0:00
0:00

سورة الروم
مكية وآياتها ستون
هذه السورة مكية لا خلاف أحفظه في ذلك١.
١ أخرج عبد الرزاق وأحمد –قال السيوطي-: "بسند حسن" عن رجل من الصحابة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح، فقرأ فيها سورة الروم. وأخرج البزار عن الأغر المزني مثله، وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن عبد الملك بن عمير أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الروح، وأخرج ابن الضرير، والنحاس، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، من طرق، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "نزلت سورة الروم بمكة". (فتح القدير، والدر المنثور)..

تقدم القول في الحروف التي في أوائل السور بما فيه كفاية.
وقرأ الجمهور «غُلبت » بضم الغين وقالوا معنى الآية أنه طرأ بمكة أن الملك كسرى هزم جيش ملك الروم قال مجاهد :في الجزيرة وهو موضع بين العراق والشام، وقال عكرمة :وهي بين بلاد العرب والشام، وقال مقاتل :بالأردن وفلسطين، فلما طرأ ذلك سر الكفار فبشر الله عباده بأن الروم ﴿ سيغلبون في بضع سنين ﴾ وتكون الدولة لهم في الحرب، وقرأ أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قرة وعبد الله بن عمر «غَلَبت » الروم بفتح الغين واللام، وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كان أن الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر المسلمون فبشر الله تعالى عباده بأنهم ﴿ سيغلبون ﴾ أيضاً ﴿ في بضع سنين ﴾، ذكر هذا التأويل أبو حاتم، والرواية الأولى والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على «سيَغلبون » أنه بفتح الياء١ يريد به الروم، وروي عن ابن عمرو أنه قرأ أيضاً «سيُغلبون » بضم الياء، وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به، و ﴿ أدنى الأرض ﴾ معناه أقرب الأرض، فإن كانت الوقعة في أذرعات فهي من ﴿ أدنى الأرض ﴾ بالقياس إلى مكة وهي التي ذكر امرؤ القيس في قوله : [ الطويل ]
تنورتها من أذرعات وأهلها. . . بيثرب أدنى دارها نظر عال٢
وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي ﴿ أدنى ﴾ بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي ﴿ أدنى ﴾ إلى أرض الروم، قال أبو حاتم :وقرىء «أداني الأرض »٣، وقرأ جمهور الناس «غلَبهم » بفتح اللام كما يقال أحلب حلباً لك شطره٤، وقرأ ابن عمر بسكونها وهما مصدران بمعنى واحد وأضيف إلى المفعول٥، وروي في قصص هذه الآية عن ابن عباس وغيره أن الكفار لما فرحوا بمكة بغلب الروم بشر الله نبيه والمؤمنين بأن الروم ﴿ سيغلبون في بضع سنين ﴾ أي من الثلاثة إلى التسعة على مشهور قول اللغويين. كأنه تبضيع العشرة أي تقطيعها وقال أبو عبيدة :من الثلاث إلى الخمس، وقوله مردود، فلما بشرهم بذلك خرج أبو بكر الصديق إلى المسجد فقال لهم :أسركم إن غلبت الروم فإن نبينا أخبرنا عن الله تعالى أنهم ﴿ سيغلبون في بضع سنين ﴾ فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه وقيل أبو سفيان بن حرب تعال يا أبا فصيل يعرضون بكنيته بالبكر٦ فلنتناخب، أي نتراهن، في ذلك فراهنهم أبو بكر قال قتادة :وذلك قبل أن يحرم القمار وجعل الرهن خمس قلائص، والأجل ثلاث سنين، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له «إن البضع إلى التسعة ولكن زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل »
، ففعل أبو بكر فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام، فغلبت الروم في أثناء الأجل، فروي عن أبي سعيد الخدري أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر، وروي أن ذلك كان يوم الحديبية وأن الخبر بذلك وصل يوم بيعة الرضوان، روي نحوه عن قتادة، وفي كلا اليومين كان نصر من الله تعالى للمؤمنين، وذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تغلب وكون المشركين من قريش على ضد ذلك إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، والفرس أهل الأوثان أو نحوه من عبادة النار ككفار قريش والعرب.
قال القاضي أبو محمد :ويشبه أن يعلل ذلك بما تقتضيه الفطر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤنة ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه٧. و ﴿ سنين ﴾، يجمع كجمع من يعقل عوضاً من النقص الذي في واحده لأن أصل سنة سنهة أو سنوة، وكسرت السين منه دلالة على جمعه خارج عن قياسه ونمطه.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢: وقرأ الجمهور «غُلبت » بضم الغين وقالوا معنى الآية أنه طرأ بمكة أن الملك كسرى هزم جيش ملك الروم قال مجاهد :في الجزيرة وهو موضع بين العراق والشام، وقال عكرمة :وهي بين بلاد العرب والشام، وقال مقاتل :بالأردن وفلسطين، فلما طرأ ذلك سر الكفار فبشر الله عباده بأن الروم ﴿ سيغلبون في بضع سنين ﴾ وتكون الدولة لهم في الحرب، وقرأ أبو سعيد الخدري وعلي بن أبي طالب ومعاوية بن قرة وعبد الله بن عمر «غَلَبت » الروم بفتح الغين واللام، وتأويل ذلك أن الذي طرأ يوم بدر إنما كان أن الروم غلبت فعز ذلك على كفار قريش وسر المسلمون فبشر الله تعالى عباده بأنهم ﴿ سيغلبون ﴾ أيضاً ﴿ في بضع سنين ﴾، ذكر هذا التأويل أبو حاتم، والرواية الأولى والقراءة بضم الغين أصح، وأجمع الناس على «سيَغلبون » أنه بفتح الياء١ يريد به الروم، وروي عن ابن عمرو أنه قرأ أيضاً «سيُغلبون » بضم الياء، وفي هذه القراءة قلب للمعنى الذي تظاهرت الروايات به، و ﴿ أدنى الأرض ﴾ معناه أقرب الأرض، فإن كانت الوقعة في أذرعات فهي من ﴿ أدنى الأرض ﴾ بالقياس إلى مكة وهي التي ذكر امرؤ القيس في قوله : [ الطويل ]
تنورتها من أذرعات وأهلها... بيثرب أدنى دارها نظر عال٢
وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي ﴿ أدنى ﴾ بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي ﴿ أدنى ﴾ إلى أرض الروم، قال أبو حاتم :وقرىء «أداني الأرض »٣، وقرأ جمهور الناس «غلَبهم » بفتح اللام كما يقال أحلب حلباً لك شطره٤، وقرأ ابن عمر بسكونها وهما مصدران بمعنى واحد وأضيف إلى المفعول٥، وروي في قصص هذه الآية عن ابن عباس وغيره أن الكفار لما فرحوا بمكة بغلب الروم بشر الله نبيه والمؤمنين بأن الروم ﴿ سيغلبون في بضع سنين ﴾ أي من الثلاثة إلى التسعة على مشهور قول اللغويين. كأنه تبضيع العشرة أي تقطيعها وقال أبو عبيدة :من الثلاث إلى الخمس، وقوله مردود، فلما بشرهم بذلك خرج أبو بكر الصديق إلى المسجد فقال لهم :أسركم إن غلبت الروم فإن نبينا أخبرنا عن الله تعالى أنهم ﴿ سيغلبون في بضع سنين ﴾ فقال له أبي بن خلف وأمية أخوه وقيل أبو سفيان بن حرب تعال يا أبا فصيل يعرضون بكنيته بالبكر٦ فلنتناخب، أي نتراهن، في ذلك فراهنهم أبو بكر قال قتادة :وذلك قبل أن يحرم القمار وجعل الرهن خمس قلائص، والأجل ثلاث سنين، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فقال له «إن البضع إلى التسعة ولكن زدهم في الرهن واستزدهم في الأجل »
، ففعل أبو بكر فجعلوا القلائص مائة والأجل تسعة أعوام، فغلبت الروم في أثناء الأجل، فروي عن أبي سعيد الخدري أن إيقاع الروم بالفرس كان يوم بدر، وروي أن ذلك كان يوم الحديبية وأن الخبر بذلك وصل يوم بيعة الرضوان، روي نحوه عن قتادة، وفي كلا اليومين كان نصر من الله تعالى للمؤمنين، وذكر الناس أن سبب سرور المسلمين بغلبة الروم وهمهم أن تغلب وكون المشركين من قريش على ضد ذلك إنما هو أن الروم أهل كتاب كالمسلمين، والفرس أهل الأوثان أو نحوه من عبادة النار ككفار قريش والعرب.
قال القاضي أبو محمد :ويشبه أن يعلل ذلك بما تقتضيه الفطر من محبة أن يغلب العدو الأصغر لأنه أيسر مؤنة ومتى غلب الأكبر كثر الخوف منه، فتأمل هذا المعنى مع ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ترجاه من ظهور دينه وشرع الله الذي بعثه به وغلبته على الأمم وإرادة كفار مكة أن يرميه الله بملك يستأصله ويريحهم منه٧. و ﴿ سنين ﴾، يجمع كجمع من يعقل عوضاً من النقص الذي في واحده لأن أصل سنة سنهة أو سنوة، وكسرت السين منه دلالة على جمعه خارج عن قياسه ونمطه.


ثم أخبر تعالى بانفراده بالقدرة وأن ما في العالم من غلبة وغيرها إنما هي منه وبإرادته وقدره، فقال ﴿ لله الأمر ﴾ أي إنفاذ الأحكام ﴿ من قبل ومن بعد ﴾ أي من بعد هذه الغلبة التي بين هؤلاء القوم، و ﴿ قبل ﴾ و ﴿ بعد ﴾ ظرفان بنيا على الضم لأنهما تعرفا بحذف ما أضيفا إليه وصارا متضمنين ما حذف فخالفا معرب الأسماء وأشبها الحروف في التضمين فبينا وخصا بالضم لشبههما بالمنادى المفرد في أنه إذا نكر أو أَضيف زال بناؤه، وكذلك هما فضما كما المنادى مبني على الضم، وقيل في ذلك أيضاً أن الفتح تعذر فيهما لأنه حالهما في إظهار ما أضيفا إليه، وتعذر الكسر لأنه حالهما عند إضافتهما إلى المتكلم، وتعذر السكون لأن ما قبل أحدهما ساكن، فلم يبق إلا الضم فبنيا عليه، ومن العرب من يقول «من قبلٍ ومن بعدٍ » بالخفض والتنوين.
قال الفراء :ويجوز ترك التنوين فيبقى كما هو في الإضافة وإن حذف المضاف٨، وقوله تعالى : ﴿ ويومئذ ﴾ يحتمل أن يكون عطفاً على القبل والبعد، كأنه حصر الأزمنة الثلاثة الماضي والمستقبل والحال، ثم ابتدأ الإخبار بفرح المؤمنين بالنصر٩، ويحتمل أن يكون الكلام تم في قوله ﴿ بعد ﴾، ثم استأنف عطف جملة أخبر فيها أن يوم غلبت الروم الفرس ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾، وعلى هذا الاحتمال مشى المفسرون، والنصر الذي ﴿ يفرح ﴾ به ﴿ المؤمنون ﴾ يحتمل أن يشار فيه إلى نصر الروم على فارس وهي نصرة الإسلام بحكم السببين اللذين قد ذكرتهما، ويحتمل أن يشار فيه إلى نصر يخص المؤمنين على عدوهم وهذا أيضاً غيب أخبر به وأخرجه الوجود إما يوم بدر وإما يوم بيعة الرضوان، ويحتمل أن يشار به إلى فرح المسلمين بنصر الله إياهم في أن صدق ما قال نبيهم من أن الروم ستغلب فارس فإن هذا ضرب من النصر عظيم.
وقوله تعالى : ﴿ وعدَ الله ﴾ نصب على المصدر المؤكد، وقوله ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ يريد الكفار من قريش والعرب، أي لا يعلمون أن الأمور من عند الله وأن وعده لا يخلف وأن ما يورده نبيه حق.
قال القاضي أبو محمد :هذا الذي ذكرناه هو عمدة ما قيل :وقد حكى الطبري وغيره روايات يردها النظر أو قول الجمهور، من ذلك أن بعضهم قال إنما نزلت ﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ﴾ بعد غلبة الروم لفارس ووصول الخبر بذلك، وهذا يقتضي أن الآية مدنية والسورة مكية بإجماع ونحو هذا من الأقوال.
وصف تعالى الكفرة الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده بأنهم إنما ﴿ يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾، واخلتف الناس في معنى ﴿ ظاهراً ﴾ فقالت فرقة معناه بيناً أي ما أدته إليهم حواسهم فكأن علومهم إنما هي علوم البهائم١، وقال ابن عباس والحسن والجمهور :معناه ما فيه الظهور والعلو في الدنيا من إتقان الصناعات والمباني ومظان كسب الأموال والفلاحات ونحو هذا، وقالت فرقة :معناه ذاهباً زائلاً أي يعلمون أمور الدنيا التي لا بقاء لها ولا عاقبة ومثل هذه اللفظة قول الهذلي :
وعيرها الواشون أني أحبها. . . وتلك شكاة ظاهر عنك عارها٢
وقال سعيد بن جبير :إن قوله ﴿ ظاهراً من الحياة الدنيا ﴾ إشارة إلى ما يعلم من قبل الكهنة مما يسترقه الشياطين، وقال الروماني :كل ما يعلم بأوائل العقول فهو الظاهر وما يعلم بدليل العقل فهو باطن.
قال القاضي أبو محمد :وفيه تقع الغفلة وتقصير الجهال، ثم وصفهم ب «الغفلة » والإعراض عن أمر الآخرة وكرر الضمير تأكيداً، وغفلة الكافر هي على الكمال والمؤمن المنهمك في أمور الدنيا التي هي أكبر همه يأخذ من هذه الآية بحظ، نوّر الله قلوبنا بهداه، ثم وقفهم على جهة التوبيخ على أنهم قد فكروا فلم تنفعهم الفكرة والنظر إذ لم يكن على سداد، وقوله تعالى : ﴿ في أنفسهم ﴾ يحتمل معنيين :أحدهما أن تكون الفكرة في ذواتهم وحواسهم وخلقتهم ليستدلوا بذلك على الخالق المخترع.
١ يعني أنها العلوم التي لا تهتم إلا بما تهتم به البهائم من الأكل والشرب والتناسل..
٢ قال أبو ذؤيب الهذلي هذا البيت من قصيدة رثى بها نشيبة بن محرث أحد بني حطيط، ومطلعها:
هل الدهر إلا ليلة أو نهارها وإلا طلوع الشمس ثم غيارها
والواشون: جمع واش، وهو الذي ينم بالإنسان ويسعى، وأصله من الوشي وهو التنميق والتحسين والكذب في الكلام ونشره بين الناس. وقوله: "وتلك وشاة" أي: ذلك التعبير، "ظاهر عنك عارها": أي: زائل عنك وذاهب لا يعلق بك، وهو الشاهد هنا، أي: أن تعييرهم لك لا يلزق بك، بل يبتعد عنك وينبو..

ثم أخبر عقب هذا المعنى بأن الحق هو السبب في خلق السماوات والأرض. فيفهم على طريقة الإيجاز والاختصار أن من فكر في نفسه علم حقيقة هذا الخبر ووقف عليه ببصيرة نفسه، والمعنى الثاني أن تكون النفس ظرفاً للفكرة في خلق السماوات والأرض فيكون قوله ﴿ في أنفسهم ﴾ تأكيداً لقوله ﴿ يتفكروا ﴾ كما تقول انظر بعينك واسمع بأذنك، فقولك بأذنك تأكيد، وقوله ﴿ إلا بالحق ﴾ أي بسبب المنافع التي هي حق واجب يريد من الدلالة عليه والعبادة له دون فتور، والانتصاب للعبرة ومنافع الأرزاق وغير ذلك١، ﴿ وأجل ﴾ عطف على «الحق » أي وبأجلٍ مسمى وهو يوم القيامة، ففي الآية إشارة إلى البعث والنشور وفساد بنية من في هذا العالم، ثم أخبر عن كثير من الناس أنهم كفرة بذلك المعنى فعبر عنه ﴿ بلقاء ﴾ الله لأن لقاء الله هو عظم الأمر وفيه النجاة أو الهلكة.
١ قال الإمام أبو عبد الله الرازي: " قدم هنا دلائل الأنفس على دلائل الآفاق، وفي قوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾ قدم دلائل الآفاق على دلائل الأنفس. وحكمة ذلك أن المفيد يذكر الفائدة على وجه يختارها، فإن فهمت وإلا انتقل إلى الأبين، والمستفيد يفهم أولا الأبين ثم يرتقي إلى الأخفى، وفي قوله: ﴿أو لم يتفكروا﴾ الفعل مسند إلى السامع أي المستفيد، فبدأ تعالى بما يفهم أولا، ثم ارتقى إلى الأخفى الذي يفهم ثانيا، وفي قوله: ﴿سنريهم آياتنا﴾ الفعل مسند إلى المفيد، فذكر أولا الآفاق، فإن لم يفهموا فالأنفس، إذ لا ذهول للإنسان عن دلائلها في ذاته، بخلاف دلائل الآفاق لأنه قد يذهل عنها، وهذا مراعى في الذين يذكرون الله قياما وقعودا، إذ بدأ تعالى بأحوال الأنفس ثم بدلائل الآفاق". ١ هـ بتصرف..
هذا أيضاً توقيف وتوبيخ على أنهم ساروا ونظروا، أي إن ذلك لم ينفعهم حين لم يعملوا بحسب العبرة وخوف العاقبة.
قال القاضي أبو محمد :ولا يتوجه للكفرة أن يعارض منهم من لم يسر فيقول لم أسر لأن كافة من سار من الناس قد نقلت إلى من لم يسر فاستوت المعرفة وحصل اليقين للكل، وقامت الحجة، وهذا بين، وقوله تعالى : ﴿ وأثاروا الأرض ﴾ يري بالمباني والحرث الحروب، وسائر الحوادث التي أحدثوها هي كلها إثارة للأرض بعضها حقيقة بعضها تجوز لأن إثارة أهل الأرض والحيوان المتاع، إثارة للأرض، وقرأ أبو جعفر «وآثاروا » بمد الهمزة قال ابن مجاهد :ليس هذا بشيء، قال أبو الفتح :وجهها أنه أشبع فتحة الهمزة فنشأت ألف ونحوه قول ابن هرمة : [ الوافر ]
فأنت من الغوائل حين ترمى. . . ومن ذم الرجال بمنتزاح١
قال وهذا من ضرورة الشعر لا يجيء في القرآن وقرأ أبو حيوة «وآثروا الأرض » بالمد بغير ألف بعد الثاء من الأثرة، والضمير في ﴿ عمروها ﴾ الأول للماضين والثاني للحاضرين والمعاصرين، وباقي الآية بين يتضمن الوعد والتخويف من عدل الله تعالى.
١ البيت في (اللسان- نزح) وقد قاله ابن هرمة في رثاء ابنه، والغوائل: جمع غائلة، وهي الفساد والشر والداهية، يعزي نفسه فيقول مخاطبا ابنه: إنك أصبحت بعيدا عن المصائب والشر الذي يغتال الناس، كذلك أصبحت بعيدا عن ذم الناس له، لقد نجوت من مصائب الدنيا وما فيها من شرور. والشاهد أنه مد الفتحة في الزاي من كلمة (منتزح) فصارت ألفا، فقد تولدت الألف عن إشباع الفتحة، ومثل هذا ما حدث في [آثاروا] من إشباع للفتحة نتجت عنها الألف في قراءة أبي جعفر. وهذه القراءة رواها الواقدي، محمد ابن عمر بن واقد، عن سليمان، عن أبي جعفر، ومن كلام أبي الفتح عليها قوله: "ظاهره لعمري منكر، إلا أن له وجها ما، وليس لحنا مقطوعا به، وذلك أنه أراد: وأثاروا الأرض، أي: شققوها للغرس والزراعة، وهو أفعلوا، من قوله سبحانه: ﴿لا ذلول تثير الأرض﴾ إلا أنه أشبع فتحة الهمزة فأنشأ عنها ألفا". (راجع المحتسب ٢-١٦٣)..
قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو «عاقبةُ » بالرفع على اسم ﴿ كان ﴾ والخبر يجوز أن يكون ﴿ السوأى ﴾ ويجوز أن يكون ﴿ أن كذبوا ﴾ وتكون ﴿ السوأى ﴾ على هذا مفعولاً ب ﴿ أساءوا ﴾ وإذا كان ﴿ السوأى ﴾ خبراً ف ﴿ أن كذبوا ﴾ مفعول من أجله ولا يصح تعلقه ب ﴿ أساءوا ﴾ لأن في ذلك فصلاً بين الصلة والموصول بخبر ﴿ كان ﴾، وقرأ عاصم وابن عامر وحمزة والكسائي «عاقبةَ » بالنصب على أنها خبر مقدم واسم ﴿ كان ﴾ أحد ما تقدم، و ﴿ السوأى ﴾ مصدر كالرجعى والفتيا والشورى، ويجوز أن تكون صفة لمحذوف تقديره الخلة السوأى أو الخلال السوأى قال أبو حاتم هذه قراءة العامة بالمد على الواو وفتح الهمزة وياء التأنيث فبعض القراء فخم وبعضهم أمال، وقرأ الحسن «السوّى » بشد الواو دون همز، وقرأ الأعمش وابن مسعود «السوء » بالتذكير، وروي عن عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه قال «السوء والسوأى » اقرأ بما شئت، قال ابن عباس ﴿ أساءوا ﴾ هنا بمعنى كفروا و ﴿ السوأى ﴾ هي النار والتكذيب ﴿ بآيات الله ﴾، تعالى غير الاستهزاء بها فلذلك عدد عليهم الفعلين.
ثم أخبر تعالى إخباراً مطلقاً لجميع العالم بالحشر والبعث من القبور، وقرأ طلحة وابن مسعود «يُبدِيء » بضم الياء وكسر الدال، وقرأ جمهور القراء «ترجعون » بالتاء من فوق، وقرأ أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم بالياء.
وقوله ﴿ ويوم ﴾ منصوب ب ﴿ يبلس ﴾، والإبلاس الكون في شر مع اليأس من الخير في ذلك الشر بعينه، فإبلاسهم هو في عذاب الله تعالى، وقرأ عامة القراء بكسر اللام، وقرأ أبو عبد الرحمن١ وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، بفتحها، وأبلس الربع إذا بلي وكأنه يئس من العمارة ومنه قول العجاج :
يا صاح هل تعرف رسماً مكرسا. . . قال نعم أعرفه وأبلسا٢
١ هو أبو عبد الرحمن السلمي..
٢ البيتان من مشطور الرجز للعجاج، وهما في الديوان، ولسان العرب، و(معاني القرآن) للفراء، (ومجاز القرآن) لأبي عبيدة، والقرطبي، والطبري، قال في (اللسان- بلس): "المبلس: اليائس، ولذلك قيل للذي يسكت عند انقطاع حجته ولا يكون عنده جواب: قد أبلس، ثم ذكر البيت الثاني". وقال الفراء: ﴿يبلس المجرمون﴾ ييأسون من كل خيرن وينقطع كلامهم وحججهم. قال الشاعر...". ومكرس: اسم مفعول، وهو الذي قد بعرت فيه الإبل وبولت، فركب بعضه بعضا، ويكون اسم فاعل أيضا (كما قال أبو عبيدة) بنفس المعنى..
وقرأ عامة القراء «ولم يكن لهم » بالياء من تحت، وروي عن نافع «تكن » بالتاء من فوق، و «الشركاء » المشار إليهم هو الأصنام أي الذين كانوا يجعلونهم شركاء لله بزعمهم.
وقوله ﴿ وكانوا ﴾ معناه يكونون عند معاينتهم أمر الله وفساد حال الأصنام فعبر عنه بالماضي لتيقن الأمر وصحة وقوعه.
﴿ يتفرقون ﴾ معناه في المنازل والأحكام والجزاء، قال قتادة :فرقة والله لا اجتماع بعدها.
و ﴿ يحبرون ﴾ معناه ينعمون، قاله مجاهد، والحبرة والحبور السرور والتنعم، وقال يحيى بن أبي كثير١ : ﴿ يحبرون ﴾ معناه يسمعون الأغاني٢، وهذا نوع من الحبرة، وقال ابن عباس ﴿ يحبرون ﴾ يكرمون وفي المثل امتلأت بيوتهم حبرة فهم ينظرون العبرة ومنه بيت أبي ذؤيب : [ الطويل ]
فراق كقيص السن فالصبر انه. . . لكل أناس عبرة وحبور٣
هذا على هذه الرواية، ويروى عثرة وحبور، وهي أكثر وذكر تعالى «الروضة » لأنها من أحسن ما يعلم من بقاع الأرض، وهي حيث اكتمل النبت الأخضر وجن وما كان منها في المرتفع من الأرض كان أحسن، ومنه قول الأعشى : [ البسيط ]
وما روضة من رياض الحزن معشبة. . . خضراء جاد عليها مسل هطل٤
ومنه قول كثير : [ الطويل ]
فما روضة طيبة الثرى. . . تمج النداء جثجاثها وعرارها٥
قال الأصمعي :ولا يقال «روضة » حتى يكون فيها ماء يشرب منه.
١ هو يحيى بن أبي كثير الطائي، مولاهم، أبو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، مات سنة اثنين وثلاثين، وقيل قبل ذلك. (تقريب التهذيب)..
٢ قال الأوزاعي: "إذا أخذ أهل الجنة في السماع (يعني الغناء) لم تبق شجرة في الجنة إلا رددت الغناء بالتسبيح والتقديس"، وقال: "ليس أحد من خلق الله أحسن صوتا من إسرافيل، فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سموات صلاتهم وتسبيحهم"..
٣ البيت من قصيدة لأبي ذؤيب مطلعها:
أمن آل ليلى بالضجوع وأهلنا بنعف اللوى أو بالصفية عير
و "قيص السن" :انشقاقها بالطول، ويقال: "انقاضت البئر" إذا تشقق طيها وتهدم، وقوله: "فالصبر" بالنصب، أي: اصبر صبرا، وعن الأصمعي:"فالصبر" بالرفع، والمعنى: هذا فراق أبدي كانشقاق السن فاصبر عليه، وقال الأخفش: إذا انشقت السن عرضا قيل: انقمصت، ورواها أبو عمرو: "كنغض السن" وهو تحركها، وقال: "قاصت السن تقيص" إذا تحركت، وأما قوله: "عزة وحبور" فرواية نادرة، والرواية المشهورة وبها الديوان: "عثرة وجبور" أي: يعثرون ثم يجبرون، وعلى هذه الرواية المشهورة لا شاهد في البيت، ولهذا لم يذكره الطبري ولا القرطبي ولا البحر المحيط..

٤ هذا البيت من قصيدته المشهورة التي بدأها بقوله:
ودع هريرة إن الركب مرتحل وهل تطيق وداعا أيها الرجل؟
وهو واحد من ثلاثة أبيات استشهد بها المفسرون كالقرطبي والطبري وغيرهما، وهي قوله:
ما روضة من رياض الحزن معشبة خضراء جاد عليها مسبل هطل
يضاحك الشمس منها كوكب شرق مؤزر بعميم النبت مكتهل
يوما بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل
وقد أورد أبو عبيدة في مجاز القرآن البيتين الأول والثالث، ورواية الطبري: (من رياض الحسن)، ورياض الحزن أطيب من رياض الأرض المنخفضة، لأن رياض الحزن أكثر تعرضا للرياح التي تنشر منها الرائحة، وأبعد من أن تطأها الأقدام، والمسبل: المطر، الهطل: الغزير، والكوكب: قيل هو النور، وقيل: النبات المستطيل. ومعنى الشرق- على هذا-: الريان. والمؤزر: الذي حوله نبات آخر صار له كالإزار، والمكتهل: الذي قد بلغ وتم، والنشر: تضوع الرائحة، والأصل: جمع أصيل، وهو قبيل الغروب حين تصفر الشمس ويطيب الهواء، يقول: إن رائحة حبيبته أطيب من رائحة الأزهار في هذه الروضة التي بلغت حد الكمال في الحسن والإزهار..

٥ هذا واحد من بيتين قالهما كثير في محبوبته عزة، وقد ذكرهما في اللسان، (جثث) وهو يتحدث عن رائحة فمها التي تفوق رائحة الأزهار في أحسن الرياض، والبيتان هما:
فما روضة بالحزن طيبة الثرى يمج الندى جثجاثها وعرارها
بأطيب من فيها إذا جئت طارقا وقد أوقدت بالمجمر اللدن نارها
والثرى: التراب الندي، والجثجاث: نبات سهلي ربيعي يجف في الصيف، وهو أخضر،له زهرة صفراء كأنها زهرة عرفجة طيبة الريح تأكله الإبل إذا لم تجد غيره، واحدته جثجاثة. والعرار: بهار البر، واحدته عرارة، وهو نبت طيب الريح، قيل: هو النرجس البري، وفيه قال الصمة بن عبد الله القشيري بيته المشهور:
تمتع من شميم عرار نجد فما بعد العشية من عرار..

و ﴿ محضرون ﴾ معناه مجموعون له لا يغيب أحد عنه.
وقوله تعالى : ﴿ فسبحان الله ﴾ خطاب للمؤمنين بالأمر بالعبادة والحض على الصلاة في هذه الأوقات، كأنه يقول إذ هذه الفرق هكذا من النعمة والعذاب فجدوا أيها المؤمنون في طريق الفوز برحمة الله، وقال ابن عباس وقتادة وبعض الفقهاء :في هذه الآية على أربع صلوات :المغرب والصبح والعصر والظهر، قالوا والعشاء هي الآخرة في آية أخرى في ﴿ زلفاً من الليل ﴾١ [ هود :١١٤ ] وفي ذكر أوقات العورة٢، وقال ابن عباس أيضاً وفرقة من الفقهاء :في هذه الآية تنبيه على الصلوات الخمس لأن قوله تعالى ﴿ حين تمسون ﴾ يتضمن الصلاتين.
١ من الآية ١١٤ من سورة هود..
٢ وهي التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات...﴾ الآية وهي رقم ٥٨ من سورة النور..
وقوله ﴿ وله الحمد في السماوات والأرض ﴾ اعتراض بين الكلامين من نوع تعظيم الله تعالى والحض على عبادته، وقرأ عكرمة «حيناً تمسون وحيناً تصبحون » والمعنى حين تمسون فيه [ وحينا تصبحون فيه ]١.
١ ما بين العلامتين [... ] زيادة يقتضيها المقام، وقد سقطت من الأصل، قال العلماء: وقد حذفت (فيه) تخفيفا، والقول في ذلك كالقول في ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾..
﴿ الحي ﴾ و ﴿ الميت ﴾ في هذه الآية يستعمل حقيقة ويستعمل مجازاً، فالحقيقة المني يخرج منه الإنسان والبيضة يخرج منها الطائر وهذه بعينها ميتة تخرج من حي وما جرى هذا المجرى، وبهذا المعنى فسر ابن عباس وابن مسعود وقال الحسن :المعنى المؤمن من الكافر والكافر من المؤمن.
قال الفقيه الإمام القاضي :وروي هذ المعنى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية عندما كلمته بالإسلام أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، والمجاز١ إخراج النبات الأخضر من الأرض وإخراج الطعم من النبات وما جرى هذا المجرى، ومثل بعد إحياء الأرض بالمطر بعد موتها بالدثور والعطش، ثم بعد هذا الأمثلة القاضية بتجويز بعث الأجساد عقلاً ساق الخبر بأن كذلك خروجنا من القبور. وقرأت فرقة فرقة «يخرجون » بالياء من تحت، وقرأ عامة القراء «تُخرجون » بالتاء المضمومة، وقرأ الحسن وابن وثاب والأعمش وطلحة بفتح التاء وضم الراء.
١ هذا هو المقابل لقول ابن عطية :"فالحقيقة :المني يخرج من الإنسان"..
و ﴿ من ﴾ في قوله ﴿ ومن آياته أن خلقكم ﴾ للتبعيض، وقال ﴿ خلقكم ﴾ من حيث خلق أباهم آدم قاله قتادة، و ﴿ تنتشرون ﴾ معناه تتصرفون وتتفرقون في الأغراض والأسفار ونحوها.
وقوله ﴿ من أنفسكم ﴾ يحتمل أن يريد خلقه حواء من ضلع آدم فحمل ذلك على جميع النساء من حيث أمهم مخلوقة من نفس آدم، أي من ذات شخصه، ويحتمل أن يريد من نوعكم ومن جنسكم، و «المودة والرحمة » على بابها المشهور من التواد والتراحم، هذا هو البليغ، وقال مجاهد والحسن وعكرمة :عنى ب «المودة » الجماع وب «الرحمة » الولد.
ثم نبه تعالى على خلق السماوات والأرض واختلاف اللغات والألوان وهذه عظم مواقع العبرة من هذه الآيات، وقوله ﴿ وألوانكم ﴾ يحتمل أن يريد البياض والسواد وغيرهما، ويحتمل أن يريد ضروب بني آدم وأنواعهم نعم وأشخاص الأخوة ونحوهم تختلف بالألوان ونعم الألسنة وبذلك تصح الشهادات والمداينات وتقع الفروق والتعيين فهكذا تبين النعمة، وقرأ جمهور القراء «لَلعالمين » بفتح اللام، وقرأ حفص عن عصام «لِلعالمين » بكسر اللام١ فالأولى على أن هذه الآية هي نفسها منصوبة لجميع العالم والثانية على معنى أن أهل الانتفاع بالنظر فيها إنما هم أهل العلم٢.
١ وهي أيضا قراءة حماد بن شعيب عن أبي بكر، وعلقمة عن عاصم، ويونس عن أبي عمرو..
٢ فهي في هذا كقوله تعالى: ﴿وما يعقلها إلا العالمون﴾..
ذكر تعالى النوم ﴿ بالليل والنهار ﴾ وعرف النوم إنما هو بالليل وحده، ثم ذكر الابتغاء ﴿ من فضله ﴾ كأنه فيهما وإنما معنى ذلك أنه عم بالليل والنهار فسمى الزمان وقصد من ذلك تعديد آية النوم وتعديد آية ابتغاء الفضل فإنهما آيتان تكونان في ليل ونهار، والعرف يجيز١ كل واحدة من النعمتين أي محلها من الأغلب، وقال بعض المفسرين في الكلام تقديم وتأخير٢.
قال الفقيه الإمام القاضي :وهذا ضعيف وإنما أراد أن يرتب النوم لليل والابتغاء للنهار ولفظ الآية لا يعطي ما أراد.
١ هكذا بالأصل، والمعنى قد يقبلها على قلق في التعبير..
٢ ويكون التقدير: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف حرف الجر في (بالنهار) لاتصاله بالليل وعطفه عليه، والواو تقوم مقام حرف الجر إذا اتصلت بالمعطوف عليه في الاسم الظاهر خاصة. هكذا قدره القرطبي. وقال في البحر المحيط: "وهذا ضعيف، ولفظ الآية لا يعطي ذلك" فاتفق مع ابن عطية في الرأي..
وقوله تعالى : ﴿ يريكم ﴾ فعل مرتفع لما حذفت «أن » التي لو كانت لنصبته فلما حل الفعل محل الاسم أعرب برفع.
ومنه قول طرفة : [ الطويل ]
ألا أيها ذا الزاجري أحضر الوغى. . . وأن أشهد للذات هي أنت مخلدي١
قال الرماني :وتحتمل الآية أن يكون التقدير ﴿ ومن آياته ﴾ آية ﴿ يريكم البرق ﴾ وحذفت الآية لدلالة من عليها ومنه قول الشاعر :
وما الدهر إلا تارتان فمنهما. . . أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح٢
التقدير فمنها تارة أموت.
قال الفقيه الإمام القاضي :وهذا على أن ﴿ من ﴾ للتبعيض كسائر هذه الآيات، ويحتمل في هذه وحدها أن تكون ﴿ من ﴾ لابتداء الغاية فلا يحتاج إلى تقدير «أن » ولا إلى تقدير «آية »، وإنما يكون الفعل مخلصاً للاستقبال وقوله ﴿ خوفاً وطمعاً ﴾، قال قتادة ﴿ خوفاً ﴾ للمسافر ﴿ وطمعاً ﴾ للمقيم.
قال الفقيه الإمام القاضي :ولا وجه لهذا التخصيص ونحوه بل فيه الخوف والطمع لكل بشر، قال الضحاك :الخوف من صواعقه والطمع في مطره، وقوله تعالى : ﴿ أن تقوم السماء والأرض ﴾ معناه تثبت، كقوله تعالى ﴿ وإذا أظلم عليهم قاموا ﴾٣ [ البقرة :٢٠ ] وهذا كثير، وقيل هو فعل مستقبل أحله محل الماضي ليعطي فيه معنى الدوام الذي هو في المستقبل، والدعوة من الأرض هي البعث.
١ البيت من معلقة طرفة، والبيت موضع خلاف بين البصريين والكوفيين في ضبط كلمة (أحضر)، فالبصريون يرفعونها، ويرون أن (أن) أضمرت قبل الفعل فذهب عملها؛ لأنها لا تعمل مضمرة إلا في عشرة مواضع نصوا عليها، أما الكوفيون فيرون أن (أن) تعمل وهي مضمرة كأنها موجودة لقوة الدلالة عليها، ولهذا فالرواية عندهم (أحضر) بالنصب، كأنه قال: أن أحضر. والوغى: أصوات المحاربين في المعركة، ثم توسع فيه فأطلق على الحرب نفسها، يقول طرفة: أيها الذي تلومني على شجاعتي وعلى تمتعي باللذات هل تستطيع أن تخلدني في الدنيا إذا امتنعت عن اللذات وتخلفت عن الحروب؟ والاستفهام يحمل معنى النفي وما يترتب على ذلك من إصرار على مبادئه..
٢ البيت لتميم بن مقبل، وهو في الديوان، والكتاب، ومعاني القرآن، والحيوان، والكامل، وحماسة البحتري، وخزانة الأدب، والهمع، والطبري، والقرطبي، والتارة: المرة، يقول: لا راحة في الدنيا، فوقتها قسمان: موت مكروه عند الناس، وحياة كلها مشقة ومعاناة، والشاهد فيه أن جملة (أموت) صفة لموصوف محذوف، والتقدير: "تارة أموت فيها، وتارة أخرى أبتغي العيش فيها"، وهذا تقدير سيبويه، وقدره الفراء في المعاني فقال: "كأنه أراد: فمنها ساعة أموتها، وساعة أعيشها"، وقد أورد الزجاج البيت عن تفسير قوله تعالى﴿من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه﴾ قال: "أي قوم يحرفون، كهذا البيت، والمعنى: (تارة أموت فيها) فحذف (تارة)، وأقام الجملة التي هي صفة نائبة عنها"..
٣ من الآية ٢٠ من سورة البقرة..
و ﴿ من الأرض ﴾ حال للمخاطبين كأنه قال :خارجين من الأرض، ويجوز أن يكون ﴿ من الأرض ﴾ صفة للدعوة.
قال الفقيه الإمام القاضي :و ﴿ من ﴾، عندي ها هنا لانتهاء الغاية كما تقول دعوتك من الجبل إذا كان المدعو في الجبل١، والوقف في هذه الآية عند نافع ويعقوب الحضرمي على ﴿ دعوة ﴾، والمعنى بعد إذا أنتم تخرجون من الأرض، وهذا على أن ﴿ من ﴾ لابتداء الغاية، والوقف عند أبي حاتم على قوله ﴿ من الأرض ﴾٢، وهذا على أن ﴿ من ﴾ لانتهاء الغاية، قال مكي :والأحسن عند أهل النظر أو الوقف في آخر الآية لأن مذهب الخليل وسيبويه في ﴿ إذا ﴾ الثانية أنها جواب الأولى كأنه قال :ثم إذا دعاكم خرجتم وهذا أسدّ الأقوال.
وقرأ حمزة والكسائي «تَخرجون » بفتح التاء، وقرأ الباقون «تُخرجون » بضم التاء٣.
١ اعترض أبو حيان في البحر على ذلك وقال: "وكون (من) لانتهاء الغاية قول مردود عند أصحابنا"..
٢ أيضا قال أبو حيان تعليقا على ذلك: " وهذا لا يجوز لأن فيه الفصل بين الشرط وجوابه، والوقف على [دعوة] فيه إعمال ما بعد (إذا) الفجائية فيما قبلها، وهذا لا يجوز"..
٣ من الثابت في المصحف أن قراءة حفص عن عاصم جاءت بفتح التاء وضم الراء مثل حمزة والكسائي..
اللام في ﴿ له ﴾ الأولى لام الملك، وفي الثانية لام تعدية ل «قنت » إذ «قنت » بمعنى خضع في طاعته وانقياده، وهذه الآية ظاهر لفظها العموم في الُقَّنت والعموم في كل من يعقل، وتعميم ذلك في المعنى لا يصح لأنه خبر، ونحن نجد كثيراً من الجن والإنس لا يقنت في كثير من المعتقد والأعمال، فلا بد أن عموم ظاهر هذه الآية معناه الخصوص، واختلف المتألون في هذا الخصوص أي هو، فقال ابن عباس وقتادة :هو في القنت والطاعة وذلك أن جميع من يعقل هو قانت لله في معظم الأمور من الحياة والموت والرزق والقدرة ونحو ذلك، وبعضهم يبخل بالعبادة وبالمعتقدات فلا يقنت فيها فكأنه قال كل له قانتون في معظم الأمور وفي غالب الشأن، وقال ابن زيد ما معناه :إن الخصوص هو في الأعيان المذكورين كأنه قال ﴿ وله من في السماوات والأرض ﴾ من ملك ومؤمن١.
١ أوضح الآراء وأقربها إلى الصحة هنا أن من في السموات والأرض مخلوقون كإرادة الله تعالى، لا يقدر أحد على تغيير الخلقة، فآثار الصنعة والخلقة تدل على الطاعة، فهي طاعة إرادة ومشيئة، وليست طاعة عبادة، لأن في طاعة العبادة مطيعا وغير مطيع..
وقوله ﴿ يبدأ الخلق ﴾ معناه ينشئه ويخرجه من العدم، وجاء الفعل بصيغة الحال لما كان في هذا المعنى ما قد مضى كآدم وسائر القرون وفيه ما يأتي في المستقبل، فكانت صيغة الحال تعطي هذا كله، و ﴿ يعيده ﴾ معناه يبعثه من القبور وينشئه تارة أخرى، واختلف المتأولون في قوله ﴿ وهو أهون عليه ﴾، فقال ابن عباس والربيع بن خيثم :المعنى وهو هين ونظيره قول الشاعر :( لعمرك ما أدري وأني لأوجل )١ بمعنى لوجل، وقول الآخر ( بيت دعائمه أعز وأطول )٢، وقولهم في الأذان الله أكبر٣ وقال الآخر وهو الشافعي :
فتلك سبيل لست فيها بأوحد٤. . . واستشهد بهذا البيت أبو عبيدة وهذا شاهده كثير، وفي مصحف ابن مسعود «وهو هين عليه »، وفي بعض المصاحف و «كل هين عليه »، وقال ابن عباس أيضاً ومجاهد وعكرمة :المعنى وهو أيسر عليه، وإن كان الكل من اليسر عليه في حيز واحد وحال متماثلة، ولكن هذا التفضيل بحسب معتقد البشر وما يعطيهم النظر في الشاهد من أن الإعادة في كثير من الأشياء أهون علينا من البداءة للتمرن والاستغناء عن الروية التي كانت في البدأة، وهذان القولان الضمير فيهما عائد على الله تعالى، وقالت فرقة أخرى :الضمير في ﴿ عليه ﴾ عائد على الخلق.
قال الفقيه الإمام القاضي :فهذا بمعنى المخلوق فقط، وعلى التأويلين يصح أن يكون المخلوق أو يكون مصدراً من خلق، فقال الحسن بن أبي الحسن إن الإعادة أهون على المخلوق من إنشائه لأنه في إنشائه يصير من حالة إلى حالة، من نطفة إلى علقة إلى مضغة ونحو هذا، وفي الإعادة إنما يقوم في حين واحد، فكأنه قال وهو أيسر عليه، أي أقصر مدة وأقل انتقالاً، وقال بعضها :المعنى «وهو أهون » على المخلوق أن يعيد شيئاً بعد إنشائه، أي فهذا عرف المخلوقين فكيف تنكرون أنتم الإعادة في جانب الخالق.
قال الفقيه الإمام القاضي :والأظهر عندي عود الضمير على الله تعالى ويؤيده قوله تعالى ﴿ وله المثل الأعلى ﴾ لما جاء بلفظ فيه استعارة واستشهاد بالمخلوق على الخالق وتشبيه بما يعهده الناس من أنفسهم خلص جانب العظمة بأن جعل له المثل الأعلى الذي لا يتصل به تكييف ولا تماثل مع شيء و «العزة والحكمة »، صفتان موافقتان لمعنى الآية، فبهما يعيد وينفذ أمره في عباده كيف شاء.
١ البيت لمعن بن أوس المزني، وهو في خزانة الأدب، والمقتضب، والكامل، والمنصف، والأشموني، وابن يعيش، والعيني، وشذور الذهب، وشرح الحماسة للمرزوقي، والتبريزي، فضلا عن الديوان، وهو بتمامه:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول
وهو من قصيدة قالها معن يستعطف بها صديقا له هو شقيق زوجة معن، وكان معن قد طلق أخت صديقه وتزوج غيرها، فحلف صديقه ألا يكلمه أبدا، فقال معن قصيدته لاسترضاء صديقه، والشاهد هنا أن (أوجل) بمعنى (وجل)، والنحويون يستشهدون بهذا البيت على أن (أول) بني على الضم لحذف المضاف إليه ونية معناه، والأصل: أول أوقات عدوها..

٢ هذا عجز بيت قاله الفرزدق من قصيدة يفتخر بها بقومه على جرير فيما كان بينهما من نقائض، وهو بتمامه:إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
وقد استشهد به أبو عبيدة في (مجاز القرآن) وكذلك الطبري، والقرطبي. وسمك السماء: رفعها عالية، والشاهد هنا أن (أعز وأطول) جاءا بمعنى: عزيزة طويلة، فليس هنا تفضيل، وإنما هو مجرد وصف. والبيت في خزانة الأدب، وابن يعيش، والأشموني، والعيني، وهو أيضا في الديوان. وقد عارضه جرير بقصيدة مثلها عدتها اثنان وستون بيتا منها:
أخزى الذي سمك السماء مجاشعا وبنى بناءك في الحضيض الأسفل.

٣ لأن معناها: الله كبير. قال المبرد في الكامل: "لأنه إنما يفاضل بين شيئين إذا كانا من جنس واحد"، وليس هناك من يشارك الله تعالى في هذه الصفة حتى يكون هناك تفضيل..
٤ هذا عجز بيت، وهو واحد من ثلاثة أبيات في أمالي القالي (الذيل)، وفي شرح المرزوقي للحماسة، وهي منسوبة في كتاب الاختيارين للأخفش، إلى مالك بن القين الخزرجي، وقال ذلك الأستاذ عبد العزيز الميمني في شرح ذيل الأمالي، وقال محقق خزانة الأدب: وهي في النسخة المطبوعة من كتاب الاختيارين بتحقيق فخر الدين قباوة، وقد كتب بها يزيد ابن عبد الملك إلى أخيه هشام حين بلغه أنه يتمنى موته، كما كتب بها الوليد إلى أخيه سليمان كما جاء في مروج الذهب، والأبيات الثلاثة هي:
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
فما عيش من يرجو رداي بضائري وما عيش من يرجو رداي بمخلد
فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى تجهز لأخرى مثلها فكأن قد
ومعنى (خلاف الذي قد مضى): أن يخلفه على ميراثه أو ملكه، قال القالي في ذيل الأمالي:
فرد هشام على يزيد ببيتين هما:
ومن لا يغمض عينه عن صديقه وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب
ومن يتتبع جاهدا كل عثرة يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب
ورد يزيد بقصيدة معن بن أوس التي يقول فيها:
لعمرك ما أدري وإني لأوجل على أينا تعدو المنية أول
والشاهد هنا أن قوله: بأوحد معناه: بواحد، لكن البغدادي قال في خزانة الأدب نقلا عن أبي حيان: لا يخلو أفعل من التفضيل.

ثم بين تعالى أمر الأصنام وفساد معتقد من يشركها بالله بضربه هذا المثل، ومعناه أنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد تملكونهم فإنكم لا تشركونهم في أموالكم ومهمّ أموركم، ولا في شيء على جهة استواء المنزلة، وليس من شأنكم أن تخافوهم في أن يرثوا أموالكم أو يقاسموكم إياها في حياتكم كما يفعل بعضكم ببعض فإذا كان هذا فيكم فكيف تقولون إن من عبيده وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته، وتثبتون في جانبه ما لا يليق بكم عندكم بجوانبكم، هذا تفسير ابن عباس والجماعة.
وجاء هذا المعنى في معرض السؤال والتقرير، وقرأ الناس «كخيفتكم أنفسَكم » بنصب السين، وقرأ ابن أبي عبلة «أنفسُكم » بضمها، وقرأ الجمهور «نفصل » بالنون حملاً على ﴿ رزقناكم ﴾، وقرأ عباس عن أبي عمرو «يفصل » بالياء حملاً على ﴿ ضرب لكم مثلاً ﴾.
الإضراب ب ﴿ بل ﴾ هو عما تضمنه معنى الآية المتقدمة، كأنه يقول :ليس لهم حجة ولا معذرة فيما فعلوا من تشريكهم مع الله تعالى، بل اتبعوا أهواءهم جهالة وشهوة وقصداً لأمر دنياهم، ثم قرر على جهة التوبيخ لهم على من يهدي إذا أضل الله، أي لا هادي لأهل هذه الحال، ثم أخبر أنه لا ناصر لهم.
ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بإقامة وجهه للدين المستقيم وهو دين الإسلام، وإقامة الوجه هي تقويم المقصد والقوة على الجد في أعمال الدين، وذكر الوجه لأنه جامع حواس الإنسان وأشرفه١، و ﴿ حنيفاً ﴾، معناه معتدلاً مائلاً عن جميع الأديان المحرفة المنسوخة، وقوله ﴿ فطرةَ الله ﴾ نصب على المصدر، كقوله ﴿ صبغة الله ﴾٢ [ البقرة :١٣٨ ] وقيل هو نصب بفعل مضمر تقديره اتبع والتزم ﴿ فطرة الله ﴾، واختلف الناس في «الفطرة » ها هنا، فذكر مكي وغيره في ذلك جميع ما يمكن أن تصرف هذه اللفظة عليه وفي بعض ذلك قلق، والذي يعتمد عليه في تفسير هذه اللفظة أنها الخلقة والهيئة في نفس الطفل التي هي معدة مهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى ويستدل بها على ربه ويعرف شرائعه ويؤمن به، فكأنه قال ﴿ فأقم وجهك للدين ﴾ الذي هو الحنيف وهو ﴿ فطرة الله ﴾ الذي على الإعداد له فطر البشر لكن تعرضهم العوارض، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم : «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه » الحديث٣، فذكر الأبوين :إنما هو مثال للعوارض التي هي كثيرة وقوله تعالى : ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ يحتمل تأويلين :أحدهما أن يريد بها هذه الفطرة المذكورة أي اعلم أن هذه الفطرة لا تبديل لها من جهة الخلق، ولا يجيء الأمر على خلاف هذا بوجه، والآخران أن يكون قوله ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ إنحاء على الكفرة اعترض به أثناء الكلام كأنه يقول أقم وجهك للدين الذي من صفته كذا وكذا فإن هؤلاء الكفار قد خلق الله لهم الكفر ولا تبديل لخلق الله أي إنهم لا يفلحون، وقال مجاهد :المعنى لا تبديل لدين الله، وهو قول ابن جبير والضحاك وابن زيد والنخعي.
قال القاضي أبو محمد :وهذا معناه لا تبديل للمعتقدات التي هي في الدين الحنيف فإن كل شريعة هي عقائدها، وذهب بعض المفسرين في هذه الآية إلى تأويلات منها عكرمة، وقد روي عن ابن عباس ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ معناه النهي عن خصاء الفحول من الحيوان، ومنها قول بعضهم في الفطرة الملة على أنه قد قيل في الفطرة الدين وتأول قوله ﴿ فطر الناس ﴾ على الخصوص أي المؤمنين، وقيل «الفطرة » هو العهد الذي أخذه الله تعالى على ذرية آدم حين أخرجهم نسماً من ظهره، ونحوه حديث معاذ بن جبل حين مر به عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقال يا معاذ ما قوام هذه الأمة ؟ قال :الإخلاص وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، والصلاة وهي الدين والطاعة وهي العصمة فقال عمر :صدقت٤، و ﴿ القيم ﴾ بناء مبالغة من القيام الذي هو بمعنى الاستقامة.
١ بالرفع عطفا على (جامع) والمعنى: ذكر الوجه لأنه جامع، ولأنه أشرف الإنسان..
٢ من الآية ١٣٨ من سورة البقرة..
٣ أخرجه البخاري في الجنائز، وأبو داود في السنة، والترمذي في القدر، والموطأ في الجنائز، وأحمد في ٢-٢٣٣؛ ٢٧٥؛ ٣٩٣، وروي بلفظ: (ما من مولود يولد إلا يولد على هذه الفطرة)، رواه البخاري في تفسير سورة (الروم)، ورواه هو ومسلم في القدر، ورواه أحمد في المسند ٢-٣١٥، ٣٤٦، ولفظه بتمامه في الرواية الأولى (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كمثل البهيمة، تنتج البهيمة هل ترى فيها جدعاء)؟ وذكره السيوطي في الجامع الصغير، وعزاه لأبي يعلى في مسنده، وأورده أيضا في الدر المنثور بالرواية الثانية، وزاد نسبته لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه- عن أبي هريرة، وفي هذه الرواية: (ثم يقول أبو هريرة: واقرءوا إن شئتم: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله﴾..).
٤ أخرج ابن جرير عن معاذ بن جبل رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال له: ما قوام هذه الأمة؟ قال: ثلاث، وهن المنجيات: الإخلاص وهو الفطرة ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾، والصلاة، وهي الملة. والطاعة، وهي العصمة، فقال عمر: صدقت. (تفسير الطبري، والدر المنثور)..
وقوله ﴿ منيبين ﴾ يحتمل أن يكون حالاً من قوله ﴿ فطر الناس عليها ﴾ لا سيما على رأي من رأى أن ذلك خصوص في المؤمنين، ويحتمل أن يكون حالاً من قوله ﴿ أقم وجهك ﴾ وجمعه لأن الخطاب بإقامة الوجه للنبي صلى الله عليه وسلم ولأمته، نظيرها قوله
﴿ يا أيها النبي إذا طلقتم النساء ﴾١ [ الطلاق :١ ]، والمنيب الراجع المخلص المائل إلى جهة ما بوده ونفسه، و «المشركون » المشار إليهم في هذه الآية هم اليهود والنصارى، قاله قتادة وقال ابن زيد :هم اليهود، وقالت عائشة وأبو هريرة :هي في أهل القبلة٢.
قال الفقيه الإمام القاضي :فلفظة الإشراك على هذا فيها تجوز فإنهم صاروا في دينهم فرقاً.
١ من الآية ١ من سورة الطلاق..
٢ فيكون معنى قوله تعالى: ﴿من المشركين﴾ "من أهل الأهواء والبدع" كذا وضحه القرطبي، ولعل هذه الجملة قد سقطت من النساخ، وهو تأويل أبي أمامة أيضا..
و «الشيع » الفرق واحدها «شيعة »، وقوله ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ معناه أنهم مفتونون بآرائهم معجبون بضلالهم، وذلك أضل لهم، وقرأت فرقة «فارقوا دينهم » بالألف١.
١ هي قراءة علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبها قرأ حمزة والكسائي، والمعنى: فارقوا دينهم الذي يجب اتباعه وهو التوحيد..
هذا ابتداء إنحاء على عبدة الأصنام المشركين بالله عز وجل غيره بين الله تعالى لهم أنهم كسائر البشر في أنهم إذا مسهم ﴿ ضر دعوا الله ﴾ وتركوا الأصنام مطرحة ولهم في ذلك الوقت إنابة وخضوع، ف ﴿ إذا أذاقهم ﴾ رحمته أي باشرهم أمره بها، والذوق مستعار، إذا طائفة تشرك به أصناماً ونحو هذا، و ﴿ إذا ﴾ للمفاجأة فلذلك صلحت في جواب ﴿ إذا ﴾ الأولى بمنزلة الفاء وهذه الطائفة هي عبدة الأصنام.
قال الفقيه الإمام القاضي :ويحلق من هذه الألفاظ شيء للمؤمنين إذا جاءهم فرج بعد شدة فعلقوا ذلك بمخلوقين أو بحذق آرائهم وغير ذلك لأن فيه قلة شكر لله تعالى، ويسمى تشريكاً مجازاً.
وقوله تعالى ﴿ ليكفروا ﴾ اللام لام كي، وقالت فرقة هي لام الأمر على جهة الوعيد والتهديد، وأما قوله تعالى : ﴿ فتمتعوا ﴾ فأمر على جهة الوعيد، والتقدير قل لهم يا محمد ﴿ فتمتعوا ﴾ وقرأ أبو العالية «فيتمتعوا » بياء قبل التاء وذلك عطف على ﴿ ليكفروا ﴾ أي لتطول أعمارهم على الكفر، وفي حرف ابن مسعود «فليتمتعوا »، وروي عن أبي العالية «فيُمتعوا » بضم الياء دون تاء أولى، وفي مصحف ابن مسعود «تمتعوا » هكذا قال هارون، وقرأ عامة الناس «تعلمون » بالتاء على المخاطبة، وقرأ أبو العالية «يعلمون » بالياء على ذكر الغائب.
وقوله ﴿ أم ﴾ بمعنى بل وألف الاستفهام كأن أضرب عن صدر الكلام ورجع إلى هذه الحجة، و «السلطان » هنا البرهان من رسول أو كتاب ونحوه، والسلطان في كلام العرب جمع سليط كرغيف ورغفان وغدير وغدران فهو مأخوذ من التسلط والتغلب، ولزم هذا الاسم في العرف الرئيس لأنه سليط بوجه الحق، ولزمه اسم جمع من حيث أنواع الغلبة والملك عنده، وقال قوم :هو اسم مفرد وزنه فعلان، وقوله تعالى : ﴿ فهو يتكلم ﴾ معناه أن يظهر حجتهم وينطق بشركهم قاله قتادة، فيقوم ذلك مقام الكلام، كما قال تعالى ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ﴾١ [ الجاثية :٢٩ ].
١ من الآية ٢٩ من سورة الجاثية..
لما ذكر تعالى حالة الناس متى تأتيهم شدة وضر ونجوا منه إلى سعة ذكر في هذه الآية الأمر أيضاً من الطرف الآخر بأن تنال الرحمة ثم تعقب الشدة فلهم في الرتبة الأولى تضرع ثم إشراك وقلة شكر، ولهم في هذه فرج وبطر ثم قنط ويأس، وكل أحد يأخذ من هذه الخلق بقسط، والمقل والمكثر إلا من ربطت الشريعة جأشه ونهجت السنة سبيله وتأدب بأدب الله تعالى، فصبر عند الضراء، وشكر عند السراء، ولم يبطر عند النعمة، ولا قنط عند الابتلاء، وقوله تعالى : ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ أي إن الله يمتحن الأمم ويصيب منهم عند فشو المعاصي وظهور المناكر، وكذلك قد يصاب شخص بسوء أعماله يسيء وحده ويصاب وحده، وفي الأغلب يعفو الله عن كثير، و «القنط » اليأس الصريح، وقرأ أبو عمرو وجماعة «يقنِطون » بكسر النون، وقرأ نافع والحسن و جماعة «يقنَطون » بفتحها، وجواب الشرط في قوله ﴿ إن تصبهم ﴾ قوله ﴿ إذا هم يقنطون ﴾ وذلك أنها للمفاجأة لا يبتدأ بها، فهي بمنزلة الفاء لا يبتدأ بها ويجاب بها الشرط، وأما «إذا » التي للشرط أو التي فيها معنى الشرط فهما يبدأ بهما ولا يكون فيهما جواب الشرط.
ثم ذكر تعالى الأمر الذي من اعتبره لم ييأس من روح الله على حال وهو أن الله تعالى يحض من يشاء من عباده ببسط الرزق ويقدر على من شاء منهم فينبغي لكل عبد أن يكون راجياً ما عند ربه.
ثم أمر تعالى نبيه أمراً تدخل الأمة فيه وهذا على جهة الندب إلى إيتاء ذي القربى حقه من صلة المال وحسن المعاشرة ولين القول، قال الحسن : ﴿ حقه ﴾ المواساة في اليسر وقول ميسور في العسر.
قال الفقيه الإمام القاضي :ومعظم ما قصد أمر المعونة بالمال ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم «في المال حق سوى الزكاة١ وذلك للمسكين وابن السبيل حق » وبين أن حق هذين إنما هو في المال وغير ذلك معهما لا غناء له وكذلك يلزم القريب المعدم الذي يقضي حقه أن يقضي أيضاً حق قريبه في جودة العشرة و ﴿ وجه الله ﴾ هنا جهة عبادته ورضاه و ﴿ المفلحون ﴾ الفائزون ببغيتهم البالغون لآمالهم.
١ أخرجه الترمذي والدارمي في الزكاة، قال الدارمي في سننه: "أخبرنا محمد بن الطفيل، ثنا شريك، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس، قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن في أموالكم حقا سوى الزكاة)..
قرأ جمهور القراء «وما آتيتم » بمعنى وما أعطيتم، وقرأ ابن كثير «ما أتيتم » بغير مد بمعنى ما فعلتم كما تقول أتيت صواباً وأتيت خطأ، وأجمعوا على المد في قوله ﴿ وما آتيتم من زكاة ﴾. و «الربا » الزيادة، واختلف المتأولون في معنى هذه الآية فقال ابن عباس وابن جبير وطاوس :هذه آية نزلت في هبات الثواب.
قال الفقيه الإمام القاضي :وما جرى مجراها مما يصنعه الإنسان ليجازى عليه كالسلم وغيره فهو وإن كان لا إثم فيه فلا أجر فيه ولا زيادة عند الله تعالى١، وقال ابن عباس أيضاً وإبراهيم النخعي :نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى نفعهم وتمويلهم والتفضل عليهم وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع، وقال الشعبي :معنى الآية أن ما خدم الإنسان به أحداً وخف به لينتفع في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجزى به الخدمة ﴿ لا يربو عند الله ﴾.
قال الفقيه الإمام القاضي :وهذا كله قريب جزء من التأويل الأول، ويحتمل أن يكون معنى هذه الآية النهي عن الربا في التجارات ما حض عز وجل على نفع ذوي القربى والمساكين وابن السبيل أعلم أن ما فعل المرء من ربا ليزداد به مالاً وفعله ذلك إنما هو في أموال الناس فإن ذلك ﴿ لا يربو عند الله ﴾ ولا يزكو بل يتعلق فيه الإثم ومحق البركة، وما أعطى الإنسان من زكاة تنمية لماله وتطهيراً يريد بذلك وجه الله تعالى فذلك هو الذي يجازى به أضعافاً مضاعفة على ما شاء الله تعالى له، وقال السدي :نزلت هذه الآية في ربا ثقيف لأنهم كانوا يعملون بالربا وتعمله فيهم قريش، وقرأ جمهور القراء السبعة «ليربوا » بالياء وإسناد الفعل إلى الربا، وقرأ نافع وحده «لتُربوا » بضم التاء على وزن تفعلوا بمعنى تكونوا ذوي زيادة، وهذه قراءة ابن عباس وأهل المدينة الحسن وقتادة وأبي رجاء والشعبي، قال أبو حاتم هي قراءتنا، وقرأ أبو أبو مالك «لتربوها » بضمير المؤنث، و «المضعف » الذي هو ذو أضعاف من الثواب كما المؤلف الذي له آلاف، وكما تقول أخصب إذا كان ذا خصب. وهذا كثير، ومنه أربى المتقدم في قراءة من قرأ «لتُربوا » بضم التاء.
١ هكذا في جميع الأصول..
ثم كرر مخاطبة الكفرة في أمر أوثانهم فذكر أفعال الله تعالى التي لا شريك له فيها وهي الخلق والرزق والإماتة والإحياء ولا يمكن أن ينكر ذلك عاقل، ووقف الكفار على جهة التقرير والتوبيخ هل من شركائهم أي الذين جعلوهم شركاء من يفعل شيئاً من ذلك، وهذا الترتيب ب ﴿ ثم ﴾ هو في الآحاد شيئاً بعد شيء، ومن هنا أدخل الفقهاء الولد مع أبيه في تعقب الأحباس إذا كان اللفظ على أعقابهم ثم على أعقاب أعقابهم، ثم نزه تعالى نفسه عن مقالتهم في الإشراك، وقرأ الجمهور «يشركون » بالياء من تحت، وقرأ الأعمش وابن وثاب بالتاء من فوق.
ثم ذكر تعالى على جهة العبرة ما ظهر من الفساد بسبب المعاصي في قوله ﴿ ظهر الفساد في البر والبحر ﴾، واختلف الناس في معنى ﴿ البر والبحر ﴾ في هذه الآية، فقال مجاهد ﴿ البر ﴾ البلاد البعيدة من البحر، و ﴿ البحر ﴾ السواحل والمدن التي على ضفة البحر والأنهار الكبار، وقال قتادة ﴿ البر ﴾ الفيافي ومواضع القبائل وأهل الصحاري، و ﴿ البحر ﴾ المدن جمع بحرة١.
قال الفقيه الإمام القاضي :ومنه قول سعد بن عبادة للنبي صلى الله عليه وسلم في شأن عبد الله بن أبي ابن سلول الحديث ولقد أجمع أهل هذه البحرة على أن يتوجوه " الحديث٢، ومما يؤيد هذا أن عكرمة قرأ «في البر والبحور »٣، ورويت عن ابن عباس، وقال مجاهد أيضاً :ظهور الفساد في البر قتل أحد ابني آدم لأخيه، وفي البحر أخذ السفن غضباً، وقال بعض العباد ﴿ البر ﴾ اللسان و ﴿ البحر ﴾ القلب، وقال الحسن بن أبي الحسن ﴿ البر والبحر ﴾ هما المعروفان المشهوران في اللغة.
قال الفقيه الإمام القاضي :وهذا هو القول الصحيح وظهور الفساد فيهما هو بارتفاع البركات ونزول رزايا وحدوث فتن وتغلب عدو كافر، وهذه الثلاثة توجد في البر والبحر، قال ابن عباس :الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم وقلما توجد أمة فاضلة مطيعة مستقيمة الأعمال إلا يدفع الله عنها هذه، والأمر بالعكس في أهل المعاصي وبطر النعمة، وكذلك كان أمر البلاد في وقت مبعث النبي صلى الله عليه وسلم قد كان الظلم عم الأرض براً وبحراً، وقد جعل الله هذه الأشياء ليجازي بها على المعاصي فيذيق الناس عاقبة إذنابهم لعلهم يتوبون ويراجعون بصائرهم في طاعة الله تعالى، وقوله تعالى : ﴿ بما كسبت ﴾ تقديره جزاء ما كسبت، ويحتمل أن تتعلق الباء ب ﴿ ظهر ﴾ أي كسبهم المعاصي في البر والبحر هو نفس الفساد الظاهر، والترجي في «لعل » هو بحسب معتقداتنا وبحسب نظرنا في الأمور، وقرأ عامة القراء والناس «ليذيقهم » بالياء، وقرأ قنبل عن ابن كثير والأعرج وأبو عبد الرحمن السلمي «لنذيقهم » بالنون٤ ومعناهما بين، وقرأ أيضاً أبو عبد الرحمن «لتذيقهم » بالتاء من فوق.
١ في (اللسان- بحر): "العرب تقول لكل قرية: هذه بحرتنا، والبحرة :الأرض والبلدة، وفي حديث القسامة: قتل رجلا ببحرة الرعاء، والبحرة: البلدة، وفي حديث عبد الله بن أبي: اصطلح أهل هذه البحيرة أن يعصبوه بالعصابة". ويتضح من هذا أن البحرة هي البلدة، وأنها تصغر على بحيرة، ولكن لم نجد أن البحر جمع لها..
٢ أخرجه البخاري في التفسير، والأدب، والاستئذان، ومسلم في الجهاد، وأحمد في المسند ٥-٢٠٣، ولفظه كما في المسند عن عروة بن الزبير أن أسامة بن زيد أخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا عليه إكاف تحته قطيفة فدكية، وأردف وراءه أسامة بن زيد وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحرث بن الخزرج، وذلك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فقال له عبد الله بن أبي: أيها المرء لا أحسن من هذا، إن كان ما تقول حقا فلا تؤذينا في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك منا فاقصص عليه، قال عبد الله ابن رواحة: اغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا، فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم، ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال: أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو حباب؟ يريد عبد الله بن أبي، قال كذا وكذا، قال: اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله الذي أعطاك ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك، فذاك فعل به ما رأيت، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم..
٣ أي بالجمع كما نص على ذلك في البحر المحيط..
٤ وهي أيضا قراءة أبي حيوة، وسلام، وسهل، وروح، وابن حسان. وهي قراءة قنبل من طريق ابن مجاهد، وابن الصباح، وأبو الفضل الواسطي عنه، ومحبوب عن أبي عمرو..
هذا تنبيه لقريش وأمر لهم بالاعتبار فيمن سلف من الأمم وفي سوء عواقبهم بكفرهم وإشراكهم، ثم أمر تعالى نبيه عليه السلام بإقامة وجهه، والمعنى اجعل قصدك ومسعاك للدين أي لطريقه ولأعماله واعتقاداته.
و ﴿ القيم ﴾ أصله قيوم اجتمعت الواو والياء وسبقت الياء وهي ساكنة فأبدلت الواو ياء وأدغمت الأولى في الثانية، ثم حذره تعالى من يوم القيامة تحذيراً يعم العالم وإياهم القصد، و ﴿ لا مرد له ﴾ معناه ليس فيه رجوع لعمل ولا لرغبة ولا عنه مدخل، ويحتمل أن يريد لا يرده راد حتى لا يقع وهذا ظاهر بحسب اللفظ، و ﴿ يصدعون ﴾ معناه يتفرقون بعد جمعهم، وهذا هو التصدع والمعنى يتفرقون إلى الجنة وإلى النار، ثم قسم الفريقين بأحكام تلحقهم من أعمال في الدنيا.
ثم عبر عن «الكفر » ب «عليه » وهي تعطي الثقل والمشقة وعن العمل الصالح باللام التي هي كلام الملك١، و ﴿ يمهدون ﴾ معناه يوطئون ويهيئون وهي استعارة منقولة من الفرش ونحوها إلى الأحوال والمراتب، وقال مجاهد :هذا التمهيد هو للقبر.
١ في بعض النسخ: كلام الملك، أي: مثل لام الملك..
اللام في قوله ﴿ ليجزي ﴾ متعلقة ب ﴿ يصدعون ﴾ [ الروم :٤٣ ]، ويجوز أن تكون متعلقة بمحذوف تقديره ذلك أو فعل ذلك ﴿ ليجزي ﴾ وتكون الإشارة إلى ما تقرر من قوله تعالى ﴿ من كفر ﴾ [ الروم :٤٣ ] ﴿ وعمل صالحاً ﴾ [ الروم :٤٣ ]، وقوله تعالى، ﴿ لا يحب الكافرين ﴾ ليس الحب بمعنى الإرادة ولكنه بمعنى لا يظهر عليهم أمارات رحمته ولا يرضاه لهم ديناً ونحو هذا.
ثم ذكر تعالى من آياته أشياء يقضي كل عقل بأنها لا مشاركة للأوثان فيها وهو ما في الريح من المنافع وذلك أنها بشرى بالمطر، ويذيق الله بها المطر ويلقح بها الشجر وغير ذلك ويجري بها السفن في البحر ويبتغي الناس بها فضل الله في التجارات في البحر وفي ذرو الأطعمة وغير ذلك.
ثم أنس محمداً بأن ضرب له مثل من أرسل من الأنبياء، وتوعد قريشاً بأن ضرب لهم مثل من هلك من الأمم الذين أجرموا وكذبوا الأنبياء، ثم وعد محمداً وأمته النصر إذ أخبر أنه جعله ﴿ حقاً ﴾ عليه تبارك وتعالى، و ﴿ حقاً ﴾ خبر ﴿ كان ﴾ قدمه اهتماماً لأنه موضع فائدة الجملة١، وبعض القراء في هذه الآية وقف على قوله ﴿ حقاً ﴾ وجعله من الكلام المتقدم ثم استأنف جملة من قوله ﴿ علينا نصر المؤمنين ﴾، وهذا قول ضعيف لأنه لم يدر قدماً عرضه في نظم الآية٢.
١ واسم [كان] على هذا هو [نصر]، وترتيب الكلام: وكان نصر المؤمنين حقا علينا..
٢ الذي قرأ بالوقف على [حقا] هو أبو بكر، وتقدير الكلام، وكان عقابنا حقا، وهذا تقدير القرطبي، وقدره الزمخشري: وكان الانتقام منهم حقا..
«الإثارة » تحريكها من سكونها وتسييرها، وبسطه ﴿ في السماء ﴾ هو نشره في الآفاق، و «الكسف » القطع، وقرأ جمهور القراء «كسفاً » بفتح السين، وقرأ ابن عباس «كسفاً » بسكون السين وهي قراءة الحسن وأبي جعفر والأعرج وهما بناءان للجمع كما يقال وسدْر بسكون الدال بفتح الدال وسدَر بفتح الدال، وقال مكي :من أسكن السين فمعناه يجعل السحاب قطعة واحدة، و ﴿ الودق ﴾ الماء يمطر ومنه قول الشاعر : [ المتقارب ]
فلا مزنة ودقت ودقها. . . ولا أرض أبقل إبقالها١
و ﴿ خلاله ﴾ الفطور الذي بين بعضه وبعض لأنه متخلخل الأجزاء، وقرأ الجمهور «من خِلاله » بكسر الخاء وألف بعد اللام جمع خلل كجبل وجبال، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس والضحاك والحسن بخلاف عنه «من خلله » وهم اسم جنس، والضمير في ﴿ خلاله ﴾ يحتمل أن يعود على السحاب ويحتمل أن يعود على الكسف في قراءة من قرأ بسكون السين، وذكر الضمير مراعاة اللفظ لا لمعنى الجمع، كما تقول هذا تمر جيد٢ ومن الشجر الأخضر من ناراً٣، ومن قرأ «كسَفاً » بفتح السين فلا يعيد الضمير إلا على السحاب فقط٤.
١ البيت لعامر بن جوين الطائي، وهو في كتاب سيبويه، والعيني، وابن يعيش، وشواهد المغني، وابن الشجري، وهمع الهوامع، وخزانة الأدب، والشاعر يصف أرضا أخصبت لكثرة الغيث، والمزنة: واحدة المزن، وهو السحاب يحمل الماء، والودق: المطر، وأبقلت: أخرجت البقل، وهو من النبات: ما ليس بشجر، ويستشهد النحويون بالبيت على حذف التاء من الفعل (أبقلت) لضرورة الشعر، ويسوع ذلك أن الأرض بمعنى المكان، أما ابن عطية فقد استشهد بالبيت هنا على أن (ودقت ودقها) بمعنى: أمطرت مطرها، فالودق هو ماء المطر..
٢ لأن علماء اللغة يقولون: كل جمع بينه وبين واحده الهاء لا غير فالتذكير فيه حسن، وهذا ينطبق على "تمر وتمرة وشجر وشجرة"..
٣ يظهر أن في الكلام نقصا سقط من النساخ، وأن أصل التعبير: "هذا تمر جيد، ومنه قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا﴾ فقد عاد الضمير عليه مذكرا في قوله: ﴿فإذا أنتم منه توقدون﴾. " فالضمير في (منه) يعود على [الشجر]..
٤ لأن السحاب اسم جنس يجوز تذكيره وتأنيثه..
وقوله تعالى : ﴿ من قبله ﴾ تأكيد أفاد سرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار وذلك أن قوله ﴿ من قبل أن ينزل عليهم ﴾ يحتمل الفسحة في الزمان أي من قبل بكثير كالأيام ونحوه فجاء قوله ﴿ من قبله ﴾ بمعنى أن ذلك متصل بالمطر فهو تأكيد مفيد١، وقرأ يعقوب وعيسى وأبو عمرو بخلاف عنه «ينزل » مخففة، وقرأت عامة القراء بالتثقيل في الزاي، وقرأ ابن مسعود عليهم «لمبلسين » بسقوط ﴿ من قبله ﴾ والإبلاس الكون في حال سوء مع اليأس من زوالها.
١ وقال قطرب: إن [قبل] الأولى للإنزال والثانية للمطر، أي: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر، وقيل: المعنى: من قبل تنزيل الغيث عليهم من قبل الزرع، ودل على الزرع والمطر إذ بسببه يكون، ودل عليه أيضا: ﴿فرأوه مصفرا﴾ وقيل: المعنى: من قبل السحاب من قبل رؤيته. ولكن أكثر النحويين يرون الرأي الذي ذكره المؤلف..
ثم عجبه يراد بها جميع الناس من أجل رحمة الله وهي المطر، وقرأ أبن كثير ونافع وأبو عمرو «أثر » بالإفراد، وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي «آثار » بالجمع، واختلف عن عاصم، وقرأ سالم «إلى إثْر » بكسر الهمزة وسكون الثاء، وقوله ﴿ كيف يحيي ﴾ يحتمل أن يكون الضمير الذي في الفعل للأثر، ويحتمل أن يكون لله تعالى وهو أظهر، وقرأت فرقة «كيف تحيى » بالتاء المفتوحة «الأرضُ » بالرفع، وقرأ الجحدري وابن السميفع وأبو حيوة «تُحيي » بتاء مضمومة على أن إسناد الفعل إلى ضمير الرحمة «الأرض » نصباً، قال أبو الفتح :قوله «كيف تحيى » جملة منصوبة الموضع على الحال حملاً على المعنى كأنه قال محيية١، وهذه الحياة والموت استعارة في القحط والإعشاب، ثم أخبر تعالى على جهة القياس والتنبيه عليه بالبعث والنشور، وقوله ﴿ على كل شيء ﴾ عموم.
١ قال أبو الفتح ابن جني: "ذهب بالتأنيث في قوله: ﴿كيف تحيي﴾ إلى لفظ الرحمة، وذلك لأن الرحمة قد يقوم مقامها أثرها، كما تقول: رأيت عليك النعمة، ورأيت عليك أثر النعمة". ثم قال: "وجملة ﴿كيف تحيي﴾ في موضع نصب على الحال، حملا على المعنى لا على اللفظ، لأن اللفظ استفهام، والحال ضرب من الخبر، والاستفهام والخبر معنيان متدافعان، وتلخيص كونها حالا أنه كأنه قال: "فانظر إلى أثر رحمة الله محيية الأرض بعد موتها"..
ثم أخبر تعالى عن حال تقلب ابن آدم في أنه بعيد الاستبشار بالمطر أن بعث الله ريحاً فاصفر بها النبات ظلوا يكفرون قلقاً منهم وقلة توكل وتسليم لله تعالى، والضمير في ﴿ رأوه ﴾ للنبات كما قلنا أو للأثر وهو ُحَّوة النبات الذي أحييت به الأرض وقال قوم هو للسحاب، وقال قوم هو للريح، وهذا كله ضعيف، واللام في ﴿ لئن ﴾ مؤذنة بمجيء القسم، وفي ﴿ لظلوا ﴾ لام القسم، وقوله «ظلوا » فعل ماض نزله منزلة المستقبل واستنابه منابه لأن الجزاء هنا لا يكون إلا بفعل مستقبل لكن يستعمل الماضي بدل المستقبل في بعض المواضع توثيقاً لوقوعه.
وقوله تعالى : ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ الآية استعارة للكافر وقد تقدم القول على مثل هذه الآية في سورة النمل١، وكلهم قرأ «ولا تُسمع » بتاء مضمومة ونصب «الصمَّ »، وقرأ ابن كثير وعباس عن أبي عمرو «يَسمع » بياء مفتوحةً الصمُّ رفعاً.
١ عند تفسير قوله تعالى في الآية ٨٠: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين﴾..
وقرأ الجمهور «بهادي العمي » بالإضافة، وقرأ يحيى بن الحارث وأبو حيوة «بهادٍ » بالتنوين «العميَ » نصباً، وقوله ﴿ إن تسمع إلا من يؤمن ﴾ معناه إن تسمع إسماعاً ينفع ويجدي، وأما سماع الكفرة فغير مجد فاستويا، وقوله تعالى : ﴿ عن ضلالتهم ﴾ لما كانت الهداية تتضمن الصرف عديت ب ﴿ عن ﴾ كما تتعدى صرفت ومعنى الآية ليس في قدرتك يا محمد ولا عليك أن تهدي، وقرأ ابن أبي عبلة «من ضلالتهم »١.
١ قال الفراء: "كل صواب، من قال: ﴿عن ضلالتهم﴾ كأنه قال: ما أنت بصارف العمي عن الضلالة، ومن قال: [من] قال: ما أنت بمانعهم من الضلالة". (معاني القرآن ٢-٣٢٦)..
وهذه أيضاً عبر بين فيها أن الأوثان لا مدخل لها فيها.
وقرأ جمهور القراء والناس بضم الضاد في «ضُعف »، وقرأ عاصم وحمزة بفتحها وهي قراءة ابن مسعود وأبي رجاء، والضم أصوب، وروي عن ابن عمر أنه قرأ النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح فردها عليه بالضم١، وقال كثير من اللغويين :ضم الضاد في البدن وفتحها في العقل، وروي عن أبي عبد الرحمن والجحدري والضحاك أنهم ضموا الضاد في الأول والثاني وفتحوا «ضَعفاً »٢، وقرأ عيسى بن عمر «من ضُعُف » بضمتين، وهذه الآية إنما يراد بها حال الإنسان، و «الضعف » الأول هو كون الإنسان من ماء مهين، و «القوة » بعد ذلك الشبيبة، وقوة الأسر، و «الضعف » الثاني الهرم والشيخ هذا قول قتادة وغيره.
١ أخرجه سعيد بن منصور، وأحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، وابن المنذر، والطبراني، والشيرازي في الألقاب، والدارقطني في الأفراد، وابن عدي، والحاكم، وأبو نعيم في الحلية، وابن مردويه، والخطيب في تالي التلخيص – عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قرأت على النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿الله الذي خلقكم من ضعف﴾ فقال: ﴿من ضعف﴾ يا بني. (الدر المنثور)..
٢ قال القرطبي: "وقرأ الجحدري: ﴿من ضعف ثم جعل من بعد ضعف﴾ بالفتح فيهما، [ضعفا] بالضم خاصة" ١ هـ. فقارن هذا بما ذكره ابن عطية. وما في البحر المحيط يوافق ما قاله ابن عطية. وقد حدث خلاف في الرواية عن عاصم، وذكر الإمام الحافظ ابن الجذري ذلك في كتابه: "النشر في القراءات العشر" فقال: وروينا عن حفص من طرق أنه قال: ما خالفت عاصما في شيء من القرآن إلا في هذا الحرف، وقد صح عنه الفتح والضم جميعا، فروى عنه عبيد، وأبو الربيع الزهراني، والفيل عن عمرو عنه الفتح رواية، وروى عنه أبو هبيرة، والقواس، وزرعان عن عمرو عنه الضم اختيارا"، وقال الحافظ أبو عمرو: "والاختياري في رواية حفص من طرق عمرو وعبيد الأخذ بالوجهين: بالفتح والضم، فأتابع بذلك عاصما على قراءته، وأوافق به حفصا على اختياره". ثم علق الحافظ ابن الجزري على ذلك فقال: "وبالوجهين قرأت له، وبهما آخذ"..
ثم أخبر تعالى عن يوم القيامة أن المجرمين يقسمون لجاجاً منهم وتسوراً على ما لا علم لهم به أنهم ما لبثوا تحت التراب غير ساعة وهذا إتباع لتحيلهم الفاسد ونظرهم في ذلك الوقت على نحو ما كانوا في الدنيا يتبعون ذلك، و ﴿ يؤفكون ﴾ عن الحق أي يصرفون وقيل المعنى ما لبثوا الدنيا كأنهم استقلوهم لما عاينوا من أمر الآخرة١.
قال القاضي أبو محمد :وهذا يضعفه قوله تعالى : ﴿ كذلك كانوا يؤفكون ﴾ إذ لو أراد تقليل الدنيا بالإضافة إلى الآخرة لكان منزعاً سديداً وكان قولهم ﴿ ساعة ﴾ تجوزاً في القدر والموازنة.
١ وهذا كقوله تعالى: ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾..
ثم أخبر تعالى عن ﴿ الذين أوتوا العلم والإيمان ﴾ أنهم يقفون في تلك الحال على حق ويعرفون أنه الوعد المتقرر في الدنيا، وقال بعض المفسرين :إنما أراد الإيمان والعلم ففي الكلام تقديم وتأخير.
قال الفقيه الإمام القاضي :ولا يحتاج إلى هذا بل ذكر العلم يتضمن الإيمان ولا يصف الله بعلم من لم يعلم كل ما يوجب الإيمان، ثم ذكر الإيمان بعد ذلك تنبيهاً عليه وتشريفاً لأمره كما قال تعالى : ﴿ فاكهة ونخل ورمان ﴾١ [ الرحمن :٦٨ ] فنبه على مكان الإيمان وخصه بالذكر تشريفاً٢.
١ من الآية ٦٨ من سورة الرحمن، وهي قوله تعالى: ﴿فيهما فاكهة ونخل ورمان﴾..
٢ الذي قال بالتقديم والتأخير هو قتادة، وحقيقة القول عنده يتضح من التقدير الذي قدره، فقد قال: "تقديره: (أوتوا العلم في كتاب الله والإيمان لقد لبثتم)، وعلى هذا تكون [في] بمعنى الباء، أي: أوتوا العلم بكتاب الله"، ونقل ذلك عنه الطبري، ثم ابن عطية، ولكنهما قدرا تقديرا آخر غير الذي ذكرناه هنا، وقد نقل الشوكاني في فتح القدير عن الواحدي قوله: "والمفسرون حملوا هذا على التقديم والتأخير، على تقدير: (وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله)"، وهذا غير ما قدره قتادة في حديثه الذي رواه الطبري، ونقله ابن عطية هنا. وقد قال أبو حيان في "البحر المحيط " أيضا: "ولعل هذا القول لا يصح عن قتادة، فإن فيه تفكيكا للنظم لا يسوغ في كلام غير فصيح، فكيف يسوغ في كلام الله، وكان قتادة موصوفا بعلم العربية فلا يصدر مثل هذا القول"..
هذا إخبار عن هول يوم القيامة وشدة أحواله على الكفرة في أنهم لا ينفعهم الاعتذار ولا يعطون عتبى وهي الرضى، و ﴿ يستعتبون ﴾ بمعنى يعتبون كما تقال يملك ويستملك، والباب في استفعل أنه طلب الشيء وليس هذا منه لأن المعنى كان يفسد إذا كان المفهوم منه ولا يطلب منهم عتبى١.
وقرأ عاصم والأعمش «ينفع » بالياء كما قال تعالى ﴿ فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى ﴾٢ [ البقرة :٢٧٥ ] وحسن هذا أيضاً بالتفرقة التي بين الفعل وما أسند إليه قال الشاعر : [ الطويل ]
وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى. . . ثلاث الأثافي والديار البلاقع٣
١ معنى هذا أن استفعل بمعنى الفعل المجرد وهو (عتب) أي: هم من الإهمال وعدم الالتفات إليهم بمنزلة من لا يؤهل للعتب، قال ذلك أبو حيان في البحر، وقد قيل: المعنى لا يعاتبون على سيئاتهم بل يعاقبون، وقيل: لا تطلب لهم العتبى..
٢ من الآية ٢٧٥ من سورة البقرة..
٣ الأثافي: جمع الأثفية والإِثفية، وهي الحجر الذي توضع عليه القدر، والعادة أن توضع القدر على ثلاثة أحجار ويترك موضع الحجر الرابع خاليا ليدفع منه الحطب تحت القدر، وثالثة الأثافي: الجبل، لأن العرب كانت إذا لم تجد حجرا ثالثا أسندوا القدور إلى الجبل. والديار البلاقع: التي لا شيء فيها، وقد جمعوا فقالوا: "أرض بلاقع" لأنهم جعلوا كل جزء منها بلقعا، والمكان البلقع هو الخالي، وقد يوصف به الأنثى والجمع، فيقال: أرض بلقع وديار بلقع، والشاهد أن الفعل (يرجع) جاء بالياء للفرق بينه وبين ما استند إليه وهو (ثلاث...) بفاصل من الكلام..
ثم أخبر تعالى عن قسوة قلوبهم وعجرفة طباعهم في أنه ضرب لهم كل مثل وبين عليهم بيان الحق ثم هم مع ذلك الآية والمعجزة يكفرون ويلجون ويعمهون في كفرهم، ويصفون أهل الحق بالإبطال.
ثم أخبر تعالى أن هذا إنما هو من طبعه وختمه على قلوب الجهلة الذين قد حتم عليهم الكفر في الأزل، وذهب أبو عبيدة إلى أنه من قولهم طبع السيف أي صدىء أشد صدأ١.
١ جاء في (اللسان- طبع): "وأصل الطبع الصدأ يكثر على السيف... ثم استعير فيما يشبه ذلك من الأوزار والآثام وغيرها من المقابح التي تأتي على القلب"..
ثم أمر نبيه بالصبر وقوى نفسه لتحقيق الوعد ونهاه عن الاهتزاز لكلامهم والتحرك واضطراب النفس لأقوالهم إذ هم لا يقين لهم ولا بصيرة، وقرأ ابن أبي إسحاق ويعقوب «يستحقنك » بحاء غير معجمة وقاف من الاستحقاق٢، والجمهور على الخاء المعجمة والفاء من الاستخفاف، إلا أن ابن أبي إسحاق ويعقوب٣ سكنا النون من «يستخفنك »، وروي أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان في صلاة الفجر فناداه رجل من الخوارج بأعلى صوته فقرأ هذه الآية : ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين ﴾٤ [ الزمر :٦٥ ]، فعلم علي رضي الله عنه مقصده في هذا وتعريضه به فأجابه وهو في الصلاة بهذه الآية : ﴿ فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ﴾٥.
السورة التالية
Icon