0:00
0:00

يخبر تعالى أن تنزيل هذا الكتاب وهو ( القرآن العظيم ) من عنده تبارك وتعالى، فهو الحق الذي لا مرية فيه ولا شك كما قال عزّ وجلّ : ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين ﴾ [ الشعراء :١٩٢ ]، وقال تعالى : ﴿ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [ فصلت :٤٢ ]، وقال ها هنا ﴿ تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله العزيز ﴾ أي المنيع الجناب ﴿ الحكيم ﴾ أي في أقواله وأفعاله وشرعه وقدره، ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ أي فاعبد الله وحد لا شريك له وادع الخلق إلى ذلك، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، ولهذا قال تعالى : ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ أي لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله وحده لا شريك له، وقال قتادة ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ :شهادة أن لا إله إلا الله، ثم أخبر عزّ وجلّ عن عباد الأصنام من المشركين أنهم يقولون : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى ﴾ أي إنما يحملهم على عبادتهم لهم أنهم عمدوا إلى أصنام، اتخذوها على صورة الملائكة المقربين في زعمهم، فعبدوا تلك الصور تنزيلاًَ لذلك منزلة عبادتهم الملائكة، ليشفعوا لهم عند الله تعالى، فأما المعاد فكانوا جاحدين له كافرين به، قال قتادة والسدي : ﴿ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى ﴾ أي ليشفعوا لنا ويقربونا عنده منزلة، ولهذا كانوا يقولون في تلبيتهم إذا حجوا في جاهلتيهم : « لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك تملكه، وما ملك »، وهذه الشبهة هي التي اعتمدها المشركون في قديم الدهر وحديثه، وجاءتهم الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بردها والنهي عنها، والدعوة إلى إفراد العبادة لله وحده لا شريك له، وأن هذا شيء اخترعه المشركون من عند أنفسهم، لم يأذن الله فيه، ولا رضي به، بل أبغضه، ونهى عنه كما قال تعالى : ﴿ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ﴾ [ النحل :٣٦ ]، وقال تعالى : ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون ﴾ [ الأنبياء :٢٥ ]، وأخبر الملائكة التي في السماوات، كلهم عبيد خاضعون لله، لا يشفعون عنده إلا بإذنه لمن ارتضى، وليسوا عنده كالأمراء عند ملوكهم، يشفعون عندهم بغير إذنهم ﴿ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال ﴾ [ النحل :٧٤ ] تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقوله عزّ وجلّ : ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أي يوم القيامة ﴿ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أي سيفصل بين الخلائق يوم معادهم، ويجزي كل عامل بعمله، ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ أي لا يرشد إلى الهداية، من قصده الكذب والافتراء على الله تعالى، وقلبه كافر بآياته وحججه وبراهنيه، ثم بيَّن تعالى أنه لا ولد له كما يزعمه جهلة المشركين في الملائكة، و المعاندون من اليهود والنصارى في العزيز وعيسى، فقال تبارك وتعالى : ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ أي لكان الأمر على خلاف ما يزعمون، وهذا شرط لا يلزم وقوعه ولا جوازه بل هو محال، وإنما قصد تجهيلهم فيما ادعوه وزعموه كما قال عزّ وجلّ :
﴿ لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ [ الأنبياء :١٧ ]، فهذا من باب الشرط، ويجوز تعليق الشرط على المستحيل لمقصد المتكلم، وقوله تعالى : ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ الله الواحد القهار ﴾ أي تعالى وتنزّه وتقدس، على أن يكون له ولد، فإنه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي قهر الأشياء، فدانت له وذلت وخضعت، تبارك وتعالى عما يقول الظالمون والجاحدون علواً كبيراً.
يخبر تعالى أنه الخالق لما في السماوات والأرض، وما بين ذلك من الأشياء، وبأنه مالك الملك المتصرف في يقلّب ليله ونهاره ﴿ يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى الليل ﴾ أي سخرهما يجريان متعاقبين، لا يفترقان، كل منهما يطلب الآخر طلباً حثيثاً، كقوله تعالى : ﴿ يُغْشِي اليل النهار يَطْلُبُهُ حَثِيثاً ﴾ [ الأعراف :٥٤ ]، وقوله عزّ وجلّ : ﴿ وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ أي إلى مدة معلومة عند الله تعالى، ثم ينقضي يوم القيامة ﴿ أَلا هُوَ العزيز الغفار ﴾ أي مع عزته وعظمته وكبريائه، هو غفار لمن عصاه ثم تاب وأناب إليه، وقوله :جلت عظمته : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ أي خلقكم مع اختلاف أجناسكم وأصنافكم وألسنتكم وألوانكم ﴿ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ وهو آدم ﷺ ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ وهي حواء عليها السلام كقوله تعالى : ﴿ ياأيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ﴾ [ النساء :١ ] وقوله تعالى : ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ أي وخلق لكم من ظهور الأنعام ثمانية أزواج، وهي المذكورة في سورة الأنعام من الضأن اثنين، ومن المعز اثنين، ومن الإبل اثنين، ومن البقر اثنين، وقوله عزّ وجلّ : ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾ أي قدّركم في بطون أمهاتكم ﴿ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ يكون أحدكم أولاً نطفة، ثم يكون علقة، ثم يكون مضغة، ثم يخلق فيكون لحماً وعظماً وعصباً وعروقاً، وينفخ فيه الروح فيصير خلقاً آخر ﴿ فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين ﴾ [ المؤمنون :١٤ ]، وقوله جلّ وعلا : ﴿ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ﴾ يعني ظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، وظلمة البطن، كذا قال ابن عباس ومجاهد. وقوله جلّ جلاله : ﴿ ذلكم الله رَبُّكُمْ ﴾ أي هذا الذي خلقكم وخلق آباءكم، هو الرب له الملك والتصرف في جميع ذلك ﴿ لا إله إِلاَّ هُوَ ﴾ أي الذي لا تنبغي العبادة إلا له و حده لا شريك له ﴿ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ ؟ أي فكيف تعبدون معه غيره؟ وأين يذهب بعقولكم؟
يقول تعالى مخبراً عن نفسه جل وعلا أنه الغني عما سواه من المخلوقات، كما قال موسى عليه السلام لقومه : ﴿ إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ إبراهيم :٨ ]، وفي الصحيح : « يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم، كانوا على أفجر قلب رجل منكم، ما نقص ذلك من ملكي شيئاً »، وقوله تعالى : ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ أي لا يحبه ولا يأمر به، ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ أي يحبه لكم، ويزدكم من فضله، ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ أي لا تحمل نفس عن نفس شيئاً، بل كلٌ مطالب بأمر نفسه، ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ أي فلا تخفى عليه خافية، وقوله عزّ وجلّ : ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ أي عند الحاجة يتضرع ويستغيث بالله وحده لا شريك له، كما قال تعالى : ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِي البحر ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإنسان كَفُوراً ﴾ [ الإسراء :٦٧ ]، ولهذا قال تعالى : ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي في حال الرفاهية، ينسى ذلك الدعاء والتضرع، كما قال جلّ جلاله : ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِداً أَوْ قَآئِماً فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ إلى ضُرٍّ مَّسَّهُ ﴾ [ يونس :١٢ ]، وقوله تعالى : ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ أي في حال العافية يشرك بالله ويجعل له أنداداً، ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النار ﴾ أي قل لمن هذه حالته وطريقته ومسلكه ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً ﴾ وهو تهديد شديد، ووعيد أكيد، كقوله تعالى : ﴿ قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار ﴾ [ إبراهيم :٣٠ ].
يقول تعالى :أمن هذه صفته، كمن أشرك بالله وجعل أنداداً؟ لا يستوون عند الله، كما قال تعالى : ﴿ لَيْسُواْ سَوَآءً ﴾ [ آل عمران :١١٣ ]، وقال تعالى ههنا : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِداً وَقَآئِماً ﴾ أي في حال سجوده، وفي حال قيامه، ولهذا استدل بهذه الآية، من ذهب إلى أن القنوت هو الخشوع في الصلاة، ليس هو القيام وحده، قال ابن مسعود : « القانت المطيع لله عزّ وجلّ، ولرسوله ﷺ »، وقال ابن عباس : ﴿ آنَآءَ اليل ﴾ جوف الليل، وقال الثوري :بلغنا أن ذلك بين المغرب والعشاء، وقال الحسن وقتادة ﴿ آنَآءَ اليل ﴾ أوله وأوسطه وآخره، وقوله تعالى : ﴿ يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ أي في حال عبادته خائف راجٍ، ولا بد في العبادة من هذا وهذا، وأن يكون الخوف في مدة الحياة هو الغالب، ولهذا قال تعالى : ﴿ يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ فإذا كان عند الاحتضار، فليكن الرجاء هو الغالب عليه، كما قال أنَس رضي الله عنه : « دخل رسول الله ﷺ على رجل وهو في الموت فقال له :» كيف تجدك «؟ فقال :أرجو وأخاف، فقال رسول الله ﷺ :» لا يجتمعان في قلب عبدٍ في مثل هذا الموطن، إلاّ أعطاه الله عزّ وجلّ الذي يرجو، وأمّنه الذي يخافه « وعن يحيى البكاء أنه سمع ابن عمر رضي الله عنهما يقرأ : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ قال ابن عمر :ذاك ( عثمان بن عفان ) رضي الله عنه » وإنما ق لابن عمر رضي الله عنهما ذلك، لكثرة صلاة عثمان رضي الله عنه بالليل وقراءته، حتى إنه ربما قرأ القرآن في ركعة، قال الشاعر :
يقطّع الليل تسبيحاً وقرآناً... وقوله تعالى : ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي هل يستوي هذا، والذي قبله ممن جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله؟ ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب ﴾ أي إنما يعلم الفرق بين هذا وهذا، من له لب، وهو العقل، والله أعلم.
يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين، بالاستمرار على طاعته وتقواه ﴿ قُلْ ياعباد الذين آمَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ أي لمن أحسن العمل في هذه الدنيا، حسنة في دنياهم وأخراهم، ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ قال مجاهد :فهاجروا فيها وجاهدوا، واعتزلوا الأوثان، وقال :إذا دعيتم إلى معصيته فاهربوا، ثم قرأ : ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ [ النساء :٩٧ ] وقوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ قال الأوزاعي :ليس بوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم غرفاً، وقال ابن جريج :بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك، وقال السدي :يعني في الجنة، وقوله : ﴿ قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ أي إنما أمر بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ﴿ وَأُمِرْتُ لأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ قال السدي :يعني من أمته ﷺ.
يقول تعالى :قل يا محمد وأنت رسول الله ﴿ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ وهو يوم القيامة، ومعناه التعريض بغيره، بطريق الأولى والأحرى، ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي * فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾، وهذا أيضاً تهديد، وتبرٍّ منهم، ﴿ قُلْ إِنَّ الخاسرين ﴾ أي إنما الخاسرون كل الخسران ﴿ الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ القيامة ﴾ أي تفارقوا فلا التقاء لهم أبداً، وسواء ذهب أهلوهم إلى الجنة، وذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن الاجتماع لهم ولا سرور ﴿ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين ﴾ أي هذا هو الخسران المبين، الظاهر الواضح، ثم وصف حالهم في النار فقال : ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾، كما قال عزّ وجلّ : ﴿ لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وكذلك نَجْزِي الظالمين ﴾ [ الأعراف :٤١ ]، وقال تعالى : ﴿ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ العذاب مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيِقُولُ ذُوقُواْ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [ العنكبوت :٥٥ ] وقوله جلّ جلاله : ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ أي إنما يقص خبر هذا ليخوف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم، وقوله تعالى : ﴿ ياعباد فاتقون ﴾ أي اخشوا بأسي وسطوتي وعذابي ونقمتي.
قال زيد بن أسلم :نزلت الآية في ( زيد بن عمرو ) و ( أبي ذر ) و ( سلمان الفارسي ) رضي الله تعالى عنهم، والصحيح أنها شاملة له ولغيرهم، ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن، فهؤلاء لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ثم قال عزّ وجلّ : ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ أي يفهمونه ويعملون بما فيه كقوله تبارك وتعالى : ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ [ الأعراف :١٤٥ ]، ﴿ أولئك الذين هَدَاهُمُ الله ﴾ أي المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة، ﴿ وأولئك هُمْ أُوْلُواْ الألباب ﴾ أي ذوو العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة.
يقول تعالى :أفمن كتب الله أنه شقي هل تقدر أن تنقذه مما هو في من الضلال والهلاك؟ أي لا يهديه أحد من بعد الله، ثم أخبر عزّ وجلّ عن عباده السعداء أن لهم غرفاً في الجنة، وهي القصور الشاهقة، ﴿ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ ﴾ طباق فوق طباق، مبنيات محكمات، مزخرفات عاليات، وفي الصحيح : « إن في الجنة لغرفاً يرى بطونها من ظهورها، وظهورها من بطونها، فقال أعرابي :لمن هي يا رسول الله؟ قال ﷺ :» لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وصلى بالليل والناس نيام « ». وروى الإمام أحمد، عن سهل بن سعد رضي الله عنه « أن رسول الله ﷺ وسلم قال :» إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما تراءون الكواكب في أفق السماء « » وروى الإمام أحمد، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : « قلنا يا رسول الله! إنا إذا رأيناك رقت قلوبنا، وكنا من أهل الآخرة، فإذا فارقناك أعجبتنا الدنيا، وشممنا النساء والأولاد، قال ﷺ :» لو أنكم تكونون على كل حال، على الحال التي أنتم عليها عندي لصافحتكم الملائكة بأكفهم ولزارتكم في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله عزّ وجلّ بقوم يذنبون كي يغفر لهم « قلنا :يا رسول الله حدثنا عن الجنة ما بناؤها؟ قال :ﷺ :» لبنة ذهب ولبنة فضة، وبلاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وترابها الزغفران، من يدخلها ينعم ولا يبأس، ويخلد ولا يموت، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه، ثلاثة لا ترد دعوتهم :الإمام العادل، والصائم حتى يفطر، ودعوة المظلوم تحمل على الغمام، وتفتح لها أبواب السماوات، ويقول الرب تبارك وتعالى : « وعزتي لأنصرك ولو بعد حين » « وقوله تعالى : ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ أي تسلك الأنهار بين خلال ذلك كما شاءوا، وأين أرادوا ﴿ وَعْدَ الله ﴾ أي هذا الذي ذكرناه وعد وعده والله عباده المؤمنين ﴿ إِنَّ الله لاَ يُخْلِفُ الميعاد ﴾ [ الرعد :٣١ ].
يخبر تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء، كما قال عزّ وجلّ : ﴿ وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً ﴾ [ الفرقان :٤٨ ] فإذا أنزل الماء من السماء كَمَن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزاء الأرض كما يشاء، وينبعه عيوناً ما بين صغار وكبار، بحسب الحاجة إليها، ولهذا قال تبارك وتعالى : ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض ﴾، عن ابن عباس قال :ليس في الأرض ماء إلا نزل من السماء، ولكن عروق في الأرض تغيره، فذلك قوله تعالى : ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض ﴾ فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعده، وقال سعيد بن جبير :أصله من الثلج يعني أن الثلج يتراكم على الجبال، فيسكن في قرارها، فتنبع العيون من أسفلها، وقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾، أي ثم يخرج بالماء النازل منا لسماء، والنابع من الأرض ﴿ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ أي أشكاله وطعومه، وروائحه ومنافعه، ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ أي بعد نضارته وشبابه يكتهل، فنراه مصفراً قد خالطه اليبس، ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً ﴾ أي ثم يعود يابساً يتحطم، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لذكرى لأُوْلِي الألباب ﴾ أي الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون إلى أن الدنيا هكذا تكون خضرة ناضرة حسناء، ثم تعود عجوزاً شوهاء، والشاب يعود شيخاً هرماً، كبيراً ضعيفاً، وبعد ذلك كله الموت؛ فالسعيد من كان حاله بعده إلى خير، وقوله تبارك وتعالى : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ لِلإِسْلاَمِ فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ أي هل يستوي هذا، ومن هو قاسي القلب بعيد من الحق؟ كقوله عزّ وجلّ : ﴿ أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظلمات لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ﴾ [ الأنعام :١٢٢ ] ؟ ولهذا قال تعالى : ﴿ فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله ﴾ أي فلا تلين عند ذكره، ولا تخشع و لا تعي ولا تفهم ﴿ أولئك فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ ﴾.
هذا مدح من الله عزَّ وجلَّ لكتابه ( القرآن الكريم ) المنزل على رسوله الكريم. قال الله تعالى : ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ ﴾ قال مجاهد :يعني القرآن كله متشابه مثاني، وقال قتادة :الآية تشبه الآية، والحرف يشبه الحرف، وقال الضحاك ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ ترديد القول ليفهموا عن ربهم تبارك وتعالى، وقال عبد الرحمن بن زيد ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ مردَّد، ردد موسى في القرآن وصالح وهود والأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أمكنة كثيرة، وقال ابن عباس ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ أي القرآن يشبه بعضه بعضاً ويُرَدُّ بعضه على بعض. وقوله تعالى : ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ أي هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، والمهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف، ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾، لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه :أحدها :أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات. الثاني :أنهم إذا عليهم آيات الرحمن ﴿ خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً ﴾ [ مريم :٥٨ ] بأدب وخشية، ورجاء ومحبة، وفهم وعلم، كما قال تبارك وتعالى : ﴿ وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّواْ عَلَيْهَا صُمّاً وَعُمْيَاناً ﴾ [ الفرقان :٧٣ ] أي لم يكونوا عند سماعها متشاغلين لاهين عنها بل مصغين إليها، ويسجدون عندها عن بصيرة لا عن جهل ومتابعة لغيرهم الثالث :أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة رضي الله عنهم عند سماعهم كلام الله تعالى تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، لم يكونوا يتصارخون، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية، مالا يلحقهم أحد في ذلك، تلا قتادة رحمه الله : ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ قال :هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله عزّ وجلّ بأن تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان، وقال السدي ﴿ إلى ذِكْرِ الله ﴾ أي إلى وعد الله، وقوله : ﴿ ذلك هُدَى الله يَهْدِي بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [ الأنعام :٨٨ ] أي هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك، فهو ممن أضله الله ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾.
يقول تعالى : ﴿ أَفَمَن يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سواء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ ويقرع فيقال له ولأمثاله من الظالمين، ﴿ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ كمن يأتي آمناً يوم القيامة؟ كما قال الله عزّ وجلّ : ﴿ أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [ الملك :٢٢ ] وقال تبارك وتعالى : ﴿ أَفَمَن يلقى فِي النار خَيْرٌ أَم مَّن يأتي آمِناً يَوْمَ القيامة ﴾ [ فصلت :٤٠ ]، واكتفى في هذه الآية بأحد القسمين عن الآخر، وقوله جلت عظمته : ﴿ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ يعني القرون الماضية المكذبة للرسل أهلكهم الله بذنوبهم وما كان لهم من الله من واقٍ، وقوله جلّ وعلا ﴿ فَأَذَاقَهُمُ الله الخزي فِي الحياة الدنيا ﴾ أي بما أنزل بهم من العذاب والنكال، وتشفي المؤمنين منهم. فليحذر المخاطبون من ذلك فإنهم قد كذبوا أشرف الرسل وخاتم الأنبياء ﷺ، والذي أعده الله جلّ جلاله لهم في الآخرة من العذاب الشديد، أعظم مما أصابهم في الدنيا، ولهذا قال عزّ وجلّ : ﴿ وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾.
يقول تعالى : ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ ﴾ أي بينا للناس فيه بضرب الأمثال ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ فإن المثل يقرب المعنى إلى الأذهان كما قال تبارك وتعالى : ﴿ وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون ﴾ [ العنكبوت :٤٣ ]، وقوله جل وعلا : ﴿ قُرْآناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذِي عِوَجٍ ﴾ أي هو قرآن بلسان عربي مبين لا اعوجاج فيه، ولا انحراف ولا لبس، بل هو بيان ووضوح وبرهان، وإنما جعله الله تعالى كذلك، وأنزله بذلك ﴿ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ أي يحذرون ما فيه من العويد ويعملون بما فيه من الوعد، ثم قال : ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَآءُ مُتَشَاكِسُونَ ﴾ أي يتنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً ﴾ أي سالماً ﴿ لِّرَجُلٍ ﴾ أي خالصاً لا يملكه أحد غيره، ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ ؟ أي لا يستوي هذا وهذا، كذللك لا يستوي المشرك والذي يعبد آلهة مع الله، والمؤمن المخلص الذي لا يعبد إلا الله وحده لا شريك له؟ فأين هذا من هذا؟ قال ابن عباس ومجاهد :هذه الآية ضربت مثلاً للمشرك والمخلص، ولما كان هذا المثل ظاهراً بيناً جلياً قال : ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ أي على إقامة الحجة عليهم ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي فلهذا يشركون بالله، وقوله تبارك وتعالى : ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ﴾ أي إنكم ستنقلون من هذا الدار لا محالة، وستجتمعون عند الله تعالى في الدار الآخرة، وتختصمون فيما أنتم فيه في الدينا من التوحيد والشرك بين يدي الله عزّ وجلّ، فيفصل بينكم، ويفتح بالحق وهو الفتاح العليم، فينجي المؤمنين المخلصين والموحدين، ويعذب الكافرين الجاحدين المشركين المكذبين، ثم إن هذه الآية وإن كان سياقها في المؤمنين والكافرين، وذكر الخصومة بينهم في الدار الآخرة، فإنها شاملة لكل متنازعين في الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة في الدار الآخرة. روي « أنه لما نزلت ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ قال الزبير رضي الله عنه :يا رسول الله أتكرر علينا الخصومة؟ قال ﷺ :» نعم «، قال رضي الله عنه :إن الأمر إذاً لشديد »، وعن الزبير بن العوام رضي الله عنه قال : « لما نزلت هذه السورة على رسول الله ﷺ : ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾، قال الزبير رضي الله عنه :أي رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال ﷺ :» نعم ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه « قال الزبير رضي الله عنه :والله إن الأمر لشديد ».
وفي الحديث : « أول الخصمين يوم القيامة الجاران »
وفي « المسند » عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : « رأى رسول الله ﷺ شاتين ينتطحان، فقال :» أتدري فيم ينتطحان يا أبا ذر «، قلت :لا، قال ﷺ :» لكن الله يدري وسيحكم بينهما « » وقال الحافظ أبو بكر البزار، عن أنَس رضي الله عنه قال :قال رسول الله ﷺ : « يجاء بالإمام الجائر الخائن يوم القيامة فتخاصمه الرعية، فيفلحون عليه. فيقال له :سدّ ركناً من أركان جهنم » وعن ابن عباس رضي الله عنهما ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ يقول :يخاصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم، والمهتدي الضال؟ والضعيف المستكبر، وقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال :يختصم الناس يوم القيامة حتى تختصم الروح مع الجسد :فتقول الروح للجسد أنت فعلت، يقول الجسد للروح :أنت أمرت، وأنت سولت، فيبعث الله تعالى ملكاً يفصل بينهما، فيقول لهما :إن مثلكما كمثل رجل مقعد بصير، والآخر ضرير، دخلا بستاناً، فقال المقعد للضرير :إني أرى هاهنا ثماراً، ولكن لا أصل إليهما، فقال له الضرير :اركبني فتناوَلها، فربكه فتناولها، فأيهما المعتدي، فيقولان :كلاهما، فيقول لهما الملك :فإنكما قد حكمتما على أنفسكما، يعني أن الجسد للروح كالمطية وهو راكبه، وروى ابن أبي حاتم، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال :نزلت هذه الآية وما نعلم في أي شيء نزلت : ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ قال، قلنا :من تخاصم؟ ليس بيننان وبين أهل الكتاب خصومة فمن خاصم؟ حتى وقعت الفتنة، فقال ابن عمر رضي الله عنهما :هذا الذي وعدنا ربنا عزّ وجلّ نختصم فيه، وقال أبو العالية : ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ يعني أهل القبلة، وقال ابن زيد :يعني أهل الإسلام وأهل الكفر، وقد قدمنا أن الصحيح العموم، والله سبحانه أعلم.
يقول عزّ وجلّ مخاطباً للمشركين الذين افتروا على الله، وجعلوا معه آلهة أُخرى، وادعوا أن الملائكة بنات الله، وجعلوا لله ولداً تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً ومع هذا كذبوا بالحق إذ جاءهم على ألسنة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولهذا قال عزّ وجلّ : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله وَكَذَّبَ بالصدق إِذْ جَآءَهُ ﴾ أي لا أحد أظلم من هذا، لأنه جمع بين طرفي الباطل :كذب على الله، وكذّب رسول الله ﷺ، قال الباطل، ورد الحق، ولهذا قال جلت عظمته متوعداً لهم ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْكَافِرِينَ ﴾ ؟ وهم الجاحدون المكذبون، ثم قال جل وعلا ﴿ والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ ﴾، قال مجاهد وقتادة : ﴿ والذي جَآءَ بالصدق ﴾ هو الرسول ﷺ، وقال السدي :هو جبريل عليه السلام، ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ يعني محمداً ﷺ، وقال ابن عباس :من جاء بلا إلا إلا الله ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ يعني رسول الله ﷺ وقيل :أصحاب القرآن المؤمنون يجيئون يوم القيامة، فيقولون :هذا ما أعطيتمونا فعملنا فيه بما أمرتمونا، وهذا القول يشمل كل المؤمنين، فإن المؤمنين يقولون الحق ويعملون به، والرسول ﷺ أولى الناس بالدخول في هذه الآية، فإنه جاء بالصدق وصدّق المرسلين، وآمن بما أنزل إليه من ربه، وقال ابن زيد : ﴿ والذي جَآءَ بالصدق ﴾ هو رسول الله ﷺ ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ قال المسلمون ﴿ أولئك هُمُ المتقون ﴾ قال ابن عباس :اتقوا الشرك ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ﴾ يعني في الجنة، مهما طلبوا وجدوا ﴿ ذَلِكَ جَزَآءُ المحسنين * لِيُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ كما قال عزّ وجلّ في الآية الأخرى : ﴿ أولئك الذين نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَنَتَجَاوَزُ عَن سَيِّئَاتِهِمْ في أَصْحَابِ الجنة وَعْدَ الصدق الذي كَانُواْ يُوعَدُونَ ﴾ [ الأحقاف :١٦ ].
يقول الله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ يعني أنه تعالى يكفي من عبده وتوكّل عليه، وفي الحديث : « أفلح من هدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافا، وقنع به » ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ يعني المشركين يخوفون الرسول ﷺ، ويتوعدونه بأصنامهم وآلهتهم، التي يدعونها من دون الله جهلاً منهم وضلالاً، ولهذا قال عزّ وجلّ : ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ذِي انتقام ﴾ أي منيع الجناب لا يضام من استند إلى جنابه، ولجأ إلى بابه، فإنه العزيز الذي لا أعز منه، ولا أشد انتقاماً منه، ممن كفر به وأشرك وعاند رسوله ﷺ، وقوله تعالى : ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ﴾ يعني المشركين كانوا يعترفون بأن الله عزّ وجلّ هو الخالق للأشياء كلها، ومع هذا يعبدون معه غيره، مما لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً، ولهذا قال تعالى : ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِيَ الله بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ ؟ أي لا تستطيع شيئاً من الأمر، وفي الحديث : « احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة » الحديث. ﴿ قُلْ حَسْبِيَ الله ﴾ أي الله كافي، ﴿ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون ﴾، كما قال ( هود ) ﷺ : ﴿ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى الله رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّي على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [ هود :٥٦ ]، عن ابن عباس رضي الله عنه قال : « من أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله تعالى، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله عزّ وجلّ أوثق منه بما في يديه، ومن أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله عزّ وجلّ »، وقوله تعالى : ﴿ قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ أي على طريقتكم، وهذا تهديد ووعيد، ﴿ إِنِّي عَامِلٌ ﴾ أي علا طريقي ومنهجي، ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ أي ستعلمون غبّ ذلك ووباله، ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ أي في الدنيا، ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ أي دائم مستمر، لا محيد له عنه، وذلك يوم القيامة، أعاذنا الله منها.
يقول تعالى مخاطباً رسوله محمداً ﷺ : ﴿ إِنَّآ أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب ﴾ يعني القرآن ﴿ لِلنَّاسِ بالحق ﴾ أي لجميع الخلق من الإنس والجن، لتنذرهم به، ﴿ فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ ﴾ أي فإنما يعود نفع ذلك إلى نفسه، ﴿ وَمَن ضَلَّ فَإنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ أي إنما يرجع وبال ذلك على نفسه، ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ أي بموكل أن يهتدوا، ﴿ إِنَّمَآ أَنتَ نَذِيرٌ ﴾ [ هود :١٢ ]، ﴿ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ وَعَلَيْنَا الحساب ﴾ [ الرعد :٤٠ ] ثم قال تعالى مخبراً عن نفسه الكريمة بأنه المتصرف في الوجود بما يشاء، وأنه يتوفى الأنفس الوفاة الكبرى بما يرسل من الحفظة الذين يقبضونها من الأبدان، والوفاة الصغرى عند المنام، كما قال تبارك وتعالى : ﴿ وَهُوَ الذي يَتَوَفَّاكُم باليل وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بالنهار ﴾ [ الأنعام :٦٠ ] الآية، وقال : ﴿ حتى إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ الموت تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لاَ يُفَرِّطُونَ ﴾ [ الأنعام :٦١ ]، فذكر الوفاتين الصغرى ثم الكبرى، وفي هذه الآية ذكر الكبرى ثم الصغرى، ولهذا قال تبارك وتعالى : ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مَوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قضى عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الأخرى إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾، فيه دلالة على أنها تجتمع في الملأ الأعلى، كما ورد في « الصحيحين » عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :قال رسول الله ﷺ : « إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخله إزاره، فإنه لا يدري ما خَلَفه عليه، ثم ليقل باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فأرحمها، وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين »، وقال بعض السلف :يقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، فتتعارف ما شاء الله تعالى أن تتعارف ﴿ فَيُمْسِكُ التي قضى عَلَيْهَا الموت ﴾ التي قد ماتت، ويرسل الأُخرى إلى أجل مسمى، قال السدي :إلى بقية أجلها، وقال ابن عباس :يمسك أنفس الأموات، ويرسل أنفس الأحياء، ولا يغلظ ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾.
يقول تعالى ذاماً للمشركين في اتخاذهم شفعاء من دون الله، وهم الأصنام والأنداد التي اتخذوها من تلقاء أنفسهم بلا دليل ولا برهان، وهي لا تملك شيئاً من الأمر، وليس لها عقل تعقل به، ولا سمع تسمع به، ولا بصر تبصر به، بل هي جمادات أسوأ حالاً من الحيوانات بكثير، ثم قال : ﴿ قُل ﴾ أي يا محمد لهؤلاء الزاعمين أن ما تخذوه شفعاء لهم عند الله تعالى، أخبرهم أن الشفاعة لا تنفع عند الله إلا لمن ارتضاه وأذن له، فمرجعها كلها إاليه ﴿ مَن ذَا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ ﴾ [ البقرة :٢٥٥ ]، ﴿ لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض ﴾ أي هو المتصرف في جميع ذلك، ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ أي يوم القيامة فيحكم بينكم بعدله ويجزي كلا بعمله، ثم قال تعالى ذاماً للمشركين أيضاً : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ ﴾ أي إذا قيل لا إله إلا الله وحده، ﴿ اشمأزت قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة ﴾ قال مجاهد :اشمأزت انقبضت، وقال السدي :نفرت، وقال قتادة :كفرت واستكبرت، كما قال تعالى : ﴿ إِنَّهُمْ كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إله إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [ الصافات :٣٥ ] أي عن المتابعة والانقياد لها، فقلوبهم لا تقبل الخير، ومن لا يقبل الخير يقبل الشر، ولذلك قال تبارك وتعالى : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ ﴾ أي من الأصنام والأنداد ﴿ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ أي يفرحون ويسرون.
يقول تبارك وتعالى، بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر، من المذمة لهم في حبهم الشرك، ونفرتهم عن التوحيد ﴿ قُلِ اللهم فَاطِرَ السماوات والأرض عَالِمَ الغيب والشهادة ﴾ أي ادع أنت الله وحده لا شريك له الذي خلق السماوات والأرض وفطرها، أي جعلها على غير مثال سبق، ﴿ عَالِمَ الغيب والشهادة ﴾ أي السر والعلانية، ﴿ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أي في دنياهم، ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم وقيامهم من قبورهم، روى مسلم في « صحيحه »، عن أبي سلمة عن عبد الرحمن قال : « سألت عائشة رضي الله عنها بأي شيء كان رسول الله ﷺ يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت رضي الله عنها :كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته :» اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم « » وقال رسول الله ﷺ : « من قال :اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا، أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمداً عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك فاجعل لي عندك عهداً توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال الله عزّ وجلّ لملائكته يوم القيامة :إن عبدي قد عهد إليَّ عهداً فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة » وروى الإمام أحمد، عن أبي راشد الحبراني قال : « أتيت ( عبد الله بن عمرو ) رضي الله عنهما فقلت له :حدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ، فألقى بين يدي صحيفة فقال :هذا ما كتب لي رسول الله ﷺ، فانظرت فيها، فإذا فيها أنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال :يا رسول الله علمني ما أقول إذا أصبحت وإذا أمسيت؟ فقال له رسول الله صلى لله عليه وسلم :» يا أبا بكر، قل :اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة لا إله إلا أنت رب كل شيء ومليكه، أعوذ بك من شر نفسي، وشر الشيطان وشركه، أن أقترف على نفسي سوءاً، أو أجره إلى مسلم « » وقوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ وهم المشركون ﴿ مَا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ ﴾ أي ولو أن جميع ما في الأرض وضعفه معه ﴿ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سواء العذاب ﴾ الذي أوجبه الله تعالى لهم يوم القيامة، ومع هذا لا يقبل منهم الفداء ولو كان ملء الأرض ذهباً ﴿ يَوْمَ القيامة وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ أي وظهر لهم من الله من العذاب والنكال بهم، ما لم يكن في بالهم ولا في حسابهم، ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾ أي وظهر لهم جزاء ما اكتسبوا في الدار الدنيا من المحارم والمآثم، ﴿ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ أي وأحاط بهم من العذاب والنكال ما كانوا يستهزئون به في الدار الدنيا.
يقول تبارك وتعالى مخبراً عن الإنسان أنه في حال الضراء يتضرع إلى الله تعالى، وينيب إليه ويدعوه، وإذا خوّله نعمة منه بغى وطغى، وقال : ﴿ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ أي لما يعلم الله تعالى من استحقاقي له، ولولا أني عند الله خصيص لما خولني هذا، قال قتادة : ﴿ على عِلْمٍ عندي ﴾ [ القصص :٧٨ ] على خبر عندي، قال الله عزّ وجلّ : ﴿ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ﴾ أي ليس الأمر كما زعم، بل إنما أنعمنا عليه بهذه النعمة لنختبره فيما أنعمنا عليه أيطيع أم يعصي؟ مع علمنا المتقدم بذلك فهي ﴿ فِتْنَةٌ ﴾ أي اختبار ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾، فلهذا يقولون ويدعون ما يدعون، ﴿ قَدْ قَالَهَا الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي قد قال هذه المقالة وادعى هذه الدعوى كثير ممن سلف من الأمم، ﴿ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ أي فما صح قولهم ولا نفعهم جمعهم وما كانوا يكسبون، ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ والذين ظَلَمُواْ مِنْ هؤلاء ﴾ أي من المخاطبين ﴿ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾، أي كما أصاب أولئك ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾، كما قال تبارك وتعالى مخبراً عن قارون ﴿ قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عندي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الله قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القرون مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون ﴾ [ القصص :٧٨ ] وقال تعالى : ﴿ وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلاَداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ ﴾ [ سبأ :٣٥ ]، وقوله تبارك وتعالى : ﴿ أَوَلَمْ يعلموا أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ أي يوسعه على قوم ويضيقه على آخرين، ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ أي لعبراً وحججاً.
هذه الآية الكريمة دعوة لجميع العصاة من الكفرة وغيرهم إلى التوبة والإنابة، وإخبار بأن الله تبارك وتعالى يغفر الذنوب جميعاً لمن تاب منها ورجع عنها، وإن كانت مهما كانت وإن كثرت وكانت مثل زبد البحر، ولا يصح حمل هذه على غير توبة، لأن الشرك لا يغفر لمن لم يتب منه، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن ناساً من أهل الشرك كانوا قد قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، فأتوا محمداً ﷺ فقالوا :إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، فنزل : ﴿ والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ [ الفرقان :٦٨ ]، ونزل : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ﴾. وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال، سمعت رسول الله ﷺ يقول : « ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ » إلى آخر الآية. وعن عمرو بن عنبسة رضي الله عنه قال : « جاء رجل إلى النبي ﷺ شيخ كبير يدعم على عصاً له فقال :يا رسول الله إن لي غدرات وفجرات، فهل يغفر لي؟ فقال ﷺ :» ألست تشهد أن لا إله إلا الله؟ قال :بلى، وأشهد أنك رسول الله، فقال صلى لله عليه وسلم : « قد غفر لك غدراتك وفجراتك » «. وروى الإمام أحمد، عن أسماء بنت يزيد رضي الله عنها قالت :سمعت رسول الله ﷺ يقرأ : ﴿ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ ﴾ [ هود :٤٦ ] وسمعته ﷺ يقول : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم ﴾.
فهذه الأحادث كلها دالة على أن المراد أنه يغفر جميع ذلك مع التوبة، ولا يقنطن عبد من رحمة الله، وإن عظمت ذنوبه وكثرت، فإن باب الرحمة والتوبة واسع، قال الله تعالى : ﴿ أَلَمْ يعلموا أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ ﴾ [ التوبة :١٠٤ ]، وقال عزّ وجلّ : ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سواءا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ الله يَجِدِ الله غَفُوراً رَّحِيماً ﴾ [ النساء :١١٠ ]، وقال جلّ علا في حق المنافقين : ﴿ إِنَّ المنافقين فِي الدرك الأسفل مِنَ النار وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً * إِلاَّ الذين تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ ﴾ [ النساء :١٤٥-١٤٦ ]، وقال تبارك وتعالى : ﴿ إِنَّ الذين فَتَنُواْ المؤمنين والمؤمنات ثُمَّ لَمْ يَتُوبُواْ ﴾ [ البروج :١٠ ] قال الحسن البصري رحمه الله :انظروا إلى هذا الكرم والجود قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والمغفرة، والآيات في هذه كثيرة جداً، وفي »
الصحيحين « عن أبي سعيد رضي الله عنه عن رسول الله ﷺ حديث الذي قتل تسعاً وتسعين نفساً، ثم ندم وسأل عابداً من عباد بني إسرائيل هل له من توبة؟ فقال :لا فقتله وأكمل به مائة، ثم سأل عالماً من علمائهم هل له من توبة؟ فقال :ومن يحول بينك وبين التوبة؟ ثم أمره بالذهاب إلى قرية يعبد الله فيها فقصدها، فأتاه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمر الله عزّ وجلّ أن يقيسوا ما بين الارضين فإلى أيهما كان أقرب منها، فوجوده أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بشبر فقبضته ملائكة الرحمة، هذا معنى الحديث، وقد كتبناه في موضع آخر بلفظه، وقال ابن عباس في قوله عزّ وجلّ : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ الآية.
قال :قد دعا الله تعالى إلى مغفرته من زعم أن المسيح هو الله، ومن زعم أن المسيح هو ابن الله، ومن زعم أن عزيراً ابن الله، ومن زعم أن الله فقير، ومن زعم أن يد الله مغلولة، ومن زعم أن الله ثالث ثلاثة، يقول الله تعالى لهؤلاء : ﴿ أَفَلاَ يَتُوبُونَ إلى الله وَيَسْتَغْفِرُونَهُ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾ [ المائدة :٧٤ ]. ثم دعا إلى التوبة من هو أعظم قولاً من هؤلاء، من قال : ﴿ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى ﴾ [ النازعات :٢٤ ] وقال : ﴿ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي ﴾ [ القصص :٣٨ ] قال ابن عباس رضي الله عنهما :من أيس عباد الله من التوبة بعد هذا فقد جحد كتاب الله عزَّ وجلَّ، ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله عليه، وروى الطبراني عن ابن مسعود قال :إن أعظم آية في كتاب الله ﴿ الله لاَ إله إِلاَّ هُوَ الحي القيوم ﴾ [ البقرة :٢٥٥، آل عمران :٢ ]، وإن أجمع آية في القرآن بخير وشر ﴿ إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان ﴾ [ النحل :٩٠ ]، وإن أكثر آية في القرآن فرحاً ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ﴾، وإن أشد آية في كتاب الله تفويضاً ﴿ وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ﴾ [ الطلاق :٢-٣ ]. ومرَّ عبد الله بن مسعود رضي الله عنه على قاصّ وهون يذكر الناس، فقال :يا مذكر لِمَ تقنطِ الناسَ من رحمة الله؟ ثم قرأ : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ﴾.
ذكر أحاديث فيها نفي القنوط
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله ﷺ يقول : « والذي نفسي بيده لو أخطأتم حتى تملأ خطاياكم ما بين السماء والأرض، ثم استغفرتم الله تعالى لغفر لكم، والذي نفس محمد بيده لو لم تخطئوا لجاء الله عزَّو جلَّ بقوم يخطئون ثم يستغفرون الله فيغفر لهم »
، عن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه أنه قال حين حضرته الوفاة : « قد كنت كتمت منكم شيئاً سمعته من رسول الله ﷺ يقول :» لولا أنكم تذنبون لخلق الله عزَّ وجلَّ قوماً يذنبون فيغفر لهم « »، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : « قال رسول الله ﷺ :» كفارة الذنب الندامة «، وقال رسول الله ﷺ :» لو لم تذنبوا لجاء الله تعالى بقوم يذنبون فيغفر لهم « » ثم استحث تبارك وتعالى عباده إلى المسارعة إلى التوبة، فقال : ﴿ وأنيبوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ الخ، أي ارجعوا إلى الله واستسلموا له ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ أي بادروا بالتوبة والعمل الصالح قبل حلول النقمة، ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ وهو القرآن العظيم ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ أي من حيث لا تعلمون ولا تشعرون، ثم قال تعالى : ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ أي يوم القيامة يتحسر المجرم المفرط في التوبة والإنابة ويود لو كان من المحسنين المخلصين المطيعين لله عزَّ وجلَّ، وقوله تبارك وتعالى : ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين ﴾ أي إنما كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزىء غير موقن مصدق، ﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين ﴾ أي تود لو أعيدت إلى الدنيا لتحسن العمل، قال ابن عباس :أخبر الله سبحانه وتعالى ما العباد قائلون قبل أن يقولوه، وعملهم قبل أن يعملوه، وقال تعالى : ﴿ وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ ﴾ [ فاطر :١٤ ]، ﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين * أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ المتقين * أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ المحسنين ﴾ فأخبر الله عزَّ وجلَّ أن لو ردوا لما قدروا على الهدى فقال : ﴿ وَلَوْ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ﴾ [ الأنعام :٨٢ ]، وفي الحديث : « كل أهل النار يرى مقعده من الجنة، فيقول :لو أن الله هداني فتكون عليه حسرة، قال :وكان أهل الجنة يرعى مقعده من النار، فيقول :لولا أن الله هداني قال :فيكون له الشكر »، ولما تمنى أهل الجرائم العود إلى الدنيا، وتحسروا على تصديق آيات الله واتباع رسله، قال الله سبحانه وتعالى : ﴿ بلى قَدْ جَآءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين ﴾ أي قد جاءتك إليها العباد النادم آياتي في الدار الدنيا وقامت حججي عليك، فكذبت بها واستكبرت عن اتباعها وكنت من الكفارين بها الجاحدين لها.
يخبر تعالى عن يوم القيامة أنه تسود فيه وجوه وتبيض فيه وجوه، تسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف، وتبيض وجوه أهل السنة والجماعة، قال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله ﴾ أي في دعواهم له شريكاً وولداً، ﴿ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ أي بكذبهم وافترائهم. وقوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ ؟ أي أليست جهنم كافية سجناً وموئلاً، لهم فيها الخزي والهوان بسبب تكبرهم وتجبرهم عن الانقياد للحق؟ وفي الحديث « إن المتكبرين يحشرون يوم القيامة أشباه الذر في صور الناس يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلوا سجناً من النار في و ادٍ يقال له ( بولس ) من نار الأنيار، ويسقون من عصارة أهل النار ومن طينه الخبال »، وقوله تبارك وتعالى : ﴿ وَيُنَجِّي الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ أي بما سبق لهم من السعادة والفوز عند الله، ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ السواء ﴾ أي يوم القيامة ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ أي ولا يحزنهم الفزع الأكبر، بل هم آمنون من كل فزع، مزحزحون عن كل شر، نائلون كل خير.
يخبر تعالى أنه خالق الأشياء كلها وربها ومليكها والمتصرف فيها، وكلٌ تحت تدبيره وقهره وكلاءته، قال مجاهد :المقاليد هي المفاتيح بالفارسية، وقال السدي : ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض ﴾ أي خزائن السماوات والأرض، والمعنى على كلا القولين أن أزمَّة الأمور بيده تبارك وتعالى له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولهذا قال جل وعلا : ﴿ والذين كَفَرُواْ بِآيَاتِ الله ﴾ أي حججه وبراهينه ﴿ أولئك هُمُ الخاسرون ﴾، وقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون ﴾ ؟ ذكروا في سبب نزولها أن المشركين من جهلهم دعوا رسول الله ﷺ إلى عبادة آلهتهم ويعبدوا معه إلهه فنزلت : ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون * وَلَقَدْ أُوْحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ وهذه كقوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ الأنعام :٨٨ ]، وقوله عزّ وجلّ : ﴿ بَلِ الله فاعبد وَكُن مِّنَ الشاكرين ﴾ أي أخلص العبادة لله وحده لا شريك له أنت ومن اتبعك وصدقك.
يقول تبارك وتعالى : ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما قدر المشركون الله حق قدره حين عبدوا معه غيره وهو العظيم القادر على كل شيء، المالك لكل شيء، وكل شيء تحت قدره وقدرته، قال مجاهد :نزلت في قريش، وقال السدي :ما عظموه حق تعظيمه، وقال محمد بن كعب :لو قدروه حق قدره ما كذبوا، وقال ابن عباس : ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ هم الكفار الذين لم يؤمنوا بقدرة الله عليهم، فمن آمن أن الله على كل شيء قدير فقد قدر الله حق قدره، ومن لم يؤمن بذلك فلم يقدر الله حق قدره، وقد وردت أحاديث كثيرة متعلقة بهذه الآية الكريمة، والطريق فيها وفي أمثالها مذهب السلف، وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تحريف، قال البخاري :قوله تعالى : ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾، عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : « جاء حَبْر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال :يا محمد إنا نجد أن الله عزّ و جلّ يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول :أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة ﴾ » الآية، وروى الإمام أحمد، عن عبد الله رضي الله عنه قال : « جاء رجل إلى النبي ﷺ من أهل الكتاب فقال :يا أبا القاسم، أبلغك أن الله تعالى يحمل الخلائق على إصبع، والسماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، قال :فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، قال :وأنزل الله عزّ وجلّ : ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ » إلى آخر الآية. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :سمعت رسول الله ﷺ يقول : « يقبض الله تعالى ألارض، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول :أنا الملك أين ملوك الأرض؟ » وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : « إن رسول الله ﷺ قرأ هذه الآية ذات يوم على المنبر : ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾، ورسول الله ﷺ يقول هكذا بيده يحركها يقبل بها ويدبر :يمجّد الرب نفسه أنا الجبار، أن المتكبر، أنا الملك، أنا العزيز، أنا الكريم »، فرجف برسول الله ﷺ المنبر حتى قلنا :ليخرنَّ به.
يقول تبارك وتعالى مخبراً عن هول يوم القيامة وما يكون فيه من الآيات العظيمة والزلازل الهائلة، فقوله تعالى : ﴿ وَنُفِخَ فِي الصور فَصَعِقَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ﴾ هذه النفخة هي الثانية وهي ( نفخة الصعق ) وهي التي يموت بها الأحياء من أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، كما جاء مصرحاً به مفسراً في حديث الصور المشهور، ثم يقبض أرواح الباقين حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، وينفرد الحي القيوم الذي كان أولاً، وهو الباقي آخراً بالديمومة والبقاء، ويقول : ﴿ لِّمَنِ الملك اليوم ﴾ [ غافر :١٦ ] ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه فيقول : ﴿ لِلَّهِ الواحد القهار ﴾ [ غافر :١٦ ] أنا الذي كنت وحدي، وقد قهرت كل شيء، وحكمت بالفناء على كل شيء، ثم يحيي أول من يحيي إسرافيل، ويأمره أن يفنخ في الصورة أُخرى وهي النفخة الثالثة ( نفخة البعث ) قال الله عزّ وجلّ : ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ أي أحياء بعد ما كانوا عظاماً ورفاتاً صاروا أحياء ينظرون إلى أهوال يوم القيامة، كما قال تعالى : ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بالساهرة ﴾ [ النازعات :١٣-١٤ ]، وقال تعالى : ﴿ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِّنَ الأرض إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ ﴾ [ الروم :٢٥ ].
روى الإمام أحمد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ : « يخرج الدجال في أمتي فيمكث فيهم أربعين - لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً، أو أربعين ليلة - فيبعث الله تعالى عيسى ابن مريم عليهما الصلاة والسلام كأنه ( عروة بن مسعود الثقفي )، فيظهر فيهلكه الله تعالى، ثم يلبث الناس بعده سنين سبعاً ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله تعالى ريحاً باردة من قبل الشام، فلا يبقى أحد في قلبه مثقال ذرة من إيمان إلا قبضته، إنَّ أحدهم لو كان في كبد جبل لدخلت عليه »، قال :سمعتها من رسول الله ﷺ : « ويبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، قال :فيتمثل لهم الشيطان فيقول :ألا تستجيبون؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان فيعبدونها، وهم في ذلك دارةٌ أرزاقهم، حسنٌ عيشهم، ثم ينفخ في الصور؛ فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً، وأول من يسمعه رجل يلوط حوضه فيصعق، ثم لا يبقى أحد إلا صعق، ثم يرسل الله تعالى - أو ينزل الله عزّ وجلّ - مطراً كأنه الطل أو الظل - شك نعمان - فتنبت منه الناس، ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون، ثم يقال :أيها الناس هلموا إلى ربكم ﴿ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ ﴾ [ الصافات :٢٤ ] قال، ثم يقال :أخرجوا بعث النار، فيقال :كم؟ فيقال :من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون، فيومئذٍ تبعث الولدان شيباً ويومئذٍ يكشف عن ساق »
وروى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال : « » ما بين النفختين أربعون «، قالوا :يا أبا هريرة أربعون يوماً؟ قال رضي الله تعالى عنه :أبيت، قالوا :أربعون سنة؟ قال :أبيت. قالوا :أربعون شهراً؟ قال :أبيت، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه فيه يركب الخلق ».
وقوله تبارك وتعالى : ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ أي أضاءت يوم القيامة إذا تجلى الحق جل وعلا للخلائق لفصل القضاء، ﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ قال قتادة :كتاب الأعمال، ﴿ وَجِيءَ بالنبيين ﴾ قال ابن عباس :يشهدون على الأمم بأنهم بلغوهم رسالات الله إليهم، ﴿ والشهدآء ﴾ أي الشهداء من الملائكة الحفظة على أعمال العباد من خير وشر، ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بالحق ﴾ أي بالعدل، ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾، كما قال تعالى : ﴿ فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ ﴾ [ الأنبياء :٤٧ ]، وقال جل وعلا : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [ النساء :٤٠ ]. ولهذا قال : ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ ﴾ أي من خير أو شر، ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾.
يخبر تعالى عن حال الأشقياء الكفار، كيف يساقون إلى النار سوقاً عنيفاً، بزجر وتهديد ووعيد، كما قال عزّ وجلّ : ﴿ يَوْمَ يُدَعُّونَ إلى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ﴾ [ الطور :١٣ ] أي يدفعون إليها دفعاً وهم عطاش ظماء، كما قال جلّ وعلا في الآية الأخرى : ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً * وَنَسُوقُ المجرمين إلى جَهَنَّمَ وِرْداً ﴾ [ مريم :٨٥-٨٦ ]، وهم في تلك الحال صم بكم وعمي، كما قال تعالى : ﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ [ الإسراء :٩٧ ]، وقوله تبارك وتعالى : ﴿ حتى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ أي بمجرد وصولهم إليها فتحت لهم أبوابها سريعاً لتعجل لهم العقوبة، ثم يقول لهم خزنتها من الزبانية، الذين هم غلاظ الأخلاق شداد القوى، على وجه التقريع والتوبيخ والتنكيل : ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ ؟ أي من جنسكم تتمكنون من مخاطبتهم والأخذ عنهم، ﴿ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ ﴾ أي يقيمون عليكم الحجج والبراهين على صحة ما دعوكم إليه، ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا ﴾ أي ويحذرونكم من شر هذا اليوم، فيقول الكفار لهم : ﴿ بلى ﴾ أي قد جاءونا وأنذرونا وأقاموا علينا الحجج والبراهين، ﴿ ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين ﴾ أي ولكن كذبناهم وخالفناهم لما سبق لنا من الشقوة، كما قال عزّ وجلّ : ﴿ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُواْ بلى قَدْ جَآءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ الله مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ كَبِيرٍ ﴾ [ الملك :٨-٩ ]. وقوله تعالى : ﴿ قِيلَ ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ لم يسند هذا القول إلى قائل معين بل أطلقه ليدل على أن الكون شاهد عليهم بأنهم يستحقون ما هم فيه، بما حكم العدل الخبير عليهم به، ولهذا قال جلّ علا : ﴿ قِيلَ ادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ﴾ أي ما كثين فيها لا خروج لكم منها ولا زوال لكم عنها، ﴿ فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين ﴾ أي فبئس المصير وبئس المقبل لكم بسبب تكبركم في الدنيا وإبائكم عن اتباع الحق، فبئس الحال وبئس المآل.
وهذا إخبار عن حال السعداء المؤمنين، حين يساقون على النجائب وفداً إلى الجنة، ﴿ زُمَراً ﴾ أي جماعة بعد جماعة :المقربون، ثم الأبرار، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، كل طائفة مع من يناسبهم :الأنبياء مع الأنبياء، والصديقون مع أشكالهم، والعلماء مع أقرانهم، وكل صنف مع صنف، وكل زمرة تناسب بعضها بعضاً. ﴿ حتى إِذَا جَآءُوهَا ﴾ أي وصلوا إلى أبواب الجنة بعد مجاوزة الصراط، حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فاقتص لهم مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هذَّبوا ونقوا، أذن لهم في دخول الجنة، وقد ثبت في « صحيح مسلم » عن أنس رضي الله عنه قال؛ قال رسول الله ﷺ : « أنا أول شفيع في الجنة » ؛ وفي لفظ : « وأنا أول من يقرع باب الجنة » وروى الإمام أحمد عن أنَس بن مالك رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ : « آتي باب الجنة يوم القيامة، فأستفتح، فيقول الخازن :من أنت؟ فأقول :محمد قال فيقول :بك أمرت أن لا أفتح لأحد قبلك »، وقال رسول الله صلى لله عليه وسلم : « أول زمرة تلج الجنة صورهم على صورة القمر ليلة البدر لا يبصقون فيها ولا يمتخطون فيها ولا يتفلون فيها، آنيتهم وأمشاطهم الذهب والفضة ومجامرهم الأَلوَّة، ورشحهم المسك، ولكل واحد منهم زوجتان يرى مخ ساقهما من وراء اللحم من الحُسْنِ، لا اختلاف بينهم ولا تباغض، قلوبهم على قلب واحد يسبِّحون الله تعالى بكرة وعشياً » وروى الحافظ أبو يعلى :عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، « قال رسول الله ﷺ :» أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، والذين يلونهم على ضوء اشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون، أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوّة، وأزواجهم الحور العين، أخلاقهم على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء «.
وقوله تعالى : ﴿ حتى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ ﴾ لم يذكر الجواب هاهنا، وتقديره :إذا كان هذا سعدوا وطابوا وسروا وفرحوا بقدر كل ما يكون لهم فيه نعيم، وإذا حذف الجواب ههنا ذهب الذهن كل مذهب في الرجاء والأمل، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ :»
« من أنفق زوجين من ماله في سبيل الله تعالى دعي من أبواب الجنة وللجنة أبواب، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريّان »، فقال أبو بكر رضي الله عنه :يا رسول الله :ما على أحد من ضرورة دعي من أيها دعي، فهل يدعى منها كلها أحد يا رسول الله؟ قال ﷺ : « نعم وأرجوا أن تكون منهم » «
وفي « صحيح مسلم » عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ : « ما منكم من أحد يتوضأ فيبلغ أو فيسبغ الوضوء ثم يقول :أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء »، وعن معاذ رضي الله عنه قال، قال رسول الله ﷺ : « مفتاح الجنة لا إله إلا الله ».
وفي « الصحيحين » عن أبي هريرة رضي الله عنه في حديث الشفاعة الطويل : « فيقول الله تعالى :يا محمد أدخل من لا حساب عليه من أمتك من الباب الأيمن، وهم شركاء الناس في الأبواب الأخر، والذي نفس محمد بيده إن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة ما بين عضادتي الباب لكما بين مكة أو هجر وهجر مكة وفي رواية مكة وبصرى »، وفي « صحيح مسلم » عن عتبة بن غزوان أنه خطبهم خطبة فقال فيها، ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليه يوم وهو كظيظ من الزحام، وقوله تبارك وتعالى : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ ﴾ أي طابت أعمالكم وأقوالكم وطاب سعيكم وجزاءكم، وقوله : ﴿ فادخلوها خَالِدِينَ ﴾ أي ماكثين فيها أبداً لا يبغون عنها حولاً، ﴿ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ أي يقول المؤمنون إذا عاينوا في الجنة ذلك الثواب الوافر، والعطاء العظيم، والنعيم المقيم الملك الكبير يقولون عند ذلك : ﴿ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ أي الذين كان وعدنا على ألسنة رسله الكرام كما دعوا في الدنيا ﴿ رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ وَلاَ تُخْزِنَا يَوْمَ القيامة إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد ﴾ [ آل عمران :١٩٤ ]، ﴿ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ * الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [ فاطر :٣٤-٣٥ ]، وقوله : ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين ﴾. قال أبو العالية وقتادة والسدي :أي أرض الجنة، فهذه الآية كقوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور مِن بَعْدِ الذكر أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون ﴾ [ الأنبياء :١٠٥ ]، ولهذا قالوا : ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ أي أي شئنا حللنا فنعم الأجر أجرنا على عملنا.
وفي « الصحيحين » عن أنَس رضي الله عنه في قصة المعراج قال النبي ﷺ : « أدخلت الجنة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك »، وعن أبي سعيد رضي الله عنه قال :إن ابن صائد سأل رسول الله ﷺ عن تربة الجنة فقال : « درمكة بيضاء مسك خالص ».
وروى ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في قوله تعالى : ﴿ وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً ﴾ قال :سيقوا حتى انتهوا إلى باب من أبواب الجنة، فوجدوا عندها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فعمدوا إلى إحداهما فتطهروا منها، فجرت عليهم نضرة النعيم، فلم تغير أبشارهم بعدها أبداً، ولم تشعث أشعارهم بعدها أبداً، فإنما دهنوا بالدهان ثم عمدوا إلى الأُخْرى، كأنما أمروا بها فشربوا منها فأذهب ما كان في بطونهم من أذى أو قذى، وتلقتهم الملائكة على أبواب الجنة : ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خَالِدِينَ ﴾، وتلقى كل غلمان صاحبهم يطوفون به فعل الولدان بالحميم جاء من الغيبة، أبشر قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قد أعد الله لك من الكرامة كذا وكذا، قال :وينطلق غلام من غلمانه إلى أزواجه من الحور العين، فيقول :هذا فلان باسمه في الدنيا، فيقلن :أنت رأيته، فيقول :نعم، فيستخفهن الفرح حتى تخرج إلى أسكفة الباب، قال :فيجيء فإذا هو بنمارق مصفوفة وأكواب موضوعة وزرابي مبثوثة، قال، ثم ينظر إلى تأسيس بنيانه، فإذا هو قد أسس على جندل اللؤلؤ بين أحمر وأخضر وأصفر وأبيض، ومن كل لون يم يرفع طرفه إلى سقفه، فلولا أن الله تعالى قدره له لألم أن يذهب ببصره إنه لمثل البرق، ثم ينظر إلى أزواجه من الحور العين، ثم يتكىء إلى أريكة من أرائكه ثم يقول : ﴿ الحمد للَّهِ الذي هَدَانَا لهذا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لولا أَنْ هَدَانَا الله ﴾ [ الأعراف :٤٣ ].
لما ذكر تعالى حكمه في أهل الجنة والنار، وأنه نزَّل كلا من المحل الذي يليق به ويصلح له، وهو العادل في ذلك لا يجور، أخبر عن ملائكته أنهم محدقون من حول العرش المجيد، يسبحون بحمد ربهم ويمجدونه، ويعظمونه ويقدسونه وينزهونه عن النقائص والجور، وقد فصل القضية وقضى الأمر وحكم بالعدل، ولهذا قال عزّ وجلّ : ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي بين الخلائق ﴿ بالحق ﴾، ثم قال ﴿ وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ أي نطق الكون أجمعه، ناطقه وبهيمه، لله رب العالمين بالحمد في حكمه وعدله، ولهذا لم يسند القول إلى قائل بل أطلقه، فدل على أن جميع المخلوقات شهدت له بالحمد. قال قتادة :افتتح الخلق بالحمد في قوله : ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض ﴾ [ الأنعام :١ ]، واختتم بالحمد في قوله تبارك وتعالى : ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالحق وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين ﴾.
السورة التالية
Icon