0:00
0:00

سورة الزمر مكية وهى خمس وسبعون آية

﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ أي القرآن مبتدأ خبره ﴿ مِنَ الله ﴾ أي نزل من الله، أو خبر مبتدأ محذوف والجار صلة التنزيل، أو غير صلة بل هو خبر بعد خبر، أو خبر مبتدإ محذوف تقديره هذا تنزيل الكتاب هذا من الله ﴿ العزيز ﴾ في سلطانه ﴿ الحكيم ﴾ في تدبيره
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ هذا ليس بتكرار لأن الأول كالعنوان للكتاب والثاني لبيان ما في الكتاب ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً ﴾ حال ﴿ لَّهُ الدين ﴾ أي ممحضاً له الدين من الشرك والرياء بالتوحيد وتصفية السر، ف ﴿ الدين ﴾ منصوب ب ﴿ مُخْلِصاً ﴾ وقرىء ﴿ الدين ﴾ بالرفع وحق من رفعه أن يقرأ ﴿ مُخْلِصاً ﴾.
﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ أي هو الذي وجب اختصاصه بأن تخلص له الطاعة من كل شائبة كدر لاطلاعه على الغيوب والأسرار. وعن قتادة :الدين الخالص شهادة أن لا إله إلا الله. وعن الحسن :الإسلام. ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ ﴾ أي آلهة وهو مبتدأ محذوف الخبر تقديره :والذين عبدوا الأصنام يقولون ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ مصدر أي تقريباً ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ بين المسلمين والمشركين ﴿ فِى مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ قيل :كان المسلمون إذا قالوا لهم من خلق السماوات والأرض ؟ قالوا :الله، فإذا قالوا لهم :فما لكم تعبدون الأصنام ؟ قالوا :ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى. والمعنى أن الله يحكم يوم القيامة بين المتنازعين من الفريقين ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ ﴾ أي لا يهدي من هو في علمه أنه يختار الكفر يعني لا يوفقه للهدى ولا يعينه وقت اختياره الكفر ولكنه يخذله، وكذبهم قولهم في بعض من اتخذوا من دون الله أولياء بنات الله، ولذا عقبه محتجاً عليهم بقوله ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾
﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ ﴾ أي لو جاز اتخاذ الولد على ما تظنون لاختار مما يخلق ما يشاء لا ما تختارون أنتم وتشاءون ﴿ سبحانه ﴾ نزه ذاته عن أن يكون له أخذ ما نسبوا إليه من الأولياء والأولاد، ودل على ذلك بقوله ﴿ هُوَ الله الواحد القهار ﴾ يعني أنه واحد متبريء عن انضمام الأعداد متعال عن التجزؤ والولاد، قهار غلاب لكل شيء ومن الأشياء آلهتهم فأنى يكون له أولياء وشركاء ؟.
ثم دل بخلق السماوات والأرض وتكوير كل واحد من الملوين على الآخر وتسخير النيرين وجريهما لأجل مسمى، وبث الناس على كثرة عددهم من نفس واحدة، وخلق الأنعام على أنه واحد لا يشارك قهار لا يغالب بقوله ﴿ خَلَقَ السماوات والأرض بالحق يُكَوِّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى اليل ﴾ والتكوير اللف واللي يقال :كار العمامة على رأسه وكورها، والمعنى أن كل واحد منهما يغيّب الآخر إذا طرأ عليه، فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيّبه عن مطامح الأبصار، أو أن هذا يكر على هذا كروراً متتابعاً، فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على أثر بعض ﴿ وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِى لأَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ أي يوم القيامة ﴿ إِلاَّ هُوَ العزيز ﴾ الغالب القادر على عقاب من لم يعتبر بتسخير الشمس والقمر فلم يؤمن بمسخرهما ﴿ الغفار ﴾ لمن فكر واعتبر فآمن بمدبرهما.
﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ أي آدم عليه السلام ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي حواء من قُصَيراه. قيل :أخرج ذرية آدم من ظهره كالذر ثم خلق بعد ذلك حواء ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ﴾ أي جعل. عن الحسن :أو خلقها في الجنة مع آدم عليه السلام ثم أنزلها، أو لأنها لا تعيش إلا بالنبات والنبات لا يقوم إلا بالماء وقد أنزل الماء فكأنه أنزلها ﴿ ثمانية أزواج ﴾ ذكراً وأنثى من الإبل والبقر والضأن والمعز كما بين في سورة الأنعام، والزوج اسم لواحد معه آخر فإذا انفرد فهو فرد ووتر ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أمهاتكم خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم إلى تمام الخلق ﴿ فِى ظلمات ثلاث ﴾ ظلمة البطن والرحم والمشيمة أو ظلمة الصلب والبطن والرحم ﴿ ذلكم ﴾ الذي هذه مفعولاته هو ﴿ الله رَبُّكُمْ لَهُ الملك لا إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُصْرَفُونَ ﴾ فكيف يعدل بكم من عبادته إلى عبادة غيره.
ثم بين أنه غني عنهم بقوله ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ ﴾ عن إيمانكم وأنتم محتاجون إليه لتضرركم بالكفر وانتفاعكم بالإيمان ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ لأن الكفر ليس برضا الله تعالى وإن كان بإرادته ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ ﴾ فتؤمنوا ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ أي يرض الشكر لكم لأنه سبب فوزكم فيثيبكم عليه الجنة ﴿ يرضه ﴾ بضم الهاء والإشباع :مكي وعلي : ﴿ يرضه ﴾ بضم الهاء بدون الإشباع :نافع وهشام وعاصم غير يحيى وحماد. وغيرهم ﴿ يرضه ﴾ ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى ﴾ أي لا يؤاخذ أحد بذنب آخر ﴿ ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ ﴾ إلى جزاء ربكم رجوعكم ﴿ فَيُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ فيخبركم بأعمالكم ويجازيكم عليها ﴿ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور ﴾ بخفيات القلوب
﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ﴾ هو أبو جهل أو كل كافر ﴿ ضُرٌّ ﴾ بلاء وشدة والمس في الأعراض مجاز ﴿ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ راجعاً إلى الله بالدعاء لا يدعو غيره ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ ﴾ أعطاه ﴿ نِعْمَةً مِّنْهُ ﴾ من الله عز وجل ﴿ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي نسى ربه الذي كان يتضرع إليه. و «ما » بمعنى «من » كقوله : ﴿ وَمَا خَلَقَ الذكر والانثى ﴾ [ الليل :٣ ] أو نسي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً ﴾ أمثالاً ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ ﴿ لَيِضل ﴾ مكي وأبو عمرو ويعقوب ﴿ عَن سَبِيلِهِ ﴾ أي الإسلام ﴿ قُلْ ﴾ يا محمد ﴿ تَمَتَّعَ ﴾ أمر تهديد ﴿ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً ﴾ أي في الدنيا ﴿ إِنَّكَ مِنْ أصحاب النار ﴾ من أهلها.
﴿ أَمَّنْ ﴾ قرأ بالتخفيف مكي ونافع وحمزة على إدخال همزة الاستفهام على «من »، وبالتشديد غيرهم على إدخال «أم » عليه و «من » مبتدأ خبره محذوف تقديره «أمن » ﴿ هُوَ قَانِتٌ ﴾ كغيره أي أمن هو مطيع كمن هو عاص والقانت المطيع لله ؟ وإنما حذف لدلالة الكلام عليه وهو جرى ذكر الكافر قبله، وقوله بعده ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ﴿ ءَانَاءَ اليل ﴾ ساعاته ﴿ ساجدا وَقَائِماً ﴾ حالان من الضمير في ﴿ قَانِتٌ ﴾ ﴿ يَحْذَرُ الآخرة ﴾ أي عذاب الآخرة ﴿ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ أي الجنة، ودلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الخوف والرجاء، يرجو رحمته لا عمله ويحذر عقابه لتقصيره في عمله. ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمناً، والخوف إذا جاوز حده يكون إياساً، وقد قال الله تعالى ﴿ فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون ﴾ [ الأعراف :٩٩ ] وقال ﴿ إنه لا ييأس من من روح الله إلا القوم الكافرون ﴾ [ يوسف :٨٧ ]، فيجب أن لا يجاوز أحدهما حده ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أي يعلمون ويعملون به كأنه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلوم ثم لا يقنتون ويفتنّون فيها ثم يفتنون بالدنيا فهم عند الله جهلة حيث جعل القانتين هم العلماء، أو أريد به التشبيه أي كما لا يستوي العالم والجاهل كذلك لا يستوي المطيع والعاصي ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الألباب ﴾ جمع لب أي إنما يتعظ بوعظ الله أولو العقول.
﴿ قُلْ ياعباد الذين ءَامَنُواْ ﴾ بلا ياء عند الأكثر ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ بامتثال أوامره واجتناب نواهيه ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ أي أطاعوا الله في الدنيا. و «في » يتعلق ب ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ لا ب ﴿ حَسَنَةٌ ﴾، معناه الذين أحسنوا في هذه الدنيا فلهم حسنة في الآخرة وهي دخول الجنة أي حسنة لا توصف. وقد علقه السدي ب ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ ففسر الحسنة بالصحة والعافية. ومعنى ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ أي لا عذر للمفرطين في الإحسان البتة حتى إن اعتلوا بأنهم لا يتمكنون في أوطانهم من التوفر على الإحسان. قيل لهم :فإن أرض الله واسعة وبلاده كثيرة، فتحولوا إلى بلاد أخرى. واقتدوا بالأنبياء والصالحين في مهاجرتهم إلى غير بلادهم ليزدادوا إحساناً إلى إحسانهم وطاعة إلى طاعتهم ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون ﴾ على مفارقة أوطانهم وعشائرهم وعلى غيرها من تجرع الغصص واحتمال البلايا في طاعة الله وازدياد الخير ﴿ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ عن ابن عباس رضي الله عنهما :لا يهتدي إليه حساب الحسّاب ولا يعرف. وهو حال من الأجر أي موفراً
﴿ قُلْ إِنِّى أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله ﴾ بأن أعبد الله ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ أي أمرت بإخلاص الدين
﴿ وَأُمِرْتُ لأَِنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ وأمرت بذلك لأجل أن أكون أول المسلمين أي مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة، والمعنى أن الإخلاص له السُّبقة في الدين فمن أخلص كان سابقاً، فالأول أمر بالعبادة مع الإخلاص، والثاني بالسبق فلاختلاف جهتيهما نزلاً منزلة المختلفين، فصح عطف أحدهما على الآخر.
﴿ قُلْ إِنِّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ لمن دعاك بالرجوع إلى دين آبائك، وذلك أن كفار قريش قالوا له عليه السلام :ألا تنظر إلى أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى فنزلت رداً عليهم ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾
﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ وهذه الآية إخبار بأنه يخص الله وحده بعبادته مخلصاً له دينه دون غيره، والأولى إخبار بأنه مأمور بالعبادة والإخلاص فالكلام أولاً واقع في نفس الفعل وإثباته، وثانياً فيما يفعل الفعل لأجله ولذلك رتب عليه قوله : ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾
﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾ وهذا أمر تهديد. وقيل له عليه السلام :إن خالفت دين آبائك فقد خسرت فنزلت ﴿ قُلْ إِنَّ الخاسرين ﴾ أي الكاملين في الخسران الجامعين لوجوهه وأسبابه ﴿ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم ﴾ بإهلاكها في النار ﴿ وَأَهْلِيهِمْ ﴾ أي وخسروا أهليهم ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ لأنهم أضلوهم فصاروا إلى النار، ولقد وصف خسرانهم بغاية الفظاعة في قوله : ﴿ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين ﴾ حيث صدر الجملة بحرف التنبيه ووسط الفصل بين المبتدأ والخبر وعرف الخسران ونعته بالمبين، وذلك لأنهم استبدلوا بالجنة ناراً وبالدرجات دركات
﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ أطباق ﴿ مِّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ أطباق من النار وهي ظلل لآخرين أي النار محيطة بهم ﴿ ذلك ﴾ الذي وصف من العذاب أو ذلك الظلل ﴿ يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ ليؤمنوا به ويجتنبوا مناهيه ﴿ ياعباد فاتقون ﴾ ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي خوّفهم بالنار.
ثم حذرهم نفسه ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ الشياطين «فعلوت » من الطغيان كالملكوت والرحموت إلا أن فيها قلباً بتقديم اللام على العين، أطلقت على الشيطان أو الشياطين لكون الطاغوت مصدراً، وفيها مبالغات وهي التسمية بالمصدر كأن عين الشيطان طغيان وأن البناء بناء مبالغة، فإن الرحموت الرحمة الواسعة، والملكوت الملك المبسوط والقلب وهو للاختصاص، إذ لا تطلق على غير الشيطان والمراد بها ههنا الجمع وقريء ﴿ الطواغيت ﴾ ﴿ أَن يَعْبُدُوهَا ﴾ بدل الاشتمال من الطاغوت أي عبادتها ﴿ وَأَنَابُواْ ﴾ رجعوا ﴿ إِلَى الله لَهُمُ البشرى ﴾ هي البشارة بالثواب تتلقاهم الملائكة عند حضور الموت مبشرين وحين يحشرون { فَبَشِّرْ عِبَادِ
الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ } هم الذين اجتنبوا أنابوا، وإنما أراد بهم أن يكونوا مع الاجتناب والإنابة على هذه الصفة فوضع الظاهر موضع الضمير أراد أن يكونوا نقاداً في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل، فإذا اعترضهم أمران واجب وندب اختاروا الواجب، وكذا المباح والندب حراصاً على ما هو أقرب عند الله وأكثر ثواباً، أو يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن، أو يستمعون أوامر الله فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو ونحو ذلك، أو يستمعون الحديث مع القوم فيه محاسن ومساوىء فيحدث بأحسن ما سمع ويكف عما سواه ﴿ أُوْلَئِكَ الذين هَدَاهُمُ الله وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُواْ الألباب ﴾ أي المنتفعون بعقولهم.
﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النار ﴾ أصل الكلام أمن حق عليه كلمة العذاب أي وجب ﴿ أَفَأَنتَ ﴾ جملة شرطية دخلت عليها همزة الانكار والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف تقديره :أأنت مالك أمرهم ؟ فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الانكار. ووضع ﴿ مَن فِى النار ﴾ موضع الضمير أي تنقذه، فالآية على هذا جملة واحدة، أو معناه :أفمن حق عليه كلمة العذاب ينجو منه، أفأنت تنقذه أي لا يقدر أحد أن ينقذ من أضله الله وسبق في علمه أنه من أهل النار
﴿ لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ ﴾ أي لهم منازل في الجنة رفيعة وفوقها منازل أرفع منها يعني للكفار ظلل من النار وللمتقين غرف ﴿ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار ﴾ أي من تحت منازلها ﴿ وَعْدَ الله لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد ﴾ وعد الله مصدر مؤكد، لأن قوله ﴿ لَهُمْ غُرَفٌ ﴾ في معنى وعدهم الله ذلك.
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً ﴾ يعني المطر. وقيل :كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه الله ﴿ فَسَلَكَهُ ﴾ فادخله ﴿ يَنَابِيعَ فِى الأرض ﴾ عيوناً ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد. و ﴿ يَنَابِيعَ ﴾ نصب على الحال أو على الظرف و ﴿ فِى الأرض ﴾ صفة ل ﴿ يَنَابِيعَ ﴾. ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ ﴾ بالماء ﴿ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض أو أصنافه من بن وشعير وسمسم وغير ذلك ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ يجف ﴿ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ﴾ بعد نضارته وحسنه ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما ﴾ فتاتاً متكسراً، فالحطام ما تفتت وتكسر من النبت وغيره ﴿ إِنَّ فِى ذلك ﴾ في إنزال الماء وإخراج الزرع ﴿ لذكرى لأُِوْلِى الألباب ﴾ لتذكيراً وتنبيهاً على أنه لا بد من صانع حكيم، وأن ذلك كائن عن تقدير وتدبير لا عن إهمال وتعطيل
﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ ﴾ أي وسع صدره ﴿ للإسلام ﴾ فاهتدى، وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرح فقال :" «إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح » فقيل :فهل لذلك من علامة ؟ قال نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت " ﴿ فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبّهِ ﴾ بيان وبصيرة، والمعنى :أفمن شرح الله صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فقسا قلبه ؟ فحذف لأن قوله : ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ ﴾ يدل عليه ﴿ مِّن ذِكْرِ الله ﴾ أي من ترك ذكر الله أو من أجل ذكر الله أي إذا ذكر الله عندهم أو آياته ازدادت قلوبهم قساوة كقوله : ﴿ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ ﴾ [ التوبة :١٢٥ ]. ﴿ أُوْلَئِكَ فِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ غواية ظاهرة.
﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ في إيقاع اسم ﴿ الله ﴾ مبتدأ وبناء ﴿ نَزَّلَ ﴾ عليه تفخيم لأحسن الحديث ﴿ كتابا ﴾ بدل من ﴿ أَحْسَنَ الحديث ﴾ أو حال منه ﴿ متشابها ﴾ يشبه بعضه بعضاً في الصدق والبيان والوعظ والحكمة والإعجاز وغير ذلك ﴿ مَّثانِىَ ﴾ نعت ﴿ كتابا ﴾ جمع مثنى بمعنى مردد ومكرر لما ثنى من قصصه وأنبائه وأحكامه وأوامره ونواهيه ووعده ووعيده ومواعظه، فهو بيان لكونه متشابهاً لأن القصص المكررة وغيرها لا تكون إلا متشابهة. وقيل :لأنه يثنّى في التلاوة فلا يمل. وإنما جاز وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل، وتفاصيل الشيء هي جملته، ألا تراك تقول :القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات ؟ فكذلك تقول :أقاصيص وأحكام ومواعظ مكررات. أو منصوب على التمييز من ﴿ متشابها ﴾ كما تقول :رأيت رجلاً حسناً شمائل، والمعنى متشابهة مثانية ﴿ تَقْشَعِرُّ ﴾ تضطرب وتتحرك ﴿ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ يقال :اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضاً شديداً. والمعنى أنهم إذا سمعوا بالقرآن وبآيات وعيده أصابتهم خشية تقشعر منها جلودهم، وفي الحديث " إذا اقشعر جلد المؤمن من خشية الله تحاتّت عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها " ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ أي إذا ذكرت آيات الرحمة لانت جلودهم وقلوبهم وزال عنها ما كان بها من الخشية والقشعريرة. وعُدي ب «إلى » لتضمنه معنى فعل متعد ب «إلى » كأنه قيل :اطمأنت إلى ذكر الله لينة غير متقبضة. واقتصر على ذكر الله من غير ذكر الرحمة، لأن رحمته سبقت غضبه فلأصالة رحمته إذا ذكر الله لم يخطر بالبال إلا كونه رءوفاً رحيماً. وذكرت الجلود وحدها أولاً ثم قرنت بها القلوب ثانياً لأن محل الخشية القلب فكان ذكرها يتضمن ذكر القلوب ﴿ ذلك ﴾ إشارة إلى الكتاب وهو ﴿ هُدَى الله يَهْدِى بِهِ مَن يَشَآءُ ﴾ من عباده وهو من علم منهم اختيار الاهتداء ﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ يخلق الضلالة فيه ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ إلى الحق.
﴿ أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ كمن أمن من العذاب فحذف الخبر كما حذف في نظائره وسوء العذاب شدته، ومعناه أن الإنسان إذا لقي مخوفاً من المخاوف استقبله بيده وطلب أن يقي بها وجهه لأنه أعز أعضائه عليه، والذي يلقى في النار يلقى مغلولة يداه إلى عنقه فلا يتهيأ له أن يتقي النار إلا بوجهه الذي كان يتقي المخاوف بغيره وقاية له ومحاماة عليه ﴿ وَقِيلَ لِلظَّلِمِينَ ﴾ أي تقول لهم خزنة النار ﴿ ذُوقُواْ ﴾ وبال ﴿ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أي كسبكم
﴿ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ من قبل قريش ﴿ فأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ من الجهة التي لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها بيناهم آمنون إذ فوجئوا من مأمنهم
﴿ فَأَذَاقَهُمُ الله الخزى ﴾ الذل والصغار كالمسخ والخسف والقتل والجلاء ونحو ذلك من عذاب الله ﴿ فِى الحياة الدنيا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبْرُ ﴾ من عذاب الدنيا ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ لآمنوا.
﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ ليتعظوا
﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً ﴾ حال مؤكدة كما تقول :جاءني زيد رجلاً صالحاً وإنساناً عاقلاً، فتذكر رجلاً أو إنساناً توكيداً، أو نصب على المدح ﴿ غَيْرَ ذِى عِوَجٍ ﴾ مستقيماً بريئاً من التناقض والاختلاف. ولم يقل «مستقيماً » للإشعار بأن لا يكون فيه عوج قط. وقيل :المراد بالعوج الشك ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ الكفر.
﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً ﴾ بدل ﴿ فِيهِ شُرَكَآءُ متشاكسون ﴾ متنازعون ومختلفون ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً ﴾ مصدر سلم والمعنى ذا سلامة ﴿ لِرَجُلٍ ﴾ أي ذا خلوص له من الشركة. ﴿ سالماً ﴾ مكي وأبو عمرو أي خالصاً له ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ صفة وهو تمييز، والمعنى هل تستوي صفتاهما وحالاهما. وإنما اقتصر في التمييز على الواحد لبيان الجنس وقريء ﴿ مثلين ﴾. ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ الذي لا إله إلا هو ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ فيشركون به غيره. مثل الكافر ومعبوديه بعبد اشترك فيه شركاء بينهم تنازع واختلاف، وكل واحد منهم يدعي أنه عبده فهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهن شتى وهو متحير لا يدري أيهم يرضي بخدمته، وعلى أيهم يعتمد في حاجاته، وممن يطلب رزقه، وممن يلتمس رفقه، فهمه شعاع وقلبه أوزاع، والمؤمن بعبد له سيد واحد فهّمه واحد وقلبه مجتمع
﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ ﴾ أي ستموت ﴿ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ ﴾ وبالتخفيف من حل به الموت، قال الخليل أنشد أبو عمرو :
وتسألني تفسير ميت وميّت*** فدونك قد فسرت إن كنت تعقلُ
فمن كان ذا روح فذلك ميت*** وما الميت إلا من إلى القبر يحملُ
كانوا يتربصون برسول الله صلى الله عليه وسلم موته فأخبر أن الموت يعمهم فلا معنى للتربص وشماتة الفاني بالفاني، وعن قتادة :نعى إلى نبيه نفسه ونعى إليكم أنفسكم أي إنك وإياهم في عداد الموتى لأن ما هو كائن فكأن قد كان.
﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ ﴾ أي إنك وإياهم فغلب ضمير المخاطب على ضمير الغيب ﴿ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ فتحتج أنت عليهم بأنك بلغت فكذبوا واجتهدت في الدعوة، فلجّوا في العناد ويعتذرون بما لا طائل تحته، تقول الأتباع :أطعنا ساداتنا وكبراءنا، وتقول السادات :أغوتنا الشياطين وآباؤنا الأقدمون. قال الصحابة رضى الله عنهم أجمعين :ما خصومتنا ونحن إخوان ! فلما قتل عثمان رضي الله عنه قالوا :هذه خصومتنا. عن أبي العالية :نزلت في أهل القبلة وذلك في الدماء والمظالم التي بينهم.
والوجه هو الأوّل ألا ترى إلى قوله ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله ﴾
وقوله ﴿ والذى جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ وما هو إلا بيان وتفسير للذين تكون بينهم الخصومة. ﴿ كَذَبَ علَى الله ﴾ افترى عليه بإضافة الولد والشريك إليه ﴿ وَكَذَّبَ بالصدق ﴾ بالأمر الذي هو الصدق بعينه وهو ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ إِذْ جَآءَهُ ﴾ فاجأه بالتكذيب لما سمع به من غير وقفة لإعمال روية أو اهتمام بتمييز بين حق وباطل كما يفعل أهل النصفة فيما يسمعون ﴿ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين ﴾ أي لهؤلاء الذين كذبوا على الله وكذبوا بالصدق. واللام في ﴿ للكافرين ﴾ إشارة إليهم ﴿ والذى جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بالحق وآمن به وأراد به إياه ومن تبعه كما أراد بموسى إياه وقومه في قوله ﴿ وَلَقَدْ ءَاتَيْنَا موسى الكتاب لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ ﴾ [ المؤمنون :٤٩ ] فلذا قال تعالى ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون ﴾ وقال الزجاج :رُوي عن علي رضي الله عنه أنه قال :والذي جاء بالصدق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به أبو بكر الصديق رضي الله عنه. ورُوي أن الذي جاء بالصدق محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي صدق به المؤمنون، والكل صحيح كذا قاله. قالوا :والوجه في العربية أن يكون «جاء » و «صدق » لفاعل واحد لأن التغاير يستدعي إضمار الذي، وذا غير جائز، أو إضمار الفاعل من غير تقدم الذكر وذا بعيد.
لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)
﴿لهم ما يشاؤون عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ المحسنين﴾
لِيُكَفِّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذى عَمِلُواْ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذى كَانُواْ يَعْمَلُونَ } إضافة أسوأ وأحسن من إضافة الشيء إلى ما هو بعضه من غير تفضيل كقولك :الأشج أعدل بني مروان.
﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ ﴾ أدخلت همزة الإنكار على كلمة النفي فأفيد معنى إثبات الكفاية وتقريرها ﴿ عَبْدَهُ ﴾ أي محمداً صلى الله عليه وسلم. ﴿ عباده ﴾ حمزة وعلي أي الأنبياء والمؤمنين وهو مثل ﴿ إِنَّا كفيناك المستهزءين ﴾ [ الحجر :٩٥ ] ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ أي بالأوثان التي اتخذوها آلهة من دونه، وذلك أن قريشاً قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم :إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا وإنا نخشى عليك مضرتها لعيبك إياها { وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
وَمَن يَهْدِ الله فَمَا لَهُ مِن مُّضِلٍّ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ } بغالب منيع ﴿ ذِى انتقام ﴾ ينتقم من أعدائه، وفيه وعيد لقريش ووعد للمؤمنين بأنه ينتقم لهم منهم وينصرهم عليهم.
ثم أعلم بأنهم مع عبادتهم الأوثان مقرون بأن الله تعالى خلق السماوات والأرض بقوله ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض لَيَقُولُنَّ الله قُلْ أَفَرَايْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِىَ الله ﴾ بفتح الياء سوى حمزة ﴿ بِضُرٍّ ﴾ مرض أو فقر أو غير ذلك ﴿ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرِّهِ ﴾ دافعات شدته عني ﴿ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ ﴾ صحة أو غنى أو نحوهما ﴿ هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ ﴾ ﴿ كاشفات ضُرّهِ ﴾، و ﴿ ممسكات رَحْمَتِهِ ﴾ بالتنوين على الأصل :بصري، وفرض المسئلة في نفسه دونهم لأنهم خوفوه معرة الأوثان وتخبيلها، فأمر بأن يقررهم أولاً بأن خالق العالم هو الله وحده ثم يقول لهم بعد التقرير :فإن أرادني خالق العالم الذي أقررتم به بضر أو برحمة هل يقدرون على خلاف ذلك ؟ فلما أفحمهم قال الله تعالى : ﴿ قُلْ حَسْبِىَ الله ﴾ كافياً لمعرة أوثانكم ﴿ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المتوكلون ﴾ يُروى أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم فسكتوا فنزل ﴿ قُلْ حَسْبِىَ الله ﴾، وإنما قال ﴿ كاشفات ﴾ و ﴿ ممسكات ﴾ على التأنيث بعد قوله ﴿ وَيُخَوّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ لأنهن إناث وهن اللات والعزى ومناة، وفيه تهكم بهم وبمعبوديهم.
﴿ قُلْ ياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ على حالكم التي أنتم عليها وجهتكم من العداوة التي تمكنتم منها، والمكانة بمعنى المكان فاستعيرت عن العين للمعنى كما يستعار هنا وحيث للزمان وهما للمكان ﴿ إِنِّى عامل ﴾ أي على مكانتي وحذف للاختصار ولما فيه من زيادة الوعيد والإيذان بأن حالته تزداد كل يوم قوّة لأن الله تعالى ناصره ومعينه، ألا ترى إلى قوله :{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ
مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } كيف توعدهم بكونه منصوراً عليهم غالباً عليهم في الدنيا والآخرة، لأنهم إذا أتاهم الخزي والعذاب فذاك عزه وغلبته من حيث إن الغلبة تتم له بعز عزيز من أوليائه وبذل ذليل من أعدائه، و ﴿ يُخْزِيهِ ﴾ صفة للعذاب ك ﴿ مُّقِيمٌ ﴾ أي عذاب مخزلة وهو يوم بدر، وعذاب دائم وهو عذاب النار. ﴿ مكاناتكم ﴾ أبو بكر وحماد.
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب ﴾ القرآن ﴿ لِلنَّاسِ ﴾ لأجلهم ولأجل حاجتهم إليه ليبشروا وينذروا فتقوى دواعيهم إلى اختيار الطاعة على المعصية ﴿ بالحق فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ ﴾ فمن اختار الهدى فقد نفع نفسه ﴿ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ ومن اختار الضلالة فقد ضرها ﴿ وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ بحفيظ.
ثم أخبر بأنه الحفيظ القدير عليهم بقوله ﴿ الله يَتَوَفَّى الأنفس حِينَ مِوْتِهَا ﴾ الأنفس الجمل كما هي، وتوفيها إماتتها وهو أن يسلب ما هي به حية حساسة دراكة ﴿ والتى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ﴾ ويتوفى الأنفس التي لم تمت في منامها أي يتوفاها حين تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى حيث لا يميزون ولا يتصرفون كما أن الموتى كذلك، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الذى يتوفاكم باليل ﴾ [ الأنعام :٦٠ ] ﴿ فَيُمْسِكُ ﴾ الأنفس ﴿ التى قضى ﴾ ﴿ قُضِىَ ﴾ حمزة وعلي. ﴿ عَلَيْهَا الموت ﴾ الحقيقي أي لا يردها في وقتها حية ﴿ وَيُرْسِلُ الأخرى ﴾ النائمة ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ إلى وقت ضربه لموتها. وقيل :يتوفى الأنفس أي يستوفيها ويقبضها وهي الأنفس التي تكون معها الحياة والحركة، ويتوفى الأنفس التي لم تمت في مقامها وهي أنفس التمييز. قالوا :فالتي تتوفى في المنام هي نفس التمييز لا نفس الحياة لأن نفس الحياة إذا زالت زال معها النفسَ والنائم يتنفس، ولكل إنسان نفسان :إحداهما نفس الحياة وهي التي تفارق عند الموت، والأخرى نفس التمييز وهي التي تفارقه إذا نام. ورُوي عن ابن عباس رضى الله عنهما :في ابن آدم نفس وروح بينهما شعاع مثل شعاع الشمس، فالنفس هي التي بها العقل والتمييز، والروح هي التي بها النفس والتحرك، فإذا نام العبد قبض الله نفسه ولم يقبض روحه. وعن علي رضي الله عنه قال :تخرج الروح عند النوم ويبقى شعاعها في الجسد فذلك يرى الرؤيا، فإذا انتبه من النوم عاد الروح إلى جسده بأسرع من لحظة، وعنه ما رأت عين النائم في السماء فهي الرؤيا الصادقة، وما رأت بعد الإرسال فيلقنها الشيطان فهي كاذبة.
وعن سعيد بن جبير :أن أرواح الأحياء وأرواح الأموات تلتقي في المنام فيتعارف منها ما شاء الله أن يتعارف، فيمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجسادها إلى انقضاء حياتها. ورُوي أن أرواح المؤمنين تعرج عند النوم في السماء فمن كان منهم طاهراً أذن في السجود، ومن لم يكن منهم طاهراً لم يؤذن له فيه ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ ﴾ إن في توفي الأنفس ميتة ونائمة وإمساكها وإرسالها إلى أجل ﴿ لآيَاتٍ ﴾ على قدرة الله وعلمه ﴿ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ يجيلون فيه أفكارهم ويعتبرون
﴿ أَمِ اتخذوا ﴾ بل اتخذ قريش والهمزة للإنكار ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ من دون إذنه ﴿ شُفَعَآءَ ﴾ حين قالوا ﴿ هؤلاءآء شفعاؤنا عِندَ الله ﴾ [ يونس :١٨ ] ولا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ﴿ قُلْ أَوَ لَّوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ معناه أيشفعون ولو كانوا لا يملكون شيئاً قط ولا عقل لهم ؟
﴿ قُل لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً ﴾ أي هو مالكها فلا يستطيع أحد شفاعة إلا بإذنه وانتصب ﴿ جَمِيعاً ﴾ على الحال ﴿ لَّهُ مُلْكُ السماوات والأرض ﴾ تقرير لقوله ﴿ لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً ﴾ لأنه إذا كان له الملك كله والشفاعة من الملك كان مالكاً لها. ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ متصل بما يليه معناه له ملك السماوات والأرض واليوم ثم إليه ترجعون يوم القيامة فلا يكون الملك في ذلك اليوم إلا له فله ملك الدنيا والآخرة.
﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ ﴾ مدار المعنى على قوله ﴿ وَحْدَهُ ﴾ أي إذا أفرد الله بالذكر ولم تذكر معه آلهتهم ﴿ اشمأزت ﴾ أي نفرت وانقبضت ﴿ قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ ﴾ يعني آلهتهم ذكر الله معهم أو لم يذكر ﴿ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ لافتتانهم بها، وإذا قيل لا إله إلا الله وحده لا شريك له نفروا لأن فيه نفياً لآلهتهم، ولقد تقابل الاستبشار والاشمئزاز إذ كل واحد منهما غاية في بابه، فالاستبشار أن يمتلىء قلبه سروراً حتى تنبسط له بشرة وجهه ويتهلل، والاشمئزاز أن يمتلىء غماً وغيظاً حتى يظهر الانقباض في أديم وجهه، والعامل في ﴿ إِذَا ذُكِرَ ﴾ هو العامل في «إذا » المفاجأة. تقديره :وقت ذكر الذين من دونه فاجئوا وقت الاستبشار
﴿ قُلِ اللهم فَاطِرَ السماوات والأرض ﴾ أي يا فاطر، وليس بوصف كما يقوله المبرد والفراء ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾ السر والعلانية ﴿ أَنتَ تَحْكُمُ ﴾ تقضي ﴿ بَيْنَ عِبَادِكَ فِى مَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ من الهدى والضلالة، وقيل :هذه محاكمة من النبي للمشركين إلى الله. وعن ابن المسيب :لا أعرف آية قرئت فدعي عندها إلا أجيب سواها. وعن الربيع بن خيثم وكان قليل الكلام أنه أخبر بقتل الحسين رضي الله عنه وقالوا :الآن يتكلم فما زاد أن قال :آه أوقد فعلوا وقرأ هذه الآية. ورُوي أنه قال على أثره :قتل من كان صلى الله عليه وسلم يجلسه في حجره ويضع فاه على فيه.
﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ ﴾ الهاء تعود إلى «ما » ﴿ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ العذاب ﴾ شدته ﴿ يَوْمَ القيامة وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ وظهر لهم من سخط الله وعذابه ما لم يكن قط في حسبانهم ولا يحدثون به نفوسهم. وقيل :عملوا أعمالاً حسبوها حسنات فإذا هي سيئات، وعن سفيان الثوري أنه قرأها فقال :ويل لأهل الرياء ويل لأهل الرياء. وجزع محمد بن المنكدر عند موته فقيل له فقال :أخشى آية من كتاب الله وتلاها، فأنا أخشى أن يبدو لي من الله ما لم أحتسبه
﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾ أي سيئات أعمالهم التي كسبوها أو سيئات كسبهم حين تعرض صحائف أعمالهم وكانت خافية عليهم أو عقاب ذلك ﴿ وَحَاقَ بِهِم ﴾ ونزل بهم وأحاط ﴿ مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ ﴾ جزاء هزئهم.
﴿ فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خولناه ﴾ أي أعطيناه تفضلاً. يقال :خولني إذا أعطاك على غير جزاء ﴿ نِعْمَةً مِّنَّا ﴾ ولا تقف عليه لأن جواب «إذا » ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ مني أني سأعطاه لما فيّ من فضل واستحقاق، أو على علم مني بوجوه الكسب كما قال قارون
﴿ على عِلْمٍ عِندِى ﴾ [ القصص :٧٨ ] وإنما ذكر الضمير في ﴿ أُوتِيتُهُ ﴾ وهو للنعمة نظراً إلى المعنى لأن قوله ﴿ نِعْمَةً مّنَّا ﴾ شيئاً من النعمة وقسماً منها. وقيل : «ما » في «إنما » موصولة لا كافة فيرجع الضمير إليها أي إن الذي أوتيته على علم ﴿ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ ﴾ إنكار له كأنه قال :ما خولناك من النعمة لما تقول بل هي فتنة أي ابتلاء وامتحان لك أتشكر أم تكفر. ولما كان الخبر مؤنثاً أعني فتنة ساغ تأنيث المبتدأ لأجله، وقريء بل هو فتنة على وفق ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ ﴾ ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ أنها فتنة، والسبب في عطف هذه الآية بالفاء وعطف مثلها في أول السورة بالواو، أن هذه وقعت مسببة عن قوله ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت ﴾ على معنى أنهم يشمئزون من ذكر الله ويستبشرون بذكر الآلهة، فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشمأز بذكره دون من استبشر بذكره وما بينهما من الآي اعتراض.
فإن قلت :حق الاعتراض أن يؤكد المعترض بينه وبينه. قلت :ما في الاعتراض من دعاء الرسول الله صلى الله عليه وسلم ربه بأمر من الله وقوله ﴿ أَنتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ ﴾ ثم ما عقبه من الوعيد العظيم، تأكيد لإنكار اشمئزازهم واستبشارهم ورجوعهم إلى الله في الشدائد دون آلهتهم كأنه قيل :يا رب لا يحكم بيني وبين هؤلاء الذين يجترئون عليك مثل هذه الجرأة إلا أنت، وقوله : ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ ﴾ متناول هم ولكل ظالم إن جعل عاماً، أو إياهم خاصة إن عنيتهم به كأنه قيل :ولو أن لهؤلاء الظالمين ما في الأرض جميعاً ومثله معه لافتدوا به حين حكم عليهم بسوء العذاب، وأما الآية الأولى فلم تقع مسببة وما هي إلا جملة ناسبت جملة قبلها فعطفت عليها بالواو نحو «قام زيد وقعد عمرو »، وبيان وقوعها مسببة أنك تقول :زيد يؤمن بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه، فهذا تسبيب ظاهر، ثم تقول :زيد كافر بالله فإذا مسه ضر التجأ إليه، فتجيء بالفاء مجيئك بها ثمة كأن الكافر حين التجأ إلى الله التجاء المؤمن إليه مقيم كفره مقام الإيمان في جعله سبباً في الالتجاء
﴿ قَدْ قَالَهَا ﴾ هذه المقالة وهي قوله ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ ﴿ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ أي قارون وقومه حيث قال : ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ عِندِى ﴾ [ القصص :٧٨ ] وقومه راضون بها، فكأنهم قالوها، ويجوز أن يكون في الأمم الخالية آخرون قائلون مثلها ﴿ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ من متاع الدنيا وما يجمعون منها.
﴿ فأصابهم سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾ أي جزاء سيئات كسبهم، أو سمى جزاء السيئة سيئة للازدواج كقوله : ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [ الشورى :٤٠ ]. ﴿ والذين ظَلَمُواْ ﴾ كفروا ﴿ مِنْ هَؤُلآءِ ﴾ أي من مشركي قومك ﴿ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾ أي سيصيبهم مثل ما أصاب أولئك، فقتل صناديدهم ببدر وحبس عنهم الرزق فقحطوا سبع سنين ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ بفائتين من عذاب الله،
ثم بسط لهم فمطروا سبع سنين فقيل لهم ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ ﴾ ويضيق. وقيل :يجعله على قدر القوت ﴿ إِنَّ فِى ذلك لآيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ بأنه لا قابض ولا باسط إلا الله عز وجل.
﴿ قُلْ ياعبادى الذين ﴾ وبسكون الياء :بصري وحمزة وعلي ﴿ أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ جنوا عليها بالإسراف في المعاصي والغلو فيها ﴿ لاَ تَقْنَطُواْ ﴾ لا تيأسوا، وبكسر النون :علي وبصري ﴿ مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ بالعفو عنها إلا الشرك، وفي قراءة النبي عليه السلام يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي، ونظير نفي المبالاة نفي الخوف في قوله ﴿ وَلاَ يَخَافُ عقباها ﴾ [ الشمس :١٦ ]. قيل :نزلت في وحشي قاتل حمزة رضي الله عنه، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية " ﴿ إِنَّهُ هُوَ الغفور ﴾ بستر عظائم الذنوب ﴿ الرحيم ﴾ بكشف فظائع الكروب
﴿ وَأَنِيبُواْ إلى رَبِّكُمْ ﴾ وتوبوا إليه ﴿ وَأَسْلِمُواْ لَهُ ﴾ وأخلصوا له العمل ﴿ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ إن لم تتوبوا قبل نزول العقاب
﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ مثل قوله : ﴿ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ وقوله ﴿ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ أي يفجؤكم وأنتم غافلون كأنكم لا تخشون شيئاً لفرط غفلتكم.
﴿ أَن تَقُولَ ﴾ لئلا تقول ﴿ نَفْسٌ ﴾ إنما نكرت لأن المراد بها بعض الأنفس وهي نفس الكافر، ويجوز أن يراد نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم، ويجوز أن يراد التكثير ﴿ ياحسرتى ﴾ الألف بدل من ياء المتكلم، وقرىء : ﴿ يا حسرتي ﴾ على الأصل و ﴿ يا حسرتاي ﴾ على الجمع بين العوض والمعوض منه ﴿ على مَا فَرَّطَتُ ﴾ قصرت و«ما » مصدرية مثلها في ﴿ بِمَا رَحُبَتْ ﴾ [ التوبة :٢٥ ] ﴿ فِى جَنبِ الله ﴾ في أمر الله أو في طاعة الله أو في ذاته، وفي حرف عبد الله في ذكر الله والجنب الجانب يقال :أنا في جنب فلان وجانبه وناحيته، وفلان لين الجانب والجنب، ثم قالوا :فرط في جنبه وفي جانبه يريدون في حقه، وهذا من باب الكناية لأنك إذا أثبت الأمر في مكان الرجل وحيزه فقد أثبته فيه، ومنه الحديث :
" من الشرك الخفي أن يصلي الرجل لمكان الرجل " أي لأجله، وقال الزجاج :معناه فرط في طريق الله وهو توحيده والإقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين ﴾ المستهزئين. قال قتادة :لم يكفه أن ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها. ومحل ﴿ وَإِن كُنتُ ﴾ النصب على الحال كأنه قال :فرطت وأنا ساخر أي فرطت في حال سخريتي
﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى ﴾ أي أعطاني الهداية ﴿ لَكُنتُ مِنَ المتقين ﴾ من الذين يتقون الشرك، قال الشيخ الإمام أبو منصور رحمه الله تعالى :هذا الكافر أعرف بهداية الله من المعتزلة، وكذا أولئك الكفرة الذين قالوا لأتباعهم : ﴿ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ ﴾ [ إبراهيم :٢١ ] يقولون :لو وفقنا الله للهداية وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه، ولكن علم منا اختيار الضلالة والغواية فخذلنا ولم يوفقنا، والمعتزلة يقولون :بل هداهم وأعطاهم التوفيق لكنهم لم يهتدوا. والحاصل أن عند الله لطفاً من أعطى ذلك اهتدى، وهو التوفيق والعصمة ومن لم يعطه ضل وغوى، وكان استحبابه العذاب وتضييعه الحق بعدما مكن من تحصيله لذلك
﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً ﴾ رجعة إلى الدنيا ﴿ فَأَكُونَ مِنَ المحسنين ﴾ من الموحدين ﴿ بلى قَدْ جَآءَتْكَ ءاياتى فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين ﴾
«بلى » رد من الله عليه كأنه يقول :بلى قد جاءتك آياتي وبينت لك الهداية من الغواية وسبيل الحق من الباطل ومكنتك من اختيار الهداية على الغواية واختيار الحق على الباطل، ولكن تركت ذلك وضيعته واستكبرت عن قبوله، وآثرت الضلالة على الهدى، واشتغلت بضد ما أمرت به فإنما جاء التضييع من قبلك فلا عذر لك، و ﴿ بلى ﴾ جواب لنفي تقديري لأن المعنى :لو أن الله هداني ما هديت وإنما لم يقرن الجواب به، لأنه لا بد من حكاية أقوال النفس على ترتيبها ثم الجواب من بينها عما اقتضى الجواب.
﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله ﴾ وصفوه بما لا يجوز عليه من إضافة الشريك والولد إليه، ونفى الصفات عنه ﴿ وُجُوهُهُمْ ﴾ مبتدأ ﴿ مُّسْوَدَّةٌ ﴾ خبر والجملة في محل النصب على الحال إن كان ترى من رؤية البصر، وإن كان من رؤية القلب فمفعول ثانٍ ﴿ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى ﴾ منزل ﴿ لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ هو إشارة إلى قوله ﴿ واستكبرت ﴾
﴿ وَيُنَجِّى الله ﴾ ﴿ وَيُنَجّى ﴾ :روح ﴿ الذين اتقوا ﴾ من الشرك ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ بفلاحهم يقال :فاز بكذا إذا أفلح به وظفر بمراده منه وتفسيره المفازة ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ السوء ﴾ النار ﴿ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ كأنه قيل :وما مفازتهم ؟ قيل :لا يمسهم السوء أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم. أي لا يمس أبدانهم أذى ولا قلوبهم خزي، أو بسبب منجاتهم من قوله تعالى : ﴿ فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مّنَ العذاب ﴾ [ آل عمران :١٨٨ ]. أي بمنجاة منه ؛ لأن النجاة من أعظم الفلاح وسبب منجاتهم العمل الصالح، ولهذا فسر ابن عباس رضي الله عنهما المفازة بالأعمال الحسنة ويجوز بسبب فلاحهم لأن العمل الصالح سبب الفلاح وهو دخول الجنة، ويجوز أن يسمى العمل الصالح في نفسه مفازة لأنه سببها، ولا محل ل ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ ﴾ على التفسير الأول لأنه كلام مستأنف، ومحله النصب على الحال على الثاني. ﴿ بمفازاتهم ﴾ كوفي غير حفص.
﴿ الله خالق كُلِّ شَىْءٍ ﴾ رد على المعتزلة والثنوية ﴿ وَهُوَ على كُلِّ شَىْءٍ وَكِيلٌ ﴾ حافظ.
﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض ﴾ أي هو مالك أمرها وحافظها، وهو من باب الكناية لأن حافظ الخزائن ومدبر أمرها هو الذي يملك مقاليدها، ومنه قولهم :فلان ألقيت إليه مقاليد الملك وهي المفاتيح واحدها مقليد، وقيل :لا واحد لها من لفظها، والكلمة أصلها فارسية ﴿ والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ هو متصل بقوله ﴿ وَيُنَجّى الله الذين اتقوا ﴾ أي ينجي الله المتقين بمفازاتهم والذين كفروا هم الخاسرون. واعترض بينهما بأنه خالق كل شيء، فهو مهيمن عليه، فلا يخفى عليه شيء من أعمال المكلفين فيها وما يجزون عليها، أو بما يليه على أن كل شيء في السماوات والأرض فالله خالقه وفاتح بابه، والذين كفروا وجحدوا أن يكون الأمر كذلك أولئك هم الخاسرون، وقيل :سأل عثمان رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تفسير قوله : ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض ﴾ فقال « يا عثمان ما سألني عنها أحد قبلك، تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده وأستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير » وتأويله على هذا أن لله هذه الكلمات يوحد بها ويمجد وهي مفاتيح خير السماوات والأرض من تكلم بها من المتقين أصابه، والذين كفروا بآيات الله وكلمات توحيده وتمجيده أولئك هم الخاسرون.
﴿ قُلْ ﴾ لمن دعاك إلى دين آبائك ﴿ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونِّى أَعْبُدُ ﴾ ﴿ تَأْمُرُونِّىَّ ﴾ مكي، ﴿ تأمرونني ﴾ على الأصل :شامي، ﴿ تَأْمُرُونِىَ ﴾ مدني، وانتصب. ﴿ أَفَغَيْرَ الله ﴾ ب ﴿ أَعْبُدُ ﴾ و ﴿ تَأْمُرُونّى ﴾ اعتراض، ومعناه أفغير الله أعبد بأمركم بعد هذا البيان ﴿ أَيُّهَا الجاهلون ﴾ بتوحيد الله
﴿ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ ﴾ من الأنبياء عليهم السلام ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ الذي علمت قبل الشرك ﴿ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ وإنما قال ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ ﴾ على التوحيد والموحى إليهم جماعة لأن معناه أوحي إليك لئن أشركت ليحبطنّ عملك وإلى الذين من قبلك مثله، واللام الأولى موطئة للقسم المحذوف، والثانية لام الجواب، وهذا الجواب ساد مسد الجوابين أعني جوابي القسم والشرط. وإنما صح هذا الكلام مع علمه تعالى بأن رسله لا يشركون لأن الخطاب للنبي عليه السلام والمراد به غيره، ولأنه على سبيل الفرض، والمحالات يصح فرضها. وقيل :لئن طالعت غيري في السر ليحبطن ما بيني وبينك من السر
﴿ بَلِ الله فاعبد ﴾ رد لما أمروه من عبادة آلهتهم كأنه قال :لا تعبد ما أمروك بعبادته بل إن عبدت فاعبد الله ؛ فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضاً عنه ﴿ وَكُنْ مِّنَ الشاكرين ﴾ على ما أنعم به عليك من أن جعلك سيد ولد آدم
﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ وما عظموه حق عظمته إذ دعوك إلى عبادة غيره، ولما كان العظيم من الأشياء إذا عرفه الإنسان حق معرفته وقدره في نفسه حق تعظيمه قيل :وما قدروا الله حق قدره.
ثم نبههم على عظمته وجلالة شأنه على طريق التخييل فقال : ﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ والمراد بهذا الكلام إذا أخذته كما هو بجملته ومجموعه تصوير عظمته والتوقيف على كنه جلاله لا غير، من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقية أو جهة مجاز. والمراد بالأرض الأرضون السبع يشهد لذلك قوله ﴿ جَمِيعاً ﴾، وقوله ﴿ والسماوات ﴾ ولأن الموضع موضع تعظيم فهو مقتضٍ للمبالغة، و ﴿ الأرض ﴾ مبتدأ و ﴿ قَبْضَتُهُ ﴾ الخبر و ﴿ جَمِيعاً ﴾ منصوب على الحال أي :والأرض إذا كانت مجتمعة قبضته يوم القيامة، والقَبضة :المرة من القبضة. والقُبضة :المقدار المقبوض بالكف، ويقال :أعطني قبضة من كذا تريد معنى القبضة تسمية بالمصدر، وكلا المعنين محتمل، والمعنى والأرضون جميعاً قبضته أي ذوات قبضته بقبضهن قبضة واحدة يعني أن الأرضين مع عظمهن وبسطهن لا يبلغن إلا قبضة واحدة من قبضاته كأنه يقبضها قبضة بكف واحدة كما تقول :الجزور أكلة لقمان أي لا تفي إلا بأكلة فذة من أكلاته.
وإذا أريد معنى القبضة فظاهر، لأن المعنى أن الأرضين بجملتها مقدار ما يقبضه بكف واحدة. والمطويات من الطي الذي هو ضد النشر كما قال : ﴿ يَوْمَ نَطْوِى السماء كَطَىّ السجل لِلْكُتُبِ ﴾ [ الأنبياء :١٠٤ ]. وعادة طاوي السجل أن يطويه بيمينه، وقيل :قبضته ملكه بلا مدافع ولا منازع وبيمينه بقدرته. وقيل :مطويات بيمينه مفنيات بقسمه لأنه أقسم أن يفنيها ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ما أبعد من هذه قدرته وعظمته وما أعلاه عما يضاف إليه من الشركاء.
﴿ وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ ﴾ مات ﴿ مَن فِى السماوات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله ﴾ أي جبريل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، وقيل :هم حملة العرش أو رضوان والحور العين ومالك والزبانية ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى ﴾ هي في محل الرفع لأن المعنى ونفخ في الصور نفخة واحدة ثم نفخ فيه نفخة أخرى، وإنما حذفت لدلالة ﴿ أخرى ﴾ عليها، ولكونها معلومة بذكرها في غير مكان ﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب أو ينظرون أمر الله فيهم، ودلت الآية على أن النفخة اثنتان :الأولى للموت والثانية للبعث، والجمهور على أنها ثلاث :الأولى للفزع، كما قال : ﴿ وَنُفِخَ فِى الصور فَفَزِعَ ﴾ [ النمل :٨٧ ]، والثانية للموت والثالثة للإعادة.
﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض ﴾ أضاءت ﴿ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ أي بعدله بطريق الاستعارة. يقال للملك العادل :أشرقت الآفاق بعدلك، وأضاءت الدنيا بقسطك. كما يقال أظلمت البلاد بجور فلان، وقال عليه الصلاة والسلام : « الظلم ظلمات يوم القيامة » وإضافة اسمه إلى الأرض لأنه يزينها حيث ينشر فيها عدله، وينصب فيها موازين قسطه، ويحكم بالحق بين أهلها، ولا ترى أزين للبقاع من العدل ولا أعمر لها منه، وقال الإمام أبو منصور رحمه الله :يجوز أن يخلق الله نوراً فينور به أرض الموقف، وإضافته إليه تعالى للتخصيص كبيت الله وناقة الله ﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ أي صحائف الأعمال، ولكنه اكتفى باسم الجنس أو اللوح المحفوظ ﴿ وَجَايئَ بالنبيين ﴾ ليسألهم ربهم عن تبليغ الرسالة وما أجابهم قومهم ﴿ والشهداء ﴾ الحفظة. وقيل :هم الأبرار في كل زمان يشهدون على أهل ذلك الزمان ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ﴾ بين العباد ﴿ بالحق ﴾ بالعدل ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ ختم الآية بنفي الظلم كما افتتحها بإثبات العدل
﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ ﴾ أي جزاءه ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ من غير كتاب ولا شاهد، وقيل :هذه الآية تفسير قوله ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾. أي ووفيت كل نفس ما عملت من خير وشر لا يزاد في شر ولا ينقص من خير.
﴿ وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ ﴾ سوقاً عنيفاً، كما يفعل بالأسارى والخارجين على السلطان إذا سيقوا إلى حبس أو قتل ﴿ زُمَراً ﴾ حال أي أفواجاً متفرقة بعضها في أثر بعض ﴿ حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتْ ﴾ بالتخفيف فيهما :كوفي ﴿ أبوابها ﴾ وهي سبعة ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ﴾ أي حفظة جهنم وهم الملائكة الموكلون بتعذيب أهلها ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ﴾ من بني آدم ﴿ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايات رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا ﴾ أي وقتكم هذا وهو وقت دخولهم النار لا يوم القيامة ﴿ قَالُواْ بلى ﴾ أتونا وتلوا علينا ﴿ ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين ﴾ أي ولكن وجبت علينا كلمة الله
﴿ لأملأن جهنم ﴾ [ الأعراف :١٨ ] بسوء أعمالنا كما قالوا : ﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ ﴾ [ المؤمنون :١٠٦ ]، فذكروا عملهم الموجب لكلمة العذاب وهو الكفر والضلال.
﴿ قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا ﴾ حال مقدرة أي مقدرين الخلود ﴿ فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين ﴾ اللام فيه للجنس لأن ﴿ مَثْوَى المتكبرين ﴾ فاعل «بئس » و«بئس » فاعلها اسم معرف بلام الجنس أو مضاف إلى مثله، والمخصوص بالذم محذوف تقديره فبئس مثوى المتكبرين جهنم.
﴿ وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً ﴾ المراد سوق مراكبهم، لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين إلى دار الكرامة والرضوان كما يفعل بمن يكرم ويشرف من الوافدين على بعض الملوك ﴿ حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا ﴾ هي التي تحكى بعدها الجمل والجملة المحكية بعدها هي الشرطية إلا أن جزاءها محذوف، وإنما حذف لأنه في صفة ثواب أهل الجنة فدل بحذفه على أنه شيء لا يحيط به الوصف، وقال الزجاج :تقديره حتى إذا جاءوها ﴿ وَفُتِحَتْ أبوابها وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين ﴾ دخلوها فحذف دخولها ؛ لأن في الكلام دليلاً عليه. وقال قوم :حتى إذا جاءوها وجاءوها وفتحت أبوابها فعندهم جاءوها محذوف، والمعنى :حتى إذا جاءوها وقع مجيئهم مع فتح أبوابها، وقيل :أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، وأما أبواب الجنة فمتقدم فتحها لقوله تعالى : ﴿ جنات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب ﴾ [ ص :٥٠ ]. فلذلك جيء بالواو كأنه قال :حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها طبتم من دنس المعاصي، وطهرتم من خبث الخطايا، وقال الزجاج :أي كنتم طيبين في الدنيا ولم تكونوا خبيثين أي لم تكونوا أصحاب خبائث، وقال ابن عباس :طاب لكم المقام، وجعل دخول الجنة سببا عن الطيب والطهارة لأنها دار الطيبين ومثوى الطاهرين قد طهر من كل دنس وطيبها من كل قذر، فلا يدخلها إلا مناسب لها موصوف بصفتها.
﴿ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذى صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ أنجزنا ما وعدنا في الدنيا من نعيم العقبى ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض ﴾ أرض الجنة وقد أورثوها أي ملكوها وجعلوا ملوكها وأطلق تصرفهم فيها كما يشاءون تشبيهاً بحال الوارث وتصرفه فيما يرثه واتساعه فيه ﴿ نَتَبَوَّأُ ﴾ حال ﴿ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ ﴾ أي يكون لكل واحد منهم جنة لا توصف سعة وزيادة على الحاجة فيتبوأ أي فيتخذ متبوأ ومقراً من جنته حيث يشاء ﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين ﴾ في الدنيا الجنة
﴿ وَتَرَى الملائكة حَآفِّينَ ﴾ حال من ﴿ الملائكة ﴾ ﴿ مِنْ حَوْلِ العرش ﴾ أي محدقين من حوله. و«من » لابتداء الغاية أي ابتداء حفوفهم من حول العرش إلى حيث شاء الله ﴿ يُسَبِّحُونَ ﴾ حال من الضمير في ﴿ حَافّينَ ﴾ ﴿ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ أي يقولون :سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، أو سبوح قدوس رب الملائكة والروح، وذلك للتلذذ دون التعبد لزوال التكليف ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ﴾ بين الأنبياء والأمم أو بين أهل الجنة والنار ﴿ بالحق ﴾ بالعدل ﴿ وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ أي يقول أهل الجنة شكراً حين دخولها، وتم وعد الله لهم كما قال ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ [ يونس :١٠ ]، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ كل ليلة بني إسرائيل والزمر. الحوايم السبع كلها مكية عن ابن عباس رضي الله عنهما
السورة التالية
Icon