0:00
0:00

سُوْرَةُ الفُرقَانِ
مكية، وآيها: سبع وسبعون آية، وحروفها: ثلاتة آلاف، وسبع مئة وثلاثة وثمانون حرفًا، وكلمها: ثماني مئة واثنتان وتسعون كلمة.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾.
[١] ﴿تَبَارَكَ﴾ وزنه تفاعَلَ، ومعناه: تَعَظَّم وتقدَّس، وقيل: معناه: جاء بالبركة، فعل مختص بالله تعالى، لم يستعمل في غيره ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ القرآن، سمي فرقانًا؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر.
﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾ محمد - ﷺ -.
﴿لِيَكُونَ﴾ العبد، أو الفرقان ﴿لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: الجن والإنس ممن عاصره، أو جاء بعده ﴿نَذِيرًا﴾ محذرًا.
...
﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾.
[٢] ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بدل من ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾.
﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ رَدٌّ على النصارى.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ ردٌّ على قريش في قولهم: إن لله شريكًا.
﴿وَخَلَقَ﴾ أحدثَ ﴿كُلَّ شَيْءٍ﴾ من المخلوقات.
﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ هيأه لما أراد منه.
...
﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾.
[٣] ﴿وَاتَّخَذُوا﴾ يعني: عبدة الأوثان.
﴿مِنْ دُونِهِ﴾ تعالى ﴿آلِهَةً﴾ يعني: الأصنام.
﴿لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ لأن عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ﴾ لا يستطيعون.
﴿لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أي: دفع ضر، ولا جلب نفع.
﴿وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً﴾ أي: إماتة وإحياء ﴿وَلَا نُشُورًا﴾ بعثًا بعد الموت، ومن كان كذلك، فكيف يعبد؟! لأن الإله يجب أن يكون قادرًا على البعث والجزاء.
...
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾.
[٤] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: النضر بن الحارث وأصحابه:
﴿إِنْ هَذَا﴾ ما هذا القرآن ﴿إِلَّا إِفْكٌ﴾ كذب ﴿افْتَرَاهُ﴾ اختلقه محمد.
﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ يعني: اليهود؛ فإنهم يلقون إليه أخبار
الأمم، وهو يعبر عنه بعبارته، وقال ابن عباس: "أشاروا إلى عبيد كانوا للعرب من الفرس، أحدهم أبو فكيهة مولى الحضرميين، وجبر ويسار وعداس وغيرهم، كانوا بمكة، زعم الكفار أن محمدًا اختلق القرآن، وأعانوه على اختلاقه" (١).
﴿فَقَدْ جَاءُوا﴾ يعني؛ قائلي هذه المقالة.
﴿ظُلْمًا﴾ كفرًا ﴿وَزُورًا﴾ كذبًا؛ لنسبتهم القرآن إلى غير قائله.
...
﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾.
[٥] ﴿وَقَالُوا﴾ المشركون؛ القرآنُ ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ ما سطره المتقدمون ﴿اكْتَتَبَهَا﴾ انتسخها محمد؛ أي: طلب أن تُكتب له؛ لأنه كان لا يكتب.
﴿فَهِيَ تُمْلَى﴾ أي: تقرأ ﴿عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ غدوةً وعشيًّا.
...
﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾.
[٦] فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ﴾ الله (٢).
﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الغيب.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٢)، و"تفسير القرطبي" (١٠/ ١٧٨).
(٢) لفظ الجلالة "الله" لم يرد في "ت".
﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لأنه أعجزكم بفصاحته.
﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ فلذلك لم يعجِّل عقوبتكم مع كمال قدرته.
...
﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾.
[٧] ﴿وَقَالُوا﴾ أي: الكافرون إنكارًا وسخرية منهم به: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ بزعمه ﴿يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ كما نأكل ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ لطلب المعاش كما نمشي، فلا يجوز أن يمتاز عنا بالنبوة. وتقدم اختلاف القراء في قوله: (مَالِ هَذَا الرَّسُولِ) في سورة الكهف عند قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف: ٤٩]، وكتبت اللام في المصحف مفردة من قوله: (مَالِ هَذَا) واتباعه سنة، أما أكله الطعام، فلأنه بشر، ومشيه في الأسواق، فلقضاء حوائجه تواضعًا، ولا ينافيان الرسالة، ثم جاؤوا بحرف التحضيض فقالوا:
﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ﴾ نصب جواب التحضيض.
﴿مَعَهُ نَذِيرًا﴾ يصدقه.
...
﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾.
[٨] ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ﴾ أي: ينزل عليه ﴿كَنْزٌ﴾ من السماء ينفقه، فيستغني عن تحصيل المعاش.
﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ بستان ﴿يَأْكُلُ مِنْهَا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: (نَأْكُلُ) بالنون؛ أي: نأكل نحن منها، وقرأ الباقون: بالياء (١)؛ أي: يأكل هو، المعنى: ليس مَلَكًا ولا مَلِكًا ولا غنيًّا، فلا نتبعه؛ لأنه دوننا.
﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ﴾ الذين أشير إليهم:
﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ قد سُحر، فغُلب على عقله.
...
﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾.
[٩] ﴿انْظُرْ﴾ يا محمد ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ يعني: الأشباه بالمسحور والكاهن والشاعر وغيره ﴿فَضَلُّوا﴾ عن الحق.
﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ طريقًا إليه.
...
﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾.
[١٠] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ﴾ في الدنيا.
﴿خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ أي: مما قالوا، ثم بين ذلك الخير، فقال:
﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ بيوتًا مشيدة. قرأ
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٢)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٥).
ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر عن عاصم: (وَيَجْعَلُ) برفع اللام استئنافًا، وقرأ الباقون: بجزمها عطفًا على محل (جَعَلَ) لأنه جواب الشرط (١)؛ لأن التقدير: تبارك الذي إن يَشَأْ يجعلْ، وقرأ أبو عمرو: (لَك قُّصُورًا) و (رَبُّك قَّدِيرًا) بإدغام الكاف في القاف فيهما (٢).
قال - ﷺ -: "عَرَضَ عليَّ ربي ليجعلَ لي بطحاءَ مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب، ولكن أشبعُ يومًا، وأجوع يومًا، أو قال: ثلاثًا فإذا جُعت، تضرعت إليك، وذكرتك، وإذا شبعتُ، حَمِدْتُك وشكرتك" (٣).
...
﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.
[١١] ﴿بَلْ كَذَّبُوا﴾ بل أتوا أعجب من ذلك كله، وهو تكذيب.
﴿بِالسَّاعَةِ﴾ بالقيامة، فكيف يصدقونك.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا﴾ نارًا ملتهبة. قرأ أبو عمرو: (بِالسَّاعَة سَّعِيرًا) بإدغام التاء في السين (٤).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧٦).
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٣٧٦).
(٣) رواه الترمذي (٢٣٤٧)، كتاب: الزهد، باب: ما جاء في الكفاف والصبر عليه، وقال: حديث حسن، وعلي بن يزيد ضعيف الحديث، والإمام أحمد في "المسند" (٥/ ٢٥٤)، عن أبي أمامة -رضي الله عنه-.
(٤) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٦)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٦).
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾.
[١٢] ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ أي: إذا قابلتهم، وصاروا بإزائها.
﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ هو الصوت الذي يهمهم به المغتاظ ﴿وَزَفِيرًا﴾ هو الصوت من الصدر، روي أن جهنم تزفر يوم القيامة، فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا خر لوجهه (١).
...
﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾.
[١٣] ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ أي: تضيق عليهم إذا ألقوا فيها، فيكون أشدَّ لعذابهم؛ فإن الكربَ مع الضيق، والرَّوْحَ مع السَّعة، فلذلك وصف الله الجنة بأن عرضها السموات والأرض. قرأ ابن كثير: (ضَيْقًا) بإسكان الياء مخففة، والباقون: بكسرها مشددة (٢).
﴿مُقَرَّنِينَ﴾ مُصَفَّدين، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل.
﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ ويلًا.
...
﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾.
[١٤] في الحديث: "أول من يُكسى حُلَّةً من النار إبليسُ، فيضعها على
(١) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٤)، وابن كثير في "تفسيره" (٣/ ٣١٢)، عن عبيد بن عمير.
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٦).
حاجبيه، ويسحبها من خلفه، وذريته من خلفه، وهو يقول: واثبوره، وهم ينادون ثبورهم، حتى يقفوا على النار، فينادي: يا ثبوره، وينادون: يا ثبورهم" فيقال لهم: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا﴾ (١) لأن عذابكم كثير لا يفنى.
﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ كعذابكم.
...
﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)﴾.
[١٥] ﴿قُلْ أَذَلِكَ﴾ المذكور من الوعيد وصفة النار.
﴿خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ﴾ أي: وُعِدَها ﴿الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ﴾ معدةً في علمه تعالى ﴿جَزَاءً وَمَصِيرًا﴾ ثوابًا ومقرًّا.
...
﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾.
[١٦] ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ من النعيم.
﴿خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا﴾ مطلوبًا يطلبه المؤمنون بقولهم: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤].
...
(١) رواه الإمام أحمد في "المسند" (٣/ ١٥٢)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٣٤١٦٨)، والطبري في "تفسيره" (١٨/ ١٨٨)، وأبو نعيم في "حلية الأولياء" (٦/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-.
﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧)﴾.
[١٧] ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي: واذكر يوم نحشرهم. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (يَحْشُرُهُمْ) بالياء، والباقون: بالنون (١).
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ من الملائكة، وعيسى، وعزير، والجن، وقيل: الأصنام.
﴿فَيَقُولُ﴾ تعالى للمعبودين إثباتًا للحجة على العابدين. قرأ ابن عامر: (فَنَقُولُ) بالنون، والباقون: بالياء (٢).
﴿أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ﴾ أخطؤوا الطريق. واختلاف القراء في الهمزتين من (أَأَنْتُمْ) كاختلافهم فيهما من ﴿أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ﴾، واختلافهم في الهمزتين من ﴿هَؤُلَاءِ أَمْ﴾ كاختلافهم فيهما من ﴿هَؤُلَاءِ أَمْ﴾، وكلاهما في سورة الأنبياء.
...
﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾.
[١٨] ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ﴾ نزهوا الله من أن يكون معه آلهة ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي﴾
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٣)، و"التيسير" للداني (ص: ١٥٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٧).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٣)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٨).
ما يجوز ولا يستقيم ﴿لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ قرأ أبو جعفر: (نُتَّخَذَ) بضم النون وفتح الخاء، فيكون (مِنْ أَوْلِيَاءَ) حالًا، و (مِنْ) زائدة لمكان النفي المتقدم؛ كما تقول: ما اتخذتُ زيدًا من وكيل، والمعنى: ما كان لنا أن نُعبد من دونك، ولا نستحق الولاء ولا العبادة، وقرأ الباقون: بفتح النون وكسر الخاء (١)؛ أي: ما جاز أن نواليهم ليعبدونا.
﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ في الدنيا بأنواع النعم.
﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ تركوا ذكر الله ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ هَلْكى، وأصله من البور، وهو الفساد، ومنه: بوار السلعة، وهو كسادها.
...
﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا وَلَا نَصْرًا وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾.
[١٩] ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ﴾ خطاب للكفار ﴿بِمَا تَقُولُونَ﴾ بقولكم فيهم: إنهم آلهة، وروي عن قنبل (بِمَا يَقُولُونَ) بالغيب (٢)؛ أي: بقولهم: (سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا) إلى آخره ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ﴾ قرأ حفص عن عاصم: (تَسْتَطِيعُونَ) بالخطاب؛ يعني: للعابدين، وقرأ الباقون: بالغيب (٣)؛ يعني: للمعبودين.
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٩).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٦)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٣)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٩).
(٣) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٧٩).
﴿صَرْفًا﴾ دفعًا للعذاب، وقيل: حيلة ﴿وَلَا نَصْرًا﴾ فيعينكم عليه؛ أي: أنتم وهم عجزة عن جلب نفع، أو دفع ضر.
﴿وَمَنْ يَظْلِمْ﴾ يشرك ﴿مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا﴾ هي النار.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا (٢٠)﴾.
[٢٠] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ تقديره: وما أرسلنا قبلك أحدًا من المرسلين إلا آكلين الطعام، وماشين في الأسواق، وجاز حذفه لدلالة (مِنَ الْمُرْسَلِينَ) عليه، وهو جواب لقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾.
﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ابتلاء ومحنة، وهذا على العموم في جميع الناس، مؤمن وكافر، فالصحيح فتنة للمريض؛ بأن يقول المريض: لو شاء الله، لجعلني مثل الصحيح، والغني فتنة للفقير، والفقيرُ الشاكر فتنة للغني، والرسولُ المخصوص بكرامة النبوة فتنةٌ لأشراف الناس الكفار في عصره، وكذلك الحكماء وحكام العدل.
﴿أَتَصْبِرُونَ﴾ علة للجَعْل، والتوقيف بتاء (تَصْبِرُونَ) خاص للمؤمنين المحققين، فهو لأمة محمد - ﷺ -؛ أي: جعلنا بعضكم لبعض فتنة؛ لنعلم أيكم يصبر على البلاء.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ فيجازي كلًّا بعمله، وهو وعد للصابرين، ووعيد للعاصين.
قال - ﷺ -: "إذا نظر أحدُكم إلى من فُضِّلَ عليه من المال والجسم، فلينظرْ إلى مَنْ هو دونَه في المال والجسم" (١).
...
﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾.
[٢١] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا﴾ أي: لا يؤمنون بالبعث، فلا يخافون عذابنا.
﴿لَوْلَا﴾ هَلَّا ﴿أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ فتخبرنا أن محمدًا صادق.
﴿أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ فيخبرنا بذلك، وجواب القسم محذوف.
﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ بالكفر.
﴿وَعَتَوْا﴾ طغوا، والعتو: أشدُّ الكفر، وأفحشُ الظلم.
﴿عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ بالغًا أقصى مراتبه؛ لطلبهم رؤية الله حتى يؤمنوا به.
...
(١) رواه هنَّاد بن السَّري في "الزهد" (١/ ٤٧)، وأبو يعلى في "مسنده" (٦٢٦١)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٥٧٤)، والبغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٢٧)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- بهذا اللفظ. ورواه البخاري (٦١٢٥)، كتاب: الرقاق، باب: لينظر إلى من هو أسفل منه، ومسلم (٢٩٦٣)، في أول كتاب: الزهد والرقائق، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- بلفظ: "المال والخلق" بدل "المال والجسم".
﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾.
[٢٢] ﴿يَوْمَ﴾ أي: واذكر يوم.
﴿يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ عند الموت ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ أي: الكافرين، المعنى: أن الملائكة تمتنع ثَمَّ من بشرى المجرمين بالجنة، وتخصها بالمؤمنين.
﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ أي: تقول الملائكة لهم: حرامًا محرمًا عليكم دخول الجنة.
...
﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾.
[٢٣] ﴿وَقَدِمْنَا﴾ قصدنا ﴿إِلَى مَا عَمِلُوا﴾ أي: الكفار.
﴿مِنْ عَمَلٍ﴾ من الخير؛ كصدقةٍ وصلةِ رحمٍ في الدنيا.
﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً﴾ هو ما يُرى من الغبار في شعاع الشمس الداخل من الكوة.
﴿مَنْثُورًا﴾ مفرقًا.
...
﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.
[٢٤] ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ يوم يستقرون فيها.
﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ من هؤلاء المشركين.
﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ موضعَ القيلولة، وهو الاستكان نصفَ النهار في الحر، وإن لم يكن نوم؛ لأنه لا نوم في الجنة.
روي أن أهل الجنة لا يمر بهم يوم القيامة إلا قدر النهار من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا مساكنهم في الجنة، قال ابن مسعود: "ولا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يَقيل أهلُ الجنة في الجنة، وأهلُ النار في النار" (١).
...
﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾.
[٢٥] ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ أي: عن الغمام، وهو الغيم الأبيض الرقيق مثل الضبابة، ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم. قرأ أبو عمرو، والكوفيون: (تَشَقَّقُ) بتخفيف الشين على حذف إحدى التاءين، وقرأ الباقون: بالتشديد؛ أي: تتشقق، فأدغم (٢).
﴿وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ﴾ قرأ ابن كثير: (وَنُنْزِلُ) بنونين الأولى مضمومة والثانية ساكنة، مع تخفيف الزاي ورفع اللام، ونصب (الملائكةَ) مفعولًا؛ من (أَنْزَلَ) إخبارًا عن الله تعالى، وهي كذلك في المصحف المكي، وقرأ الباقون: (وَنُزِّلَ) مجهولًا بنون واحدة وتشديد الزاي وفتح اللام، ورفع (الملائكةُ) فاعلًا؛ من (نَزَلَ)، وكذلك هي في مصاحفهم (٣).
(١) رواه ابن المبارك في "الزهد" (ص: ٤٦٣)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥١٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨١).
(٣) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٤)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، =
﴿تَنْزِيلًا﴾ في ذلك الغمام، روي أنه تنشق سماء سماء، وتنزل الملائكة بأيديهم صحائف أعمال العباد (١).
...
﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾.
[٢٦] ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: الملك حقًّا يوم القيامة هو ملك الرحمن، لا مَلِكَ يقضي غيرُه.
﴿وَكَانَ﴾ ذلك اليوم ﴿يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا﴾ صعبًا، وعلى المؤمنين يسيرًا.
...
﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾.
[٢٧] ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ أي: الكافر ﴿عَلَى يَدَيْهِ﴾ ندمًا على تفريطه في جنب الله تعالى، والظالم هو عقبة بن أبي معيط، وذلك أنه كان أسلم، أو جنح إلى الإسلام، وكان أبي بن خلف خليلًا له، فنهاه عن الإسلام، فقبل نهيه، فنزلت الآية فيهما (٢)، فقتل عُقبة يوم بدر صبرًا (٣)، وأما أبي بن
= و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨١).
(١) ذكره الزمخشري في "الكشاف" (٤/ ٤٥٠).
(٢) انظر: "أسباب نزول" للواحدي (ص: ١٩٢).
(٣) رواه عبد الرزاق في "مصنفه" (٣٩٨٩)، والطبراني في "المعجم الكبير" (١١٩٨٦) عن ابن عباس، وفيه: فقام علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقتله. وانظر: "التلخيص الحبير" لابن حجر (٥/ ٢٦٩).
خلف، فقتله النبي الله - ﷺ - يوم أحد بيده (١)، روي أنه يأكل يديه حتى تبلغ مرفقيه، ثم يأكل هكذا، كما نبتتا (٢)، أكلهما تحسرًا.
﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ﴾ في الدنيا ﴿مَعَ الرَّسُولِ﴾ محمد ﴿سَبِيلًا﴾ طريقًا إلى الجنة، وهو الإيمان. قرأ أبو عمرو: (يَا لَيْتَنِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٣)، وقرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، ورويس عن يعقوب: (اتَّخَذْتُ) بإظهار الذال عند التاء، والباقون: بإدغامها (٤).
(١) رواه الحاكم في "المستدرك" (٣٢٦٣)، والبيهقي في "دلائل النبوة" (٣/ ٢٥٨) باب: شدة رسول الله - ﷺ - في اليأس، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، به، وعندهما: أن أبيًّا كان قد حلف وهو بمكة ليقتلنَّ رسول الله - ﷺ - فلما بلغت رسولَ الله - ﷺ - حلفته قال رسول الله - ﷺ -: "بل أنا أقتله إن شاء الله"، فأقبل أبي متقنعًا في الحديد وهو يقول: إن نجوت لا نجا محمد، فحمل على رسول الله - ﷺ - يريد قتله، فاستقبله مصعب بن عمير، يقي رسول الله - ﷺ - بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، وأبصر رسول الله - ﷺ - ترقوة أبي بن خلف من فُرجة بين سابغة الدرع والبيضةِ، فطعنه بحربته، فوقع أبيُّ عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فأتاه أصحابه فاحتملوه وهو يخور خوار الثور. فقالوا: ما أجزعك؟ إنما هو خدش، فذكرهم قول رسول الله - ﷺ - "أنا أقتل أبيًّا" ثم قال: والذي نفسي بيده، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون. فمات إلى النار، فسحقًا لأصحاب السعير.
(٢) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٣٠)، وابن الجوزي في "زاد المسير" (٤/ ٤٧١) عن عطاء. وذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٨/ ٣٦٠) عن الضحاك.
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٥)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٣).
(٤) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٣).
﴿يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨)﴾.
[٢٨] ﴿يَاوَيْلَتَى﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف (١): (يَا وَيْلَتَى) بالإمالة، بخلاف عن الأول (٢) ﴿لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ يعنى: أُبَيَّ بنَ خلف.
﴿خَلِيلًا﴾ والخلة: هي ألَّا تكون لطمع، ولا لخوف، بل في الدين.
...
﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾.
[٢٩] ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ الإيمان ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي﴾ مع الرسول، وهذا آخر كلام الظالم، وهذه الآية عامة في كل متحابِّين اجتمعا على معصية الله تعالى، قال - ﷺ -: "المرءُ على دينِ خليله، فلينظرْ أحدُكم من يُخالل" (٣).
﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ وهو كل متمرد عاتٍ من الإنس والجن ﴿لِلْإِنْسَانِ﴾ المطيعِ له ﴿خَذُولًا﴾ والخذلان: تركُ النصرة، فيتبرأ منه عند نزول العذاب والبلاء.
(١) "وخلف" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٤)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٣).
(٣) رواه أبو داود (٤٨٣٣)، كتاب: الأدب، باب: من يؤمر أن يجالس، والترمذي (٢٣٧٨)، كتاب: الزهد، باب: (٤٥)، وقال: حسن غريب، والإمام أحمد في "المسند" (٢/ ٣٣٤)، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾.
[٣٠] ﴿وَقَالَ﴾ أي: ويقول ﴿الرَّسُولُ﴾ محمد - ﷺ - في ذلك اليوم: ﴿يَارَبِّ إِنَّ قَوْمِي﴾ قريشًا ﴿اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ متروكًا.
روى أنس عن النبي - ﷺ -: أنه قال: "من عَلَّقَ مُصْحَفًا، ولم يتعاهَدْه، جاء يوم القيامة متعلِّقًا به يقول: يا رَبِّ! هذا اتخذني مهجورًا، اقض يا ربِّ بيني وبينه" (١). قرأ نافع، وأبو جعفر، وأبو عمرو، والبزي عن ابن كثير، وروح عن يعقوب: (قَوْمِيَ) بفتح الياء، والباقون: بإسكانها (٢).
...
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾.
[٣١] ثم سلَّاه عن فعل قومه بأن أعلمه أن غيره من الرسل كذلك، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما ﴿جَعَلْنَا﴾ لك يا محمد عدوًا من المشركين، جعلنا.
﴿لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ أي: أعداء ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ المشركين، فأنت كالأنبياء في البلاء، وأنا ناصركم.
﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ والباء في (بِرَبِّكَ) للتأكيد، المعنى: اكتف بربك؛ فإنه ناصرك وهاديك.
(١) رواه الثعلبي، كما ذكر الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" (٢/ ٤٥٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٤ - ٤٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٥)، و"للنشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٤).
﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾.
[٣٢] ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ﴾ أي: أُنزل ﴿عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ كالتوراة والإنجيل والزبور، قال الله تعالى:
﴿كَذَلِكَ﴾ أي: نزل (١) كما أردناه ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: أنزلناه مفرقًا؛ ليقوى بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه؛ لأن حاله يخالف حال موسى وعيسى وداود؛ حيث كان أميًّا، وكانوا يكتبون، فلو ألقي إليه جملة، تَعَيَّا بحفظه، ولأن نزوله بحسب الوقائع، ومنه الناسخ والمنسوخ، ومنه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، ففرقناه؛ ليكون أوعى لرسول الله - ﷺ -، وأيسر على العامل به. قرأ ورش عن نافع: (فُوَادَكَ) بفتح الواو بغير همز، والباقون: بالهمز (٢).
﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا﴾ أنزلنا بعضه في إثر بعض، وبيناه تبيينًا.
...
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾.
[٣٣] ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ﴾ يا محمد هؤلاء الكفار ﴿بِمَثَلٍ﴾ يضربونه لك جدلًا ﴿إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ المبطل لما جاؤوا به ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ بيانًا، والتفسير: هو كشف ما قد غُطِّي.
(١) "نزل" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٤).
﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾.
[٣٤] ثم ذكر ما لهؤلاء المشركين فقال:
﴿الَّذِينَ﴾ أي: هم الذين ﴿يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾ فيساقون ويجرون.
﴿إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ منزلة ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأ طريقًا.
...
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥)﴾.
[٣٥] ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا﴾. معينًا، وهو من تحمل الوزر؛ أي: ثقل الحال.
...
﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)﴾.
[٣٦] ﴿فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ هم القبط، وتقديره: فأَنْذَرا، فكذبوهما ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا﴾ أهلكناهم إهلاكًا.
...
﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ عَذَابًا أَلِيمًا (٣٧)﴾.
[٣٧] ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ﴾ أي: نوحًا، ومن كذب رسولًا
واحدًا، فقد كذب جميع الرسل، فلذلك ذكر بلفظ الجمع.
﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ عبرة يتعظون بها.
﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾ في الآخرة.
﴿عَذَابًا أَلِيمًا﴾ سوى ما حل بهم من عاجل العذاب.
...
﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾.
[٣٨] ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ عطف على (هم) في ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ قرأ حمزة، ويعقوب، وحفص عاصم: (وَثَمُودَ) بنصب الدال غير منون، والباقون: بالتنوين (١).
﴿وَأَصْحَابَ الرَّسِّ﴾ هو بئر لم تطو بالحجارة، وكان أصحابه قوم يعبدون الأصنام، فأرسل إليهم شعيب، فكذبوه، فخسف بهم وبمنازلهم وأموالهم، وانهارت بئرهم، وقيل: كان نبيهم حنظلة بن صفوان، فقتلوه، فأهلكوا، كما تقدم تفسيره (٢) في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ [الآية: ٤٥] وقيل غير ذلك، وقيل: الرس: المعدن، وجمعه رساس.
﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: أهلكنا بين عاد وأصحاب الرس.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٣٣٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٢٥)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٨٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٦).
(٢) "تفسيره" ساقطة في "ت".
﴿كَثِيرًا﴾ لا يعلمهم (١) إلا الله.
...
﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾.
[٣٩] ﴿وَكُلًّا﴾ من المهلَكين ﴿ضَرَبْنَا﴾ بينا ﴿لَهُ الْأَمْثَالَ﴾ البراهين على الإيمان، ولم نهلكهم من غير إنذار.
﴿وَكُلًّا﴾ منهم بعد التكذيب ﴿تَبَّرْنَا﴾ دمرنا ﴿تَتْبِيرًا﴾ وكلُّ مكسَّرٍ كزجاج أو ذهب أو فضة تبرٌ.
...
﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾.
[٤٠] ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا﴾ يعني قريشًا مروا في متاجرهم إلى الشام.
﴿عَلَى الْقَرْيَةِ﴾ يعني: سدوم، عظمى قرى قوم لوط.
﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الرمي بالحجارة.
﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ فيتفكرون فيؤمنون. واختلاف القراء في الهمزتين من (السَّوْءِ أَفَلَمْ) كاختلافهم فيهما من (هَؤُلاَءِ آلِهَةً) في سورة الأنبياء.
﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ لا يخافون بعثًا، فلا يؤمنون.
...
(١) في "ت": "يعلمها".
﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾.
[٤١] ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ أي: ما يتخذونك ﴿إِلَّا هُزُوًا﴾ مهزوءًا به. قرأ حفص عن عاصم: (هُزُوًا) بفتح الواو منونًا من غير همز، والباقون: بالهمز، وحمزة وخلف يسكنان الزاي (١)، نزلت في أبي جهل، كان إذا مر بأصحابه على رسول الله - ﷺ -، قالوا استهزاء به:
﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ (٢) ليثبت الحجة علينا.
...
﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾.
[٤٢] ﴿إِنْ كَادَ﴾ محمد ﴿لَيُضِلُّنَا﴾ أي: قد قارب أن يصرفنا.
﴿عَنْ﴾ عبادة ﴿آلِهَتِنَا﴾ لفرط جهاده في الدين.
﴿لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ لصرفنا عن عبادتها، ثم تهددهم فقال:
﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أخطأُ طريقًا هم أم المؤمنون.
...
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٦ - ٢٨٧).
(٢) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٣٤).
﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾.
[٤٣] ثم وبخ كل من عبد غير الله تعالى فقال: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى حجرًا أحسن منه، رمى به، وعبد الآخر. قرأ نافع، وأبو جعفر: (أَرَأَيْتَ) بتسهيل الهمزة الثانية بين بين، وقرأ الكسائي: بحذفها، وروي عن ورش: إبدالها ألفًا خالصة، وإذا أبدلها، مدّ؛ لالتقاء الساكنين مدًّا مشبعًا، وقرأ الباقون: بالهمز (١).
﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ يحفظه من اتباع هواه.
****
﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾.
[٤٤] ﴿أَمْ تَحْسَبُ﴾ بل أتحسب ﴿أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ﴾ ما تقول سماع طالب الإفهام ﴿أَوْ يَعْقِلُونَ﴾ ما يعاينون من الحجج.
﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ﴾ بالجهل بالمنافع.
﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ أَخْطَأُ طريقًا؛ لأن الأنعام تهتدي لمراعيها، وهم على خلاف ذلك.
...
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا (٤٥)﴾.
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٧).
[٤٥] ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ﴾ ألم تنظر إلى صنعه، ومعناه: تنبيه، والرؤية هاهنا رؤية القلب.
﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ أي: بسطه؛ يعني: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس؛ لأنه لا شمس معه، وهو أطيب الأحوال، ولذلك وصف به الجنة فقال: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ﴾ [الواقعة: ٣٠]، وقيل: هو إلى الزوال، والفيء من الزوال إلى الغروب؛ لأنه فاء من جانب المشرق إلى جانب المغرب.
﴿وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا﴾ دائمًا لا شمس معه.
﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا﴾ يبين معنى الظل ونفعه؛ لأنه لولا الشمس، لما عرف الظل، ولولا النور، لما عرفت الظلمة، والأشياء تعرف بأضدادها.
...
﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا يَسِيرًا (٤٦)﴾.
[٤٦] ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا﴾ أي: نسخناه بها.
﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ أي: على مهل، والقبض: جمعُ المنبسطِ من الشيء، معناه: أن الظل يعم جميع الأرض، فإذا طلعت الشمس، قبض الله الظل جزءًا فجزءًا.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾.
[٤٧] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ ساترًا بظلمته.
﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ راحة لأبدانكم.
﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ ينتشر فيه الخلق للمعاش.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾.
[٤٨] ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ﴾ قرأ ابن كثير: (الرِّيحَ) على الإفراد، وقرأ الباقون: (الرِّيَاحَ) على الجمع (١) ﴿بُشْرًا﴾ ناشرات للسحاب، جمع نشور. قرأ ابن عامر: بالنون وضمها وإسكان الشين على التخفيف، وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بالنون وفتحها وإسكان الشين على أنه مصدر وصف به، وقرأ عاصم: بالباء الموحدة وضمها وإسكان الشين تخفيف بشر جمع بشور بمعنى مبشر، وقرأ الباقون: بالنون وضمها وضم الشين على المعنى الأول (٢).
﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: قدامَ المطر.
﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ والطهور: هو الباقي على أصل خلقته من ماء المطر والبحر والعيون والآبار، على أي صفة كان؛ من عذوبة وملوحة، وحرارة وبرودة وغيرها.
وما تغير بمكثه، أو بطاهر لا يمكن صونه عنه؛ كالتراب والطحلب
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ٧٨)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٨).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١١٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٨ - ٢٨٩).
وورق الشجر ونحوها، فهو طاهر [في نفسه، مطهر لغيره، يرفع الأحداث، ويزيل الأنجاس بالاتفاق، فإن تغير عن أصل خلقته بطاهر] (١) يغلب على أجزائه مما يستغني عنه الماء غالبًا، لم يجز التطهير به عند الثلاثة، وجوز أبو حنيفة الوضوء بالماء المتغير بالزعفران ونحوه من الطاهرات، ما لم تزل رقته، وقال أيضًا: بجواز إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة؛ كالخل وماء الورد ونحوهما، وخالفه الثلاثة، ومحمد بن الحسن، وزفر، واتفقوا على أنه إذا تغير الماء بالنجاسة، نجس، قل أو كثر، والماء المستعمل: وهو ما أزيل به حدث، لا يطهر الأحداث عند الثلاثة، وقال مالك: يجوز الوضوء بماء توضيء به مرة مع الكراهة، وإذا بلغ الماء قلتين، وخالطته نجاسة، فقال الشافعي وأحمد (٢): لا ينجس إلا أن يتغير طعمه أو لونه أو ريحه، وقال أبو حنيفة: ينجس الماء بملاقاة النجاسة ما لم يكن عشرة أذرع في مثلها، وقال مالك: لا ينجس الماء بوقوع النجاسة فيه ولو كان قليلًا ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة، وهو رواية عن أحمد، وقدر القلتين خمس مئة رطل عراقي تقريبًا، وأربع مئة وستة وأربعون رطلًا وثلاثة أسباع رطل مصري، ومئة وسبعة أرطال وسبع رطل دمشقي، وتسعة وثمانون رطلًا وسبعا رطل حلبي، وثمانون رطلًا وسبعا رطل ونصف سبع رطل قدسي، ومساحتهما مربعًا ذراع وربع طولًا وعرضًا وعمقًا ومدورًا، وذراع طولًا وذراعان ونصف ذراع عمقًا، والمراد: ذراع اليد، والرطل مئة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم، وهو سبع القدسي وثمن
(١) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
(٢) "وأحمد" زيادة من "ت".
سبعه، وسبع الحلبي وربع سبعه، وسبع الدمشقي ونصف سبعه، ونصف المصري وربعه وسبعه وتسعون مثقالًا.
...
﴿لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾.
[٤٩] ثم بين الحكمة في إنزال الماء فقال: ﴿لِنُحْيِيَ بِهِ﴾ أي: بالمطر.
﴿بَلْدَةً مَيْتًا﴾ قفرًا، وتذكير (ميتًا) رجع به إلى الموضع والمكان. قرأ أبو جعفر: (مَيِّتًا) بكسر الياء مشددًا، والباقون: بإسكانها مخففًا (١).
﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا﴾ أي: نسقي من ذلك الماء أنعامًا مما خلقنا.
﴿وَأَنَاسِيَّ﴾ أي: بشرًا ﴿كَثِيرًا﴾ والأناسي: جمع إنسي، وقدمت الأرض على الأنعام والأناسي؛ لأن حياتها سبب لحياتهما.
...
﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾.
[٥٠] ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: المطر في البلاد والأوقات المختلفة، قال ابن عباس: "ما عام بأمطرَ من عام، ولكن الله يصرفه في الأرض" (٢).
قرأ أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وخلف، وهشام: (وَلَقَد صَّرَّفْنَاهُ)
(١) انظر: "النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٢٧٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٩).
(٢) رواه الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٢)، والحاكم في "المستدرك" (٣٥٢٠).
بإدغام الدال في الصاد، والباقون: بالإظهار (١).
﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بإسكان الذال وضم الكاف مع تخفيفها، وقرأ الباقون: بفتح الذال والكاف مع تشديدهما، وهما لغتان (٢)؛ أي: يتفكروا في نعم الله.
﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ جحودًا، وهو قولهم: مُطرنا بنَوْء كذا وكذا.
...
﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١)﴾.
[٥١] ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ رسولًا، ولقسمنا النُّذرَ بينهم كما قسمنا المطر؛ لنخفف عليك أعباء النبوة، ولكنَّا حمَّلناك ثقلَ نِذارة جميع القرى؛ لتستوجب بذلك الدرجة الرفيعة، ويعظم أجرك.
...
﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾.
[٥٢] ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فيما ندبوك إليه من عبادة آلهتهم ومداهنتهم.
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾ أي: بالقرآن ﴿جِهَادًا كَبِيرًا﴾ لا يخالطه فتور.
(١) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٧)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٨٩).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٥)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٠).
﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾.
[٥٣] ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ﴾ خلطهما، وأفاض أحدهما في الآخر في مرأى العيون، وبينهما حاجز من قدرة الله عز وجل.
﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ شديد العذوبة، قامع للعطش.
﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ شديد الملوحة.
﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا﴾ حاجزًا من قدرته.
﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ منعًا ممنوعًا عن الإدراك؛ لئلا يختلط أحدهما بالآخر، وذلك كدجلة تدخل البحر وتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها، أو المراد بالبحر العذب: النهر العظيم؛ مثل النيل، وبالبحر المالح: البحر الكبير، وبالبرزخ: ما يحول بينهما من الأرض.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾.
[٥٤] ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ﴾ أي: المعني ﴿بَشَرًا﴾ إنسانًا.
﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا﴾ أي: ذكورًا ينسب إليهم.
﴿وَصِهْرًا﴾ أي: إناثًا يصاهر بهن.
﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا﴾ (وكان) هي التي للدوام قبل وبعد، لا أنها تعمل (١)
(١) في "ت": "تعطي".
مضيًّا فقط. وتقدم في السورة مذهب أبي عمرو في إدغام الكاف في القاف من قوله (رَبُّك قَّدِيرًا).
﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾.
[٥٥] ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: هؤلاء المشركين.
﴿مَا لَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إن عبدوا ﴿وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾ إن تركوا عبادته.
﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ معينًا للشيطان على ربه بالمعاصي.
...
﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾.
[٥٦] ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا﴾ للمؤمنين ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافرين.
...
﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾.
[٥٧] ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: على تبليغ الوحي.
﴿مِنْ أَجْرٍ﴾ فتقولوا: إنما يطلب محمد - ﷺ - أموالنا بما يدعونا إليه، فلا نتبعه.
﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ استثناء منقطع؛ أي: لا لطلب أموالكم جعلًا لنفسي، لكن من شاء إنفاقها لوجه الله تعالى، فلا أمنعه. واختلاف القراء في الهمزتين من (شَاءَ أَنْ) كاختلافهم فيهما من (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ) في سورة الحج.
﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾.
[٥٨] ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ لأنه حقيق أن يتوكل عليه دون غيره.
﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾ صلِّ له شكرًا، ونَزِّهه عن صفات النقصان، قال - ﷺ -: "من قالَ في كل يوم: سبحانَ اللهِ وبحمدِه مئةَ مرةٍ، غُفرت ذنوبه، ولو كانت مثلَ زبدِ البحر" (١).
﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ﴾ ما ظهر منها وما بطن.
﴿خَبِيرًا﴾ مطلعًا، وهذا توعُّد.
...
﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾.
[٥٩] ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ أي: في مدتهما؛ لأنه لم يكن ثَم شمس ولا قمر.
﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ بلا كيف. وتقدم الكلام عليه في سورة طه.
﴿الرَّحْمَنُ﴾ مبتدأ، خبره ﴿فَاسْأَلْ بِهِ﴾ أي: عنه، والفاء زائدة ﴿خَبِيرًا﴾ مفعول (سَلْ)؛ أي: سل رجلًا خبيرًا به وبرحمته، يخبرك،
(١) رواه البخاري (٦٠٤٢)، كتاب: الدعوات، باب: فضل التسبيح، ومسلم (٢٦٩١)، كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: فضل التهليل والتسبيح والدعاء، عن أبي هريرة -رضي الله عنه-.
والمراد: جبريل، والعلماء، وأهل الكتب المنزلة. قرأ ابن كثير، والكسائي، وخلف: (فَسَلْ) بالنقل، والباقون: بالهمز (١).
...
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾.
[٦٠] ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ ما نعرف الرحمن؛ لأن قريشًا كانت لا تعرف هذا في أسماء الله تعالى، وكان مسيلمة الكذاب تَسَمَّى برحمن اليمامة، فغالطت قريش بذلك وقالت: إن محمدًا يأمر بعبادة رحمن اليمامة (٢).
﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ قرأ حمزة، والكسائي: (يَأْمُرُنَا) بالغيب إخبارًا عن النبي - ﷺ -، وقرأ الباقون: بالخطاب له - ﷺ - (٣).
(١) انظر: "إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٢٩)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩١).
(٢) رواه أبن أبي حاتم في "تفسيره" (١٠/ ٣٤٠) عن عطاء، وذكره الطبري في "تفسيره" (١٩/ ٢٨٨)، و"البغوي" في "تفسيره" (٣/ ٣٤٠). ومعلوم أن الله سبحانه قد حمى اسمه (الله والرحمن) أن يتسمى به أحد غيره جلَّ جلاله وما ورد من مثل هذا (رحمن اليمامة) فهو غير وارد؛ لأنه مضاف إلى اليمامة، ولذلك عندما تجرَّأ الخبيث مسيلمة على التسمية به، كساه اللهُ جلباب الكذب وشهر به بين الأمم وعلى مدى الأزمان، فصار اسمه (مسيلمة الكذاب). انظر: "فتح الباري" لابن حجر (١٠/ ٥٧١)، و"تفسير ابن كثير" (١/ ٢٢).
(٣) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٢).
﴿وَزَادَهُمْ﴾ الأمر بالسجود ﴿نُفُورًا﴾ تباعدًا عن الإيمان، وهذا محل سجود بالاتفاق، وتقدم اختلاف الأئمة في حكم سجود التلاوة وسجود الشكر ملخصًا عند سجدة مريم، فمن جهل وجود الرب سبحانه، أو علم وجوده، وفعل فعلًا، أو قال قولًا (١) لا يصدر إلا من كافر، فكافر بالاتفاق، ونافي الإسلام مخطيء آثم كافر عند أئمة الإسلام بغير خلاف.
...
﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾.
[٦١] ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ يعني: البروج الاثني عشر، وهي: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، وهي منازل الكواكب السبعة، سميت بالبروج المقصور؛ لأنها لها كالقصور لسكانها، فالحمل والعقرب بيتا المريخ، والثور والميزان بيتا الزهرة، والجوزاء والسنبلة بيتا عطارد، والسرطان بيت القمر، والأسد بيت الشمس، والقوس والحوت بيتا المشتري، والجدي والدلو بيتا زحل، وهذه البروج مقسومة على الطبائع الأربع، فيكون نصيب كل واحد منها ثلاثة بروج تسمى المثلثات، فالحمل والأسد والقوس مثلثة نارية، والثور والسنبلة والجدي مثلثة أرضية، والجوزاء والميزان والدلو مثلثة [هوائية، والسرطان والعقرب والحوت مثلثة] (٢) مائية.
(١) "أو قال قولًا" زيادة من "ت".
(٢) ما بين معكوفتين زيادة من "ت".
﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وخلف: بضم السين وفتح الراء من غير ألف على الجمع؛ يعني: النجوم، وقرأ الباقون: بكسر السين وفتح الراء وألف بعدها على الإفراد؛ يعني: الشمس (١).
﴿وَقَمَرًا مُنِيرًا﴾ مضيئًا بالليل.
...
﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾.
[٦٢] ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ أي: يخلف هذا هذا، وما نقص من أحدهما زاد في الآخر.
﴿لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ﴾ قرأ حمزة وخلف: (يَذْكُرَ) بتخفيف الذال مسكنة وتخفيف الكاف مضمومة؛ من الذكر، وقرأ الباقون: بتشديدهما مفتوحتين؛ من التذكير (٢).
﴿أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ أي: شكر نعمة ربه عليه فيهما.
...
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾.
[٦٣] ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ مبتدأ، خبره:
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٦)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤١)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٢).
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٢)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٣).
﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ رويدًا بالسكينة والوقار.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ﴾ بما يكرهون.
﴿قَالُوا سَلَامًا﴾ أي: قولًا يسلمون فيه من الإثم.
...
﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾.
[٦٤] ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا﴾ على وجوههم ﴿وَقِيَامًا﴾ على أقدامهم، يقال: بات لمن دخل عليه الليل وإن لم ينم، قال ابن عباس: "من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين، فقد بات لله ساجدًا وقائمًا" (١) وتخصيص البيتوتة؛ لأن العبادة بالليل أبعد من الرياء.
...
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾.
[٦٥] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ دائمًا لازمًا كلزوم الغريم الغريم.
...
﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾.
[٦٦] ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ أي: بئس موضع قرار وإقامة (٢).
...
(١) انظر: "تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٢).
(٢) "وإقامة" زيادة من "ت".
﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾.
[٦٧] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ لم يجاوزوا الحد ﴿وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ يضيقوا. قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر: (يُقْتِرُوا) بضم الياء وكسر التاء؛ من (أقتر)، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (يَقْتِرُوا) (١) بفتح الياء وكسر التاء، وقرأ الباقون، وهم الكوفيون: بفتح الياء وضم التاء مستقبل (قتر) مخففًا، وكلها لغات صحيحة (٢)، وقال ابن عباس: "الإسراف: النفقة في المعصية، والإقتار: منع حق الله تعالى" (٣).
﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ عدلًا بين الشيئين، وفي معنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا﴾ الآية، من الأمثال الدائرة على ألسن الناس: خيرُ الأمورِ أوسطُها (٤).
(١) "يقتروا" ساقطة من "ت".
(٢) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٣)، و"النشر في القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٤).
(٣) ذكره البغوي في "تفسيره" (٣/ ٣٤٣) عن ابن عباس ومجاهد وقتادة.
(٤) وجاء في لفظ: "أوساطها" بدل: "أوسطها"، وقد رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (٣٥١٢٨)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٦٠١) عن مطرف، والخطابيُّ في "العزلة" (ص: ٩٨) عن أكثم بن صيفي. قال السخاوي: وقد رواه ابن السمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" لكن بسند فيه مجهول، عن علي مرفوعًا، وللديلمي بلا سند عن ابن عباس مرفوعًا. انظر: "المقاصد الحسنة" (ص: ٢٤٥ - ٢٤٦).
﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾.
[٦٨] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إخراج لعباده المؤمنين من صفات الكفرة في عبادة الأوثان.
﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ قتلها (١) ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ لا يفعلون كالمشركين بوأد البنات وغير ذلك من الظلم والاغتيال والغارات.
﴿وَلَا يَزْنُونَ﴾ كالجاهلية الذين كان عندهم الزنا مباحًا.
﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: شيئًا من هذه الأفعال ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ أي: جزاء إثم، وهي العقوبة. قرأ الليث عن الكسائي: (يَفْعَل ذَّلِكَ) بإدغام اللام في الذال حيث وقع، وأظهرها الباقون (٢).
...
﴿يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩)﴾.
[٦٩] ﴿يُضَاعَفْ﴾ أي: يتزايد ﴿لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ أي: يهان دائمًا في العذاب. قرأ ابن كثير، وأبو جعفر، ويعقوب: (يُضَعَّفْ) بالتشديد مع حذف الألف، وجزم الفاء، والدال من (يَخْلُدْ) على جواب الشرط، وقرأ ابن عامر: بالتشديد مع حذف الألف كما تقدم، ورفع الفاء والدال على الابتداء، وقرأ أبو بكر عن عاصم: بإثبات الألف بعد
(١) "قتلها" زيادة من "ت".
(٢) انظر: "الغيث" للصفاقسي (ص: ٣٠٧)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٥).
الضاد والتخفيف ورفع الفاء والدال كابن عامر، وقرأ الباقون: بالإثبات والتخفيف وجزم الفاء والدال (١)، وقرأ ابن كثير وحفص: (فِيهِ مُهَانًا) بإشباع كسرة الهاء وصلتها بياء في الوصل (٢).
﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾.
[٧٠] ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ من ذنبه ﴿وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ بعد توبته بينه وبين ربه ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ فبدلوا بالشرك إيمانًا، وبقتل المؤمنين قتل الكافرين، وبالزنا عفة وإحصانًا.
﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعفو عن السيئات، ويثيب على الحسنات.
﴿وَمَنْ تَابَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَابًا (٧١)﴾.
[٧١] ﴿وَمَنْ تَابَ﴾ عن المعاصي ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يتلافى به ما فرط (٣).
﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ﴾ يرجع إليه ﴿مَتَابًا﴾ مرضيًّا، أي: من أراد حقيقة التوبة، فليرد بها الله.
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٤٦)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٥)، و"إتحاف فضلاء البشر" للدمياطي (ص: ٣٣٠)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٦).
(٢) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٧)، و"التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٨).
(٣) "يتلافى به ما فرط" زيادة من "ت".
﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾.
[٧٢] ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ لا يقيمون الشهادة الباطلة، ولا يحضرون محاضر الكذب، ومن أعظم الزور الشركُ بالله تعالى، وتقدم حكم تعزير شاهد الزور في سورة الحج ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ يشمل المعاصي كلها، وكلَّ سقط من فعل أو قول.
﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾ أي: معرضين.
...
﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾.
[٧٣] ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ وُعظوا ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ القرآن.
﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لم يقيموا عليها غير واعين لها، بل أكبوا عليها حرصًا على استماعها.
...
﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾.
[٧٤] ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا﴾ قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن كثير، وابن عامر، ويعقوب، وحفص عن عاصم: (وَذُرِّيَّاتِنا) بالألف جمعًا؛ حملًا على المعنى؛ لأن لكل واحد منهم ذرية، وقرأ الباقون: بغير ألف على الإفراد إرادة الجنس (١).
(١) انظر: "التيسير" للداني (ص: ١٦٤)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٧)، و"النشر في =
﴿قُرَّةَ أَعْيُنٍ﴾ أولادًا أبرارًا أتقياء، فتقر أعيننا بذلك، مأخوذ من القرور، وهو الماء البارد؛ لأن دمعة السرور باردة، ودمعة الحزن حارة.
﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ أي: صالحين لاقتداء المتقين بنا.
...
﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥)﴾.
[٧٥] ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ وهي كل بناء مرتفع، والمراد: أعلى منازل الجنة.
﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ بصبرهم على أذى المشركين، والمكروهات، وعن الشهوات.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا﴾ يستقبلون في الغرفة. قرأ حمزة، والكسائي، وخلف، وأبو بكر عن عاصم: بفتح الياء وإسكان اللام وتخفيف القاف؛ من (لقَي)، وقرأ الباقون: بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف (١).
﴿تَحِيَّةً﴾ ملكًا، وقيل: بقاءً دائمًا في الجنة.
﴿وَسَلَامًا﴾ سلامة من الآفات.
...
= القراءات العشر" لابن الجزري (٢/ ٣٣٥)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٨).
(١) انظر: "السبعة" لابن مجاهد (ص: ٤٦٨)، و"تفسير البغوي" (٣/ ٣٤٨)، و"معجم القراءات القرآنية" (٤/ ٢٩٩).
﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾.
[٧٦] ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ حال ﴿حَسُنَتْ﴾ أي: الغرفة.
﴿مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا﴾ موضعَ قرار وإقامة.
...
﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾.
[٧٧] ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ ما يبالي بمغفرتكم.
﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ معه آلهة، وقيل: معناه: ليس يثقل عليه عذابكم لولا دعاؤكم إياه بالتوحيد والطاعة.
﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ يا أهل مكة بما أخبرتكم به؛ حيث خالفتموه.
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ﴾ أي: العذاب ﴿لِزَامًا﴾ أي: لازمًا يحيط بكم لا محالة، وهذا تهديد لهم، واختلفوا فيه، فقال قوم منهم عبد الله بن مسعود وأبي بن كعب: هو يوم بدر، قتل منهم سبعون، وأسر سبعون، وقال آخرون: هو عذاب الآخرة، والله سبحانه أعلم.
***
السورة التالية
Icon