0:00
0:00

سورة الروم كلها( ١ ) مكية
١ أدرج قبلها في الأصل: ذكر أن سورة الروم..

بسم الله الرحمن الرحيم

الآية ١و٢و٣ قوله تعالى : ﴿ الم ﴾ ﴿ غُلِبت الروم ﴾ ﴿ في أدنى الأرض ﴾ وفي بعض القراءات :غَلَبت الروم بفتح الغين( ١ ) على المستقبل.
يذكر أهل التأويل أنه إنما يذكر هذا لأن المشركين كانوا يجادلون المسلمين، وهم بمكة ؛ يقولون :إن الروم أهل الكتاب، وقد غلبتهم المجوس، وأنتم تزعمون أنكم ستغلبون بالكتاب الذي أنزل على نبيكم، فستغلبكم كما غلبت فارس الروم.
فأنزل الله هذه الآيات( ٢ ) : ﴿ الم ﴾ ﴿ غلبت الروم ﴾ ﴿ في أدنى الأرض ﴾ الآية. لكن يذكر في آخره ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ ﴿ بنصر الله ينصر من يشاء ﴾ فلا يحتمل فرح المؤمنين بغلبة الروم على فارس، ويسمى ذلك نصرا لله، وهم كفار، وغلبتهم عليهم معصية. اللهم إلا أن يكون فرحهم بما يظهر الإيمان بكتب الله وتصديقها والعمل بها، وهم كانوا أهل كتب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان بعث مصدِّقا بكتب الله وبرسله أجمعين( ٣ ) ففرحوا بذلك.
فإن كان كذلك فجائز الفرح بذلك وتسميته نصر الله. وأما على الوجه الذي يقولون هم فلا. وعندهم أن في ذلك آية عظيمة في إثبات رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ونبوته وصدقه ما لم يجد الكفار فيه مطعنا [ وما يمكّنهم نسبته ] ( ٤ ) إلى الكذب والافتراء على ما قالوا، وطعنوا في سائر الآيات والأنباء كقولهم( ٥ ) ﴿ إنما يعلمه بشر ﴾ [ النحل :١٠٤ ] ونحو ذلك من المطاعن التي طعنوا في القرآن والأنباء المتقدمة حين( ٦ ) قالوا : ﴿ إن هذا إلا أساطير الأولين ﴾ [ الأنعام :٢٥و. . ] ﴿ وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى ﴾ [ سبأ :٤٣ ].
فمثلها لم يجدوا في ما أخبر من غلبة الروم على فارس لأنه أخبر عن غلبة ستكون، وستحدث، لا عن غلبة قد كانت. ومثل هذا لا يدركه البشر، ولا يستفاد منه( ٧ ) إذ لا يبلغه علم البشر، ولا يدرك بالقياس السابق من الأمور.
فإذا كان على ما أخبر دل أنه بالله أُعْلِم ذلك، وبوحي منه إليه، فعرف ذلك.
وهم :جائز أن يستدلوا بما كان من قبل من غلبة فارس على الروم أن يقولوا :تغلب فارس على الروم بما شاهدوه مرة أو بوجوه( ٨ ) أخر، يستدلون بذلك :من نحو أن يقولوا :إنهم أهل كتاب وعبادة، يكونون مشاغيل بالنظر فيها والعمل ببعض ما فيها، لا يتفرغون للقتال والحرب، أو أن يقولوا :إنهم نصارى ؛ أعني أهل الروم، وليس في سنتهم ومذهبهم القتال والحرب، فيستدلون بمثل هذه الوجوه على أن لا غلبة تكون لهم، ولا ظفر.
وأما أهل الإسلام، فليس لهم شيء من تلك الوجوه، ولا بغيرها وجه الاستدلال بغلبة أولئك، فما قالوا ذلك إلا وحيا من الله وإعلاما منه إياه. فكان في ذلك أعظم آية في صدق رسوله وأكبرها.
فيكون فرح المؤمنين وذكر نصر الله بإظهار تلك الآية في تصديق رسوله إذ نصر رسوله حيث أظهر صدقه ورسالته.
وقوله ﴿ غلبت ﴾، على الماضي لما كان من غلبة فارس على الروم. وغَلَبت بالفتح على المستقبل، أي تَغْلِبُ الروم على فارس، وهو كقوله : ﴿ فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا ﴾ [ سبأ :١٩ ] على الأمر في المستقبل، و :ربنا( ٩ ) باعد بين أسفارنا على الخبر. فعلى ذلك الأول.
وقوله تعالى : ﴿ في أدنى الأرض ﴾ قيل :أقرب إلى أرض فارس. وقال بعضهم : ﴿ في أدنى الأرض ﴾ أي أدنى أرض/٤٠٩-ب/ الشام. وقيل :الأرض التي تلي فارس، والله أعلم.
وفي قوله( ١٠ ) : ﴿ وهم من بعد غلبهم سيغلبون ﴾ وفي قوله : ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ ﴿ وبنصر الله ﴾ [ الروم :٤ و٥ ] وجوه على المعتزلة :
أحدهما :يقال لهم :وعد أن يغلب الروم فارس، وقد أراد أن يخرج ما وعد حقا، صدقا أم لا ؟
فإن قالوا :لا فقد أعظموا القول، وأفحشوا حين( ١١ ) زعموا أنه أراد ألا يفي بما وعد أن يكون.
وإن قالوا :نعم قيل :دل أنه أراد ما فعلوا، وإن كان الفعل منهم فعل معصية وخلاف، إذ محاربة كل فريق أصحابهم معصية، إذ لم يؤمروا بذلك، وإنما أمروا بالإسلام. فدل أن الله مريد لما يعلم أنه يكون منهم، وإن كان ما يكون منهم معصية.
والثاني :ما أخبر بفرح المؤمنين بغلبة هؤلاء على أولئك على أي جهة كان فرحهم لإثبات آية عظيمة على رسالة نبيهم ونبوته على ما ذكرنا، أو لأنهم كانوا أهل كتب الله ودراستها أحبوا غلبتهم عليهم، وفرحوا بذلك، ولا يحتمل أن يفرحوا بذلك، ولم يأمرهم بذلك، ولا أراد منهم ذلك.
دل أنهم فرحوا بذلك لما أراد ذلك.
والثالث :في قوله : ﴿ بنصر الله ينصر من يشاء ﴾ دلالة أن الله في فعل العباد صنعا وتدبيرا حين( ١٢ ) ذكر فعل بعضهم على بعض، ثم سمى نصر الله. دل أن له بذلك تدبيرا.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ج ٥/٦٣..
٢ في الأصل وم: الآية..
٣ في الأصل وم: أجمع..
٤ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: ولا النسبة..
٥ في الأصل وم: وقولهم..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: منهم..
٨ من م، في الأصل: بوجوب..
٩ انظر معجم القراءات القرآنية ح ٥/١٥٥..
١٠ في الأصل وم: قولهم..
١١ في الأصل وم: حيث..
١٢ في الأصل وم: أحيث..
الآية ٤ وقوله تعالى : ﴿ في بضع سنين ﴾ قيل :البضع سبع، وقيل :ما دون العشر فهو بضع. وكذلك ذكر في الخبر أن أبا بكر رضي الله عنه لما خاطر المشركين، وبايعهم في ذلك خطر( ١ ) في سنين ذكرها، فمضت تلك المدة، ولم تغلب الروم على فارس.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر( أما علمت أن ما دون العشر بضع كله، فزد في الأجل، وزد في الخطر ) [ ابن جرير الطبري في تفسيره ٢١/١٨ ] ففعل ذلك. فلم تمض تلك السِّنونَ حتى ظهرت الروم على فارس.
وفي بعض الحديث [ أنه ] ( ٢ ) قال رسول صلى الله عليه وسلم :( ألم تكونوا أحقاء أن تؤجلوا أجلا دون العشر، فإن البضع ما بين الثلاث إلى العشر، فزايدوهم [ في القمار ]( ٣ ) ومادّوهم في الأجل ) [ ابن جرير الطبري في تفسيره :٢١/١٩ ] ففعلوا حتى ظهرت الروم على فارس.
ثم المسالة في المخاطرة التي كانت بين أبي بكر وبين أولئك الكفرة [ تخرّج على وجهين :
أحدهما ] ( ٤ ) :أن مكة كانت يومئذ دار حرب. دليله قوله : ﴿ وإذ يمكر بك الذين كفروا ﴾ الآية [ الأنفال :٣٠ ].
وذلك كان قبل الهجرة. أما أمر بالهجرة أيضا إلى المدينة، ونحوه كثير. وذلك كان كله قبل غلبة الروم على فارس.
فإذا كانت مكة يومئذ دار حرب جازت المخاطرة بالعقود في دار الحرب في ما بينهم وبين أهل الحرب، وإن كان مثلها في دار الإسلام غير جائز.
وهذا يدل لأبي حنيفة، رحمه الله، في إجازته عقد الربا في دار الحرب في ما بينهم وبين أهل الإسلام، وإن كان مثله في دار الإسلام غير جائز.
والثاني :جاز ذلك يومئذ، وإن كانت فيه جهالة أسنان الإبل. والجهالة في العقود إنما تبطل العقود لخوف وقوع التنازع بينهم في أمثالهم، لا يتوهم وقوعه إن كانوا أهل شرف وكرم وأهل جود لا ينازعوا في أمثالها.
فإذا كان التنازع في مثلها مرتفعا من بينهم جاز ذلك أن يكون التنازع بينهم في الدين. فأما في الأموال فقلما يقع لما ذكرنا.
ومنهم من يقول :كان جائزا ذلك في الجاهلية. فأما اليوم فقد جاء النهي عن القمار فنسخه. وإنما عرف النهي عن الميسر، والميسر هو القمار فيكون النهي عن الشيء نهيا عما هو في معناه، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ لله الأمر من قبل ومن بعد ﴾ قال بعضهم : ﴿ لله الأمر من قبل ﴾ قبل غلبة فارس على الروم ﴿ ومن بعد ﴾ بعد غلبة فارس على الروم. ويقال : ﴿ لله الأمر من قبل ﴾ حين ظهرت الفارس على الروم ﴿ ومن بعد ﴾ بعدما ظهرت الروم [ على فارس. وجائز ]( ٥ ) أن يكون قوله : ﴿ لله الأمر ﴾ في خلقه، أي التدبير فيه وله الأمر فيهم، أي ليس لأحد في الخلق أمر ولا تدبير، وإنما ذلك له كقوله : ﴿ ألا له الخلق والأمر ﴾ [ الأعراف :٥٤ ] له التدبير فيهم والأمر.
وفي قراءة من قرأ : ﴿ غلبت الروم ﴾ غَلبت بالنصب يكون قوله : ﴿ وهم من بعد غلبهم سيغلبون ﴾ حين يتظاهر عليهم المسلمون في آخر الزمان حين تفتح قسطنطينية.
وفي حرف ابن مسعود وحفصة :في بعض سنين قريبا.
١ في الأصل وم: يخطر..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: أحدها..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٥ وقوله تعالى : ﴿ ويومئذ يفرح المؤمنون ﴾ ﴿ بنصر الله ينصر من يشاء ﴾ فرح المؤمنون بنصر الله حين( ١ ) نصر رسوله بإظهار الآية له في إثبات الرسالة والنبوة.
وقوله تعالى : ﴿ وهو العزيز الرحيم ﴾ ذكر العزيز على إثر ما سبق لأنه عزيز بذاته. فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب وهنا ولا نقصا في ملكه وسلطانه، ليس كهلاك بعض عبيد ملوك الأرض [ وأتباعهم وحشمهم ]( ٢ ) لأن ملوك الأرض أعزاء بذلك. فإذا هلك ذلك ذهب عزهم. فأما سبحانه وتعالى، إذ هو عزيز بذاته لا بشيء، فهلاك من هلك من عبيده لا يوجب نقصا ولا ذلا فيه.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: وأتباعه وحشمه..
الآية ٦ وقوله تعالى : ﴿ وعد الله لا يخلف الله وعده ﴾ إنما يكون خُلْفَ الوعد في الشاهد لأحد خصال ثلاث :
إما الندامة :استقبلته في ما وعد، فتمنعه تلك الندامة عن إنجاز ما وعد [ وحفظ الوفاء له.
وإما الحاجة :وقعت له في ما وعد، فتمنعه تلك الحاجة عن وفاء ما وعد وإنجاز ما أطمع.
وإما العجز :يكون به، لا يقدر على إنجاز ما وعد ]( ١ ) فيحمله عجزه عن وفاء ما وعد وإنجازه.
فإذا كان الله سبحانه يتعالى عن الوجوه التي ذكرنا كان ما وعد لم يحتمل الخلف منه، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى : ﴿ ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾ يحتمل قوله : ﴿ لا يعلمون ﴾ لما لم ينظروا، ولم يتفكّروا في الأسباب التي هي أسباب العلم بعد ما أعطاهم أسباب العلم. لكنهم إذا تركوا النظر في الأسباب والتفكر فيها لم يعلموا، فلم يعذروا بذلك لتركهم النظر والتفكر فيها.
ويحتمل قوله : ﴿ لا يعلمون ﴾ أي [ لا ]( ٢ ) ينتفعون بما علموا، فنفى عنهم العلم لما لم ينتفعوا بهذه الحواس، وإن كانت لهم هذه الحواس.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٧ وقوله تعالى : ﴿ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾ يحتمل قوله : ﴿ ظاهرا ﴾ الأشياء في المنافع، ولا يعلمون باطن المنافع بم ؟ وكيف ؟ نحو ما يعلم أن الماء به حياة الأشياء ويعلمون أن بالطعام قوام الأبدان، ولكن لا يعلمون قدر منفعته وكيفيته وما في سرية ذلك من المنافع. وكذلك السمع والبصر واللسان، لا تعلم حقيقة ذلك وكيفيته، وإن كان يعلم أن بها يسمع، ويبصر، ويتكلم، ويفهم.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ يعلمون ظاهرا ﴾ منافع ﴿ الحياة الدنيا وهم ﴾ عن منافع ﴿ الآخرة هم غافلون ﴾ وإنما أنشئت منافع الدنيا لا لتكون لها، ولكن ليعلموا بها منافع الآخرة.
وابن عباس والكلبي وهؤلاء يقولون : ﴿ يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا ﴾ قالوا :يعلمون معايشهم وتجارتهم وحرفهم وجميع الأسباب والمكاسب والحيل التي بها تقوم أمور دنياهم ﴿ وهم عن الآخرة هم غافلون ﴾ أي لا يؤمنون بها، والله أعلم.
الآية ٨ وقوله تعالى : ﴿ أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن كل استفهام من الله وسؤال يخرج على الإيجاب والإلزام. ثم الإيجاب يخرج على وجوه :
أحدها :أن قد تفكروا، واعتبروا، ونظروا، وعرفوا أنه ﴿ ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ لكنهم عاندوا، وكابروا، ولم ينقادوا للحق، ولم يقروا.
والثاني :يخرج على الأمر، أي تفكروا، وانظروا، واعتبروا، لتعلموا أنه ﴿ ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾.
والثالث :على الخبر أنهم لم يتفكروا، ولم ينظروا. ولم يعتبروا. ولو تكفروا، واعتبروا لعلموا ﴿ ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ لكنهم لم يتفكروا، ولم ينظروا بعد ما أعطوا أسباب العلم به. فلم يعذروا بترك التفكر والنظر والاعتبار.
وعلى هذه الوجوه الثلاثة يخرج قوله : ﴿ أولم يسيروا في الأرض فينظروا ﴾ /٤١٠-أ/ ويعلموا ما حل بالمكذبين بالتكذيب وما صارت عاقبة أمرهم، أو سيروا في الأرض على الأمر لتعرفوا ما أصاب أولئك بالتكذيب، أو لم يسيروا في الأرض على ما ذكرنا لئلا يعلموا عاقبة أولئك.
ثم قوله : ﴿ إلا بالحق ﴾ قيل فيه بوجوه :
أحدها :أن ﴿ ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ الذي عليهم من الشكر في ما أنعم عليهم والتعظيم له والتبجيل.
والثاني : ﴿ إلا بالحق ﴾ الذي لله عليهم من الشكر له في ما أنعم عليهم، أي ما يحمد بفعله عاقبة ما لولا تلك العاقبة لكان لا يحمد، إذ في الحكمة التفريق بين الولي والعدو، وقد أشركهم جميعا في هذه الدنيا( ١ ). ولو لم يجعل دارا أخرى يفرق فيها بينهما لكان لا يحمد في ما أشركهم فيها.
والثالث : ﴿ إلا بالحق ﴾ أي بالبعث لأنه لو يكن البعث لكان خلقه السماوات والأرض وما بينهما لعبا باطلا لا حقا كقوله : ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ [ المؤمنون :١١٥ ].
وقوله تعالى : ﴿ وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون ﴾ سمي البعث لقاء الرب والمصير إليه والرجوع إليه والبروز إليه والخروج، وإن كانوا في الأوقات كلها بارزين له خارجين صائرين إليه راجعين، لأن خلقه إياهم إنما صار حكمة لذلك البعث، والمقصود بخلقهم ذلك البعث. لذلك سمي البعث بما ذكرنا.
١ أدرج بعدها في الأصل وم: بين الولي والعدو..
الآية ٩ وقوله تعالى : ﴿ أولم يسيرا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ﴾ وهو يخرج على الوجوه التي ذكرنا في قوله : ﴿ أولم يتفكروا في أنفسهم ﴾ [ الروم :٨ ].
وقوله تعالى : ﴿ كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ يذكر أهل مكة، ويوبخهم في تكذيبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوء معاملتهم إياه بما ذكر من القرون الماضية أنهم مع شدتهم وقوتهم وبطشهم وكثرة أتباعهم وحواشيهم وأموالهم وطول أعمارهم وبنيانهم لم( ١ ) يتهيأ لهم الانتصار( ٢ ) والامتناع عن عذاب الله إذا حل بهم بتكذيبهم الرسل. فأنتم( ٣ ) يا أهل مكة دونهم في القوة والبطش والحواشي والأتباع، فكيف يتهيأ لكم الانتصار والامتناع عن عذاب الله إذا كذبتم الرسول ؟ والله أعلم.
١ في الأصل وم: ولم..
٢ من م، في الأصل: الانتصاب..
٣ من م، في الأصل: كأنهم..
الآية ١٠ وقوله تعالى : ﴿ فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى ﴾ جائز أن يكون على التقديم والتأخير : ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى ﴾ مقدما على قوله ﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ يقول :ما حل بهم من العذاب، وعذبوا في هذه الدنيا بتكذيبهم، لم يظلمهم الله، ولكن ظلموا أنفسهم بما أساؤوا.
ويحتمل أن يكون قوله : ﴿ فما كان الله ليظلمهم ﴾ في تعذيبهم في الدنيا ﴿ ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ﴾ ثم يكون قوله : ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا ﴾ في الدنيا ﴿ السوأى ﴾ في الآخرة، فيكون في الدنيا ما عذبوا تعذيب عناد ومكابرة، وما يعذبون في الآخرة تعذيب كفر وتكذيب، وهو ما قال : ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله ﴾.
وقال بعضهم : ﴿ وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها ﴾ قومك يا محمد، أي بقوا فيها أكثر مما بقي الذين أرسلت إليهم. وقال بعضهم :عاشوا يعمرون الأرض أكثر مما عمروها، عملوا بها أكثر مما عمل هؤلاء. وبعضه قريب من بعض.
وقال أبو عوسجة ﴿ وأثاروا الأرض ﴾ أي حرثوها. وقال القتبي ﴿ وأثاروا الأرض ﴾ أي قلبوها للزراعة، ويقال :البقرة المثيرة. وقال الله تعالى : ﴿ إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ﴾ [ البقرة :٧١ ] وقوله تعالى : ﴿ أساءوا السوأى ﴾ أي جهنم.
وكذلك [ قال ]( ١ ) الكسائي : ﴿ السوأى ﴾ هي النار كقوله : ﴿ وعقبى الكافرين النار ﴾ [ الرعد :٣٥ ] أي كانت عاقبتهم النار بما كذبوا بآيات الله، واستهزؤوا( ٢ ) بها.
وقوله : ﴿ ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى ﴾ يحتمل قوله : ﴿ أساءوا ﴾ إلى الرسل بالتكذيب وأنواع الأذى. ويحتمل ﴿ أساءوا ﴾ إلى أنفسهم حين( ٣ ) أهلكوها، وأوقعوها في النار و السوأى :اسم من أسماء النار [ كالعسرى والهاوية ]( ٤ ) ونحوهما [ واليسرى والحسنى ]( ٥ ) من أسماء الجنة.
وقوله تعالى : ﴿ أن كذبوا بآيات الله ﴾ يذكر أهل مكة، ويخوفهم، أن ما حل بأولئك [ في ]( ٦ ) القرون الماضية من الإهلاك والاستئصال إنما كان بتكذيب الآيات والاستهزاء بها في هذه الدنيا. فأنتم يا أهل مكة إذ كذبتم الآيات والحجج، واستهزأتم بها يصيبكم ما أصاب أولئك بالتكذيب. والآيات تحتمل حجج التوحيد وحجج الرسل في إثبات الرسالة وآيات( ٧ ) البعث.
وقوله تعالى : ﴿ وكانوا بها يستهزئون ﴾ يحتمل بالآيات التي ذكر أو بما( ٨ ) أوعدهم الرسل من العذاب والإهلاك، فاستهزؤوا بذلك.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، في الأصل: واستهزاء..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿فسنيسره للعسرى﴾[الليل: ١٠] وقوله تعالى: ﴿فأمه هاوية﴾ [القارعة]..
٥ إشارة على قوله تعالى: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ ﴿وكذب بالحسنى﴾ [الليل: ٧ و٨ و٩]..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ من م، في الأصل: أو آيات..
٨ الباء ساقطة من الأصل وم..
الآية ١١ وقوله تعالى : ﴿ الله يبدئ الخلق ثم يعيده ﴾ هذا في الظاهر دعوى، لكنه قد بين في ما تقدم من الآيات ما يلزمهم بالإعادة( ١ ) والإحياء من بعد الموت حين( ٢ ) قال : ﴿ أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ الآية [ الروم :٨ ].
وفي قوله تعالى : ﴿ أو لم يسيروا في الأرض ﴾ وغيره( ٣ ) من الآيات ما ألزمهم من الآيات أنه لو لم يكن له إعادة وبعث كان خلقهم عبثا باطلا خارجا عن الحكمة. والقدرة في ابتداء الإنشاء، إن لم تكن أكثر فلا تكون دون الإعادة. فمن ملك، وقدر على الابتداء كان على الإعادة أقدر ؛ إذ إعادة الشيء عندكم أهون وأيسر من ابتداء الإنشاء على ما ذكر( ٤ ) في قوله : ﴿ وهو أهون عليه ﴾ [ الروم :٢٧ ].
وقوله تعالى : ﴿ ثم إليه ترجعون ﴾ ذكر الإعادة والإحياء بعد الموت والرجوع إليه لما ذكرنا أن المقصود في خلقهم في هذه الدنيا الإعادة والإحياء. لذلك سمى الإعادة الرجوع إليه والمصير والبروز له، وإن كانوا في جميع الأحوال صائرين إليه راجعين بارزين له خارجين.
١ الباء ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: وغيرها..
٤ من م، في الأصل: ذكرتم..
الآية ١٢ وقوله تعالى : ﴿ ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ﴾ قال بعضهم :الإبلاس هو الإياس، يبلسون :يأيسون في الآخرة عما كانوا يطمعون بعبادتهم تلك الأصنام والأوثان في هذه الدنيا حين( ١ ) قالوا : ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ [ الزمر :٣ ] وقالوا : ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [ يونس :١٨ ] ونحوه.
يقول :يأيسون من الآخرة عما طمعوا بعبادتهم في الدنيا حين يشهدون( ٢ ) عليهم، ويتبرؤون منهم.
وقال بعضهم :يأيسون من كل خير. وقال بعضهم :الإبلاس هو الفضيحة، أي يفتضحون بما عملوا. وقال بعضهم :المبلس كل منقطع رجاؤه ساكت كالمتحير في أمره. وقال بعضهم :المبلس كل آيس حزين.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: شهدوا..
الآية ١٣ وقوله تعالى : ﴿ ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء ﴾ هو ما ذكرنا أن الأصنام التي عبدوها، وسموها آلهة، لا تشفع لهم ﴿ وكانوا بشركائهم كافرين ﴾ يحتمل هذا [ وجوها :
أحدها ] ( ١ ) :أي الأصنام بهم كافرون.
[ والثاني ]( ٢ ) :هم يكفرون بالأصنام إذا لم يشفعوا لهم، وصاروا شهداء عليهم.
[ والثالث ]( ٣ ) :كل يكفر بصاحبه كقوله : ﴿ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ﴾ [ العنكبوت :٢٥ ] والله أعلم.
١ في الأصل وم: وجهين إحداهما..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: أو..
الآية ١٤ وقوله تعالى : ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ﴾ سمى الله تعالى ذلك اليوم يوم الجمع بقوله :( ١ )﴿ يوم يجمعكم ليوم الجمع ﴾ [ التغابن :٩ والشورى :٧ ] وسماه( ٢ ) يوم الافتراق [ في هذه الآية ]( ٣ ) فهو يوم الجمع في أول ما يبعثون، ويحشرون، ثم يفرق بينهم تفريقا، لا اجتماع بينهم [ بعده ]( ٤ ) أبدا كقوله : ﴿ فريق في الجنة وفريق في السعير ﴾ [ الشورى :٧ ] فهو يوم الجمع في حال [ ويوم الافتراق في حال ]( ٥ ) ووقت آخر.
وبعض أهل التأويل يقولون :قوله : ﴿ يومئذ يتفرقون ﴾ العابد والمعبود والتابع والمتبوع بعدما كانوا مجتمعين في الدنيا، وهو ما ذكر في آية أخرى : ﴿ يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ﴾ /٤١٠-ب/ الآية [ العنكبوت :٢٥ ] فهذا تفرقهم على قولهم( ٦ ).
والوجه فيه ما ذكرنا بدءا، والله أعلم.
١ من م، في الأصل: يقوم..
٢ في الأصل وم: وسمى..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: قولهم بعضهم..
الآية ١٥ وقوله تعالى : ﴿ فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴾ آمنوا بكل ما أمروا أن يؤمنوا به، وعملوا بكل ما أمروا أن يعملوا ﴿ فهم في روضة يحبرون ﴾ والروضة كأنها اسم من أسماء الجنان.
وقوله تعالى : ﴿ يحبرون ﴾ قال بعضهم :يكرمون، وقال بعضهم : ﴿ يحبرون ﴾ يسرّون. والحبرة السرور، ومنه يقال :كل حبرة يتبعها عبرة.
والزجاج يقول : ﴿ يحبرون ﴾ يتنعمون، والحبرة النعمة الحسنة، والله أعلم بذلك.
الآية ١٦ وقوله تعالى : ﴿ وأما الذين كفروا ﴾ أي جحدوا توحيد الله، وأنكروه ﴿ وكذبوا بآياتنا ﴾ يحتمل :كذبوا بآياتنا [ آيات ]( ١ ) التوحيد وآيات الرسالة وآيات البعث ﴿ فأولئك في العذاب محضرون ﴾ أي يحضر الأتباع والمتبوع جميعا في النار، ويجمع بينهم كقوله : ﴿ احشروا الذين ظلموا وأزواجهم ﴾ الآية [ الصافات :٢٢ ] وقوله : ﴿ فبئس القرين ﴾ ﴿ ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون ﴾ [ الزخرف :٣٨و ٣٩ ].
١ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ١٧ وقوله تعالى : ﴿ فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون ﴾ قوله : ﴿ فسبحان الله ﴾ فهمت الأمة من قوله : ﴿ فسبحان الله ﴾ الصلاة، أي صلوا لله. ولو كانت أفهام أهل زماننا هذا لكانوا لا يفهمون سوى التسبيح المذكور.
ثم يحتمل تسميتهم التسبيح صلاة وفهمهم منه ذلك لوجهين :
أحدهما :لما في الصلاة تسبيح، فسموها بذلك لما فيها ذلك.
[ والثاني ]( ١ ) :لما أن التسبيح تنزيه، والصلاة من أولها إلى أخرها تنزيه الرب لأن فيها إظهار الحاجات إليه والعجز والضعف، ومنها تعظيم الرب وإجلاله ووصفه بالجلال والرفعة. ففهموا من التسبيح الصلاة لما ذكرنا لما هي في( ٢ ) تنزيه الرب من أولها إلى آخرها.
ثم منهم من قال :إن الصلوات الخمس ذكرت في هذه الآية [ والتي تليها ]( ٣ ) بقوله : ﴿ فسبحان الله حين تمسون ﴾ صلاة المغرب والعشاء الآخرة ﴿ وحين تصبحون ﴾ صلاة الفجر ﴿ وعشيا ﴾ صلاة العصر ﴿ وحين تظهرون ﴾ صلاة الظهر.
ومنهم من يقول :لا بل ذكرت [ فيهما أربع ]( ٤ ) صلوات ﴿ حين تمسون ﴾ المغرب ﴿ وحين تصبحون ﴾ الفجر ﴿ وعشيا ﴾ العصر ﴿ وحين تظهرون ﴾ الظهر. وأما العشاء الآخرة ففي قوله : ﴿ ومن بعد صلاة العشاء ثلاث عورات لكم ﴾ [ النور :٥٨ ] والله أعلم.
١ في الأصل وم: أو..
٢ في الأصل وم: من..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: فيها أربع..
الآية ١٨ وقوله تعالى : ﴿ وله الحمد في السماوات والأرض ﴾ يحتمل قوله : ﴿ وله الحمد ﴾ على التقديم ؛ يقول :سبحان الله، ﴿ وله الحمد ﴾ فيكون الحمد كناية عن الصلاة كالتسبيح لما فيها من التحميد، أو يقول :له يحمد أهل السماوات والأرض( ١ ) :جين يمسون وحين يصبحون وحين يظهرون، أي إذا دخلوا في المساء والعشاء والصبح والظهر.
١ أدرج قبلها في الأصل: وقوله..
الآية ١٩ وقوله تعالى : ﴿ يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ﴾ يخبر عن قدرته في إنشاء الأشياء مبتدئا لا من أصل، لأنه قال : ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ والميت ليس فيه حياة، وكذلك ﴿ الميت من الحي ﴾ وليس في الحي موت. ولكنه يخرج هذا من هذا على ابتداء الحياة فيه وابتداء الموت فيه من غير أن كان فيه ما ذكر.
ثم اختلف فيه أهل التأويل :قال بعضهم :يخرج الناس والدواب والطير من النطف ﴿ ويخرج الميت ﴾ يعني النطف ﴿ من الحي ﴾ من الناس والدواب والطير.
وقال بعضهم : ﴿ يخرج الحي من الميت ﴾ أي المسلم من الكافر ﴿ ويخرج الميت من الحي ﴾ أي الكافر من المسلم.
ولكن يجيء على هذا أن يقول :يخرج من المسلم ما لا يكون كافرا ومن الكافر ما لم يصر مسلما، لأن ما يخرج لا يوصف بالإسلام ولا بالكفر، ولا ينسب إلى واحد منهما وقت الخروج حتى يبلغ، فيكون منه فعل الكفر أو فعل الإسلام. وقد ذكرنا هذا في ما تقدم.
وفي الآيات التي تقدم ذكرها من نحو قوله : ﴿ أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ الآية وقوله : ﴿ أو لم يسيروا في الأرض ﴾ الآية [ الروم :٨ و ٩ ] وأمثال ذلك ما يذكر، ويخبر أولئك الكفرة عن قدرته وسلطانه، وألزمهم ذلك.
وفي الآية نقض قول المعتزلة لأنهم لا يجعلون القدرة على فعل بعوضة، فلا يكون لهم الاحتجاج على أولئك الكفرة في القدرة على الإعادة والإنشاء بعد ما صاروا رمادا، أو كلام نحو هذا.
وقوله تعالى : ﴿ وكذلك تخرجون ﴾ أي كذلك تبعثون، وتحيون، كما أخرج الحي من الميت والميت من الحي من غير أن كانت الحياة في الميت والموت في الحي، والله أعلم.
الآية ٢٠ وقوله تعالى : ﴿ ومن آياته ﴾ يحتمل آيات وحدانيته وربوبيته وحججه وآيات بعثه وإحيائه وآيات رسالة الرسل ونحوها( ١ ).
وقوله تعالى : ﴿ أن خلقكم من تراب ﴾ يخرج على وجوه :
أحدها :نسب خلقنا إلى التراب لأنا إنما خلقنا من أصل، خلق ذلك الأصل من التراب، وهم آدم، وإن لم تكن أنفسنا مخلوقة من تراب حقيقة كما نسب خلقنا إلى النطفة، وإن لم تخلق أنفسنا كما هي من النطفة. لكنه أضاف ذلك، ونسبه إلى النطفة لما هي أصل ما خلقنا منها.
والثاني :نسبنا إلى التراب لما جعل أغذيتنا وما به قوام أنفسنا وأبداننا في الخارج من التراب. فإنما هو إخبار بما به قوام أنفسنا وأبداننا، وإن لم نخلق من التراب من الأصل. فيخبر، والله أعلم، أنكم لا تتصورون خلق الجسم إن لم تشاهدوا تلك الطينة التي منها تكون الأجسام بعد مشاهدة طينتها ومعاينتكم إياها، ورأيتم القدرة له على خلقها قبل أن تشاهدوا طينتها.
والثالث :نسب خلقنا إلى التراب، وهو آدم على ما ذكرنا. إلا أن قوله : ﴿ خلقكم ﴾ أي قدركم من ذلك الأصل. والتخليق هو التقدير في اللغة. وذلك جائز في اللغة ؛ وإنما قدرنا على تقدير ذلك الأصل. وذلك جائز :نسبتنا وإضافتنا إلى التراب، إن صح ما ذكر في بعض الأخبار ؛ ذكر أن ملكا يأتي بكف من تراب، فيذره في تلك النطفة في رحم المرأة، فيخلق منه حينئذ الولد.
فإن صح هذا فيكون خلق جميع الناس، وأصلهم من تراب.
وقوله تعالى : ﴿ ثم إذا أنتم بشر تنتشرون ﴾ أي ثم إذا ذرية من بعد بشر تنبسطون كقوله تعالى : ﴿ وينشر رحمته ﴾ [ الشورى :٢٨ ] أي يبسط. أو ﴿ تنتشرون ﴾ أي تتفرقون في حوائجكم في طلب أغذيتكم وما به قوام أنفسكم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: ونحوه..
الآية ٢١ وقوله تعالى : ﴿ ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا ﴾ [ يحتمل وجهين :
أحدهما ] ( ١ ) :أي من أجناسكم وأشكالكم ﴿ لتسكنوا إليها ﴾ يقول :إنما جعل ما تسكنون إليه، وتتآلفون من جنسكم وشكلكم ما تعرفون، لم يجعل في غير جنسكم وشكلكم ما تعرفون كقوله : ﴿ لقد جاءكم رسول من أنفسكم ﴾ [ التوبة :١٢٨ ] أي من جنسكم وشكلكم من تعرفون صدقه وبعثه وأمانته ما لو من غير جنسكم وشكلكم لا تعرفونه.
فعلى ذلك جائز قوله : ﴿ خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها ﴾ أي من جنسكم ما تسكنون إليها [ وتستأنسون بهم ما لو كانوا من غير جنسهم لا يكون ذلك :أن يستأنس كل ذي شكل بشكله وجنسه.
والثاني :ما ذكرنا أنه أراد آدم وحواء، أي خلق زوجته حواء من نفسه، فجعلها له سكنا يسكن إليها ]( ٢ ) ويستأنس بها، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وجعل بينكم ﴾ أي بينكم وبين الأزواج ﴿ مودة وحمة ﴾ يحتمل قوله ﴿ مودة ورحمة ﴾ وجهين :
أحدهما :يودها لما جعلها( ٣ ) له موضعا لقضاء شهوته وحاجته، وكذلك هي توده لذلك. ﴿ ورحمة ﴾ أي يرحم بعضهم بعضا، ويتحنن إليه إذا نزل منهما ما يمنع قضاء الشهوة والحاجة.
والثاني :يود بعضهم بعضا، ويرحم بالطبع والخلقة ؛ إذ كل ذي طبع يود شكله وجنسه إذا كان في حال السعة والرخاء والسرور، ويرحمه إذا نزل به البلاء والشدة.
هذا معروف عند الناس :أن يتراحم بعضهم على بعض في حال نزول البلاء والشدة، ويتوادوا( ٤ ) في حال السعة والسرور.
وقال/٤١١-أ/ الحسن : ﴿ وجعل بينكم مودة ﴾ أي الجماع ﴿ ورحمة ﴾ أي الولد. فكيف ما كان فهو يخبر عن لطفه ومنته حين( ٥ ) جعل بين الزوج والزوجة المودة والرحمة على عدم القرابة والرحم وبعد ما بينهما، فصارا لما ذكرنا في المودة والرحمة كالقريبين وذوي الرحمين وأقرب القريب.
ثم [ الآية حجة ]( ٦ ) على المعتزلة لأنه أخبر أنه جعل بينهم مودة ورحمة، وذلك فعل الزوجين في الظاهر.
ثم أضاف ذلك إلى نفسه، وأخبر أنه جعل [ ذلك آية، فدل ]( ٧ ) أن له صنعا في ذلك، فيبطل قولهم :أن ليس لله صنع في فعل العباد، ويظل( ٨ ) اللطف الذي ذكر أنه جعله( ٩ ) بينهم.
وقوله تعالى : ﴿ إن في ذلك لآيات ﴾ لما ذكرنا من آيات وحدانيته وربوبيته وآيات البعث والنشور وآيات الرسالة ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ لقوم ينتفعون، وهم المؤمنون، أو ﴿ لقوم يتفكرون ﴾ يتدبرون( ١٠ )، ويعتبرون، فينتفعون( ١١ ).
فأما من لا يتفكر، ويتدبر، فلا ينتفع [ بها، وهي ليست ]( ١٢ ) بآيات له، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: جعل..
٤ في الأصل وم: ويوادهم..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: دل..
٨ في الأصل وم: ويبطل..
٩ في الأصل وم: جعل..
١٠ في الأصل وم: ويتدبرون..
١١ في الأصل وم: فيعرفون..
١٢ في الأصل وم: به فهو ليس..
الآية ٢٢ وقوله تعالى : ﴿ ومن آياته ﴾ آيات وحدانيته وربوبيته وألوهيته وآيات بعثه، وقوله تعالى : ﴿ خلق السماوات والأرض ﴾ في خلق السماوات ورفعها في الهواء وإقرارها فيه آية لأنه غير موهوم مثله من فعل الخلق وفي قدرتهم. وكذلك خلق الأرض وبسطها وإقرارها على الماء أو على الريح خارج عن فعل الخلق ومن قدرتهم غير موهوم ذلك في أوهامهم وعقولهم من غير الواحد العالم القادر بذاته.
فإذا كان ما ذكر غير موهوم في أوهامهم وعقولهم من غير الله فهم إنما أنكروا البعث لما يعاينوا ذلك، ولم يشاهدوه في أوهامهم بعد أن كان ذلك موهوما من الله مشاهدا معاينا. لمثل هذا، والله أعلم، يذكر هذا. وقوله تعالى : ﴿ واختلاف ألسنتكم وألوانكم ﴾ كأنه يقول :وفي خلق اختلاف ألسنتكم آياته أيضا، لأن الألسن بحيث خلقه الألسن غير مختلفة، ولكن إنما تختلف بحيث النطق والتكلم بها لا يقع في التكلم بها والنطق والصوت تشابه بحال وخروج( ١ ) عما يقدرون من الكلام، وإن كانت بحيث خلقتها واحدة غير مختلفة.
فهذا على المعتزلة لقولهم :إن أقوال العباد غير مخلوقة، لا صنع لله في ذلك. فلو لم يكن له في ما يتكلمون، وينطقون على اختلاف ذلك صنع، فلا آية تكون له في ذلك، فدل أنه إنما صار آية له لما له صنع في ذلك، وكذلك في ما تختلف الألوان بفعل يكون من الخلق، ويتغير عند الغضب والسرور و الفرح، ثم أخبر أن ذلك [ من ]( ٢ ) آياته، دل أنه خالق لأفعالهم، حتى كان آية له، والله أعلم.
وأهل التأويل يقولون : ﴿ واختلاف ألسنتكم ﴾ عربي وأعجمي ونبطي وتركي ونحوه ﴿ وألوانكم ﴾ أبيض وأحمر وأسود ونحوه. وأصله ما ذكرنا.
[ وقوله تعالى ] ( ٣ ) : ﴿ إن في ذلك لآيات للعالمين ﴾ جائز أن تكون آيات لمن انتفع به من العالمين، أو آية لمن تفكر، وتدبر، من العالمين. لأنه إذا تفكر، وتدبر، عرف وجهة الآية في ذلك.
١ في الأصل وم: وخروجه...
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة في الأصل وم..
الآية ٢٣ وقوله تعالى : ﴿ ومن آياته منامكم بالليل والنهار ﴾ لأن النوم يأخذهم من غير أن يعرفوا أنه من أين مأتاه ومأخذه ؟ ثم يأخذ منهم جميع الأحياء من السمع والنطق والفهم والرؤية وجميع ما ينتفع به قبل ذلك.
ثم يرد ذلك إليهم من غير أن عرفوا ذلك، فيعودون إلى ما كانوا من المنافع والاكتساب ليعلم أن من قدر على مثل هذا يقدر على أخذ الروح ونفسه ورده إليه، فهو أخو الموت.
قال الله تعالى : ﴿ وهو الذي يتوفاكم بالليل ﴾ [ الأنعام :٦٠ ] [ سمى النوم ]( ١ ) الوفاة، وهو مثلها( ٢ ) لما ذكرنا أن جميع منافع الأحياء يرتفع، ويزول بالنوم، ثم يرد إليه من غير أن يشعر بذلك. فمن قدر [ على هذا يقدر ]( ٣ ) على الإحياء بعد الموت.
وقوله تعالى : ﴿ وابتغاؤكم من فضله ﴾ وجهة الآية في ما يبتغون( ٤ ) من فضله، وهو خلقه تلك المكاسب والتجارات والحرف التي يبتغون بها الرزق.
أخبر أنه خلق ذلك منهم. ففيه دلالة خلق أفعال العباد. فهو على المعتزلة لإنكارهم خلق أفعالهم، أو أن تكون وجهة الآية فيه ما عرفهم تلك المكاسب والتجارات والحرف، وعلمهم إياها، وأحوجهم إليها ليصلوا إلى منافعهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ يحتمل قوله : ﴿ لقوم يسمعون ﴾ أي ينتفعون بسمعهم، أو لقوم يجيبون. والسمع يجوز أن يعبر به عن الإجابة كقوله صلى الله عليه وسلم :( سمع الله لمن حمده ) [ البخاري ٦٩٠ ] أي أجاب الله لمن دعاه، أو أن يكون قوله : ﴿ لقوم يسمعون ﴾ أي يعقلون. تجوز العبارة كقوله : ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون ﴾ [ يونس :٦٧ ] أي يعقلون. ويقال :لقوم يسمعون المواعظ، فيقبلونها فينتفعون بها.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: مثله..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: ينتفعون..
الآية ٢٤ وقوله تعالى : ﴿ ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا ﴾ قيل فيه وجهين :
أحدهما : ﴿ يريكم البرق ﴾ للخوف والطمع ؛ تخافون سلطانه وقدرته أن يصيبكم ذلك البرق، فيذهب بأبصاركم ﴿ وطمعا ﴾ ترجون رحمته بصرفه( ١ ) عنكم.
والثاني : ﴿ خوفا وطمعا ﴾ أي يريكم البرق تخافون، وتطمعون [ يحتمل وجهين :
أحدهما :يخاف ]( ٢ ) المسافر قطع سيره ومنعه عنه، ويطمع( ٣ ) المقيم برحمته ما يكثر به إنزاله ومعاشه.
والثاني :تخافون الصواعق، وتطمعون المطر، وهو ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وينزل من السماء ماء فيحي به الأرض بعد موتها ﴾ هو ظاهر، قد ذكرناه، ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون ﴾ يحتمل ما ذكرنا ﴿ لقوم يعقلون ﴾ ينتفعون بعقولهم، أو ﴿ لقوم يعقلون ﴾ لو تدبروا، وتفكروا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: بصرفكم..
٢ في الأصل وم: يخافه..
٣ في الأصل وم: وتطمعون أي..
الآية ٢٥ وقوله تعالى : ﴿ ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره ﴾ هو ما ذكرنا أنهما( ١ ) قاما على شيء غير موهوم، ذلك في أوهام الخلق شيء من أفعالهم على مثله، وهو الهواء والماء والريح. فكيف حملهم خروج شيء من أوهامهم على إنكاره وتكذيبه، وهو البعث والإحياء بعد الموت ؟ فمن قدر على أحدهما قدر على الآخر.
وقوله تعالى : ﴿ ثم أذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ اختلف فيه :قال بعضهم :على التقديم، أي ثم إذا دعاكم دعوة إذا أنتم تخرجون من الأرض. والدعوة :هي النفخة الآخرة. وقال بعضهم :هو ما ذكر :الدعوة تكون من الأرض من صخرة بيت المقدس. من هنالك تسمعون الدعوة.
ثم اختلف في الدعوة والصيحة والنفخة والصور ونحو ما ذكر :فمنهم من يقول على حقيقة الدعوة والصيحة والنفخة والصور على ما ذكر. وقال بعضهم :لا، ولكن ذلك إخبار عن سرعة نفاذ الأمر وعبارة عن خفة ذلك وهوله كقوله : ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ﴾ [ النحل :٧٧ ] وقوله : ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ [ النحل :٤٠ ]. ليس أن كان منه كاف ونون.
لكنه ذكر بأخف حروف يفهم منه المعنى. فعلى ذلك ذكر الصيحة والنفخة والدعوة والصور، والله أعلم.
وفي قوله : ﴿ ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون ﴾ دلالة وإخبار أنه قادر على الإنشاء والإحياء بلا سبب لأنه أخبر إذا دعاكم دعوة تخرجون. والدعوة ليست هي بسبب للإحياء والإنشاء. بل أخبر أنه يخرجهم إخراجا. ثبت أنه ما ذكرنا. وقد ذكرنا في اختلاف الألسن لو لم يكن ما يسمع منهم وما ينطقون يخلق في الحقيقة، فإذن آياته عبث، لأن الحروف [ لا ]( ٢ ) تشهد خلقه ولا جسمه ولا سمعه ولا ما( ٣ ) احتج، فيكون بمعنى من يقول :لله آيات في الكلام، واحتج بها على عباده الذين لم يطلعهم عليه/٤١١-ب/ ولا سبيل لهم إلى لاطلاع عليها، وذلك بعيد عن العقول، فثبت أن الله قد خلق كل نطق على ما عليه، يعرفه المتفكر بما يرى من عجز المتفوه على التفوه به على التقطيع الذي يقدره في نفسه وعلى الحد الذي يجب أن يكون عليه دون أن يقع في ذلك تفاوت واختلاف، فيعلم أن ذلك كان الآية على ما كان عليه، بل بالله، جل، وعلا، ولا قوة إلا بالله.
وما ذكر من اختلاف فإنا قد نجده يتغير بالعباد نحو ما يظهر عند شدة السرور بالشيء غير الذي يظهر عند شدة الغضب متولدا عن فعلهم.
ومن قول المعتزلة أو عامتهم أن المتولد هو فعل الخلق. فعلى ذلك القول يكون اللون فعلا بتخليق الله.
وأما النوم فموضع الاعتبار فيه ما في اللون، وإلا فالاعتبار إنما هو بابتغائهم من فضله، أي ذلك بما ركب فيهم من الحاجة وإنشائهم من الفاقة إلى ما ذكر من الأغذية بأن ابتغاءها [ كان ]( ٤ ) فعلا للخلق. وقد احتج الله سبحانه وتعالى على العباد، فأخبر أنه من آياته. ومحال أن تكون حجته ما يخلقه غيره دون الله يخلقه، بل يدل خلق كل منشئه من طريق الخلقة والتدبير. فثبت أن الابتغاء مخلوق بخلقة الله، وإن كان فعلا للخلق، والله الموفق.
١ في الأصل وم: أنه..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: بما..
٤ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٢٦ وقوله تعالى : ﴿ وله من في السماوات والأرض ﴾ حرف ﴿ من ﴾ إنما يتكلم به، ويعبر عمن له الملك والتدبير والتمييز. وحرف :ما عن ملك الأشياء نفسها. فإذا كان من له الملك في الشيء والتدبير والأمر له، فالأملاك أحق أن تكون له.
يخبر، والله أعلم، عن غناه وسلطانه وقدرته، أي من له ما ذكر في السماوات والأرض، لا يحتمل( ١ ) أن يمتحنهم، ويأمرهم بأنواع العبادة والطاعة لحاجة نفسه أو مصلحة نفسه ؛ إذ هو غني عن ذلك، ولكنه إنما يمتحنهم( ٢ ) ويأمرهم بأنواع العبادة وأنواع المحن لمنافع أنفسهم وحاجاتهم ومصالحهم، فإذا كان له ما ذكر من الملك لا يحتمل أن يعجزه شيء أيضا.
وقوله تعالى : ﴿ كل له قانتون ﴾ قال بعضهم :القنوت :القيام، والقانت :القائم. فإن كان هذا فتأويل ﴿ كل له قانتون ﴾ أي قائم بتدبيره وأمره في الوجود والعدم والإبداء والإعادة، وفي كل حال، إن أوجد وجد. وإن أعدم صار معدوما، وإن أحياه حيي، ونحوه في كل حال يقوم بتدبيره وأمره.
وقال بعضهم : ﴿ كل له قانتون ﴾ أي مطيعون. فإن كان على هذا فهو على طاعة الخلقة له والشهادة لله بالوحدانية والربوبية والتدبير له والعلم في ذلك لأن الله جعل في خلقه كل أحد وكل شيء وفي صورته ما يشهد له بالوحدانية والربوبية، ويدل على تدبيره وعلمه، فكل له قانت ومطيع بالخلقة والصفة.
وقال بعضهم : ﴿ كل له قانتون ﴾ أي خاضعون، فهو يرجع إلى حال دون حال، وهو حال الخوف والضرورة ؛ يخضع له كل كافر ومشرك في تلك الحال، وهو ما أخبر عنهم من الخضوع له إذا ركبوا الفلك حين( ٣ ) قال : ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ﴾ [ العنكبوت :٦٥ ] وقالوا( ٤ ) : ﴿ لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين ﴾ [ الأنعام :٦٣ ويونس :٢٢ ] ونحو ذلك من الأحوال التي كانوا يخضعون، ويطيعون، والله أعلم.
١ في الأصل وم: يمتحن..
٢ في الأصل وم: يمتحن..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ في الأصل وم: وقولهم..
الآية ٢٧ وقوله تعالى : ﴿ وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده ﴾ [ يخبر أن من ملك، وقدر على بدء الخلق ]( ١ ) وإعادته، لا يحتمل أن يخلقهم، وينشئهم لحاجة نفسه أو مصلحته لأنه غني بذاته، أو يمتحنهم لمنفعة نفسه، أو يأمرهم( ٢ ) لذلك. ولكن إنما يبدأ، ويعيد لحاجة أنفسهم، أو يخبر أن من قدر على بدء الشيء يملك إعادته.
[ وقوله تعالى ]( ٣ ) : ﴿ وهو أهون عليه ﴾ قال [ بعضهم ]( ٤ ) : ﴿ وهو أهون عليه ﴾ [ أي هو هين عليه ]( ٥ ) :ابتداؤه وإعادته كقوله : ﴿ وذلك على الله يسير ﴾ [ التغابن :٧ ] وقوله : ﴿ هو علي هين ﴾ [ مريم :٩ و٢١ ] وتجوز العبارة من فعل نحو ما يقال :الله أكبر، أي كبير، وأعظم بمعنى عظيم، ونحوه كثير. فعلى ذلك قوله : ﴿ هو علي هين ﴾ أي عليه هين ؛ إذ ليس شيء أصعب على الله من شيء، أو شيء أهون عليه من شيء، بل الأشياء كلها بمحل واحد داخل تحت قوله : ﴿ كن ﴾ [ البقرة :١١٧و. . ].
وإنما يقال :أهون وأيسر لمن كان فعله بسبب، فيهون عليه إذا كثرت الأسباب، ويصعب عليه، إذا قلت، وضعفت.
فأما الله سبحانه وتعالى :فهو( ٦ ) الفاعل للأشياء، وصانعها، والقادر عليها بسبب وبلا سبب.
فلا جائز أن يقال [ في حقه ]( ٧ ) :شيء أهون عليه من شيء. وإنما يجوز ذلك [ في ]( ٨ ) من كان فعله لا يكون إلا بسبب.
وقال بعضهم :قوله : ﴿ وهو أهون عليه ﴾ في عقولكم وتقديركم، أي إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من بدئه، لأن الخلق لا يملكون تصوير ما لم يسبق له المثال والتصور ابتداء.
وقد يكون تصوير الأشياء وتمثيلها إذا سبق لهم مثال رأوه، وشاهدوه. فثبت أن إعادة الشيء في عقولكم وتدبيركم أهون من ابتدائه. فإذا عاينتم، وأقررتم أنه قادر على بدئه فهو [ على ]٩ إعادته أملك وأقدر، ولا قوة إلا بالله.
وقال بعضهم :قوله : ﴿ وهو أهون عليه ﴾ يعني على ذلك الشيء، إعادة ذلك الشيء أهون من بدئه، لأنه في الابتداء ينقله، ويحوله من حال النطفة إلى حال العلقة إلى حال المضغة، ثم من حال المضغة إلى حال التصوير والنسمة إلى ما ينتهي إليه حتى يصير خلقا وصورة. فيخبر أن إعادته ليست على التقدير والتحويل من حال إلى حال ولكن كما ذكر : ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ﴾ [ النحل :٧٧ ] وقوله : ﴿ وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر ﴾ [ القمر :٥٠ ] وقوله : ﴿ صيحة واحدة ﴾ [ يس :٥٣ و. . ] [ وقوله ]( ١٠ ) : ﴿ نفخة واحدة ﴾ [ الحاقة :١٣ ] [ وقوله ]( ١١ ) : ﴿ دكة واحدة ﴾ [ الحاقة :١٤ ] وما ذكر. فالإعادة لذلك الشيء أهون على ذلك الشيء من الابتداء.
وقوله تعالى : ﴿ وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ﴾ أي له الصفات العالية. ثم يخرج على وجوه :
أحدها :أن كل موصوف بالعلو والرفعة من دونه، فهو الموصوف به في الحقيقة على ما ذكرنا أن كل من حمد دونه، فذلك الحمد له في الحقيقة، راجع إليه ذلك كقوله ﴿ وله الحمد ﴾ الآية [ الروم :١٨ و. . ]
والثاني :له الصفة العالية مما تخالف صفات الخلق وشبههم كقوله : ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ [ الشورى :١١ ] لا تشبه صفاته صفات المخلوقين، ولا اشتبهت صفات الخلق صفاته، وهو ما قاله بعض أهل التأويل :الذي لا مثل له، ولا شبه ﴿ لا إله إلا هو ﴾ [ البقرة :١٦٣ و. . ] واحد ﴿ لا شريك له ﴾ [ الأنعام :١٦٣ ].
والثالث :وله الصفات العالية مما لا يضاد [ بعضها ]( ١٢ ) بعضا :عالم، لا جهل فيه، قادر، لا عجز فيه، عزيز، لا ذل فيه. وأمثال ذلك مما لا يدخل في ذلك نقصان أو عيب بوجه من الوجوه، ليس كالخلق أنهم يوصفون بالعلم بجهة وبشيء وبالجهل بجهة أخرى وبالقدرة بجهة أخرى وبشيء آخر وبالعجز بجهة أخرى وبشيء آخر وبالعز بجهة أخرى وبشيء آخر وبالذل بجهة أخرى وبشيء آخر.
فالله سبحانه وتعالى موصوف بصفات، لا يضاد بعضها بعضا، ولا يدخل في ذلك نقصان بجهة من الجهات وفي حال من الأحوال لأنه بذاته موصوف بذلك لا بغيره ولا بسبب.
وأما غيره فإنما يوصفون بذلك بأسباب وبأعيان( ١٣ )، تكون لهم. لذلك كان ما ذكر، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى : ﴿ وهو العزيز الحكيم ﴾ الذي لا يلحقه/٤١٢-أ/ الذل والضرر بمخالفة خلقه إياه وعصيانهم له، ليس كملوك الأرض إذا خالفهم( ١٤ ) أتباعهم وحواشيهم ورعيتهم، يذلون، ويلحقهم الضرر بإعراضهم عنهم، لأن عزهم كان بهم. فبإعراضهم عنهم ومخالفتهم إياهم يذلون.
فأما الله سبحانه [ فهو ]( ١٥ ) عزيز بذاته، لا يلحقه الضرر والذل بمخالفة الخلق إياه.
[ ويحتمل ]( ١٦ ) أن يكون قوله : ﴿ العزيز ﴾ المنتقم ممن يخالف أمره، ويعصيه، أو يشرك غيره في ألوهيته وعبادته( ١٧ ) و﴿ الحكيم ﴾ هو الذي لا يلحقه الخطأ في التدبير.
يخبر، والله أعلم، أني، وإن خلقتهم وأنشأتهم على علم مني أنهم يخالفونني، ويعصونني، وأعنتهم بكل أنواع المعونة على علم مني بذلك منهم، فإن فعله ليس بخارج عن الحكمة كما يكون في الشاهد أن من أعان عدوه بأنواع المعونة، وهو يعلم أن معونته إياه تزيد له قوة في معاداته ومخالفته فهو( ١٨ ) موصوف [ بالسفه، غير موصوف ]( ١٩ ) بالحكمة لأنه يسعى( ٢٠ ) في إهلاك نفسه، ويعينه على ذلك بمعونته إياه. ومن سعى في إهلاك نفسه فهو غير حكيم.
فأما الله سبحانه حين( ٢١ ) خلقهم، وأنشأهم [ فقد ]( ٢٢ ) أعانهم بكل أنواع المعونة على علم منه بما يكون من الخلاف له والعصيان والعداوة، ولا قوة إلا بالله.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: يأمره..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ الفاء ساقطة من الأصل..
٧ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ من م، ساقطة من الأصل..
١٠ في الأصل وم: و..
١١ في الأصل وم: و..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ من م، في الأصل: وباعتبار..
١٤ في الأصل وم: خالفوا..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ في الأصل وم: أو..
١٧ في الأصل وم: وربوبيته..
١٨ الفاء ساقطة من الأصل وم..
١٩ من م، ساقطة من الأصل..
٢٠ في الأصل وم: يسبق..
٢١ في الأصل وم: حيث..
٢٢ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٢٨ وقوله تعالى : ﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم ﴾ قال بعضهم :ضرب لكم مثلا من مثل خلقكم. يقول، والله أعلم :يبين لكم مثلا من أنفسكم ما لو تفكرتم، وتأملتم، لظهر لكم سفهكم بعبادتكم الأصنام دون الله أو تسويتكم( ١ ) الأصنام بالله. ثم يخرج ضرب المثل بما ذكر على وجوه :
أحدها :قوله( ٢ ) : ﴿ هل لكم من ما ملكت أيمانكم شركاء في ما رزقكم فأنتم فيه سواء ﴾ أي لم تسووا أنتم أنفسكم بالذي ملكت أيمانكم في ما رزقتم حتى تكونوا أنتم وهم سواء في ذلك. فكيف زعمتم أن الله قد سوى نفسه وما ملك من خلقه في ملكه وألوهيته ؟
والثاني :يقول :هل ترضون أن يكون ما ملكت أيمانكم شركاءكم في ما تملكون من الأموال ؟ فإذا لم ترضوا به فكيف زعمتم أن الله يرضى أن يشرك مماليكه في ملكه وسلطانه ؟
[ والثالث ]( ٣ ) :يقول :فإن لم ترضوا لأنفسكم إشراك ما ملكت أيمانكم في ملككم، ولم تسووا مماليككم بأنفسكم في ذلك، فكيف رضيتم ذلك لله، وسويتم نفسه ومماليكه، وعدلتم به دونه ؟ والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ تخافونهم كخيفتكم أنفسكم ﴾ أي تخافون مماليككم كما تخافون أحرارا أمثالكم. وقال بعضهم :تخافون لائمتهم كما يخاف الرجل لائمة أبيه وأخيه وأقاربه. وبعضهم يقولون :تخافون عبيدكم أن يرثوكم [ بعد الموت كما تخافون أن يرثكم ]( ٤ ) أحرار من أوليائكم. وهو قول مقاتل. لكن الميراث ليس من الآية في شيء والأول أشبه.
وفي قوله تعالى : ﴿ ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء ﴾ دلالة أن العبد لا يكون له حقيقة الملك في الأشياء كالأحرار، لأنه أخبر أنهم ليسوا هم بسواء في الشرك في ما رزق السادات وملكوا على العلم أنهم يشتركون جميعا في المنافع ؟ دل أنهم يملكون منافع الأشياء، ويشركون الأحرار فيها، ولا يملكون حقيقة الإملاك.
وكذلك يدل قوله : ﴿ ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ﴾ الآية [ النحل :٧٥ ] لما نفى عنه القدرة على شيء، والله أعلم، يكون تأويل قوله : ﴿ وانكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ﴾ [ النور :٣٢ ] أي يغنهم الله من فضله بالمنافع لا بحقيقة ملك الأشياء، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ كذلك نفصل الآيات ﴾ [ فيه وجهان :
أحدهما ]( ٥ ) :أي نبينها ﴿ لقوم يعقلون ﴾ أي لقوم ينتفعون بعقولهم.
والثاني :قوله : ﴿ نفصل الآيات ﴾ أي نفرق واحدة بعد واحدة على ما ذكر من أول السورة إلى هذا الموضع من قوله : ﴿ ومن آياته ﴾ كذا ﴿ ومن آياته ﴾ كذا [ الروم :٢٠-٢٥ ].
والتفصيل يخرج على وجهين :
أحدهما :التبيين.
والثاني :التفريق في الذكر : ﴿ فصلت آياته ﴾ [ فصلت :٣ ] بينت، وفصلت ؛ فرقت واحدة بعد واحدة.
فإن قال لنا قائل :في هذه الآيات التي ذكرت ما يدل على إيجاب البعث، قيل :في هذه التي ذكرت دفع الشبهة التي لها أنكروا البعث لنهم رأوا البعث ممتنعا بالشبهة التي اعترضت لهم.
ففي هذه الآيات دفع تلك الشبهة التي رأوا البعث ممتنعا حين( ٦ ) أراهم بدء خلقهم وقيام السماء و الأرض بالذي ذكر.
ثم إيجاب البعث يكون بالأخبار الصادقة، وهي أخبار الرسل الذين( ٧ ) ظهر صدقهم، أو بما ذكرنا أن خلق الخلق بلا عاقبة، تجعل لهم، للفناء خاصة خارج عن الحكمة [ لوجوه :
أحدها :ما ذكرنا أن بناء البناء في الشاهد للنقض والإفناء خاصة بلا منفعة تؤمل في العاقبة سفه خارج عن الحكمة ]( ٨ ) فعلى ذلك خلق الخلق للفناء خاصة بلا عاقبة، يكون خارجا عن الحكمة.
والثاني :أنه لو لم يجعل البعث ودارا أخرى ليفرق بين العدو والولي فيها، وقد سوى بينهما في هذه الدار. وفي الحكمة أن يفرق، ولا يسوى بينهما. فلو لم تكن دار أخرى، فيها يفرق لكان ذلك خارجا عن الحكمة.
والثالث :في الحكمة أن يجزى المحسن لإحسانه والمسيء في إساءته، وقد يكونان في هذه الدنيا، ويخرجان منها، لا يصيب المحسن جزاء إحسانه ولا المسيء جزاء إساءته. فلا بد من دار أخرى ليجزى فيها كل بعمله. وفي ما ذكرنا إيجاب البعث، والله أعلم.
١ في الأصل وم: تسميتكم.
٢ في الأصل وم: قولكم..
٣ في الأصل وم: أو..
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ من م، من الأصل: الذي..
٨ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٢٩ وقوله تعالى : ﴿ بل ابتع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم ﴾ يحتمل قوله : ﴿ الذين ظلموا ﴾ أنفسهم حين( ١ ) لم يستعملوها في ما أمروا بالاستعمال فيه، بل صرفوها إلى غير ما أمروا بالاستعمال فيه، وظلموا حجج الله وآياته وبراهينه حين( ٢ ) لم يتبعوها، ولم يضعوها موضعها حيث وضعت.
وقوله تعالى : ﴿ أهواءهم ﴾ في عبادتهم الأصنام وصرفها عن الله على من لا يستحق العبادة والشكر، وذلك لهواهم لأنه ليس معهم حجة ولا برهان كقوله : ﴿ ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا ﴾ [ الحج :٧١ ] أي حجة وبرهانا.
وقوله تعالى : ﴿ فمن يهدي من أضل الله ﴾ أي [ لا أحد ]( ٣ ) سوى الله يهدي من أضله الله، أي من آثر( ٤ ) الضلال، واختاره، أضله الله :لا يهديه( ٥ ) سواه ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ ينصرونهم( ٦ ) في دفع عذاب الله عن أنفسهم. أو ﴿ وما لهم من ناصرين ﴾ أي من مانعين، يمنعونهم( ٧ ) عن عذاب الله والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم:أحد..
٤ في الأصل وم: يؤثر..
٥ في الأصل وم: يهدي..
٦ في الأصل وم: ينصرهم..
٧ في الأصل وم: يمنعهم..
الآية ٣٠ وقوله تعالى : ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا ﴾ قال بعضهم :هذا الخطاب لرسول الله لأنه ذكر الآيات في ما تقدم حيث قال : ﴿ ومن آياته ﴾ [ الروم :٢٠، . . ] كذا وكذا، ثم ذكر الذين أتبعوا أهواءهم بغير علم، ثم قال لرسوله( ١ ) : ﴿ فأقم وجهك ﴾ أنت ﴿ للدين حنيفا ﴾.
قال الشيخ، رحمه الله :وعندنا أي الخطاب به وبمثله لكل أحد كقوله : ﴿ قل يا أيها الكافرون ﴾ [ الكافرون :١ ] [ وقوله ] ( ٢ ) : ﴿ قل هو الله أحد ﴾ [ الإخلاص :١ ] كأنه يخاطب كل من انتهى إليه هذا :أن ﴿ قل هو الله أحد ﴾ ﴿ وقل يا أيها الكافرون ﴾ فعلى هذا قوله : ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا ﴾ هو لكل أحد.
ثم الإقامة تحتمل وجهين :
أحدهما :أقم :أي داوم جهدك وقصدك.
والثاني :أقم :أتمم، وأقم ما ذكرنا.
[ وقوله تعالى ]( ٣ ) : ﴿ للدين حنيفا ﴾ قال بعضهم :الحنيف من حَنَفِ القدم( ٤ ) وميله ؛ معناه :كن مائلا على الدين في كل حال وكل وقت. وقال بعضهم :هو من الإخلاص والإسلام له( ٥ ).
ثم فسر ذلك، فقال : [ ﴿ فطرة الله التي فطر الناس عليها ﴾ هذا يحتمل وجوها :
[ أحدها : ] ( ٦ ) ]( ٧ ) ﴿ فطرة الله ﴾ أي معرفة الله التي جبل الناس عليها :أن يكون الله يجعل في كل صغير وطفل من المعرفة ما يعرف /٤١٢-ب/ وحدانية ربه وربوبيته على ما جعل لهم من المعرفة ما فيه غذاؤهم وقوامهم من أخذ ثدي أمهاتهم في حال [ صغرهم وطفوليتهم ]( ٨ ). ولذلك يخرج قوله [ صلى الله عليه وسلم ]( ٩ ) :( كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، وينصرانه ) [ البخاري :١٣٨٥ ] على ما جعل في الجبال من معرفة التسبيح لربها والتحميد، لكن أبويه يشبهان ذلك عليه، ويصرفانه.
والثاني :فطرهم، وجبلهم ما لو تركوا وعقولهم لكانوا على [ ما ]( ١٠ ) جبلوا، وفطروا، إذ فطر كل( ١١ ) منهم، وجعل في خلقة كل دلالة وحدانية الله وربوبيته. وكذلك قوله :( كل مولود يولد على الفطرة ) [ البخاري ١٣٨٥ ] أي على الخلقة التي تدل، وتشهد على وحدانية الله وربوبيته ما لو تركوا، وخلي بينهم وبين عقولهم لأدركوا.
والثالث :فطرهم على ما يحتملون الامتحان.
وقوله تعالى : ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ قال عامة أهل التأويل :لا تبديل لدين الله، سماه خلقا.
وعلى قول المعتزلة لأنهم يقولون بأن فعل العبد ليس بمخلوق، ويحتالون في قوله : ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ أي لا تبديل لما يقع به الدعاء إليه، أو كلام نحو هذا.
فيقال :إن الدين هو ما يدين [ به ]( ١٢ ) المرء، وهو فعله، مأخوذ من دان يدين. ثم أخبر أنه خلق الله. فدل أنه مخلوق. وجائز أن يكون قوله : ﴿ لا تبديل لخلق الله ﴾ أي لما فيه دلالة وحدانية الله وشهادة ربوبيته كقوله : ﴿ ما ترى في خلق الرحمان من تفاوت ﴾ [ الملك :٣ ] أي( ١٣ ) لا تفاوت في ما فيه دلالة الوحدانية والشهادة له، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ذلك الدين القيم ﴾ أخبر أن ذلك الدين القيم بالحجج والبراهين، ليس كدين أولئك الكفرة إتباع الهوى، أو أن يكون الدين القيم أي المستقيم على ما وصفه الله أنه الدين الحنيف.
١ في الأصل وم: لرسول الله..
٢ في الأصل وم: و..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: القوم..
٥ أدرج بعدها في الأصل وم: وقوله تعالى: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾..
٦ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من م..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم: صغره وطفوليته..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ من م، ساقطة من الأصل..
١١ في الأصل وم: كلا..
١٢ ساقطة من الأصل وم..
١٣ في الأصل وم: أو..
الآية ٣١ وقوله تعالى : ﴿ منيبين إليه واتقوه ﴾ هو صلة قوله : ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا ﴾ ﴿ منيبين إليه ﴾ فهذا يدل على أن الخطاب بقوله : ﴿ فأقم وجهك ﴾ للكل حين( ١ ) قال : ﴿ منيبين إليه ﴾ أي أقبلوا إليه، وأنيبوا له.
ثم الإنابة تقع على ما يقع به الأمر، لأنه يقول، والله أعلم، أنيبوا إلى الله بما يأمركم به، واتقوه عما نهاكم عنه. والتقوى من الإنابة كهو من البر كقوله تعالى : ﴿ أن تبروا وتتقوا ﴾ [ البقرة :٢٤٤ } بما يأمركم به، وتتقوه عما نهاكم عنه.
وقوله تعالى : ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ هو يحتمل وجوها :
[ أحدها ]( ٢ ) : ﴿ وأقيموا ﴾ أي الزموا، وداوموا فعلها إلى آخر [ عمركم ]( ٣ ) ليس على أن يقع الأمر بها مرة واحدة.
والثاني : ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أي أتموها بركوعها وسجودها والقراءة وغير ذلك.
والثالث : ﴿ وأقيموا الصلاة ﴾ أي أوفوا إقامتها بأسبابها التي جعلت لها.
وفي الصلاة أحوال ثلاث :أحدها :الجواز، والثاني :التمام والكمال، والثالث :التزيين والتحسين.
ثم الجواز بحق الأركان، والتمام والكمال بحق الشعوب، والتزيين والتحسين بحق الحواشي.
ويجب على كل مصل خصال [ ثلاث ]( ٤ ) :صدق النية، وحق الإخلاص له، والخشوع.
وقوله تعالى : ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ يحتمل أي لا تكونوا من المشركين غير الله في الصلاة والعبادة، أي لا تصلوا لغير الله، ولا تعبدوا من دونه ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ من دونه في تسمية الألوهية والربوبية( ٥ ) لأنهم كانوا يسمون الأصنام التي يعبدونها آلهة، أو أن يكون صلة قوله : ﴿ منيبين إليه ﴾ موحدين مقبلين على طاعته مخلصين ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ له غيره.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: ما تنهون عنه..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من م، في الأصل: والإلهية..
الآية ٣٢ وقوله تعالى : ﴿ من الذين فرقوا( ١ ) دينهم ﴾ قال بعضهم : ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ ولا تكونوا ﴿ من الذين فرقوا دينهم ﴾ ثم قوله : ﴿ من الذين فرقوا دينهم ﴾ وقرئ :فارقوا فهو يحتمل وجهين :
أحدهما :فارقوا الذي جاءتهم [ به ] ( ٢ ) الرسل.
[ والثاني ]( ٣ ) :فارقوا دينهم الذي فطروا عليه، وهو ما جعل فيهم من شهادة التوحيد له والربوبية.
وقوله تعالى : ﴿ وكانوا شيعا ﴾ يحتمل :وصاروا شيعا، أي فرقا وأحزابا بعدها كانوا على ما فطروا، أو على ما جاءتهم به الرسل، أو كانوا شيعا :ما يتشيع، ويتبع بعضهم بعضا لأن الشيعة هم الذين يرجعون إلى أصل واحد وأمر واحد، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فرقوا دينهم ﴾، أي قطعوا دينهم، وجعلوه قطعا وفرقا وأديانا من نحو اليهودية والمجوسية والنصرانية وغيرها ﴿ كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ يقول، والله أعلم :كل أهل دين وملة بما عندهم من الدين راضون به فرحون.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ في الذي فطرتم عليه ؛ وهو ما جعل في خلقة كل واحد شهادة الوحدانية له والدلالة ؛ يقول : ﴿ ولا تكونوا من المشركين ﴾ في ذلك، والله أعلم.
١ في الأصل وم: فارقوا، وهي قراءة حمزة وغيره، انظر معجم القراءات القرآنية ح ٥/٥١..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: أو..
الآية ٣٣ وقوله تعالى : ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ قال قائلون : ﴿ منيبين ﴾ مخلصين كقوله : ﴿ دعوا الله مخلصين له الدين ﴾ [ يونس :٢٢ ]. وقال قائلون :مطيعين، وقال قائلون :موحدين.
وأصل الإنابة الرجوع، أي راجعين إليه عما كانوا فيه من الشرك.
فالإنابة هي التوحيد، وإن كانت الإنابة الإخلاص فهو رجوع عن الإشراك في العبادة، وإن كانت [ الرجوع ]( ١ ) عن العصيان فهو الطاعة. وأصلها( ٢ ) الرجوع عما كانوا فيه. ففيه وجوه من الاحتجاج على أولئك وتنبيه وعظة للمؤمنين :
أحدها( ٣ ) :الاحتجاج عليهم :أنه معلوم أنهم( ٤ ) كانوا لا يركبون السفن والبحار مع المؤمنين، ولكن كانوا يركبون بأنفسهم. ثم أخبر عما أخلصوا له الدعاء والتضرع. دل أنه بالله عرف ذلك. فذلك يدل على رسالته.
والثاني :فيه دلالة أنهم قد عرفوا وحدانية الله وألوهيته حين( ٥ ) فزعوا عند الشدائد والبلايا إلى الله أخلصوا له الدين. ثبت أنهم قد عرفوا سفه أنفسهم في عبادتهم الأصنام وتركهم عبادة الله تعالى.
والثالث :تصديق( ٦ ) لقوله : ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ [ الأنعام :٢٨ ] لأنهم كانوا يسألون الرد إلى الدنيا ليؤمنوا به كقولهم : ﴿ يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ﴾ [ الأنعام :٢٧ ] فأخبر أنهم يعودون إلى ما كانوا [ عليه ]( ٧ ) كما عادوا لما( ٨ ) كشف عنهم الضر.
وأما العظة والتنبيه للمؤمنين فهو أن يكونوا( ٩ ) في الأحوال كلها على حد واحد في حال الرخاء والشدة ذاكرين، لأنهم في حال الشدة والبلايا أكثر ذكرا له وإنابة من حال السعة والرخاء، فينبههم ليكونوا في كل حال ذاكرين له منيبين إليه.
وفيه دلالة شدة سفه أولئك الكفرة حين( ١٠ ) أنابوا إليه، وأخلصوا له الدين عندما أصابتهم( ١١ ) الشدة والبلاء، وأعرضوا عنه( ١٢ )، وأشركوا( ١٣ ) في ألوهيته عند السعة.
وفي طباع الخلق في الشاهد خلاف ذلك :أن من ضيق على آخر أمره، وشدده فهو يعرض عنه، ويبغضه، ومن أنعم عليه من ملوك الأرض، وأحسن، أطاعه، وأحبه لشدة سفههم عكسوا( ١٤ ) طباعهم، وخالفوا طباع الناس جميعا، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ثم إذا أذاقهم منه رحمة ﴾ أي السعة والرخاء ﴿ إذا فريق منهم بربهم يشركون ﴾ فإن قيل :ما فائدة ذكر هذه الآيات وأمثالها، وهم كانوا لا يؤمنون بها، ولا ينظرون فيها ؟
قيل :قد يحتج عليهم بما لا يقرون، ولا ينظرون [ فيه، أو ينظر ]( ١٥ ) في ذلك، فريق، ويعرفونه، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: وأصله..
٣ في الأصل وم: إما..
٤ في الأصل وم: لأنهم..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: تصديقا..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: إذا..
٩ في الأصل وم: يكون..
١٠ في الأصل وم: حيث..
١١ في الأصل وم: يصيبهم..
١٢ في الأصل وم: يعرضون..
١٣ في الأصل وم: ويشركون..
١٤ في الأصل وم: عكس..
١٥ في الأصل: فيهما وأن ينظرون، في م: فيه أو أن ينظرون..
الآية ٣٤ وقوله تعالى : ﴿ ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا ﴾ اختلف فيه :قال بعضهم :هو على التقديم والتأخير ؛ يقول :إذا أذاقهم منه رحمة لئلا يكفروا. أو :إنما أذاقهم منه رحمة لئلا يكفروا، لكنهم كفروا. إلى هذا ذهب مقاتل.
وعندنا ما ذكرنا :أذاقهم منه رحمة ليكون منهم ما قد علم أنهم يختارون، ويكون/٤١٣-أ/منهم، وهو الكفر.
ولا جائز أن يذيقهم الرحمة لئلا يكفروا، ويعلم منهم أنهم يختارون الكفر، ويكون منهم ذلك، فدل أنه ما ذكرنا.
ثم [ في ]( ١ ) الآية دلالة نقض قول المعتزلة في قولهم :إن على الله الأصلح للعباد لهم في الدين، وقولهم :إذا علم من أحد منهم الإيمان في وقت من الأوقات ليس له أن يخترمه( ٢ )، ولكن عليه أن يبقيه إلى ذلك الوقت [ لأنه لو اخترمه( ٣ ) قبل ذلك الوقت ]( ٤ ) لكان هو المانع إيمانه.
فيقال :إن أولئك الكفرة لما أخلصوا دينهم لله في حال الشدة وخوف الهلاك لم يبقهم الله على ذلك الإخلاص والحال التي يخلصون الأمر له أو الدين ؛ بل وسع عليهم، وحولهم من تلك الحال حتى عادوا إلى ما كانوا.
دل أن ليس على الله حفظ الأصلح للخلق في الدين، وقد أمر نبيه بمقاتلة الكفرة مطلقا، ولعلهم يسلمون في وقت لو تركوا، أو( ٥ ) بعض منهم. دل أن ليس ذلك عليه.
وقوله تعالى : ﴿ فتمتعوا ﴾ هو في الظاهر أمر، ولكنه يخرج على الوعيد كقوله : ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ [ فصلت :٤٠ ] وقد ذكر في آية أخرى ﴿ وليتمتعوا ﴾ [ العنكبوت :٦٦ ] فهو ما ذكرنا، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: يخترعه..
٣ في الأصل وم: اخترعه..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ من م، في الأصل:أي..
الآية ٣٥ وقوله تعالى : ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ قال بعضهم : ﴿ أم أنزلنا ﴾ بل أنزلنا عليهم سلطانا حججا ﴿ فهو يتكلم بما كانوا به يشركون ﴾ أي يبين، ويعلمهم أن الذي هم عليه شرك، ليس بتوحيد لأنهم كانوا يقولون :إنا على التوحيد، وإنما نعبد هذه الأصنام ﴿ ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ [ الزمر :٣ ] ﴿ ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [ يونس :١٨ ] ونحوه.
فيقول :بل أنزلنا عليهم ما يبين، ويعلم أن ذلك شرك، وليس بتوحيد.
ويحتمل وجها آخر ؛ وهو أن قوله : ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا ﴾ أي ما أنزلنا عليهم سلطانا، فيأمرهم ﴿ بما كانوا به يشركون ﴾ أي يأذن لهم بذلك كقوله : ﴿ أم للإنسان ما تمنى ﴾ [ النجم :٢٤ ]. فعلى ذلك قوله ﴿ أم أنزلنا عليهم سلطانا ﴾ أي لم ننزل عليهم سلطانا يأمرهم ﴿ بما كانوا به يشركون ﴾ إذ( ١ ) كانوا يدعون بذلك أمر الله كقولهم : ﴿ والله أمرنا بها ﴾ [ الأعراف :٢٨ ] ففيه وجهان على أولئك الكفرة.
أحدهما :ما ذكرنا أنهم كانوا يدعون بذلك الأمر من الله، فيخبر أنهم كذبة في قولهم :إن الله أمرهم بذلك. بل لم يأمرهم بذلك، ولا أنزل عليهم الكتاب أو السلطان في إباحة ذلك.
والثاني :يذكر سفههم في عبادتهم الأصنام لأنهم كانوا يعبدون الأصنام، ويسمونها آلهة بلا سلطان ولا حجة، كانوا يطلبون على ذلك. ثم كانوا يطلبون من الرسول آيات تقهرهم، وتضطرهم على رسالته وما يوعدهم بعد ما آتاهم من الآية ما أعلمهم، وأنبأهم، أنه رسول، فالعبادة أعظم وأكبر للمعبود من الرسالة.
فإذا لم تطلبوا لأنفسكم الحجة والآية القاهرة في إباحة ما تعبدون من دون الله فكيف تطلبون من الرسول الآية القاهرة في إثبات الرسالة ؟.
وقال بعضهم : ﴿ أم أنزلنا عليكم سلطانا ﴾ كتابا، فيه عذر لهم، فهو يشهد بما كانوا به يشركون.
١ في الأصل وم: أو..
الآية ٣٦ وقوله تعالى : ﴿ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدّمت أيديهم إذا هم يقنطون ﴾ إذا أريد أن يسوّى بين هذه الآية والآية التي قبلها، وهي( ١ ) قوله : ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ﴾ [ الروم :٣٣ ] إلى آخره، ويجمع بينهما، يكون قوله : ﴿ إذا هم يقنطون ﴾ من الأصنام التي يعبدونها أنه يقول في هذه الآية : ﴿ وإن تصبهم سيئة بما قدّمت أيديهم إذا هم يقنطون ﴾ وفي الأولى يقول : ﴿ وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين ﴾.
فوجه الجمع بينهما ما ذكرنا أن يكون القنوط من الأصنام، والله أعلم، كقوله : ﴿ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ﴾ [ الإسراء :٦٧ ] أو أن يكون قوله : ﴿ إذا هم يقنطون ﴾ عندما امتد بهم الضر والشدة، حينئذ ييأسون من رحمة الله. والأول في ابتداء ما أصابهم من الضر فزعوا إليه، وأنابوا له. أو أن تكون إحدى الآيتين في قوم والأخرى في قوم آخرين، لأنهم كانوا فرقا وأحزابا في الكفر والشرك :
منهم من كان يشرك في الأحوال كلها :في حال الضيق والسعة.
ومنهم من كان يشرك في حال الضيق، فيؤمن في حال السعة كقوله : ﴿ ولئن أذقنا الإنسان منا رحمة ثم نزعناها منه أنه ليئوس كفور ﴾ ﴿ ولئن أذقناه نعماء بعد ضراء مسته ليقولن ذهب السيئات عني إنه لفرح فخور ﴾. [ هود :٩ و١٠ ] وكقوله : ﴿ ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خبير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه ﴾ [ الحج :١١ ].
ومنهم من كان يخلص الدين في حال الضر والشدة، ويعاند، ويتمرد في حال السعة والرخاء كقوله : ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ﴾ [ العنكبوت :٦٥ ] ونحوه.
فكانوا فرقا وأحزابا على ما ذكرنا. فجائز أن تكون إحدى الآيتين في فريق وقوم والآية الأخرى في قوم آخرين، أو ما ذكرنا من اختلاف الأحوال يقنطون عندما يمتد( ٢ ) بهم الضر والشدة، وينيبون( ٣ ) إليه عندما لم يمتد إليهم ذلك، ولم يتطاول، أو ما ذكرنا من القنوط من الأصنام والإنابة إلى الله كقوله : ﴿ ضل من تدعون إلا إياه ﴾ [ الإسراء :٦٧ ] وإلا الآيتان في الظاهر متناقضتان. ولكن الوجه فيهما( ٤ ) ما ذكرنا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وهو..
٢ في الأصل وم: امتده..
٣ في الأصل وم: ينسون..
٤ في الأصل وم: فيه..
الآية ٣٧ وقوله تعالى : ﴿ أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾.
يحتمل قوله : ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ [ أن يكون حجة ]( ١ ) على الكافرين كقوله : ﴿ وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه ﴾ [ الأنعام :٨٣ ].
ثم وجه الآيات لهم على كفار مكة من وجوه :في إثبات الرسالة، وفي البعث، وفي( ٢ ) إظهار سفههم في عبادة الأصنام وإشراكهم إياها في عبادة الله لأن أهل مكة كانوا ينكرون الرسالة والبعث، ويرون عبادة غير الله فالاحتجاج عليهم بهذه الآية على الوجوه التي ذكرنا.
فأما الاحتجاج في إثبات الرسالة فهو من وجوه ثلاثة :
أحدها :أنهم كانوا ينكرون الرسالة لأنهم بشر، ولا يرون للبشر بعضهم على بعض فضلا كقوله : ﴿ ما هذا إلا بشر مثلكم ﴾ [ المؤمنون :٢٤ و٣٣ ] فيريهم الفضل لبعضهم على بعض في الرزق موسعا على بعض مضيقا مقترا على بعض. فإن ثبت عندهم، وظهر الفضل لبعض على بعض في ما ذكرنا فيجوز الفضل على بعض في الرسالة.
والثاني :ذكره( ٣ ) مقابلا لقولهم : ﴿ لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [ الزخرف :٣١ ] يخبر أن الأمر ليس إليهم إنما ذلك [ إلى الله ]( ٤ ) يختار من يشاء لما يشاء من الرسالة والنبوة وغيرهما كما يختار التوسيع على من يشاء والتضييق والتقتير على من يشاء، وإن كانوا جميعا يتمنون السعة، ويحبونها، ويرهبون من الضيق والتقتير. ولكن الأمر في ذلك إلى الله كله.
والثالث :وسع على بعض، وضيق على بعض ؛ فالجهة التي وسع على بعض غير الجهة التي ضيق على بعض، فلا بد من رسول يخبر عن ذلك، ويعلم ما على هذا وما على هذا، وما جهة التفريق بينهم والتفضيل في الرزق، والله أعلم.
وأما الاحتجاج عليهم في البعث بها فمن وجوه أيضا :
أحدها :أنه جمع في هذه الدنيا بين العدو والولي، وسع بينهما في التوسيع والتضييق ؛ إذ وسع على العدو والولي [ جميعا، وضيق على الولي ]( ٥ ) ووسع على العدو. وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما في هذه الدنيا [ لا الجمع والتسوية، وقد سوى بينهما في هذه الدنيا ]٦ وجمع. فلا بد من دار أخرى، فيها يفرق بينهما، فيلزمهم البعث، والله الموفق.
والثاني :أنه وسع الرزق على من هو في تقديرهم وعقولهم [ أنه لا يجب التوسيع ]( ٧ ) عليه ؛ وهو السفيه /٤١٣-ب/ الجاهل الذي في تقدير كل ذي عقل ولب أن يكون محروما مضيقا، وضيق على من هو في تقدير أحد وعقله أن يكون موسعا عليه مرزوقا، وهو العاقل العارف بجميع أسباب السعة والغنى، وفي التقدير على خلاف هذا، فلا بد من مكان فيه يظهر التفضيل للعقول والمعارف والرغبة فيها والرغبة عن أضدادها ومن هو أهل التوسيع ومن هو أهل الحرمان إذ قد اشتركوا في هذه.
والثالث :أن يعتبروا، وينظروا، بأن من قدر على توسيع الرزق وبسطه وتضيق الرزق وحرمانه بالأسباب الخارجة عن تقديرهم وتدبيرهم وبغير أسباب قادر على إحياء الأشياء الخارجة عن قدرتهم وتدبيرهم، والله أعلم.
وأما وجه الاحتجاج عليهم بعبادتهم غير الله ففي ذلك تناقض، وذلك بأنهم قالوا : ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ [ الزمر :٣ ] وقالوا( ٨ ) : ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [ يونس :١٨ ] وكانت لا تشفع في الدنيا، ولا تقربهم الزلفى فيها في التوسيع والبسط ودفع الضيق، وفي الآخرة لا يحتمل [ ذلك ]( ٩ ) لأنهم كانوا لا يؤمنون. فهو تناقض وسفه وسرف في القول.
وهذه الآية وغيرها من الآيات تنقض على المعتزلة لأنهم لا يجعلون لله في مكاسب الخلق وحرفهم وتجاراتهم وجميع أسبابهم التي بها يرتزقون، ويتعيشون صنعا، وإنما يجعلون ذلك في الخارج من الأرض.
فالناس في ذلك [ في توسيع ]( ١٠ ) وتضيق إذا لم يكن له في تلك الأسباب والمكاسب صنع.
فدل أن لله في ذلك صنعا حين( ١١ ) يقع منه البسط والتوسيع والتضييق والتقتير، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :ما ذكرنا :يكون للمؤمنين في ذلك آيات على الكفار.
والثاني :لقوم ينتفعون بإيمانهم، والمنتفعون هم المنتفعون بها. فأما من كفر فلا ينتفع.
وجائز أن يكون في ذلك العبرة من وجه آخر ﴿ لقوم يؤمنون ﴾ وهو ألا يعلقوا قلوبهم في الرزق بالأسباب التي يكتسبون بها، ولكن يرون الرزق من الله ؛ أنه يرزق بأسباب وبغير أسباب، أو يذكر هذا لهم على أن من رفع الحاجة إلى آخر، فلم يقضها، فهو( ١٢ ) يرى حرمانها من الله لا من ذلك الرجل.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ الواو ساقطة من الأصل وم..
٣ الهاء ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، في الأصل إليهم..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل: لا يوجب التوسع، في م: لا يوجب التوسع..
٨ في الأصل وم: و..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ ساقطة من الأصل وم..
١١ في الأصل وم: حتى..
١٢ في الأصل وم: أي..
الآية ٣٨ وقوله تعالى : ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ يحتمل قوله : ﴿ حقه ﴾ أي حاجته( ١ ) لا على حق كان له كقوله : ﴿ ما لنا في بناتك من حق ﴾ [ هود :٧٩ ] أي من حاجة ؛ إذ معلوم أنه لم يكن لهم في بناته حق، ولكن أرادوا بالحق الحاجة. فعلى ذلك الأول.
وكذلك قوله : ﴿ والمسكين وابن السبيل ﴾ أي سد المسكين حاجته ومسكنته، وكذلك : ﴿ وابن السبيل ﴾ ويحتمل قوله : ﴿ فآت ذا القربى حقه ﴾ الحق الذي كان له( ٢ ). لكن لم يبين ذلك الحق في هذه الآية، وبينه( ٣ ) في آية أخرى بقوله( ٤ ) : ﴿ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين ﴾ [ البقرة :١٨٠ ] وما ذكر من المواريث بقوله( ٥ ) : ﴿ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ﴾ الآية : [ النساء :١١ ] ونحو ذلك من الحقوق، وحق المسكين وابن السبيل ما ذكر من الصدقات والزكاة، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ذلك خير للذين يريدون وجه الله ﴾ يحتمل قوله : ﴿ ذلك خير ﴾ أي الإيتاء للأقربين والمساكين والفقراء خير من الأبعدين والأغنياء وغيرهم. أو أن يكون قوله [ ﴿ ذلك خير ﴾أي ]( ٦ ) ذلك الإيتاء إذا أريد وجه الله [ خير مما لا ]( ٧ ) يراد به [ وجه الله ]( ٨ ).
وقوله تعالى : ﴿ وابن السبيل ﴾ اختلف فيه :قال بعضهم :هو المنقطع عن ماله، يعان حتى يصل إلى ماله ؛ وقيل :الضعيف ينزل، فيحسن إليه إلى أن يرجع، ويرتحل.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ ذلك خير للذين يريدون وجه الله ﴾ أي آت من ليست لع عندك نعمة فيكون ذلك مكافأة لتلك النعمة، ولكن على إرادة وجه الله، والله أعلم
[ وقوله تعالى ] ( ٩ ) : ﴿ وأولئك هم المفلحون ﴾ قد ذكرنا أن الفلاح، هو البقاء، وقيل :النجاة.
وقال أبو عوسجة : ﴿ القيم ﴾ [ الروم :٣٠ ] المستقيم ﴿ منيبين إليه ﴾ [ الروم :٣٣ ] أي تائبين ﴿ يقنطون ﴾ [ الروم :٣٦ ] ييأسون.
١ من م، في الأصل صاحبته..
٢ في الأصل وم: لهم..
٣ في الأصل وم: وبين..
٤ في الأصل وم: كقوله..
٥ في الأصل وم: قوله..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
٧ في الأصل: مما، في م: مما لا..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٣٩ وقوله تعالى : ﴿ وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله ﴾ قال عامة أهل التأويل :هذا في العطايا التي يعطي بعضهم بعضا، ويهدون ليصيبوا أكثر مما أعطوا، وأهدوا مجازاة ومكافأة.
لذلك كأنه يقول :وما آتيتم من عطية وهدية ﴿ ليربوا في أموال الناس ﴾ لتزدادوا من أموال الناس، ولتلتمسوا الفضل من أموالهم، يقولون :هذا ربا حلال، لا وزر فيه، ولا أجر، فهو مباح للناس عامة، لا بأس به.
وأما قوله : ﴿ ولا تمنن تستكثر ﴾ [ المدثر :٦ ] فهو للنبي خاصة ؛ يقول :لا تعطه لتعطى أكثر منه ابتغاء الثواب في الدنيا، ولكن أعط ابتغاء ثواب الآخرة. ويستدلون بإباحة ذلك بقوله : ﴿ فلا يربوا عند الله ﴾ ولم يقل ما قال في الربا المحرم المحظور حين( ١ ) قال : ﴿ يمحق الله الربا ويربي الصدقات ﴾ [ البقرة :٢٧٦ ].
ذكر المحق هنالك، وههنا ذكر ﴿ فلا يربوا عند الله ﴾ أي لا يزداد، ولا يتضاعف.
لكن لو قيل :إنها في الربا المحظور كان جائزا محتملا، ويكون قوله : ﴿ فلا يربوا عند الله ﴾ كقوله : ﴿ فما ربحت تجارتهم ﴾ [ البقرة :٦ ] إذا لم تربح خسرت.
ألا ترى أنه قال : ﴿ أولئك هم الخاسرون ﴾ ؟ [ الأنفال :٣٧ ] دل أنها إذا لم تربح خسرت. فعلى ذلك قوله : ﴿ فلا يربوا عند الله ﴾ إذا لم يرب عنده بحقه، وخسروا، والله أعلم.
لولا صرف أهل التأويل التأويل إلى الهدايا والعطايا التي يبتغى بها الثواب في الدنيا، والمكافآت فيها أكثر مما أعطوا. وإلا جاز صرفه إلى الربا المعروف بين الناس في العقود.
وكذلك روي في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال :( الهدية يبتغى بها وجه الرسول وقضاء الحاجة، والصدقة يبتغى بها وجه الله والدار الآخرة ).
ثم بين ما الذي يربوا عند الله، وهو ما قال : ﴿ وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله ﴾ ثم اختلف فيه. [ منهم من ]( ٢ ) قال :هو ما يزكون من زكاة المال، يريدون به وجه الله، فهو الذي يقبله الله، ويضاعف عليه.
ومنهم من قال :كل صدقة أعطاها أراد وجه الله، لم يرد بها الثواب في الدنيا، فهي التي تتضاعف، وتزداد عند الله.
[ وقوله تعالى ]( ٣ ) : ﴿ فأولئك هم المضعفون ﴾ وكان مجيء أن يقال : ﴿ فأولئك هم ﴾ المضعفون بنصب العين( ٤ ) لأنه هو يضاعف لهم. لكن الزجاج يقول :هو كما يقال :الموسر، هو الذي له إيسار، والمقوى الذي له القوة، ونحوه. فعلى ذلك :المضعف، هو الذي له الضعف.
وعندنا، هم المضعفون لأنهم هم الذين جعلوا الآحاد عشرات والأضعاف المضاعفة بتصدقهم ابتغاء وجه الله، فهم المضعفون لنفسهم ذلك.
ثم يجوز أن يستدل بهذه الآية على إباحة هذه المعاملات التي تجري في ما بين الناس أجاز الهدية والعطية على قصد الفضل والزيادة، وإن كان على شرط الزيادة لا يجوز. فعلى ذلك المعاملة تجوز على قصد الزيادة والفضل، وإن كان على [ شرط الزيادة [ فلا يجوز ] ( ٥ ).
لكن أبا حنيفة، رحمه الله، كره هذه المعاملات، ولم يكره الهدية على قصد طلب الفضل لوجهين :
أحدهما :أن ليس العرف في الناس في الهدايا إعطاء الفضل، وأن كان ]( ٦ ) قصد أولئك طلب الفضل، لا محالة، بل يكافئون مرة الأكثر /٤١٤-أ/ ولا يكافئون بعضا، ويحرمون بعضا، فلا يكره. وأما المعاملة فلا تكون إلا على قصد ذلك الفضل، فلا يرضون منهم إلا حفظ المقصود فيها. وأهل العطايا والهدايا فيرضون بالثناء الحسن والشكر لهم، وأهل المعاملة لا.
روي في بعض الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ أنه قال ]( ٧ ) :( من أسدي إليه نعمة فليجازه، وإلا فليشكره، وليثن عليه ) [ تاريخ أصبهان :٢/١٧١ ]. أو كلام نحو هذا.
والثاني :أن أهل المعاملة يشترطون قبل المعاملة الزيادة، وإن كانوا لا يشترطون في عقد المعاملة.
ولا كذلك أهل العطايا والهدايا، بل يعرِّضون( ٨ ) تعريضا. لذلك افترقا( ٩ )، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ هذه قراءة أبي بن كعب، انظر معجم القراءات القرآنية ح ٥/٧٣..
٥ ساقطة من الأصل..
٦ ساقطة من م..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: يتعرضون.
٩ في الأصل وم: افترق..
الآية ٤٠ وقوله تعالى : ﴿ والله الذي خلقكم ﴾ ولم تكونوا شيئا، وأنتم تعلمون ذلك ﴿ ثم رزقكم ﴾ وأنتم تعلمون أن لا رازق لكم غيره ﴿ ثم يميتكم ﴾ وأنتم تعلمون ألا يملك أحد غيره ذلك. فعلى ذلك يملك إحياءكم، ولا يملك أحد ممن تعبدون دونه من الأصنام ذلك، فكيف تعبدون دونه ؟ وهو قوله : ﴿ هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شيء ﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما :هؤلاء الذين تعبدون شركاؤكم في ما ذكر من الخلقة والرزق، فكيف تعبدون، وتتخذون آلهة دونه ؟
والثاني :هل من شركائكم الذين أشركتموهم( ١ ) في عبادة الله وألوهيته [ من ]( ٢ ) يملك ما ذكر ؟ يقول :لا يملك شيئا مما ذكر على علم منكم أنه( ٣ ) لا يملك ذلك، فيقول :فكيف تشركونه( ٤ ) في ألوهيته ؟.
ثم نزّه نفسه، وبرّأها( ٥ ) من جميع العيوب التي وصفه [ بها ]( ٦ ) الملحدون :فقال : ﴿ سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ لأن حرف ﴿ سبحانه ﴾ حرف تنزيه عن جميع العيوب. والتعالي هو وصف تبرئة من أن يغلبه شيء، أو يقهره ؛ هو من العلو، متعال عن أن يغلبه شيء أو يقهره.
١ في الأصل وم: أشركتموها..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: أنها..
٤ في الأصل وم: تشركونها..
٥ في الأصل وم: وبرأه..
٦ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٤١ وقوله تعالى : ﴿ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما :أن يكون قوله : ﴿ ظهر الفساد في البر والبحر ﴾ هو الشرك والكفر ﴿ بما كسبت أيدي الناس ﴾ من الأمور التي كانوا يتعاطون مع قطع الطريق والسرف والظلم وأنواع أعمال السوء التي يتعاطونها. ذلك سبب شركهم وكفرهم بالله. وبذلك كان يغطي قلوبهم حتى لا تتجلى قلوبهم للإيمان كقوله : ﴿ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ﴾ [ المطففين :١٤ ] وكقوله : ﴿ فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ﴾ الآية [ التوبة :٧٧ ] ونحوه. فإن كان هذا فهو على حقيقة تقديم الأيدي والكسب.
والثاني :يكون : ﴿ ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ﴾ هو القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق.
وقوله تعالى : ﴿ بما كسبت أيدي الناس ﴾ هو شركهم وكفرهم وتعاطيهم ما لا يحل، أي ذلك القحط والضيق وقلة الأنزال والشدائد لهم لشركهم وكفرهم وأعمالهم التي اختاروها.
ويكون ذكر كسب الأيدي على المجاز لا على الحقيقة، ولكن لما باليد يكتسب، وبالقدم يقدم ؛ ذكر اليد كقوله : ﴿ ذلك بما قدّمت يداك ﴾ [ الحج :١٠ ] ولعله لم يقدم شيئا، لكنه ذكر أنه ظهر هذا( ١ ) الشرك والكفر بحقيقة كسب الأيدي من أعمال السوء التي ذكرنا. ذلك كان يمنعهم عن الإيمان وكشف الغطاء عن قلوبهم.
وفي التأويل الآخر :الفساد الذي ظهر من القحط وقلة الأمطار والأنزال والضيق بما كسبت أيدي الناس، هو الشرك والكفر وتعاطي ما لا يحل لا على حقيقة كسب الأيدي ولكن لما ذكرنا.
ثم اختلف في قوله : ﴿ في البر والبحر ﴾ :قال بعضهم :البر، وهو المفازة التي لا ماء فيها، والقرى والأمصار. وقال بعضهم :أما البر فأهل العمود، وأما البحر فهم أهل القرى والريف. وقال بعضهم : [ فساد ]( ٢ ) البر :قتل ابن آدم أخاه، [ وفساد البحر ]( ٣ ) أخذ الملك كل سفينة غصبا.
وجائز :أن يكون لا على حقيقة إرادة البر والبحر، ولكن على إرادة الأحوال نفسها على ما ذكرنا من القحط والضيق وقلة الأنزال بما كسبت أيدي الناس من الشرك والكفر ﴿ ليذيقهم بعض الذي عملوا ﴾ وهو الشرك، وهذا أشبه.
وعن الحسن [ أنه ]( ٤ ) قال :أفسدهم الله في بر الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة ﴿ لعلهم يرجعون ﴾ قال :يرجع من كان بعدهم، ويتعظون بهم. وقتادة يقول :لعل راجعا يرجع، لعل تائبا يتوب، لعل مستغيثا يستغيث.
وأصله لكي يلزمهم الرجوع والتوبة عما عملوا، وينهاهم( ٥ ) عن ذلك كله.
وقال بعضهم :ظهر الفساد في البر والبحر أي أجدب البر، وانقطعت مادة البحر بذنوب الناس.
قال أبو عوسجة :الربا مثل ما يصنع أصحاب الربا ﴿ ليربوا ﴾ ليزيد، ويكثر ؛ يقال :ربا ماله أي كثر. والقتبيّ يقول :أي يزيدكم من أموال الناس من زكاة وصدقة.
١ في الأصل وم: هو..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: والبحر..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: وينبههم..
الآية ٤٢ وقوله تعالى : ﴿ قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل ﴾ قد ذكرنا في غير موضع :أنه ليس على حقيقة الأمر بالسير في الأرض، ولكن كأنه يقول :لو سرتم في الأرض، ونظرتم، لرأيتم عاقبة من كان قبلكم من المشركين، وهكذا من الرسل وما حل بهم، فينبّهكم، ويمنعكم عن تكذيب الرسل والشرك بالله.
أو يكون هو على الأمر بالتفكر( ١ ) والنظر والاعتبار ؛ كأنه يقول :تفكروا، واعتبروا في ما سرتم في الأرض، وانظروا على ماذا صارت عاقبة مكذبي الرسل من قبل، فينزل بكم بالتكذيب ما نزل بأولئك، والله أعلم.
١ في الأصل وم: بالفكر..
الآية ٤٣ وقوله تعالى : ﴿ فأقم وجهك للدين القيّم ﴾ قد ذكرنا في ما تقدم في قوله : ﴿ فأقم وجهك للدين حنيفا ﴾ [ يونس :١٠٥ والروم٣٠ ].
وقوله تعالى : ﴿ من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ﴾ قال بعض أهل التأويل :لا يقدر أحد على رد ذلك اليوم من الله، ثم يخرّج على وجهين :
أحدهما : ﴿ لا مرد له من الله ﴾ أي لا يردّون من ذلك اليوم إلى ابتداء المحنة كقولهم : ﴿ يا ليتنا نرد ﴾ الآية : [ الأنعام :٢٧ ]. قولهم : ﴿ ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل ﴾ [ فاطر :٣٧ ].
وقد أخبر عنهم، فقال : ﴿ ولو ردوا لعادوا لما نهوا ﴾ [ الأنعام :٢٨ ] فعلى ذلك جائز أن يكون قوله : ﴿ لا مرد له من الله ﴾ أي لا يردون إلى ما يسألون الرد.
والثاني : ﴿ لا مرد له من الله ﴾ أي لا إقامة لهم من الله، ولا عفو، ولا توبة، إذا أتاهم ذلك اليوم كقوله : ﴿ لا ينفع نفسا إيمانها ﴾ الآية [ الأنعام :١٥٨ ].
وقوله تعالى : ﴿ يومئذ يصّدّعون ﴾ أي يتفرقون كقوله : ﴿ ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون ﴾ [ الروم :١٤ ] هو ﴿ يوم الجمع ﴾ [ الشورى :٧ والتغابن :٩ ] و﴿ يوم الفصل ﴾ [ الصافات :٢١و. . . ] على اختلاف الأحوال والأوقات، والله أعلم.
الآية ٤٤ وقوله تعالى : ﴿ من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون ﴾ أي من كفر فعليه جزاء كفره، وعليه ضرر كفره ﴿ ومن عمل صالحا ﴾ فله ثواب إيمانه، وله منفعة عمله، عز وجل إنما امتحنهم بأنواع ما امتحن لمنافع أنفسهم لحاجتهم لا لحاجة أو لمنفعة له. وكذلك قوله : ﴿ من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها ﴾ [ فصلت :٤٦، والجاثية :١٥ ] وقوله : ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم ﴾ الآية [ الإسراء :٧ ] وهو ما ذكرنا أنه أمرهم، ونهاهم، وامتحنهم، لمنافع أنفسهم ولحاجتهم لا لحاجة أو لمنفعة لنفسه. لذلك كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ يمهدون ﴾ قال بعضهم :يفترشون، وقال أبو عوسجة والقتبيّ ﴿ فلأنفسهم يمهدون ﴾ يعملون، ويوطّئون، وهو من المهاد [ والمهاد ]( ١ ) في الأصل :الفراش.
١ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٤٥ وقوله تعالى : ﴿ ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله ﴾ هذا يدل أن الثواب والجزاء، سبيل وجوبه الفضل [ لأن ]( ١ ) في الحكمة [ وجوبه ]( ٢ ) لما سبق من الله إليهم نعم ما لم يتهيأ لهم القيام بشكر /٤١٤-ب/ واحدة منها فضلا أن يقوموا للكل. فإذا كان كذلك صار الثواب والجزاء، وجوبه الفضل لا الاستحقاق والاستيجاب.
وأما العقوبات، فوجوبها الاستحقاق، إذ في الحكمة وجوبها. لذلك افترقا.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ ليجزي الذين آمنوا ﴾ يجزيهم في الآخرة بالخيرات التي عملوها في الدنيا، وذلك من فضله، به نالوا ذلك، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من نسخة الحرم المكي..
الآية ٤٦ وقوله تعالى : ﴿ ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات ﴾ أن في الرياح آيات في نفسها، وفيها بشارات، أما الآيات فهي آيات سلطانه وتدبيره من وجوه :إنه أنشأ هذه الرياح في الهواء في الأرض وفي الجبال وفي السماء، تصيب الخلائق، وتميتهم، وتودي بهم، وتفرّعهم، وتقرّبهم، من غير أن يروها، أو يقع عليها البصر، ومن غير أن يدركوها، أو يدركوا كيفيتها أو ماهيتها، ليعلم أن من الأجسام ما هي [ غير ]( ١ ) مدركة، ولا آخذ البصر عليها، وترى :منها طيبة وخبيثة وشديدة كاسرة عاصفة، ويعذب بها قوم [ وينصر بها قوم ]( ٢ ) على ما ذكر في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال :( نصرت بالصبا وأهلك عاد بالدبور ) [ البخاري :٣٢٠٥ ] ومن بشاراتها ما تلقح الشجار والنخيل، وتشق الأرض، وينبت النبات منها، وتجمع السحاب، وتأتي بالمطر وتجري بها( ٣ ) السفن والفلك في البحار في الماء الراكد [ وفي مثله لا تجري السفن ]( ٤ ) والفلك لولا الريح. فذلك كله من البشارة وأنواع المنافع [ التي ]( ٥ ) جعلت فيها ؛ يعلم كله بالأعلام والآثار أنها نافعة أو ضارة مهلكة.
ثم سماها مبشرات ليعلم أن البشارة قد تكون بغير النطق والكلام من نحو الكتاب والإشارة أو الرسالة، إذ ليس للريح نطق ولا كلام، ثم سماها مبشرة.
وقوله تعالى : ﴿ وليذيقكم من رحمته ﴾ هذا يدل أن هذه البشارة والمنافع التي جعلها لهم كانت من رحمته فضلا لا استيجابا ولا استحقاقا، وسمي ذلك كله رحمة، لأنه برحمته يكون، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولتجري الفلك بأمره ﴾ قوله : ﴿ بأمره ﴾ يحتمل بتدبيره، أي بتدبيره تجري السفن في البحار على ما ذكر، أو أن يريد بأمره :تكوينه كقوله : ﴿ إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ﴾ [ النحل :٤٠ ] وكقوله : ﴿ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ﴾ [ يس :٨٢ ].
وقوله تعالى : ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ هذا يدل على أن ما يصل إليهم من المنافع إنما يصل من فضله ورحمته، لا يصل إليهم بتلك الأسباب والمكاسب لئلا يروا ذلك من تلك الأسباب، ولكن يرون( ٦ ) ذلك من فضل الله ورحمته.
وقوله تعالى : ﴿ ولعلكم تشكرون ﴾ أي لكي يلزمهم الشكر لله في ذلك كله، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: بهم..
٤ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ من م، في الأصل: يريدون..
الآية ٤٧ وقوله تعالى : ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا ﴾ في هذه الآية تصبير رسول الله صلى الله عليه وسلم على أذى الكفرة حين( ١ ) قال : ﴿ ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاءوهم بالبينات ﴾ وفيه أيضا بشارة للمؤمنين ونذارة لأولئك الكفرة.
أما النذارة لهم [ فهي ]( ٢ ) بقوله : ﴿ فانتقمنا من الذين أجرموا ﴾ أخبر أن أولئك لما كذبوا الرسل، وعاملوهم بما تعاملون أنتم يا أهل مكة رسول الله انتقمنا( ٣ ) منهم جزاء معاملتهم. فعلى ذلك ينتقم منكم كما انتقم من أولئك.
وأما البشارة [ فهي ]( ٤ ) للمؤمنين بقوله : ﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ﴾ أخبر أن عاقبة الأمور تكون للمؤمنين.
وفيه أن الرسل الذين كانوا من قبل ؛ كانوا من البشر. فكيف تنكرون رسالة محمد، إذ كان من البشر ؟
وفيه أنه قد أتى قومه بالبينات كما أتى أولئك الرسل قومهم بالبينات.
وقوله تعالى : ﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ﴾ هو يخرّج على وجهين :
أحدهما :أي كان حقا علينا جعل العاقبة للمؤمنين لا أن يكون عليه حقا نصر المؤمنين في الدنيا، ولكن جعل العاقبة للمؤمنين حقا كقوله : ﴿ والعاقبة للمتقين ﴾ [ الأعراف :١٢٨ ].
والثاني : ﴿ وكان حقا علينا نصر المؤمنين ﴾ بالحجج التي أعطاهم، أي كان حقا إعطاء الحجج لهم، والنصر والمعونة بالحجج، أي إعطاء الحجج لهم.
وقال بعضهم :نصره إياهم أنه أنجاهم مع الرسول، وأهلك أولئك، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: فانتقمنا..
٤ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٤٨ وقوله تعالى : ﴿ الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا ﴾ كأنه يخبر عن قدرته وسلطانه حين( ١ ) أنشأ الرياح بحيث يجمع السحاب، ويفرقه، ويبسطه، ويجعله قطعا تمطر في مكان، ولا تمطر في مكان.
يقول، والله أعلم :إن من قدر [ على ]( ٢ ) أن يسلط الرياح في جمع السحاب وتفريقه يملك تسليط الرياح على تعذيبكم.
أو يقول :إن المعبود المستحق للعبادة هو الذي يرسل الرياح لما ذكر والأمطار لا الأصنام التي تعبدون، إذ تعلمون أنها لا تملك شيئا مما ذكر.
أو يذكر نعمه التي عليهم ليستأدي بذلك( ٣ ) شكرها.
أو يطمعهم إيمان بعض منهم بعد ما كانوا آيسين من إيمانهم كما أطمعهم المطر والسعة بعدما قحطوا، وكانوا آيسين منه.
ألا ترى أنه قال : ﴿ فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون ﴾ ؟
١ في الأصل وم: حيث..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم:بها..
الآية ٤٩ ﴿ وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين ﴾
قال أبو عوسجة : ﴿ فتثير سحابا ﴾ أي ترفعه، وقال أبو عبيدة :تجمعه كما يستثير الرجل العلم، فيجمعه، وقوله تعالى : ﴿ ويجعله كسفا ﴾ قال بعضهم :قطعا، وقال بعضهم :يضم بعضه إلى بعض، ويحمل على بعض.
وقوله : ﴿ فترى الودق يخرج ﴾ أي المطر ﴿ يخرج من خلاله ﴾ أي من بين السحاب. ويقرأ :من خلله( ١ ) [ ومعناه ]( ٢ ) :نقبه، وقوله : ﴿ لمبلسين ﴾ آيسين والإبلاس الإياس. ولذلك سمي إبليس [ إبليس ]( ٣ ) لأنه أويس من رحمة الله.
١ انظر معجم القراءات القرآنية ح٥/٧٥..
٢ من م، في الأصل: في معناه..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٥٠ قوله تعالى : ﴿ فانظر إلى آثار رحمة الله ﴾ يحتمل أن يكون قوله : ﴿ إلى آثار رحمة الله ﴾ أي المطر ؛ أراد بالرحمة المطر، سمي المطر رحمة لأنه يكون برحمته، أو أن تكون الآثار، هي( ١ ) المطر نفسه، جعله من آثار رحمته وأعلامه.
ثم الأمر بالنظر والاعتبار بآثار رحمته يحتمل وجوها :
أحدها :أمرهم بالنظر إلى ذلك ليعلموا أنه رحيم كي يرغبوا في ما رغبهم، ويرجوا في ما أطمعهم، ودعاهم إليه، إذ قد ظهرت آثار رحمته، فكل رحيم يرغب في ما رغب، وأطمع.
[ والثاني ]( ٢ ) أن يكون الأمر بالنظر إلى آثار رحمته لأن( ٣ ) ذلك راجع إلى منافع أبدانهم وأنفسهم وما به قوامهم ليستأدي بذلك شكره. وفي ذلك تقع الحاجة إلى من يعرفهم تلك النعم، ويعرفهم شكرها، فيكون في ذلك الترغيب في قبول الرسالة [ وإثبات نبوة رسوله ]( ٤ ).
[ والثالث ]( ٥ ) :أن يكون سمي المطر رحمته لما يرجع ذلك إلى منافع أبدانهم وما به قوام أنفسهم ليعرفوا الرحمة، هي راجعة إلى منافع دينهم وآخرتهم، وهي( ٦ ) رسول الله، إذ سماه في غير موضع رحمة بقوله : ﴿ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين ﴾ [ الأنبياء :١٠٧ }.
[ والرابع ]( ٧ ) :أن يأمر بالنظر إلى ذلك المطر ليري( ٨ ) كيف يحيي هذه الأرضين الموات، وينبت فيها من ألوان النبات ؟ وهذه الأشجار اليابسة كيف تخضرُّ بعد يبوستها بهذه الأمطار ؟ ليعرفوا إن من ملك هذا، وقدر على ذلك، وهو خارج عن وسعهم وتقديرهم لقادر على /٤١٥-أ/ إحياء الموتى وبعثهم بعد الممات، وإن كان خارجا عن تقديرهم ووسعهم ﴿ وهو على كل شيء قدير ﴾ لا يعجزه شيء.
١ في الأصل وم: هو..
٢ في الأصل وم: أو..
٣ في الأصل وم: إذ..
٤ في الأصل وم: وإثباته..
٥ في الأصل وم: أو..
٦ في الأصل وم: وهو..
٧ في الأصل وم: أو..
٨ في الأصل وم: وأنه..
الآية ٥١ وقوله تعالى : ﴿ ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرّا ﴾ يعني به الزرع والنبات الذي أخرج من الأرض بالمطر. قال بعضهم :رأوه يابسا، إذا أصابته الريح الباردة ﴿ لظلوا من بعده يكفرون ﴾ أي لأقاموا على كفرهم إذا أصابهم ما ذكر، وهو كقوله : ﴿ وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون ﴾ [ الروم :٣٦ ] فعلى ذلك قوله : ﴿ لظلوا من بعده يكفرون ﴾ أي يقنطون من رحمته، والله أعلم.
الآية ٥٢ وقوله تعالى : ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولّوا مدبرين ﴾ جائز أن يكون ﴿ لا تسمع الموتى ﴾ يريد بالموتى أنفسهم ﴿ ولا تسمع الصم الدعاء ﴾ الصم أنفسهم أيضا، ولا تسمع الكفار والضّلاّل ﴿ إذا ولّوا مدبرين ﴾ أو أن يكون قوله : ﴿ لا تسمع الموتى ﴾ كناية عن الكفار، وكذلك الصم والعمي، وقد سمى الله الكفار موتى وصما وعميا في غير موضع من القرآن.
ثم في قوله : ﴿ لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولّوا مدبرين ﴾ حكمة، وهي ألا يقدر أن يسمع ﴿ الصم الدعاء إذا ولّوا مدبرين ﴾ ولكن يقدر أن يفهم الأصم الدعاء إذا أقبل، وأما إذا أدبر فلا يقدر أن يسمعه.
الآية ٥٣ وكذلك الحكمة في قوله : ﴿ وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ﴾ أي لا تقدر أن تهدي العمي عن ضلالتهم [ والأعمى هو ]( ١ ) الذي يعمى عن ضلالته، ويظن أنه على الهدى، وغيره على الضلال. فأما من كان مقرّا بالضلال [ فإنك لا تقدر ]( ٢ ) أن تهديه. يخبر عن شدة سفههم وتعنّتهم وعماهم في ضلالتهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ﴾ أي ما يسمع إلا من يؤمن بآياتنا. هذا يدل على أن قوله : ﴿ فإنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولّوا مدبرين ﴾ وقوله ﴿ وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم ﴾ هي المواعظ لا نفس الهدى لأنه( ٣ ) قال : ﴿ إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون ﴾.
ثم يحتمل قوله : ﴿ إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ﴾ [ أن يكون ]( ٤ ) كقوله : ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر ﴾ [ يس :١١ ] أي إنما ينتفع بإنذارك من اتبع الهدى، أو إن الذي يقبل النذارة من اتبع الهدى. فأما من لم يتبع الهدى فلا ينتفع. فعلى ذلك يحتمل قوله : ﴿ إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا ﴾ أي ما ينتفع أو لا يسمع المواعظ إلا من يؤمن بذلك، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وهو..
٢ في الأصل: فأما من كان، في م: فإنك تقدر..
٣ في الأصل وم: حيث..
٤ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٥٤ وقوله تعالى : ﴿ الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما :قوله : ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ أي من النطفة، وهو ما قال في آية أخرى ﴿ ألم نخلقكم من ماء مهين ﴾ [ المرسلات :٢٠ ] أي ضعيف ثم قوله : ﴿ ثم جعل من بعد ضعف قوة ﴾ أي إنسانا، يقوى على أمور وعلى أشياء ﴿ ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ﴾ أي شيخا فانيا كقوله تعالى : ﴿ ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا ﴾ [ النحل :٧٠، الحج :٥ ].
[ والثاني ]( ١ ) :أن يكون قوله : ﴿ خلقكم من ضعف ﴾ أي أطفالا، لا( ٢ ) على الخلقة التي أنتم عليها اليوم، ضعفاء لا تقوون على أشياء وأمور، ولا يقوى شيء منكم على شيء ﴿ ثم جعل من بعد ضعف قوة ﴾ ثم جعلكم( ٣ ) من بعد ذلك الضعف أقوياء، تقوون على أشياء وأمور ﴿ ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة ﴾ ثم يجعلكم( ٤ ) من بعد تلك القوة والقدرة ضعفاء شيوخا، ولا تقدرون على شيء على ما يكون يحتمل هذين الوجهين.
ثم فيه وجهان من الدلالة :
أحدهما :على البعث.
والثاني :على القدرة على إنشاء الخلق والأشياء لا من أصول.
أما الدلالة على البعث فلأنهم كانوا ينكرون( ٥ ) البعث وإنشاء الشيء لا من أصل لخروج عن قواهم وتقديرهم ؛ يخبر أن النطفة، تصير علقة، وليس فيها من العلقة ولا من آثارها شيء. وكذلك العلقة، تصير مضغة، وليس فيها من آثار المضغة شيء، وكذلك المضغة، تصير إنسانا، فيه عظم وجلد وشعر ولحم، وليس شيء من ذلك فيها. فمن قدر على ما ذكر فيقدر على خلق الشيء لا من أصل، ويقدر على البعث، إذ كل ما ذكر أقرّوا به، وهو خارج عن قواهم وعن تقديرهم. فلزمهم الإقرار بالبعث والإنشاء لا عن أصل، وألا يقدروا قدرتهم بقردة الله وقوته على ما شاهدوا أشياء خارجة عن قواهم وعن تقديرهم بقوة الله وقدرته.
والثاني :أن ما ذكر من تحويل النطفة إلى العلقة والعلقة إلى المضغة والمضغة إلى الصورة والإنسان، لم يحولهم، ولم ينقلهم ليكون كما ذكر بلا عاقبة تكون لهم ولا بعث.
فلو لم يكن بعث لكان ما ذكر من تحويل حال إلى حال عبثا باطلا على ما ذكر.
وكذلك في ما أحدث من الأطفال من القوة والقدرة بعد ما كانوا ضعفاء، لا يقوون، ولا يقدرون على شيء. أنه إنما أحدث فيهم ليمتحنوا، ويجعل لهم [ عاقبة ]( ٦ ) يثابون، ويعاقبون، إذ لو لم يكن بعث ولا عاقبة لكان فعل ذلك عبثا باطلا.
[ وفيه القدرة ]( ٧ ) على إنشاء الشيء، وإحداثه لا من شيء، إذ كان التركيب موجودا على التمام، ولا قوة به( ٨ )، ثم أحدث القوة، ولا أصل لها، ولا أثر من آثارها. دل أن تقدير قوى الخلق بقوى الله محال، والله الموفق.
وقوله تعالى : ﴿ يخلق ما يشاء وهو العليم القدير ﴾ بأحوالهم، والقدير على إنشاء الأشياء لا من أشياء وعلى البعث بعد الموت، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وجائز..
٢ ساقطة من م..
٣ في الأصل وم: جعل..
٤ في الأصل وم: يجعل..
٥ من م، في الأصل: يقدرون..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ من م، ساقطة من الأصل..
٨ في الأصل وم: بهم..
الآية ٥٥ وقوله تعالى : ﴿ ويم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ﴾ قال بعض أهل التأويل :يقسم المجرمون أنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة. وكذلك يقولون في قوله : ﴿ قل كم لبثتم في الأرض عدد سنين ﴾ ﴿ قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ﴾ الآية [ المؤمنون :١١٢ و١١٣ ].
لكن الأشبه( ١ ) أن يكون قوله : ﴿ يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة ﴾ في الدنيا في المحنة لا في القبور.
استقصروا مقامهم في الدنيا تكذيبا لما ادعي عليهم من الزلات( ٢ ) والمعاصي وأنواع الكفر. يقولون :إنا لبثنا في الدنيا وقتا، لا يكون منا في مثل ذلك الوقت وقدر تلك المدة [ مثل هذه الزلات ]( ٣ ) والمعاصي.
ألا ترى أنهم قد كذبوا في إنكارهم طول المقام حتى( ٤ ) قال : ﴿ كذلك كانوا يؤفكون ﴾ أي كذلك كانوا يكذّبون في الدنيا أن لا بعث، ولا حياة بعد الموت، ولا حساب. ولولا هذا التكذيب لهم على إثر قولهم : ﴿ ما لبثوا غير ساعة ﴾ لكان( ٥ ) الظاهر أنهم قد استقصروا المقام في الدنيا لطول المقام في الآخرة وشدة العذاب في ذلك وهوله. لكنه، والله أعلم، ما ذكرنا أنهم يقسمون أنهم ما لبثوا غير ساعة في الدنيا إنكارا وجحودا لما ادعي عليهم من الزلات( ٦ ) والمعاصي.
يقولون :إنا لم نلبث في الدنيا إلا ساعة، كيف عملنا هذه الزلات( ٧ ) وأنواع الشرك والكفر ؟ ﴿ كذلك كانوا يؤفكون ﴾ أي كذلك، كانوا يكذّبون في الدنيا، ويقسمون حتى( ٨ ) قال : ﴿ وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ﴾ [ النحل :٣٨ ] فذلك القسم منهم أنهم ما لبثوا غير ساعة كذب وإنكار للمقام كما كذبوا، وأنكروا الشرك حين( ٩ ) ﴿ قالوا والله ربنا ما كنا مشركين ﴾ [ الأنعام :٢٣ ].
١ في الأصل: لا شبهه، في م: لا شبه..
٢ في الأصل وم: الزلل..
٣ في الأصل وم: الزلل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: وإلا كان...
٦ في الأصل وم: الزلل..
٧ في الأصل وم: الزلل.
٨ في الأصل وم: حيث..
٩ في الأصل وم: حيث..
الآية ٥٦ وقوله تعالى : ﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ﴾ اختلف فيه :قال بعضهم :هو على التقديم والتأخير ؛ كأنه :قال الذين أوتوا العلم في كتاب الله، أي أتوا العلم بكتاب الله والإيمان به : ﴿ لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ﴾.
وقال بعضهم : ﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم ﴾ في علم الله في الدنيا ﴿ إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ﴾.
وقال بعضهم :يقول : ﴿ وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم ﴾ /٤١٥-ب/ في ما كتب الله لكم من الآجال إلى انقضاء آجالكم وفنائها.
وقوله تعالى : ﴿ فهذا يوم البعث ﴾ الذي كنتم تنكرونه، وتكذّبونه ﴿ ولكنكم كنتم لا تعلمون ﴾ هذا يخرّج على وجهين :
أحدهما :على حقيقة نفي العلم عنهم، لكنهم لا يعذرون لجهلهم بذلك لما أعطوا أسباب العلم، لو تفكروا، أو تأملوا، لعلموا.
والثاني :على نفي الانتفاع بعلمهم على ما نفى عنهم حواس كانت لهم لما لم ينتفعوا بها. فعلى ذلك جائز نفي العلم عنهم بذلك لما لم ينتفعوا بما علموا، والله أعلم.
الآية ٥٧ وقوله تعالى : ﴿ فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ﴾ ليس على أن يكون لهم عذر، فلا ينفعهم، ولكن لا عذر لهم البتة، أو أن تكون معذرتهم ما ذكروا ﴿ ما لبثوا غير ساعة ﴾ فذلك معذرتهم، فلا ينفعهم ذلك لأنهم كذبة في ذلك.
وقوله تعالى : ﴿ ولا هم يستعتبون ﴾ الاستعتاب، هو الاسترجاع عما كانوا فيه، فهم لا يطلب منهم الرجوع عما كانوا عليه في ذلك الوقت. والعتاب في الشاهد أن يعاتب ليترك ما هو عليه، ويرجع عما كان منه في ما مضى، وذلك لا ينفع للكفرة في ذلك اليوم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ﴾ [ الروم :٥١ ] أي رأوا طلك الزرع والنبات مصفرا، أي يابسا لما أصابه من الريح والبرد ﴿ لظلوا من بعده يكفرون ﴾ قيل :لأقاموا، وقيل :لمالوا، وكله يرجع إلى معنى واحد، وهو ما تقدم ذكره من القنوط، أي يقنطون، وييأسون من رحمته، ويكفرون برب هذه النعم. وفي حرف ابن مسعود :إنك لا تسمع الموتى.
الآية ٥٨ وقوله تعالى : ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من ضرب المثل للكفار خاصة ؛ يقول :قد بينا لهم ما يعظهم، ويزجرهم عما هم فيه، ويدعوهم إلى الإيمان والتوحيد، لكنهم اعتادوا( ١ ) العناد والمكابرة.
وقوله تعالى : ﴿ ولئن جئتهم بآية ﴾ أي جئتهم بالآية التي سألوك أيضا فلا يصدّقونك، ولا يقبلون الهدى ويقولون ما ذكر : ﴿ ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون ﴾ ويشبه أن يكون ما ذكر من ضرب المثل للفريقين جميعا للمؤمن والكافر ويكون التأويل، والله أعلم، ولقد ضربنا، وبينا للناس لأفعالهم وأحوالهم من القبيح والحسن مثلا وشبها ما يعرفون به قبح كل قبيح وحسن كل حسن وما بين لهم الحق من الباطل والعدل من الجور لأن أولئك الكفرة لم يعتبروا، ولم يتأملوا.
ثم رجع إلى وصف أولئك الكفرة، فقال : ﴿ ولئن جئتهم بآية ﴾ أي بزيادة في البيان والوضوح ﴿ ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون ﴾ والله أعلم.
١ في الأصل وم: اعتقدوا..
الآية ٥٩ وقوله تعالى : ﴿ كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون ﴾ قد ذكرنا في غير موضع أن قوله : ﴿ لا يعلمون ﴾ يخرج على وجهين :
أحدهما :لم يعلموا لما لم يتأملوا، ولم ينظروا، في أسباب العلم لكي يعلموا، ولا عذر لهم في جهلهم. ذلك لما أعطوا أسباب العلم. لكنهم لم يستعملوها. فمنهم جاء ذلك فلم يعذروا.
والثاني :نفى عنهم العلم على وجود العلم لهم وكونه لما لم ينتفعوا بما علموا على ما ذكرنا من نفي الحواس عنهم مع وجودها وكونها لهم( ١ ) لما لم ينتفعوا بها، ولم يستعملوها في ما جعلت، وأنشئت لها. فعلى ذلك العلم، والله أعلم.
١ أدرج بعدها في الأصل وم: تلك الحواس..
الآية ٦٠ وقوله تعالى : ﴿ فاصبر إن وعد الله حق ﴾ قال بعضهم :فاصبر على تكذيبهم إياك بالعذاب الذي وعدت لهم ﴿ إن وعد الله حق ﴾ في العذاب بأنه نازل بهم.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ فاصبر ﴾ أي اصبر على أذاهم الذي يؤذونك ﴿ إن وعد الله حق ﴾ في النصر لك والمعونة.
وقوله تعالى : ﴿ ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ﴾ كأنه يقول :لا يحملنك أذاهم إياك حتى تدعو عليهم بالعذاب والهلاك.
وقال بعضهم : ﴿ ولا يستخفنك ﴾ أي لا يستفزّنك ؛ ويقول :لا يستجهلنك. وأصله ما ذكرنا أي لا يحملنك أولئك الكفرة على الخفة والعجلة والجهل حتى تدعو عليهم بإنزال العذاب والهلاك لهم، وهو، والله أعلم، من الاستخفاف.
السورة التالية
Icon