0:00
0:00

تفسير سورة الرّوم
تحقيق الغيب المخبر به عن الروم
من وجوه إعجاز القرآن الكريم: الإخبار عن المغيبات سلفا في المستقبل، ووقوع الأشياء كما أخبر تماما، ومن هذه الأخبار الغيبية: هزيمة الروم أمام الفرس، ثم انتصار الروم على الفرس، وذلك في حدود بضع سنوات من ثلاث إلى عشر، كما أخبر القرآن، فبعد نزول سورة الروم سنة (٦٢٢ م) ببضع سنين في سنة (٦٢٧ م) أحرز هرقل عظيم الروم أول نصر حاسم للروم على الفرس، في نينوى، على نهر دجلة، وانسحب الفرس لذلك من حصارهم القسطنطينية، ولقي كسرى أبرويز مصرعه سنة (٦٢٨ م) على يد ولده: شيرويه، وهذا ما أرّخه القرآن قبل وقوعه في الآيات الآتية في مطلع سورة الرّوم المكّية:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ١ الى ٧]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤)
بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٥) وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظاهِراً مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ (٧)
«١» «٢» «٣» «٤» [الرّوم: ٣٠/ ١- ٧].
(١) قهرت فارس الروم.
(٢) أقربها إلى فارس.
(٣) كونهم مغلوبين.
(٤) البضع: ما بين الثلاث إلى التّسع أو العشر من السنين.
سبب النزول: ما أخرجه التّرمذي عن أبي سعيد الخدري قال: لما كان يوم بدر، ظهرت الروم على فارس، فأعجب ذلك المؤمنين، فنزلت الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢). وقد كان الفرس هم الغالبين للرومان في بدء الأمر، على مشارف الشام مما يلي بلاد العرب، ففرح بذلك مشركو العرب إذ قالوا: إن الفرس لا كتاب لهم مثلنا، والرّومان لهم كتاب مثلكم، لأنهم نصارى، ولننتصرن عليكم كما انتصر الفرس.
وتراهن أبو بكر مع المشركين على انتصار الروم، في مدة بسيطة، فقال له النّبي صلّى الله عليه وسلم:
زد في الرّهان ومدّ الأجل، ففعل، فانتصر الروم في أثناء الأجل، بعد خمس سنوات، كما تقدّم، وأخذ أبو بكر الجعل وتصدّق به.
والمعنى: الم: هذه حروف مقطعة للتنبيه على ما يأتي بعدها، ولتحدّي العرب بمجاراة القرآن ومعارضته، مع أنهم فصحاء العرب، وكلامهم مكوّن من هذه الحروف التي تتركّب بها الكلمة العربيّة أو الكلام العربي الذي ينطقون به.
لقد غلبت الفرس الرّوم في أقرب أرض الرّوم إلى بلاد العرب، في أعلى مشارف بلاد الشام، في الجزيرة: وهو موضع بين العراق والشام، فسرّ المشركون الكفرة، وأدنى الأرض: أقرب الأرض، فإن كانت الوقعة بأذرعات بحسب قول عكرمة فهي من أدنى الأرض بالنسبة إلى مكّة، وإن كانت الوقعة بالجزيرة بحسب قول مجاهد، فهي أدنى الأرض بالنسبة إلى أرض كسرى الفرس. فبشّر الله تعالى عباده المؤمنين بأن الروم سيغلبون في بضع سنين، والبضع: من الثلاث إلى التّسع من السنوات، وذلك من تاريخ الموقعة الأولى. وهذا إخبار عن أمر غيبي في المستقبل، أيّده الواقع، ولله الأمر كله من قبل الغلبة ومن بعدها، فيحقق الله الغلبة لفئة على أخرى، ثم يحدث العكس، بأمر الله وإرادته وقدره وقدرته، خلافا للموازين العسكرية البشرية، فقد يتغلب الضعيف أو القليل على القوي والكثير، بإذن الله ومراده، كما قال سبحانه:
كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ [البقرة: ٢/ ٢٤٩]. وقوله تعالى: لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ إخبار بانفراد الله بالقدرة.
ويوم ينتصر الرّوم النّصارى على الفرس الوثنيين، يفرح المؤمنون بنصر الله أهل الدين والإيمان، على من لا دين له ولا كتاب من السماء.
ينصر الله من يريد على الأعداء، لأنه الفعّال لما يريد، والحكيم في إرادته، والقويّ الذي لا يغلب، المنتقم من أعدائه، الرّحيم بعباده المؤمنين.
ذلك وعد حقّ من الله تعالى، وخبر صدق واقع، والله لا يخلف الميعاد، ولا بدّ من وقوعه، لأن في سنّة الله تعالى أن ينصر أقرب الفريقين المتقاتلين إلى الحق، إلّا أن يكون ذلك محنة وابتلاء لفئة بفئة، ولكن أكثر الناس لا يعلمون بحكم الله وأفعاله القائمة على العدل والحكمة، لجهلهم بالسّنن الجارية في الكون، كما قال الله تعالى:
سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً [الأحزاب: ٣٣/ ٣٨] سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٣٣/ ٦٢].
وعلم الناس، وبخاصة الكفرة الذين لا يعلمون أمر الله وصدق وعده: علم ظاهري بأحوال الدنيا وعلومها المادّية، كتدبير: شؤون المعيشة، واكتساب الأموال من مصادر الثروة المتعددة، من زراعة أو صناعة أو تجارة، أو مهنة حرة أو خدمة ونحوها. وهم مشغولون بعلومهم هذه، لا ينظرون إلى المستقبل، وهم في غفلة تامة أو شبه تامة عن شؤون الآخرة، وما فيها من خوالد الأشياء، ودوام المصير.
هذا الخبر الغيبي له مغزاه وهدفه في تاريخ الدعوة الإسلامية، فلقد ترجّى النّبي صلّى الله عليه وسلم ظهور دينه وانتشار دعوته، وامتداد تطبيق شريعة الله عزّ وجلّ التي أرسله الله بها، وتغلّبه على الأمم والشعوب التي تدين بدين غير سماوي، وتبدّد آمال كفار مكّة بأن يرمي الله نبيّه بملك يستأصل وجوده، ويريحهم منه، ولكن خسر هنالك المبطلون.
فريضة التّفكّر في مخلوقات الله تعالى
لقد أحال القرآن الكريم في إثبات عقيدة الإيمان بوجود الله ووحدانيته على مشاهد حسّيّة ملموسة، وهي المخلوقات السماوية والأرضية، فهي ترشد إلى الموجد الخالق، بسبب بدء تكوينها وانتهائها بعد أجل محدد في علم الله تعالى، كما أحال إلى التأمّل في مصارع الأقوام الغابرين الذين كانوا أشدّ قوة وأكثر أموالا وأولادا، لكنهم حينما أعرضوا عن آيات الله البيّنة، أهلكهم الله في الدنيا ودمّرهم، لا بظلم من أحد، وإنما بسبب ظلمهم أنفسهم، ثم كانت عاقبتهم أسوأ العقوبة، وهي جهنم بسبب التكذيب بآيات الله تعالى والاستهزاء بها. هذا ما وصفه القرآن المجيد في إيراد الأدلة والبراهين الحسّية على وجود الله وتوحيده شريطة التأمّل والتفكّر فيها، قال الله تعالى:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٨ الى ١٠]
أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ ما خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ لَكافِرُونَ (٨) أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَجاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَكانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ (١٠)
«١» «٢» [الرّوم: ٣٠/ ٣٠/ ٨- ١٠].
هذه حملة مركزة لإعمال المشركين وغيرهم أفكارهم وعقولهم، للتوصّل في نتيجة التفكير والنظر والتأمّل، لإثبات وجود الله وتوحيده، أفلا يتفكرون في أنفسهم أو ذواتهم أن ما أوجده الله تعالى من مخلوقات في السماوات والأرض وما بينهما وما فيهما، لم يوجده إلّا بالحقّ الثابت، الملازم للحكمة، ولأجل محدد، لا بد من
(١) حرثوها بالفلاحة.
(٢) العقوبة الشديدة.
الانتهاء إليه، وهو قيام القيامة، فإذا حلّ الأجل، تبدّلت معالم الأرض والسماء، ولكن أكثر الناس، وبخاصة الكفار، هم جاحدون لقاء الله تعالى، منكرون وجود البعث والحساب، لأنهم لم يتفكروا في ذواتهم وحواسّهم، ليستدلّوا بذلك على الخالق المبدع.
المراد من هذه الآية: وصف الكافرين المشركين بالغفلة والإعراض عن أمر الآخرة، ثم توبيخهم على أنهم قد فكّروا تفكيرا مغلوطا أو خطأ، فلم ينفعهم الفكر والنظر، لأنه لم يكن على سداد وصواب.
وقوله تعالى: إِلَّا بِالْحَقِّ يراد به بسبب المنافع التي هي حق وواجب، تدلّ على وجود الله وعبادته وحده على الدوام، والإعتبار بمنافع الأرزاق وغيرها. ثم أخبر الله تعالى عن كفر أكثر الناس بالبعث والنشور المعبّر عنه بلقاء الله تبارك وتعالى، لأن لقاء الله تعالى هو أعظم الأمور، وفيه النجاة أو الهلاك.
ثم وبّخ الله تعالى المشركين توبيخا آخر، وهو أنهم ساروا ونظروا في عواقب الأمم المتقدمة، ولكن ذلك لم ينفعهم، حتى لم يعملوا بحسب العبرة وخوف العاقبة.
إن هؤلاء الجاحدين عطلوا ثمرة النظر والفكر، أفلم يتنقلوا في الأرض، فينظروا بعقولهم وأفهامهم، ويتأمّلوا بأخبار الماضين، كانوا أشد قوة من أهل مكة ونحوهم، وكانوا أكثر تحضّرا وتمدّنا، حيث حرثوا الأرض وزرعوها، وغرسوا فيها الأشجار، أكثر مما فعله المكّيون، وسائر العرب عند نزول الوحي، وجاءتهم الآيات الدّالة على وجود الله وتوحيده، فأعرضوا عنها، فأهلكهم الله بذنوبهم وكفرهم وتكذيبهم رسلهم، الذين أرسلهم الله تعالى إليهم، فلم يكن عقابهم جورا ولا ظلما، ولكن كانوا هم الظالمين أنفسهم، بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى.
وهناك عقاب أشدّ من عقابهم الدنيوي، فلقد كان مصير المسيئين أسوأ مصير، وعقابهم أسوأ عقاب، وهو الخلود في نيران جهنّم، بسبب تكذيبهم بآيات الله تعالى
ودلائله الدّالة على وجوده ووحدانيته، وبسبب استهزائهم وسخريتهم منها. فقوله تعالى: أَساؤُا السُّواى أي كان عاقبة الذين كفروا هي النار، والتكذيب بآيات الله تعالى لا مجرد الاستهزاء بها، فلذلك عدّد الله تعالى عليهم الفعلين.
إن تعطيل ثمار التفكير الصحيح منشؤه الخلود إلى الكفر والضلال، لأن من أصمّ سمعه، وأعمى بصره، بسبب ملازمته منهج الكفر وتقليد الآباء والأجداد، يصعب عليه ترك ما ألف وهجر ما اعتاد.
وإن إهمال الإعتبار بأحداث الماضين، الذين تعرّضوا لعذاب الاستئصال، مع شدّتهم وقوتهم في السّلم والإعمار، والحرب والدّمار، يعدّ نكسة شديدة في تاريخ الفكر الإنساني.
والعاقل من اتّعظ، والمفكّر من اعتبر، وفائدة العظة والعبرة تكمن في سلوك أهل البصيرة وأصحاب الرأي الحرّ المنعتق من رواسب التقليد، ومحاكاة الآخرين من غير حجة ولا برهان.
إثبات المعاد ومخاوفه
الإيمان باليوم الآخر من أصول الإعتقاد في الإسلام، بل هو ضرورة لازمة لإنصاف الخلائق، وإحقاق الحقّ، وإبطال الباطل، لذا أخبر الله تعالى إخبارا عامّا مطلقا لجميع العالم بالحشر والبعث من القبور، وأكّد سبحانه على أنه هو الذي يبدأ الخلق ويوجده، ثم يحييه ويعيده إليه، وفي ذلك اليوم يفرح المؤمنون بما أعدّه الله لهم من جنّات النعيم، وييأس الكافرون والمجرمون من انقطاع حجّتهم، وإصابتهم بالإحباط وفقد الأمل بالنّجاة، ولا مفرّ من هذا المصير، ولا أمل في الإنقاذ، وإنما الناس حينئذ فريقان: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
قال الله تعالى مبيّنا أحوال القيامة والناس فيها:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ١١ الى ١٦]
اللَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١١) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكائِهِمْ شُفَعاءُ وَكانُوا بِشُرَكائِهِمْ كافِرِينَ (١٣) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥)
وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا وَلِقاءِ الْآخِرَةِ فَأُولئِكَ فِي الْعَذابِ مُحْضَرُونَ (١٦)
«١» «٢» «٣» [الرّوم: ٣٠/ ٣٠/ ١١- ١٦].
هذه حقيقة العالم في البدء والنهاية، فالله هو المبدئ وهو المعيد، فكما هو قادر على بدء الخلق وإنشائه، هو قادر على إعادته، وإرجاعه، فجميع المخلوقات يعودون إلى الله يوم القيامة، ويبعثون من القبور.
وفي يوم القيامة: ييأس المجرمون من الاهتداء إلى الحجة النافعة لهم، بسبب شدة الأهوال، وعقم الوصول إلى المسوّغات المقبولة، والأعذار المرضية.
ولن يجد المشركون لهم شفعاء من الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله، وكانوا بشركائهم وآلهتهم المزعومة جاحدين، متبرئين منهم، فإنهم لن يسعفوهم في وقت الحاجة إليهم، كما جاء في آية أخرى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (١٦٦) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧) [البقرة: ٢/ ١٦٦- ١٦٧]. وهذا كله دليل الإفلاس والخسران.
ثم أخبر الله تعالى عن انقسام أهل المحشر قسمين:
ويوم تقوم القيامة يتفرق الناس فرقة لا اجتماع بعدها، فيؤخذ أهل الإيمان والسعادة إلى الجنان، ويؤخذ أهل الكفر والشقاوة إلى النيران، إنهم يتفرقون في المنازل والأحكام والجزاء.
(١) أي ييأس المجرمون من الاهتداء إلى الحجة الناجعة.
(٢) يسرّون.
(٣) باقون فيه على الدوام.
فأما المؤمنون المصدّقون بالله ورسوله واليوم الآخر، والعاملون العمل الصالح الذي يرضي الله، والمجتنبون كل ما نهى الله عنه، فهم أهل السرور والحبور، والبهجة والمتعة، إنهم يتمتعون بأكمل أوصاف النعيم، ويتقلّبون في أعطاف النعمة والمسرّة، كما قال الله تعالى في آية أخرى: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السّجدة: ٣٢/ ١٧]. وقوله تعالى: فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ أي في جنّة ينعّمون ويسرّون.
والروضة: أحسن ما يعلم من بقاع الأرض، وهي حيث يكثر النّبت الأخضر.
وأما أهل الكفر والجحود بوجود الله وتوحيده، المكذّبون رسله وآياته، المنكرون وقوع المعاد أو البعث بعد الموت، فهم خالدون مخلّدون في عذاب الله في النار، لا يغيبون عن الله أبدا، ولا يفترون عنه مطلقا، كما جاء في آية أخرى: كُلَّما أَرادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْها مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها [الحجّ: ٢٢/ ٢٢].
إن يوم القيامة يوم الانقطاع بين عالم الدنيا وعالم الآخرة، وهو يوم الانفصال التامّ بين أهل الإيمان وأصحاب الكفر، إنه يوم لا رجعة فيه إلى الدنيا، ولا أمل بلقاء واقع بين المؤمنين والكفار. إن أهل الإيمان المتميزين بصالح الأعمال: وهو الائتمار بأمر الله، واجتناب نواهيه، يتنعّمون في رياض الجنة، وينظرون إلى وجه الله الكريم، وأما أهل الشّقاوة والكفر والجحود، المكذّبون بآيات الله البيّنة، والمنكرون لوجود القيامة، فهم في العذاب جاثمون محضرون، أي مدخلون إلى النار، لا يغيبون عن العذاب، ولا يخفف عنهم شيء من عذاب جهنم.
إن هذا الانقسام إلى فريقين في عالم الآخرة، لهو واضح التأثير، فالعاقل المدرك لمصيره، المقدر لمخاطر مستقبله، يبادر إلى الإيمان، ويعمل لما بعد الدنيا، مما ينجيه بين يدي الله، بإيمان صحيح، وعمل صالح خالص من الشوائب، متمحض لله تعالى.
أوقات الأذكار والعبادة
تحقيقا للصّلة الدائمة بالله تعالى، وإدامة لرقابة الله عزّ وجلّ في السّر والعلن، وضع الحقّ تعالى نظاما متكرّرا منضبطا للتسبيح والتحميد والعبادة، وحضّ على الصلاة في أوقات معينة، وأزمان متكررة، وما أبدع وما أجمل نظام الإسلام بالتذكير بالعبادة عن طريق الأذان الشرعي، الذي هو دعوة دائمة للإيمان والإسلام، بإعلان الشهادتين، والحثّ على أداء الصلاة وتحقيق الفلاح، وإدراك مغزى العبادة، والإيقان بعظمة الله، وأنه أكبر شيء في هذا الوجود. واستحضار عظمة الله، وإحاطة علمه وقدرته، فهو مبعث الهيبة والوقار، والمبادرة إلى الامتثال، والاستقامة وتحقيق المنال، قال الله تعالى آمرا بالعبادة، حاضّا على الصلاة في أوقات معينة، لأن الإيمان تنزيه بالجنان، وتوحيد باللسان، وعمل صالح يشمل جميع الأركان:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ١٧ الى ١٩]
فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨) يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَكَذلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)
«١» [الرّوم: ٣٠/ ١٧- ١٩].
الدنيا مملوءة بالأشياء المختلفة، والمتناقضات والأضداد، تحقيقا لتكامل الكون، وإدراك الفروق والتفاوت بين المخلوقات، فنجد الكفر مقابلا للإيمان، والشقاء موازيا للسعادة، والقبح في مواجهة الجمال، والرذيلة تنافس الفضيلة، والنقمة أمام النعمة، والعذاب قرين الرحمة، وكل واجهة من هذه الواجهات تأكيد لحرّية الإنسان، وتقرير لممارسة حقّه في الإرادة والإختيار، فهو الذي يقبل على ما فيه الوصول إلى رحمة الله ورضوانه، وهو الذي يزجّ بنفسه في موجبات العذاب والعقاب.
(١) تدخلون في وقت الظهيرة. [..... ]
إن هذه الآيات تحدّد أوقات التسبيح والتحميد والتكبير وغيرها من الأذكار، وتعيّن أوقات الصلاة، والمؤمن يحرص على هذه الأوقات لأداء واجبه وإبراء ذمّته، فيسبح الله، أي ينزهه عن جميع صفات النقصان، ويثبّت له كل صفات الكمال، في جميع أوقات الليل والنهار، يسبح الله بأمره حين ابتداء المساء أو الليل، وحين طلوع الفجر أو النهار، ويحمد الله تعالى جميع من في السماوات والأرض، من ملائكة وجنّ وإنس، وجماد ونبات، وحيوان، ويسبح الإنسان الله وينزهه أيضا في وقت العشي أو العشاء، وهو شدة الظلام، وفي وسط النهار وقت الظهيرة.
قال ابن عباس وقتادة وبعض الفقهاء: في هذه الآية تنبيه على أربع صلوات:
المغرب، والصبح، والعصر، والظهر. والعشاء الآخرة في رواية أخرى. والواقع أن الآية تشمل أوقات الصلاة الخمسة، لأنّ العشي وقت العشاء، والمغرب وقت الإمساء، والصبح وقت الإصباح، والظهر والعصر من بعد تحوّل الشمس إلى جهة الغرب.
والمعنى: نزّهوا الله تعالى عن صفات النقصان، وصفوه بصفات المجد والكمال، في جميع هذه الأوقات المتعاقبة، من طلوع الفجر إلى غسق الليل، لأن أفضل الأعمال وأحبّها إلى الله أدومها وأبقاها.
ومما يستدعي تسبيح الله وتنزيهه: ثبوت قدرته الخارقة، فالله هو القادر على الإحياء والإماتة، يخرج الإنسان الحي وغيره من التراب الميت، ثم من النطفة، ويخرج النطفة من الإنسان، والبيضة من الطائر، وكلمة (الحي والميت) في هذه الآية، تستعمل حقيقة ومجازا، أما الحقيقة: فهي المني يخرج منه الإنسان، والبيضة يخرج منها الطائر، وهذه بعينها تخرج من حي، ونحو ذلك. وأما المجاز: فهي إخراج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، وإخراج النبات الأخضر من الأرض، وإخراج الطعم من النبات.
والله تعالى يحيي الأرض بالمطر، فيخرج النبات من الحبّ، والحبّ من النبات، ومثل ذلك الإخراج تخرجون من القبور أحياء بعد أن كنتم أمواتا، وذلك على الله يسير. أي إنه تعالى بعد إيراده الأمثلة الواضحة ببعث الأجساد عقلا، أبان أنه كذلك خروجنا من القبور.
هذه الأمثلة الحسّية والمقارنات توضّح للناس طريق الإيمان، وكيفية ارتباط الحياة الدنيوية بالحياة الأخروية، وما أكثر هذه الأمثلة في القرآن الكريم، ومنها: وَتَرَى الْأَرْضَ هامِدَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحجّ: ٢٢/ ٥].
بعض أدلة القدرة الإلهية والوحدانية
لقد ذكر الله تعالى مجموعة من البراهين الساطعة العظيمة الدّالة على قدرته الباهرة وعظمته وتوحيده، وهي تشمل بدء خلق الإنسان من تراب، وخلق الأزواج من جنس الأزواج، وإيجاد رباط مودة ورحمة بين الزوجين، وخلق السماوات والأرض، واختلاف الألسنة والألوان، والنوم بالليل والنهار، وطلب الرزق من فضل الله، وإراءة البرق، وقصف الرّعد، وإنزال المطر من السماء، وقيام السماء والأرض بأمره وتدبيره، والاستجابة لأمره بالإعادة أحياء، وملكه جميع من في السماوات والأرض، والتذكير ببدء الله الخلق، ثم إعادتهم أحياء من القبور. وهذا ما أوردته الآيات الكريمة التالية:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٢٠ الى ٢٧]
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ إِذا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠) وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ (٢٢) وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣) وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٤)
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّماءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذا دَعاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥) وَلَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (٢٦) وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)
(١) تتصرّفون في أحوالكم وأسفاركم.
«١» «٢» «٣» [الرّوم: ٣٠/ ٢٠- ٢٧].
الآية الأولى: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ نزلت فيما أخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: تعجّب الكفار من إحياء الله الموتى، فنزلت: وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ...
والمعنى: من آيات الله تعالى الدّالّة على عظمته وتمام قدرته على الخلق والإعدام، أن الله تعالى خلقكم أيها البشر في الأصل والبدء من تراب، وجعل مصدر غذائكم من لحوم الحيوان والنبات من التراب، ثم بعد إنشائكم ووجودكم لإعمار الأرض وتقدّمها تتوزّعون فيها لأغراض شتى، من بناء المدائن والحصون، وزراعة الأرض والحقول، والانتقال في الأسفار لكسب المعايش وتحصيل الأرزاق، وجمع الأموال.
وللحفاظ على النوع الإنساني، جعل الله تعالى من العلامات الدّالة على قدرته ورحمته وهيمنته: خلق النّساء من جنس الرجال، وإيجاد ووشائج وصلات وثيقة بين الرجل والمرأة، قائمة على المودّة (أي المحبة) والرحمة (أي الشفقة) ليتعاون الجنسان على
(١) لتميلوا إليها وتألفوها.
(٢) مطيعون منقادون له.
(٣) الوصف الأعلى في المكان.
تحمّل أعباء الحياة، وترابط أفراد الأسرة، إن في ذلك الخلق والإيجاد وتكوين جسور المودة والألفة بين الأزواج، للسكن والاستقرار والهدوء، إن في ذلك لآيات أو علامات لقوم يتفكرون ويتأمّلون في هذا.
ومن آيات الله أيضا الدّالة على قدرته وعظمته: خلق السماوات والأرض من غير أعمدة ولا قواعد، واختلاف الألسنة واللغات والألوان، إن في ذلك المذكور لآيات دالّة على قدرة الله التامّة لقوم ذوي علم وبصر ومعرفة ترشدهم إلى الحق.
ومن آيات الله الدّالة على قدرته العجيبة: منامكم في الليل والنهار، وطلبكم الفضل والرزق من الله، إن في ذلك المذكور لدلالة لقوم يسمعون سماع تدبّر واتّعاظ. ومن آيات الله الدّالة أيضا على تمام القدرة وثبوت الوحدانية إراءتكم البرق خوفا للمسافر من الصواعق المحرقة، وطمعا فيما تحبّون من المطر المحتاج إليه للإنسان والحيوان والنبات، إن في ذلك المذكور لدلالات واضحات لقوم يدركون هذا بعقولهم وأفكارهم.
ومن آياته تعالى الدّالة على قدرته: قيام السماء بلا عمد والأرض بلا قواعد، بأمر الله وتدبيره، ثم إذا دعاكم الداعي للخروج من القبور أحياء، خرجتم من غير انتظار. ولله جميع من في السماوات والأرض ملكا وخلقا وعبيدا وتصرّفا، وهم جميعا خاضعون لله، خاشعون لعظمته وهيبته.
والله تعالى هو الذي بدأ الخلق من غير مثال أو أصل سابق له، ثم يميته ويعيده كما بدأه، وذلك أيسر وأسهل عليه، بحسب منطق البشر، فإن الإعادة أهون من الابتداء في تقديرنا، أما بالنسبة لله تعالى، فهما سواء، لا فرق بين البدء والبعث، لأن الله قادر على كل شيء.
ولله تعالى الصفة العليا الكاملة في جميع السماوات والأرضين، وهو القوي في ملكه الذي لا يعجزه شيء، الحكيم في صنعه وتدبيره، وأمره ونهيه.
فساد اعتقاد المشركين بالأصنام
شيئان اثنان هما أخطر شيء على النفس الإنسانية وهما الهوى والجهل، وكلاهما يؤديان للإسراف في القول والعمل، والضلال في التّصرفات وسوء السلوك، ويكون الإنسان في النهاية هو الضحية، لأنه لم يتدارك تقصيره، ولم يفعل شيئا لتبديد جهله، ولم يروّض نفسه على التّرفع عن أهوائه، وظلّ أسير التقليد الأعمى، وفريسة الموروثات والأساطير الخرافية. هذا هو شأن عبدة الأصنام، إنهم بدائيون جهلة وثنيون، يسيرون في فلك الأهواء والشهوات، ويسدّون على أنفسهم باب العلم والتّبصر، ومحاولة تصحيح التصوّر والاعتقاد الفاسد، وقد عمل القرآن الكريم على تبصيرهم وتوعيتهم، وتحذيرهم، وإنقاذهم من وهدة الضلال، كما تصوّر هذه الآيات:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٢٨ الى ٢٩]
ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)
[الرّوم: ٣٠/ ٢٨- ٢٩].
أخرج الطبراني عن ابن عباس قال- في بيان سبب نزول الآيتين-: كان يلبّي أهل الشّرك: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فأنزل الله: هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ.
أبان الله تعالى في الآيتين الكريمتين أمر الأصنام، وأوضح فساد معتقد من يشركها بالله تعالى، بضرب هذا المثل الحسّي الواقعي، ومعناه: جعل الله لكم مثلا أيها المشركون تشهدونه من أنفسكم، وهو: هل ترضون أن يكون لكم شركاء في أموالكم، من عبيدكم يساوونكم في التصرّف فيها، تخافون أن يقاسموكم الأموال؟
إذا كنتم لا ترضون ذلك لأنفسكم، فكيف تجعلون لله شركاء من عبيده ومخلوقاته؟!
وبعبارة أخرى: إنكم أيها الناس إذا كان لكم عبيد تملكونهم، فإنهم لا تشركونهم في أموالكم ولا في أموركم، وليس من شأنكم السماح لهم في إرث أموالكم أو مقاسمتهم إياها في حياتكم، فإذا كان هذا فيكم في علاقتكم بعبيدكم، فكيف تقولون: إن من عبيد الله وملكه شركاء في سلطانه وألوهيته، وتثبتون لربّكم ما لا يليق عندكم بأتباعكم؟ إن مثل هذا التفصيل والبيان لإلزام الحجة، نفصّل الآيات ونوضّحها لقوم يفكّرون في عقولهم تفكيرا سويّا، ويتأمّلون فيما يقال لهم من الأدلّة والبراهين المنطقية.
والواقع أنكم أيها المشركون لا تفكّرون تفكيرا صحيحا، وإنما تسيرون مع الأهواء والأساطير، ليس لكم حجة فيما فعلتم من جعل الأصنام شركاء مع الله تعالى، بل اتّبعتم أهواءكم جهالة وشهوة، وقصدا لتحقيق مصالح دنيوية، وسرتم في عبادة الأوثان، من غير عقل ولا وعي، ولا هدى ولا بصيرة.
وحيث بقيتم مصرّين على الشّرك، ولم تفكّروا في ترك عبادة ما لا يضرّ ولا ينفع، فإنكم تستحقّون التوبيخ والتهديد بالعقاب، ولا أمل في هدايتكم إذا تركتم هداية الله لكم، ومن الذي يرشدكم إلى الحق، ويهديكم إلى الخير والسداد وصحة الاعتقاد، إذا أمعنتم في الضلال، واخترتم الكفر على الإيمان؟ وزادكم الله ضلالا على ضلالكم الذي اخترتموه منهاجا لكم، واعتمدتم على أنفسكم، فإنكم تستحقون العذاب، ولا يكون لكم حينئذ ناصر ينصركم من بأس الله وعذابه، لأن الله أعذر حين أنذركم. وعدله يقتضي التسوية بين أهل الضّلال، كالتسوية بين أهل الإيمان، والتفرقة بين الفريقين.
إن هذه الآية المبدوءة بكلمة بَلِ اتَّبَعَ هو إضراب عما يتضمّنه معنى الآية الأولى، كأن الله يقول: لا حجة ولا معذرة لعبدة الأصنام في نسبتهم الشريك لله،
بل إنهم اتّبعوا أهواءهم جهالة وشهوة. وتكون النتيجة أنه لا ناصر لهم ينقذهم، ولا مخلّص لهم من العقاب المستحقّ عليهم، فإن العقاب حقّ وعدل. لكل جان، سواء في جنايات النفوس والأموال أو في جنايات العقائد والأديان.
الإسلام دين الفطرة والتوحيد
وجّه القرآن الكريم الناس إلى ما يصلحهم وينفعهم، وينسجم مع فطرتهم البشرية، وحقيقة هذا الوجود، الذي يدين طوعا أو كرها، لخالق الأرض والسماء، ويقرّ بوحدانية الله تعالى على النحو الذي خلق الله عليه كل إنسان، وهو الاعتراف بربوبية الله وتوحيده، ولا مجال بعدئذ لكل ما يشوّه الفطرة، ويعصف بالإنسان، ويرميه في وهاد الزيغ والضلال والانحراف، أو يجعله في شعاب الفرقة والاختلاف، من غير فائدة ولا مصلحة، وهذا ما نجده صريحا في أوامر الله تعالى حيث قال سبحانه:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٣٠ الى ٣٢]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)
«١» «٢» «٣» «٤» «٥» «٦» «٧» [الرّوم: ٣٠/ ٣٠- ٣٢].
أمر الله تعالى نبيّه صلّى الله عليه وسلم باعتباره قدوة الأمّة بأن يقيم وجهه للدين المستقيم، وهو دين الإسلام، وإقامة الوجه: هو تقويم العقيدة، وحمل الإنسان على محمل الجدّ والعزم والحزم في أعمال الدين. والتعبير بإقامة الوجه: لأنه جامع حواس الإنسان
(١) سدّده.
(٢) دين التوحيد والإسلام.
(٣) مائلا عن الباطل إلى الحق وهو الإسلام.
(٤) الزموا دينه وهو الإسلام.
(٥) المستقيم.
(٦) راجعين إليه بالتوبة.
(٧) فرقا مختلفة الأهواء.
وأشرفها، ويكون المراد بالآية: وجّه أيها النّبي نفسك وقلبك لعقيدة الإسلام واتّباع شرائعه، حنيفا، أي معتدلا مقوّما مائلا عن جميع الأديان المحرّفة المنسوخة، والزم أو اتّبع فطرة الله تعالى، أي خلقة الله، أو افتطر بفطرة الله التي فطر، أي خلق وأبدع وسوى جميع الناس عليها، حيث خلقهم على ملّة التوحيد، وأن الله واحد لا شريك له، في قرارة كل إنسان، وتحوّل تحوّلا تامّا عن جميع الملل والأديان الباطلة، إلى الدين الحق والملّة القويمة، والفطرة: هي الخلقة والهيئة التي في نفس الطفل المعدّة أو المهيأة لأن يميز بها مصنوعات الله تعالى، ويستدل بها على ربّه جلّ وعلا، ويعرف شرائعه، ويؤمن به، وهذا خطاب للنّبي صلّى الله عليه وسلم ولأمّته، وهو يدلّ على أن كل إنسان مخلوق على التوحيد والإقرار بوجود الله ووحدانيته، ولكن تعرض له العوارض، فيزيغ عن سنن الفطرة، وذلك كما
قال النّبي صلّى الله عليه وسلم فيما أخرجه البخاري ومسلم وأحمد: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهوّدانه، أو ينصّرانه، أو يمجّسانه، كمثل البهيمة، تنتح البهيمة هل ترى فيها جدعاء».
أي مثله كمثل الشّاة تولد سليمة الحواس والأعضاء، لا مقطوعة الأذن أو الأنف.
ولا ينبغي لأحد أن يبدّل أو يغيّر فطرة الله، أي الخلقة الأصلية، وهذا خبر في معنى النّهي، أو الطلب، أي لا تبدّلوا خلق الله الأصلي ودينه بالشّرك، فتغيّروا الناس عن فطرتهم التي خلقهم عليها. وذلك المأمور به من اتّباع ملّة التوحيد والتمسّك بالشريعة المطهرة والفطرة السليمة: هو الدين المستقيم الذي لا عوج فيه ولا انحراف. غير أن أكثر الناس لا يعرفون ذلك حقّ المعرفة.
إنكم جميعا أيها الناس مطالبون باتّباع دين الله وتوحيده، خاشعين له، مقبلين عليه إقبالا تامّا، راجعين إليه رجوعا كاملا، وإنكم ملزمون بتقوى الله، أي العمل بأوامره واجتناب نواهيه أو معاصيه، وداوموا على إقامة الصلاة كاملة الأركان
مستوفية الشروط، واحذروا الشّرك، ولا تكونوا بعد الإيمان بوحدانية الله مشركين به غيره، فلا تقصدوا في عبادتكم غير الله تعالى، بل كونوا موحّدين مخلصين لله العبادة. والمشركون: هم كل من عبد مع الله إلها آخر، من بشر أو جماد أو كوكب أو غير ذلك.
وأوصاف المشركين: هم الذين فرّقوا دينهم، أي اختلفوا فيما يعبدونه بحسب اختلاف أهوائهم، فبدّلوا فطرة التوحيد، وصاروا فرقا مختلفة، وأحزابا متباينة، كل فرقة وحزب فرحون بما عندهم، مفتونون بآرائهم، معجبون بضلالهم.
وهذه حملة شديدة على الفرق الضّالّة والمذاهب المنحرفة، تدعو أهل البصيرة والوعي إلى أن يبادروا إلى توحيد عقيدتهم والعمل بشريعة ربّهم التي أنزلها على خاتم النّبيّين محمد صلّى الله عليه وسلّم.
تناقض المشركين
من المستغرب صنع بعض الناس وتناقضهم، فتراهم يقبلون على ربّهم وقت الشّدة الخانقة والأزمة المستعصية، فلا يجدون سواه ملجأ لتفريج الكروب، حتى إذا ما رفع عنهم البلاء، وزال عنهم البأس، تنكّروا لخالقهم المنعم عليهم بدفع النقمة ورفع الشّدّة، وهذا واضح من فعل عبدة الأصنام وبعض الكافرين الذين يعبدون الله من أجل الدنيا والمنفعة، فإن أعطوا منها رضوا، وإن منعوا منها سخطوا، وعلى هؤلاء أن يدركوا أن مفتاح الرزق بيد الله تعالى، يمنح من يشاء، ويحجب النعمة عمن يشاء، بحسب ما يرى من الحكمة والمصلحة لعبادة، وهذا ما أبانته الآيات الآتية:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٣٣ الى ٣٧]
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)
«١» «٢» «٣» «٤» [الرّوم: ٣٠/ ٣٣- ٣٧].
هذا لوم وتقريع لفئتين من الناس: عبدة الأصنام المشركين بالله تعالى غيره، وبعض الجاحدين الذين يبتغون من وراء عبادة الله تحقيق المنافع ومكاسب الدنيا، فإن حصلوا على مبتغاهم اطمأنوا، وإذا حرموا بعض الخيرات، تبرموا وسخطوا.
إن الفئة الأولى: وهم المشركون الوثنيون كسائر البشر، متى مسّهم ضرّ (أي شدة وبلاء) دعوا الله سبحانه، راجعين إليه دون سواه، خاضعين لسلطانه، وتركوا الأصنام مطروحة، فإذا أذاقهم الله رحمته، أي أصابهم أمره بها، والذّوق هنا مستعار لإيصال النعمة والنّجاء من الشّدة، عادوا للشّرك بالله، وعبدوا معه غيره من الأوثان والأصنام. وهذا يقتضي العجب، ويستدعي اللّوم.
ويلحق بهؤلاء الانتهازيين النفعيين بعض المؤمنين، إذا جاءهم فرح بعد شدة، علّقوا ذلك بمخلوق، أو بحذق آرائهم ومهاراتهم، أو بغير ذلك، وهذا شرك مجازا، لأن فيه قلة شكر لله تعالى.
وتكون عاقبة هؤلاء المتناقضين الوقوع في الكفر وجحود فضل الإله وإحسانه، فاستحقّوا التهديد، ويقال لهم: فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ أي استمتعوا أيها المشركون بمتاع الدنيا ورخائها، فسوف تعلمون عذابي في الآخرة على كفركم في الدنيا.
بل في الواقع لا دليل على صحة ما أنتم عليه من الضلال، فهل لكم سلطان، أي
(١) كتابا وحجة.
(٢) بطروا وأشروا.
(٣) ييأسون من رحمة الله. [..... ]
(٤) يضيقه على من يشاء بحسب حكمته.
حجة وبرهان من رسول أو كتاب ونحوه لإقرار ما تفعلون، والنطق والشهادة بما تشركون؟! وهذا استفهام إنكاري معناه: أنه لم يكن شيء من ذلك، فلم ينزل الله كتابا يقرّ الشّرك، ولا أرسل رسولا يدعو إليه، إنما هو اختراع منكم.
وفريق آخر كالمشركين من بعض المؤمنين أو الكافرين، وصفتهم: أنه إذا أنعم الله عليهم نعمة فرحوا بها وبطروا، وإذا أصابتهم شدة وبلاء، أيسوا وقنطوا من رحمة الله. وتعرّضهم للشدة إنما كان بسبب ما اقترفوا من الإثم، وما ارتكبوا من السيئات.
وقوله تعالى: بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ معناه أن الله يمتحن الناس عند ظهور المعاصي، فقد يصاب أحدهم بسوء، ويعفو الله عن كثير.
التّشابه قائم بين حال الفريقين أو الفئتين، المشركون يتعرّضون للرحمة ثم للشّدة، فلهم في الحالة الأولى تضرّع وإنابة، ثم إشراك، ولهم في الحالة الثانية فرح وبطر، ثم قنوط ويأس، وكل إنسان يأخذ من هذا الخلق بقسط، فمنهم المقلّ ومنهم المكثر، إلا من غمر الإيمان قلبه، وتأدّب بأدب الله تعالى، فصبر عند البلاء والضّرّاء، وسكن عند السّراء، ولم يبطر عند النعمة، ولم يقنط عند الابتلاء. والقنوط: اليأس.
ثم ذكر الله تعالى طريق التّخلّص من اليأس من رحمة الله على كل حال، وهو أن يعلم كل إنسان أن الله تعالى يخصّ من شاء من عباده ببسط الرزق، ويحجب أو يقتر الرزق عمن يشاء، للاختبار أو الابتلاء، ان في الحالين حال سعة الرزق وحال تقتير الرزق لأدلة وعلامات على الإيمان الصادق، فالمؤمن الصحيح الإيمان يشكر عند الرخاء، ويصبر عند البلاء، ولا يتغير في الحالين عن الإقبال على ربّه وعبادته بصدق وإخلاص.
الرزق الحلال والرزق الحرام
الرزق محدود مقنن لكل إنسان في علم الله تعالى، لكن بعض الناس يكون رزقه حلالا طيبا مباركا فيه، ينفق منه على نفسه وأهله وأقاربه والمحتاجين من إخوانه، وبعض الناس الآخرين يكون رزقه حراما آتيا من غير كسب ولا عمل، من الربا أو الفائدة المضمومة إلى القرض، ولكن لا خير فيه ولا بركة، والرازق هو الله تعالى، والبشر وسائط، إما بعملهم وكدّهم وجهدهم، وإما بمساعيهم ووساطتهم، فهم وسائط خير وجسور منفعة، وليس لأحد من غير الله تعالى قدرة على الإطلاق على نفع إنسان أو رزقه، ولا على إلحاق الضر به وحرمانه من الرزق، ومن باب أولى ليس للأصنام والأوثان المتخذة شركاء لله في عقيدة الوثنيين أي دور أو مجال في رزق أحد أو حرمانه منه، قال الله تعالى مبينا هذه الأحوال:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٣٨ الى ٤٠]
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)
«١» [الرّوم: ٣٠/ ٣٨- ٤٠].
إذا كان الرزق مصدره من الله تعالى وحده، وأن الرزق محدود لا يزيد ولا ينقص، فيكون التصرف فيه بحسب مرضاة الله، لذا أمر الله تعالى على جهة الندب بإيتاء ذوي القرابة حقوقهم، من صلة المال وحسن المعاشرة، ولين القول، وإعطاء المساكين المحتاجين وأبناء السبيل، أي المسافرين المنقطعين ما لهم حظ به، لأنهم إخوة إما في الدين وإما في الإنسانية، وذلك الإيتاء أو الإعطاء لهؤلاء القرابة والمحتاجين
(١) أي المضاعفون ثوابهم، أي يضاعف الله لهم الثواب.
خير محض في ذاته، ونفع عظيم، لكل من يقصد بعمله وجه الله تعالى، ووَجْهَ اللَّهِ هنا: جهة عبادته ورضاه.
وأولئك المعطون شيئا من أموالهم على سبيل البر وصلة الرحم، وإنقاذ النفس الإنسانية من الضرر أو الهلاك: هم لا غيرهم الفائزون ببغيتهم، البالغون لآمالهم، المحققون الخير لأنفسهم في الدنيا والآخرة.
أخرج الترمذي والدارمي في الزكاة عن فاطمة بنت قيس قالت: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إن في أموالكم حقا سوى الزكاة».
وأما من أعطى عطية، يود الحصول على أكثر منها، من طريق الهدية أو الربا (الفائدة) في التجارات، فلا ثواب له عند الله تعالى، كما جاء في آية أخرى: وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) [المدثر: ٧٤/ ٦]. أي لا تعط عطاء تريد أكثر منه، وهذا لا خير فيه ولا ثواب. قال ابن عباس: نزلت في قوم يعطون قراباتهم وإخوانهم على معنى تمويلهم ونفعهم والتفضل عليهم، وليزيدوا في أموالهم على جهة النفع لهم.
وأما العطاء الحسن الذي يحقق الثواب لصاحبه، فهو الزكاة، أي من أعطى صدقة، يقصد بها وجه الله تعالى وحده، بقصد عبادته وإرضائه، أو من أعطى زكاة، تنمية لماله وتطهيرا، يريد بذلك وجه الله تعالى، فذلك هو المحقق للثواب الجزيل، وهو الذي يجازى به صاحبه أضعافا مضاعفة على ما شاء الله تعالى له «١».
وذلك كما جاء في آية أخرى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [البقرة: ٢/ ٢٤٥] وقال الله تعالى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١) [الحديد: ٥٧/ ١١].
(١) ينبغي أن تظل هذه العقيدة معه وقت العبادة وفي كل الأحوال إن كان يعتقد أن الله هو رازقه.
وكل من الزيادة والنماء داخل في رزق الله المحدد لكل إنسان، لأن الله هو الخالق الرازق الذي يرزق الإنسان من تاريخ ولادته حتى وفاته، ثم يميته بعد حياته، ثم يحييه يوم القيامة للحشر والبعث، هل من آلهتكم أيها المشركون، الذين تعبدونهم من دون الله وجعلتموهم شركاء، من يفعل من ذلك شيئا، أي من الخلق والرزق، والإماتة والإحياء؟! لا يقدر أحد منهم على فعل شيء من ذلك، تنزه الله وتقدس، وتعاظم عن أن يكون له شريك أو نظير، أو ولد أو والد، بل هو الله الواحد الأحد، الفرد الصمد. وهذا تقريع وتوبيخ للكفار المشركين.
إن من يعتقد بأن الله وحده لا شريك له هو ربه وخالقه، وهو معبوده بحق، يتجه إليه وقت الشدة والرخاء وفي كل حال، يحقق له آماله ويرزقه من خيراته ما يشاء.
جزاء المفسدين والصالحين
لقد تعقدت الحياة، وظهرت فيها ألوان مختلفة من الفساد والأطماع، وتفنن الناس في ابتداع المنكرات وأصناف الأذى والضرر بأنفسهم وبغيرهم، وبقي أهل الإيمان الحق في حصن حصين من الانزلاق والتردي في الضلالات، وأقبلوا على ساحات الرضا الإلهي بدافع من ايمانهم بربهم، وترقبهم مقابلة خالقهم، والاستعداد لعالم الجزاء والحساب الشديد. واقتضى العدل الإلهي أن يجازي الله المفسدين بإفسادهم سوء العاقبة والمصير، وأن يكرم الصالحين المؤمنين بأفضاله ومكارمه، والله في حال العقاب ساخط غاضب، وفي حال الإحسان راض عفوّ كريم، قال الله تعالى مبينا قانون الحساب الإلهي:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٤١ الى ٤٥]
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)
«١» [الروم: ٣٠/ ٤١- ٤٥].
لقد عم البلاد في أرجاء البر والبحر ظهور الخلل والانحراف، وقلة النفع والمطر، وكثرة القحط والجدب أو التصحر، بسبب شؤم المعاصي وكثرة الذنوب، من الكفر والظلم وانتهاك المحرّمات، والتجرؤ على الإنسان، بعد انتشار الأمن وعموم الخير والرخاء، وذلك ليذيقهم الله جزاء بعض أعمالهم وسوء أفعالهم من المعاصي والآثام واحتجاب الخير وظهور الشر، وفي ذلك منفعة للناس، لأنه ربما يرجعون عن غيهم ومعاصيهم، كما جاء في آية أخرى: وَبَلَوْناهُمْ بِالْحَسَناتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الأعراف: ٧/ ١٦٨].
ثم أراد الله لفت نظر الناس والاتعاظ بمصائر الماضين المفسدين، فقل أيها الرسول للمفسدين والمشركين، تقلبوا في البلاد، وتأملوا بمصير من قبلكم، وكيف أهلك الله الأمم السابقة، وأذاقهم سوء العذاب، بسبب كفرهم وقبح أعمالهم، حيث كان أكثرهم مشركين بالله شركا ظاهرا لا خفاء فيه.
وبادر أيها النبي- باعتبارك قدوة الأمة، ومن تبعك من أهل الإيمان إلى الاستقامة على طاعة الله، وفعل الخير، ووجّه نفسك كلها وبإخلاص للعمل بالدين القويم، وهو دين الإسلام، من قبل مجيء يوم القيامة الذي لا مرد ولا مانع منه، فلا بد من وقوعه، وفي ذلك اليوم يتفرق فيه الناس بحسب أعمالهم، ففريق في الجنة، وفريق في النار والسعير.
وجزاء كل فريق بحسب عمله، ممن كفر بالله وكتبه ورسله، وكذب باليوم
(١) أي يتصدعون ويتفرقون بعد الحساب.
الآخر، فعليه وبال كفره وكذبه، وإثمه ووزره، ومن آمن بالله وكتبه ورسله وباليوم الآخر، وعمل صالح الأعمال، فأطاع الله تعالى فيما أمر، وانتهى عما منعه الله عنه، فإنه يعدّ لنفسه المهاد المريح، والمرتع الخصب الفسيح، والمجال المطمئن. وقوله تعالى: فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ أي يوطّئون ويهيئون، وهي استعارة منقولة من الفرش ونحوها إلى الأحوال والمراتب.
وسبب التمييز في الجزاء: جزاء الباغي أو الظالم ببغيه وظلمه، وجزاء المؤمن المستقيم باستقامته، هو أن الله تعالى يريد إحقاق الحق وإقامة العدل، فيجازي المؤمنين الذين يعملون الصالحات تفضلا منه وإحسانا بالنعيم المقيم، وجنان الخلد، وفضل الله شامل، وعطاؤه كبير. وأما الكافرون فإن الله يبغضهم ويعاقبهم، عقاب حق وعدل لا جور فيه، وهذا تهديد ووعيد للكفار. وقوله تعالى: لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ ليس الحب بمعنى الإرادة والعاطفة، ولكن بمعنى: لا يظهر عليهم أمارات رحمته، ولا يرضاه لهم دينا.
إن تقسيم الفريقين إلى طائعين وعصاة يوم القيامة، كان بسبب أعمالهم في الدنيا، والدنيا مزرعة الآخرة، فهنيئا لمن وفق للعمل الصالح، والشقاء كل الشقاء لمن انحرف وجحد.
آيات قدرة الله ووحدانيته
عجبا لأمر الناس مع ربهم، ينعم عليهم بشتى النعم ويخلقهم ويرزقهم، ثم لا يهتدون إليه بمحض عقولهم، وسلامة تفكيرهم، حتى إنه سبحانه احتاج إلى إقناعهم بوجوده ووحدانيته، وأقام الأدلة الكثيرة من المحسوسات المشاهدة على ذلك، مما لا يدع أي مجال للشك في هذا، وما أجمل الآيات القرآنية المسوقة من مشاهد الكون على
إثبات القدرة الإلهية، فإن كل إنسان يحسّ بالتفاعل مع الموجودات حوله، ويدرك إدراكا تاما، جمال الكون وإبداعه، وما فيه من عجائب الخلق والإبداع الإلهي المرشد إلى المقصود، والدال على المعبود بحق، قال الله تعالى واصفا هذه المشاهد:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٤٦ الى ٥٠]
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)
«١» «٢» «٣» [الروم: ٣٠/ ٤٦- ٥٠].
هذه أدلة حسية تدل على قدرة الله وتوحيده، تقتضي كل عاقل متأمل بأن يدرك أنه لا مشاركة للأوثان فيها، وهي محض السلطان الإلهي، وأنه تعالى المهيمن على كل شيء في الوجود والمسيّر والمحرك له، وأول الأدلة: أن الله تعالى يرسل الرياح مبشرة بالخير ونزول المطر، الذي يحيي الأرض بعد يبسها، ويفيد الإنسان فائدة كبري، فيذيفه من آثار رحمته بالمطر، فيحيي العباد والأراضي، كما أنه سبحانه يرسل الرياح لتلقيح الأشجار، ولتسيير السفن الشراعية في البحار، ولتمكين المسافرين والتجار من ممارسة التجارة، وطلب الفضل الإلهي والمكاسب المشروعة ببذر بذور الأطعمة وغيرها، وليشكر الناس ربهم على ما أنعم به عليهم من النعم الكثيرة التي لا تحصى.
ثم آنس الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلّم بمثل من أرسل من الأنبياء السابقين، ثم وعده تعالى ووعد أمته بالنصر على الأعداء، إذ أخبر أنه جعله حقا عليه
(١) أي قطعا.
(٢) أي المطر.
(٣) آيسين من إنزاله.
تبارك وتعالى. فتالله إن كذبك قومك يا محمد، فلست بأول مكذّب كذبه قومه، فلقد أرسل الله رسلا كثيرين إلى أقوامهم، فأقاموا الأدلة الواضحة على صدق رسالتهم، فكذبهم قومهم كما فعل قومك، فانتقم الله ممن كذبهم وعارضهم، ممن أجرم وجنى على نفسه ومجتمعة، وهذا هو الذي يحصل من كل مكذّب عاص، ونجى الله أهل الإيمان، وكان حقا مستحقا على الله تحقيق النصر للمؤمنين، العاملين بمقتضى إيمانهم.
أما كيفية إنزال الأمطار: فهي أن الله سبحانه يرسل الرياح على وفق إرادته ومشيئته وحكمته، فتحرك السحب أو الغيوم المنعقدة من ذرأت بخار الماء، فتنتشر في السماء كيف يشاء الله، ثم يجعلها قطعا متفرقة ذات أحجام مختلفة، خفيفة أو كثيفة مشبعة بالرطوبة، فترى أيها الناظر كيف يخرج المطر من وسط السحب ومن خلالها المختلفة، وإذا أصاب الله بها من يشاء من العباد إذا هم تغمرهم البهجة والفرحة، والاستبشار بالخير والنعمة السابغة.
وإن كان الناس من قبل نزول هذا المطر قانطين يائسين من نزوله، لتأخر المطر، وبطء نزول الغيث، فتغمرهم رحمات الله تعالى وأفضاله العديدة.
فانظر أيها الرسول ومن آمن برسالتك نظرة تأمل إلى آثار رحمة الله السابغة، كيف يحيي الأرض بالنبات والزرع والشجر والثمر والعشب بعد الجفاف، مما يدل على سعة رحمة الله وإحسانه.
إن الذي أنزل المطر وأنبت النبات قادر على إحياء الأموات، كإحياء الأراضي بعد يبسها بالخضرة، والله تعالى تام القدرة على كل شيء، فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والبدء والإعادة سواء عنده. وقد تكرر هذا المعنى في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ
[يس: ٣٦/ ٧٨- ٨١].
جحود النعمة
غريب أمر الإنسان، تراه مع غيره من الناس إذا قدّم له معروفا، أكبره وشكره، وتذلل بين يديه، ثم يحرص على رد الجميل ومكافأة المعروف إما بالهدية وإما بالثناء باللسان في المناسبات المختلفة على ملأ من الناس. لكن هذا الإنسان مع الأسف جحود للنعمة الإلهية، مع أنها أعظم وأدوم، وأبقى أثرا، ولا تحتاج إلا للإقرار بالنعمة والاعتراف بالمنعم وهو الله، وبمقابلة الفضل الإلهي بالإصغاء لأمر الله وطاعته، واجتناب نهيه ومعصيته، وفي الحالين من امتثال الأمر والبعد عن النهي، يعود أثر ذلك على الإنسان بالخير العميم والنفع التام، قال الله تعالى مبينا سوء حال الكافرين، وتنكرهم لفضل الله وإحسانه:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٥١ الى ٥٣]
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)
[الروم: ٣٠/ ٥١- ٥٣].
أخبر الله تعالى في هذه الآيات عن سوء أحوال الكافرين، وتقلب ابن آدم في أنه بعد الاستبشار بالمطر، إذا بعث الله ريحا ضارة، فاصفرّ بها النبات، ظل يكفر قلقا منه، وقلة توكل على الله، وعدم تسليم لله عز وجل، والمعنى: تالله لئن بعثنا ريحا سامة، حارة أو باردة، على نبات أو زرع أو ثمر، فرأى الناس ذلك الزرع قد اصفر،
ومال إلى الفساد بعد خضرته، لظلوا من بعد ذلك الفرح والبشر بالمطر، يجحدون نعم الله التي أنعم بها عليهم.
فلا تحزن أيها النبي على إعراض مشركي مكة وأمثالهم عن دعوتك، بعد إيراد أدلة القدرة الإلهية على البعث وعلى توحيد الله، فإنك لا تستطيع إفهام الموتى، أو إسماعهم سماع تدبر واتعاظ، ولا تقدر إسماع دعوتك أهل الصمم عن الحق، إذا أدبروا عنك ولم يقبلوا هدايتك، فإنهم أشبه بالموتى في القبور، وبفاقدي حاسة السمع من المعاقين، لسدّهم منافذ الهداية، وفقد الاستعداد لسماع كلمة الحق. وليس في مقدورك أيها النبي هداية أهل العمى عن رؤية الحق، والرد عن الضلالة، فإن الهداية إلى الله تعالى، وهو القادر على إسماع الأموات أصوات الأحياء إذا شاء، وإنه تعالى يفعل ما يشاء، بهداية من يريد، وإضلال من يريد، وليس ذلك لأحد سواه.
وما أنت يا محمد بمسمع إسماعا ينفع ويجدي إلا من آمن بالله ربا، وبالقرآن إماما، وبآيات الله برهانا وحجة، وبتوجيهات الرب إلى أفضل المقاصد وأقوم الطرق، وهؤلاء المؤمنون على هذا النحو هم المسلمون، أي الخاضعون لله تعالى، المطيعون لكل ما أمر ونهى، السامعون إلى الحق سماع إعظام وإكبار، وامتثال واتباع.
ليس في قدرتك إذن يا محمد هداية أحد، ولا عليك أن تهدي أحدا، ما عليك إلا البلاغ المبين، وإبلاغ الدعوة إبلاغا حسنا بالحكمة والموعظة الحسنة.
وهذا كله من إبعاد السماع عن عقول الكفار وقلوبهم يقصد به اليأس من استجابتهم للإسلام والقرآن، بسبب موقفهم المعاند وآرائهم العنيدة، واستكبارهم عن الإذعان للحق. وهذا لا يعارض الثابت في السنة النبوية من سماع الموتى كلام الأحياء، والاستئناس بزوار القبور الذين يمتثلون الأوامر والآداب الإلهية، من غير تبرم ولا تسخط ولا معارضة للقضاء والقدر. فلقد أجمع السلف على هذا، وشرع
السلام على الموتى،
روى ابن أبي الدنيا عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: «ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عنده إلا استأنس به، وردّ عليه حتى يقوم».
وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلم زار قبور شهداء أحد، وسلّم عليهم، ودعا لهم بالعفو والعافية من البلاء والعذاب.
أطوار الحياة وأحوال البعث
إن في إحياء الأرض بالأمطار بعد موتها أو يبسها، وفي أدوار خلق الإنسان التي يمر بها من الاجتنان، فالطفولة، فالكهولة، فالشيخوخة، لدلالة قاطعة، وعبرة واضحة على قدرة الله التامة، وعلمه المحيط بكل شيء، والمتصف بهذه القدرة التي لا يتصف بها سوى الله عز وجل قادر على إحياء الموتى وبعثهم من القبور، وإعادتهم للحساب والجزاء، والاصطدام بالحقيقة الكبرى القاطعة، وهي أن الدنيا مثل الساعة التي تمضي، وأن الآخرة دار الخلود والبقاء، وأن الإنسان مغرور مفتون، قاصر النظر حين يستغني بالدنيا الفانية عن الآخرة الخالدة الباقية، وحينئذ لا ينفع الندم، ولا نجاة لمن ظلم، قال الله تعالى موضحا هذه الأحوال:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٥٤ الى ٥٧]
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤) وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)
«١» [الروم: ٣٠/ ٥٤- ٥٧].
(١) أي مثل ذلك الصرف عن الواقع في مدة اللبث، كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق وهو البعث.
هذه الآيات تبين أيضا أن الأوثان عاجزة عن الخلق والإيجاد، وأن الله هو الخلاق المبدع، وجامع الناس ليوم لا ريب فيه. إن الله تعالى هو الذي خلق الإنسان في أطوار متدرجة من الضعف إلى القوة، ثم العجز، خلقه جنينا في بطن أمه من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة، ثم كوّن عظامه، ثم كسا العظام لحما، ثم ولد طفلا جميلا، وكل هذه مراحل ضعف، ثم صار شابّا قويّا، وهذه هي مرحلة القوة والشباب، ثم صار كهلا فشيخا عاجزا ذا شيبة ووقار، وهذه هي مرحلة ضعف من نوع آخر.
وهذا الانتقال المتتابع من طور إلى طور آخر دليل على القدرة الإلهية الخالقة التي لها آثار وبصمات واضحة، على كل مرحلة من مراحل الحياة الإنسانية، والله يخلق ويبدع ما يشاء من ضعف وقوة، وبدء وإعادة، وهو تام العلم بأحوال مخلوقاته، كامل القدرة على كل ما يشاء. ومن خلق خلقا قادر على إعادته مرة أخرى. ومصير المخلوقات كلها إلى الجمع والحساب يوم القيامة.
ويوم تقوم القيامة ويبعث الله الناس من القبور، يقسم المجرمون الكافرون الآثمون أنهم ما أقاموا في الدنيا أو في القبور، إلا ساعة واحدة، أي مدة قليلة من الزمان، قاصدين من هذا القسم أنهم لم يدركوا الحقيقة الكبرى، ولم يمهلوا المدة الكافية للتأمّل والإيمان، والعمل والإحسان، فيعذروا على ما وقعوا فيه من تقصير، ومثل ذلك الصّرف عن الحقيقة والواقع في مدة المكوث في الدنيا، كانوا يصرفون عن الحق إلى الباطل، ومن الصدق إلى الكذب، والمراد أنهم صاروا كاذبين فيما قالوا: ما لبثنا غير ساعة، وأن إصرارهم على الكفر، صرفهم عن الاعتقاد الصحيح، وعن الإيمان باليوم الآخر.
ثم وصف الله تعالى جواب أهل الإيمان على أولئك الكافرين منكري البعث: وهو لقد لبثتم في علم الله وقضائه مدة طويلة في الدنيا، من يوم خلقكم إلى يوم بعثكم.
وإن كنتم منكرين للبعث، فهذا يومه الواقع الذي لا سبيل إلى إنكاره، غير أنكم كنتم تجهلون وقوعه، لتفريطكم في النظر والتأمّل في المستقبل الموعود.
ففي يوم القيامة لا ينفع أهل الظلم والكفر عذرهم عما قصّروا به، ولا تقبل منهم توبتهم، لأن وقت التوبة هو في دار الدنيا، وهي دار العمل، وأما الآخرة فهي دار الحساب والجزاء، والمراد لا يقبل منهم العذر، ولا ينفعهم الاعتذار، ولا يعاتبون على ذنوبهم، ولا يقبل منهم العذر لإزالة العتب، وإنما يعاقبون على ذنوبهم وسيئاتهم، لأن الحال حال قضاء وحكم، وتنفيذ للأحكام الصادرة، وليس المقام مقام اعتذار، فإن وقته قد فات وهو في الدنيا.
موقف الكفار من ضرب الأمثال القرآنية
لقد وقف كفار قريش موقفا قاسيا عنيدا من القرآن الكريم وبيانه، بسبب قسوة قلوبهم وغلظ طباعهم، على الرغم من تبسيط القرآن البيان، وقوة الإقناع، وإظهار الحق الساطع، وهذا الموقف أدى بهم إلى السقوط من التاريخ، والهزيمة والضياع، وإلى أن تصبح قلوبهم محجوبة عن نفاذ الخير إليها، وناسب ذلك الأمر بالصبر من النبي صلّى الله عليه وسلم، وقد تحقق وعد الله له بالنصر، وثباته على الدعوة إلى ربه إلى أن وافاه الأجل، وأثلج الله صدره قبل ذلك بقدوم الوفود العربية إلى المدينة المنورة تعلن ولاءها للنبي، وإيمانها برسالته، والدفاع عنه دفاع الأبطال. وهذه كانت خاتمة سورة الروم في هذه الآيات الآتية:
[سورة الروم (٣٠) :الآيات ٥٨ الى ٦٠]
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)
[الروم: ٣٠/ ٥٨- ٦٠].
هذا لون من ألوان البيان والإنذار السابق قبل إنزال العقاب وهذه دعوة صريحة هادئة تتجاوب مع العقول المتفتحة قبل الوقوع في ورطة الهزائم المتوالية، ولكن مشركي مكة بما عرفوا به من قسوة الطباع، لم يذعنوا لنداء الفكر، على الرغم من أن الله تعالى أوضح لهم الحق، وضرب لهم الأمثال الدالة على وحدانية الله تعالى، وعلى إمكان البعث وتحقيقه، وعلى صدق النبي صلّى الله عليه وسلم، وإخلاصه وتفانيه في تبليغ دعوة ربه.
وتالله أيها النبي لو جئتهم بأي آية تبين لهم الحق، لا يصدقون بها، ويكفرون، ويصفون أهل الحق بالأباطيل، وينعتون الآيات بأنها خرافة وسحر، وأن النبي ومن آمن معه جماعة مبطلون، يتبعون السحر والباطل.
وترتب على إعراضهم عن الإيمان عنادا واستكبارا أن ختم الله على قلوبهم، وتحتم عليهم الكفر، لسوء استعدادهم، وإصرارهم على تقليد آبائهم وأجدادهم، من غير وعي ولا تبصر، فلم تعد قلوبهم يدخلها النور، بسبب العناد، والجهالة.
وموقف العناد يتطلب الوقوف بحزم وصبر أمام هؤلاء الكفار المعاندين، لذا أمر الله نبيه بأن يعتصم بالصبر على أذى المشركين، وبمتابعة تبليغ رسالته، وقوّى الله نفسه بتحقيق الوعد، فإن وعد الله الذي وعدك به أيها النبي من نصره إياك عليهم، حق ثابت لا شك فيه، ولا بد من إنجازه وإنفاذه.
ثم نهى الله نبيه عن الانفعال والاهتزاز لكلام المشركين، أو التحرك واضطراب النفس لأقوالهم، إذ هم لا يقين لهم ولا بصيرة، فلا يحملنك شيء على الخفة والطيش، والقلق، جزعا من أقوالهم وأفعالهم، فإنهم قوم ضالون، وتابع أداء رسالتك، فإنها رسالة الحق والنور، والخير، والاستقامة، ولا يستفزنك الذين لا يوقنون بالله ولا باليوم الآخر، فالله ناصرك وحافظك من الناس، وخاذلهم وهازمهم هزيمة منكرة.
وإذا كان هذا الخطاب بالصبر موجها للنبي صلّى الله عليه وسلم، فإن المراد به أمته، فعلى الأمة أن تصبر في تبليغ الدعوة الإسلامية لكل أمم الأرض، وأن تثبت في بيان أصول الدعوة إلى الإيمان، لأن حبل الخير متصل دائم إلى يوم القيامة، وحبل الخير لا يكون إلا بجهود الدعاة إلى الله تعالى.
ولا يضير الداعية إلى ربه أن يقف الكافر الجاحد موقف العناد، والتكبر، أو السخرية والاستهزاء، لأن هذه هي مواقف الجهلة المستبدين، الذين لا يصغون لنداء العقل والوجدان، والتأمل في مشاهدات الكون، الدالة على وجود الله وسلطانه، وقدرته، وتوحيده، وتفرده بالخلق والإيجاد.
إن إشراقة القلب بالإيمان لا تحتاج إلى جهد كبير، فمن أصغى لنداء العقل الحر السوي، وتأمل في خزائن الكون وأسراره، وحاكم محاكمة عقلية سريعة في ربط الأشياء بأسبابها، سهل عليه الانصياع لقواعد الإيمان الصحيحة، بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر. ومن وجد حلاوة الإيمان في قلبه، بادر إلى توسيع آفاق المعرفة بالله وأسمائه وصفاته، وسارع إلى طاعة الله في كل مأموراته ومنهياته، وحينئذ يجد السعادة والطمأنينة تغمر قلبه، وتفيض عليه بالفيوضات الإلهية السخية سخاء لا حدود له.
السورة التالية
Icon