0:00
0:00

بسم الله الرحمان الرحيم
سورة الروم
هي ستون أو تسع وخمسون آية
قال القرطبي :كلها مكية بل خلاف. قال بن عباس :نزلت بمكة، وعن ابن الزبير مثله، وقال البيضاوي. إلا قوله ﴿ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ﴾ والأول أولى.
وأخرج عبد الرزاق. وأحمد- قال السيوطي بسند حسن- عن رجل من الصحابة :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى بهم الصبح فقرأ فيها سورة الروم. وأخرج البزار عن أغر المزني مثله. وعن عبد الملك بن عمير أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ في الفجر يوم الجمعة سورة الروم، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف. وأحمد بن قانع من طريق ابن عمير مثل حديث الرجل الذي من الصحابة. وزاد فتردد فيها فلما انصرف قال :" إنما يلبس علينا في صلاتنا قوم يحضرون بغير طهور. من شهد الصلاة فليحسن الطهور ".
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ الم ( ١ ) غُلِبَتِ الرُّومُ ( ٢ ) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ ( ٣ ) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ ( ٤ ) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( ٥ ) وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( ٦ ) ﴾

﴿ ألم ﴾ قد تقدم الكلام على فاتحة هذه السورة في فاتحة سورة البقرة، والله أعلم بمراده بذلك.
﴿ غلبت الروم ﴾ قرئ مبنيا للمفعول وللفاعل. قال النحاس :قراءة الناس بضم الغين وكسر اللام، قال أهل التفسير :غلبت فارس الروم ففرح بذلك كفار مكة، وقالوا :الذين ليس لهم كتاب غلبوا الذين لهم كتاب، وافتخروا على المسلمين، فقالوا نحن أيضا نغلبكم كما غلبت فارس الروم، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أهل الكتاب، أي :نصارى، فهم أقرب إلى الإسلام، و الفرس مجوس فهم أقرب إلى كفار قريش وفارس اسم أعجمي علم تلك القبيلة، فهو ممنوع من الصرف للعلمية والتأنيث، بل والعجمة وعن أبي سعيد قال :لما كان يوم بدر ظهر الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت ألم غلبت الروم، وقرأها على البناء للفاعل، ففرح المؤمنون بظهور الروم على فارس، وعن أبي الدرداء قال :سيجيء أقوام يقرؤون ألم غلبت الروم يعني بالفتح وإنما هي غلبت يعني بالضم، والروم اسم قبيلة سميت باسم جدها، وهو روم١ بن عيصو بن إسحق ابن إبراهيم قاله ابن جزي في تفسيره، وسمي عيصو لأنه كان مع يعقوب في بطن، فعند خروجهما تزاحما، وأراد كل أن يخرج قبل صاحبه، فقال :عيصو ليعقوب :إن لم أخرج قبلك وإلا خرجت من جنبها، فتأخر يعقوب شفقة منه فلذا كان أبا الأنبياء، وعيصو أبا الجبارين، كذا قيل والله أعلم قيل :وكانت هذه الحروب بين أذرعات وبصرى، الملك بفارس يومئذ كسرى أبرويز.
١ لا أصل لكلم ابن جزي من علم التاريخ ولا من علم الأجناس ولا من علوم الدين، والروم يعدون سلالة إبراهيم وغير الروم على الإطلاق برابرة حتى بعد دخولهم المسيحية؟ المطيعي..
﴿ في أدنى الأرض ﴾ متعلق بغلبت أي أقرب أرض من أرض العرب، أو في أقرب أرض العرب منهم. قيل :هي أرض الجزيرة، وقيل :أذرعات وقيل :كسكر، وقيل الأردن :وقيل فلسطين١ وهذه المواضع هي أقرب على بلاد العرب من غيرها، وإنما حملت الأرض على أرض العرب لأنها المعهودة في ألسنتهم إذا أطلقوا الأرض أرادوا بها جزيرة العرب، وقيل :إن الألف واللام عوض عن المضاف إليه، والتقدير في أدنى أرضهم فيعود الضمير إلى الروم، ويكون المعنى في أقرب أرض الروم من العرب إلى فارس، والمراد بالجزيرة ما بين الدجلة والفرات، وليس المراد بها جزيرة العرب وحدها على ما روي عن الأصمعي :أنها أقصى عدن إلى ريف العراق طوالا، ومن جدة وما والاها إلى أطراف الشام عرضا.
وسبب تسميتها جزيرة، إحاطة البحار والأنهار العظيمة بها، كبحر الحبشة وبحر فارس، ودجلة والفرات. قال ابن جزي في تفسيره :الجزيرة بين الشام والعراق. وهي أول الروم إلى فارس. قال ابن عطية :إن كانت الوقعة بأذرعات فهي من أدنى الأرض بالقياس إلى مكة وإن كانت الوقعة بالجزيرة فهي أدنى بالقياس إلى أرض كسرى، وإن كانت بالأردن فهي أدنى إلى أرض الروم.
وعن ابن عباس قال :كان المشركون يحبون أن يظهر فارس على الروم لأنهم كانوا أصحاب أوثان ؛ وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس لأنهم أصحاب كتاب، فذكروه لأبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أما إنهم سيغلبون " فذكره أبو بكر لهم فقالوا :اجعل بيننا وبينك أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا ؛ وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل بينهم أجلا خمس سنين فلم يظهروا فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :ألا جعلته أراه قال دون العشرة، فظهرت الروم بعد ذلك، فذلك قوله :ألم غلبت الروم، فغلبت ثم غلبت بعد. قال سفيان :سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر.
وعن البرء بن عازب نحوه، وزاد أنه لما مضى الأجل ولم تغلب الروم فارس ساء النبي صلى الله عليه وسلم ما جعله أبو بكر من المدة وكرهه، وقال :ما دعاك إلى هذا ؟ قال :تصديقا لله ولرسوله، فقال :تعرض لهم وأعظم الخطة، واجعله إلى بضع سنين، فأتاهم أبو بكر فقال :هل لكم في العود، فإن العود أحمد، قالوا :نعم، فلم تمض تلك السنون حتى غلبت الروم فارس، وربطوا خيولهم بالمدائن، وبنوا رومية فقمر٢ أبو بكر، فجاء به أبو بكر يحمله إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :هذا السحت تصدق به. ومن مذهب أبي حنيفة ومحمد :أن العقود الفاسدة كعقد الربا وغيره جائزة في دار الحرب بين المسلمين والكفار، وقد احتجا على صحة ذلك بهذه القصة والقصة حجة عليهما، لا لهما لأنها كانت قبل تحريم القمار، وفيه :هذه السحت تصدق به.
﴿ وهم من بعد غلبهم ﴾ أي :والروم من بعد غلب فارس إياهم ﴿ سيغلبون ﴾ أهل فارس، والغلب والغلبة لغتان
١ الحقيقة التي أجمع المؤرخون لهذه الحرب عليها أن الفرس انتصروا على الروم ودخلوا بيت المقدس وانتزعوا منه الصليب المقدس الذي يزعم الرومان أنه الذي صلب عليه المسيح. فتأهب الروم للكر على الفرس فانتصروا عليهم بقيادة ملكهم هرقل واستردوا الصليب وفي أثناء تجول هرقل في بلاد الشام سمع بالبعثة المحمدية فبعث من يطلب أحدا من مكة يعلم بخبر النبي صلى الله عليه وسلم وكان يومئذ بغزة كما في حديث البخاري واستاق له رجاله أبا سفيان بن حرب وجرى بينهما الحوار المعروف الذي استنتج منه الإمبراطور أن صاحب هذه الدعوة سيملك موضع قدميه فالمعركة محددة المعلم معروفة الأماكن؟ المطيعي..
٢ قمر أبو بكر كسب الرهان وهو من القمار الذي حرم بعد ذلك. المطيعي..
﴿ في بضع سنين ﴾ قد تقدم تفسير البضع واشتقاقه في سورة يوسف، والمراد هنا :ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل :إلى التسع، وقيل :إلى السبع، وقيل :ما دون العشرة، وإنما أبهم البضع ولم يبينه، وإن كان معلوما لنبيه صلى الله عليه وسلم لإدخال الرعب والخوف عليهم في كل وقت، كما يؤخذ ذلك من تفسير الفخر الرازي.
أخرج الترمذي وصححه، والدارقطني في الأفراد، والطبراني، وابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل، والبيهقي في الشعب، عن نيار بن مكرم الأسلمي قال :لما نزلت :ألم غلبت الروم الآية، كانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين الروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل الكتاب، وفي ذلك قول الله :ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله الخ وكانت قريش تحب ظهور فارس، لأنهم وإياهم ليسوا أهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة :ألم غلبت الروم في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين فقال ناس من قريش لأبي بكر :ذلك بيننا وبينكم، يزعم صاحبك أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين، أفلا نراهن على ذلك ؟ فقال :بلى، وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وتواضعوا وقالوا لأبي بكر :لم تجعل البضع ثلاث سنين إلى تسع سنين ؟ فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه قال فسموا بينهم ست سنين فمضت الست قبل أن يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم، فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين، لأن الله قال في بضع سنين، فأسلم عند ذلك ناس كثير.
وأخرج الترمذي وحسنه، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر :" ألا احتطت يا أبا بكر ؟ فإن البضع ما بين ثلاث إلى تسع ". وأخرج البخاري عنه في تاريخه نحوه، وفي الباب روايات. وما ذكرنا يغني عما سواه.
﴿ لله الأمر ﴾ أي هو المتفرد بالقدرة وإنفاذ الأحكام ﴿ من قبل ومن بعد ﴾ أي من وقت المغلوبية ووقت الغالبية. فهو لف ونشر مرتب على الآية وقال أبو السعود :أي في أول الوقتين وفي آخرهما حين غلبوا، وحين يغلبون والمعنى أن كلاّ من كونهم مغلوبين أولا وغالبين آخرا، ليس إلا بأمر الله تعالى وقضائه، وتلك الأيام نداولها بين الناس انتهى. قرئ بضم الظرفين لكونهما مقطوعين عن الإضافة أي من قبل الغلب، ومن بعده، أو من قبل كل أمر وبعده. قال الزجاج :معنى الآية من متقدم ومن متأخر، وحكى الكسائي من قبل ومن بعد، بكسر الأول منونا وضم الثاني بلا تنوين. وحكى الفراء بكسرهما من غير تنوين وغلطه النحاس، وقال :إنما يجوز مكسورا منونا، تلت وقد قرئ بذلك، ووجهه أنه لم ينو إضافتهما فأعربهما وقال شهاب الدين :وقد قرئ بكسرهما منونين.
﴿ يومئذ ﴾ أي ويوم أن تغلب الروم على فارس، ويحل ما وعد الله من غلبتهم ﴿ يفرح المؤمنون بنصر الله ﴾ للروم على فارس لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين أهل كتاب بخلاف فارس فإنهم لا كتاب لهم، ولهذا سر المشركون بنصرهم على الروم، وقيل :نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس، والأول أولى، قال الزجاج :هذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله، لأنه أنبأ بما سيكون وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه.
﴿ ينصر من يشاء ﴾ أن ينصره ﴿ هو العزيز ﴾ الغالب القاهر ﴿ الرحيم ﴾ الكثير الرحمة لعباده المؤمنين، وقيل :المراد بالرحمة هنا الدنيوية وهي شاملة للمسلم والكافر
بنصر الله) للروم على فارس لكونهم أهل كتاب كما أن المسلمين. أهل كتاب بخلاف فارس فإنهم لا كتاب لهم، ولهذا سر المشركون بنصرهم على الروم، وقيل: نصر الله هو إظهار صدق المؤمنين فيما أخبروا به المشركين من غلبة الروم على فارس، والأول أولى، قال: الزجاج هذه الآية من الآيات التي تدل على أن القرآن من عند الله، لأنه أنبأ بما سيكون وهذا لا يعلمه إلا الله سبحانه.
(ينصر من يشاء) أن ينصره (وهو العزيز) الغالب القاهر (الرحيم) الكثير الرحمة لعباده المؤمنين، وقيل المراد بالرحمة هنا الدنيوية وهي شاملة للمسلم والكافر
﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ﴾ أي وعد الله وعدا لا يخلفه وهو ظهور الروم على فارس ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ بجهلهم وعدم تفكرهم الله لا يخلف وعده ؛ وهم الكفار. وقيل :كفار مكة على الخصوص نفى عنهم العلم النافع للآخرة. وقد أثبت لهم العلم بأحوال الدنيا فقال : ﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ( ٧ ) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ( ٨ ) ﴾
﴿ يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ ( ٧ ) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُّسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ بِلِقَاء رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ ( ٨ ) ﴾
﴿ يعلمون ﴾ بدل من لا يعلمون، وهذا أحسن من قول الحوفي :إنها مستأنفة من حيث المعنى، إلا أن الصناعة لا تساعد عليه، لأن بدل فعل مثبت من فعل منفي لا يصح، والضمير للأكثر وكذا يقال فيما بعده، وفيه بيان أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز عن تحصيل الدنيا.
﴿ ظاهرا من الحياة الدنيا ﴾ أي ظاهر ما يشاهدونه من زخارف الدنيا وملاذها، وأمر معاشهم وأسباب تحصيل فوائدهم الدنيوية. وقيل :هو ما تلقيه الشياطين إليهم من أمور الدنيا عند استراقهم السمع. وقيل الظاهر الباطل، وقيل :يعني معايشهم كيف يكسبون، ويتجرون، ومتى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون.
قال الحسن :إن أحدهم لينقر الدرهم بطرف ظفره فيذكر وزنه لا يخطئ وهو لا يحسن يصلي. وقيل :يعلمون وجودها الظاهر ولا يعلمون فناءها، وقيل :ولا يعلمون الدنيا بحقيقتها إنما يعلمون ظاهرها، وهو ملاذها وملاعبها، ولا يعلمون باطنها، وهو مضارها ومتاعبها. وأفادت الآية الكريمة أن للدنيا ظاهرا و باطنا، فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها والتنعم بملاذها، وباطنها أنها مجاز إلى الآخرة يتزود منها إليها بالطاعة، وبالأعمال الصالحة، وتنكير الظاهر، يفيد أنهم لا يعلمون إلا ظاهرا واحدا من جملة ظواهرها.
﴿ وهم عن الآخرة ﴾ التي هي النعمة الدائمة واللذة الخالصة ﴿ هم غافلون ﴾ لا يلتفتون إليها ولا يعدون لها ما يحتاج إليه ؛ أو غافلون عن الإيمان بها، والتصديق بمجيئها، وفيه أنهم معدن الغفلة عن الآخرة ومقرها، وإعادة لفظ ( هم ) الثانية للتأكيد.
﴿ أولم يتفكروا ؟ ﴾ الهمزة للإنكار عليهم، والواو للعطف على مقدر كما في نظائره ﴿ في أنفسهم ﴾ ظرف للتفكر وليس معفولا للتفكر والمعنى أن أسباب التفكر حاصلة لهم، وهي أنفسهم لو تفكروا فيها كما ينبغي لعلموا وحدانيته تعالى وصدق أنبيائه، وقيل إنها مفعول التفكر.
والمعنى أو لم يتفكروا في خلق الله إياهم ولم يكونوا شيئا. والأول أولى، لأن المعنى أو لم يتفكروا في قلوبهم الفارغة من الفكر التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات وهم أعلم بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فيتدبروا ما أودعها الله ظاهرا وباطنا من غرائب الحكمة الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى وقت يجازي فيه الإحسان إحسانا وعلى الإساءة مثلها حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها، جار على الحكمة في التدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت.
﴿ وما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما ﴾ متعلق بالقول المحذوف، معناه :أو لم يتفكروا فيقولوا هذا القول. وقيل :معناه فيعلموا لأن في الكلام دليلا عليه، ( وما ) في ( ما خلق ) نافية أي لم يخلقها ﴿ إلا بالحق ﴾ الثابت الذي يحق ثبوته أو هي اسم نصب على إسقاط الخافض، أي :بما خلق الله ويضعف أن تكون استفهامية، بمعنى النفي، والباء للسببية، أو هي ومجرورها في محل النصب على الحال، أي متلبسة بالحق. قال الفراء :معناه إلا للحق، أي للثواب والعقاب، وقيل :بالحق بالعدل، وقيل :بالحكمة، وقيل :إنه هو الحق، وللحق خلقها.
﴿ وأجل مسمى ﴾ للسماوات والأرض وما بينهما تنتهي إليه، وهو يوم القيامة، وفي هذا تنبيه على الفناء وأن لكل مخلوق أجلا لا يجاوزه، وقيل :معناه أنه خلق ما خلق في وقت سماه لخلق ذلك الشيء ﴿ إن كثيرا من الناس بلقاء ربهم ﴾ أي بالبعث بعد الموت ﴿ لكافرون ﴾ واللام هي المؤكدة والمراد بهؤلاء الكفار على الإطلاق أو كفار مكة.
﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ( ٩ ) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاؤُوا السُّوأَى أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِؤُون ( ١٠ ) اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( ١١ ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ ( ١٢ ) ﴾
﴿ أولم يسيروا في الأرض فينظروا ﴾ الاستفهام للتقريع والتوبيخ لعدم تفكرهم في الآثار وتأملهم لمواقع الاعتبار، والمعنى أنهم قد ساروا وشاهدوا ﴿ كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ من طوائف الكفار والأمم الذين أهلكوا بسبب كفرهم بالله، وجحودهم للحق، وتكذيبهم للرسل.
﴿ كانوا أشد منهم قوة ﴾ كعاد وثمود، والجملة مبينة للكيفية التي كانوا عليها وأنهم أقدر من كفار مكة ومن تابعهم على الأمور الدنيوية ؛ قال ابن عمر :كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل، أخرجه ابن مردويه ﴿ وأثاروا الأرض ﴾ أي حرثوها وقلبوها للزراعة، وزالوا أسباب ذلك، ولم يكن أهل مكة أهل حرث.
﴿ وعمروها ﴾ عمارة ﴿ أكثر مما عمروها ﴾ لأن أولئك كانوا أطول منهم أعمارا وأقوى أجساما، وأكثر تحصيلا لأسباب المعاش، فعمروا الأرض بالأبنية والزراعة والغرس ﴿ وجاءتهم رسلهم بالبينات ﴾ أي :المعجزات والحجج الظاهرات وقيل :بالأحكام الشرعية ﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ بتعذيبهم على غير ذنب، وإهلاكهم بغير جرم ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ بالكفر والتكذيب للرسل.
﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا ﴾ أي :عملوا السيئات من الشرك والمعاصي ﴿ السوآى ﴾ هي فعلى من السوء تأنيث الأسوأ، وهو الأقبح، أي كان عاقبتهم العقوبة التي هي أسوأ العقوبات. وقيل :هي اسم لجهنم كما أن الحسنى اسم للجنة أو مصدر كاليسرى، والذكرى، وصفت به العقوبة مبالغة، وقرئ عاقبة بالرفع على أنها اسم كان، والخبر السوآى أي الفعلة أو الخصلة أو العقوبة السوآى، ومن القائلين بأن السوآى جهنم، الفراء والزجاج وابن قتيبة، وأكثر المفسرين. سميت سوآى لأنها تسوء صاحبها.
﴿ أن كذبوا ﴾ أي :لأن كذبوا ﴿ بآيات الله ﴾ التي أنزلها على رسوله، أو بأن كذبوا، قال الزجاج :المعنى ثم كان عاقبة الذين أشركوا تكذيبهم بآيات الله واستهزاؤهم بها ﴿ وكانوا بها يستهزئون ﴾ عطف على كذبوا، داخل معه حكم العلية أو في حكم الاسمية لكان أو الخبرية لهما.
﴿ الله يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ أي يخلقهم أولا ثم يعيدهم بعد الموت أحياء كما كانا ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ أي إلى موقف الحساب ؛ فيجازي المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وأفرد الضمير في ( يعيده ) باعتبار لفظ الخلق وجمعه في ( ترجعون ) باعتبار معناه وقرئ يرجعون بالتحتية والفوقية على الخطاب والالتفات المؤذن بالمبالغة.
﴿ يوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ قرئ يبلس على البناء للفاعل يقال ؛ أبلس الرجل إذا سكت، وانقطعت حجته ؛ فهو قاصر لا يتعدى، قال الفراء والزجاج :المبلس الساكت المنقطع في حجته، الذي أيس أن يهتدي إليها، وقرئ مبنيا للمفعول، وفيه بعد، لأن أبلس لا يتعدى و قال الكلبي :أي يأس المشركون من كل خير حين عاينوا العذاب، وقدمنا تفسير الإبلاس عند قوله :فإذا هم مبلسون، وقال ابن عباس :يبلس يبتئس، وعنه يكتئب وعنه الإبلاس الفضيحة.
﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاء وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ ( ١٣ ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ ( ١٤ ) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ ( ١٥ ) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاء الْآخِرَةِ فَأُوْلَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ ( ١٦ ) فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ ( ١٧ ) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ( ١٨ ) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ ( ١٩ ) ﴾
﴿ ولم يكن لهم ﴾ أي لا يكون للمشركين يوم تقوم الساعة ﴿ من شركائهم ﴾ الذي عبدوهم من دون الله، وأشركوهم، وهم الأصنام ليشفعوا لهم ﴿ شفعاء ﴾ يجيرونهم من عذاب الله ﴿ وكانوا ﴾ في ذلك الوقت ﴿ بشركائهم ﴾ أي بآلهتهم الذين جعلوهم شركاء لله ﴿ كافرين ﴾ أي جاحدين لكونهم آلهة لأنهم علموا إذ ذاك أنهم لا ينفعون ولا يضرون، وقيل :إن معنى الآية كانوا كافرين في الدنيا بسبب عبادتهم، والأول أولى.
﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ﴾ أي يتفرق جميع الخلق المدلول عليهم بقوله ؛ الله يبدأ الخلق والمراد بالتفرق أن كل طائفة تنفرد، فالمؤمنون يصيرون إلى الجنة، والكافرون إلى النار، وليس المراد تفرق كل فرد منهم عن الآخر، ومثله قوله فريق في الجنة وفريق في السعير، وذلك بعد تمام الحساب، فلا يجتمعون أبدا، ثم بيّن الله سبحانه كيفية تفرقهم فقال :
﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ قال النحاس :سمعت الزجاج يقول معنى ( أما ) دع كنا فيه وخذ في غيره، وكذا قال سيبويه إن معناها مهما يكن من شيء فخذ في غير ما كنا فيه.
﴿ فهم في روضة ﴾ الروضة كل أرض ذات نبات وماء ورونق ونضارة ؛ وقيل :البستان الذي هو في غاية النضارة قال المفسرون :المراد بها هنا الجنة، والتنكير لإبهام أمرها وتفخيم شأنها قال أبو عبيد :الروضة ما كان في سفل، فإذا كان مرتفعا فهو ترعة. وقال غيره :أحسن ما تكون الروضة إذا كانت في مكان مرتفع.
﴿ يحبرون ﴾ الحبور والحبرة السرور، أي فهم في رياض الجنة ينعمون وقال ابن عباس :يحبرون يكرمون. وقال النحاس :حكى الكسائي حبرته أي أكرمته ونعمته، وقيل :يحلون، والأولى تفسير يحبرون بالسرور، كما هو المعنى العربي، ونفس دخول الجنة يستلزم الإكرام، والنعيم، وفي السرور زيادة على ذلك، وقيل :التحبير التحسين فمعنى يحبرون يحسن إليهم، وقيل :هو السماع الذي يسمعون في الجنة، وقيل :غير ذلك والوجه ما ذكرناه.
وأخرج الديلمي عن جابر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا كان يوم القيامة قال الله :أين الذين كانوا ينزهون أسماعهم وأبصارهم عن مزامير الشيطان ميزوهم، فيميزون في كثب المسك والعنبر، ثم يقول للملائكة اسمعوهم من تسبيحي، وتحميدي، وتهليلي، قال فيسبحون بأصوات لم يسمع السامعون بمثلها قط ".
وعن مجاهد قال :ينادي مناد يوم القيامة فذكر نحوه. وعن ابن عباس قال السيوطي بسند صحيح :في الجنة شجر على ساق، قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم، فيحدثون في ظلها، فيشتهي بعضهم، ويذكر لهو الدنيا، فيرسل ريحا من الجنة فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا، وعن أبي هريرة مرفوعا نحوه، أخرجه الحكيم الترمذي في النوادر.
﴿ وأما الذين كفروا ﴾ بالله ﴿ وكذبوا بآياتنا ﴾ أي القرآن ﴿ ولقاء الآخرة ﴾ أي البعث والجنة والنار ﴿ فأولئك ﴾ المتصفون بهذه الصفات ﴿ في العذاب محضرون ﴾ أي مقيمون فيه لا يغيبون عنه، ولا يخفف عنهم، كقوله ﴿ وما هم بخارجين منها ﴾ وقيل :مجموعون. وقيل نازلون. وقيل :معذبون، والمعاني متقاربة، والمراد دوام عذابهم، ثم لمّا بيّن عاقبة طائفة المؤمنين، وطائفة الكافرين، أرشد المؤمنين إلى ما فيه الأجر الوافر، والخير العام ؛ فقال :
﴿ فسبحان الله ﴾ الفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها أي فإذا عملتم ذلك فسبحوا الله، أي نزهوه عما لا يليق به، وصفوه بصفات الكمال، وهذا أولى، وقيل :صلوا كما سيأتي ﴿ حين تمسون، وحين تصبحون ﴾ أي وقت الصباح والمساء، وفي العشي، وفي وقت الظهيرة، وعلى أن المراد بالتسبيح هنا الصلوات الخمس، فقوله " حين تمسون " صلاة المغرب والعشاء، وقوله حين تصبحون صلاة الفجر.
﴿ وله الحمد في السماوات والأرض ﴾ معترضة مسوقة للإرشاد إلى الحمد والإيذان بمشروعية الجمع بينه وبين التسبيح، كما في قوله سبحانه :فسبح بحمد ربك وقوله :ونحن نسبح بحمدك، وقيل :معنى وله الحمد الاختصاص له بالصلاة التي يقرأ فيها الحمد والأول أولى.
﴿ وعشيا ﴾ عطف على حين، وفيه صلاة العصر، والعشي من صلاة المغرب إلى العتمة، قاله الجوهري، وقال قوم :هو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر، أي الحمد له يكون في السماوات والأرض ﴿ وحين تظهرون ﴾ أي تصلون صلاة الظهر، كذا قال الضحاك، وسعيد بن جبير، وغيرهما قال الواحدي :قال المفسرون :إن معنى فسبحان الله فصلوا الله، قال النحاس :أهل التفسير على أن هذه الآية في الصلوات الخمس، قال :وسمعت محمد بن يزيد يقول :حقيقته عندي فسبحوا الله في الصلوات، لأن التسبيح يكون في الصلاة وقال ابن عباس :كل تسبيح في القرآن فهو صلاة، وعنه قال :جمعت هذه الآية مواقيت الصلاة فسبحان الله حين تمسون المغرب والعشاء، وحين تصبحون الفجر وعشيا العصر، وحين تظهرون الظهر.
وقد وردت أحاديث صحاح في فضل التسبيح، وثواب المسبح، وأخرج أحمد، وابن السني والطبراني، وغيرهم، عن معاذ بن انس، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله الذي وفى ؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وأمسى :يقول سبحان حين تمسون، وحين تصبحون، وله الحمد الآية " وفي إسناده ابن لهيعة.
وأخرج أبو داود، والطبراني، وابن السني وغيرهم عن ابن عباس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قال حين يصبح :سبحان الله إلى قوله وكذلك تخرجون، أدرك ما فاته في يومه، ومن قالها حين يمسي أدرك ما فاته في ليلته " وإسناده ضعيف.
﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ كالإنسان من النطفة، والطير من البيضة، والمؤمن من الكافر ﴿ ويخرج الميت من الحي ﴾ كالنطفة والبيضة من الإنسان والطير، والكافر من المؤمن، وقد سبق بيان هذا في سورة آل عمران قيل :ووجه تعلق هذه الآية بالتي قبلها أن الإنسان عند الصباح يخرج من شبه الموت وهو النوم إلى شبه به الوجود، وهو اليقظة، وعند العشاء يخرج من اليقظة، إلى النوم.
﴿ ويحيي الأرض ﴾ بالنبات ﴿ بعد موتها ﴾ باليباس، وهو شبيه بإخراج الحي من الميت ﴿ وكذلك ﴾ الإخراج ﴿ تخرجون ﴾ من قبوركم قرئ على البناء للمفعول والفاعل فأسند الخروج إليهم كقوله :يخرجون من الأجداث، والمعنى أن الإبداء والإعادة يتساويان في قدرة من هو قادر على إخراج الميت من الحي وعكسه.
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنتُم بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ ( ٢٠ ) وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( ٢١ ) وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ ( ٢٢ ) ﴾
﴿ ومن آياته ﴾ الباهرة الدالة على البعث، وذكر لفظ من آياته ست مرات، تنتهي عند قوله :إذا أنتم تخرجون. ذكر فيها بدء خلق الإنسان آية، إلى حين بعثه من القبور، وختم هذه الآية بقيام السماوات والأرض لكونه من العوارض اللازمة، لأن كلاّ من السماء والأرض لا يخرج عن مكانه فيتعجب من وقوف الأرض، وعدم نزولها، ومن علو السماء وثباتها بغير عمد، ثم أتبع ذلك بالنشأة الآخرة، وهي الخروج من الأرض، وذكر من الأنفس أمرين :خلقكم وخلق لكم من أنفسكم، وذكر من الآفاق السماء والأرض وذكر من لوازم الإنسان اختلاف الألسنة واختلاف اللون، وذكر من عوارضه المنام والابتغاء، ومن عوارض الآفاق البرق والمطر ومن لوازمها قيام السماء وقيام الأرض كذا في النهر، فجملة ما يتعلق بالنوع الإنساني ستة أشياء :اثنان أصول، واثنان لوازم، واثنان عوارض، وستة متعلقة بالآفاق :اثنان أصول واثنان لوازم واثنان عوارض.
﴿ أن خلقكم ﴾ أي خلق أباكم آدم ﴿ من تراب ﴾ وخلقكم في ضمن خلقه، لأن الفرع مستمد من الأصل، ومأخوذ منه، وقد مضى تفسير هذا في الأنعام.
﴿ ثم إذا أنتم بشر ﴾ الترتيب والمهلة هنا ظاهران، فإنهم إنما يصيرون بشرا بعد أطوار كثيرة و ( إذا ) هي الفجائية وإن كنت أكثر ما تقع بعد الفاء، لكنها وقعت هنا بعد ثم بالنسبة إلى ما يليق بهذه الحالة الخاصة، وهي أطوار الإنسان كما حكاه الله في مواضع من كونه نطفة، ثم علقه، ثم مضغة، ثم عظما مكسورا لحما فاجأ البشرية والانتشار ﴿ تنتشرون ﴾ أي تنصرفون فيما هو قوام معايشكم، وتنبسطون في الأرض.
﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ﴾ أي من جنسكم في البشرية والإنسانية ﴿ أزواجا ﴾ وقيل :المراد حواء فإنه خلقها من ضلع آدم، والنساء بعدها خلقن من أصلاب الرجال ونطف النساء ﴿ لتسكنوا ﴾ أي :تألفوا وتميلوا ﴿ إليها ﴾ أي إلى الأزواج فإن الجنسين المختلفين لا يسكن أحدهما إلى الآخر ولا يميل قلبه إليه.
﴿ وجعل بينكم مودة ورحمة ﴾ أي :ودادا وترحما بسبب عصمة النكاح يعطف به بعضكم على بعض من غير أن يكون بينكم من قبل ذلك معرفة فضلا عن مودة ورحمة، وقال مجاهد :المودة الجماع، والرحمة الولد، وبه قال الحسن وابن عباس، وقال السدي :المودة المحبة، والرحمة :الشفقة وقيل :المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها من أن يصيبها بسوء وقيل :المودة للشابة، والرحمة :للعجوز وقيل :المودة والرحمة من الله والفرك من الشيطان، أي بغض المرأة زوجها وبغض الزوج المرأة.
﴿ إن في ذلك ﴾ المذكور سابقا ﴿ لآيات ﴾ عظيمة الشأن بديعة البيان واضحة البرهان على قدرته سبحانه على البعث والنشور ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ أن قوام الدنيا بوجود التناسل، لأنهم الذين يقتدرون على الاستدلال لكون التفكر مادة له، يتحصل عنه، أو لأن الفكر يؤدي إلى الوقوف على المعاني المطلوبة من التأنس و التجانس بين الأشياء كالزوجين وأما الغافلون عن التفكر فما هم إلا كالأنعام.
﴿ ومن آياته ﴾ الدالة على أمر البعث، وما يتلوه من الجزاء ﴿ خلق السماوات والأرض ﴾ فإن من خلق هذه الأجرام العظيمة بلا مادة مساعدة لها وجعلها باقية ما دامت هذه الدار، وخلق فيها من عجائب الصنع وغرائب التكوين، ما هو عبرة للمعتبرين، قادر على أن يخلقكم بعد موتكم وينشركم من قبوركم. وقدم السماء على الأرض لأن السماء كالذكر، فنزول المطر من السماء على الأرض كنزول المني من الذكر في المرأة، لأن الأرض تنبت وتخضر بالمطر.
﴿ واختلاف ألسنتكم ﴾ أي :لغاتكم من عرب، وعجم، وترك، وروم وغير ذلك، بأن علم كل صنف لغته، أو ألهمه وضعها وأقدره عليها أو أجناس النطق وأشكاله، فإنك لا تكاد تسمع متكلمين متساوين في الكيفية من كل وجه.
﴿ وألوانكم ﴾ من البياض، والسواد، والحمرة، والصفرة، والشقرة، والزرقة، والخضرة، مع كونكم أولاد رجل واحد، وأم واحدة، يجمعكم نوع واحد وهو الإنسانية، وفصل واحد وهو الناطقية، حتى صرتم متميزين في ذات بينكم، لا يلتبس هذا بهذا، بل في كل فرد من أفرادكم ما يميزه عن غيره من الأفراد، حتى أن التوأمين مع توافق موادهما وأسبابهما، والأمور الملاقية لهما في التخليق، يختلفان في شيء من ذلك لا محالة، وإن كانا في غاية التشابه، وفي هذا من بديع القدرة ما لا يعقله إلا العالمون، ولا يفهمه إلا المتفكرون ولو اتفقت الأصوات، والصور، وتشاكلت، وكانت ضربا واحدا لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة، ولم يعرف العدو من الصديق، ولا القريب من البعيد ؛ فسبحان من خلق الخلق على ما أراد، وكيف أراد، وإنما نظم هذا في سلك الآيات الآفاقية من خلق السماوات والأرض، مع كونه من الآيات الأنفسية الحقيقة بالانتظام، في سلك ما سبق من خلق أنفسهم وأزواجهم ؛ للإيذان باستقلاله، والاحتراز عن توهم كونه من تتمات خلقهم.
﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لدلالات على قدرته تعالى ﴿ للعالمين ﴾ لعموم العلم فيهم، قرئ بكسر اللام وبفتحها وهما سبعيتان. وقال الفراء للكسرة وجه جيد لأنه قد قال :لآيات لقوم يعقلون، لآيات لأولي الألباب، وما يعقلها إلا العالمون.
﴿ وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ ( ٢٣ ) وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مَاء فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( ٢٤ ) وَمِنْ آيَاتِهِ أَن تَقُومَ السَّمَاء وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ( ٢٥ ) وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ ( ٢٦ ) ﴾
﴿ ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله ﴾ قيل :في الكلام تقديم وتأخير والتقدير :ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، وقيل :المعنى الصحيح من دون تقديم وتأخير، أي ومن آياته العظيمة أنكم تنامون بالليل وتنامون بالنهار في بعض الأحوال للاستراحة، كوقت القيلولة، والنوم بالنهار مما كانت العرب تعده نعمة من الله، ولا سيما في البلاد الحارة، وابتغاؤكم من فضله فيهما. فإن كل واحد منهما يقع فيه ذلك، وإن كان ابتغاء الفضل في النهار أكثر، والأول هو المناسب لسائر الآيات الواردة في هذا المعنى، والآخر هو المناسب للنظم القرآني هاهنا، ووجه ذكر النوم والابتغاء هاهنا وجعلها من جملة الأدلة على البعث أن النوم شبيه بالموت، والتصرف في الحاجات والسعي في المكاسب شبيه بالحياة بعد البعث.
﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ الآيات والمواعظ سماع متفكر متدبر بآذان واعية فيستدلون على البعث.
﴿ ومن آياته يريكم البرق ﴾ المعنى أن يريكم، و منه المثل المشهور " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " وقيل :ويريكم البرق من آياته، وقيل :من آياته آية يريكم بها وفيها البرق، وقيل :التقدير :ومن آياته سحاب يريكم البرق ﴿ خوفا وطمعا ﴾ من آياته قال قتادة :خوفا للمسافر، وطمعا للمقيم. وقال الضحاك :خوفا من الصواعق، وطمعا في الغيث. وقال يحيي ابن سلام :خوفا أن يكون البرق برقا خلبا لا يمطر، وطمعا أن يكون ممطرا، ﴿ وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها ﴾ باليباس بأن تنبت.
﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ فإن من له نصيب من العقل يعلم أن ذلك آية يستدل بها على القدرة الباهرة، كيف ؟ والعقل ملاك الأمر. وهو المؤدي إلى العلم فيما ذكر وغيره، وإنما قال هنا :يعقلون، وفيما تقدم :يتفكرون، لأنه لما كان حدوث الولد من الولد أمرا عاديا مطردا قليل الاختلاف ؛ كان يتطرق إلى الأوهام القاصرة إن ذلك بالطبيعة لأن المطرد أقرب إلى الطبيعة من المختلف، والبرق والمطر ليس مطردا غير مختلف بل يختلف إذ يقع ببلدة دون بلدة، وفي وقت دون وقت، وتارة يكون قويا وتارة يكون ضعيفا فهو أظهر في العقل دلالة على الفاعل المختار. فقال :هو آية لمن له عقل وإن لم يتفكر تفكرا تاما، قاله الكرخي.
﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض ﴾ هذا شروع في بيان بقائهما وثباتهما بعد بيان إيجادهما في قوله :ومن آياته خلق السماوات والأرض، وأظهر كلمة ( أن ) هنا التي هي علم الاستقبال لأن القيام هنا يعني البقاء لا الإيجاد، وهو مستقبل باعتبار أواخره وما بعد نزول هذه الآيات.
﴿ بأمره ﴾ أي :قيامهما واستمساكهما بإرادته سبحانه، وقدرته بلا عمد يعمدهما، ولا مستقر يستقران عليه. قال الفراء :يقول أن تدوما قائمتين بأمره، وإنما ذكر قوله :إن في ذلك لآيات، في أربع مواضع، ولم يذكره في الأول، وهو قوله :ومن آياته أن خلقكم من تراب، ولا في الأخيرة وهي هذا لأن في الأول خلق الأنفس وخلق الأزواج من باب واحد، وهو الإيجاد فاكتفى فيهما بذكره مرة واحدة. وأما قيام السماوات والأرض الذي هو الأخير فلأن في الآيات السماوية ذكر أنها آيات للعالمين، ولقوم يسمعون ؛ ولقوم يعقلون، لظهورها، فلما كان في أول الأمر ظاهرا ففي آخر الأمر بعد سرد الدلائل يكون أظهر ؛ فلم يميز أحدا عن أحد وذكر ما هو مدلوله ؛ وهو قدرته على الإعادة قاله الرازي.
﴿ ثم ﴾ أي بعد موتكم ومصيركم في القبور ﴿ إذا دعاكم دعوة ﴾ واحدة ﴿ من الأرض ﴾ التي أنتم فيها كما يقال :دعوته من أسفل الوادي فطلع إلي وقيل :أي خرجتم من الأرض ولا يجوز أن يتعلق ب ﴿ تخرجون ﴾ لأن ما بعد إذا يعمل فيما قبلها وهذه الدعوة هي نفخة إسرافيل الآخرة في الصور على ما تقدم بيانه ﴿ إذا أنتم تخرجون ﴾ أي فاجأتم الخروج منها بسرعة من غير تلبث ولا توقف كما يجيب المدعو المطيع دعوة الداعي المطاع وإذا الفجائية تقوم مقام الفاء في جواب الشرط، وقال هنا :إذا أنتم، وقال في خلق الإنسان :ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، لأن هناك يكون خلق وتقدير وتدريج حتى يصير التراب قابلا للحياة فتنفخ فيه الروح فإذا هو بشر وأما في الإعادة فلا يكون تدريج بل يكون بدء وخروج فلم يقل هنا ( ثم ) ذكره الكرخي، وقد أجمع القراء على فتح التاء في ﴿ تخرجون ﴾ هنا وإنما قرئ بضمها في الأعراف
﴿ وله من في السماوات والأرض ﴾ من جميع المخلوقات ملكا وتصرفا وخلقا ليس لغيره في ذلك شيء.
﴿ كل له قانتون ﴾ مطيعون طاعة انقياد قاله النحاس، وقيل :مقرون بالعبودية إما بالمقال وإما بالدلالة قاله عكرمة وأبو مالك والسدي وقيل :مصلون وقيل :قائمون يوم القيامة، كقوله :يوم يقوم الناس لرب العالمين أي للحساب قاله الربيع بن أنس، وقيل :بالشهادة أنهم عباده قال الحسن وقيل مطيعون لأفعاله لا يمتنع عليه شيء يريد فعله بهم، من حياة وموت ومرض وصحة فهي طاعة الإرادة لا طاعة العبادة، وقيل :مخلصون قاله سعيد بن جبير وقال ابن عباس :مطيعون في الحياة والنشور والموت وهم له عاصون فيما سوى ذلك من العبادة.
﴿ وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( ٢٧ ) ضَرَبَ لَكُم مَّثَلًا مِنْ أَنفُسِكُمْ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن شُرَكَاء فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ( ٢٨ ) ﴾
﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ﴾ للناس ﴿ ثم يعيده ﴾ بعد الموت فيحييه الحياة الدائمة ﴿ وهو ﴾ أي البعث أو الإعادة نظرا إلى المعنى دون اللفظ وهو رجعة أو لردة أو تذكيره باعتبار الخبر ﴿ أهون عليه ﴾ أي هين لا يستصعبه أو أهون عليه بالنسبة على قدرتكم وعلى ما يقوله بعضكم لبعض وإلا فلا شيء في قدرته بعضه أهون من بعض بل كل الأشياء مستوية يوجدها بقوله كن فيكون قال أبو عبيد :من جعل أهون عبارة عن تفضيل شيء على شيء فقوله مردود بقوله ﴿ وكان ذلك على الله يسيرا ﴾ وبقوله ﴿ ولا يؤوده حفظهما ﴾ والعرب تحمل أفعل على فاعل كثيرا كما في قول الفرزدق.
إن الذي سمك السماء بنى لنا بيتا دعائمه أعز وأطول
أي عزيزة طويلة. وأنشد أحمد بن يحيى ثعلب على ذلك :
تمنى رجال أن أموت وإن أمت فتلك سبيل لست فيها بأوحد
أي بواحد، وكقولهم :الله أكبر، كبير، وهي رواية العوفي عن ابن عباس، وقرأ ابن مسعود :وهو عليه هين. وقال مجاهد، وعكرمة، والضحاك :إن الإعادة أهون على الله من البداءة أي أيسر وإن كان جميعه هنيا وقيل :المراد أن الإعادة فيما بين الخلق أهون من البداءة، وقيل :الضمير في عليه للخلق أي :والعود أهون على الخلق، أي أسرع واقصر عليه وأيسر وأقل انتقالا من طور إلى طور لأنه يصاح بهم صيحة واحدة، فيقيمون ويقال لهم :كونوا فيكونون، فذلك أهون عليهم من أن يكونوا نطفة، ثم علقه، ثم مضغة، إلى آخر النشأة. وقال ابن عباس :الإعادة أهون على المخلوق لأنه يقول له يوم القيامة كن فيكون، وابتداء الخلقة من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة.
﴿ وله المثل الأعلى ﴾ أي :الوصف الأعلى العجيب الشأن من القدرة العامة والحكمة التامة وسائر صفات الكمال، والجلال، والجمال، التي ليس لغيره ما يدانيها فضلا عما يساويها، وقال الخليل :المثل الصفة أي :وله الوصف الأعلى قول :لا إله إلا الله أي الوحدانية، وبه قال قتادة وقال الزجاج :وله المثل الأعلى.
﴿ وفي السماوات والأرض ﴾ مرتبط بما قبله، وهو قوله :وهو أهون عليه، قد ضربه لكم مثلا فيما يصعب ويسهل، وقيل :مرتبط بما بعده من قوله " ضرب لكم من أنفسكم " وقيل :المثل الأعلى هو أنه ليس كمثله شيء، قاله ابن عباس. وقيل :هو أن ما أراده كان بقول :كن، والمعنى أنه سبحانه عرف بالمثل الأعلى ووصف به في السماوات والأرض، أي في هاتين الجهتين ؛ وقيل :غير ذلك ﴿ وهو العزيز ﴾ في ملكه القادر الذي لا يغالب ﴿ الحكيم ﴾ في أفعاله وأقواله.
﴿ ضرب لكم ﴾ أيها المشركون ﴿ مثلا ﴾ قد تقدم تحقيق معنى المثل ﴿ من أنفسكم ﴾ من لابتداء الغاية أي مثلا منتزعا كائنا ومأخوذا من أنفسكم، فإنها أقرب شيء منكم وأبين من غيرها عندكم فإذا ضرب لكم المثل بها في بطلان الشرك كان أظهر دلالة وأعظم وضوحا ثم بين المثل المذكور فقال : ﴿ هل لكم مما ملكت أيمانكم ؟ ﴾ من للتبعيض أي من مماليككم وفي قوله ﴿ من شركاء ﴾ زائدة للتأكيد، والمعنى هل لكم شركاء ؟
﴿ فيما رزقناكم ﴾ من الأموال وغيرها كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم، وهم العبيد والإماء ؟ والاستفهام للإنكار. قال ابن عباس في الآية :كان يلبي أهل الشرك :لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك، فأنزل الله هذه الآية.
﴿ فأنتم ﴾ وهم ﴿ فيه سواء ﴾ أي مستوون في التصرف فيه على عادة الشركاء، وهذا جواب للاستفهام الذي بمعنى النفي، ومحقق لنفي الشركة بينهم وبين العبيد والإماء المملوكين لهم في أموالهم، والمعنى هل ترضون لأنفسكم والحال أن عبيدكم وإماءكم أمثالكم في البشرية أن يساووكم في التصرف بما رزقناكم من الأموال ؟ ويشاركوكم فيها من غير فرق بينكم وبينهم ؟
﴿ تخافونهم ﴾ خيفة ﴿ كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي كما تخافون الأحرار المشابهين لكم في الحرية وملك الأموال، وجواز التصرف. والمراد نفي الأشياء الثلاثة، الشركة بينهم وبين المملوكين، والاستواء معهم وخوفهم إياهم. وليس المراد ثبوت الشركة ونفي الاستواء والخوف كما قيل وفي قولهم :ما تأتينا فتحدثنا. ؟ والمراد إقامة الحجة على للمشركين فإنهم لا بد أن يقولوا :لا نرضى بذلك، فيقال لهم :فكيف تنزهون أنفسكم عن مشاركة المملوكين لكم ؟ وهم أمثالكم في البشرية، وتجعلون عبيد الله شركاء له ؟ فإذا بطلت الشركة بين الله وبين أحد من خلقه، والخلق كلهم عبيد الله تعالى، لم يبق إلا أنه الرب وحده لا شريك له. قرئ أنفسكم بالنصب على أنه معمول المصدر المضاف إلى فاعله، وبالرفع على إضافة المصدر إلى مفعوله.
﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ تفصيلا واضحا وبيانا جليا لأن التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لأنهم الذين ينتفعون بالآيات التنزيلية والتكوينية باستعمال عقولهم في تدبرها والتفكر فيها، ثم أضرب سبحانه عن مخاطبة المشركين وإرشادهم إلى الحق بما ضرب لهم من المثل فقال :
﴿ بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَن يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ ( ٢٩ ) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ( ٣٠ ) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( ٣١ ) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( ٣٢ ) وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( ٣٣ ) ﴾
﴿ بل اتبع الذين ظلموا ﴾ بالإشراك، وفيه الإضراب مع الالتفات وأقيم الظاهر مقام الضمير للتسجيل عليهم بوصف الظلم ﴿ وأهواءهم بغير علم ﴾ أي :لم يعقلوا الآيات بل اتبعوا أهواءهم الزائغة، وآرائهم الفاسدة الزائفة، والمعنى جاهلين بأنهم على ضلالة.
﴿ فمن يهدي من أضل الله ﴾ أي :لا أحد يقدر على هدايته، لأن الرشاد والهداية بتقدير الله وإرادته ﴿ وما لهم ﴾ أي :ما لهؤلاء الذين أضلهم الله، والجمع باعتبار معنى من ﴿ من ناصرين ﴾ ينصرونهم، ويحولون بينهم وبين عذاب الله سبحانه، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوحيده وعبادته كما أمره فقال :
﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا ﴾ شبه الإقبال على الدين بتقويم وجهه إليه، وإقباله عليه ؛ أي مائلا إليه مستقيما عليه غير ملتفت إلى غيره من الأديان الباطلة فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه وسدد إليه نظره، وقوم وجهه مقبلا عليه.
﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ الفطرة في الأصل الخلقة، والمراد هنا بها الملة وهي الإسلام والتوحيد. قال الواحدي :هذا قول المفسرين في الفطرة وقيل :المراد بها قابلية الدين والتهيؤ له، وترسم الفطرت بالتاء المجرورة وليس في القرآن غيرها، والمراد بالناس هنا الذين فطرهم الله على الإسلام، لأن المشرك لام يفطر على الإسلام، وهذا الخطاب وإن كان خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم فأمته داخلة معه فيه. قال القرطبي :باتفاق من أهل التأويل، والأولى حمل الناس على العموم من غير فرق بين مسلمهم وكافرهم، وأنهم جميعا مفطورون على ذلك لولا عوارض تعرض لهم، فيبقون بسببها على الكفر، كما في حديث أبي هريرة الثابت في الصحيح قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من مولود إلا يولد على الفطرة " وفي رواية :على هذه الملة، ولكن أبواه يهودانه، وينصرانه، ويمجسانه :كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء. هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة :واقرأوا إن شئتم ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ﴾ وفي رواية حتى تكونوا أنتم تجدعونها.
أخرج أحمد والنسائي، والحاكم، وصححه، وغيرهم، وعن أسود بن سريع :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية إلى خيبر فقاتلوا المشركين فانتهى القتل إلى الذرية. فلما جاءوا قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ما حملكم على قتل الذرية ؟ قالوا :يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين ؟ والذي نفسي بيده، ما من نسمة تولد إلا على الفطرة، حتى يعرب عنها لسانها ".
وأخرج أحمد من حديث جابر بن عبد الله قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كل مولود يولد على الفطرة حتى يعبر عنه لسانه، فإذا عبر عنه لسانه، إما شاكرا وإما كفورا "
وروى الإمام أحمد في المسند عن عياش بن حماد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوما فقال في خطبته عن الله سبحانه وإني خلقت عبادي كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فأضلتهم عن دينهم. وحرمت عليهم ما أحللت لهم الحديث. وهذا معاضد لحديث أبي هريرة المتقدم، فكل فرد من أفراد الناس مفطور، أي مخلوق على ملة الإسلام، ولكن لا اعتبار بالإيمان والإسلام الفطريين، وإنما يعتبر الإيمان والإسلام الشرعيان. وهذا قول جماعة من الصحابة ومن بعدهم وقول جماعة من المفسرين، وهو الحق.
والقول بأن المراد بالفطرة هنا الإسلام هو مذهب جمهور السلف، قال آخر :هي البداءة التي ابتدأهم عليها فإنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة، والفاطر في كلام العرب :هو المبتدئ، وهذا مصير من القائلين به إلى معنى الفطرة لغة. وإهمال معناها شرعا، والمعنى الشرعي مقدم على المعنى اللغوي باتفاق أهل الشرع، ولا ينافي ذلك ورود الفطرة في الكتاب أو السنة في بعض المواضع مرادا بها اللغوي. كقوله تعالى :( الحمد لله فاطر السماوات والأرض ) أي خالقهما ومبتديهما، كقوله : ﴿ وما لي لا أعبد الذي فطرني ﴾ إذ لا نزاع في أن المعنى اللغوي هو هذا، ولكن النزاع في المعنى الشرعي للفطرة، وهو ما ذكره الأولون كما بيناه. وانتصاب فطرة على أنها مصدر مؤكد للجملة التي قبلها. قال الزجاج :منصوب بمعنى اتبع فطرة الله، قال :لأن معنى فأقم وجهك للدين :اتبع الدين واتبع فطرة الله :وقال ابن جرير :هي مصدر من معنى فأقم وجهك، لأن معنى ذلك فطرة الله الناس على الدين. وقيل :هي منصوبة على الإغراء، أي الزموا فطرة الله، أو عليكم فطرة و الله، ورد هذا الوجه أبو حيان، وقال :إن كلمة الإغراء لا تضمر، إذ هي عوض عن الفعل، فلو حذفها لزم حذف العوض والمعوض عنه، وهو إجحاف، وأجيب بأن هذا رأي البصريين، وأما الكسائي وأتباعه فيجيزون ذلك.
﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ أي لما جبلكم وطبعكم عليه من قبول الحق وهذا تعليل لما قبله من الأمر بلزوم الفطرة. أي هذه الفطرة التي فطر الله الناس عليها. لا تبديل لها من جهة الخالق سبحانه، أو تعليل لوجوب الامتثال له، أي لا صحة ولا استقامة لتبديله بالإخلال بموجبه، وعدم ترتيب مقتضاه عليه بإتباع الهوى، وقبول وسوسة الشياطين.
وقيل :لا يقدر أحد أن يغيره، فلا بد حينئذ من حمل التبديل على تبديل نفس الفطرة بإزالتها رأسا، ووضع فطرة أخرى مكانها غير مصححة لقبول الحق، والتمكن من إدراكه ضرورة أن التبديل بالمعنى الأول مقدور، بل واقع قطعا، فالتعليل حينئذ من جهة أن سلامة الفطرة متحققة في كل أحد، فلا بد من لزومها بترتيب مقتضاها عليها وعدم الإخلال به بما ذكر من إتباع الهوى، وخطوات الشيطان، ذكره أبو السعود.
وقيل :هو نفي ؛ معناه :النهي. أي :لا تبدلوا خلق الله، قال مجاهد وإبراهيم النخعي، معناه لا تبديل لدين الله، قال قتادة، وابن جبير، والضحاك، وابن زيد :هذا في المعتقدات، وقال عكرمة :إن المعنى لا تغيير لخلق الله في البهائم، بأن تخصى فحولها. وقيل :لا تبدلوا التوحيد بالشرك، والسنة بالبدعة، وقيل :لا تبديل لما جبل عليه الإنسان من السعادة والشقاوة، فلا يصير السعيد شقيا، ولا الشقي سعيدا.
﴿ ذلك ﴾ الدين المأمور بإقامة الوجه له هو ﴿ الدين القيم ﴾ أو لزوم الفطرة هو الدين القيم، أي :المستقيم. وقال ابن عباس :الدين :القضاء ﴿ ولكن أكثر الناس ﴾ أي :كفار مكة ﴿ لا يعلمون ﴾ ذلك حتى يفعلوه ويعملوا به.
﴿ منيبين ﴾ أي :راجعين ﴿ إليه ﴾ بالتوبة والإخلاص، ومطيعين له في أوامره ونواهيه. قال الجوهري :أناب إليّ أي :أقبل وتاب. قال الفراء :فأقم وجهك. ومن معك، منيبين، وكذا قال الزجاج. وقال تقديره :فأقم وجهك وأمتك، فالحال من الجميع، وقيل :كونوا منيبين إليه، لدلالة ولا تكونوا من المشركين، على ذلك، ثم أمرهم سبحانه بالتقوى بعد أمرهم بالإنابة فقال ﴿ واتقوه ﴾ أي :خافوه باجتناب معاصيه.
﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ التي أمرتم بها ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ بالله أي ممن يشرك به غيره في العبادة وقوله
﴿ من الذين فرقوا دينهم ﴾ باختلافهم فيما يعبدونه، وهو بدل مما قبله بإعادة الجار.
﴿ وكانوا شيعا ﴾ الشيع :الفرق، أي لا تكونوا من الذين تفرقوا فرقا في الدين، يشايع بعضهم بعضا، من أهل البدع والأهواء، وقيل :المراد بهم اليهود والنصارى، وقرئ فرقوا دينهم، أي الذي يجب إتباعه وهو التوحيد، وهي سبعية، وقد تقدم تفسير هذه الآية في آخر سورة الأنعام.
﴿ كل حزب ﴾ أي كل فريق منهم ﴿ بما لديهم ﴾ من الدين المبني على غير الصواب ﴿ فرحون ﴾ أي مسرورون مبتهجون يظنون أنهم على الحق وليس بأيديهم منه شيء، والجملة اعتراض مقرر لما قبله من تفريقهم دينهم، وكونهم شيعا.
﴿ وإذا مس الناس ﴾ أي :كفار مكة وغيرهم ﴿ ضر ﴾ أي قحط وشدة، أو هزال، أو مرض ﴿ دعوا ربهم ﴾ أن يرفع ذلك عنهم واستعانوا به ﴿ منيبين ﴾ أي راجعين ملتجئين ﴿ إليه ﴾ لا يعولون على غيره، وقيل مقبلين عليه بكل قلوبهم.
﴿ ثم إذا أذاقهم منه رحمة ﴾ بإجابة دعائهم، ورفع تلك الشدائد عنهم ﴿ إذا فريق منهم بربهم يشركون ﴾ إذا :هي الفجائية وقعت جوابا للشرط ؛ كأنها كالفاء في إفادة التعقيب، أي :فاجأ فريق منهم بالإشراك، وهم الذين دعوه فخلصهم مما كانوا فيه، وهذا الكلام مسوق للتعجيب من أحوالهم، وما صاروا عليه من الاعتراف بوحدانية الله سبحانه عند نزول الشدائد والرجوع إلى الشرك عند رفع ذلك عنهم، وفيه مراعاة معنى لفظ الفريق وكذا في قوله.
﴿ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( ٣٤ ) أَمْ أَنزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ ( ٣٥ ) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ ( ٣٦ ) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( ٣٧ ) فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( ٣٨ ) ﴾
﴿ ليكفروا بما آتيناهم ﴾ أي بنعمة الله عليهم، واللام لام كي، وقيل :لام الأمر لقصد الوعيد والتهديد، وقيل :هي لام العاقبة التي تقتضي المهلة، سميت لام المآل، والشرك والكفران متقارنان، لا مهلة بينهما، ثم خاطب سبحانه هؤلاء الذين وقع منهم ما وقع فقال : ﴿ فتمتعوا ﴾ أريد به التهديد أيضا، وفيه التفات عن الغيبة إلى الخطاب لأجل المبالغة في زجرهم، وقرئ فتمتعوا على الخطاب، وبالتحتية على البناء للمفعول ؛ وفي مصحف ابن مسعود :فليتمتعوا ﴿ فسوف تعلمون ﴾ ما يتعقب هذا التمتع الزائل من العذاب الأليم.
﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا ﴾ أم، هي المنقطعة، والاستفهام للإنكار، على مذهب الكوفيين، ومذهب البصريين أنها بمعنى بل والهمزة.
والسلطان :الحجة الظاهرة، وفيه التفات عن الخطاب إلى الغيبة للإيذان بالإعراض عنهم وبعدهم عن ساحة الخطاب، قال الفراء :إن العرب تؤنث السلطان، يقولون :قضت به عليك السلطان، فأما البصريون فالتذكير عندهم أفصح، وجاء به القرآن، والتأنيث عندهم جائز لأنه بمعنى الحجة، وقيل :المراد بالسلطان هنا :الملك.
﴿ فهو يتكلم ﴾ أي يدل، كما في قوله : ﴿ هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ﴾ وهو في حيز النفي المستفاد من أم ﴿ بما كانوا يشركون ﴾ أي ينطق بإشراكهم بالله سبحانه أو المعنى بالأمر الذي كانوا بسببه يشركون.
﴿ وإذا أذقنا الناس ﴾ أي كفار مكة وغيرهم ﴿ رحمة ﴾ أي خصبا ومطرا ؛ ونعمة وسعة وصحة وعافية ﴿ فرحوا بها ﴾ فرح بطر وأشر، لا فرح شكر بها وابتهاج بوصولها إليهم، كما دل عليه قوله : ﴿ قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ﴾ ثم قال سبحانه :
﴿ وإن تصيبهم سيئة ﴾ أي بلاء من جدب، أو ضيق، أو مرض أو شدة على أي صفة ﴿ بما قدمت أيديهم ﴾ أي بسبب شؤم ذنوبهم ﴿ إذا هم يقنطون ﴾ القنوط الإياس من الرحمة، كذا قال الجمهور ؛ وقال الحسن :القنوط ترك فرائض الله سبحانه ؛ وقرئ يقنطون بفتح النون وبكسرها ؛ وهما سبعيتان، وبابه ضرب وتعب ؛ والمعنى إذا هم ييأسون، وهذا خلاف وصف المؤمنين ؛ فإن من شأنهم أن يشكروا عند النعمة ؛ ويرجوا ربهم عند الشدة أو يقال :الدعاء اللساني بناء على مجرد العادة لا ينافي القنوط القلبي، وقد يشاهد مثل ذلك في كثير من الناس، فلا يخالف هذا قوله : ﴿ دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ أو المراد يفعلون فعل القانطين، كالاهتمام بجمع الذخائر أيام الغلاء، قاله الكرخي.
﴿ أولم يروا ﴾ أي فما بالهم لم يشكروا في السراء والضراء، كالمؤمنين ولم يعلموا ﴿ أن الله يبسط الرزق ﴾ أي يوسعه ﴿ لمن يشاء ﴾ من عباده امتحانات هل يشكر أم يطغى فيكفر ؟ ﴿ ويقدر ﴾ أي يضيق على من يشاء ابتلاء هل يصبر أم يضيق ذرعا فيكفر ﴿ إن في ذلك ﴾ البسط والقبض ﴿ لآيات لقوم يؤمنون ﴾ فيستدلون بها على الحق لدلالتها على كمال القدرة وبديع الصنع وغريب الخلق والحكمة، ولما بين سبحانه كيفية التعظيم لأمر الله أشار إلى ما ينبغي من مواساة القرابة وأهل الحاجات ممن بسط الله له في رزقه فقال :
﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمته أسوته، أو لكل مكلف له مال وسع الله به عليه وقدم الإحسان إلى القرابة لأن خير الصدقة ما كان على قريب فهو صدقة مضاعفة وصلة رحم مرغب فيها، والمراد الإحسان إليهم بالصدقة والصلة والبر سواء كانوا في مخمصة أو لم يكونوا وقيل :فيه دليل على وجوب النفقة للمحارم ( وبه قالت الحنفية، وعدم ذكر بقية الأصناف المستحقين للزكاة يدل على أن ذلك في صدقة التطوع ) وقاس الشافعي سائر الأقارب ما عدا الفروع والأصول على ابن العم، لأنه لا ولادة بينهم، ولا يصح حمل الصدقة على الواجبة وهي الزكاة لأن السورة مكية، والزكاة ما فرضت إلا في السنة الثانية من الهجرة بالمدينة وللقريب الفقير في مال قريبه الغني حق واجب، وبه قال مجاهد وقتادة، قال مجاهد :لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاج وقيل :المراد بالقربى :النبي صلى الله عليه وسلم قال القرطبي :والأول أصح فإن حقهم مبين في كتاب الله عز وجل في قوله ﴿ فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى ﴾ وقال الحسن :إن الأمر في إيتاء ذي القربى للندب.
﴿ والمسكين وابن السبيل ﴾ أي آتهما حقهما الذي يستحقانه، ووجه تخصيص الأصناف الثلاثة بالذكر أنهم أولى من سائر الأصناف، ولكون ذلك واجبا لهم على كل من له مال فاضل عن كفايته وكفاية من يعول، سواء كان زكويا أو لم يكن، سواء كان قبل الحل أو بعده، لأن المقصود هنا الشفقة العامة وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم، وإن لم يكن للإنسان مال زائد، والفقير داخل في المسكين، لأن من أوصى للمساكين بشيء يصرف إلى الفقراء أيضا وإذا نظرت إلى الباقين من الأصناف، رأيتهم لا يجب صرف المال إليهم إلا على الذي وجبت الزكاة عليهم، وأما المسكين فحاجته ليست مختصة بموضع فقدم على من حاجته مختصة بموضع دون موضع قال مقاتل :حق المسكين أن يتصدق عليه، وحق ابن السبيل الضيافة، وقد اختلف في هذه الآية هل هي محكمة أو منسوخة فقيل :هي منسوخة بآية المواريث، وقيل محكمة.
﴿ ذلك خير للذين يريدون وجه الله ﴾ أي ذلك الإيتاء أفضل من الإمساك لمن يريد التقرب إلى الله سبحانه، ويقصد بمعروفه إياه خالصا ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ أي الفائزون بمطلوبهم حيث أنفقوا لوجه الله امتثالا لأمره.
﴿ وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ( ٣٩ ) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُم مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( ٤٠ ) ﴾
﴿ وما آتيناهم ﴾ بالمد بمعنى :أعطيتم، وقرئ بالقصر بمعنى :ما فعلتم، وهما سبعيتان، وقيل بالقصر بمعنى :ما جئتم به من إعطاء ربا، وهو يؤول من حيث المعنى إلى القراءة المشهورة، لأنه يقال :آتي معروفا، وأتى قبيحا إذا فعلهما.
﴿ من ربا ﴾ وأجمعوا على الأولى في قوله :وما آتيتم من زكاة، أصل الربا الزيادة والمعنى :ما أعطيتهم من زيادة خالية عن العوض بأن تعطوا شيئا هبة أو هدية.
﴿ ليربوا في أموال الناس ﴾ أي ليزيد ويزكو في أموالهم ﴿ فلا يربو عند الله ﴾ قرئ بالتحتية، على أن الفعل مسند إلى ضمير الربا، وقرئ بالفوقية مضمومة خطابا للجماعة، بمعنى لتكونوا ذوي زيادات، وقرئ لتربوها، ومعنى الآية :أنه لا يزكو عند الله ولا يثيب عليه، لأنه لا يقبل إلا ما أريد به وجهه خالصا قال السدي :الربا في هذا الموضع :الهدية يهديها الرجل لأخيه يطلب المكافأة، فإن ذلك لا يربو عند الله، أي لا يؤجر عليه صاحبه، ولا إثم عليه وهكذا قال قتادة والضحاك قال الواحدي :وهذا قول جماعة المفسرين قال الزجاج :يعني دفع الرجل الشيء ليعوض أكثر منه، وذلك ليس بحرام ولكنه لا ثواب فيه لأن الذي يهبه يستدعي به ما هو أكثر منه.
وقال الشعبي :معنى الآية أن ما خدم به الإنسان أحدا لينتفع به في دنياه فإن ذلك النفع الذي يجري به الخدمة، لا يربو عند الله وقيل :هذا كان حراما على النبي صلى الله عليه وسلم على الخصوص، لقوله سبحانه ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ ومعناها :أن تعطي فتأخذ أكثر منه عوضا عنه وحرم عليه تشريفا له، وقيل :إن هذه الآية نزلت في هبة الثواب، وبه قال ابن عباس وابن جبير، وطاوس، ومجاهد، وقال ابن عطية وما يجري مجراه مما يصنعه الإنسان ليجازي عليه كالسلام وغيره، وهو وإن كان لا إثم فيه، فلا أجر ولا زيادة عند الله.
قال عكرمة :الربا ربوان، فربا حلال، وربا حرام، فأما الربا الحلال فهو الذي يهدي يلتمس ما هو أفضل منه، يعني كما في هذه الآية. وقيل :إن هذا الذي في هذه الآية هو الربا المحرم، فمعنى لا يربو عند الله على هذا القول :لا يحكم به، بل هو للمأخوذ منه، قال المهلب :اختلف العلماء فيمن وهب هبة يطلب بها الثواب، فقال مالك :ينظر فيه، فإن كان مثله ممن يطلب الثواب من الموهوب له فله مثل ذلك، مثل هبة الفقير للغني، وهبة الخادم للمخدوم، وهبة الرجل لأميره، وهو أحد قولي الشافعي رحمه الله. وقال أبو حنيفة رحمه الله :لا يكون له ثواب إذا لم يشترط، وهو قول الشافعي رحمه الله الآخر.
وعن عليّ قال :المواهب ثلاثة :موهبة يراد بها وجه الله، وموهبة يراد بها ثناء الناس، وموهبة يراد بها الثواب ؛ فموهبة الثواب يرجع فيها صاحبها إذ لم يثب عليها، بخلاف القسمين الآخرين، فلا يرجع فيهما صاحبهما. قال ابن عباس :في الآية الربا ربوان، ربا لا بأس به، وربا لا يصلح، فأما الربا الذي لا بأس به، فهدية الرجل إلى الرجل يريد فضلها وإضعافها، وعنه قال :هذا هو الربا الحلال أن يهدي يريد أكثر منه وليس له أجر ولا وزر، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم خاصة فقال :ولا تمنن تستكثر.
﴿ وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ﴾ أي :وما أعطيتم من صدقة تطوع لا تطلبون بها المكافأة، وإنما تقصدون بها ما عند الله ﴿ فأولئك هم المضعفون ﴾ أي ذوو الأضعاف من الحسنات، الذين يعطون بالحسنة عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الفراء :هو نحو قولهم :مسمن، ومعطش، ومضعف إذا كانت له إبل سمان وعطاش وضعيفة، وقرئ بفتح العين اسم مفعول وفيه التفات حسن عن الخطاب، لأنه يفيد التعظيم، كأنه خاطب به الملائكة وخواص الخلق تعريفا لحالهم، فهو أمدح لهم من أن يقول :فأنتم المضعفون أو للتعميم لغير المخاطبين، كأنه قال :من فعل هذا فسبيله سبيل المخاطبين، وكان مقتضى ظاهر المقابلة أن يقال :فيربو عند الله فغير عبارة الربا إلى الإضعاف ونظم الفعلية إلى الاسمية الدال على الدوام، المشتملة على ضمير الفصل، المفيد للحصر، والمعنى :المضعفون به لأنه لا بد له من ضمير يرجع إلى ما الموصولة.
﴿ الله الذي خلقكم، ثم رزقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم ﴾ عاد سبحانه إلى الاحتجاج على المشركين، وأنه الخالق الرازق، المميت المحيي، أي المختص بالخلق، والرزق، والإماتة، والإحياء ؛ ثم قال على جهة الاستفهام : ﴿ هل من شركائكم ﴾ أي أصنامكم التي زعمتم أنهم شركاء، وأضاف الشركاء إليهم لأنهم كانوا يسمونهم آلهة ويجعلون لهم نصيبا من أموالهم.
﴿ من يفعل من ذلكم ؟ ﴾ أي :الخلق والرزق والإماتة والإحياء ﴿ من شيء ﴾ أي شيئا من هذه الأفعال ؟ ومعلوم أنهم يقولون :ليس فيهم من يفعل شيئا من ذلك، فتقوم عليهم الحجة، و ( من ) الأولى والثانية لبيان شروع الحكم في جنس الشركاء والأفعال، والثالثة مزيدة لتعميم النفي، ثم نزه سبحانه نفسه فقال : ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ أي نزهوه تنزيها، وهو متعال عن أن يجوز عليه شيء من ذلك.
﴿ ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( ٤١ ) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُم مُّشْرِكِينَ ( ٤٢ ) ﴾
﴿ ظهر الفساد ﴾ بيّن سبحانه أن الشرك والمعاصي سبب لظهور الفساد ﴿ في البر والبحر ﴾ أي العالم، والفساد من فسد كنصر وكرم، وفسادا ضد صلح فهون فاسد، والفساد أخذ المال ظلما والجدب والمفسدة ضد المصلحة، واختلف في معنى ظهور الفساد المذكور، فقيل :هو القحط وعدم النبات ونقصان الرزق، وكثرة الخوف، ونحو ذلك، وقال مجاهد وعكرمة :فساد البر قتل ابن آدم أخاه. يعني قتل قابيل لهابيل، وفساد البحر الملك الذي يأخذ كل سفينة غصبا وليت شعري أي دليل دلهم على هذا التخصيص البعيد والتعيين الغريب ؟ فإن الآية نزلت على محمد صلى الله عليه وسلم، والتعريف في الفساد يدل على الجنس، فيعم كل فساد واقع في حيز البر والبحر.
وقال السدي :الفساد الشرك، وهو أعظم الفساد، ويمكن أن يقال :إن الشرك وإن كان الفرد الكامل في أنواع المعاصي، ولكن لا دليل على أنه المراد بخصوصه وقيل :الفساد كساد الأسعار وقلة المعاش، وقيل :قطع السبل والظلم وقيل :نقصان البركة بأعمال العباد كي يتوبوا، قال النحاس :وهو أحسن ما قيل في الآية. وعنه أن الفساد في البحر انقطاع صيده بذنوب بني آدم. قال ابن عطية :فإذا قل المطر قل الغوص فيه، وعميت دواب البحر. وقيل غير ذلك مما هو تخصيص لا دليل عليه، والظاهر من الآية ظهور ما يصح إطلاق اسم الفساد عليه، سواء كان راجعا إلى أفعال بني آدم من معاصيهم واقترافهم السيئات، وتقاطعهم وتظالمهم، وتقاتلهم، أو راجعا إلى ما هو من جهة الله سبحانه، بسبب ذنوبهم، كالقحط وكثرة الخوف، والموتان ونقصان الزرائع والثمار، وكثرة الحرق والغرق ومحق البركات من كل شيء، والبر والبحر هما المعروفان المشهوران.
الالاابلت
وقيل :البر الفيافي، والبحر القرى التي على ماء، قاله عكرمة، والعرب تسمي الأمصار البحار. قال مجاهد :البر ما كان من المدن والقرى على غير نهر، والبحر ما كان على شط نهر، وعن عباس نحوه، والأول أولى، ويكون معنى البر مدن البحر، ومعنى البحر مدن البحر، وما يتصل بالمدن من مزارعها ومراعيها.
﴿ بما كسبت أيدي الناس ﴾ من المعاصي، والذنوب والباء للسببية وأما ( ما ) موصولة أو مصدرية ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا ﴾ اللام للعلة، أي :ليذيقهم بعض عقوبة عملهم، أو جزاء بعض عملهم في الدنيا، قبل أن يعاقبهم بجميعها في الآخرة. وقيل ؛ للصيرورة، قرئ بالياء وبنون العظمة ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ عما هم فيه من المعاصي، ويتوبون إلى الله، قال ابن عباس :يرجعون من الذنوب. ولما بيّن سبحانه ظهور الفساد فيها بما كسبت أيدي المشركين والعصاة بيّن لهم ضلال أمثالهم من أهل الزمن الأول فقال :
﴿ قل :سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ﴾ أمرهم بأن يسيروا لينظروا آثارهم، ويشاهدوا كيف كانت عاقبتهم. فإن منازلهم خاوية وأراضيهم مقفرة موحشة، كعاد وثمود ونحوهم من طوائف الكفار، ﴿ كان أكثرهم مشركين ﴾ مستأنفة لبيان الحالة التي كانوا عليها، وإيضاح السبب الذي صارت عاقبتهم به إلى ما صارت إليه، وهو فشو الشرك والعصيان فيما بينهم، أو كان الشرك في أكثرهم وما دونه من المعاصي في قليل منهم.
﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ ( ٤٣ ) مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ ( ٤٤ ) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِن فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ( ٤٥ ) وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( ٤٦ ) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاؤُوهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( ٤٧ ) ﴾
﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا ﴾ خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، وأمته أسوته فيه، كأن المعنى :إذا قد ظهر الفساد بالسبب المتقدم فأقم ﴿ وجهك ﴾ يا محمد ﴿ للدين القيم ﴾ قال الزجاج :اجعل جهتك إتباع الدين القيم البليغ الاستقامة، الذي لا يتأتى فيه عوج وهو الإسلام. وقيل :المعنى أوضح الحق وبالغ في الأعذار، واشتغل بما أنت فيه ولا تحزن عليهم. قاله القرطبي.
﴿ من قبل أن يأتي يوم ﴾ يعني يوم القيامة ﴿ لا مرد له من الله ﴾ المرد مصدر، رد، أي لا يقدر على أن يرده كقوله :لا يستطيعون ردها فلا بد من وقوعه، وقيل :المعنى لا يرده الله لتعلق إرادته القديمة بمجيئه، قاله أبو السعود ﴿ يومئذ ﴾ أي :يوم إذ يأتي هذا اليوم.
﴿ يصدعون ﴾ أصله يتصدعون، والتصدع :التفرق، يقال :تصدع القوم، إذا تفرقوا، ومنه قول الشاعر١ :
وكنا كندماني حذيمة حقبة من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
وفي المصباح :صدعته صدعا من باب نفع ؛ شققته فانصدع. وصدعت القوم صدعا فتصدعوا. أي :فرقتهم فتفرقوا، وقوله :فاصدع بما تؤمر، قيل :مأخوذ من هذا، أي :شق جماعاتهم بالتوحيد، وقيل :افرق بذلك بين الحق والباطل. وقيل :أظهر ذلك، وصدعت بالحق. تكلمت به جهارا، وصدعت الفلاة، قطعتها، والمراد بتفرقهم أن أهل الجنة يصيرون إلى الجنة، وأهل النار إلى النار، ثم فصل سبحانه المتصدعين بقوله :
١ الشاعر هو متمم بن نويرة يرثي أخاه مالكا الذي قتل في حروب الردة والبيت يليه:
فلما تفرقنا كأني ومالكا لطول اجتماع لم نبت ليلة معا. المطيعي..

﴿ من كفر فعليه كفره ﴾ أي :جزاء كفره ووباله وهو النار ﴿ ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ﴾ أي :يوطئون لأنفسهم منازلهم في الجنة بالعمل الصالح والمهاد :الفراش، وقد تقول مهدت الفراش مهدا إذا بسطته ووطأته، فجعل الأعمال الصالحة التي هي سبب لدخول الجنة كبناء المنازل في الجنة وفرشها، وقيل :المعنى :فعلى أنفسهم يشفقون، من قوله في المشفق أم فرشت فأنامت، وتقديم الظرف في الموضعين للدلالة على الاختصاص، وقال مجاهد :فلأنفسهم يمهدون، في القبر، أي يوطئون المضاجع ويسوونها في القبور.
﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ﴾ والكافرين بعدله، متعلق بيصدعون أو يمهدون أي يتفرقون ليجزي الله المؤمنين بما يستحقونه، على أن ضرر الكفر لا يعود إلا على الكافر، ومنفعة الإيمان والعمل الصالح ترجع إلى المؤمن لا تجاوزه، أو يمهدون لأنفسهم بالأعمال الصالحة ليجزيهم. وقال ابن عطية :تقديره ذلك ليجزي، وتكون الإشارة إلى ما تقدم من قوله :من كفر ومن عمل. قال ابن عباس :ليثيبهم الله ثوابا أكثر من أعمالهم، وجعل أبو حيان قسيم قوله آمنوا وعملوا الصالحات محذوفا لدلالة قوله :
﴿ إنه لا يحب الكافرين ﴾ عليه، لأنه كناية عن بغضه لهم، الموجب لغضبه سبحانه، وغضبه يستتبع عقوبته ؛ وقيل :تقرير بعد تقرير على الطرد والعكس، وفيه تهديد ووعيد لهم.
﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح ﴾ أي :ومن دلالات بديع قدرته تعالى إرسال الرياح، أي١ الشمال، والصبا، والجنوب، فإنها رياح الرحمة، وأما الدبور فهي ريح العذاب، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم :" اللهم اجعلها رياحا ولا تجعلها ريحا " قرئ الرياح بالجمع والإفراد على قصد الجنس لأجل قوله لا ﴿ مبشرات ﴾ بالمطر لأنها تتقدمه ؛ كما في قوله سبحانه بشرا بين يدي رحمته.
﴿ وليذيقكم من رحمته ﴾ أي :يرسلها ليذيقكم بها الغيث والخصب أو نعمته من المياه العذبة، والأشجار الرطبة ؛ وصحة الأبدان، وما يتبع ذلك الأمور لا يحصيها إلا الله. وقيل :اللام متعلقة بمحذوف، أي وأرسلها ليذيقكم، وقبل :الواو مزيدة على رأي من يجوز ذلك فتتعلق اللام بيرسل و ﴿ من ﴾ تبعيضية.
﴿ و ﴾ يرسل الرياح ﴿ لتجري الفلك ﴾ في البحر عند هبوبها، ولما أسند الجري إلى الفلك عقبه بقوله : ﴿ بأمره ﴾ أي :بتدبيره أو بتكوينه، كقوله :إنما أمره إذا أراد شيئا الآية ﴿ ولتبتغوا ﴾ الرزق ﴿ من فضله ﴾ بالتجارة التي تحملها السفن ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ هذه النعم فتفردون الله بالعبادة، وتستكثرون من الطاعة.
١ الشمال ريح تخالف الجنوب والجنوب مهبها من مطلع سهيل إلى مطلع الثريا، والصبا ريح مهبها من مطلع الثريا إلى بنات نعش. المطيعي..
﴿ ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم ﴾ كما أرسلناك إلى قومك، وهذا تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اعتراض بين الكلامين المتصلين معنى، أي :قوله :ومن آياته أن يرسل الرياح وقوله :الله الذي يرسل الرياح، وقال أبو حيان جاء تأنيسا له صلى الله عليه وسلم بالنصر ووعيدا لأهل الكفر، وحقية المؤمنين على الله لا تختص بالدنيا بل تعم الآخرة أيضا فما في الآخرة من متناولات الآية.
﴿ فجاءهم بالبينات ﴾ أي :بالمعجزات الواضحات، والحجج النيرات، على صدقهم في رسالتهم إليهم، فآمن بهم قوم وكفر بهم قوم، ويدل على هذا الإضمار قوله : ﴿ فانتقمنا ﴾ بالإهلاك في الدنيا ﴿ من الذين أجرموا ﴾ أي :فعلوا الإجرام وهي الآثام.
﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ﴾ على الكافرين بإهلاكهم وإنجاء المؤمنين هذا إخبار من الله سبحانه بأن نصره لعباده المؤمنين حق عليه، وهو صادق الوعد، لا يخلف الميعاد، وفيه تشريف للمؤمنين ومزيد تكرمة لعباده الصالحين.
أخرج الطبراني، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والترمذي عن أبي الدرداء قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ما من مسلم يرد عن عرض أخيه إلا كان حقا على الله أن يرد عنه نار جهنم يوم القيامة، ثم تلا ﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ﴾، وهو من طريق شهر١ بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء.
١ روى شهر بن حوشب الأشعري عن أم سلمة وأبي هريرة وجماعة وعنه قتادة وداود بن أبي هند وعبد الحميد بن بهرام وجماعة قال أحمد بن حنبل روى عن أسماء بنت يزيد أحاديث حسانا. وروى ابن خيثمة ومعاوية ابن صالح عن ابن معين أنه ثقة وقال أبو حاتم: ليس هو بدون أبي الزبير-أبي أحد رجال سفيان بن عيينة، ولا يحتج به، وعن ابن عون تركوه: وقال النسائي وابن عدي ليس بالقوي، قال يحيى بن بكير الكرماني: حدثني أبيّ قال كان شهر على بيت المال فأخذ منه دراهم فقال قائل: لقد باع شهر دينه بخريطة.
وقال الفلاس كان يحيي بن سعيد القطان لا يحدث عن شهر فمن يأمن القراء بعدك يا شهر والحديث من مكارم الأخلاق وتظاهره أدلة كثيرة من الكتاب والسنة. المطيعي..

﴿ اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( ٤٨ ) وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ ( ٤٩ ) فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( ٥٠ ) وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَّظَلُّوا مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ( ٥١ ) ﴾
﴿ الله الذي يرسل الرياح ﴾ قرئ بالجمع والإفراد، قال أبو عمرو :كل ما كان بمعنى الرحمة فهو جمع، وما كان بمعنى العذاب فهو موحد، وهي مسوقة لبيان ما سبق من أحوال الرياح ﴿ فتثير سحابا ﴾ أي تزعجه وتهيجه وتحركه.
﴿ فيبسطه ﴾ أي ينشره متصلا بعضه ببعض، أي ينشره كمال الانتشار وإلا فأصل الانتشار موجود في السحاب دائما ﴿ في السماء ﴾ أي في سمت السماء، وجهتها وشقها، كقوله :وفرعها في السماء، أي :في وجهة العلو، وليس المراد حقيقة السماء المعروفة ﴿ كيف يشاء ﴾ تارة سائرا، وتارة واقفا، وتارة مطبقا، وتارة غير مطبق ؛ وتارة إلى مسافة بعيدة وتارة إلى مسافة قريبة، وتارة من ناحية الشمال، وتارة من ناحية الجنوب أو الدبور أو الصبا وقد تقدم تفسير هذه الآية في البقرة وفي سورة النور.
﴿ ويجعله كسفا ﴾ تارة أخرى، أو يجعله بعد بسطه قطعا متفرقة بعضها فوق بعض، والكسف جمع كسفة بالكسر :وهي القطعة من الشيء أو السحاب وقرئ بفتح السين وسكونها، والمسكن مخفف من المحرك بمعنى، والقراءتان سبعيتان، وجمع الجمع :أكساف وكسوف. وكسفه يكسفه :قطعه ﴿ فترى الودق ﴾ أي المطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ أي :من بينه ووسطه.
﴿ فإذا أصاب به ﴾ أي بالودق ﴿ من يشاء من عباده ﴾ أي :بلادهم وأرضهم ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ إذا هي الفجائية أي :فاجأوا الاستبشار بمجيء المطر والخصب، والاستبشار :والفرح.
﴿ وإن ﴾ أي :وإن الشأن، وفسر المحلي إن بقد، تبعا للبغوي، والأول أولى، ويدل له اللام في لمبلسين، فإنها اللام الفارقة ﴿ كانوا من قبل أن ينزل عليهم ﴾ المطر ﴿ من قبله ﴾ تكرير للتأكيد، قاله الأخفش، وأكثر النحويين كما حكاه عنهم النحاس، كقوله :فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها، ومعنى التوكيد فيها على ما قاله الزمخشري :الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول، فاستحكم يأسهم، وتمادى إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك.
قال السمين :وهو كلام حسن وقال ابن عطية :وفائدة هذا التأكيد الإعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس إلى الاستبشار، وذلك أن قوله :من قبل أن ينزل عليهم، ويحتمل الفسحة في الزمان، أي :من قبل أن ينزل بكثير كالأيام، فجاء قوله، من قبله بمعنى :أن ذلك متصل بالمطر :فهو تأكيد مفيد، وقال قطرب :إن الضمير في قبله راجع إلى المطر. أي :وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر، قيل :المعنى من قبل تنزيل الغيث عليهم :من قبل الزرع والمطر، وقيل :من قبل أن ينزل عليهم :من قبل السحاب، أي من قبل رؤيته، واختار هذا النحاس. وقيل :الضمير عائد إلى الكسف، وقيل :إلى الإرسال، والراجح الوجه الأول، وما بعده من هذه الوجوه كلها ففي غاية التكلف والتعسف.
﴿ لمبلسين ﴾ أي آيسين، يقال :أبلس الرجل إبلاسا :سكت، وأبلس أيس، وقد تقدم تحقيق الكلام في هذا.
﴿ فانظر إلى آثار رحمه الله ﴾ الناشئة عن إنزال المطر من النبات والثمار والزرائع١ التي بها يكون الخصب ورخاء العيش ؛ أي انظر نظر اعتبار واستبصار، استدل بذلك على توحيد الله، وتفرده بهذا الصنع العجيب ؛ والفاء للدلالة على سرعة ترتبها عليه وقرئ :أثر بالتوحيد، وآثار بالجمع سبعة.
﴿ كيف يحيي الأرض بعد موتها ؟ ﴾ فاعل الإحياء ضمير يعود إلى الله سبحانه وقيل :ضمير يعود إلى الأثر، أي :انظر إلى كيفية هذا الإحياء البديع للأرض بعد موتها، والمراد بالنظر التنبيه على عظيم قدرته، وسعة رحمته، مع ما فيه من التمهيد لأمر البعث، وقرئ تحيى بالفوقية على أن فاعله ضمير يعود إلى الرحمة، أو إلى الآثار.
﴿ إن ذلك ﴾ أي :إن الله العظيم الشأن، المخترع لهذه الأشياء المذكورة ﴿ لمحيي الموتى ﴾ أي :القادر على إحيائهم في الآخرة، وبعثهم ومجازاتهم، كما أحيا الأرض الميتة بالمطر، وهذا استدلال بإحياء الموات على إحياء الأموات ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ أي :عظيم القدرة وكثيرها، وهذا من جملة المقدورات بدليل الإنشاء.
١ الزرائع جمع زراعة وليس جمع زرع كرسالة ورسائل وسحابة وسحائب. المطيعي..
﴿ ولئن أرسلنا ريحا ﴾ مضرة وهي الريح الدبور التي أهلكت بها عاد ﴿ فرأوه ﴾ أي :الزرع والنبات الذي كان من أثر رحمة الله ﴿ مصفرا ﴾ من البرد الناشيء عن الريح التي أرسلها الله بعد اخضراره، وقيل :الضمير راجع إلى الريح، وهو يجوز تذكيره وتأنيثه، وقيل :راجع إلى الأثر المدلول عليه بالآثار، وقيل :راجع إلى السحاب، لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر، والأول أولى واللام هي الموطئة، وجواب القسم قوله تعالى :
﴿ لظلوا من بعده ﴾ وهو يسد مسد جواب الشرط، لأنه اجتمع هنا شرط وقسم، وشرط مؤخر فيحذف جوابه، دلالة عليه بجواب القسم على القاعدة والمعنى :وبالله لئن أرسلنا ريحا حارة أو باردة فضربت زرعهم بالصفرة لظلوا من بعد ذلك.
﴿ يكفرون ﴾ بالله ويجحدون نعمه والمعنى :أنهم يفرحون عند الخصب، ولو أرسلت عذابا على زرعهم لجحدوا سالف نعمتي :وفي هذا دليل على سرعة تقلبهم، وعدم صبرهم، وضعف قلوبهم، وليس كذا حال أهل الإيمان، ثم شبههم بالموتى وبالصم فقال :
﴿ فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ( ٥٢ ) وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ ( ٥٣ ) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ ( ٥٤ ) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ( ٥٥ ) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ( ٥٦ ) فَيَوْمَئِذٍ لَّا يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ ( ٥٧ ) ﴾
﴿ فإنك لا تسمع الموتى ﴾ أي موتى القلوب إذا دعوتهم، فكذا هؤلاء لعدم فهمهم للحقائق، ومعرفتهم للصواب ﴿ ولا تسمع الصم الدعاء ﴾ إذا دعوتهم إلى الحق ووعظتهم بمواعظ الله، وذكرتهم الآخرة وما فيها ﴿ إذا ولو مدبرين ﴾ بيان لإعراضهم عن الحق بعد بيان كونهم كالأموات وكونهم صم الآذان.
وقد تقدم تفسير هذا في سورة النمل، فإن قلت :الأصم لا يسمع مقبلا أو مدبرا ؛ فما فائدة هذا التخصيص ؟ قلت :هو إذا كان مقبلا يفهم بالرمز والإشارة، فإن ولى لا يسمع ولا يفهم بالإشارة عن ابن عباس قال :نزلت هذه الآية في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لأهل بدر، والإسناد ضعيف.
والمشهور في الصحيحين وغيرهما أن عائشة استدلت بهذه الآية على رد رواية من روى الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم نادى أهل قليب بدر، وهو من الاستدلال بالعام على رد الخاص، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لما قيل له إنك تنادي أجساد بالية :ما أنتم بأسمع لما أقول منهم.
وفي مسلم من حديث أنس :أن عمر بن الخطاب لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يناديهم فقال :" يا رسول الله تناديهم بعد ثلاث ؟ وهل يسمعون ؟ يقول الله :إنك لا تسمع الموتى، فقال والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع منهم، ولكنهم لا يطيقون أن يجيبوا " ثم وصفهم بالعمي فقال :
﴿ وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم ﴾ لفقدهم للانتفاع بالأبصار كما ينبغي، أو لفقدهم للبصائر ﴿ إن ﴾ أي :ما ﴿ تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ﴾ لكونهم أهل التفكر والتدبر، والاستدلال بالآثار على المؤثر ﴿ فهم مسلمون ﴾ أي منقادون للحق متبوعون له، وفيه مراعاة معنى :( من ).
﴿ الله الذي خلقكم ﴾ ذكر سبحانه استدلالا آخر على كمال قدرته، وهو خلق الإنسان نفسه على أطوار مختلفة، كما قال : ﴿ من ضعف ﴾ أي :بدأكم وأنشأكم على ضعف، وهو مصدر، ضد القوة، قال الواحدي :قال المفسرون :من نطفة كقوله :من ماء مهين، أي :ذي ضعيف، وقيل :المراد حال الطفولية والصغر، فهذه أحوال غاية الضعف، قرئ :ضعف بضم الضاد في هذه المواضع، وبفتحها، وهما سبعيتان. قال الفراء :الضم لغة قريش، والفتح لغة تميم ؛ قال الجوهري :الضعف خلاف القوة والصحة، وقيل :هو بالفتح في الرأي، وبالضم في الجسم، وأجاز ضعف بفتحتين.
﴿ ثم جعل من بعد ضعف قوة ﴾ وهي قوة الشباب، وبلوغ الأشد، فإنه إذا ذاك تستحكم القوة، وتشتد إلى بلوغ النهاية.
﴿ ثم جعل من بعد قوة ضعفا ﴾ أي :عند الكبر والهرم ﴿ وشيبة ﴾ هي تمام الضعف، ونهاية الكبر. وقيل :بياض الشعر الأسود، ويحصل أوله في الغالب في السنة الثالثة والأربعين، وهو أول سن١ الاكتهال، والأخذ في النقص بالفعل بعد الخمسين إلى أن يزيد النقص في الثالثة والستين، وهو أول سن الشيخوخة، ويقوى الضعف إلى ما شاء الله تعالى.
﴿ يخلق ما يشاء ﴾ من جميع الأشياء، ومن جملتها القوة والضعف، والشباب والشيبة، في بني آدم ﴿ وهو العليم ﴾ بتدبيره وأحوالهم ﴿ القدير ﴾ على خلق ما يريده وتغييرهم، وهذا الترديد في الأحوال أبين دليل على الصانع القادر.
١ الكهولة من الأربعين إلى الستين وبعدها الشيخوخة المطيعي..
﴿ ويوم تقوم ﴾ أي :توجد وتحصل ﴿ الساعة ﴾ أي :القيامة، وهي النفخة الثانية، وسميت ساعة لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا، أو لأنها تقع بغتة ﴿ يقسم المجرمون ﴾ أي :يحلف المشركون والكافرون المنكرون للبعث بأنهم ﴿ ما لبثوا ﴾ في الدنيا، قاله الخطيب، والكشاف، والقاضي١ أو في قبورهم، قاله مقاتل والكلبي.
﴿ غير ساعة ﴾ فيمكن أن يكونوا استقلوا مدة لبثهم، واستقر ذلك في أذهانهم فحلفوا عليه، وهم يظنون أن حلفهم مطابق للواقع، وقال ابن قتيبة :إنهم كذبوا في هذا الوقت، كما كانوا يكذبون من قبل، وهذا هو الظاهر لأنهم إن أرادوا لبثهم في الدنيا، فقد علم كل واحد منهم مقداره، وإن أرادوا لبثهم في القبور فقد حلفوا على جهالة أن ؟ كانوا لا يعرفون الأوقات في البرزخ.
﴿ كذلك ﴾ الصرف ﴿ كانوا يؤفكون ﴾ أي :يصرفون ويقولون :ما هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين، يقال :أفك الرجل إذا صرف عن الصدق والحق. وقيل :المراد يصرفون عن الحق، وقيل :عن الخير، والأول أولى، وهو دليل على أن حلفهم كذب.
١ يعني بالقاضي الإمام الجهبذ أبو بكر بن العربي في كتابه "أحكام القرآن".
﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان ﴾ اختلف في تعيين هؤلاء، فقيل :الملائكة، وقيل :الأنبياء، وقيل :علماء الأمم، وقيل مؤمنو هذه الأمة، ولا مانع من الحمل على الجميع. قالوا ردا على هؤلاء الكفرة وتكذيبا لهم : ﴿ لقد لبثتم في كتاب الله ﴾ أي :سابق علمه، وسالف قضائه ﴿ إلى يوم البعث ﴾ قال الزجاج :في علم الله المثبت في اللوح المحفوظ، قال الواحدي :المفسرون حملوا هذا على التقديم والتأخير، على تقدير :وقال الذين أوتوا العلم في كتاب الله، وكان رد الذين أوتوا العلم عليهم باليمن للتأكيد، أو للمقابلة لليمين باليمين، ردوا ما قالوه، وحلفوا عليه وأطلعوهم على الحقيقة، ثم وصلوا ذلك بتقريعهم على إنكار البعث، فنبهوهم على طريقة التبكيت بقولهم :
﴿ فهذا ﴾ الوقت الذي صاروا فيه هو ﴿ يوم البعث ﴾ الذي كنتم تنكرونه في الدنيا، وقيل :الفاء جواب شرط محذوف تقديره :إن كنتم منكرين للبعث، فهذا يومه، أي :فقد تبين بطلان إنكاركم ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ أنه حق وقوعه في الدنيا، بل كنتم تستعجلونه تكذيبا واستهزاء.
﴿ فيومئذ ﴾ الفاء تفصيل، لما يفهم مما قبلها، من أنه لا يفيدهم تقليل مدة اللبث، ولا النسيان، أو هو جواب شرط مقدر أيضا.
﴿ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ﴾ أي :لا ينفعهم الاعتذار يومئذ، ولا يفيدهم علمهم بالقيامة، كأنهم توهموا أن التقليل ونحوه عذر في عدم طاعتهم، كقوله : ﴿ أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر ﴾ وقيل ؛ لما رد عليهم المؤمنون، سألوا الرجوع إلى الدنيا، واعتذروا فلم يعذروا. قرئ لا ينفع بالتحتية، وهما سبعيتان.
﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ أي :لا يطلب منهم العتبى، وهو الرجوع إلى ما يرضي الله من التوبة، والعمل الصالح، وذلك لانقطاع التكليف في ذلك اليوم، يقال :استعتبته فأعتبني :أي :استرضيته فأرضاني، وذلك إذا كنت جانيا، وحقيقة أعتبته :أزلت عتبه، والمعنى :أنهم لا يدعون إلى إزالة عتبهم من التوبة والطاعة، كما دعوا إلى ذلك في الدنيا.
﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ ( ٥٨ ) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ( ٥٩ ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ( ٦٠ ) ﴾
﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ أي :وصفنا صفة كأنها مثل في غرابتها وقصصنا عليهم كل قصة عجيبة الشأن، كصفة المبعوثين يوم القيامة، وما يقولون ؛ وما يقال لهم، وما لا ينفع من اعتذارهم ولا يسمع من استعتابهم، وكذا ضربنا لهم من كل مثل من الأمثال التي تدلهم على توحيد الله، وصدق رسله، واحتججنا عليهم بكل حجة تدل على بطلان الشرك وفيه إشارة إلى إزالة الأعذار، والإتيان بما فوق الكفاية من الإنذار.
﴿ ولئن جئتهم بآية ﴾ من آيات القرآن الناطقة بذلك، أو لئن جئتهم بآية كالعصا، واليد، أو جئتهم بكل آية جاءت بها الرسل ﴿ ليقولن الذين كفروا ﴾ منهم ﴿ إن أنتم إلا مبطلون ﴾ أي :ما أنت يا محمد وأصحابك إلا أصحاب أباطيل، تتبعون السحر وما هو مشاكل له في البطلان، أو أنكم كلكم أيها الرسل مبطلون، واللام مؤكدة واقعة في جواب القسم.
﴿ كذلك ﴾ الطبع ﴿ يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ﴾ أي :الفاقدين للعلم النافع الذي يهتدون به إلى الحق والتوحيد، وينجون به من الباطل والشرك، والمصرين على خرافات اعتقدوها، فإن الجهل المركب يمنع إدراك الحق، ويوجب تكذيب المحق ؛ ثم أمر الله سبحانه نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر، معللا ذلك بحقية وعده سبحانه، وعدم الخلف فيه،
فقال : ﴿ فاصبر ﴾ على ما تسمعه منهم من الأذى، وتنظره من الأفعال الكفرية، والفاء فصيحة.
﴿ إن وعد الله حق ﴾ وقد وعدك بالنصر عليهم، وإعلاء حجتك، وإظهار دعوتك، ووعده حق لا خلف فيه ﴿ ولا يستخفنك ﴾ أي :لا يحملنك يا محمد صلى الله عليه وسلم على الخفة والجهل والطيش بترك الصبر، ولا يستفزنك عن دينك وما أنت عليه، يقال :استخف فلان أي :استجهله حتى حمله على إتباعه في الغي، وقرئ من الاستحقاق، والنهي في الآية من باب لا أرينك هاهنا ﴿ الذين لا يوقنون ﴾ بالله، ولا يصدقون أنبياءه ولا يؤمنون بكتبه، ولا بالبعث والحساب.
السورة التالية
Icon