0:00
0:00

قوله تعالى : ﴿ تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾.
قد دل استقراء القرآن العظيم، على أن الله جل وعلا، إذا ذكر تنزيله لكتابه، أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى، المتضمنة صفاته العليا.
ففي أول هذه السورة الكريمة، لما ذكر تنزيله كتابه، بين أنَّ مبدأ تنزيله كائن منه جل وعلا، وذكر اسمه الله، واسمه العزيز، والحكيم، وذكر مثل ذلك في أول سورة الجاثية، في قوله تعالى : ﴿ حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم ِإِنَّ في السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ لآيات لِّلْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ الجاثية :١-٣ ]، وفي أول سورة الأحقاف في قوله تعالى : ﴿ حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم ِمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلاَّ بِالْحَقِّ ﴾ [ الأحقاف :١-٣ ] الآية.
وقد تكرر كثيراً في القرآن، ذكره بعض أسمائه وصفاته، بعد ذكر تنزيل القرآن العظيم، كقوله في أول سورة ﴿ حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيم ِغَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذي الطَّوْلِ لاَ إِلََه إِلاَّ هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ ﴾ [ غافر :١ -٣ ] وقوله تعالى في أول فصلت ﴿ حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَانِ الرَّحِيمِ ﴾ [ فصلت :١-٢ ]. وقوله تعالى في أول هود ﴿ الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءايَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ﴾ [ هود :١ ] وقوله في فصلت ﴿ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لاَّ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [ فصلت : [ ٤١-٤٢ ] وقوله تعالى في صدر يس ﴿ تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ لِتُنذِرَ قَوْماً مَّآ أُنذِرَ ءَابَآؤُهُمْ ﴾ [ يس : [ ٥-٦ ] وقوله تعالى : ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين َنَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمين ﴾ [ الشعراء :١٩٢-١٩٣ ]. وقوله تعالى : ﴿ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقاويل ﴾ [ الحاقة :٤٣-٤٤ ] الآية.
ولا يخفى أن ذكره جل وعلا هذه الأسماء الحسنى العظيمة، بعد ذكره تنزيل هذا القرآن العظيم، يدل بإيضاح، على عظمة القرآن العظيم، وجلالة شأنه وأهمية نزوله، والعلم عند الله تعالى.
قوله تعالى : ﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينِ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾.
أمر الله جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم. في هذه الآية الكريمة، أن يعبده في حال كونه، مخلصاً له الدين، أي مخلصاً له في عبادته، من جميع أنواع الشرك صغيرها وكبيرها، كما هو واضح من لفظ الآية.
والإخلاص، إفراد المعبود بالقصد، في كل ما أمر بالتقرب به إليه، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الإخلاص في العبادة لله وحده، لا بد منه، جاء في آيات متعددة، وقد بين جل وعلا، أنه ما أمر بعبادة، إلا عبادة يخلص له العابد فيها.
أما غير المخلص فكل ما أتى به من ذلك، جاء به من تلقاء نفسه، لا بأمر ربه، قال تعالى : ﴿ وَمَآ أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ [ البينة :٥ ] الآية، وقال جل وعلا ﴿ قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَّهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لاًّنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ إلى قوله تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِي فَاعْبُدُواْ مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾ [ الزمر :١١-١٥ ].
وقد قدمنا الكلام على العمل الصالح، وأنه لا بد فيه من الإخلاص، في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ ﴾ [ الكهف :٢ ] الآية. وفي غير ذلك من المواضع.
قوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾أي التوحيد الصافي من شوائب الشرك، أي هو المستحق لذلك وحده، وهو الذي أمر به. وقول من قال من العلماء :إن المراد بالدين الخالص كلمة لا إله إلا الله موافق لما ذكرناه. والعلم عند الله تعالى.
ثم لما ذكر جل وعلا إخلاص العبادة له وحده، بين شبهة الكفار التي احتجوا بها، للإشراك به تعالى، في قوله تعالى هنا : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾. فبين أنهم يزعمون أنهم ما عبدوا الأصنام، إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة.
فقوله :زلفى، ما ناب عن المطلق من قوله ليقربونا، أي ليقربونا إليه قرابة تنفعنا بشفاعتهم في زعمهم. ولذا كانوا يقولون في تلبيتهم :لبيك لا شريك لك، إلا شريكاً هو لك تملكه وما ملك.
وقد قدمنا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَابْتَغُواْ إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ ﴾ [ المائدة :٣٥ ] أن هذا النوع من ادعاء الشفعاء، واتخاذ المعبودات من دون الله وسائط من أصول كفر الكفار. وقد صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله جل وعلا ﴿ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ في السَّمَاوَاتِ وَلاَ في الأرض سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [ يونس :١٨ ]. فصرح تعالى بأن هذا النوع، من ادعاء الشفعاء شرك بالله، ونزه نفسه الكريمة عنه، بقوله جل وعلا ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ [ يونس :١٨ ] وأشار إلى ذلك في آية الزمر هذه، لأنه جل وعلا لما قال عنهم : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ في مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ أتبع ذلك بقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾.
وقوله :كفار، صيغة مبالغة، فدل ذلك على أن الذين قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى جامعون بذلك، بين الكذب والمبالغة في الكفر بقولهم ذلك، وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة الناس.
قوله تعالى : ﴿ لَّوْ أَرَادَ اللَّهُ أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاَّصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ :قد قدمنا الآيات الموضحة، بكثرة في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ ﴾ [ النحل :٥٧ ].
قوله تعالى : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه خلق بني آدم من نفس واحدة هي أبوهم آدم، ثم جعل من تلك النفس، زوجها يعني حواء. أي وبث جميع بني آدم منهما، وأوضح هذا في مواضع أخر من كتابه، كقوله تعالى في أول سورة النساء ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَآءً ﴾ [ النساء :١ ] وقوله في الأعراف : ﴿ هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ﴾ [ الأعراف :١٨٩ ] الآية، وتأنيث الوصف، بقوله واحدة، مع أن الموصوف به مذكر، وهو آدم نظراً إلى تأنيث لفظ النفس، وإن كان المراد بها مذكراً، ونظير ذلك من كلام العرب قوله :
أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال
قوله تعالى : ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾.
قد قدمنا إيضاح هذه الأزواج الثمانية بنص القرآن العظيم، في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى ﴿ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ﴾ [ آل عمران :١٤ ]. قوله تعالى : ﴿ يَخْلُقُكُمْ في بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ في رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّن تُرَابٍ ﴾ [ الحج :٥ ] الآية وبينا هناك المراد بالظلمات الثلاث المذكورة هنا.
قوله تعالى : ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ﴾.
قد بين جل وعلا، في هذه الآية الكريمة، أنه غني عن خلقه الغنى المطلق، وأنه لا يضره كفرهم به، والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى ﴿ وَقَالَ مُوسَى إِن تَكْفُرُواْ أَنتُمْ وَمَن في الأرض جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِىٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ إبراهيم :٨ ] وقوله تعالى : ﴿ فَكَفَرُواْ وَتَوَلَّواْ وَّاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِىٌّ حَمِيدٌ ﴾ [ التغابن :٦ ]، وقوله تعالى : ﴿ قَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ ﴾ [ يونس :٦٨ ] الآية. وقوله تعالى : ﴿ يا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَآءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ ﴾ [ فاطر :١٥ ] وقوله تعالى : ﴿ نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنتُمُ الفقراء ﴾ [ محمد صلى الله عليه وسلم :٣٨ ]، وقد أوضحنا هذا بالآيات في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.
قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ ﴾ الآية.
قد قدمنا إيضاحه مع إزالة الإشكال، والجواب عن الأسئلة الواردة، على تلك الآيات في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً [ الإسراء :١٥ ]، وأوضحنا ذلك، مع إزالة الإشكال في بعض الآيات، في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى :{ لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [ النحل :٢٥ ] الآية.
قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ ﴾ :قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا ﴾ [ يونس :١٢ ] الآية.
قوله تعالى : ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴾ :قد قدمنا الآيات الموضحة له مع الإشارة إلى بحث أصوله في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى ﴿ ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ﴾ [ الحجر :٣ ].
قوله تعالى : ﴿ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ﴾ :الظاهر أن معنى الآية، أن الإنسان إذا كان في محل لا يتمكن فيه من إقامة دينه على الوجه المطلوب، فعليه أن يهاجر منه، في مناكب أرض الله الواسعة، حتى يجد محلاً تمكنه فيه إقامة دينه.
وقد أوضح تعالى هذا المعنى في غير هذا الموضع كقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظالمي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ في الأرض قَالْواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا ﴾ [ النساء :٩٧ ]. وقوله تعالى : ﴿ يا عِبَادِي الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فإياي فَاعْبُدُونِ ﴾، ولا يخفى أن الترتيب بالفاء في قوله : ﴿ فإياي فَاعْبُدُونِ ﴾ على قوله : ﴿ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ ﴾ دليل واضح على ذلك.
قوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له، من أوجه في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى ﴿ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ ﴾ [ يونس :٤٥ ]
قوله تعالى : ﴿ لَهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِّنَ النَّارِ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ ﴾ الآية.
قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلاَ عَن ظُهُورِهِمْ ﴾، وذكرنا طرفاً من ذلك، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ﴾ [ الإسراء :٨ ].
قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُواْ الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُواْ إِلَى اللَّهِ ﴾.
ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من تحقيق معنى لا إله إلا الله، قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الفاتحة، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ﴾.
قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾.
أظهر الأقوال في الآية الكريمة، أن المراد بالقول، ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، من وحي الكتاب والسنة، ومن إطلاق القول على القرآن قوله تعالى : ﴿ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُواْ الْقَوْلَ ﴾. وقوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هوَ بِالْهَزْلِ ﴾ [ الطارق :١٣-١٤ ]. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة : ﴿ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ أي يقدمون الأحسن، الذي هو أشد حسناً، على الأحسن الذي هو دونه في الحسن، ويقدمون الأحسن مطلقاً على الحسن. ويدل لهذا آيات من كتاب الله.
أما الدليل على أن القول الأحسن المتبع. ما أنزل عليه صلى الله عليه وسلم من الوحي، فهو في آيات من كتاب الله كقوله تعالى : ﴿ وَاتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ﴾ [ الزمر :٥٥ ] وقوله تعالى لموسى يأمره بالأخذ بأحسن ما في التوراة ﴿ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا ﴾ [ الأعراف :١٤٥ ].
وأما كون القرآن فيه الأحسن والحسن، فقد دلت عليه آيات من كتابه.
واعلم أولاً أنه لا شك في أن الواجب أحسن من المندوب، وأن المندوب أحسن من مطلق الحسن، فإذا سمعوا مثلاً قوله تعالى : ﴿ وَافْعَلُواْ الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [ الحج :٧٧ ] قدموا فعل الخير الواجب، على فعل الخير المندوب، وقدموا هذا الأخير، على مطلق الحسن الذي هو الجائز، ولذا كان الجزاء بخصوص الأحسن الذي هو الواجب والمندوب، لا على مطلق الحسن، كما قال تعالى : ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ النحل :٩٧ ] وقال تعالى ﴿ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ الزمر :٣٥ ] كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ النحل :٩٧ ]، وبينا هناك دلالة الآيات على أن المباح حسن، كما قال صاحب المراقي :
ما ربنا لم ينه عنه حسن وغيره القبيح والمستهجن
ومن أمثلة الترغيب في الأخذ بالأحسن وأفضليته مع جواز الأخذ بالحسن قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ﴾ [ النحل :١٢٦ ] فالأمر في قوله : ﴿ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ ﴾ للجواز، والله لا يأمر إلا بحسن. فدل ذلك على أن الانتقام حسن، ولكن الله بين أن العفو والصبر، خير منه وأحسن في قوله : ﴿ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ ﴾ وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، كقوله تعالى في إباحة الانتقام، ﴿ وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ ﴾ [ الشورى :٤١ ]، مع أنه بين أن الصبر والغفران خير منه، في قوله بعده : ﴿ وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور ﴾ [ الشورى :٤٣ ]، وكقوله في جواز الانتقام ﴿ لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ ﴾ [ النساء :١٤٨ ] مع أنه أشار إلى أن العفو خير منه، وأنه من صفاته جل وعلا مع كمال قدرته وذلك في قوله بعده : ﴿ إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهْ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً ﴾ [ النساء :١٤٩ ]. وكقوله جل وعلا مثنياً على من تصدق، فأبدى صدقته ﴿ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هي ﴾ [ البقرة :٢٧١ ] ثم بين أن إخفاءها وإيتاءها الفقراء، خير من إبدائها الذي مدحه بالفعل الجامد، الذي هو لإنشاء المدح الذي هو نعم، في قوله ﴿ إِن تُبْدُواْ الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هي وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [ البقرة :٢٧١ ].
وكقوله في نصف الصداق اللازم، للزوجة بالطلاق، قبل الدخول، فنصف ما فرضتم، ولا شك أن أخذ كل واحد من الزوجين النصف حسن، لأن الله شرعه في كتابه في قوله ﴿ فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ [ البقرة :٢٣٧ ] مع أنه رغب كل واحد منهما، أن يعفو للآخر عن نصفه، وبين أن ذلك أقرب للتقوى وذلك في قوله بعده ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ﴾ [ البقرة :٢٣٧ ].
وقد قال تعالى : ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ [ الشورى :٤٠ ] ثم أرشد إلى الأحسن بقوله ﴿ فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [ الشورى :٤٠ ] وقال تعالى : ﴿ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ ﴾ [ المائدة :٤٥ ] ثم أرشد إلى الأحسن، في قوله : ﴿ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ ﴾ [ المائدة :٤٥ ].
واعلم أن في هذه الآية الكريمة أقوالاً غير الذي اخترنا.
منها ما روي عن ابن عباس، في معنى ﴿ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [ الزمر :١٨ ] قال «هو الرجل يسمع الحسن والقبيح فيتحدث بالحسن، وينكف عن القبيح، فلا يتحدث به ».
وقيل يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن.
وقيل :إن المراد بأحسن القول لا إله إلا الله، وبعض من يقول بهذا يقول :إن الآية نزلت فيمن كان يؤمن بالله قبل بعث الرسول صلى الله عليه وسلم، كزيد بن عمرو بن نفيل العدوي، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي، إلى غير ذلك من الأقوال.
قوله تعالى : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن في النَّارِ ﴾.
أظهر القولين في الآية الكريمة، أنهما جملتان مستقلتان، فقوله أفمن حق عليه كلمة العذاب جملة مستقلة، لكن فيها حذفاً، وحذف ما دل المقام عليه واضح، لا إشكال فيه.
والتقدير :أفمن حق عليه كلمة العذاب، تخلصه أنت منه، والاستفهام مضمن معنى النفي، أي لا تخلص أنت يا نبي الله أحداً سبق في علم الله أنه يعذبه من ذلك العذاب، وهذا المحذوف دل عليه قوله بعده ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن في النَّارِ ﴾.
وقد قدمنا مراراً قولي المفسرين في أداة الاستفهام المقترنة بأداة عطف كالفاء والواو وثم كقوله :هنا : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ ﴾ وقوله : ﴿ أَفَأَنتَ تُنقِذُ ﴾.
أما القول بأن الكلام جملة واحدة شرطية، كما قال الزمخشري :أصل الكلام :أمن حق عليه كلمة العذاب، فأنت تنقذه جملة شرطية، دخل عليها همزة الإنكار، والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب، تقديره :أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه، والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإنكار والاستبعاد، ووضع من في النار موضع الضمير، فالآية على هذا جملة واحدة، فإنه لا يظهر كل الظهور.
واعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة يس في الكلام على قوله تعالى : ﴿ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ ﴾ [ يس :٧ ] الآية، وبينا دلالة الآيات على المراد بكلمة العذاب.
قوله تعالى : ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَواْ رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ ﴾ الآية.
ما تضمنته هذه الآية الكريمة، من وعد أهل الجنة بالغرف المبنية، ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة سبأ ﴿ إِلاَّ مَنْ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ لَهُمْ جَزَآءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُواْ وَهُمْ في الْغُرُفَاتِ ءَامِنُونَ ﴾ [ سبأ :٣٧ ]. وقوله تعالى في سورة التوبة : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ ﴾ [ التوبة :٧٢ ] الآية. وقوله تعالى في سورة الصف : ﴿ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً في جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [ الصف :١٢ ]، لأن المساكن الطيبة المذكورة في التوبة والصف صادقة بالغرف المذكورة في الزمر وسبأ، وقد قدمنا طرفاً من هذا في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ ﴾ [ الفرقان :٧٥ ] الآية.
قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ في الأرض ﴾. الينابيع :جمع ينبوع، وهو الماء الكثير.
وقوله : ﴿ فسلكه ﴾ أي أدخله، كما قدمنا إيضاحه بشواهده العربية، والآيات القرآنية في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ [ هود :٤٠ ].
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من سورة الزمر، قد أوضحناه في أول سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى : ﴿ يَعْلَمُ مَا يَلْجُ في الأرض وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا ﴾ [ سبأ :٢ ] الآية. قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾.
قد قدمنا الكلام على ما يماثله من الآيات في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَمِنْ ءَايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ والأرض وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ﴾ [ الروم :٢٢ ] وأحلنا عليه في سورة فاطر، في قوله تعالى : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أنَزَلَ مِنَ السَّمَآءِ مَآءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا ﴾ [ فاطر :٢٧ ] الآية.
قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ في ذَلِكَ لَذِكْرَى لأولى الألباب ﴾ :
قوله ثم يهيج :أي ثم بعد نضارة ذلك الزرع وخضرته ييبس، ويتم جفافه ويثور من منابته فتراه أيها الناظر مصفراً يابساً، قد زالت خضرته ونضارته. ثم يجعله حطاماً أي فتاتاً، متكسراً، هشيماً، تذروه الرياح، إن في ذلك المذكور من حالات ذلك الزرع، المختلف الألوان، لذكري أي عبرة وموعظة وتذكيراً لأولي الألباب، أي لأصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، فقد ذكر جل وعلا مصير هذا الزرع على سبيل الموعظة والتذكير، وبين في موضع آخر، أن ما وعظ به خلقه هنا من حالات هذا الزرع شبيه أيضاً بالدنيا. فوعظ به في موضع وشبه به حالة الدنيا في موضع آخر، وذلك في قوله تعالى في سورة الحديد ﴿ اعْلَمُواْ أَنَّمَا الحياة الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ في الأموال والأولاد كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً ﴾ [ الحديد :٢٠ ]. ويبين في سورة الروم أن من أسباب اصفراره المذكور إرسال الريح عليه، وذلك في قوله : ﴿ وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [ الروم :١٢٥ ].
قوله تعالى : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِّن رَّبِّهِ ﴾ :قد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى : ﴿ فَمَن يُرِدِ اللَّهُ أَن يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلَامِ ﴾ [ الأنعام :١٢٥ ].
قوله تعالى : ﴿ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ :قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : ﴿ إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ ﴾ [ النحل :٣٧ ] الآية، وفي غير ذلك من الموضع.
قوله تعالى : ﴿ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً غَيْرَ ذي عِوَجٍ ﴾ :
قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً ﴾ [ الكهف :١-٢ ] الآية. وقوله في هذه الآية الكريمة :قرآناً انتصب على الحال وهي حال مؤكدة، والحال في الحقيقة هو عربياً، وقرآناً توطئة له وقيل انتصب على المدح.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة :عربياً، أي لأنه بلسان عربي كما قال تعالى : ﴿ لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أعجمي وهذا لِسَانٌ عربي مُّبِينٌ ﴾ [ النحل :١٠٣ ]. وقال تعالى في أول سورة يوسف ﴿ إِنَّآ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [ يوسف :٢ ]. وقال في أول الزخرف ﴿ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [ الزخرف :٣ ]. وقال في طه ﴿ وَكَذالِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً ﴾ [ طه :١١٣ ] وقال تعالى في فصلت : ﴿ وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْءَاناً أعْجَمِيّاً لَّقَالُواْ لَوْلاَ فُصِّلَتْ ءَايَاتُهُ ءَاعْجَمِىٌّ وَعَرَبِىٌّ ﴾ [ فصلت :٤٤ ] وقال تعالى في الشعراء ﴿ وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين َنَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأمين عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِين َبِلِسَانٍ عربي مُّبِينٍ ﴾ [ الشعراء :١٩٣-١٩٥ ] وقال تعالى في سورة شورى ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْءَاناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا ﴾ [ الشورى :٧ ] الآية. وقال تعالى في الرعد ﴿ وَكَذالِكَ أَنزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ مَا جَآءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِىٍّ وَلاَ وَاقٍ ﴾ [ الرعد :٣٧ ] إلى غير ذلك من الآيات. وهذه الآيات القرآنية تدل على شرف اللغة العربية وعظمها، دلالة لا ينكرها إلا مكابر.
قوله تعالى : ﴿ والذي جَآءَ بِالصِّدْقِ ﴾.
أوضح جل وعلا، أن الذي في هذه الآية بمعنى الذين، بدليل قوله بعده ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [ الزمر :٣٣-٣٤ ].
وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الذي تأتي بمعنى الذين، في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلة ذلك في القرآن، قوله تعالى في آية الزمر هذه : ﴿ والذي جَآءَ بِالصِّدْقِ ﴾. وقوله تعالى في سورة البقرة ﴿ مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الذي اسْتَوْقَدَ نَاراً ﴾ أي الذين استوقدوا بدليل قوله بعده : ﴿ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ ﴾ [ البقرة :١٧ ] وقوله فيها أيضاً ﴿ كالذي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَآءَ النَّاسِ ﴾ [ البقرة :٢٦٤ ] أي كالذين ينفقون بدليل قوله بعده ﴿ لاَّ يَقْدِرُونَ عَلَى شيء مِّمَّا كَسَبُواْ ﴾ [ البقرة :٢٦٤ ] الآية. وقوله تعالى في التوبة ﴿ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُواْ ﴾ [ التوبة :٦٩ ] على القول بأن الذي موصولة لا مصدرية، ونظيره من كلام العرب قول أشهب بن رميلة :
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم خالد
وقول عديل بن الفرخ العجلي :
فبت أساقي القوم إخوتي الذي غوايتهم غيٌّ ورشدهم رشد
وقول الراجز :
يا رب عبس لا تبارك في أحد في قائم منها ولا فيمن قعد
إلا الذي قاموا بأطراف المسد
قوله تعالى : ﴿ لَهُم مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَآءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ ﴾ [ النحل :٣١ ] الآية.
قوله تعالى : ﴿ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له، في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [ الزمر :١٧-١٨ ] وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ النحل :٩٧ ].
قوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنفال، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النبي حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [ الأنفال :٦٤ ] وعلى قراءة الجمهور بكاف عبده، بفتح العين وسكون الباء، بإفراد العبد، والمراد به، النبي صلى الله عليه وسلم. كقوله : ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ﴾ [ البقرة :١٣٧ ] وقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا النبي حَسْبُكَ اللَّهُ ﴾ [ الأنفال :٦٤ ] الآية.
وأما على قراءة حمزة والكسائي عِبادَهُ بكسر العين وفتح الباء بعدها ألف على أنه جمع عبد، فالظاهر أنه يشمل عباده الصالحين من الأنبياء وأتباعهم.
قوله تعالى : ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الكفار عبدة الأوثان، يخوفون النبي صلى الله عليه وسلم، بالأوثان التي يعبدونها من دون الله، لأنهم يقولون له :إنها ستضره وتخبله، وهذه عادة عبدة الأوثان لعنهم الله، يخوفون الرسل بالأوثان ويزعمون أنها ستضرهم وتصل إليهم بالسوء.
ومعلوم أن أنبياء الله عليهم صلوات الله وسلامه، لا يخافون غير الله ولاسيما الأوثان، التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، ولذا قال تعالى عن نبيه إبراهيم لما خوَّفوه بها ﴿ وَكَيْفَ أَخَافُ مَآ أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فأي الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بالأمن ﴾ [ الأنعام :٨١ ] الآية.
وقال عن نبيه هود وما ذكره له قومه من ذلك ﴿ إِن نَّقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ بَعْضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إني أُشْهِدُ اللَّهِ وَاشْهَدُواْ أَنِّى بريء مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لاَ تُنظِرُونِ إني تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّى وَرَبِّكُمْ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ ءاخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ إِنَّ رَبِّى عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ﴾ [ هود :٥٤-٥٦ ].
وقال تعالى في هذه السورة الكريمة، مخاطباً نبينا صلى الله عليه وسلم، بعد أن ذكر تخويفهم له بأصنامهم ﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ والأرض لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أرادني اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أرادني بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حسبي اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ [ الزمر :٣٨ ].
ومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإشراك بالله.
وقد بين جل وعلا في موضع آخر، أن الشيطان يخوف المؤمنين أيضاً، الذين هم أتباع الرسل من أتباعه وأوليائه من الكفار، كما قال تعالى : ﴿ إِنَّمَا ذالِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ ﴾ [ آل عمران :١٧٥ ].
والأظهر أن قوله ﴿ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ﴾ حذف فيه المفعول الأول، أي يخوفكم أولياءه، بدليل قوله بعده : ﴿ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ ﴾ الآية.
قوله تعالى : ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ إِنْ أرادني اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أرادني بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾.
ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن المعبودات من دونه، لا تقدر أن تكشف ضراً أراد الله به أحداً، أو تمسك رحمة أراد بها أحداً، جاء موضحاً في آيات كثيرة، كقوله تعالى : ﴿ لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يَبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنكَ شَيْئاً ﴾ وقوله تعالى : ﴿ قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ قَالُواْ بَلْ وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ ﴾ [ الشعراء :٧٢-٧٤ ]. وقوله تعالى : ﴿ مَّا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴾ [ فاطر :٢ ] وقوله تعالى ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ [ يونس :١٠٧ ]، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.
قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الصافات، في الكلام على قوله تعالى ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِين َإِنَّهُمْ كَانُواْ إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إِلََه إِلاَّ اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ ﴾ [ الصافات :٣٤-٣٥ ].
قوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا في الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين ظلموا وهم الكفار، ولو كان لهم في الآخرة ما في الأرض جميعاً ومثله معه، لفدوا أنفسهم به من سوء العذاب الذي عاينوه يوم القيامة، وبين هذا المعنى في مواضع أخر وصرح فيها بأنه لا فداء البتة يوم القيامة كقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ ﴾ [ آل عمران :٩١ ]. وقوله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا في الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُواْ بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ يُرِيدُونَ أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ [ المائدة :٣٦-٣٧ ] وقوله تعالى ﴿ فَالْيَوْمَ لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلاَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مَأْوَاكُمُ النَّارُ هي مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ ﴾ [ الحديد :١٥ ]. وقوله تعالى : ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لاَّ يُؤْخَذْ مِنْهَآ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُواْ بِمَا كَسَبُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مِّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ ﴾ [ الأنعام :٧٠ ]. فقوله ﴿ وَإِن تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ ﴾ أي وإن تفتد كل فداء، وقوله تعالى ﴿ وَلاَ يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾. وقوله ﴿ وَلاَ يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ ﴾ [ البقرة :١٢٣ ] الآية، والعدل الفداء وقوله تعالى ﴿ وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَّا في الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾ [ الرعد :١٨ ].
وقد قدمنا طرفاً من هذا في سورة آل عمران، في الكلام على قوله تعالى ﴿ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرض ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ ﴾ [ آل عمران :٩١ ] الآية.
قوله تعالى : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾.
قوله وبدا لهم أي ظهر لهم سيئات ما كسبوا، أي جزاء سيئاتهم التي اكتسبوها في الدنيا، فالظاهر أنه أطلق السيئات هنا مراداً بها جزاؤها.
ونظيره من القرآن قوله تعالى ﴿ وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ [ الشورى :٤٠ ].
ونظير ذلك أيضاً إطلاق العقاب، على جزاء العقاب، في قوله تعالى ﴿ ذِلكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِىَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ ﴾ [ الحج :٦٠ ] الآية.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنهم يبدوا لهم يوم القيامة، حقيقة ما كانوا يعملونه في الدنيا جاء موضحاً في آيات أخر، كقوله تعالى ﴿ هُنَالِكَ تَبْلُواْ كُلُّ نَفْسٍ مَّآ أَسْلَفَتْ ﴾ [ يونس :٣٠ ] وقوله تعالى ﴿ يُنَبَّأُ الإِنسَانُ يَوْمَئِذِ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ ﴾ [ القيامة :١٣ ] وقوله تعالى ﴿ عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ ﴾ [ الانفطار :٥ ]. وقوله تعالى : ﴿ وَيَقُولُونَ يا وَيْلَتَنَا مَا لهذا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا ﴾ [ الكهف :٤٩ ] الآية. وقوله تعالى ﴿ وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ في عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُوراً اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا ﴾ [ الإسراء :١٣-١٤ ] إلى غير ذلك من الآيات.
قوله تعالى : ﴿ فَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِّنَّا قَالَ إِنَّمَآ أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ ﴾ [ يونس :١٢ ] الآية.
قوله تعالى : ﴿ وَاتَّبِعُواْ أَحْسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في قوله تعالى ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِة الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ [ الزمر :١٧ -١٨ ] وقدمنا طرفاً منه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ النحل :٩٧ ].
قوله تعالى : ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له من جهات في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى ﴿ يَوْمَ يأتي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَآءَ فَيَشْفَعُواْ لَنَآ أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الذي كُنَّا نَعْمَلُ ﴾ [ الأعراف :٥٣ ].
قوله تعالى : ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾.
قد قدمنا الكلام عليه وعلى ما يماثله من الآيات في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى ﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ [ آل عمران :١٠٦ ] الآية.
قوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى لِّلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾.
تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية، مع بيان جملة من آثار الكِبَر السيئة، في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى ﴿ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ ﴾ [ الأعراف :١٣ ].
قوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾.
قد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى ﴿ وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ [ الأنعام :٨٨ ].
وقد ذكرنا في سورة المائدة الآية المتضمنة للقيد الذي لم يذكر في هذه الآيات على قوله تعالى ﴿ وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ ﴾ [ المائدة :٥ ] الآية.
قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى ﴿ وَنُفِخَ في الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأجداث إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ [ يس :٥١ ].
قوله تعالى : ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ ﴾.
قد قدمنا إيضاحه، بالآيات القرآنية، في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى ﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ ﴾ [ الكهف :٤٩ ] وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى ﴿ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُوراً ﴾ [ الإسراء :١٣ ].
قوله تعالى : ﴿ وجيء بِالنَّبِيِّيْنَ وَالشُّهَدَآءِ وَقُضِىَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ ﴾ [ ٦٩-٧٠ ] الآية.
اختلف العلماء في المراد بالشهداء في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم :هم الحفظة من الملائكة الذين كانوا يحصون أعمالهم في الدنيا، واستدل من قال هذا بقوله تعالى ﴿ وَجَآءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَآئِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ [ ق :٢١ ].
وقال بعض العلماء :الشهداء أمة محمد صلى الله عليه وسلم، يشهدون على الأمم، كما قال تعالى : ﴿ وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [ البقرة :١٤٣ ].
وقيل :الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله، وأظهر الأقوال في الآية عندي، أن الشهداء هم الرسل من البشر، الذين أرسلوا إلى الأمم، لأنه لا يقضي بين الأمة حتى يأتي رسولها، كما صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله تعالى : ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِىَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ [ يونس :٤٧ ] فصرح جل وعلا بأنه يسأل الرسل عما أجابتهم به أممهم، كما قال تعالى : ﴿ يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبْتُمْ ﴾ [ المائدة :١٠٩ ] وقال تعالى ﴿ فلنسألن الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْألَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴾ [ الأعراف :٦ ] وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤلاء شَهِيداً ﴾ [ النساء :٤١ ] لأن كونه صلى الله عليه وسلم هو الشهيد على هؤلاء الذين هم أمته، يدل على أن الشهيد على كل أمة هو رسولها.
وقد بين تعالى أن الشهيد على كل أمة من أنفس الأمة، فدل على أنه ليس من الملائكة، وذلك في قوله تعالى ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ في كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ [ النحل :٨٩ ]. والرسل من أنفس الأمم كما قال تعالى في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم : ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ [ التوبة :١٢٨ ]. وقال تعالى : ﴿ لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ ﴾ [ آل عمران :١٦٤ ] الآية.
والمسوغ للإيجاز بحذف الفاعل في قوله تعالى : ﴿ وجيء بِالنَّبِيِّيْنَ ﴾ هو أنه من المعلوم الذي لا نزاع فيه، أنه لا يقدر على المجيء بهم إلا الله وحده جل وعلا.
وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير الكسائي وهشام عن ابن عامر، وجيء بكسر الجيم كسرة خالصة.
وقرأه الكسائي وهشام عن ابن عامر بإشمام الكسرة الضم.
وإنما كان الإشمام هنا جائزاً، والكسر جائزاً، لأنه لا يحصل في الآية البتة، لبس بين المبني للفاعل، والمبني للمفعول، إذ من المعلوم أن قوله هنا :وجيء مبني للمفعول ولا يحتمل البناء للفاعل بوجه، وما كان كذلك جاز فيه الكسر الخالص وإشمام الكسرة الضم كما أشار له في الخلاصة بقوله :
واكسر أو أشمم فا ثلاثي أعل *** عيناً وضم حاء كبوع فاحتمل
أما إذا أسند ذلك الفعل إلى ضمير الرفع المتصل، فإن ذلك قد يؤدي إلى اللبس، فيشتبه المبني للمفعول، بالمبني للفاعل، فيجب حينئذ اجتناب الشكل الذي يوجب اللبس، والإتيان بما يزيل اللبس من شكل أو إشمام كما أشار له في الخلاصة بقوله :وإن بشكل خيف لبس يجتنب ***...
ومن أمثلة ذلك قول الشاعر، وقد أنشده صاحب اللسان :
وإني على المولى وإن قل نفعه *** دفوع إذا ما صمت غير صبور
فقوله صمت أصله صيمت بالبناء للمفعول فيجب الإشمام أو الضم لأن الكسر الخالص يجعله محتملاً للبناء للفاعل كبعت وسرت. وقول جرير يرثي المرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة :
وأقول من جزع وقد فتنا به *** ودموع عيني في الرداء غزار
للدافنين أخا المكارم والندا *** لله ما ضمنت بك الأحجار
أصله فوتنا بالبناء للمفعول فيجب الكسر أو الإشمام لأن الضم الخالص يجعله محتملاً للبناء للفاعل، كقلنا وقمنا.
قوله تعالى : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾.
الزمر الأفواج المتفرقة، واحده زمرة، وقد عبر تعالى عنها هنا بالزمر، وعبر عنها في الملك بالأفواج في قوله تعالى : ﴿ كُلَّمَا أُلْقِىَ فِيهَا فَوْجٌ ﴾ [ الملك :٨ ] الآية، وعبر عنها في الأعراف بالأمم في قوله تعالى : ﴿ قَالَ ادْخُلُواْ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّن الْجِنِّ وَالإِنْسِ في النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لأولاهم ﴾ [ الأعراف :٣٨ ] الآية.
وقال في فصلت ﴿ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمْ مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُواْ خَاسِرِينَ ﴾ [ فصلت :٢٥ ] وقال تعالى : ﴿ هَذَا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ لاَ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُوا النَّارِ ﴾ [ ص :٥٩ ].
ومن إطلاق الزمر على ما ذكرنا قوله :
وترى الناس إلى منزله زمراً تنتابه بعد زمر
وقول الراجز :
إن العفاة بالسيوب قد غمر حتى احزألت زمراً بعد زمر
قوله تعالى : ﴿ حَتَّى إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾.
لم يبين جل وعلا هنا عدد أبوابها المذكورة، ولكنه بين ذلك، في سورة الحجر في قوله ﴿ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ ﴾ [ الحجر :٤٣ -٤٤ ].
وقوله تعالى ﴿ وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر :( فُتِّحت ) بالتاء.
قوله تعالى :{ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَآ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هذا قَالُواْ بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ.
قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً ﴾ [ الإسراء :١٥ ].
قوله تعالى : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾.
قد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [ النحل :٣٢ ].
قوله تعالى : ﴿ وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَآءُ ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة إذا دخلوها وعاينوا ما فيها من النعيم، حمدوا ربهم وأثنوا عليه، ونوهوا بصدق وعده لهم، وذكر هذا المعنى في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى : ﴿ وَنَزَعْنَا مَا في صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار وَقَالُواْ الْحَمْدُ لِلَّهِ الذي هَدَانَا لهذا وَمَا كُنَّا لنهتدي لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَآءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُواْ أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [ الأعراف :٤٣ ]. وقوله تعالى : ﴿ وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ﴾ [ الأعراف :٤٤ ] الآية.
وقوله تعالى : ﴿ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ وَقَالُواْ الْحَمْدُ للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الذي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِن فَضْلِهِ لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ﴾ [ فاطر :٣٣-٣٥ ].
السورة التالية
Icon