0:00
0:00

سورة الزمر مكية آياتها خمس وسبعون إلا قوله ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ الآية فمدنية

قوله تعالى : ﴿ تنزيل الكتاب ﴾ أي :هذا تنزيل الكتاب، وقيل :تنزيل الكتاب مبتدأ وخبره. ﴿ من الله العزيز الحكيم ﴾ أي :تنزيل الكتاب من الله لا من غيره.
قوله تعالى : ﴿ إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ﴾ قال مقاتل :لم ننزله باطلاً لغير شيء ﴿ فاعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ الطاعة.
قوله تعالى : ﴿ ألا لله الدين الخالص ﴾ قال قتادة :شهادة أن لا إله الله. وقيل :لا يستحق الدين الخالص إلا الله، وقيل :الدين الخالص من الشرك هو لله. ﴿ والذين اتخذوا من دونه ﴾ أي :من دون الله ﴿ أولياء ﴾ يعني :الأصنام ﴿ ما نعبدهم ﴾ أي :قالوا :ما نعبدهم ﴿ إلا ليقربونا إلى الله زلفى ﴾ وكذلك قرأ ابن مسعود، وابن عباس. قال قتادة :وذلك أنهم إذا قيل لهم :من ربكم، ومن خلق السماوات والأرض ؟ قالوا :الله، فيقال لهم :فما معنى عبادتكم الأوثان ؟ قالوا :ليقربونا إلى الله زلفى، أي :قربى، وهو اسم أقيم في مقام المصدر، كأنه قال :إلا ليقربونا إلى الله تقريباً، ويشفعوا لنا عند الله. ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ يوم القيامة. ﴿ فيما هم فيه يختلفون ﴾ من أمر الدين. ﴿ إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار ﴾ لا يرشد لدينه من كذب، فقال :إن الآلهة تشفع، وكفى باتخاذ الآلهة دونه كذباً وكفرا.
قوله تعالى : ﴿ لو أراد الله أن يتخذ ولداً لاصطفى ﴾ لاختار ﴿ مما يخلق ما يشاء ﴾ يعني :الملائكة، كما قالوا : ﴿ أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا ﴾( الأنبياء-١٧ )، ثم نزه نفسه. فقال : ﴿ سبحانه ﴾ تنزيهاً له عن ذلك، وعما لا يليق بطهارته. ﴿ هو الله الواحد القهار* ﴾
قوله تعالى : ﴿ خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ﴾ قال قتادة :يغشي هذا هذا، كما قال : ﴿ يغشي الليل النهار ﴾ ( الأعراف-٥٤ )، وقيل :يدخل أحدهما على الآخر، كما قال ﴿ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ﴾ ( الحج-٦١ ) وقال الحسن، والكلبي :ينقص من الليل، فيزيد في النهار، وينقص من النهار فيزيد في الليل، فما نقص من الليل دخل في النهار، وما نقص من النهار دخل في الليل، ومنتهى النقصان تسع ساعات، ومنتهى الزيادة خمس عشرة ساعة، وأصل التكوير اللف والجمع، ومنه كور العمامة. ﴿ وسخر الشمس والقمر كل يجري لأجل مسمىً ألا هو العزيز الغفار ﴾.
قوله تعالى : ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ يعني :آدم. ﴿ ثم جعل منها زوجها ﴾ يعني حواء. ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ﴾ معنى الإنزال هاهنا الإحداث والإنشاء. كقوله تعالى : ﴿ أنزلنا عليكم لباساً يواري ﴾ ( الأعراف-٢٦ ). وقيل :إنه أنزل الماء الذي هو سبب نبات القطن الذي يكون منه اللباس، وسبب النبات الذي تبقى به الأنعام، وقيل : ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ﴾ جعلها لكم نزلاً ورزقاً ﴿ ثمانية أزواج ﴾ أصناف مر تفسيرها في سورة الأنعام. ﴿ يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد خلق ﴾ نطفة، ثم علقة، ثم مضغة، كما قال الله تعالى : ﴿ وقد خلقكم أطواراً ﴾ ( نوح-١٤ ) ﴿ في ظلمات ثلاث ﴾ قال ابن عباس :ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة ﴿ ذلكم الله ﴾ أي :الذي خلق هذه الأشياء ﴿ ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون ﴾ عن طريق الحق بعد هذا البيان.
قوله تعالى : ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر ﴾ قال ابن عباس، والسدي :لا يرضى لعباده المؤمنين الكفر، وهم الذين قال الله تعالى : ﴿ إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ﴾ ( الحجر-٤٢ ) فيكون عاماً في اللفظ، خاصاً في المعنى، كقوله تعالى : ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله ﴾ ( الإنسان-٦ ) يريد بعض العباد، وأجراه قوم على العموم، وقالوا :لا يرضى لأحد من عباده الكفر، ومعنى الآية لا يرضى لعباده الكفر، أن يكفروا به. يروى ذلك عن قتادة، وهو قول السلف، قالوا :كفر الكافر غير مرضي لله عز وجل، وإن كان بإرادته ﴿ وإن تشكروا ﴾ تؤمنوا بربكم وتطيعوه ﴿ يرضه لكم ﴾ فيثيبكم عليه ؛ قرأ أبو عمرو : ﴿ يرضه ﴾ لكم ساكنة الهاء، ويختلسها أهل المدينة، وعاصم، و حمزة، والباقون بالإشباع.
قوله تعالى : ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون إنه عليم بذات الصدور وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيباً إليه ﴾ راجعاً إليه مستغيثاً به. ﴿ ثم إذا خوله نعمةً منه ﴾ أعطاه نعمة منه. ﴿ نسي ﴾ ترك. ﴿ ما كان يدعو إليه من قبل ﴾ أي نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه. ﴿ وجعل لله أندادا ﴾ يعني :الأوثان. ﴿ ليضل عن سبيله ﴾ ليزل عن دين الله. ﴿ قل ﴾ لهذا الكافر ﴿ تمتع بكفرك قليلاً ﴾ في الدنيا إلى أجلك. ﴿ إنك من أصحاب النار ﴾ قيل :نزلت في عتبة بن ربيعة، وقال مقاتل :نزلت في أبي حذيفة بن المغيرة المخزومي، وقيل :عام في كل كافر.
قوله تعالى : ﴿ أمن هو قانت ﴾ قرأ ابن كثير، و نافع، و حمزة : ﴿ أمن ﴾ بتخفيف الميم، وقرأ الآخرون بتشديدها، فمن شدد فله وجهان :أحدهما أن تكون الميم في " أم " صلة فيكون معنى الكلام استفهاماً، وجوابه محذوفاً مجازه :أمن هو قانت كمن هو غير قانت ؟ كقوله : ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام ﴾ ( الزمر-٢٢ ) يعني كمن لم يشرح صدره. والوجه الآخر :أنه عطف على الاستفهام، مجازه الذي جعل لله أنداداً أخير " أم من هو قانت " ومن قرأ بالتخفيف، فهو ألف استفهام دخلت على معناه من هذا كالذي جعل لله أنداداً. وقيل :الألف في " أمن " بمعنى حرف النداء تقديره يا من هو قانت والعرب تنادي بالألف، كما تنادي بالياء، فتقول :أبني فلان، ويا بني فلان، فيكون معنى الآية :قل تمتع بكفرك قليلاً إنك من أصحاب النار، " يا من هو قانت آناء الليل " إنك من أهل الجنة، قاله ابن عباس. وفي رواية عطاء :نزلت في أبي بكر الصديق، وقال الضحاك :نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما. وعن ابن عمر أنها نزلت في عثمان، وعن الكلبي :أنها نزلت في ابن مسعود، وعمار، وسلمان، والقانت المقيم على الطاعة، قال ابن عمر :القنوت قراءة القرآن، وطول القيام ﴿ وآناء الليل ﴾ ساعاته. ﴿ ساجداً وقائما ﴾ يعني في الصلاة. ﴿ يحذر الآخرة ﴾ يخاف الآخرة ﴿ ويرجو رحمة ربه ﴾ يعني :كمن لا يفعل شيئاً من ذلك ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون ﴾ قيل :" الذين يعلمون " :عمار، و " الذين لا يعلمون " :أبو حذيفة المخزومي.
قوله تعالى : ﴿ إنما يتذكر أولو الألباب قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ بطاعته واجتناب معاصيه. ﴿ للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة ﴾ أي :آمنوا وأحسنوا العمل، " حسنة " يعني الجنة، قال مقاتل. وقال السدي :" في هذه الدنيا حسنة " يعني :الصحة والعافية. ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ قال ابن عباس، يعني ارتحلوا من مكة. وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي، وقيل :نزلت في مهاجري الحبشة، وقال سعيد بن جبير :من أمر بالمعاصي ببلدة فليهرب منها إلى غيرها. ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ الذين صبروا على دينهم، فلم يتركوه للأذى. وقيل :نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه، حيث لم يتركوا دينهم لما اشتد بهم البلاء، وصبروا وهاجروا. قال علي رضي الله عنه :كل مطيع يكال له كيلاً ويوزن له وزناً إلا الصابرون، فإنه يحثى لهم حثياً، ويروى :" يؤتى بأهل البلاء فلا ينصب لهم الميزان، ولا ينشر لهم ديوان، ويصب عليهم الأجر صباً بغير حساب "، قال الله تعالى : ﴿ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ﴾ حتى يتمنى أهل العافية في الدنيا أن أجسادهم تقرض بالمقاريض مما يذهب أهل البلاء من الفضل.
قوله تعالى : ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له الدين ﴾ مخلصاً له التوحيد لا أشرك به شيئاً.
قوله تعالى : ﴿ وأمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ من هذه الأمة.
قوله تعالى : ﴿ قل إني أخاف إن عصيت ربي ﴾ وعبدت غيره ﴿ عذاب يوم عظيم ﴾ وهذا حين دعي إلى دين آبائه.
قوله تعالى : ﴿ قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ أمر توبيخ وتهديد. كقوله : ﴿ اعملوا ما شئتم ﴾ ( فصلت-٤٠ ) ﴿ قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم ﴾ أزواجهم وخدمهم ﴿ يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين ﴾ قال ابن عباس :وذلك أن الله جعل لكل إنسان منزلاً في الجنة وأهلاً، فمن عمل بطاعة الله كان ذلك المنزل والأهل له، ومن عمل بمعصية الله دخل النار، وكان ذلك المنزل والأهل لغيره ممن عمل بطاعة الله. وقيل :خسران النفس بدخول النار، وخسران الأهل بأن يفرق بينه وبين أهله، وذلك هو الخسران المبين.
قوله تعالى : ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ﴾ أطباق سرادقات من النار ودخانها. ﴿ ومن تحتهم ظلل ﴾ فراش ومهاد من نار إلى أن ينتهي إلى القعر. وسمي الأسفل ظللاً، لأنها ظلل لمن تحتهم. نظيرها قوله عز وجل : ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ ( الأعراف-٤١ ).
قوله تعالى : ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ الأوثان. ﴿ أن يعبدوها وأنابوا إلى الله ﴾ رجعوا إلى عبادة الله ﴿ لهم البشرى ﴾، في الدنيا والجنة، في العقبى بالمغفرة. ﴿ فبشر عباد ﴾.
قوله تعالى : ﴿ الذين يستمعون القول ﴾ القرآن. ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ قال السدي :أحسن ما يؤمرون فيعملون به. وقيل :هو أن الله ذكر في القرآن الانتصار من الظالم، وذكر العفو، والعفو أحسن الأمرين. وقيل :ذكر العزائم والرخص فيتبعون الأحسن وهو العزائم، وقيل :يستمعون القرآن وغير القرآن، فيتبعون القرآن، وقال عطاء، عن ابن عباس :آمن أبو بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم فجاءه عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، فسألوه فأخبرهم بإيمانه، فآمنوا فنزلت فيهم : ﴿ فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ﴾ وكله حسن. ﴿ أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب ﴾. وقال ابن زيد :نزلت ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ الآيتان في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية، يقولون لا إله إلا الله، زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، والأحسن قوله لا إله إلا الله.
قوله تعالى : ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ قال ابن عباس رضي الله عنهما :من سبق في علم الله أنه من أهل النار. وقيل :كلمة العذاب قوله : ﴿ لأملأن جهنم ﴾، وقيل :كلمة العذاب قوله : ﴿ هؤلاء في النار ولا أبالي ﴾. ﴿ أفأنت تنقذ من في النار ﴾ أي :لا تقدر عليه، قال ابن عباس :يريد أبا لهب وولده.
قوله تعالى : ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية ﴾ أي :منازل في الجنة رفيعة، وفوقها منازل أرفع منها. ﴿ تجري من تحتها الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد ﴾ أي :وعدهم الله تلك الغرف والمنازل، وعداً لا يخلفه.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أخبرنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أخبرنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثني عبد العزيز بن عبد الله، حدثني مالك عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن أهل الجنة يتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق من المشرق والمغرب لتفاضل ما بينهم. قالوا :يا رسول الله تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم. قال :بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ".
قوله تعالى : ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السماء ماءً فسلكه ﴾ أدخل ذلك الماء ﴿ ينابيع ﴾، عيوناً وركايا. ﴿ في الأرض ﴾ قال الشعبي :كل ماء في الأرض فمن السماء نزل. ﴿ ثم يخرج به ﴾ بالماء. ﴿ زرعاً مختلفاً ألوانه ﴾ أحمر وأصفر وأخضر. ﴿ ثم يهيج ﴾ ييبس ﴿ فتراه ﴾ بعد خضرته ونضرته ﴿ مصفراً ثم يجعله حطاماً ﴾ فتاتاً متكسراً. ﴿ إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ﴾.
قوله تعالى : ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام ﴾ وسعه لقبول الحق. ﴿ فهو على نور من ربه ﴾ كمن أقسى الله قلبه.
أخبرنا أبو سعيد أحمد بن إبراهيم الشريحي، أخبرنا أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أنبأنا ابن فنجويه حدثنا عبد الله بن محمد بن شيبة، حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسن بن يزيد الموصلي ببغداد، أنبأنا أبو فروة، واسمه يزيد بن محمد، حدثني أبي، عن أبيه، حدثنا زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث، عن عبد الله بن مسعود قال :" تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ قلنا :يا رسول الله كيف انشراح صدره ؟ قال :إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح، قلنا :يا رسول الله وما علامة ذلك ؟ قال :الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت قبل نزول الموت ". قوله عز وجل : ﴿ فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين ﴾ قال مالك ين دينار :ما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة قلب، وما غضب الله عز وجل على قوم إلا نزع منهم الرحمة.
قوله عز وجل ﴿ الله نزل أحسن الحديث كتاباً متشابهاً ﴾ يشبه بعضه بعضاً في الحسن، ويصدق بعضه بعضاً ليس فيه تناقض ولا اختلاف ﴿ مثاني ﴾ يثنى فيه ذكر الوعد والوعيد، والأمر والنهي، والأخبار والأحكام. ﴿ تقشعر ﴾ تضطرب وتشمئز ﴿ منه جلود الذين يخشون ربهم ﴾ والاقشعرار تغير في جلد الإنسان عند الوجل والخوف وقيل :المراد من الجلود القلوب، أي :قلوب الذين يخشون ربهم ﴿ ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ﴾ أي :لذكر الله، أي :إذا ذكرت آيات العذاب اقشعرت جلود الخائفين لله، وإذا ذكرت آيات الرحمة لانت وسكنت قلوبهم، كما قال الله تعالى : ﴿ ألا بذكر الله تطمئن القلوب ﴾ ( الرعد-٢٨ ). وحقيقة المعنى :أن قلوبهم تقشعر عند الخوف، وتلين عند الرجاء.
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد، حدثنا موسى بن محمد بن علي، حدثنا محمد بن عبدوس بن كامل، حدثنا يحيى ابن عبد الحميد الحمامي، حدثنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن الهادي، عن محمد ابن إبراهيم التيمي، عن أم كلثوم بنت عمر، عن العباس بن عبد المطلب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تحاتت عنه ذنوبه، كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها ".
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي، أخبرني الحسين بن محمد، حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا موسى بن إسحاق الأنصاري، حدثنا محمد بن معاوية، حدثنا الليث بن سعد، حدثنا يزيد بن عبد الله بن الهاد بهذا الإسناد، وقال :" إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله حرمه الله على النار ". قال قتادة :هذا نعت أولياء الله نعتهم بأن تقشعر جلودهم وتطمئن قلوبهم بذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم والغشيان عليهم. إنما ذلك في أهل البدع وهو من الشيطان. أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي، أنبأنا الحسين بن محمد بن فنجويه، حدثنا شيبة، حدثنا حمدان بن داود، حدثنا سلمة بن شيبة، حدثنا خلف بن سلمة، حدثنا هشيم، عن حصين، عن عبد الله بن عروة بن الزبير، قال :قلت لجدتي أسماء بنت أبي بكر :كيف كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعلون إذا قرئ عليهم القرآن ؟ قالت :كانوا كما نعتهم الله عز وجل. تدمع أعينهم، وتقشعر جلودهم. قال :فقلت لها :إن ناساً اليوم إذا قرئ عليهم القرآن خر أحدهم مغشياً عليه، فقالت :أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وبه عن سلمة، حدثنا يحيى، بن يحيى، حدثنا سعيد بن عبد الرحمن الجمحي، أن ابن عمر مر برجل من أهل العراق ساقطا، ً فقال :ما بال هذا ؟ قالوا :إنه إذا قرئ عليه القرآن أو سمع ذكر الله سقط، قال ابن عمر :إنا لنخشى الله وما نسقط. وقال ابن عمر :إن الشيطان يدخل في جوف أحدهم، ما كان هذا صنيع أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، وذكر عند ابن سيرين الذين يصرعون إذا قرئ عليهم القرآن، فقال :بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت باسطاً رجليه، ثم يقرأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه فهو صادق. ﴿ ذلك ﴾ يعني :أحسن الحديث.
قوله تعالى : ﴿ هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد* أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ أي :شدته ﴿ يوم القيامة ﴾ قال مجاهد :يجر وجهه في النار. وقال عطاء :يرمى به في النار منكوسا، ً فأول شيء منه تمسه النار وجهه، قال مقاتل :هو أن الكافر يرمى به في النار مغلولة يداه إلى عنقه، وفي عنقه صخرة، مثل جبل عظيم من الكبريت، فتشتعل النار، وهو معلق في عنقه، فحرها ووهجها على وجهه لا يطيق دفعها عن وجهه للأغلال التي في عنقه ويده. ومجاز الآية أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب كمن هو آمن من العذاب. ﴿ وقيل ﴾ يعني :تقول الخزنة ﴿ للظالمين ذوقوا ما كنتم تكسبون ﴾ أي :وباله.
قوله تعالى : ﴿ كذب الذين من قبلهم ﴾ من قبل كفار مكة كذبوا الرسل. ﴿ فأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ﴾ يعني :وهم آمنون غافلون من العذاب.
قوله تعالى : ﴿ فأذاقهم الله الخزي ﴾ العذاب والهوان. ﴿ في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون* ﴾
قوله تعالى : ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون ﴾ يتعظون.
قوله تعالى : ﴿ قرآناً عربياً ﴾ نصب على الحال. ﴿ غير ذي عوج ﴾ قال ابن عباس :غير مختلف. قال مجاهد :غير ذي لبس، قال السدي :غير مخلوق، ويروى ذلك عن مالك بن أنس، وحكي عن سفيان بن عيينة، عن سبعين من التابعين، أن القرآن ليس بخالق ولا مخلوق. ﴿ لعلهم يتقون ﴾ الكفر والتكذيب به.
قوله تعالى : ﴿ ضرب الله مثلاً رجلاً ﴾ لأنه تفسير للمثل ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ متنازعون مختلفون سيئة أخلاقهم يقال :رجل، شكس شرس إذا كان سيء الخلق مخالفاً للناس لا يرضى بالإنصاف ﴿ ورجلاً سلماً لرجل ﴾ قرأ أهل مكة، والبصرة : ﴿ سالماً ﴾ بالألف خالصاً له، لا شريك ولا منازع له فيه. وقرأ الآخرون : ﴿ سلماً ﴾ بفتح اللام من غير ألف، وهو الذي لا ينازع فيه من قولهم هو لك سلم، أي :لا منازع لك فيه. ﴿ هل يستويان مثلاً ﴾ هذا مثل ضربه الله عز وجل للكافر الذي يعبد آلهة شتى، والمؤمن الذي لا يعبد إلا الله الواحد، وهذا استفهام إنكار، أي :لا يستويان. ثم قال : ﴿ الحمد لله ﴾ أي :لله الحمد كله دون غيره من المعبودين. ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ ما يصيرون إليه، والمراد بالأكثر الكل.
قوله تعالى : ﴿ إنك ميت ﴾ أي :ستموت. ﴿ وإنهم ميتون ﴾ أي :سيموتون. قال الفراء، والكسائي :الميت بالتشديد من لم يمت، وسيموت. الميت بالتخفيف من فارق الروح، ولذلك لم يخفف هاهنا.
قوله تعالى : ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ قال ابن عباس :يعني المحق، والمبطل، والظالم، والمظلوم.
أخبرنا أبو سعيد الشريحي، أنبأنا أبو إسحاق الثعلبي، أنبأنا ابن فنجويه، حدثنا ابن مالك، حدثنا ابن حنبل، حدثنا ابن نمير، حدثنا محمد يعني ابن عمرو عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير بن العوام، قال :" لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ قال الزبير :يا رسول الله أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب ؟ قال :نعم، ليكررن عليكم حتى يؤدى إلى كل ذي حق حقه " قال الزبير :والله إن الأمر لشديد، وقال ابن عمر :عشنا برهة من الدهر، وكنا نرى أن هذه الآية أنزلت فينا، وفي أهل الكتابين ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ قلنا :كيف نختصم وديننا وكتابنا واحد ؟ حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف، فعرفت أنها نزلت فينا، وعن أبي سعيد الخدري في هذه الآية قال :كنا نقول ربنا واحد، وديننا واحد، فما هذه الخصومة ؟ فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف، قلنا :نعم، هو هذا. وعن إبراهيم قال :لما نزلت ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ قالوا :كيف نختصم ونحن إخوان ؟ فلما قتل عثمان، قال هذه خصومتنا.
أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي، أنبأنا أبو محمد عبد الرحمن بن أبي شريح، حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا ابن أبي ذئب. عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من كانت لأخيه عنده ظلمة من عرض أو مال فليتحلله اليوم قبل أن يؤخذ منه يوم لا دينار ولا درهم، فإن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له أخذ من سيئاته فحملت عليه ".
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن الفضل الخرقي، أنبأنا أبو الحسن الطبري، أنبأنا عبد الله بن عمر الجوهري، حدثنا أحمد بن علي الكشمهيني، حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أتدرون من المفلس ؟ قالوا :المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. قال :المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام وزكاة، وكان قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيقضى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، قال :فإن فنيت حسناته قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار ".
قوله تعالى : ﴿ فمن أظلم ممن كذب على الله ﴾ فزعم أن له ولداً وشريكا. ﴿ وكذب بالصدق ﴾ بالقرآن ﴿ إذ جاءه أليس في جهنم مثوىً ﴾ منزل ومقام ﴿ للكافرين ﴾ استفهام بمعنى التقرير.
قوله تعالى : ﴿ والذي جاء بالصدق وصدق به ﴾ قال ابن عباس : ﴿ والذي جاء بالصدق ﴾ يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلا إله إلا الله، ﴿ وصدق به ﴾ الرسول أيضاً بلغه إلى الخلق، وقال السدي : ﴿ والذي جاء بالصدق ﴾ جبريل جاء بالقرآن، ﴿ وصدق به ﴾ محمد صلى الله عليه وسلم تلقاه بالقبول، وقال الكلبي، وأبو العالية : ﴿ والذي جاء بالصدق ﴾ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿ وصدق به ﴾ أبو بكر رضي الله عنه. وقال قتادة، ومقاتل : ﴿ والذي جاء بالصدق ﴾ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿ وصدق به ﴾ هم المؤمنون. لقوله عز وجل : ﴿ أولئك هم المتقون ﴾ وقال عطاء : ﴿ والذي جاء بالصدق ﴾ الأنبياء، ﴿ وصدق به ﴾ الأتباع، وحينئذ يكون " الذي " بمعنى :" الذين " كقوله تعالى : ﴿ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا ﴾ ( البقرة-١٧ )، ثم قال : ﴿ ذهب الله بنورهم ﴾ ( البقرة-١٧ ) وقال الحسن :هم المؤمنون صدقوا به في الدنيا، وجاؤوا به في الآخرة. وفي قراءة عبد الله بن مسعود :والذين جاؤوا بالصدق، وصدقوا به.
قوله تعالى : ﴿ أولئك هم المتقون لهم ما يشاؤون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ليكفر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ﴾ يسترها عليهم بالمغفرة ﴿ ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون ﴾ قال مقاتل :يجزيهم بالمحاسن من أعمالهم، ولا يجزيهم بالمساوئ.
قوله تعالى : ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ يعني :محمداً صلى الله عليه وسلم. وقرأ أبو جعفر، و حمزة، والكسائي :" عباده " بالجمع يعني :الأنبياء عليهم السلام قصدهم قومهم بالسوء، كما قال : ﴿ وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ﴾ ( غافر-٥ ) فكفاهم الله شر من عاداهم، ﴿ ويخوفونك بالذين من دونه ﴾ وذلك أنهم خوفوا النبي صلى الله عليه وسلم معرة معاداة الأوثان، وقالوا :لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منهم خبل أو جنون.
قوله تعالى : ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ومن يهد الله فما له من مضل أليس الله بعزيز ذي انتقام ﴾ منيع في ملكه منتقم من أعدائه.
قوله تعالى : ﴿ ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر ﴾ بشدة وبلاء. ﴿ هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة ﴾ بنعمة وبركة. ﴿ هل هن ممسكات رحمته ﴾ قرأ أهل البصرة : ﴿ كاشفات ﴾ و ﴿ ممسكات ﴾ بالتنوين، ﴿ ضره ﴾ ﴿ ورحمته ﴾ بنصب الراء والتاء. وقرأ الآخرون بلا تنوين، وجر الراء والتاء على الإضافة. قال مقاتل :فسألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فسكتوا، فقال الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم : ﴿ قل حسبي الله ﴾ ثقتي به واعتمادي عليه. ﴿ عليه يتوكل المتوكلون ﴾ يثق به الواثقون.
قوله تعالى : ﴿ قل يا قوم اعملوا على مكانتكم إني عامل فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم ﴾ أي :ينزل عليه عذاب دائم.
قوله تعالى : ﴿ إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ﴾ وبال ضلالته عليه ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ بحفيظ ورقيب لم توكل بهم، ولا تؤاخذ بهم.
قوله عز وجل ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ أي :الأرواح ﴿ حين موتها ﴾ فيقبضها عند فناء أكلها، وانقضاء آجالها. وقوله ﴿ حين موتها ﴾ يريد موت أجسادها. ﴿ والتي لم تمت ﴾ يريد يتوفى الأنفس التي لم تمت. ﴿ في منامها ﴾ والتي تتوفى عند النوم، هي النفس التي يكون بها العقل والتمييز، ولكل إنسان نفسان :إحداهما نفس الحياة، وهي التي تفارقه عند الموت، فتزول بزوالها النفس، والأخرى نفس التمييز، وهي التي تفارقه إذا نام وهو بعد النوم يتنفس. ﴿ فيمسك التي قضى عليها الموت ﴾ فلا يردها إلى الجسد. قرأ حمزة، والكسائي :" قضي " بضم القاف وكسر الضاد وفتح الياء " الموت " رفع على ما لم يسم فاعله، وقرأ الآخرون :بفتح القاف والضاد الموت نصب لقوله عز وجل : ﴿ الله يتوفى الأنفس ﴾ ﴿ ويرسل الأخرى ﴾ ويرد الأخرى وهي التي لم يقض عليها الموت إلى الجسد ﴿ إلى أجل مسمى ﴾ إلى أن يأتي وقت موته، ويقال :للإنسان نفس وروح، فعند النوم تخرج النفس، ويبقي الروح. وعن علي قال :تخرج الروح عند النوم، ويبقى شعاعه في الجسد، فبذلك يرى الرؤيا فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة. ويقال :إن أرواح الأحياء والأموات تلتقي في المنام، فتتعارف ما شاء الله، فإذا أرادت الرجوع إلى أجسادها إلى أجسادها أمسك الله روح الأموات عنده، وأرسل أرواح الأحياء حتى ترجع إلى أجسادها إلى انقضاء مدة حياتها.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهيد، حدثنا عبد الله بن عمر، حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ إذا أوى أحدكم إلى فراشه، فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ما خلفه عليه، ثم يقول :باسمك ربي وضعت جنبي، وبك أرفعه، إن أمسكت نفسي فارحمها، وإن أرسلتها فاحفظها، بما تحفظ به عبادك الصالحين ". { إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون ﴾ لدلالات على قدرته حيث لم يغلط في إمساك ما يمسك من الأرواح، وإرسال ما يرسل منها. قال مقاتل :لعلامات لقوم يتفكرون في أمر البعث، يعني :إن توفي نفس النائم، وإرسالها بعد التوفي دليل على البعث.
قوله تعالى : ﴿ أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل ﴾ يا محمد ﴿ أو لو كانوا ﴾ وإن كانوا يعني الآلهة ﴿ لا يملكون شيئا ﴾ من الشفاعة ﴿ ولا يعقلون ﴾ أنكم تعبدونهم وجواب هذا محذوف تقديره :وإن كانوا بهذه الصفة تتخذونهم.
قوله تعالى : ﴿ قل لله الشفاعة جميعاً ﴾ قال مجاهد :لا يشفع أحد إلا بإذنه. ﴿ له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون ﴾
قوله تعالى : ﴿ وإذا ذكر الله وحده اشمأزت ﴾ نفرت، وقال ابن عباس، ومجاهد، ومقاتل :انقبضت عن التوحيد. وقال قتادة :استكبرت. وأصل الاشمئزاز النفور، والاستكبار. ﴿ قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه ﴾ يعني :الأصنام ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ يفرحون. قال مجاهد، ومقاتل :وذلك حين قرأ النبي صلى الله عليه وسلم سورة والنجم فألقى الشيطان في أمنيته تلك الغرانيق العلى ففرح به الكفار.
قوله تعالى : ﴿ قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون ﴾ أخبرنا الإمام أبو علي الحسين بن محمد القاضي، أنبأنا أبو نعيم الإسفرايني، أنبأنا أبو عوانة، حدثنا السلمي، حدثنا النضر بن محمد، حدثنا عكرمة بن عمار، أنبأنا يحيى بن أبي كثير، حدثنا أبو سلمة، قال :سألت عائشة رضي الله عنها بم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة من الليل ؟ قالت :كان يقول :" اللهم رب جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ".
قوله عز وجل ﴿ ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون ﴾. قال مقاتل :ظهر لهم حين بعثوا ما لم يحتسبوا في الدنيا أنه نازل بهم في الآخرة. قال السدي :ظنوا أنها حسنات فبدت لهم سيئات، والمعنى :أنهم كانوا يتقربون إلى الله بعبادة الأصنام، فلما عوقبوا عليها بدا لهم من الله ما لم يحتسبوا. وروي أن محمد بن المنكدر جزع عند الموت، فقيل له في ذلك :فقال :أخشى أن يبدو لي ما لم أحتسب.
قوله تعالى : ﴿ وبدا لهم سيئات ما كسبوا ﴾ أي :مساوئ أعمالهم من الشرك والظلم بأولياء الله.
قوله تعالى : ﴿ وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون فإذا مس الإنسان ضر ﴾ شدة ﴿ دعانا ثم إذا خولناه ﴾ أعطيناه ﴿ نعمةً منا قال إنما أوتيته على علم ﴾ أي :على علم من الله أني له أهل. وقال مقاتل على خير علمه الله عندي، وذكر الكناية لأن المراد من النعمة الإنعام، ﴿ بل هي ﴾ يعني تلك النعمة ﴿ فتنة ﴾ استدراج من الله، وامتحان وبلية. وقيل :بل كلمته التي قالها فتنة. ﴿ ولكن أكثرهم لا يعلمون ﴾ أنه استدراج وامتحان.
قوله تعالى : ﴿ قد قالها الذين من قبلهم ﴾ قال مقاتل :يعني قارون، فإنه قال : ﴿ إنما أوتيته على علم عندي ﴾ ( القصص-٧٨ ) ﴿ فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ﴾ فما أغني عنهم الكفر من العذاب شيئاً.
قوله تعالى : ﴿ فأصابهم سيئات ما كسبوا ﴾ أي :جزاؤها يعني العذاب، ثم أوعد كفار مكة فقال : ﴿ والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين ﴾ بفائتين لأن مرجعهم إلى الله عز وجل.
قوله تعالى : ﴿ أو لم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ﴾ أي :يوسع الرزق لمن يشاء ﴿ ويقدر ﴾ أي :يقتر على من يشاء ﴿ إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون ﴾.
قوله عز وجل ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ روى سعيد بن جبير، عن ابن عباس، أن ناسا من أهل الشرك، كانوا قتلوا، وأكثروا، وزنوا، وأكثروا، فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا :إن الذي تدعونا إليه لحسن لو تخبرنا أن لما عملناه كفارة، فنزلت هذه الآية. وقال عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس رضي الله عنهما :بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وحشي يدعوه إلى الإسلام، فأرسل إليه كيف تدعوني إلى دينك، وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زنى يلق آثاماً، يضاعف له العذاب، وأنا قد فعلت ذلك كله ؟ فأنزل ﴿ إلا من تاب وآمن وعمل صالحاً ﴾ ( مريم-٦٠ ) فقال وحشي :هذا شرط شديد لعلي لا أقدر عليه، فهل غيره ؟ فأنزل الله تعالى : ﴿ إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ﴾ ( النساء-٤٨ ) فقال وحشي :أراني بعد في شبهة فلا أدري يغفر لي أم لا ؟ فأنزل الله تعالى : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾ فقال وحشي :نعم، هذا فجاء وأسلم، فقال المسلمون :هذا له خاصة أم للمسلمين عامة ؟ فقال :بل للمسلمين عامة. وروي عن ابن عمر قال :نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة، والوليد بن الوليد، ونفر من المسلمين، كانوا قد أسلموا، ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول :لا يقبل الله من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً. قوم أسلموا، ثم تركوا دينهم لعذاب عذبوا فيه، فأنزل الله تعالى هذه الآيات، فكتبها عمر بن الخطاب بيده، ثم بعث بها إلى عياش بن ربيعة، والوليد بن الوليد، وإلى أولئك النفر، فأسلموا وهاجروا. وروى مقاتل بن حيان، عن نافع عن ابن عمر، قال :كنا معاشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نرى أو نقول ليس بشيء من حسناتنا إلا وهي مقبولة حتى نزلت ﴿ أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم ﴾ ( محمد-٣٣ ) فلما نزلت هذه الآية قلنا :ما هذا الذي يبطل أعمالنا ؟ فقلنا :الكبائر والفواحش، قال :فكنا إذا رأينا من أصاب شيئاً منها، قلنا :قد هلك، فنزلت هذه الآية، فكففنا عن القول في ذلك، فكنا إذا رأينا أحداً أصاب منها شيئاً خفنا عليه، وإن لم يصب منها شيئاً رجونا وأراد بالإسراف ارتكاب الكبائر. وروي عن ابن مسعود :أنه دخل المسجد فإذا قاص يقص، وهو يذكر النار، والأغلال، فقام على رأسه فقال :يا مذكر لم تقنط الناس ؟ ثم قرأ : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ﴾.
أخبرنا أبو بكر بن أبي الهيثم الترابي، أنبأنا أبو محمد عبد بن أحمد الحموي، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن خزيم الشاشي، حدثنا عبد الله بن حميد، حدثنا حيان بن هلال، وسليمان بن حرب، وحجاج بن منهال، قالوا :حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن شهر بن حوشب، عن أسماء بنت يزيد، قالت :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ﴾ ولا يبالي ".
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد بن بشار، حدثنا ابن عدي، عن شعبة، عن قتادة، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنساناً، ثم خرج يسأل فأتى راهباً فسأله، هل لي من توبة ؟ فقال :لا، فقتله فكمل به المائة، فقال له رجل :ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فنأى بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، فأوحى الله تعالى إلى هذه أن تقربي، وأوحى إلى هذه أن تباعدي، وقال :قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر فغفر له ". ورواه مسلم بن الحجاج، عن محمد بن المثنى العنبري، عن معاذ بن هشام، عن أبيه، عن قتادة بهذا الإسناد، وقال :" فدل على راهب فأتاه فقال :إنه قتل تسعة وتسعين نفساً، فهل له من توبة ؟ فقال :لا، فقتله، وكمل به مائة، ثم سئل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال :إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة ؟ فقال :نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة ؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن به أناساً يعبدون الله، فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء، فانطلق حتى إذا كان نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأتاهم ملك في صورة آدمي، فجعلوه بينهم حكما، فقال :قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له، فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة ".
أخبرنا أبو الحسن السرخسي، أنبأنا زاهر بن أحمد، أنبأنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الصمد الهاشمي، أنبأنا أبو مصعب، عن مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" قال رجل - لم يعمل خيراً قط - لأهله إذا مات فحرقوه، ثم اذروا نصفه في البر، ونصفه في البحر، فوالله لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين. قال :فلما مات فعلوا ما أمرهم، فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البر فجمع ما فيه، ثم قال له :لم فعلت هذا ؟ قال :من خشيتك يا رب، وأنت أعلم، فغفر له ".
أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة، أنبأنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، أنبأنا أبو الحسين محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن المبارك، عن عكرمة، بن عمار، حدثنا ضمضم بن حوشب، قال :دخلت المدينة فناداني شيخ، فقال :يا يماني تعال وما أعرفه، فقال :لا تقولن لرجل والله لا يغفر الله لك أبداً ولا يدخلك الله الجنة، قلت :ومن أنت يرحمك الله ؟ قال :أبو هريرة قال :فقلت :إن هذه الكلمة يقولها أحدنا لبعض أهله، إذا غضب، أو لزوجته، أو لخادمه، قال :فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابين أحدهما مجتهد في العبادة، والآخر كان مذنبا، فجعل يقول له :أقصر عما أنت فيه، قال :فيقول :خلني وربي، قال :حتى وجده يوماً على ذنب استعظمه، فقال :أقصر فقال :خلني وربي، أبعثت علي رقيباً ؟ فقال :والله لا يغفر الله لك أبداً، ولا يدخلك الجنة أبداً، قال :فبعث الله إليهما ملكاً يقبض أرواحهما فاجتمعا عنده، فقال للمذنب :ادخل الجنة برحمتي، وقال للآخر :أتستطيع أن تحظر على عبدي رحمتي ؟ فقال :لا يا رب، فقال اذهبوا به إلى النار ". قال أبو هريرة :والذي نفسي بيده لقد تكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته. قوله عز وجل : ﴿ إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ﴾ أخبرنا عبد الرحمن بن أبي بكر القفال، أنبأنا أبو مسعود محمد بن أحمد بن يونس الخطيب، حدثنا محمد بن يعقوب الأصم، حدثنا أبو قلابة، حدثنا أبو عاصم، حدثنا زكريا بن إسحاق، عن عمرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس في قوله تعالى : ﴿ إلا اللمم ﴾ ( النجم-٣٢ ) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن تغفر اللهم تغفر جما* وأي عبد لك لا ألما ".
قوله تعالى : ﴿ وأنيبوا إلى ربكم ﴾، أقبلوا وارجعوا إليه بالطاعة ﴿ وأسلموا له ﴾ وأخلصوا له التوحيد.
قوله تعالى : ﴿ من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم ﴾ يعني :القرآن، والقرآن كله حسن، ومعنى الآية :ما قاله الحسن :التزموا طاعته واجتنبوا معصيته، فإن القرآن ذكر القبيح لتجتنبه، وذكر الأدون لئلا ترغب فيه، وذكر الأحسن لتؤثره. قال السدي :" الأحسن " ما أمر الله به في الكتاب.
قوله تعالى : ﴿ من قبل أن يأتيكم العذاب بغتةً وأنتم لا تشعرون أن تقول نفس ﴾ يعني :لئلا تقول نفس كقوله : ﴿ وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ﴾ ( النحل-١٥ ) يعني :لئلا تميد بكم. قال المبرد :أي :بادروا واحذروا أن تقول نفس، وقال الزجاج :خوف أن تصيروا إلى حال تقولون هذا القول. ﴿ يا حسرتي ﴾ يا ندامتا، والتحسر الاغتمام على ما فات، وأراد يا حسرتي على الإضافة. لكن العرب تحول ياء الكناية ألفاً في الاستغاثة، فتقول :يا ويلتي ويا ندامتا، وربما ألحقوا بها الياء بعد الألف ليدل على الإضافة، وكذلك قرأ أبو جعفر " يا حسرتاي " وقيل :معنى قوله : ﴿ يا حسرتا ﴾ يا أيتها الحسرة هذا وقتك ﴿ على ما فرطت في جنب الله ﴾، قال الحسن :قصرت في طاعة الله. وقال مجاهد :في أمر الله، وقال سعيد بن جبير :في حق الله، وقيل :ضيعت في ذات الله :وقيل :معناه قصرت في الجانب الذي يؤدي إلى رضاء الله، والعرب تسمي الجنب جانباً. ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ المستهزئين بدين الله، وكتابه، ورسوله، والمؤمنين. قال قتادة :لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى جعل يسخر بأهل طاعته.
قوله تعالى : ﴿ أو تقول لو أن الله هداني لكنت من المتقين أو تقول حين ترى العذاب ﴾ عياناً ﴿ لو أن لي كرةً ﴾ رجعة إلى الدنيا ﴿ فأكون من المحسنين ﴾ الموحدين.
يقال :لهذا القائل ﴿ بلى قد جاءتك آياتي ﴾ يعني :القرآن ﴿ فكذبت بها ﴾ وقلت :إنها ليست من الله. ﴿ واستكبرت ﴾ تكبرت عن الإيمان بها. ﴿ وكنت من الكافرين* ﴾
قوله تعالى : ﴿ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ﴾ فزعموا أن له ولداً وشريكا. ﴿ وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين ﴾ عن الإيمان.
قوله تعالى : ﴿ وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم ﴾ قرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر :( بمفازاتهم ) بالألف على الجمع، أي بالطرق التي تؤديهم إلى الفوز والنجاة. وقرأ الآخرون ( بمفازتهم ) على الواحد، لأن المفازة بمعنى :الفوز أي :ينجيهم بفوزهم من النار بأعمالهم الحسنة. قال المبرد :المفازة مفعلة من الفوز، والجمع مفازات كالسعادة والسعادات. ﴿ لا يمسهم السوء ﴾ لا يصيبهم المكروه.
قوله تعالى : ﴿ ولا هم يحزنون الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل ﴾ أي :الأشياء كلها موكولة إليه فهو القائم بحفظها.
قوله تعالى : ﴿ له مقاليد السماوات والأرض ﴾ يعني :مفاتيح خزائن السماوات والأرض، واحدها مقلاد، مثل مفتاح، ومقليد مثل منديل ومناديل، وقال قتادة ومقاتل :مفاتيح السماوات والأرض بالرزق، والرحمة، وقال الكلبي :خزائن المطر، وخزائن النبات ﴿ والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون ﴾.
قوله عز وجل﴿ قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ﴾ قال مقاتل :وذلك أن كفار قريش دعوه إلى دين آبائه. قرأ أهل الشام ( تأمرونني ) بنونين خفيفتين على الأصل، وقرأ أهل المدينة بنون واحدة خفيفة على الحذف، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة على الإدغام.
قوله تعالى : ﴿ ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ﴾ يعني :الذي عملته قبل الشرك، وهذا خطاب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد منه غيره. وقيل :هذا أدب من الله عز وجل لنبيه وتهديد لغيره، لأن الله تعالى عصمه من الشرك. ﴿ ولتكونن من الخاسرين* ﴾
قوله تعالى : ﴿ بل الله فاعبد وكن من الشاكرين ﴾ لإنعامه عليك.
قوله عز وجل﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ ما عظموه حق عظمته حين أشركوا به غيره، ثم أخبر من عظمته فقال : ﴿ والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون ﴾ أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا آدم، حدثنا شيبان، عن منصور، عن إبراهيم، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال :" جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" يا محمد إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول :أنا الملك، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجده تصديقاً لقول الحبر " ثم قرأ : ﴿ وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة ﴾ ورواه مسلم بن الحجاج، عن عبد الله بن يونس، عن فضيل بن عياض، عن منصور، وقال :" والجبال والشجر على إصبع، وقال :ثم يهزهن هزاً، فيقول " أنا الملك أنا الله ". أخبرنا أحمد بن إبراهيم الشريحي، أنبأنا أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، أخبرني الحسين بن فنجويه، حدثنا عمر بن الخطاب، حدثنا عبد الله بن الفضل، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو أسامة، عن عمر بن حمزة، عن سالم بن عبد الله، أنبأنا عبد الله بن عمر، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى، ثم يقول :أنا الملك :أين الجبارون أين المتكبرون ؟ ثم يطوي الأرضين، ثم يأخذهن بشماله، ثم يقول :أنا الملك :أين الجبارون أين المتكبرون ؟ " هذا حديث صحيح، أخرجه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن أبي توبة الكشمهيني، حدثنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن الحارث، حدثنا محمد بن يعقوب الكسائي، أنبأنا عبد الله بن محمود، أنبأنا إبراهيم بن عبد الله الخلال، حدثنا عبد الله بن مبارك، عن يونس، عن الزهري، حدثني سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول :أنا الملك :أين ملوك الأرض ".
قوله تعالى : ﴿ ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض ﴾ أي :ماتوا من الفزع وهي النفخة الأولى ﴿ إلا من شاء الله ﴾ اختلفوا في الذين استثناهم عز وجل، وقد ذكرناهم في سورة النمل. قال الحسن :إلا من شاء الله يعني الله وحده : ﴿ ثم نفخ فيه ﴾ أي :في الصور ﴿ أخرى ﴾ أي :مرة أخرى ﴿ فإذا هم قيام ينظرون ﴾ من قبورهم ينتظرون أمر الله فيهم.
أخبرنا عبد الواحد المليحي، أنبأنا أحمد بن عبد الله النعيمي، أنبأنا محمد بن يوسف، حدثنا محمد بن إسماعيل، حدثنا محمد ابن معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما بين النفختين أربعون قالوا :أربعون يوماً ؟ قال :أبيت، قالوا :أربعون شهراً ؟ قال :أبيت، قالوا :أربعون سنة ؟ قال :أبيت، قال :ثم ينزل الله من السماء ماء، فينبتون كما ينبت البقل ليس من الإنسان شيء إلا يبلى إلا عظم واحد، وهو عجب الذنب ومنه يتركب الخلق يوم القيامة ".
قوله عز وجل ﴿ وأشرقت الأرض ﴾ أضاءت ﴿ بنور ربها ﴾ بنور خالقها وذلك حين يتجلى الرب لفصل القضاء بين خلقه فما يتضارون في نوره كما لا يتضارون في الشمس في اليوم الصحو. وقال الحسن، والسدي :بعدل ربها، وأراد بالأرض عرصات القيامة ﴿ ووضع الكتاب ﴾ أي :كتاب الأعمال. ﴿ وجيء بالنبيين والشهداء ﴾ قال ابن عباس :يعني :الذين يشهدون للرسل بتبليغ الرسالة، وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال عطاء :يعني الحفظة. يدل عليه قوله تعالى : ﴿ وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد ﴾ ( ق-٢١ ) ﴿ وقضي بينهم بالحق ﴾ أي :بالعدل، ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي :لا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم.
قوله تعالى : ﴿ ووفيت كل نفس ما عملت ﴾ أي :ثواب ما عملت. ﴿ وهو أعلم بما يفعلون ﴾ قال عطاء :يريد أني عالم بأفعالهم لا أحتاج إلى كاتب، ولا إلى شاهد.
قوله تعالى : ﴿ وسيق الذين كفروا إلى جهنم ﴾ سوقاً عنيفاً ﴿ زمراً ﴾ أفواجاً بعضها على إثر بعض كل أمة على حدة. قال أبو عبيدة والأخفش :" زمراً " أي :جماعات في تفرقة، واحدتها زمرة. ﴿ حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها ﴾ السبعة، وكانت مغلقة قبل ذلك. قرأ أهل الكوفة " فتحت " وفتحت بالتخفيف. وقرأ الآخرون بالتشديد على التكثير. ﴿ وقال لهم خزنتها ﴾ توبيخا، ً وتقريعاً لهم. ﴿ ألم يأتكم رسل منكم ﴾ من أنفسكم، ﴿ يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت ﴾ وجبت ﴿ كلمة العذاب على الكافرين ﴾ وهو قوله ﴿ لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين ﴾ ( الأنبياء-٤٨ ).
قوله تعالى : ﴿ وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها ﴾ قال الكوفيون :هذه الواو زائدة حتى تكون جواباً لقوله : ﴿ حتى إذا جاؤوها ﴾ كما في سوق الكفار، وهذا كما قال الله تعالى : ﴿ ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء ﴾ ( الأنبياء-١٠٥ ) أي :ضياء والواو زائدة. وقيل :" الواو " واو الحال، مجازه وقد فتحت أبوابها فأدخل الواو لبيان أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، وحذفها في الآية الأولى، لبيان أنها كانت مغلقة قبل مجيئهم، فإذا لم تجعل " الواو " زائدة في قوله : ﴿ وفتحت أبوابها ﴾ اختلفوا في جواب قوله حتى إذا قيل :جوابه قوله : ﴿ جاؤوها ﴾ ﴿ وقال لهم خزنتها ﴾ والواو فيه ملغاة تقديره حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها. وقال الزجاج :القول عندي أن الجواب محذوف، تقديره : ﴿ حتى إذا جاؤوها وفتحت أبوابها ﴾ ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾ دخلوها فحذف لدلالة الكلام عليه. ﴿ وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم ﴾ يريد أن خزنة الجنة يسلمون عليهم، ويقولون :طبتم، قال ابن عباس :طاب لكم المقام، قال قتادة :إذا قطعوا النار حبسوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص بعضهم من بعض حتى إذا هذبوا وطيبوا أدخلوا الجنة. فقال لهم رضوان وأصحابه : ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾. وروي عن علي عليه السلام قال :سيقوا إلى الجنة فإذا انتهوا إليها وجدوا عند بابها شجرة يخرج من تحت ساقها عينان، فيغتسل المؤمن من إحداهما، فيطهر ظاهره، ويشرب من الأخرى فيطهر باطنه، وتلقفه الملائكة على أبواب الجنة، يقولون : ﴿ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ﴾.
قوله تعالى : ﴿ وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض ﴾ أي :أرض الجنة، وهو قوله عز وجل : ﴿ ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون ﴾ ( هود-١١٩ ). ﴿ نتبوأ ﴾ ننزل ﴿ من الجنة حيث نشاء ﴾ قال الله تعالى : ﴿ فنعم أجر العاملين ﴾ ثواب المطيعين.
قوله تعالى : ﴿ وترى الملائكة حافين من حول العرش ﴾ أي :محدقين محيطين بالعرش مطيفين بحوافيه أي :بجوانبه ﴿ يسبحون بحمد ربهم ﴾ قيل :هذا تسبيح تلذذ لا تسبيح تعبد، لأن التكليف متروك في ذلك اليوم ﴿ وقضي بينهم بالحق ﴾ أي :قضي بين أهل الجنة والنار بالعدل ﴿ وقيل الحمد لله رب العالمين ﴾ يقول أهل الجنة :شكراً حين تم وعد الله لهم.
السورة التالية
Icon