0:00
0:00
(٢٥) سورة الفرقان مكيّة وآياتها سبع وسبعون
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ١ الى ٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً (٣) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلاَّ إِفْكٌ افْتَراهُ وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً (٤)
وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (٦)
اللغة:
(تَبارَكَ) :البركة زيادة الخير وكثرته، والزيادة تكون حسية ومعنوية أي تزايد خيره وتكاثر أو تزايد عن كل شيء وتعالى عنه في
صفاته وأفعاله، ثم ان تبارك فعل ماض جامد لا يتصرف فلا يأتي منه مضارع ولا أمر ولا اسم فاعل وليس له مصدر ولا يستعمل في غير الله تعالى وسيأتي بحث الجامد في باب الفوائد.
(الْفُرْقانَ) :القرآن لأنه فرق بين الحق والباطل وقيل لأنه نزل مفرقا في أوقات كثيرة وفي المصباح: «فرقت بين الشيئين فرقا من باب قتل فصلت أبعاضه وفرقت بين الحق والباطل، فصلت أيضا، هذه هي اللغة العالية وبها قرأ السبعة في قوله تعالى: «فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» وفي لغة من باب ضرب وقرأ بها بعض التابعين، وقال ابن الأعرابي: فرقت بين الكلامين فافترقا مخفف، وفرقت بين العبدين فتفرقا مثقل فجعل المخفف في المعاني والمثقل في الأعيان. والذي حكاه غيره أنهما بمعنى والتثقيل مبالغة» ولهذه المادة في اللغة شعاب كثيرة، وسنورد لك منها ما يروق الخاطر: فالفرقان مصدر فرق بين الشيئين إذا فصل بين الشيئين وسمي به القرآن لفصله بين الحق والباطل أو لأنه لم ينزل جملة واحدة ولكن مفروقا مفصولا بين بعضه وبعض في الإنزال، ألا ترى إلى قوله: «وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا» والأظهر هو المعنى الثاني لأن في السورة بعد آيات: «وقال الذين كفروا لولا نزلوا عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك».
قال الله تعالى كذلك أي أنزلناه مفرقا كذلك لنثبت به فؤادك، فيكون وصفه بالفرقان في أول السورة كالمقدمة والتوطئة لما يأتي بعد، وقد رأت دائرة المعارف الاسلامية كلمة فرقان مجهولة الأصل، وهذا خطأ بيّن، ووهم ظاهر كما رأيت من اشتقاق الكلمة، يقال فرق لي الطريق فروقا وانفرق انفراقا إذا اتجه لك طريقان فاستبان ما يجب سلوكه منهما، وطريق أفرق: بيّن، وضم تفاريق متاعه أي ما تفرق منه، وضرب
الله بالحق على لسان الفاروق، وسطع الفرقان أي الصبح، وهذا أبين من فلق الصبح وفرق الصبح، وتقول سبيل أفرق كأنه الفرق، وهو أسرع من فريق الخيل، وهو سابقها فعيل بمعنى مفاعل لأنه إذا سبقها فارقها، وبانت في قذاله فروق من الشيب أي أوضاح منه، وماله إلا فرق من الغنم وفريقة أي يسير، ورأى أعرابي صبيانا قال: هؤلاء فرق سوء، وما أنت إلا فروقة، وفرق خير من حبّ أي أن تهاب خير من أن تحب، وأفرق المحموم والمجنون، وهو في أفراق من حمّاه، ومن المجاز: وقفته على مفارق الحديث أي على وجوهه الواضحة، وفي اللسان والأساس: «بدا المشيب في مفرقه وفرقه، ورأيت وبيص الطيب في مفارقهم، وفرقت الماشطة رأسها كذا فرقا، ورأس مفروق، وديك أفرق: انفرقت رعثته، وجمل أفرق: ذو ستامين، ورجل أفرق الأسنان: أفلجها، وناقة فارق: ما خض فارقت الإبل نادّة من وجع المخاض، ونوق فرق وفوارق ومفاريق، وقد فرقت فروقة وتشبّه بها السحاب. قال ذو الرمة:
أو مزنة فارق يجلو غواربها تبوّج البرق والظلماء علجوم
الإعراب:
(تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيراً) تبارك فعل ماض جامد كما تقدم في باب اللغة، والذي فاعله وجملة نزل الفرقان صلة وعلى عبده متعلقان بنزل واللام للتعليل ويكون فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل واسم يكون مستتر تقديره هو ونذيرا خبر يكون. (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) هذا الموصول يجوز أن يكون بدلا من الموصول الأول أو خبر لمبتدأ
محذوف فيكون محله الرفع ويجوز نصبه على المدح وما بعده تمام الصلة للموصول الأول، وله خبر مقدم وملك السموات والأرض مبتدأ مؤخر والجملة صلة الموصول ولم يتخذ ولدا عطف على ما تقدم.
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً) عطف على ما سبق وله خبر يكن المقدم وشريك اسمها المؤخر وفي الملك متعلقان بشريك وخلق عطف على ما سبق أيضا فهو من تمام العلة لما قبله وكل شيء مفعول خلق، فقدره الفاء عاطفة وقدره فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به وتقديرا مفعول مطلق. (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ) واتخذوا الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير حال وعبادة الكفار، ومن دونه في محل المفعول الثاني لا تخذوا وآلهة مفعول اتخذوا الاول وجملة لا يخلقون شيئا صفة لآلهة من سبع صفات ستأتي مسرودة متعاقبة، وهم يخلقون الواو عاطفة وهم مبتدأ ويخلقون بالبناء للمجهول خبر وهذه هي الصفة الثانية، ومعنى كونهم مخلوقين أن العابدين ينحتونهم ويصورونهم. (وَلا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً) الواو عاطفة ولا يملكون جملة معطوفة على ما تقدم وضرا مفعول به وهذه هي الصفة الثالثة، ولا نفعا هي الصفة الرابعة، ولا يملكون موتا هي الصفة الخامسة ولا حياة هي الصفة السادسة ولا نشورا هي الصفة السابعة، والنشور هو بعث الأموات. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذا إِلَّا إِفْكٌ افْتَراهُ) كلام مستأنف مسوق للشروع في حكاية أباطيلهم وإبطالها ودحضها. والذين فاعل قال وجملة كفروا صلة وإن نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وإفك خبر هذا وجملة افتراه صفة لإفك. (وَأَعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً) وأعانه عطف على افتراه وعليه متعلقان بأعانه، والضمير للإفك المفترى، وقوم فاعل وآخرون صفة
قوم، ويريدون بهم أهل الكتاب الذين أمدوه، على زعمهم، بأخبار الأمم الماضية والقرون البائدة، والفاء الفصيحة وقد حرف تحقيق وجاءوا فعل وفاعل وقد تضمن معنى فعل فعدي تعديته، وظلما مفعوله ويجوز أن يكون على بابه فيعرب ظلما منصوبا بنزع الخافض أو نصبا على الحال المؤولة أي ظالمين وزورا عطف على ظلما. (وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) الواو عاطفة وقالوا فعل وفاعل وأساطير الأولين خبر لمبتدأ محذوف وجملة اكتتبها حالية ويجوز اعراب أساطير الأولين مبتدأ وجملة اكتتبها خبر، فهي الفاء عاطفة وهي مبتدأ وجملة تملى خبر ونائب الفاعل مستتر وعليه متعلقان بتملى وبكرة ظرف متعلق بتملى وأصيلا عطف على بكرة، ومعنى تملى عليه تقرأ عليه لينتسخها بواسطة من يكتب له، لأنه عليه السلام، كان أميا.
(قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وجملة أنزله مقول القول والذي مفعول به وجملة يعلم السر صلة الموصول وفي السموات والأرض حال وجملة إنه كان الآية تعليل لما تقدم فلا محل لها وقد تقدم إعرابها كثيرا.
البلاغة:
في قوله تعالى: «فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً» لف ونشر مرتب وقد تقدم في هذا الكتاب أن اللف والنشر فن يتضمن ذكر متعدد على التفصيل أو الإجمال ثم ذكر ما لكل واحد من المتعدد من غير تعيين ثقة بأن السامع يميز ما لكل واحد منها ويرده الى ما هو له، وقد مثلنا لكل من قسميه بما هو كاف، أما في هذه الآية فإن قوله تعالى: «فَقَدْ جاؤُ ظُلْماً وَزُوراً» فيه جعل الكلام المعجز إفكا مختلقا متلقفا من اليهود أو غيرهم من أهل الكتاب، وزورا بنسبة ما هو بريء منه اليه.
الفوائد:
الفعل الجامد:
الفعل الجامد هو ما أشبه الحرف من حيث أداؤه معنى مجردا عن الزمان والحدث المعتبرين في الأفعال، فلزم مثله طريقة واحدة في التعبير فهو لا يقبل التحول من صورة الى صورة بل يلزم صورة واحدة لا يزايلها، وذلك مثل: عسى وليس وهب بمعنى احسب وافرض، ولم يرد من مادته بهذا المعنى إلا الأمر فهو فعل أمر جامد، وأما «هب» المشتق من الهبة فماضيه وهب ومضارعه يهب وكذلك هب المشتق من الهيبة فإنه فعل أمر متصرف فماضيه هاب ومضارعه يهاب، ونعم وبئس وهو إما أن يلازم صيغة الماضي مثل عسى وليس ونعم وبئس وتبارك الله، أو صيغة المضارع مثل يهيط ومعناه يصيح ويفح، يقال ما زال منذ اليوم يهيط هيطا وهو مضارع لا ماضي له كما في لسان العرب وتاج العروس ويقال: ما زال في هيط وميط بفتح أولهما وفي هياط ومياط بكسر أولهما أي ضجاج وشر وجلبة، وقيل في هياط ومياط:
في دنو وتباعد، والهياط الإقبال والمياط الإدبار، والهائط: الجائى، والمائط: الذاهب، والمهايطة والهياط: الصياح والجلبة، ويقال بينهما مهايطة وممايطة ومسايطة ومشايطة أي كلام مختلف، ومثل هب وهات وتعال وهلم في لغة تميم لأنه عندهم فعل يقبل علامته فتلحقه الضمائر، أما في لغة الحجاز فهي اسم فعل أمر لأنها ستكون عندهم بلفظ واحد للجميع وسيأتي بحثها في حينه. ومن الأفعال الجامدة «قلّ» بصيغة الماضي للنفي المحض وإذا لحقته ما الزائدة كفته عن العمل فلا يليه حينئذ إلا فعل ولا فاعل له لجريانه مجرى حرف النفي نحو: قلما فعلت هذا وقلما أفعله أي ما فعلت ولا أفعل ومنه قول الشاعر:
قلما يبرح اللبيب إلى ما يورث المجد داعيا أو مجيبا
أي لا يزال اللبيب داعيا. وقد يليه الاسم في ضرورة الشعر كقوله:
صددت فأطولت الصدود وقلما وصال على طول الصدود يدوم
وقد يراد بقولك قلما أفعل اثبات الفعل القليل كما في الكليات لأبي البقاء، غير أن الكثير استعمالها للنفي الصرف، ومثل قلما في عدم التصرف طالما وكثرما وقصرما وشدما فإن ما فيهن زائدة للتوكيد كافة لهن عن العمل فلا فاعل لهن ولا يليهن إلا فعل، فهن كقلما. ومن الأفعال الجامدة قولهم «سقط في يده» بمعنى ندم وتحير وزل وأخطأ وهو ملازم صورة الماضي المجهول قال تعالى «وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ» وقد تقدم بحثه.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٧ الى ١٢]
وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً (٧) أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَسْحُوراً (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً (٩) تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً (١٠) بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً (١١)
إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً (١٢)
الإعراب:
(وَقالُوا: مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان قبائحهم التي أرجفوا بها في شأن الرسول وهي ستة كما سيأتي. وقالوا فعل وفاعل وما اسم استفهام مبتدأ ولهذا خبره والرسول بدل من اسم الاشارة وجملة يأكل الطعام حالية وهي الفرية الاولى، ويأكل الطعام فعل وفاعل مستتر ومفعول به وجملة يمشي في الأسواق عطف عليها وهي الفرية الثانية وسيأتي معنى أكل الطعام والمشي في الأسواق في باب البلاغة.
(لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً) لولا حرف تحضيض وأنزل فعل ماض مبني للمجهول وعليه متعلقان بأنزل وملك نائب فاعل والفاء فاء السببية ويكون فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية لأنها جواب التحضيض واسمها مستتر تقديره هو أي الملك ومعه ظرف مكان متعلق بمحذوف حال ونذيرا خبر يكون أي فهما يتساندان في الإنذار والتخويف وهذه هي الفرية الثالثة. (أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها) أو حرف عطف ويلقى فعل مضارع مبني للمجهول وكنز نائب فاعل واليه متعلقان بيلقى، أو تكون له جنة عطف على ما تقدم وجملة يأكل منها صفة لجنة وهذان الفعلان معطوفان على أنزل لأنه بمعنى ينزل ولا يجوز أن يعطفا على «فيكون» المنصوب في الجواب لأنهما مندرجان في التحضيض فيعطفان على جوابه، وهاتان هما الفريتان الرابعة والخامسة. (وَقالَ الظَّالِمُونَ: إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً) الواو عاطفة وقال الظالمون فعل وفاعل وإن نافية وتتبعون فعل مضارع وفاعل وإلا أداة حصر ورجلا مفعول به ومسحورا صفة وهذه هي الفرية السادسة والأخيرة.
(انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا) انظر فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت وكيف اسم استفهام في محل نصب حال ولك متعلقان بضربوا والأمثال مفعول به، فضلوا الفاء عاطفة وضلوا فعل ماض وفاعل، فلا الفاء عاطفة ويستطيعون سبيلا فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ) كلام مستأنف مسوق لتقرير تساميه سبحانه وتعاليه عما يقولون. وتبارك الذي فعل وفاعل وقدر الزمخشري والجلال وغيرهما مضافا محذوفا أي خير الذي، وان شرطية وشاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وجعل جواب الشرط والجملة الشرطية صلة الموصول ولك مفعول جعل الثاني وخيرا مفعول جعل الأول ومن ذلك متعلقان بخيرا والاشارة الى الذي اقترحوه من الكنز والبستان. (جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً) جنات بدل من خيرا وجملة تجري صفة لجنات ومن تحتها متعلقان بتجري والأنهار فاعل تجري ويجعل فعل مضارع معطوف على محل جعل الواقع جوابا للشرط وسيأتي بحث هام عن فعل الشرط وجوابه في باب الفوائد ولك مفعول ثان وقصورا مفعول أول. (بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً) بل حرف للاضراب فقد أضرب عن توبيخهم بحكاية أراجيفهم السابقة الى حكاية تكذيبهم بالساعة، وكذبوا فعل وفاعل وبالساعة متعلقان بكذبوا وأعتدنا فعل وفاعل ولمن متعلقان بأعتدنا وجملة كذب بالساعة صلة من وسعيرا مفعول به، والمعنى:
هيأنا لهؤلاء المكذبين نارا عظيمة، ووضع الموصول موضع الضمير ووضع الساعة موضع ضميرها للمبالغة في التوبيخ وقد مرت نظائره في أبواب البلاغة ونون سعيرا للتكثير أي نارا عظيمة كما ذكرنا. (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً) هذه الجملة الشرطية في محل نصب صفة لسعيرا لأنه مؤنث بمعنى النار. وإذا ظرف مستقبل
متضمن معنى الشرط وجملة رأتهم في محل جر باضافة إذا إليها ومن مكان متعلقان بمحذوف حال وجملة سمعوا جواب الشرط ولها حال لأنه كان في الأصل صفة وتغيظا مفعول به وزفيرا عطف عليه وسيأتي في باب البلاغة فصل مسهب عن هذا التعبير.
البلاغة:
١- كنايتان بديعتان:
في قوله تعالى «وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ» كناية عن الحدث لأنه ملازم أكل الطعام، وقد مر تقريره مفصلا في سورة المائدة فجدد به عهدا، وفي يمشي في الأسواق كناية عن طلب المعاش، وانظر بعد هاتين الكنايتين البديعتين إلى حكاية خطراتهم الملتاثة وهواجسهم المحمومة كيف اقترحوا أولا بأن يكون ملكا الى اقتراح أن يكون إنسانا معه ملك حتى يتساندا في الإنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضا فقالوا: وان لم يكن مرفودا بملك فليكن مرفودا بكنز يلقى اليه من السماء يستظهر به ولا يحتاج الى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون رجلا له بستان يأكل منه ويرتزق كما يرتزق المياسير، فانظر كيف صور خطرات النفس الملتاثة وحالات ترددها.
٢- وضع الظاهر موضع المضمر:
في قوله «وقال الظالمون» وضع الظاهر موضع الضمير وقد تقدمت الاشارة اليه مع أمثلته، فقد أراد بالظالمين إياهم بأعيانهم فهم القائلون الأولون، وإنما وضع المظهر موضع المضمر تسجيلا عليهم بوصف الظلم وتجاوز الحد.
٣- الاستعارة: اثبات الرؤية لجهنم والتغيظ المسموع والزفير المتصاعد، أمر شغل العلماء كثيرا، فأما أهل السنة فيجعلون ذلك كله حقيقة ولا يحملونه على المجاز، فإن رؤية جهنم جائزة وقدرة الله تعالى صالحة، وقد تظاهرت الظواهر على وقوع هذا الجائز وعلى أن الله تعالى يخلق لها إدراكا حسيا وعقليا، ألا ترى الى قوله تعالى «سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً» والى محاجتها مع الجنة والى قولها «هل من مزيد» والى اشتكائها الى ربها فأذن لها في نفسين، الى غير ذلك من الظواهر التي لا سبيل الى تأويلها إذ لا محوج اليه، قالوا: «ولو فتح باب التأويل والمجاز في أحوال المعاد لتطوح الذي يسلك ذلك الى وادي الضلالة» أما بصدد سمع التغيظ وهو لا يسمع فقد أجاب عنه أهل السنة بثلاثة أجوبة ندرجها فيما يلي:
آ- انه على حذف مضاف أي صوت تغيظها.
ب- انه على حذف فعل تقديره سمعوا ورأوا تغيظا وزفيرا فيرجع كل واحد الى ما يليق به أي رأوا تغيظا وسمعوا زفيرا.
ج- أن يضمن سمعوا معنى يشمل الشيئين أي أدركوا لها تغيظا وزفيرا.
أما بصدد قوله رأتهم فقال بعضهم انه من باب القلب أي رأوها، أو على حذف تقديره رأتهم زبانيتها.
أما المعتزلة فهم يحملون ذلك كله على المجاز ويجعلون رؤية جهنم من باب قولهم دور بني فلان تتراءى وتتناظر فتدخل عندئذ في باب الاستعارة المكنية وقد تقدم القول فيها كثيرا.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله «إذا رأتهم من مكان بعيد» من مسيرة مائة عام، وذلك إذا أتى بجهنم تقاد بسبعين ألف زمام يشد بكل زمام سبعون ألف ملك لو تركت لأتت على كل بر وفاجر «سمعوا لها تغيظا وزفيرا» تزفر زفرة لا تبقى قطرة من دمع إلا ندرت ثم تزفر الثانية فتقطع القلوب من أماكنها، تقطع اللهوات والحناجر.
٤- حسن الاتباع:
هذا وقد رمق الشعراء سماء هذه التعابير البليغة مما يدخل في باب حسن الاتباع، وهو أن يأتي المتكلم الى معنى اخترعه غيره فيحسن اتباعه فيه بحيث يستحقه ويحكم له به دون الاول، وهذا الباب مما يخص كلام المخلوقين ومما أخذ بعضهم من بعض ولا مدخل لشيء من القرآن العزيز فيه فإن القرآن متبع لا مبتع إلا أن الشعراء حين يرمقون سماءه ويحسنون اتباعه صار كأنه داخل في سلك هذا الفن فقال الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
فأسند أفعال من يعقل الى مالا يعقل وجرى على منواله أبو تمام فقال:
لو يعلم الركن من قد جاء يلثمه لخرّ يلثم منه موطىء القدم
وحذا البحتري حذو أبي تمام فقال:
واتبع المتنبي البحتري في ذلك فقال:
فلو أن مشتاقا تكلف فوق ما في وسعه لسعى إليك المنبر
لو تعقل الشجر التي قابلتها مدّت محيية إليك الأغصنا
وهذا باب واسع سيأتي الكثير من أمثاله.
الفوائد:
فعل الشرط والجواب:
لا يشترط في الشرط والجواب أن يكونا من نوع واحد بل تارة:
١- يكونان مضارعين نحو «وإن تعودوا نعد» ٢- يكونان ماضيين نحو «وإن عدتم عدنا».
٣- يكونان مختلفين ماضيا فمضارعا نحو «من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه» وانما حسن ذلك لأن الاعتماد في المعنى على خبر كان وهو مضارع فكأنه قال: من يرد نزد له.
٤- يكونان عكسه مضارعا فماضيا وهو قليل، وخصه بعضهم بالشعر وورد منه في الحديث قوله ﷺ «من يقم ليلة القدر احتسابا غفر له» رواه البخاري.
هذا وإذا وقع فعل الشرط ماضيا جاز في جزائه الجزم والرفع كقول زهير:
برفع يقول، قال ابن مالك «وبعد ماض رفعك الخبر أحسن» والذي حسن ذلك أن الأداة لما لم تعمل في لفظ الشرط لكونه ماضيا مع قربه فلا تعمل في الجزاء مع بعده ولذلك قرىء «ويجعل لك قصورا» برفع يجعل عطفا على جعل وقد أراد بعضهم تخطئة شوقي في قوله:
وإن أتاه خليل يوم مسغبة يقول لا غائب مالي ولا حرم
إن رأتني تميل عني كأن لم يك بيني وبينها أشياء
وفاتتهم القاعدة المتقدمة.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ١٣ الى ١٦]
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً (١٣) لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً (١٤) قُلْ أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً (١٥) لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلاً (١٦)
اللغة:
(مُقَرَّنِينَ) :من قرنه بتشديد الراء جمّعه وشدده يقال قرّنت الأسارى في الحبال وفعله الثلاثي قرن يقرن من باب ضرب يضرب قرنا الشيء بالشيء شده به ووصل اليه، وقرن الثورين جعلهما في نير واحد، وقرن البعيرين جمعهما في حبل، وهي في قوله تعالى: «مقرنين» تفيد شيئين: التصفيد أي تقييد الأرجل وجمع الأيدي والأعناق بالسلاسل.
(ثُبُوراً) :هلاكا يقال: ثبره الله: أهلكه هلاكا دائما لا ينتعش بعده ومن ثم يدعو أهل النار: وا ثبوراه، وما ثبرك عن حاجتك:
ما ثبطك؟ وهذا مشبر فلانة: لمكان ولادتها حيث يثبرها النفاس.
الإعراب:
(وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة ألقوا مجرورة باضافة الظرف إليها وهو متعلق بالجواب وهو دعوا، وألقوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل ومنها حال من مكانا لأنه في الأصل صفة له ومكانا ظرف متعلق بألقوا وضيقا صفة لمكانا ومقرنين حال من الواو في ألقوا وجملة دعوا لا محل لها لأنها جواب شرط غبر جازم والواو فاعل دعوا وهنالك اسم اشارة في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بدعوا في ذلك المكان ومعنى دعوا نادوا، وثبورا مفعول به لدعوا ويجوز أن يكون مفعولا مطلقا أي مصدرا من معنى دعوا، وقال الزجاج: وانتصاب ثبورا على المصدرية أي ثبرنا ثبورا، وقيل منتصب على أنه مفعول له، وقيل منادى أي يقولون يا ثبوراه احضر فهذا أوانك فإن الهلاك أخف عليهم مما هم فيه.
(لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً) الجملة مقول قول محذوف تقديره فيقال لهم وهذا المحذوف معطوف على ما قبله.
ولا ناهية وتدعوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل تدعوا وثبورا تقدم أنها مفعول به أو مفعول مطلق وادعوا فعل أمر وثبورا تقدم إعرابها وكثيرا صفة لثبورا، وعبر عنه بالكثرة ونفى عنه الوحدة لأنه ألوان كل نوع منها ثبور لشدته وفظاعته أو لأنهم كلما نضجت
جلودهم بدلوا جلودا غيرها فلا غاية ولا نهاية لهلاكهم. (قُلْ: أَذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كانَتْ لَهُمْ جَزاءً وَمَصِيراً) قل فعل أمر وفاعله مستتر وجوبا تقديره أنت والهمزة للاستفهام للتقريع والتهكم وسيأتي مزيد من بحث بلاغة هذه الآية، وذلك مبتدأ وخير خبر وأم حرف عطف وجنة الخلد عطف على ذلك واسم الموصول صفة لجنة الخلد وجملة وعد المتقون جملة فعلية من فعل ونائب فاعل صله وجملة كانت لهم حالية من جنة الخلد ولهم حال لأنه كان في الأصل صفة واسم كانت مستتر تقديره هي وجزاءا خبر كانت ومصيرا عطف على جزاء. (لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ خالِدِينَ كانَ عَلى رَبِّكَ وَعْداً مَسْؤُلًا) الجملة حال ثانية من جنة الخلد ولهم خبر مقدم وفيها حال وما مبتدأ مؤخر وجملة يشاءون صلة وخالدين حال لازمة من الهاء في لهم أو الواو في يشاءون وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر يعود على الوعد المفهوم من قوله وعد المتقون أو على ما يشاءون وعلى ربك حال لأنه كان صفة لوعدا ومسئولا صفة لوعدا.
الفوائد:
معنى التفضيل:
المفهوم من اسم التفضيل أنه تفاوت بين صفتين مشتركتين، فكيف قال: أذلك خير أم جنة الخلد، ومعلوم أن النار لا خير فيها البتة، وقد سبق مثل هذا السؤال والجواب ما حكاه سيبويه عن العرب:
الشقاء أحب إليك أم السعادة، وقد علم أن السعادة أحب اليه، وقبل ليس هو من باب اسم التفضيل وإنما هو كقولك عنده خير.
ومما لا مندوحة عن التنبيه اليه هو أن قوله تعالى «لَهُمْ فِيها ما يَشاؤُنَ»
ظاهره يقتضي عموم الموصول أنه إذا شاء أحد رتبة من فوقه كالأنبياء نالها فلم يبق بين الناقص والكامل تفاوت، ويقتضي أيضا أنه إذا شاء أحدهم الشفاعة لأحد من أهل النار كابنه أو أبيه فإن شفاعته سوف تقبل وذلك يتنافى مع العلم بأن عذاب الكافر مخلد، وقد أجاب القاضي البيضاوي على هذا الإيهام بقوله «ولعله يقصر همم كل طائفة على ما يليق برتبتها وأنه تعالى لا يلقي في خواطرهم أن ينالوا أكثر ما نالوه أو يطلبوا المزيد على ما يسبحون فيه من أمواه النعيم المترقرقة عليهم. والأحاديث مستفيضة في درجات الجنة وتفاوتها، روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: ان في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ١٧ الى ١٩]
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً (١٨) فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً (١٩)
اللغة:
(بُوراً) :البور بضم الباء: الفاسد الذي لا خير فيه، يقال امرأة بور وقوم بور يوصف به الواحد والجمع، والبور من الأرض ما لم
يزرع ويجوز أن يكون جمع بائر كعائذ وعوذ، وفي الأساس واللسان والتاج: «فلان له نوره، وعليك بوره أي هلاكه، وقوم بور، وأحلوا دار البوار، ونزلت بوار على الكفار. قال أبو مكعت الأسدي:
قتلت فكان تظالما وتباغيا إن التظالم في الصديق بوار
لو كان أول ما أتيت تهارشت أولاد عرج عليك عند وجار
جعلها علما للضباع فاجتمع التعريف والتأنيث، ومن المجاز:
بارت البياعات أي كسدت، وسوق بائرة، وبارت الأيم إذا لم يرغب فيها»
.
الإعراب:
(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لوصل ما ذكره في أول السورة وهو قوله «واتخذوا من دونه آلهة».
والظرف متعلق باذكر مقدرا معطوفا على قل وجملة يحشرهم بالياء والنون في محل جر بإضافة الظرف إليها والهاء مفعول به وما موصول معطوف على الهاء أو منصوب على المعية وغلب غير العاقل على العاقل فأتى بما دون «من» لأن بين المعبودين عقلاء، وقيل إن كلمة ما موضوعة للكل أو يريد الأصنام لأنها تتكلم بلسان الحال كما قيل في شهادة الأيدي والأرجل.
وقال الزمخشري: «فإن قلت: كيف يصح استعمال ما في العقلاء؟
قلت: هو موضوع على العموم للعقلاء وغيرهم بدليل قولك إذا رأيت شبحا من بعيد: ما هو فإذا قيل لك: إنسان قلت حينئذ: من هو»
.
وجملة يعبدون صلة ما ومن دون الله حال. (فَيَقُولُ: أَأَنْتُمْ
أَضْلَلْتُمْ عِبادِي هؤُلاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ)
فيقول عطف على يحشرهم وأنتم الهمزة للاستفهام التقريعي وأنتم مبتدأ وجملة أضللتم خبر وعبادي مفعول به وهؤلاء اسم اشارة صفة لعبادي أي المشار إليهم أو بدل من عبادي وأم حرف عطف وهم مبتدأ وجملة ضلوا خبره والسبيل نصب بنزع الخافض لأن ضل مطاوع أضله وكان القياس ضل عن السبيل إلا أنهم تركوا الجار كما تركوه في هداه الطريق والأصل الى الطريق وللطريق. (قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِياءَ) سبحانك مفعول مطلق لفعل محذوف أي تنزيها لك عما لا يليق بك وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجملة ينبغي خبر كان ولنا متعلقان بينبغي وأن وما في حيزها فاعل ينبغي فيكون اسم كان مستترا وفاعل ينبغي مستتر ومن دونك مفعول نتخذ الثاني ومن حرف جر زائد وأولياء مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول نتخذ الاول أو بالعكس، والصحيح أن قوله من أولياء هو المفعول الأول لأنه الذي يجوز أن تكون من فيه زائدة بخلاف الثاني، تقول: ما اتخذت من أحد وليا ولا يجوز في الأفصح ما اتخذت أحدا من ولي.
(وَلكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآباءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكانُوا قَوْماً بُوراً) الواو عاطفة ولكن مخففة مهملة للاستدراك ومتعتهم فعل وفاعل ومفعول به وآباءهم الواو عاطفة أو للمعية وآباءهم عطف على الهاء أو مفعول معه وحتى حرف غاية وجر ونسوا الذكر فعل وفاعل ومفعول به وكانوا كان واسمها وقوما خبرها وبورا صفة. (فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِما تَقُولُونَ فَما تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلا نَصْراً) الفاء الفصيحة لأنها مرتبة على محذوف ولأنها مفاجأة بالاحتجاج والإلزام وخاصة إذا انضم إليها الالتفات وحذف القول وهذا التعبير بليغ جدا وله نظائر في الكتاب الكريم كقوله تعالى «يا أهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم على فترة من
الرسل أن تقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير فقد جاءكم بشير ونذير».
وقول الشاعر:
قالوا خراسان أقصى ما يراد بنا ثم القفول فقد جئنا خراسانا
أي أن هذه البلدة أبعد ما يراد بنا، وغاية سفرنا، ثم يكون القفول والرجوع، وقوله فقد جئنا مرتب على محذوف أي إن صدقوا فقد جئنا خراسان فلم لم نتخلص من السفر، ويجوز أنه عدل الى الخطاب أي فقولوا لهم اقطعوا السفر بنا وارجعوا فقد جئنا الموعد.
وقد حرف تحقيق وكذبوكم فعل وفاعل ومفعول به وبما متعلقان بكذبوكم وجملة تقولون صلة والواو واقعة على المعبودين والكاف على العابدين، فما الفاء عاطفة وما نافية وتستطيعون فعل مضارع وفاعل وصرفا أي دفعا للعذاب عنكم مفعول به ولا نصرا عطف على صرفا.
(وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذاباً كَبِيراً) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويظلم فعل الشرط ومنكم حال أي كائنا منكم أيها المكلفون ونذقه جواب الشرط والفعل وجوابه خبر من والهاء مفعول نذقه الأول وعذابا مفعول نذقه الثاني وكبيرا صفة.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٢٠ الى ٢٣]
وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً (٢٠) وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً (٢٢) وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً (٢٣)
اللغة:
(حِجْراً مَحْجُوراً) :ذكرهما سيبويه في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو معاذ الله وقعدك الله وعمرك الله وهذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند لقاء عدو موتور أو هجوم نازلة أو نحو ذلك يضعونها موضع الاستعاذة، قال سيبويه: «ويقول الرجل للرجل:
أتفعل كذا فيقول حجرا وهي من حجره إذا منعه لأن المستعيذ بالله طالب منه أن يمنع المكروه فلا يلحقه فكأن المعنى اسأل الله أن يمنع ذلك منعا ويحجره حجرا»
.
وقد ساءل الزمخشري فقال: «فإذا قد ثبت أنه من باب المصادر فما معنى وصفه بمحجور؟ قلت: جاءت هذه الصفة لتأكيد معنى الحجر كما قالوا ذيل زائل، والذيل الهوان وموت مائت والحجر العقل لأنه يمنع صاحبه وفي الأساس: «وفي ذلك عبرة لذي حجر وهو اللّب، وهذا حجر عليك: حرام، وحجر عليه القاضي حجرا، واستقينا من الحاجر وهو منهبط يمسك الماء وفلان من أهل الحاجر وهو مكان بطريق مكة، وقعد حجرة أي ناحية، وأحاطوا بحجرتي العسكر وهما جاباه، وحجّر حول العين بكيّة، وعوذ بالله وحجر، وامرأة بيضاء المحاجر، وبدا محجرها من النقاب، واستحجر الطين وتحجّر: صلب
كالحجر، وتحجر ما وسعه الله: ضيقه على نفسه، وقراءة العامة على كسر الحاء وقرىء بالضم وهو لغة فيه وحكى أبو البقاء فيه لغة ثالثة وهي الفتح، قال وقد قرىء بها.
(هَباءً) :الهباء قال في القاموس والتاج: الغبار ودقائق التراب ساطعة ومنثورة على وجه الأرض والقليلو العقول من الناس وفعله هبا يهبو هبوّا» وقال الزمخشري: «والهباء ما يخرج من الكوة مع ضوء الشمس شبيه الغبار وفي أمثالهم أقل من الهباء» قال: «ولام الهباء واو بدليل الهبوة» قلت وقال المتنبي:
ولا تحسبن المجد زقا وقينة فما المجد الا السيف والفتكة البكر
وتضريب أعناق الملوك وأن ترى لك الهبوات السود والعسكر المجر
وقال الخليل والزجاج: «هو مثل الغبار الداخل في الكوة يتراءى مع ضوء الشمس.
الإعراب:
(وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ) جملة مستأنفة مسوقة لتسليته صلى الله عليه وسلم، وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل وقبلك ظرف متعلق بمحذوف حال ومن المرسلين متعلقان بأرسلنا أو بمحذوف صفة لمفعول أرسلنا، والمعنى:
وما أرسلنا قبلك أحدا من المرسلين، ونحوه قوله تعالى «وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ» على معنى وما منا أحد، ولعل هذا أولى، وإلا أداة حصر وجملة انهم حالية ولذلك كسرت همزة إن كما انها كسرت لأجل اللام في الخبر والمعنى إلا وهم يأكلون، فالاستثناء من أعم الأحوال، وان واسمها واللام المزحلقة وهي لام الابتداء زحلقت الى الخبر وجملة يأكلون الطعام خبر انهم وجملة يمشون في الأسواق عطف على ليأكلون الطعام. (وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكانَ رَبُّكَ بَصِيراً) وجعلنا عطف على ما تقدم أو تجعلها مستأنفة مسوقة لتسليته ﷺ أيضا، وجعلنا فعل وفاعل وبعضكم مفعول به أول ولبعض حال لأنه كان في الأصل صفة لفتنة وفتنة مفعول به ثان لجعلنا، ومعنى جعل بعضهم فتنة لبعض: أن الغني فتنة للفقير والصحيح فتنة للمريض والشريف فتنة للوضيع والمراد أن الدنيا دار امتحان وبلاء فلا يفلل ذلك في عزمك ولا يضيقن به صدرك ولا تأبه الأراجيفهم. والهمزة للاستفهام ومعنى الاستفهام الأمر أي اصبروا ومثله «أأسلمتم» معناه أسلموا، وكان الواو عاطفة أو استئنافية وكان فعل ماض ناقص وربك اسمها وبصيرا خبرها. (وَقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرى رَبَّنا) الواو عاطفة وقال الذين فعل وفاعل وجملة لا يرجون صلة ولقاءنا مفعول به ولولا أداة تحضيض وأنزل فعل ماض مبني للمجهول وعلينا متعلقان به والملائكة نائب فاعل والجملة مقول قولهم وهم الذين ينكرون البعث وأو حرف عطف وجملة نرى ربنا عطف على جملة أنزل علينا الملائكة فهي من مقول قولهم اقترحوا أن ينزل الله عليهم الملائكة فتخبرهم بصدق محمد حتى يصدقوه أو يروا الله جهرة فيأمرهم بتصديقه واتباعه. (لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيراً) الجملة مقول قوله تعالى في درء الشبهتين اللتين أوردوهما
تعنتا ومكابرة بعد قيام الحجة وسطوع الدليل. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق واستكبروا فعل وفاعل، وفي أنفسهم فيه وجهان: أحدهما انه متعلق باستكبروا يعني أنهم لتكبرهم استكبروا أنفسهم أي عدوها كبيرة الشأن وأصله من استكبره إذا عداه كبيرا ونزّله منزلة اللازم، والثاني أنه متعلق بمحذوف حال أي أنهم أضمروا الاستكبار عن الحق في قلوبهم أي كائنا في قلوبهم، وعتوا فعل ماض وفاعل وعتوا مفعول مطلق وكبيرا صفة له. (يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْراً مَحْجُوراً) يوم متعلق باذكر مقدرة أو بيعذبون أو بلا يبشرون المفهومة ضمنا من لا بشرى أي يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى أو يعدمونها ولا تعمل فيه البشرى لأن المصدر لا يعمل فيما قبله، ولأن المنفي لا يعمل فيما قبل لا. وجملة يرون مجرورة باضافة الظرف إليها والملائكة مفعول به ولا بشرى لا نافية للجنس وبشرى اسمها وللمجرمين خبرها والجملة مقول قول محذوف أي يقولون لا بشرى وجملة القول حال من الملائكة ويقولون فعل وفاعل وحجرا محجورا تقدم القول في اعرابها مفصلا في باب اللغة (وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً) الواو استئنافية وقدمنا فعل وفاعل والى ما متعلقان بقدمنا وجملة عملوا صلة ومن عمل حال أي عمل خير كصدقة وصلة رحم أو إغاثة ملهوف، والفاء عاطفة وجعلناه فعل وفاعل ومفعول به أول وهباء مفعول به ثان ومنثورا صفة.
البلاغة:
شبه أعمال الكفار الحسنة بالهباء، ووجه الشبه قلّته وحقارته وعنده وانه لا ينتفع به، ثم أي هباء؟ انه قد يكون منتظما مع ضوء
الشمس فإذا حركته الريح تطاير وذهب كل مذهب، ولذلك قال منثورا أي جامعا لحقارة الهباء والتناثر ومثله «كونوا قردة خاسئين» أي جامعين للمسخ والخسء، وأتى بالعامل منكرا ليتناول هذا الوعيد كل من سولت له نفسه البقاء على الكفر وعمل مثل عملهم.
وللرماني في كتابه «النكت في إعجاز القرآن» بحث طريف في هذا التشبيه بعد أن يلحقه بباب الاستعارة يقول فيه: «حقيقة قدمنا هنا عمدنا، وقدمنا أبلغ منه لأنه يدل على أنه عاملهم معاملة القادم من سفر لأنه من إمهاله لهم كمعاملة الغائب عنهم ثم قدم فرآهم على خلاف من أمرهم، وفي هذا تحذير من الاغترار بالافهام والمعنى الذي يجمعهما العدل لأن العمد لإبطال الفاسد عدل والقدوم الى ابطال الفاسد عدل والقدوم أبلغ لما بينّا، وأما هباء منثورا فبيان ما قد أخرج مالا تقع عليه الحاسة الى ما تقع عليه».
فانظر اليه كيف استجمع الصور القرآنية في ذهنه وكيف أوحى اليه لفظ قدمنا المستعار من معان ثم كيف كشف عن خبايا التعبير القرآني في استعارة القدوم للعمد وفضل الاول في بعث الخيال وإثارته ليربط بين المعنى الأول في الآية والمعنى المستعار، وصورة أخرى ربطية تثور في الخيال وهي صورة المسافر الغائب الذي يأتي فيرى القوم على خلاف فيضرب ليعدل ويصلح الفاسد.
وقال الواحدي: «معنى قدمنا عمدنا وقصدنا يقال: قدم فلان إلى أمر كذا إذا قصده أو عمده ومنه قول الشاعر:
وقدم الخوارج الضلال إلى عباد ربهم فقالوا
إن دماءكم لنا حلال

[المجلد السابع]

[تتمة سورة الفرقان]
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٢٤ الى ٢٩]
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلاً (٢٤) وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً (٢٥) الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً (٢٦) وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً (٢٧) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلاً (٢٨)
لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولاً (٢٩)
الإعراب:
(أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا) أصحاب مبتدأ والجنة مضاف ويومئذ ظرف أضيف الى مثله وهو متعلق بخير وخير خبر أصحاب وهو اسم تفضيل، أو لمجرد الوصف ومستقرا تمييز وأحسن مقيلا عطف على خير مستقرا، والمستقر المكان الذين يقضون فيه معظم أوقاتهم والمقيل المكان الذي يأوون اليه للاسترواح الى أزواجهم والتمتع بمغازلتهن وسيأتي في باب البلاغة مزيد من بحث هذه الآية. (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا) الظرف منصوب بتقدير اذكر وجملة تشقق في محل جر باضافة الظرف إليها وأصل تشقق تتشقق فحذف بعض القراء التاء وأدغمها بعضهم، والسماء فاعل، وبالغمام: في هذه الباء وجوه أولها أنها للسببية بمعنى
أنها تتشقق بسبب طلوعه منها فيتعلق الجار والمجرور بتشقق، وثانيها أنها للملابسة فيكون الجار والمجرور في موضع نصب على الحال، والثالث أنها بمعنى عن أي عن الغمام كقوله: «يوم تشقق الأرض عنهم» فتتعلق بتتشقق أيضا ونزل الملائكة فعل ماض مبني للمجهول والملائكة نائب فاعل وتنزيلا مفعول مطلق.
(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمنِ وَكانَ يَوْماً عَلَى الْكافِرِينَ عَسِيراً) الملك مبتدأ والظرف متعلق به والحق صفة للملك وللرحمن خبر الملك وأجاز بعض المعربين أن يكون الظرف هو الخبر وآخرون أجازوا أن يكون الحق، وما ذكرناه أولى. وكان الواو استئنافية وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره وكان اليوم، ويوما خبرها وعلى الكافرين متعلق بعسيرا وعسيرا صفة ليوما. (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ) الظرف منصوب باذكر مقدرا وهو معطوف على قوله يوم يرون الملائكة وكذا قوله السابق يوم تشقق السماء، وجملة يعض مجرورة باضافة الظرف إليها والظالم فاعل يعض وعلى يديه متعلقان ببعض وسيأتي معنى هذا الكلام في باب البلاغة. (يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا) الجملة نصب على الحال من فاعل يعض أي قائلا، ويا ليتني: يا حرف نداء والمنادى محذوف أو هي لمجرد التنبيه، وليتني ليت واسمها وجملة اتخذت خبرها ومع الرسول ظرف مكان في موضع المفعول الثاني لاتخذت وسبيلا مفعول اتخذت الأول تمنى أن لو صاحب الرسول وسلك سبيل الحق. (يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا) يا حرف نداء وويلتا منادى مضاف الى ياء المتكلم المنقلبة الفاء وأصله يا وليتي، وقد تقدم بحث المنادى المضاف الى ياء المتكلم، ينادي ويلته أي هلكته. وليتني ليت واسمها وجملة لم أتخذ خبرها
وفلانا مفعول به أول وخليلا مفعول به ثان. (لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأضلني فعل وفاعل مستتر وعن الذكر متعلقان بأضلني والجملة تعليلية لتمنيه المذكور وندائه هلكته وبعد ظرف أضيف إلى مثله وهو متعلق بمحذوف حال وجملة جاءني مجرورة باضافة الظرف إليها والواو حالية وكان الشيطان كان واسمها وللإنسان متعلقان بخذولا وخذولا خبر كان.
البلاغة:
الكناية في قوله «مستقر» و «مقيل» فأما المستقر فهو اسم مكان من الاستقرار وهو المجلس الدائم لأهل الجنة يستقرون فيه ويقضون معظم أوقاتهم متقابلين يتحادثون ويتسامرون، وكنى به عن أحاديث العشايا والبكر التي يتبادلونها، وهي أحاديث كانت في الدنيا تدور بين المترفين وأصحاب النعيم واليسار، وكنى بالمقيل وهو وقت استراحة نصف النهار عن قضائهم وقت الاستجمام والاستراحة مع أزواجهم، وفي هذا المعنى سيأتي قوله «إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون، هم أزواجهم في ظلال على الأرائك متكئون» قيل في تفسير الشغل انه افتضاض الأبكار.
ومن روائع الحديث في وصف غناء الحور العين قوله ﷺ فيما يرويه عنه ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ «إن أزواج أهل الجنة ليغنين أزواجهن بأحسن أصوات ما سمعها أحد قط، إن مما يغنين به: نحن الخيرات الحسان، أزواج قوم كرام، ينظرون بقرة أعيان وإن مما يغنين به: نحن
الخالدات فلا نمتنه، نحن الآمنات فلا نخفنه، نحن المقيمات فلا نظعنه».
وفي قوله: «يوم يعض الظالم على يديه» كناية عن الندم والغيظ والحسرة، ومثل هذا التعبير عض الأنامل والسقوط في اليد وحرق الأرم، ففي الصحاح حرقت الشيء حرقا: بروته وحككت بعضه ببعض، ومنه قولهم حرق نابه أي سحقه حتى يسمع له صريف، وفلان يحرق عليك الأرم غيظا من أرم على الشيء أي عض عليه وأرمه أيضا والأرم الأضراس كأنه جمع آرم يقال فلان يحرق عليك الأرم إذا تغيظ فحك أضراسه بعضها ببعض، وقيل هو مجاز عبر به عن التحير والغم والندم والتفجع، ونقل أئمة اللغة أن المتأسف المتحزن المتندم يعضّ على إبهامه ندما، وقال الشاعر:
لطمت خدها بحمر لطاف نلن منها عذاب بيض عذاب
فشكى العناب نور أقاح واشتكى الورد ناضر العناب
وفلان كناية عن علم من يعقل وفل كناية عن نكرة من يعقل من الذكور وفلانة كناية عن علم من يعقل من الإناث وفلة كناية عن نكرة من يعقل من الإناث والفلان والفلانة بالألف واللام كناية عن غير العاقل ولامه واوية أو يائية.
قال أبو حيان: وفلان كناية عن العلم وهو متصرف وفل كناية عن نكرة الإنسان نحو يا رجل وهو مختص بالنداء وفلة يعني يا امرأة كذلك ولام فل ياء أو واو وليس مرخما من فلان، خلافا للفراء، ووهم ابن عصفور وابن مالك وصاحب البسيط في قولهم فل كناية عن العلم كفلان، وفي كتاب سيبويه ما قلناه بالنقل عن العرب.

[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٣٠ الى ٣٤]

وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً (٣٠) وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً (٣١) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلاً (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً (٣٣) الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلاً (٣٤)
اللغة:
(مَهْجُوراً) :متروكا، أي تركوه وصدوا عن الايمان به، وقيل هو من هجر إذا هذى أي جعلوه مهجورا فيه فحذف الجار، وهو يحتمل بهذا المعنى وجهين، أحدهما: أنهم زعموا أنه هذيان وباطل وأساطير الأولين، وثانيهما: أنهم كانوا إذا سمعوه هجروا فيه، فهو إما من الهجر بالفتح أي ضد الوصل وإما من الهجر بالضم وهو الهذيان وفحش القول. ثم المهجور اما اسم مفعول وإما مصدر بمعنى الهجر أطلق على القرآن على طريق التسمية بالمصدر كالمجلود والمعقول والميسور والمعسر.
(وَرَتَّلْناهُ) :فرقناه أو أتينا به شيئا بعد شيء بتمهل وتؤدة لنيسر فهمه وحفظه، وأصله الترتيل في الأسنان وهو تفليجها، يقال: ثغر مرتل ورتل بفتحتين.
الإعراب:
(وَقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً) عطف على قوله وقال الذين لا يرجون لقاءنا، وقال الرسول فعل وفاعل ويا حرف نداء ورب منادى مضاف الى ياء المتكلم وان واسمها وجملة اتخذوا خبرها وهذا مفعول أول لا تخذوا والقرآن بدل من اسم الاشارة ومهجورا مفعول به ثان. (وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لتسليته ﷺ بعد الارتماض الذي يعانيه والذي تدل عليه شكواه المريرة. وكذلك نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الجعل جعلنا ولكل نبي مفعول به ثان لجعلنا وعدوا مفعول به أول ومن المجرمين نعت لعدوا.
(وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً) الواو عاطفة وكفى فعل ماض وبربك الباء حرف جر زائد في الفاعل وربك مجرور لفظا فاعل كفى محلا وهاديا حال ونصيرا عطف عليه. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لحكاية شبهته منهم تتعلق بالقرآن، والحاكون هم قريش أو اليهود وهو اعتراض متهافت ساقط من أساسه لأن إعجاز القرآن ليس منوطا بنزوله جملة أو تفصيلا. وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة ولولا حرف تحضيض ونزل فعل ماض مبني للمجهول وعليه متعلقان بنزل والقرآن نائب فاعل وجملة حال وواحدة صفة. (كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا) الكاف نعت لمصدر محذوف أي نزلناه تنزيلا مثل ذلك التنزيل، ولنثبت تعليل لنزلناه المحذوفة وبه متعلقان بنثبت والفاعل مستتر تقديره نحن وفؤادك مفعول به ورتلناه عطف على نزلناه المحذوفة وهو فعل ماض وفاعل ومفعول به وترتيلا مفعول مطلق،
ومعنى ترتيله أن قدره آية بعد آية بترسل وتثبت وقيل هو أنزله مع كونه متفرقا على تمكث وتمهل في مدة متباعدة وهي عشرون سنة.
(وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً) الواو عاطفة ولا نافية ويأتونك فعل وفاعل ومفعول به وبمثل متعلقان بيأتونك أي بسؤال عجيب يشبه في استغرابه وبطلانه المثل السائر، وإلا أداة حصر وجئناك فعل وفاعل ومفعول به وبالحق جار ومجرور متعلقان بجئناك والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال فمحل الجملة النصب على الحال أي لا يأتونك بمثل في حال من الأحوال إلا في حال إتياننا إليك بالحق وبما هو أحسن بيانا. وأحسن عطف على الحق وجر بالفتحة لأنه ممنوع من الصرف وتفسيرا تمييز. (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ) الذين رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أي هم أو نصب على الذم أي أذم الذين، وجملة يحشرون صلة وعلى وجوههم متعلقان بمحذوف حال أي مقلوبين على وجوههم وإلى جهنم متعلقان بيحشرون.
(أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ سَبِيلًا) أولئك مبتدأ وشر خبر ومكانا تمييز وأضل سبيلا عطف على شر مكانا والجملة تفسيرية فلا محل لها ولك أن تعرب الذين مبتدأ والجملة خبره.
البلاغة:
١- وصف المكان بالشر، والسبيل بالضلال، من الإسناد المجازي. وقد مرت له نظائر.
٢- قوة اللفظ لقوة المعنى:
وذلك في قوله تعالى: «ورتلناه ترتيلا» فإن لفظة رتل على وزن لفظة قتّل الرباعية ومع هذا ليست دالة على كثرة القراءة وإنما المراد
بها أن تكون القراءة على هيئة التأني والتدبر، وسبب ذلك أن هذه اللفظة لا ثلاثي لها حتى تنقل عنه إلى رباعي وإنما هي رباعية موضوعة لهذه الهيئة الحسنة المخصوصة من القراءة، فاللفظة إن كانت منقولة أدت الى الكثرة. خذلك مثالا «كلّم» من قوله تعالى «وكلّم الله موسى تكليما» فإن كلّم على وزن قتّل أيضا ولم يرد بها التكثير بل أريد بها: خاطبه، سواء أكان خطابه إياه طويلا أم قصيرا، قليلا أم كثيرا، وهذه اللفظة رباعية وليس لها ثلاثي نقلت عنه الى الرباعي.
لكن قد وردت بعينها ولها ثلاثي ورباعي فكان الرباعي أكثر وأقوى فيما دل عليه من المعنى وذاك أن تكون كلّم من الجرح أي جرّح ولها ثلاثي وهو كلم مخففا أي جرح فإذا وردت مخففة دلت على الجراحة مرة واحدة وإذا وردت مثقلة دلت على التكثير. فتدبر هذا فإنه حسن جدا وقل من يتفطن له.
٣- وفي قوله: «ولا يأتونك بمثل» استعارة تصريحية. شبه السؤال بالمثل بجامع البطلان لأن أكثر الأمثال أمور متخيلة.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٣٥ الى ٤٠]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً (٣٦) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً (٣٨) وَكُلاًّ ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلاًّ تَبَّرْنا تَتْبِيراً (٣٩)
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً (٤٠)
اللغة:
(الرَّسِّ) :اسم بئر معينة، قال أبو عبيدة: هي البئر المطوية والجمع الرساس، ومنه قول الشاعر:
وهم سائرون إلى أرضهم تنابلة يحفرون الرساسا
وقيل: الرس قرية، وكان أصحاب الرس قوما من عبدة الأصنام أصحاب آبار ومواش فبعث الله إليهم شعيبا فدعاهم الى الإسلام فتمادوا في طغيانهم وفي إيذائه، وقيل هم أصحاب النبي حنظلة بن صفوان كانوا مبتلين بالعنقاء وسيأتي بحثها، فكانت تسكن جبلهم وتنقض على صبيانهم فتخطفهم إن أعوزها الصيد فدعا عليها حنظلة فأصابتها الصاعقة ثم انهم قتلوا حنظلة فأهلكوا، وقيل هم أصحاب الأخدود والرس هو الأخدود وقيل الرس بانطاكية قتلوا فيها حبيبا النجار.
والعنقاء هي أعظم ما يكون من الطير سميت لطول عنقها، ويقال لها عنقاء مغرب على الاضافة أو العنقاء المغرب والمغربة على الوصف وهي طائر مجهول الجسم لم يوجد، والداهية، ويقال في الإخبار عن هلاك الشيء وبطلانه: حلقت به عنقاء مغرب، وسميت بالمغرب إما
لإتيانها بأمر غريب وهو اختطاف الصبيان وقيل: انها اختطفت عروسا أو لغروبها أي غيبتها، ومغرب بضم الميم وفتحها وقيل غير ذلك مما يطول تعداده:
وقيل الرس: ماء ونخل لبني أسد وقيل الثلج المتراكم في الجبال والرس اسم واد، قال زهير:
بكرن بكورا واستحرنا بسحرة فهن ووادي الرس كاليد في الفم
(تَبَّرْنا) :فتتنا، ومنه التبر لفتات الذهب والفضة.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيراً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتأكيد ما مرّ من تسلية محمد ﷺ بحكاية ما جرى للأنبياء وما كابدوه من أقوامهم.
واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا موسى فعل وفاعل ومفعول به والكتاب مفعول ثان لآتينا وجعلنا عطف على آتينا ومعه ظرف مكان متعلق بمحذوف هو المفعول الثاني لجعلنا وأخاه هو المفعول الأول لجعلنا وهارون بدل من أخاه أو عطف بيان ووزيرا حال، أو تجعل وزيرا هو المفعول الثاني وتعلق الظرف بمحذوف نصب على الحال. (فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيراً) فقلنا عطف على ما تقدم وقلنا فعل وفاعل وجملة اذهبا مقول القول والى القوم جار ومجرور متعلقان باذهبا والذين نعت للقوم وجملة كذبوا صلة وبآياتنا متعلقان بكذبوا والفاء عاطفة على محذوف أي فذهبا إليهم
فكذبوهما فدمرناهم، ودمرناهم فعل وفاعل ومفعول به وتدميرا مفعول مطلق. (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ) وقوم نوح مفعول به لفعل محذوف يفسره ما بعده أي وأغرقنا قوم ولك أن تعطفه على الهاء في دمرناهم أي ودمرنا قوم نوح ولما ظرف بمعنى حين أو رابطة متضمنة معنى الشرط على كل حال وقد تقدم الإلماع إليها، وكذبوا الرسل فعل وفاعل ومفعول به وجملة أغرقناهم جواب شرط غير جازم فلا محل لها. (وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذاباً أَلِيماً) وجعلناهم عطف على ما تقدم وللناس مفعول جعلناهم الثاني وآية مفعول جعلناهم الأول وأعتدنا عطف على جعلناهم وللظالمين متعلقان بأعتدنا وهي تحتمل التعيين والتخصيص فتكون من وضع الظاهر موضع الضمير تسجيلا عليهم بوصف الظلم. (وَعاداً وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً) وعادا مفعول به لفعل محذوف تقديره أهلكنا أو دمرنا، وثمود وأصحاب الرس وقرونا عطف عليه والمراد بقوله قرونا أقواما وكثيرا صفة لقرونا. (وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيراً) كلّا مفعول به لفعل محذوف يلاقي ضربنا في المعنى أي خوفنا وأنذرنا كلّا فهو نصب على الاشتغال وجملة ضربنا مفسرة وهو فعل ماض وفاعل وله متعلقان بضربنا والأمثال مفعول به وكلا مفعول به مقدم لتبرنا لأنه فارغ له لم يشتغل بضميره وتبرنا فعل وفاعل وتتبيرا مفعول مطلق.
(وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ) الواو استئنافية واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأتوا فعل وفاعل وعلى القرية متعلقان بأتوا والتي صفة للقرية وجملة أمطرت صلة ومطر السوء مفعول مطلق لأمطرت فهي بمعنى أمطار السوء والمراد بمطر السوء الحجارة والمعنى أن قريشا عرجوا مرارا كثيرة بمنازل تلك القرية التي أهلكت
بالحجارة من السماء أثناء انتجاعهم للتجارة وفي القاموس: «ساء سوءا بالفتح فعل به ما يكره والسوء بالضم اسم منه»، والقرية هنا اسم جنس لأنها تشمل خمسة قرى كان قوم لوط يسكنونها ما نجت منها إلا واحدة وقيل هي قرية واحدة اسمها سذوم بالذال المعجمة أو سدوم بالدال المهملة وقد تقدم هذا كله. (أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُوراً) الهمزة للاستفهام التقريري المتضمن معنى الإنكار والتقرير هو حمل المخاطب على الإقرار بما يعرفه، والفاء عاطفة لعطف مدخولها على مقدر يقتضيه المقام أي ألم يكونوا ينظرون إليها فلم يكونوا يرونها مرات أثناء تعريجهم عليها ليعتبروا بمصائر من قبلهم وما جرّ عليهم إمعانهم في الغواية وركوب متن الشطط من عقوبة لا تقدر وجملة يرونها خبر يكونوا، بل حرف إضراب وكان واسمها وجملة لا يرجون خبرها ونشورا مفعول به.
البلاغة:
١- في قوله «لا يرجون نشورا» مجاز عن التوقع، وتوقع الشيء يكون في الخير والشر لأنه لما كانت حقيقة الرجاء انتظار الخير وما فيه من سرور وما هو محبب الى النفس احتيج الى توجيه الرجاء بما ذكرناه ولأنه لا يتصور رجاء النشور إلى الكفار.
هذا وقد أجرى بعضهم الكلام على الحقيقة فقال: ان الرجاء بمعنى الخوف هنا وهو محض تكلف وفي المجاز عنه مندوحة.
٢- وفي قوله «فقلنا اذهبا» الى قوله «فدمرناهم تدميرا»
الحذف ألا ترى كيف حذف جواب الأمر في هذه الآية فإن تقديره فقلنا اذهبا الى القوم الذين كذبوا بآياتنا فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم تدميرا.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٤١ الى ٤٤]
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً (٤١) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٢) أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً (٤٣) أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً (٤٤)
الإعراب:
(وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) الواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة رأوك مجرورة بإضافة الظرف إليها وإن نافية ويتخذونك فعل وفاعل ومفعول والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ولم يقترن الجواب بالفاء لأن «إذا» اختصت من بين أدوات الشرط بأن جوابها المنفي لا يقترن بالفاء بخلاف غيرها من الأدوات. وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان ليتخذونك.
(أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) الجملة في محل نصب على الحال من الواو في يتخذونك على تقدير القول أي قائلين والهمزة للاستفهام الانكاري وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة بعث صلة والعائد محذوف
أي بعثه والله فاعل لبعث ورسولا حال ويجوز أن يكون بمعنى مرسل وأن يكون مصدرا حذف منه المضاف، أي ذا رسول وهو الرسالة، وفي الاشارة معنى الاحتقار لأنها للقريب. (إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها) إن مخففة من الثقيلة والجملة من تتمة مقولهم واسمها محذوف أي انه وجملة كاد خبرها ويجوز إهمالها واسم كاد مستتر تقديره هو واللام الفارقة بين إن النافية وإن المخففة من الثقيلة، وجملة يضلنا خبر كاد وهو فعل مضارع وفاعل مستتر ونا مفعول به وعن آلهتنا متعلقان بيضلنا ولولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط وأن وما في حيزها مبتدأ وعليها متعلقان بصبرنا والخبر محذوف أي موجود والجواب محذوف أي لصرفنا عنها. (وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق للرد عليهم من الله تعالى وسوف حرف استقبال ويعلمون فعل مضارع وفاعل وحين ظرف زمان متعلق بيعلمون وجملة يرون في محل جر بإضافة الظرف إليها ومن استفهام مبتدأ وأضل خبره وسبيلا تمييز والجملة في محل نصب سدت مسد مفعولي يعلمون التي علقت عن العمل بالاستفهام أي أهم أم المؤمنون؟. (أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ) الهمزة للاستفهام ورأيت فعل وفاعل أي أخبرني، ومن اسم موصول مفعول رأيت الأول وجملة اتخذ صلة وإلهه مفعول به ثان لاتخذ وهواه مفعول به أول وقدم المفعول الثاني لأنه أهم وللاعتناء به لأنه هو المحور الذي يدور عليه التعجب وستأتي في باب البلاغة مناقشة طريقة حول هذا التقديم. (أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا) الجملة في محل نصب مفعول به ثان لرأيت والهمزة للاستفهام الانكاري للتيئيس من إيمانهم، والفاء عاطفة على مقدر أي أنت تحرص على إيمانه وأنت مبتدأ وجملة تكون خبره واسم تكون ضمير مستتر تقديره أنت وعليه
متعلقان بوكيلا ووكيلا خبر تكون. (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ) أم حرف عطف مقدرة ببل والهمزة فهي منقطعة والهمزة المقدرة للاستفهام الإنكاري وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي تحسب وجملة يسمعون خبر أن وأو حرف عطف ويعقلون عطف على يسمعون. (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا) إن نافية وهم مبتدأ وإلا أداة حصر والكاف خبر هم، بل حرف عطف وإضراب وهم مبتدأ وأضل خبره وسبيلا تمييز.
البلاغة:
١- التقديم:
في قوله تعالى «اتخذ إلهه هواه» التقديم فقد قدم المفعول الثاني، والأصل اتخذ الهوى إلها للعناية به كقولك ظننت منطلقا زيدا إذا كانت عنايتك بالمنطلق، وفيه إلى جانب هذه النكتة نكتة ثانية وهي إفادة الحصر، فإن الكلام قبل دخول أرأيت مبتدأ وخبر، المبتدأ هواه والخبر إلهه، وتقديم الخبر كما علمت يفيد الحصر فكأنه قال أرأيت من لم يتخذ معبوده إلا هواه، فهو أبلغ في ذمه وتوبيخه. هذا وقد زعم بعض المعربين أنه لا تقديم ولا تأخير في الكلام وإنهما مفعولا الاتخاذ من غير تقديم ولا تأخير لاستوائهما في التعريف ولكن هذا مجرد وهم فإنهما وإن تساويا في التعريف فقد غاب عن أصحاب هذا الزعم أن المفعول الثاني هو المتلبس بالحالة الحادثة أي أرأيت من جعل هواه إلها لنفسه من غير أن يلاحظه وبنى عليه أمر دينه معرضا عن استماع الحجة الباهرة والبرهان النير بالكلية.
٢-
التمثيل:
في قوله «إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا» فن التمثيل وقد تقدمت الإشارة إلى هذا الفن الذي يتلخص في أنه هو أن يريد المتكلم معنى فلا يعبر عنه بلفظة الخاص ولا بلفظي الإشارة ولا الإرداف بل بلفظ هو أبعد من لفظ الإرداف قليلا يصلح أن يكون مثلا للفظ الخاص لأن المثل لا يشبه المثل من كل الوجوه، ولو تماثل المثلان من كل الوجوه لاتحدا. ومن التمثيل أيضا نوع آخر ذهب إليه من جاء بعد قدامة وهو أن يذكر الشيء ليكون مثالا للمعنى المراد وإن كان معناه ولفظه غير المعنى المراد ولفظه، كأنهم لثبوتهم على الضلالة بمنزلة الانعام والبهائم بل أضل سبيلا لأن البهائم تنقاد لمن يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسيء إليها أما هؤلاء فقد أسفوا إلى أبعد من هذا الدرك.
هذا وقد استخرج ابن أبي الإصبع في كتابه المسمى بتحرير التحبير أمثال أبي تمام من شعره فوجدها تسعين نصفا وثلاثمائة بيت، واستوعب أمثال أبي الطيب المتنبي فوجدها مائة نصف وأربعمائة بيت وقد ذكرنا فيما سلف من هذا الكتاب عددا من أمثال المتنبي ونذكر هنا طائفة أخرى منها:
لعل عتبك محمود عواقبه فربما صحت الأجسام بالعلل
وقوله:
وقوله:
ومكايد السفهاء واقعة بهم وعداوة الشعراء بئس المقتنى
لا يعجبن مضيما حسن بزته وهل تروق دفينا جودة الكفن
وقوله:
وانا الذي اجتلب المنية طرفه فمن المطالب والقتيل القاتل
وقوله:
وما كمد الحساد شيئا قصدته ولكنه من يرحم البحر يغرق
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٤٥ الى ٤٩]
أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلاً (٤٥) ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً (٤٦) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً (٤٧) وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً (٤٩)
اللغة:
(سُباتاً) :راحة للأبدان بقطع الأعمال وهو من السبت أي القطع سمي بذلك لقطع الأشغال فيه، وفي المصباح: «والسبات وزان غراب النوم الثقيل وأصله الراحة يقال منه سبت يسبت من باب قتل» وفي
القاموس: إنه من بابي قتل وضرب ثم قال: والسبات النوم أو خفيفه أو ابتداؤه في الرأس حتى يبلغ القلب، وقال الزمخشري: «والسبات:
الموت والمسبوت: الميت لأنه مقطوع الحياة وهذا كقوله «وهو الذي يتوفاكم بالليل»
فإن قلت: هلا فسرته بالراحة؟ قلت: النشور في مقابلته يأباه إباء العيوف الورد وهو مرنق» والعيوف من الإبل كما في الصحاح: الذي يشم الماء فيدعه وهو عطشان وفيه أيضا: رنقته ترنيقا كدرته» وفي اللسان والأساس: «وجعل الله النوم سباتا: موتا وأصبح فلان مسبوتا: ميتا» وفي القاموس والتاج: «السبات: النوم أو أوله، والدهر، والرجل الداهية، وابنا سبات: الليل والنهار مأخوذ من معنى الدهر، وسبت يسبت من بابي قتل وضرب سبتا دخل في السبت وقام بأمر السبت: استراح، وسبت الشيء قطعه، وسبت الرأس: حلقه والسبت مصدر ويوم من أيام الأسبوع بين الجمعة والأحد وجمعه أسبت وسبوت، والسبت أيضا: النوام والفرس الجواد والرجل الداهية.
(الرِّياحَ) :في المصباح: «والريح أربع الشمال وتأتي من ناحية الشام والجنوب تقابلها وهي الريح اليمانية والثالثة الصبا وتأتي من مطلع الشمس وهي القبول أيضا والرابعة الدبور وتأتي من ناحية المغرب، والريح مؤنثة على الأكثر فيقال هي الريح وقد تذكر على معنى الهواء فيقال هو الريح وهب الريح، نقله أبو زيد وقال ابن الأنباري: الريح مؤنثة لا علامة فيها وكذلك سائر أسمائها إلا الإعصار فإنه مذكر.
(طَهُوراً) :الطهور على وجهين في العربية: صفة واسم غير صفة فالصفة قولك ماء طهور كقولك طاهر والاسم قولك لما يتطهر به
طهور كالوضوء والوقود لما يتوضأ به وتوقد به النار كقولك وضوءا حسنا ذكره سيبويه.
(أَناسِيَّ) :الأناسي جمع إنسي أو إنسان ونحوه ظرابي في ظربان على قلب النون ياء والأصل أناسين وظرابين ولعل الثاني هو الأرجح، قال سيبويه: «إن الياء في إنسي للنسب وما هي فيه لا يجمع على فعالي» وقال ابن مالك «واجعل فعالي لغير ذي نسب» وجزم ابن هشام وابن مالك بأنه جمع إنسان لا جمع إنسي، قالا: وشذ قباطي جمع قبطي وبخاتي جمع بختي، وفي الصحاح: القبط أهل مصر ورجل قبطي والقبطية ثياب بيض رقاق من كتان والبخت من الإبل معرب وقيل هو عربي وينشد لابن قيس الرقيات:
يهب الخيل والألوف ويسقي لبن البخت في قصاع الخلنج
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً) كلام مستأنف مسوق للشروع في إيراد أدلة محسوسة على توحيده وستأتي خمسة أدلة أولها امتداد الظل وثانيها جعل الليل لباسا وثالثها إرسال الرياح ورابعها مرج البحرين وخامسها خلق البشر من الماء. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر أي تنظر فعل مضارع مجزوم بلم وهي هنا بصرية وإلى ربك متعلقان بتنظر على حذف مضاف أي إلى صنيع ربك لأنه ليس المقصود رؤية ذات الله، وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال أي ألم تر إلى صنيع ربك كيف مد الظل، أي على أية حالة، ومعنى مد الظل أن جعله يمتد وينبسط فينتفع به الناس، واختار الزجاج أن تكون الرؤية قلبية والمعنى ألم
تعلم، قال: وهذا أولى لأن الظل إذا جعلناه من المبصرات فتأثير قدرة الله تعالى في تمديده غير مرئي بالاتفاق ولكنه معلوم من حيث أن كل مبصر فله مؤثر فحمل اللفظ على رؤية القلب أولى وقد علقت كيف تر عن العمل فجملة مد الظل في محل نصب مفعول به على الثاني وعلى الأول مستأنفة.
ولو الواو حالية ولو شرطية وشاء فعل ماض وفاعل مستتر واللام واقعة في جواب لو وجملة جعله لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والهاء مفعول جعل الأول وساكنا مفعوله الثاني أي ثابتا بأن يجعل الشمس على وضع واحد أو دائما غير زائل. (ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا) ثم هنا للتفاضل بين أوقات الظهور وليست للتراخي الزماني لأنه لا يصح هنا فهي محمولة على المجاز كما سيأتي في باب البلاغة وجعلنا فعل وفاعل والشمس مفعول به وعليه حال ودليلا مفعول به ثان أي لولا الشمس لما عرف الظل. (ثُمَّ قَبَضْناهُ إِلَيْنا قَبْضاً يَسِيراً) وثم هنا للتفاضل أيضا بين الأمور الثلاثة وهي مد الظل وسكونه وقبضه كأن الثاني أعظم من الأول والثالث أعظم منهما، وقبضناه فعل وفاعل ومفعول به وإلينا متعلقان بقبضناه وقبضا مفعول مطلق ويسيرا صفة ومعنى قبضه قبضا يسيرا أي حسبما ترتفع الشمس لتنتظم بذلك مصالح الكون. (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِباساً وَالنَّوْمَ سُباتاً وَجَعَلَ النَّهارَ نُشُوراً) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبره وجملة جعل صلة ولكم حال لأنه كان في الأصل صفة للباسا والليل مفعول جعل الأول ولباسا مفعوله الثاني والنوم سباتا عطف على ما تقدم وجعل النهار نشورا عطف أيضا أي انتشارا ينشر فيه الناس لتحصيل معاشهم. (وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ) بشرا حال وبين ظرف متعلق
بمحذوف صفة لبشرا ويدي رحمته مضاف إليه وسيأتي تحقيق ذلك في باب البلاغة. (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً) عطف على ما تقدم وفيه إشعار بأن تطهير الظواهر يستلزم تطهير البواطن وفي ذلك منتهى المنة والنعمة. (لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنا أَنْعاماً وَأَناسِيَّ كَثِيراً) لام التعليل متعلق بأنزلنا لبيان العلة في إنزاله وبه متعلقان بنحيي وبلدة مفعول به وميتا صفة لبلدة يستوي فيه المذكر والمؤنث أو لأنه ذكر على معنى البلد في قوله «فسقناه إلى بلد ميت» ونسقيه عطف على نحيي تبعه في النصب ويقال سقاه وأسقاه وكلاهما يتعدى إلى مفعولين ومما متعلقان بمحذوف خال وأنعاما مفعول به ثان لنسقيه وأناسي كثيرا عطف على أنعاما. وسيأتي سر تقديم الأنعام على الأناسي في باب البلاغة.
البلاغة:
١- التقديم والتأخير:
في قوله «وأنزلنا من السماء ماء» الى قوله «وأناسي كثيرا» فن التقديم والتأخير وهو فن عجيب دقيق المسلك خفي الدلالة، وهو قسمان: قسم يختص بدلالة الألفاظ على المعاني وقسم يختص بدرجة التقدم في الذكر ومنه الآية التي نحن بصددها، فقد قدم حياة الأرض وإسقاء الأنعام على إسقاء الناس وإن كانوا أشرف محلا لأن حياة الأرض هي سبب لحياة الأنعام والناس، فلما كانت بهذه المثابة جعلت مقدمة في الذكر ولما كانت الأنعام من أسباب التعيش والحياة للناس قدمها في الذكر على الناس لأن حياة الناس بحياة أرضهم وأنعامهم فقدم سقي ما هو سبب نمائهم ومعاشهم على سقيهم.
٢- في قوله «ثم جعلنا» و «ثم قبضناه» استعارة تصريحية تبعية استعير فيها لفظة المشبه به وهو البعد والتراخي للمشبه وهو تفاضل الأمور.
٢- وفي قوله «بين يدي رحمته» استعارة أيضا أي قدام المطر، وسيأتي المزيد من ذلك.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٥٠ الى ٥٧]
وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٥٠) وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً (٥١) فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً (٥٢) وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً (٥٣) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً (٥٤)
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً (٥٥) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (٥٦) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (٥٧)
اللغة:
(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ) :جعلهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان وفي المصباح: «المرج: أرض ذات نبات ومرعى والجمع مروج مثل
فلس وفلوس، ومرجت الدابة مرجا من باب قتل: رعت في المرج، ومرجتها مرجا: أرسلتها ترعى في المرج». وفي المختار: وقوله تعالى:
«مرج البحرين» أي خلاهما لا يلتبس أحدهما بالآخر. وفي الأساس:
«أمرج الدواب ومرجها: أرسلها في المرج والمروج، ومرج السلطان الناس، ورجل مارج: مرسل غير ممنوع، ولا يزال فلان يمرج علينا مروجا: يأتينا مفاجئا، ومرج الخاتم في الإصبع قلق. ومن المجاز:
«مرج الله البحرين، ومرج فلان لسانه في أعراض الناس وأمرجه، وفلان سرّاج مرّاج: كذاب، ومرجت عهودهم وقد مرج أمرهم مرجا ومروجا، وأمر مارج ومريج، وفي الحديث: «كيف أنتم إذا مرج الدين وظهرت الرغبة»
قال زهير:
مرج الدين فأعددت له مشرف الحارك محبوك الثبج
يرهب السوط سريعا فإذا ونت الخيل من الشد معج
وأمرجوا عهودهم ودينهم، وطلع مارج من نار: لهب ساطع».
هذا وقد سمي الماء الكثير بحرا ولم يقصد بحرين معنيين.
(فُراتٌ) :الفرات: البليغ العذوبة حتى يضرب إلى الحلاوة والتاء فيه أصلية لام الكلمة ووزنه فعال وبعض العرب يقف عليها هاء ويقال سمي الماء العذب فراتا لأنه يفرت العطش أي يشقه ويقطعه وفي المصباح:
«الفرات الماء العذب يقال فرت الماء فروتة وزان سهل سهولة إذا عذب ولا يجمع إلا نادرا على فرتان كغربان» والفرات أيضا نهر عظيم معروف والفرات أيضا البحر.
(أُجاجٌ) :الأجاج: البالغ في الملوحة وقيل في الحرارة وقيل في المرارة. وفي الأساس «وماء أجاج: يحرق بملوحته» وفي القاموس:
«أجّ يؤج الماء: صار أجاجا أي ملحا مرا، وهذه نبذة لغوية في تفصيل كمية الماء وكيفيته: إذا كان الماء دائما لا ينقطع ولا ينزح في عين أو بئر فهو عدّ، فإذا كان إذا حرك منه جانب لم يضطرب جانبه الآخر فهو كر، فإذا كان كثيرا عذبا فهو غدق وقد نطق به القرآن، فإذا كان مغرقا فهو غمر، فإذا كان تحت الأرض فهو غور، فإذا كان جاريا فهو غيل، فإذا كان على ظهر الأرض يستقى بغير آلة فهو سيح، فإذا كان ظاهرا جاريا على وجه الأرض فهو معين وسنم، وفي الحديث: «خير الماء السنم» فإذا كان جاريا بين الشجر فهو غلل، فإذا كان مستنقعا في حفرة أو نقرة فهو ثغب، فإذا أنبط من البئر فهو نبط، فإذا غادر السيل منه قطعة فهو غدير، فإذا كان الى الكعبين أو أنصاف السوق فهو ضحضاح، فإذا كان قريب القعر فهو ضحل، فإذا خاضته الدواب فغيرته فهو طرق، فإذا كان منتنا غير أنه شروب فهو آجن، وإلا فهو آسن، فإذا كان باردا منتنا فهو غساق، أو كان حارا فسخن، فإذا اشتدت حرارته فحميم، فإذا كان ملحا فهو زعاق، أو مرا فهو قعاع، فإذا اجتمعت فيه الملوحة والمرارة فهو أجاج، فإذا كان فيه شيء من العذوبة وقد يشربه الناس على ما فيه فهو شريب، فإذا كان دونه في العذوبة وليس يشربه الناس إلا عند الضرورة وقد تشربه البهائم فهو شروب، فإذا كان عذبا فهو فرات، فإذا زادت عذوبته فهو نقاخ، فإذا كان زاكيا في الماشية فهو نمير، فإذا كان سهلا سائغا متسلسلا في الحلق فهو سلسل وسلسال، فإذا جمع الصفاء والعذوبة والبرد فهو زلال، فإذا كثر عليه الناس حتى نزحوه بشفاههم فهو مشفوه ثم مثمود ثم مضفوف ثم ممكول ثم مجموم ثم منقوص» فما أعجب أمر لغتنا الشريفة.
(بَرْزَخاً) :حاجزا يحول دون اختلاط أحدهما بالآخر دون أن يرى.
(وَحِجْراً مَحْجُوراً) :تقدم تفسيرهما، وسيأتي البحث عن موقعهما هنا في باب البلاغة.
(وَصِهْراً) :الصهر بالكسر القرابة كما في القاموس والختن وجعمه أصهار وفي المصباح: «الصهر جمعه أصهار، قال الخليل:
الصهر أهل بيت المرأة وقال ومن العرب من يجعل الأحماء والأختان جميعا أصهارا، وقال الأزهري: الصهر يشتمل على قرابات النساء ذوي المحارم وذوات المحارم كالأبوين والأخوة وأولادهم والأعمام والأخوال والخالات فهؤلاء أصهار زوج المرأة ومن كان من قبل الزوج من ذوي قرابته المحارم فهم أصهار المرأة أيضا وقال ابن السكيت: كل من كان من قبل الزوج من أبيه أو أخيه أو عمه فهم الأحماء ومن كان من قبل المرأة فهم الأختان ويجمع الصنفين الاصهار وصاهرت إليهم ولهم وفيهم إذا تزوجت منهم»
.
(ظَهِيراً) :الظهير: المعين فهو فعيل بمعنى مفاعل ويجوز أن يراد بالظهير الجماعة كقوله «والملائكة بعد ذلك ظهير» كما جاء الصديق والخليط.
الإعراب:
(وَلَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) عطف على ما تقدم واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وصرفناه فعل وفاعل ومفعول به والضمير يعود على الماء أو على القول الذي مرّ
فيه ذكر إنشاء السحاب وإنزال القطر بين الناس ليعتبروا فأبوا إلا الكفور، وبينهم متعلقان بصرفناه وليذكروا اللام للتعليل ويذكروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام فأبى أكثر الناس الفاء عاطفة والجملة عطف على ما تقدم وإلا أداة حصر وكفورا مفعول به أو مفعول مطلق. (وَلَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيراً) الواو عاطفة ولو شرطية وشئنا فعل وفاعل ومفعول المشيئة محذوف وقد تقدم انه يكثر بعد فعل المشيئة واللام واقعة في جواب لو وجملة بعثنا لا محل لها وفي كل قرية متعلقان ببعثنا ونذيرا مفعول به أي ولكننا قصرنا الأمر عليك وأنطناه بك وحدك ليكون لك فضل إظهاره والتمرس بأعبائه.
(فَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَجاهِدْهُمْ بِهِ جِهاداً كَبِيراً) الفاء الفصيحة ولا ناهية وتطع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والكافرين مفعول به أي فلا تسايرهم فيما يريدونك عليه ولا تأخذك هوادة أولين، وجاهدهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبه متعلقان بجاهدهم والضمير للقرآن واتل عليهم دائما زواجره وأوامره ونواذره، وجهادا مفعول مطلق وكبيرا صفة. (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ) الواو عاطفة والكلام معطوف على ما تقدم ليتساوق ذكر الدلائل الخمسة على توحيده وهذا هو الدليل الرابع. وهو مبتدأ والذي خبره وجملة مرج البحرين صلة وجملة هذا عذب استئنافية أو مقولا لقول محذوف في موضع الحال أي مقولا فيهما وهذا مبتدأ وعذب خبره وفرات خبر ثان وهذا ملح أجاج عطف على ما تقدم.
(وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً) عطف على مرج داخل في حيز الصلة وجعل فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وبينهما ظرف متعلق بمحذوف في موضع المفعول الثاني لجعل وبرزخا مفعول به
أول وحجرا محجورا عطف على برزخا وقيل منصوبين بقول مقدر وسيأتي تقرير ذلك في باب البلاغة. (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً) عطف على ما تقدم وقد ذكر فيه الدليل الخامس ومن الماء جار ومجرور متعلقان بخلق وبشرا مفعول به، فجعله الفاء عاطفة وجعله فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول ونسبا مفعول ثان وصهرا عطف على نسبا والواو استئنافية وكان فعل ماض ناقص وربك اسمها وقديرا خبرها. (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ) الواو استئنافية وجملة يعبدون استئنافية مسوقة للشروع في تقبيح جنوح المشركين الى عبادة الأوثان بعد أن أورد الدلائل الخمسة على التوحيد، ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعهم صلة وجملة ولا يضرهم عطف على جملة لا ينفعهم. (وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً) الواو عاطفة وكان الكافر كان واسمها وعلى ربه متعلقان بظهيرا وظهيرا خبر كان أي معينا للشيطان. (وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً) كلام مستأنف مسوق لتقرير حال رسوله ﷺ وما نافية وأرسلناك فعل ماض وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر ومبشرا حال فالاستثناء من أعم الأحوال ونذيرا عطف على مبشرا. (قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) قل فعل أمر وجملة ما أسألكم مقول القول وعليه حال لأنه كان في الأصل صفة لأجر وتقدم عليه ومن حرف جر زائد وأجر مجرور لفظا في محل نصب مفعول به لأسألكم. (إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا) إلا أداة استثناء ومن شاء مستثنى منقطع لأنه من غير الجنس أي لا أطلب منكم أجرا لنفسي لكن من شاء أن ينفق أمواله في سبيل الله ولوجهه خالصا فليفعل، وأن وما في حيزها مفعول المشيئة والى ربه في موضع المفعول الثاني ليتخذ وسبيلا مفعول به أول ليتخذ.
البلاغة:
الاستعارة التصريحية في قوله «مرج البحرين» فقد شبه بهما الماءين الكثيرين الواسعين، وحجرا محجورا هي كلمة تقال عند التعوذ كما أسلفنا في هذه السورة، ولكنهما هنا تقالان على سبيل المجاز كأن كل واحد من البحرين يتعوذ من الآخر ويقول له حجرا محجورا، فإعراب حجرا محجورا مفعولين للقول المحذوف جيد للغاية من الناحية البيانية. وسيأتي قوله «بينهما برزخ لا يبغيان» في سورة الرحمن فقد شبههما كما قلنا بطائفتين متعاديتين تريد كل منهما الإيقاع بالأخرى وتتربص بها الدوائر وتنتهن السوانح والفرص، ولكنها عند ما تحصل على ما تريد تمتنع من البغي، فجعل المعنى المستعار كاللفظ المقول، وهذا من أبلغ القول وأبينه وأكثره تجسيدا وملاءمة للمعنى المراد.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٥٨ الى ٦٠]
وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً (٥٩) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً (٦٠)
الإعراب:
(وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) الواو عاطفة على ما تقدم والآية متصلة بقوله «وكان الكافر على ربه ظهيرا» فإنه
لما بيّن أن الكفار متظاهرون على إيذائه أمره أن يتوكل عليه. وتوكل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعلى الحي متعلقان بتوكل والذي صفة وجملة ولا يموت صلة وسبح عطف على توكل وبحمده متعلقان بمحذوف حال أي متلبسا بحمده. (وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً) الواو حرف عطف وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد والهاء مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل وبذنوب متعلقان بخبيرا وخبيرا تمييز أو حال. (الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) الذي نعت أو بدل من قوله «به» أو مبتدأ وجملة خلق السموات والأرض صلة وما بينهما عطف على السموات والظرف متعلق بمحذوف صلة وفي ستة أيام متعلقان بخلق. (ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً) ثم حرف عطف واستوى عطف على خلق وعلى العرش متعلقان به والرحمن خبر الذي أو خبر لمبتدأ محذوف أي هو الرحمن، فاسأل الفاء الفصيحة واسأل فعل أمر وبه متعلقان بخبيرا وخبيرا مفعول به ويجوز أن تكون الباء بمعنى عن والجار والمجرور متعلقان بقوله فاسأل. ومنه قول الشاعر:
فإن تسألوني بالنساء فإنني خبير بأدواء النساء طبيب
وقول عنترة:
هلا سألت الخيل يا ابنة مالك إن كنت جاهلة بما لم تعلمي
(وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ) الواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة قيل مجرورة بإضافة الظرف إليها ولهم متعلقان بقيل وجملة اسجدوا للرحمن مقول القول وجملة قالوا جواب شرط غير جازم لا محل لها والواو زائدة
وما الرحمن ما اسم استفهام خبر مقدم والرحمن مبتدأ مؤخر أو بالعكس ويجوز أن يكون سؤالا عن المسمى به أو عن معناه.
(أَنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً) الهمزة للاستفهام الانكاري ونسجد فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن ولما متعلقان بنسجد أي كيف سجد لما لا نعرفه، وجملة تأمرنا صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية أي للسجد من أجل أمرك وزادهم فعل وفاعل يعود على القول والهاء مفعول به ونفورا مفعول به ثان أو تمييز.
البلاغة:
في قوله «ثم استوى على العرش» استعارة مكنية ويسميها القدامى تخييلية، فالمستعار الاستواء والمستعار منه كل جسم مستو والمستعار له الحق عز وجلّ ليتخيل السامع عند سماع هذه اللفظة ملكا فرغ من ترتيب ممالكه وتشييد ملكه وجميع ما تحتاج إليه رعاياه وجنده من عمارة بلاده وتدبير أحوال عباده، استوى على سرير ملكه استيلاء عظمة، فيقيس السامع ما غاب عن حسه من أمر الإلهية على ما هو متخيله من أمر المملكة الدنيوية عند سماع هذا الكلام، ولهذا لا يقع ذكر الاستواء على العرش إلا بعد الإخبار بالفراغ من خلق السموات والأرض وما بينهما وإن لم يكن ثم سرير منصوب ولا جلوس محسوس ولا استواء على ما يدل عليه الظاهر من تعريف هيئة مخصوصة.
فائدة:
في الاستواء مذهبان أحدهما مذهب السلف وهو لا يفسر
الاستواء بل يقول انه استواء يليق به وثانيهما مذهب الخلف وهو يفسره بالاستيلاء عليه بالتصرف فيه وفي سائر المخلوقات.
الفوائد:
قوله في ستة أيام: يعني في مقدارها هذه المدة والظاهر أنها من أيام الدنيا وأولها الأحد وآخرها يوم الجمعة وقد كان لها أسماء عندهم وهي: الأحد: أوهل، والأثنين: أوهن، والثلاثاء: جبار، والأربعاء، دبار، والخميس: مؤنس، والجمعة: عروبة، والسبت: شيار.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٦١ الى ٦٦]
تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً (٦١) وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً (٦٢) وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً (٦٣) وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً (٦٤) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً (٦٥)
إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٦٦)
اللغة:
(بُرُوجاً) :أي منازل للكواكب السيارة وهي اثنا عشر، وأصل البروج القصور العالية، سميت هذه المنازل بروجا لأنها للكواكب
السيارة بمثابة المنازل الرفيعة التي هي القصور لسكانها، هذا ومنطقة البروج هي منطقة سماوية تحتوي على المدارات التي تجتازها الكواكب السيارة حول الشمس، وانحراف هذه المدارات بالنسبة الى بعضها يختلف قلة وكثرة ولا سيما مدارات الكواكب التي لا تشاهد إلا بالآلة العظيمة الفلكية وهذه المنطقة تقسمها الدائرة الكسوفية المسماة بمدار الأرض الى قسمين متساويين عرض كل منهما تقريبا ثماني درجات وينتهيان بدائرتين موازيتين لتلك الدائرة وهي منحرفة عن دائرة الاستواء التي تقسمها الى قسمين يقربان للتساوي، وقد قسمت في سالف الأزمان الى اثني عشر قسما تسمى صورا وكل قسم منها ثلاثون درجة، ومن سير الشمس بحسب الظاهر في هذه الأقسام تحصل الفصول ومددها، وذلك أن هذا الكوكب بتركه النصف الجنوبي من الكرة ودخوله في نصفها الشمالي تفتتح السنة الشمسية، أعني بمجرد دخوله في برج الحمل، وفي ذلك الوقت يبتدىء الربيع الذي يحيا به الكون ويستمر هذا الفصل مدة اجتياز الشمس البرج المذكور وبرج الثور والجوزاء ثم تدخل على التعاقب في السرطان والأسد والسنبلة وهذه تسمى بفصل الصيف فينبعث إلينا مدة إقامتها في تلك البروج أشعة شديدة الحرارة تنضج الحبوب التي تحصد زمن الصيف، ثم بعد بلوغها هذا الارتفاع تنزل من جهة النصف الجنوبي فتجتاز على التوالي الميزان والعقرب والقوس ويقال لهذه البروج الثلاثة فصل الخريف، ثم يدخل الشتاء بثلجه وبرده وتكون الشمس حينئذ أبعد نقطة عنا ولا ينبعث منها إلينا إلا أشعة مائلة فتقطع بروجه الثلاثة أعني الجدي والدلو والحوت ثم ترجع الى محلها الأول لتعيد الحياة والحركة الى كثير من الكائنات التي كانت كأنها خلية عنها بسبب بعدها عنها.
فقد عرفت من ذلك أن الصور الاثني عشرة لمنطقة البروج تنقسم على الفصول الأربعة، فللربيع الحمل والثور والجوزاء، وللصيف السرطان والأسد والسنبلة، وللخريف الميزان والعقرب والقوس، وللشتاء الجدي والساكب والحوت.
(سِراجاً) :السراج الشمس كقوله تعالى «وجعل الشمس سراجا».
(خِلْفَةً) :أي يخلف كل واحد منهما الآخر فالخلفة مصدر هيئة.
وعبارة القرطبي: قال أبو عبيدة: الخلفة كل شيء بعد شيء فكل واحد من الليل والنهار يخلف صاحبه، ويقال للمبطون: أصابه خلفة أي قيام وقعود يخلف هذا ذاك، ومنه خلفة النبات وهو ورق يخرج بعد الورق الأول في الصعيد. وقال مجاهد: خلفة من الخلاف هذا أبيض وهذا أسود والأول أقوى، وقيل يتعاقبان في الضياء والظلام والزيادة والنقصان، وقيل هو من باب حذف المضاف أي جعل الليل والنهار ذوي خلفة أي اختلاف لمن أراد أن يذكر أي يتذكر فيعلم أن الله لم يجعلهما كذلك عبثا فيعتبر في مصنوعات الله تعالى ويشكر الله على نعمه عليه في العقل والفكر والفهم، وقال عمر بن الخطاب وابن عباس والحسن معناه من فاته شيء من الخير بالليل أدركه بالنهار ومن فاته بالنهار أدركه بالليل.
(هَوْناً) :الهون: الرفق والسكينة، وهو مصدر وضع موضع الصفة للمبالغة وقد مرت له نظائر، ومنه الحديث: «أحبب حبيبك هونا ما» وقوله «المؤمنون هينون لينون» ومن أمثالهم «إذا عز أخوك فهن».
(غَراماً) :هلاكا وخسرانا وعذابا لازما، وفي المختار: «الغرام:
الشر الدائم والعذاب»
قال بشر بن أبي خازم:
ويوم النسار ويوم الفجا.... ركانا عذابا وكان غراما والنسار ماء لبني عامر والفجار ماء لبني تميم، وقد جرت فيهما هاتان الواقعتان وكانتا عذابا على أهلهما وهلاكا دائما.
الإعراب:
(تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيها سِراجاً وَقَمَراً مُنِيراً) تبارك فعل ماض جامد والذي فاعله وجملة جعل صلة وفي السماء متعلقان بجعل وبروجا مفعول به وما بعده عطف عليه ويجوز أن تجعل جعل متعدية لاثنين بمعنى الجعل أي التصيير. (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً) كلام معطوف على ما قبله وهو مبتدأ والذي خبره وجملة جعل الليل والنهار صلة وخلفة مفعول به ثان لجعل إن كانت بمعنى صير أو حال إن كانت بمعنى خلق وأفرد لأن المعنى يخلف أحدهما الآخر فلا يتحقق هذا إلا منهما، قيل ولا بد من تقدير مضاف أي ذوي خلفة كما تقدم في باب اللغة، ولمن صفة لخلفة وجملة أراد صلة من، وأن يذكر مصدر مؤول في محل نصب على المفعولية لأراد ومفعول يذكر محذوف أي ما فاته في أحدهما وأو حرف عطف وأراد شكورا عطف على أراد الأولى. (وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْناً) كلام مستأنف مسوق لبيان الأوصاف التي تميز بها عباد الرحمن المخلصون بعد بيان حال المنافقين وقد وصفهم بثمانية موصولات. وعباد مبتدأ والرحمن مضاف إليه وما بعده صفات ويجوز أن تكون الموصولات الثمانية أوصافا، وخبر عباد في آخر
السورة وهو قوله تعالى «أولئك يجزون الغرفة» كأنه قال وعباد الرحمن الموصوفون بهذه الصفات أولئك يجزون ولعل الأول أولى لبعده عن التعسف، والذين خبر عباد أو صفة وجملة يمشون صلة وعلى الأرض متعلقان بيمشون وهونا مصدر وضع في موضع الحال أو نصب على المفعولية المطلقة كأنه وصف للمصدر أو ملاقيه في المعنى أي مشيا هونا. (وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ قالُوا سَلاماً) الواو عاطفة والجملة معطوفة على ما قبلها فهي من حيز الصلة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة خاطبهم الجاهلون في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وسلاما مفعول مطلق أي قولا يسلمون فيه من الإثم، وستأتي مناقشة طريفة بين سيبويه والمبرد حول هذا المصدر في باب الفوائد. (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً) والذين عطف على الموصول الأول وجملة يبيتون صلة والواو اسم يبيتون ويضعف جعلها تامة أي يدخلون في البيات كما سيأتي في باب الفوائد، ولربهم متعلقان بسجدا وسجدا خبر يبيتون أو حال على جعلها تامة، وقياما عطف على سجدا، وقدم السجود على الفيام وان كان القيام قبله في الفعل لمراعاة الفواصل، وسجدا جمع ساجد وهو اسم فاعل ولذلك تعلق الجار والمجرور به وكذلك قياما جمع قائم. (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ) والذين عطف أيضا وجملة يقولون صلة وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء واصرف فعل أمر معناه الدعاء وعذاب جهنم مفعول اصرف والجملة مقول القول. (إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً) الجملة تعليلية لا محل لها فهي تعليل لقولهم ربنا اصرف عنا عذاب جهنم، وان واسمها وجملة كان خبرها واسم كان ضمير مستتر تقديره هو وغراما خبر كان.
(إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) الجملة تعليلية أيضا وحذف العاطف بينهما فالجملتان من جملة مقولهم، وان واسمها وجملة ساءت خبرها وفاعل ساءت ضمير مستتر مبهم مفسر بنكرة ومستقرا تمييز ومقاما عطف على مستقرا والمخصوص بالذم محذوف تقديره هي، وقد أجاز المعربون كالزمخشري والسمين أن تكون ساءت بمعنى أحزنت فلا نكون من أفعال الذم بل تكون فعلا متصرفا ناصبا للمفعول به وهو هنا محذوف أي وأحزنت أصحابها وداخليها، عندئذ يجوز في مستقرا أن يكون تمييزا وأن يكون حالا.
الفوائد:
١- مناقشة حول «سلاما» :
قال القرطبي في تفسيره: «قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلاما في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على الكفار لكنه على معنى قوله سلمنا منكم ولا خير بيننا وبينكم ولا شر، وقال المبرد كان ينبغي أن يقول:
لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم، وقال أي محمد بن يزيد المبرد: أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة، وقال ابن العربي:
لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ولا نهوا عن ذلك بل أمروا بالصفح والهجر الجميل وقد كان عليه الصلاة والسلام يقف على أنديتهم ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم»
.
قلت: ولا حاجة الى ادعاء النسخ لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة وأصون للعرض وأوفر له.
٢- فعل بات:
قال في القاموس: «وبات يفعل كذا يبيت ويبات بيتا وبياتا ومبيتا وبيتوتة أي يفعله ليلا وليس من النوم» ومعنى قوله: «وليس من النوم» أي وليس الفعل من النوم فإذا نام ليلا لا يصح أن يقال بات ينام، ومنه قول الشريف الرضي:
أتبيت ريان الجفون من الكرى وأبيت منك بليلة الملسوع
ذكر ابن هشام في مغني اللبيب عن رجل كبير من الفقهاء أنه استشكل قول الشريف الرضي الآنف الذكر وقال كيف ضم التاء من تبيت وهي للمخاطب لا للمتكلم وفتحها من أبيت وهو للمتكلم؟ فبينت للحاكي أن الفعلين مضارعان وأن التاء فيهما لام الكلمة وان الخطاب في الأول مستفاد من الهمزة والأول مرفوع لحلوله محل الاسم والثاني منصوب بأن مضمرة بعد واو المصاحبة على حد قول الحطيئة:
ألم أك جاركم ويكون بيني وبينكم المودة والإخاء
هذا ونعود إلى بيت الشريف فنقول: هو من أرق الشعر وأجمله وفيه استعارة تبعية حيث شبه امتلاء جفون المحبوب من النوم بالري وهو امتلاء الجوف بالماء المذهب للأوار بجامع حصول الراحة في كل منهما، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الري ريان بمعنى ممتلىء الجفون، وفيه أيضا كناية وذلك أنه كنى بليلة الملسوع عن ليلة السهر لأن السهر والأرق من لوازم ذلك، وفيه أيضا طباق بين النوم المستفاد من الصدر صريحا والسهر المستفاد من العجز كناية، فقد استكمل البيت ثلاثة فنون من البيان فإذا أضفت إلى ذلك خروج
الاستفهام عن معناه الأصلي إلى البث والشكوى فقد استكمل أربعة فنون يضاف إليها خامس وهو فن حسن النسق وسلاسة الأسلوب.
وهو من أبيات نذكر منها الباقة التالية:
لو حيث يستمع السرار وفقتما... لعجبتما من عزه وخ
ضوعي أهون علي إذا امتلأت من الكرى... أني أبيت بليلة الملسوع
وتكون بات تامة مكتفية بمرفوعها عن منصوبها إذا كانت بمعنى عرس وهو النزول آخر الليل نحو قول ابن عمر رضي الله عنه:
«أما رسول الله فقد بات بمنى» أي عرس بها، وقال امرؤ القيس بن عانس بالنون وهو غير امرؤ القيس بن حجر الكندي:
وبات وباتت له ليلة... كليلة ذي العائر الأرمد
أي وعرس، والعائر بالعين المهملة اسم فاعل من العور وهو القذى في العين تدمع له، وقيل الرمد والأرمد صفة له، وقالوا بات بالقوم أي نزل بهم ليلا.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٦٧ الى ٧١]
وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١)
اللغة:
(يَقْتُرُوا) :في المختار «وقتر على عياله أي ضيق عليهم في النفقة وبابه ضرب ودخل وقتر تقتيرا وأقتر أيضا ثلاث لغات» وقد قرئ بفتح أوله وضمه.
(قَواماً) :بفتح القاف وكسرها وقد قرئ بهما والقوام بالفتح العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء، والقوام بالكسر: ما يقام به الشيء يقال أنت قوامنا بمعنى ما تقام به الحاجة لا يزيد عنها ولا ينقص.
(أَثاماً) :الأثام كالوبال والنكال وزنا ومعنى: جزاء الإثم الذي هو الذنب نفسه، قال:
يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى ألم الجوى من قلبي المصدوع
هيهات لا تتكلفنّ لي الهوى فضح التطبع شيمة المطبوع
كم قد نصبت لك الحبائل طامعا فنجوت بعد تعرض لوقوع
وتركتني ظمآن أشرب غلتي أسفا على ذاك اللمي الممنوع
كم ليلة جرّ عته في طولها غصص الملام ومؤلم التقريع
أبكي ويبسم والدجى ما بيننا حتى أضاء بثغره ودموعي
قمر إذا استعجلته بعتابه لبس الغروب ولم يعد لطلوع
جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقا والعقوق له أثام
وفي المختار: «أثمه الله في كذا بالقصر يأثمه بضم الثاء وكسرها أثاما عده عليه إثما فهو مأثوم، وقال الفراء: أثمه الله يأثمه اثما وأثاما جازاه جزاء الإثم فهو مأثوم أي مجزي جزاء إثمه».
الإعراب:
(وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) والذين عطف على ما تقدم وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أنفقوا في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة لم يسرفوا ولم يقتروا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والواو عاطفة أو حالية وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر أي وكان الانفاق، وبين
ظرف متعلق بمحذوف حال لأنه كان صفة لقواما وذلك مضاف إليه وقواما خبر كان. قال الزمخشري: «والمنصوبان أعني بين ذلك قواما جائز أن يكونا خبرين معا، وأن يجعل بين ذلك لغوا وقواما مستقرا، وان يكون الظرف خبرا وقواما حالا مؤكدة». (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ) والذين عطف على ما تقدم أيضا وجملة لا يدعون صلة ومع الله متعلق بيدعون وإله مفعول به وآخر صفة. (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ) ولا يقتلون عطف على ولا يدعون والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بيقتلون أو بمحذوف حال فالاستثناء من أعم الأحوال أي إلا مستحقين، ولا يزنون معطوفة. (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً) الواو عاطفة ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويفعل فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على من وذلك مفعول به ويلق جواب الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وأثاما مفعول به ويضاعف بدل من يلق لأنهما في معنى واحد وسيأتي في باب الفوائد بحث إبدال الفعل من الفعل لأن مضاعفة العذاب لقي الآثام، وله متعلقان بيضاعف والعذاب نائب فاعل ويوم القيامة ظرف متعلق بيضاعف أيضا ويخلد عطف على يضاعف وفيه متعلقان بيخلد ومهانا حال من فاعل يخلد.
(إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً) إلا أداة استثناء ومن استثناء من الجنس في موضع نصب وجملة تاب صلة وآمن عطف على تاب وكذلك عمل وعملا مفعول مطلق أو مفعول به وصالحا صفة. (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وأولئك مبتدأ والإشارة الى الموصول وهو من، والجمع باعتبار معناها، وجملة يبدل خبر أولئك والله فاعل وسيئاتهم
مفعول، وحسنات مفعول ثان ليبدل أو نصب على نزع الخافض وكان الواو استئنافية وكان واسمها وغفورا خبرها الأول ورحيما خبرها الثاني. (وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً) الواو عاطفة أو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ وتاب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وعمل عطف على تاب وصالحا صفة لمفعول مطلق أو لمفعول به محذوف أي عملا صالحا، فإنه الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان واسمها وجملة يتوب خبر والى الله جار ومجرور متعلقان بيتوب ومتابا مفعول مطلق لأنه مصدر ميمي.
الفوائد:
إبدال الفعل من الفعل:
يبدل كل من الاسم والفعل والجملة من مثله وينطبق عليه أحكام البدل فيكون بدل كل من كل أو بدلا مطابقا كقوله تعالى «ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف» فيضاعف بدل من يلق بدل كل من كل أو بدلا مطابقا، قال الخليل لأن مضاعفة العذاب هي لقي الآثام، وبدل البعض نحو: إن تصل تسجد لله يرحمك، فتسجد بدل من تصل بدل بعض من كل، وبدل الاشتمال كقوله:
إن عليّ الله أن تبايعا تؤخذ كرها أو تجيء طائعا
لأن الأخذ كرها والمجيء طائعا من صفات المبايعة والله منصوب على نزع الخافض أي والله، وأن تبايعا اسم إن والألف في تبايعا للإطلاق وهو من بايع أي عاهد وعلي متعلق بالخبر وتؤخذ وما عطف
عليه بدل اشتمال من حيث المعنى، أما ابدال الجملة فيطرد في البدل المطابق نحو قعدت جلست في دار زيد.
وفي بدل البعض من الكل كقوله تعالى: «أمدكم بما تعلمون:
أمدكم بأنعام وبنين»
فجملة أمدكم الثانية أخص من الأولى باعتبار متعلقيهما فتكون داخلة في الأولى لأن «ما تعلمون» تشمل الأنعام وغيرها، وبدل الاشتمال كقوله:
أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا وإلا فكن في السر والجهر مسلما
ف «لا تقيمن عندنا» بدل اشتمال من «ارحل» لما بينهما من المناسبة اللزومية وليس توكيدا له لاختلاف لفظيهما ولا بدل بعض لعدم دخوله في الأول ولا بدل كل من كل لعدم الاعتداد به كما تقدم.
وقد تبدل الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق:
إلى الله أشكو بالمدينة حاجة وبالشام أخرى كيف يلتقيان
فقد أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان، أما ابدال المفرد من الجملة فقد صرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة لم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما.
[سورة الفرقان (٢٥) :الآيات ٧٢ الى ٧٧]
وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦)
قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧)
الإعراب:
(وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) والذين عطف على الموصولات السابقة وجملة لا يشهدون صلة، والزور: إن كانت يشهدون بمعنى الشهادة المعلومة فيكون الزور منصوبا بنزع الخافض أي بالزور وإن كانت يشهدون بمعنى يحضرون فيكون الزور مفعولا به، وإذا الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة مروا مجرورة بإضافة الظرف إليها ومروا فعل وفاعل وباللغو متعلقان بمروا وجملة مروا الثانية لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وكراما حال أي ربئوا بأنفسهم عن الوقوف عليه والاسهام فيه. (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) جملة لم يخروا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليها متعلقان بيخروا وسيأتي معنى هذا النفي في باب البلاغة وصما حال وعميانا حال ثانية. (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) عطف على ما تقدم وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وهب فعل أمر فيه معنى الدعاء ولنا متعلقان
بهب ومن أزواجنا حال وسيأتي بحث هذا التجريد في باب البلاغة وقرة أعين مفعول هب وتقدم أن قرة العين سرورها والمراد به ما يحصل به السرور وسيأتي سر تقليل الأعين في باب البلاغة، واجعلنا فعل أمر متضمن معنى الدعاء وفاعله مستتر ومفعول أول وللمتقين حال لأنه كان في الأصل صفة لإماما وإماما مفعول به ثان وفيه أربعة أوجه:
١- انه مصدر مثل قيام وصيام فلم يجمع لذلك والتقدير ذوي امام.
٢- انه جمع إمامة مثل قلادة وقلاد.
٣- هو جمع آم من أم يؤمّ.
٤- انه واحد اكتفى به عن أئمة كما قال تعالى «نخرجكم طفلا».
(أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً) الجملة حالية من المتقين أو خبر عباد الرحمن على أحد القولين وأولئك مبتدأ وجملة يجزون الغرفة خبره والغرفة مفعول به ثان ليجزون والواو نائب فاعل وهو المفعول الأول، وبما متعلقان بيجزون وما مصدرية والباء للسببية أي بسبب صبرهم على المشاق في الطاعات والابتعاد عن الشهوات ومكابدة المجاهدات ويلقون عطف على يجزون وفيها حال وتحية مفعول به ثان ليلقون لأنه مبني للمجهول والواو نائب فاعل وسلاما عطف على تحية. (خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) خالدين حال وفيها متعلقان بخالدين وحسنت فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الغرفة ومستقرا تمييز ومقاما عطف على مستقرا وجملة حسنت
حال ثانية من الغرفة. (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ) ما اسم استفهام في محل نصب مفعول مطلق ويعبأ فعل مضارع وبكم متعلقان بيعبأ وربي فاعل أي انه يكترث بكم ويعبأ بكم ويعلي ذكركم لأجل عبادتكم ولولا عبادتكم لم تكونوا شيئا يؤبه له، ويجوز أن تكون ما نافية ولولا حرف امتناع لوجود ودعاؤكم مبتدأ محذوف الخبر وجوبا وجواب لولا محذوف كما قدرناه سابقا ودعاؤكم مصدر أضيف لفاعله والمفعول محذوف أي إياه. (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) الفاء الفصيحة أي إني إذا أعلمتكم أني لا أعتد بكم ولا أقيم لكم وزنا إلا لأجل عبادتكم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي فسوف تتحملون مسؤولية تكذيبكم. ويكون فعل مضارع ناقص واسمها هو أي التكذيب ولزاما خبرها وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي ملازما لكم.
البلاغة:
١- النفي والإثبات:
في قوله تعالى «لم يخرّوا عليها صما وعميانا» نفي واثبات، فقد أثبت الخرور لأنهم طالما خروا ساجدين خاشعين في هدوء الليل ووسط الدجى ولكنهم إن خروا ساجدين سلمت لهم أبصارهم وآذانهم فلم يبصروا إلا مرائي الهيبة وتعاجيب الألوهية وأنوار السنا الساطعة، ولم يسمعوا إلا الآيات تتردد في آذانهم وتهجس في مخيلاتهم فإذا الورى آي وعبر، وإذا الحوبة لا عين ولا أثر، تقول ما يلقاني زيد ماشيا إنما هو نفي للمشي لا للقاء وعبارة ابن قتيبة: «المعنى لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يبصروها».
٢- التقريع للكافرين:
وفيها أيضا تنديد وتقريع للكافرين لأنهم صم بكم عمي لا ينتفعون بما يقرءون، ولا يعتبرون بما يشاهدون، ولا يتجاوز آذانهم ما يسمعون ٣- التنكير والتقليل:
وفي قوله تعالى «قرة أعين» نكتتان الأولى التنكير، وإنما جنح إليه لأجل تنكير القرة، والمضاف لا يمكن تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه ليكون السرور غير متناه ولا محدود، وإنما قلل الأعين أي جمع جمع القلة لأن أعين المتقين قلة بالإضافة الى غيرهم، يدل على ذلك قوله «وقليل من عبادي الشكور» وهناك وجه آخر لعله أبلغ مما تقدم وهو أن المحكي كلام كل أحد من المتقين فكأنه قال: يقول كل واحد من المتقين اجعل لنا من ذرياتنا قرة أعين، فإن المتقين وإن كانوا بالإضافة إلى غيرهم قليلا إلا أنهم في أنفسهم على كثرة من العدد، والمعتبر في إطلاق جمع القلة أن يكون المجموع قليلا في نفسه لا بالنسبة والإضافة.
السورة التالية
Icon