0:00
0:00

سورة الروم مكية
وآياتها ستون
كلماتها ٨١٩- حروفها ٣٥٣٤

بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ الم١ غلبت الروم٢ في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون٣ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون٤ بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم٥ وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون٦ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون٧ ﴾
﴿ الم ﴾ قد تكون من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وربما يراد بها التحدي، إذ الألف واللام والميم منها ومن الحروف التي على شاكلتها يتألف الكتاب العزيز، وبها ينطق العرب، ومنها يتكون كلامهم، ومع هذا عجزوا عن الإتيان بما يشبه القرآن الكريم، وسيظلون عاجزين، فثبت أن الذكر الحكيم ليس من كلام البشر، وإنما هو من كلام رب القوى والقدر.
﴿ الروم ﴾ هم الجنس المعروفون، وكانت لهم دولة شملت بقاعا من أوروبا وآسيا، وبقيت امبراطوريتهم إلى القرن الأول الهجري، السابع الميلادي، وكانوا يدينون بالنصرانية.
﴿ غلبت الروم ﴾ القوم المعروفون، أصحاب الامبراطورية التي تدين بالنصرانية، وتمتد دولتهم- حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم- إلى مشارف أرض الحجاز، غلبتهم دولة فارس المجاورة، وهزمتهم الملوك الأكاسرة.
﴿ أدنى الأرض ﴾ أقربها إلى الحجاز أو الشام.
﴿ غلبهم ﴾ هزيمتهم.
﴿ في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ﴾ وكانت هزيمتهم آنذاك في أرض أقرب ما تكون إلى الحجاز أو الشام أو إلى فارس، واعلموا أيها الناس أن الروم بعد تلك الهزيمة سيظفرون بعدوهم ويغلبونه.
﴿ بضع سنين ﴾ من ثلاث إلى تسع.
﴿ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ وسيتحقق ظفرهم بعدوهم في أمد أقل من عشر سنين، والله المعبود بحق يداول بين الناس، وهو المدبر المسيطر من قبل الغلب ومن بعده، له الحكم فيما مضى وفيما هو آت، وحين يظفر الروم بالفرس ستفرحون معاشر المؤمنين، فقد أنبأكم عالم الغيب بما غاب عن البشر، وحين يقع ما جاءكم من أنباء الغيب سيزداد المؤمنون إيمانا، ويستيقن الذين أوتوا الكتاب، ومن شرح الله صدره للحق أن القرآن وحي الله الحكيم، أو سيتوافق وقت ظفرهم مع يوم نصر لكم على عدوكم.
﴿ بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ﴾ يفرح المؤمنون بنصر المعبود لا إله سواه، وبإرادة الملك المهيمن جل علاه :)إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون( ١ )إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون( ٢، وهو العزيز الذي يغلب ولا يغلب، الرحيم بأوليائه أن يخذلهم.
١ سورة النحل.الآية ٤٠..
٢ سورة يس. الآية ٨٢..
﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ إن الذي أنبأكم به الوحي- من ظفر الروم بعدوهم، ونصركم على أعدائكم- وعد من الله تعالى وربكم لا يخلف الميعاد ).. إن وعد الله حق.. ( ١، ولكن أكثر الناس الذين لا يستيقنون بالله لا يعلمون أن الله منجز ما وعد.
وجمهور من المفسرين أطالوا القول في سبب نزول تلك الآيات، وأوردوا كثيرا من المأثور- يرفعونه- لكن ما ساقوه ليس فيه ما يبلغ درجة الصحيح، بل أكثره محكوم عليه بالغرابة.
وقد يكون من حكمة المولى اللطيف الخبير في سوق تلك البشرى أن تطمئن القلوب إلى أن من حولهم من الجبارين المتكبرين سيغلبون، وما من يد إلا يد الله فوقها، )والله من ورائهم محيط( ٢، وأن المولى سيمن على المستضعفين، ويجعلهم أئمة ويجعلهم الوارثين، وفيه عبرة الله يداول الأيام بين الناس، وأن كتابه يعلم من أحوال الأمم فليكونوا من ذلك على بصيرة.
١ سورة لقمان. من الآية ٣٣..
٢ سورة البروج. الآية ٢٠..
﴿ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾ هؤلاء الأكثرون الضالون يعرفون من الدنيا ملاهيها وملاعبها، ويجهلون عواقبها ومتاعبها، قال الشاعر :
هي الدنيا تقول بملء فيها حذار حذار من سفكي وفتكي
ولا يغرركم طول ابتسامي فقولي مضحك والفعل مبكي
فهم لا يعلمون الحياة على حقيقتها، وأنها دار ممر، ليست دار مستقر، إذ هم في غفلة عما إليه يصيرون، فهم لهذا لم يتزودوا من دنياهم لأخراهم، بل أعرضوا عن العمل لها، فعل التارك الغافل الذي لا علم عنده.
﴿ أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون٨ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون٩ ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤون١٠ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون١١ ﴾
أتمادى الجاهلون بحقيقة الآخرة، التاركون لها المنصرفون عنها، ولم يتفكروا بأفئدتهم ونفوسهم في أن خلق السماوات والأرضين وما فيهما ومن عليهما ما هو إلا خلق ملتبس بالحق الذي لا جور فيه، ولا لهو ولا غيث ؟ وأنه إلى حين ووقت علمه الله سبحانه، ﴿ وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ﴾ فكأن الغفلة عن الآخرة تسلم إلى تكذيبها وإنكارها، كما جاء في قول ربنا الحق :)بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون( ١.
١ سورة النمل. الآية ٦٦..
﴿ أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ أقعدوا ولم يسيروا ويرتحلوا وينتقلوا في أقطار الأرض فينظروا آثار المهلكين من الأمم من قبلهم، كانت الأمم السابقة أشد بأسا من التي أنزل عليها القرآن )فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة.. ( ١، وكانوا أكثر أموالا وأولادا، وقلبوا الأرض وحرثوها للزراعة، وكان نبيهم يذكرهم منة الله تعالى عليهم بتلك النعمة، ويقول ما حكاه القرآن المجيد :)واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون. أمدكم بأنعام وبنين. وجنات وعيون( ٢، وشادوا فيها البنيان :)إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد( ٣ )وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين( ٤. وكان الرسول إلى الأمة ممن قبلكم يحذرها أن تبطر معيشتها فيقول ما بينته الآية الكريمة :)واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصورا وتنحتون الجبال بيوتا.. ( ٥، )أتبنون بكل ريع آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون( ٦ومع ما ذكروا به من بديع الآيات وقدسي العظات، كانوا يكذبون رسل الله إليهم، ويكفرون بما أنزل عليهم :)قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين. إن هذا إلا خلق الأولين. وما نحن بمعذبين( ٧ فأهلكهم الله ببغيهم أجمعين، ونجى رسله والمؤمنين، )إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون )٨، جازاهم بتكذيبهم وعتوهم، وجحودهم لقاء ربهم، جازاهم بالبطشة الكبرى في العاجل.
١ سورة فصلت. من الآية ١٥..
٢ سورة الشعراء. الآيات: ١٣٢، ١٣٣، ١٣٤..
٣ سورة الفجر. الآيتان ٧، ٨..
٤ سورة الحجر. الآية ٨٢..
٥ سورة الأعراف. من الآية ٧٤..
٦ سورة الشعراء. الآيتان ١٢٨، ١٢٩..
٧ سورة الشعراء. الآيات: ١٣٦، ١٣٧، ١٣٨..
٨ سورة يونس.الآية ٤٤..
﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوآى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون ﴾. يوم القيامة يخزيهم ويرديهم، ويصليهم العذاب السيء بما كسبت أيديهم، وبما كذبوا بالحق الذي جاءهم، والآيات الدالة على جلال الله الذي خلقهم، وكانوا بالآيات يستخفون، ومنها وممن آمن بها يسخرون.
﴿ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ﴾ ربنا المعبود بحق هو الذي أبدع كل شيء وأنشأه من العدم، ثم يبعث الموتى من قبورهم، ثم يجمعهم لسؤالهم وحسابهم واستيفاء جزائهم.
﴿ يبلس ﴾ يسكتون، ويحزنون، وتنقطع حجتهم، وييأسون.
﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون١٢ ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين١٣ ويم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون١٤ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون١٥ وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون١٦ ﴾
يوم يقوم الناس لرب العالمين، يذهل المجرمون، )هذا يوم لا ينطقون. ولا يؤذن لهم فيعتذرون( ١( اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون( ٢، وهذا في حال من أحوال يوم التغابن والحسرة وأهواله، وفي حال أخرى يتركون ليشهدوا ويقروا بما كانوا قد عملوا، فإذا اعترفوا بذنوبهم فسحقا لهم. )وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير( ٣ وقد يستمرئون الزور والكذب حتى في اليوم الحق :)يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون( ٤ وذلك إفكهم وما كانوا يفترون.
)ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين( ٥ فعند ذلك يخرس لسانه ويقال لأركانه وجوارحه انطقي فتنطق :) حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون. وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون. وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين. فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ٦، وهكذا في حال يستطيعون أن يجادلوا عن أنفسهم، فإذا جادلوا بالباطل منعوا الكلام، واستنطقت جوارحهم، ونشرت صحائف أعمالهم، واستشهد الملائكة الكتبة الحفظة الذين كانوا ينسخون ويكتبون ما كان من أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.
١ سورة المرسلات. الآيتان ٣٥، ٣٦..
٢ سورة يس. الآية ٦٥..
٣ سورة الملك. الآية ١٠..
٤ سورة المجادلة. الآية ١٨..
٥ سورة الأنعام. الآية ٢٣..
٦ سورة فصلت. الآيات من: ٢٠ إلى ٢٤..
﴿ شفعاء ﴾ جمع شفيع، والأصل فيه من يضم رأيه إلى رأيك فيصيران شفعا، فالشفيع يسعى من تخليص من يشفع له.
﴿ يتفرقون ﴾ يتفرق المحشورون يوم الجمع إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير.
﴿ ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ والمجرمون ليس لهم يوم الحساب من شافعين، ولا صديق حميم، فأما ما أشركوه بالله تعالى في العبادة فإنه خاذلهم يومئذ لا محالة :)واتخذوا من الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا( ١ )وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين( ٢.
وأما من شاركوهم في الضلال، ودعوهم إلى الغي والخبال، فإنهم لا عنوهم إذ يتخاصمون في النار ).. كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون. وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون( ٣، ويقر المضللون أنهم هلكوا بطاعة الكبراء والمتسلطين )وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا( ٤، ولم يشفعوا لهم مع أنهم سبب كفرهم﴿ وكانوا ﴾ الواو قد تكون حالية، والفعل ليس لما مضى بل للدلالة على الاستمرار، وفي الآخرة لن يقترن الصالحون والمجرمون في مستقر واحد أبدا )فأما من طغى. وآثر الحياة الدنيا. فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى( ٥.
١ سورة مريم. الآيتان: ٨١، ٨٢..
٢ سورة الأحقاف. الآية ٦..
٣ سورة الأعراف. من الآية ٣٨، والآية ٣٩..
٤ سورة الأحزاب. الآيتان: ٦٧-٦٨..
٥ سورة النازعات. الآيات: من ٣٧ إلى ٤١..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣: ﴿ شفعاء ﴾ جمع شفيع، والأصل فيه من يضم رأيه إلى رأيك فيصيران شفعا، فالشفيع يسعى من تخليص من يشفع له.
﴿ يتفرقون ﴾ يتفرق المحشورون يوم الجمع إلى فريقين، فريق في الجنة وفريق في السعير.
﴿ ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ والمجرمون ليس لهم يوم الحساب من شافعين، ولا صديق حميم، فأما ما أشركوه بالله تعالى في العبادة فإنه خاذلهم يومئذ لا محالة :)واتخذوا من الله آلهة ليكونوا لهم عزا. كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا( ١ )وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين( ٢.
وأما من شاركوهم في الضلال، ودعوهم إلى الغي والخبال، فإنهم لا عنوهم إذ يتخاصمون في النار ).. كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون. وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون( ٣، ويقر المضللون أنهم هلكوا بطاعة الكبراء والمتسلطين )وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا. ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا( ٤، ولم يشفعوا لهم مع أنهم سبب كفرهم﴿ وكانوا ﴾ الواو قد تكون حالية، والفعل ليس لما مضى بل للدلالة على الاستمرار، وفي الآخرة لن يقترن الصالحون والمجرمون في مستقر واحد أبدا )فأما من طغى. وآثر الحياة الدنيا. فإن الجحيم هي المأوى. وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى. فإن الجنة هي المأوى( ٥.
١ سورة مريم. الآيتان: ٨١، ٨٢..
٢ سورة الأحقاف. الآية ٦..
٣ سورة الأعراف. من الآية ٣٨، والآية ٣٩..
٤ سورة الأحزاب. الآيتان: ٦٧-٦٨..
٥ سورة النازعات. الآيات: من ٣٧ إلى ٤١..

﴿ في روضة يحبرون ﴾ في جنة عالية مورقة ينعمون ويسرون.
﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون ﴾ الذين صدق يقينهم، وصح إيمانهم، وصلحت أعمالهم، واستقامت على الدين حياتهم، يجزيهم ربهم بإيمانهم وصالح أعمالهم نعيم الجنات العاليات، ورياضها ذات الأنهار والبساتين المثمرات، وهم في هذا السلام والإكرام مسرورون خالدون، والعرب لا تعد المكان روضة إلا إذا جمع بين الماء والخضرة والنماء.
﴿ محضرون ﴾ مقيمون، نازلون.
﴿ وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فأولئك في العذاب محضرون ﴾ ومهما اتسعت الرحمة في الآخرة فإنها يختص بها أهل الإيمان، وصدق الله العظيم ).. وكان بالمؤمنين رحيما. تحيتهم يوم يلقونه سلام.. ( ١ فأما أهل الجحود وغمط النعمة، والمكذبون بالحق، ووعد الصدق، فما أبعدهم عن الرحمة، وليس لهم سوى نزل الحميم، ودركات الجحيم مستقرا وإقامة.
١ سورة الأحزاب. من الآية ٤٣ ومن الآية ٤٤..
﴿ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون١٧ وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون ١٨ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون١٩ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون٢٠ ﴾
سبحوا الله تعالى ونزهوه، وأجلوه عن كل نقص ومجدوه كلما أمسيتم، وكلما أصبحتم، فهو كإرشاده سبحانه :)وسبحوه بكرة وأصيلا( ١ في البكور وفي الأصائل قدسوا ربكم المعبود بحق، وطهروه عما لا يليق به عز وجل، وأثنوا عليه واشكروا له مساء وصبحا كذلك، فإنه المحمود في الأرض وفي السماء، فإن ملأ السماء يسبحون بحمده ويقدسون له، والذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم )تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم.. ( ٢ )ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض.. ( ٣ )تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. ( ٤.
﴿ وعشيا ﴾ من الغروب إلى العتمة، وما بعد زوال الشفق الأحمر من الأفق الغربي، أو إلى طلوع الفجر، وهكذا يفرق بينه وبين المساء بأن المساء يكون من بعد الظهر إلى غروب الشمس، ونقلوا عن أمية بن أبي الصلت :
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
﴿ وحين تظهرون ﴾ وقت الظهيرة، حالة زوال الشمس عن كبد السماء، ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ ربكم تقدس وتبارك يخرج النامي من الهامد، والمتحرك من الجامد الخامد، [ فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والدجاج من البيض والإنسان من النطفة.. والمؤمن من الكافر ]٥.
﴿ ويخرج الميت من الحي ﴾ وهو سبحانه بحكمته وقدرته قد يجعل الحي سببا يتولد عنه الميت، أعم من أن تكون الحياة حسية أو معنوية، فقد يلد المؤمن كافرا، والنابه خاملا، ونحن نشاهد أن الهشيم والحطام والحب يخرج من النبات الهائج الأخضر النضر، ﴿ ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ﴾ وربنا الفعال لما يريد هو المبدئ المعيد، ولقد أرانا من آثار إبداعه، وعلمنا من محكم تنزيله ما يزيد اليقين في اقتدار مولانا الملك المتين، )فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير( ٦ )ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير( ٧ )والذي نزل من السماء ماء فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون( ٨.
١ سورة الأحزاب. من الآية ٤٢..
٢ سورة الشورى. من الآية ٥..
٣ سورة النور. من الآية ٤١..
٤ سورة الإسراء. من الآية ٤٤..
٥ ما بين العارضتين مما أورد ابن كثير..
٦ سورة الروم. الآية ٥٠..
٧ سورة فصلت. الآية ٣٩..
٨ سورة الزخرف. الآية ١١..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧: ﴿ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون١٧ وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون ١٨ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون١٩ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون٢٠ ﴾
سبحوا الله تعالى ونزهوه، وأجلوه عن كل نقص ومجدوه كلما أمسيتم، وكلما أصبحتم، فهو كإرشاده سبحانه :)وسبحوه بكرة وأصيلا( ١ في البكور وفي الأصائل قدسوا ربكم المعبود بحق، وطهروه عما لا يليق به عز وجل، وأثنوا عليه واشكروا له مساء وصبحا كذلك، فإنه المحمود في الأرض وفي السماء، فإن ملأ السماء يسبحون بحمده ويقدسون له، والذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم )تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم.. ( ٢ )ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض.. ( ٣ )تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. ( ٤.
﴿ وعشيا ﴾ من الغروب إلى العتمة، وما بعد زوال الشفق الأحمر من الأفق الغربي، أو إلى طلوع الفجر، وهكذا يفرق بينه وبين المساء بأن المساء يكون من بعد الظهر إلى غروب الشمس، ونقلوا عن أمية بن أبي الصلت :
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
﴿ وحين تظهرون ﴾ وقت الظهيرة، حالة زوال الشمس عن كبد السماء، ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ ربكم تقدس وتبارك يخرج النامي من الهامد، والمتحرك من الجامد الخامد، [ فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والدجاج من البيض والإنسان من النطفة.. والمؤمن من الكافر ]٥.
﴿ ويخرج الميت من الحي ﴾ وهو سبحانه بحكمته وقدرته قد يجعل الحي سببا يتولد عنه الميت، أعم من أن تكون الحياة حسية أو معنوية، فقد يلد المؤمن كافرا، والنابه خاملا، ونحن نشاهد أن الهشيم والحطام والحب يخرج من النبات الهائج الأخضر النضر، ﴿ ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ﴾ وربنا الفعال لما يريد هو المبدئ المعيد، ولقد أرانا من آثار إبداعه، وعلمنا من محكم تنزيله ما يزيد اليقين في اقتدار مولانا الملك المتين، )فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير( ٦ )ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير( ٧ )والذي نزل من السماء ماء فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون( ٨.
١ سورة الأحزاب. من الآية ٤٢..
٢ سورة الشورى. من الآية ٥..
٣ سورة النور. من الآية ٤١..
٤ سورة الإسراء. من الآية ٤٤..
٥ ما بين العارضتين مما أورد ابن كثير..
٦ سورة الروم. الآية ٥٠..
٧ سورة فصلت. الآية ٣٩..
٨ سورة الزخرف. الآية ١١..

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧: ﴿ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون١٧ وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون ١٨ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون١٩ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون٢٠ ﴾
سبحوا الله تعالى ونزهوه، وأجلوه عن كل نقص ومجدوه كلما أمسيتم، وكلما أصبحتم، فهو كإرشاده سبحانه :)وسبحوه بكرة وأصيلا( ١ في البكور وفي الأصائل قدسوا ربكم المعبود بحق، وطهروه عما لا يليق به عز وجل، وأثنوا عليه واشكروا له مساء وصبحا كذلك، فإنه المحمود في الأرض وفي السماء، فإن ملأ السماء يسبحون بحمده ويقدسون له، والذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم )تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم.. ( ٢ )ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض.. ( ٣ )تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده.. ( ٤.
﴿ وعشيا ﴾ من الغروب إلى العتمة، وما بعد زوال الشفق الأحمر من الأفق الغربي، أو إلى طلوع الفجر، وهكذا يفرق بينه وبين المساء بأن المساء يكون من بعد الظهر إلى غروب الشمس، ونقلوا عن أمية بن أبي الصلت :
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبحنا ربي ومسانا
﴿ وحين تظهرون ﴾ وقت الظهيرة، حالة زوال الشمس عن كبد السماء، ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ ربكم تقدس وتبارك يخرج النامي من الهامد، والمتحرك من الجامد الخامد، [ فمن ذلك إخراج النبات من الحب، والدجاج من البيض والإنسان من النطفة.. والمؤمن من الكافر ]٥.
﴿ ويخرج الميت من الحي ﴾ وهو سبحانه بحكمته وقدرته قد يجعل الحي سببا يتولد عنه الميت، أعم من أن تكون الحياة حسية أو معنوية، فقد يلد المؤمن كافرا، والنابه خاملا، ونحن نشاهد أن الهشيم والحطام والحب يخرج من النبات الهائج الأخضر النضر، ﴿ ويحيي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون ﴾ وربنا الفعال لما يريد هو المبدئ المعيد، ولقد أرانا من آثار إبداعه، وعلمنا من محكم تنزيله ما يزيد اليقين في اقتدار مولانا الملك المتين، )فانظر إلى آثار رحمة الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير( ٦ )ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير( ٧ )والذي نزل من السماء ماء فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون( ٨.
١ سورة الأحزاب. من الآية ٤٢..
٢ سورة الشورى. من الآية ٥..
٣ سورة النور. من الآية ٤١..
٤ سورة الإسراء. من الآية ٤٤..
٥ ما بين العارضتين مما أورد ابن كثير..
٦ سورة الروم. الآية ٥٠..
٧ سورة فصلت. الآية ٣٩..
٨ سورة الزخرف. الآية ١١..

﴿ ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ﴾ ومن دلائل قدرته وبرهان لطفه وحكمته وأحديته أن جعل أصلكم معاشر الإنس من تراب، فطين، فحمأ مسنون، صلصال كالفخار، ثم سوى الخلاق العليم أول الخليقة وأبا البشر آدم عليه السلام، ونفخ فيه من روحه، ثم خلق منه زوجه، ثم بث منهما رجالا كثيرا ونساء، فإذا أنتم أيها الأناسي- بما منحكم الله- تسمعون وتبصرون، وتدركون وتعقلون، وتتصرفون في الأمور وتحتالون، وتسخرون- بتسخير الله لكم - ما في السماوات وما في الأرض، فهلا تشكرون ؟ !.
[ ﴿ ومن آياته أن خلقكم من تراب.. ﴾ أي من علامات ربوبيته ووحدانيته أن خلقكم من تراب، أي خلق أباكم منه، والفرع كالأصل... و﴿ أن ﴾ في موضع رفع بالابتداء ومن قدر على هذا فهو أهل للعبادة والتسبيح.. ]١. وفي غرائب القرآن :والانتشار إما بمعنى التردد في الحوائج كقوله :)فانتشروا في الأرض.. ( ٢ وإما بمعنى البث والتفريق، كقوله :).. وبث منهما رجالا كثيرا ونساء.. ( ٣.
١ ما بين العارضتين أورده القرطبي..
٢ سورة الجمعة. من الآية ١٠..
٣ سورة النساء. من الآية ١..
﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون٢١ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين٢٢ ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون٢٣ ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون٢٤ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون٢٥ وله من في السماوات والأرض كل له قانتون٢٦ ﴾
ومن أنعم الكريم الوهاب، وبرهان اقتدار الحكيم الذي خلقنا من تراب، أن أنشأ لنا من جنسنا أزواجا نأنس إليهن، وتسكن النفوس وتستمتع إذ تقترن بهن، ويتراحم الأزواج بما أودع الله في قلوبهم وقلوبهن، ولقد علمنا الإسلام عظم مكانة الزوج من زوجته، والزوجة من زوجها ١، إن في ذلك لعبرة يعتبر بها من يتفكر، وحجة تزيد اليقين، ودليلا على جلال ربنا البر الرحيم.
[ وقال السدي :المودة :المحبة، والرحمة :الشفقة، ... وللرجال خلق البضع منهن، قال الله تعالى :)وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم.. ( ٢ فأعلم الله عز وجل الرجال أن ذلك الموضع خلق منهن للرجال، فعليها بذله في كل وقت يدعوها الزوج، فإن منعته فهي ظالمة وفي حرج عظيم، ويكفيك من ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطا عليها حتى يرضى عنها " وفي لفظ آخر :" إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح " ]٣ } أورد الألوسي ما حاصله :خلق أصل أزواجكم من حواء، وهي من ضلع آدم عليه السلام، ف﴿ من ﴾ على هذا تبعيضية، ويجوز أن تكون ابتدائية، والأنفس مجاز عن الجنس، أي خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر... ﴿ وجعل بينكم... ﴾ أي بين الأزواج، إما على تغليب الرجال على النساء في الخطاب، أو على حذف ظرف معطوف على الظرف المذكور، أي جعل بينكم وبينهن، كما في قوله تعالى :).. لا نفرق بين أحد من رسله.. ( ٤.. ﴿ مودة ورحمة ﴾.. أي جعل بينكم بالزواج الذي شرعه لكم توادا وتراحما من غير أن يكون بينكم سابقة معرفة، ولا مرابطة مصححة للتعاطف من قرابة أو رحم.. اه
ولقد وصى نبينا صلى الله عليه وسلم كثيرا بالنساء لأنهن عندنا بأمانة الله، واستحللنا فروجهن بكلمة الله، ولأنهن الحفيظات على أزواجهن، كما أثنى على الخيرات منهن الكتاب العزيز :).. فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله.. ( ٥ وهن الحانيات على أولادنا٦، في الصحيحين عن أبي هريرة قال :سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول :" نساء قريش خير نساء ركبن الإبل أحناه على طفل وأرعاه على زوج في ذات يده "
١ روى ابن ماجة عن أبي أمامة بإسناد حسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا له من زوجة صالحة إن أمرها أطاعته وإن نظر إليها سرته وإن أقسم عليها أبرته وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله" وروى أحمد ومسلم وغيرهما عن ابن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:" الدنيا كلها متاع وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة"..
٢ سورة الشعراء. من الآية ١٦٦..
٣ مما أورد القرطبي..
٤ سورة البقرة. من الآية ٢٨٥، وكان المحذوف: لا نفرق بين أحد وآخر أو بين أحد وبين سائر رسله، والله أعلم..
٥ سورة النساء. من الآية ٣٤..
٦ روى أحمد وابن ماجة وغيرهما عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" حاملات والدات مرضعات رحيمات بأولادهن لولا ما يأتين إلى أزواجهن دخل مصلياتهن الجنة" صححه السيوطي، ووافقه العزيزي، يقول الشراح: ذكرت النساء عنده صلى الله عليه وسلم فأشار إلى مدحهن بذلك بشرط أن لا يسئن إلى أزواجهن"دخل مصلياتهن الجنة" جواب لولا: لولا إساءة العشرة وعدم القيام بواجب الأزواج لدخلن الجنة مع السابقين، إذ الحمل والإرضاع من المكارة الشديدة والمشاق، ويحتمل أن المراد: يدخلن الجنة بدون عذاب- وعبر بالماضي لتحقيق الوقوع- وغير مصلياتهن لا يدخلنها حتى يطهرن بالنار إن لم يعف عنهن..
﴿ ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ﴾ من دلائل قدرة ربنا وبالغ حكمته خلق السماوات والأرض، وإبداعهما على غير مثال سبق، وإيداعهما ما شاء ربنا من مخلوقاته، وتسييرهما على سنن لا يتحول، إلا يوم يقضي الله في هذا الكون أن يزول ويتبدل، وخلق الناس مختلفة لغاتهم وهيئاتهم، برهانان على إحسان الصنعة وبالغ الإتقان، ﴿ وألوانكم ﴾ بياض الجلد وسواده وتوسط فيما بينهما، أو تصوير الأعضاء وهيآتها وحلاها بحيث وقع التمايز بين الأشخاص... فالألوان بمعنى الضروب والأنواع، كما يقال :ألوان الحديث، وألوان الطعام، وهذا تفسير أعم من الأول.. ﴿ لآيات ﴾ عظيمة كثيرة﴿ للعالمين ﴾ المتصفين بالعلم، كما في قوله تعالى :).. وما يعقلها إلا العالمون( ١ ]٢.
١ سورة العنكبوت. من الآية ٤٣..
٢ ما بين العارضتين أورده الألوسي..
﴿ ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله ﴾ ومن نعم المولى سبحانه، وبرهان جلاله، أن من علينا بنعمة النوم، تسكن فيه الأبدان، وتنقطع عن المكابدة، وبنعمة الهداية إلى ما به قوام الحياة، وإلى ما يبلغنا رضاه، ويسر لنا السعي في طلب ذلك الذي به صلاح العاجل والآجل، وأقدرنا على تحصيله تفضلا منه ورحمة، ويمكن إدراك كليهما- النوم والسعي- ليلا ونهارا، يقول الزمخشري :وهذا من باب اللف، وترتيبه :ومن آياته منامكم وابتغاؤكم من فضله بالليل والنهار، إلا أنه فصل بين القرينين الأولين- أعني﴿ منامكم ﴾و﴿ ابتغاؤكم ﴾- بالقرينين الأخيرين- أعني﴿ بالليل ﴾و﴿ النهار ﴾- لأنهما ظرفان، والظرف والواقع فيه كشيء واحد، مع إعانة اللف على الاتحاد وهو الوجه الظاهر، لتكرره في القرآن، وأسد المعاني ما دل عليه القرآن. اه،
[ قيل :في هذه الآية تقديم وتأخير، والمعنى :ومن آياته منامكم بالليل، وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر لاتصاله﴿ بالليل ﴾ وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة، فجعل النوم بالليل دليلا على الموت، والتصرف بالنهار دليلا على البعث ]١، إن في صنع الله تعالى لعبرا لمن يسمع فيعي ويخشع، ويستيقن بالحق ويتبع، كما جاء في القرآن الكريم :)وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا( ٢
١ مما نقل القرطبي..
٢ سورة الفرقان. الآية ٦٢..
﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ ومن حجج الله تعالى إراءتكم البرق- الضياء الذي يلمع في الفضاء ثم يخبو سريعا- إراءتكم إياه من خلال السحاب تخيفكم أن تحل بكم صاعقة، وتطمعكم أن يتنزل عليكم على أثره الغيث، نقل عن قتادة : ﴿ خوفا ﴾ للمسافر- لأنه علامة المطر وهو يضره لعدم ما يكنه، ولا نفع له فيه، ﴿ وطمعا ﴾ للمقيم. اه.
وعلماء الإعراب يقولون :التقدير :يريكم البرق فترونه خوفا وطمعا، ونقل عن ابن بحر : ﴿ خوفا ﴾ أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر- الذي لا غيث فيه كأنه خادع١- وأنشد قول الشاعر :
لا يكن برقك برقا خلبا إن خير البرق ما الغيث معه
﴿ وطمعا ﴾ أن يكون ممطرا، ﴿ وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ وينزل الله تعالى من السحاب الذي هو في جهة السماء مطرا مباركا فتهتز به الأرض التي كانت هامدة، وتنبت من كل صنف ما تسر العين والنفس لرؤيته، إن في ذلك الإتقان والفضل والإحسان، لبرهانا أي برهان، يستيقن به الفكر والوجدان، ويهتدي بدلالته من نظر بعقله، ولم يعمه الجحود والكفران.
١ ولهذا يقال لمن يعد ولا ينجز إنما أنت كبرق خلب..
﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ ومن آلائه، والحجج الشاهدات على سلطانه سبحانه وصمديته واستيلائه، قيام السماوات والأرض وبقاؤهما، كما بينت ذلك الآية الكريمة :)إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده.. ( ١ وأمره عز وجل ماض فيهما وسننه وتسخيره، كما هو في سائر خلقه ).. والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين( ٢، ثم إذا نادانا بعد ذهاب هذا الكون، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات، ونحن حينئذ في أجداثنا وقبورنا، إذا نحن نستجيب بحمده، ونخرج وقد أحيانا بعد موتنا، ونسرع إلى حيث دعانا ربنا للعرض عليه، والوقوف بين يديه، ليرى كل منا ما كان قد عمل، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، والذين قدموا خيرا لا يحزنهم الفزع الأكبر، ).. وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون( ٣، وأما الذين أساءوا فما أسوأ خروجهم، وقد أخبر الكتاب الحق بالذي ينتظرهم، يوم يخرجون من الأجداث سراعا :)خشعا أبصارهم يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر. مهطعين إلى الداع يقول الكافرون هذا يوم عسر( ٤.
١ سورة فاطر. من الآية ٤١..
٢ سورة الأعراف. من الآية ٥٤..
٣ سورة الأنبياء. من الآية ١٠٣..
٤ سورة القمر. الآيتان: ٧و ٨..
[ ﴿ وله من في السماوات والأرض كل له قانتون ﴾ وله عز وجل خاصة كل من في السماوات والأرض من الملائكة والإنس والجن خلقا وملكا وتصرفا وليس لغيره سبحانه شركة في ذلك بوجه من الوجوه، كل له لا لغيره جل وعلا، قانتون منقادون لفعله، لا يمتنعون عليه جل شأنه في شأن من الشؤون وإن لم ينقد بعضهم لأمره سبحانه، فالمراد طاعة الإرادة، لا طاعة الأمر بالعبادة، وهذا حاصل ما روي عن ابن عباس.. ]١.
١ ما بين العارضتين نقله الألوسي..
﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم٢٧ ﴾
وربكم الذي يملك الكون كله، ومن في الكون عبيده، هو- دون سواه- بادئ خلق المخلوقين، المنشئ المصور المبدع لكل المخلوقات، وهو معيدها جل شأنه حين يجيء أمره. لا تتأخر عن ذلك ولا تتوانى، كما أخبرنا الحق المبين :)إن كانت إلا صيحة واحدة فإذاهم جميعا لدينا محضرون( ١، وبعثهم أحياء بعد موتهم يسير على المهيمن المقتدر هين، وما شيء عليه بعسير، قال أبو عبيدة :ومن جعل﴿ أهون ﴾ يعبر عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله تعالى : [ )زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير٢ ]٣..، والعرب تحمل[ أفعل ] على [ فاعل ]...
وأنشد أحمد بن يحيى :
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أراد بواحد، ﴿ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ﴾
قال الخليل :المثل :الصفة، أي وله الوصف الأعلى..، كما قال :)مثل الجنة التي وعد المتقون.. ( ٤ أي صفتها.. اه.
وهو الذي يقهر ولا يقهر، لا يدافع، ولا يغالب، ولا يمانع، والذي دبر كل شيء بلطف وخبرة، موافقا للصواب على سنن الحكمة.
[ وروى البخاري.. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يقول الله تعالى :كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فقوله لن يعيدني كما بدأني وليس أول الخلق بأهون علي من إعادته، وأما شتمه إياي فقوله اتخذ الله ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد " ]٥.
١ سورة يس. الآية ٥٣..
٢ سورة التغابن. الآية ٧..
٣ ما بين العارضتين أوردته لأنه استشهد بآيتين ليستا في إثبات البعث وهما:)وكان ذلك على الله يسيرا (،)ولا يؤوده حفظهما)يسره الله علي جل جلاله. ونقله عن أبي عبيدة صاحب الجامع لأحكام القرآن..
٤ سورة محمد- عليه السلام- من الآية ١٥..
٥ ما بين العلامتين[ ] أورده ابن كثير حـ ٣. ص ٤٣٠، ٤٣١..
﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون٢٨ بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله وما لهم من ناصرين٢٩ ﴾
ساق الله تعالى للمكلفين مثلا منتزعا من أنفسهم، وقال قتادة :هذا مثل ضربه الله للمشركين، والمعنى هل يرضى أحدكم أن يكون مملوكه في ماله ونفسه مثله ؟ ! فإذا لم ترضوا بهذا لأنفسكم فكيف جعلتم لله شركاء ؟ ! وجاء المثل في صورة استفهام إنكاري، كأنه قيل :هل شركاؤكم فيما رزقناكم من الأموال وغيرها كائنون من النوع الذي ملكته أيمانكم ؟ ! ف ﴿ شركاء ﴾ مبتدأ مؤخر، و﴿ لكم ﴾ خبر مقدم، و﴿ من ﴾ الأولى لابتداء الغاية، و﴿ من ﴾ الثانية للتبعيض، و﴿ من ﴾ الثالثة للتوكيد، ﴿ فأنتم فيه سواء ﴾ في موضع الجواب للاستفهام الإنكاري، [ تخافونهم أن تستبدوا بالتصرف فيه بدون رأيهم خيفة كائنة مثل خيفة من هو من نوعكم- يعني الأحرار... أي لا ترضون أن يشارككم فيما رزقناكم من الأموال ونحوها مماليككم وهم أمثالكم في البشرية غير مخلوقين لكم بل لله تعالى، فكيف تشركون به سبحانه في المعبودية التي هي من خصائصه تعالى الذاتية مخلوقه١ سبحانه، بل مصنوع مخلوقه جل وعلا حيث تصنعونه بأيديكم ثم تعبدونه ]٢، وفي غرائب القرآن :وفي قوله : ﴿ في ما رزقناكم ﴾ إشارة إلى أن الذي هو لكم ليس في الحقيقة لكم، وإنما الله استخلفكم فيه ورزقكموه من فضله. اه مثل ذلك التبيين الواضح نبين الحجج بالغة قاطعة- إذ التمثيل تصوير للمعاني المعقولة بصورة المحسوس-﴿ لقوم يعقلون ﴾ يفكرون بعقولهم، ويتدبرون في أنفسهم وأحوالهم، وما جاءهم من ربهم - وخصهم بالذكر مع عموم تفصيل الآيات للكل- لأنهم المنتفعون بها.
١ أورد ابن كثير عن الطبراني- بسنده- عن ابن عباس قال: كان يلبي أهل الشرك: لبيك اللهم لبيك لا شريك لك، إلا شريكا لك، تملكه وما ملك، فأنزل الله تعالى﴿.. هل لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم....﴾..
٢ مما أورد الألوسي..
﴿ بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ﴾ ربنا جل وعلا هو الحق، لكن الأهواء تعمى عن الحق، وتصم عن سماع ندائه، فحين يتخذ الظالم إلهه هواه، لا يهتدي إلى طريق الله، ويدعي له سبحانه ما لا يرضاه، جهلوا حق الملك المهيمن عليهم أن يعبدوه لا يشركوا به شيئا، فلا أحد يهديهم إذ كفروا بالآيات والحجج القرآنية والكونية :)إن الذين لا يؤمنون بآيات الله لا يهديهم الله.. ( ١، وليس لهم من الجزاء الذي أعد لهم من ينقذهم أو يجيرهم ).. قد خسروا أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون٢(.
١ سورة النحل. من الآية ١٠٤..
٢ سورة الأعراف. من الآية ٥..
﴿ فأقم ﴾ فتوجه، وأقبل، وسدد، وعدل دون ميل أو التفات.
﴿ وجهك ﴾ قصدك ووجهتك، وعزمك وقوتك- وخص الوجه بالذكر لأنه أشرف الأعضاء.
﴿ حنيفا ﴾ مخلصا، مقبلا على المنهاج، - وأصل الحنف :إقبال إحدى إبهامي الرجل على الأخرى- وكل من أسلم لأمر الله تعالى ولم يلتو فهو حنيف، أو الحنف :الاستقامة، وإنما قيل للمائل الرجل أحنف تفاؤلا بالاستقامة، ويقال للحنيف حنيف لعدوله عن الشرك.
﴿ فطرة ﴾ ابتداء، وإنشاء، وخلقة، وإعدادا، وتهيئة.
﴿ فطر الناس عليها ﴾ خلقهم قابلين لها.
﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ سنة الله تعالى في خلقه الناس قابلين لمعرفة الحق لا تتبدل.
﴿ القيم ﴾ الذي لا عوج فيه :وأمته قيمة بالحق، والذي يقومهم ويسوس أمرهم.
﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون٣٠ * منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين٣١ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون٣٢ ﴾
وبعد أن قامت حجة الله تعالى على المشركين، وأنهم يرفضون ويأبون أن يكون عبيدهم شركاء لهم- فإذا بطلت الشركة بين العبيد وساداتهم فيما يملكه السادة، والخلق كلهم عبيد الله تعالى، فيبطل أن يكون شيء من العالم شريكا لله تعالى في شيء من أفعاله، فلم يبق إلا أنه واحد يستحيل أن يكون له شريك١وشهد الحق سبحانه أنهم إنما يتبعون في شركهم أهواءهم، ويقلدون آباءهم، وأن ما عبدوه مما لا يعقل سيكون وإياهم من حصب جهنم، وإن كان ممن يعقل يكفر بشركهم، ويتبرأ من زيفهم وغيهم، بعد هذا نادى نبيه والمؤمنين الإقبال على الدين، والتوجه إليه، وعدم التلفت إلى سبيل غير سبيله، وقووا مقصدكم وقوتكم على الجد في العمل له، مخلصين في تسديدكم نحوه، راغبين عن الشرك وأهله، ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ والزموا فطرة الله التي أنشأ عليها خلقه ممن هم من أجناس المكلفين، فقد أنشأهم سبحانه قابلين لمعرفة الله الحق، وهيأهم وأعدهم بما ركب فيهم من قوى مدركة توصلهم إلى العلم بجلال الصانع حين يعاينون إبداع الصنع، وإتقان الخلق- وفسرها الكثير هنا بقابلية الحق والتهييء لإدراكه، وقالوا :معنى لزومها :الجريان على موجبها، وعدم الإخلال به باتباع الهوى، وتسويل شياطين الإنس والجن٢-﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ تعليل للأمر بلزوم فطرته تعالى- قال الإمام :ويحتمل أن يقال :إن الله تعالى خلق خلقه للعبادة وهم كلهم عبيده﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ أي ليس كونهم عبيدا مثل كون المملوك عبدا للإنسان فإنه ينتقل عنه إلى غيره، ويخرج عن ملكه بالعتق، بل لا خروج للخلق عن العبادة والعبودية٣- مما في الصحيح عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء٤ هل تحسون فيها من جدعاء٥ " ثم يقول أبو هريرة :واقرؤوا إن شئتم : ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ﴾، وفي رواية :" حتى تكونوا أنتم تجدعونها " قالوا :يا رسول الله ! أفرأيت من يموت صغيرا ؟ قال :" الله أعلم بما كانوا عاملين " لفظ مسلم، نقل عن طائفة من أهل الفقه والنظر :أن الفطرة الخلقة، وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار، قالوا :وإنما المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ليس معها إيمان ولا كفر، ولا إنكار ولا معرفة، ثم يعتقدون الكفر والإيمان بعد البلوغ إذا ميزوا، فلما بلغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم، وعصم الله أقلهم، قالوا :ولو كان الأطفال قد فطروا على شيء من الكفر والإيمان في أولية أمورهم ما انتقلوا عنه أبدا، وقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون، قالوا :ويستحيل- في المعقول- أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل كفرا أو إيمانا، لأن الله أخرجهم في حال لا يفقهون معها شيئا، قال الله تعالى :)والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا.. ( ٦.
قال ابن عطية :والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة :أنها الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل التي هي معدة ومهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربه، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، ومن مات صغيرا من أولاد المسلمين فهم مع آبائهم في الجنة، وقد روى البخاري عن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا طويلا، وفيه قوله عليه السلام :" وأما الرجل الطويل فإبراهيم عليه السلام، وأما الولدان حوله فكل مولود يولد على الفطرة " قال :فقيل :يا رسول الله، وأولاد المشركين ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وأولاد المشركين "، وروى مسلم في صحيحه- بسنده- عن عياض المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب ذات يوم فقال في خطبته " إن ربي عز وجل أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني في يومي هذا كل ما نحلته عبادي حلال وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا ثم إن الله عز وجل نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب وقال إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك وأنزلت عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظان ثم إن الله أمرني أن أحرق قريشا فقلت ربي إذا يثلغ رأسي فيدعه خبزة قال استخرجهم كما استخرجوك واغزهم نغزك وأنفق فسننفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسة مثله وقاتل بمن أطاعك من عصاك- قال- وأهل الجنة ثلاثة :ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، ورجل عفيف متعفف ذو عيال- قال- وأهل النار خمسة :الضعيف الذي لا زبر له الذين هم فيكم تبع لا يبتغون أهلا ولا مالا، والخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه، ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك عن أهلك ومالك " وذكر البخيل والكذاب والشنظير الفحاش.
﴿ ذلك الدين القيم ﴾ ذلك الذي وصيتكم بلزومه، والثبات عليه، والتوجه بكليتكم إليه هو الدين الذي لا عوج فيه، وأمته قيمة بالحق- كما يشهد لذلك قول الله سبحانه :).. وذلك دين القيمة( ٧، وهو الذي يقوم نهج العباد، ويسوس أمرهم إلى ما يسعد عاجلهم ومصيرهم، ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ إذ لا يتفكرون، ولو تفكروا لعلموا٨ أن هذا هو النور، وليس بعده إلا الظلمات
١ ما بين العارضتين نقله صاحب الجامع لأحكام القرآن عن بعض العلماء...
٢ مما أورد الألوسي عن طائفة..
٣ مما أورد الألوسي عن طائفة..
٤ جمعاء: سليمة مجتمعة الأعضاء..
٥ مقطوعة عضو. وقد كان أهل الجاهلية يشقون آذان بعض الأنعام أو يسمون عضوا منها، ويقولون: هذه بحيرة، وهذه سائبة، وهذه وصيلة، وهذه حام، يتركونها ترعى ولا يأكلونها، ولا يركبونها..
٦ سورة النحل. من الآية ٧٨..
٧ سورة البينة. من الآية ٥..
٨ يمكن أن يكون الفعل﴿يعلمون﴾ منزل منزلة اللازم، وجائز أن يكون المفعول مقدرا، أي لا يعلمونه..
﴿ منيبين ﴾ راجعين.
﴿ منيبين إليه واتقوه ﴾ ومع الأمر بالتوجه إلى الدين الخالص من شوائب الغلو والتفريط، والعنت والحرج، والإقبال على مرضاة الرب المعبود، والوفاء بأمانات الإسلام الذي تهدي إليه الفطرة، وتشهد له مواطن العبرة، وما ينبو عن نوره إلا سيقيم الفكرة، وأكثر البشر أعرضوا عنه لسفه عقولهم، واتباع أهوائهم- بعد هذا عهد إلينا ربنا أن ننيب إليه، ونرجع إلى السبيل الموصلة إلى ثوابه ورضوانه، وأن نحذر ونتقي ما يسخطه، ﴿ وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين ﴾ وأن نتم عبادتنا وصلاتنا، ونتحاشى خطوات أعدائنا، ممن أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم.
﴿ شيعا ﴾ فرقا.
﴿ من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ﴾ من أولئك الذين عبدوا أربابا شتى، ولكل وثن أو إفك من يتابعه ويشايعه، وكل شيعة من تلك الشيع تحسب أنها على شيء، وتظن أنها هديت إلى ما ضل عنه الغير-﴿ وكانوا شيعا ﴾ أي فرقا تشايع كل فرقة إمامها الذي مهد لها دينها وقرره ووضع أصوله﴿ كل حزب بما لديهم ﴾ من الدين المعوج المؤسس على الرأي الزائغ والزعم الباطل﴿ فرحون ﴾ مسرورون ظنا منهم أنه حق-١، يقول صاحب تفسير غرائب القرآن... : ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ نفي في معنى النهي، ألا تبدلوا خلقه الذي فطركم عليه-.... وفيه فساد قول من زعم أن العبادة لتحصيل الكمال فإذا كمال العبد لم يبق عليه تكليف، وفساد الصابئة وبعض أهل الشك أن الناقص لا يصلح لعبادة الله وإنما الإنسان عبد الكوكب، والكواكب عبيد الله، وفساد قول النصارى والحلولية :إن الله يحل في بعض الأشخاص كعيسى وغيره فيصير إلها-٢.
١ روى ابن جرير- بسنده- عن أبي قلابة أن عمر قال لمعاذ: ما قوام هذه الأمة؟ قال معاذ: ثلاث وهن المنجيات: الإخلاص وهو الفطرة﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ والصلاة وهي الملة، والطاعة وهي العصمة، ثم يتابع ابن جرير: وقوله: ﴿لا تبديل لخلق الله﴾ يقول: لا تغيير لدين الله، أي لا يصلح ذلك ولا ينبغي أن يفعل اهـ.
٢ ما بين العارضتين منقول من روح المعاني..
﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون٣٣ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون٣٤أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون٣٥ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون٣٦ أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ٣٧ ﴾
من الناس شكور ومنهم كفور، وأهل الكفران أهل جحود ونكران، فهم إذا لحقهم هزال أو سوء حال، أو أذى أو ضيق وشدة، أو نقص في الأموال دعوا الله مخلصين، وعاهدوه إن نعمهم أن يكونوا من الصالحين، فإذا رحمهم وكشف ضرهم سارعوا إلى ضلالهم القديم، ونسبوا ما آتاهم الله من فضله إلى معبوداتهم الباطلة، من أصنام وكواكب وأنواء، أو وهم وغرور وأهواء، كالذين حدثنا القرآن الكريم عن مكرهم في حجج ربنا وبرهانه، ومسارعتهم في جحود ما آتاهم من فيضه وإحسانه، جاء في سورة يونس :( وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ضراء مستهم إذا لهم مكر في آياتنا قل الله أسرع مكرا إن رسلنا يكتبون ما تمكرون. هو الذي يسيركم في البر والبحر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين. فلما أنجاهم إذا هم يبغون في الأرض بغير الحق.... )١ مما أورد الألوسي : ﴿ منيبين إليه ﴾ راجعين إليه تعالى من دعاء غيره عز وجل من الأصنام وغيرها.. وتخصيص هذا الفعل ببعضهم لما أن بعضهم ليسوا كذلك، وتنكير : ﴿ ضر ﴾ و﴿ رحمة ﴾ للتقليل، إشارة إلى أنهم لعدم صبرهم يجزعون لأدنى مصيبة، ويطغون لأدنى نعمة. اه.
-لما بين التوحيد بالدلائل وبالمثل بين أنه أمر وجداني يعرفونه في حال الضر والبلاء وإن كانوا ينكرونه في حال الرحمة والرخاء.. وإنما قال : ﴿ إذا فريق منهم ﴾ ولم يقل :)إذا هم يشركون )كما في آخر العنكبوت، لأن الكلام هناك مع أهل الشرك، وههنا مع الناس كلهم، وليس كل الناس كذلك-٢
١ من سورة يونس.الآيات :٢١ -٢٢ ومن الآية ٢٣..
٢ ما بين العارضتين مما أورد النيسابوري..
﴿ ليكفروا بما آتيناهم ﴾ كأن اللام لام الأمر، والأمر هنا للوعيد، كما في قوله سبحانه :)ومن شاء فليكفر( ١فإني معد للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا، ومن بدل نعمة الله كفرا فمصيره بئيس :)جهنم يصلونها وبئس القرار( ٢﴿ فتمتعوا فسوف تعلمون ﴾ تهديد بعد تهديد٣ أي تلذذوا بما أوتيتم من شهوات الدنيا وزينتها فسوف تعلمون عاقبة الاطمئنان إلى زخارف العاجلة، حين ترون ماذا ينتظر الكافرين و المشركين في الآجلة، وفي قول المولى تبارك اسمه : ﴿ فتمتعوا ﴾ التفات من الغيبة إلى الخطاب، كأن الذي سبقها في الآية الكريمة حكاية عن الغائبين﴿ ليكفروا بما آتيناهم ﴾ ثم وجه الخطاب إليهم
١ سورة الكهف. من الآية ٢٩..
٢ سورة إبراهيم. الآية ٢٩..
٣ يقول ابن كثير: قال بعضهم: والله لو توعدني حارس درب لخفت منه، فكيف والمتوعد ههنا هو الذي يقول للشيء كن فيكون؟!.
﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا ﴾ تحدث عنهم بالحكاية عن غائبين، بعد أن كان الخطاب في ختام الآية السابقة موجها إليهم، والسلطان :البرهان والحجة والدليل، والاستفهام إنكاري، فكأن المعنى :أأنزلنا عليهم حجة ودليلا يشهد لما ادعوه ؟، وقيل :قد يراد :هل أنزلنا ملكا ذا سلطان وصاحب برهان فأوحى إلي أحد بما قالوه ؟ ! حاشا ﴿ فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ فهو يقول أو يقر بشركهم وشركائهم ؟ معاذ الله، فلقد جاء الحق من ربنا الحق يتحدى أهل الباطل والإفك، ويقول :)قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين( ١ وقال تبارك اسمه :).. أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سلطان.. ( ٢ وقال جل ثناؤه :).. إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون( ٣ وقال وهو أصدق القائلين :)ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان.. ( ٤ ( ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم.. ( ٥.
١ سورة الأحقاف. الآية ٤..
٢ سورة الأعراف. من الآية ٧١..
٣ سورة يونس. من الآية ٦٨..
٤ سورة يوسف. من الآية ٤٠..
٥ سورة الحج. من الآية ٧١..
﴿ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها ﴾ وإذا أعطيت الناس نعمة فرحوا فرح المغرورين البطرين، كما فتن قارون بما رزق من مال وفير، يقول الله الحكيم العليم :).. وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين. وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين. قال إنما أوتيته على علم عندي أو لم يعلم أن الله قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا.. ( ١، وأما فرح الحمد والشكر فلا بأس على صاحبه، بل لقد نودوا إلى ذلك، كما جاء في الآية الكريمة :)قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون( ٢
﴿ وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ﴾ وإن أذاقهم الله شيئا مما يسوؤهم، جزاء أدنى استوجبه بغيهم وعصيانهم، يئسوا من الفرج، وانقطع رجاؤهم في مجيء يسر بعد هذا العسر
١ سورة القصص. من الآية ٧٦، والآية ٧٧، ومن الآية ٧٨..
٢ سورة يونس. الآية ٥٨..
﴿ أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ﴾ أولم يدركوا أن ربنا يقضي ما يشاء، ويختار ما يريد، ويمنح من يريد، ويعطي بقدر من يشاء، ويوسع العطاء لمن شاء ؟ فإذا كانوا قد شاهدوا ذلك ونظروا إليه فهلا صبروا في الضيق١ والضراء٢، وشكروا في السعة والرخاء ؟، ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ إن في إبداع صنعنا، ومحكم تنزيلنا، ونافذ أمرنا لعبرا وعلامات لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وإن كانت الحجج قد سيقت للجميع إلا أن المتذكر بها والمعتبر من صدق واستيقن.
١ نقل عن الطيبي: ومن جهول مكثر ماله *** ذلك تقدير العزيز العليم.
٢ مما يقول القرطبي: والآية صفة للكافر، يقنط عند الشدة ويبطر عند النعمة، كما قيل،
كم من أريب ملهم قلبه مستكمل العقل مقل عديم
كحمار السوء إن أعلفته رمح الناس وإن جاع نهق
وكثير ممن لم يرسخ الإيمان في قلبه بهذه المثابة،.. فأما المؤمن فيشكر ربه عند النعمة، ويرجوه عند الشدة..

﴿ فآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون٣٨ وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون٣٩ ﴾
فأعط أيها النبي، وكل مكلف، وكل سامع، وابذل حق ذوي قرابتك، وحق من ضاقت يده عما يحتاج إليه، وحق المسافر المنقطع عن أهله وماله، ذلك البذل والوفاء بهذا الحق خير لمن يقصد مثوبة الله ورضاه، وسلوك المنهاج الذي يبلغه السعادة في أولاه وأخراه- أو النظر إليه يوم القيامة وهو الغاية القصوى-١، والذين يوفون بعهد الله هذا هم الرابحون الناجحون في العاجل والآجل، [ لما بيّن كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى الشفقة على خلق الله... وفيه أن الله إذا بسط الرزق فلا ينقص بالإنفاق، وإذا ضيق لم يزدد بالإمساك، فينبغي أن لا يتوقف الإنسان في الإحسان، وفي تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر دلالة على أنهم أولى بالإشفاق عليهم من سائر الأصناف... ﴿ للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذاته أو جهة قربته.. ]٢، مما أورد صاحب[ الجامع لأحكام القرآن.. ] :.. أمر من وسع عليه الرزق أن يوصل إلى الفقير كفايته ليمتحن شكر الغني، والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد :هو وأمته.. وقد فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصدقة على الأقارب على عتق الرقاب، فقال لميمونة وقد أعتقت وليدة :" أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك ".. قال مجاهد وقتادة :صلة الرحم فرض من الله عز وجل، حتى قال مجاهد :لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة.. قال الحسن : ﴿ حقه ﴾ المواساة في اليسر، وقول ميسور في العسر، ﴿ والمسكين ﴾ قال ابن عباس :أي أطعم السائل الطواف، ﴿ وابن السبيل ﴾ الضيف، فجعل الضيافة فرضا، [.. لما ذكر أن السيئة أصابتهم بما قدمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك، وحاصله.. أن امتثال أوامره تعالى مجلبة رضاه، والحياة الطيبة تتبعه، كما أن عصيانه سبحانه مجلبة سخطه، والجدب والضيق من روادفه، فإذا استبان ذلك فآت يا محمد ومن تبعه....
إذا جاءت الدنيا عليك فجد بها على الناس طرا إنها تتقلب
فلا الجود يفنيها إذا هي أقبلت ولا البخل يبقيها إذا هي تدبر
... وحمل ذلك بعضهم على الزكاة المفروضة، وتعقب بأن السورة مكية، والزكاة إنما فرضت بالمدينة، واستثناء هذه الآية ودعوى أنها مدنية يحتاج إلى نقل صحيح.. والمراد بالحق المصرح به في ذي القربى :صلة الرحم بأنواعها، وبالحق المعتبر في جانب المسكين وابن السبيل :صدقة كانت مفروضة قبل الزكاة.. ]٣
١ ما بين العارضتين مما أورد ابن كثير..
٢ مما أورد صاحب تفسير غرائب القرآن..
٣ ما بين العلامتين[ ] مما نقل الألوسي..
﴿ وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ﴾ ما أعطيتم مما يتمول لتستردوه زائدا عما بذلتم ودفعتم، فإن هذا في حساب الله تعالى لن يزيد، بل قد يجر على المتعاملين به الضنك والعذاب الشديد، وهل هو القرض الذي يجر نفعا ؟ أو الهدية يبذلها المهدي طامعا أن ترد له هدية أغلى من التي أهداها ؟ بكل قيل !، ﴿ وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون ﴾ وما أعطيتم من صدقة تبتغون بها مرضاة الله تعالى دون سواه، فأصحاب هذا المعروف هم أهل الرفعة، وذوو الأضعاف الكثيرة من المثوبة، تضاعف لهم الحسنة بعشر أمثالها أو بسبعمائة ضعف، أو بأضعاف لا يحصيها إلا واهبها ومعطيها- تبارك اسمه- [ في الصحيح :" وما تصدق أحد بعدل تمرة من كسب طيب إلا أخذها الرحمان بيمينه فيربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوّه أو فصيله حتى تصير التمرة أعظم من أحد " ]١.
١ أورده صاحب تفسير القرآن العظيم..
﴿ الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلك من شيء سبحانه وتعالى عما يشركون٤٠ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون٤١ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين٤٢ ﴾
وعادت الآيات الكريمة تجادل المشركين، وتقيم الحجة على بطلان ما زعموه من إفك مبين، وتذكر بفضل الخلاق الرزاق ذي القوة المتين، الرب المعبود بحق هو الذي أنعم بالخلق، وأمد بالرزق، ويتوفى الأحياء إذا جاء أجلهم، ويحييكم جميعا بعد موتكم، والذين تدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون، ولا يملكون لكم رزقا، ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا، فكيف عدلتموهم بالله العزيز الوهاب، المبدئ المعيد، الفعال لما يريد ؟ ! تنزه ربنا وتعالى مقامه عن النظراء والأنداد، والشركاء، والأضداد١، والصحابة والأولاد، نقل النيسابوري : ﴿ من ﴾ الأولى والثانية والثالثة كل واحدة منهن مستقلة بتأكيد لتعجيز شركائهم، وتجهيل عبدتهم :قلت :الأولى للتبعيض، كأنه أقام فعل البعض مقام فعل الكل.. والثالثة لتأكيد الاستفهام، والمتوسطة للابتداء. اه.
١ المثيل المعاند المخالف..
﴿ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ﴾ بدا وفشا المحق، وذهاب البركة، وضنك المعايش، والتظالم في الماء واليابسة، بسبب شرك الناس وبغيهم، وعد الله لا يخلف الله وعده :)وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون( ١، ولقد بين القرآن الكريم عظم ما يقترف المشركون، فجاء في آيات كريمة :)وقالوا اتخذ الرحمان ولدا. لقد جئتم شيئا إدّا. تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدّا( ٢، ويقول ربنا العلي العظيم :)ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء و الأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون( ٣، ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون ﴾ يمسهم منا عذاب يسير قبل عذاب السعير، عسى أن يزدجروا فيعودوا إلى الإيمان والطاعة من قبل أن يدركهم سوء المصير، وهي سنة الله التي لا تتبدل، يقول المولى- تبارك اسمه- :)وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون( ٤، ووعد من الله تعالى لا يخلف :)ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر لعلهم يرجعون( ٥.
١ سورة النحل. الآية ١١٢.
٢ سورة مريم. الآيات٨٨، ٨٩، ٩٠..
٣ سورة الأعراف. الآية ٩٦..
٤ سورة الأعراف. الآية ٩٤، يقول علماء القرآن: وكأن في الكلام محذوفا مقدرا: أي من نبي كذبوه إلا أخذنا أهلها بالبلاء في أنفسهم وأموالهم..
٥ سورة السجدة. الآية ٢١..
﴿ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ﴾ قل لهم :سافروا وتنقلوا في البلاد لتروا مصير المكذبين السابقين، وآثار المهلكين، ).. فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين( ١ ) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا.. )٢ ) وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم المثال( ٣، ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ أهلكناهم بشرك أكثرهم٤، )ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون( ٥.
١ سورة القصص. من الآية ٥٨..
٢ سورة النمل. من الآية ٥٢..
٣ سورة إبراهيم. الآية ٤٥..
٤ للدلالة على أن الشرك وحده لم يكن سبب تدمير جميعهم، بل هو سبب للتدمير في أكثرهم، وما دونه من المعاصي سبب له في قليل منهم. الألوسي..
٥ سورة فصلت. الآية ١٨..
﴿ فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون٤٣ من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون٤٤ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين٤٥ ﴾
وبعد أن حصحص الحق، وظهرت الحجة، وأعذر الله تعالى إليهم، وحضهم على الاعتبار بما جرى لأسلافهم من المشركين والمفترين، وصى أهل الرشد بالثبات على الهدى ولزوم الصراط المستقيم، والدين العدل، الخالد، المهيمن الظاهر على الدين كله، القوام أهله- كما شهد موحيه جل علاه- ).. وذلك دين القيمة( ١- اثبتوا عليه من قبل أن يجيء يوم البعث والحساب والفصل، والجزاء بالعدل والفضل، يومئذ لا يرد بأسه عن المجرمين أحد، ولا يمسك فضله عن المتقين أحد، يومئذ يتفرقون، فأما الذين كفروا وأجرموا فأولئك في العذاب محضرون مقيمون نازلون، وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون، جزاء بما كانوا يعملون، إذ قدموا في دنياهم البر الذي بسببه ينعمون، ويتفضل عليهم المولى بما لا يعدون ولا يحصون، وتناديهم الملائكة الكرام عليهم السلام :).. هذا يومكم الذي كنتم توعدون( ٢ وينادي أصحاب النار أصحاب الجنة ).. أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله حرمهما على الكافرين. الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا وغرتهم الحياة الدنيا فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا وما كانوا بآياتنا يجحدون( ٣، وأصل﴿ يصدعون ﴾ يتصدعون٤، بمعنى يتفرقون، ففريق في الجنة وفريق في السعير
١ سورة البينة. من الآية ٥..
٢ سورة الأنبياء. من الآية ١٠٣..
٣ سورة الأعراف. من الآية ٥٠ والآية ٥١..
٤ قلبت التاء صادا، وأدغمت في الصاد..
﴿ فعليه كفره ﴾ فعليه يعود جزاء كفره.
﴿ ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ﴾ الذين آمنوا وعملوا الصالحات فإنما يمهدون بعملهم ويهيئون به ويعدون ويوطئون لأنفسهم مصيرا حسنا ومستقرا كريما، وأصل المهاد :فراش الطفل، والتمهيد التوطئة والتسوية بحيث لا ينغص من رقد عليه وآوى إليه-
﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ﴾ للدلالة على أن الإثابة تفضل محض-﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾.. فكأنه قيل :وليعاقب الكافرين، .. فإن عدم المحبة يقتضي حرمانهم من الفضل-١.
١ ما بين العارضتين مما أورد الألوسي، بتصرف..
﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون٤٦ ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين٤٧ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ٤٨ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين٤٩ فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الأرض بعد موتها إن ذلك لمحيي الموتى وهو على كل شيء قدير٥٠ ﴾
من دليل اقتداره، وعظيم جلاله، أنه عز وجل يرسل أنواعا من الرياح مباركة، تبشر بالخير، ويسوق الله معها النعم التي ينشرها على الماء واليابسة جميعا، فمنها اللواقح، ومنها ما يخزي الله به الكافرين، ويهزمهم بها ويشفي صدور قوم مؤمنين- كالتي أهلكت بها عاد، وهزم بها جمع المشركين يوم الأحزاب- ومنها ما يسير به المولى سبحانه السفن، فتبلغ بالناس وأثقالهم ما لم يكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس، وينالون من فضل ربهم ورزقه ما هو مقدور، ليقروا بالآلاء للوهاب الشكور، ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ ومن برهان التفرد باستحقاق الطاعة والشكر له دون سواه إرسال الرياح وتسييرها بمراده هو لا بمراد غيره.
[ وحين ذكر ظهور الفساد والهلاك بسبب الشرك ذكر ظهور الصلاح وبين أنه من دلائل الوحدانية... ولم يذكر أنه بسبب العمل الصالح لما مر من أن الكريم لا يذكر لإحسانه سببا.. أراد الجنوب والشمال والصبا، وهي رياح الرحمة، دون الدبور التي هي للعذاب.. ﴿ مبشرات ﴾ أي المطر لقوله :)بشرا بين يدي رحمته.. ( ١، وقيل :أي بتصحيح الأهوية وإصلاح الأبدان. ]٢.
١ سورة النمل. من الآية ٦٣. وتمامه:(أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون(..
٢ ما بين العلامتين[ ] مما أورد النيسابوري..
﴿ ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ﴾ فإن أعرضوا عن تلك العلامات، وجحدوها وهي بالغات بينات، فذلك دأب وسبيل المجرمين، وأنت تعلم ما علمتك من نبأ العابرين، ولقد بعثنا فيمن سبقوا أنبياء، بعثنا كل نبي إلى قومه، وجاءت الأنبياء إلى أقوامهم بالآيات المتلوة المقروءة، والعلامات الكونية المحسوسة، وما من نبي إلا قد أوتي من الآيات وخوارق العادات ما على مثله آمن البشر، فمنهم من آمن ومنهم من كفر، فأخرجنا الجاحدين الباغين الكافرين، وأهلكناهم ونجينا المتقين، ورفعنا كلمة الحق والدين، وجعلنا العاقبة والتأييد والعزة للمؤمنين الصالحين المصدقين، أورد صاحب روح المعاني : ﴿ فانتقمنا من الذين أجرموا ﴾ الفاء فصيحة، أي :فآمن بعض وكذب بعض﴿ فانتقمنا ﴾... وجوز أن تكون تفصيلا للعموم بأن فيهم مجرما مقهورا ومؤمنا منصورا﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ﴾ فيه مزيد تشريف وتكرمة للمؤمنين حيث جعلوا مستحقين على الله تعالى أن ينصرهم.. وظاهر الآية أن هذا النصر في الدنيا١.. اه
١ أورد عن الطبراني وغيره عن أبي الدرداء قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:" ما من امرئ مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله تعالى أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة، ثم تلا عليه الصلاة والسلام: ﴿وكان حقا علينا نصر المؤمنين﴾"..
﴿ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ﴾ بعد بيان بعض آثار الرياح في البر والبحر جملة في الآية السادسة والأربعين من هذه السورة بينت هذه الآية المباركة كيف يسخر الله تعالى الرياح ويسير بها ما به حياة العباد والبلاد، ينشر به الأرض الهامدة الجامدة، فتهتز وتربو، وينبت الحب والنخيل والأعناب والزرع البهيج، ويسقي به سبحانه مما خلق أنعاما وأناسي كثيرا، إن في ذلك لعبرة، وطائفة من برهان القدرة، ذرات دقيقة يسيرة، يجمعها اللطيف الخبير، ثم يصرف السحاب المسخر بين السماء والأرض إلى حيث يريد، يملأ به الآفاق على سمت السماء، أو يجعله قطعا١ هدي كل منها إلى ما تتحقق به المشيئة المهيمنة، - والكسف :جمع كسفة أي قطعة- فترى قطرات الغيث تتحدر من هذا السحاب- والودق :القطر والمطر- فإذا ساق الله الحياة ونشر رحمته على بلد عمهم البشر، وانكشف عنهم القحط والجدب والضر
١ واللفظ محتمل أن تكون بعض قطع السحاب مكمل البعض الآخر، ولكل ما يخصه فحين تجمع الريح المسخرة طائفة من كل يتساقط الغيث، وربما يفهم ذلك من قول الله العلي الحكيم:)وأرسلنا الرياح لواقح فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه وما أنتم له بخازنين)سورة الحجر الآية ٢٢. وربما يكون قول القائلين بأن السحاب منه موجب وسالب، فإذا التقيا كان الغوث والسقيا..
﴿ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ﴾ وما كانوا قبل نزوله إلا حائرين، قانطين آيسين من نزول ما يغيثهم، ويرويهم وزرعهم وبهائمهم، وأكثر النحويين على أن قوله سبحانه : ﴿ من قبله ﴾ توكيد للقول الكريم : ﴿ من قبل أن ينزل عليهم ﴾، - ومعناه الدلالة على أن عهدهم بالمطر تطاول، فاستحكم يأسهم، وتحقق إبلاسهم-١
١ ما بين العارضتين مما أورد النيسابوري..
﴿ فانظر ﴾ يا من يتأتى منه النظر، بعين البصر، أو بعين البصيرة، وتطلع، ومد فكرك إلى آثار بر الله تعالى بالعباد، وكيف يحيي الله تعالى الجامد الهامد، فيهتز ويربو، وينبت من كل صنف ما تسر به الأعين، وتحيا به الأنفس، وتبتهج به الخواطر، إن ذلك الكبير المتعال، الكريم ذا الجلال، يحيي الخلائق بعد موتهم، كذلك النشور، إن في هذا لأبلغ حجة :)وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون( ١، ).. وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج. ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير. وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور( ٢ )والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور( ٣، وربنا المعبود بحق على كل شيء يريده مقتدر، وقد قضت حكمته أن يردنا إليه، ويوقفنا بين يديه :(.. ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى( ٤، فليعلموا أن لقاء الله آت لا ريب فيه، وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو الفعال لما يريد.
١ سورة الأعراف. الآية ٥٧..
٢ سور الحج. من الآية ٥، والآيتان:٦-٧..
٣ سورة فاطر. الآية ٩..
٤ سورة النجم. من الآية ٣١..
﴿ ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون٥١ فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين٥٢ وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون٥٣ *الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير٥٤ ﴾
ظلوم جهول جنس المكلفين، إلا من هدى الله البر الرحيم، فإن الكثيرين إن مسهم الشر قنطوا، وإذا جاءتهم الحسنة بطروا، يتزلزل الإنسان، ويقل ثباته، وقد ينعدم توكله، فلأدنى سبب يكفر بنعمة الله، ولئن صرفنا وسيرنا ريحا ضارة١، باردة أو حارة، فرأوا الذي أنبتناه- بسبب الودق والمطر- قد ذهبت حضرته، وزالت الريح بهجته ونضرته، لتمادوا – بعد استبشارهم- يكفرون بربهم، واللام في﴿ لئن ﴾ موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط- إن-، والفاء في﴿ فرأوه ﴾ هي فاء الفصيحة، واللام في قوله تعالى : ﴿ لظلوا ﴾ لام جواب القسم الساد مسد الجوابين- جواب القسم وجواب الشرط- نقل عن الخليل وغيره : ﴿ لظلوا ﴾ بمعنى ليظلن، وحسن وقوع الماضي في موقع المستقبل لما في الكلام من معنى المجازاة، والمجازاة لا تكون إلا في المستقبل.. اه.
ولو عقلوا الصبر في البأساء، وشكروا في النعمة والرخاء، وأيقنوا أن الله تعالى يفعل ما يشاء، وأن حرثهم فضل من العزيز الوهاب، يسبغه على من يشاء، وينزعه ممن يشاء :)أفرأيتم ما تحرثون. أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون. لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون. إنا لمغرمون. بل نحن محرومون( ٢. ثم سلى نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم حتى لا يحزن لعدم اهتدائهم بتذكيره، فإنه صلوات الله عليه وسلامه ليس مسؤولا عن أصحاب الجحيم، إنما هو مبلغ الحجة لمن يشاء منهم أن يستقيم، لكنهم أماتوا عقولهم، وأصموا آذانهم )إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم( ٣ فهؤلاء كالموتى ).. وما أنت بمسمع من في القبور. إن أنت إلا نذير( ٤، - لا نجعل لهم أسماعا يفهمون بها عنك ما تقول لهم٥، وإنما هذا مثل معناه :فإنك لا تقدر أن تفهم هؤلاء المشركين الذين قد ختم الله على أسماعهم فسلبهم فهم ما يتلى عليهم من مواعظ تنزيله، كما لا تقدر أن تفهم الموتى الذين قد سلب الله أسماعهم بأن تجعل لهم أسماعا، وقوله : ﴿ ولا تسمع الصم الدعاء ﴾
١ روى ابن كثير عن ابن أبي حاتم-بسنده – عن عبيد الله بن عمرو قال: الرياح ثمانية: أربعة منها رحمة وأربعة منها عذاب، فأما الرحمة فالناشرات والمبشرات والمرسلات والذاريات، وأما العذاب فالعقيم والصرصر، وهما في البر، والعاصف والقاصف وهما في البحر، فإذا شاء سبحانه وتعالى حركه بحركة الرحمة فجعله رخاء ورحمة وبشرى بين يدي رحمته ولاقحا للسحاب... فريح لينة رطبة تغذي النبات وأبدان الحيوان، وأخرى تجففه، وأخرى تهلكه وتعطبه.. وأخرى توهنه وتضعفه.اهـ جـ٣ ص ٤٣٧..
٢ سورة الواقعة. الآيات: ٢٣ إلى ٢٧..
٣ سورة يونس. الآيتان ٩٦، ٩٧..
٤ سورة فاطر. من الآية ٢٢، والآية ٢٣..
٥ أورد صاحب روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني بحثا مستفيضا في سماع الموتى، وساق جملة من الأحاديث النبوية، وكيف اختلفت العلماء في هذا الشأن، وقد أربى البحث على ألف وخمسمائة كلمة، من شاء فليراجع جـ٢١ ص ٥٥ وما بعدها..
﴿ ولا تسمع الصم الدعاء ﴾يقول :وكما لا تقدر أن تسمع الصم الذين قد سلبوا السمع الدعاء إذا هم ولوا عنك مدبرين كذلك لا تقدر أن توفق هؤلاء الذين قد سلبهم الله فهم آيات كتابه لسماع ذلك وفهمه، وقوله : ﴿ وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ﴾
﴿ وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ﴾ يقول تعالى ذكره :وما أنت يا محمد بمسدد من أعماه الله عن الاستقامة، ومحجة الحق، فلم يوفقه لإصابة الرشد، فصارفه عن ضلالته التي هو عليها، وركوبه الجائر من الطرق إلى سبيل الرشاد، يقول :ليس ذلك بيدك ولا إليك، ولا يقدر على ذلك أحد غيري لأني القادر على كل شيء.. وما أنت بمانعهم من ضلالتهم، وقوله : ﴿ إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ﴾ يقول- تعالى ذكره- لنبيه :ما تسمع السماع الذي ينتفع به سماعه فيعقله إلا من يؤمن بآياتنا، لأن الذي يؤمن بآياتنا إذا سمع كتاب الله تدبره وفهمه وعقله، وعمل بما فيه، وانتهى إلى حدود الله الذي حد فيه، فهو الذي يسمع السماع النافع، وقوله : ﴿ فهم مسلمون ﴾ يقول :فهم خاضعون لله بطاعته، متدللون لمواعظ كتابه. اه، وبعد هذه الآيات الكونية والقرآنية التي تزيد اليقين في جلال المولى الكبير المتعال، وفي قدرته على إحياء من في القبور، وعلى البعث والنشور، وعلى الحساب و الثواب بينت هذه الآية الكريمة برهانا من الأنفس بعد براهين الكون والآفاق.
﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ﴾﴿ من ﴾ ابتدائية، والجملة قبلها مبتدأ وخبر، بدأ الله تعالى خلقنا ضعفاء، وجعل الضعف١ أساس كياننا، ويشهد لذلك قول المولى- تبارك اسمه- ).. وخلق الإنسان ضعيفا( ٢، ثم بعد ضعف الطفولية، ينعم علينا بالفتوة والقوة وبلوغ الأشد، ثم يعقب ذلك الوهن والمشيب- فكأن الوهن والضعف بعد الفتوة يصيب القوى فيكون ضعفا، ويصيب الظواهر فيظهر شيبا، [ وهذا الترديد في الأطوار المختلفة أظهر دليل على وجود الصانع العليم القدير، وقوله : [ يخلق ما يشاء ] كقوله في دليل الآفاق : ﴿ فيبسطه في السماء كيف يشاء ﴾ والكل إشارة إلى بطلان القول بالطبيعة المستقلة ]٣ ﴿ وهو العليم القدير ﴾ مما أورد ابن جرير : ﴿ العليم ﴾ بتدبير خلقه﴿ القدير ﴾ على ما يشاء لا يمتنع عليه شيء أراده، فكما فعل هذه الأشياء، فكذلك يميت خلقه ويحييهم إذا شاء، يقول :واعلموا أن الذي فعل هذه الأفعال بقدرته يحيي الموتى إذا شاء. اه.
﴿ تقوم ﴾ تمثل، وتأتي، وتجيء.
﴿ يقسم ﴾ يحلف.
﴿ الساعة ﴾ القيامة، لأن من أحوالها قيام الموتى من قبورهم.
﴿ المجرمون ﴾ المرتكبون الجرم العظيم.
﴿ يؤفكون ﴾ يصرفون عن الحق، ويصدون عن الصدق، ويستديمون الكذب.
﴿ ويوم تقوم الساعة يقسم- المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون٥٥ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون ٥٦ فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون٥٧ ﴾.
يوم القيامة يحلف الكافرون الظالمون أنهم ما أقاموا في الدنيا إلا ساعة، يتكشف عنهم غطاء الغفلة والغرور، فيدركون أن زخرف الحياة باطل، وزينتها ليست إلا حطاما، ومتاعها قليل سرعان ما ينقضي، والكثير الذي لا ينفع قليل، وذهب بعض المفسرين إلى أن المجرمين يحلفون ما لبثوا في قبورهم غير ساعة، كأنهم بالموت انكشف عنهم حجاب الجهالة والضلال، وعلموا سوء منقلبهم والمآل، فهم يتمنون طول الأمد حتى لا يساقوا إلى أليم العذاب والنكال، ﴿ كذلك كانوا يؤفكون ﴾ كذلك الفزع والندم كانوا يصرفون عن الحق في حياتهم الدنيا، ويصدون عن اليقين في الله العظيم ولقائه وحسابه وجزائه، [ وقيل :يعنون ما لبثوا بين فناء الدنيا والبعث وهو ما بين النفختين، وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما بين النفختين أربعون " قيل :أربعون يوما يا أبا هريرة قال :أبيت، قيل :أربعون شهرا ؟ قال :أبيت، قيل أربعون سنة ؟ قال :أبيت، وعنى بقوله رضي الله تعالى عنه :أبيت :أمتنع عن بيان ذلك لكم، أو أبيت أن أسأل النبي صلى الله عليه و سلم عن ذلك، والغرض من سوق الآية الإغراق في وصف المجرمين بالتمادي في التكذيب... والغرض أن يحقر عندهم ما فيه من التمتعات وزخارف الدنيا كي يقلعوا عن العناد، ويرجعوا إلى سبيل الرشاد... والصارف لهم هو الله أو الشيطان أو الهوى، وأيا ما كان فليس ذلك إلا لسوء اختيارهم، وخباثة استعدادهم. ]١، مما جاء في الجامع لأحكام القرآن :والقول الآخر أنهم يعنون في الدنيا لزوالها وانقطاعها، كما قال تعالى :)كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها( ٢ كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار، وإن كانوا قد أقسموا على غيب وعلى غير ما يدرون.. وقد زعم جماعة من أهل النظر أن القيامة لا يجوز أن يكون فيها كذب لما هم فيه، والقرآن يدل على غير ذلك... قال الله جل وعز :)يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون( ٣ وقال :( ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين. انظر كيف كذبوا( ٤. اه
١ ما بين العارضتين مما أورد الألوسي..
٢ سورة النازعات. الآية ٤٦..
٣ سورة المجادلة. الآية ١٨..
٤ سورة الأنعام. الآية ٢٣، ومن الآية ٢٤..
﴿ لبثتم ﴾ بقيتم.
﴿ البعث ﴾ إحياء الموتى.
﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ﴾ يرد العلماء على هؤلاء الكذابين- مثلما كانوا يدعونهم إلى الهدى في الدنيا- ويقولون لهم :في علم الله تعالى الذي لا يعزب عنه ولا يغيب شيء، وفي أم الكتاب مسطور مدة مكثكم جميعا إلى يوم القيامة، أو تقول لهم الملائكة هذا القول، ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ فإن كنتم ارتبتم وشككتم ولم تستيقنوا من قبل بمجيء يوم البعث ووقوعه، فهذا يومكم الذي كنتم توعدون، ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق، فاستهزأتم به وقلتم :).. ما ندري ما الساعة إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين( ١
١ سورة الجاثية. من الآية ٣٢..
﴿ يستعتبون ﴾ يطلب إليهم إزالة عتب الله تعالى أي غضبه سبحانه عليهم.
﴿ فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ﴾ يوم إذ يعرضون على ربهم، ويستصغرون مدة مكثهم، لا يغني عنهم اعتذارهم، ولا يقبل منهم ندمهم، وإنما كما بين القرآن الحكيم لا يسمعون إلا ما يقطع به رجاؤهم :)فإن يصبروا فالنار مثوى لهم وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين( ١. ومهما أقروا واعترفوا بذنبهم، فلن يستجيب الله لدعائهم، وقد شهدت بذلك آيات محكمات، إذ يحسرون فيقولون :)ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون( ٢ فيزجرون من لدن رب العالمين :)اخسؤا فيها ولا تكلمون( ٣ ثم يسألهم وهو أعلم بهم :)كم لبثتم في الأرض عدد سنين. قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين. قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون. أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون. فتعالى الله الملك الحق.. ( ٤، ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ لا يطلب إليهم أن يرضوا ربهم، بإزالة عتبه تعالى، والمراد :إزالة غضبه بالتوبة والطاعة، فقد حق عليهم العذاب، ولا حالهم حال من يستعتب ويرجع.
١ سورة فصلت. الآية ٢٤..
٢ سورة المؤمنون. الآية ١٠٧..
٣ سورة المؤمنون. من الآية ١٠٨..
٤ سورة المؤمنون. من الآية ١١٢، والآيات ١١٣، ١١٤، ١١٥، ومن الآية ١١٦..
﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون ٥٨ كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون٥٩ فاصبروا إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون٦٠ ﴾
ولقد بينا للناس في هذا القرآن من كل حال وصفة عجيبة، كالحديث عن البعث وما يكون فيه، وما يقول المرتابون، وما يقال لهم، واللام في ﴿ لقد ﴾ موطئة للقسم، وقيل : ﴿ من كل مثل ﴾ من كل دليل عجيب، ﴿ ولئن جئتهم بآية ليقولن الذي كفروا إن أنتم إلا مبطلون ﴾ وكلما جئتهم بآية قرآنية أو معجزة كونية لم يكن قول الكافرين إلا السفاهة عليك وعلى المسلمين، وبدلا من الإذعان للحق، وتصديق الآيات، يؤذون المؤمنين، ويرمونهم باتباع الباطل، كما وصف الكتاب الحكيم شطط الجاحدين، وافتراءهم الزور على النبي والمؤمنين، ومرائهم فيما آتى الله نبيه من المعجزات وخوارق العادات، يقول المولى- تبارك اسمه- :)وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر( ١ كما قال سبحانه :)ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون( ٢.
١ سورة القمر. الآية ٢..
٢ سورة الحجر. الآيتان. ١٤، ١٥..
﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ﴾ كما طبع الله على قلوبهم حتى لا يفهموا الآيات عن الله فكذلك يطبع على قلوب الذين لا يعلمون أدلة التوحيد-١[ ﴿ يطبع ﴾ أي يختم ﴿ الله ﴾ الذي جلت عظمته وعظمت قدرته﴿ على قلوب الذين لا يعلمون ﴾ أي لا يطلبون العلم ولا يتحرون الحق، بل يصرون على خرافات اعتقدوها وترهات ابتدعوها، فإن الجهل المركب٢ يمنع إدراك الحق، ويوجب تكذيب المحق، ومن هنا قالوا :هو شر من الجهل البسيط... ٣ ]، فإذا علمت غاية حمقهم، وبالغ جهلهم، فلا يحزنك تكذيبهم وإعراضهم، ولتثبت ومن معك على الحق ودعوتهم إليه، حتى يهتدوا أو يحكم الله بينكم، فإن العاقبة لكم، ولا يستفزنكم عن دينكم، أو يزحزحكم عما جاءكم مكر عدوكم، [ والخطاب للنبي والمراد أمته ]٤
١ ما بين العارضتين مما أورد القرطبي..
٢ مما أورد الألوسي ثم تابع: وما ألطف ما قيل: فإنني جاهل بسيط *** وصاحبي جاهل مركب.
٣ وقد قالوا في تعريف الجاهل جهلا مركبا: هو الذي يجهل، ويجهل أنه يجهل..
٤ مما جاء في الجامع لأحكام القرآن..
﴿ ولا يستخفنك ﴾ لا يحملنك على الخفة والقلق-١، مما أورد النيسابوري :أمر أن لا يضجر، ويشتغل بالدعاء إلى الحق حتى يأتي أوان النصر والظفر، والله المستعان.
١ مما أورد صاحب روح المعاني..
السورة التالية
Icon
قال حمار الحكيم يوما لو أنصف الدهر كنت أركب