0:00
0:00

﴿ غلبت الروم ﴾ احتربت الفرس والروم بين أذرعات وبصرى من أرض الروم يومئذ، هما أقرب أراضيها بالنسبة إلى مكة. وكان ذلك قبل الهجرة بخمس سنين، وقيل بسنة. فظهر الفرس على الروم، فلما بلغ الخبر مكة شق على المؤمنين ؛ لأن الفرس مجوس لا يدينون بكتاب، والروم أهل
كتاب. وفرح المشركون وقالوا :أنتم والنصارى أهل كتاب، ونحن والفرس أميون، وقد ظهر إخواننا على إخوانكم، ولنظهرن نحن عليكم ؛ فنزلت الآية. وفيها :أن الروم سيغلبون الفرس في بضع سبين. والبضع :ما بين الثلاث إلى العشرة.
﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ بإظهار صدقهم فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم، وبتغليب من له كتاب على من لا كتاب له، وغيظ الشامتين من المشركين. ثم بعد سنين وقعت الحرب الثانية بينهما ؛ فظهر الروم على الفرس – كما أخبر الله تعالى – حتى بلغوا المدائن من بلاد الفرس ؛ وكانت في السنة الثانية من الهجرة يوم بدر – على القول الأول – أو في السادسة عام الحديبية – على القول الثاني – ففرح المؤمنون. وكان ذلك من الآيات الباهرة الشاهدة بصدق النبوة، ومن دلائل إعجاز القرآن ؛ لما فيه من الأخبار بالغيب الذي لا يعلمه إلا الله تعالى.
﴿ وعد الله ﴾ أي وعد الله المؤمنين وعدا بالنصر والفرح﴿ لا يخلف الله وعده ﴾ أيا كان مما يتعلق بالدنيا والآخرة.
﴿ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا... ﴾ بيان لسبب جهلهم بشئونه تعالى، وهو قصر تفكيرهم على ما يظهر من شئون الدنيا ويلذ لهم منها ؛ دون أن يفكروا فيما وراءها من المقاصد العليا التي هي السعادة الحقة. وكيف ينعمون بها ويحصلون عليها " وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون " ١. !
١ آية ٦٤ العنكبوت..
﴿ أو لم يتفكروا في أنفسهم... ﴾ أي أقصروا النظر على ظاهر من الحياة الدنيا ؟ ولم يدثوا التفكر في قلوبهم فيعلموا أنه تعالى ما خلق هذه العوالم إلا بالحق الثابت الذي يحق ثبوته ؛ لا بثنائه على الحكم البالغة ! ﴿ وأجل مسمى ﴾ أي وبأجل معين قدره الله تعالى أزلا لبقائها، لا بد أن تنتهي
إليه وتفنى عنده، وهو وقت قيام الساعة وتبدل الأرض غير الأرض والسموات. والأجل :يطلق على المدة المضروبة للشيء. وعلى غاية وقت الحياة.
﴿ وأثاروا الأرض ﴾ قلبوها للزراعة، واستنباط المياه واستخراج المعادن منها ونحوها، وغير ذلك.
﴿ ثم كان عاقبة ﴾ أي ثم كانت العقوبة السيئة وهي العذاب في جهنم عاقبة الذين عملوا السيئات. والسوءى :تأنيث الأسوأ ؛ كالحسنى تأنيث الأحسن. وقرئ " عاقبة " بالرفع على أنها اسم كان، وخبرها " السوءى ". ﴿ أن كذبوا ﴾ بأن كذبوا ؛ والباء للسببية. أو لأن كذبوا.
﴿ يبلس المجرمون ﴾ يسكنون وتنقطع حجتهم. وأصل الإبلاس :الحزن الناشئ من شدة اليأس، وأطلق على ما ذكر مجازا ؛ للزومه للحزن غالبا [ آية ٤٤ الأنعام ص ٢٢٣ ].
﴿ فهم في روضة ﴾ هي في الأصل :الأرض التي بها ماء ونبات، ولها رونق ونضارة. أو هي البستان الحسن النضر. والمراد لها الجنة. ﴿ يحبرون ﴾ يسرون، أو ينعمون، أو يكرمون. والحبر والحبرة والحبور :السرور والنعمة.
﴿ فأولئك في العذاب محضون ﴾ أي لا يغيبون عنه أبدا ؛ من الحضور ضد الغياب.
﴿ فسبحان الله... ﴾ فنزهوا الله تنزيها عما لا يليق له، بصفات الكمال. وهو بإطلاقه يتناول التنزيه بالقلوب والألسنة والجوارح في هذه الأوقات المذكورة ؛ لما في كل منها من النعم المتجددة، ولظهور آثار القدرة والرحمة فيها. وقيل :التسبيح الصلاة. و " حين تمسون " صلاة المغرب والعشاء، " حين تصبحون " صلاة الصبح، " وعشيا " صلاة العصر، " وحين تظهرون " صلاة الظهر. واختار الرازي الأول، وهو يتضمن الصلاة ؛ لكونها أفضل أعمال الأركان التي هي من أنواع التنزيه المأمور به.
﴿ يخرج الحي من الميت... ﴾ [ آية ٢٧ آل عمران ص ١٠٣ ].
﴿ وكذلك تخرجون ﴾ أي ومثل ذلك الإخراج البديع العجيب، تخرجون من قبوركم للحساب والجزاء يوم القيامة. وهو نوع تفصيل لقوله تعالى : " الله يبدأ الخلق ثم يعيده " فالإبداء والإعادة يتساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الحي من الميت وعكسه.
﴿ ومن آياته أن خلقكم من تراب ﴾ اشتملت الآيات من ٢٠ إلى ٢٥ التي بدئت بلفظ " ومن آياته " على اثني عشر دليلا على وحدانيته تعالى وانفراده بالخلق، وقدرته على البعث :خلق الإنسان من مادة التراب وصيرورته بعد تقلبه في أطوار التكوين بشرا سويا صالحا للاستخلاف في عمارة الأرض. وجعله ذكورا وإناثا للائتلاف والتزاوج والتناسل ؛ حتى يبقى النوع الإنساني إلى الأمد المقدر له. وخلق السموات مزينة بالكواكب للاهتداء بها في ظلمات الليل، وبالشمس التي سخر ضوءها وحرارتها لحياة الحيوان والنبات، وبالقمر لنعلم عدد السنين والحساب. وخلق الأرض التي نستوي على ظهورها وما فيها من جبال وأنهار وبحار وخيرات عظيمة. واختلاف الألسنة واللغات. واختلاف الألوان والصفات مع كون الأصل واحدا ؛ للتمايز وإمكان التعارف والتفاهم. وجعل الليل مناما لراحة
الأبدان والقوى. وجعل النهار معاشا لابتغاء الرزق الذي به القوت والبقاء. وإراءة البرق المبشر بالمطر ليطمع الإنسان في فضله تعالى، والمنذر بالصواعق ليخاف بطشه وانتقامه. وإنزال المطر من السماء لإحياء موات الأرض بالنبات والري للإنسان والحيوان. وقيام السموات. وقيام الأرض واستمساكهما وبقاؤهما بقدرته تعالى وتدبيره.
﴿ واختلاف ألسنتكم ﴾ أي لغاتكم ولهجاتكم. أو أصواتكم وأنغامكم ؛ فلا يكاد يسمع منطقان متساويان من كل وجه. ﴿ وألونكم ﴾ أي ألوان أجسامكم. أو تخطيطات أعضائكم وهيئاتها وحلاها ؛ بحيث وقع التمايز بين الأشخاص، حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما والأمور الملابسة لهما في التخليق، يختلفان لا محالة في شيء من ذلك وإن كانا في غاية التشابه.
﴿ قانتون ﴾ مطيعون طاعة انقياد، لا يمتنعون عليه في شيء يريد فعله بهم، وإن عصاه بعضهم في العبادة.
﴿ وهو أهون عليه ﴾ أي البعث أسهل عليه تعالى من البدء. والأسهلية على طريق التمثيل والتقريب ؛ بما هو معروف عند الناس من أن إعادة الشيء من مادته الأولى أسهل من ابتدائه ؛ ولله المثل الأعلى ! فلا يقاس على خلقه في ذلك ! فإن كل الممكنات بالنسبة إلى قدرته سواء.
﴿ هل لكم مما ملكت أيمانكم... ﴾ أي إنكم لا ترضون أن يشارككم فيها رزقناكم من الأموال ونحوها مماليككم ؛ وهم أمثالكم في البشرية غير مخلوقين لكم. فكيف تشركون به سبحانه في المعبودية التي هي من خصائصه تعالى :مخلوقه ! بل مصنوع مخلوقه ! حيث تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه من دونه. وجملة﴿ فأنتم فيه سواء ﴾ في موضع الجواب للاستفهام الإنكاري ؛ أي فأنتم وهم مستوون في التصرف فيه ! ؟ وقوله﴿ تخافونهم ﴾ خبر ثان ل " أنتم ". وقوله﴿ كخيفتكم ﴾ صفة لمصدر محذوف ؛ أي خيفة كائنة مثل خيفتكم من هو من نوعكم. أي تخافون أن تستبدوا بالتصرف فيه بدون رأيهم كخيفتكم من الأحرار المساهمين لكم.
﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ أقبل على الدين إقبالا كاملا غير ملتفت إلى سواه واثبت عليه. ﴿ حنيفا ﴾ مائلا على الحق، معرضا عن كل باطل [ آية ١٣٥ البقرة ص ٤٨ ]. والخطاب له صلى الله عليه وسلم والمراد هو وأمته. ﴿ فطرت الله ﴾ أي الزموا الله بالجرى على موجبها، وعدم الإخلال به باتباع الهوى ووساوس الشيطان، والفطرة. قابلية الدين الحق والتهيؤ لإدراكه. و هي دين الإسلام والتوحيد، ومعنى
فطر الناس عليه :أن الله خلقهم قابلين له، غير نابين عنه، منساقين إليه إذا خلوا وأنفسهم، دون أن تعترضهم الأهواء والوساوس. ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ أي الدين المأمور بإقامة الوجه له :هو الدين المستوى الذي لا اعوجاج فيه، ولا انحراف عن الحق بحال، وهو دين الإسلام.
﴿ منيبين إليه ﴾ راجعين إليه تعالى بالتوبة وإخلاص العمل. يقال :أناب إلى الله إنابة، رجع ؛ حال من فاعل الزموا المقدرة. وقوله : ﴿ واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا ﴾ معطوف على الزموا.
﴿ وكانوا شيعا ﴾ فرقا مختلفة في الدين، تشايع كل فرقة كبيرها الذي أضلها.
﴿ يقنطون ﴾ ييئسون من رحمة الله " ؛ بخلاف المؤمن فإنه يشكر ربه عند النعمة، ويرجوه عند الشدة.
﴿ ويقدر ﴾ أي يضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه ؛ ولله في ذلك الحكم البالغة.
﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ أحسن إليه بالصدقة والصلة والبر تقربا إلى الله تعالى.
﴿ وما آتيتم من ربا ﴾ المراد به هنا :العطية يعطيها الرجل لأخيه يطلب المكافأة منه بأفضل منها ؛
ليزيد في أمواله من أموال الناس، فإن ذلك لا يبارك فيه في حكمه تعالى. ﴿ وما آتيتم من زكاة ﴾ أي صدقة تطوع، ولم تحمل على المفروضة، لأن السورة مكية، والزكاة لم تفرض إلا في السنة الثانية من الهجرة. ﴿ تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ﴾ ذوو الأضعاف من الحسنات ؛ من أضعف :إذا صار ذا ضعف ؛ كأقوى وأيسر، أي صار ذا قوة ويسار.
﴿ ظهر الفساد في البر والبحر... ﴾ كالجدب والموتان والغلاء الشديد، وكثرة الحرق والغرق، وإخفاق الصيادين والغاصة، ومحو البركات من كل شيء، وقلة المنافع في الجملة، وكثرة المضار وتسلط الأعداء، ونحو ذلك مما أصاب الناس بسبب معاصيهم عقابا لهم حتى يتوبوا إليه تعالى. يقال :فسد – كنصر وكرم – فسادا، ضد صلح ؛ ومنه المفسدة، ضد المصلحة. وهي كلمة جامعة لكل ما ذكر ونحوه. د
﴿ يصدعون ﴾ يتفرقون فريقين :فريق في الجنة وفريق في السعير ؛ من التصدع وهو التفرق. يقال :صدعته صدعا – من باب نفع – شققته فانصدع. وصدعت القوم صدعا فتصدعوا، أي فرقتهم ففرقوا. وأصله " يتصدعون " فقلبت تاؤه صادا وأدغمت.
﴿ فلأنفسهم يمهدون ﴾ أي يوطئون لأنفسهم منازل في الجنة ؛ كما يوطئ الرجل لنفسه فراشا لئلا يصيبه في مضجعه ما ينغص عليه رقاده أو يؤذيه. مأخوذ من مهد فراشه :إذا وطأه.
ثم ذكر في آية ٤٦ المبدوءة بقوله : ﴿ ومن آياته ﴾ دليلا آخر، وهو إرسال الرياح مبشرات بالرحمة، ومنتفعا بها في البر والبحر. وكل ذلك ليعلم الإنسان أن بعث من في القبور إذا نفخ في الصور أمر هين يسير على من هو على كل شيء قدير ؛ سبحانه ! جل شأنه وعز سلطانه !
﴿ تنتشرون ﴾ تتصرفون فيما هو قوام معاشكم، وتتقلبون في الأرض في أسفاركم ابتغاء رزقكم.
﴿ فتثير سحابا ﴾ تهيجه وتنشره وتحركه ؛ من الثور وهو الهيجان. ﴿ ويجعله كسفا ﴾ قطعا.
﴿ فترى الودق ﴾ المطر. يقال :ودق – كوعد – قطر [ آية ٤٣ النور ص ٨٧ ]. ﴿ يخرج من خلاله ﴾ فرجه ووسطه.
﴿ لمبلسين ﴾ ساكتين من شدة الحزن آيسين [ آية ١٢ من هذه السورة ].
﴿ فانظر إلى آثار رحمت الله ﴾ المترتبة على إنزال المكر ؛ من النبات والأشجار وأنواع الثمار – نظر اعتبار واستبصار لتستدل بها على قدرة الله تعالى على البعث.
﴿ فرأوه مصفرا ﴾ أي رأوا النبات الذي أصابته الريح مصفرا بعد خضرته ونضارته.
﴿ الله الذي خلقكم... ﴾ استدلال آخر على كمال قدرته تعالى بخلق الإنسان على أطوار مختلفة. أي بدأكم
على ضعف وهو حال الطفولة﴿ ثم جعل من بعد ضعف قوة ﴾ وهي قوة الشباب. ﴿ ثم جعل من بعد قوة ضعفا ﴾ عند الكبر والهرم﴿ وشيبة ﴾ هي تمام الضعف ونهاية الكبر. مصدر كالشيب.
﴿ كانوا يؤفكون ﴾ يصرفون عن الحق في الدنيا بإنكار البعث [ آية ٧٥ المائدة ص ٢٠٢ ].
﴿ في كتاب الله ﴾ أي في حكم الله. أوفى سابق علمه وقضائه.
﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لا يطلب منهم استرضاء الله تعالى وإزالة غضبه عليهم بالتوبة والطاعة، حيث حقت عليهم كلمة العذاب ؛ من الاستعتاب :وهو طلب العتبى، أي الرجوع إلى ما يرضي الله تعالى من التوبة والعمل الصالح ؛ لانقطاع التكليف في ذلك اليوم. والعتبى :اسم من الإعتاب بمعنى إزالة عتب ؛ كالعطاء والاستعطاء [ آية ٨٤ النحل ص ٤٤٢ ].
﴿ ولا يستخفنك.... ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق. أولا يستفزنك عن دينك وما أنت عليه. ل :استخف فلان فلانا، أي استجهله حتى حمله على اتباعه في الضلال. والله أعلم.
السورة التالية
Icon