: طلبوا أن يكون في النبوة شركة وأن يكون الشريك ملَكًا، والله -عز وجل- يقول: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] أي:
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٨، بنصه.
(٢) رجل متبَذِّل: إذا كان يلي العمل بنفسه. "تهذيب اللغة" ١٤/ ٤٣٤ (بذل).
(٣) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٣، بسنده إلى ابن عباس من طريق محمد بن إسحاق مطوّلاً.
لم يكن ليُفهمهم حتى يكون رجلاً (١). وقال الفراء: ﴿لَوْلَا﴾ بمنزلة هلَّا (٢). ونصب ﴿فيكونَ﴾ على الجواب بالفاء للاستفهام (٣).
٨ - قوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قال الفراء: هو مرفوع بالرد على ﴿لَوْلَا﴾ كقولك في الكلام: أو هلا يلقى إليه كنز (٤)، ونحو هذا قال الزجاج: هو عطف على الاستفهام (٥).
قال ابن عباس، ومقاتل: أو ينزل إليه مال من السماء ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان (٦) ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: يأكل من ثمارها.
قال أبو علي الفارسي: قال الكفار: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ليَبِين منا باقتران الملَك به وكونه معه نذيرًا، ويفترق من جملتنا. وكذلك اقترحوا عليه إلقاء كنز عليه، أو كون جنة تختص بما يأكل منها، حتى يتبين في (٧) مأكله منهم، كما تبين باقتران الملَك به عليهم من الكفار، فقالوا فيما أخبر الله عنهم: ﴿أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ [التغابن: ٦] وأنكروا أن يكون لمن ساواهم في البشرية حال ليست لهم! وقد احتج الله سبحانه عليهم في ذلك بقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا﴾ الآية [الأنعام: ٩] وبقوله ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ الآية [يوسف: ١٠٩، النحل: ٤٣]. ومن قرأ:
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٨، بنصه.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٢.
(٣) "معاني القرآن " للزجاج ٤/ ٥٨، بنصه.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٣، بتصرف، ويعني به: ﴿تكونُ﴾.
(٥) "معاني القرآن " للزجاج ٤/ ٥٩.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠١، و"تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ. وذكره ابن جرير ١٨/ ١٨٤، والثعلبي ٨/ ٩٢ ب.
(٧) (في) من نسخة (ج). وهو موافق لما في كتاب أبي علي؛ "الحجة" ٥/ ٣٣٥.
﴿نَأْكُلَ مِنْهَا﴾ (١) فكأنه أراد أنه يكون له بذلك مزية علينا في الفعل بأكلنا من جنته (٢).
وقوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ قال ابن عباس: وقال المشركون للمؤمنين (٣): ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي: ما تتبعون إلا مخدوعًا مغلوبًا على عقله (٤). وذكرنا تفسير المسحور عند قوله: ﴿إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء ١٠١] (٥).
٩ - قوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال مقاتل: وصفوا لك الأشياء حين زعموا أنك مسحور (٦). وذلك أنهم كانوا يقولون له مرة: ساحر، ومرة: هو شاعر، ومرة: هو مجنون ومسحور، كما أخبر الله تعالى عنهم في آي كثيرة (٧)، فذلك ضربهم له
(١) قراءة حمزة، والكسائي. "السبعة في القراءات" ص ٤٦٢، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٣٥، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٣.
(٢) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٣٥، باختصار.
(٣) ذكره ابن جرير ١٨/ ١٨٤، ولم ينسبه.
(٤) "تنوير المقباس" ص ٣٠١، و"تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ، و"تفسير هود الهوّاري" ٣/ ٢٠١، ولم ينسبه.
(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قيل في المسحور هاهنا أنه بمعنى الساحر؛ كالمشؤوم والميمون، وذكرنا هذا في قوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: ٤٥] وهذا قول الفراء وأبي عبيدة، وقيل إنه مفعول من السحر؛ أي أنك قد سُحِرت فأنت تحمل نفسك على هذا الذي تقوله للسحر الذي بك، وقال محمد بن جرير: أي مُعطى علم السحر، فهذه العجائب التي تأتي بها من سحرك.
(٦) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ. وفيه: ساحر، بدل مسحور.
(٧) كقوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: ٤٧]. والآية: ٢٧، من سورة: الشعراء، والآية: ٣٦، من سورة: الصافات. والآية: ١٤، من سورة: الدخان، والآيات ٤٠ - ٤٢ من سورة: الحاقة. وغيرها.
الأمثال، وتشبيههم حاله بحال الساحر، والشاعر، والمجنون، والمسحور.
وقال أهل المعاني: مثلوه بالمسحور، وبالمحتاج المتروك، والناقص عن القيام بالأمور (١).
قال الله تعالى: ﴿فَضَلُّوا﴾ قال مقاتل: عن الهدى (٢) ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد سبيل الهدى (٣). وهذا قول أعظم المفسرين (٤).
والمعنى: أنهم ضلوا عن قصد الطريق بتكذيبك ولا يجدون إلى الحق طريقًا (٥). وهذه الآية بهذا التفسير تدل على أن الكافر غير مستطيع
(١) لم أجد هذا القول فيما تيسر لي من كتب المعاني.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٥ بإسناده، من طريق ابن إسحاق، بلفظ: أي: التمسوا الهدى في غير ما بعثتك به إليهم فضلوا، فلن يستطيعوا أن يصيبوا الهدى في غيره. ولم ينسبه لغيره. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٥، من قول ابن إسحاق، ولم ينسبه لغيره. ولم يذكره في "تنوير المقباس" ص ٣٠١، بل ذكر قولاً قريباً من كلام مجاهد.
(٤) هكذا في نسخة: (أ)، (ب): (أعظم)، وفي نسخة: (ج): (عُظم)؛ عُظْم الناس، وعظمهم، أي: معظمهم. "لسان العرب" ١٢/ ٤١٠ (عظم). وابن جرير يذكر ذلك في تفسيره؛ قال ٤/ ٥٥٠: وذلك قراءة عُظْم أهل الحجاز...
ولم أجد هذا القول إلا لابن عباس من طريق ابن إسحاق، كما سبق. فنسبة هذا القول لأكثر المفسرين، فيه نظر. وخاصة أنه ذكر بعد ذلك ما يخالف هذا من قول مجاهد، ومقاتل. ولما ذكر الثعلبي ٨/ ٩٢ هذا القول اقتصر عليه، ولم ينسبه لأحد. والله أعلم.
(٥) قريب من هذا قول الطوسي ٧/ ٤٧٤: معناه: لا يستطيعون طريقاً إلى الحق، مع تمسكهم بطريق الجهل، وعدولهم عن الداعي إلى الرشد. أما قول ابن عباس: يريد: سبيل الهدى؛ فلا يفيد هذا المعنى. قال ابن جرير ١٨/ ١٨٤: فلا يجدون سبيلاً إلى الحق إلا فيما بعثتك به، ثم ساق قول ابن عباس مؤيدًا له. والله أعلم.
للإيمان باستطاعته الكفر (١)
وقال مجاهد: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ مخرجًا يخرجهم من الأمثال التي ضربوها لك (٢). وهو قول مقاتل؛ يقول: لا يجدون مخرجًا مما وقالوا: إنك ساحر (٣). يعني: أنهم كذبوا فيما زعموا فلزمهم هذا الكذب حتى لا يجدون منه مخرجًا بحجة أو برهان على ما قالوا.
(١) هذا الفهم لا يدل عليه ما نسبه لابن عباس؛ والذي يظهر أنه تبع فيه الثعلبي، حيث قال ٨/ ٩٢ ب: فثبت أن الاستطاعة التي يحصل بها الضلال غير الاستطاعة التي يحصل بها الهدى والإيمان. والآية ظاهرة في أن المراد بها: نفي أن يكون للمشركين حجة، يطعنون فيها على النبي -صلى الله عليه وسلم-. وعلى تقدير أن المراد بها ما ذُكر فإن
الاستطاعة تنقسم إلى قسمين:
١ - استطاعة قبل الفعل، وهي الاستطاعة المشروطة في التكاليف، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، قال عمران بن حصين -رضي الله عنه-: كَانَتْ بِي بَوَاسِيرُ فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ، عَنِ الصَّلاةِ فَقَالَ: "صَلِّ قَائِمًا فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ". أخرجه البخاري كتاب الصلاة، رقم: ١١١٧، فتح الباري ٢/ ٥٨٧. والترمذي ٢/ ٢٠٧، كتاب: أبواب الصلاة، رقم: ٣٧١.
٢ - استطاعة مقارنة للفعل، وهي الموجبة له، وهذه هي المنفية عمن لم يفعل في مثل قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ [هود: ٢٠]. فتاوى ابن تيمية ١٨/ ١٧٢، ٨/ ١٢٩. فيقال في الأولى: القدرة، وفي الثانية: الإرادة. قال ابن أبي العز الحنفي: وتقسيم الاستطاعة إلى قسمين، هو قول عامة أهل السنة، وهو الوسط، وقالت القدرية والمعتزلة: لا تكون القدرة إلا قبل الفعل. شرح العقيدة الطحاوية ٢/ ٦٣٣.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٥، وابن أبي هاشم ٨/ ٢٦٦٥، و"تفسير مجاهد" ٤٤٧. ونقله عنه هود الهوّاري، في تفسيره ٣/ ٢٠٢. واقتصر عليه السيوطي، في "الدر المنثور" ٦/ ٢٣٧. واختاره السمرقندي ٢/ ٤٥٤ ولم ينسبه، ولم يذكر غيره.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ أ.
وقال الفراء: يقول: لا يستطيعون في أمرك حيلة (١). وهذا قول ثالث في الآية (٢). والمعنى: لا سبيل لهم في دفع ما أتيتهم به من الحق ولا حيلة لهم في إبطاله.
١٠ - ثم أعلم الله تعالى أنه لو شاء لأعطى نبيه -صلى الله عليه وسلم- من الدنيا خيرًا مما اقترحوا أن يكون له فقال: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: خيرا مما قالوا (٣) من إلقاء كنز، وأن تكون لك جنة تأكل منها. وقال مقاتل: يعني أفضل من الكنز والجنة (٤). ثم بَيَّن ذلك الذي هو خير مما قالوا بقوله: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾.
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٣، بنصه.
(٢) هذه الأقوال الثلاثة، في المراد بالسبيل؛ القول الأول: سبيل الهدى. الثاني: مخرجاً يخرجهم من الأمثال التي ضربوها لك. الثالث: لا يستطيعون في أمرك حيلة. وكان الأولى بالواحدي. رحمه الله. أن يبين ضعف القول الأول، كما سبق، وخاصة أنه مخالف لظاهر الآية، إذ إن ظاهرها يدل على عجزهم عن مقاومة الرسول -صلى الله عليه وسلم- والله أعلم. وذكر الماوردي ٤/ ١٣٤ في الآية ثلاثة أقوال؛ الأول: قول مجاهد، والثاني: سبيلاً إلى الطاعة لله، ونسبه للسدي، ولم أجد من نسبه له غيره. والثالث: سبيلاً إلى الخير، ونسبه ليحيى بن سلام.
(٣) هذا قول مجاهد. وما بعده من كلام الواحدي. "تفسير مجاهد" ٤٤٧. وأخرجه عن مجاهد ابن جرير ١٨/ ١٨٥. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٦. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ٩٢ ب، وذكر ابن جرير ١٨/ ١٨٥، قولاً آخر: خيرًا من أن تمشي في الأسواق، وتلتمس المعاش كما يلتمسه الناس. ونسبه لابن عباس، لكنه من طريق محمد بن إسحاق. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٦، من قول محمد بن إسحاق. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٢ ب، منسوبًا لابن عباس. وهذا القول فيه تخصيص بدون مخصص، وظاهر الآية رجوع اسم الإشارة إلى كل ما سبق ذكره من اقتراحات المشركين. والله أعلم.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب.
وقال الكلبي: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ تحت غرفها وشجرها ومساكنها (١). يعني في الدنيا؛ لأنه قد شاء أن يعطيه إياها في الآخرة.
قال خيثمة (٢): قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: إن شئت أعطيناك مفاتيح الأرض وخزائنها لا ينقصك ذلك عندنا شيئًا في الآخرة، ونزلت هذه الآية (٣)، فزهد فيها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وآثر أمر الآخرة (٤)؛ وذلك أنه شاور جبريل في ذلك؛ فقال جبريل: تواضع لله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "الفقر أحب إليّ وأن أكون عبدًا صابرًا شكورًا". وهذا معنى قول ابن عباس في رواية جويبر عن الضحاك عنه (٥).
(١) "تنوير المقباس" ص ٣٠١.
(٢) خيثمة بن عبد الرحمن بن أبي سبرة، لأبيه وجده صحبة، حدّث عن أبيه، وعائشة وغيرهم -رضي الله عنهم- أدرك ثلاثة عشر صحابيًا. ت: ٨٠ هـ "تاريخ الثقات" للعجلي ص ١٤٥. "تهذيب التهذيب" ٣/ ١٥٤. "سير أعلام النبلاء" ٤/ ٣٢٠. وذكره العلائي في "جامع التحصيل" ص ٢٠٩. فالحديث مرسل.
(٣) أخرجه ابن جرير في تفسيره ١٨/ ١٨٦، بسنده عن حبيب قال: قيل للنبي -صلى الله عليه وسلم- إن شئت أن نعطيك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى مَنْ بعدك، ولا ينقص ذلك مما عند الله تعالى، فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله -عز وجل- في ذلك: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ﴾ وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٦، بسنده عن حبيب بن أبي ثابت عن خيثمة مختصرًا قريباً من سياق ابن جرير. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٤. وابن كثير ٦/ ٩٥، كلاهما بدون إسناد، عن سفيان الثوري عن حبيب، به. وحبيب بن أبي ثابت، ثقة فقيه جليل، ولكنه كان كثير الإرسال والتدليس. "جامع التحصيل" للعلائي ص١٩٠، و"التقريب" ص ٢١٨. وهنا لم يصرح بالتحديث. إضافة إلى علة الإرسال من خيثمة كما سبق في ترجمته قريبًا.
(٤) هذا من كلام الواحدي -رحمه الله- وليس من الرواية. وهو بنصه في "معاني القرآن" للز جاج ٤/ ٥٩.
(٥) أخرج هذه الرواية الثعلبي ٨٩٢ ب، مطوّلة جدًا. وفيها (الفقر أحب إليّ...). =
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾. قرئ بجزم اللام ورفعه (١)؛ فمن جزم فلأن المعنى: إن يشأ يجعلْ لك جنات ويجعلْ لك قصورًا. هذا قول أبي إسحاق (٢). وشرحه أبو علي؛ فقال: من جزم ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ﴾ عطفه على موضع: جعل؛ لأن موضع جعل جزم بأنه جزاء الشرط فإذا جزم ﴿يَجْعَلْ﴾ حمله على ذلك، وإذ كانوا قد جزموا ما لم يلِه فعل لأنه في موضع جزم كقراءة من قرأ: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٨٦] (٣) فالفعل أولى أن يحمل عليه من حيث كان الفعل بالفعل أشبه منه بغير الفعل، وحكم المعطوف أن يكون مناسبًا للمعطوف عليه ومشابهًا له. ومن رفع قطعه مما قبله واستأنف، والجزاء في هذا النحو موضع استئناف ألا ترى أن الجمل من الابتداء والخبر تقع فيه كقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ [الأعراف: ١٨٦] وقوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (٤) [البقرة: ٢٧١] هذا
= وأخرجها الواحدي في "أسباب النزول" ص ٣٣٢، من طريق الثعلبي. وهي رواية منقطعة، وضعيفة؛ فالضحاك لم يسمع من ابن عباس -رضي الله عنهما-. وجويبر ضعيف جداً.
(١) قرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿ويجعلُ﴾ بالرفع، والباقون بالجزم. "السبعة في القراءات" ص ٤٦٢. و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٣٦. و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٣.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٩، بنصه.
(٣) ﴿وَيَذَرُهُمْ﴾ فيها ثلاث قراءات: بالياء والرفع، والنون والرفع، وبالياء مع الجزم، والثالثة هي الشاهد من ذكر القراءة، وقرأ بها حمزة والكسائي وخلف. "السبعة في القراءات" ص ٢٩٩، و"النشر" ٢/ ٢٧٣.
(٤) سبق ذكر الشاهد في الآية الأولى، وأما الآية الثانية فلم يذكر الشاهد فيها، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ﴾ بالرفع. قرأ =
كلامه (١).
وبين القراءتين فرق في المعنى؛ وهو: أن يقف على ﴿الْأَنْهَارُ﴾ واستأنف ﴿ويجعلُ﴾ فيكون المعنى: ويجعلُ لك قصورًا في الآخرة (٢). قال أبو إسحاق: أي سيعطيك الله قصورًا في الآخرة أكثر مما قالوا (٣).
قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿قُصُورًا﴾ بيوتًا مبنية مشيدة كانت قريش ترى البيت من حجارة قصرا كائنًا ما كان (٤). وقال مقاتل: إن قريشًا يسمُّون كلَّ شيء من الصوف والشعر: البيوت، ويسمون بيوت الطين: القصور (٥). ومعنى القصر في اللغة: الحبس (٦). وسمّي هذا المبني: قصرًا؛ لأن مَنْ فيه مقصور عن أن يوصل إليه (٧). وكل محوط على شيء فهو قصر.
١١ - ثم أخبر عن تكذيبهم بالبعث فقال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ (٨)
= نافع وحمزة والكسائي وخلف وابن عامر، بجزم الراء، وقرأ الباقون برفعها. "السبعة في القراءات" ص ١٩١، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٢٣٦.
(١) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٣٦.
(٢) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٣٧، بمعناه. والوقف على هذه القراءة على ﴿الْأَنْهَارُ﴾ وقف كاف. "القطع والائتناف" ٢/ ٤٧٩، و"المكتفى" ٤١٤.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٩، بنصه.
(٤) "تفسير مجاهد" ٤٤٨. وأخرج ابن جرير ١٨/ ١٨٦. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٦. كلهم من طريق ورقاء عن ابن أبي نجيح عن مجاهد.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب، وفيه: وذلك أن قريشاً يسمّون بيوت الطين: القصور. أما ما قبله فغير موجود عند تفسير هذه الآية.
(٦) "تهذيب اللغة" ٨/ ٣٥٩ (قصر). ومنه قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢]. وذكر هذا الثعلبي ٨/ ٩٢ ب.
(٧) "تفسير الطوسي" ٧/ ٤٧٥.
(٨) الساعة: جزء من أجزاء الزمان، ويعبر به عن القيامة؛ تشبيهاً بذلك لسرعة حسابه، =
ومعنى ﴿بَلْ﴾ هاهنا: تحقيق لتكذيبهم، وإيذان أن القصة الأولى قد تمت. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ في سورة: الكهف [٤٨] (١) ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ﴾ بيوم القيامة (٢) ﴿سَعِيرًا﴾ نارًا تتلظى عليهم.
١٢ - ثم وصف ذلك السعير فقال: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾ أنث فعل السعير وهو مذكر؛ لأنه أراد النار (٣). قال أبو عبيدة: ووصفها بالرؤية (٤)، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوّأ بين عيني جهنم مقعدًا"، قيل يا رسول الله: وهل لها عينان، قال: "نعم، ألم تسمعوا إلى قول الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ " (٥). قال الكلبي والسدي ومقاتل: من مسيرة مائة
= كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ [الأنعام: ٦٢]. "المفردات" للراغب الأصفهاني ٢٤٨.
(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: بل هاهنا إيذان بأن القصة الأولى قد تمت وبدأ في كلام آخر؛ وذلك أن الآية عامة في المؤمن والكافر إلى قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ فلما أخذ في كلام خاص لأحد الفريقين أدخل: بل، ليؤذن بتحقيق ما سبق، وتوكيد ما يأتي بعده كقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: ٦٦].
(٢) "تفسير هود الهوّاري" ٣/ ٢٠٣. و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٥. و"تفسير الطوسي" ٧/ ٤٧٥.
(٣) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٠، بتصرف. وهناك قول آخر؛ ذكره البغوي ٦/ ٧٥، والزمخشري ٣/ ٣٦٠، فيه إضافة الرؤية إلى الزبانيَّة. وهو مخالف لظاهر الآية. وقد أحسن الواحدي. رحمه الله. في اقتصاره على القول الأول.
(٤) لم أجد قول أبي عبيدة في كتابه المجاز.
(٥) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٧، بسنده عن فُدَيك عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو مرسل؛ لأن فديك وهو ابن سيمان، ويقال: ابن أبي سليمان، من أتباع التابعين يروي عن التابعين كالأوزاعي، وعباد بن عباد، وغيرهم. ولم أجد لفديك سنة وفاة. "التاريخ الكبير" ٧/ رقم الترجمة: ٦١٣. و"تهذيب التهذيب" ٨/ ٢٣١. وقال =
عام (١).
﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ التغيظ: الاغتياظ، يقال اغتاظ عليه، وتَغيَّظ عليه، بمعنى: أنكر عليه أمرًا، وغضب عليه، وغظته أغيظه غيظًا إذا حملته علي الغضب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] ويقال أيضًا: تغيظت الهاجرة إذا اشتد حَمْيُها (٢). قال الأخطل:
لدُنْ غُدْوَةً حتى إذا ما تغَيَّظَتْ هواجِرُ من شعبانَ حامٍ أصيلُها (٣)
= عنه ابن حجر: مقبول. "التقريب" ص ٧٧٩. والحديث أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٧، بسنده عن خالد بن دُريك، عن رجل من أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- مع اختلاف في المتن بين الطريقين. وخالد بن دريك، ثقة لكنه يرسل. "جامع التحصيل في أحكام المراسيل" ص ٢٠٥. و"التقريب" ص ٢٨٥. وأخرجه الثعلبي في تفسيره ٨/ ٩٣ ب، من طريق خالد بن دريك. وذكر البغوي في تفسيره ٦/ ٧٤، هذا الأثر، وحكم عليه بالثبوت، ولم يذكر إسناده، ولا من خرجه. ونسبه السيوطي، في "الدر المنثور" ٦/ ٢٣٨ لعبد بن حميد، وابن المنذر. وذِكر الواحدي -رحمه الله- لهذا الحديث للدلالة على إثبات ظاهر الآية، وهذا مسلك حسن. قال ابن عطية ١١/ ١١، بعد أن ذكر أن الآية محتملة للحقيقة والمجاز: إلا أنه ورد حديث يقتضي الحقيقة في هذا.. ثم ذكر هذا الحديث.
(١) في "تنوير المقباس" ص ٣٠١: خمسمائة عام. وكذا في "تفسير الهوّاري" ٣/ ٢٠٣. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٥، ولم ينسبه. وقول مقاتل في "تفسيره" ص ٤٣. وقول السدي أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٧. وذكره ابن كثير ٦/ ٩٦، وابن الجوزي ٦/ ٧٥. وذكر هذا القول عن الكلبي، والسدي: البغوي ٦/ ٧٤.
(٢) "تهذيب اللغة" ٨/ ١٧٣ (غاظ)، ولم ينسبه.
(٣) "ديوان الأخطل" ص ٥٦٩، ورواية الديوان: تقيضت. ورواية الواحدي مطابقة لرواية الأزهري: تغيظت، "تهذيب اللغة" ٨/ ١٧٣، (غاظ). يصف المطايا التي حملت معشوقته، والمشاق التي تلقتها المطايا بسبب الحر. "شرح ديوان الأخطل" ٥٦٧.
قال مقاتل في هذه الآية: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ من شدة غيظها عليهم (١) (تغيظا) وفي سماع الغيظ قولان؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف، أي: صوت تغيظ، وغليان تغيظ، كالغضبان إذا غلا صدره من الغضب، وهذا قول أبي إسحاق (٢). ويجوز أن يكون التغيظ بمعنى: الغضب، كقوله تعالى: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: ٨] ويجوز أن يكون بمعنى: الحمي والحرارة، كما ذكرنا في قول الأخطل.
القول الثاني: أن المعنى: رأوا لها تغيظا وسمعوا لها زفيرًا، كما قال:
متقلدًا سيفًا ورمحًا (٣)
وقد تقدم لهذا نظائر (٤)، وهذا قول قطرب. والزفير: آخر نهيق
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٣.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٩. ونقله الثعلبي ٨/ ٩٣ أ. واقتصر عليه الواحدي في تفسيريه، "الوسيط" ٣/ ٣٣٥، و"الوجيز" ٢/ ٧٧٥. قال ابن عطية ١١/ ١١: وذلك أن التغيظ لا يُسمع، وإنما المسموع أصوات دالة على التغيظ، وهي ولا شك احتدامات في النار كالذي يُسمع في نار الدنيا. قال الراغب ٣٦٨: الغيظ: أشد الغضب..، والتغيظ: إظهار الغيظ، وقد يكون ذلك مع صوت مسموع، كما قال تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾.
(٣) شطر بيت لعبد الله بن الزبعرى، ديوانه ٣٢، وصدره كما في الديوان:
يا ليت زوجك قد غدا
وأنشده المبرد ١/ ٤٣٢، والثعلبي في تفسيره ٢/ ٩٣ أ، ثم قال: أي: وحاملاً رمحًا. والفراء ١/ ١٢١، والبغوي ٦/ ٧٥، والقرطبي ١٣/ ٨. والبيت في "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٥٢ (مسح)، و"اللسان" ٢/ ٥٩٣، وهو في "الخصائص" ٢/ ٤٣١. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٦٨. و"البحر المحيط" ٦/ ٤٤٥. كلها غير منسوب.
(٤) ذكر الواحدي هذه المسألة في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ =
الحمار (١). وقد مر الكلام في تفسيره (٢).
وقال المبرد: الزفير: الصوت يسمع من جوف المتغيظ، يقال: ست لفلان زفيرًا عليك (٣). وهذا شائع في الكلام. قال عبيد بن عمير في هذه الآية: إن جهنم لتزفر زفرة لا يبقى نبي ولا ملَك إلا خر ترعد فرائصه (٤).
= [المائدة: ٦]؛ حيث قال: وقال جماعة من أهل المعاني: إن الأرجل معطوفة علي الرؤوس في الظاهر، والمراد فيها الغسل، وقد ينسق بالشيء على غيره والحكم فيهما مختلف كما قال الشاعر:
ياليت بعلك قد غدا... متقلداً سيفاً ورمحاً
المعنى: وحاملاً رمحاً.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٣. وعكسه الفراء؛ فقال: الزفير: أول نهيق الحمار، وشبهه، والشهيق من آخره. "معاني القرآن" ٢/ ٢٨. وذكره الأزهري، ولم يتعقبه، "تهذيب اللغة" ١٣/ ١٩٣ (زفر)، وصححه في ٥/ ٣٩٠ (شهق) وجمع بينهما ابن عطية ١١/ ١١، فقال الزفير: صوت ممدود كصوت الحمار المرجِّع في نهيقه.
(٢) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦]: قال الليث: الزفر والزفير: أن يملأ الإنسان صدره غماً ثم يزفر به، فالزفير: إخراج النفس، والشهيق: رد النفس.. وهو قول جميع أهل اللغة. قال أبو إسحاق: هما من أصوات المكروبين المحزونين، وحكى عن أهل اللغة جميعاً أن الزفير بمنزلة ابتداء صوت الحمار بالنهيق والشهيق بمنزلة آخر صوته، ونحو هذا قال المفسرون.
(٣) الزفر، والزفير: أن يملأ الرجل صدره غماً ثم يزفر به. والشهيق: مد النفس، ثم يزفر، أي: يرمي به ويخرجه من صدره. كتاب "العين" ٧/ ٣٦٠ (زفر) ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٣/ ١٩٣ (زفر) وبحثت عن قول المبرد في: "المقتضب"، و"الكامل"، فلم أجده.
(٤) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٥٦. وابن جرير ١٨/ ١٨٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٧، وابن كثير ٦/ ٩٧، قولهم من طريق عبد الرزاق، وفيها زيادة: حتى إن إبراهم ليجثو على ركبتيه، فيقول: يا رب لا أسألك اليوم إلا نفسي. وهذا الأثر =
وقال الكلبي: سمعوا تغيظًا كتغيظ بني آدم، وصوتًا كصوت الحمار (١). [وقال ابن قتيبة: قال قوم: بل يسمعون فيها تغيظ المعذبين، وزفيرهم واعتبروا ذلك بقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ [هود ١٠٦]] (٢) قال: والتفسير الأول أشبه بما أريد إن شاء الله؛ لأنه قال: ﴿سَمِعُوا لَهَا﴾ ولم يقل: سمعوا فيها، ولا منها (٣).
١٣ - قوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا﴾ من جهنم (٤) ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قال ابن عباس، والمفسرون: يضيق عليهم كما يضيق الزُّجُّ في الرمح (٥). وسئل
= من المغيبات مما لا مجال للعقل فيه، ولم يصرح فيه عبيد بن عمير بالرفع فيُتوقف فيه؛ لاحتمال أخذه عن بني إسرائيل. والله أعلم. وذكره السمرقندي في تفسيره ٢/ ٤٥٥، وصدَّره بقوله: وروي في الخبر أن جهنّم..
(١) في نسخة: (أ)، (ب): (ونهيق)، بدل: (كصوت الحمار)، وقول الكلبي في "تنوير المقباس" ص ٣٠١. و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٥، ولم ينسبه. ونسبه له: القرطبي ١٣/ ٨.
(٢) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب).
(٣) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٢١٠.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٣. و "تفسير هود الهواري" ٣/ ٢٠٣.
(٥) في "تفسير مقاتل" ص ٤٣: كضيق الرمح في الزج. وذكره هود الهوّاري في تفسيره ٣/ ٢٠٣، عن ابن عمر -رضي الله عنهما-. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٨، بإسناده عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-، من طريقين. وأخرجه ابن كثير ٦/ ٩٧، عنه أيضًا. وذكره السيوطي ٦/ ٢٤٠ عن عبد الله بن عُمَر، ونسبه لابن أبي حاتم، وهو خلاف ما في تفسير ابن أبي حاتم، كما سبق. ولعل ما في "تفسير الهوّاري" تصحيف؛ من: عمرو، إلى عمر، حيث إنه لم يذكر له إسناداً. والله أعلم.
ولفظ ابن أبي حاتم موافق للفظ الواحدي. وذكر أن مجاهدًا روي عنه نحو ذلك. ونسبه الثعلبي في تفسيره ٨/ ٩٣ أ، إلى ابن عباس -رضي الله عنهما- بدون إسناد. وكذا البغوي ٦/ ٧٥. وابن عطية ١١/ ١٢. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٤، لعبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما-. =
رسول الله عن هذه الآية، فقال: "والذي نفسي بيده إنهم يستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط" (١).
وقال الكلبي: إذا التقوا في أبواب جهنم تضيق عليهم كتضايق الزُّجِّ في الرمح، فالأسفلون يرفعهم اللَّهب، والأعلون يخفضهم اللَّهب، فيزدحمون في تلك الأبواب الضيقة (٢). فعند ذلك يدعون بالثبور.
وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الأصفاد، والأغلال. يعني: أن أيديهم قرنت إلى أعناقهم (٣). وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل (٤). وذكر مقاتل القولين؛ فقال: موثقين في الحديد
= والزُّجُّ: الحديدة التي تُركَّب في أسفل الرمح، وتركز به الرمح في الأرض. "لسان العرب" ٢/ ٢٨٥ (زجج). و"القاموس" ص ٢٤٤.
قال الزمخشري ٣/ ٢٦٠: ولقد جمع الله على أهل النار أنواع التضييق، والإرهاق، حيث ألقاهم في مكان ضيق يتراصون فيه تراصاً.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٨، من طريق نافع بن يزيد، عن يحي بن أبي أَسِيد، يرفع الحديث إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ونقله عنه الثعلبي ٨/ ٩٣ أ، وابن كثير ٦/ ٩٧، وهو فيها بلفظ: ليستكرهون. خلافاً لما في النسخ الثلاث فهي بدون اللام. ونافع بن يزيد الكَلاعي، أبو يزيد المصري، ثقة عابد، ت: ١٦٨. "التاريخ الكبير" ٨/ ٨٦، رقم الترجمة ٢٢٨٠. و"تهذيب الكمال" ٢٩/ ٢٩٦. و"التقريب" ص ٩٩٦. ويحي بن أبي أسيد ذكره المِزي، في شيوخ نافع بن يزيد، ونسبه إلى مصر. لكنّي لم أعثر على ترجمة له، ولم يذكر ابن أبي حاتم مَنْ حدثه بذلك حيث قال: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ قرئ على يونس بن عبد الأعلى..
(٢) ذكره عن الكلبي، الرازي ٢٤/ ٥٦. وهو في "تنوير المقباس" ص ٣٠١، بنحوه.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، عن أبي صالح، بلفظ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قال: مكتفين. وذكر نحوه الثعلبي ٨/ ٩٣ أ، ولم ينسبه.
(٤) "تنوير المقباس" ص ٣٠١. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٣ أ. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٤، ليحيى بن سلام. وهذا القول لا يسعفه ظاهر الآية.
وقرنوا مع الشياطين (١). ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [إبراهيم: ٤٩]
١٤ - ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ دعوا بالويل على أنفسهم والهلاك. قاله ابن عباس (٢) والمفسرون (٣). وقال ابن قتيبة: هذا كما يقول القائل: واهلاكاه (٤). وفي الحديث: "إن إبليس يكسى حُلة من النار فيسحبها وذريته مِنْ خَلْفِهِ، وهو يقول: يا ثبوراه وينادون: يا ثبورهم، حتى يَرِدوا النَّارَ فيُقالُ لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ " (٥).
(١) في (أ)، (ب): (في قوامع الشياطين)، وفي "تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب قرناً مع الشياطين.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، معلقاً بصيغة الجزم. ونصه: ﴿ثُبُورًا﴾ ويلاً. الفتح ٨/ ٤٩٠. ووصله ابن جرير ١٨/ ١٨٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، من طريق علي بن أبي طلحة. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٣ ب.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٣. و"تفسير هود الهوّاري" ٣/ ٢٠٣. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٣ ب. و"تفسير الماوردي" ٤/ ١٣٤. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٩. وأخرج ابن جرير ١٨/ ١٨٨، عن الضحاك: (الثبور) الهلاك.
(٤) "غريب القرآن"، لابن قتيبة ص ٣١٠. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، عن الضحاك: دعوا بالهلاك؛ فقالوا: واهلاكاه، واهلاكاه.
(٥) الحديث أخرجه مطوّلاً ابن جرير ١٨/ ١٨٨، من حديث أنس بن مالك -رضي الله عنه-، وفي إسناده: علي بن زيد بن جُدْعان، وهو ضعيف.
وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، من الطريق نفسه. وكذا الثعلبي في تفسيره ٨/ ٩٣ ب. وأخرجه الإمام أحمد في مسنده ٤/ ٣٠٤، رقم ت ١٢٥٣٨، من طريق علي بن زيد أيضًا، عن أنس -رضي الله عنه-.
وقال الهيثمي ١٠/ ٢٩٢: رواه أحمد والبزار، ورجالهما رجال الصحيح، غير علي ابن زيد، وقد وُثق. لكن أكثر أهل العلم على تضعيفه، من جهة حفظه، واختلاطه =
قال المفسرون: ادعوا ويلًا كثيرًا لأنها دائمة لهم أبدًا (١).
وقال أبو إسحاق: أي: هلاككم أكثر من أن تدعوا مرة واحدة (٢).
وقال المبرد: الثبور هلاك على هلاك، ولا يكون لمرة واحدة، ومنه قولهم: ثابَر فلان على كذا، أي: دام عليه. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿مَثْبُورًا﴾ [الإسراء: ١٠٢] (٣).
= في كبره، وقلبه للأحاديث. "ميزان الاعتدال" ٣/ ١٢٧. وأخرج الواحدي في "الوسيط" ٤/ ٣٣٦، من الطريق السابق. وصححه السيوطي ٦/ ٢٤٠. وقال الشوكاني ٣/ ٦٤، بعد ذكر إسناد الإمام أحمد لهذا الحديث: وفي علي بن زيد مقال معروف.
وهذا الحديث يقابل ما أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: ٤٦٢٥، "الفتح" ٨/ ٢٨٦. ومسلم ٤/ ٢١٩٤، كتاب الجنة، وصفة نعيمها وأهلها، رقم: ٢٨٦٠، مِنْ أن أول من يكسى من أهل الجنة نبي الله إبراهيم -صلى الله عليه وسلم-. ولفظه عندهما: من حديث ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهمَا قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ إِلَى الله حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً ثُمَّ قَالَ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ ثُمَّ قَالَ: أَلَا وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِبْرَاهِيمُ.. ".
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٣. و"تفسير هود الهوّاري" ٣/ ٢٠٣. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٦٩، بسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: لا تدعوا اليوم ويلاً واحداً. ونحوه عن الضحاك، وقتادة.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٩.
(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قال الكلبي: وإني لأعلمك يا فرعون، ﴿مَثْبُورًا﴾ قال ابن عباس: ملعوناً، وقال قتادة: مهلكاً، وقال مجاهد: هالكاً، قال الفراء: المثبور الملعون المحبوس عن الخير، والعرب تقول ما ثَبَرك عن هذا؟ أي ما منعك منه وما صرفك، وروى أبو عبيد عن أبي زيد: ثَبَرْت فلاناً عن الشيء: رَدَدْتُه عنه، وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: المثْبُور: الملْعُون المطْرود المُعَذَّب، هذا وجه قول ابن عباس، وأما وجه قول =
قال الفراء: الثبور مصدر، فلذلك (١) قال: ﴿ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ لأن المصادر لا تجمع، ألا ترى أنك تقول: قعدت قعودًا طويلاً، وضربته ضربًا كثيرًا فلا تجمع (٢). وقال الكلبي: هذا كله نزل في أبي جهل وأصحابه (٣).
١٥ - ثم ذكر ما وعده لمحمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه فقال: ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ يعني: السعير (٤) المذكور في قوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ [الفرقان: ١١] وما بعده إلى قوله: ﴿أَذَلِكَ﴾ مَنْ (٥) صفته وصفة أهله ﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ قال أبو إسحاق: إنْ قال قائل: كيف يقال: الجنة خير من النار؛ وليس في النار خير البتَّة؟ ثم أجاب، فقال: إنما يقع التفضيل فيما دخل في صنف واحد، والجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد؛ فلذلك قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ كما قال: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] (٦).
= مجاهد وقتادة فقال الزجاج: ثُبِرَ الرجل فهو مثبور إذا أهلك، والثبور الهلاك، قال شمر: ومَثَلٌ للعرب: إلى أُمّه يأوى من ثَبِر؛ أي مَن أُهلِك، قال أبو عبيد: والمعروف في الثبور الهلاك، والملعون هالك. "البسيط" ٣/ ١٦٦ أ، النسخة الأزهرية.
(١) (فلذلك)، من كتاب الفراء، وهي غير موجودة في النسخ الثلاث.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٣. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٥٩.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠١. أبو جهل، هو عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشى.
(٤) "تنوير المقباس" ص ٣٠١.
(٥) من، ساقطة من نسخة: (ج).
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٠. وهذه الآية تدل على أن أهم شيء الفوز بالجنة، والنجاة من النار. ويشهد لهذا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لِرَجُلِ: "مَا تَقُولُ فِي الصَّلاةِ قَالَ أَتَشَهَّدُ ثُمَّ أَسْأَلُ الله الْجَنَّةَ وَأَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ أَمَا والله =
وقال غيره من أهل المعاني: هذا على التذكير والتنبيه على تفاوت ما بين المنزلين والحالين (١).
قوله: ﴿الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ أي: وعد المتقون دخولها، أو نزولها، أو الخلود فيها، وما أشبه هذا مما يؤدي هذا المعنى، وبهذا التقدير تتم صلة الموصول وتمام المعنى، ولهذا ذكر قوله: ﴿وُعِدَ﴾ ولم يكن: وعدت؛ لأن الموعود دخولها.
قوله تعالى: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: ثوابًا ومرجعًا (٢).
١٦ - قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ أي: كان دخولها ونزولها وعدًا. والدخول قد ذكرنا تقديره في قوله: ﴿وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: ١٥]. ويجوز أن يعود ﴿كَانَ﴾ إلى الخلود، ودل عليه قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ قال
= مَا أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ وَلا دَنْدَنَةَ مُعَاذٍ فَقَالَ: حَوْلَهَا نُدَنْدِنُ" أخرجه أبو داود ١/ ٥٠١، كتاب الصلاة، رقم: ٧٩٢. وابن ماجه ١/ ٢٩٥، كتاب الصلاة، رقم: ٩١. وهو في صحيح أبي داود ١/ ١٥٠، رقم: ٧١٠.
الدندنة: أن يتكلم الرجل بالكلام تُسمع نغمته، ولا يُفهم. "النهاية في غريب الحديث" ٢/ ١٣٧.
(١) قال في "الوسيط" ٣/ ٣٣٦: وهذا على التنبيه على تفاوت ما بين المنزلتين، لا على أن السعير خير. ولم ينسبه. وذكر قريباً منه القرطبي ١٣/ ٩. ونقل البرسوي ٦/ ١٩٥، قول الواحدي في الوسيط، ونسبه له. قال أبو حيان ٦/ ٤٤٥: خير، هنا ليس تدل على الأفضلية بل هي على ما جرت عادة العرب في بيان فضل الشيء وخصوصيته بالفضل دون مقابلة.. كقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة. وكقوله تعالى: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣].
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٣٤. و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٥، ولم ينسبه. وذكره البغوي ٦/ ٧٥. ولم ينسبه.
الكلبي: وعد الله المؤمنين الجنة فجعلها لهم فسألوه ذلك الوعد في الدنيا فقالوا: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] (١). أي: على لسان رسلك؛ يعنون الجنة، فلم يلجئهم يوم القيامة إلى أن يسألوه، فأدخلهم الجنة بوعده إياهم ذلك (٢). وهذا القول هو اختيار الفراء (٣).
وقال القرظي: إن الملائكة تسأل لهم ذلك؛ وهو قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ﴾ (٤) [غافر: ٨]. واختار الزجاج هذا القول (٥).
وقال مقاتل: يسأله المتقون في الآخرة ما وعدهم في الدنيا وهي الجنة (٦).
وذكر الفراء وجهًا آخر فقال: هذا كما تقول في الكلام (٧): لأعطينك ألفًا وعدًا مسؤولاً، أي: هو واجب لك فتسأله لأن المسؤول (٨) واجب
(١) ذكر هذا القول ابن جرير في "تفسيره" ١٨/ ١٨٩، والسمرقندي ٢/ ٤٥٥. والثعلبي ٩٣ ب، والبغوي ٦/ ٧٦. ولم ينسبوه لأحد. وبنحوه عند الماوردي ٤/ ١٣٥، ونسبه لابن عباس -رضي الله عنهما-. وهو في "الوسيط" ٣/ ٣٣٦، غير منسوب. ونسبه القرطبي ١٣/ ٨، للكلبي، ثم قال: وهو معنى قول ابن عباس.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠١، بلفظ: سألوه فأعطاهم. وذكره هود الهوّاري ٣/ ٢٠٣.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٣، ولم ينسبه.
(٤) ذكر هذا القول الهواري ٣/ ٢٠٣، ولم ينسبه. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧١، عن القرظي. وكذا الثعلبي ٩٣ ب. والماوردي ٤/ ١٣٥، وهو كذلك في "الوسيط" ٣/ ٣٣٦. والبغوي ٦/ ٧٦. وابن كثير ٦/ ٩٨.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٠. و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٥، ولم ينسبه.
(٦) "تفسير مقاتل" ص ٤٣. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧١، عن أبي حازم. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٥، لزيد ابن أسلم.
(٧) (في الكلام) من نسخة: (أ)، (ب).
(٨) في نسخة: (أ)، (ب): (السؤال).
وإن لم يُسأل كالدَّين (١). وعلى هذا المعنى: وعدًا واجبًا هو مما يُسأل وإن لم يُسأل. وهذا معنى قول ابن عباس في تفسير قوله: ﴿وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ يريد: لا خلاف فيه (٢). وهذا الوجوب من قِبَل الله تعالى هو أوجبه على نفسه أنه لا يخلف الميعاد؛ ولا يجب لأحد عليه شيء دون إيجابه (٣).
١٧ - ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ قال مقاتل: يجمعهم يعني: كفار مكة (٤). وقال غيره: يعني المشركين كلهم ومن (٥) كان يعبد غير الله (٦)؛ لقوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: ونحشر ما يعبدون من دون الله (٧). قال
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٣.
(٢) أخرج نحوه ابن جرير ١٨/ ١٨٩، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. وكذا ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧١. وذكره العز في "تفسيره" ٢/ ٤١٩. وابن كثير ٦/ ٩٨، من الطريق السابق.
(٣) حاصل ما ذكر أن ﴿مَسْئُولًا﴾ فيها قولان:
١ - مطلوباً. والطالب له: إما المؤمنون، أو الملائكة.
٢ - أن معنى: المسؤول: الواجب. "تفسير ابن الجوزي" ٦/ ٧٧. وعلى المعنى الثاني، يكون واجباً بحكم الاستحقاق، على قول المعتزلة، أو بحكم الوعد على قول أهل السنة. تفسير الزمخشري ٣/ ٢٦١، والرازي ٢٤/ ٦٠. وتفسير أبي حيان ٦/ ٤٤٦. قال ابن كثير ٦/ ٩٨: هذا من وعد الله الذي تفضل به عليهم، وأحسن به إليهم. قال البقاعي ١٣/ ٣٥٧: وهو من وادي ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب.
(٥) في (ج): (من) بدون واو.
(٦) ذكر هذا كله الواحدي. رحمه الله. في "الوسيط" ٣/ ٣٣٦، غير منسوب.
(٧) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب. و"تفسير الطوسي" ٧/ ٤٧٨، ولم ينسبه. وذِكرُ المعبودات هنا بلفظ ﴿مَا﴾ إشارة إلى أن ناطقها وصامتها جمادٌ بل عدمٌ بالنسبة إليه سبحانه. مع أن ﴿مَا﴾ موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم، من كان أكثر استعماله في غير العقلاء. "نظم الدرر" ١٣/ ٣٦٠. و"تفسير أبي السعود" ٦/ ٢٠٨.
مجاهد: عيسى، وعزيرًا، والملائكة (١).
وقال عكرمة، والضحاك: يعني الأصنام (٢).
وقال الكلبي في هذه الآية: يعني عبدة الأوثان، والأصنام (٣).
ثم يأذن لها في الكلام ويخاطبها ﴿فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ﴾ (٤) قال مقاتل: يقول: ءأنتم أمرتموهم بعبادتكم ﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ يقول: أم هم أخطأوا الطريق (٥).
وقرئ: ﴿نَحْشُرُهُمْ﴾ بالياء، والنون. وكذلك ﴿فَيَقُولُ﴾ بالياء، والنون (٦).
(١) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٨٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٢. و"تفسير مجاهد" ٢/ ٤٤٨. وذكره عنه الثعلبي ٩٣ ب. والماوردي ٤/ ١٣٦. وابن كثير ٦/ ٩٩.
(٢) "تفسير الثعلبي" ٩٣ ب، منسوبًا لهما. وهو كذلك في "الوسيط" ٣/ ٣٣٦. والبغوي ٦/ ٧٦. وابن عطية ١١/ ١٧. والقول الأول أرجح: لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠] وقوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. "تفسير ابن جزي" ٤٨٢، و "تفسير أبي حيان" ٦/ ٤٤٧.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠١. وفي "تفسير البحر" ٦/ ٤٤٧، عن الكلبي: يحي الله الأصنام يومئذٍ لتكذيب عابديها.
(٤) الاستفهام هنا على سبيل التقريع للمشركين، كما قال لعيسى -صلى الله عليه وسلم- ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦]. ولأن تبرؤ المعبودين منهم أشد في حسرتهم وحيرتهم. "تفسير الرازي" ٢٤/ ٦٢.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٢، عن مقاتل بن حيان بلفظ: قد أخطأوا قصد السبيل. وهو عند البغوي ٦/ ٧٦، غير منسوب.
(٦) ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾ قرأ بالياء: ابن كثير، وحفص عن عاصم، وبالنون: نافع، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر. "السبعة" ص ٤٦٢. و"الحجة" ٥/ ٣٣٧، و"إعراب القراءات" لابن خالويه ٢/ ١١٧، و"المبسوط في القراءات العشر" ص ٢٧٠، و"التبصرة" ص ٦٣١، و"النشر" ٢/ ٣٣٣. و ﴿فنقول﴾ بالنون، قراءة ابن عامر، والباقون بالياء. المصادر السابقة.
وذلك على تلوين الخطاب من الإفراد والجمع (١). ثم ذكر جواب المعبودين بقوله:
١٨ - ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: نزهوا الله، وعظموه من أن يكون معه إله (٢).
﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ إن قيل: كيف يجوز للمعبودين أن يقولوا هذا؛ وإنما اتخذهم غيرهم أولياء من دون الله، وليس هذا الجواب يليق للسؤال المتقدم. والجواب عنه من وجوه؛ أحدها: أن المعنى: ما كان ينبغي لنا أن نعبد غيرك [ونتخذ غيرك وليًا ومعبودًا فكيف ندعوا إلى عبادتنا، أي: إذا كنا نحن لا نعبد غيرك] (٣) فكيف ندعوا أحدًا إلى أن يعبدنا؟. فذكر من جوابهم على أنهم لم يضلوهم، ولم يأمروهم بعبادتهم، وهو أنهم إذا كانوا لا يرون لأنفسهم عبادة غير الله؛ فكيف يدعون غيرَهم إلى عبادتهم. وهذا معنى قول الفراء (٤).
وقال صاحب النظم: هذا بالتدريج يصير جوابًا للسؤال الظاهر؛ وهو أن من عبد شيئًا فقد تولاه، وإذا تولاه العابد صار المعبود وليًا
(١) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٣٨.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب. و"تنوير المقباس" ص ٣٠١. وذكره الهوّاري ٣/ ٢٠٤. والسمرقندي ٢/ ٤٥٥. والواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٣٦، والبغوي ٦/ ٧٦. ولم ينسبوه لأحد. قال القرطبي ١٣/ ١٠: فإن قيل: فإن كانت الأصنام التي تعبد تحشر فكيف تنطق وهي جماد؟ قيل: ينطقها الله تعالى يوم القيامة؛ كما ينطق الأيدي والأرجل.
(٣) ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ج).
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٣. وقريب من هذا في "تنوير المقباس" ص ٣٠١. و"تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب.
للعابدين (١)، ويدل على هذا قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ [سبأ ٤٠، ٤١] أي: لم نتخذهم أولياء وإن عبدونا في الظاهر. فدل هذا على أن العابد يُسمَّى وليًا للمعبود. ويصير المعنى: كأنهم قالوا: ما كان ينبغي لنا أن نأمر غيرنا باتخاذنا وليًا، ولن نتخذ من دونك وليًا يعبدنا. فحذف من الكلام اتخاذ العابدين إياهم أولياء بدلالة ما ذكر عليه، وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية: يقولون ما توليناهم ولا أحببنا عبادتهم. قال: ويحتمل أن يكون قولهم: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أرادوا معشر العبيد لا أنفسهم، أي: إنا وهم عبيدك فكان لا ينبغي لعبيدك أن يتخذوا من دونك أولياء، ولكنهم تواضعًا منهم أضافوا ذلك إلى أنفسهم وعنوهم به، كما يقول الرجل إذا أتى أخوه كبيرةً: ما كان ينبغي لي أن أفعل مثل هذا، وهو يعني به غيره، ولهذا الإشكال قرأ من قرأ ﴿أَنْ نَتَّخِذَ﴾ بضم النون. وهذه القراءة أقرب في التأويل لو صحت (٢)؛ قال أبو إسحاق: هذه القراءة خطأ؛ لأنك تقول: ما اتخذتُ من أحد وليًا، ولا يجوز: ما اتخذتُ أحدًا
(١) في (ج): (للعابد).
(٢) هذه قراءة أبي جعفر المدني. "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٤، و"إرشاد المبتدي" ص ٤٦٦. ونسبها ابن جرير ١٨/ ١٩١، للحسن، ويزيد بن القعقاع، وهو: أبو جعفر المدني. قال ابن الجزري ٢/ ٣٣٣، بعد أن نسبها لأبي جعفر: وهي قراءة زيد بن ثابت، وأبي الدرداء، وأبي رجاء، وزيد بن علي.... وذكرها ابن جني في المحتسب ٢/ ١١٩. وقول الزجاج ٤/ ٦٠: وقرأ أبو جعفر المدني وحده، يعني من العشرة. وجزْمُ الواحدي -رحمه الله- بضعف هذه القراءة تبع فيه الزجاج، حيث نقل كلامه في تضعيفها، ولم يعترض عليه. وضعف ابن جرير ١٨/ ١٩١، هذه القراءة لعلل ثلاث؛ لإجماع الحجة على القراءة بفتح النون، ولقوله تعالى في سورة سبأ: ٤٠، =
من ولي؛ لأن ﴿مِنْ﴾ إنما دخلت لأنها تنفى واحدًا في معنى جمع، تقول: ما من أحد قائمًا، وما من رجل محبًا لما يضره، ولا يجوز: ما رجل من محب ما يضره، ولا وجه لهذا عندنا البتة. ولو جاز هذا لجاز في ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ [الحاقة: ٤٧] ما أحد عنه من حاجزين. ولو لم يكن ﴿مِنْ﴾ لصحت هذه القراءة (١).
= ٤١ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ والعلة الثالثة ما ذكره الواحدي عن الزجاج.
وقد وجه هذه القراءة ابن جني، فقال: ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ في موضع الحال، أي: ما كان ينبغي لنا أن نُتخذ من دونك أولياء، ودخلت ﴿مِنْ﴾ زائدة لمكان النفي، كقولك: أتخذتَ زيداً وكيلاً، فإن نفيت قلت: ما اتخذت زيداً من وكيل، وكذلك: أعطيته درهماً، وما أعطيته من درهم. "المحتسب" ٢/ ١٢٠، وقد حسن هذا التوجيه وارتضاه ابن الجزري، في "النشر" ٢/ ٣٣٣. وتبعه على ذلك البناء، في: "إتحاف فضلاء البشر" ص ٣٢٨. ووجه هذه القراءة أيضًا الزمخشري ٣/ ٢٦٣. وصححها ابن القيم، في "إغاثة اللَّهفان" ٢/ ٢٣٧. قال ابن كثير ٦/ ٩٩، بعد ذكر هذه القراءة: وهي قريبة المعنى من الأُولى. قال البقاعي: وقراءة أبي جعفر بالبناء للمفعول، بضم النون وفتح الخاء، واضحة المعنى، أي: يتخذنا أحد آلهة نتولى أموره. "نظم الدرر" ١٣/ ٣٦١. فالحاصل أن هذه القراءة ثابتة، مقروء بها عن أبي جعفر المدني. والله أعلم.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٠. وتخطئة الزجاج لهذه القراءة لتخطئة أكثر النحويين لها! حيث قال: وهذه القراءة عند أكثر النحويين خطأٌ. ومثل هذا لا يكفي لتخطئة القراءة، إذ الاعتبار بصحة الرواية، قال ابن جني في الرد على من رد الرواية لمجرد مخالفتها للمشهور من القراءة: وكيف يكون هذا والرواية تنميه إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والله تعالى يقول ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] وهذا حكم عام في المعاني والألفاظ. "المحتسب" ١/ ٣٣، وقال أيضًا: والقرآن يُتخير له، ولا يتخير عليه. "المحتسب" ١/ ٥٣. وقال ابن الجزري: كل =
وقال صاحب النظم: العلة في سقوط هذه القراءة: أن ﴿مِّن﴾ لا تحدث إلا على مفعول، لا مفعول دونه، فإذا كان قبل المفعول [مفعول سواه لم يحسن دخول: من، مثل قوله -عز وجل-: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: ٣٥] فقوله: ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾ لا مفعول دونه سواه] (١) ولو قال: ما كان لله أن يتخذ أحدًا من ولد، لم يحسن فيه دخول: (مِن)؛ لأن (٢) الاتخاذ مشغول بـ: أحد (٣). كذلك قوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ قد قامت النون المضمومة مقام مفعول، وشغل الاتخاذ به فلم تعمل: (مِن) في المفعول الذي بعده؛ لأن تأويله يكون مثل قولك: ما كان لزيد أن يتخذ من ولي. هذا كلامه. ومن أجاز هذه القراءة يجعل (مِن) صلة (٤).
قال الفراء: العرب تدخل (مِنْ) في الأسماء لا في الأخبار. ألا ترى أنهم يقولون: ما أخذت من شيء، وما عندي من شيء، ولا يقولون: ما
= قراءة وافقت العربية مطلقاً، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديراً، وتواتر نقلها: هذه القراءة المتواترة المقطوع بها. ومعنى العربية مطلقاً: ولو بوجه من الإعراب.. ثم قال: والذي جمع في زماننا هذه الأركان الثلاثة، هو قراءة الأئمة العشرة التي أجمع الناس على تلقيها بالقبول، وهم: أبو جعفر، ونافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، وابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وخلف. "منجد المقرئين" ص ١٥.
(١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج).
(٢) لأن فعل الاتخاذ مشغول. بزيادة: فعل. هكذا عند ابن القيم في "إغاثة اللَّهفان" ٢/ ٢٣٧.
(٣) انظر قول صاحب النظم في "إغاثة اللَّهفان" ٢/ ٢٣٧، وقد صرح ابن القيم بالنقل عنه، وهو مطابق لما نقله الواحدي.
(٤) "تفسير البغوي" ٦/ ٧٦.
رأيت عبد الله من رجل. فلو لم يكن في الأولياء: ﴿مِنْ﴾ لكان وجهًا جيدًا، وهو على قلة من قرأ به، قد يجوز أن يجعل الاسم في ﴿مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ ويجعل الخبر ما في ﴿نَتَّخِذَ﴾ على القلب (١).
ثم ذكر المعبودون سبب ترك العابدين للإيمان بالله بقوله: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ قال ابن عباس: أطلت لهم العمر فأفضلت عليهم ووسعت لهم في الرزق (٢). وقال الفراء: ولكنك يا رب متعتهم بالأموال والأولاد (٣).
﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ قال ابن عباس: يريد تركوا الموعظة. وقال مقاتل: تركوا إيمانًا بالقرآن (٤).
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٤.
(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٢، عن ابن عباس في تفسير هذه الآية: ذهبت أعمالهم في الدنيا ولم يكن لهم أعمال صالحة. ولم يذكر القول الذي أورده الواحدي. وقريب من هذا القول في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٦، ولم ينسبه. وهو بنصه في "الوسيط" ٣/ ٣٣٧، منسوبًا لابن عباس -رضي الله عنهما-.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٤. قال الزمخشري ٣/ ٨٦، ط: دار الفكر حيث لم أجده في ط: دار الكتب العلمية: فجعلوا النعمة التي حقها أن تكون سبب الشكر سببَ الكفر، ونسيان الذكر. والمترفون عادة هم أعداء الرسل وأتباعهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤) وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ ٣٤، ٣٥] وقال تعالى: قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨].
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب. قال ابن قتيبة: يعني القرآن غريب القرآن ٣١١. وممن قال: إنه القرآن، زيد بن أسلم. أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٢. وفي "تفسير =
﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قال مجاهد، والكلبي ومقاتل (١)، والمفسرون (٢): فاسدين هالكين قد غلب عليهم الشقاء والخذلان (٣). وقال الزجاج: البائر في اللغة: الفاسد الذي لا خير فيه (٤). وقال الفراء: البور مصدر يكون واحدًا وجمعًا (٥). وقال أبو عبيدة: رجل بور، ورجلان بور، وقوم بور، وكذلك الأنثى، ومعناه: هالك، وقد يقال: رجل بائر، وقوم بور. وأنشد:
يا رسول المليك إن لساني راتِقٌ ما فَتَقْتُ إذ أنا بور (٦)
= السمرقندي" ٢/ ٤٥٦ تركوا التوحيد، والإيمان بالقرآن. ولم ينسبه. وذكر الثعلبي ٩٣، في الذكر خمسة أقوال: القرآن، الرسول، التوحيد، الإسلام، ذكر الله. وكلها متلازمة. والقولان في "الوسيط" ٣/ ٣٣٧، بدون نسبة.
(١) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٤٨. وأخرجه عنه ابن جرير ١٨/ ١٩٠. وقول الكلبي في "تنوير المقباس" ص ٣٠١. و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٦. و"تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب.
(٢) (المفسرون) في (ج).
(٣) أخرج ابن جرير ١٨/ ١٩٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٣، عن ابن عباس رضي الله عنهما، من طريق علي ابن أبي طلحة: ﴿بُورًا﴾ هلكى. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٧، لابن عباس. وذكر هذا القول هود الهوّاري ٣/ ٢٠٤. وابن الأنباري، "الزاهر في معاني كلمات الناس" ١/ ٣١٤، والثعلبي ٩٤ أ. وهو بنصه في "الوسيط" ٣/ ٣٣٧، غير منسوب.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٠. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٣، عن شهر بن حوشب، ﴿بُورًا﴾ قال: معناه: فسدتم. ومثله عن قتادة، قال: والبور الفاسد، وإنه والله ما نسي قوم ذكر الله إلا باروا، وفسدوا.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٤.
(٦) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٣. ونسبه لعبد الله بن الزبعرى. وكذا ابن جرير ١٨/ ١٩١. وابن الأنباري، في "الزاهر" ١/ ٣١٥. والثعلبي ٩٤ أ. وابن عطية ١١/ ١٩. وهو في ديوان ابن الزبعرى ٣٦، من قصيدة يمدح فيها النبي -صلى الله عليه وسلم-، ويعتذر إليه مما فعل؛ يعني أنه مصلح لما أفسد. الرتق: ضد الفتق. "اللسان" ١٠/ ١١٤. و"القاموس" ١١٤٣. والفتق: الشق. "اللسان" ١٠/ ٢٩٦. و"القاموس" ١١٨٢.
أبو الهيثم: البائر: الهالك. والبوار: الهلاك. وقال الحسن، وابن زيد: البور الذي ليس فيه من الخير شيء (١). ومعنى هذه الآية أن المعبودين قالوا: ما أضللناهم ولكنهم ضلوا.
١٩ - قال الله -عز وجل-: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ أي: فيقال للكفار حينئذ (٢) ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: كذبكم المعبودون بقولكم: إنهم آلهة، وإنهم شركاء (٣).
ومن قرأ ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بالياء (٤)، فالمعنى ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ بقولهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية (٥).
وقوله: ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا﴾ أي: ما يستطيع الشركاء والمعبودون صرف العذاب عنكم (٦). هذه قراءة العامَّة بالياء (٧). ولا يحسن
(١) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٧، عن الحسن، ومن طريقه أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٩٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٣. وأخرجه عن ابن زيد: ابن جرير ١٨/ ١٩١. وذكره عنهما الثعلبي ٩٤ أ.
(٢) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٤٨. و"تفسير مقاتل" ص ٤٣ و"تفسير الطبري" ١٨/ ١٩٢.
(٣) تفسير هود الهوّاري ٣/ ٢٠٤. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٠. و"تفسير الماوردي" ٤/ ١٣٧، ونسبه لمجاهد.
(٤) قال أبو بكر بن مجاهد: قال لي قنبل عن أبي بزة عن ابن كثير ﴿يَقُولُونَ﴾ ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ بالياء جميعاً. السبعة في القراءات ٤٦٣، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٤.
(٥) قال مقاتل ٤٣ ب: بقولهم إنهم لم يأمروكم أن تعبدوها.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. و"تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب. و"معاني القرآن" للأخفش ٢/ ٦٤٢. و"تفسير هود الهوّاري" ٣/ ٢٠٤. وذكر الماوردي ٤/ ١٣٧، أربعة أوجه، هذا أحدها.
(٧) قرأ عاصم في رواية حفص: ﴿بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ بالتاء جميعاً. وقرأ الباقون وأبو بكر عن عاصم: ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بالتاء ﴿فما يستطيعون﴾ بالياء، =
أن يجعل ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ بالياء للمتخذين الشركاء على الانصراف من الخطاب إلى الغيبة؛ لأن قبله خطابًا، وبعده خطابًا، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ﴾ (١) وهذا مذهب مجاهد؛ لأنه قال: المشركون لا يستطيعونه (٢). ونحو ذلك روى عطاء عن ابن عباس قال: لا يصرفون عن أنفسهم سوء العذاب. يعني المشركين. ولكن ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ خبر عن الشركاء على ما ذكرنا، وهو مذهب مقاتل (٣). ومن قرأ بالتاء فالمعنى: ﴿يَسْتَطِيعُونَ﴾ أيها المتخذون الشركاء صرفًا ولا نصرًا (٤).
قال أبو عبيد: والاختيار الياء، وتصديقها حرف ابن مسعود: ﴿فَمَا يسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلاَ نَصْرًا﴾ (٥) فلما جاءت المخاطبة بقوله: ﴿لَكُمُ﴾ تبين أنه أخبر بالاستطاعة عن قوم.
وتفسير الصرف هاهنا: صرف العذاب، في قول ابن عباس ومقاتل، وأكثر المفسرين، وأهل المعاني (٦). وروي عن يونس أنه قال: الصرف:
= وعن ابن كثير أنه قرأ بالياء في الموضعين. "السبعة" ص ٤٦٣، و"المبسوط في القراءات العشر" ص ٢٧١، و"التبصرة" ص ٦١٣، و"النشر" ٢/ ٣٣٤.
(١) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٠، بنصه.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٨/ ١٩٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٤. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٤٩.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٣ ب.
(٤) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٠.
(٥) أخرج هذه القراءة بإسناده ابن جرير ١٨/ ٣١٩، نصها: (مَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً) ولعل هذا تصحيف من: لكم، إلى: لك. ثُمَّ قال: فإن تكن هذه الرواية عنه صحيحة، صح التأويل.... وذكره ابن عطية ١١/ ٢٠، نقلاً عن ابن أبي حاتم، لكنِّي لم أجده عنده.
(٦) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٦. والثعلبي ٩٤ أ. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٧، لزيد بن أسلم. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦١.
الحيلة. ومنه قيل: فلان يتصرف أي: يحتال (١). ويقال للمحتال: صيرف، وصيرفي (٢).
وقوله: ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ معناه على قراءة العامَّة: ولا أن ينصروكم من عذاب الله بدفعه عنكم. وعلى قراءة من قرأ: ﴿تَسْتَطِيعُونَ﴾ بالتاء معناه: ولا نصرًا من العذاب لأنفسكم. يعني: ولا أن تنصروا أنفسكم بمنعها من العذاب (٣). وقال المبرد: ولا أن ينصر بعضكم بعضًا كقوله: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ﴾ [الصافات: ٢٥] أي: لا ينصر المشركون بعضهم بعضًا. وهذا على تفسير مجاهد وعطاء لقوله: ﴿فما يَسْتَطِيعونَ صرْفًا﴾ بالياء (٤).
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس، والحسن ومقاتل: ومن يشرك منكم (٥). قال مقاتل: ومن يشرك بالله
(١) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١١. حيث نسبه ليونس. وكذا الثعلبي ٩٤ أ. وعن ابن قتيبة، ذكره الماوردي ٤/ ١٣٧. وابن الجوزي ٦/ ٧٩.
(٢) في (ج): (صرف، وصرفي).
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢.
(٤) قول مجاهد، وعطاء، في الصفحة السابقة.
(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٤، عن ابن عباس من طريق بشر بن عمارة عن أبي روق عن الضحاك، كل شيء نسبه إلى غير الإسلام، من اسم مثل: مسرف، وظالم، ومجرم، وفاسق، وخاسر، فإنما يعني به: الكفر. وما نسبه إلى أهل الإسلام فإنما يعني به: الذنب، قال: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ يقول: من يكفر منكم. وذكر القرطبي ١٣/ ١٢، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أنه الشرك. وأخرجه عن الحسن عبد الرزاق ٢/ ٦٧. وعنه ابن جرير ١٨/ ١٩٣. و"تفسير مقاتل" ص٤٤ أ. قال ابن عطية ١١/ ٢٠، بعد ذكره هذا لقول: وقد يحتمل أن يعم غيره من المعاصي. إلا أن سياق الآية لا يشهد له. والله أعلم.
منكم في الدنيا فيموت عليها (١) نذقه في الآخرة ﴿عَذَابًا كَبِيرًا﴾ يعني: شديدًا، [فلا عذاب أشد وأعظم من النار كقوله: ﴿طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٦٠] يعني: شديدًا. ]، (٢) وكقوله: ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] يعني: شديدًا (٣).
قال ابن عباس: ثم رجع -عز وجل- إلى ذكر النبي -صلى الله عليه وسلم- يعزيه، فقال (٤):
٢٠ - ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ قال: يريد كما تأكل أنت (٥) ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ يقول: فكيف يكون محمدٌ بدعًا من الرسل (٦). ووجه النظم على هذا التأويل مختلف فيه؛ قال
(١) عليها. هكذا عند الواحدي، ومقاتل. أي: على هذه المعصية، وإن كان الأظهر: عليه، والله أعلم.
(٢) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. سوى ما بين المعقوفين فهو غير موجود.
(٤) هكذا في "الوسيط" ٣/ ٣٣٧، غير منسوب لأحد. لكن ذكر الواحدي -رحمه الله-. في "أسباب النزول" ٣٣٢، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-، أن المشركين لما عيّروا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالفاقة، وقالوا: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ حزن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنزل جبريل، - عليه السلام -، من عند ربه معزِّياً له، فقال: السلام عليك يا رسول الله، رب العزة يقرئك السلام، ويقول لك: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾. وهذا غير ثابت عن ابن عباس -رضي الله عنهما-؛ لأنه من طريق: جويبر عن الضحاك. وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك لم يلق ابن عباس. وقد سبق ذلك عند تفسير الآية العاشرة، من هذه السورة. وذكره القرطبي ١٣/ ١٢، بدون إسناد.
(٥) نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٢. قال ابن الحربي ٣/ ٤٣٣: وإنما كان يدخلها لحاجته، أو لتذكرة الخلق بأمر الله ودعوته: ويعرض نفسه على القبائل في =
الفراء: ﴿إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ﴾ صلة لاسم متروك اكتفى بـ ﴿مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ منه؛ كقولك في الكلام: ما بعثت إليك من الناس إلا مَنْ إنَّه ليعطيك. ألا ترى أن قولك: ليعطيك (١) صلة لـ: مِن، وجاز ضميرها (٢) كما قال: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤] وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] أي: ما منكم إلا من يردها. قال: ولو لم تكن اللام جوابًا لـ ﴿إِنَّ﴾ كانت إنَّ، مكسورةً أيضًا لأنها مبتدأة، إذ كانت صلةً. انتهى كلامه (٣).
وقال أبو إسحاق: هذا احتجاج عليهم في قوله: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ فقيل لهم: كذلك كان من خلا من الرسل يأكل الطعام ويمشي في الأسواق. قال: وأما دخول ﴿إِنَّهُمْ﴾ فعلى تأويل: ما أرسلنا [قبلك من المرسلين] (٤) إلا هم يأكلون الطعام، وإلا إنهم
= مجتمعهم، لعل الله أن يرجع إلى الحق بهم. وهذا يدل على أنه ينبغي لأهل العلم والفضل دخول الأسواق للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الناس ما يتعلق بأحكام البيع والشراء، ونحو ذلك. وفي كتاب: "ظلال القرآن" ٥/ ٢٥٥٣، كلام جيِّد في حكمة مشي الأنبياء في السوق. فليراجع. وهذه الآية أصل في تناول الأسباب، وطلب المعاش بالتجارة والصناعة، وغير ذلك، وفي هذا رد على من لا يأخذ بالأسباب يزعم أنه متوكل. وقد قرر هذه المسألة القرطبي، في تفسيره ١٣/ ١٤، تقريرًا حسنًا.
(١) هكذا: ليعطيك، في الموضعين، في النسخ الثلاث. وفي "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٤: ليطيعك، من الطاعة. ولعله أقرب. والله أعلم.
(٢) أي: حذفها. حاشية "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٣٦٤.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٤. وذكر ابن جرير ١٨/ ١٩٤، قريباً منه. ولم ينسبه.
(٤) ما بين المعقوفين في (ج). وهذه الزيادة غير موجودة في "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٠.
ليأكلون الطعام. وحذفت رسلًا لأن (إلا)، دليل على ما حذف، فأما مثل اللام بعد إلا فقول الشاعر:
ما انطياني ولا سألتهما إلا وإني لحاجزي نسبي (١)
وقال في قول الفراء: وهو خطأ بيِّن؛ لأنه لا يجوز حذف الموصول وتبقية الصلة (٢). وهذه مسألة خلاف بين الكوفيين والبصريين. ذكرنا هذا قديمًا. وعلى ما قال الزجاج، الموصوف محذوف. وعلى قول الفراء، الموصول هو المحذوف.
وذكر ابن الأنباري، قول الفراء واحتج عليه بأبيات ذكرناها قديمًا، فيما مضى من الكتاب؛ منها قول ذي الرُّمة:
فَظَلُّوا ومنهم دمْعُه سابقٌ له.. البيت (٣)
(١) البيت لكُثَيِّر بن عبد الرحمن، وتارة ينسب لصاحبته: عزة، "ديوانه" ٢١٩، وهو من قصيدة يمدح فيها عبد الملك، وعبد العزيز ابني مروان بن الحكم... إنما يريد أنه إذا سألهما وأعطياه حجزه كرمه عن الإلحاف في السؤال. وانطياني: أعطياني. "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٢. وعند سيبويه، والمبرد، وفي الديوان: أعطياني. وقبل هذا البيت:
دع عنك سلمى إذ فات مطلبها واذكر خليليك من بني الحكم
وقد أورده منسوبًا سيبويه ٣/ ١٤٥، والمبرد في "المقتضب" ٢/ ٣٤٦، ولم ينسبه، قال عبد السلام هارون، في تحقيقه للكتاب: الشاهد فيه كسر: إنَّ، لدخول اللام في خبرها، والجملة واقعة موقع الحال، ولو حذف اللام لم تكن إلاَّ مكسورة أيضًا لوقوع الجملة موقع الحال. ونص البيت عند الزجاج، وفي "الكتاب"، كرمي، بدل: نسبي، كما هو في النسخ كلها.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٠.
(٣) "ديوان ذي الرمة" ص ٥٦، وعجزه:
وآخرُ يَثني دمعة العين بالمَهْلِ
وقول آخر:
لو قلتَ ما في قومِها لم تيثمِ يفضُلها في حَسَبٍ ومِيسَمِ (١)
وذكر قولًا آخر فقال: كسرت إنَّ، بعد: إلاَّ، للاستئناف بإضمار واو بتقدير إلا وإنهم، فأضمرت الواو كما أضمرت في قوله: ﴿أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤] والتأويل: أو وهم قائلون.
قوله تعالى: ذكروا فيه ثلاثة أقوال (٢)؛ أحدها: أن هذا في رؤساء المشركين؛ فقراءُ الصحابة جعلوا فتنة لهم (٣). وهو قول: الكلبي، واختيار الفراء (٤). قال الكلبي: ﴿فِتْنَةٌ﴾ بلية، ابتلي الشريف بالوضيع، والعربي بالمولى (٥)، فإذا رأى الشريفُ الوضيعَ قد أسلم قبله حمي أنفًا أن يسلم فيكون مثله، وقال: أُسلم فأكون مثل هذا الوضيع شرعًا سواء (٦). وذكر أبو
= ورواية الديوان:
فظلوا ومنهم دمعه غالب له
وأنشده الفراء كاملاً، ونسبه لذي الرمة، وقال: يريد: منهم من دمعه سابق. "معاني القرآن" للفراء ١/ ٢٧١، في تفسير سورة النساء.
(١) أنشده سيبويه ٢/ ٣٤٥، والفراء "معاني القرآن" ١/ ٢٧١، وابن جني، "الخصائص" ٢/ ٣٧٠، والبغدادي "الخزانة" ٥/ ٦٢، ولم ينسبوه. وفي حاشية الكتاب: البيت لحكيم بن معية. وأصل: تيثم: تأثم، والميسم: الجمال من الوسامة. والشاهد فيه: حذف الموصوف؛ التقدير: لو قلت ما في قومها أحد يفضلها لم تكذب فتأثم.
(٢) ذكر الماوردي ٤/ ١٣٨، أربعة أقوال. وهي قريبة مما ذكر الواحدي.
(٣) "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٦، ولم ينسبه.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٥.
(٥) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢.
(٦) "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٦، ولم ينسبه. ونسبه في "الوسيط" ٣/ ٣٣٧، للكلبي. وكذا في البحر ٦/ ٤٥٠. ويشهد له قوله تعالى: قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾. "تفسير الرازي" ٢٤/ ٦٥.
إسحاق هذا القول فقال: كان الرجل الشريف ربما أراد الإسلام فعلم أن مَنْ دونه في الشرف قد أسلم قَبْله فيمتنع من الإسلام لئلا يقال: أسلم مِن قَبْلِه مَنْ هو دونه (١). ويقيم على كفره لئلا يكون له السابقة والفضل عليه. وذلك افتتان بعضهم ببعض.
القول الثاني: أن هذا عام في جميع الخلق. رُوي ذلك عن أبي الدرداء، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ويل للعالم من الجاهل، وويل للجاهل من العالم (٢)، وويل للسلطان من الرعية، وويل للرعية من السلطان (٣)، وويل للمالك من المملوك، وويل للمملوك من المالك، وويل للشديد من الضعيف، وويل للضعيف من الشديد. بعضهم لبعض فتنة" (٤). فهو قول الله -عز وجل-: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾.
القول الثالث: أن هذا في أصحاب البلاء والمعافين. يقول الفقير: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة الغني. ويقول ذو البلاء؛ كالأعمى، والزَّمِن: لِمَ لَمْ أجعل بمنزلة المعافى (٥) وذكر مقاتل: أن هذا قول في ابتلاء فقراء المؤمنين،
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٢٦. و"معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٥.
(٢) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).
(٣) ما بين المعقوفين، في (ج).
(٤) ذكره هود الهوّاري في تفسيره ٣/ ٢٠٥، فقال: ذكروا عن الحسن قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.. وذكره الثعلبي ٩٤ أ، بإسناده عن الحسن عن أبي الدرداء -رضي الله عنه-. وعنه القرطبي ١٣/ ١٨. وذكره السيوطي ٦/ ٢٤٤، عن الحسن، يرفعه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، مع اختلاف في اللفظ. ونسبه لابن أبي شيبة. ولكني لم أجده عنده. والحسن، هو البصري، ثقة فقيه فاضل مشهور، لكنه كان يرسل كثيرًا، ويدلس. "السير" ٤/ ٥٦٣، و"جامع التحصيل" ١٩٤، و"التقريب" ٢٣٦. وقد عنعن الحسن في هذا الحديث فهو بهذا الإسناد لا يصح رفعه، فلعله من كلام الحسن. والله أعلم.
(٥) ذكر هذا القول ابن جرير ١٨/ ١٩٤، عن الحسن. ونحوه عن ابن جريج. ويشهد =
نحو: بلال، وخباب، وأبي ذر، وابن مسعود، وصهيب، وعمار، بالمستهزئين من قريش كانوا يقولون: انظروا إلى هؤلاء الذين تبعوا محمدًا من موالينا، [وأعواننا رذلة] (١) كل قوم، فقال الله لهؤلاء الفقراء: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ على الأذى والإستهزاء (٢) ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ إن صبرتم. فصبروا، ولم يجزعوا. فأنزل الله فيهم: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: ١١١] أي: في الدنيا على الأذى والإستهزاء من كفار قريش (٣).
وقال الفراء، على قول الكلبي ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ (٤) يقول: هو هذا الذي
= لهذا حديث أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- عَنْ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ منه" البخاري، كتاب الرقاق، رقم: ٦٤٩٠، الفتح ١١/ ٣٢٢. ومسلم ٤/ ٢٢٧٥، كتاب الزهد، رقم: ٢٩٦٣.
(١) ما بين المعقوفين، من "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. لأن ما في النسخ الثلاث لا يستقيم به المعنى.
(٢) فليس لمن قد فتن فتنة دواء مثل الصبر. "إغاثة اللَّهفان" ٢/ ١٥٧.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. وذكره عن مقاتل الثعلبي ٩٤ ب. ذكر الهواري ٣/ ٢٠٦، عن بعض المفسرين أن هذه الآية في الأنبياء وأقوامهم. ونسبه الماوردي ٤/ ١٣٨، ليحيى بن سلام، ويشهد لهذا قوله تعالى: قال تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ ومن السنة قوله -صلى الله عليه وسلم-: "ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم... وقال: إنما بعثتك لأبتليك، وأبتلي بك". صحيح مسلم ٤/ ٢١٩٧، كتاب الجنة، رقم: ٢٨٦٥. ولا مانع من حمل الآية على الكل لأن بين الجميع قدراً مشتركاً. تفسير الرازي ٢٤/ ٦٦. فالخطاب لجميع الناس، لاختلاف أحوالهم. "تفسير ابن جزي" ٤٨٣. وانظر: "إغاثة اللَّهفان" ٢/ ١٥٥. فهذه الأقوال التي ذكرها الواحدي لا تعارص بينها فهي تفسير للآية بالمثال. والله أعلم.
(٤) يعني بقول الكلبي ما سبق ذكره من فتنة الشريف من قريش بمن هو دونه. وذكر =
ترون. فمعناه: هو هذا السبق على قدر الدرجات. وقال أبو إسحاق: أي: أتصبرون على البلاء فقد عرفتم ما وُعِد الصابرون (١).
وقال صاحب النظم: ليس لقوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ في الظاهر انتظام ما اتصل به من اللفظ؛ لأن فيه إضمارًا كأنه يقول: لنعلم أتصبرون أم لا. فأومأ بقوله: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ إلى هذا الإضمار لأنه يقتضيه.
وذكر عطاء عن ابن عباس قولًا آخر في هذه الآية؛ وهو: أن الله تعالى لما ذكر أن من أرسل قبله كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ذكر أنه جعل محمدًا -صلى الله عليه وسلم- سبب ضلالة من أنكروا نبوته بقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ﴾ يعني: محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ﴿لِبَعْضٍ﴾ يعني: المشركين ﴿فِتْنَةً﴾ ضلالة، ثم قال لنبيه: ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ يريد: اصبر. هذا الذي ذكرنا معنى قوله (٢).
ويجوز أن يكون الاستفهام يراد به الأمر كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١] أي: انتهوا. كذلك هاهنا أُمر النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه بالصبر على ما يسمعون من المشركين (٣) ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٤) أي: بمن يصبر
= الفراء هذا القول ٢/ ٢٦٥، ولم ينسبه. وعلى هذا يكون الخطاب هنا لكفار قريش. أي: أتصبرون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلمان وأصحابه حتى تكونوا معهم في الدين والأمر سواء. "تنوير المقباس" ص ٣٠٢.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٢٦.
(٢) أي: معنى قول ابن عباس -رضي الله عنهما-. قال الضحاك، في معنى: قوله تعالى. ﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ أي: على الحق. القرطبي ١٣/ ١٨.
(٣) "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٦. و"تفسير أبي حيان" ٦/ ٤٥٠.
(٤) في هذه الآية تكريم للنبي -صلى الله عليه وسلم- بإضافته لربوبية الله.
وبمن يجزع (١). وقال ابن عباس: يريد بما تعملون (٢).
٢١ - قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ قال المفسرون، وأهل المعاني: لا يخشون ولا يخافون البعث (٣).
كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ [يونس: ٧] ﴿لَوْلَا﴾ هلا (٤) ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ وكانوا رسلًا إلينا (٥) ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ فيخبرنا أنك
(١) أخرج هذا ابن جرير ١٨/ ١٩٥، عن ابن جريج. وذكره الثعلبي ٩٤ ب، ولم ينسبه. ونسبه له الماوردي ٤/ ١٣٨.
(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٦، عن عبيد بن عمير: قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ قال: يعني: الناس عامَّة. ولم ينسبه لابن عباس. وقال السمرقندي ٢/ ٤٥٧: عالماً بمن يصلح له الغنى، والفقر. وقال الماوردي ٤/ ١٣٩: بصيراً بالحكمة فيما جعل بعضكم لبعض فتنة. ولا تعارض بينها. ولم يذكره الواحدي -رحمه الله- في "الوسيط" ٣/ ٣٣٧.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٥. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٣. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١٢. و"الطبري" ١٩/ ١. وحكى الماوردي ٤/ ١٣٩، فيها ثلاثة أقوال، هذا أحدها ونسبه للسدي، والثاني: لا يبالون، قاله ابن عمير، والثالث: لا يأملون. وهي متقاربة. وفي "تفسير الطوسي" ٧/ ٤٨٢ وإذا استعملوا الرجاء مع النفي أرادوا به الخوف، كقوله تعالى: ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾. وأما ابن عطية ١١/ ٢٣، فقد ذهب إلى أن الرجاء هنا على بابه؛ لأن خوف لقاء الله تعالى مقترن أبداً برجائه، وفي ذكر الكفار بنفي الرجاء تنبيه على غبطة ما فاتهم من رجاء الله تعالى. وهذا توجيه حسن. واختاره ابن جزي ٤٨٣. وأبو حيان ٦/ ٤٥٠. والشوكاني ٤/ ٦٧.
(٤) "تنوير المقباس" ص ٢، ٣ أ. و"تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. و"تفسير هود الهواري" ٣/ ٢٠٦. و"تفسير الطبري" ١٩/ ١ و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٣.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. وطلبهم إنزال الملائكة إما ليكونوا رسلاً إليهم كما ذكر الواحدي هنا، واقتصر عليه، وكذا في "الوسيط" ٣/ ٣٣٨. وإما لكي يصدقوا الرسول. كما قال تعالى ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾. وذكره في "الوجيز" ٢/ ٧٧٧، واقتصر عليه. وذكر الوجه الثاني الهوَّاري ٣/ ٢٠٦، واقتصر =
رسوله (١). قال الكلبي ومقاتل: نزلت في مشركي مكة؛ أبي جهل، وأصحابه (٢). طلبوا من الآيات ما لم يأت أمةً من الأمم (٣).
قال الله -عز وجل-: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ قال ابن عباس ومقاتل: يعني: تكبروا (٤) حيث سألوا الله -عز وجل- الشَّطَط (٥)؛ لأن الملائكة لا تُرى إلا عند الموت، أو عند نزول العذاب (٦).
= عليه. وكذا ابن جرير ١٩/ ١. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٦، بسنده عن قتادة: أي: فنراهم عياناً. ولم يذكر غيره. وذكر الثعلبي ٨/ ٩٤ ب، القول الثاني. وذكر الماوردي ٤/ ١٤٠، القولين. وذكر ابن كثير ٦/ ١٠١، قولاً ثالثاً، وهو عنادهم في قولهم ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ أي: بالرسالة، كما تنزل على الأنبياء، كما أخبر الله عنهم في الآية الأخرى ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾.
(١) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. بمعناه. و"تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. و"تفسير هود" ٣/ ٢٠٦. وهذا كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ * أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء٩٠، ٩٢] "تفسير الطبري" ١٩/ ١، وأخرج بسنده عن ابن جريج، أنه قال قال كفار قريش ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فيخبرونا أن محمداً رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وهذا منهم مشابهة لليهود في قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]. وهذا كله على سبيل التعنت، وإلا ففيما جاءهم به من المعجزات كفاية. "تفسير أبي حيان" ٦/ ٤٥٠. وحتى لو أجيبوا فيما طلبوا لم يحصل منهم الإيمان ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ [الأنعام: ١١١].
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. و"تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ، وفيه تسمية من نزلت فيهم.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٣. بنصه. وهو في "الوسيط" ٣/ ٣٣٨، غير منسوب أيضًا.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. وما بعده غير موجود فيه. فلعله من كلام الواحدي. رحمه الله.
(٥) الشَطَط: مجاوزة القدر، قال تعالى: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] "مجمل اللغة" لابن فارس ٢/ ٤٩٦. و"القاموس المحيط" ٨٧٠.
(٦) الذي في "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ، هو ما ذكره الواحدي بعد ذلك. وأما ما ذكره. =
﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قال مقاتل: علوا في القول علوًا شديدًا حين قالوا: ﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ (١). وقال ابن عباس: والله لا تدركه الأبصار فلا عين تراه. هذا كلامه (٢). وإنما وصفوا بالعتو عند طلب الرؤية؛ لأنهم طلبوها في الدنيا عنادًا للحق، وإباءً على الله ورسوله في طاعتهما (٣).
= هنا فلم أجده، وقد نقله القرطبي ١٣/ ٢٠، بنصه. وليس فيه نسبته لابن عباس، ولا مقاتل، ولعل هذا هو الصواب. على أنه لا يتوجه لومهم على مجرد طلبهم نزول الملائكة، وإنما لومهم على أنهم ما طلبوا ذلك للإيمان وإنما طلبوه استكباراً وعتواً. والله أعلم. قال ابن جزي ٤٨٣: وقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ كما يقول: فلان عظيم في نفسه. أي: عند نفسه، أو بمعنى: أنهم أضمروا الكفر في أنفسهم.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ.
(٢) قول ابن عباس -رضي الله عنهما-، إذا ثبتت نسبته له؛ محمول على رؤية الله تعالى في الدنيا، أما الرؤية في الآخرة فهي ثابتة؛ قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣] وقال جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الله -رضي الله عنه- قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً يَعْنِي الْبَدْرَ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لا تُغْلَبُوا عَلَى صَلاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ ". أخرجه البخاري، كتاب مواقيت الصلاة، رقم: ٥٥٤، "الفتح" ٢/ ٣٣. ومسلم ١/ ٤٣٩، كتاب المساجد، رقم: ٦٣٣.
وقد ألفت في ذلك كتب خاصة، مثل: "كتاب الرؤية" للدارقطني، ت: ٣٨٥ هـ. ولم أجد هذا القول ولا نسبته لابن عباس.
ولم يتعرض الواحدي هنا للرد على المعتزلة، القائلين بنفي رؤية الله -عز وجل-، حيث جعل القاضي عبد الجبار، هذه الآية دليلاً على مذهبه، فقال: يدل على نفي الرؤية، لأنه تعالى عَظَّم هذا القول من قائله، ولو كانت الرؤية جائزة، لم يجب ذلك فيه. "متشابه القرآن" ص ٥٢٩.
(٣) قال الهوَّاري في تفسيره ٣/ ٢٠٦: وعصوا عصياناً كبيراً. قال الزمخشري ٣/ ٢٦٥: وأن الله لا يصح أن يُري.. وقد وصف العتوَّ بالكبير فبالغ في إفراطه، يعني أنهم =
قال أبو إسحاق: والعتو في اللغة: المجاوزة في القدر في الظلم (١). وقد مَرَّ (٢).
ثم أعلم الله تعالى أن الوقت الذي يرون فيه الملائكة هو يوم القيامة وأن الله قد حرمهم البشرى في ذلك اليوم فقال (٣):
= لم يجسروا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار، وأقصى العتو. وهو مبني على مذهبه الاعتزالي في إنكار رؤية الله -عز وجل- مطلقاً، في الدنيا والآخرة. والصواب أن وصفهم بالعتو الكبير ليس لأجل طلبهم رؤية الله -عز وجل-، وإنما لأنهم لم يطلبوا الرؤية للإيمان، وإنما طلبوها عناداً واستكباراً. ويدل لذلك أن نبي الله موسى -صلى الله عليه وسلم- قد طلب رؤية الله -عز وجل-: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ الآية [الأعراف: ١٤٣] فلم يُلَم على طلبه الرؤية، ولم تتحقق له لعجزه في الدنيا، كما هو ظاهر من سياق الآية. وعلى هذا فإن ما ذكره الطوسي ٧/ ٤٨٢، وكذا الطبرسي ٧/ ٢٦٠، عن الجبائي أنه قال: وذلك يدل على أنهم كانوا مجسمة، فلذلك جوَّزوا الرؤية على الله التي تقتضي التشبيه. يلزم منه أن يكون نبي الله موسى -صلى الله عليه وسلم- كذلك! والرد هو ما سبق. ثمَّ وجدت قريباً من هذا الرد للرازي ٢٤/ ٧٠. قال البرسوي ٦/ ٢٠٠: ومن لطائف الشيخ نجم الدين في تأويلاته، أنه قال: يشير إلى أن الذين لا يؤمنون بالآخرة والحشر من الكفار يتمنون رؤية ربهم بقولهم: ﴿أَوْ نَرَى﴾ فالمؤمنون الذين يدَّعون أنهم يؤمنون بالآخرة والحشر كيف ينكرون رؤية ربهم! وقد ورد بها النصوص فلمنكري الحشر عليهم فضيلة بأنهم طلبوا رؤية ربهم وجوزوها كما جوزوا إنزال الملائكة. وهذا كلام حسن يقابل ما ذكره الجبائي.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٣. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٦، بسنده عن عكرمة أنه قال: العتو في كتاب الله: التجبر.
(٢) قال الواحدي عند تفسير قول الله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ [الأعراف: ٧٧]: يقال: عتا يعتو عُتُواً؛ إذا استكبر، ومنه يقال: جبار عات. قال مجاهد: العتو: الغلو في الباطل.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٣، بنصه.
٢٢ - ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ وهذا جواب لقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ أُخبروا أنهم إذا رأوا الملائكة فلا بشرى لهم يومئذ. قال أبو إسحاق: ﴿يَوْمَ﴾ منصوب على وجهين: أحدهما: على معنى: لا بشَّرَى تكون للمجرمين يوم يرون الملائكة، ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ هو مؤكدِّ لـ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ﴾ ولا يجوز أن يكون منصوبًا بـ ﴿لَا بُشْرَى﴾ لأن ما اتصل بـ: ﴿لَا﴾ لا يعمل فيما قبلها. ألا ترى أنك لا تقول: زيد إلا ضارب كما تقول: لا ضارب زيدًا (١). ولكن لما قيل: ] (٢) لا بشرى للمجرمين، صار كأنه قيل: يمنعون البشرى يوم يرون الملائكة (٣). والوجه الآخر: أن يكون منصوبًا على معنى: اذكر يوم يرون الملائكة (٤).
ثم أخبر فقال: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قال مجاهد: يعني: يوم القيامة (٥). وهو قول مقاتل، وعطية، والأكثرين (٦). وقال عطاء عن ابن عباس: يعني: عند الموت (٧).
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٦. من قوله: ألا ترى، إلى الحاشية، رقم: ٢. وما بعده فمن الزجاج.
(٢) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).
(٣) قال السمين الحلبي: ولا يجوز أن يعمل فيه نفس البشرى لوجهين: أحدهما: أنها مصدر، والمصدر لا يعمل فيما قبله. والثاني: أنها منفية بـ: لا، وما بعدها لا يعمل فيما قبلها الدر المصون ٨/ ٤٧٠.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٤. وفيه: يجمعون البشرى يوم القيامة. وعند الواحدي: يمنعون. وهو الصواب. وذكر هذا الزمخشري ٣/ ٢٦٦.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٧. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٤٩.
(٦) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٧، عن أبي سعيد الخدريّ -رضي الله عنه-، وعطية العوفي، والضحاك.
(٧) "تنوير المقباس" ص٣٠٢. وبه قال الهوري ٣/ ٢٠٦ وقد استدل الحافظ ابن=
وقوله: ﴿لِلْمُجْرِمِينَ﴾ قال أبو إسحاق: المجرمون: الذين اجترموا الذنوب. وهو في هذا الموضح الذين اجترموا الكفر بالله عز وجل (١).
قوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: حرامًا محرمًا. قاله ابن عباس، وجميع المفسرين (٢). وأصل الحَجْر في اللغة: المنع. وحَجْرُ القضاةِ على الأيتام إنما هو منعهم. والحُجْرَة: ما حُوِّط عليه. وما مُنِعت من الوصول إليه فهو: حِجر. بكسر الحاء (٣).
قال ابن قتيبة: وإنما قيل للحرام حِجر؛ لأنه حُجر عليه بالتحريم.
= كثير ٦/ ١٠١، على رؤية المشركين للملائكة وقت الإحتضار بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾: [الأنفال:٥٠] وبقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ثمَّ قال: وهذا بخلاف حال المؤمنين حال احتضارهم فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، وجمع بين القولين؛ فقال: ولا منافاة بين هذا وما تقدم فإن الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٤. وهو قول الهوَّاري ٣/ ٢٠٦.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ أ. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٧٦، عن الحسن، وقتادة وبه قال الهوَّاري ٣/ ٢٥٦. وابن جرير ١٩/ ٢، وأخرج عن: الضحاك، وقتادة وزاد ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٧: عطاء الخراساني. وبه قال السمرقندي ٢/ ٤٥٧. وهو قول سيبويه، "الكتاب" ١/ ٣٢٦. والمبرد، المقتضب ٣/ ٢١٨.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٣. ونقله عنه إلازهري، "تهذيب اللغة" ٤/ ١٣٢ (حجر).
يقال: حَجرت حِجرًا، واسم ما حجرت حِجْرٌ (١). ومنه: حِجْر البيت (٢).
والحِجْر: العقل؛ لأنه يمنع صاحبه من التخطي إلى القبيح (٣). والأنثى من الأفراس: حِجْرٌ؛ لأنها تحجر ماء الفحل في بطنها. هذا كلام أبي عبيدة والمبرد والزجاج (٤).
وذكرنا تفسير الحِجْر عند قوله: ﴿وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨] (٥).
واختلفوا في أنَّ هذا مِن قول مَنْ؟ فالأكثرون على أنه من قول الملائكة (٦).
قال عطاء عن ابن عباس: تقول الملائكة: محرمًا أن (٧) يدخل الجنة إلا من قال: لا إله إلا الله، وقام بشرائعها. ونحوه قال الكلبي (٨).
وقال مقاتل: إن الكفار إذا خرجوا من قبورهم قال لهم الحفظة من الملائكة: حرامًا محرمًا عليكم أيها المجرمون أن يكون لكم البشرى كما بُشر المؤمنون (٩).
(١) "غريب القرآن" لابن قتية ص ٣١٢.
(٢) قال ابن جرير ١٩/ ٢؛ لأنه لا يدخل إليه في الطواف، وإنما يطاف من ورائه.
(٣) قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر:٥].
(٤) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٣. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٣.
(٥) ما ذكره الواحدي هنا أكثر وأوسع مما أحال عليه، حيث اقتصر في تفسير الحجر في آية الأنعام على قوله: معنى الحجر في اللغة: الحرام، وأصله من المنع، ومنه سمي العقل حجراً لمنعه عن القبائح، وفلان في حجر القاضي، أي: منعه.
(٦) ذكر ذلك ابن جرير ١٩/ ٢، عن الضحاك، وقتادة، ومجاهد. وبه قال الزجاج٤/ ٦٤.
(٧) في (ج): (حرامًا في أن يدخل).
(٨) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وفيه نسبة القول للملائكة، دون ما بعده.
(٩) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ب.
وقال عطية: إذا كان يوم القيامة تلقى الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا للملائكة: بشرونا، فيقولون: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: حرامًا محرمًا أن نلقاكم بالبشرى (١). وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج وابن قتيبة والأزهري؛ قال الفراء وابن قتيبة: حرامًا محرماً أن يكون لهم البشرى (٢).
وقال الزجاج: حرامًا محرمًا عليهم البشرى (٣).
وقال الأزهري: حُجِرَتْ عليكم البشرى فلا تبشرون بخير (٤).
وقال آخرون: هذا من قول المجرمين للملائكة (٥)، وهذا قول مجاهد وابن جريج، واختيار أبي عبيدة والليث؛ قال مجاهد: عوذًا معاذًا
(١) (بالبشرى) في (ج). وأخرجه ابن أبي حاتم ٩/ ٢٦٧٧، عن عطية العوفي، بمعناه.
(٢) "معاني القرآن" للفراء٢/ ٢٦٦. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١٢.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٣.
(٤) "تهذيب اللغة"٤/ ١٣٢ (حجر). وبه قال الهوَّاري ٣/ ٢٠٦.
(٥) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢، حيث جعل هذا القول مشتركاً بين الملائكة، والمجرمين. وذكر الزمخشري ٣/ ٢٦٦، أن هذا من قول المجرمين، ثم قال: وقيل: هو من قول الملائكة. وقد ردَّ ابن جرير ١٩/ ٣، هذا القول؟ فقال: معلوم أن الملائكة هي التي تخبر أهل الكفر أن البشرى عليهم حرام. وأما الاستعاذة فإنها الاستجارة، وليست بتحريم، ومعلوم أن الكفار لا يقولون للملائكة: حرام عليكم، فيوجه الكلام إلى أن ذلك خبر عن قيل المجرمين للملائكة. وذكر الماوردي ٤/ ١٤١، أن هذا من قول الكفار لأنفسهم. ونسبه لقتادة. وبيَّن ذلك ابن عطية ١١/ ٢٦، بقوله: ويحتمل أن يكون المعنى: ويقولون: حرام محرم علينا العفو. قال ابن كثير ٦/ ١٠٣: وهذا القول وإن كان له مأخذ ووجه، ولكنه بالنسبة إلى السياق بعيد، لا سيما وقد نص الجمهور على خلاف.
يستعيذون من الملائكة (١)، ويقولون مقالة الجاهلية عند الاستعاذة.
وقال ابن جريج: كانت العرب إذا نزلت بهم شدة (٢) شديدة، أو رأوا ما يكرهون قالوا: حجرًا محجورًا، فقالوا حين عاينوا الملائكة هذا (٣).
وقال أبو عبيدة: كان الرجل من العرب إذا لقي رجلاً في الشهر الحرام وبينهما تِرَة (٤) يقول: حجرًا محجورًا. أي؟ دمي عليك حرام. فالمشركون يوم القيامة يقولون للملائكة مثل ذلك (٥).
وقال الليث: كان الرجل في الجاهلية يلقى رجلاً يخافه في الشهر الحرام فيقول: حجرًا محجورًا. أي: حرام محرم عليكم (٦) في هذا الشهر فلا يَنْدَاه بشر. فإذا كان يوم القيامة رأى المشركون الملائكة فقالوا: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ وظنَّوا أن ذلك ينفعهم عندهم كفعلهم (٧) في الدنيا (٨).
(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣، وابن أبي حاتم ٩/ ٢٦٧٨، بلفظ: عوذاً معاذاً. الملائكة تقوله. وكذا في "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٤٩، و"تفسير الهواري" ٣/ ٢٠٧. فهو خلاف ما حكاه عنه الواحدي. رحمه الله. من أن هذا من قول المجرمين. لكن أخرج ابن جرير ١٩/ ٣، عن ابن جريج عن مجاهد أنه قال: عوذاً، يستعيذون من الملائكة. وسبق ذكر نقد ابن جرير لهذا القول.
(٢) (شدة) في (ج).
(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٦٧، نحوه عن الحسن، وقتادة وأخرجه عنهما ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٨، من طريق عبد الرزاق.
(٤) قال الترمذي ٥/ ٤٣٠، كتاب: الدعوات، حديث رقم: ٣٣٨٠: قال بعض أهل العربية: التِّرَةُ، هو: الثأر. ولم أجده عند غيره
(٥) لم أجد قول أبي عبيدة، في كتابه: "المجاز". وقريب منه في "تفسير أبي حيان" ٦/ ٤٥١، منسوبًا لأبي عبيدة وكذا في "نظم الدرر" ١٣/ ٣٧٥.
(٦) هكذا في النسخ الثلاث: عليكم. وأما في "تهذيب اللغة" ١٣١/ ٤ (حجر)، و"لسان العرب" ٤/ ١٦٧: عليك.
(٧) في (ج): (كقولهم).
(٨) "العين" ٣/ ٧٤ (حجر)، وفيه: فلا يبدؤه بشر. وذكره الأزهري، "تهذيب اللغة" =
وذكر صاحب النظم القولين جميعًا، فقال: هذا نظم كان في أول الدهر ثم درج، كان الرجل منهم إذا أراد حرمان الرجل شيئًا يسأله، أو يطمع فيه، قال: حجرًا محجورًا، فيعلم السائل بذلك أنه لا يريد أن يفعل، ومنه قول الشاعر:
حَنَّتْ إلى النَّخْلَةَ القُصوَى فقلتُ لها حِجْرٌ حَرَامٌ ألا تِلكَ الدَّهاريس (١)
ويقال فيه: إن معناه أن الرجل من العرب كان إذا سافر فخاف على نفسه قومًا لَقَوه، قال: حجرًا محجورًا، أي: حرامًا محرمًا عليِكم (٢) التعرض لي. وعلى هذا يجب أن يكون هذا القول من الكفار، وذلك أنهم إذا رأوا الملائكة يوقعون (٣) بهم ضربًا وتعذيبًا قالوه؛ لأنهم كانوا لا
= ٤/ ١٣١ (حجر)، وفيه: فلا ينداه منه بشر. وفي "لسان العرب" ٤/ ١٦٧: فلا يبدؤه منه بشر. وفي النسخ الثلاث قبل: فلا ينداه.. :إلا يداً. ومعناها في سياق الكلام غير واضح. ولم أجدها في المراجع السابقة. ولذا رأيت حذفها والإشارة إلى ذلك. ومعنى ينداه: يصله. "تهذيب اللغة" ١٤/ ١٩٢ (ندأ).
وقد رد الأزهري قول الليث بقوله: فإن أهل التفسير الذين يُعتمدون مثل ابن عباس، وأصحابه فسروه على غير ما فسَّره الليث. وهذا منهج حسن؛ لأن الصحابة -رضي الله عنهم- هم أئمة التفسير.
(١) أنشده أبو عبيدة ٢/ ٧٣، ونسبه للمُتَلَمَّس، وفيه: النخلة، بالتعريف كما في النسخ الثلاث، خلافاً لما في "ديوان المتلبس" ٩٦، وكذا ابن جرير ١٩/ ٢، والماوردي ٤/ ١٤١. وفي "معجم البلدان" ٥/ ٣٢٠: نخلةَ القصوى: واحدة النخل، والقصوى تأنيث الأقصى، ثم ذكر بيت المتلبس. وفي "حاشية الديوان": نصب: نخلة القصوى؛ لأنه واد. والدهاريس: الدواهي، الواحدة: دَهْرَس. "تهذيب اللغة" ٦/ ٥٢١ (دهرس).
(٢) في نسخة: (أ)، (ب): (عليك).
(٣) هكذا في النسخ الثلاث: (يوقعون).
يقولون ذلك في الدنيا إلا استعاذة ممن يريدهم بسوء. وإذا حمل على المعنى الذي قبله، وجب أن يكون من قول الملائكة؛ لأنه إئياس منهم لهم من الخير. انتهى كلامه.
وفي الآية قول ثالث؛ وهو: أنَّ قوله: (حِجْرًا) من قول الكفار، و: ﴿مَحْجُورًا﴾ من قول الملائكة. وهو قول الحسن؛ قال: كانو إذا خافوا شيئًا قالوا: حجرًا. يتعوذون منه. فإذا كان يوم القيامة قالوا: (حِجْرًا) قالت الملائكة: ﴿مَحْجُورًا﴾ أن تُعَاذوا من شر هذا اليوم. فحجر الله ذلك عليهم يوم القيامة (١). قال الأزهري: والقول الأول أشبه بكلام العرب، والآية أحرى أن تكون كلامًا واحداً لا كلامين (٢). والله أعلم (٣).
٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال الأزهري: يقال قدم فلان إلى أمر كذا، أي: قصده. وذكر هذه
(١) "تهذيب اللغة" ٤/ ١٣٢ (حجر) بمعناه. وعلى هذا الوقف على (حِجْراً) وقف تام، القطع والائتناف ٢/ ٤٨١، حيث نسب هذا الوقف للحسن، دون شرح القول. ولم أجد أحداً نسب هذا القول للحسن باللفظ الذي ذكره الواحدي، غير الأزهري. وذكره الرازي ٢٤/ ٧١، ونسبه للقفال، والواحدي، وفي كلامه ما يُشعر باختيار الواحدي لهذا القول؛ وهذا ليس بصواب فإن الواحدي في كتابيه: "الوسيط"، و"الوجيز"، لم يذكر هذا القول مطلقاً، وإنما ذكره هنا، وذكر بعده ردَّ الأزهري. فعبارة الرازي تحتاج إلى تحرير. وذكره القرطبي ١٣/ ٢١، وذكر عن الحسن أيضًا أيضًا قال: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا﴾ وقف من قول المجرمين، فقال الله عز وجل: ﴿مَحْجُورًا﴾ عليهم أن يعاذوا أو يجابوا.
(٢) "تهذيب اللغة" ٤/ ١٣٢ (حجر)، ويعني بالقول الأول، أن ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ من قول الملائكة.
(٣) (والله أعلم) فى (ج).
الآية (١). قال ابن عباس: لم يكن الله تعالى غائبًا عن أعمالهم؛ ولكن يريد: وعمدنا (٢). وهذا قول مجاهد والكلبي والفراء والزجاج، كلهم قالوا: عمدنا (٣).
وقال مقاتل: وجئنا (٤). وأراد بلفظ المجيء: القصد أيضًا.
قال أبو إسحاق: معنى قدمنا: عمدنا، وقصدنا. كما تقول: قام فلان يشتم فلانًا، يريد: قصد إلى شتم فلان. ولا يريد: قام من القيام على الرجلين (٥).
قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ قال النضر بن شميل: الهباء: التراب الذي تُطيرِّه الريح (٦).
وقال الليث: الهبوة: غبار ساطع في الهواء كأنه دخان، يقال هَبَاءً يَهبوُ هَبوًا إذا سطع. وأهبا الفرسُ الترابَ إهباءً، إذا أثاره. والهَباء: دقاقُ التُّراب ساطعُه ومنثورُه على وجه الأرض (٧).
(١) "تهذيب اللغة" ٩/ ٤٨ (عمد)، ومن قبله ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص ١٣٨.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٥٢. وفيه: عمدنا. دون ما قبله. وهو بنصه في "الوسيط" ٣/ ٣٣٨.
(٣) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٤٩. و"معاني القرآن" للفراء٢/ ٢٦٦. وقاله ابن قتيبة، غريب القرآن ٣١٢. والهوَّاري ٣/ ٢٥٧. وابن جرير ١٩/ ٣. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٨، عن مجاهد، والسدي، وسفيان الثوري. ونسبه السمرقندي ٢/ ٤٥٧، للكلبي. وهو في "تنوير المقباس" ص ٣٠٢.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب، بلفظ: يعني: وجئنا، ويقال: وعمدنا.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٤.
(٦) "تهذيب اللغة" ٦/ ٤٥٤ (هبا)، بنصه، وتتمته: فتراه على وجوه الناس وجلودهم وثيابهم يَلْزَق لُزوقاً.
(٧) "كتاب العين" ٤/ ٩٦ (هبو)، ونقله عنه إلازهري، "تهذيب اللغة" ٦/ ٤٥٤ (هبا). =
وقال أبو عبيدة: الهباء مثل الغبار يدخل البيت من الكُوة إذا طلعت الشمس ليس له منثر (١).
وقال أبو إسحاق: الهباء: ما يدخل من الكوة مع ضوء الشمس شبيهٌ بالغبار (٢). وهذا قول عكرمة (٣) ومجاهد (٤) والحسن (٥) والسدي والضحاك (٦) والكلبي (٧)، وأكثر المفسرين قالوا: هو الغبار الذي يكون في الشمس يدخل من الكوة كأنه الدقيق (٨).
وقال قتادة: هو: ما تذرو الرياح من حطام الشجر (٩). وهو قول ابن
=قال الفراء ٢/ ٢٦٦: والهباء: ممدود غير مهموز في الأصل، يصغر هُبَيٌ كما يصغر الكساء كُسَىٌ.
(١) هكذا في النسخ الثلاث: (منثر)؛ وهي غير واضحة. وفي "مجاز القرآن" ٢/ ٧٤: مثل الغبار إذا طلعت فيه الشمس وليس له مسٌ ولا يُرى في الظل.
وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٢: ويقال: كشيء يحول في ضوء الثمس إذا دخلت في كوة يُرى، ولا يُستطاع أن يمس.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٤. وفيه: شبيهٌ بالضم، ولكن أبدله المحقق إلى: شبيهاً، وأشار إلى ذلك في الحاشية، ولم يبين سبب التغيير، ولا حاجة لذلك؛ فهو بالرفع ليس بخطأ حتى يصحح.
(٣) أخرجه ابن جرير ٤/ ١٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٨.
(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٨. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٤٩.
(٥) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٧. وابن جرير ١٩/ ٤. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩.
(٦) أخرجه عنهما ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩.
(٧) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٥٧.
(٨) ذكر نحوه ابن جرير ٤/ ١٩، عن ابن زيد. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩، نحوه عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-.
(٩) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٧. وعنه ابن جرير ١٩/ ٤.
عباس في رواية عطاء الخراساني (١)، وقول سعيد بن جير. وقال مقاتل: يعني: كالغبار الذي يسطع من حوافر الدواب (٢). وهو قول ابن عباس في رواية عطاء بن أبي رباح، قال: هو ما يخرج من سنابك الخيل إذا ركضت (٣). والمنثور: المفرق (٤).
قال الزجاج: وتأويله: أن الله -عز وجل- أحبط أعمالهم حتى صارت بمنزلة الهباء المنثور (٥). والمعنى: فجعلناه باطلاً (٦).
(١) أخرج البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما، معلقًا بصيغة الجزم، (هَبَاءً مّنْثُوراً) ما تسفي به الريح. الفتح ٨/ ٤٩٠. ووصله ابن جرير ١٩/ ٤، من طريق ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس مثله، وزاد: ويبثه. وأخرج أيضًا ١٩/ ٥، من طريق علي بن أبي طلحة: (هَبَاءً مّنثُوراً) الماء المهراق.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب. و"تفسير هود الهوّاري" ٣/ ٢٠٧. ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩، نحوه عن: علي -رضي الله عنه-.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢، بمعناه. قال ابن قتيبة: والهباء المنبث: ما سطع من سنابك الخيل. "تأويل مشكل القرآن" ص ١٣٩، و"غريب القرآن" ص ٣١٢. وقال ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩: وروي عن ابن عباس، في بعض الروايات، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والضحاك، نحو ذلك. والسنابك، جمع: سُنْبُك، وهو: طَرَف الحافر. "القاموس المحيط" ١٢١٨.
(٤) وصف الهباء بالمنثور؛ لأنك تراه منتظمًا مع الضوء، فإذا حركته الريح رأيته قد تناثر وذهب كل مذهب. تفسير الزمخشري ٣/ ٢٦٧.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٤.
(٦) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٦، بلفظ: ﴿هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ أي: باطلاً. وقد أوصل ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٧٩، اختلاف المفسرين في الهباء المنبث، إلى خمسة أقوال. وكذا الماوردي ٤/ ١٤١. وابن الجوزي ٦/ ٨٣. وليس بينها تعارض بل يمكن أن تحمل الآية عليها، إذ المعنى كما قال الواحدي: فجعلناه باطلاً. وكل ما ذكر من الأقوال السابقة يصلح مثالاً على ذلك. والله أعلم. قال ابن كثير٦/ ١٠٣: وحاصل هذه =
ثم أعلم فضل أهل الجنة على أهل النار فقال (١).
٢٤ - ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ قال ابن عباس: يعني يوم القيامة (٢) ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ موضع قرار من المشركين.
قال ابن عباس: يريد في ظل عرش الرحمن.
وقال مقاتل: أفضل منزلًا في الجنة (٣). والكلام في نظير هذا وهو قوله: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥] قد تقدم.
وقال الفراء في هذه الآية: أهل الكلام إذا اجتمع لهم أحمق وعاقل لم يستجيزوا أن يقولوا لأحدهما: هذا أعقل الرجلين. ويقولون: لا نقول ذلك إلا لعاقلين يفضل أحدهما صاحبه. وقد قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ فجعل أهل الجنة خيرًا مستقرًا من أهل النار، وليس في مستقر أهل النار شيء من الخير فاعرفْ ذلك من خَطَائهم (٤).
= الأقوال التنبيه على مضمون الآية، وذلك أنهم عملوا أعمالاً اعتقدوا أنها شيء، فلما عرضت على الملك الحكيم العدل الذي لا يجور ولا يظلم أحداً، إذا إنها لا شيء بالكلية. وسبب بطلانها لفقدها شرط القبول. قال الثعلبي ٩٤ أ، أي: باطلاً لا ثواب لهم؛ لأنهم لم يعملوه لله -سبحانه وتعالى-، وإنما عملوه للشيطان.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٤، بنصه.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٠، بسنده عن سعيد بن جبير -رضي الله عنه-.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨١، عن قتادة. وذكره السمرقندي ٢/ ٤٥٧، ولم ينسبه.
(٤) "معاني القرآن" للفراء٢/ ٢٦٧. و: خطائهم: جمع خطأ. "تهذيب اللغة" ٧/ ٤٩٩، و"لسان العرب" ١/ ٦٧ (خطأ). قال ابن عطية ١١/ ٢٨: ويظهر لي أن الألفاظ التي فها عموم مَّا ويتوجه حكمها من جهات شتى، نحو قولك: أحب، وأحسن، وخير، وشر، يسوغ أن يجاء بها بين شيئين لا شركة بينهما. واستثهد ابن كثير=
يعني: أنه يجوز أن يقال: هو أعقل الرجلين وإنْ كان الثاني أحمقًا. قياساً على هذه الآية. وقال أبو طالب: إنما جاز ذلك؛ لأنه موضع، فيقال: هذا الموضع خير من ذلك الموضع. وإذا كان نعتًا لم يستقم أن يكون نعتٌ واحدٌ لاثنين مختلفين (١).
قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ يعني: موضع القائلة (٢). يقال: قال يقيل مقيلاً. والمقيل: الموضع، أيضًا (٣).
قال الأزهري: والقيلولة عند العرب: الاستراحة نصف النهار إذا
= ٦/ ١٠٤، على هذا التفضيل بقوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر:٢٠]. واستظهر ابن جرير أن التفضيل هنا عام في جميع أحوال أهل النار في الدنيا والآخرة. قال ١٩/ ٦: فالواجب أن يعمَّ كما عمَّ ربنا جلَّ ثناؤه، فيقال: أصحاب الجنة يوم القيامة خير مستقراً في الجنة من أهل النار في الدنيا والآخرة، وأحسن منهم مقيلاً. وذهب إلى هذا الاختيار، الطوسي ٧/ ٤٨٤، ولم يذكر غيره، ولم ينسبه
(١) "تهذيب اللغة" ٩/ ٣٠٦ (القي)، بنصه.
(٢) في "تنوير المقباس" ص ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ مبيتاً من منزل أبي جهل وأصحابه، ومبيتهم. قال ابن جرير ١٩/ ٥: فإن قال قائل: وهل في الجنة قائلة؟ فيقال: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ فيها؟ قيل: معنى ذلك: وأحسن فيها قراراً في أوقات قائلتهم في الدنيا، وذلك أنه ذكر أن أهل الجنة لا يمر فيهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار من أوله إلى القائلة، حتى يسكنوا في مساكنهم في الجنة، فذلك معنى قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ ثم ذكر نحوه بإسناده عن المفسرين من الصحابة والتابعين. وقال الطوسي ٧/ ٤٨٤: معناه: أحسن موضع قائلة، وإن لم يكن في الجنة نوم، إلا أنه من تمهيده يصلح للنوم؛ لأنهم خوطبوا بما يعرفون، كما قال: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ٦٢]، على ما اعتادوه. وهذا توجيه حسن. والله أعلم.
(٣) "تهذيب اللغة" ٩/ ٣٠٥ (لقي).
اشتدَّ الحرُّ، وإن لم يكن مع ذلك نوم.
والدليل على ذلك: أن الجنة لا نوم فيها (١).
قال ابن مسعود وابن عباس: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل أهل النار في النار، وأهل الجنة في الجنة (٢).
وقال مقاتل: يخفف الحساب على أهل الجنة حتى يكون مقدار نصف النهار من أيام الدنيا، ثمَّ يقيلون من يومهم ذلك في الجنة فيما يشتهون من التحف والكرامة (٣). وهذا هو معنى ما روي عن أهل التفسير: أنَّ أهل الجنة يصيرون إلى أهليهم في الجنة وقت نصف النهار (٤).
٢٥ - قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ﴾ (٥) عطف على قوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ و ﴿تَشَقَّقُ﴾ يجوز فيه أمران؛ أحدهما: أنه يراد به الآتي.
(١) "تهذيب اللغة" ٩/ ٣٠٦ (لقي) س.
(٢) ذكر نحوه ابن جرير ١٩/ ٥، عن ابن جريج، وفيه أنه قال: وفي قراءة ابن مسعود: ثم إن مقيلهم لإلى الجحيم. ولم ينسبه لابن عباس. وذكر رواية أخرى عن ابن عباس قريبة من السياق، وليست مطابقة وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٠، بسنده عن ابن مسعود، مع القراءة التي ذكرها ابن جرير. وهو بنصه في "الوسيط" ٣/ ٣٣٨. ونسب هذا القول الثعلبي ٩٤ ب، لابن مسعود، وذكر نحوه عن ابن عباس. وهو عند ابن كثير ٦/ ١٠٤، عن ابن مسعود. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٦، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب، مختصرًا.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٤. بنصه. قال الهوَّاري ٣/ ٢٠٧: قال بعضهم: وبلغنا عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إنَّي لأعلم أي ساعة يدخل أهل الجنة الجنة، قبل نصف النهار حين يشتهون الغداء. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٠، عن سعيد بن جبير، والضحاك، وعكرمة.
(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٢، عن مجاهد أنه يوم القيامة.
والآخر: أن يكون حكايته حالٍ تكون، كما أنَّ قوله: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحجر: ٢]، كذلك. وكما أنَّ قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: ١٨] في أنه حكاية حالٍ قد مضت (١). وفيه قراءتان: تشديد الشين وتخفيفها (٢). والتقدير: تتشقق (٣)؛ فمن شدد أدغم التاء في الشين؛ لأن الصوت بالشين يلحق بمخارج هذه الحروف التي هي من طرف اللسان وأصول الثنايا فأدغم (٤) فيها ما أدغم في الضاد كما كانت كذلك، ومَنْ خفف حذف التاء التي أدغمها من شدد. قال أبو الحسن: الخفيفة أكثر في الكلام؛ لأنهم أرادوا الخفة فكان الحذف أخف عليهم من الإدغام (٥).
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ قال أبو علي: المعنى: تشقق السماء وعليها غمام. وهذا كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ [الانشقاق:١] وقوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ [الرحمن: ٣٧] (٦).
وقال الفراء: معناه فيما ذكروا: تشقق السماء عن الغمام. وعلى، وعن، والباء، في هذا الموضع كالواحد؛ لأن العرب تقول: رميت عن
(١) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤١، بنصه.
(٢) قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر، بتشديد الشين. وقرأ أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بالتخفيف. "السبعة" ٤٦٤. و"معاني القرآن" للفراء٢/ ٢٦٧. ومعاني القراءات للأزهري ٢/ ٢١٥. و"المبسوط في القراءات العشر" ص ٢٧١. و"التبصرة" ص ٦١٣. و"النشر" ٢/ ٣٣٤. قال ابن جرير ١٩/ ٦: هما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار، بمعنى واحد، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٤.
(٤) في "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤١: فأدغمن فيها كما أدغمن في الضاد لما كانت كذلك.
(٥) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤١، بنصه.
(٦) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤١.
القوس، وبالقوس، وعلى القوس. يراد به معنى واحد (١).
وهذا هو معنى ما ذكره المفسرون؛ قالوا: هو: غمام أبيض رقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم فتنشق السماء عنه لنزول الرب وملائكته (٢). وهو الذي قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ [البقرة: ٢١٠] وهذا قول مجاهد ومقاتل والكلب؛ قالوا: ومعنى بالغمام: عن الغمام (٣). وذكرنا معنى إتيان الله في سورة البقرة (٤).
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٧.
(٢) في "تنوير المقباس" ص ٣٠٢: عن الغمام لنزول الرب بلا كيف. و"تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب. وليس فيه: ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. لكنه عند ابن جرير ١٩/ ٦، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٢، عن مجاهد. والظاهر من الآية أن الغمام، هو: السحاب المعهود. "تفسير أبي حيان" ٦/ ٤٥٣. والله أعلم.
(٣) أخرجه ابن جرير ٦/ ١٩، عن مجاهد، و"تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وبه قال ابن قتيبة، "غريب القرآن" ٣١٢. وبه قال الهوَّاري ٣/ ٢٠٧، ثم قال: هذا بعد البعث، تشقَّق فتراها واهية متشققة، كقوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾ [النبأ: ١٩].
(٤) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ وجهان؛ أحدهما: أن هذا من باب حذف المضاف: أن يأتيهم عذاب الله، أو أمر الله أو آيات الله.. والثاني: المعنى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب فحذف ما يأتي به تهديداً، إذ لو ذكرما يأتي به كان أسهل عليهم في باب الوعيد..
وما ذكره الواحدي عفى الله عنه صرف للفظ عن ظاهره، فالآية فيها إثبات إتيان الله تعالى لفصل الحساب والجزاء، وهو إتيان يليق بجلاله وعظمته، ومثل هذه الآية كما قال ابن كثير ١/ ٥٦٦، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ [الفجر: ٢١، ٢٢]
والمراد بالسماء هاهنا: السموات السبع. كذا قال مقاتل وابن عباس (١). وذكره الزجاج؛ فقال: المعنى: تتشقق سماءً سماءً (٢).
قال ابن عباس: تتشقق سماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس، ثم تشقق السماء الثانية فينزل أهلها وهم أكثر ممن في السماء الدنيا، ومن الجن والإنس، ثم كذلك حتى تشقق السماء السابعة، وأهل كل سماء يزيدون على أهل السماء التي قبلها، ثم ينزل الكَرُوبِيُّون (٣)، وحملة العرش (٤). فذلك قوله:
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا﴾ قال مقاتل: من السماء إلى الأرض عند تشققها لحساب الثقلين (٥).
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٤.
(٣) الكَرُوبِيُّون: سادة الملائكة، المقربون. "النهاية في غريب الحديث" ٤/ ١٦١، و"لسان العرب" ١/ ٧١٤ (كرب)، و"القاموس المحيط" ص ١٦٧.
(٤) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٠، عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق حماد بن سلمة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما، بسياق أطول مما هو هنا. ومن الطريق نفسه أخرجه ابن جرير ١٩/ ٦. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٢، أيضًا. ويوسف بن مِهران لم يرو عنه إلا ابن جُدعان، وهو ليِّن الحديث."التقريب" ١٠٩٦،"ميزان الاعتدال" ٤/ ٤٧٤.
قال ابن كثير ٦/ ١٠٧، بعد ذكر هذه الرواية عن ابن أبي حاتم: مداره على علي ابن زيد بن جدعان، وفيه ضعف، وفي سياقاته غالباً نكارة شديدة.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب. قال الماوردي ٤/ ١٤٢: وفي نزولهم قولان؛ أحدهما: ليبشروا المؤمن بالجنة، والكافرَ بالنار. والثاني: ليكون مع كل نفس سائق وشهيد. واقتصر الواحدي في "الوجيز" ٢/ ٧٧٧، على أن ذلك لإكرام المؤمنين. وليس هناك ما يمنع من حصول الأمرين معاً. والله أعلم.
وقرأ ابن كثير ﴿ننزل﴾ مخففة من الإنزال (١) ﴿الْمَلَائِكَةَ﴾ نصبًا (٢)، فجعل الفعل من الإنزال، والمصدر على فَعَّل؛ لأن أنزل مثل نزَّل، كقوله تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨] (٣) وقال (٤):
وقد تَطَوَّيْتُ انْطِوَاء الحِضْبِ (٥)
لما كان تطويت، وانطويت متقاربان حمل مصدر ذا علي مصدر ذا (٦).
٢٦ - قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قال أبو إسحاق: الحق صفة للملك، ومعناه: أن الملك الذي هو الملك حقًا ملك الرحمن جلَّ وعزَّ يوم القيامة، كما قال عز وجل: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦] لأن الملك الزائل كأنه ليس بملك (٧). وقال ابن عباس:
(١) "السبعة" ٤٦٤. و"معاني القراءات" للأزهري ٢/ ٢١٦. و"المبسوط في القراءات العشر" ص ٢٧١. و"التبصرة" ص ٦١٣. و"النشر" ٢/ ٣٣٤.
(٢) في (أ)، (ب): (قال مقاتل: نصباً)، ولعله خطأ من الناسخ لأن السطر الذي قبله فيه: وقال مقاتل. وهو غير موجود في "تفسير مقاتل"، ولا في (ج)، ويدل لهذا أنه عند الأزهري، في معاني القراءات ٢/ ٢١٦: نصباً. لأنه مفعول به.
(٣) قال السمين الحلبي: ومثله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ أي: تبتلاً. الدر المصون ٨/ ٤٧٧.
(٤) وقال في (أ)، (ب). ويعني به أبا علي الفارسي، في "الحجة" ٥/ ٣٤٢، حيث ذكر البيت، ولم ينسبه.
(٥) صدر بيت لرؤبة. "ديوانه" ١٦، أنشده سيبويه، "الكتاب" ٤/ ٨٢، ونسبه لرؤبة، وقال بعده: لأن تطويت وانطويت واحد. وأنشد البيت كاملاً ونسبه الأزهري. والحضب: بالكسر: ضرب من الحيات، وقيل: هو الذكر الضخم منها، واستشهد الأزهري بهذا البيت على ذلك، والشاهد فيه: أن يكون الانطواء مصدراً لتطوى. "تهذيب اللغة" ٤/ ٢٢٥ (حضب). وذكره أبو علي، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٢، ولم ينسبه.
(٦) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٢.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٥. ووصف الملك بأنه حق؛ لأنه لا يزول ولا يتغير. تفسير الرازى ٢٤/ ٧٥.
يريد أنَّ يوم القيامة لا مَلِك يقضي غيره (١). وقال مقاتل: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ [الفرقان: ٢٦] وحده، واليوم الكفار ينازعونه في أمره (٢).
قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ قال ابن عباس: هو على الكافرين عسير] (٣) وهو على المؤمنين غير عسير عليهم. قال مقاتل: عسير عليهم يومئذ لشدته، ومشقته، ويهون على المؤمنين كأدنى صلاة (٤) صلاها في دار الدنيا (٥). وفي هذه الآية تبشير عظيم للمؤمنين حيث خص
(١) في "تنوير المقباس" ص ٣٥٢: ﴿الْمُلْكُ﴾ القضاء، ﴿يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ العدل. وذكره في: "الوسيط" ٣/ ٣٣٩. ونسبه البغوي ٦/ ٨٠، لابن عباس.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب. وفي إضافة الملك في يوم القيامة لاسمه تعالى: الرحمن، معانٍ عظيمة. ذكر بعضها السعدي في تفسيره ٥/ ٤٧٤.
(٣) ما بين المعقوفين، في نسخة: (أ)، (ب). وهو في "تنوير المقباس" ص ٣٠٢، بمعناه وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٣، عن قتادة
(٤) صلاة. في نسخة: (أ)، (ب).
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب. بمعناه، وذكره الثعلبي ٨/ ٩٥ ب، ولم ينسبه. وقد ورد هذا في حديث مرفوع: قال الإمام أحمد: حَدَّثَنَا حَسَنٌ حَدَثنَا ابْنُ لَهِيعَةَ حَدَّثَنَا دَرَّاجٌ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سعيد الْخُدْرِيِّ قَالَ قِيلَ لِرَسُولِ الله -صلى الله عليه وسلم-: يَوْمًا كَانَ مِقدَارُهُ خمسِينَ أَلْفَ سَنةٍ مَا أَطْوَلَ هَذَا الْيَوْمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِه إِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَلَى الْمُؤْمِنِ حَتى يَكُونَ أَخَفَ عَلَيْهِ مِنْ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ يُصَلَيهَا في الدُّنْيَا". "المسند" ٤/ ١٥١، رقم: ١١٧١٧، وأخرجه أبو يعلى الموصلي ٢/ ٥٢٧، من طريق الإمام أحمد، وقال الهيثمي ١٠/ ٣٣٧: إسناده حسن، على ضعف في راويه. وذكره ابن كثير ٦/ ١٠٧، ونسبه للإمام أحمد، وسكت عنه. وهذا الحديث مرسل. وابن لَهيعة، صدوق، اختلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن وهب، وابن المبارك عنه أعدل من غيرهما. المغني في الضعفاء ١/ ٥٠٢. و"التقريب" ص ٥٣٨ وهذا الحديث ليس من طريقهما. ودراج، هو: ابن سمعان، أبو السمح، صدوق، في حديثه عن أبي الهيثم ضعف. "التقريب" ص ٣١٠، وذكر ابن عدي هذا الحديث، في: الكامل في ضعفاء الرجال ٣/ ٩٨١، وقال: لا يتابع في دراج عليه.
الكافرين بشدة ذلك اليوم وعسرته (١).
وذكر المفسرون: أن ذلك اليوم يهون على المؤمنين [بدلالة الخطاب؛ وذلك أنه لما ذكر شدته على الكفار كان مفهومه أنه يهون على المؤمنين] (٢) فدل تفسير المفسرين لهذه الآية على مسألة المفهوم (٣).
٢٧ - قوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ اختلف المفسرون في سبب نزوله. فقال مجاهد: إن عقبةَ (٤) دعا مجلسًا فيهم النبي في -صلى الله عليه وسلم- لطعام، فأبى النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يأكل، وقال: "لا آكل حتى تشهد أنه لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله" فشهد بذلك عقبة، وطعم النبي -صلى الله عليه وسلم- من طعامه. فبلغ ذلك أمية بن خلف (٥) فقال: صبوتَ يا عقبة، وكان خليله، فقال: لا والله ما صبوت فإن أخاك على ما تعلم، ولكنْ صنعتُ طعامًا فأبى أن يأكل حتى قلت ذلك،
(١) تقديم ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ للحصر، وهو قصر إضافي، أي: دون المؤمنين. تفسير ابن عاشور ١٩/ ١١.
(٢) ما بين المعقوفين، في (أ)، (ب).
(٣) وأشار إلى هذا الاستدلال القرطبي ١٣/ ٢٤. والمفهوم مقابل للمنطوق، والمنطوق أصل للمفهوم. ودلالة المفهوم، المقصودة هنا هي مفهوم المخالفة. ومعناه: الاستدلال بتخصيص الشيء بالذكر على نفي الحكم عمَّا عداه ويُسمَّى أيضًا دليل الخطاب. "الإحكام" للآمدي ٣/ ٦٣، و"روضة الناظر"، ٢/ ٧٧٥.
(٤) هو: عقبة بن أبي معيط، واسم أبيه: أبان بن ذكوان بن أمية، من مقدمي قريش في الجاهلية، كان شديد الأذى للمسلمين عند ظهور الدعوة، قتله يوم بدر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، أخو بني عمرو بن عوف. "السيرة النبوية" لابن هشام ٢/ ٣٦٦، و"الأعلام" ٤/ ٢٤٠.
(٥) أمية بن خلف بن وهب الجمحي، من بني لؤي. أحد جبابرة قريش في الجاهلية، أدرك الإسلام ولم يسلم، وهو الذي عذب بلالاً الحبشي -رضي الله عنه- في أولى ظهور الإسلام، قتل يوم بدر. "السيرة النبوية" لابن هشام ٢/ ٢٨٣، و"الأعلام" ٢/ ٢٢
واستحييت أن يخرج من بيتي قبل أن يطعم، فشهدت له وليس من (١) نفسي. هذا قول مجاهد، والكلبي (٢).
وقال ابن سابط: دعا أُمية مجلسًا فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- فقاموا غير النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: لا أقوم حتى تسلمَ وتشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فشهد، فقام النبي -صلى الله عليه وسلم- فلقيه عقبةُ فأنكر عليه، فقال: أنا قلته لطعامنا (٣). وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء الخراساني (٤).
وقال السدي: كان عقبة يغشى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهمَّ أن يسلم، فلقيه
(١) من (أ)، (ب).
(٢) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥١. وأخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٨ وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٣. و "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وذكره ابن قتيبة، في تأويل مشكل القرآن ٢٦٢، عن ابن عباس رضي الله عنهما. ثم بين أن الآية عامة؛ فقال: فأراد سبحانه بـ ﴿الظَّالِمُ﴾ كل ظالم في العالم، وأراد بـ: فلان، كل من أطيع بمعصية الله، وأرضي بإسخاط الله، واستشهد على أن الظالم يراد به جماعة الظالمين، بقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾ [النبأ:٤٠]. وقد ردُّ -رحمه الله- في ص: ٢٦٠، على من ذهب إلى أنها نازلة في أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما، ونعتهم: بالمتسمين بالمسلمين. وصرح الرازي ٢٤/ ٧٥، بانهم الرافضة، حيث قالوا: هذا الظالم رجل بعينه، وإن المسلمين غيروا اسمه، وكتموه، وجعلوه: فلاناً! قال الرازي في الرد عليهم: المقصود من الآية زجر الكل عن الظلم، وذلك لا يحصل إلا بالعموم، وأما قول الرافضة فذلك لا يتم إلا بالطعن في القرآن، وإثبات أنه غير وبدل، ولا نزاع في أنه كفر.
(٣) نسبها السيوطي ٦/ ٢٥٢، لابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. ولم أجد هذه الرواية في تفسير ابن أبي حاتم المطبوع.
(٤) أخرج عبد الرزاق في "تفسيره" ٢/ ٦٨، روايتين، عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق: مِقْسَم، نحواً من هذا. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٨، من طريق عطاء الخراساني. وذكره الثعبي ٨/ ٩٥ ب، وعنه الوا حدي، في "أسباب النزول" ٣٣٣.
أمية بن خلف فقال: يا عقبة، بلغني أنك صبوت. قال: ما فعلت، قال: فوجهى من وجهك حرام حتى تأتيه فتتفل في وجهه! وتتبرأ منه، فيعلم قومك أنك عدو من عاداهم وفرق جماعتهم. فأطاعه، وفعل ذلك واشتد علي النبي -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله فيه يخبره بما هو صائر إليه (١).
وهذا قول الشعبي (٢)، ونحو هذا قال مقاتل، سواء، إلا أنه ذكر أبيًّا بدل أمية (٣).
وقال الكلبي: قال أُبي لعقبة: ما أنا بالذي أرضى عنك أبدًا حتى تأتي محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وتبزق في وجهه! وتطأ عنقه! ففعل ذلك عقبة، فأنزل الله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ يعني: عقبة، في قول الأكثرين (٤).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٥.
(٢) "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٥ ب، وفي خبر الشعبي، أن عقبة أسلم، فعاتبه أمية، وقال له... إلخ. وعنه الواحدي، في "أسباب النزول" ص ٣٣٣.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٤ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٤، عن قتادة. قال ابن عطية ١١/ ٣٣: ومن أدخل في هذه الآية أمية بن خلف، فقد وهم، إلا على قول من يرى ﴿الظَّالِمُ﴾ اسم جنس.
(٤) وممن قال بذلك عمرو بن ميمون، أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٥. وأكثر الروايات عن ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، ورواية أخرى عن السدي، ليس فيها ذكر أنه فعل ما همَّ به من التفل، ووطْء العنق، بل في رواية مِقْسَم التصريح بأن الله تعالى لم يسلطه على ذلك، فيتعين الأخذ بها لما فيها من حفظ النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإهانة، إضافة إلى أنها أخبار تحتاج إلى تأكيد؛ لأن من رواها لم يعاصر هذه الحادثة، والله أعلم. أخرج هذه الروايات ابن جرير ١٩/ ٨، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٤. وذكر الثعلبي ٩٥ ب، عن الضحاك، أن عقبة لَمَّا فعل ذلك رجع بزاقه في وجهه، وانشعب شعبتين، فأحرق خديه، فكان أثر ذلك فيه حتى الموت. وكان يحسن من الواحدي -رحمه الله- إيراد هذه الرواية وقد أعرض ابن كثير -رحمه الله- عن إيراد هذه الروايات كلها.
وفي قول ابن سابط، ورواية عطاء الخرساني، الظالم هنا: أُبي بن خلف (١).
قال ابن عباس، في رواية عطاء بن أبي رباح، يريد: عقبة بن أبي معيط (٢)، يقول: يأكل يديه حتى يذهب إلى المرفق، ثم تنبت، لا تزال هكذا كلما أكلها نبتت بندامة على ما فرط (٣).
(١) لم أجد قول ابن سابط هذا، إلا أن ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٦، قد ذكر عنه أنه قال في قوله تعالى: ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: أبي بن خلف. فعلى هذا يكون الظالم: عقبة بن أبي معيط. والله أعلم.
(٢) في "تنوير المقباس" ص ٣٠٢، الظالم: عقبة بن أبي معيط. وليس فيه ذكر شيء من هذه القصة. وفيه أيضًا تفسير اليد بالأنامل. قال النحاس: ولم يُسميا في الآية؛ لأنه أبلغ في الفائدة، ليُعلم أن هذه سبيل كل ظالم قَبِل من غيره في معصية الله -عز وجل-. "إعراب القرآن" ٣/ ١٥٨. وعليه فإن الألف واللام يجوز أن تكون للعهد، فيراد به عقبة خاصة، ويجوز أن تكون للجنس، فيتناول عقبة، وغيره. "تفسير الزمخشري" ٣/ ٢٦٩.
(٣) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٤، نحوه عن سفيان. ونسبه في: "الوسيط" ٣/ ٣٣٩، لعطاء. وهو عض حقيقي لليدين، كما ذكر الواحدي -رحمه الله- من شدة ما يجد من الحسرة، والندامة، كما هو ظاهر الآية، وليس هناك ما يدفعه، وعليه فإن ما ذكره الزمخشري ٣/ ٢٦٨، وكذا ابن جزي ص ٤٨٣، وغيرهما، من أن هذا كناية عن الغيظ والحسرة، فغير مسلم؛ لأنه صرفٌ للفظ عن ظاهره بدون دليل. قال ابن كثير ٦/ ١٠٨: فكل ظالم يندم يوم القيامة غاية الندم، ويعض على يديه قائلاً: ﴿يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ قال البقاعي: فيكاد يقطعهما لشدة حسرته، وهو لا يشعر. "نظم الدرر" ١٣/ ٣٧٤. لكنه بعد هذا التقرير الجيد لظاهر الآية، رجع فنقل كلام الزمخشري بنصه، في أن هذا كناية، ولم يتعقبه. قال الشوكاني ٤/ ٦٩: الظاهر أن العض هنا حقيقة، ولا مانع من ذلك، ولا موجب لتأويله. ويشهد لهذا تعدية العض بـ (على) لإفادة التمكن من المعضوض، إذا فصدوا عضاً شديداً كما في هذه الآية. "تفسير ابن عاشور" ١٩/ ١٢.
وقال أبو إسحاق: إذا كان يوم القيامة أكل يده ندمًا، وتمنى أنه آمن (١).
وقال أبو القاسم الزجاجي: هكذا يعض على يديه يوم القيامة ندمًا وحسرة على كفره بالله. والعض على اليد يجري عندهم مجرى معاقبة اليد بما صنعت، وإن لم تكن لليد في (٢) الكفر صنيع؛ فإن الله تعالى قد أسند الفعل إليها، فقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥١] وذلك: أن مباشرة الذنوب بها، فاللائمة ترجع عليها (٣)؛ لأنها هي الجارحة العظمى فيسند إليها ما لم تباشره. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وقد مَرَّ (٤).
قوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا﴾ قُرأ: (يَلَيْتَنِي) بسكون الياء، وفتحها (٥). والأصل التحريك؛ لأنها بإزاء الكاف التي
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٥. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٥ ب، بمعناه
(٢) في (أ)، (ب): (على) بدل: (في).
(٣) في (ج): (إليها).
(٤) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٥١]: قال ابن عباس: جرحت قلوبكم. قال أهل المعاني: إنما قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ مع أن اليد لا تعقل شيئاً للبيان عن أن اعتقاد الكفر بالقلب بمنزلة ما يعمل باليد في الجناية، ولذلك لم يذكر القلوب وإن كان بها معتمد العصيان؛ لأن القصد إظهار ما تقع به الجنايات في غالب الأمر وتعارف الناس.
وقال الواحدي في تفسير آية الكهف: قال أبو عبيدة والزجاج والمفضل وابن قتيبة: فلان يقلب كفيه على ما فاته، وتقليب الكفين يفعله النادم كثيرًا، والعرب تقول للرجل إذا ندم على الشيء وجعل يفكر فيه: يقلب يديه وكفيه لأن ذلك يكثر من فعله فصار تقليل الكف عبارة عن الندم كعض اليد.
(٥) قرأ بفتح الياء، أبو عمرو. وأسكنها الباقون. "السبعة" ص ٤٦٤. و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٥.
للمخاطب إلا أن حرف اللين تكره فيه الحركة، فلذلك أسكن مَنْ أسكن (١) قال ابن عباس: يقول: ليتني اتبعت محمدًا على دينه (٢). وقال مقاتل: ليتنيْ اتخذت مع محمد سبيلاً إلى الهدى (٣).
وقال السدي: يقول: ليتني أطعت محمدًا (٤). وقال أبو إسحاق: تمنى أن اتخذ مع النبي -صلى الله عليه وسلم- طريقًا إلى الجنة (٥).
قوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَتَى﴾ قرأ حمزة والكسائي بالإمالة (٦). والإماله هاهنا وتركها حسنان، ولو قيل: إنَّ ترك الإمالة أحسن لكان قولًا. وذلك أنَّ أصل هذه الألف الياء، وكان حكمها: يا ويلتي، ويا حسرتي، فأبدل من الكسرة فتحة، ومن الياء الألف، كراهة للياء وفرارًا منها، فإذا أمال (٧) كان عائدًا إلى ما كان تركه، وآخذًا بما رفضه، ألا ترى أن الإمالة إنما هي: تقريب الألف من الياء وانتحاء بها نحوها، والإمالة إنما تكون في الألف بأن تنحو بالفتحة التي قبل الألف نحو الكسر، فتميل الألف لذلك نحو الياء (٨).
(١) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٢، بنصه.
(٢) في "تنوير المقباس" ص ٣٠٢: استقمت على دين الرسول.
(٣) "تفسير مقاتل" ص٤٥أ.
(٤) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٥، نحوه عن السدي.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٥. ومعنى ﴿سَبِيلًا﴾ على هذا: سببًا ووصلة. "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٤. قال ابن عاشور ١٩/ ١٣: وأصل الأخذ التناول باليد، فأطلق هنا على قصد السير فيه، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: ٦٣].
(٦) السبعة في القراءات ٤٦٤، و"إعراب القرإءات السبع وعللَّها" ٢/ ١٢١، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٣.
(٧) في (أ)، (ب): (مال) بدون ألف.
(٨) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٢.قال السمين الحلبي معلقاً على قول أبي علي: =
قوله تعالى: ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا﴾ يعني: أُبيًّا في قول الأكثرين (١). وفي قول الشعبي، والسدي، يعني: أمية (٢). وفي قول ابن سابط يقول: أي ليتي لم أتخذ فلانًا، يعني: عقبة (٣). وكانا متخالين في الدنيا (٤).
وقال مقاتل: يقول: ليتني لم أطع فلانًا (٥). فعلى قول هؤلاء: فلان عبارة عن: الآدمي. وقال مجاهد: يعني الشيطان (٦). وهو قول أبي رجاء (٧). وعلى هذا القول: فلان كناية عن الشيطان. قال الزجاج: وتصديق هذا القول قوله في الآية الثانية: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٨).
ومَنْ قال بالقول الأول قال: إنَّ قبوله من أبي بن خلف، وطاعتَه له من عمل الشيطان وإغوائه (٩). وفلانٌ في العربية: كناية عن واحد بعينه من
= وهذا منقوض بنحو: باع، فإن أصله: الياء، ومع ذلك أمالوا، وقد أمالوا، ﴿يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ﴾ [الزمر: ٥٦] و (يَأَسَفَا) [يوسف: ٨٤] وهمام كـ (يَا ويّلَتَا) في كون ألفهما عن ياء المتكلم. "الدر المصون" ٨/ ٤٨٠.
(١) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. واقتصر عليه البغوي ٦/ ٨١.
(٢) وهو قول مقاتل ٤٥أ.
(٣) سبق قريبًا التعليق على هذا.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٦، عن سعيد بن المسيب.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ.
(٦) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٢. وأخرجه ابن جرير ٨/ ١٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٦.
(٧) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٦. وأبو رجاء، هو: عمران بن مِلحان، التميمي البصري، أسلم بعد فتح مكة، ولم ير النبي -صلى الله عليه وسلم- مشهور بكنيته، ثقة، معمَّر. ت: ١٠٥، عن: ١٢٠. "السير" ٤/ ٢٥٣، و"التقريب" ٧٥٢.
(٨) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٥.
(٩) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٥. حاصل الأقوال في: (فلاَناً) أربعة؛
١ - أبي بن خلف.
٢ - أمية بن خلف.
٣ - عقبة بن أبي معيط.
٤ - الشيطان. وقد اقتصر في: "الوسيط" ٣/ ٣٣٩ و"الوجيز". ٢/ ٧٧٨، على أنه أبى. وذكر ابن عطية ١١/ ٣٣، =
الناس، قال الخليل: وتقديره: فُعَال، وتصغيره: فُعَيل (١)، فُلَين. قال: ولا يحسن فيه الألف واللام، يقال: فلان، وفلان آخر؛ لأنه لا نكرة له، ولكن العرب سَمَّوا به الإبل؛ فقالوا: الفلان، وهذه الفلانة، فإذا نسبت قلت: فلان الفلاني؛ لأن كل اسم ينسب إليه فإنَّ الياء التي تلحقه تُصَيَّره نكرة (٢).
وقال ابن السكيت: تقول لقيت فلانًا، إذا كنيت عن الآدميين قلته بغير الألف واللام، فإذا كنيت عن البهائم قلته بالألف واللام. تقول: حلبت الفلانة، وركبت الفلانة (٣). وأنشد في ترخيم فلان، فقال:
وهو إذا قيل له وَيْهَا فُلُ فإنه أحجَّ به أن يَنْكلُ (٤)
قال المبرد: قولهم: يا فل أقبل، ليس بترخيم فلان؛ ولو كان كذلك قيل: يا فلا أقبل. ومما يزيده وضوحًا قولهم للأنثى: يا فلة أقبلي. قال: ولكنها كلمة على حدة (٥). قال: وقد تستعمل في غير النداء، كقوله:
= كلاماً حسناً في عموم الآية، وشمولها لكل ظالم، وأنه ليس من ظالم إلا وله في دنياه خليل يعينه ويحرضه، هذا في الأغلب.
(١) كلمة: (فعيل) في (أ)، (ب).
(٢) "الكتاب" ٢/ ٢٤٨، بمعناه. وما ذكره الواحدي بنصه في كتاب "العين" ٨/ ٣٢٦ (فلن)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٥/ ٣٥٤. وذكر ابن خالويه، نحوًا من هذا، عن ابن دريد عن أبي حاتم. "إعراب القراءات السبع وعللَّها" ٢/ ١٢١.
(٣) بنصه في "إصلاح المنطق" ص ٢٩٦، دون إنشاد البيت.
(٤) "تهذيب اللغة" ١٥/ ٣٥٤ (فلن)، وفيه إنشاد البيت مع آخر بعده، ولم ينسبه. وهو كذلك في "لسان العرب" ١٣/ ٣٢٤. ولم أجد من نسبه.
(٥) في "تهذيب اللغة" ١٥/ ٣٥٥ (فلن): وقال المبرد: قولهم: يا فل ليس بترخيم، ولكنها على حدة. قال أبو حيان ٦/ ٤٥٤: وهم ابن عصفور، وابن مالك، وصاحب البسيط، في قولهم: فل، كناية عن العَلَم، كفلان. ويعني بصاحب "البسيط": ضياء الدين أبو عبد الله محمد بن علي الإشبيلي. "حاشية الدر =
في لَجَّةٍ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ (١)
وروى أبو تراب عن الأصمعي: يا فلا، في النداء. (٢) وهذا يقوي قول المبرد. وذكرنا معنى الخليل، في سورة: النساء (٣).
= المصون" ٨/ ٤٨٠. قال السمين الحلبي: فلان كناية عن علم من يعقل وهو منصرف، وفُلُ كناية عن نكرة من يعقل من المذكور، وفُلَة عمن يعقل من الإناث، والفلان والفلانة بالألف واللام عن غير العاقل، ويختص فُلُ، وفُلَة؛ بالنداء إلا في ضرورة. "الدر المصون" ٨/ ٤٧٩.
(١) "المقتضب" ٤/ ٢٣٧، ولم ينسب البيت. ونسبه سيبويه لأبي النجم، "الكتاب" ٢/ ٢٤٨، واستشهد به على استعمال: فل، موضع فلان، في الشعر للضرورة. وأنشده الأزهري، ولم ينسبه، واستشهد به على أن اللجة: الصوت. "تهذيب اللغة" ١٠/ ٤٩٤ (لج). وذهب ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٦٣، إلى أن قول القائل: ما جاءك إلا فلان بن فلان، يريد أشراف الناس المعروفين، كقول الشاعر: في لَجَّةِ أمْسكْ فلانًا عن فُلِ. يريد: أمسك فلانًا عن فلان، ولم يرد رجلين بأعيانهما، وإنما أراد: أنهم في غمرة الشر، وضجته، فالحَجَزة، يقولون لهذا: أمسك، ولهذا: كُفَّ. واللجة: كثرة الأصوات، "اللسان" ١٣/ ٣٢٥.
(٢) "تهذيب اللغة" ١٥/ ٣٥٥ (فلن)، ولفظه: أبو تراب عن الأصمعي يقال: قم يا فل، ويا فلاة.
أبو تراب، خراساني لغوي، استدرك على الخليل بن أحمد في كتاب العين، ورد عليه العلماء في ذلك كما قال القفطي، وصنف كتاب: الاستدراك على الخليل، ومن هذا الكتاب أخذ الأزهري ما نقله عن أبي تراب في كتابه: "تهذيب اللغة". "إنباه الرواة على أنباه النحاة" ٤/ ١٠٢. و"الفهرست" ص ٩٢.
(٣) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: ١٢٥]: قال أبو بكر بن الأنباري: الخليك معناه في اللغة: المُحب الكامل المحبة، والمحبوب الموفي حقيقة المحبة.. وقال بعض أهل العلم: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ أي: فقيراً إليه لا يجعل فقره وفاقته إلى غيره، ولا ينزل حاجته بسواه.. فهذان القولان ذكرهما جميع أهل المعاني؛ والاختيار هو الأول؛ لأن الله -عز وجل- =
٢٩ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ قال الكلبي: صرفني. وقال مقاتل: ردني (١). وكل ما أضلك عن شيء حتى لا تجده فقد صرفك وردك عنه.
﴿عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن، وما فيه من المواعظ. وقال الكلبي: يعني القرآن، والإيمان ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مع الرسول (٢).
وقال مقاتل: عن الإيمان بالقرآن (٣). وقيل: عن الرسول؛ حكاه الفراء (٤). وتمَّ الكلام هاهنا ثم قال: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ وهذا من قول الله تعالى لا من الإخبار عن قول الظالم (٥). يقول: وكان
= خليل إبراهيم، وإبراهيم خليل الله، ولا يجوز أن يقال: الله خليل إبراهيم من الخلة التي هي الحاجة.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، عن عمرو بن ميمون، يعني: الإسلام.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٧. واقتصر في: "الوسيط" ٣/ ٣٣٩، على: القرآن والإيمان به. وفي:"الوجيز" ٢/ ٧٧٨، على: القرآن. وليس بين هذه الأقوال تعارض، فهي من باب اختلاف التنوع، لا اختلاف التضاد. قال ابن عطية: الذكر ما ذَكر به الإنسان أمر آخرته من قرآن أو موعظة، ونحوه.
(٥) اقتصر الواحدي -رحمه الله- على هذا القول، مع أنه يحتمل أن يكون من كلام الظالم، وذلك من شدة ما يجد من الحسرة، ولوضوح الحقيقة عنده في ذلك الموقف. انظر: "تفسير الزمخشمري" ٣/ ٢٦٩، حيث ذكر هذا الاحتمال. وكذا ابن عطية ١١/ ٣٥. والأطهر عند الشنقيطي ٦/ ٣٠٥، أنه من كلام الله، وليس من كلام الكافر النادم يوم القيامة.
الشيطان في الآخرة خذولًا للإنسان، يعني: الكافر، يتبرأ منه (١). هذا قول مقاتل (٢). وأما قول ابن عباس، وهو (٣): أن هذا الخذلان من الشيطان للكافرين في الآخرة (٤).
وقال الكلبي: يعني خذلان إبليس للمشركين ببدر، وكان معهم في صورة سراقة بن مالك، فلما عاين الملائكة تبرأ منهم. وهو قوله تعالى: ﴿نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨] (٥).وقُتل عقبة بن أبي معيط، يوم بدر صبرًا (٦) ولم يقتل من الأسارى غيره، وغير النضر بن الحارث (٧).
(١) أخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، عن قتادة. قال الثعلبي ٨/ ٩٥ ب: وحكم هذه الآيات عام في كل متحابين اجتمعا على معصية الله -عَزَّ وَجَلَّ- وذكر البغوي ٦/ ٨٢، بعد تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث النبوية في الجليس الصالح، والجليس السوء.
(٢) يوهم صنيع الواحدي -رحمه الله- هنا أن مقاتل يقول بالعموم، وليس الأمر كذلك، بل قيد الإنسان كما في تفسيره ٤٥ أ، بعقبة. ثم قال: ونزل فيهما: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [الزخرف: ٦٧]. ونحوه في "تفسير عبد الرزاق" ٢/ ٦٨، عن ابن عباس رضي الله عنهما، من طريق: مِقْسَم.
(٣) في جميع النسخ: (وهو)، والمناسب للسياق: فهو.
(٤) في "تنوير المقباس" ص ٣٠٢، جعله عامًا في خذلانه عندما يحتاج إليه.
(٥) ليس هناك تعارض فيما ذكره الواحدي -رحمه الله- وليس في هذه الأمثلة ما يدل على أن هذا من كلام الكافر. وقد اقتصر في: "الوسيط" ٣/ ٣٣٩، و"الوجيز" ٢/ ٧٧٨، على أن الإنسان في الآية: الكافر.
(٦) يقال: قُتل فلانٌ صبرًا، معناه: حبسًا، ومن ذلك الصوم، سمي صبرًا، لانه حبس للنفس عن المطاعم، والنكاح، والملتذ من الشهوات. "الزاهر في معاني كلمات الناس" ٢/ ٢٠١.
(٧) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ. وأخرج ابن إبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، عن السدي أنهما قتلا =
٣٠ - قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قال ابن عباس: يريِد محمدًا -صلى الله عليه وسلم- يشكوهم إلى الله -عَزَّ وَجَلَّ- (١) ﴿يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ ذكروا في المهجور قولين، قال ابن عباس: يريد: هجروا القرآن، وهجروني وكذبوني.
وقال الكلبي: مهجورًا: متروكًا (٢).
وقال مقاتل: تركوا الإيمان بهذا القرآن فهم مجانبون له (٣).
هذا قول من جعله من الهجران والهجر (٤).
= جميعًا يوم بدر. يعني: أمية، وعقبة. وذكر السمرقندي ٢/ ٤٥٩، أن أبي بن خلف قُتل يوم أحد. وكذا الثعلبي ٨/ ٩٥ ب.
(١) أخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧، عن قتادة ونسبه ابن الجوزي ٦/ ٨٧، لمقاتل. لكنَّي لم أجده في تفسيره ولم يبين الواحدي -رحمه الله- زمن هذا القول؛ لكن البغوي ٦/ ٨٢، قال: ويقول الرسول في ذلك اليوم. يعني اليوم الذي يعض فيه الظالم على يديه، فيكون في هذا زيادة تعذيب لهم. ويحتمل أن تكون هذه الشكاية في الدنيا، وفي ذلك تعظيم لأمرها، من جهة أن الأنبياء كانوا إذا التجؤا إلى الله وشكوا إليه قومهم حل بهم العذاب، ولم يُنظروا. "تفسير الزمخشري" ٣/ ٢٦٩. وجعله ابن عطية ١١/ ٣٥، قول الجمهور. ثم قال: وقالت فرقة: هو حكايته عن قوله ذلك في الآخرة. وتبعه ابن الجوزي ٦/ ٧٨ ورجح الرازي ٢٤/ ٧٧، أن يكون ذلك في الدنيا؛ لأنه موافق للفظ، ولأن ما ذكره الله تعالى من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ تسلية للرسول -صلى الله عليه وسلم- ولا يليق إلا إذا كان وقع ذلك القول منه. والله أعلم.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وذكره الفراء ٢/ ٢٦٧، ولم ينسبه.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ.
(٤) ونسب هذا القول ابن جرير ١٩/ ٩، إلى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، ثم قال: وهذا القول أولى بتأويل ذلك، وذلك أن الله أخبر عنهم أنهم قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] وذلك هجرهم إياه.
وقال مجاهد: يهجرون فيه بالقول، يقولون: هو سحر (١).
وقال إبراهيم: قالوا فيه غير الحق (٢).
وقال مِسْعَر: قالوا فيه هُجْرًا (٣). وعلى هذا القول: المهجور، من الهجرة. وذكرنا الكلام في الهجر عند قوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧] (٤).
وذكر الفراء والزجاج القولين؛ فقالا: يجوز أن يكون مهجورًا: متروكاً، أي: جعلوه متروكًا (٥) مهجورًا، لا يسمعونه (٦) ولا يتفهمونه. ويقال: إنَّهم جعلوه كالهُجر بمنزلة الهذيان. والهُجْر: ما لا ينتفع به من القول. وكانوا يقولون: إنَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- يَهجُر (٧). وعلى هذا يقال: هَجَر، يَهجُر، هَجْرًا، وهُجْرًا، والكلام مهجور. فجعلوا القرآن كلامًا لغوًا. وهو قولهم: إنَّه شعر، وسحر، وسمر، وأساطير الأولين.
ويدل على صحة القول الأول ما روي عن أنس، أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:
(١) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٢. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٧. وذكره السيوطي ٦/ ٢٥٣، وزاد نسبته للفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٩. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨، من طريقين؛ الأولى كرواية الطبري، والثانية، بنحوه وذكره السيوطي ٦/ ٢٥٣، وزاد نسبته إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.
(٣) لم أجد قول مِسْعَر بن كِدَام، فيما تيسر لي من المراجع.
(٤) ذكر الواحدي في تفسير هذه الآية أقوال المفسرين وأهل اللغة في معنى الهجر والمراد به في الآية، وهو قريب مما ذكره هنا.
(٥) (متروكًا) في (أ)، (ب).
(٦) في (ج): (يستمعونه).
(٧) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٧. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦، بمعناه.
"من تعلم القرآن وعلق مصحفًا لم يتعاهده، ولم ينظر فيه، جاء يوم القيامة معلقًا به، يقول: يا رب العالمين، عبدك هذا اتخذني مهجورًا، اقضِ بينيى وبينه" (١).
وذكر صاحب النظم وجهًا آخر من الهجر، فقال: يجوز أن يكون المهجور مصدرًا، كالهجر، والهجير، ويكون المعنى: اتخذوا هذا القرآن هُجرًا، أي: إذا سمعوه قالوا فيه الهجير، وقالوا: إنه هجر، كما يقال: اتخذْنَا فلانًا ضحكَة أو سُخرة، أي: إذا رأيناه ضحكنا منه وسخرنا منه. وهذا النظم أبلغ، من أن لو قيل: هجروا القرآن، أو هجروا فيه؛ لأنه يدل على أنهم جعلوا عادتهم هجر القرآن (٢). وذكرنا تحقيق هذا الفصل عند قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] وعند قوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٠] (٣).
(١) قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" ٢/ ٤٥٩: رواه الثعلبي، ثم ساق إسناده، وفيه: ثنا أبو هدبة إبراهيم بن هدبة، ثنا أنس بن مالك. ويوجد في النسخة التي عندي من "تفسير الثعلبي" سقط في سورة الفرقان من الآية: ٢٠، إلى: ٣٧. قال ابن حجر: أخرجه الثعلبي من طريق أبي هدبة عن أنس؛ وأبو هدبة كذاب. "الكشاف الشاف بحاشية الكشاف" ٣/ ٢٧٠. قال الإمام أحمد: إبراهيم بن هدبة لاشيء، روى أحاديث مناكير. وقال يحيى بن معين: كذاب خبيث. "الضعفاء والمتروكون" لابن الجوزي ١/ ٥٨.
(٢) حاصل الأقو الذي قوله تعالى: ﴿مَهْجُورًا﴾ ثلاثة؛
١ - أنهم هجروه بإعراضهم.
٢ - أنهم قالوا فيه هُجراً، أي: قبيحاً.
٣ - أنهم جعلوه هُجراً من الكلام، وهو ما لانفع فيه من العبث، والهذيان. "تفسير الماوردي" ٤/ ١٤٣. واقتصر الواحدي في: "الوسيط" ٣/ ٣٣٩، و"الوجيز" ٢/ ٧٧٨، على القول الأول. وذكر ابن القيم أن هجر القرآن أنواع خمسة. "الفوائد" ص ٨١. ونحوه في "تفسير ابن كثير" ٦/ ١٠٨.
(٣) قال الواحدى: قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ ذكره على النعت ولم =
قال ابن عباس: فعزَّاه الله -عز وجل- (١)، فقال:
٣١ - ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٢) أي: وكما جعلنا لك يا
= يذكره على الفعل لأن النعت ألزم وأكثر من الفعل، كأنه قال: رب اجعلني من عادتي إقامة الصلاة، ولو قال: اجعلني أقيم الصلاة لم يكن فيه من المبالغة ما في المقيم، وذكرنا استقصاء هذا الفصل في قوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩].
وقال في تفسير آية الإسراء: قال صاحب النظم: لا تكاد العرب تقول جعلت يدي مغلولة، ولا جعلت رجلي مقيدة، ولا جعلت رأسي معممًا، إنما يقولون: غَلَلتُ يدي، وقَيَّدتُ رجلي، وعَمَمتُ رأسي، والعلة في هذا النظم؟ أن الفعل أقل من النعت، والنعت ألزم وأكثر من الفعل؛ كما قلنا في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ الآية [طه: ١٢١] لأنه قد كان منه، ولا يجوز أن يقال: آدم عاصٍ غاوٍ؛ لأن هذا نعت لازم، وكانوا يقولون: يد فلان مغلولة، أي أن المنع عادةٌ له، ولا يكادون يقولون غُلَّت يده؛ لأن هذا فعل غير لازم، والأول لازم، وقد يمنع الإنسان في مواضع المنع ولا يُرْجَع عليه بلوم، فلذلك قال -عز وجل-: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي لا تكن ممسكاً عن البذل عادة، ولم يُرِدْ أن لا يمسك عند وقت الإمساك، يدل على ذلك قوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ ومما يشبه هذا النظم، قوله تعالى: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ﴾ [إبراهيم: ٤٥] وقد مر.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٥أ. و"تفسير هود" ٣/ ٢٠٩، والبغوي ٦/ ٨٣، والطبرسي ٧/ ٢٦٥، والقرطبي ١٣/ ٢٧. ولم ينسبوه وذكره في "الوسيط" ٣/ ٣٣٩، ولم ينسبه. وذكره ابن الجوزي ٦/ ٨٨، وصدَّرَه بقوله: قال المفسرون. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨، عن قتادة. وأَخرج ابن جرير ١٩/ ١٠، بسنده عن ابن عباس، أنه قال: يوطن محمداً -صلى الله عليه وسلم- أنه جاعل له عدواً من المجرمين كما جعل لمن قبله.
(٢) من فوائد هذه الآية: علو الحق على الباطل، وتبين الحق، واتضاحه اتضاحًا عظيمًا؛ لأن معارضة الباطل للحق، تزيده وضوحاً وبياناً، وكمال استدلال. تفسير السعدي ٥/ ٤٧٧. وإذا كان هذا في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فغيرهم من السائرين على طريقهم لا بد أن ينالهم شيء من ذلك، فلا بد من الصبر على =
محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من كفار قومه (١).
والعدوُّ هاهنا يجوز أن يكون في معنى الجماعة، كما قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ (٢) [الشعراء: ٧٧] قال مقاتل: يقول لا يكبرن عليك فإن إلاَّنبياء قبلك قد لقيت هذا التكذيب من قومهم (٣).
وقال السدي: لم يبعث نبي قط إلا والمجرمون له أعداء، وبعضوهم أشد عليه من بعض. وكان عدو النبي -صلى الله عليه وسلم- من قريش بنو أمية وبنو المغيرة (٤). ولهذا دخل حرف التخصيص في قوله: ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ (٥) قال الكلبي: إن كل نبي أتى قومه كان بعضهم أغلظ من بعض وأسوأ قولاً، وصنيعًا، وبعضهم يستحي من ذلك وهو ألين قولاً، وأكف شرًا. ويجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿عَدُوًّا﴾ واحداً من المجرمين، ممن كان أشد المشركين
= الأذى، وتحمل العناد والاستكبار، حتى يأتي الله بأمره ذكر البرسوي ٦/ ٢٠٨، عن أبي بكر بن طاهر، أنه قال: رُفعت درجات الأنبياء والأولياء بامتحانهم بالمخالفين، والأعداء. ونظير هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ [الأنعام ١١٢].
(١) "تفسير الطبري" ١٩/ ١٠، بنحوه. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨، عن ابن عباس، في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال: الكفار. وهو في "الوسيط" ٣/ ٣٣٩، بنصه، ولم ينسبه.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦. وجزم بهذا ابن جزي ص ٤٨٤، حيث قال: العدو هنا جمع. ورجحه ابن عاشور ١٩/ ١٨.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨.
(٥) وصف أعداء الأنبياء بأنهم من المجرمين، أي: من جملة المجرمين، فإن الإجرام أعم من عداوة الأنبياء، وهو أعظمها. "التحرير والتنوير" ١٩/ ١٨.
على نبيهم. وهذا مذهب الكلبي، ومقاتل؛ قالا: نزلت في أبي جهل (١). وكان لعنه الله أشدهم عداوة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- (٢).
قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ قال ابن عباس: هاديًا لك وناصرًا على أعدائك (٣).
وقال مقاتل: هاديًا إلى دينه ومانعًا منهم (٤).
وقال أبو إسحاق: [الباء زائدة، المعنى: كفى ربك] (٥).
و ﴿هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ منصوبان على الحال. المعنى: وكفى ربُّك في حال الهداية والنَصْر. ويجوز أن يكون منصوبًا على التمييز على معنى: كفى
(١) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. و"تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦. ولم ينسبه. ونسبه القرطبي ١٣/ ٢٧ لابن عباس رضي الله عنهما. وكذا السيوطي ٦/ ٢٥٤، ونسبه لابن مردويه.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٧. وفي هذه الآية تنبيه للمشركين ليعرضوا أحوالهم على هذا الحُكم التاريخى فيعلموا أن حالهم كحال من كذبوا من قوم نوح، وعاد، وثمود. تفسير ابن عاشور ١٩/ ١٨.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢: ﴿هَادِيًا﴾ حافظًا. ﴿وَنَصِيرًا﴾ مانعاً مما يراد بك.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ. ونحوه قال الهوَّاري ٣/ ٢٠٩. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٨، عن محمد بن إسحاق: إن ينصرك الله فلا يضرك خذلان من خذلك. وفي هذا تسلية للنبي -صلى الله عليه وسلم- بوعده بهداية كثير ممن هم معرضون عنه. "تفسير ابن عاشور" ١٩/ ١٨.
قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ٢،١].
(٥) ما بين المعقوفين لم أجده عند الزجاج. قال ابن عاشور ١٩/ ١٨: والباء، في قوله: ﴿بِرَبِّكَ﴾ تأكيد لاتصال الفاعل بالفعل. وأصله: كفى ربُّك في هذه الحالة. وقع الخلاف بين أهل العلم في وقوع الزائد في القرآن الكريم، فمنهم من أنكره كالمبرد وثعلب، وأكثر العلماء على إثبات ذلك؛ لكنهم اختلفوا في تسميته فمنهم من يسميه: صلة، ومنهم من يسميه: المقحم.
ربُّك من الهُدَاة والنُّصَّار (١). وهذا مما قد تقدم فيه الكلام (٢).
٣٢ - وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (٣) قال الكلبي: كانت كفار قريش يأتون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيتعنتونه، ويسألونه، ويقولون: تزعم أنك رسول من عند الله أفلا أتيتنا بالقرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة، والإنجيل، والزبور (٤) فأنزل الله هذه
= قال الزركشي: واعلم أن الزيادة واللغو من عبارة البصريين، والصلة والحشو من عبارة الكوفيين، قال سيبويه عقب قوله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ﴾ [النساء: ١٥٥]: إن (ما) لغو؛ لأنها لم تُحدث شيئًا. والأولى اجتناب مثل هذه العبارة في كتاب الله تعالى؛ فإن مراد النحويين بالزائد من جهة الإعراب لا من جهة المعنى. "البرهان في علوم القرآن" ٣/ ٨٠ وقال أيضًا: ومعنى كونه زائدًا أن أصل المعنى حاصل بدونه دون التأكيد؛ فبوجوده حصل فائدة التأكيد، والواضع الحكيم لا يضع الشيء إلا لفائدة. وسئل بعض العلماء عن التأكيد بالحرف وما معناه، إذ إسقاط الحرف لا يخل بالمعنى؟ فقال: هذا يعرفه أهل الطباع إذ يجدون أنفسهم بوجود الحرف على معنى زائد لا يجدونه بإسقاط الحرف. "البرهان" ٣/ ٨٢ وهذا كلام حسن. وتكلم عن هذه المسألة د. عبد الفتاح الحموز في رسالته: "التأويل النحوي في القرآن الكريم"، حيث عقد فصلاً عنوانه: الزيادة في التنزيل.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦.
(٢) قال الواحدي في تفسير الآية ٦، من سورة النساء ﴿وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ والباء في قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ﴾ ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ في جميع القرآن زائدة. قال الزجاج: المعنى: كفى الله، كفى ربك. واستقصاء هذا مذكور في هذه السورة عند قوله: ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا﴾ [النساء: ٤٥]. وتفسير هذه الآية من القسم المفقود من البسيط.
(٣) لم يسندوا فعل التنزيل لله -عَزَّ وَجَلَّ-، لكونهم ينكرون ذلك، فلإنكارهم إنزال القرآن من عند الله تعالى بني الفعل للمفعول ﴿نُزِّلَ﴾. والله أعلم. "نظم الدرر" ١٣/ ٣٧٨.
(٤) "تنوير المقباس" ص ٣٠٢. وهذا يدل على اعتراضهم على كيفية نزول القرآن، أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٩، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال المشركون: إن كان محمد كما يزعم نبيًا فلم يعذبه ربه، ألا ينزل عليه القرآن
الآية (١). والمعنى: هلا نزل عليه القرآن في وقت واحد (٢).
= جملة واحدة. وهذا يدل على أنهم قالوه شفقة، ورحمة!؟ وذكر القرطبي ١٣/ ٢٨، أنها نزلت في كفار قريش. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٩، عن ابن عباس: أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم، لولا أنزل هذا القرآن جملة واحدة كما أنزلت التوراة على موسى فأنزل الله بل نثبت به فؤادك. ولم يذكر ابن أبي حاتم من حدثه به، بل قال: ذُكر عن عبد الرحمن بن عمر بن رُسته الأصبهاني، بسنده إلى ابن عباس، وعبد الرحمن هذا ثقة، لكن له غرائب. "ميزان الاعتدال" ٢/ ٥٧٩، و"التقريب" ص ٥٩٢. وفيه أيضًا: حكيم بن جبير، ضعيف رمي بالتشيع. ميزان الاعتدال ١/ ٥٨٣، و"التقريب" ٢٦٥. ولا يلزم من هذا القول أن تكون الآية مدنية، بل هو يدل على اعتراض المشركين من قريش ومن اليهود، على طريقة إنزال القرآن. والله أعلم. واعتراض المشركين على إنزال القرآن جملة اعتراض لا طائل تحته؛ لأن الإعجاز لا يختلف بنزوله جملة، أو مفرقاً. تفسير البيضاوي ٢/ ١٤٠.
(١) قال الزمخشري ٣/ ٢٧٠: نُزَّل هاهنا بمعنى: أنزل، لا غير، كخبَّر بمعنى: أخبر، وإلا كان متدافعاً. قال أبو حيان ٦/ ٤٥٥: وإنما قال: إنَّ نُزَّل بمعنى: أنزل؛ لأن: نزَّل عنده أصلها أن تكون للتفريق، فلو أقره على أصله عنده من الدلالة على التفريق تدافع هو.. وقد قررنا أن: نزل لا تقتضي التفريق؛ لأن التضعيف فيه عندنا مرادف للهمزة وذكر نحوه ابن عاشور ١٩/ ١٩. وقد ورد القرآن باللفظين، في موضع واحد، قال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ﴾ [محمد:٢٠].
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦. وأنزل الله -عَزَّ وَجَلَّ- القرآن جملة واحدة من السماء السابعة إلى السماء الدنيا، في ليلة القدر، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣]، ثم نزل بعدُ مفرقاً على النبي -صلى الله عليه وسلم- وقد بين هذا وفصله ابن عباس -رضي الله عنهما- أخرج عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٨٩؛ لكن إسناده ضعيف، لضعف حكيم بن جبير، انظر: ميزان الاعتدال ١/ ٥٨٣، و"التقريب" ٢٦٥. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠، نحوه، مختصرًا عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أيضًا، وفي إسناده: أبو يحيى =
قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ قال الزجاج: أنزلناه كذلك متفرقًا؛ لأن معنى قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ يدل على معنى: لِمَ نزل عليه القرآن متفرقًا فأعلموا لِمَ ذلك (١)؛ وهو قول: ﴿لِنُثَبِّتَ﴾ وذهب قوم إلى أن قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ من كلام المشركين؛ فقالوا: إنهم قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: كالتوراة، والإنجيل، والكتب المتقدمة (٢). وعلى هذا نحتاج إلى إضمار في الآية
= الحِمّاني، واسمه: عبد الحميد بن عبد الرحمن، أبو يحي الكوفي، صدوق يخطئ، ورمي بالإرجاء. ميزان الاعتدال ٢/ ٥٤٢، و"التقريب" ص ٥٦٦. وفيه: حبيب بن أبي الأشرس، ضعيف جدًا بل متروك. "ميزان الاعتدال" ١/ ٤٥٠. و"تاريخ ابن معين" ٣/ ٣٥٦، رقم: [١٧٢٥]. وأخرجه عنه النسائي في "السنن الكبرى" ٥/ ٦، من طريق داود بن أبي هند عن عكرمة. وقد أورد ابن كثير ٦/ ١١٠، حديث النسائي، ولم يعلق عليه.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦. وقد اقتصر الواحدي -رحمه الله- على هذا القول في: "الوسيط" ٣/ ٣٤٠، و"الوجيز" ص ٧٧٨، مما يدل على اختياره له، وإن لم يصرح بهذا هنا. والله أعلم.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٧، ولم ينسبه. ونقله عنه النحاس، القطع والائتناف ٢/ ٤٨٣. وقال النحاس في "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٠: والأولى أن يكون التمام ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾؛ لأنه إذا وقف على ﴿كَذَلِكَ﴾ صار المعنى: كالتوراة والإنجيل والزبور، ولم يتقدم لها ذكر. وهذا قول حسن، ولأن مشركي قريش لم يكونوا أهل كتاب حتى يطالبوا بالمثلية؛ وعليه فإن هذه الآية لا تصلح دليلاً للقول بأن الكتب السماوية السابقة كانت تنزل جملة واحدة، وما ذُكر من حكمة الإنزال المفرق تشهد للقول بأنها كانت تنزل مفرقة. وقد ورد هذا المعنى صريحاً في قولٍ لابن عباس -رضي الله عنهما- أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠، بلفظ: لنشدد به فؤادك، ونربط على قلبك، يعني. بوحيه الذي نزل به جبريل عليك من عند الله، وكذلك يفعل بالمرسلين من قبلك. لكن في إسناده بشر بن عمارة، وهو ضعيف، =
.........................
= والضحاك، وهو لم يلق ابن عباس، كما تقدم في صدر السورة. وعليه فإن ما ذكره الواحدي -رحمه الله- في آخر تفسيره لهذه الآية من أن التوراة أنزلت جملة؛ لأنها أنزلت على نبي يقرأ ويكتب، يحتاج إلى دليل يثبته، والله أعلم. وقد حَسَّن القول بأن قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ من قول المشركين، ابنُ الأنباري. نقله عنه القرطبي ١٣/ ٢٩. واقتصر عليه الآلوسي ١٩/ ١٥، مع أنه صدره بـ (قيل). ولعل اقتصاره عليه لترجيحه أن نزول الكتب السابقة كان جملة. وسيأتي ذكر قوله. وردَّ هذا القول البقاعي، في "نظم الدرر" ١٣/ ٣٨٠، وعلل ذلك بأن نزول الكتب السابقة إنما كان منجماً، ولم يكن جملة. وقد بَيَّن رأيه هذا ووضحه واستدل عليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] "نظم الدرر" ٥/ ٥٠٧. وذهب إلى هذا أيضًا الشوكاني، حيث قال ٤/ ٧٠: وهذا زعم باطل، ودعوى داحضة، فإن هذه الكتب نزلت مفرقة كما نزل القرآن، ولكنهم معاندون، أو جاهلون لا يدرون بكيفية نزول كتب الله سبحانه على أنبيائه. ومثله المراغي ١٩/ ١٢. وكذا ابن عاشور ١٩/ ١٨، وبعد أن قرر هذا قال: فخوض المفسرين في بيان الفرق بين حالة رسولنا من الأمية، وحالة الرسل الذين أنزلت عليهم الكتب اشتغال بما لا طائل تحته، فإن تلك الكتب لم تنزل أسفاراً تامة قط. وقد نبه على هذا القاسمي أيضًا، ومما قاله في "محاسن التأويل" ١٢/ ٢٦١: والحال أن القول بنزولها دفعة واحدة، لا أصل له، وليس عليه أثارة من علم، ولا يصححه عقل. وأما البرسوي ٦/ ٢٠٩، فقد جزم بأن إنزال القرآن منجماً فضيلة خص بها نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من بين سائر الأنبياء. لكنه لم يذكر ما يدل على هذا التخصيص. وكذلك الآلوسي ١٩/ ١٥، حيث قال: أي: هلا أنزل القرآن عليه عليه الصلاة والسلام، دفعة غير مفرق، كما أنزلت التوراة والإنجيل والزبور، على ما تدل عليه الأحاديث والآثار، حتى كاد يكون إجماعاً، كما قال السيوطي. ثم رد قول من قال بخلاف ذلك، ولكنه لم يذكر شيئاً من هذه الأحاديث، والآثار. ولم يذكر السيوطي هذا في "الدر المنثور"، عند تفسير هذه الآية، وكذا لم أجده في "الإتقان". والله أعلم.
وأما قول الله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف. ١٤٥] فقد وقع الخلاف بين المفسرين هل هذه الألواح هي التوراة أم لا؟. قال ابن كثير بعد أن ذكر الخلاف: وعلى كل تقدير كانت كالتعويض له عما سأل من الرؤية ومنع منه. "تفسير ابن كثير" ٣/ ٤٧٤.
ليصح النظم، وهو أن نقول: تقديره: أنزلناه متفرقًا لنثبت به فؤادك (١). أى: ليقوى به قلبك، فتزداد بصيرة. وذلك أنه إذا كان الوحي يأتيه متجددًا في كل أمر وحادثة كان ذلك أزيد في بصيرته، وأقوى لقلبه (٢). وذكرنا معنى تثبيت الفؤاد عند قوله: ﴿مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] (٣). وقال أبو عبيدة: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: لنطيب به نفسك، ونشجعك (٤). وهذا معنى ما ذكرناه.
قوله تعالى: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ قال ابن عباس: بيَّناه بيانًا (٥). وقال إبراهيم: فرَّقناه في التنزيل (٦). وهو معنى قول الحسن (٧). وقال السدي:
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٧.
(٢) "الوسيط" ٣/ ٣٤٠. وذكر مقاتل ٤٥ أ، أن التثبيت هنا للقرآن في قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يعني: ليثبت القرآن في قلبك. وفي "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٣٢ الخطاب هنا للنبي -صلى الله عليه وسلم- والمراد بالتثبيت هو والمؤمنون
(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: يريد: لنزيدك يقينًا، وفسر التثبيت هاهنا بالتشديد عن ابن عباس، وبالتقوية عن الضحاك، والتصبير عن ابن جريج؛ وهو الأقرب؛ لأن ما يُقص عليه من إنباء الرسل إنما هو للإعتبار بها لما فيها من حسن صبرهم على أممهم.
(٤) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٤. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٣: لنطيب به فؤادك، ونحفظ به قلبك.
(٥) في "الوسيط" ٣/ ٣٤٠، منسوبًا لابن عباس -رضي الله عنهما-: بيناه تبييناً. وهو كذلك في "الوجيز" ص ٧٧٨، لكنه غير منسوب. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٣: تبياناً، بدل: بياناً. ونسبه الهواري ٣/ ٢٠٩، لقتادة، وأخرجه عن قتادة ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١. وأخرج أيضًا عن ابن عباس: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾، يقول: شيء بعد شيء.
(٦) أخرجه ابن جرير ١٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١.
(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٦٩. وابن جرير ١٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠.
فصَّلناه تفصيلًا (١). وقال الزجاج: أنزلناه على الترتيل؛ وهو: ضد العجلة (٢).
وقال ابن الأعرابي: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتبيين (٣).
قال الليث: الرَّتَل، بفتح التاء: تنسيق الشيء. وثغر رَتِل، حسن المُتَنَضَّد. ورتلت الكلام ترتيلاً، إذا تمهلت فيه وأحسنت تأليفه. وهو يترتل في كلامه، ويترسل (٤). فمعنى الترتيل في الكلام: أن يأتي به بعضُه في أثر بعض، على تؤدة، وتمهل؛ كما لثغر الرتَل، وهو: ضد المتراص. وهذا معنى قول مجاهد، في تفسير الترتيل: بعضه على أثر بعض (٥).
قال المفسرون: وكان بين أول نزول القرآن، وآخره، نحو من: ثلاث وعشرين سنة (٦). وإنما أنزلت التوراة جملة؛ لأنها نزلت مكتوبة، على نبي
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٦.
(٣) ذكره الأزهري، "تهذيب اللغة"١٤/ ٢٦٨ (رتل)، عن أبي العباس، بلفظ: ما أعلم الترتيل إلا التحقيق والتمكين، أراد: في قراءة القرآن.
(٤) كتاب "العين" ٨/ ١١٣ (رتل)، ونقله الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٤/ ٢٦٨ (رتل). قال ابن عاشور ١٩/ ٢٠: اتفقت أقوال أئمة اللغة على أن هذا الترتيل مأخوذ من قولهم: ثغر مرتَّل، ورتِل... ولم يوردوا شاهداً عليه من كلام العرب.
(٥) "تهذيب اللغة" ١٤/ ٢٦٨ (رتل). ويجوز أن يراد بـ ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾ أمرنا بترتيله، أي بقراءته مرتلاً، أي: بتمهل بأن لا يعجَل في قراءته، كقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: ٤]. "تفسير ابن عاشور" ١٩/ ٢٠. وأثر وإثر معناهما واحد؛ قال ابن السكيت: يقال خرجت في أثره وإثره. "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٢١ (أثر).
(٦) أكثر أهل العلم على ذلك، وما ورد من تحديد المدة بعشرين سنة، أو: اثنتين وعشرين، فمحمول على التقريب لا التحديد. والله أعلم. وممن ورد عنه القول بعشرين سنة؟ ابن عباس، أخرجه عنه النسائي. في "السنن الكبرى" ٥/ ٦، =
يكتب، ويقرأ، وأُنزل القرآن متفرقًا؛ لأنه أنزل على نبي أمي لا يكتب، ولا يقرأ، ولأن منه: الناسخ والمنسوخ، ومنه: ما هو جواب عن أمور سألوه عنها؛ فلذلك أُنزل متفرقًا (١).
٣٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ﴾ يعني: المشركين (٢) ﴿بِمَثَلٍ﴾ (٣) يضربونه لك في إبطال أمرك، ومخاصمتك، كما قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ﴾ بالذي هو الحق لترد به خصومتهم، وتبطل به كيدهم، وما جاؤا به من المثل (٤).
= وذكره عنه ابن كثير ٦/ ١١٠. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٦٩، وابن جرير ١٩/ ١١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٠، عن الحسن، أن بين أوله وآخره نحو من عشرين سنة. وبه قال الفراء، ٢/ ٢٦٧، والزجاج ٤/ ٦٦. واقتصر عليه ابن جزي ٤٨٤. وقال ابن جريج: اثنتين وعشرين، أو ثلاث وعشرين. أخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ١١. وممن قال بثلاث وعشرين سنة، ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ٢٣٢. والهواري ٣/ ٢٠٩. وابن كثير ٦/ ١٠٩. والشنقيطي ٣/ ٥٧٦.
(١) ذكر هذا التعليل الطوسي ٧/ ٤٨٨، ولم ينسبه، وكذا البغوي ٦/ ٨٣. وفي هذه الآية بيان لحكمة إنزال القرآن مفرقاً، إذ لو نزل جملة لسبق الحوادث التي كانت ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم.
وقد ذكر ابن قتيبة هذه الحكم في كتابه: "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٣٢. والنحاس، "إعراب القرآن" للنحاس ٣/ ١٥٩. والرازي ٢٤/ ٧٩، حيث ذكر ثمانية أوجه. لكن يبقى القول بأن حكمة التفريق حتى يعيه النبي -صلى الله عليه وسلم- ويحفظه بعيد؛ لأنه لا يدل عليه لفظ الآية، ولأن الله تعالى قد تكفل له بحفظه ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأعلى ٦ - ٧]. والله أعلم. والقول بالتفريق بين الكتب السابقة في كيفية نزولها لأجل اختلاف أحوال الأنبياء في القراءة والكتابة سبقت الإجابة عنه.
(٢) "تفسير الهوَّاري" ٣/ ٢٠٩. وابن برير ١٩/ ١١
(٣) تنكير مثل، في سياق النفي، يدل على التعميم. "تفسير ابن عاشور" ١٩/ ٢١.
(٤) قال البغوي ٦/ ٨٣: فسمى ما يوردون من الشبه مثلاً، وسمى ما يدفع به الشبه =
﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: من مَثَلهم (١). قال الزجاج: وحذفت من؛ لأن في الكلام دليلًا عليه، لو قلت: رأيتُ زيدًا وعمْرًا، فكان عمْرٌو (٢) أحسن وجهًا. كان في الكلام دليل على أنك تريد: مِنْ زيد (٣). وهذا الذي ذكرنا معني قول مقاتل، في هذه الآية (٤)
وذكر عطاء والكلبي، بيان ما يأتون به، وما يجيء الله به مما هو الحق؛ فقالا: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ كما أتوا به في صفة عيسى فقالوا: إنه خُلِق من غير أب (٥) ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ هو أي: بما فيه نقض لحجتهم؛ وهو: آدم، خُلِق من غير أب، ولا أم. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية (٦) [آل عمران: ٥٩].
وأما معنى التفسير، فهو: تفعيل، من: الفسر. قال ابن الأعرابي: الفَسْرُ: كشفُ ما غطي (٧). وقال الليث: الفسر: التفسير، وهو البيان،
= حقًا. قال السعدي ٥/ ٤٧٨: وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم، من محدث، ومعلم، وواعظ، أن يقتدي بربه، في تدبيره حال رسوله، كذلك العالم يدبر أمر الخلق، وكلما حدث موجب، أو حصل موسم، أتى بما يناسب ذلك من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والمواعظ الموافقة لذلك.
(١) قال الهواري ٣/ ٢٠٩: وقال بعضهم: أحسن تفضيلاً.
(٢) (فكان عمرو) ساقطة من (ج).
(٣) "معاني القرآن" للزجاج٤/ ٦٧.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ أ.
(٥) ذكر هذا القول القرطبي ١٣/ ٣٠ ولم ينسبه. وذكر عن الكلبي أنه قال ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ أي: تفصيلاً، ومثل ذلك ذى ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩١، عن عطاء ولم يذكر هذا المثل.
(٦) الشاهد من الآية، لم يذكر، وهو قوله: ﴿كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ ولم أجد هذا القول في "الوسيط"، و"الوجيز".
(٧) "تهذيب اللغة" ١٢/ ٤٠٦ (فسر).
والتفصيل، والتَفْسِرَة: كل شيء يعرف به تفسير الشيء ومعناه. ولهذا قيل للبول الذي ينظر فيه الأطباء، فيستدلون به على علة العليل: تَفْسِرة (١)
٣٤ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ قال الكلبي: هم أهل الكتاب. وقال مقاتل: هم كفار مكة (٢)؛ وذلك أنهم قالوا لمحمد، وأصحابه: هم شر خلق الله. فأنزل الله هذه الآية. قال أنس: سُئل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: كيف يحشر أهل النار على وجوههم؟ فقال:"إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم" (٣).
(١) "العين" ٧/ ٢٤٧ (فسر)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٢/ ٤٠٦.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٣: أبو جهل وأصحابه.
(٣) أخرجه الواحدي بسنده، في "الوسيط" ٣/ ٣٤٠، وقال في آخره: رواه البخاري، عن عبد الله بن محمد عن يونس بن محمد. نعم، هو كذلك عند البخاري من حديث أنس -رضي الله عنه- في التفسير، باب ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ رقم ٤٧٦٠، "الفتح" ٨/ ٤٩٢، ولفظه: (أن رجلاً قال: يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ قال: أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادراً على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة). وأخرجه مسلم ٤/ ٢١٦١، كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، رقم ٢٨٠٦، وفيه: قال قتادة: بلى، وعزة ربنا. وأخرجه الطبري ١٩/ ١٢، عن أنس -رضي الله عنه- من ثلاثة طرق. ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وبهذا يبطل القول بأن هذا تمثيل، كما يقال: جاءني على وجهه، أي: كارهاً. وقد ذكر هذا القول النحاس ٣/ ١٦٠، وصدره بقوله: قيل، ولم يدفعه، مع أنه قد ذكر الحديث المرفوع السابق. وكذلك لك فعل ابن عطية ١١/ ٣٨. أما القرطبي ١٠/ ٣٣٣، فقد قال بعد ذكر حديث أنس -رضي الله عنه-. فرحمه الله. وجزم ابن جزي بأن هذا حقيقة لحديث أنس -رضي الله عنه- يذكر غيره. وكذا فعل ابن كثير ٦/ ١١٠، حيث اقتصر على ذكر هذا الحديث، ثم قال: وهكذا قال مجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد من المفسرين. قال =
قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ قال ابن عباس: يريد مصِيرًا ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أي: دينًا وطريقًا (١). وهذه الآية من قِبَلِ قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: ٢٤]. وقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ [الفرقان: ١٥]، وقد مَرَّ (٢). قال مقاتل، في هذه الآية، يقول: هو شر منزلًا وأخطأُ طريقًا من المؤمنين (٣).
وقال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ﴾ ابتداء، ﴿أُولَئِكَ﴾ ابتداءٌ ثان، وشرٌ : خبره، وهما: خبرا ﴿الَّذِينَ﴾ (٤).
٣٥ - وقوله ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾ (٥) قال مقاتل
= البرسوي ٦/ ٢١٠: ولما استكبر الكفار واستعلوا حتى لم يخروا لسجدة الله تعالى حشرهم الله تعالى على وجوههم.
(١) أخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ١٢، عن مجاهد. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٢، عن ابن عباس: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ يقول: وأبعد حجة.
(٢) ومثلها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ [مريم: ٧٣] وقوله تعالى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ [مريم: ٧٥].
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. بمعناه قال البيضاوي ٢/ ١٤١: والمفضل عليه هو الرسول -صلى الله عليه وسلم- على طريقة قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ﴾ [المائدة: ٦٠].
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٧.
(٥) قال الرازي ٢٤/ ٨٠: اعلم أنه تعالى لما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أتبعه بذكر جملة من الأنبياء، وعرفه بما نزل بمن كذب من أممهم. وذكر أبو حيان ٦/ ٤٥٧، أن تقديم ذكر نبي الله موسى -صلى الله عليه وسلم- لأنه نزل عليه الكتاب جملة واحدة، ومع ذلك كفروا به. وخالفه البقاعي في "نظم الدرر" ١٣/ ٣٨٥ فقال: وقدم قصة موسى -عليه السلام-، لمناسبة الكتاب في نفسه أولاً، وفي تنجيمه ثانياً. وقال في ص ٣٨٤: وفيه إشارة إلى أنه لا ينفع في إيمانهم إرسال ملَك -كما اقترحوا- ليكون معه نذيراً. أما ابن عاشور فقد ذكر (١٩/ ٢٥) أن الابتداء بذكر نبي الله موسى -صلى الله عليه وسلم- لأنه أقرب =
والكلبي، يعني: معينًا على الرسالة (١).
وقال الزجاج: الوزير في اللغة: الذي يُرجع إليه ويُتحصن برأيه والوَزَرَ: ما يُلتجأ إليه ويُعتصم به (٢). وذكرنا تفسير الوزير، عند قوله: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: ٢٩] (٣).
٣٦ - ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا﴾ قال الكلبي (٤): هذا لموسى خاصة. ونحو هذا ذكر الفراء؛ فقال: إنما أمر موسى وحده بالذهاب (٥)، وعلى هذا خوطب
=زمنًا من الذين ذكروا بعده. ثم قال: فإن صح ما روي أن الذين قالوا: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ اليهود، فوجه الابتداء بذكر ما أوتي موسى أظهر.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٣. وذكره ابن جرير ١٩/ ١٢، ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٣، نحوه عن قتادة. وذكر الهواري ٣/ ٢٠٩، ثلاثة أقوال: عويناً، عضداً، شريكاً في الرسالة، ثمَّ قال: وهو واحد، وذلك قبل أن تنزل عليهما التوراة، ثم نزلت فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨].
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٧. واستشهد على ذلك بقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة:١١]. وكذا النحاس، "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٠.
(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال المفسرون: عوناً وظهيراً. وقال أبو إسحاق: الوزير في اللغة اشتقاقه من الوَزَر، وهو الجبل الذي يعتصم به لينجي من الهلكة، وكذلك وزير الخليفة معناه: الذي يعتمد على رأيه في أموره ويلتحئ إليه.
(٤) (الكلب) ساقطة من (ج).
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٨، وقال أيضًا: وهذا بمنزلة قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]. وقال السمرقندي: يعني به موسى، كقوله -عَزَّ وَجَلَّ- في سورة طه [٤٢]، : ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ﴾ خاطب موسى خاصة إلى القوم. وقد نقد الفراءَ أبو جعفر النحاس، في إعراب القرآن ٣/ ١٦١، فقال: وهذا مما لا ينبغي أن يجترأ به على كتَاب الله -عَزَّ وَجَلَّ-، وقد قال جل ثناؤه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى﴾ [طه ٤٤، ٤٥] هذا هو الصواب، الموافق لظاهر =
الواحد بخطاب الاثنين، وهو من عادة العرب، كما أنشد النحويون:
فقلت لصاحِبي لا تحبسانا بِنَزْعِ أُصولِه واجتزَّ شِيْحَا (١)
وإن كان الخطاب لهما فهو ظاهر (٢).
قوله: ﴿إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ يعني: فرعون وقومه (٣). قال أهل المعاني: ذكرهم الله هاهنا بالصفة القائمة مقام الاسم؛ لأنهم كانوا عند نزول القرآن قد كذبوا بآيات موسى وإن لم يكونوا موصوفين بالتكذيب عند إرسال موسى إليهم (٤).
= الآية، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾ [مريم: ٥٣].قال المراغي ١٩/ ١٦: فإنه وإن كان نبيًا فالشريعة لموسى -عليه السلام-، وهو تابع له فيها، كما أن الوزير متبع لسلطانه. وقد رد الرازي ٢٤/ ٨١، على من استدل بكون هارون وزيرًا على أنه ليس بنبي بكلام جيد. فيراجع. وأما قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [النازعات: ١٧] فلا ينافي هذا؛ لأنهما إذا كانا مأمورين فكل واحد مأمور. "تفسير القرطبي" ١٣/ ٣١.
(١) أنشده الفراء، "معاني القرآن" ٣/ ٧٨، وعنه ابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٩١، وابن جني في "سر صناعة الإعراب" ١/ ١٨٧، ولم ينسبوه. وفي "حاشية تأويل مشكل القرآن": المعنى لا تحبسنا عن شي اللحم بأن تقطع أصول الشجر، بل خذ ما تيسر من الشيح؛ والشيح: نبت طيب الرائحة، واجتز: اقطع، والشاهد: قوله: تحبسانا: خاطب الواحد بلفظ الاثنين. وأنشده في "لسان العرب" ٥/ ٣١٩ (جزز) نقلاً عن ثعلب والكسائي، ونسباه ليزيد بن الطَّثَرِية، وُيروى: واجْدَزَّ، ثم قال: قال ابن بري: ليس هو ليزيد بن الطثرية؛ وإنما هو لمضرس بن ربعي الأسدي.
(٢) وقد جزم بهذا القرطبي ١٣/ ٣٠، -وهو الصحيح- وضعف القول الآخر بتصديره بقيل. ولم يتعرض الواحدي لنقد هذا القول مع أنه حري بذلك. والله أعلم.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣، والهواري ٣/ ٢٠٩، والزجاج ٤/ ٦٧، وزاد: والذين مسخوا قردة وخنارير.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب، حيث جعل الآيات هنا آيات نبي الله موسى -صلى الله عليه وسلم- التسع. =
ويحتمل أن يكون المعنى: اذهبا بآياتنا إلى القوم الذين كذبوا، فتكون الآيات من صلة الذهاب، لا من صلة التكذيب، وتكذيبهم في ذلك الوقتِ لم يكن بآيات موسى، وإنما كان بآيات مَنْ تقدمه من الأنبياء؛ كإبراهيم وإسحاق ويعقوب. وفرعونُ حين ادعى الربوبية، وقومُه لمَّا أطاعوه، كانوا مكذبين أنبياء الله وكتبه (١).
قوله: ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أي: أهلكناهم بالعذاب (٢) إهلاكًا. يعني:
الغرق (٣)، وما دمر عليه (٤) من صنايعهم كقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ﴾ [الأعراف: ١٣٧]، وقال صاحب النظم: معنى الآية: فذهبا، وكُذِّبَا ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ ودخول الفاء دلالة على هذا الإضمار. والتدمير لم يكن بعد الأمر لهما بالذهاب، إنما كان بعد الذهاب والتكذيب (٥).
= ونسبه السمرقندي ٢/ ٤٦٠، للكلبي، ثم قال: وقال بعضهم: هذا التفسير خطأٌ. لأن الآيات التسع أعطاها الله تعالى موسى بعد ذهابه إليه.
(١) اختار هذا القول الواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٤٠، واقتصر عليه، ولم يتعرض لذلك في "الوجيز". واختاره ابن الجوزي ٦/ ٨٩. وشهد لهذا العموم "تفسير مجاهد" للآيات في هذه الآية بالبينات، دون تحديد لها. أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٣. قال السمرقندي ٢/ ٤٦٥: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ أي: بتوحيدنا، وديننا.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ١٧٩ ب، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- وعن السدي. وذِكرُ لفظ التدمير للمبالغة في وصف ما أصابهم؛ لأنه كسر الشيء على ووجهٍ لا يمكن معه إصلاحه. "تفسير المراغي" ١٩/ ١٥ و"روح المعاني" ١٩/ ١٨.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. بمعناه، و"تفسير مقاتل" ٤٥ ب. بنصه، و"تفسير هود الهواري" ٣/ ٢٠٩.
(٤) كذا في النسخ الثلاث: عليه، ولعل الصواب: عليهم.
(٥) قال الرازي ٢٤/ ٨١: التعقيب هاهنا محمول على الحكم لا على الوقوع، وقيل: إنه تعالى أراد اختصار القصة فذكر حاشيتيها أولها وآخرها لأنهما ألمقصود من القصة بطولها، أعني إلزام الحجة ببعثة الرسل، واستحقاق التدمير بتكذيبهم.
٣٧ - قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾ قال الفراء: نصبت قوم نوح بـ ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وإن شئت بالتدمير المذكور قبلهم (١).
قوله: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وقال الزجاج: من كذب نبيًا فقد كذب جميع الأنبياء (٢)، وقوم نوح إذ كذبوه، فقد كذبوا أيضًا من قبله من الرسل (٣)، فلذلك قال: ﴿لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ وهذا قول الكلبي، قال:
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٨. واعترض النحاس على الفراء في أنه منصوب بـ ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ فقال: وهذا لا يحصل؛ لأن أغرقنا ليس مما يتعدى إلى مفعولين فيعمل في المضمر، وفي قوم نوح. إعراب القرآن ٣/ ١٦١.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٧. بمعناه. واقتصر على هذا الواحدي في "الوجيز" ٢/ ٧٧٩، حيث قال: من كذَّب نبياً فقد كذب الرسل كلهم؛ لأنهم لا يفرقون بينهم في الإيمان. وكذا البغوي ٦/ ٨٤ وابن عطية ١١/ ٤٠. واختاره ابن كثير ٦/ ١١٠.
(٣) ما ذكره الواحدي من تكذيبهم للأنبياء الذين كانوا قبل نبي الله نوح -صلى الله عليه وسلم- غير مسلَّم؛ لأن نوحاً -صلى الله عليه وسلم- أول الرسل، ليس قبله أحد كما دل على ذلك قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء: ١٦٣]، "الأصول الثلاثة وحاشيته" ص ٤٩. ومن السنة حديث الشفاعة الطويل، وفيه: فَيَاتُونَ نُوحًا يقُولُونَ يَا نُوحُ أَنْتَ أوَلُ الرُسُلِ إِلَى أَهْل الأرْضِ وَسَمَّاكَ الله عَبْدا شَكُورًا أَمَا تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ أَلا تَرَى إِلَى مَا بَلَغَنَا أَلا تَشْفَعُ لَنَا إِلَى رَبكَ. أخرجه البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، رقم: ٣٣٤٠، "الفتح" ٦/ ٣٧١، ومسلم ١/ ١٨٠، كتاب الإيمان، رقم: ١٩٣. ومثل ما قال الواحدي قال البقاعي ١٣/ ٣٨٧: ولأنهم كذبوا من مضى من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيما سمعوه من أخبارهم. وكذا أبو السعود ٦/ ٢١٨، والقاسمي ١٢/ ٢٦٣. وسمَّى بعضَهم البرسوي ٦/ ٢١١: كشيث، وإدريس. ويحتمل جمع الرسل في الآية ما قاله ابن عاشور ١٩/ ٢٧: لأنهم أول من كذب رسولهم، فكانوا قدوة للمكذبين مِن بعدهم. وقد أجاب ابن حجر ٦/ ٣٧٢، على من استشكل كون نبي الله نوح -صلى الله عليه وسلم- أول الرسل، بنبوة آدم، وإدريس، عليهما الصلاة والسلام بأجوبة منها: أن نوحًا -عليه السلام- أول الرسل إلى أهل الأرض؛ لأن في زمن آدم -عليه السلام-. لم يكن للأرض أهل، وأما إدريس -عليه السلام- فلم يثبت أنه كان قبل نوح -عليه السلام-. والله أعلم.
يعني نوحًا وما جاءهم من خبر الرسل (١)، قال: وجوز أن يكون يعني به الواحد، ويذكر لفظ الجنس، كما تقول للرجل الذي ينفق الدرهم الواحد: أنت ممن ينفق الدراهم؛ أي: ممن نفقته من هذا الجنس. وفلان يركب الدوابَّ وإن لم يكن يركب إلا دابَّة واحدة (٢). وهذا قول ابن عباس، ومقاتل؛ لأنهما قالا في قوله: ﴿كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ يعني: نوحًا وحده (٣).
قوله: ﴿أَغرَقنَاهُمْ﴾ أي: بالطوفان (٤). قال الكلبي: أمطر الله عليهم من السماء أربعين يومًا، وخرج ماء الأرض أربعين يومًا، فصارت الأرض بحرًا واحداً (٥).
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ﴾ أي: لِمن بعدهم ﴿آيَةً﴾ عبرة (٦)، ودلالة على
(١) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣، بمعناه.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٨، بنصه قال السمرقندي ٢/ ٤٦١: يعني نوحًا وحده، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ﴾ [المؤمنون: ٥١] ولم يكن إلا واحد وقت هذا الخطاب فيجوز أن يذكر الجماعة ويراد به الواحد، كما يذكر الواحد ويراد به الجماعة.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. وأيد هذا القرطبي ١٣/ ٣١، فقال: لأنه لم يكن في ذلك الوقت رسول إليهم إلا نوح وحده. وذكر الطوسي ٧/ ٤٩٠، وجهاً غريباً في الآية، فقال: وقيل: المعني نوحاً، والرسل من الملائكة.
(٤) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. و"تفسير الطبري" ١٩/ ١٣. وهذا إغراق عام، لم ينج منه سوى أصحاب السفينة فقط. "تفسير ابن كثير" ٦/ ١١١.
(٥) هذا التحديد لم أجد له دليلاً، فالماء قد فجره الله من تحتهم، وأنزله من فوقهم ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١١ - ١٢].
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. و"تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٤، عن الربيع بن أنس. وفيه: عبرة ومتفكر.
قدرتنا (١). قال ابن عباس: وهذا كله تعزيه للنبى -صلى الله عليه وسلم- وتخويف للمشركين (٢).
قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ يعني: سوى ما حل بهم في الدنيا (٣).
٣٨ - وقوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قال الفراء: نصبت عادًا بالتدمير (٤). وقال الزجاج: ﴿وَعَادًا﴾ عطفًا (٥) على الهاء والميم، التي في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ قال: ويجوز أن يكون معطوفًا على معنى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ ويكون التأويل: وَعَدْنا الظالمين بالعذاب،
(١) قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١١ - ١٢].
(٢) "الوسيط" ٣/ ٣٤٠، بنصه.
(٣) "تفسير الطبري" ١٩/ ١٣. بمعناه. قال القرطبي ١٣/ ٣١: أي: للمشركين من قوم نوح... وقيل: أي: هذه سبيلي في كل ظالم. وعلى هذا يكون المراد بالظالمين قوم نوح -صلى الله عليه وسلم- وهذا محتمل، كما قال الرازي ٢٤/ ٨١، واقتصر عليه البرسوي ٦/ ٢١١. إلا أن ظاهر الآية أعم من ذلك، فأعتدنا لكل من سلك سبيلهم في تكذيب الرسل عذاباً أليماً. ولم يذكر البقاعي ١٣/ ٣٨٦، غير هذا، وكذا المراغي ١٩/ ١٧، ويشهد له قول الله -عَزَّ وَجَلَّ- في قصة قوم لوط -صلى الله عليه وسلم-: ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] وهذا أقرب لتحذير المشركين وتخويفهم. والله أعلم. وذكر ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٤، من طريق الضحاك عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن: الظالمين، الكافرين. وذكر ابن جزي ٤٨٤ القولين دون ترجيح، وكذا البيضاوي ٢/ ١٤١. والشوكاني ٤/ ٧٣. والعذاب في الآية الأخروي؛ إن كان المراد بالظالمين قوم نوح؛ لأنه سبق الإخبار عن عذابهم في الدنيا. ويحتمل العذاب الدنيوي والأخروي؛ إن كان المراد بهم عموم الظالمين. "تفسير أبي السعود" ٦/ ٢١٨.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٨.
(٥) هكذا في (أ)، (ب)، وفي (ج): (عطف).
ووعدنا عادًا وثمودَ (١).
قوله ﴿وَأَصْحَابُ الرَّسِّ﴾ الرس في اللغة: كل محفور مثل البئر، والمعدن، والقبر، ونحوها. وجمعه: رِساس، ومنه قول الجعدي:
تَنابلةً يَحفِرون الرِّساسا (٢)
وقال أبو عبيدة: الرس: كل رَكيَّة لم تُطوَ (٣)، بالحجارة والآجر والخشب (٤). واختلفوا في أصحاب الرس؛ [فروى عكرمة عن ابن عباس،
(١) "معاني القرآن" للزجاج٤/ ٦٨.
(٢) عجز بيت للنابغة، ديوانه ٨٢، وصدره:
سَبَقْتُ إلى فَرَطٍ ناهل
وأثده ونسبه أبو عبيدة ٢/ ٧٥، وقال: الرساس: المعادن. وأنشده ابن جرير ١٩/ ١٤، ولم ينبه، وفيه: بأهل، بالباء الموحدة تحت. وأنشده ابن قتيبة، في: غريب القرآن ٣١٣، منسوبًا للنابغة وأنشده، وذكر قول أبي عبيدة الثعلبي ٨/ ٩٩ أ. وفي "تهذيب اللغة" ١٢/ ٢٩٠ (رسس): وكل بئر عند العرب: رَسٌّ، وأنشد البيت للدلالة على ذلك.
ضبط: تنابلة، في التهذيب ١٢/ ٢٩٠: بالرفع، وفي "الديوان" و"المجاز" لأبي عبيدة: بالنصب. وفي "تهذيب اللغة" ١٣/ ٣٣١ (فرط): الفرَط: المتقدم في طلب الماء. والناهل في كلام العرب: العطشان. "تهذيب اللغة" ٦/ ٣٠٥ (نهل). والتنبال: الرجل القصير. "تهذيب اللغة" ١٤/ ٣٥٤ (تنبل).
- النابغة الجعدي، الشاعر المشهور المعمَّر -رضي الله عنه-، اختلف في اسمه فقيل: عبد الله ابن قيس، وقيل: قيس ابن عبد الله، من جَعدة بن كعب بن ربيعة، أقام مدة لا يقول الشعر ثم قاله فقيل: نبغ.
(٣) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٢٢٣، في سورة: ق. وفي "غريب القرآن"، لابن قتيبة ص ٣١٣، بالإثبات حيث قال: كل ركية تطوى فهي رس. وفي "اللسان" ٦/ ٩٩: والرس: البئر المطوية بالحجارة فكلمة: رَسَسْتُ، من الأضداد، تستعمل في الإصلاح، وتستعمل في الإفساد. "الأضداد" للأنباري ص ٣٨٣.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٩ أ، بنصه.
قال: سألت كعبًا عن أصحاب الرس؟] (١) فقال: صاحب ياسين الذي قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] قتلوه (٢)، قتله قومه ورسَّوه في بئر لهم يقال له: الرس، أي: دسوه فيها (٣). وهذا قول مقاتل والسدي؛ قالا: الرس: بئر بأنطاكية (٤) قتلوا فيها حبيبًا النجار فنسبوا إليها (٥).
وروى عطاء عن ابن عباس في أصحاب الرس قال: بئر كانوا عليها نزولًا (٦). وهذا قول مجاهد؛ قال: بئر كان عليها قوم يقال لهم: أصحاب الرس (٧). ونحو هذا قال وهب، قال: وبعث الله إليهم شعيبًا، وكانوا أهل
(١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج). وقول كعب ذكره الثعلبي ٨/ ٩٦ أ، دون ذكر السؤال.
(٢) كلمة: (قتلوه) في (أ)، (ب). ويوجد بعد هذه الكلمة تكرار في (ب)، قدر سطرين.
(٣) أخرج ابن جرير ١٩/ ١٤، عن عكرمة أنه قال: أصحاب الرس بفلج هم أصحاب يس. ولم ينسبه لابن عباس. وذكره القرطبي ١٣/ ٣٢ منسوبًا لابن عباس.
(٤) أنطاكية: قصبة العواصم من الثغور الشامية، وهي من أعيان البلاد، وأمهاتها، موصوفة بطيب الهواء وعذوبة الماء، وكثرة الفواكه وسعة الخير، حاصرها أبو عبيدة بن الجراح، وصالح أهلها، ثم نقض أهلها العهد فأرسل إليهم أبو عبيدة: عياض بن غنم، وحبيب بن مسلمة ففتحاها. "معجم البلدان" ١/ ٣١٦. و"مراصد الإطلاع" ١/ ١٢٤. وموقعها الآن: جنوب تركيا تبعد عن الساحل الشرقي للبحر المتوسط حوالي ٥٠ كم.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب، لكنه لم يسمه. وذكره الثعلبي ٨/ ٩٦ أ، ونسبه لكعب ومقاتل. ونسبه ابن الجوزي ٦/ ٩٠، للسدي.
(٦) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٥، بسنده عن عكرمة عن ابن عباس: أنها بئر بأذربيجان.
(٧) أخرجه عن مجاهد، ابن جرير ١٩/ ١٤، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٥. وأخرج نحوه ابن جرير عن ابن عباس.
بئر نزولًا عليها، وأصحاب مواش، وكذبوا شعيبًا، وآذوه فانهارت البئر بهم، وبديارهم ومنازلهم، فهلكوا جميعاً (١).
وقال قتادة: الرس: قرية بفَلَج اليمامة (٢) قتل أهلها نبيهم فأهلكهم الله (٣).
(١) "الوسيط" ٣/ ٣٤٠ بنصه، منسوباً لوهب. وهو كذلك عند البغوي ٦/ ٨٤ والطبرسي ٧/ ٢٦٦. وابن الجوزي ٦/ ٩٠. والقرطبي ١٣/ ٣٢. وكون أصحاب الرس قوم شعيب، -عليه السلام- مذكور في "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٣، بإسناده عن ابن جريج، قال: قال ابن عباس: ﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ قال: قرية من ثمود. وذكره ابن كثير ٦/ ١١١، واستبعد هذا أبو حيان ٦/ ٤٥٧، وقال: ويبعده عطفه على ثمود؛ لأن العطف يقضي التغاير. وتبعه الألوسي ١٩/ ١٩.
(٢) فلج اليمامة: بفتح أوله وثانيه، مدينة بأرض اليمامة، لبني جعدة، وقُشير، وكعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. "معجم البلدان" ٤/ ٣٠٧. وتسمى الآن: الخرج، المدينة المعروفة جنوب الرياض بحوالي ١٠٠كم.
(٣) أخرج هذا القول بإسناده عن قتادة، ابن جرير ١٩/ ١٤، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٥. وذكره القرطبي ١٣/ ٣٢. وزاد البغوي ٦/ ٨٤، نسبته للكلب في. ولم يرجح الواحدي -رحمه الله- شيئاً من هذه الأقوال، ولعل أقربها أنهم قوم كانوا على بئر؛ لأن هذا هو الموافق للمعنى اللغوي. وقد اقتصر عليه في "الوجيز" ٢/ ٧٧٩. وهو اختيار ابن جرير ١٩/ ١٤. وجزم به السمرقندي ٢/ ٤٦١. وذكر ابن جرير ١٩/ ١٤، والثعلبي ٨/ ٩٦ أ، قولاً في أصحاب الرس أنهم أصحاب الأخدود، والرس، هو: الأخدود الذي بنوه. قال ابن جرير ١٩/ ١٤: ولا أعلم قوماً كانت لهم قصة بسبب حفرة ذكرهم الله في كتابه إلا أصحاب الأخدود. وذكرا أيضًا خبراً طويلاً مرفوعاً في شأن أهل الرس، وهو لا يصح؛ لأنه من طريق محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرظي، يرفعه للنبي -صلى الله عليه وسلم-. وذكره ابن كثير ٦/ ١١١، من طريق ابن جرير، ثم قال: عن محمد بن كعب مرسلاً، وفيه غرابة، ونكارة، ولعل فيه إدراجاً. وقد أعرض عنه الواحدي -رحمه الله- فلم يذكره في تفاسيره الثلاثة، ولا في "أسباب النزول" وذكر الثعلبي ٨/ ٩٦ ب، خبراً طويلًا عن علي -رضي الله عنه- موقوفاً عليه في شأن أصحاب =
وقوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ أي: وأهلكنا قرونًا ما بين عاد إلى أصحاب الرس (١). قاله مقاتل (٢).
= الرس. وهو من الإسرائيليات. وذكر أيضًا أخباراً أخر في شأنهم، وقد أحسن الواحدي -رحمه الله- صنعاً في ترك ذكرها؛ إذ العبرة حاصلة في إهلاكهم.
قال الرازي ٢٤/ ٨٢: وأي شيء كان فقد أخبر الله تعالى عن أهل الرس بالهلاك. وقال في ص: ٨٣، بعد ذكره للأقوال الواردة في أصحاب الرس: واعلم أن القول ما قاله أبو مسلم وهو أن شيئًا من هذه الروايات غير معلوم بالقرآن، ولا بخبر قوي الإسناد، ولكنهم كيف كانوا فقد أخبر تعالى أنهم أهلكوا بسبب كفرهم. ما تحته خط هكذا وجدته في "تفسير الرازي". وقال القاسمي ١٢/ ٢٦٢: وَيروي هنا بعضهم آثاراً لا تصح. كما نبه عليه الحافظ ابن كثير رحمه الله فلا تحل الجراءة على روايتها، ولا تنزيل الآية عليها؛ لأنه من قفو ما ليس للمرء به علم، ومثله يحظر الخوض فيه.
(١) هكذا في (ج)، وفي (أ)، (ب): (قروناً بين عاد وأصحاب الرس).
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. واقتصر عليه ابن الجوزي ٦/ ٩١. وظاهر الآية أعم من ذلك. قال ابن جرير ١٩/ ١٥: ودمرنا بين أضعاف هذه الأمم التي سميناها لكم أممًا كثيرة ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ [الإسراء: ١٧]. ونحوه قال السمرقندي ٢/ ٤٦١. أخرج الحاكم في "المستدرك" ٢/ ٤٣٧، بسنده عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: معد بنس عدنان، بن أدد، بن زند، بن البراء، بن أعراق الثرى، قالت: ثم قرأ رسول الله ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ لا يعلمهم إلا الله، قالت أم سلمة: وأعراق الثرى: إسماعيل بن إبراهيم، وزند: هميسع، وبراء نبت. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وقال الذهبي: صحيح. وأخرجه البيهقي، في "الدلائل" ١/ ١٧٨، قريباً من رواية الحاكم، وهذا الحديث يدل على بطلان الحديث الذى أورده بعض المفسرين، كابن عطية ١١/ ٤١، عن ابن عباس موقوفاً، ومرفوعاً: (كذب النسابون من فوق عدنان)، وهو حديث لا يصح؛ لأنه من طريق: محمد بن السائب الكلبي عن أبي صالح. "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ١/ ١٤٤، رقم: ١١١.
٣٩ - وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ قال الزجاج: ﴿وَكُلًّا﴾ منصوب بفعل مضمر الذي ظهر تفسيره؛ المعنى: وأنذرنا كلًا ضربنا له الأمثال (١). قال قتادة: وكلًّا قد أعذر الله إليه ثم انتقم منه (٢). وقال مقاتل: وكلًا بيِّنا لهم أن العذاب نازل بهم إن لم يؤمنوا (٣).
﴿وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا﴾ أهلكنا بالعذاب إهلاكًا (٤). قال الزجاج: وكل شيء كسَّرتَه وفتَّتَّه فقد تبَّرْته، ومنه تبر الذهب (٥). وذكرنا معنى: التتبير، في سورة: سبحان (٦).
٤٠ - وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني: كفار مكة (٧) ﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ يعني: قرية قوم لوط (٨) ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قال مقاتل، وغيره:
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٨. بنصه.
(٢) أخرجه بسنده عبد الرزاق ٢/ ٧٠. وعنه ابن جرير ١٩/ ١٥. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٧. قال ابن كثير ٦/ ١١٢: أي بينا لهم الحجج، ووضحنا لهم الأدلة.
(٣) لم أجده في "تفسير مقاتل". وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٣: بينا لكل قرن عذاب القرون الذين قبلهم فلم يؤمنوا. وذكر أبو حيان ٦/ ٤٥٨، وجهاً غريبا في ذلك، واستبعده، وهو حري بذلك، وهو أن الضمير في ﴿لَهُ﴾ لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٩أ.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٩.
(٦) قال الواحدي في تفسير قول الله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]: يقال تَبِرَ الشيءُ يَتْبَرُ تَباراً إذا هلك، وتَبَّرَه أهلكه، قال أبو إسحاق: وكل شيء كَسَرْتَه وفَتَّتَّهُ فقد تَبَّرْتَهُ، ومن هذا تِبْرُ الزجاج وتِبْرُ الذهب لِمُكَسَّره.
(٧) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٩. و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٦١. وتصدير قصة قوم لوط -صلى الله عليه وسلم- باللام، وقد، دليل على عظم إعراضهم عن الانتفاع بالمواعظ والزواجر. والله أعلم.
(٨) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. والزجاج ٤/ ٦٩. والسمرقندي ٢/ ٤٦١. وذكر الثعلبي ٨/ ٩٩ أ، والزمخشري ٣/ ٢٧٣، والرازي ٢٤/ ٨٤، وأبو حيان ٦/ ٤٥٨ ونسبه =
يعنى: الحجارة، كل حجر في العِظَم على قدر إنسان (١) ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ في أسفارهم إذا مروا بها فيخافوا ويعتبروا (٢).
قال ابن عباس: كانت قريش في تجارتها إلى الشام تمر بمدائن قوم لوط (٣). وذلك قوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ﴾ [الصافات: ١٣٧].
ثم أعلم الله -عَزَّ وَجَلَّ- أن الذي جرأهم على التكذيب، وترك المبالاة بما شاهدوا من التعذيب في الدنيا أنهم كانوا لا يصدقون بالبعث، فقال: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٤٠] قال ابن عباس ومقاتل: لا يخافون بعثًا، ولا
= لابن عباس، وأبو السعود ٦/ ٢١٩، والألوسي ١٩/ ٢١، أنها خمس قرى، فأهلك الله أربعاً، وبقيت الخامسة، وكان أهلها لا يعملون ذلك العمل الخبيث. وهذا مخالف لظاهر القرآن؛ لأن الله تعالى لم يستثن منهم قرية، بل استُثني من العذاب أهلُ لوط -صلى الله عليه وسلم- فقط. قال الله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ١٧٠، ١٧٣]، قال ابن كثير ٤/ ١٧٤: والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطاً -عليه السلام-. وذكر ابن عطية ١١/ ٤٢، وابن كثير ٦/ ١١٢، والبيضاوي ٢/ ١٤٢، أن اسم القرية: سدوم، بالشام. قال أبو حاتم في كتاب: المُزال والمُفسَد: إنما هو سذوم، بالذال المعجمة، والدال خطأ. نقله الأزهري، في "تهذيب اللغة" ١٢/ ٣٧٤، وصححه. وعنه ياقوت في معجم البلدان ٣/ ٢٢٦ - واقتصر المراغي ١٩/ ١٨، والألوسي ١٩/ ٢١، على ذكرها بالذال.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. وذكره البرسوي ٦/ ٢١٤، ولم ينسبه. وهي حجارة السجيل، المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ [هود: ٨٢]. ووصف مقاتل لها بأنها في العظم على قدر الإنسان يحتاج إلى إثبات؛ ووصفها بالإمطار يدل على أنها شبيهة بالمطر في الكثرة، والتتابع، ولا يلزم من ذلك كبرها وعظمها، والله أعلم.
(٢) "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٩ أ. و"تفسير الماوردي" ٤/ ١٤٦.
(٣) ذكره البغوي ٦/ ٨٥، ولم يخسجه. ونسبه القرطبي ١٣/ ٣٤، لابن عباس رضي الله عنهما.
يصدقون به (١).
٤١ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: ما يتخذونك إلا مهزوؤًا به (٢). ثم ذكر أي شيء يقولون من الاستهزاء فقال: ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ أي: قالوا مستهزئيِن: أهذا الذي بعثه الله رسولَّاً إلينا (٣)؟. وجواب ﴿إذا﴾ هو ما أضمر من القول على تقدير: وإذا رأوك قالوا: أهذا الذي بعث الله (٤)؟. وقوله: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ جملة اعترضت بين: إذا، وجوابها، والمعنى: إذا رأوك مستهزئين قالوا هذا القول؛ وهو قولهم:
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. أخرج ابن أبي حاتم ١٨٢ أ، عن قتادة، في قوله تعالى: ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ أي: لا يخافون. وأخرج ابن جرير ١٩/ ١٧، عن ابن جريج: ﴿وَلاَ نُشُورًا﴾ بعثاً. قال ابن الجوزي: أي: لا يخافون بعثاً، هذا قول المفسرين. "زاد المسير" ٦/ ٩١. وقال الزجاج: الذي عليه أهل اللغة أن الرجاء ليس بمعنى الخوف، وإنما المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب عمل الخير، فركبوا المعاصي. "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٩. وارتضى هذا القول الرازي ٢٤/ ٨٤. وجوَّز القرطبي ١٣/ ٣٤، القولين.
(٢) "تفسير الطبري" ١٩/ ١٧. بنحوه قال أبو حيان ٦/ ٤٥٨ لم يقتصر المشركون على إنكار نبوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وترك الإيمان به، بل زادوا على ذلك بالاستهزاء، والاحتقار، حتى يقول بعضهم لبعض ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.
(٣) ذكر مقاتل في تفسيره ٤٥ ب، أنها نزلت في أبي جهل. وكذا السمرقندي ٢/ ٤٦١. والثعلبي ٨/ ٩٩ أ. والبغوي ٦/ ٨٥. والقرطبي ١٣/ ٣٤. وأخبر بلفظ الجمع تعظيماً لقبح صنعه، أو لكون جماعة معه قالوا ذلك. تفسير أبي حيان ٦/ ٤٥٨.
(٤) ذكر النحاس ٣/ ١٦٢، أن جواب (إِذَا) هو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ لأن معناه: يتخذونك. وأشار إلى القول الذي ذكره الواحدفي بقوله: وقيل: الجواب محذوف؛ لأن المعنى: قالوا: أهذا الذي بُعث هو ﴿الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾.
٤٢ - ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ قال ابن عباس: لقد كاد أن يصرفنا عن عبادة آلهتنا (١). وقال مقاتل: استزلنا عن ديننا (٢) قال الله سبحانه: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ أي: بما يعاينوه في الآخرة ﴿مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ من أخطأ طريقا عن الهدى أهم أم المؤمنون! قاله مقاتل (٣). وقال غيره: المعنى: يعلمون أنه لا أحد أضل منهم (٤).
٤٣ - ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ (٥) قال عطاء عن ابن عباس: أرأيت يا محمد من عرف أني إلهه، وخالقه، ثم هوى حجرًا يعبده فما حاله عندي (٦).
(١) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. و"تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٦٢، ولم ينسبه. وهذا يدل على عظم حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- على هداية قومه، ومجاهدتهم بكل ما يستطيع. تفسير الزمخشري ٣/ ٢٧٤. قال المراغي: وهذا منهم مغالاة، حيث سمَّوا دعوته إضلالاً. "تفسير المراغي" ١٩/ ١٩ ويشبه هذا ما حكاه الله تعالى عن فرعون: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦].
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. وجمعهم بين الاستهزاء بالنبي -صلى الله عليه وسلم- ووصفه بأنه كاد أن يضلهم عن دينهم، دليل على حيرتهم في أمره، تارة يستهزئون به، وتارة يصفونه بما لا يليق إلا بالعالم الكامل. تفسير أبي حيان ٦/ ٤٥٩.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب.
(٤) قال الثعلبي ٨/ ٩٩ أ: هذا وعيد لهم.
(٥) في تقديم: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] إفادة الحصر فإن الكلام قبل دخول: أرأيت، مبتدأ وخبر، المبتدأ: هواه، والخبر: إلهه، وتقديم الخبر يفيد الحصر، فكأنه قال: أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه، فهو أبلغ في ذمه وتوبيخه. "الانتصاف بحاشية الكشاف" ٣/ ٢٧٤.
(٦) "تفسير الماوردي" ٤/ ١٤٦. والبغوي ٦/ ٨٥، بنحوه منسوبًا لابن عباس.
وقال الكلبي: كانت العرب إذا هوى الرجل منهم شيئًا عبده من دون الله، فإذا رأى أحسن منه عبده حجرًا أو شجرًا أو أشباههما (١).
وقال سعيد بن جبير: كان أهل الجاهلية يعبد أحدهم الحجر فإذا رأى أحسن منه أخذه وترك الأول (٢).
وقال مقاتل: وذلك أن الحارث بن قيس السهمي (٣) هوى حجرًا فعبده (٤). وعلى هذا القول، تقدير الآية: أرأيت من اتخذ إلهه بهواه، فحذف الجار (٥). أو: إلهه ما يهواه، فسمي المفعول باسم المصدر، قال: فلان هوًى لفلان، إذا كان يهواه ويميل إليه، ومنه قول الشاعر:
هوًى بتهامة وهوًى بنجد فما أدري أُنِجِّدُ أم أغور (٦)
ومعنى الآية: تعجيب النبي -صلى الله عليه وسلم- من نهاية جهلهم حين عبدوا ما دعاهم إليه الهوى، وما يدعو إليه الهوى باطل (٧). وهذا القول اختيار الفراء (٨).
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٨، بمعناه. ولم ينسبه، ونسبه القرطبي ١٣/ ٣٥، للكلبي.
(٢) "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٩ أ، ولم ينسبه. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٦٩٩، نحوه منسوبًا لابن عباس. ومثل رواية ابن أبي حاتم، ذكر الماوردي ٤/ ١٤٦، وابن كثير ٦/ ١١٣.
(٣) الحارث بن قيس بن عدي بن سعد القرشي السهمي، ذكره ابن جرير ١٤/ ٧٠ في المستهزئين عند قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر: ٩٥].
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. ونسبه العز ٢/ ٤٢٦، للحسن.
(٥) "تفسير القرطبي" ١٣/ ٣٥.
(٦) لم أقف على من أنشد البيت، ولا على قائله. وفي "لسان العرب" ٥/ ٣٤ (غور): غور تهامة: ما بين ذات عرق والبحر وهو الغور، وقيل: الغور تهامة وما يلي اليمن.
(٧) فالاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ للتقرير، والتعجب. البيضاوي ٢/ ١٤٢.
(٨) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٨.
وفي الآية قول آخر؛ وهو قول الحسن وابن عباس؛ قال ابن عباس: الهوى: إله يعبد من دون الله (١).
وقال الحسن: لا يهوى شيئًا إلا اتبعه (٢). وذكر الزجاج القولين؛ فقال في القول الثاني: أي: أطاع هواه، وركبه فلم يبال عاقبة ذلك (٣). وهو اختيار ابن قتيبة؛ قال: يقول: يتَّبع هواه ويدع الحق فهو كالإله (٤).
قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد لست عليه بمسيطر (٥).
وقال مقاتل: يريد أن تكون بيدك المشيئة في الهوى والضلالة (٦). والمعنى: أفأنت عليه حافظ، تحفظه من اتباع هواه، وعبادته ما يهوى من
(١) "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٩ أ. منسوبًا لابن عباس فقط. وعنه نقل ابن عطية ١١/ ٤٣. وذكره القرطبي ١٣/ ٣٥.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٠. وأخرج بسنده عن قتادة: والله لكلما هوى شيئًا ركبه، وكلما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع ولا تقوى. وزاد السيوطي ٦/ ٢٦٠، نسبته لعبد بن حميد. وأخرج عبد بن حميد، عن الحسن، أنه قيل له: في أهل القبلة شرك؟ فقال: نعم؛ المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق يعبد هواه، ثم تلا هذه الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾. "الدر المنثور" ٦/ ٢٦١. قال الألوسي ١٩/ ٢٤، بعد أن ساق هذا القول: والمنافق عند الحسن مرتكب المعاصي كما ذكره غير واحد من الأجلة.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٩.
(٤) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١٣. قال القرطبي ١٣/ ٣٥، بعد أن ذكر القولين: والمعنى واحد.
(٥) تفسير الماوردي ٤/ ١٤٦، منسوبًا للسدي. ونحو هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥].
(٦) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب.
دون الله (١). أي: لست كذلك. قال الكلبي: نسختها آية القتال (٢).
٤٤ - ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ بل أتحسب يا محمد (٣) ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ﴾ (٤)
(١) في غريب القرآن لابن قتية ص ٣١٣، ﴿وَكِيلًا﴾ أي: كفيلًا، وقيل: حافظًا.
ونسب الماوردي ٤/ ١٤٣، الأول للكلبي، والثاني ليحيى بن سلام. قال الثعلبي ٨/ ٩٩ أ: أي: حفيظًا من الخروج إلى هذا الفساد.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٥٣ و"الوسيط" ٣/ ٣٤١. ولم ينسب هذا القول في "الوجيز" ٢/ ٧٨٠، وصدَّرَه بقوله: وقيل: إن هذا مما نسخته آية السيف. وجزم بالنسخ الثعلبي ٨/ ٩٩ أ، ولم ينسبه. وصدره ابن الجوزي ٦/ ٩٣، بقوله: وزعم الكلبي... وصدَّره القرطبي ١٣/ ٣٦، بـ: قيل. ثم قال: وقيل: لم تنسخ؛ لأن الآية تسلية للنبي -صلى الله عليه وسلم-. وصدر الشوكاني ٤/ ٧٥، أقول بالنسخ بـ: قيل، ولم ينسبه، ولم يذكر غيره. والصحيح أن الآية لا نسخ فيها؛ إذ لا دليل عليه، وآيات العفو والصفح والإعراض يعمل بها في أوقاتها المناسبة. والله أعلم.
قال الزركشي: وبهذا التحقيق تبين أن ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف، وليست كذلك بل هي من المُنسأ، بمعنى أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر، وليس بنسخ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدًا. "البرهان في علوم القرآن" ٣/ ٤٩. وإذا عرفنا أن اصطلاح النسخ في عرف المتقدمين أوسع من اصطلاح المتأخرين زال الإشكال. قال شيخ الإسلام: والمنسوخ يدخل فيه في اصطلاح السلف -العام-: كل ظاهر ترك ظاهره لمعارض راجح كتخصيص العام، وتقييد المطلق. "الفتاوى" ١٣/ ٢٧٢.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. فـ ﴿أَمْ﴾ هنا للإضرابد والأقرب أنهاهنا عديلة لألف الاستفهام. انظر: "معاني الحروف" للرماني ص ٧٠. وجعل البيضاوي ٢/ ١٤٢، الاستفهام للإنكار. والله أعلم. قال أبو السعود ٦/ ٢٢١: إضراب وانتقال عن الإنكار المذكور إلى إنكار حسبانه -صلى الله عليه وسلم- لهم ممن يسمع أو يعقل؟. واقتصر على القول بالإنكار الشوكاني ٤/ ٧٥. وذكر ابن عاشور ١٩/ ٣٧، قولًا قريبًا من كلام أبي السعود. قال الشنقيطي ٦/ ٣٣١: ﴿أَمْ﴾ هو في هذه الآية هي المنقطعة، وأشهر معانيها أنها جامعة بين معنى: بل، الإضرابية، واستفهام الإنكار معًا.
(٤) قال النحاس: ولم يقل: أنهم؛ لأن منهم من قد عَلِمَ أنه يؤمن. "إعراب القرآن" =
قال ابن عباس: يريد أهل مكة في ﴿يَسْمَعُونَ﴾ ما يذكَرهم به سماع طالب للفهم (١) ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ أي: يميزون الهدى من الضلالة ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ قال مقاتل: في الأكل والشرب، لا يلتفتون إلى الآخرة (٢). وقال الكلبي: شبههم بالأنعام في المأكل والمشرب لا تعقل غيره (٣). وقال الزجاج: في قلة التمييز فيما جعل دليلًا لهم من الآيات، والبرهان (٤) ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ قال ابن عباس: يريد أن البهائم ليس عليها عقاب ولا لها ثواب (٥). وهذا معنى قول الكلبي؛ لأنها لا حجة عليها (٦).
قال مقاتل: يقول الله: بل هم أخطأ طريقًا من البهائم؛ لأنها تعرف ربَّها وتذكره، وأهل مكة لا يعرفون ربهم فيوحدونه (٧). وهذا المعنى أراد الزجاج؛ فقال: لأن الأنعام تسبح بحمد الله، وتسجد له، وهم كما قال الله
= ٣/ ١٦٢. وقال الرازي ٢٤/ ٨٦: لأنه كان فيهم من يعرف الله تعالى، ويعقل الحق، إلا أنه ترك الإسلام لمجرد حب الرياسة لا للجهل. ويُحمل أيضًا على أن منهم من رضي باتباع الرؤساء والزعماء، ولم يكلف نفسه السماع. قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧].
(١) "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٩ ب.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٥ ب. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٠، بسنده عن ابن عباس قال: مثل الذين كفروا كمثل البعير والحمار والشاة، إن قلت لبعضهم: كل، لم يعلم ما تقول غير أنه يسمع صوتك، كذاك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٥٣.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٦٩. بنصه.
(٥) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣. بنصه.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٣، بمعناه.
(٧) "تفسير مقاتل"ص ٤٦ أ.
تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (١) [البقرة: ٧٤] وقيل: لأن الأنعام تنقاد لأربابها الذين يُعلفونها ويتعهدونها، وهؤلاء الكفار لا يعرفون طريق الحق، ولا يطيعون ربهم الذي خلقهم ورزقهم (٢). ونظير هذه الآية في سورة الأعراف (٣).
٤٥ - قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٤) ذُكِر فيه أوجه؛ قال مقاتل: ألم تر إلى فعل ربك (٥).
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٥.
(٢) "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٩ ب. ذكر الرازي ٢٤/ ٨٦ وجوهًا ستة، في كونهم أضل من الأنعام.
(٣) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩]
(٤) قال الرازي ٢٤/ ٨٨: اعلم أنه تعالى لما بين جهل المعرضين عن دلائل الله تعالى وفساد طريقتهم في ذلك ذكر بعده أنواعًا من الدلائل الدالة على وجود الصانع. ثم جعل هذه الآية النوع الأول. وذكر نحوه أبو حيان ٦/ ٤٦٠. وهذا غير مسلم؛ لأن القوم لم يكونوا منكرين لوجود الله حتى تساق لهم الآيات والبراهين الدالة عليه، فالأولى أن تكون هذه الآيات سيقت لإلزامهم بإفراد الله بالعبادة، من خلال مشاهدتهم لهذه الآيات المختلفة والمتضادة، التي لا ينكرونها، والتي لا تقدر الآلهة على شيء منها، فإقرارهم بوحدانية الله في خلقه لها وتصريفها مع عجز جميع المخلوقات عن التصرف فيها مستلزم الإقرار بتوحيد الألوهية، ويدل لهذا توجيه الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- ليعلمهم بذلك. وجعل ابن عاشور ١٩/ ٣٩، هذه الآية مفيدة تمثيل هيئة تنزيل القرآن منجمًا، بهيئة مد الظل مدرَّجًا، ولو شاء لجعله ساكنًا. وفيه بعد. والله أعلم.
(٥) لم أجده في "تفسير مقاتل". وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٣: ألم تنظر إلى صنع ربك. وكذا عند الزمخشري ٣/ ٢٧٥، غير منسوب، ويشهد له قوله تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨].
وعلى هذا الآيهَ من باب حذف المضاف (١). وقال أبو إسحاق: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ ألم تعلم. وهذا من رؤية القلب. قال: ويجوز أن يكون من رؤية العين، ويكون المعنى: ألم تر كيف مد الظل ربك (٢). وهذا قريب مما ذُكر في هذه الآية أنه مقلوب؛ على تقدير: ألم تر إلى الظل كيف مده ربك (٣). قال: والأجود أن يكون بمعنى العلم (٤).
﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قال أبو عبيدة: الظل ما تنسخه الشمس، وهو بالغداة (٥). والكلام في معنى الظل قد تقدم (٦).
والمفسرون جميعًا قالوا في معنى الظل هاهنا: إنه الظل من وقت طلوع الفجر، إلى وقت طلوع الشمس (٧).
(١) "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٦٢، وفيه: ألم تر إلى صنع ربك.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٠. واقتصر ابن عطية ١١/ ٤٤، على أن المراد به: رؤية القلب.
(٣) "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٦٢، ولم ينسبه.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٠.
(٥) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٥، بمعناه. وقال في ص ٧٦: والفيء: ما نسخ الشمسَ من الظل، وهو بالعشي، إذا استدارت الشمس. والغدوة: من أول النهار. "المفردات" للراغب ص ٣٥٨. وقال الراغب في ص ٣١٤: الظل أعم من الفيء، فإنه يقال: ظل الليل، وظل الجنة، ويقال لكل موضع لم تصل إليه الشمس ظل، ولا يقال الفيء إلا لما زال عنه الشمس.
(٦) قال الواحدي في تفسير قوله الله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ﴾ [البقرة: ٥٧]: الظل في اللغة، معناه: الستر، يقال: لا أزال الله عنا ظل فلان، أي: ستره، وظل الشجرة سترها، ويقال لظلمة الليل: ظل؛ لأنها تستر الأشياء، ومنه قوله تعالى. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ [الفرقان: ٤٥].
(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧٠، عن الحسن، وقتادة. وذكره البخاري، تعليقًا عن ابن =
فالظل الذي يكون بعد طلوع الفجر، وانبساطه قبل طلوع الشمس، وظورها على الأرض هو الذي أراد الله بقوله: ﴿مَدَّ الظِّلَّ﴾ واستدلوا بقوله في صفة ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠] أي: لاشمس فيه (١). كذلك الظل فيما بين هذين الوقتين لا شمس معه، فهو ظل
= عباس. "فتح الباري" ٨/ ٤٩٠. ووصله من طريق علي بن أبي طلحة، ابن جرير ١٩/ ١٨. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠١. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ١٨، بإسناده عن سعيد ابن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك. وكذا ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠١، وزاد نسبته لأبي العالية، والنخعي، ومسروق، والحسن. وهو قول مقاتل ٤٦ أ، والفراء، "معاني القرآن" ٢/ ٢٨٦. وابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص ٣١٤. والزجاج، "معاني القرآن" ٤/ ٧٠.
ويرى ابن عطية ١١/ ٤٥، أن المراد بالظل في الآية: هو ما بين أول الإسفار، إلى بزوغ الشمس، ومن بعد مغيبها مدة يسيرة. ورد ما خالفه بقوله: وتظاهرت أقوال المفسرين على أن هذا الظل هو من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وذلك معتَرض بأن ذلك في غير نهار، بل في بقايا الليل، فلا يقال له: ظل. ونقل قوله ابن جزي ص ٤٨٥، وأبو حيان ٦/ ٤٦٠ ولم يتعقباه. ورده ابن حجر بقوله: لأن الذي نقل أنه يُطلَق على ذلك ظلٌ ثقة مُثبِت، فهو مقدم على النافي، حتى ولو كان قول النافي محققًا لما امتنع إطلاق ذلك عليه مجازًا. "فتح الباري" ٨/ ٤٩١. والأولى أن يقال: إن اعتراض ابن عطية لا وجه له؛ لأن النهار في لسان الشرع يبدأ من دخول وقت الفجر، فلا يقال للوقت بعد طلوع الفجر إلى الإسفار ليل، قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧] قوله: -صلى الله عليه وسلم- "إِنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ" ثُمَّ قَالَ وَكَانَ رَجُلًا أَعْمَى لا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ" أخرجه البخاري في الأذان. رقم ٦١٧ "الفتح" ٢/ ٩٩. ومسلم ٢/ ٧٦٨ الصيام، رقم ١٠٩٢. والله أعلم.
(١) "تأويل مشكل القرآن" ٣١٤، حيث استدل بهذه الآية. وقريب منه في "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٦٢. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٩ ب. قال الرازي ٢٤/ ٨٨: وهذه الحالة أطيب الأحوال؛ لأن الظلمة الخالصة يكرهها الطبع، وينفر عليها الحس، =
ممدود (١).
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: يقول لو شئت لجعلت الظل دائمًا لا يزول إلى يوم القيامة (٢).
وقال مجاهد: لا تصيبه الشمس ولا يزول (٣).
وقال الحسن: ساكنًا كما هو (٤).
قال الكلبي: دائمًا لا شمس معه (٥).
وقال الفراء، والزجاج: أي ثابتًا دائمًا لا يزول (٦).
وقال ابن قتيبة: أي مستقرًا دائمًا حتى يكون كظل الجنة الذي لا تنسخه الشمس (٧).
= وأما الضوء الخالص.. فهي لقوتها تبهر الحس البصري، وتفيد السخونة القوية، وهي مؤذية، فإذًا أطيب الأحوال هو الظل، ولذلك وصف الجنة به.
وقال أبو العالية: نهار الجنة هكذا، وأشار إلى ساعة المصلين صلاة الفجر. "تفسير القرطبي" ١٣/ ٣٧.
(١) قال القرطبي ١٣/ ٣٧: ليس من ساعة أطيب من تلك الساعة؛ فإن فيها يجد المريض راحة، والمسافر وكل ذي علة.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ. وذكر البخاري، كتاب التفسير، باب: سورة الفرقان، عن ابن عباس: ﴿سَاكِنًا﴾ دائمًا. الفتح ٨/ ٤٩٠. ووصله ابن جرير ١٩/ ١٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢، من طريق علي بن أبي طلحة.
(٣) أخرج ابن جرير ١٩/ ١٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٥٣.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢.
(٥) "تنوير المقباس" ص ٣٠٤.
(٦) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٨. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٠.
(٧) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣١٤، بنصه، ونحوه في "تفسير غريب القرآن" ص ٣١٣.
وقال صاحب النظم: ليس هذا من السكون الذي هو ضد الحركة؛ لأن الظل ساكن أبدًا، ولكنه من السكون الذي هو بمعنى الإقامة، يقال: سكن فلان بلد كذا، أي: أقام فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ ذُكِر فيه قولان، قال مقاتل: يعني على الظل دليلًا تعلوه الشمس فتدفعه حتى تأتي على الظل كله (١). وهذا معنى قول مجاهد: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ قال: تحويه (٢)؛ أي: تأخذه.
وقال الكلبي: حيثما يكون الظل تكون الشمس (٣).
وقال أبو إسحاق: الشمس دليل على الظل وهي تنسخ الظل (٤). وهذه الأقوال معناها واحد. وبيانها ما ذكره صاحب النظم؛ فقال: دليل، هاهنا فعيل بمعنى: مفعول، نحو: العتيل، والدَّهين، والخصيب (٥). والمعنى: دللنا الشمس على الظل حتى ذهبت به. أي: اتبعناها إياه. يدل على ذلك:
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ. وفيه: يتلو، بدل: تعلوه وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢، عن قتادة، والسدي. قال الهواري ٣/ ٢١٢: تتبعه، وتقبضه.
(٢) أخرج ابن برير ١٩/ ١٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢. وتفسير مجاهد ٢/ ٤٥٣.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٤.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٠.
(٥) هكذا في (أ)، (ب): (العتيل)، وأهمل وضع النقط في (ج). العتيل: الأجير. "تهذيب اللغة" ٢/ ٢٧١، و"اللسان" ١١/ ٤٢٤ (عتل). الدَّهين: الناقة القليلة اللبن. ورجل دهين: ضعيف. "تهذيب اللغة" ٦/ ٢٠٦، "اللسان" ١٣/ ١٦١ (دهن). الخصيب: الرجل إذا كان كثير خير المنزل، يقال: إنه خصيب الرحل. ويقال: مكان مخصب، وخصيب. "تهذيب اللغة" ٧/ ١٥٠، و"اللسان" ١/ ٣٥٦ (خصب).
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: شيئًا بعد شيء (١).
القول الثاني: قال ابن عباس: يدل الشمس على الظل (٢). واختار ابن قتيبة هذا القول، وشرحه؛ فقال: تقول لِمَا طلعت الشمس: دلت عليه، وعلى معناه، وكل الأشياء تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل، وهكذا سائر ألألوان والطعوم، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] يريد: ضدين ذكرًا وأنثى، وأسودَ وأبيض، وحلوًا وحامضًا، وأشباه ذلك (٣). وعلى هذا القول: دليل، فعيل بمعنى فاعل (٤).
٤٦ - وقوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ فيه قولان؛ قال مجاهد: يعني حوى الشمسُ إياه (٥).
(١) قال ابن جرير ١٩/ ١٩: ثم دللناكم أيها الناس بنسخ الشمس إياه عند طلوعها عليه أنه خلق من خلق ربكم، يوجده إذا شاء، ويفنيه إذا أراد.
(٢) ذكر البخاري، عن ابن عباس ﴿دَلِيلًا﴾ طلوع الشمس. كتاب التفسير، باب: سورة الفرقان، "فتح الباري" ٨/ ٤٩٠. ووصله ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٢، من طريق علي ابن أبي طلحة.
(٣) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣١٤.
(٤) الظاهر أن لا فرق بين القولين، وقد ساق ابن جرير الآثار السابقة مجتمعة بعد تقريره أن الشمس دليل على الظل. والله أعلم. وفي جعل الشمس دليلًا على الظل، مصلحة ظاهرة للعباد فيبنون حاجتهم إلى الظل، واستغاءهم عنه على حسب ذلك. تفسير الزمخشري ٣/ ٢٧٥. وزاد عليه ابن عاشور ١٩/ ٤٣، فوائد أخرى.
ومعنى الآية واضح ظاهر، ومع ذلك قال ابن عاشور ١٩/ ٤١: ولم يفصح المفسرون عن معنى هذه الجملة إفصاحًا شافيًا. ثم قال ص ٤٢: وتعدية ﴿دَلِيلًا﴾ بحرف على، يفيد أن دلالة الشمس على الظل هنا دلالة تنبيه على شيء قد يخفى. والله أعلم.
(٥) يعني: الظل. أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٠. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٣.
وقال الكلبي: إذا طلعت الشمس قبض الله الظل قبضًا يسيرًا (١).
وقال ابن عباس ومجاهد ومقاتل: خفيًا (٢). وقال عطاء: سهلًا (٣).
وقال الفراء: الظل إذا لحقته الشمس قبض قبضًا يسيرًا (٤). ومعنى الآية على هذا القول: ثم جمعنا أجزاء الظل المنبسطة بتسليط الشمس عليه حتى تنسخها شيئًا فشيئًا (٥) فذلك قوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ وذلك أن الظل بعد طلوع الشمس لا يذهب كله دفعة، وإنما يقبض الله جلَّ وعزَّ ذلك الظل قبضًا خفيًا، شيئًا بعد شيء، ويُعقِبُ كلَّ جزء منه يقبضه بجزء من ضياء الشمس حتى يذهب كله (٦).
القول الثاني: ذكره ابن قتيبة، واختاره؛ فقال: المراد بقبض الظل هاهنا: الظل الذي يعود بعد غروب الشمس إلى ظلمة الليل وسواده؛ وذلك
(١) في "تنوير المقباس" ص ٣٠٤ ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ عني: الظل. واستشهد عليه الهواري ٣/ ٢١٢، بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ قال النحاس، "إعراب القرآن" ٢/ ٤٦٢: ويقال يسيرًا، يعني: خفيًا فلا يدري أحد أين يصير، وكيف يصير. ونسبه الواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٤٢، للكلبي.
(٢) أخرج ابن جرير ١٩/ ٢٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٣، عن ابن عباس. رضي الله عنهما. من طريق علي ابن أبي طلحة: في ﴿يَسِيرًا﴾ سريعًا. وأخرجا عن مجاهد: خفيًا. وهو قول مقاتل ٤٦ أ. وجمع بين القولين ابن جرير ١٩/ ٢٠ فقال: فمعنى الكلام إذا كان ذلك كذلك، يتوجه لما روي عن ابن عباس، ومجاهد؛ لأن سهولة قبض ذلك قد تكون بسرعة وخفاء.
(٣) ذكره ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" ص ٣١٥، ولم ينسبه. وكذا الزجاج، "معاني القرآن" ٤/ ٧٠.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٨.
(٥) ذكر نحوه الثعلبي ٨/ ٩٩ ب.
(٦) "تأويل مشكل القرآن" ٣١٥، بنصه.
أن الشمس إذا غربت عاد الظل الممدود، ثم يقبض الله ذلك الظل بانتشار الظلمة وتزايدها، ولا يُقبِل الظلام كله جملة، وإنما يقبض الله ذلك الظل شيئًا بعد شيء بجزء من سواد الليل (١).
وعلى هذا القول المراد: قبض الظل بسواد الليل. وعلى القول الأول: قبضه بضياء الشمس. وهذا القول أعم؛ لأن الظل إنما يقبض بضياء الشمس، حيث يكون شخص يقع له ظل، فأما البراري والصحاري فإن ظلها يقبض عند طلوع الشمس دفعة واحدة، فيخرج عن قوله: ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ ويقوي القول الأول قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾ والكناية تعود إلى الظل الذي سبق ذكره؛ وهو: ظل الغداة (٢) بإجماع المفسرين (٣). وفي القول الثاني: الكناية تعود إلى ظل من جنس الظل المذكور.
وقال ابن قتيبة: دل الله -عز وجل- بهذا الوصف على قدرته، ولطفه، في معاقبته بين الظل، والشمس، والليل، لمصالح عباده وبلاده. قال: وهذا القول الثاني أجمع للمعاني وأشبه بما أراد الله (٤). يعني: أنه يشتمل على ذكر الليل، وإدخاله بعد غروب الشمس.
وأجاز أبو علي الفارسي، في قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قولًا ثالثًا؛ فقال: يجوز أن تعود الكناية من قوله: ﴿قَبَضْنَاهُ﴾ إلى ضياء
(١) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣١٥، بمعناه. وذكر هذا القول ابن جرير الطبري ٢٠/ ١٩، ولم ينسبه.
(٢) أي: ظل أول النهار. قال تعالى: قال تعالى: ﴿بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام ٥٢. الكهف ٢٨] "المفردات"، للراغب ص ٣٥٨.
(٣) سبق أن أشار الواحدي إلى هذا، بقوله: والمفسرون جميعًا قالوا في معنى الظل هاهنا: إنه الظل من وقت طلوع الفجر، إلى وقت طلوع الشمس.
(٤) "تأويل مشكل القرآن" ص ٣١٥.
الشمس؛ لأنه يقبض أيضًا قبضًا يسيرًا على التدرج.
وعلى هذا معنى الآية: ثم قبضنا ضياء الشمس بالفيء قبضًا يسيرًا (١).
٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قال ابن عباس: يريد ألبسته الظلمة ليسكن فيه. وعلى هذا المعنى: ذا لباس من الظلمة؛ أي: أُلبس الظلمة ليُتركَ فيه العملُ والتصرف. قال مقاتل: يعني سكنًا (٢). وهو معنى وليس بتفسير، واعتباره بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ [يونس: ٦٧] (٣). وقال أهل العربية، والمعاني: جعل الليل لباسًا؛ لأن ظلمته تلبس كل شخص وتغشاه حتى يمنع من إدراكه، وهو مشتمل عليكم وعلى كل شيء كاللباس الذي يشتمل على لابسه (٤). ومن هذا قول ذي الرمة:
(١) واختار هذا القول ابن جرير ١٩/ ٢٠، حيث قال: ثم قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضًا خفيًا سريعًا بالفيء الذي نأتي به بالعشي. وفي الآية وجه آخر؛ وهو: أن يكون المراد قبضه عند قيام الساعة بقبض أسبابه، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ [سورة: الفرقان: -الآية: ٤٦] كأنه يشعر بذلك. مدارج السالكين ٣/ ٢٩٣. و"تفسير البيضاوي" ٢/ ١٤٣. و"تفسير أبي السعود" ٦/ ٢٢٣. وهذا القول فيه بعد؛ إذ المراد جعل ذلك آية ظاهرة مشاهدة للناس يدركونها ويشاهدونها في حياتهم؛ والقول بأن المراد به عند قيام الساعة لا يؤدي هذا المعنى. والله أعلم.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ. وهو قول الهوَّاري ٣/ ٢١٢.
(٣) "تأويل مشكل القرآن" ص ١٤٤، وذكر فيه أيضًا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ [الأعراف: ١٨٩].
(٤) "تهذيب اللغة" ١٢/ ٤٤٤ (لبس)، بمعناه. وفي "تنوير المقابس" ص ٣٠٤؛ ملبسا يلبس كل شيء فيه.
فلما لبسن الليل (١).. البيت
والله تعالى ألبسنا الليل وغشاناه لنسكن فيه (٢).
وقوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ قال الليث: السبات: السبات: النوم شِبه غشية. يقال: سبت المريض، فهو مسبوت (٣) وقال الزجاج: السبات أن يقطع عن الحركة والروح في بدنه: أي: جعلنا نومكم راحة لكم (٤). وقد أجاد وأحسن في تفسير السبات (٥). وقال ابن الأنباري: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾
(١) "ديوان ذي الرمة" ص ٣١٣، والبيت بتمامه:
فلمَّا لَبِسنَ الليلَ أوحين نَصَّبتْ له مِنْ خَذا آذانها وهُوَ جانحُ
لبسن الليل: دخلن فيه، يريد نصبت آذانها لبرد الليل، كانت قد خفضتها ثم رفعت رءوسها ونصبت آذانها في ذا الوقت حين جنح الليل، والخذا: الاسترخاء. "ديوان ذي الرمة" بشرح الخطيب التبريزي ص ٣١٣.
(٢) بنصه، في "تفسير الطوسي" ٧/ ٢٧٠. وذكر ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" ص ١٤٤، قولين في معنى: ﴿لِبَاسًا﴾ سترًا وحجابًا لأبصاركم. القول الثاني: سكنًا. واقتصر في كتابه "الغريب" ص ٣١٣، على القول الأول.
(٣) كتاب "العين" ٧/ ٢٣٩ (سبت) ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٢/ ٣٨٧.
(٤) في "معاني القرآن" للزجاج ٥/ ٢٧٢، في تفسير سورة النبأ. قال مقاتل ٤٦ أ: يعني الإنسان مسبوتًا لا يعقل كأنه ميت. وذكر نحوه الهواري ٣/ ٢١٢.
(٥) "تهذيب اللغة" ١٢/ ٣٨٦ (سبت)، قاله الأزهري بعد نقل قول الزجاج. واقتصر ابن قتيبة، في الغريب ص ٣١٣. على تفسير السبات بالراحة ثم قال: وأصل السبات: التمدد. وذكر الأزهري ١٢/ ٣٨٦، عن ابن الأنباري، أنه قال؛ لا يعلم في كلام العرب سبت بمعنى: استراح، وإنما معنى سبت: قطع. وجعل الزمخشري ٣/ ٢٧٦، مقابلة السبات بالنشور يمنع من "تفسيره" بالراحة، فقال: والمسبوت: الميت؛ لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ [الأنعام: ٦٠] ورد هذا أبو حيان ٦/ ٤٦٢، قال: ولا يأباه إلا لو تعين تفسير النشور بالحياة. وهو كلام جيد.
أي: قطعًا لأعمالكم (١).
قال ابن عباس ومقاتل: ينتشرون فيه لابتغاء الرزق (٢) والنشور معناه: التفرق: الانبساط في التصرف، ومنه: نشور الميت، وهو: حياته، وحركته، وتصرفه، بعد هموده. وحَسُن ذكر النشور هاهنا؛ لأن النائم بالليل يكون بانقطاعه عن العمل كالميت، فإذا استيقظ بالنهار وأخذ في أعماله كان النهار نشورًا له من وفاة النوم (٣). وفي هذه الآية تذكير بالنعم من الله تعالى؛ وهي النوم، الذي فيه راحة الأبدان، والنهار، الذي يصلح للتصرف فيه.
٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ سبق الكلام في تفسيره، ووجوه القراءات في سورة الأعراف (٤).
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ المفسرون يقولون: من السحاب (٥). وقال الحسن: المطرُ من السماء، والسحابُ عَلَم ينزل عليه
(١) "تهذيب اللغة" ١٢/ ٣٨٦ (سبت)، ينصه. منسوبًا لابن الأنباري. وفي "تفسير الثعلبي" ٨/ ٩٩ ب: راحة لأبدانكم وقطعًا لعملكم.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ، و"تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٤، وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٤، عن قتادة لمعايشهم ولحوايجهم ولتصرفهم.
(٣) "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢١، بمعناه. واستشهد على ذلك بقول النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا أصبح وقام من نومه: ﴿الْحَمْدُ لله الّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. أخرجه البخاري، كتاب الدعوات، رقم: ٦٣١٢ الفتح ١١/ ١١٣، والترمذي ٥/ ٤٤٩، كتاب الدعوات، رقم: ٣٤١٧.
(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: ٥٧] حيث ذكر معنى بشرًا، وأصل اشتقاقها، ووجوه القراءات فيها، وباقية ألفاظ الآية تكلم عن ذلك في ست صفحات.
(٥) "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢١.
الماء من السماء (١).
وأما الطهور، فقال أبو إسحاق: كل ما نزل من السماء، أو خرج من بحر، أو أذيب من ثلج، أو بَرَدٍ، فهو طهورة قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في البحر: "هو الطهور ماؤه" (٢) وقال الليث: الطَّهُور: اسم الماء كالوضوء، وكل ما لطف اسمه: طَهور. والتوبة التي تكون بإقامة الحدود نحو الرجم وغيره، طَهور للمذنب تطهره تطهيرًا (٣).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٤، عن السدي، وفيه قوله: ثم يفتح أبواب السماء ليسيل الماء على السحاب ثم تمطر السحاب بعد ذلك. ولم يذكر نسبته للحسن.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧١. بنصه. والحديث أخرجه مالك ١/ ٢٢، الطهارة، رقم: ١٢. وأحمد ٣/ ٢٣، رقم: ٧٢٣٧. وأبو داود ١/ ٦٤، الطهارة، رقم: ٨٣. والترمذي ١/ ١٠٠، الطهارة، رقم: ٦٩. والنسائي ١/ ٥٣، الطهارة، رقم: ٥٩. وابن ماجه ١/ ١٣٦، الطهارة، رقم: ٣٨٦. من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا رَسُولَ الله إِنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَنَحْمِلُ مَعَنَا الْقَلِيلَ مِنَ الْمَاءِ فَإِنْ تَوَضَأْنَا بِهِ عَطِشْنَا أَفَنَتَوَضَّأُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَقَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ". قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وهو في سلسلة الأحاديث الصحيحة، رقم: ٤٨٠. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٥، عن عكرمة قال: قال ابن عباس: إن الماء لا ينجسه شيء يُطهر، ولا يطهره شيء، فإن الله -عز وجل- قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان:٤٨]. قال ابن عاشور ١٩/ ٤٧: وماء المطر بالغ منتهى الطهارة إذ لم يختلط به شيء يكدره أو يقذره، وهو في علم الكيمياء أنقى المياه لخلوه عن جميع الجراثيم، فهو الصافي حقًا.
(٣) "العين" ٤/ ١٩ (طهر)، بنصه. وقد أضاف المحقق زيادات من التهذيب ٦/ ١٧١، وجعلها في الأصل، وعلق على ذلك في الحاشية بأنها نص ما نقله صاحب التهذيب، والذي يظهر خلاف ذلك، فالأزهري نقل جزءًا من الكلام، وزاد عليه فجعْلُ المحقق هذه الزيادة من "العين" غير مستقيم. ويؤكد هذا توافق ما نقل الواحدي مع ما في العين، إذا حذفت الزيادة التي أدخلها المحقق.
وقال الأزهري: الطَّهور في اللغة هو: الطاهر المطهر (١). والطَّهور: ما يتطهر به، كالوَضوء: ما يتوضأ به، والنَّشُوق: ما (٢) يتنشق به، والفَطور: ما (٣) يفطر عليه. ومنه قوله - ﷺ -: "هو الطَّهور ماؤه" (٤).
وقال غيره (٥): صيغة الفعول تأتي في الكلام على أنواع؛ تكون بمعنى (٦) المفعول كالرَّكوب، والحَلوب، وبمعنى المتفعل به كالسَّحور، فإفه: متسحر به، والطَّهور، فإنه: متطهر به، وتكون بمعنى: الفاعل [وفيه معنى المبالغة كالأكول والشروب، وتكون بمعنى الفاعل والمفعول به] (٧) من أفعل وذلك كقولهم: الإبل رَقُوء الدم، أي: مُرْقِية (٨). والفَطور بمعنى المفطر به. والطَّهور، إذا جُعل بمعنى المطِّهر فهو فعول متعد من مصدر لازم كالمَشُوِ، وهو: الدواء الذي يمشي البطن (٩). ومما ورد الطهور فيه بمعنى المطهر، قول جرير:
(١) واقتصر على هذا التعريف في "الوجيز" ٢/ ٧٨٠.
(٢) (ما) في (ج). فقط.
(٣) (ما) في (ج). فقط.
(٤) "تهذيب اللغة" ٦/ ١٧٢ (طهر).
(٥) ذكر نحوه الزمخشري ٣/ ٢٧٦، ونسبه لسيبويه.
(٦) هنا تكرار في (أ)، قدر ثلاثة أسطر.
(٧) ما بين المعقوفين ساقط من (ب).
(٨) قال ابن السكيت: الرَّقُوء: الدواء الذي يُرقأ به. والعرب تقول: لا تسبوا الإبل فإن فيها رَقُوء الدماء؛ أي: تعطى في الديات فتحقن الدماء. "تهذيب اللغة" ٩/ ٢٩٢ (رقا). والشاهد فيه أن رقوء على وزن فعول، من أرقى. ومُرقية بالضم على اعتبار اسم الفاعل، وبالفتح باعتبار اسم المفعول.
(٩) "تهذيب اللغة" ١١/ ٤٣٨ (مشى). عن ابن السكيت، وفيه: يقال: شربت مَشُوا ومَشاء.
لقد كان إخراج الفرزدق عنكمُ طَهورًا لما بين المُصَلَّى وَوَاقِمِ (١)
أي: كان إخراجه مطهرًا لهذا المكان. وقال أبو علي الفارسي: الطَّهور، على ضربين؛ اسم، وصفة، فإذا كان اسمًا كان على ضربين؛ أحدهما: أن يكون مصدرًا كما حكاه سيبويه (٢)، تطهرت طهورًا حسنًا، وتوضأت وضوءًا حسنًا، فهذا مصدر على فعول، بفتح الفاء. ومثله: وقدت النار وقودًا في أحرف أخر. وأما الاسم الذي ليس بمصدر فكقوله -عليه السلام-: "طهور إناء أحدكم" الحديث (٣). فالطَّهور اسم لما يطهر. وكذلك الفَطور، والوَجور، والسَّعوط، واللَّدود، والبَرود (٤)، كلها أسماء وليست بمصادر. وأما كونه صفة فنحو قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ وقوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] وقوله -عليه السلام-: "هو الطهور ماؤه" فالطهور
(١) "ديوان جرير" ص ٤٦٠، من قصيدة طويلة يجيب فيها الفرزدق. المصلى: موضع الصلاة؛ وهو موضع بعينه في المدينة. واقم: أُطُم من آطام المدينة كأنه سمي بذلك لحصانته، ومعناه أنه يرد عن أهله. "معجم البلدان" ٥/ ٤٠٨، والأطم: الحصين. "تهذيب اللغة" ١٤/ ٤٤ (أطم).
(٢) أشار إلى ذلك الزمخشري ٣/ ٢٧٦.
(٣) أخرجه مسلم ١/ ٢٣٤ الطهارة، رقم: ٢٣٤. وأبو داود ١/ ٥٧ الطهارة، رقم: ٧١. ولفظه عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-:"طهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ". ضبط حرف الطاء في كلمة: طهور، في صحيح مسلم: بالفتح والضم.
(٤) الوَجور: صب الماء أو الدواء في فم الصبي. "تهذيب اللغة" ١١/ ١٨٥ (وجر). وفي "المعجم الوسيط" ٢/ ١٠١٤: الوجور: الدواء يصب في الحلق. السَّعوط: الدواء يصب من الأنف. "تهذيب اللغة" ٢/ ٦٧ (سطع)، "المعجم الوسيط" ١/ ٤٣١. اللَّدود: ما يصب من الأدوية ونحوها في أحد شِقي الفم. "تهذيب اللغة" ١٤/ ٦٧ (لدد)، "المعجم الوسيط" ٢/ ٨٢١. البَرود: كل ما برد به من شيء، كالشَّراب، والكُحل تبرد به الحين. "تهذيب اللغة" ١٤/ ١٠٦ (برد)، "المعجم الوسيط" ١/ ٤٨.
هاهنا صفة؛ ألا ترىَ أنه قد ارتفع به الماء كما يرتفع الاسم بالصفات المتقدمة.
وأجاد أبو القاسم الزجاجي -رحمه الله- في تفسير الطهور، وكشف عن حقيقة المعنى؛ فقال: الطهور: اسم للماء الذي يتطهر به، ولا يجوز إلا أن يكون طاهرًا في نفسه، مطهرًا لغيره؛ لأن العرب إذا عدلت عن بناء: فاعل، إلى بناء: فعيل، أو فعول، لم تعدل إلا لزيادة معنى؛ لأن اختلاف الأبنية لاختلاف المعاني، فكما أنه لا يجوز التسوية بين صابر وصَبور، وشاكر وشَكور، كذلك في طاهر وطَهور، فإذا سويت بينهما فقد خالفت ما عليه موضوع الكلام. والشيء إذا كان طاهرًا في نفسه لا يجوز أن يكون من جنسه ما هو أطهر منه، حتى تصفه بقول: كل طهور لزيادة طهارته، وليس كذلك قادر وقدير، وعالم وعليم، وغافر وغفور؛ لأن هذه نعوت تحتمل (١) الزيادة، والطهارة ليست كذلك؛ لأنا إذا وصفنا الشيء بأنه طاهر فقد أدينا حقه، في (٢) وصفه بالطهارة، فإذا نقلنا هذا اللفظ إلى بناء من أبنية المبالغة لم (٣) يكن إلا لزيادة معنى فيه، وذلك المعنى ليس إلا التطهير، إذ لم يكن يحتمل زيادة الطهارة، كما يحتمل الغفور زيادة الغفران.
فإن قيل: هذه اللفظة من: طَهُر، وهو لازم، فكيف يجوز أن يُعدَّى ما تبنيه من فعل لازم؟ قلنا: الاعتبار والنظر في هذه اللفظة أدانا إلى معنى التطهير؛ وذلك أنه لا سبيل إلى إطلاق هذا الوصف على الماء الذي ليس
(١) في (أ)، (ب)، زيادة (العفو وزيادة الغفران)، والظاهر أنها تكرار لما سيأتي بعدها، فالكلام لا يستقيم بها.
(٢) في (أ)، (ب): واو، بدل: في.
(٣) في (أ)، (ب): (لم يكن)، وفي (ج): (لا يكون).
بمطهر؛ لأن العرب لا تُسمِّي الشيء الذي لا يقع به التطهر طَهورًا، فَمِن هذا الوجه يجب أن يُعلم، لا من جهة التعدي واللزوم. الدليل على ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: "وترابها لي طهورًا" (١) فجعل التراب طَهورًا؛ لأنه يقع به التطهير والتطهر، فهو اسم لما يتطهر به، ونظيره: الفَطور لما يفطر عليه، والسَّحور لما يتسحر به، والوَقود الذي توقد به النار، والوَضوء الذي يتوضأ به، ومثله كثير. وقد علمنا من مذهب العرب أنهم يقولون للشيء إذا وصفوه بالطهارة: طاهر، [ولا يقولون لما لا يقع به التطيهر: طَهور، كالمائعات الطاهرة] (٢)،
(١) الحديث أخرجه مسلم ١/ ٣٧١، كتاب المساجد، رقم: ٥٢٢، من حديث حُذَيْفَةَ، ولفظه: "وَجُعِلَتْ لَنَا الأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إِذَا لَمْ نَجِدِ الْمَاءَ". وأما حديث "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" فهو متفق عليه من حديث جابر -رضي الله عنه-. البخاري، كتاب التيمم، رقم: ٣٣٥. الفتح ١/ ٤٣٥. ومسلم ١/ ٣٧١، كتاب المساجد، رقم: ٥٢٣.
(٢) ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، وفي (ج): ولا يقولون لما تقع به الطهارة طهورًا كالمائعات الطاهرة، والنباتات الطاهرة).
وقوله: كالمائعات الطاهرة، إن كان المراد بالتطهير بها رفع الحدث فهذا صحيح فلا يرفع الحدث إلا الماء، دون غيره من المائعات الطاهرة؛ للنص على استعماله، وللأمر باستعمال التراب عند فقده. وأما إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة فهو محل خلاف بين أهل العلم، فمن فسر ﴿طَهُورًا﴾ بطاهرًا، جوَّز إزالة النجاسات بالمائعات الطاهرة. ومن فسره بأنه: مطهر، لم يجوز إزالة النجاسة بمائع سوى الماء. "تفسير الماوردي" ٤/ ١٤٨، و"تفسير البغوي" ٦/ ٨٧. و"المبسوط" ١/ ٩٦. و"أحكام القرآن"، للجصاص ٥/ ٢٠١، وابن العربي ٣/ ٤٣٥. والاستدلال بالآية على أنه لا يطهر النجاسة إلا الماء استدلال بعيد؛ لأن الآية فيها إخبار عن وصف الماء بهذا الوصف، الذي يبين أصله، ويى فيها منعٌ من تطهير النجاسات بغيره. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فالراجح في هذه المسألة: أن النجاسة متى زالت بأي وجه كان زال حكمها، فإن الحكم إذا ثبت =
وإنما يقولونه للشيء الذي تقع به الطهارة (١). ولهذا قالوا للحد الذي يقام على مستحقيه: طَهور. فأما قول جرير:
عِذَاب الثنايا رِيقهن طَهور (٢)
فإنه لما عُلم أن غاية وصف الماء أن يقال: طَهور، شَبَّه الريق بالماء، وأحبَّ أن يُزيلَ عن الريق سِمة النجاسة، فلم يمكنه أن يصفه إلا بما يوسف به الماء. ألا ترى أنه قال: عِذاب الثنايا، فوصفها بالعُذوبة، وهي من صفة الماء، فكما أن العذب حقيقة في الماء، مجازٌ في غيره، كذلك: الطَّهور، حقيقةٌ في الماء، مستعارٌ في الريق.
وأما قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] فإن الله تعالى لما وصف الماء في الدنيا بالطهارة فجعله طَهورًا، وهذا غاية ما يوصف به الماء، وصَفَ ذلك الشراب أيضًا هذا الوصف لنعتقد فيه من الطهارة، ما اعتقدناه فيما وصفه من الماء. فإن قيل: لو كان المراد بالطَّهور ما ذكرتَه لَمَا سُمِّي طَهورًا إلا بعد أن يُطَّهِر فهذا ساقط، ومذهب العرب بخلاف هذا؛ ألا ترى أنهم يسمُّون الطعام الذي يُفطَر عليه: فَطورًا، وكذلك: السَّحور، ويُسمون الشعير: قَضيمًا قبل أن يُقضم، ويقولون: ما
= بعلة زال بزوالها، لكن لا يجوز استعمال الأطعمة، والأشربة في إرالة النجاسة لغير حاجة؛ لما في ذلك من فساد الأموال، كما لا يجوز الاستنجاء بها. "الفتاوى" ٢١/ ٤٧٥. قال الزمخشري ٣/ ٢٧٧: لما كان سقي الأناسي من جملة ما أُنزل له الماء وصفه بالطهور إكرامًا لهم، وتتميمًا للمنة عليهم.
(١) في نسخة (ج)، كلمتان غير واضحتين، والأقرب أنهما: والنباتات الطاهرة.
(٢) لم أجده في ديوان جرير. وأنشده ابن العربي في أحكامه ٣/ ٤٣٥، غير منسوب. وكذا القرطبي ١٣/ ٣٨. وأبو حيان ٦/ ٤٦٣، وفي الحاشية: البيت لجميل، ديوانه ٩٣؛ ولم أجده فيه. وفي حاشية "الدر المصون" ٨/ ٤٨٨: لم أهتد إلى قائله.
في دار فلان مأكولٌ، ولا مشروبٌ، أي: ما أعد له. وكل وصف يجري على الموصوف للمبالغة فإنه يكون لما مضى، والحال، والاستقبال، كما تقول: فلان شَكور للنعم، لا يُراد: إنه شكر فيما مضى، بل يراد به: شاكرٌ في الحال والاستقبال. وهذا واضح بيِّن -إن شاء الله- انتهى كلامه (١).
فأما التفسير؛ فقال ابن عباس، في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ يريد: المطر (٢). وقال مقاتل: بل طهورًا للمؤمنين (٣).
٤٩ - قوله تعالى: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ قال ابن عباس: لنخرج فيها الثمار والنبات (٤). وقال مقاتل: لنحيي بالمطر بلدة ليس فيها نبت (٥). قال
(١) لم أجد قول الزجاجي. قال ابن كثير ٦/ ١١٤، في تفسير هذه الآية: أي: آلة يتطهر بها كالسحور، والوقود، وما جرى مجراهما، فهذا أصح ما يقال في ذلك، وأما من قال: إنه مبني للمبالغة والتعدي فعلى كل منهما إشكالات من حيث اللغة، والحكم، ليس هذا موضع بسطها. والله أعلم. وقال أبو السعود ٦/ ٢٢٤: وما قيل إنه ما يكون طاهرًا في نفسه، ومطهرًا لغيره، فهو شرح لبلاغته في الطهارة، كما ينبئ عنه قوله تعالى: قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: ١١].
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ، بدون: بل.
(٤) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٦، بسنده عن عكرمة، قال: ما أنزل الله -عز وجل- من السماء قطرة إلا نبت بها في الأرض عشبة، أو في البحر لؤلؤة.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ. وتنكير قال تعالى: ﴿بَلْدَةً﴾ يدل على أن لماء المطر خاصية الإحياء لكل أرض؛ لأنه لخلوه من الجراثيم، ومن بعض الأجزاء المعدنية، والترابية، التي تشتمل عليها مياه العيون، ومياه الأنهار، والأودية، كان صالحًا بكل أرض، وبكل نبات، على اختلاف طباع الأرضين، والمنابت. تفسير ابن عاشور ١٩/ ٤٨.
أبو إسحاق: قيل: ميتًا، ولفظ البلدة مؤنث؛ لأن معنى البلدة، والبلد، واحد (١).
وقال غيره: أراد بالبلدة المكان (٢)، كقول الشاعر:
ولا أرضَ أبقلَ إبْقَالَها (٣)
ذهب بلفظ الأرض إلى المكان.
قوله تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾ (٤) تقدم الكلام في السقي، والإسقاء، عند قوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] (٥)، قال ابن
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧١. واستدل عليه الزمخشري ٣/ ٢٧٧، بقوله تعالى: ﴿فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ [فاطر: ٩].
(٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٦. و"تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢١. ولم يذكرا البيت المشار إليه. والثعلبي ٨/ ٩٩ ب، كذلك. واقتصر عليه في "الوسيط" ٣/ ٣٤٢.
(٣) أنشده سيبويه، "الكتاب" ٢/ ٤٦، ونسبه لعامر بن جُوين الطائي، وأنشده كذلك أبو عبيدة، "مجاز القرآن" ٢/ ٦٧، وصدره عندهما:
فلا مُزْنة ودَقتْ ودْقَها
وفي حاشية الكتاب: يصف أرضًا مخصبة لكثرة الغيث. والمزنة: واحدة المزن؛ وهو السحاب يحمل الماء، والودق: المطر، وأبقلت: أخرجت البقل؛ وهو من النبات ما ليس بشجر.
(٤) قال الزمخشري ٣/ ٢٧٧، في بيان وجه تخصيص الأنعام بالذكر دون غيرها من المخلوقات: لأن الطير، والوحش تبعد في طلب الماء فلا يعوزها الشرب بخلاف الأنعام، ولأنها قنية الأناسي وعامة منافعهم متعلقة بها، فكان الإنعام عليهم بسقي أنعامهم كالإنعام بسقيهم.
(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢]، قال الأزهري: العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام ومن السماء أو نهر يجري أسْقيْتُ، أي جعلته شُرْبًا له وجعلت له منها مسقى، فإذا كانت السقيا لشفته قالوا: سقاه، ولم يقولوا: أسقاه.. وقال أبو علي: تقول سقيته حتى روى، وأسقيته نهرًا جعلته شَىرْبًا له، وقوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [الحجر: ٢٢] جعلناه سُقيا لكم، وربما قالوا في أسقى سقى.
عباس: ونسقي من ذلك الماء أنعامًا، ونسقي من ذلك الماء أيضًا بشرًا كثيرًا، وهو قوله: ﴿وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا﴾
قال الفراء، والزجاج: واحد الأناسي إنسي، مثل: كرسي، وكراسي. ويجوز أن يكون الأناسي جمع إنسان، وتكون الياء الأخيرة بدلًا من النون؛ الأصل: أناسِين بالنون، مثل: سراحين (١).
قال الفراء: وإذا قالوا: أناسين، فهو بَيِّن مثل: بستان وبساتين. قال: ويجوز: أناسيَ، مخففة الياء، أسقطوا الياء التي تكون فيما بين لام الفعل، وعينه، مثل: قراقير وقراقر (٢). قال: وتقول العرب: أناسيةٌ كثيرة (٣). وإنما قال: كثير، ولم يقل: كثيرون كما قال: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] لأنه قد جاء فعيل مفردًا يراد به الكثرة، نحو قوله: {وَحَسُنَ أُولَئِكَ
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٩، بمعناه. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧١، بنصه. ونسبه في "الدر المصون" ٨/ ٤٨٨، لسيبويه. وفي حاشية الدر: ليس في الكتاب إشارة إلى ذلك. قوله: سراحين، جمع سِرْحان. إعراب القرآن للنحاس ٣/ ١٦٣. وهو: الذئب، ويجمع على سَرَاحين، وسَرَاحِيّ. "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٠١ (سرح). وفي الحديث: "فأما الفجر الذي يكون كذنب السِّرحان فلا تحل الصلاة فيه، ولا يحرم الطعام". أخرجه الحاكم ١/ ٣٠٤ وقال: إسناده صحيح، ووافقه الذهبي. وقد أنكر ابن جني أن يكون: أناسي، جمع إنسان أو جمع تكسير، ونقد في ذلك الفراء. وتعقب أيضًا أبو البركات ابن الأنباري، قول الفراء؛ فقال: وهو ضعيف في القياس؛ لأنه لو كان ذلك قياسًا لكان يقال في جمع سرحان: سراحيّ، وذلك لا يجوز. "البيان في إعراب القرآن" ٢/ ٢٠٦. ولم يذكر وجه المنع، وقد سبق قول الأزهري في جواز جمعه على هذا. والله أعلم.
(٢) جمع: قرقور، وهي: السفينة، أو العظيمة من السفن. "تهذيب اللغة" ٨/ ٢٨٢ (قر).
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٦٩.
رَفِيقًا} [النساء: ٦٩] وقد مرَّ (١). وقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ [المعارج ١١،١٠] فدل عود الذكر مجموعًا إلى القبيلين على أنه أريد بهما الكثرة. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء ٤٦، ١٥٥] (٢). ومثل هذا في هذه السورة قوله: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٨].
٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ أكثر هذه الآية قد ذُكرت في سورة: سبحان، وفسرناها هناك (٣). وفسرت هذه الآية هنا تفسيرًا آخر؛ أي: صرفنا الماء المنزل من السماء سقيًا لهم، وغيثًا، وهو: المطر، مرة لهذه البلدة، ومرة لبلدة أخرى (٤).
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: ما عام بأكثر مطرًا من عام،
(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال الفراء: وإنما وحد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع، ولا يجوز أن تقول: حسن أولئك رجلًا... البسيط ١/ ٢٩٩ (تحقيق المحيميد).
(٢) تفسير الآية ٤٦، من سورة النساء مفقود.
وفي تفسير الآية ١٥٥، من سورة النساء أحال الواحدي على الآية ٨٨، من سورة البقرة. قال الواحدي في تفسير آية سورة البقرة: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨] يريد: فما يؤمنون قليلًا ولا كثيرًا، والعرب قد تستعمل لفظ القلة في موضع النفي، فتقول: قل ما رأيت من الرجال مثله، وقلَّ ما تزورنا، يريدون النفي لا إثبات القليل. وحكى الكسائي عن العرب: مررت بأرض قل ما تنبت إلا الكُرَّاث والبصل؛ أي: ما تنبت إلا هذين.
(٣) عند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾ [الفرقان: ٥٠].
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١٤. و"تفسير الهوّاري" ٣/ ٢١٣. واستبعد هذا القول ابن جزي ص ٤٨٦.
ولكن الله يصرفه في الأرض، ثم قرأ: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ (١). وهذا كما روى ابن مسعود أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ما من سنة بأمطر من أخرى، ولكن إذا عمل قوم بالمعاصي حوَّل الله ذلك إلى غيرهم فإذا عصوا جميعًا صرف الله ذلك إلى الفيافي والبحار" (٢).
(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٢. من طريقين، عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٦، من طريق واحد عنه. وأخرجه الحاكم ٢/ ٤٣٨، وقال: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي. قال ابن عاشور ١٩/ ٥١: فحصل من هذا أن المقدار الذي تفضل الله به من المطر على هذه الأرض لا تختلف كميته، وإنما يختلف توزيعه. وهذه حقيقة قررها علماء حوادث الجو في القرن الحاضر، فهو من معجزات القرآن العلمية.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٢، مختصرًا، موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه- وليس مرفوعًا، وقد ذكره السمرقندي ٢/ ٤٦٣، مرفوعًا، بنصه، دون إسناد. وأخرجه الثعلبي ١٠٠ أ، بإسناده من طريق إسحاق بن بشر، نا ابن إسحاق، وابن جريج، ومقاتل، كلهم قالوا وبلغوا به ابن مسعود. وهذا إسناد منقطع؛ لأن هؤلاء الثلاثة لم يلقوا ابن مسعود -رضي الله عنه- فابن إسحاق، من الطبقة الخامسة: صغار التابعين، الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد منهم. وابن جريج، من الطبقة السادسة: عاصروا الخامسة، لكن لم يثبت لهم لقاء أحد من الصحابة. ومقاتل بن سليمان، من الطبقة السابعة: طبقة كبار أتباع التابعين كمالك والثوري. مقدمة "تقريب التهذيب" ٨٢. والحديث المنقطع: هو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه. "تدريب الراوي" ١/ ٢٠٨. فالأقرب أن يكون موقوفًا على ابن مسعود -رضي الله عنه- كما هو عند ابن جرير. والله أعلم. قال ابن حجر، في "الكاف الشاف" ٣/ ٢٧٨: وفي الباب عن ابن مسعود، أخرجه العقيلي، من رواية علي بن حميد، عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عنه. وقال: لا يتابع على رفعه. ثم أخرجه موقوفًا من رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة، وقال: هذا أولى. وهو بنصه، في "الفتح السماوي" ٢/ ٨٨٥. وأصله عند الزيلعي، في تخريجه لأحاديث "الكشاف" ٢/ ٤٦٤.
وقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قال مقاتل: ليعتبروا، ويتفكروا في ذلك، فيستدلوا به على التوحيد (١). وقال أبو إسحاق: ليتفكروا في نعم الله علهم فيه، ويحمدونه على ذلك (٢).
وقال أبو علي: ليتفكروا في قدرة الله، وموضع نعمته عليهم بما أحيا بلادهم به من الغيث (٣). ومن قرأ ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ هو بالتخفيف (٤) من الذكر، فمعناه: ليذكروا موضع النعمة به فيشكروه.
قوله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ قال مقاتل والكلبي: إلا كفرًا بالله وبنعمته (٥).
قال أبو إسحاق: وهم الذين يقولون: مطرنا بنوء كذا (٦).
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ، بمعناه. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٤: لكي يتعظوا بذلك. ونحوه ذكر الهواري ٣/ ٢١٣، عن الحسن.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧١.
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٥.
(٤) بالتخفيف قراءة حمزة، والكسائي، والباقون بالتشديد. "السبعة في القراءات" ص٤٦٥، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٥، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٤.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٤.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧١. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠٠ أ. و"تفسير الهواري" ٣/ ٢١٣. ولم ينسبوه. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٦، عن عكرمة. ويشهد لهذا حديث زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ صَلَّى لَنَا رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم- صَلاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ "هلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكمْ" قَالُوا الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ "أَصْبَحَ من عِبَادي مُؤمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ الله وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤمِنٌ بِي وَكَافرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأما مَن قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي وَمُؤْمِن بِالْكَؤكَبِ". أخرجه البخاري، في الأذان، رقم ٨٤٦، "فتح الباري" ٢/ ٣٣٣. ومسلم ١/ ٨٣، كتاب =
هذا الذي ذكرنا هو قول أكثر المفسرين (١). وروى عطاء عن ابن عباس: ولقد صرفنا القرآن، يعني: أمثاله، ومواعظه بينهم ليتعظوا فأبى أكثر الناس إلا جحودًا بالقرآن (٢).
٥١ - وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ قال مقاتل: لو شئنا لبعثنا في زمانك في كل قرية رسولًا ينذرهم، ولكن بعثتك إلى القرى
= الإيمان رقم ٧١. وادعى النحاس في "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٣، أن لا خلاف بين أهل التفسير أن الكفر هاهنا قولهم: مطرنا بنوء كذا وكذا. وهو محمول على أن المراد بالتصريف تصريف المطر، أو لعله لم يطلع على غير هذا القول. ويدخل في هذا المعنى كل من ينسب هذه الظاهرة أو غيرها من الزلازل والبراكين ونحو ذلك للطبيعة، منكرًا تقدير الله تعالى وتدبيره لها، وحدوثها بدون فعل فاعل.
(١) أي أن الضمير في قوله تعالى: ﴿صَرَّفْنَاهُ﴾. يرجع للمطر. وهذا وجه ظاهر؛ لأنه أقرب مذكور، وسياق الآية يدل عليه. والله أعلم. وقد اقتصر عليه في "الوجيز" ٢/ ٧٨١. ولم يذكر غيره ابن كثير ٦/ ١١٥. واختاره الشنقيطي ٦/ ٣٣٥.
(٢) تفسير ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٧، من قول عطاء الخراساني، واستدل على صحته بقوله تعالى فيه: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾. وجعله الماوردي ٤/ ١٤٩، راجعًا إلى الفرقان المذكور في أول السورة. واختاره ابن جزي ٤٨٦. ولا يمنع أن يكون راجعًا إلى جميع ما سبق. تفسير أبي حيان ٦/ ٤٦٣. وذكر الزمخشري ٣/ ٢٧٧، وجهًا ثالثًا، واستظهره، ولم ينسبه؛ وهو أن المراد تصريف الحديث عن المطر والسحاب في القرآن وفي الكتب السماوية السابقة لما في هذه الآية من العبرة والعظة، فقال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ يريد: ولقد صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وفي سائر الكتب والصحف التي أنزلت على الرسل عليهم السلام -وهو ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر- ليتفكروا ويعتبروا، ويعرفوا حق النعمة فيه ويشكروا. وذكره أبو السعود ٦/ ٢٢٤، واستظهره، ولم ينسبه. وكذا البرسوي ٦/ ٢٢٥. واقتصر عليه القاسمي ١٢/ ٢٦٦. والله أعلم.
كلها رسولًا، اختصصتك بها (١)، وحَمَّلتك أعباء النبوة، لتستوجب ما أعددنا لك من الكرامة (٢).
٥٢ - وقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ يعني: كفار مكة وذلك حين دُعِي إلى دين آبائه (٣).
(١) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ، وفيه: ولكن بعثناك... اختصصناك. وقد دلت نصوص كثيرة على عموم بعثته -صلى الله عليه وسلم- كقوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: ٧] ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ﴾ [الأعراف: ١٥٨] وفي الصحيحين من حديث جَابِر بْن عَبْدِ الله أَنَ النَبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- قالَ: "أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتي أَدْرَكَتْهُ الصَلاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعطِيتُ الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةَ". أخرجه البخاري، كتاب التيمم، رقم: ٣٣٥ "الفتح" ١/ ٤٣٥. ومسلم ١/ ٣٧٠، كتاب المساجد، رقم: ٥٢١.
(٢) "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢٣. و"تفسير الثعلبي" ١٠٠ أ، وفيه قوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ رسولًا، ولقسمنا النذر بينهم كما قسمنا المطر. وفي "الوجيز" ٢/ ٧٨١: لنخفف عنك أعباء النبوة، ولكن لم نفعل ذلك ليعظم أجرك.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٤: أبا جهل وأصحابه. وظاهر الآية أعم من أن يكون المراد النهي عن طاعتهم في اتباع دينهم، فيدخل فيه موادعتهم، ومداهنتهم، وترك دعوتهم. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١ - ٢]. فنهاه الله عن طاعتهم، وأمره باتباع الوحي. ومثل ما ذكر هنا الواحدي ذكر في "الوسيط" ٣/ ٣٤٣، أما في "الوجيز" فقد أوجز وأبلغ، فقال: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ في هواهم، ولا تداهنهم قال الرازي ٢٤/ ١٠٠: ودلت هذه الآية على أن النهي عن الشيء لا يقتضي كون المنهي عنه مشتغلًا به.
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ قال ابن عباس: بالقرآن (١) ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ يعني: شديدًا (٢).
٥٣ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ قال أبو زيد: مرج البحرين خلاهما، ثم جعلهما لا يلتبس ذا بذا؛ قال: وهو كلام لا يقولهه إلا أهل تِهامة (٣)، وأما النحويون، فيقولون: أَمْرَجْتَه وأمرجَ دابته (٤). إذا خلاها وأرسلها ترعى (٥). ونحو هذا قال الكسائي سواء.
(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٣، وهو قول مقاتل ٦٤ أ. وذكره ابن قتيبة، "غريب القرآن" ٣١٤. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٢٣، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٧، عن ابن زيد أنه قال: الإسلام، وقرأ قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]. ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وجعله أبو حيان ٦/ ٤٦٤، راجعًا إلى: القرآن، والإسلام، والسيف، وترك طاعتهم. ولعل اقتصار من سبق على ذكر المجاهدة بالقرآن، دون السيف؛ لأن هذه السورة مكية أمر فيها النبي -صلى الله عليه وسلم- بجهاد الكفار، بالحجة، والبيان، وتبليغ القرآن، ولم يؤمر بقتالهم. "تفسير الهواري" ٣/ ٢١٤. وزاد المعاد ٣/ ٥. وتفسير الشوكاني ٤/ ٧٨.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٦٤ أ. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٤: بالسيف. والجهاد الكبير المذكور في الآية هو المصحوب بالغلظة عليهم، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣] وقوله: (قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣، التحريم: ٩]. "تفسير الشنقيطي" ٦/ ٣٣٧. والآية دالة على عظم جهاد العلماء لأعداء الدين بما يوردون عليهم من الأدلة، وأوفرهم حظًا المجاهدون بالقرآن منهم. "تفسير البغوي" ٦/ ٣٣.
(٣) سميت تهامة بذلك: لشدة حرها وركود ريحها. وهو من التَّهم. وهو: شدة الحر وركود الريح، يقال: تهم الحر: إذا اشتد. "معجم البلدان" ٢/ ٧٤. وتهامة. سهول تقع بين جبال الحجاز وساحل البحر الأحمر، في المملكة العربية السعودية.
(٤) "تهذيب اللغة" ١١/ ٧٢ (مرج)، و"اللسان" ٢/ ٣٦٥.
(٥) واقتصر على أن معناه. خلاهما، ابن قتيبة، "غريب القرآن" ٣١٤.
وقال أبو عبيدة: إذا خليت الشيء فقد مَرجتَه، وإذا ألقى الدابة في المرعى فقد مَرجَها، وأَمْرَجها (١)، وأنشد العجاج:
رعى بها مَرْج ربيع مُمْرَجًا (٢)
وقال الفراء: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ أرسلهما (٣).
وقال الزجاج: خلا بينهما، تقول: مَرَجَت الدابة، وأمْرَجتُها إذا خليتها ترعى، والمَرْجُ من هذا سُمِّي، ومَرِجَت عهودُهم (٤) إذا اختلطت (٥). قال ابن عباس، والضحاك، ومقاتل: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ خلع أحدهما على
(١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٧. بمعناه. قال ابن الأنباري: مرجت الدابة: إذا خليتها. وأمرجتها: إذا رعيتها. "الزاهر" ١/ ٤٢٥.
(٢) أنشده أبو عبيدة، في "المجاز" ٢/ ٧٧، منسوبًا للعجاج. وأنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" ١١/ ٧١ (مرج)، ولم ينسبه. وكذا ابن جرير ١٩/ ٢٣. وهو في "ديوان العجاج" ٢٩٠، وفيه: يقول: رعى هاهنا في الربيع، والمرج: القطعة من الأرض الكثيرة الكلأ، والمُمْرَج: المخلَّى.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٣/ ١١٥، في سورة الرحمن.
(٤) هذا جزء من حديث عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، قَالَ: "كَيْفَ بِكُمْ وَبِزَمَانٍ أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتيَ زَمَانٌ يُغَرْبَلُ النَّاسُ فِيهِ غَرْبَلَةً تَبْقَى حُثَالَةٌ مِنَ النَّاسِ قَدْ مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ وَاخْتَلَفُوا فَكانُوا هَكَذَا" وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ فَقَالُوا: وَكَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ الله! قَالَ: "تَأْخُذُونَ مَا تَعْرِفُونَ وَتَذَرُونَ مَا تُنْكِرُونَ وَتُقْبِلُونَ عَلَى أَمْرِ خَاصَّتِكُمْ وَتَذَرُونَ أَمْرَ عَامَّتِكُمْ" قَالَ أَبُو دَاوُد: هَكَذَا رُوِيَ عَن عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ. سنن أبي داود ٤/ ٥١٣ كتاب الملاحم، رقم: ٤٣٤٢. وابن ماجه ٢/ ١٣٠٧ كتاب الفتن، رقم: ٣٩٥٧. وذكره الألباني، "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ١/ ٣٦٧ رقم: ٢٠٥.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٢. وفسر المرج بالاختلاط، ابن جرير ١٩/ ٢٣، واستدل بقوله تعالى: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥] أي: مختلط.
الآخر (١). وقال مجاهد: أفاض أحدهما في الآخر (٢).
وقال أهل المعاني: أرسلهما في مجاريهما كما ترسل الخيل في المَرْج.
وهما يلتقيان (٣) فلا يبغي الملح على العذب، ولا العذب على الملح بقدرة الله -عز وجل- (٤). وذلك قوله: ﴿وَهَذَا﴾ يعني: أحد البحرين (٥).
﴿عَذْبٌ﴾ طيب، عَذُبَ الماء يَعْذُبُ عُذوبَة فهو عَذْبٌ طيب بارد، وأَعْذَب القوم إذا عَذُبَ ماؤهم، واستعذَبوا إذا استقوا ماءً عَذْبًا، وأصله من: المنع، والماء العَذْبُ هو الذي يمنع العطش، يقال: عَذَبه عَذْبًا إذا
(١) أخرجه بسنده، عن ابن عباس والضحاك، ابن جرير ١٩/ ٢٤. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٧، عن الضحاك، فقط. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٤: أرسل البحرين. ولم أجد قول مقاتل في تفسيره. ونسبه للثلاثة جميعًا، الثعلبي ١٠٠ أ.
(٢) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٤. و"تفسير الهواري" ٣/ ٢١٤. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٤. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٧. وقد وردت أقوال أخرى في معنى الآية فيها صرف للفظ المرج عن ظاهره، والحق ما اقتصر عليه الواحدي هنا. ومثل له ابن الجوزي بقوله: يُرى ماء البحر إلى الخضرة الشديدة، وماء دجلة إلى العمرة الخفيفة، فيأتي المستقي فيغرف من ماء دجلة عذبًا، لا يخالطه شيء، وإلى جانبه ماء البحر في مكان واحد. وهذا أبلغ في إثبات قدرة الله -عز وجل-، وعطف خلق الإنسان عليه يشهد له. والله أعلم.
(٣) نسب هذا القول الرازي ٢٤/ ١٠٠، لابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) معنى هذا أن: مرج، تطلق في اللغة بمعنى: أرسل وخلى. وتطلق بمعنى: خلط. تفسير الشنقيطي ٦/ ٣٣٨. ثم شرح معنى الآية على كلا الإطلاقين. وبين ٦/ ٣٣٩، أن معنى البرزخ، على القول الأول: هو اليبس من الأرض. وعلى القول الثاني: حاجز من قدرة الله غير مرئي للبشر.
(٥) "تفسير الطوسي" ٧/ ٢٧٣، ولم ينسبه. وكذا ابن الجوزي ٦/ ٩٦. وصدره بقوله: قال المفسرون.
منعه، وعَذَب عُذُوبًا إذا امتنع، والعاذب: الفرس الذي يمتنع من العلف، وسمي العذاب عذابًا؛ لأنه يعذب (١) المعاقب عن معاودة الفعل الذي عوقب عليه (٢).
قوله ﴿فُرَاتٌ﴾ الفرات: أعذَبُ المِياه (٣)، وقد فَرُتَ الماءُ، يَفْرُتُ فُرُوتَة إذا عَذبَ، فهو: فُرَاتٌ (٤).
وقوله: ﴿مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ قال الليث: المِلْح خلاف: العَذْب من الماء، يقال: ماءٌ مِلْح، ولا يقال: مالح (٥). ونحو هذا قال ابن السكيت (٦).
وقال يونس: لم أسمع أحدًا من العرب يقول: ماء مالح. قال: وقال أبو الدُّقيش (٧): ماء مالح، وماء ملح. قال الأزهري: هذا وإن وجد في
(١) هكذا في النسخ الثلاث: (يعذب)؛ ولعل الصواب: (يمنع).
(٢) "تهذيب اللغة" ٢/ ٣٢١ (عذب).
(٣) في "المجاز" لأبي عبيدة ٢/ ٧٧: شديد العذوبة. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١٤. وهو كذلك في "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢٤؛ وقال: يعني بالعذب الفرات: مياه الأنهار، والأمطار، وبالملح الأجاج: مياه البحار. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٢. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠٠ أ.
(٤) "تهذيب اللغة" ١٤/ ٢٧٢ (فرت)، بنصه.
(٥) "العين" ٣/ ٢٤٣ (ملح). ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" ٥/ ٩٨.
(٦) "إصلاح المنطق" ص ٢٨٨. ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" ٥/ ٩٨ (ملح) وقال به ابن قتيبة، غريب القرآن ٣١٤. وقال ابن جني في "المحتسب" ٢/ ١٢٤: مالحًا، ليست فصيحة، صريحة؛ لأن الأقوى في ذلك: ماء ملح.
(٧) أبو الدقيش، هو القناني الغنوِيّ. هكذا ذكره القفطي، ولم يزد عليه. "إنباه الرواة" ٤/ ١٢١، ذكر الأزهري بإسناده إلى أبي زيد أنه قال: دخلت على أي الدقيش الأعرابي، وهو مريض، فقلت: كيف تجدك يا أبا الدقيش؟ فقال: أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد، وأنا في زمان سوء؛ من وجَد لم يجُد، ومن جاد لم يجَد. مقدمة "تهذيب اللغة" ١/ ١٣.
كلام العرب قليلًا فهي لغة لا تنكر (١).
قوله تعالى: ﴿أُجَاجٌ﴾ الأجاج أشد الماء ملوحة (٢). قال الزجاج: وهو الشديد الملوحة المحرق ملحوته (٣)، من: أجَّتِ النارُ أجًّا (٤).
قال مقاتل: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ يعني: طيبًا حلوًا (٥) ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ يعني: مرًا من شدة الملوحة (٦).
والمعنى: أن الله تعالى خلط البحرين العذب، والملح، وحجز أحدهما عن الآخر فليس يفسد الملحُ العَذْبَ، ولا العَذْبُ الملحَ؛ وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ حاجزًا من قدرة الله (٧).
(١) "تهذيب اللغة" ٥/ ٩٩،٩٨ (ملح)، قال الأزهري ذلك بعد سياقه لأقوال من سبق.
وأما أبو السعود ٦/ ٢٢٥، فلم يذكر شيئًا من ذلك، بل جعل: ملح، تخفيف مالح، كبرد، تخفيف بارد.
(٢) في المجاز لأبي عبيدة ٢/ ٧٧: أملح الملوحة. و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠٠ أ.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٢.
(٤) "تهذيب اللغة" ١١/ ٢٣٤ (أجج).
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ. وهو بنصه، في "تنوير المقباس" ص ٣٠٤. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١٤.
(٦) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٤: مر مالح زعاق. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٧٠، بإسناده عن قتادة: الأجاج: المر. قال ابن قتيبة في "الغريب" ص ٣١٤: وقيل: هو الذي يخالطه مرارف واقتصر الهوَّاري ٣/ ٢١٤ على تفسيره بالمر.
(٧) في "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٠: البرزخ: الحاجز. قال أبو عبيدة في "المجاز" ٢/ ٧٧: كل ما بين شيئين: برزخ، وما بين الدنيا والآخرة: برزخ. قال ابن جريج: فلم أجد بحرًا عذبًا إلا الأنهار العذاب، فأخبرني الخبير بها أنها تقع في البحر، فلا تمور فيه بينهما مثل الخيط الأبيض، فإذا رجعت لم ترجع في طريقها من البحر، والنيل يصب في البحر. "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢٥. وذكر أبو حيان ٦/ ٤٦٤، مشاهدته ذلك وأن الناس في البحر يستقون الماء العذب منه. وذكرِ الحسن، أن =
قال ابن عباس: قضاء من قضائه لا يعذب هذا الملح، ولا يملح هذا العذب. وقال الزجاج: هما في مرآة العين مختلطان، وفي قدرة الله منفصلان، لا يختلط أحدهما بالآخر (١).
وقوله: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قال ابن عباس: حرامًا محرمًا [أن يُعذَبَ هذا الملحُ بالعَذْب، أو يُملحَ هذا العذبُ بالملح (٢). وقال الفراء: حرامًا
= المراد بالحاجز: اليبس. "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢٥، أي: حائلًا من الأرض. ونصر هذا القول الرازي ٢٤/ ١٠١. وقد رد هذا القول ابن جرير. والعجب من الحافظ ابن كثير ٦/ ١١٧، فقد ذكر قول ابن جريج المتقدم، واختيار ابن جرير له، ومع ذلك فقد رجح أن المراد بالحاجز: اليبس من الأرض. ولم يتعقب ابن جرير في اختياره. قال الشنقيطي ٦/ ٣٣٩: وهذا محقق الوجود في بعض البلاد، ومن المواضع التي هو واقع فيها المحل الذي يختلط فيه نهر السنغال بالمحيط الأطلسي، بجنب مدينة "سانلويس"، وقد زرت مدينة "سانلويس" عام ست وستين وثلاثمائة وألف هجرية، واغتسلت مرة في نهر السنغال، ومرة في المحيط، ولم آت محل اختلاطهما، ولكن أخبرني بعض المرافقين الثقات أنه جاء إلى محل اختلاطهما، وأنه جالس يغرف بإحدى يديه عذبًا فراتًا، وبالأخرى ملحًا أجاجًا، لا يختلط أحدهما بالآخر. فسبحانه جل وعلا ما أعظمه، وما أكمل قدرته. فالأولى أن تجعل الآية شاملة لكلا المعنين، حيث لا تعارض بينهما. والله أعلم.
وفي مجلة الإعجاز العدد الثالث بحث حول الإعجاز العلمي في هذه الآية.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٢. وقد ورد في تفسير الحاجز أقوال أخرى، ذكرها ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٠٨، وغيره، وفي بعضها صرف للفظ عن ظاهره، واقتصار الواحدي -رحمه الله- على هذا القول يدل على اختياره له. ونظير هذه الآية قوله تعالى: قال تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩، ٢٠] وقوله ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ [النمل: ٦١].
(٢) في "تنوير المقباس" ص ٣٠٤: حرامًا محرمًا من أن يغير أحدهما طعم صاحبه.
محرمًا] (١) أن يغلب أحدهما صاحبه (٢). وفي الآية محذوف؛ وهو الذي حرم قوله: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ على تقدير: وحرامًا محرمًا أن يفسد أحدهما الآخر، فحذف لدلالة قوله: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ عليه. وذكرنا الكلام في: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ في هذه السورة (٣). وتفسير البرزخ، تقدم في سورة: المؤمنين (٤).
٥٤ - وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ قال مقاتل: خلق من النطفة إنسانًا (٥) ﴿فَجَعَلَهُ﴾ يعني: الإنسان (٦) ﴿نَسَبًا﴾ (٧) النسب: نسب القرابات. والصهر: حرمة الختونة (٨).
(١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج).
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٠. وفي "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ: يعني: حجابًا محجوبًا فلا يختلطان، ولا يفسد طعم الملح العذب.
(٣) عند قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]
(٤) عند قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] قال الواحدي في تفسيرها: معنى البرزخ في اللغة: الحاجز بين الشيئين كيفما كان من عين أو معنى نحو المسافة والجدار والأيام والعداوة وغير ذلك.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٧٧. و"غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١٤. و"تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢٦.
(٦) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ.
(٧) قال ابن كثير ٦/ ١١٧: فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصير صهرًا، ثم يصير له أصهار، وأختان، وقرابات، وكل ذلك من ماء مهين.
(٨) قال ابن قتيبة ص ٣١٤: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ عني: قرابة النسب. ﴿وَصِهْرًا﴾ يعني: قرابة النكاح. قال الماوردي ٤/ ١٥١: النسب: من تناسب كل والد وولد، وكل شيء أضفته إلى شيء عرَّفته به فهو مناسبه. ثم قال: وأصل الصهر الاختلاط، فسميت المناكح صهرًا لاختلاط الناس بها، ومنه قوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: ٢٠] وقيل: إن أصل الصهر: الملاصقة. وأما الختونة فهي المصاهرة. "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٠١ (ختن).
قال الأصمعي، وابن الأعرابي: الأسماء من قبل الزوج، والأختان من قبل المرأة، والصهر يجمعهما (١).
قال أبو عبيد: يقال: فلان مصهر بنا، وهو من القرابة، وأنشد لزهير:
قَوْدُ الجيادِ وإصهارُ الملوكِ وصبـ رٌ في مواطنَ لو كانوا بها سَئِمُوا (٢)
واختلفوا في المراد بالنسب، والصهرة فقال علي -رضي الله عنه-: النسب: ما لا يحل نكاحه، والصهر: ما يحل نكاحه (٣). والآية من باب حذف المضاف، على تقدير: فجعله ذا نسب، وصهر، أي ذا قرابات لا يحل له التزوج بهن، وفيهن. كالأم، والأخت، والبنت، وبنات الأخ، وبنات الأخت. وذا نسب لا يحرم عليه ذلك النسب التزوج؛ كالأخوين يتزوجان بأختين، فصهر أحد الأخوين لم يحرِّم مصاهرة الأخ الثاني. وكذلك الرجل يتزوج بالمرأة، وابنه بابنتها، وما شاكل هذا من باب المصاهرة. هذا على قول علي -رضي الله عنه-.
قال الكلبي، والضحاك، وقتادة، ومقاتل: النسب: سبعة أصناف من القرابة؛ وهو قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ (٤) [النساء: ٢٣] والصهر: مَنْ لا قرابة له، ويحرم بالنسب، وهي
(١) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٠٠ (ختن).
(٢) "تهذيب اللغة" ٦/ ١٠٨ (صهر)، ونسب البيت إلى زهير من إنشاد أبي عبيد. والبيت في "ديوان زهير" ص ٩٤، من قصيدة يمدح فيها: هرم بن سنان، فيصفه بقيادة الخيل، ومصاهرة الملوك، والصبر في مواطن الحرب، وغيرها مما يسأم فيه غيره. حاشية الديوان.
(٣) ذكره الثعلبي ٨/ ١٠٠ ب، منسوبًا لعلي -رضي الله عنه- بدون إسناد.
(٤) أمهات النساء، غير داخلة في المحرمات من القرابة، فقوله: إلى، لا يدخل فيه ما بعدها. وظاهر صنيع الواحدي -رحمه الله- أنه يدخل المحرمات من الرضاعة في =
خمسة: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ (١) وهذا القول اختيار الفراء، والزجاج (٢).
وعلى هذا: الصهر محرم، كالنسب. ونحو هذا روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وجعل من جهة الصهر سبعًا أيضًا؛ فقال: حرم الله من النسب سبعًا: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ﴾ وبنات الأخت، من النسب، ومن الصهر: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ إلى آخر الآية. والسابعة: ﴿مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٣).
= المحرمات من القرابة؛ لأن المحرمات من الرضاعة في الآية المشار إليها ذكر قبل ذكر المحرمات من الصهر. وهذا مخالف لكون المحرمات بالنسب خمسة، إذ لا يكمل العدد إلا بإدخال المحرمات من الرضاعة فيه. وهذا موافق لما في "تفسير مقاتل" ص ٤٦ أ؛ قال: والصهر من القرابة خمس نسوة: أمهاتكم اللاتي أرضعنكم، وأخواتكم من الرضاعة... وما ذكره الواحدي، عن الضحاك، مخالف لما أخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٢٦، ومخالف أيضًا لما سينقله عن ابن عباس -رضي الله عنهما - حيث جعل الرضاعة من الصهر. ومخالف لما ذكر الثعلبي ١٠٠ ب، منسوبًا للضحاك، وقتادة، ومقاتل. فالظاهر أن الآية كتبت خطأ. ويشهد لهذا ما ذكره في "الوسيط" ٣/ ٣٤٣، حيث جعل المحرمات من الصهر سبعًا، ستة مذكورة في الآية، والسابعة في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢].
(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٢٦، عن الضحاك. ونسبه السمرقندي ٢/ ٤٦٣، للكلبي. وهو في "تفسير الثعلبي" ١٠٠ ب، منسوبًا لمن ذكر الواحدي؛ عدا الكلبي.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٠. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٢. وليس فيهما التفصيل الذي ذكره الواحدي.
(٣) أخرج هذا القول ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٠، عن قتادة. وليس في رواية قتادة تفصيل المحرمات، بل قال: سبع من النسب، وسبع من الصهر. وذكر قول قتادة، =
وهؤلاء جعلوا الصهر السبب المحرم، وهو الخلطة التي تشبه القرابة (١).
٥٥ - قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد الأصنام، والحجارة التي كانوا يعبدونها (٢).
وقال مقاتل: ﴿مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ في الآخرة، إن عبدوهم في الدنيا ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ في الدنيا، إن لم يعبدوهم (٣).
= الشنقيطي ٦/ ٣٤٢، ثم قال: لم يظهر لي وجهه، ومما يزيده عدمَ ظهورٍ ضعف دلالة الاقتران عند أهل الأصول. وجعل الزمخشري ٣/ ٢٧٩، هذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ [القيامة: ٣٩] فقال: أي: قسمه قسمين، ذوي نسب، أي: ذكورًا ينتسب إليهم، وذوات صهر، أي: إناثًا يصاهر بهن. وتبعه أبو السعود ٦/ ٢٢٦، والبرسوي ٦/ ١٣٠، والبغوي ١٩/ ٢٦. وأيده الشنقيطي ٦/ ٣٤٠. وكذا الألوسي ١٩/ ٣٦.
(١) وصحح هذا القول البغوي ٦/ ٩٠؛ فقال: وقيل: -وهو الصحيح- النسب من القرابة، والصهر: الخلطة التي تشبه القرابة.
(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١١، بسنده عن قتادة: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هذا الوثن، وهذا الحجر.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ب. وفي هذه الآية قُدم النفع على التفسير، وفي صدر هذه السورة عكس ذلك، ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾.
وهكذا في مواضع أخر من كتاب الله، ونجد بعض أهل العلم يذكر حكمًا لتقديم النفع على التفسير في آيات، وعكسها في آيات أخرى، ومن ذلك الخطيب الإسكافي، في "درة التنزيل" ٣٢٨. وكذا غيره. قال ابن عاشور ١٨/ ٣٢٠: واعلم أن ضرًا ونفعًا، هنا جرى مجرى المثل لقصد الإحاطة بالأحوال، فكأنه قيل: لا يملكون التصرف بحال من الأحوال، وهذا نظير أن يقال: شرقًا وغربًا، وليلًا ونهارًا.. وبذلك أيضًا لا يتطلب وجه لتقديم الضر على النفع؛ لأن المقام يقتضي التسوية في تقديم أحد الأمرين، فالمتكلم مخير في ذلك. وهذا كلام جيد. والله أعلم.
وقوله: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ الظهير: المعين، فعيل بمعنى مفاعل، كوزير وشريب، وأكيل. ونحو هذا قال ابن عباس، ومجاهد، والمفسرون، في تفسير الظهير، أنه: العون والمعين (١). قال مقاتل: يعني: معينًا للمشركين على أن لا يوحدوا الله (٢).
وقال الحسن: عونًا للشيطان على ربه بالمعاصي (٣). واختاره أبو إسحاق؛ فقال: لأنه يتابع الشيطان، ويعلو به على معصية الله؛ لأن عبادتهم الأصنام معاونة للشيطان (٤).
قال ابن عباس، وعطية، ومقاتل، والكلبي: يعني أبا جهل (٥).
(١) "تنوير المقباس" ص ٣٠٤. و"تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٥. وابن قتيبة في "الغريب" ص ٣١٤. و"تفسير الهواري" ٣/ ٢١٥. وأخرجه بسنده عن مجاهد، والحسن، وابن زيد، ابن جرير ١٩/ ٢٦، واستدل عليه ابن زيد، بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ﴾ [القصص: ٨٦] أي: لا تكونن لهم عوينًا. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٦] ظاهروهم: أعانوهم. واستظهر هذا القول الشنقيطي ٦/ ٣٤٣.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب. قال ابن القيم عن هذه الآية: هذا من ألطف خطاب القرآن، وأشرف معانيه، وأن المؤمن دائمًا مع الله على نفسه وهواه وشيطانه وعدو ربه، ثم ذكر عبارات السلف في تفسير الآية، ثم قال: وهذه العبادة هي الموالاة والمحبة والرضا بمعبوديتهم المتضمنة لمعيتهم الخاصة فظاهروا أعداء الله على معاداته ومخالفته، ومساخطه، بخلاف وليه -سبحانه وتعالى- فإنه معه على نفسه وشيطانه وهواه. "الفوائد" ص ٧٩ - ٨٥.
(٣) أخرجه بسنده، عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧٠. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١١، عن سعيد بن جبير. وذكر السيوطي تخريج عبد بن حميد وابن المنذر نحوه عن قتادة. "الدر المنثور" ٦/ ٢٦٧.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٣.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٤. و"تفسير الهواري" =
وقال قوم: معنى: ﴿عَلَى رَبِّهِ﴾ على أولياء ربه، ورسل ربه، وحُذف المضاف للعلم به، وذلك أن من عادى أولياءك فقد عاداك. ومن ظاهر على صاحبك فقد ظاهر عليك. وذكر أبو علي الفارسي هذا الوجه، فقال: أولًا: الكافر في هذه الآية، اسم الجنس، كقولهم: كثر الشاة، والبعير، في أنه يراد به الكثرة، وقد جاء ذلك في اسم الفاعل كما جاء في سائر الأجناس، أنشد أبو زيد:
إنْ تبْخَلِي يا جُمْلُ أوْ تَعْتَلِىّ أو تُصبِحي في الظَّاعن المُولِّى (١)
والآية تحتمل تأولين؛ أحدهما: على أولياء ربه معينًا، أو يعادونهم ولا يوالونهم، كما قال تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الآية [الحج: ٧٢] والآخر: أن يكون المعنى: كان هينًا عليه لا وزن له، ولا منزلة (٢). وكأنه من قولهم:
= ٣/ ٢١٥، ولم ينسبه، وأخرجه بسنده، ابن جربر ١٩/ ٢٧ عن ابن عباس. وذكره ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١١، عن مجاهد، وسعيد بن جبير، وعطية. وذكر السيوطي تخريج ابن المنذر، له عن عطية، "الدر المنثور" ٦/ ٢٦٧. وصدَّر الماوردي ٤/ ١٥٢، هذا القول بـ: قيل. والآية أعم من ذلك، قال الزمخشري ٣/ ٢٨٠: ويجوز أن يريد بالظهير الجماعة؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].. ولريد بالكافر الجنس، وأن بعضهم مظاهر لبعض على إطفاء دين الله. قال ابن عطية ١١/ ٥٦: ويشبه أن أبا جهل سبب الآية، ولكن اللفظ عام للجنس كله. قال الرازي ٢٤/ ١٠٢: والأولى حمله على العموم؛ لأن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، ولأنه أوفق بظاهر قوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.
(١) أنشده أبو زيد في "النوادر" ص ٥٣، ونسبه لمنظور بن مرثد الأسدي، وأنشده أبو علي، "المسائل العسكرية" ص ٢٢٢، وفي الحاشية: جمل: اسم امرأة، تعتلي: تتمارضين، الظا عن: المرتحل، المولي: الذاهب.
(٢) واقتصر على هذا القول أبو عبيدة ٢/ ٧٧. واقتصر الواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٤٤. و"الوجيز" ٢/ ٧٨٢، على القول الأول مما يدل على ترجيحه له. والله أعلم.
ظهرتَ بحاجتي، إذا لم تُعْنَ بها (١)
قال الفرزدق:
تمَيمَ بنَ زيد لا تكونن حاجتي بظهر فلا يَعْيَا عليَّ جوابها (٢)
قال (٣): ويمكن أن يكون قوله:
وتلك شَكاةٌ ظاهرٌ عنك عارُها (٤)
من هذا، أي: تلك شكاة هي عنك تظهر، فلا تعتن بها (٥).
(١) ذكره الثعلبي ٨/ ١٠٠ ب؛ وفيه: من قول العرب: ظهرت به، إذا جعلته خلف ظهرك، فلم تلتفت إليه. وفي "تهذيب اللغة" ٦/ ٢٤٩: قال الأصمعي: ظهر فلان بحاجة فلان: إذا جعلها بظهر، ولم يخفَّ لها. قال الماوردي ٤/ ١٥٢: مأخوذ من قولهم: ظهر فلان بحاجتي إذا تركها واستهان بها، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢] أي: هينًا.
(٢) ديوان الفرزدق ١/ ٨٦، في سياق قصة، وقد ورد البيت في الديوان بلفظ:
تميم بن زيد لا تهونن حاجتي لديك ولا يعيا علي جوابها
وذكر البيت ابن الأنباري، في كتابه "الأضداد" ٢٥٦، في سياق قصة، منسوبًا للفرزدق، وفيه:
.. فلا يخفى علي جوابها
ثم قال ابن الأنباري: وأراد الفرزدق بقوله: لا تكونن حاجتي بظهر، لا تطَّرحها. وذكره الأزهري ٦/ ٢٥٦، غير منسوب. ونسبه القرطبي ١٣/ ٦٣، للفرزدق، وفيه: تميم بن قيس.
(٣) قال في (أ)، (ب)، ويعني به أبا علي الفارسي.
(٤) أنشده الأزهري ٦/ ٢٥٤، ونسبه لأبي ذؤيب الهذلي، وهو في "ديوانه" ١١٥، وصدره:
وعيرها الواشون أني أحبها
وهو كذلك في "خزانة الأدب" ٩/ ٥٠٥.
(٥) رد ابن جرير ١٩/ ٢٧ هذا القول، واعترض عليه، وصحح القول الأول. فقال لأن الله تعالى ذكره أخبر عن عبادة هؤلاء الكفار من دونه، فأولى الكلام أن يتبع ذلك =
٥٦ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ أي: بالجنة ﴿وَنَذِيرًا﴾ من النار (١).
٥٧ - ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ على القرآن وتبليغ الوحي (٢) ﴿مِنْ أَجْر﴾ وفي هذا تأكيد لصدقه؛ لأنه لو طلب على دعائهم إلى الله شيئًا من أموالهم لقالوا: إنما يطلب أموالنا، فإذا لم يطلب شيئًا كان أقرب إلى الصدق (٣).
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ﴾ معناه: لكن من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلًا بإنفاق ماله فعل ذلك (٤). فهو من الاستثناء المنقطع يعني: لا أسألكم لنفسي أجرًا، ولكن لا أمنع (٥) من إنفاق المال في طلب مرضاة الله، واتخاذ السبيل إلى ثوابه وجنته (٦). وهذا الذي ذكرنا معنى قول المفسرين في هذه
= ذمه إياهم، وذم فعلهم دون الخبر عن هوانهم على ربهم، ولما يجر لاستكبارهم عليه ذكر، فيتبع بالخبر عن هوانهم عليه. وذكر الشوكاني ٤/ ٨١، قولًا آخر، فقال وقيل إن المعنى: وكان الكافر على ربه الذي يعبده وهو الصنم قويًا غالبًا، يعمل به ما يشاء؛ لأن الجماد لا قدرة له على دفع ونفع. وعلى هذا فتكون الآية فيمن يعبد جمادًا دون غيره، ولا يخفى أن هذا تخصيص لعموم الآية. والله أعلم.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٤. و"تفسير الهواري" ٣/ ٢١٥.
(٢) عند مقاتل ٤٦ ب: ﴿عَلَيْهِ﴾ الإيمان. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٤: على التوحيد والقرآن. وفي "تفسير الهواري" ٣/ ٢١٥: القرآن. وهو قول ابن زيد، أخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٢. وعند الثعلبي ٨/ ١٠٠ ب: على تبليغ الرسالة.
(٣) "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠٠ ب، بنحوه. أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٢، عن ابن عباس: ﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ عرضًا من عرض الدنيا.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠٠ب، بنحوه. و"إعراب القرآن"، للنحاس ٣/ ١٦٤. و"الوسيط" ٣/ ٣٤٤، و"الوجيز" ٢/ ٧٨٢.
(٥) كلمة: لا أمنع. في (ج) فقط.
(٦) قال أبو عبيدة ٢/ ٧٨: العرب قد تستثني الشيء من الشيء وليس منه على الاختصار، وفيه ضمير تقديره: قل ما أسألكم عليه من أجر إلا أنه من شاء أن =
الآية (١).
٥٨ - قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ ظاهر التفسير إلى آخر الآية.
٥٩ - وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ مفسر في سورة الأعراف (٢). إلى قوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال الكلبي: يقول: فأسأل الخبير بذلك (٣). وعلى هذا الكناية في: ﴿بِهِ﴾ تعود إلى ما ذُكر من خلق السماوات، والأرض، والاستواء على العرش، والباء: من صلة الخبير قدم عليه، وذلك الخبير هو: الله -عز وجل-، وقيل: جبريل -عليه السلام- (٤). وقيل: هذا الخطاب ظاهره للنبي -صلى الله عليه وسلم- والمراد به غيره (٥).
= يتخذ إلى ربه سبيلًا فليتخذه. ويحتمل أن يكون المعنى: أن تتخذوا إلى ربكم سبيلًا بالتقرب إليه، وعبادته، فالاستثناء على هذا متصل. تفسير ابن جزي ٤٨٦. وذكر القولين أبو حيان ٦/ ٤٦٥، واستظهر القول بأن الاستثناء منقطع.
(١) في "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب: ﴿سَبِيلًا﴾ طاعته. وهو قول قتادة؛ أخرجه عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٢. ولم يجعله في "تنوير المقباس" ص ٣٠٤، متعلقًا بالأجر، وإنما جعله راجعًا إلى الإيمان، والتوحيد. قال الهواري ٣/ ٢١٥: أي: إنما جئتكم بالقرآن ليتخذ به من آمن إلى ربه سبيلًا بطاعته. أي: تقرب به إلى الله. وقريب من كلام الواحدي، في "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢٧.
(٢) عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، حيث تكلم عن كلمة: ستة، وبين أصل اشتقاقها، والمراد بها في الآية، والحكمة من ذلك، ثم تكلم عن بقية معاني الآية في خمس صفحات.
(٣) "الوسيط" ٣/ ٣٤٤، ونسبه البغوي ٦/ ٩١، للكلبي. وهذا القول اختيار الهوارى ٣/ ٢١٥: أي: خبيرًا بالعباد.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠١ أ، بنحوه.
(٥) وجزم به في "الوسيط" ٣/ ٣٤٤. وكذا البغوي، في "تفسيره" ٦/ ٩١.
وقال مجاهد: ﴿فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ أي: فأسأل الله تسل عالمًا بكل شيء لا يخفى عليه خافية (١). وعلى هذا القول، معنى الآية: فاسأله تسل بسؤالك إياه خبيرًا. كما تقول: سل؟ تريد عالمًا. والمسؤول هو زيد، أي: سل زيدًا تسأل بسؤالك إياه عالمًا. وكان علي بن سليمان، يذهب إلى أن الكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى السؤال. وقوله: ﴿فَاسْأَلْ﴾ يدل على السؤال. والمعنى: فأسأل عالمًا بسؤالك (٢).
وقال أبو إسحاق: المعنى: فاسأل عنه خبيرًا (٣). وهو مذهب الأخفش، وجماعة، جعلوا الباء، بمعنى عن، كقوله: ﴿سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: ١]. وأنشدوا:
وإن تسألوني بالنساء فإنني بصير بأدواء النساء طبيب (٤)
أي: عن النساء (٥)، والمعنى: سل عن الله أهل العلم يخبروك، كما
(١) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٥، بسنده عن مجاهد: قال: ما أخبرتك من شيء فهو كما أخبرتك. وأخرج أيضًا بسنده ٨/ ٢٧١٥، عن شمر بن عطية: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قال: هذا القرآن خبيرًا.
(٢) "القطع والائتناف" ٢/ ٤٨٦، ونسبه لعلي بن سليمان. وهو: علي بن سليمان بن الفضل النحوي، أبو الحسن الأخفش الأصغر، قرأ على ثعلب والمبرد، وغيرهما، من مصنفاته: "شرح سيبويه"، و"التثنية والجمع". ت ٣١٥ هـ.
انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٤/ ٤٨٠، و"بغية الوعاة" ٢/ ١٦٧.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٣.
(٤) ذكره ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" ص ٥٦٨، ونسبه لعلقمة. وهو في "ديوانه" ص ٢٣. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠١أ، ولم ينسبه. وذكره الطبرسي ٧/ ٢٧٤، ونسبه لعلقمة بن عبدة، وفيه: بأغواء النساء. وذكره أبو البركات ابن الأنباري، في "البيان" ٣/ ٥٩، ولم ينسبه، ونسبه الشوكاني ٤/ ٨١، لامرئ القيس.
(٥) "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠١ أ. وممن ذهب إلى هذا القول ابن قتيبة، "تأويل مشكل =
قال الشاعر:
هلا سالت القوم يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي (١)
فإن قيل: هل كان يحتاج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى أن يسأل عن الله أحدًا؟
قيل: يحتمل أن يكون الخطاب له، والمراد به غيره. ويحتمل أن يكون كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ [يونس: ٩٤] وقد ذكرنا ما قيل فيها مستقصى (٢).
وكان ابن جرير، يذهب إلى أن الباء صلة؛ ويقول: المعنى: فاسأله خبيرًا، ويذهب إلى: أن ﴿خَبِيرًا﴾ منصوب على الحال (٣).
قال أبو علي الفارسي: قوله ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ مثل سل عنه، فأما ﴿خَبِيرًا﴾ فلا يخلو انتصابه من أن يكون على أنه حال، أو مفعول به، فإن
= القرآن" ص ٥٦٨. وأنكر علي ابن سليمان هذا القول: لو لقيت فلانًا لقيك به الأسد؛ أي: للقيك بلقائك إياه الأسد. "تفسير القرطبي" ١٣/ ٦٣. ورد ذلك أيضًا الألوسي ٧/ ٣٨؛ فقال: والسؤال كما يعدي بعن، لتضمنه معنى التفتيش يعدى بالباء لتضمنه معنى الاعتناء.. فلا حاجة إلى جعلها بمعنى عن، كما فعل الأخفش، والزجاج.
(١) البيت لعنترة، من معلقته، "ديوانه" ص ٢٥. وقد نسب البيت في "تفسير الشوكاني" ٤/ ٨١، لامرئ القيس، ولعل ذلك خطأ؛ لأنه ذكر بعده مباشرة البيت السابق منسوبًا لامرئ القيس أيضًا. والله أعلم.
(٢) قال الواحدي: اختلفوا في هذا الخطاب لمن هو؛ فقال أكثر أهل العلم: هذا الخطاب للرسول -صلى الله عليه وسلم-، والمراد غيره من الشكاك.. ثم نقل عن أبي إسحاق الزجاج قوله: هذا أحسن الأقوال.. ثم قال: وذكروا في هذه الآية أقوالًا متكلفة بعيدة فلم أحكها. سورة يونس: ٩٤.
(٣) حكاه عن ابن جرير النحاس، "القطع والائتناف" ٢/ ٤٨٦، وهو في "تفسير ابن جرير" ٢٨/ ١٩، وساقه بسنده عن ابن جريج.
كان حالًا لم يخل من أن يكون حالًا من الفاعل، أو المفعول، فإن جعلته حالًا من الفاعل السائل لم يسهل؛ لأن الخبير لا يكاد يَسأل إنما يُسأل. ولا يسهل الحال من المفعول أيضًا؛ لأن المسؤول عنه خبير أبدًا، وليس للحال كثير فائدة. فإن قلت: يكون حالًا مؤكدة، فغير هذا الوجه إذا احتمل أولى، فيكون ﴿خَبِيرًا﴾ إذًا: مفعولًا به؛ كأنه قال: فأسأل عنه خبيرًا. أي. مسؤولًا خبيرًا. وكان المعنى: سل يتبين بسؤالك، وبحثك من تستخير ليتقرر عندك ما اقتص عليك من خلقه ما خلق، وقدرته على ذلك وتعلمه بالفحص عنه والتبين له، قال: ومما يقوي: أن السؤال إنما أريد به ما وصفنا، قول أمية:
وسلْ ولا بأسَ إنْ كُنتَ امرءًا عَمِهَا إنَّ السؤالَ شِفا منْ كانَ حيرانَا (١)
أراد: سل حتى تتبين بسؤالك؛ ألا ترى أنه قال: إن السؤال شفاء من كان حيرانًا. والسؤال إذا خلا من العلم لم يكن شفاء، إنما يكون شفاءً إذا اقترن به العلم والتبين. وكذلك المراد في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ اسأل سؤالًا تبحث به لتتبين.
وأجاز أبو إسحاق، وغيره، في هذه الآية، أن يكون الوقف والتمام عند قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ ثم يبتدئ ﴿الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا﴾ فيكون ابتداء، و ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ الخبر (٢). ومن لم يقف على العرش، فارتفاع
(١) العمه: الذي يتردد متحيرًا، لا يهتدي لطريقه ومذهبه، والعَمَه في الرأي، والعمى في البصر. "تهذيب اللغة" ١/ ١٤٩ (عمه). ولم أجد من ذكر هذا البيت.
(٢) الوقف التام هو الوقف على كلام تم معناه، ولم يتعلق بما بعده لفظًا، ولا معنى، وهو الذي يحسن الوقف عليه، والابتداء بما بعده. والوقف الكافي: هو الوقف =
الرحمن يكون من وجهين؛ أحدهما: على خبر ﴿الَّذِي﴾ على (١) تقدير: الذي خلق السماوات والأرض الرحمن، أي: (٢) هو الذي فعل ذلك. وإن جعلت ﴿الَّذِي﴾ متصلًا بالآية المتقدمة ارتفع الرحمن على البدل مما في قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾ فبُيِّن بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ (٣).
٦٠ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ قال عطاء، والكلبي، والمفسرون: قالوا: ما نعرف الرحمن إلا رحمن اليمامة، يعني: مسيلمة (٤).
= على كلام يؤدي معنى صحيحًا مع تعلقه بما بعده من جهة المعنى. والوقف الحسن: هو الوقف على كلام يؤدي معنى صحيحًا، مع تعلقه بما بعده لفظًا ومعنى. والوقف القبيح: هو الوقف على ما لا يؤدي معنى صحيحًا، وذلك لشدة تعلقه بما بعده لفظًا ومعنى. وبعضه أقبح من بعض. ولا يجوز تعمد الوقف عليه إلا لضرورة من انقطاع نفس ونحوه. "النشر في القراءات العشر" ١/ ٢٢٤، و"حق التلاوة" لحسيني شيخ عثمان ص ٥١ـ.
(١) (على) في (أ)، (ب).
(٢) (أي) في (ج). فقط.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٣. وذكره النحاس، "القطع والائتناف" ٢/ ٤٨٥، ولم ينسبه.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب، في قصة طويلة ليس لها إسناد. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٥، دون ذكر القصة. وذكره ابن جرير ١٩/ ٢٩ فقال: وذكر بعضهم أن مسيلمة كان يُدعى: رحمن اليمامة. والثعلبي ٨/ ١٠١ أ، ولم ينسبه. وأخرجه بسنده، ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٥، عن عطاء. وذكره ابن عطية ١١/ ٦٠، واقتصر عليه.
مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب الحنفي الوائلي، المتنبئ المشهور بالكذاب، وفي المثل: أكذب من مسيلمة. لدعواه النبوة، وقتل مسيلمة سنة: ١٢، في خلافة أبي بكر -رضي الله عنه-، في حروب الردة التي قادها خالد بن الوليد -رضي الله عنه-. "سيرة ابن هشام" ٤/ ٢٤٧، و"الكامل" لابن الأثير ٢/ ٢٤٦.
قال أبو إسحاق: الرحمن: اسم من أسماء الله -عز وجل-، مذكور في الكتب الأُوَل، ولم يكونوا يعرفونه من أسماء الله (١). فلما سمعوه أنكروا، فقالوا ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (٢). وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ [الإسراء: ١١٠] (٣).
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٣. وجزم الواحدي -رحمه الله- في "الوسيط" ٣/ ٣٤٤، و"الوجيز" ٢/ ٧٨٢، بأن المشركين ما كانوا يعرفون الرحمن في أهاء الله تعالى. وكذا البغوي، في تفسيره ٦/ ٩٢. وابن كثير ٦/ ١٢٠. قال ابن عاشور ١/ ١٧٢: وقد ذكر جمهور الأئمة: أن وصف الرحمن لم يطلق في كلام العرب قبل الإسلام، وأن القرآن هو الذي جاء به صفة لله تعالى، فلذلك اختص به تعالى، حتى قيل: إنه اسم له وليس بصفة.
(٢) قولهم: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ يجوز أن يكون سؤالًا عن المسمى به؛ لأنهم ما كانوا يعرفونه بهذا الاسم، والسؤال عن المجهول بما، ويجوز أن يكون سؤالًا عن معناه؛ لأنه لم يكن مستعملًا في كلامهم، كما استعمل: الرحيم، والرحوم، والراحم، أو لأنهم أنكروا إطلاقه على الله تعالى. "الكشاف" ٣/ ٢٨٢. والألوسي ٧/ ٣٩.
(٣) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: قال ابن عباس: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وهو ساجد ذات ليلة: (يا رحمن) فسمعه أبو جهل وهم لا يعرفون الرحمن، فقال: إن محمدًا ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعوا إلهًا آخر مع الله يقال له: الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ أي: قل يا محمد ادعوا الله يا معشر المؤمنين ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ أي إن شئتم قولوا: يا الله لان شئتم قولوا: يا رحمن ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أن دعاءهم الله أو دعاءهم الرحمن يرجعان إلى واحدٍ، فقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ المعنى أي أسماء الله تدعوا ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
والظاهر أن قولهم ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ قول قوم كانوا يجحدون التوحيد، ويدل عليه ازديادهم نفورًا لما أمروا أن يسجدوا للرحمن؛ لأن العرب كانوا يعرفون الرحمن في أسماء الله تعالى، وأنه اسم مسمى من الرحمة. "تفسير الماوردي" ٤/ ١٥٣. وفي "تفسير الرازي" ٢٤/ ١٠٥ والأقرب أن المراد إنكارهم لله لا للاسم؛ لأن =
قوله تعالى: ﴿لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ خطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- وكأنهم تلقوا أمره بالرد والإنكار عليه (١). ومن قرأ: بالياء (٢)؛ فقال أبو عبيد: تراه أراد لما يأمرنا الرحمن. وليس بالوجه؛ لأنهم لو أقروا أن الرحمن تبارك وتعالى هو الآمر، ما كانوا كفارًا، إنما كانت مقالتهم تلك للنبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يقول أهل التفسير؛ وذلك أنهم قالوا: يعنون أنسجد لما يأمرنا رحمن اليمامة (٣). تكبرًا منهم واستهزاء. ونحو هذا ذكر الفراء، في قراءة من قرأ: بالياء (٤).
وقال أبو علي: من قرأ بالياء فالمعنى: أنسجد لما يأمرنا محمد -صلى الله عليه وسلم- بالسجود له، على وجه الإنكار منهم لذلك. ولا يكون على: أنسجد لما يأمرنا الرحمن بالسجود له؛ لأنهم أنكروا الرحمن بقولهم: ﴿وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (٥).
= هذه اللفظة عربية، وهم كانوا يعلمون أنها تفيد المبالغة في الإنعام. واستظهر هذا المعنى، ونصره أبو حيان ٦/ ٤٦٦.
(١) "تفسير الهواري" ٣/ ٢١٦. و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٦.
(٢) قرأ بالياء: حمزة، والكسائي. "السبعة في القراءات" ص ٤٦٦، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٦، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٤.
(٣) ذكر قول أبي عبيد، النحاس، في "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٥، و"القطع والائتناف" ٢/ ٤٨٧، مع شيء من الاختلاف. وما ذَكر عن أهل التفسير؛ في "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب. و"تفسير ابن جرير" ١٩/ ٢٩.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٠. ويمكن توجيه قراءة الياء على معنى: أنسجد لما يأمرنا الله تعالى حسب زعمك وقولك.
(٥) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٦. ذكره الهواري ٣/ ٢١٥؛ فقال: ومن قرأها بالياء، فيقول: يقوله بعضهم لبعض: أنسجد لما يأمرنا محمد.
قال ابن جرير ١٩/ ٢٨: إنهما قراءتان مستفيضتان مشهورتان، قد قرأ بكل واحد منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب.
وقوله: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ قال مقاتل: يقول (١): زادهم ذكر الرحمن تباعدًا من الإيمان (٢).
وقال غيره: زادهم أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- إياهم بالسجود نفورًا عما أمروا به من ذلك (٣).
روى مِسْعَر، عن عبد الأعلى (٤)، أنه كان يقول في سجوده: زادنا لك خشوعًا ما زاد أعداءك عنك نفورًا (٥)، فلا تُكبَّ وجوهنا في النار بعد سجودها لك.
٦١ - قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ قال ابن عباس، في رواية عطاء: يريد بروج النجوم (٦). يعني: منازلها الاثني عشر، كل برج منها: منزلان، ونصف منزل للقمر، وهو: ثلاثون درجة للشمس، ولكل برج اسم على حده، وأساميها معروفة (٧).
(١) (يقول) في (ج)، وهي غير موجودة في "تفسير مقاتل".
(٢) "تفسير مقاتل"ص ٤٦ ب. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٥. وذكر قولاً آخر: القرآن.
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٦، بنصه. وذكر نحوه الهوَّاري ٣/ ٢١٦. وابن جرير ١٩/ ٢٩.
(٤) عبد الأعلي بن مسهر بن عبد الأعلي بن مسهر، الغساني الدمشقي، الفقيه، شيخ الشام، ت: ٢١٨ هـ. من العاشرة. ثقة فاضل. "سير أعلام النبلاء" ١٠/ ٢٨٨، و"تقريب التهذيب" ص ٥٦٢.
(٥) ذكره الثعلبي ٨/ ١٠١ أ، عن سفيان الثوري، دون آخره، وكذلك القرطبي ١٣/ ٦٤. والبرسوي ٦/ ٢٣٥.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٥. وذكره الهوَّاري ٣/ ٢١٦، واقتصر عليه، ولم ينسبه.
(٧) وقد ذكرها مفصلة الثعلبي ٨/ ١٠١ أ، ولم ينسبه لأحد. والبغوي، في تفسيره ٦/ ٩٢، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت.
وقال أبو صالح: هي النجوم الكبار العظام. وهو قول مقاتل، ومجاهد، والحسن؛ قالوا في تفسير البروج: هي النجوم والكواكب (١).
قال أبو إسحاق: وإنما قيل للكواكب بروج، لظهورها، وبيانها، وارتفاعها، والبَرَجُ: تباعد ما بين الحاجبين. وكل ظاهر مرتفع فقد بَرُج (٢).
وقال عطية العوفي: هي قصور فيها الحرس. وهو قول الأعمش، وأصحاب عبد الله (٣). وذكر الكلبي القولين؛ النجوم، والقصور (٤).
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب. وأخرجه بسنده عن قتادة، عبد الرزاق في تفسيره ٢/ ٧٠. وأخرجه بسنده ابن جرير ١٩/ ٢٩، عن أبي صالح، ومجاهد، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٦، عن أبي صالح، وسعيد بن جبير، وذكره عن مجاهد، والحسن، وقتادة وأخرجه بسنده الثعلبي ٨/ ١٠١ أ، عن أبي صالح. وذكره عن مجاهد، وقتادة.
(٢) "معاني القرآن " للزجاج ٤/ ٧٣. وفيه: تباينها، بدل: بيانها. واقتصر على هذا القول.
(٣) ذكره بسنده ابن جرير ١٩/ ٢٩، عن عطية، ويحيى بن رافع، وإبراهيم، وأبي صالح. وذكره بإسناده عن عطية، ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٦، والثعلبي ٨/ ١٠١ أ. قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، ومحمد بن كعب القرظي، وأبي صالح في إحدى الروايات، وإبراهيم النخعي، والأعمش أنها: القصور. ويشهد للحرس فيها قول الله تعالى: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا﴾ [الجن: ٨] "تفسير السمرقندي" ٢/ ٤٦٤.
(٤) "تنوير المقباس" ص ٣٠٥. وقال في "الوجيز" ٢/ ٧٨٣: ﴿بُرُوجًا﴾ أي: منازل الكواكب السبعة. ورجح ابن جرير ١٩/ ٣٠، أن المراد بها القصور، وجعل هذه الآية دليلاً عليه. والذي يظهر أنهم لا يعنون قصوراً في الجنة، بل: قصوراً في السماء فيها الحرس، كما صرح به ابن كثير ٦/ ١٢٠. وعلى هذا لا يرد الإشكال الذي اعترض به ابن عطية ١١/ ٦٢؛ فقال: والقول بأنها قصور في الجنة يحط من غرض الآية في التنبيه على أشياء مدركات تقوم بها الحجة على كل منكر لله أو جاهل به. وأما ابن كثير ٦/ ١٢٠، فقد استظهر أن المراد بها الكواكب العظام، ثم قال: اللَّهم إلا أن تكون الواكب العظام هي قصور للحرس فيجتمع القولان.
والبروج، بمعنى: القصور؛ ذكرنا تفسيرها عند قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] (١).
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ قالوا: هو الشمس، نظيره قوله: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾ (٢) [نوح: ١٦]. وقرأ حمزة والكسائي: (سُرُجًا) (٣) قال الزجاج: أراد الشمس، والكواكب معها (٤). ومن حجة هذه القراءة قوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك:٥] فشبهت الكواكب بالمصابيح في قوله: (سُرُجًا) كما شبهت المصابيح بالكواكب؛ في قوله: ﴿الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ﴾ [النور: ٣٥] والمعنى: مصباح الزجاجة، ويدلك قول امرئ القيس:
سموت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقُفَّال (٥)
(١) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: والبروج في كلام العرب: القصور والحصون، وقال ابن المظفر: البروج بيوت تبنى على سور المدينة، وبروج الفلَك اثنا عشر، كل برج فيها ثلاثون درجة، وأصلها في اللغة: من الظهور، ومنه يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٦ ب. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٥. و"معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧١، واستشهد عليه بالآية. و"مجاز القرآن" ٢/ ٧٨. وأخرجه عن قتادة، عبد الرزاق ٢/ ٧٠، وابن جرير ١٩/ ٣٠، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٧. وهو قول الهوَّاري ٣/ ٢١٦. والزجاج ٤/ ٧٤. والثعلبي ٨/ ١٠١ ب.
(٣) "السبعة في القراءات" ص ٤٦٦، و"الحجة" ٥/ ٣٤٧. و"النشر" ٢/ ٣٣٤.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٤.
(٥) هذا بنصه، في "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٧، من قوله: ومن حجة هذه القراءة. وعنه أنشد بيت امرئ القيس، ورواية الديوان هي:
نظرت إليها والنجوم كأنها مصابيح رهبان تشب لقفال
سموت إليها بعدم نام أهلها سمو حَبَابِ الماء حالاً على حال
"ديوان امرئ القيس" ص ١٨٢. وفي "حاشية الديوان: تشب لقفال: توقد =
واختار أبو عبيد (سُرُجًا) وقال: من قرأ (سُرُجًا) أراد النجوم، وهي قد ذكرت قبل هذا، في قوله: ﴿جَعَلَ في السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ وهذا الذي ذكره لا يقدح في قراءة حمزة؛ لأنه يحمل البروج على غير الكواكب (١).
٦٢ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ ذكر أهل اللغة، والمفسرون، في الخلفة، قولين (٢)؛ قال أبو عبيدة: الخلفة كل شيء بعد شيء (٣).
وقال الأصمعي: خلفة الثمر: الشيء يجيء بعد الشيء. والخلفة من نبات الصيف بعد ما يبس العشب، ومن الزروع، ما زرع بعد إدراك الذي زرع أولاً؛ لأنها تُستَخلف (٤)، وأنشد:
ولها بالماطرون إذا... أكل النمل الذي جمعا
= لعائدين من الغزو أو غيره. الحباب: الفقاقيع التي تظهر على سطح الماء.
(١) ذكر قول أبي عبيد النحاس، في "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٦، وذكر الإجابة عنه فقال: أبان بن تغلب قال: السرج: النجوم الدراري، فعلى هذا تصح القراءة، ويكون مثل قوله جل وعز: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فأعيد ذكر النجوم النيرة. وذكر قول أبي عبيد، السمرقندي ٢/ ٤٦٥. وهو اختيار الثعلبي ٨/ ١٠١ ب.
(٢) أما ابن جرير ١٩/ ٣٠، فقد ذكر فيها ثلاثة أقوال:
١ - يخلف أحدهما صاحبه.
٢ - ما فات في أحدهما عمل في الآخر. وقد جعلهما الواحدي، قولاً واحداً.
٣ - كل واحد منهما مخالف لصاحبه.
(٣) "مجاز القرآن" ٢/ ٧٨، بمعناه. وهو قول الأزهري، قال ٧/ ٣٩٨: كل شيء يجيء بعد شيء فهو خلفة.
(٤) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٩، ٤٠٠ (خلف)، بنصه. وفيه: والخلفة ما أثبت الصيف من العشب، بعد ما يبس العشب. ولم ينشد البيت المذكور.
خِلْفة حتى إذا ارتبعت سكنت من جِلَّق بِيَعَا (١)
قال المبرد: يقول: يخلف هذا المكان في هذا الوقت المكان الآخر. قال: ومن هذا يقال للمبطون: أصابته خلفة لتردده بين أن يخلف المشي القعود، والقعود المشي. فعلى هذا القول: الليل خلفة للنهار، والنهار خلفة لليل؛ لأن أحدهما يخلف الآخر ويأتي بعده.
قال الفراء: يقول يذهب هذا ويجيء هذا (٢). وهذا قول ابن عباس، في رواية عطاء، ومقاتل، وابن زيد، والضحاك، والحسن؛ قال ابن عباس: يريد من فاته شيء من الخير بالليل عمله بالنهار (٣).
(١) ذكره أبو عبيدة، "مجاز القرآن" ٢/ ٧٩ ولم ينسبه. قال المبرد: قال أبو عبيدة: هذا الشعر يُختلف فيه؛ فبعضهم ينسبه إلى الأحوص، وبعضهم ينسبه إلى يزيد بن معاوية. "الكامل" ١/ ٤٩٨. وذكره ابن جرير ١٩/ ٣١، ولم ينسبه. وذكره ابن عطية ١١/ ٦٣، وزاد عليه بيتاً، وقال فيه: ومنه قول الآخر يصف امرأة تنتقل من منزل في الشتاء لمنزل في الصيف دأْباً. وأنشده أبو علي، "كتاب الشعر" ١/ ١٦٠، ولم ينسبه. وكذا ابن جني، "سر صناعة الإعراب" ٢/ ٦٢٦. والماطرون: بستان بظاهر دمشق يسمى اليوم: الميطور، وخلفة: خلفة الشجر: وهو ما يخرج من الثمر بعد الثمر الطيب، أو من الاختلاف؛ وهو: التردد، وهو الشاهد من إيراد البيت، والنمل فاعل أكل، والذي مفعوله، والعائد محذوف؛ أي: جمعه، وارتبعت: دخلت في الربيع، وجِلِّق: مدينة بالشام، وبيعا: مفعول سكنت، وهو جمع بِيعة بالكسر؛ كنيسة النصارى، ومعنى البيتين: أن لهذه المرأة تردداً إلى الماطرون في الشتاء، فإن النمل يخزن الحب في الصيف ليأكله في الشتاء، ولا يخرج إلى وجه الأرض من قريته، وإذا دخلت في أيام الربيع ارتحلت إلى البيَع التي في جلق. "خزانة الأدب" ٧/ ٣١٢.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧١. واختار هذا المعنى ابن كثير ٦/ ١١٤.
(٣) أخرجه بسنده ابن جرير ١٩/ ٣٠، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من طريق علي ابن أبي طلحة، وكذا ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨. وذكره البخاري تعليقاً، "الفتح" =
وقال مقاتل: جعل النهار (١) خلفًا من الليل، لمن نام بالليل، وجعل الليل خلفًا من النهار، لمن كانت له حاجة، وكان مشغولًا (٢).
وقال ابن زيد: يخلف أحدهما صاحبه؛ إذا ذهب أحدهما جاء الآخر، فهما يتعاقبان في الضياء والظلام، والزيادة والنقصان (٣).
وقال الضحاك: من عجز عن عمل الليل فعمل بالنهار كان له خلفًا، ومن عجز عن عمل بالنهار فعمل بالليل كان له خلفًا. وقال الحسن: جعل أحدهما خلفًا للآخر فإن فات رجلًا من النهار شيء أدركه بالليل، وإن فاته شيء بالليل أدركه بالنهار (٤). وهذا القول اختيار الليث؛ قال: أي: إذا فاته أمر بالنهار تداركه بالليل، وإذا فاته بالليل تداركه بالنهار (٥) من العبادة،
= ٨/ ٤٩٠. وذكره الثعلبي عن ابن عباس، والحسن، وقتادة. وأخرج ابن أبي حاتم، بسنده عن شقيق قال: جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: فاتتني الصلاة الليلة، فقال: أدرك ما فاتك من ليلتك في نهارك، فإن الله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً. ويشهد لهذا حديث عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ أَوْ عَن شَئْ مِنْهُ فَقَرَأَهُ فِيمَا بَيْنَ صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الظُّهْرِ كُتِبَ لَهُ كأَنَّمَا قَرَأَهُ مِنَ اللَّيْلِ". أخرجه مسلم ١/ ٥١٥، في صلاة المسافرين وقصرها، رقم ٧٤٧. والنسائي ٣/ ٢٨٨، في قيام الليل، رقم ١٧٩٠.
(١) في (ج)، الليل، وهو خطأ.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ أ.
(٣) أخرجه بسنده ابن جرير ١٩/ ٣٢ مطولاً. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠١ ب.
(٤) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧١. وابن جرير ١٩/ ٣١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨. وساق بعده عبد الرزاق بسنده قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لا حسد إلا على اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فهو ينفق منه آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار". والحديث أخرجه البخاري، كتاب العلم، رقم: ٧٣، "الفتح" ١/ ١٦٥. ومسلم ١/ ٥٥٨، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، رقم: ٨١٥.
(٥) "العين" ٤/ ٢٦٨ (خلف). ولم أجده في "التهذيب". أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨، =
والذكر، وغير ذلك (١).
القول الثاني، قال الكسائي: يقال لكل شيئين اختلفا: هما خِلْفَان، وخِلْفَتَان، يقال: له ابنان خِلْفان، وله عبدان خِلْفان، وله أَمَتَان خلفان، إذا كان أحدُهما طويلاً، والآخر قصيرًا، أو كان أحدُهما أبيضَ، والآخرُ أسودَ (٢)، قال الراجز:
دَلْوَاي خِلْفان وساقياهما (٣)
يقول: إحداهما مُصْعِدَةٌ، والأخرى مُنْحَدِرة (٤)، واحد الساقين طويل، والآخر قصير (٥)، أو أحدهما أسود، والآخر أحمر. وقال غيره: يقال: ولد فلان خلفة، أي: نصف صغار، ونصف كبار، ونصف ذكور، ونصف إناث (٦). وعلى هذا (٧) الخلفة من الاختلاف الذي هو ضد الاتفاق. وهذا قول مجاهد، قال: جعل كل واحد منهما مخالفًا لصاحبه، فجعل هذا أسود، وهذا أبيض (٨).
= عن الحسن أن عمر -رضي الله عنه-، أطال صلاة الضحى، فقيل له: صنعت اليوم شيئاً لم تكن تصنعه؛ فقال: إنه بقي علي من وردي شئٌ : فأحببت أن أتمه أو أقضيه، وتلا هذه الآية ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾.
(١) اقتصر الواحدي على هذا القول في "الوسيط" ٣/ ٣٤٥، و"الوجيز" ٢/ ٧٨٣.
(٢) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٨ (خلف)، بنصه. وهو قول أبي زيد، "النوادر في اللغة" ص ١٥.
(٣) هكذا ورد في "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٨، غير منسوب، و"اللسان" ٩/ ٩١ (خلف) كذلك، و"مقاييس اللغة" ٢/ ٢١٣، و"نوادر أبي زيد" ص ١٥.
(٤) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٨ (خلف).
(٥) في نسخة: (أ)، (ب)، بالتنوين في: طويلاً، وقصيراً.
(٦) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٨ (خلف)، بنصه. ولم يسم القائل.
(٧) في (أ)، (ب): (وهذا على).
(٨) أخرجه بسنده، عنه ابن جرير ١٩/ ٣١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨. وتفسير مجاهد =
وذكر الفراء، والزجاج، القولين جميعًا (١)، وأنشدا قول زهير:
بها العِينُ والآرام يَمشِين خِلْفةً (٢)
أي: مختلفات، في أنهما ضربان في ألوانها، وهيئتها، وتكون خلفة في مِشْيَتها، تذهب كذا، وتجيء كذا (٣). وحكى الكلبي، القولين أيضًا؛ فقال: ﴿خِلْفَةً﴾ يخلف كل واحد منهما صاحبه. قال: ويقال الخلفة: اختلاف ألوانها (٤). والخلفة: اسم من الاختلاف، أقيم مقام المصدر. والاختلاف يحتمل المعنيين جميعًا. وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ في سورة البقرة [آية: ١٦٤] (٥)
= ٢/ ٤٥٥. وذكره عنه الهوَّاري ٣/ ٢١٦. وأخرجه بسنده ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٨، عن ابن عباس رضي الله عنهما.
(١) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧١. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٤.
(٢) صدر بيتٍ وعجزه:
وأطلاؤها ينهض من كل مجثم
"ديوان زهير" ٧٥، وذكره مقتصرًا على صدره: الفراء ٢/ ٢٧١، وأبو عبيدة ٢/ ٨٠، وابن قتيبة في "الغريب" ص ٣١٤، وابن جرير ١٩/ ٣٢، والأزهري ٧/ ٣٩٩. وذكره بتمامه: الثعلبي ٨/ ١٠١ ب، وابن عطية ١١/ ٦١، قال ابن قتيبة: الآرام: الظباء البيض، والآرام: الأعلام، واحده: أرم، أي: إذا ذهب فوج الوحش، جاء فوج.
(٣) "تهذيب اللغة" ٧/ ٣٩٩ (خلف)، بنصه وذكر نحوه الفراء ٢/ ٢٧١، وابن جرير ١٩/ ٣٢.
(٤) في "تنوير المقباس" ص ٣٠٥: مختلفة بعضها لبعض.
(٥) قال الواحدي في تفسير هذه الآية: فسر الاختلاف هاهنا تفسيرين؛ أحدهما: أنه افتعال من قولهم: خلفه يخلفه إذا ذهب الأول وجاء الثاني خلافه؛ أي: بعده.. وبهذا فسر قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾.. الثاني: قال ابن كيسان وعطاء في هذه الآية: أراد اختلافهما في الطول والقصر والنور والظلمة =
ولهذا لم يثنَّ، كما يقال: رجلان عدل. ويحتمل أن يكون الأمر من باب حذف المضاف، على تقدير: ذوي خلفة (١).
قوله: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ أي: يتذكر، فيتبين شكر الله، وموضع النعمة، وإتقان الصنعة، فيستدل به على التوحيد. والتشديد، على أنه: يتذكر، ويتفكر ليدرك العلم بقدرته، ويستدل على توحيده. وقرأ حمزة، مخففًا (٢)، على معنى (٣) أنه: يذكر ما نسيه في أحد هذين الوقتين، في الوقت الآخر. ويجوز أن يكون: على تذكر تنزيه الله تعالى، وتسبيحه فيهما؛ كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] هذا كلام أبي علي (٤).
وقال الفراء: (ويذكر، ويتذكر) يأتيان بمعنى واحد؛ قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] في حرف عبد الله: (وتذكَّروا) ما فيه انتهى كلامه (٥). وفي جعل الله تعالى الليل والنهار متعاقبين، يخلف أحدهما
= والزيادة والنقصان.. وهذا القول يرجع إلى المعنى الأول؛ لأن معنى الاختلاف في اللغة: التفرق في الجهات جهة اليمين والشمال والخلف والقدام، ثم شُبه الاختلاف في المذاهب وفي كل شيء بالاختلاف في الطريق مواجهة أن كل واحد من المختلفين على نقيض ما ذهب إليه الآخر كالمختلفين في الطريق.
(١) ذكره القرطبي ١٣/ ٦٦، ولم ينسبه.
(٢) كتاب "السبعة في القراءات" ص ٤٦٦، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٨، وقرأ بها من القراء العشرة خلف، "النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٤.
(٣) (معنى) (خ).
(٤) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٨٤، قال: المعنى في قراءة حمزة: ﴿أن يذَّكَّرَ﴾ يتذكر.
(٥) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧١، بلفظ: وفي قراءتنا ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وفي حرف عبد الله (وتذكروا ما فيه) وذهب إلى أنهما بمعخى واحد: ابن جرير ١٩/ ٣٢. لم أجده عند ابن خالويه، ولا ابن جني.
صاحبه اعتبارٌ واستدلال على قدرته، ومتسع لذكره، وطاعته أيضًا (١). وهذا قول المفسرين كما حكينا عنهم في القول الأول في الخلفة. وعلى قول جاهد، الظاهر أنه أراد بالتذكير: الاعتبار، والاستدلال على قدرته، لا الذكر الذي هو التسبيح، والتنزيه (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ الشُكُور: مصدر شَكَر يَشْكُر، شُكْرًا وشُكُورًا، كما يقال: كَفَر يَكْفُر، كُفْرًا وكُفُورًا، قال الله تعالى: ﴿لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٩] قال ابن عباس في هذه الآية: يريد لمن أراد أن يتعظ، ويطيعني (٣). وقال مجاهد: يشكر نعمة ربه عليه فيهما (٤).
٦٣ - قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال الليث (٥): الهون: مصدر الهَيِّن في معنى (٦) السكينة والوقار. تقول: هو يمشي هَوْنًا، وجاء عن علي رضي الله عنه: (أحبب حبيبك هونًا ما) (٧).
(١) ذكره في "الوسيط" ٣/ ٣٤٥، بنصه، ولم ينسبه.
(٢) أخرج بسنده ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩، عن مجاهد: ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ يتعظ.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٥.
(٤) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٥. وأخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٣٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩.
(٥) (الليث) في (ج).
(٦) (معنى) ساقطة من النسخ الثلاث، وهي في "تهذيب اللغة" ٤/ ٩٢ (هون).
(٧) كتاب "العين" ٤/ ٩٢ (هون)، بنصه. و"تهذيب اللغة" ٦/ ٤٤٠ (هان)، وفيهما: مصدر الهين، في معنى السكينة والوقار. والأثر ذكره الثعلبي ٨/ ١٠١ ب، مرفوعاً للنبي -صلى الله عليه وسلم- بدون إسناد، ولفظه: "أحبب حبيبك هوناً ما عسى أن يكون بغيظك يوماً ما، وأبغض بغيظك هوناً ما عسى أن يكون حبيبك يوماً ما". وأخرجه الترمذي ٦/ ٣١٤، مرفوعاً، كتاب البر والصلة رقم: ١٩٩٧. وقال: حديث غريب. وصححه الألباني مرفوعاً، في "غاية المرام" ٢٧٣، وذكر له طرقاً. وأما الموقوف =
قال شمِر في تفسيره: الهَوْنُ: الرِّفق، والدَّعَة، والهِينَة، يقول: لا تُفرط في حُبه ولا بغضه (١)، وأنشد:
تَهادَى في رِداءِ المِرْط هَونًا (٢)
قال ابن عباس: يريد بالسكينة والوقار (٣). وهو لفظ مجاهد (٤).
= فقد قال الترمذي: والصحيح عن علي موقوف. والموقوف أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" عن علي -رضي الله عنه-، "صحيح الأدب المفرد" ص ٥٠١. وقد جمع طرقه الزيلعي، في تخريجه لأحاديث الكشاف ٢/ ٤٦٤.
(١) "تهذيب اللغة" ٦/ ٤٤١ (هان)، وفيه: قاله في تفسير حديث علي. قال ابن القيم: الهَون، بالفتح في اللغة: الرفق واللين. والهُون، بالضم: الهوان. فالمفتوح منه: صفة أهل الإيمان. والمضموم: صفة أهل الكفران، وجزاؤهم من الله النيران. مدارج السالكين ٢/ ٣٢٧. قال ابن كثير ٦/ ١٢٢: وليس المراد أنهم يمشون كالمرضى تصنعًا ورياءً، فقد كان سيد ولد آدم -صلى الله عليه وسلم- إذا مشى كأنما ينحط من صبب، وكأنما الأرض تطوى له، وقد كره بعض السلف المشي بتضعف وتصنع... وإنما المراد بالهَون هنا السكينة والوقار.
(٢) "تهذيب اللغة " ٦/ ٤٤١ (هان)، ولم ينسبه، وصدره:
مررت على الوَرِيقَةِ ذات يوم
ولم يسم الأزهري من أنشد هذا البيت. وأورده في "لسان العرب" ١٣/ ٤٣٩، وصدره:
مررت على الوديعة ذات يوم
فلعل: الوريقة تصحيف: الوديعة. والله أعلم. تهادى مأخوذ من التهويد، وهو: المشي الرُّوَيد، مثل الدبيب ونحوه. "تهذيب اللغة" ٦/ ٣٨٨ (هاد). المرط: جمعه: مروط، وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها. "تهذيب اللغة" ١٣/ ٣٤٥ (مرط).
(٣) أخرج بسنده ابن جرير ١٩/ ٣٣، عن ابن عباس رضي الله عنه من طريق علي بن أبي طلحة: بالطاعة والعفاف والتواضع، وكذا ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩. واختاره الزجاج ٤/ ٧٤، واقتصر عليه، ولم ينسبه. واقتصر عليه في "الوجيز" ٢/ ٧٨٣.
(٤) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٥. وبسنده ذكره الفراء ٢/ ٢٧٢، ونسبه لعكرمة أيضًا. =
وقال الحسن، وعطاء، والضحاك، ومقاتل: حلماء متواضعين، يمشون في اقتصاد (١)
وقال قتادة: ﴿يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ تواضعًا لله لعظمته (٢).
وروى أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: لا يشتدون (٣).
وقال ابن وهب: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون (٤).
وانتصب ﴿هَوْنًا﴾؛ لأنه صفة مصدر محذوف، أي: يمشون مشيًا
= وأخرجه بسنده، عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧١. وكذا ابن جرير ١٩/ ٣٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩، وأخرجه عن الحسن أيضًا. وذكره الهوَّاري ٣/ ٢١٦.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ أ. وأخرجه بسنده عن الحسن، عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧١، وعنه ابن جرير ١٩/ ٣٤، ولفظه عندهما: حلماء علماء لا يجهلون. وأخرجه أيضًا الثعلبي ٨/ ١٠١ ب. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧١٩، عن ابن عباس رضي الله عنهما: علماء حلماء.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢١.
(٣) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣٤.
أسامة بن زيد بن أسلم العمري المدني، ضعيف، ليس له في الكتب الستة سوى حديث واحد عند ابن ماجه. "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٣٤٣، و"تقريب التهذيب" ص ١٢٣، وأما أبوه زيد بن أسلم فهو مولى عمر رضي الله عنه، ثقة عالم، وكان يرسل. ت: ١٣٦. "سير أعلام النبلاء" ٥/ ٣١٦، و"تقريب التهذيب" ص ٣٥٠.
(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣٤، فقال: حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ قال: لا يتكبرون على الناس، ولا يتجبرون، ولا يفسدون. وقرأ: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا في الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢١، دون ذكر الآية. قال الزمخشري ٣/ ٢٨٣: ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، ولقوله: ﴿وَيَمْشِي في الْأَسْوَاقِ﴾.
هونًا (١). قال المفسرون: هذا من صفة خواص عباد الله، أضافهم إليه لاصطفائه إياهم، كما يقال: بيت الله، وناقة الله (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ قال مقاتل: يعني السفهاء (٣) ﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ يقول: إذا سمعوا الأذى من كفار مكة، ردوا معروفًا (٤). قال الكلبي: نسختها آية القتال (٥).
وقال ابن عباس: ردوا سدادًا من القول (٦)، لا يجهلون مع من يجهل. وهذا قول مجاهد؛ قال: قالوا سدادًا (٧).
وقال الحسن: إن جهل عليهم جاهل حلموا ولم يجهلوا (٨).
(١) قال ابن قتيبة: أي: مشياً رويداً. "غريب القرآن" ص ٣١٥.
(٢) "غريب القرآن" لابن قتيبة ص ٣١٥. من قوله: أضافهم إليه.. قال البغوي ٦/ ٩٣: الإضافة هنا للتخصيص، والتفضيل، وإلا فالخلق كلهم عباد الله.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ أ. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٢، عن سعيد بن جبير: يعني: السفهاء من الكبار.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ أ. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٥.
(٥) ذكره الثعلبي ٨/ ١٠٢ أعن أبي العالية، والكلبي، ولفظه: هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ثم نسختها آية القتال. ولفظ الفراء يشعر بميله لهذا القول؛ قال ٢/ ٢٧٢: كان أهل مكة إذا سبوا المسلمين ردوا عليهم رداً جميلاً قبل أن يؤمروا بقتالهم. ونسبه للكلبي، السمرقندي ٢/ ٤٦٥. وذكره عنهما البغوي ٦/ ٩٣.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٥.
(٧) أخرجه عبد الرزاق ٢/ ٧١، وعنه ابن جرير ١٩/ ٣٥. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٢. وذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٢ أ.
(٨) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣٥. وذكر الثعلبي عن الحسن ٨/ ١٠٢ أ، قولا آخر؛ ولفظه: سلموا عليهم، دليله قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [القصص: ٥٥]. وأخرج عنه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٢، دون ذكر الآية. وذكر الماوردي ٤/ ١٥٥، عن الضحاك، قالوا: وعليك السلام. ولم =
وقال قتادة. كانوا لا يجاهلون أهل الجاهلية (١) والجهل (٢).
= يعترض عليه، وكذلك العز، في تفسيره ٢/ ٤٣١. وذكر البغوي ٦/ ٩٣، قول الحسن، بعد أن قال: وليس المراد منه السلام المعروف!. والذي يظهر أنه لا يمنع من إرادة السلام المعروف مانع، كما في الآية التي استدل بها الحسن، ويكون التسليم قطعاً للكلام وفراقاً بينهم. والله أعلم. وعلى هذا يفرق بين المشركين، وغيرهم من الجاهلين، وذلك للنهي عن ابتداء المشركين بالسلام، فعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، قَال: "لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلا النَّصَارَى بِالسَّلامِ فَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ في طَرِيقٍ فَاضْطَرُّوهُ إِلَى أَضْيَقِهِ" وفي إحدى روايات مسلم: "إِذَاَ لَقِيتُمُوهُمْ" وَلَمْ يُسَمِّ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. أخرجهما مسلم ٤/ ١٧٠٧، كتاب السلام، رقم: ٢١٦٧. والترمذي ٥/ ٥٧، كتاب الاستئذان، رقم: ٢٧٠٠. قال ابن العربي ٣/ ٤٥٢: وقد اتفق الناس على أن السفيه من المؤمنين إذا جفاك يجوز أن تقول له: سلام عليك. وحمل الأصم السلام في الآية على أن المراد به سلام توديع لا تحية، كقول إبراهيم -صلى الله عليه وسلم- لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ [مريم: ٤٧]. "تفسير الرازي" ٢٤/ ١٠٨. وأما ابن القيم، فإنه لم يرتض تفسير الآية بـ: سلام عليكم؛ فقال: ووَصَف نطقهم بأنه سلام فهو نطق حلم وسكينة ووقار لا نطق جهل، وفحش وخناء وغلظة، فلهذا جمع بين المشي والنطق في الآية، فلا يليق بهذا المعنى الشريف العظيم الخطير أن يكون المراد منه: سلام عليكم، فتأمله. بدائع الفوائد ٢/ ١٥٨. والتسليم لا ينافي ما ذكر ابن القيم؛ لأن التسليم فيه حلم وسكينة ووقار، ويشهد له حديث النُّعْمَانِ بْنِ مُقَرِّنٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-، وَسَبَّ رَجُلٌ رَجُلاً عِنْدَهُ قَالَ فَجَعَلَ الرَّجُلُ الْمَسْبُوبُ يَقُولُ عَلَيْكَ السَّلامُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "أَمَا إِنَّ مَلَكًا بَيْنكُمَا يَذُبُّ عَنْكَ كُلَّمَا يَشْتُمُكَ هَذَا قَالَ لَهُ بَلْ أَنْتَ وَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ وَإِذَا قَالَ لَهُ عَلَيْكَ السَّلامُ قَالَ لا بَلْ لَكَ أَنْتَ أَحَقُّ بِهِ". أخرجه الإمام أحمد ٩/ ١٩١، رقم: ٢٣٨٠٦، قال ابن كثير ٦/ ١٢٢: إسناده حسن ولم يخرجوه. وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، غير أبي خالد الوالبي، وهو ثقة. وجمع بين القولين ابن عاشور ١٩/ ٦٩.
(١) (الجاهلية) في (ج).
(٢) ذكره السيوطي، "الدر المنثور" ٦/ ٢٧٢، ونسبه لابن أبي حاتم، ولكني لم أجده عنده.
وقال مقاتل بن حيان: ﴿قَالُواْ سَلَمًا﴾ أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم (١).
قال أبو إسحاق، وأبو علي: نتسلم منكم سلامًا لا نجاهلكم كأنهم قالوا: تسلمًا منكم لا نتلبس بشيء من أمركم (٢).
وقال أبو الهيثم: معناه: سدادًا من القول، وقصدًا لا لغو فيه (٣). وهو معنى قول ابن حيان. وذكرنا معنى: السلام فيما تقدم (٤). والأولى أن لا تكون هذه الآية منسوخة؛ لأنها صفة لخواص من عباد الله، لا يجهلون، ولا يرفثون، بل يحلمون (٥).
(١) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٢ أ، وابن الجوزي ٦/ ١٠١، وجمع في "الوجيز" بين قولي مجاهد، وابن حيان، فقال: سدادًا من القول يسلمون فيه من الإثم. قال الثعالبي: إذا نازعك إنسان فلا تجبه؛ فإن الكلمة الأولى أنثى وإجابتها فحلها فإن أمسكت عنها بترتها، وقطعت نسلها، وإن أجبتها ألقحتها فكم من نسل مذموم يتولد بينهما في ساعة واحدة. الجواهر الحسان ٢/ ٤٧٢.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٤. وذهب إلى هذا المبرد؛ فقال: تأويله المتاركة، أي: لا خير بيننا وبينكم ولا شر. المقتضب ٣/ ٢١٩، وسبقه إلى هذا سيبويه، "الكتاب" ١/ ٣٢٤.
(٣) "تهذيب اللغة" ١٢/ ٤٤٨ (سلم).
(٤) قال الواحدي: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ [النساء: ٩٤] وقرئ: ﴿السَّلَمَ﴾ فمن قرأ بالألف واللام فله معنيان؛ أحدهما: أن يكون السلام الذي هو تحية المسلمين؛ أي: لا تقولوا لمن حياكم بهذه التحية: إنما قالها متعوذًا، فتقدموا عليه بالسيف لتأخذوا بماله، ولكن كفوا عنه، واقبلوا منه ما أظهره. والثاني: أن يكون المعنى: لا تقولوا لمن اعتزلكم، وكف يده عنكم فلم يقاتلكم: لست مؤمناً.. وأصل هذا من السلامة؛ لأن المعتزل طالب للسلامة.
(٥) قال السمرقندىِ ٢/ ٤٦٥، بعد أن ذكر قول الكلبي، في أن الآية منسوخة: وقال بعضهم: هذا خطأ؛ لأن هذا ليس بأمر، ولكنه خبر من حالهم، والنسخ يجرى =
قال أبو إسحاق: ﴿وَعِبَادُ﴾ مرفوع بالابتداء، والأحسن أن يكون الخبر: ما جاء في آخر السورة؛ من قوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ ويجوز أن يكون خبره: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ﴾ (١) ويكون قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ﴾ صفة للذين يمشون (٢).
قال الحسن: هذا صفة نهارهم إذا انتشروا في الناس، وليلُهم (٣) خير ليل إذا خلو فيما بينهم وبين ربهم يراوحون بين أطرافهم (٤)؛ وهو:
٦٤ - قوله تعالى: ميووَ ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ قال الليث: البَيْتُوتَة: دخولُك في الليل، تقول: بِتُّ أصنع كذا. ومن قال: بات فلان إذا نام؛ فقد أخطأ (٥).
= في الأمر والنهي. ورد مكي بن أبي طالب القول بأن هذه الآية خبر لا يجوز نسخه؛ فقال: هذا ليس من الخبر الذي لا يجوز نسخه؛ لأنه ليس فيه خبر من الله لنا عن شيء يكون أو شيء كان فنسخ بأنه لا يكون، أو بأنه لم يكن -هذا الذي لا يجوز فيه النسخ- وإنما هذا خبر من الله لنا أن هذا الأمر كان من فعل هؤلاء الذين هم عباد الرحمن قبل أن يؤمروا بالقتال. "الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه" ص ٣٧١، وهذا كلام جيد؛ لكن القول بأن الآية منسوخة ليس بصواب، فلا تعارض بين هذه الآية، وبين الأمر بالقتال، فلكل واحد منهما ما يناسبه من الزمان والمكان، قال الطوسي ٧/ ٥٠٥: الأمر بالقتال لا ينافي حسن المحاورة في الخطاب، وحسن العشرة. ونقض القول بالنسخ أيضًا الزمخشري ٣/ ٢٨٤. قال ابن عطية ١١/ ٦٧: وهذه الآية كانت قبل آية السيف، فنسخ منها ما يخص الكفرة، وبقي أدبها في المسلمين إلى يوم القيامة. وذكر نحوه ابن جزي ٤٨٧. وأحسن الحديث عن النسخ في هذه الآية النحاس، في كتابه "الناسخ والمنسوخ" ٢/ ٥٦٨.
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٤.
(٢) ذكر هذا الزمخشري ٣/ ٢٨٤.
(٣) في (أ)، (ب): (وأجلهم).
(٤) أخرجه بنحوه ابن جرير ١٩/ ٣٥، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٣.
(٥) "العين" ٨/ ١٣٨ (بيت)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٤/ ٣٣٣ (بات).
وقال الزجاج: كل من أدركه الليل فقد بات يَبِيت، نام أو لم ينم. يقال: بات فلان قلقًا (١). قال الكلبي ومقاتل: يبيتون لربهم بالليل في الصلاة سجدًا وقيامًا (٢). وذكر الكلبي، عن ابن عباس، قال: من صلي ركعتين، أو أكثر بعد العشاء، فقد بات لله ساجدًا وقائمًا (٣).
٦٥ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾ قال ابن عباس: إنهم يقولون ذلك في سجودهم وقيامهم (٤).
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٥. ومما يشهد على أن المراد بالبيات الليل قوله تعالى: ﴿فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ [الأعراف: ٤].
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ أ. و"تنوير المقباس" ص ٣٠٥.
(٣) "الوسيط" ٣/ ٣٤٥، وذكر نحوه الفراء ٢/ ٢٧٢، ولم ينسبه. وكذا الهواري ٣/ ٢١٧. وذكر الثعلبي ٨/ ١٠٢ أ، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: من صلى بالليل ركعتين أو أكثر من ذلك فقد بات لله ساجدًا وقائمًا. ثم قال: قال الكلبي: ويقال الركعتان بعد المغرب، وأربع بعد العشاء الآخرة. وذكر ذلك السمرقندي ٢/ ٤٦٥، وصدره بقوله: رُوي. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٣، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: أصيبوا من هذا الليل ولو ركعتين، أو أربعاً. وقد ذكر الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٢/ ٢٣٠، أثر ابن عباس مرفوعاً، ونحوه عن ابن عمر مرفوعاً، وضعفهما. لكن ثبت في الصحيح أن عَبْدَ الرحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ قَالَ: دَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ الْمَسْجِدَ بَعْدَ صَلاةِ الْمَغْرِب فَقَعَدَ وَحْدَهُ فَقَعَدْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي سَمِعْتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَمَاعَةٍ فَكَأنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ". أخرجه مسلم ١/ ٤٥٤، كتاب المساجد، رقم: ٦٥٦. والترمذي ١/ ٤٣٣، أبواب الصلاة، رقم: ٢٢١.
(٤) ذكره عنه القرطبي ١٣/ ٧٢. قال الزمخشري ٣/ ٢٨٤: وصفهم بإحياء الليل ساجدين وقائمين، ثم عقبه بذكر دعوتهم هذه إيذاناً بأنهم مع اجتهادهم خائفون مبتهلون إلى الله في صرف العذاب عنهم، كقولى تعالى. ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ قال الليث: الغرام: العذاب اللازم، أو الشر اللازم، والغُرْمُ: أداءُ شيء يَلزم (١).
وقال الفراء: العرب تقول: إن فلانًا لَمُغرَمٌ بالنساء، إذا كان مُولَعًا بهن. وإني بك لَمُغرم إذا لم يَصبِر عنه. ونرى أن الغريم إنما سمي غريمًا؛ لأنه يطلب حقه، وُيلح حتى يقبضه، فمعنى: ﴿غَرَامًا﴾ مُلِحًا دائمًا (٢).
قال مقاتل: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ يعني: لازمًا له لا يفارقه (٣) كلزوم الغريم للغريم. وقال الحسن: الغرام: اللازم الذي لا يفارق صاحبه أبدًا، وكل عذاب يفارق صاحبه فليس بغرام، وكل غريم مفارق غريمه إلا غريم جهنم (٤). وقال سليمان التيمي: كل أسير لابد أن يفك أُساره يومًا، أو يموت، إلا أَسير جهنم، فهو الغرام لا يُفك أبدًا (٥). وقال الكلبي: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ مُولَعًا، ويقال مُلِحًا (٦).
وقال القرظي: إن الله عز وجل سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها إليه،
(١) كتاب "العين" ٤/ ٤١٨ (غرم)، ونقله عنه الأزهري، "تهذيب اللغة" ٨/ ١٣١. واقتصر عليه في "الوجيز" ٢/ ٧٨٢.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٢. وذكره في "تهذيب اللغة" ٨/ ١٣١ (غرم). و"تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠٢ أ.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ أ.
(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٣٦، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٣. وذكره بنحوه الهواري ٣/ ٢١٧. والثعلبي ٨/ ١٠٢ ب.
(٥) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٤. سليمان بن طَرخان التيمي، أبو المعتمر البصري، نزل في التَّيم فنسب إليهم، ثقة عابد، ت: ١٤٣هـ. "سير أعلام النبلاء" ٦/ ١٩٥. و"تقريب التهذيب" ص ٤٠٩.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٥.
فأغرمهم، فأدخلهم النار (١). هذا الذي ذكرنا في تفسير الغرام هو الموافق لما قيل في أصل اللغة. وقريب من هذا ذكره الزجاج، في تفسير الغرام؛ فقال: هو أشد العذاب، وأنشد قول بشر بن أبي خازم:
ويومُ النِّسَارِ ويومُ الجِفَا رِ كانا عذابًا وكانا غرامًا (٢)
وقد ذُكر في تفسير الغرام أقوال، هي من معنى الغرام، وليس بتفسير له؛ قال ابن عباس، في رواية عطاء: إن عذابها كان قطعيًّا. وسأله نافع بن الأزرق، عن معنى الغرام؛ فقال: هو الموضع، وأنشد لعبد الله بن عجلان (٣):
ما أكلةٌ إن نلتها بغنيمةٍ ولا جوعةٌ إن جعتها بغرامٍ (٤)
(١) أخرجه ابن جرير ٦/ ١٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٤. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٢ ب. والسمرقندي ٢/ ٤٦٥.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٥، ولم ينسب البيت. وأنشده أبو عبيدة، في "المجاز" ٢/ ٨٠، ونسبه لبشر. وكذا ابن الأنباري، "الزاهر" ١/ ٢٣٩. وابن جرير ١٩/ ٣٦. وأورده السيوطي، في "الإتقان" ١/ ١٧١ في سؤالات نافع بن الأزرق لابن عباس. و"غريب القرآن في شعر العرب" ص ١٩٦. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٢ ب، منسوبًا لبشر. النسار: بكسر النون، موضع، قيل: هو ماء لبني عامر. ومنه يوم النسار. "لسان العرب" ٥/ ٢٠٥ (نسر). والجفار: موضع، قيل: هو ماء لبني تميم، ومنه يوم الجفار. "لسان العرب" ٤/ ١٤٤ (جفر).
(٣) عبد الله بن عجلان، بن عامر النهدي، من قضاعة، شاعر جاهلي، من عشاق العرب المشهورين. "الشعر والشعراء" ٤٨٢، "الأعلام" ٤/ ١٠٣.
(٤) لم أجده في "الإتقان"، ولا في "غريب القرآن في شعر العرب"، الذي جمع سؤالات نافع بن الأزرت، من "الإتقان" وغيره. وإنما وجدت البيت الذي قبله. وذكر السيوطي، "الدر المنثور" ٦/ ٢٧٤، روايتين؛ الأولى: أخرج الطستي عن ابن عباس أن نافع بن الأزرق سأله عن الآية، فقال: ملازماً شديداً، كلزوم =
وقال أبو عبيدة: ﴿كَانَ غَرَامًا﴾ أي: هلاكًا. وهو اختيار المبرد وابن قتيبة (١)
٦٧ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ فيه ثلاثهَ أوجه من القراءة؛ ضم الياء، من ﴿يَقْتُرُوا﴾ وضم التاء، وكسر التاء مع فتح الياء (٢)، يقال: قَتَر الرجل على عياله، يَقْتِرُ ويَقْتُرُ قَتْرًا، مثل: يَعْكُف
= الغريم الغريم، وأنشد قول بشر بن أبي حازم. والرواية الثانية، قال: أخرج ابن الأنباري، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن نافع ابن الأزرق، قال له: أخبرني عن قوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ ما الغرام، قال: المولع، وأنشد بيت ابن عجلان. وأنشد ابن الأنباري البيت، ونسبه لحاتم بن عبد الله الطائي، وليس فيه ذكر السؤال، أو أنه من إنشاد ابن عباس. كتابه "الزاهر في معاني كلمات الناس" ١/ ٢٤٠. والبيت في "ديوان حاتم الطائي" ص ١٢٧، بيتاً مفرداً.
(١) "مجاز القرآن" ٢/ ٨٠. و"غريب القرآن" ص ٣١٥. وذكره البخاري، ولم ينسبه، "الفتح" ٨/ ٤٩٥. واقتصر عليه الغزنوي، في وضح البرهان ٢/ ١٢٦، واستدل ببيت بشر عليه. ومن الأقوال الواردة في الغرام، ما ذكره الهواري ٣/ ٢١٧ ﴿غَرَامًا﴾ أي: انتقاماً. وما ذكره الماوردي ٤/ ١٥٥، عن قطرب: ثقيلاً، ومنه قوله ﴿فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾ [القلم: ٤٦].
(٢) قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: بفتح الياء، وكسر التاء. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: ﴿يَقتُرُواْ﴾ بفتح الياء، وضم التاء. وقرأ نافع، وابن عامر: ﴿يُقتروا﴾ بضم الياء، وكسر التاء. "كتاب السبعة في القراءات" ٤٦٦، و"إعراب القراءات السبع وعللَّها" ٢/ ١٢٤، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٨، و"النشر" ٢/ ٣٣٤. قال النحاس، معلقاً على قراءة ضم الياء: وتعجب أبو حاتم من قراءة أهل المدينة هذه؛ لأن أهل المدينة عنده لا يقع في قراءتهم الشاذ، فإنما يقال: أقتر يُقتر، إذا افتقر، كما قال جل وعز: ﴿وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وتأول أبو حاتم لهم أن المسرف يفتقر سريعاً، وهذا تأويل بعيد، ولكن التأويل أن أبا عمرو الجرمي، حكى عن الأصمعي، أنه يقال للإنسان إذا ضَيَّق: قتر يقتُر ويقتِر، وقتَّر يُقتِّر، وأقتر يُقتر، فعلى هذا تصح القراءة، وإن كان فتح الياء أصح، وأقرب متناولاً، وأشهر وأعرف. "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٧.
ويعكِف، ويفسُق ويفسِق، ويحشُر ويحشِر، إذا ضَيَّق ولم يُنفق إلا قدر ما يُمسك الرَّمَق (١). ومثله: أقتر.
قال أبو عبيد: وهي ثلاث لغات، معناها: لم يضيقوا في الإنفاق (٢). وقال غيره: قَتَر إذا ضَتَّق، وأقتر إذا أَقلَّ وافتقر، والمقتر، ضدُ الموسر، قال الله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] وقال الشاعر:
لكم مسجد الله المزوران والحصا... لكم قِبصُهُ من بين أثْرى وأقترا (٣)
تقديره من بين رجل أثرى، ورجل أقتر، فأقام الصفة مقام الموصوف، وعلى هذا معنى: ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ لم يفتقروا في إنفاقهم؛ لأن المسرف مُشرف على الافتقار لسرفه في إنفاقه (٤).
واختلفوا في معنى هذا الإسراف والإقتار؛ فقال الكلبي، والنخعي: هذا في الإنفاق على العيال، إذا أنفقوا على أهلهم وعيالهم وعلى أنفسهم
(١) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٩. والرَّمَق: بقية الحياة. "تهذيب اللغة" ٩/ ١٤٥.
(٢) قال ابن جرير ١٩/ ٤٠: كل هذه القراءات... بمعنى واحد، فبأيتها قرأ القارئ فمصيب. وكذا الأزهري في "معاني القراءات" ٢/ ٢١٨.
(٣) البيت للكميت بن زيد يمدح بني أمية، المسجدان: مسجد مكة والمدينة، أي: لكم العدد الكثير من جميع الناس، المثري منهم والمقتر. "لسان العرب" ٣/ ٢٠٥ (سجد). وأنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" ٨/ ٣٨٥ (قبص)، ولم ينسبه، ثم قال: أي من بين مُثرٍ ومُقلٍ، واستشهد به على أن القبص: العدد الكثير. وذكره أبو علي، "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٨، ولم ينسبه. وكذا الأنباري في "الإنصاف" ٢/ ٧٢١، والطبرسي ٧/ ٢٧٧.
(٤) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٨، من قولى: قتر إذا ضيق.
لم يسرفوا في النفقة (١).
وقال إبراهيم: لا يجيعهم ولا يعريهم، ولا ينفق نفقة يقول الناس: إنك قد أسرفت فيها (٢).
وقال أبو علي الفارسي: معنى ﴿لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لم يخرجوا في إنفاقهم من السِّطَةِ (٣) والاقتصاد ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ لم يمسكوا ولم ينقصوا عن الاقتصاد فيقصروا عن التوسط فمن كان في هذا الطرَف فهو مذموم، كما أن من جاوز الاقتصاد كان كذلك، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية [الإسراء: ٢٩] ويبين هذا قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي: كان إنفاقهم بين ذلك لا إسرافًا، يدخل به في حد التبذير، ولا تضييقًا
(١) اختار هذا القول الهواري ٣/ ٢١٧، ولم ينسبه.
(٢) إبراهيم هو النخعي، أخرج قوله ابن جرير ١/ ٣٨٩. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٥، ٢٧٢٦. وهذا القول يدل على أن الإسراف: تجاوز الحد في الإنفاق، والإقتار: التقصير عما لا بد منه. "تفسير البغوي" ٦/ ٩٤.
(٣) هكذا في النسخ الثلاث، وأيضًا عند أبي علي في "الحجة" ٥/ ٣٤٩، ومعناه: التوسط. يقال: وسطت القوم أسطهم وسطًا وسِطة، أي: توسطتهم. كتاب "العين" ٧/ ٢٧٩ (وسط)، و"تهذيب اللغة" ١٣/ ٢٨، و"اللسان" ٧/ ٤٢٩. ومن ذلك حديث جابر بن عبد الله قال: شهدت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاة يوم العيد فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان ولا إقامة ثم قام متوكئا على بلال فأمر بتقوى الله وحث على طاعته ووعظ الناس وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم" فقامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: "لأنكن تكثرن الشكاة وتكفرن العشير". قال: فجعلن يتصدقن من حليهن يلاقين في ثوب بلال من أقرطتهن وخواتمهن. أخرجه مسلم ٢/ ٦٠٣، كتاب صلاة العيدين، رقم ٨٨٥، وابن خزيمة ٢/ ٣٥٧، رقم ١٤٦٠.
يصير في حد المنع (١) لما يجب (٢). وهذا هو المحمود من النفقة: أن تكون في غير إسراف ولا تقتير (٣).
وذُكر أن عبد الملك بن مروان، دخل على عمر بن عبد العزيز، بعد ما زوجه ابنته، فقال له: كيف نفقتك على عيالك؟ قال: الحسنة بين السيئتين، قال: كيف ذاك؟ قال: كما قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ
(١) في (ج): (المانع).
(٢) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٤٩. وظاهر هذا أن الإنفاق أريد به الإنفاق الواجب، ولم يرتض ابن عاشور ١٩/ ٧١، هذا فقال: أريد بالإنفاق هنا الإنفاق غير الواجب، وذلك إنفاق المرء على أهله، وأصحابه؛ لأن الإنفاق الواجب لا يذم الإسراف فيه، والإنفاق الحرام لا يُحمد مطلقاً بَلْه أن يذم الإقتار فيه، على أن في قوله: {إِذَا أَنْفَقُوا﴾ إشعاراً بأنهم اختاروا أن ينفقدا ولم يكن واجباً عليهم.
(٣) قال الهواري ٣/ ٢١٨: ذكروا أن هذه أنزلت في أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وصفهم الله بهذه الصفة، كانوا لا يأكلون طعاماً يريدون به نعيماً، ولا يلبسون ثوباً يريدون به جمالاً، وكانت قلوبهم على قلب واحد. وأخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ٣٨، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٥، عن يزيد بن أبي حبيب. وليس معنى هذا أنه لا يجوز التوسع في الملبس، والمأكل، والمسكن، بل الضابط في ذلك: التوسط، فاتخاذ الرجل الثوب للجمال، يلبسه عند اجتماعه مع الناس، وحضوره المحافل والجمع والأعياد، دون ثوب مهنته، أو أكله من الطعام ما قواه على عبادة ربه، مما ارتفع عما قد يسد الجوع فذلك خارج عن معنى الإسراف، بل ذلك من القوام؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أمر ببعض ذلك، وحض على بعضه، كقوله -صلى الله عليه وسلم-: "مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِن وَجَدَ أَوْ مَا عَلَى أَحَدِكُمْ إِنْ وَجَدْتُمْ أَنْ يَتَّخِذَ ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مِهْنَتِهِ" أخرجه أبو داود ١/ ٦٥٠، كتاب الصلاة، رقم ١٠٧٨. وابن ماجه ١/ ٣٤٩، كتاب الصلاة، رقم: ١٠٩٦. وصححه الألباني، "صحيح سنن أبي داود" ١/ ٢٠١. وعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ الله يُحِبَّ أَنْ يَرَى أثَرَ نِغَمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ". قَالَ الترمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. "سنن الترمذي" ٥/ ١١٤، كتاب الأدب، رقم: ٢٨١٩. وقد بين ذلك ابن جرير ١٩/ ٣٩.
﴿يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (١). وعد عمر -رضي الله عنه- من السرف: أن لا يشتهي الرجل شيئًا إلا أكله، وقال: كفى بالمرء سرفًا أن يأكل كل ما يشتهي (٢). وهذا القول هو الاختيار في تفسير هذه الآية (٣).
(١) ذكر هذه القصة الزمخشري ٣/ ٢٨٥، وابن عطية ١١/ ٧١، والقرطبي ١٣/ ٧٣. وأخرج نحو قول عمر ابن عبد العزيز، ابن جرير ١٩/ ٣٨، عن قتادة، ويزيد بن مرة الجعفي. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٧، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير: العلم خير من العمل، وخير الأمور أوساطها، والحسنة بين السيئتين، ذلك بأن الله عز وجل يقول: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ يقول: سيئة ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يقول: سيئة ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ يقول: حسنة.
(٢) أخرجه ابن ماجه ٢/ ١١١٢، كتاب الأطعمة، رقم: ٣٣٥٢. وأورده ابن الجوزي في "الموضوعات" ٢/ ٢٢٩، والسيوطي في "اللآلئ" ٢/ ٢٤٦، والألباني، في "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ١/ ٢٧٢. وقد ذكروه جميعاً من طريق الحسن، عن أنس مرفوعاً، وليس بموقوف. وأخرجه عبد الرزاق، في التفسير ٢/ ٧١، عن عمر، وفي إسناده رجل لم يسم، ومن طريقه أخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٣ أ. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٦، من طريق آخر، من كلام الحسن، وليس بموقوف على عمر، وفي إسناده رجل لم يسم. وذكره الزمخشري ٣/ ٢٨٥، عن عمر. وحكم عليه بالانقطاع ابنُ حجر، "الكاف الشاف"، بحاشية الكشاف ٣/ ٢٨٥. فتبين بهذا أنه لم يثبت هذا القول؛ وعليه فلا يدخل في السرف أكل الإنسان من الشيء يشتهيه إذا لم يترتب على ذلك ارتكاب مخالفة شرعية، أو التقصير في واجب. والله أعلم.
(٣) يعني الواحدي بالقول الذي اختاره: النفقة المتوسط فيها بين الإسراف والتقتير. واختار هذا القول قبله الثعلبي ٨/ ١٠٢ ب، فقال: وقال قوم: السرف مجاوزة الحد في النفقة، والإقتار: التقصير عما ينبغي مما لابد منه. وهذا الاختيار. وقال ابن عطية ١١/ ٧١: وإنما التأديب في هذه الآية هو في نفقة الطاعات في المباحات، فأدب الشارع فيها ألاَّ يفرط الإنسان حتى يضيع حقاً آخر أو عيالاً ونحو هذا، وألاَّ يضيق أيضاً ويقتر حتى يجيع العيال ويفرط في الشح... ولهذا ترك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر الصديق رضي الله عنه يتصدق بجميع ماله؛ لأن ذلك وسط بنسبة =
وروى الضحاك عن ابن عباس، في هذه الآية، قال: من أنفق مائة ألف في حق فليس بسرف، ومن أنفق درهمًا في غير حق فهو سرف، ومن منع من حق فقد قتر (١).
وقال سفيان في هذه الآية: لم يضعوا في غير حقه، ولم يقصروا عن حقه. وقال الحسن: لم ينفقوا في معاصي الله، ولم يمسكوا عن فرائض
= جَلَدِه وصبره، في الدين، ومنع غيره من ذلك. ونقله القرطبي ١٣/ ٧٣، ولم يعترض عليه. واستظهر هذا القول الشنقيطي ٦/ ٣٥١.
(١) قال مجاهد: لو أنفقت مثل أبي قبيس ذهباً في طاعة الله ما كان سرفاً، ولو أنفقت في معصة الله كان سرفاً. "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٣٧. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٣٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٥، ٢٧٢٦، عن ابن عباس من طريق علي بن أبي طلحة: هم المؤمنون لا يسرفون فينفقدن في معصية الله، ولا يُقترون فيمنعون حقوق الله تعالى. وأخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ٣٧، عن ابن جريج، وابن زيد. وعلى هذا الإسراف: النفقة في معصية الله؛ ولكن يشكل على هذا تجاوز الحد في المباح، أو الطاعة، كإكرام الضيف، ونحوه، فهل يسمى هذا سرفاً أم لا؟ ولعل الصواب في ذلك أن يقال: التبذير: الإنفاق في معصية الله، قليلاً كان أو كثيرًا، والإسراف: تجاوز الحد في المباح، والتقتير: المنع من الواجب. ويدل لهذا التفصيل قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] وقَول النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- "كُلُوا وَاشْرَبُوا وَالْبَسُوا وَتَصَدَّقُوا في غَيْرِ إِسْرَافٍ وَلا مَخِيلَةٍ". وَقَالَ ابْنُ عَبَّاس: كُلْ مَا شِئْتَ وَالْبَسْ مَا شِئْتَ مَا أَخْطَأَتْكَ اثْنَتَانِ سَرَفٌ أَوْ مَخِيلَةٌ. أخرج البخاري الحديث المرفوع والموقوف معلقاً بصيغة الجزم، في كتاب اللباس، "فتح الباري" ١٠/ ٢٥٢. وأخرج المرفوع ابن ماجه ٢/ ١١٩٢، كتاب اللباس، رقم ٣٦٠٥، والنسائي، "السنن الكبرى" ٢/ ٤١، كتاب الزكاة، رقم ٢٣٤٠، وحسنه الألباني، "صحيح سنن ابن ماجه" ٢/ ٢٨٤، رقم ١٩٠٤. وبهذا تجتمع أقوال السلف، وعباراتهم في التفريق بين ذلك. والله أعلم. وذكر أقوالهم: ابن جرير ١٥/ ٧٢، وذكرها الواحدي في "الوسيط" ١٩/ ٣٨، وابن كثير ٦/ ١٢٤. وهو اختيار ابن جرير ٣٨/ ١٩.
الله (١). وهذا أيضًا قول جيِّد. وما سوى هذين القولين مما ذكر في تفسير هذه الآية لا وجه له.
قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ أي: بين الإسراف والإقتار (٢) ﴿قَوَامًا﴾ القِوام من العيش: ما أقامك وأغناك. وقِوام الجسم: تمامه، وقِوام كلِّ شيء ما استقام به (٣). قال سفيان: عدلاً (٤). وقال مقاتل: مقتصدًا (٥). وقال الفراء: القَوام قَوام الشيء بين الشيئين. قال: وفي نصب: القَوام وجهان؛ أحدهما: أن يضم الاسم، من الإنفاق، على تقدير: وكان إنفاقهم قوامًا بين ذلك، وإن شئت جعلت ﴿بَيْنَ﴾ في معنى رفع كما تقول: كان دون هذا كافيًا. تريد: أقلّ من هذا فيكون معنى قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ وكان الوسط قوامًا (٦).
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٧، بنحوه. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٥: لم ينفقوا في المعصية، ولم يمنعوا من الحق. وذكر نحوه، الهواري ٣/ ٢١٧، ولم ينسبه. وأخرج نحوه ابن جرير ١٩/ ٣٩، عن ابن زيد.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠٥.
(٣) "تهذيب اللغة" ٩/ ٣٦٠ (قام). قال ابن جرير ١٩/ ٣٩: القَوام، في كلام العرب، بفتح القاف، هو: الشيء بين الشيئين... فأما إذا كسرت القاف، فقلت: إنه قوام أهله، فإنه يعني به: أنه به يقوم أمرهم وشأنهم. وقال ابن جني: القَوام، بفتح القاف: الاعتد الذي الأمر.. وأما القِوام، بكسر القاف، فإنه مِلاك الأمر، وعِصامه. "المحتسب" ٢/ ١٢٥.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٧، عن سفيان، عن الأعمش. ونسبه الماوردي ٤/ ١٥٦، للأعمش. قال ابن العربي، في تفسير العدل: وهو أن ينفق الواجب، ويتسع في الحل الذي غير دوام على استيفاء اللذات في كل وقت من كل طريق. "أحكام القرآن" ٣/ ٤٥٣.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٧.
(٦) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٣. وذكره بنصه، ابن جرير ١٩/ ٤٠، ولم ينسبه. =
٦٨ - وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ (١) روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن ناسًا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة؟ فنزلت هذه الآيات (٢).
= واعترض على هذا النحاس، فقال: ما أدري ما وجه هذا؛ لأن بين إذا كانت في موضع رفع رفعت، كما يقال: بين عينيه أحمرُ، فترفع بين. إعراب القرآن ٣/ ١٦٨. وقال الرازي ٢٤/ ١١٠: وهذا التأويل ضعيف؛ لأن القوام هو الوسط، فيصير التأويل: وكان الوسط وسطاً، وهذا لغو. وذكر نحوه البيضاوي ٢/ ١٤٧. وفي "المحتسب" ٢/ ١٢٥: فقوام إذاً: تأكيد وجارٍ مجرى الصفة.
(١) أخرج البخاري، كتاب التفسير، رقم ٤٧٦١، عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: سالت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أي الذنب عند الله أكبر؟ قال: "أن تجعل لله نداً وهو خلقك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني بحليلة جارك". قال: ونزلت هذه الآية تصديقاً لقول رسول الله ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ "فتح الباري" ٨/ ٤٩٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، رقم: ٤٨١٠، فتح الباري ٨/ ٥٤٩. ومسلم ١/ ١١٣، كتاب الإيمان، رقم ١٢٢. وابن جرير ١٩/ ٤١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٢٨. وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٣ أ. وأخرجه الواحدي، بسنده في "أسباب النزول" ٣٣٥، وذكر تخريج مسلم له فقط. وأخرج البخاري، كتاب التفسير، رقم ٤٧٦٤، عن سعيد بن جبير، قال: قال ابن أبزى: سئل ابن عباس عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ فسألته فقال: لما نزلت قال أهل مكة: فقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأتينا الفواحش. فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فتح الباري ٨/ ٤٩٤. قال ابن حجر: ابن أبزى. بموحدة وزاي مقصورة، واسمه: عبد الرحمن، وهو صحابي صغير. وذكر هذا الخبر الواحدى في "الوسيط" ٣/ ٣٤٦. ذكر الواحدي في "أسباب =
........................
= النزول" ٣٣٤، ثلاثة أسباب لنزول هذه الآية؛ منها هذا، والثاني: حديث ابن مسعود، أي الذنب أعظم.. الخ. والثالث: أنها نزلت في وحشي، قاتل حمزة رضي الله عنهما، وذكر هذه الأقوال الثلاثة: ابن الجوزي ٦/ ١٠٣، ثم قال: وهذا وحشي قاتل حمزة، وفي هذا الحديث المذكور عنه نظر، وهو بعيد الصحة، والمحفوظ في إسلامه غير هذا، وأنه قدم مع رسل الطائف فأسلم من غير اشتراط. فائدة في بيان ما ورد عن ابن عباس -رضي الله عنهما- حول توبة القاتل المتعمد. قال ابن حجر: وحاصل ما في هذه الروايات، أن ابن عباس -رضي الله عنهما- كان تارة يجعل الآيتين في محل واحد، فلذلك يجزم بنسخ إحداهما، وتارة يجعل محلهما مختلفاً، ويمكن الجمع بين كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خص منها مباشرةُ المؤمن القتل متعمداً، وكثير من السلف يطلقون النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض، وأولى من القول: إنه قال بالنسخ ثم رجع عنه، وقول ابن عباس -رضي الله عنهما- بأن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً لا توبة له مشهور عنه. ومثل هذا أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣١، عن عمر بن عبد العزيز: كل شيء في القرآن خلود، فإنه لا توبة له. ثم ذكر ابن حجر قول جمهور السلف، وأهل السنة، في تصحيح توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله تعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أي: إن شاء الله أن يجازيه، تمسكاً بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨، ١١٦] ومن أدلتهم حديث الإسرائيلي الذي قتل مائة نفس، فقال له العالِم: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ وإذا ثبت ذلك لمن قبلُ من غير هذه الأمة فمثله لهم أولى؛ لما خفف الله عنهم من الأثقال التي كانت على من قبلهم. "فتح الباري" ٨/ ٤٩٦. وجعل ابن كثير ٦/ ١٢٧، آية النساء مطلقة، محمولة على من لم يتب، وآية الفرقان مقيدة بالتوبة.
والذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن تمسك ابن عباس رضي الله عنهما بظاهر الآية لما اشتهر في زمنه من الفتن، وما يحدث فيها من سفك الدماء، ويشهد لهذا قول سعيد بن جبير: اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن، فدخلت فيه على ابن عباس -رضي الله عنهما- فقال: نزلت في آخر ما نزل ولم ينسخها شيء. أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: ٤٧٦٣، الفتح ٨/ ٤٩٣.
قال ابن جرير ٩/ ٦٩، (تح: محمود شاكر): وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، =
وقوله: ﴿وَمَن يَقعَل ذَلِكَ﴾ قال مقاتل: هذه الخصال جميعًا (١).
= قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمناً متعمداً، فجزاؤه إن جازاه جهنم خالداً فيها، ولكنه يعفو ويتفضل على أهل الإيمان به وبرسله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إياها ثم يحرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين، بقوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] قال النووي، في "شرح صحح مسلم" ١٧/ ٨٢: هذا مذهب أهل العلم، وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس -رضي الله عنهما- وأما ما نقل عن بعض السلف من خلاف هذا فمراد قائله الزجر عن سبب التوبة، لا أنه يعتقد بطلان توبته. قال ابن عطية ١١/ ٧٣: وبالقتل والزنى يدخل في هذه الآية العصاة من المؤمنين، ولهم من الوعيد بقدر ذلك.
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ أ. وبه قال ابن جزي ٤٨٨، وأبو حيان ٦/ ٤٧٢، ثم قال: فيكون التضعيف مرتباً على مجموع هذه المعاصي، ولا يلزم ذلك التضعيف على كل واحد منها؛ ولا شك أن عذاب الكفار يتفاوت بحسب جرائمهم. وجعل ابن عاشور ١٩/ ٧٤، ذلك هو المتبادر من الآية، واستدل على صحته بتضعيف العذاب الذي لا يكون إلا على مجموع هذه الأفعال. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٥: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ استحلالاً. وأخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٠، عن سعيد بن جبير، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ من هذه الآيات الثلاث. فظاهر من كلام سعيد بن جبير تعليق الأثام على من فعل هذه المنكرات، أو بعضها، خلافاً لما ذكره الواحدي عن مقاتل، وذهب إلى قول ابن جبير الماوردي ٤/ ١٥٧، والبغوي ٦/ ٩٦، ولم ينسباه، ويدل عليه ما ورد من الوعيد على من فعل بعض هذه المعاصي استقلالاً، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ [المائدة: ٧٢] وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا﴾ [النساء ٩٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٣٢]. فالجمع بين هذه المعاصي الثلاث في الآية، وفي حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- المتقدم يدل على عظم هذه المعاصي الثلاث وشناعتها، فتحريم القتل فيه حفظ للنفس، وتحريم الزنا فيه حفقاللآعراض والأنساب، وينشأ عن تساهل الناس في =
﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ قال يونس وأبو عبيدة: يلق عقوبة (١). وأنشد أبو عبيدة؛ فقال:
جزى الله ابنَ عروةَ حيثُ أمسى عَقُوقًا والعُقوق له أثام (٢)
أي: عقوبة مجازاة العقوق (٣).
وقال أبو عمرو الشيباني: يقال: لقي فلان آثام ذلك، أي: جزاء ذلك (٤). ونحو هذا قال الفراء: أَثَمَه الله يأثِمُه إثمًا وأثامًا، أي: جازاه جزاء الإثم، والعبد مأثوم أي: مجزي جزاء إثمه، وأنشد:
= القتل والزنا فساد كبير ظاهر. والله أعلم. وقد جعل الطوسي ٧/ ٥٠٨، عودَ الضمير إلى كل واحد من المعاصي المذكورة قولَ أهل الوعيد، وأما أهل الإرجاء فيجعلونه راجعاً إلى الجميع، ويجوز أن يكون راجعاً إلى الكفر وحده. ا. هـ ولا ينافي رجوع الضمير لكل واحدة من هذه المعاصي قبول التوبة. والله أعلم.
(١) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٨١، وذكر قول يونس، الأزهري "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٦٠. وقال به ابن قتيبة "غريب القرآن" ٣١٥. والغزنوي "وضح البرهان" ٢/ ١٦٢.
(٢) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٨١ ونسب البيت لبلعاء بن قيس الكناني. وأنشده ابن قتيبة، في الغريب ٣١٥، ولم ينسبه. وذكره ابن جرير ١٩/ ٤٠، منسوبًا لبلعاء. وذكره الأزهري، في "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٦٠ (أثم)، ولم ينسبه، ولم يذكر أبا عبيدة، ولا إنشاده البيت. وذكره أبو علي، في "الحجة" ٥/ ٣٥١، من إنشاد أبي عبيدة، لكنه نسبه لمسافع العبسي، وفي نسخة أخرى: مسافع الليثي، وهي موافقة لما عند الثعلبي ٨/ ١٠٣ ب. قال أبو علي: وابن عروة: رجل من بني ليث كان دل عليهم ملكاً من غسان فأغار عليهم.
(٣) "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٦١ (أثم)، بنصه.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٦. وفيه: إثام، بكسر الهمزة. وذكره الأزهري، في "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٦٠ (أثم)، وأبو على، في "الحجة" ٥/ ٣٥٢، منسوبًا عندهم لأبي عمرو الشيباني.
وهل يَأثَمنِّي الله في أن ذكرتُها وعَلَّلْتُ أصحابي بها ليلةَ النَّفر (١)
معناه: هل يجزيني الله جزاء إثمي بأن ذكرت هذه المرأة في غنائي (٢).
وقال أبو إسحاق: تأويل الأثام: المجازاة، قال: وسيبويه، والخليل، يذهبان إلى أن معناه: يلق جزاء الأثام (٣). واختار أبو علي، هذا القول، وجعله من باب حذف المضاف؛ قال: ومثله مِن حذف الجزاء الذي هو مضاف، قوله تعالى: ﴿تَرَى الظَّالِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٢٢] أي: من جزاء ما كسبوا (٤) لقوله: ﴿وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ هذا قول أهل اللغة، في معنى الأثام؛ وهو قول ابن عباس، لما سأله نافع بن الأزرق، عن الأثام، قال: الجزاء، وأنشد لعامر بن الطفيل:
وروَّينَا الأسنَّة من صُداءٍ ولاقتْ حمير منا أثاما (٥)
(١) لم أجده في "معاني القرآن" للفراء، عند هذه الآية، وإنما ذكره الأزهري، في "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٦١ (أثم)، من إنشاد الفراء، ولم ينسبه. وقال المحقق: في نسبة البيت خلاف، والمرجح أنه لنصيب بن رياح الأسود الحكمي. يقال: يوم النفر وليلة النفر لليوم الذي ينفر الناس فيه من مني، وأنشد البيت للدلالة على ذلك ابن منظور، "لسان العرب" ٥/ ٢٢٥ (نفر)، ونسبه لنُصَيب بن الأسود.
(٢) لم أجده في معاني القرآن، عند كلامه عن هذه الآية. وقد ذكره بنصه، الأزهري، في "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٦٠.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٦. وذكره في "تهذيب اللغة" ١٥/ ١٦٠ (أثم). قال سيبويه "الكتاب" ٣/ ٨٧: وسألته [يعني الخليل] عن قوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فقال: هذا كالأول؛ لأن مضاعفة العذاب هو لُقيُّ الأثام.
(٤) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥١، بمعناه.
(٥) لم أجده في "غريب القرآن في شعر العرب"، الذي جمع سؤالات نافع بن الأزرق. وقد أنشده ابن الأنباري، "الدر المنثور" ٦/ ٢٧٨. الأسنة: جمع سنان، وهو: =
وقال السدي: يلق أثامًا: جزاء (١).
وأما المفسرون، فإنهم يقولون: أثام: واد في جهنم من دم وقيح. وهو قول مجاهد، ومقاتل (٢).
وقال شفي بن ماتع (٣)، في هذه الآية: إن في جهنم واديًا يُدعى: أثامًا، فيه حيات وعقارب، في فقار (٤) أحدهن، سبعون قلة سم، والعقرب فيها (٥) مثل البغلة الموكفة (٦).
= الرمح. "تهذيب اللغة" ١٢/ ٣٠٢ (سنن). وصداء: حي من اليمن. "تهذيب اللغة" ١٢/ ٢١٩ (صدي). وحمير: اسم، وقيل هو أبو ملوك اليمن، وإليه تنتهي القبيلة، ومدينة ظفار كانت لحمير. "تهذيب اللغة" ١٢/ ٦٠ (حمر).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٠. وذكر ابن كثير ٦/ ١٢٦، عنه بدون إسناد. ثم قال ابن كثير: وهذا أشبه بظاهر الآية، وبهذا فسره بما بعده مبدلاً منه، وهو قوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
(٢) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٦. وأخرجه عنه ابن جرير ١٩/ ٤٤. وتفسير مقاتل ٤٧ أ. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٤ عن عبد الله بن عمرو، وعكرمة، وقتادة. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٠، عن عبد الله بن عن مجاهد، وسعيد بن جبير، فبي إحدى الروايات، وعكرمة مثل ذلك. ثم أخرجه بسنده عن قتادة. وأما الهواري ٣/ ٢١٨، فقال: كنا نحدث أنه راد في جهنم. وذكر فيه قولًا آخر، وهو: نكالًا.
(٣) شفي، بالتصغير، ابن ماتع الأصبحي، من التابعين، ثقة، أرسل حديثًا كثيرًا، مات في خلافة هشام بن عبد الملك، سنة ١٠٥ هـ."جامع التحصيل في أحكام المراسيل" ص ٢٣٨، "تقريب التهذيب" ص ٤٣٩.
(٤) الفقار: خرز الظهر. تهذيب اللغة ٩/ ١١٤ (فقر).
(٥) في (ج): (منه)، وفي "الدر المنثور" ٦/ ٢٧٦: منهن.
(٦) أخرجه ابن المبارك في "الزهد"، كما في "الدر المنثور" ٦/ ٢٧٦. وقد بحثت عنه في كتاب الزهد، لابن المبارك، فلم أجده. وقوله: الموكفة الوكف: الثقل والشدة. يقال: شاه وكوف، أي: غزيرة اللبن، وكذلك: متحة وكوف ونافة وكوف، أي: غزيرة. "تهذيب اللغة" ١/ ٣٩٣، و"اللسان" ٩/ ٣٦٣ (وكف).
وهذا قول عبد الله بن عمرو بن العاص (١) وروي أبو أمامة الباهلي حديثًا طويلًا فيه أن الغي والأثام بئران يسيل فيهما صديد أهل النار (٢).
٦٩ - وقوله: ﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أكثر القراء الجزم في ﴿يُضَاعَفْ﴾ ﴿وَيَخْلُدْ﴾ (٣) على البدل، من الفعل الذي هو جزاء الشرط، وهو قوله: ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ وذلك أن تضعيف العذاب لُقِيُّ جزاء الأثام في المعنى (٤)، فلما كان إيَّاه أُبدل منه، كما قال:
إن يَجْبُنُوا أو يَغدِروا أو يبخلوا لا يحفلوا
يغدوا عليك مُرَجَّليـ ـن كأنهم لم يفعلوا (٥)
(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٤، بلفظ: الأثام: واد في جهنم.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٤. مرفوعًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-. وأخرجه ١٩/ ٤٥، موقوفًا على أبي أمامة، بنحو سياقه. وأخرجه مرفوعًا الطبراني، "المعجم الكبير" ٨/ ١٧٥، رقم: ٧٧٣١، وكذا الثعلبي ٨/ ١٠٣ ب، كلهم من طريق محمد بن زياد الكلبي، عن شرقي بن القطامي، عن لقمان بن عامر. قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه ضعفا، قد وثقهم ابن حبان، وقال: يخطئون. "مجمع الزوائد" ١٠/ ٣٨٩.
(٣) قرأ ابن كثير: ﴿يُضعَّف﴾ بتشديد العين، بغير ألف، مع الجزم في الكلمتين. والجزم مع الألف قراءة حفص عن عاصم، ونافع، وأبي عمرو، وحمزة والكسائي. وقرأ ابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر بالرفع في الموضعين. "كتاب السبعة في القراءات" ص ٤٦٧، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٠، و"النشر" ٢/ ٣٣٤.
(٤) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٠. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٦. بمعناه. و"إعراب القراءات السبع وعللها" ٢/ ١٢٦. ونسبه النحاس "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٨، والأزهري، "معاني القراءات" ٢/ ٢١٩، لسيبويه، وهو بنصه في "الكتاب" ٣/ ٨٧.
(٥) أنشدهما سيبويه، "الكتاب" ٣/ ٨٧، ونسبهما لبعض بني أسد، ولم يسمه. وذكر البيتين، أبو علي في "الحجة" ٥/ ٣٥١، ولم ينسبهما. وذكرهما ابن جني، "المحتسب" ٢/ ٧٥، وعزاهما لشاعر جاهلي قديم. وابن الأنباري، في "البيان =
فغدوهم مُرَجَّلين في المعنى، تركٌ للاحتفال. وهذا مثل إبدال ﴿يُضَعِفُ﴾ وقد أبدل من الشرط كما أبدل من جزائه، وذلك في قوله:
متى تأتنا تُلْممْ بِنا في ديارنا تَجدْ حَطبًا جَزْلًا ونارًا تأجَّجَا (١)
فأبدل: تُلمم، من: تأتنا؛ لأن الإلمام إتيان في المعنى (٢).
وأما من رفع فإنه لم يُبدل ولكنه قطعه مما قبله واستأنف (٣).
٧٠ - وقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ قال ابن عباس: نزلت هذه الآية بمكة؛ وكان المشركون قالوا: [ما يغني عنا اتباعك، وقد عدلنا بالله، وقتلنا النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأتينا الفواحش، فنزلت: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية (٤).
وقال السدي: قال المشركون]: (٥) كيف نتبعك يا محمد وأنت تقول:
= في إعراب القرآن" ٢/ ٢٥٨، و"الإنصاف" ٢/ ٥٨٤، ولم ينسبهما. وفي حاشية الإنصاف: الشاهد قوله: لا يحفلوا يغدوا عليك، فإن الفعل الثاني: يغدوا مجزوم؛ لأنه بدل من الفعل الأول، وهو: لا يحفلوا، وتفسير له. ويحفلوا مأخوذ من قول العرب: ما أحفل بفلان، أي: ما أبالي به. "تهذيب اللغة" ٥/ ٧٦ (حفل). والمرجَّل: الشَعْر المسَرَّح. "تهذيب اللغة" ١١/ ٣٤ (رجل).
(١) أنشده سيبويه، "الكتاب" ٣/ ٨٦، ولم ينسبه. وكذا الزجاج ٤/ ٧٦، وفيه: وناراً توقدا. وفي الحاشية: لم أقف على قائل البيت. وقال: الشاهد فيه: وقوع تلمم بدلاً من تأتنا. وأنشده كذلك أبو علي، في "الحجة" ٥/ ٣٥١. وابن الأنباري، "الإنصاف" ٢/ ٥٨٣. والبغدادي، "الخزانة" ٣/ ٦٦٠، وعزاه لعبد الله بن الحر.
(٢) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٠. وهو في "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٦، بمعناه.
(٣) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٢. و"معاني القراءات" للأزهري ٢/ ٢١٩. قرأ بالرفع في الموضعين: عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر. "كتاب السبعة في القراءات" ص ٤٦٧. و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٠.
(٤) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٢.
(٥) ما بين المعقوفين، في (ج).
من أشرك أو زنا أو قتل فهو في النار؟ فأنزل الله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾. وذكر ابن عباس: أن هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] وقال: التي في هذه السورة لمن كان مشركًا ثم تاب وآمن، فأما من دخل في الإسلام، وعقل ثم قتل فلا توبة له (١). وقال: هذه مكية، نسختها آية مدنية وهي التي في سورة النساء (٢). ونحو هذا قال زيد بن ثابت: نزلت الغليظة، بعد اللينة بستة أشهر، فنسخت الغليظة اللينة (٣).
وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعم الذي الإسلام؛ بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل المشركين، وبالزنا عفة وإحصانًا. قاله ابن عباس، ومجاهد، والسدي، والضحاك، وابن زيد، وسعيد بن جبير (٤).
(١) أخرجه ابن جرير ٩/ ٦٥، تح: محمود شاكر. وأخرجه أيضًا في ١٩/ ٤٢، وفيه: قال سعيد بن جبير: فذكرته لمجاهد، فقال: إلا من ندم.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب التفسير، رقم: ٤٧٦٢، "الفتح" ٨/ ٤٩٢، ومسلم ٤/ ٢٣١٨، كتاب التفسير، رقم: ٢٠٢٣. وابن جرير ١٩/ ٤٤.
(٣) أخرج ابن جرير ٩/ ٦٨، تح: محمود شاكر. قال ابن عطية ١١/ ٧٥: ولا خلاف بين العلماء أن الاستثناء عامل في الكافر والزاني، واختلفوا في القاتل من المسلمين.
(٤) أخرج ابن جرير ١٩/ ٤٦، عن ابن عباس، من ثلاثة طرق، وأخرجه كذلك عن الضحاك، وسعيد بن جبير، وابن زيد، ومجاهد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من طريقين، وعن سعيد، من طريقين، والحسن، وعطاء، وقتادة وذكره الثعلبي عن جميع من ذكر الواحدي. قال مقاتل ٤٧ أ: والتبديل من العمل السيئ إلى العمل الصالح. واختار هذا القول ورجحه ابن جرير ١٩/ ٤٦. قال الزجاج ٤/ ٧٦: ليس أن السيئة بعينها تصير حسنة، ولكن التأويل أن السيئة تمحى بالتوبة، وتكتب الحسنة مع التربة. فيكون التبديل على هذا القول في الدنيا. "تفسير البغوي" ٦/ ٩٧.
وذهب قوم إلى أن الله تعالى يمحو السئية عن العبد، ويثبت له بدلها الحسنة بحكم هذه الآية. ويحتجون بما روى أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "ليتمنين أقوام أنهم أكثروا من السيئات! قيل: من هم؟ قال: الذين بدل الله سيئاتهم حسنات" (١). وهذا مذهب سعيد بن المسيب، ومكحول، وعمرو بن ميمون، قال سعيد: صيَّر سيئاتهم حسنات لهم يوم القيامة (٢).
(١) أخرجه الحاكم ٤/ ٢٨١، كتاب التوبة والإنابة، رقم: ٧٦٤٣. وقال: إسناده صحيح ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٤ أ، مرفوعاً للنبي -صلى الله عليه وسلم-. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣، موقوفاً على أبي هريرة، كلهم من طريق أبي العنبس عن أبيه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- لكن متن ابن أبي حاتم مختلف، ولفظه: "ليأتين الله بأناس يوم القيامة رأوا أنهم قد استكثروا من السيئات، قيل: من هم يا أبا هريرة؟ قال: الذين يبدل الله بسيئاتهم حسنات". وأبو العنبس، هو: سعيد بن كثير. الحاكم ٤/ ٢٨١. وحسن إسناده الألباني، في "السلسة الصحيحة" ٥/ ٢٠٩، رقم: ٢١٧٧.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٧، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣، بنحوه. وساقا بإسنادهما حديثاً مرفوعاً، من رواية أبي ذر -رضي الله عنه- وفيه "فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هاهنا، قال: فضحك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى بدت نواجذه، قال: فيقال له: لك مكان كل سيئة حسنة". وأخرجه مسلم ١/ ١٧٧، كتاب الإيمان، رقم: ١٩٠، من الطريق نفسه، وأخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٤ أ، والواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٤٧، وصححه. وذكر خبراً ثالثاً يدل على ذلك.
ولم يرجح الواحدي -رحمه الله- أحد هذين القولين، وكذا السمرقندي، في تفسيره ٢/ ٤٦٧، مع ذكرهم لهذا الحديث، وهو ظاهر مع الذي قبله في أن التبديل حقيقي، ولا عبرة بقول من أنكره، وأما القول بأن المراد تغير أعمالهم في الدنيا من الفساد إلى الصلاح فلا ينافي هذا القول فإن هذا في الدنيا، والتبديل في الآخرة، كما هو ظاهر من سياق الحديث. والله أعلم. والعجب من الواحدي الذي أورد هذا الحديث، هنا، وفي "الوسيط" مع غيره مما يؤيد معناه، ومع ذلك فقد اقتصر في "الوجيز" ص ٧٨٤، على القول الأول، ولم يذكر القول الثاني. ومثله =
وقال مكحول: يغفرها الله لهم فيجعلها حسنات (١). وقال عمرو بن ميمون: يتمنى العبد أن سيئاته أكثر مما هي (٢).
وقوله: ﴿وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال ابن عباس ومقاتل: ﴿غَفُورًا﴾ لما صنعوا في الشرك ﴿رَحِيمًا﴾ بهم في الإسلام (٣).
٧١ - [قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: ومن آمن: يريد رجلاً قبل هؤلاء ممن كان
= أبو السعود ٦/ ٢٣٠. وذكر القولين العز، في تفسيره ٢/ ٤٣٢. ومال القرطبي ١٣/ ٧٨، إلى القول بان التبديل حقيقي. واقتصر عليه البرسوي ٦/ ٢٤٧. واختاره ابن عاشور ١٩/ ٧٦. وقد تكلم ابن القيم، على هذه المسألة بتوسع، وذكر حجج الفريقين، ثم خلص إلى الجمع بينهما؛ فقال: وعلى هذا فقد زال بحمد الله الإشكال، واتضح الصواب، وظهر أن كل واحدة من الطائفتين ما خرجت عن موجب العلم والحجة. "طريق الهجرتين" ص ٤٥٠.
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٥.
(٢) والقول بأن التبديل حقيقي، ذكره ابن أبي حاتم، عن سلمان -رضي الله عنه- وعلي بن الحسين. وأما ما أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٣، عن أبي العالية، أنه قيل له: إن ناساً يقولون: ودوا أنهم استكثروا من الذنوب؟ فقال أبو العالية: ولمَ يقولون ذلك؟ قيل: يتأولون هذه الآية: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فاستعاذ بالله من الشيطان الرجيم، ثم تلا هذه الآية: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران:٣٠]. فهذا القول منه استنكار لقولهم هذا في الدنيا، فإنه لا يجوز للمسلم أن يتمنى أن يكون قد أكثر من المعصية بهذه الحجة، بل الواجب أن يكون حاله الشفقة، والخوف، فأنكر عليهم أبو العالية ذلك، والآية التي ذكرها في من مات ولم يتب من سيئاته. والله أعلم. وذكر النحاس قولاً آخر في التبديل، وحسنه؛ فقال: ومن حسن ما قيل فيه: أنه يكتب موضح كافر: مؤمن، وموضع عاصٍ: مطيع. إعراب القرآن ٣/ ١٦٩. وهو مخالف لظاهر الآية. والله أعلم.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ أ.
آمن من أهل مكة، وهاجر ولم يكن قتل، ولا زنا ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يريد الفرائض] (١) ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ يريد: أي فضلتهم وقدمتهم على من قاتل نبيي عليه السلام، واستحل محارمي (٢).
وعلى هذا معنى الآية: من آمن وأدى ما افتُرض عليه، ولم يكن ممن قتل وزنا، فإنه يصير إلى ما آتاه الله من التفضيل والتقديم على من قتل وزنا ثم تاب. وقال الكلبي: ومن تاب من الشرك وعمل صالحًا بعد التوحيد فإنه يتوب إلى الله متابًا، يقول: يجد عند الله متابًا (٣).
وقال مقاتل: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ من الشرك ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ يعني: مناصحًا (٤) لا يعود في شركه، ولا إلى ذلك الذنب (٥).
هذا ما ذكره أهل التفسير في هذه الآية؛ وهو غير مقنع، ولا شاف. وكشف أرباب المعاني عن معنى الآية؛ قال صاحب النظم: ليس في نظم العرب، أن يقولوا: من قام وصلى فإنه يصلي صلاة؛ لأنه ليس في ظاهره فائدة إلا بأن يكونا مختلفين في المعنى، فالتأويل -إن شاء الله-: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فإنه يرجع يوم القيامة إلى الله عز وجل فيكافئه ويثيبه بعمله. وعلى هذا التوبة الأولى: رجوع عن الشرك والمعصية، والثانية: رجوع إلى الله للجزاء والمكافأة، كقوله: {قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ
(١) ما بين المعقوفين، ساقط من: (ج).
(٢) ذكره الواحدي، في "الوسيط" ٣/ ٣٤٧، بسياق قريب من هذا.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٥، بلفظ: يجد ثوابها عند الله.
(٤) الناصح: الخالص. "تهذيب اللغة" ٤/ ٢٥٠ (نصح)، و"لسان العرب" ٢/ ٦١٥.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب، وعلى هذا فالتوبة في الآية عن جميع السيئات. ومعناه: ومن أراد التوبة، وعزم عليها فليتب لوجه الله. "تفسير البغوي" ٦/ ٩٨.
مَتَابِ} [الرعد: ٣٠] أي: مرجعي في المعاد (١).
وقال ابن الأنباري: يُسأل عن هذه الآية فيقال: ما الفائدة في قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ وهل يجوز لقائل أن يقول: من قام فإنه يقوم، ومن ركب فإنه يركب؟ والجواب: أن التكرير وجب لزيادةٍ في المعنى؛ ومعنى الآية: من أراد التوبة وقصد حقيقتها ينبغي أن يريد الله بها، ولا يخلط بها أمرًا من أمور الدنيا. كما يقول الرجل: من تجر فإنه يتجر في البَزِّ (٢)، ومن ناظر فإنه يناظر في النحو. أي: من أراد التجارة فينبغي له أن يتجر في البَزِّ، ومن أراد حسن المناظرة ودقة الاستخراج فينبغي له أن يناظر في النحو (٣).
وقال أبو علي الفارسي: وجه دخول الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ كما ذكرنا في قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ﴾ [البقرة: ١٥٨] ومعنى قوله: ﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ﴾ فالقول في هذا: أن اللفظ على شيء، والمعنى على غيره، وذلك غير ضيق في كلامهم، ألا ترى أنهم قد قالوا: ما أنت وزيد، والمعنى لم تؤذيه، واللفظ إنما هو على المسألة من المخاطب، وزيد معطوف عليه، وكذلك قولهم: أمكنك الصيد، والمعنى: ارمه، وكذلك: هذا الهلال أي: انظر إليه، فكذلك قوله: ﴿وَمَن تَابَ﴾ كأنه: ومن عزم على التوبة فينبغي أن يبادر إليها ويتوجه بها إلى الله سبحانه، وهذا كما قال: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ﴾ [النحل: ٩٨] أي: إذا عزمت على ذلك، وعلى هذا المعنى قوله: ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللهِ مَتَابًا﴾ أي: ينبغي أن يتوب، كقوله: {وَالْمُطَلَّقَاتُ
(١) ذكر هذا القول البغوي ٦/ ٩٧، ولم ينسبه.
(٢) البَزُّ: ضرب من الثياب. "تهذيب اللغة" ١٣/ ١٧٣ (بز).
(٣) ذكره ابن الجوزي ٦/ ١٠٨، عن ابن الأنباري.
يَتَرَبَّصْنَ} [البقرة: ٢٢٨] أي: ينبغي أن يتربصن. هذا كلامه (١).
وأمثل هذه الأقوال ما ذكره صاحب النظم.
٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (٢) معنى ﴿الزُّورَ﴾ هاهنا: الشرك بالله في قول أكثر المفسرين؛ وهو قول ابن عباس في رواية عطاء، ومقاتل، والضحاك (٣). ونحو هذا قول من فسر: ﴿الزُّورَ﴾ بأعياد المشركين (٤). وهو قول الضحاك، فيما روى عنه حسين بن عقيل (٥)، وقول مجاهد، فيما روى عنه يحيى بن اليمان (٦). ونحو هذا قال ابن سيرين؛ هو:
(١) لم أجده.
(٢) عقب الله تعالى تركهم الزنا بالإعراض أصلاً عن اللغو الذي هو أعظم مقدمات الزنا. "تفسير ابن عاشور" ١٣/ ٤٣٢.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٨، عن الضحاك، وابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧، عن الضحاك، من طريقين. قال الزجاج ٤/ ٧٧: والذي جاء في الزور أنه الشرك بالله.
(٤) ذكره السيوطي عن ابن عباس، ونسبه للخطيب، "الدر المنثور" ٦/ ٢٨٢. قال الفراء: لأنها زور وكذب؛ إذ كانت لغير الله. "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٧٤. و"معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٧، ولم ينسباه.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧، من طريق الحسين بن عقيل. ثم قال ابن أبي حاتم: وروي أبي العالية، وطاوس، والربيع بن أنس، والمثنى بن الصباح نحو ذلك.
الحسين بن عقيل، لم أجد ترجمته إلا عند ابن أبي حاتم الرازي في الجرح والتعديل ٣/ ٦١، حيث قال: الحسين بن عقيل العقيلي، روى عن الضحاك، وعائشة بنت بجدان، روى عنه ابن عيينة، وأبو نعيم، قال يحيى بن معين: ثقة.
(٦) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٤ ب، والبغوي ٦/ ٩٨.
يحيى بن اليمان العجلي الكوفي، صدوق عابد يخطئ كثيرًا، وقد تغير، من أتباع التابعين. ت: ١٨٩هـ. "سير أعلام النبلاء" ٨/ ٣٥٦، و"تقريب التهذيب" ص ١٠٧٠.
الشعانين (١).
قال أبو إسحاق: الذي جاء في الزور أنه الشرك جامع لأعياد النصارى، وغيرها (٢).
و ﴿اَلزُّورَ﴾ في اللغة: الكذب (٣). ولا كذب فوق الشرك بالله عز وجل.
وقال ابن الحنفية: معنى الزور هاهنا: الغناء (٤).
وهو رواية ليث عن مجاهد (٥).
وقال الكلبي: لا يحضرون مجالس الباطل والكذب (٦). وهو قول قتادة (٧). وقال عمرو بن قيس: مجالس الخنا (٨).
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧. وهو عيد من أعياد المشركين. وفي حاشية الطبرسي ٧/ ٢٨٣: عيد معروف للنصارى قبل عيدهم الكبير بأسبوع، كما قاله ابن الأثير. ولم أجده في كتابه النهاية؛ حرف الشين مع العين. قال الطوسي ٧/ ٥١١: قال ابن سيرين: هو أعياد أهل الذمة كالشعانين وغيرها.
(٢) هذا كلام جيد؛ لكن لم أجده في كتاب المعاني، المطبوع، وإنما فيه (٤/ ٧٧) بلفظ: والذي جاء في الزور أنه الشرك بالله، فأما النهي عن شهادة الزور..
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٣/ ٤٢٥.
(٤) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧. وذكره السيوطي ٦/ ٢٨٣، واقتصر على تخريج عبد بن حميد، والفريابي له، ولم يذكر ابن أبي حاتم.
(٥) أخرجه عن مجاهد، ابن جرير ١٩/ ٤٨، من طريق الليث. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٤ ب. وليث هو ابن أبي سليم، قال فيه ابن حجر: صدوق اختلط جداً، ولم في يتميز حديثه فترك. "تقريب التهذيب" ص ٨١٧.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٥. وذكر نحوه الفراء ٢/ ٢٧٣، ولم ينسبه. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٤٨، عن ابن جريج.
(٧) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٥ أ، والسيوطي، في "الدر" ٦/ ٢٨٣.
(٨) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٧، والثعلبي ٨/ ١٠٤ ب.
- عمرو بن قيس المُلائي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة عابد متقن، حدث عن =
وقال علي بن أبي طلبة: يعني شهادة الزور (١).
وهو قول وائل بن ربيعة (٢).
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ معنى اللغو، في اللغة: كل ما يُلغى وُيطرح (٣). والمعنى: إذا مروا بجميع ما ينبغي أن يُلغى؛ وهو: المعاصي كلها؛ قاله الحسن، والكلبي (٤).
= عكرمة، وعطاء، ومصعب بن سعد، وغيرهم، وحدث عنه سفيان الثوري، وصحبه زماناً. مات سنة بضع وأربعين ومائة. "سير أعلام النبلاء" ٦/ ٢٥٠، و"تقريب التهذيب" ص ٧٤٣.
(١) ذكره عنه الثعلبي ٨/ ١٠٤ ب. وعلى هذا فهو من الشهادة لا من المشاهدة. "تفسير ابن عطية" ١١/ ٧٨.
(٢) وائل بن ربيعة، لم أقف على نسبه؛ لكن ذكر ابن سعد في "الطبقات" ٦/ ٢٠٤، أن وائل بن ربيعة روى عن عبد الله بن مسعود، وروى عن وائل: المسيب بن رافع. وعده البخاري في الكوفيين. "التاريخ الكبير" ٨/ ١٧٦.
لم يرجح الواحدي -رحمه الله- شيئاً من هذه الأقوال، وقد أوصلها ابن أبي حاتم في "تفسيره" ٨/ ٢٧٣٦، إلى تسعة أوجه، والذي يظهر أنها كلها مرادة؛ إذ لا تعارض بينها، فتأويل الآية كما قال ابن جرير ١٩/ ٤٩: والذين لا يشهدون شيئاً من الباطل. قال الرازي ٢٤/ ١١٣: واعلم أن كل هذه الوجوه محتملة، ولكن استعماله في الكذب أكثر. قال ابن القيم: وتأمل كيف قال سبحانه: ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ ولم يقل: بالزور؛ لأن يشهدون، بمعنى يحضرون، فمدحهم على ترك حضور مجالس الزور، فكيف بالتكلم به، وفعله. "إغاثة اللَّهفان" ١/ ٢٦٠.
(٣) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٧. وقال أبو عبيدة: اللغو: كل كلام ليس بحسن، وهو في اليمين: لا والله، وبلى والله. "مجاز القرآن" ٢/ ٨٢.
(٤) أخرج قول الحسن، عبد الرزاق ٢/ ٧٢. وعنه ابن جرير ١٩/ ٥٠. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٥ أ، عنهما. ونسبه في "الوسيط" ٣/ ٣٤٨، للحسن، والكلبي. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٥: بمجالس الباطل.
وقال ابن زيد: يعني ما يشتغل به المشركون من الباطل (١).
وروى جويبر عن الضحاك: مروا بالشرك (٢).
﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ قال الكلبي: يعني حلماء لا يشهدونه، ولا يحضرونه (٣).
وقال أبو إسحاق: لا يجالسون أهل المعاصي، ولا يمالئونهم عليها (٤). والمعنى: مروا مر الكرماء، الذين لا يرضون باللغو؛ لأنهم يجلون عن الدخول فيه، والاختلاط بأهله. وقيل: أصل هذا من قولهم: ناقة كريمة، وبقرة كريمة، إذا كانت تعرض عند الحلب تكرمًا؛ كأنها لا تبالي بما يحلب منها (٥).
وقال الليث: يقال: تكرم فلان عما يَشِينُه، إذا تنزه وأكرم نفسه عنها (٦). ومعنى الآية: مروا منزهين أنفسهم، معرضين عنه (٧). يدل على
(١) في نسخة: (أ)، كتب قول ابن زيد هكذا: ما يشتغل به الإنسان المشركون من الباطل. فكلمة الإنسان زائدة. أخرج ابن جرير ١٩/ ٥٠، عن ابن زيد: اللغو: ما كانوا فيه من الباطل، يعني المشركين، وقرأ: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠].
(٢) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٩، من طريق جويبر. قال الرازي ٢٤/ ١١٣: ومنهم من فسر اللغو بكل ما ليس بطاعة، وهو ضعيف؛ لأن المباحات لا تعد لغواً.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٥، بلفظ: أعرضوا حلماء.
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٧.
(٥) "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠٥أ.
(٦) كتاب "العين" ٥/ ٣٦٨ (كرم)، و"تهذيب اللغة" ١٠/ ٢٣٦.
(٧) وهذا اختيار ابن جرير ١٩/ ٥٠، حيث جعل الآية عامة، في كل باطل، وأنه لا وجه لتخصيص بعض دون بعض بدون دلالة من حبر أو عقل. وجعل من خبر ابن ميسرة، الذي ساقه الواحدي، دليلاً على ذلك.
صحة هذا المعنى ما روى ابن ميسرة (١): أن ابن مسعود مر بلهو معرضًا فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إن أصبح ابن مسعود لكريمًا" (٢).
وقال مقاتل في هذه الآية: إذا سمعوا من كفار مكة الشتم والأذى مروا معرضين، كقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ [القصص: ٥٥] (٣).
وهذا رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إذا أُوذوا صَفحوا (٤). ولهذا قال السدي: هي منسوخة بآية القتال (٥) وقال في قوله: ﴿كِرَامًا﴾ لا
(١) ابن ميسرة، إبراهيم بن ميسرة الطائفي، نزيل مكة، ثبت حافظ، من صغار التابعين، حدث عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وطاوس وعمرو بن الشريد، وغيرهم، وحدث عنه شعبة وابن جريج، وسفيان الثوري، وسفيان ابن عيينة. ت: ٢٢٠ هـ. "سير أعلام النبلاء" ٦/ ١٢٣، و"تقريب التهذيب" ص ١١٧.
(٢) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٠، بلفظ: مر بلهو مسرعاً. وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٨، كلهم من طريق: محمد بن مسلم، عن إبراهيم بن ميسرة وذكره الثعلبي ١٠٥ أ، وابن عطية ١١/ ٧٩، وضعفه الألباني؛ لأن إبراهيم بن ميسرة تابعي ثقة، إلا أنه أرسل الحديث، ومحمد بن مسلم، وهو: الطائفي، صدوق يخطئ. "سلسلة الأحاديث الضعيفة" ٣/ ٣١٠، رقم: ١١٦٧.
(٣) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب.
(٤) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٦، وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٤٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٩.
(٥) لعل هذا مأخوذ من قوله عن هذه الآية: هي مكية. "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٥٠. وقد ذكره عنه صريحاً الثعلبي ٨/ ١٠٥ أ. قال ابن جرير: وإنما عني السدي بقوله هذا -إن شاء الله- أن الله نسخ ذلك بأمره المؤمنين بقتال المشركين بقوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وأمرهم إذا مروا باللغو الذي هو شرك، أن يقاتلوا أمراءه، إذا مروا باللغو الذي هو معصية لله أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك في مكة. والصحيح أن الآية لا نسخ فيها بل هي من الآيات التي يعمل بها في مواضعها المناسبة كما سبق ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣].
يكلمونهم ويعرضون عنهم، واللغو: الوقيعة من المشركين في المسلمين (١).
وروى العوام بن حوشب، عن مجاهد قال: كانوا إذا أتوا على ذكر النكاح كَنَوا عنه (٢). وهو اختيار الفراء؛ قال: ذُكِر أنهم كانوا إذا أَجروا ذكر النساء كَنَوا عن قبيح الكلام فيهن وذلك مرورهم به (٣).
وقال أبو علي الفارسي في هذه الآية: يجوز أن يكون المعنى: إذا مروا بأهل اللغو، [وذوي اللغو] (٤) مروا كرامًا فلم يجاروهم فيه ولم يخوضوا معهم فيه (٥)، قال: ويجوز أن يكون مِثل: فمرت بي آية كذا، ومرت بي سورة كذا؛ أي: تلوتها، وقرأتها، إذا أتوا على ذكر ما يُستفحَش ذكره كَنَوا عنه ولم يصرحوا.
وليس هذا في كل حال ولكن في بعض دون بعض؛ فإذا كانت الحال تقتضي التبيين فالتصريح أولى، كما روي في الحديث: "فأعِضُّوه بِهِنِ أبيه،
(١) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٠.
(٢) أخرج ابن جرير ١٩/ ٤٩، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٣٩، من طريق العوام بن حوشب. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٥ (أ). كَنَى فلان عن الكلمة المستفَحشة يَكْنِي: إذا تكلم بغيرها. "تهذيب اللغة" ١٠/ ٣٧٣ (كنى).
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٤. وذكره الزجاج ٤/ ٧٧.
(٤) ما بين المعقوفين، في (ج).
(٥) قال ابن قتيبة: لم يخوضوا فيه، وأكرموا أنفسهم عنه. "غريب القرآن" ٣١٥. وليس معنى ذلك أهم يتركون الإنكار، قال ابن عطية ١١/ ٧٩: وأما إذا مر المسلم بمنكر فكرمه أن يغيره. إما باليد أو باللسان أو ينكره بالقلب كما دل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري، قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان". أخرجه مسلم ١/ ٦٩، كتاب الإيمان، حديث رقم: ٤٩، والبيهقي في "الكبرى" ١٠/ ٩٠.
ولا تَكْنُوا" (١) وكما رُوي عن بعض الصحابة، أنه قال لبعض المشركين: اعضض (٢) بظر اللات (٣).
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ قال مقاتل: إذا وعظوا بالقرآن ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ يقول لم يقعوا عليها و ﴿وصُمَّا﴾ لم يسمعوه ﴿وَعُمْيَانًا﴾ لم يبصروه، ولكنهم سمعوا وأبصروا وانتفعوا به (٤). ونحو هذا
(١) هذا جزء من حديث أخرجه الإمام أحمد ٨/ ٤٨، رقم: ٢١٢٩٢. عَنْ عُتَيِّ عَنْ أُبَيِّ ابْنِ كَعْبٍ قَالَ رَأَيْتُ رَجُلاً تَعَزَّى عِنْدَ أُبَيٍّ بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ افْتَخَرَ بأَبِيهِ فَأَعَضَّهُ بِأَبِيهِ وَلَمْ يُكَنِّهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: أَمَا إِنِّي قَدْ أَرَى الَّذِي في أَنْفُسِكُمْ إِنِّي لَا أَسْتَطِيعُ إِلا ذَلِكَ سَمِعْتُ رَسُولَ الله -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: "مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ وَلا تَكْنُوا". وفي رواية: "قَالَ أُبَيِّ كُنَّا نُؤْمَرُ إِذَا الرَّجُلُ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعِضُّوهُ بِهَنِ أَبِيهِ وَلا تَكْنُوا". وأخرجه البخاري، في "الأدب المفرد" ص ١٩٣. وذكره الألباني في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" ١/ ٤٧٧، رقم: ٢٦٩. قال ابن الأثير: أي: قولوا له: عُضَّ أيْرَ أبيك. "النهاية في غريب الحديث" ٥/ ٢٧٨.
(٢) (اعضض) في (ج).
(٣) هذا جزء من حديث طويل في قصة الحديبية، وقد وجه هذا الكلام أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- لعروة بن مسعود، عندما قال: أَيْ مُحَمَّدُ أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَاصَلْتَ أَمْرَ قَوْمِكَ هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَكَ وَإِنْ يكُنِ الأخْرَى فَإِنِّي والله لأَرَى وُجُوهًا وَإِنِّي لأَرَى أَوْشَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: امْصُصْ بِبَظْرِ اللاتِ أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ فَقَالَ: مَنْ ذَا قَالُوا أَبُو بَكْرٍ قَالَ: أَمَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لأَجَبْتُكَ. أخرجه البخاري، كتاب الشروط، رقم: ٢٧٣٤، "الفتح" ٥/ ٣٢٩. والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى، والأوباش: الأخلاط من السفلة. والبظر: قطعة تبقى بعد الختان في فرج المرأة. قال ابن المنير: في قول أبي بكر تخسيس للعدو وتكذيبهم، وتعريض بإلزامهم من قولهم: إن اللات بنت الله، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، بأنها لو كانت بنتاً لكان لها ما يكون للإناث. "فتح الباري" ٥/ ٣٤٠.
(٤) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب. ولفظ الآيات هنا عام فيدخل تحته الآيات الشرعية، =
قال المفسرون كلهم (١)؛ قال ابن عباس: لم يكونوا عنها صمًا ولا عميًا بل كانوا خائفين، خاشعين.
وقال الكلبي: يخرون عليها سمعاء، وبصراء (٢).
قال الفراء: يقول: إذا تلي عليهم القرآن لم يقعدوا على حالهم الأولى كأنهم لم يسمعوه فذلك الخرور، وسمعت العرب تقول: قعد يشتمني كقولك: قام يشتمني وأقبل يشتمني (٣).
ومعنى ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ على ما ذكر: لم يقعدوا، ولم يصيروا عندها صمًا وعميًا.
وقال الزجاج: تأويله: إذا تليت عليهم خروا سجدًا [وبكيًا، سامعين مبصرين، لما أمروا به ونهوا عنه، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: ٥٨]] (٤) قال: ومثل هذا من الشعر
= والآيات الكونية، من الشمس والقمر، ونحوها. وقد اقتصر على الآيات الكونية الطوسي ٧/ ٥١١. والآية كما سبق أعم، وإن كانت الآيات الشرعية أقرب. والله أعلم. وجمع بين القولين الطبرسي ٧/ ٢٨٤. وابن عاشور ١٣/ ٤٣٣.
(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٥١، عن مجاهد. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٠، عن قتادة، ومجاهد، وأسباط، والحسن، وابن زيد. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٥١، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٠، عن ابن عون، قال: قلت للشعبي: رأيت قوماً قد سجدوا، ولم أعلم ما سجدوا منه، أسجد؟ قال: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ قال ابن كثير ٦/ ١٣٢: يعني أنه لا يسجد معهم؛ لأنه لم يتدبر آية السجدة، ولا ينبغي للمؤمن أن يكون إمعة، بل يكون على بصيرة في أمره ويقين واضح بين.
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠٦.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٤. ونحوه عند ابن جرير ١٩/ ٥١، ولم ينسبه.
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب).
قول الشاعر:
بأيدي رجالٍ لَمْ يَشيمُوا سيوفَهم ولَمْ تَكثر القتلى بها حين سُلَّتِ (١)
تأويله: بأيدي رجال شاموا سيوفهم، أي: أغمدوها وقد كثرت القتلى، فتأويل الآية: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ خروا ساجدين سامعين مبصرين (٢). وقال ابن قتيبة: أي: لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها، وعمي لم يروها (٣).
٧٤ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ (٤) وتقرأ و ﴿وذريتنا﴾ (٥) والذرية، تكون واحدًا وجمعًا. فكونها
(١) أنشده المبرد، ونسبه للفرزدق، وقال عنه المبرد: هذا البيت طريف عند أصحاب المعاني، وتأويله: لم يشيموا: أي: لم يُغمدوا، ولم تكثر القتلى، أي: لم يغمدوا سيوفهم إلا وقد كثرت القتلى حين سلت. الكامل ١/ ٤٠١، وقال المحقق: لم أجده في ديوان الفرزدق، ط: دار صادر. وبحثت عنه في ط: دار بيروت، فلم أجده أيضًا. وأنشده الزجاج، "معاني القرآن" ٤/ ٧٧، ولم ينسبه. وفيه: ولم يكثروا. وأنشده ابن الأنباري، الإنصاف ٢/ ٦٦٧، ولم ينسبه، وفي الحاشية: وقد وجدته في ديوان الفرزدق بيتاً مفرداً.
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٨. قال الزمخشري ٣/ ٢٨٧: ﴿لَمْ يَخِرُّوا﴾ ليس بنفي للخرور، وإنما هو إثبات له، ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلِّماً، هو نفي للسلام لا للقاء.
(٣) "غريب القرآن" ص ٣١٥، و"تأويل مشكل القرآن" ٢٢. وفي (ج): (لم يبصروها).
(٤) من، في قوله تعالى: ﴿مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾ ابتدائية، على معنى: هب لنا من جهتهم ما تقر به عيوننا. "تفسير الرازي" ٢٤/ ١١٥.
(٥) قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم في رواية حفص: ﴿وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ بالجمع. وقرأ أبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: ﴿وَذُرِّيَّتِنَا﴾ واحدة. كتاب السبعة في القراءات ٤٦٧، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٢، و"النشر في =
للواحد، قوله: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ [آل عمران: ٣٨] فهذا كقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ [مريم ٥، ٦] وكونها للجمع قوله: ﴿ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ [النساء: ٩] فمن أفرد في هذه الآية، فإنه أراد به الجمع، فاشغنى عن جمعه لما كان جمعًا، ومن جمع (١) فكما تجمع هذه الأسماء التي تدل على الجمع، نحو: قوم وأقوام، ورهط وأرهاط. وقد جمعوا بالألف والتاء، والواو والنون، الجموع المكسرة، كقولهم: الجُزُرات (٢)، والطُّرقات.
وجاء في الحديث: "صواحبات يوسف" (٣). وقال العجاج:
جَذْبُ الصَّرارِيِّين بالكُرُور (٤)
= القراءات العشر" ٢/ ٣٣٥، قال الأزهري: المعنى واحد في القراءتين؛ لأن الذرية تنوب عن الذريات، فاقرأ كيف شئت.
(١) (ومن جمع) في (أ)، (ج).
(٢) جَزَر الناقة يجزَرُها جَزْرَاً: نحرها وقطعها، والجَزور: الناقة المجزورة، والجمع: جزائر وجُزُز وجُزُرَات جمع الجمع، كطرق وطرقات. "لسان العرب" ٤/ ١٣٤ (جزر)، و"القاموس المحيط" ص ٤٦٥.
(٣) جزء من حديث طويل في أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر -رضي الله عنه-، أن يصلي بالناس، ومراجعة عائشة، وحفصة -رضي الله عنهما- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك، فقال لهن رَسُولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّكُنَّ لأَنْتُنَّ صَوَاحِبَاتُ يُوسُفَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ". أخرجه الترمذي ٥/ ٥٧٣، كتاب المناقب، رقم: ٣٦٧٢. والنسائي ٢/ ٤٣٤، كتاب الإمامة، رقم: ٨٣٣، وأخرجه البخاري، في مواضع من صحيحه، بلفظ: صواحب يوسف. "الفتح" ٢/ ١٦٤، ٢٠٦، و٦/ ٤١٧، و١٣/ ٢٧٦. وقد وهم محقق كتاب "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٣، بعزو لفظ: صواحبات، للبخاري.
(٤) "ديوان العجاج" ص ١٩١، وأنشده الأزهري ٩/ ٤٤٢، وقال: جعل العجاج الكَرَّ حبلاً تقاد به السفن على الماء، والصراري: الملاّح. وأنشده أبو علي في "الححة" =
وإنما الصراري جمع صُرَّاءٍ، وهو مفردٌ نحو: حُسَّانٍ (١)، فَكَسَّرَه ككُلَّابٍ، وكَلاَليب؛ لأن الصفة تُشَبَّه في التكسير بالأسماء. ويدل على أن الصُرَّاء واحدٌ قول الفرزدق:
أَشاربُ قهوةٍ وخدينُ زِيرٍ وصُرَّاءٍ لفسوته بُخارُ (٢)
قوله: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ (٣) قال الفراء: ولو قرئت: قُرَّاتِ أعين؛ لأنهم كثير، كان صوابًا. والوجه التقليل: ﴿وقُرَّةَ﴾؛ لأنه فعل، والفعل لا يكادون يجمعونه، ألا ترى أنه قال: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان: ١٤] فلم يجمعه، وهو كثير. والقُرَّة: مصدر، تقول: قَرَّت عينُك قُرَّةً (٤).
= / ٣٥٣، ونسبه للعجاج. وكذا في "لسان العرب" ٤/ ٤٥٤ (صرر)، وفيه: وصواب إنشاد بيت العجاج: جذبُ برفع الباء؛ لأنه فاعل لفعل في بيت قبله.
(١) في "لسان العرب" ٤/ ٤٥٤ (صرر): وكان أبو علي يقول: صراءٌ واحد، مثل: حُسَّانٍ للحَسَن.
(٢) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٣، بنصه، ونسب البيت للفرزدق، وعزاه المحقق لديوانه ١/ ٣٨٨، وأنشده في "لسان العرب" ٤/ ٤٥٤ (صرر)، منسوبًا للفرزدق؛ وفيه: أشاربُ خمرة. وفيه: ولا حجة لأبي علي في هذا البيت؛ لأن الصراري الذي هو عنده جمع، بدليل قول المسيب بن عَلَس، يصف غائصًا أصاب درة:
وترى الصراري يسجدون لها ويضمهما بيديه للنحر
(٣) ﴿قُرَّة أَعْيُنٍ﴾ كل ما تقر به عين الإنسان، ومعنى ذلك: أن الرجل إذا فرح بالشيء خرج من عينه ماء بارد، وهو القَرُّ، وإذا اغتم وبكى خرج من عينه ماء ساخن، فيقال: سخن الله عينه، إذا دعوا عليه، وإذا دعوا له: أقر الله عينه، ويقال: معنى أقر الله عينه، أي: غنم، وقيل: أقر الله عينه، أي: بلغه الله مراده حتى تقر عينه فلا تطمح إلى شيء وتستقر. "إعراب القراءات السبع وعللَّها" ٢/ ١٢٨.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٤. بنصه. قال الألوسي ١٩/ ٥٢: اختير الأعين جمعاً للعين الباصرة، والعيون جمعاً للعين الجارية، في جميع القرآن الكريم.
قال ابن عباس، في هذه الآية: يريد أبرارًا أتقياء (١).
وقال مقاتل: يقولون: اجعلهم صالحين، فتقر أعيننا بذلك (٢).
وقال الكلبي: ﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ في الدنيا، صالحين مطيعين لك (٣).
وقال الضحاك: اجعلهم أبرارًا صالحين.
وقال القرظي: ليس شيء أقرَّ لعين المؤمن من أن يرى زوجته وأولاده مطيعين لله (٤).
قوله عز وجل: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: يُقتدى بنا في الخير (٥).
(١) أخرج ابن جرير ١٩/ ٥٢، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من طريق علي ابن أبي طلحة: من يعمل لك بالطاعة فتقر بهم أعيننا في الدنيا والآخرة. وذكر الهواري ٣/ ٢١٩، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-: أعواناً على طاعة الله.
(٢) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب. ونحوه في "تنوير المقباس" ص ٣٠٥.
(٣) نحوه في "تفسير الماوردي" ٤/ ١٦٠، منسوبًا للكلبي.
(٤) ذكره البخاري، تعليقاً عن الحسن، ولفظه: وما شيء أقر لعين المؤمن من أن يرى حبيبه في طاعة الله. "الفتح" ٨/ ٤٩٠. وكذا ابن جرير ١٩/ ٥٢. وذكره البغوي ٦/ ٩٩، عن القرظي، والحسن. وأخرج نحو هذه الأقوال، ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، عن عكرمة، والحسن، قال المقداد بن الأسود -رضي الله عنه-: حتى إن الرجل ليرى والده أو ولده أو أخاه كافراً وقد فتح الله قفل قلبه للإيمان، يعلم أنه إن هلك دخل النار فلا تقر عينه وهو يعلم أن حبيبه في النار، وإنها للتي قال الله: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾
(٥) أخرج ابن جرير ١٩/ ٥٣، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، عن ابن عباس -رضي الله عنهما-. و"تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب. وفيه: قال أبو محمد: سألت أبا صالح عنها، فقال: قال مقاتل. اجعلنا نقتدي بصالح أسلافنا، حتى يُقتدى بنا بعدنا. وهذا القول اختيار الفراء في "المعاني" ٢/ ٢٧٤. والهواري ٣/ ٢١٩.
وقال أبو صالح: يُقتدى بهدانا (١). وقال عكرمة: إمامًا مثالًا (٢).
وقال مكحول: أئمة في التقوى، يَقتدي بنا المتقون (٣).
قال الفراء: إنما قال: ﴿إِمَامًا﴾ ولم يقل: أئمة، كما قال: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]، للاثنين، وعلى هذا هو من الواحد الذي أُريد به الجمع (٤)، كقول الشاعر:
يا عاذلاتي لا تُردْن ملامتي إن العواذل لسن لي بأمير (٥)
وحكى أبو علي الفارسي، عن الأخفش قال: الإمام هاهنا جمع: آمّ فاعل من: أمَّ، يُجمع على: فِعَال، نحو: صَاحب، وصِحَاب (٦).
ونحوه قول الحطيئة:
(١) قال ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، بعد ذكر قول ابن عباس -رضي الله عنهما- السابق: وروي عن أبي صالح، وعبد الله بن شوذب نحو ذلك.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٣.
(٣) أخرجه الثعلبي ٨/ ١٠٥ ب، وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٣، بسياق أطول من هذا. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٣، عن سعيد بن جبير، والسدي.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٤، بمعناه
(٥) أنشد البيت الأخفش ٢/ ٦٤٣، ولم ينسبه. وأنشد عجزه أبو عبيدة ٢/ ٤٥، ولم ينسبه، وقال: أراد: أمراء. وذكره ابن جرير ١٩/ ٥٤، من إنشاد بعض نحوي البصرة. وأنشده ولم ينسبه: الثعلبي ٨/ ١٠٥ ب، وابن قتيبة، "تأويل مشكل القرآن" ص ٢٨٥، وابن جني، "الخصائص" ٣/ ١٧٤، وابن هشام، "مغني اللبيب" ١/ ٢١١.
(٦) "معاني القرآن" للأخفش ٢/ ٦٤٣. ولفظه: فالإمام هاهنا جماعة، كما قال: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي﴾ [الشعراء: ٧٧]، ويكون على الحكاية كما يقول الرجل إذا قيل له: من أميركم؟ قال: هؤلاء أميرنا وذكره أبو علي في كتابه: "التكملة" ٤٦٤، ولم ينسبه. قال ابن جزي ص ٤٨٨: هو جمع آمّ، أي: متبع. وكذا الأنباري، "البيان في غريب إعراب القرآن" ٢/ ٢١٠.
.... الأَطِبَّةُ والإسَاءُ (١)
جمع آسٍ.
وقال غيره: الإمام، هاهنا: مصدر سمي به؛ يقال: أمَّ فلان فلانًا إمامًا، كقولك: قام قيامًا، وصام صيامًا (٢).
وروي عن مجاهد، في هذه الآية روايتان؛ إحداهما: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ قال: مؤتمين بهم مقتدين بهم (٣). وعلى هذا يجب أن تكون الآية من باب القلب؛ على تقدير: واجعل المتقين لنا إمامًا (٤).
(١) أنشده كاملاً، ونسبه للحطيئة، المبرد، "الكامل" ٢/ ٧٢٢، وأنشده مع أبيات أخر ص: ٧٢٤، وأنشده كذلك الأزهري، "تهذيب اللغة" ١٣/ ١٤٠ (أسى)، والبيت بتمامه:
همُ الآسُونَ أُمَّ الرأسِ لمَّا تواكلها الأطبة والإساء
والبيت من قصيدة طويلة يمدح فيها الحطيئة بني أنف الناقة، وهم من بني عوف بن كعب. "ديوان الحطيئة" ٨٢. الآسي: الطبيب. "الكامل" ٢/ ٧٢٢، والإساء: الدواء "تهذيب اللغة" ١٣/ ١٤٠ (أسى)، وأم الرأس: الجلدة الرقيقة التي أُلبست الدماغ، والمعنى: أنهم يصلحون الفاسد. "ديوان الحطيئة بشرح ابن السكيت" ص ٨٢.
(٢) "تفسير ابن جرير" ١٩/ ٥٤، بنصه، والثعلبي ٨/ ١٠٥ ب، ولم ينسباه.
(٣) أخرجه عبد الرزاق، في تفسيره ٢/ ٧٢. وعنه ابن جرير ١٩/ ٥٣.
(٤) "تفسير الثعلبي" ٨/ ١٠٥ ب. وذكره ابن قتيبة، في "تأويل مشكل القرآن" ٢٠٠ ورده، فقال: وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله عز وجل، لو لم يجد له مذهباً؛ لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت. ثم ذكر شواهد كثيرة لفعل الشعراء. ثم قال: والله تعالى لا يغلط، ولا يضطر. وهذا قول حسن، وحمل ابن قتيبة، الآية على ظاهرها، فقال ص ٢٠٥: يريد: اجعلنا أئمة في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال في موضع آخر: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: ٢٤]، أي: قادة، كذلك قال المفسرون. وروي عن بعض خيار السلف، أنه كان =
والثانية قال: اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يَقتدي بنا مَنْ بعدنا (١). وعلى هذا في الكلام محذوف يدل عليه الباقي؛ حُذف سؤالهم الاقتداء بمن قبلهم من المتقين، وذُكر سؤالهم أن يقتدي بهم المتقون؛ لأنهم لا يصيرون قادة متبعين حتى يقتدوا أولاً ويتبعوا.
وحكى الفراء، والزجاج، هذا القول الأخير (٢). قال مقاتل: أخبر الله
= يدعو الله أن يُحمل عنه الحديث، فحُمل عنه. وقال بعض المفسرين، في قوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: اجعلنا نقتدي من قبلنا، حتى يقتديَ بنا مَنْ بعدنا. فهم على هذا التأويل متَّبِعون، ومتَّبَعون. وجعل الماوردي ٤/ ١٦١، هذه الآية دليلاً على أن طلب الرياسة في الدين ندب. وذكر نحوه ابن عطية ١١/ ٨١، عن إبراهيم النخعي. واستدل عليه الرازي ٢٤/ ١١٥، بقوله تعالى عن الخليل عليه السلام: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]. وذكر الطوسي ٧/ ٥١٢، أن قراءة أهل البيت: واجعل لنا من المتقين إماماً. وتبعه الطبرسي ٧/ ٢٨٢. ولم أجد من ذكر هذه القراءة غيرهما، فلا يبعد أن تكون من تأويلات الشيعة لإثبات عقيدة الإمامة. والله أعلم.
(١) أخرجه عنه، ابن جرير ١٩/ ٥٣، وأخرج نحوه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٢، ثم قال: وروي عن الحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي نحو ذلك.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٤. وذكر قبل قول مجاهد، أن المراد: اجعلنا أئمة يُقتدى بنا. وأما الزجاج ٤/ ٧٨، فذكر قولاً واحداً واقتصر عليه، ولم ينسبه، وهو: واجعلنا ممن يهتدي بنا المتقون، ونهتدي بالمتقين. ولم يرجح الواحدي -رحمه الله- أحد القولين، مع أنه اقتصر في "الوسيط" ٣/ ٣٤٩، على القول الأول. ومال في "الوجيز" إلى الجمع بينهما فقال: اجعلنا ممن يهتدي به المتقون، ويهتدي بالمتقين. "الوجيز" ٢/ ٧٨٤. وأما ابن جرير، فقد رجح القول الأول: اجعلنا للمتقين إمامًا يأتمون بنا في الخيرات. لموافقته لظاهر الآية. وقال ابن عاشور ١٣/ ٤٣٥: ولما كان المطلوب من المسلمين الاجتماع في الطاعة حتى تكون الكلمة في المتابعة واحدة، أشاروا إلى ذلك بتوحيد الإمام وإن كان المراد الجنس فقالوا: ﴿إِمَامًا﴾.
تعالى عن أعمالهم ثم أخبر عن ثوابهم (١).
٧٥ - فقال: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ (٢) الغُرْفَة معناها في اللغة: العلِّيَّة، وكلُ بناء عالٍ مرتفع فهو: غُرْفة. ويقال للسماء السابعة غرفة، وهو في شعر لبيد (٣). ويحتمل أن يكون أصلها من الغَرْف، بمعنى: القطع والفصل، يقال غَرَفْتُ ناصيتَه، أي: قطعتها.
قال الأصمعي: ومنه قول قيس بن الخطيم:
.......... تكاد تنغرف (٤)
أي: تنقطع (٥). فُسمي البيت العالي: غُرْفة، بمعنى: المغروف، أي: المقطوع من غيره بعلوه وارتفاعه. قال مقاتل: يعني: غرف الجنة، نظيرها
(١) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب، بمعناه.
(٢) ذكر أبو حيان ٦/ ٤٧٤، أن هذه الآية نزلت في العشرة المبشرين بالجنة. ولم يذكر دليلاً عليه.
(٣) يعني به قول لبيد:
سوَّى فأغلق دون غُرفة عرشهُ سبعاً شداداً فوق فرع المَنقلِ
وهو في "ديوانه" ص ١٢٦، بلفظ: دون غرة عرشه، وفي الحاشية: ويروى: دون غرفة عرشه. والمنقل: ظهر الجبل. وأنشده الأزهري، "تهذيب اللغة" ٨/ ١٠٤ (غرف)، بلفظ: دون غرفة عرشه.
(٤) "ديوان قيس بن الخطيم" ص ١٠٦، والبيت بتمامه:
تنام عن كبر شأنها فإذا قا مت رويدا تكاد تنغرف
يصف امرأة نشأت في رفاهية ونعمة، فهي تنام عن أكثر شأنها لكونها مخدومة، فإذا قامت من نومها قامت في سكون وضعف تكاد تنقصف أو تسقط. "حاشية الديوان" ص ١٠٧. وأنشد الأزهري البيت عن الأصمعي ٨/ ١٠٤ (غرف)، وأنشده قبل ذلك ٨/ ١٠٣، كاملاً عن ابن الأعرابي.
(٥) "تهذيب اللغة" ٨/ ١٠٤ (غرف).
في: الزمر (١). وقال ابن عباس: يريد غرف الزبرجد، والدر، والياقوت (٢). وقال السدي والضحاك: ﴿الْغُرْفَةَ﴾ الجنة (٣).
قوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ قال ابن عباس: على دينهم، وعلى أذى المشركين (٤). وقال مقاتل: على أمر الله (٥).
وقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ قرئ بالتشديد، والتخفيف (٦). فمن شدد فحجته
(١) يعني قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ [٢٠]، "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب. وكذا قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧]. "تفسير الهواري" ٣/ ٢١٩. وحكى الماوردي ٤/ ١٦١، عن ابن شجرة، أن الغرفة أعلى منازل الجنة، وأفضلها. والله أعلم. وقد اقتصر على هذا القول الطوسي ٧/ ٥١٢، ولم ينسبه.
(٢) ذكره البغوي ٦/ ١٠٠، عن عطاء.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٣، عن الضحاك، وسعيد بن جبير، وأبي جعفر محمد بن علي، والسدي. وذكره ابن الجوزي ٦/ ١١٢، عن ابن عباس.
(٤) "الوسيط" ٣/ ٣٤٩، غير منسوب.
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٤، عن سعيد بن جبير، وأخرج عن أبي جعفر: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ على الفقر في الدنيا. قال الهواري ٣/ ٢٢٠: على طاعة الله، وعن معصية الله. والآية ظاهرة في إرادة العموم فيدخل فيها ما ذكر، وغيره أيضًا. والله أعلم. وقد نص على هذا الزمخشري ٣/ ٢٨٨، والرازي ٢٤/ ١١٦.
(٦) قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص، بالتشديد. وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر، بالتخفيف. "السبعة في القراءات" ٤٦٨، و"الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٤، و"النشر في القراءات العشر" ٢/ ٣٣٥. قال الأزهري: المعنى في ﴿يُلَقَّوْنَ﴾ أن الله يلقي أهل الجنة إذا دخلوها ملائكته بالتحية والسلام، ومن قرأ: (يلقَون) فالفعل لأهل الجنة، إنهم يلقون فيها التحية والسلام من الله عز وجل "معاني القراءات" ٢/ ٢٢١.
قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، ومن خفف فحجته قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١) [مريم: ٥٩].
وقال الفراء: التخفيف أعجب إلي؛ لأن القراءة لو كانت على التشديد، كانت بالباء؛ لأنك تقول: فلان يُتَلقَّى بالسلام والخير (٢). وهذا الذي قاله ينتقض بقوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾؛ لأنه بغير الباء على أن قال: وكل صواب: يُلَقَّونه، ويُلَقَّون به (٣).
وقوله: ﴿فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ قال ابن عباس: التحية والسلام، من عند الرحمن (٤). وقال الكلبي: يحيي بعضهم بعضًا بالسلام، ويرسل إليهم الرب بالسلام (٥).
وقال مقاتل: ﴿تَحِيَّةً﴾ يعني: السلام ﴿وَسَلَامًا﴾ يقول: سلم الله لهم أمرهم وتجاوز عنهم (٦).
(١) "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٤.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٥. وهو اختار ابن جرير ١٩/ ٥٤، وأورد كلام الفراء، ولم ينسبه. قال أبو علي: لقي: فعل متعد إلى مفعول واحد، فإذا نقل بتضعيف "العين" تعدى إلى مفعولين، فقوله: ﴿تَحِيَّةً﴾ المفعول الثاني، من قولك: لقَّيت زيداً تحية، فلما بنيت الفعل للمفعول قام أحد المفعولين مقام الفاعل، فبقي الفعل متعديًا إلى مفعول واحد. "الحجة للقراء السبعة" ٥/ ٣٥٤. واختار ابن خالويه، قراءة التشديد؛ لما فيها من التكثير، "إعراب القراءات السبع وعللَّها" ٢/ ١٢٨.
(٣) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٥. وقد ذكر رأيه ورد عليه بأوسع مما ذكر الواحدي، النحاس، في "إعراب القرآن" ٣/ ١٦٩.
(٤) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٤، عن سعيد بن جبير: تتلقاهم الملائكة بالتحية، والسلام. وقال به أيضًا مجاهد، أخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٤.
(٥) "تنوير المقباس" ص ٣٠٦، بمعناه. وهو في "الوسيط" ٣/ ٣٤٩، غير منسوب.
(٦) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب. وحكى الماوردي ٤/ ١٦٢، عن الكلبي: يحيي بعضهم بعضاً بالسلام.
٧٦ - وقوله: ﴿خَالِدِينَ﴾ حال من قوله: ﴿يُلَقَّوْنَ﴾ قال ابن عباس: لا يموتون، ولا يهرمون، ولا يسقمون ﴿فِيهَا﴾ في: الغرفة ﴿حَسُنَتْ﴾ أي الغرفة ﴿مُسْتَقَرًّا﴾ موضع قرارٍ ﴿وَمُقَامًا﴾ موضع إقامة. قال ابن عباس: طاب لهم المستقر والمقام مع الحور العين، والولدان المخلدين (١).
٧٧ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾، قال الليث: تقول: ما أعبأ بهذا الأمر، أي: ما أصنع به، كأنك تستقلُّه وتستحقرُه. تقول: عَبَأَ يَعْبَأُ عَبْأً وعِبَاءً ممدود (٢). وقال الكسائي: عبى مقصور.
وقال أبو عبيدة: يقال ما عَبأتُ به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا (٣).
[وقال شَمِر: قال أبو عبد الرحمن: ما عَبَأت به شيئًا، أي: لم أعده شيئًا] (٤)
وقال أبو عدنان، عن بعض أهله، يقال: ما يعبأ الله بفلان، إذا كان فاجرًا، أو مائقًا (٥) وإذا قيل: قد عبأ الله به فهو رجل صدق. قال: وأقول: ما عبأت بفلان، أي: لم أقبل منه شيئًا؛ ولا من حديثه (٦). وقال أبو إسحاق: تأويله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ﴾ أيُّ وزنٍ يكون لكم عنده، كما يقول:
(١) أخرج نحو ما سبق ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٤، عن سعيد بن جبير. وهذه الآية في مقابل قوله تعالى قبل ذلك عن النار: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ تفسير الرازي ٢٤/ ١١٦.
(٢) كتاب "العين" ٢/ ٢٦٣ (عبء)، وذكره ابن جرير ١٩/ ٥٥، ولم ينسبه.
(٣) "مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٨٢. وذكره البخاري، ولم ينسبه، "الفتح" ٨/ ٤٩٠.
(٤) ما بين المعقوفين، في (ج)، وهو في "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣٥ (عبا).
(٥) المائق: الهالك حمقاً وغباوة. "تهذيب اللغة" ٩/ ٣٦٣ (موق)، و"لسان العرب" ١٠/ ٣٥٠.
(٦) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣٤ (عبا)، وفيه: قال أبو عدنان عن رجل من باهلة.
ما عبأت بفلان، أي: ما كان له عندي وزن، ولا قدر. وأصل العِبْء في اللغة: الثِقل، ومن ذلك: عبأت المتاع، جعلت بعضه على بعض (١).
وقال بعض أهل اللغة: أصل هذا الحرف، من: تهيئة الشيء، قال: عَبَأت الطيب، أَعْبَؤُه عَبْأ إذا هيأته، قال:
كأنَّ بِنَحرِه وبِمنْكبيه عَبيرًا باتَ يعبؤه عَروس (٢)
قال أبو زيد: يقال: عَبَأت الأمر والطيب عَبْأ إذا ما صنعته وخلطته، وعَبَأت المتاع عَبْأ إذا هيأته. ويقال: عَبَّأته تعبئة، وكل من كلام العرب، وعبأت الخيل تعبئة وتعبيئًا. انتهى كلامه (٣). والعِبء: الثقل؛ لأنه يُهيأ له ما يُحمل به، وما أَعْبَأ به: أي لا أهبأ به أمرًا (٤). هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف.
قال مجاهد، ومقاتل: يقول: ما يفعل بكم ربي (٥). وهو اختيار الزجاج (٦).
(١) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٨. ونقله عنه الأزهري ٣/ ٢٣٤ (عبا). وفي (ج): (النقل) بدل: (الثقل).
(٢) بنصه في "إصلاح المنطق" ١٤٩، دون إنشاد البيت. وذكره الثعلبي ٨/ ١٠٥ ب، ولم ينسب القول ولا البيت. وأنشد البيت الطبرسي ٧/ ٢٨٣، ولم ينسبه، وإنما قال: قال الشاعر يصف أسدًا. وأنشده القرطبي ١٣/ ٨٤، بلفظ: كان بصدره وبجانبيه. وأنشده في "لسان العرب" ١/ ١١٨ (عبأ)، ونسبه لأبي زبيد. قال الشنقيطي ٦/ ٣٥٩: قوله: يعبؤه، أي: يجعل بعضه فوق بعض لمبالاته به، واكتراثه به.
(٣) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣٥ (عبا).
(٤) "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٣٥ (عبا)، بلفظ: ما عبأت به شيئاً: لم أباله.
(٥) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٧، وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥. و"تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب. واقتصر عليه الهواري ٣/ ٢٢٠.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٨.
وقال ابن عباس، والكلبي، وابن زيد: ما يصنع بكم ربي (١). وهذا اللفظ اختيار الفراء (٢).
وقوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ قال مجاهد، والكلبي: لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه (٣). واختاره القراء؛ فقال: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام (٤). ومعنى الآية على هذا: أي مقدار ووزن لكم عند الله لولا أنه خلقكم لتعبدوه، وتطيعوه. وهذا معنى قول ابن عباس، أي: إنما أريد منكم أن توحدني. والدعاء على هذا مصدر مضاف إلى المفعول. قال: لولا عبادتكم (٥). وهو قول الكلبي (٦).
وقال أبو إسحاق: أي: لولا توحيدكم إياه (٧). وعلى هذا: المصدر مضاف إلى الفاعل، وفيه تنبيه على أن من لا يعبد الله، ولا يوحده ولا يطيعه لا وزن له عند الله (٨). وهذه الآية عند ابن عباس، خطاب لجميع
(١) أخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٥، عن ابن زيد. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، عن عمرو بن شعيب. وذكره الأزهري ٣/ ٢٣٤، عن الكلبي.
(٢) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٥.
(٣) أخرجه عن مجاهد ابن جرير ١٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، و"تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٧. وفي "تنوير المقباس" ص ٣٠٦: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ أن الله أمركم بالتوحيد.
(٤) "معاني القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٥. قال الهواري ٣/ ٢٢٠: لولا عبادتكم وتوحيدكم وإخلاصكم، كقوله: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [غافر: ١٤].
(٥) "تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب.
(٦) "تنوير المقباس" ص ٣٠٦.
(٧) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٨. وأخرج نحوه ابن أبي حاتم عن ابن عباس: لولا إيمانكم ولعل المراد بهذا الإيمان والتوحيد، ما ذكره الماوردي ٤/ ١٦٢، ولم ينسبه: لولا دعاؤكم له إذا مسكم الضر وأصابكم السوء، رغبة إليه وخضوعًا إليه.
(٨) رجح ابن القيم هذا القول؛ فقال: والصحيح من القولين: لولا أنكم تدعونه =
الخلق؛ لأنه قال: ثم رجع إلى جميع الخلق (١). وعند الكلبي: أنه من خطاب أهل مكة (٢).
وقال ابن قتيبة، في هذه الآية: أي ما يعبأ بعذابكم ربي، لولا ما تدعونه من دونه من الشريك والولد (٣).
= وتعبدونه، أي: أي شيء يعبأه بكم لولا عبادتكم إياه فيكون المصدر مضافاً إلى الفاعل. "جلاء الأفهام" ص ٢٥٤. وذكر هذا ابن العربي المالكي، في "أحكام القرآن" ٣/ ٤٣٠، عن بعض الأدباء، ولم يسمه، ثم قال: وليس هو كما زعم، وإنما هو مصدر أضيف إلى المفعول، والمعنى: قل يا محمد للكفار: ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم ببعثة الرسل إليكم، وتبيين الأدلة لكم، فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزاماً. قال الثعالبي: والحق أن الآية محتملة لجميع ما تقدم، ومن ادعى التخصيص فعليه بالدليل، والله أعلم. "الجواهر الحسان" ٢/ ٤٧٦.
قال ابن عاشور ١٣/ ٤٣٨: والحاصل أنه ليس فيكم الآن ما يصلح أن يعتد بكم لأجله إلا الدعاء؛ لأنكم مكذبون، وإنما قلت: الآن؛ لأن: ما، لا تدخل إلا على مضارع بمعنى الحال، عكس: لا.
(١) أخرج ابن جرير ١٩/ ٥٥، وابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من طريق علي بن أبي طلحة وأخبر الله تعالى الكفار أنه لا حاجة له بهم...
(٢) "تنوير المقباس" ص ٣٠٦. وعند مقاتل خلاف ذلك؛ قال في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد كفار مكة.
(٣) "تأويل مشكل القرآن" ٤٣٨. والسبب في كون هذه الآية مشكلة؛ لأن فيها مضمر، فاختلف في تعيينه. أفاده ابن قتيبة، ولذا ذهب إلى ما ذهب إليه أخذاً بظاهر الآية، ثم قال: ويوضح ذلك قوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: يكون العذاب لمن كذب ودعا من دونه إلهاً لازماً. وذكر الطوسي ٧/ ٥١٣، هذا القول عن البلخي؛ قال: معناه: لولا كفركم وشرككم ما يعبأ بعذابكم، وحذف العذاب وأقام المضاف إليه مقامه. وذكر ابن جرير الطبري ١٩/ ٥٧، قول ابن قتيبة، ورد عليه فقال: وقد كان بعض من لا علم له بأقوال أهل العلم، يقول في تأويل ذلك: قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم ما تدعون من دونه من الآلهة والأنداد. وهذا قول لا معنى للتشاغل =
قال ابن الأنباري: وهذا لم يقل به أحد من السلف، وهو عندي غير صحيح؛ لأن الدعاء يجوز أن يقع على شيئين متضادين، فيقال: لولا دعاؤكم الأصنام، ولولا دعاؤكم الله، وإذا احتمل الحرف الوقوع على معنيين متضادين، لم يجز حذف المنوي؛ لأنه يلتبس؛ ألا ترى أن من قال: أنا أكره كلامك، لم يحسن له أن يقول: أنا أكره. ويسكت؛ لأن المخاطب لا يدري أكراهته تقع على الكلام، أم على السكوت، فإضمار ابن قتيبة الشركاء، والآلهة، في الآية غير صحيح (١). وأيضًا فإنه لا خلاف بين النحوين أنهم إذا قالوا: ما عبأت بفلان، معناه: ما عددته شيئًا؛ ولم يقل منهم أحد: إن معناه: ما عبأت بكلامه، أو بغضه، أو رضاه؛ لأن المضمر مجهول المعنى، وما جهل معناه لم يخذف؛ ثم قال: وتأويل الآية: ما يعبأ بكم ربي، لولا دعاؤه إياكم لتعبدوه وتطيعوه، أي: لولا هذا ما عدكم الله شيئًا، ولا كانت له فيكم حاجة.
قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ الخطاب لأهل مكة، أي: كذبتم محمدًا -صلى الله عليه وسلم- (٢). واتصال هذا الكلام بما قبله على معنى: أنه دعاكم إلى توحيده وعبادته فقد كذبتم الرسول ولم تجيبوا دعوته (٣).
= به لخروجه عن أقوال أهل العلم من أهل التأويل. وقد ذكر الشنقيطي ٦/ ٣٥٩، هذه المسألة بالتفصيل واستدل على صحة الأقوال الواردة في الآية، واستبعد القول الذي ذكره ابن قتيبة؛ لأن فيه تقدير مالا دليل عليه، ولا حاجة إليه.
(١) سبق ذكر رد ابن جرير عليه.
(٢) أخرج ذلك ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، عن السدي.
(٣) أخرج ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٥، عن الوليد بن أبي الوليد، قال: بلغني أن تفسير هذه الآية: ما خلقتكم لي بكم حاجة، إلا أن تسألوني فأغفر، وتسألوني فأعطكم.
قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ قال الليث: اللزام الذي يلزمك ولا يفارقك (١). وأنشد أبو عبيدة، لصخر الغي (٢):
فإما ينجوَا من حَتفِ أرضٍ فقد لَقيا حُتوفهما لزامًا (٣)
أي: أنه واقع لا محالة. قال الزجاج: وتأويل هذا: أن الحتف إذا كان مقدرًا فهو لازم، إن نجا من حتف مكان لقيه الحتف في مكان آخر لازمًا له لزامًا (٤). والمفسرون ذكروا في تفسير اللزام: أنه يوم بدر، وهو قول ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومجاهد، ومقاتل، والسدي، ورواية عطاء عن ابن عباس؛ قال: يريد القتل يوم بدر، وعذاب الدنيا متصل بعذاب الآخرة (٥).
(١) "العين" ٧/ ٣٧٢ (لزم)، بمعناه، وكذا في "تهذيب اللغة" ١٣/ ٢٢٠.
(٢) صخر الغَي، صخر بن عبد الله الخيثمي، من بني هذيل، شاعر جاهلي، لقب بصخر الغي، لخلاعته، وشدة بأسه، وكثرة شره "الشعر والشعراء" ص ٤٤٨، و"الأعلام" ٣/ ٢٠١.
(٣) ذكره أبو عبيدة، في "المجاز" ٢/ ٨٢، ونسبه للهذلي، ولفظه:
فإما ينجوا من حتف يوم فقد لقيا حتوفهما لزامًا
وأنشده أبو عبيدة استدلالًا على أن المراد باللزام: الفيصل. وذكره الزجاج ٤/ ٧٨، عن أبي عبيدة استدلالًا على ما ذكره، وكذا الأزهري ٣١/ ٣٢٠ (لزم)، ورواية البيت موافقة لما في المعاني، والتهذيب، مما يدل على نقل الواحدي عنهما. والله أعلم. وذكره ابن عطية ١١/ ٨٤، من إنشاد أبي عبيدة. وذكره القرطبي ١٣/ ٨٦، بلفظ:
فإما ينجوا من خسف أرض
(٤) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٩. واختار هذا الماوردي ٤/ ١٦٢؛ فقال: وأظهر الأوجه أن يكون اللزام الجزاء للزومه. وتبعه العز، في تفسيره ٢/ ٤٣٥.
(٥) "تفسير مجاهد" ٢/ ٤٥٧. و"تفسير مقاتل" ص ٤٧ ب. وأخرج عبد الرزاق ٢/ ٧٢، عن قتادة، قال: قال أبي: هو القتل يوم بدر. وأخرجه ابن جرير ١٩/ ٥٦، عن ابن =
قال أبو إسحاق: وتأويله: فسوف تلزمكم العقوبة بتكذيبكم، [فيدخل في هذا يوم بدر، وغيره مما يلزمهم من العذاب. وذكر وجهًا آخر، فقال: تأويله -والله أعلم-: فسوف يكون تكذيبكم] (١) لزامًا يلزمكم، فلا تعطون التوبة (٢).
وقال الكلبي: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ أخذًا باليد، والقتل يوم بدر؛ وهو من عذاب الدنيا فأسروا يوم بدر وقتلوا (٣).
وقال الفراء: فسوف يكون تكذيبكم يوم بدر لزامًا، عذابًا لازمًا لكم (٤). وحكى أبو إسحاق، عن أبي عبيدة: ﴿لِزَامًا﴾ فيصلًا (٥). ونحو هذا روى ثعلب، عن ابن الأعرابي، وقال: اللَّزْمُ: فَصْل الشيء، من قوله تعالى: ﴿يَكُونُ لِزَامًا﴾ أي: فيصلًا (٦). والمعنى على هذا: فسوف يكون
= مسعود، وأبي بن كعب، وإبراهيم، ومجاهد، والضحاك. وأخرجه ابن أبي حاتم ٨/ ٢٧٤٦، عن أبي مالك، وأبي بن كعب، وابن مسعود، والقرظي، ومجاهد، وقتادة، والضحاك. وبه قال الهوَّاري ٣/ ٢٢٠. وأخرج ابن جرير ١٩/ ٥٧، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- من طريق علي بن أبي طلحة: اللزام: الموت. وأخرج عن ابن زيد: اللزام: القتال. قال في "الوسيط" ٣/ ٣٤٩: والمعنى أنهم قتلوا يوم بدر، واتصل به عذاب الآخرة، لازماً لهم فلحقهم الوعيد الذي ذكر الله ببدر. وأما في "الوجيز" ٧٨٥، فلم يحدد بل جعل الآية مطلقة؛ فقال: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ العذاب لازماً لكم.
(١) ما بين المعقوفين، ساقط من (ج).
(٢) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٨.
(٣) "تنوير المقباس" ص ٣٠٦، بمعناه.
(٤) "معانى القرآن" للفراء ٢/ ٢٧٥، بمعناه.
(٥) "معاني القرآن" للزجاج ٤/ ٧٨، ثم قال: وهو في قريب مما قلنا، ألا أن القول أشرح. و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة ٢/ ٨٢.
(٦) "تهذيب اللغة" ١٣/ ٢٢١ (لزم).
القتل والهلاك، أو العذاب أو تكذيبكم، على معنى: جزاء تكذيبكم فيصلًا بينكم وبين المؤمنين، ثم كان ذلك يوم بدر، والقول الأول، من: اللَّزام، وهذا من: اللِّزام، وهما ضدان (١).
والله تعالى أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب.
(١) قال الزجاج ٤/ ٧٩ ومن قرأ: لَزاماً، بفتح اللام، فهو على مصدر لزم لزاماً. ونحوه في "إعراب القرآن"، للنحاس ٣/ ١٧٠. قال القرطبي ١٣/ ٨٦: اللِّزام، بالكسر: مصدر لازم، لزاماً، مثل: خاصم خصامًا، واللَّزام، بالفتح، مصدر: لزِم، مثل: سلِم سلاماً، أي: سلامة، فالَلزام بالفتح: الُلزوم، والِلزام: الملازمة. وفي "لسان العرب" ١٢/ ٥٤٢ (لزم): وهو في اللغة. الملازمة للشيء والدوام عليه، وهو أيضًا الفصل في القضية، فكأنه من الأضداد.
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من أول سورة الشعراء إلى سورة العنكبوت
تحقيق
د. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن بسطام آل سعود أ. د. تركي بن سهو العتيبي
الجزء السابع عشر
المملكة العربية السعودية
وزارة التعليم العالي
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
عمادة البحث العلمي
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
من أول سورة الشعراء إلى سورة العنكبوت
تحقيق
د. سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين
أشرف على طباعته وإخراجه
د. عبد العزيز بن بسطام آل سعود أ. د. تركي بن سهو العتيبي
الجزء السابع عشر
جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
الواحدي، علي بن أحمد
التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد
الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ سليمان بن إبراهيم بن محمد الحصين،
الرياض ١٤٣٠ هـ.
٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية)
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
١ - ٨٧٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٧)
١ - القرآن تفسير... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد
أ- العنوان... ب- السلسلة
ديوي ٢٢٧.٣... ٨٦٨/ ١٤٣٠
رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ
ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة)
١ - ٨٧٤ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١٧)
التَّفْسِيرُ البَسِيْط
لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي
(ت ٤٦٨ هـ)
[١٧]

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

سورة الشعراء
تفسير سورة الشعراء (١)
(١) قال مقاتل ٤٨ أ: "سورة الشعراء مكية، غير آيتين فإنهما مدنيتان؛ أحدهما: قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً﴾ الآية [١٩٧]، والأخرى قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [٢٢٤]. وبعض أهل التفسير يقول: إن من قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ إلى آخرها، وهن أربع آيات، مدنيات. والله أعلم بما أنزل". قال ابن قتيبة: "سورة الشعراء مكية كلها إلا خمس آيات من آخرها". "غريب القرآن" ٣١٦. فإن كان المراد بالخمس من: ﴿وَالشُّعَرَاءُ﴾ فإن هذا لا يستقيم؛ لأنهن أربع آيات، من [٢٢٤ - ٢٢٧].
قال الثعلبي ٨/ ١٠٦ ب: "سورة الشعراء مكية إلا قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ إلى آخر السورة فإنها مدنية. وتبعه الماوردي ٤/ ١٦٣. ولم يذكر الواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٥٠، ولا الوجيز ٢/ ٧٨٦، خلافاً في مكية السورة كلها، دون استثناء. وحكاه ابن عطية ١١/ ٨٥، قول جمهور الناس. وأخرج ابن الضريس، وابن مردويه، عن ابن عباس، قال. أنزلت سورة الشعراء بمكة. وأخرج ابن مردويه، مثله عن عبد الله بن الزبير. "الدر المنثور" ٦/ ٢٨٨.
قال القاسمي ١٣/ ٤: "قال الداني: رُوي بسند صحيح أنها نزلت في شاعرين تهاجيا في الجاهلية، مع كل واحد منهما جماعة. فالسورة على هذا كلها مكية". وقد ذكر الواحدي في "الوسيط" ٣/ ٣٥٠، حديث أبي بن كعب في فضل هذه السورة وكذا الطبرسي ٧/ ٣٨٦؛ وهو حديث موضوع، تخريج الزيلعي لـ"الكشاف" ٢/ ٤٨٣. و"الفتح السماوي" ٢/ ٨٩٠. وقد سبق الحديث عنه في أول سورة الفرقان.
وعدد آياتها: مائتان وسبع وعشرون آية. "تفسير الطوسي" ٨/ ٣. و"مصاعد النظر" ٢/ ٣٢٥. و"تفسير الوسيط" ٣/ ٣٥٠. قال ابن كثير ٦/ ١٣٥: "ووقع في تفسير مالك المروي عنه، تسميتها: سورة الجامعة". قال ابن عاشور ١٩/ ٩٨: "اشتهرت عند السلف بسورة: الشعراء؛ لأنها تفردت من بين سور القرآن بذكر =
السورة التالية
Icon