0:00
0:00
قوله تعالى : ﴿ الم. غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الأَرْضِ ﴾ الآية. روى ابن جبير عن ابن عباس قال :كان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم لأنهم أهل أوثان.
قال ابن شهاب :فغلبت فارس الروم فسر بذلك المشركون وقالوا للمسلمين إنكم تزعمون أنكم ستغلبوننا لأنكم أهل كتاب، وقد غلبت فارس الروم والروم أهل كتاب.
وقيل :إنه كان آخر فتوح كسرى أبرويز فتح فيه القسطنطينية حتى بنى فيها بيت النار فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فساءه فأنزل الله هاتين الآيتين فلما قال :
﴿ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيْغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ سر بذلك المسلمون وبادر أبو بكر رضي الله عنه إلى مشركي قريش فأخبرهم بما أنزل عليهم وأن الروم ستغلب الفرس. قال قتادة :فاقتمر أبو بكر والمشركون على ذلك، وذلك قبل تحريم القمار مدة اختلف الناس فيها على ثلاثة أقاويل :
أحدها :مدة ثلاث سنين تظهر الروم فيها على فارس، قاله السدي.
الثاني :خمس سنين، قاله قتادة.
الثالث :سبع سنين، قاله الفراء.
وكان الذي تولى ذلك من المسلمين أبو بكر رضي الله عنه، واختلف في الذي تولاه من المشركين مع أبي بكر على قولين :
أحدهما :أنه أبو سفيان بن حرب، قاله السدي.
الثاني :أنه أُبي بن خلف، قاله قتادة. وحكىلنقاش أن أبا بكر لما أراد الهجرة مع النبي ﷺ عَلِق به أبي بن خلف وقال :اعطني كفيلاً بالخطر إن غلبت فكفله ابنه عبد الرحمن.
واختلف في قدر العوض المبذول على قولين :
أحدهما :أربع قلائص، قاله عامر.
الثاني :خمس قلائص، قاله قتادة.
فلما علم رسول الله ﷺ أن أبا بكر لهم هذه المدة أنكرها وقال : « مَا حَمَلَكَ عَلَىَ مَا فَعَلْتَ؟ » قال :ثقة بالله وبرسوله، قال : « فَكَم البِضْعُ » قال :ما بلغ بين الثلاث والعشر فقال له النبي ﷺ : « زِدْهُم فِي الخَطَرِ فِي وَزِدْ الأَجَلِ » فزادهم قلوصين وازداد منهم في الأجل سنتين فصارت القلائص ستاً على القول الأول، وسبعاً على الثاني، وصار الأجل خمساً على القول الأول، وسبعاً على الثاني :وتسعاً على الثالث.
واختلف في الاستزاده والزيادة على قولين :
أحدهما :أنها كانت بعد انقضاء الأجل الأول قبل ظهور الغلبة، قاله عامر.
الثاني :أنها كانت قبل انقضاء الأجل الأول، قاله ابن شهاب، فأظفر الله الروم بفارس قبل انقضاء الأجل الثاني تصديقاً لخبره في التقدير ولرسوله ﷺ في التنزيل.
واختلف في السنة التي غلبت الروم أهل فارس على ثلاثة أقاويل :
أحدها :أنها عام بدر ظهر الروم على فارس فيه وظهر المسلمون على قريش فيه، قاله أبو سعيد، قال :فكان يوم بدر.
الثاني :أن ظهور فارس على الروم كان قبل الهجرة بسنتين، وظهور المسلمين على قريش كان في عام بدر بعد الهجرة بسنتين، ولعله قول عكرمة.
الثالث :عام الحديبية ظهرت الروم على فارس وكان ظهور المسملين على المشركين في الفتح بعد مدة الحديبية، قاله عبيد الله بن عبد الله.
فأما قوله تعالى : ﴿ فِي أَدْنَى الأَرْضِ ﴾ ففيه قولان :
أحدهما :في أدنى أرض فارس؛ حكاه النقاش.
الثاني :في أدنى أرض الروم، وهو قول الجمهور وفي أدنى أرض الروم أربعة أقاويل :
أحدها :أطراف الشام، قاله ابن عباس.
الثاني :الجزيرة وهي أقرب أرض الروم إلى فارس، قاله مجاهد.
الثالث :الأردن وفلسطين، قاله السدي.
الرابع :أذرعات الشام وكانت بها الوقعة، قاله يحيى بن سلام.
وقرأ أبو عمرو وحده : ﴿ غَلَبَتِ ﴾ بالفتح أي ظهرت فقيل له علام غلبت؟ فقال :في أدنى ريف الشام.
قوله تعالى : ﴿ فِي بِضْعِ سِنِينَ ﴾ وهو ما بين الثلاث إلى العشر وهذا نص عن الرسول ﷺ. وقال بعض أهل اللغة هو ما بين العقدين من الواحد إلى العشرة فيكون من الثاني إلى التاسع.
وأما النيف ففيه قولان :
أحدهما :ما بين الواحد والتسعة، قاله ابن زيد.
الثاني :ما بين الواحد والثلاثة، وهو قول الجمهور.
﴿ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :من قبل أن تغلب الروم ومن بعد ما غلبت.
الثاني :من قبل غلبة دولة فارس على الروم ومن بعد غلبة دولة الروم على فارس.
﴿ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ فيه قولان
: أحدهما :أنه الخبر الذي ورد على رسول الله ﷺ يوم الحديبية بهلاك كسرى ففرح ومن معه فكان هذا يوم فرحهم بنصر الله لضعف الفرس وقوة العرب.
الثاني :يعني به نصر الروم على فارس.
وفي فرحهم بذلك ثلاثة أوجه :
أحدها :تصديق خبر الله وخبر رسول الله ﷺ.
الثاني :لأنهم أهل كتاب مثلهم.
الثالث :لأنه مقدمة لنصرهم على المشركين.
﴿ بِنَصْرِ اللَّهِ ﴾ يعني من أوليائه لأن نصره مختص بغلبة أوليائه لأعدائه فأما غلبة أعدائه لأوليائه فليس بنصر وإنما هو ابتلاء.
﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ في نقمته ﴿ الرَّحِيمُ ﴾ لأهل طاعته
. قوله تعالى : ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :يعلمون أمر معايشهم متى يزرعون ومتى يحصدون وكيف يغرسون وكيف يبنون، قاله ابن عباس وعكرمة وقتادة. وقال الضحاك :هو بنيان قصورها وتشقيق أنهارها وغرس أشجارها فهذا ظاهر الحياة الدنيا.
الثاني :يعلمون ما ألقته الشياطين لهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع من سماء الدنيا، قاله ابن جبير.
ويحتمل ثالثاً :أن ظاهر الحياة الدنيا العمل لها، وباطنها عمل الآخرة.
﴿ وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ﴾ يحتمل وجهين
: أحدهما :عما أعده الله في الآخرة من ثواب عن طاعته وعقاب على معصيته.
الثاني :عما أمرهم الله به من طاعة وألزمهم إياه.
قوله تعالى : ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ فِي أَنفُسِهِم مَّا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بِالْحَقِّ ﴾ يحتمل أربعة أوجه :
أحدها :بالعدل.
الثاني :بالحكمة.
الثالث :إلا ما استحق عليهم الطاعة والشكر.
والرابع :قاله الفراء، معناه إلا للحق يعني الثواب والعقاب.
﴿ وَأَجَلِ مُّسَمًّى ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :قيام الساعة، قاله ابن عباس.
الثاني :وهو محتمل أنه أجل كل مخلوق على ما قدر له.
فدل ذل على أمرين :
أحدهما :دل به على الفناء وعلى أن لكل مخلوق أجلاً.
الثاني :نبه على ثواب المحسن وعقاب المسيء.
قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ أَسَآءُواْ ﴾ قال ابن عباس :كفرواْ.
﴿ السُّوأَى ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :جهنم، قاله السدي.
الثاني :العذاب في الدنيا والآخرة، قاله الحسن.
وفي الفرق بين الإساءة والسوء وجهان :
أحدهما :أن الإساءة إنفاق العمر في الباطل، والسوء إنفاق رزقه في المعاصي.
الثاني :أن الإِساءَة فعل المسيء والسوء الفعل مما يسوء.
﴿ أَن كَذَّبُواْ ﴾ لأن كذبواْ
. ﴿ بِئَايَاتِ اللَّهِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه
: أحدها :بمحمد ﷺ والقرآن، قاله الكلبي.
الثاني :بالعذاب أن ينزل بهم، قاله مقاتل.
الثالث :بمعجزات الرسل، قاله الضحاك.
﴿ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ أي بالآيات.
قوله تعالى : ﴿ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ فيه ستة أوجه
: أحدها :أنه الفضيحة، قاله مجاهد.
الثاني :الاكتئاب، قاله ابن أبي نجيح.
الثالث :الإياس، قاله ابن عباس.
الرابع :الهلاك، قاله السدي.
الخامس :الندامة، قاله ابن قتيبة.
السادس :الحيرة، قال العجاج :
يا صاح هل تعرف رسْماً مكرساً قال نعم أعرفه وأبلسَا
قوله تعالى : ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :في الجزاء بالثواب والعقاب.
الثاني :في المكان بالجنة والنار.
قوله تعالى : ﴿... فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يَحْبَرُونَ ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها :يمكرون، قاله ابن عباس.
الثاني :ينعمون، قاله مجاهد وقتادة.
الثالث :يتلذذون بالسماع والغناء، قاله يحيى بن أبي كثير.
الرابع :يفرحون، قاله السدي. والحبرة عند العرب السرور والفرح قال العجاج :
فالحمد لله الذي أعطى الحبر موالي الحي إن المولى يَسَر
فأما الروضة فهي البستان المتناهي منظراً وطيباً ولم يكن عند العرب أحسن منظراً ولا أطيب منها ريحاً قال الأعشى :
ما روضة من رياض الحزن معشبةٌ خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضحك الشمس منها كوكب شَرِقٌ مؤزر بعميم النبت مكتهل
يوماً بأطيب منها نشر رائحةٍ ولا بأحسن منها إذا دنا الأُصُل
قوله تعالى : ﴿ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ﴾ فيه خمسة تأويلات
: أحدها :مدخلون، قاله يحيى بن سلام.
الثاني :نازلون ومنه قوله : ﴿ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوتُ ﴾ [ البقرة :١٨٠ ] و [ المائدة :١٠٦ ] أي نزل به.
الثالث :مقيمون، قاله ابن شجرة.
الرابع :معذبون.
الخامس :مجموعون، ومعاني هذه التأويلات متقاربة.
قوله : ﴿ فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ وفي تسمية الصلاة بالتسبيح وجهان :
أحدهما :لما تضمنتها من ذكر التسبيح في الركوع والسجود.
الثاني :مأخوذ من السبحة، والسبحة الصلاة، ومنه قول النبي ﷺ « تَكُونُ لَكُم سَبْحَةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ » أي صلاة.
وقوله : ﴿ حِينَ تُمْسُونَ ﴾ أي صلاة المغرب والعشاء، قاله ابن عباس وابن جبير والضحاك. ﴿ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ﴾ صلاة الصبح في قولهم أيضاً.
﴿ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَواتِ وَالأَرْضِ ﴾ فيه قولان
: أحدهما :الحمد لله على نعمه وآلائه.
الثاني :الصلاة لاختصاصها بقراءة الحمد في الفاتحة.
﴿ وَعَشِّياً ﴾ يعني صلاة العصر
. ﴿ وَحِينَ تَظْهِرُونَ ﴾ يعني صلاة الظهر وإنما خص صلاة الليل باسم التسبيح وصلاة النهار باسم الحمد لأن الإنسان في النهار متقلب في أحوال توجب حمد الله عليها، وفي الليل على خلوة توجب تنزيه الله من الأسواء فيها فلذلك صار الحمد بالنهار أخص فسميت به صلاة النهار، والتسبيح بالليل أخص فسميت به صلاة الليل.
والفرق بين المساء والعشي أن المساء بدو الظلام بعد المغيب، والعشي آخر النهار عند ميل الشمس للمغيب وهو مأخوذ من عشا العين وهو نقص النور من الناظر كنقص نور الشمس، فجاءت هذه الآية جامعة لأوقات الصلوات الخمس، وقد روى سفيان عن عاصم أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس :هل تجد في كتاب الله الصلوات الخمس؟ فقرأ هذه الآية.
قال يحيى ابن سلام :كل صلاة ذكرت في كتاب الله قبل الليلة التي أسري فيها برسول الله ﷺ فليست من الصلوات الخمس لأنها فرضت في الليلة التي أسري به فيها وذلك قبل الهجرة بسنة، قال :وهذه الآية نزلت بعد ليلة الإسراء وقبل الهجرة.
﴿ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ ﴾ فيه أربعة تأويلات
: أحدها :يخرج الإنسان الحي من النطفة الميتة ويخرج النطفة الميتة من الإنسان الحي، قاله ابن مسعود وابن عباس وأبو سعيد الخدري ومجاهد وقتادة وابن جبير.
الثاني :يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن، قاله عمر بن الخطاب رضي الله عنه والزهري، ورواه الأسود بن عبد يغوث عن النبي ﷺ.
الثالث :يخرج الدجاجة من البيضة ويخرج البيضة من الدجاج، قاله عكرمة.
الرابع :يخرج النخلة من النواة ويخرج النواة من النخلة؛ والسنبلة من الحبة والحبة من السنبلة، قاله ابن مالك والسدي.
ويحتمل خامساً :يخرج الفطن اللبيب من العاجز البليد ويخرج العاجز البليد من الفطن اللبيب.
﴿ وَيُحْيِى الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا ﴾ يعني بالنبات لأنه حياة أهلها فصار حياة لها
. ويحتمل ثانياً :أنه كثرة أهلها لأنهم يحيون مواتها ويعمرون خرابها.
﴿ وَكَذِلِكَ تُخْرَجُونَ ﴾ أي كما أحيا الأرض بإخراج النبات وأحيا الموتى كذلك يحييكم بالبعث. وفي هذا دليل على صحة القياس.
قوله تعالى : ﴿ وَمِنَ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ فيه قولان
: أحدهما :حواء خلقها من ضلع آدم، قاله قتادة.
الثاني :أن خلق سائر الأزواج من أمثالهم من الرجال والنساء، قاله علي بن عيسى.
﴿ لِّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا ﴾ لتأنسوا إليها لأنه جعل بين الزوجين [ من ] الأنسية ما لم يجعله بين غيرهما.
﴿ وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ﴾ فيه أربعة
: أحدها :أن المودة المحبة والرحمة والشفقة، قاله السدي.
الثاني :أن المودة الجماع والرحمة الولد، قاله الحسن.
الثالث :أن المودة حب الكبير والرحمة الحنو على الصغير، قاله الكلبي.
الرابع :أنهما التراحم بين الزوجين، قاله مقاتل.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ يحتمل وجهين
: أحدهما :يتفكرون في أن لهم خالقاً معبوداً.
الثاني :يتفكرون في البعث بعد الموت.
قوله : ﴿ وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّموَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :لما فيهما من الآيات والعبر.
الثاني :لإعجاز الخلق عن إحداث مثلهما.
﴿ وَاخْتلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :اختلاف ألسنتكم بالكلام، فللعرب كلام وللفرس كلام وللروم كلام. وألوانكم أبيض وأسود وأحمر، قاله السدي، وحكى وهب بن منبه في المبتدأ أن جميع الألسنة اثنان وسبعون لساناً منها في ولد سام بن نوح تسعة عشر لساناً، وفي ولد حام سبعة عشر لساناً، وفي ولد يافث ستة وثلاثون لساناً.
والوجه الثاني :اختلاف ألسنتكم :النغمة والصوت حتى لا يشتبه صوتان من أخوين لأم وأب، وألوانكم :الصورة حتى لا يشتبه الناس في المعارف والمناكح والحقوق.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ ﴾ قال ابن عيسى :الجن والإنس. وروى حفص عن عاصم ﴿ للعالمين ﴾ بكسر اللام يعني جميع العلماء.
قوله : ﴿ وَمِنْ ءَايَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَؤُكُمْ مِّن فَضْلِهِ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :أن الليل والنهار معاً وقت للنوم ووقت لابتغاء الفضل، لأن من الناس من يتصرف في كسبه ليلاً وينام نهاراً.
الثاني :أن الليل وقت النوم والنهار وقت لابتغاء الفضل، ويكون تقدير الكلام :ومن آياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار.
وفي ابتغاء الفضل وجهان :
أحدهما :التجارة، قاله مجاهد.
الثاني :التصرف والعمل. فجعل النوم في الليل دليلاً على الموت، والتصرف في النهار دليلاً على البعث.
﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ﴾ فيه ثلاث أوجه
: أحدها :يسمعون الحق فيتبعونه.
الثاني :يسمعون الوعظ فيخافونه.
الثالث :يسمعون القرآن فيصدقونه.
قوله تعالى : ﴿ وَمِن ءَايَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً ﴾ فيه أربعة تأويلات
: أحدها :خوفاً للمسافر وطمعاً للمقيم، قاله قتادة.
الثاني :خوفاً من الصواعق وطمعاً في الغيث، قاله الضحاك.
الثالث :خوفاً من البرد أن يهلك الزرع وطمعاً في المطر أن يحيي الزرع، حكاه يحيى بن سلام.
الرابع :خوفاً أن يكون البرق برقاً خُلّباً لا يمطر وطمعاً أن يكون ممطراً، ذكره ابن بحر، وأنشد قول الشاعر :
لا يكن برقك برقاً خُلّباً إن خير البرق ما الغيث معه
والعرب يقولون :إذا توالت أربعون برقة مطرت وقد أشار المتنبي إلى ذلك بقوله :
فقد أرد المياه بغير زادٍ سوى عَدّي لها بَرْق الغمام
قوله تعالى : ﴿ وَمِنْ ءَآيَاتِهِ أنْ تَقُومَ السَّمَآءُ وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :أن تكون.
الثاني :أن تثبت.
﴿ بِأَمْرِهِ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :بتدبيره وحكمته.
الثاني :بإذنه لها أن تقوم بغير عمد.
﴿ ثُمَّ إِذا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنْ الأَرْضِ ﴾ أي وأنتم موتى في قبوركم
. ﴿ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ أي من قبوركم مبعوثين إلى القيامة. قال قتادة :دعاهم من السماء فخرجوا من الأرض.
ثم فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :أنه أخرجهم بما هو بمنزلة الدعاء وبمنزلة قوله كن فيكون، قاله ابن عيسى.
الثاني :أنهم أخرجهم بدعاء دعاهم به، قاله قتادة.
الثالث :أنه أخرجهم بالنفخة الثانية وجعلها دعاء لهم. ويشبه أن يكون قول يحيى بن سلام.
قوله : ﴿... كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ﴾ فيه ستة تأويلات
: أحدها :مطيعون، قاله مجاهد. روى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال :كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت فهو الطاعة.
الثاني :مصلون، قاله ابن عباس.
الثالث :مقرون بالعبودية، قاله عكرمة وأبو مالك والسدي.
الرابع :كل له قائم يوم القيامة، قاله الربيع بن أنس.
الخامس :كل له قائم بالشهادة أنه عبد له، قاله الحسن.
السادس :أنه المخلص، قاله ابن جبير.
قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ﴾ أما بدء خلقه فبعلوقه في الرحم قبل ولادته، وأما إعادته فإحياؤه بعد الموت بالنفخة الثانية للبعث فجعل ما علم من ابتداء خلقه دليلاً على ما خفي من إعادته استدلالاً بالشاهد على الغائب.
ثم أكد ذلك بقوله : ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها :إن إعادة الخلق أهون من ابتداء إنشائهم لأنهم ينقلون في الابتداء نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظماً ثم يعود رضيعاً ثم فطيماً، وهو في الإعادة يصاح به.
فيقوم سوياً وهذا مروي عن ابن عباس.
الثالث :معناه وهو هين عليه فجعل ﴿ أهْونُ ﴾ مكان ﴿ هَيِّنٌ ﴾ كقول الفرزدق :
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتاً دعائمه أعز وأطول
أي دعائمه عزيرة طويلة
: وفي تأويل ﴿ أَهْوَنُ ﴾ وجهان :
أحدهما :أيسر، قاله ابن عباس.
الثاني :أسهل، وأنشد ابن شجرة قول الشاعر :
وهان على أسماءَ أن شطت النوى يحن إليها والهٌ ويتوق
أي هي أسهل عليه، وقال الربيع بن هيثم في قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ ﴾ قال :ما شيء على الله بعزيز.
﴿ وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى ﴾ أي الصفة العليا. وفيه ثلاثة أقاويل
: أحدها :أنه ليس كمثله شيء، قاله ابن عباس.
الثاني :هو شهادة أن لا إله إلا الله، قاله قتادة.
الثالث :أنه يحيي ويميت، قاله الضحاك.
ويحتمل رابعاً :-هو أعلم- أنه جميع ما يختص به من الصفات التي لا يشاركه المخلوق فيها.
﴿ فِي السَّموَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ أي لا إله فيها غيره
. ﴿ وَهُوَ الْعَزِيزُ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :المنيع في قدرته.
الثاني :في انتقامه.
﴿ الْحَكِيمُ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :في تدبيره لأمره وهو معنى قول أبي العالية.
الثاني :في إعذاره وحجته إلى عباده، قاله جعفر بن الزبير.
قوله تعالى : ﴿ ضَرَبَ لَكُم مَّثَلاً مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ اختلف في سبب ضرب الله لهم المثل على ثلاثة أقاويل :
أحدها :لأن المشركين أشركوا به في العبادة غيره، قاله قتادة.
الثاني :لأنه كانت تلبية قريش في الجاهلية :لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً وهو لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله هذه الآية، قاله ابن جبير.
الثالث :لأنهم كانوا لا يورثون مواليهم فضرب الله هذا المثل، قاله السدي.
وتأويله :أنه لم يشارككم عبيدكم في أموالكم لأنكم مالكون لهم، فالله أوْلى ألا يشاركه أحد من خلقه في العبادة لأنه مالكهم وخالقهم.
﴿ تَخَافُونَهُم كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ ﴾ فيه ثلاثة أوجه
: أحدها :تخافون أن يشاركوكم في أموالكم كما تخافون ذلك من شركائكم، قاله أبو مجلز.
الثاني :تخافون أن يرثوكم كما تخافون ورثتكم، قاله السدي.
الثالث :تخافون لائمتهم كما تخافون بعضكم بعضاً، قاله يحيى بن سلام.
قوله تعالى : ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه
: أحدها :قصدك.
الثاني :دينك، قاله الضحاك.
الثالث :عملك، قاله الكلبي.
﴿ لِلدِّينِ حَنِيفاً ﴾ فيه ستة تأويلات
: أحدها :مسلماً، وهذا قول الضحاك.
والثاني :مخلصاً، وهذا قول خصيف.
الثالث :متبعاً، قاله مجاهد.
الرابع :مستقيماً، قاله محمد بن كعب.
الخامس :حاجّاً، قاله ابن عباس.
السادس :مؤمناً بالرسل كلهم، قاله أبو قلابة.
﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ فيها تأويلان
: أحدهما :صنعة الله التي خلق الناس عليها، قاله الطبري.
الثاني :دين الله الذي فطر خلقه عليه، قاله ابن عباس والضحاك والكلبي يريد به الإسلام وقد روى عطاء عن النبي ﷺ أنه قال : « مِن فِطْرةِ إِبْرَاهِيمَ السُّوَاكُ » ومن قول كعب بن مالك :
إن تقتولنا فدين الله فطرتنا والقتل في الحق عند الله تفضيل
﴿ لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ فيه ثلاثة تأويلات
: أحدها :لا تبديل لدين الله، قاله مجاهد وقتادة.
الثاني :لا تغيير لخلق الله من البهائم أن يخصي فحولها، قاله عمر بن الخطاب وابن عباس وعكرمة.
الثالث :لا تبديل خالق غير الله فيخلق كخلق الله، لأنه خالق يخلق، وغيره مخلوق لا يخلق، وهو معنى قول ابن بحر.
ويحتمل رابعاً، لا يشقى من خلقه سعيداً ولا يسعد من خلقه شقيّاً.
﴿ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ﴾ فيه تأويلان
: أحدهما :ذلك الحساب البين، قاله مقاتل بن حيان.
الثاني :ذلك القضاء المستقيم، قاله ابن عباس.
﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لا يتفكرون فيعلمون أن لهم خالقاً معبوداً وإلهاً قديماً :
قوله : ﴿ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ﴾ فيه أربعة تأويلات :
أحدها :مقبلين إليه، قاله يحيى بن سلام والفراء.
الثاني :داعين إليه، قاله عبيد بن يعلى.
الثالث :مطيعين له، قاله عبد الرحمن بن زيد.
الرابع :تائبين إليه من الذنوب، ومنه قول أبي قيس بن الأسلت :
فإن تابوا فإن بني سليم وقومهم هوازن قد أنابوا
وفي أصل الإنابة قولان
: أحدهما :أن أصله القطع ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى الله تعالى بالطاعة.
الثاني :أن أصله الرجوع مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد مرة ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة.
قوله تعالى : ﴿ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ ﴾ أي أوقعوا فيه الاختلاف حتى صاروا فرقاً وقرىء ﴿ فَارَقُواْ دِينَهُم ﴾ أي تركوه وقد قرأ بذلك علي رضي الله عنه وهي قراءة حمزة والكسائي وفيهم أربعة أقاويل :
أحدها :أنهم اليهود، قاله قتادة.
الثاني :أنهم اليهود والنصارى، قاله معمر.
الثالث :أنهم الخوارج من هذه الأمة، وهذا قول أبي هريرة ورواه أبو أمامة مرفوعاً.
الرابع :أنهم أصحاب الأهواء والبدع، روته عائشة مرفوعاً.
﴿ وَكَانُواْ شِيَعاً ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :فرقاً، قاله الكلبي.
الثاني :أدياناً، قاله مقاتل.
ويحتمل ثالثاً :أنهم أنصار الأنبياء وأتباعهم.
﴿ كُلُّ حِزْبٍ ﴾ أي فرقة
. ﴿ بِمَا لَدَيْهِمْ فِرِحُونَ ﴾ أي بما عندهم من الضلالة
. ﴿ فَرِحُونَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه
: أحدها :مسرورون، قاله الجمهور.
الثاني :معجبون، قاله ابن زيد.
الثالث :متمسكون، قاله مجاهد.
قوله : ﴿ أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَاناً ﴾ فيه أربعة تأويلات
: أحدها :يعني كتاباً، قاله الضحاك.
الثاني :عذراً، قاله قتادة.
الثالث :برهاناً، وهو معنى قول السدي وعطاء.
الرابع :رسولاً، حكاه ابن عيسى محتملاً.
﴿ فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُواْ بِهِ يُشْرِكُونَ ﴾ يحتمل وجهين
: أحدهما :معناه يخبر به.
الثاني :يحتج له.
قوله : ﴿ وَإِذَآ أَذَقْنا النَّاسَ رَحْمَةً ﴾ فيها وجهان :
أحدهما :أنها العافية والسعة، قاله يحيى بن سلام.
الثاني :النعمة والمطر، حكاه النقاش.
ويحتمل أنها الأمن والدعة.
﴿ فَرِحُواْ بِهَا ﴾ أي بالرحمة
. ﴿ وَإِن تُصِبْهُمْ سِيِّئَةً ﴾ فيها وجهان
: أحدهما :بلاء وعقوبة، قاله مجاهد.
الثاني :قحط المطر، قاله السدي.
ويحتمل ثالثاً :أنها الخوف والحذر.
﴿ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي بذنوبهم
. ﴿ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :أن القنوط اليأس من الرحمة والفرج، قاله الجمهور.
الثاني :أن القنوط ترك فرائض الله في اليسر، قاله الحسن.
قوله : ﴿ فَئَاتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ ﴾ فيهم وجهان
: أحدهما :أنهم قرابة الرجل، أن يصل رحمهم بماله ونفسه، قاله الحسن وقتادة.
الثاني :أنهم ذوو قرابة رسول الله ﷺ وعلى آله وهم بنو هاشم وبنو المطلب يعطون حقهم من الغنيمة والفيء، قاله السدي.
﴿ وَالْمِسْكِينَ ﴾ هو الذي لا يجد كفايته
. ﴿ وَابْنَ السَّبِيلِ ﴾ فيه قولان
: أحدهما :المسافر، قاله مجاهد فإن كان محتاجاً فحقه في الزكاة وإن كان غير محتاج فبرّاً وصلة.
الثاني :أنه الضيف الذي ينزل بك، قاله ابن عباس وابن جبير وقتادة، فإن أطعمه كان برّاً وصلة ولم يجز أن يكون من الزكاة محتاجاً كان أو غير محتاج. وإن دفعت إليه مالاً جاز إذا كان فقيراً أن يكون من الزكاة، ولم يجز إن كان غنيّاً.
قوله : ﴿ وَمَاءَ آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَا فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ اللَّهِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :أنه الرجل يهدي هدية ليكافأ عليها أفضل منها، قاله ابن عباس ومجاهد.
الثاني :أنه في رجل صحبه في الطريق فخدمه فجعل له المخدوم بعض الربح من ماله جزاء لخدمته لا لوجه الله، قاله الشعبي.
الثالث :أنه في رجل يهب لذي قرابة له مالاً ليصير به غنيّاً ذا مال ولا يفعله طلباً لثواب الله، قاله إبراهيم.
ومعنى قوله : ﴿ فَلاَ يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ أي فلا يكون له ثواب عند الله.
قال ابن عباس :هما رِبَوان أحدهما حلال والآخر حرام، فما تعاطيتم بينكم حلال ولا يصل إلى الله.
﴿ وَمَا ءَآتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ ﴾ أي ثواب الله، وفيها قولان
: أحدهما :أنها الزكاة المفروضة وهو الظاهر.
الثاني :أنها الصدقة، قاله ابن عباس والسدي.
﴿ فَأُوْلَئِكَ الْمُضْعِفُونَ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :تضاعف لهم الحسنات لأن من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها، قاله السدي.
الثاني :تضاعف أموالهم في الدنيا بالزيادة فيها، وقال الكلبي :لم يقل مال رجل من زكاة.
قوله : ﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ في ﴿ الفَسَادِ ﴾ أربعة أقاويل
: أحدها :الشرك، قاله السدي.
الثاني :ارتكاب المعاصي، قاله أبو العالية.
الثالث :قحط المطر، قاله يحيى بن سلام.
الرابع :فساد البر :قتل ابن آدم أخاه، وفساد البحر :أخذ السفينة غصباً.
ويحتمل خامساً :أن ظهور الفساد ولاة السوء.
﴿ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ﴾ هنا أربعة أقاويل
: أحدها :أن البر الفيافي والبحر القرى، قاله عكرمة، وقال :إن العرب تسمي الأمصار البحار.
الثاني :البر أهل العمود والبحر أهل القرى والريف، قاله قتادة.
الثالث :أن البر بادية الأعراب، قاله الضحاك والبحر الجزائر؛ قاله عطاء.
الرابع :أن البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر، قاله ابن عباس.
وللمتعمقين في غوامض المعاني وجهان :
أحدهما :أن البر النفس والبحر القلب.
الثاني :أن البر اللسان والبحر القلب. لظهور ما على اللسان وخفاء ما في القلب. وهو بعيد.
﴿ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ﴾ قال السدي :بما عملواْ من المعاصي واكتسبوا من الخطايا.
﴿ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا ﴾ من المعاصي جزاءً معجلاً في الدنيا وجزاءً مؤجلاً في الآخرة فصار عذاب الدنيا بعض الجزاء.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه
: أحدها :يرجعون عن المعاصي، قاله أبو العالية.
الثاني :يرجعون إلى حق، قاله إبراهيم.
الثالث :يرجع من بعدهم، قاله الحسن.
قوله تعالى : ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :أقم وجهك للتوحيد، قاله السدي.
الثاني :استقم للدين المستقيم بصاحبه إلى الجنة، قاله ابن عيسى.
﴿ مِن قَبْلِ يَأَتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ ﴾ يعني يوم القيامة
. ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ﴾ قال ابن عباس :معناه يتفرقون قال الشاعر
وكنا كندماني جذيمة حقبةً من الدهر حتى قيل له يتصدعا
أي لن يتفرقا
. ويحتمل وجهاً ثانياً :أنه ما يصدعهم يوم القيامة من أهوال.
وفيه قولان :
أحدهما :يتفرقون في عرصة القيامة فريق في الجنة وفريق في السعير، قاله قتادة.
الثاني :يتفرق المشركون وآلهتهم في النار، قاله الكلبي.
قوله : ﴿... فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ﴾ فيه تأويلان :
أحدهما :يسوون المضاجع في القبور، قاله مجاهد.
الثاني :يوطئون في الدنيا بالقرآن وفي الآخرة بالعمل الصالح، قاله يحيى بن سلام.
قوله : ﴿ وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ ﴾ قال الضحاك :بالغيث
. ويحتمل وجهاً ثانياً :بخصب الزمان وصحة الأبدان.
وقال أُبي بن كعب :كل شيء في القرآن من الرياح فهو رحمة، وكل شيء في القرآن من الريح فهو عذاب.
وقال عبد الله بن عمر :الريح ثمانية، أربعة منها رحمة وأربعة منها عذاب، فأما الرحمة فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأما العذاب فالعقيم والصرصر وهما في البر، والعاصف والقاصف وهما في البحر.
﴿ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ ﴾ فيه تأويلان
: أحدهما :بردها وطيبها، قاله الضحاك.
الثاني :المطر، قاله مجاهد وقتادة.
﴿ وَلِتَجْزِي الْفُلْكُ ﴾ يعني السفن
. ﴿ بِأمْرِهِ... ﴾ يحتمل وجهين
: أحدهما :بقدرته في تسييرها.
الثاني :برحمته لمن فيها.
﴿... وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ يعني ما عدّده من نعمه فتطيعوه لأن طاعة العبد لربه في شكره لنعمته إذ ليس مع المعصية شكر ولا مع كفر النعمة طاعة.
قوله : ﴿... وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :نصر الأنبياء بإجابة دعائهم على المكذبين لهم من قومهم، قاله يحيى بن سلام.
الثاني :نصر المؤمنين بإيجاب الذبّ عن أعراضهم، روت أم الدرداء، قالت سمعت رسول الله ﷺ يقول : « مَا مِنِ امْرِىءٍ مُسْلِمٍ يَرُدُّ عَنْ عِرْضِ أَخِيهِ إِلاَّ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَن يَرُدَّ عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ يَوْمَ القِيَامِةِ » ثم تلا هذه الآية ﴿ وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ﴾.
قوله : ﴿... وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً ﴾ فيه ثلاثة تأويلات
: أحدها :قطعاً، قاله قتادة.
الثاني :متراكماً بعضه على بعض، قاله يحيى بن سلام.
الثالث :في سماء دون سماء، قاله الضحاك.
﴿ فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ ﴾ أي من خلال السحاب. وقرأ الضحاك بن مزاحم :من خلله، وفي ﴿ الْوَدْقَ ﴾ تأويلان :
أحدهما :أنه البرق، حكاه أبو نخيلة الحماني عن أبيه.
الثاني :أنه المطر، قاله مجاهد والضحاك ومنه قول الشاعر :
فلا مزنة ودقت ودْقُها ولا أرض أبقل إبقالها
قوله : ﴿ فَانظُرْ إِلَى ءَآثارِ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ يعني المطر
. ﴿ كَيْفَ يُحْيي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهآ ﴾ يعني بالماء حتى أنبتت شجراً ومرعى بعد أن كانت بالجدب مواتاً، قال عكرمة :ما أنزل الله من السماء قطرة إلا أنبت بها في الأرض عشبة أو في البحر لؤلؤة.
﴿ إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى ﴾ لأن القادر على إحياء الأرض الموات قادر على إحياء الأموات استدلالاً بالشاهد على الغائب.
وتأول من تعمّق في غوامض المعاني آثار رحمة الله أنه مواعظ القرآن وحججه تحيي القلوب الغافلة.
قوله : ﴿ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً ﴾ فيه قولان :
أحدهما :فرأوا السحاب مصفراً، لأن السحاب إذا كان كذلك لم يمطر، حكاه علي ابن عيسى وقيل إنها الريح الدبور لأنها لا تلقح.
الثاني :فرأوا الزرع مصفراً بعد اخضراره، قاله ابن عباس وأبو عبيدة.
﴿ لَظَلُّواْ مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ ومعنى ظل هو أنه أوقع الفعل في صدر النهار وهو الوقت الذي فيه الظل، لأنه وقت مختص بأهم الأمور لتقديمه عن نّية من الليل. وكذلك قولهم أضحى يفعل، لكن قد يعبر بقولهم ظل يفعل عن فعل أول النهار وآخره اتساعاً لكثرة استعماله، وقلَّما يستعمل أضحى يفعل إلا في صدر النهار دون آخره.
ويحتمل ﴿ يَكْفُرُونَ ﴾ هنا وجهين :
أحدهما :يَشْكَونَ.
الثاني :يذمّون.
قوله : ﴿ فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى ﴾ فيه قولان
: أحدهما :أن الموتى الكفار الذين يموتون على الكفر وهم الصم الذين تولوا عن الهدى فلم يسمعوه، قاله يحيى بن سلام.
الثاني :أن هذا مثل ضربه الله للكافرين كما أن الميت إذا خوطب لم يسمع والأصم إذا دعي لم يسمع كذلك الكافر لا يسمع الوعظ لأن الكفر قد أماته والضلال قد أصمه.
قوله : ﴿ وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْ مُدْبِرِينَ ﴾ فالأصم لا يسمع الدعاء مقبلاً ولا مدبراً ولكن إذا دعي مقبلاً فقد يفهم الإشارة وإن لم يسمع الصوت، فإذا دعي مدبراً فهو لا يفهم الإشارة ولا يسمع الصوت فلذلك صارت حاله مدبراً أسوأ، فذكره بأسوأ أحواله. وقيل إنها نزلت في بني عبد الدار.
قوله : ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ﴾ قال قتادة :من نطفة
. ﴿ ثُمَّ جَعَلَ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ﴾ قاله مجاهد :شباباً
. ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً ﴾ يعني هرماً وشيبة، قال قتادة :لأن بياض الشعر نذير بالفناء، قال الشاعر :
أُريت الشيب من نذر المنايا لصاحبه وحسبك من نذير
﴿ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ من قوة وضعف
. ﴿ وَهُوَ الْعَلِيمُ ﴾ بتدبيره ﴿ الْقَدِيرُ ﴾ على إرادته.
قوله تعالى : ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ﴾ قال ابن عباس :الكفار
. ﴿ مَا لَبِثواْ غَيْرَ سَاعَةٍ ﴾ فيه قولان
: أحدهما :في الدنيا استقلالاً لأجل الدنيا لما عاينوا من الآخرة، قاله قتادة.
الثاني :في قبورهم ما بين موتهم ونشورهم، قاله يحيى بن سلام.
﴿ كَذلِكَ ﴾ أي هكذا، قاله ابن جبير
. ﴿ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :يكذبون في الدنيا، قاله قتادة.
الثاني :يصدون في الدنيا عن الإيمان بالبعث. قاله يحيى بن سلام.
قوله : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ ﴾ فيهم وجهان :
أحدهما :أنهم الملائكة، قاله الكلبي.
الثاني :أهل الكتاب.
﴿ وَالإِيمَانَ ﴾ يحتمل وجهين
: أحدهما :الإيمان بالكتاب المتقدم من غير تحريف له ولا تبديل فيه.
الثاني :الإيمان بمحمد ﷺ.
﴿ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه
: أحدها :لقد لبثتم في علم الله، قاله الفراء.
الثاني :لقد لبثتم بما بيانه في كتاب الله، قاله ابن عيسى.
الثالث :أن في الكلام تقديماً وتأخيراً تقديره : ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ ﴾ في كتاب الله والإيمان ﴿ لَقَدْ لَبِثْتُم إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ ﴾ قاله قتادة.
وفي ﴿ لَبِثْتُمْ ﴾ قولان :
أحدهما :لبثوا في قبورهم.
الثاني :في الدنيا أحياء وفي قبورهم أموات.
﴿ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ ﴾ يعني الذي كذبتم به في الدنيا
. ﴿ وَلكِنَّكُمْ كِنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي لا تعلمون في الدنيا أن البعث حق وقد علمتم الآن أنه حق.
قوله : ﴿ فَيَومَئِذٍ ﴾ يعني يوم القيامة.
﴿ لاَ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ ﴾ أي عذرهم الذي اعتذروا به في تكذيبهم
. ﴿ وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه
: أحدها :لا يعاتبون على سيئاتهم، قاله النقاش.
الثاني :لا يستتابون، قاله بعض المتأخرين.
الثالث :لا يطلب منهم العتبى وهو أن يُرَدُوا إلى الدنيا لِيُعْتَبُوا أي ليؤمنوا، قاله يحيى بن سلام.
قوله : ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ ﴾ هذا خطاب للنبي ﷺ ويحتمل وجهين
: أحدهما :أن وعد الله في نصرك وتأييدك حق.
الثاني :أن وعده في انتقامه من أعدائك حق.
﴿ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه
: أحدها :لا يَسْتَعْجَلَنَّكَ، قاله ابن شجرة.
الثاني :لا يَسْتَفِزَّنَّكَ، قاله يحيى بن سلام.
الثالث :لا يستنزلنك، قاله النقاش.
﴿ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ﴾ فيه وجهان
: أحدهما :لا يؤمنون.
الثاني :لا يصدقون بالبعث والجزاء، روى سعيد عن قتادة أن رجلاً من الخوارج قال لعلي كرم الله وجهه وهو خلفه في صلاة الصبح ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ الآية. فقال له عليّ وهو في الصلاة ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ ﴾، والله أعلم.
السورة التالية
Icon