0:00
0:00

هذه السورة مكية، قيل :إلا ثلاث آيات منها هي الآيات ٥٢، ٥٣، ٥٤، وآياتها ٧٥ آية، افتتحت هذه السورة بالتنويه بشأن القرآن، ثم بالدعوة إلى إخلاص العبادة لله وحده والرد على من قال :إن لله ولدا. ثم عرضت الآيات قدرة الله تعالى في خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان، وأن الناس إن يكفروا به فهو غني عنهم، وإن يشكروا يرضه لهم ولا يرضى لهم بالكفر، كما عرضت لخلق من أخلاق الإنسان في موضعين :أنه إذا مسه الضر دعا ربه وأناب إليه، وإذا أنعم عليه نسى ما كان يدعو إليه من قبل.
ثم عقدت مقارنة بين من يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه، وبين المتمردين عليه، وما أعد لهؤلاء وأولئك من الجزاء يوم القيامة، ثم ذكرهم بنعمة الله عليهم بإنزاله الماء، وأنه يحيي به الأرض بعد موتها، ينبت به النبات الذي يأخذ أطوارا متعددة، وفي ذلك ذكرى لأولي الألباب.
وتعود السورة للحديث عن القرآن وتأثيره على الذين يخشون ربهم، وأن الله قد ضرب فيه الأمثلة لعلهم يتذكرون، قرآنا غير ذي عوج لعلهم يتقون، ثم قارنت السورة بين العبد المشرك والبعد المخلص لله، وأنهما لا يستويان، وأن الموت هو مآل الجميع، ثم عند ربهم يختصمون.
ثم بينت مآل من كذب على الله وكذب بالصدق، ومآل الصادقين في أقوالهم، المصدقين لما أنزل إليهم، وأن هؤلاء المشركين لو سألتهم :من خلق السماوات والأرض ؟ ليقولن :الله. ولكنهم مع ذلك يعبدون من لا يدفعون عنهم ضرا إن أرادهم الله بضر، ولا يمسكون رحمة إن أراد الله بهم رحمة، ثم تقرر هذه السورة أن هذا الكتاب أنزل بالحق، فمن اهتدى فلنفسه، ومن ضل فإثمه على نفسه، وأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس عليهم بوكيل.
ثم تعود إلى تذكيرهم بالموت والبعث، وأن الشركاء الذين اتخذوهم من دون الله لا يملكون لهم شيئا حتى الشفاعة، فإن لله الشفاعة جميعا.
ولما كثر الكلام عما أعد للعصاة والمسرفين من العذاب الأليم وربما كان هذا مما يبعث في قلوبهم اليأس من رحمة الله فتح لهم باب الأمل في رحمته ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم ﴾ ودعاهم إلى الإنابة إليه قبل أن يأتيهم العذاب بغتة وهم لا يشعرون : ﴿ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة ﴾. والذين اتقوا لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون، وختمت السورة بالحديث عن اليوم الآخر، من مبدئه يوم ينفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله، إلى أن يأخذ كل ذي حق حقه، فيساق أهل النار إليها، كما يساق أهل الجنة إليها، ويقولون فيها :الحمد لله الذي صدقنا وعده وقضى بين الجميع بالحق، وقيل :الحمد لله رب العالمين.

تنزيل القرآن من الله الذي لا يغلبه أحد على مراده، الحكيم في فعله وتشريعه.
إنا أنزلنا إليك - يا محمد - القرآن آمراً بالحق، فاعبد الله مخلصاً له - وحده - العبادة.
ألا لله - وحده - الدين البريء من كل شائبة، والمشركون الذين اتخذوا من دونه نصراء يقولون :ما نعبد هؤلاء لأنهم خالقون، إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله - تقريباً - بشفاعتهم لنا عنده. إن الله يحكم بين هؤلاء المشركين وبين المؤمنين الموحِّدين فيما كانوا فيه يختلفون من أمر الشرك والتوحيد، إن الله لا يوفق لإدراك الحق من شأنه الكذب والإمعان فيه.
لو أراد الله أن يتخذ ولداً - كما قالت النصارى في المسيح، والمشركون في الملائكة - لاختار الولد من خلقه كما يشاء هو، لا كما تشاءون أنتم، تنزه الله عن أن يكون له ولد، هو الله الذي لا مثيل له، القهَّار الذي بلغ الغاية في القهر.
خلق السماوات والأرض متصفا دائماً بالحق والصواب على ناموس ثابت، يلف الليل على النهار ويلف النهار على الليل على صورة الكرة، وذلل الشمس والقمر لإرادته ومصلحة عباده، كل منهما يسير في فلكه إلى وقت محدد عنده، وهو يوم القيامة، ألا هو - دون غيره - الغالب على كل شيء، فلا يخرج شيء عن إرادته، الذي بلغ الغاية في الصفح عن المذنبين من عباده.
خلقكم - أيها الناس - من نفس واحدة - هو آدم أبو البشر - وخلق من هذه النفس زوجها حواء، وأنزل لصالحكم ثمانية أنواع من الأنعام ذكراً وأنثى :وهي الإبل والبقر والضأن والماعز، يخلقكم في بطون أمهاتكم طوراً من بعد طور في ظلمات ثلاث :هي ظلمة البطن والرحم والمشيمة، ذلكم المنعم بهذه النعم هو الله مربيكم ومالك أمركم، له - لا لغيره - الملك الخالص، لا معبود بحق إلا هو، فكيف يعدلون عن عبادته إلى عبادة غيره ؟.
إن تكفروا بنعمه - أيها الناس - فإن الله غنى عن إيمانكم وشكركم، ولا يحب لعباده الكفر، لما فيه من ضرهم، وإن تشكروه على نعمه يرض هذا الشكر لكم، ولا تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى، ثم إلى ربكم مآلكم فيخبركم بما كنتم تعملون في الدنيا، إنه عليم بما تكتمه قلوبكم التي في الصدور.
وإذا أصاب الإنسان مكروه - من مكاره الدنيا - دعا ربه راجعاً إليه بعد أن كان معرضاً عنه، ثم إذا أعطاه ربه نعمة عظيمة نسى الضر الذي كان يدعو ربه إلى إزالته وكشفه من قبل أن يمن عليه بهذه النعمة، وجعل لله شركاء متساوين معه في العبادة، فعل هذا الإنسان ذلك ليضل نفسه وغيره عن طريق الله. قل - يا محمد - لمن هذه صفته متوعداً :تمتع بكفرك بنعم الله عليك زمناً قليلاً، إنك من أهل النار.
أَمَّن هو خاشع لله أثناء الليل يقضيه ساجداً وقائماً، يخشى الآخرة ويرجو رحمة ربه. كمن يدعو ربه في الضراء وينساه في السراء ؟ ! قل لهم - يا محمد - :هل يستوي الذين يعلمون حقوق الله فيوحدونه، والذين لا يعلمون، لإهمالهم النظر في الأدلة ؟ إنما يتعظ أصحاب العقول السليمة.
قل - أيها النبي - مُبلغاً عن ربك :يا عبادي الذين آمنوا بي، اتخذوا وقاية من غضب ربكم، فإن لِمن أحسن العمل عاقبة حسنة في الدنيا بالتأييد، وفي الآخرة بالجنة. ولا تقيموا في ذل، فأرض الله واسعة، واصبروا على مفارقة الأوطان والأحباب، إنما يوفي الله الصابرين أجرهم مضاعفاً، لا يدخل تحت حساب الحاسبين.
قل :إني أمرت أن أعبد الله مخلصاً له عبادتي من كل شرك ورياء.
وأمرت منه تعالى - أمراً مؤكداً - أن أكون أول المنقادين لأوامره.
قل :إني أخشى إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم الهول.
قل لهم يا محمد :الله - وحده - أعبد، مبرئاً عبادتي من الشرك والرياء، فإذا عرفتم طريقتي ولم تطيعوني فاعبدوا ما شئتم من دونه. قل لهم :إن الخاسرين - كل الخسران - هم الذين أضاعوا أنفسهم بضلالهم، وأهليهم بإضلالهم يوم القيامة. ألا ذلك الضياع هو الخسران الكامل الواضح.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٤: قل لهم يا محمد :الله - وحده - أعبد، مبرئاً عبادتي من الشرك والرياء، فإذا عرفتم طريقتي ولم تطيعوني فاعبدوا ما شئتم من دونه. قل لهم :إن الخاسرين - كل الخسران - هم الذين أضاعوا أنفسهم بضلالهم، وأهليهم بإضلالهم يوم القيامة. ألا ذلك الضياع هو الخسران الكامل الواضح.
لهؤلاء الخاسرين من فوقهم طبقات متراكمة من النار، ومن تحتهم مثلها، ذلك التصوير للعذاب يخوِّف الله به عباده، يا عباد :فاخشوا بأسى.
والذين اجتنبوا الأصنام والشياطين، ولم يتقربوا إليها، ورجعوا إلى الله في كل أمورهم، لهم البشارة العظيمة في جميع المواطن، فبشر - يا محمد - عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون الأحسن والأهدى إلى الحق، أولئك - دون غيرهم - الذين يوفقهم الله إلى الهدى، وأولئك هم - دون غيرهم - أصحاب العقول النَّيِّرة.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧: والذين اجتنبوا الأصنام والشياطين، ولم يتقربوا إليها، ورجعوا إلى الله في كل أمورهم، لهم البشارة العظيمة في جميع المواطن، فبشر - يا محمد - عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون الأحسن والأهدى إلى الحق، أولئك - دون غيرهم - الذين يوفقهم الله إلى الهدى، وأولئك هم - دون غيرهم - أصحاب العقول النَّيِّرة.
أتملك التصرف في ملكي، فمن وجبت عليه كلمة العذاب تستطيع أن تمنعه ؟ ألك هذه القوة، أفأنت تنقذ من في النار بعد أن وجبت لهم ؟.
لكن الذين خافوا ربهم لهم أعالي الجنة وقصورها، مبنية بعضها فوق بعض، تجرى من تحتها الأنهار، وعداً من الله، والله لا يخلف وعده.
ألم تر - أيها المخاطب - أن الله أنزل من السماء ماء فأجراه في ينابيع وعيون في الأرض، ثم يُخرج به زرعاً مختلفاً أشكاله، ثم ييبس بعد نضارته فتراه مصفرا، ثم يجعله فتاتاً متكسراً ؟ إن في ذلك التنقل - من حال إلى حال - لتذكير لأولى العقول النَّيرة.
أكُلّ الناس سواء ؟، فمن شرح الله صدره للإسلام بقبول تعاليمه، فهو على بصيرة من ربه، كمن أعرض عن النظر في آياته ؟. فعذاب شديد للذين قست قلوبهم عن ذكر الله، أولئك القاسية قلوبهم في انحراف عن الحق واضح.
الله نزَّل أحسن الحديث كتاباً تشابهت معانيه وألفاظه في بلوغ الغاية في الإعجاز والإحكام، تتردد فيه المواعظ والأحكام، كما يكرر في التلاوة، تنقبض عند تلاوته وسماع وعيده جلود الذين يخافون ربهم، ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله، ذلك الكتاب الذي اشتمل على هذه الصفات نور الله يهدى به من يشاء، فيوفقه إلى الإيمان به، ومن يضله الله - لعلمه أنه سيُعرِض عن الحق - فليس له من مرشد ينقذه من الضلال.
لم يكون الناس متساوين يوم القيامة، فالذي يتقى بوجهه العذاب بعد أن تغل يداه، ليس كمن يأتى آمنا يوم القيامة ؟ حيث يقال للظالمين :ذوقوا وبال عملكم.
كذَّب الذين من قبل هؤلاء المشركين فجاءهم العذاب من حيث لا يتوقعون.
فأذاقهم الله الصغار في الحياة الدنيا، أقسم :لعذاب الآخرة أكبر من عذاب الدنيا، لو كانوا من أهل العلم والنظر.
ولقد بيَّنا للناس في هذا القرآن من كل مثل يذكرهم بالحق، رجاء أن يتذكروا ويتعظوا.
ولقد أنزلنا قرآناً عربياً بلسانهم لا اختلال فيه، رجاء أن يتقوا ويخشوا ربهم.
ضرب الله مثلاً للمشرك :رجلاً مملوكاً لشركاء متنازعين فيه، وضرب مثلا للموحد :رجلاً خالص الملكية لواحد، هل يستويان مثلاً ؟ لا يستويان. الحمد لله على إقامة الحُجة على الناس، لكن أكثر الناس لا يعلمون الحق.
إنك - يا محمد - وإنهم جميعاً ميِّتون. ثم إنكم بعد الموت والبعث عند الله يخاصم بعضكم بعضاً.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٠: إنك - يا محمد - وإنهم جميعاً ميِّتون. ثم إنكم بعد الموت والبعث عند الله يخاصم بعضكم بعضاً.
٣٢- فليس أحد أشد ظلماً ممن نسب إلى الله ما ليس له، وأنكر الحق حين جاءه على لسان الرسل من غير تفكير ولا تدبر، أليس في جهنم مستقر للكافرين المغترين حتى يجترئوا على الله ؟ !
٣٣- والذي جاء بالحق وصدَّق به إذ جاءه، أولئك هم المتقون لا غيرهم.
٣٤- لهؤلاء المتقين عند ربهم ما يحبون، ذلك الفضل جزاء كل محسن في عقيدته وعمله.
٣٥- أكرم الله المتقين بما أكرمهم به ليغفر لهم أسوأ عملهم، ويوفيهم أجرهم بأحسن ما عملوا في الدنيا.
٣٦- الله - وحده - كاف عباده كل ما يهمهم، ويخوفك - يا محمد - كفار قريش بآلهتهم التي يدعونها من دون الله - وذلك من ضلالهم - ومن يضلل الله - لعلمه أنه يختار الضلالة على الهدى - فما له من مرشد يرشده.
٣٧- ومن يرشده الله إلى الحق ويوفقه إليه - لعلمه أنه يختار الهدى على الضلالة - فما له من مضل ينحرف به عن سبيل الرشاد، أليس الله بمنيع الجناب، ذي انتقام شديد، فيحفظ أولياءه من أعدائه ؟.
٣٨- وأقسم :لئن سألت - يا محمد هؤلاء المشركين - من خلق السماوات والأرض ؟ ليقولن :الله هو الذي خلقهن. قل لهم - يا محمد - :أعقلتم فرأيتم الشركاء الذين تدعونهم من دون الله، إن شاء الله ضري هل هن مزيلات عنى ضره، أو شاء لي رحمة هل هن مانعات عنى رحمته ؟ قل لهم - يا محمد - :الذي يكفيني في كل شيء وحده، عليه - لا على غيره - يعتمد المتوكلون المفوضون كل شيء إليه.
٣٩- قل لهم - متوعداً - :يا قوم اثبتوا على طريقتكم من الكفر والتكذيب إني ثابت على عمل ما أمرني به ربي، فسوف تدركون من منا الذي يأتيه عذاب يذله، وينزل عليه عذاب دائم لا ينكشف عنه.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٩: ٣٩- قل لهم - متوعداً - :يا قوم اثبتوا على طريقتكم من الكفر والتكذيب إني ثابت على عمل ما أمرني به ربي، فسوف تدركون من منا الذي يأتيه عذاب يذله، وينزل عليه عذاب دائم لا ينكشف عنه.
٤١- إنا أنزلنا عليك - أيها النبي - القرآن الكريم لجميع الناس مشتملا على الحق الثابت. فمن استرشد به فنفْع ذلك لنفسه، ومن ضل عن طريقه فإنما يرجع وبال ضلاله على نفسه. وما أنت - يا محمد - بموكل بهدايتهم، فما عليك إلا البلاغ، وقد بلغت.
٤٢- الله يقبض الأرواح حين موتها، ويقبض الأرواح التي لم تمت حين نومها، فيُمسك التي قضى عليها الموت لا يردها إلى بدنها، ويُرسل الأخرى التي لم يحن أجلها عند اليقظة إلى أجل محدد عنده. إن في ذلك لأدلة واضحة لقوم يتدبرون.
٤٣- بل اتخذ المشركون من دون الله شفعاء يتقربون بهم إليه. قل لهم - يا محمد - :أفعلتم هذا ولو كان هؤلاء الشفعاء لا يملكون شيئاً ولا يعقلون ؟
٤٤- قل لهم - يا محمد - :لله - وحده - الشفاعة كلها، فلا ينالها أحد إلا برضاه، له - وحده - ملك السماوات والأرض، ثم إليه - وحده - ترجعون فيحاسبكم على أعمالكم.
٤٥- وإذا ذكر الله - وحده - دون أن تذكر آلهتهم انقبضت ونفرت قلوب الذين لا يؤمنون بالحياة الآخرة، وإذا ذكرت آلهتهم التي يعبدونها من دون الله سارعوا إلى الفرح والاستبشار.
٤٦- قل - يا محمد - متوجهاً إلى مولاك :يا الله، يا خالق السماوات والأرض على غير مثال، يا عالم السر والعلن، أنت - وحدك - تفصل بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون من أمور الدنيا والآخرة، فاحكم بيني وبين هؤلاء المشركين.
٤٧- ولو أن للذين ظلموا أنفسهم بالشرك كل ما في الأرض جميعاً وضعفه معه لقدَّموه افتداء لأنفسهم من سوء العذاب الذي أُعد لهم يوم القيامة، وظهر لهم من الله ما لم يخطر على بالهم من العذاب.
٤٨- وظهر لهم في هذا اليوم سوء عملهم، وأحاط بهم من العذاب ما كانوا يستهزئون به في الدنيا.
٤٩- فإذا أصاب الإنسان ضر نادانا متضرعاً، ثم إذا أعطيناه - تفضلا منا - نعمة قال هذا الإنسان :ما أوتيت هذه النعم إلا لعلم منى بوجوه كسبه، وفات هذا الإنسان أن الأمر ليس كما قال، بل هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه اختبار له ليبين له الطائع من العاصي، ولكن أكثر الناس لا يعلمون أنها اختبار وفتنة.
٥٠- قد قال هذه المقالة الذين من قبل هؤلاء المشركين، فما دفع عنهم العذاب ما اكتسبوه من مال ومتاع.
٥١- فأصاب الكفار السابقين جزاء سيئات عملهم، والظالمون من هؤلاء المخاطبين سيصيبهم جزاء سيئات عملهم، وما هؤلاء بمفلتين من العقاب.
٥٢- أيقول هؤلاء ما قالوا، ولم يعلموا أن الله يوسع الرزق لمن يشاء من عباده، ويعطيه بقدر لمن يشاء على مقتضى حكمته ؟ إن في هذا لعبراً لقوم يؤمنون.
٥٣- قل يا محمد - مبلغاً عن ربك :يا عبادي الذين أكثروا على أنفسهم من المعاصي، لا تيأسوا من رحمة الله، إن الله يتجاوز عن الذنوب جميعاً، إنه هو - وحده - العظيم في مغفرته ورحمته.
٥٤- وارجعوا - أيها المسرفون على أنفسهم - إلى مالك أمركم ومربيكم، وانقادوا له من قبل أن يجيئكم العذاب ثم لا ينصركم أحد من الله ويدفع عنكم عذابه.
٥٥- واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم - وهو القرآن الكريم - من قبل أن يجيئكم العذاب فجأة وعلى غير استعداد، وأنتم لا تعلمون بمجيئه.
٥٦- ارجعوا إلى ربكم، وأسلموا له، واتبعوا تعاليمه، لئلا تقول نفس مذنبة حينما ترى العذاب :يا أسفي على ما فرَّطت في جنب الله وحقه، وإني كنت في الدنيا لمن المستهزئين بدينه.
٥٧- أو تقول تلك النفس المذنبة - متحملة للعذر - :لو أن الله وفقني للهدى لكنت في الدنيا من الذين وقوا أنفسهم من عذاب الله بالإيمان والعمل الصالح.
٥٨- أو تقول تلك النفس المذنبة - حين تشاهد العذاب - :ليت لي رجعة إلى الدنيا، فأكون فيها ممن يحسنون العقيدة والعمل.
٥٩- بلى - أيها النادم - قد جاءتك تعاليمي على لسان الرسل، فكذبت بها وتعاليت عن اتباعها، وكنت في دنياك من الثابتين على الكفر.
٦٠- ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله - فنسبوا إليه ما ليس له - وجوههم مسودة من الحزن والكآبة، إن في جهنم مقراً للمتكبرين المتعالين عن الحق.
٦١- ويُنجِّى الله الذين جعلوا لهم وقاية من عذاب الله - بما سبق في علمه من فوزهم - لاختيارهم الهدى على الضلال، لا يصيبهم في هذا اليوم السوء، ولا هم يحزنون على فوت نعيم كانوا يؤملونه.
٦٢- الله خالق كل شيء، وهو - وحده - على كل شيء وكيل، يتولى أمره بمقتضى حكمته.
٦٣- لله - وحده - تصاريف أمور السماوات والأرض، فلا يتصرف فيهن سواه، والكافرون بحجج الله وبراهينه هم وحدهم - الخاسرون أتم خسران.
٦٤- قل - يا محمد - أفبعد وضوح الآيات على وجوب توحيد الله بالعبادة تأمروني أن أخص غيره بالعبادة أيها الجاهلون ؟ !
٦٥- وأقسم :لقد أوحى إليك - يا محمد - وإلى الرسل من قبلك :لئن أشركت بالله شيئاً ما، ليبطلن الله عملك، ولتكونن من القوم الخاسرين أتم خسران.
٦٦- لا تجبهم - أيها الرسول - إلى ما طلبوه منك، بل اعبد الله - وحده - وكن من القوم الشاكرين له على نعمه.
٦٧-وما عظَّم المشركون الله حق عظمته، وما عرفوه حق معرفته إذ أشركوا معه غيره، ودعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى الشرك به، والأرض جميعها مملوكة له يوم القيامة، والسماوات قد طويت - كما تطوى الثياب - بيمينه، تنزه الله عن كل نقص، وتعالى علواً كبيراً عما يشركونه من دونه.
٦٨- وسينفخ - حتماً - في الصور١، فيموت من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله أن يؤخرهم إلى وقت آخر، ثم نفخ فيه أخرى فإذا الجميع قائمون من قبورهم ينتظرون ما يُفعل بهم.
١ الصور لغة: البوق، والصور الذي حدثنا عنه القرآن من عالم الغيب، لا ندري كنهه وحقيقته..
٦٩- وأضاءت الأرض - يومئذ - بنور خالقها ومالكها، وأعد الكتاب الذي سجلت فيه أعمالهم، وأحضر الأنبياء والعدول ليشهدوا على الخلق، وفصل بين الخلق بالعدل، وهم لا يظلمون بنقص ثواب أو زيادة عقاب.
٧٠- وأعطيت كل نفس جزاء عملها، والله أعلم بفعلهم.
٧١- وحُثَّ الكافرون على السير - بعنف - إلى جهنم جماعات جماعات، حتى إذا بلغوها فتحت أبوابها، وقال لهم حراسها - موبخين - :ألم يأتكم سفراء عن الله من نوعكم، يقرأون عليكم آيات ربكم، ويُخوِّفونكم لقاء يومكم هذا ؟ قال الكافرون مقرين :بلى جاءتنا الرسل، ولكن وجبت كلمة العذاب على الكافرين، لاختيارهم الكفر على الإيمان.
٧٢- قيل لهم :ادخلوا أبواب جهنم مقدرا لكم فيها الخلود، فبئست جهنم مستقرا للمتعالين عن قبول الحق.
٧٣- وحُثَّ المتقون على السير - مكرمين - إلى الجنة جماعات جماعات، حتى إذا بلغوها، وقد فتحت أبوابها، وقال لهم حفظتها :أمان عظيم عليكم، طبتم في الدنيا من دنس المعاصي، وطبتم في الآخرة - نفساً - بما نلتم من النعيم، فادخلوها مُقَدَّراً لكم الخلود، فإن لكم من النعيم ما لا يخطر على بال.
٧٤- وقال المتقون :الثناء لله - وحده - الذي حقق لنا ما وعدنا به على لسان رسله، وملكنا أرض الجنة ننزل منها حيث نشاء، فنعم أجر العاملين المحسنين الجنة.
٧٥- وترى - أيها الرائي - الملائكة محيطين بالعرش، يزهون الله عن كل نقص، تنزيهاً مقترناً بحمد خالقهم ومربيهم، وفصل بين جميع الخلائق بالعدل، ونطق الكون كله قائلا :الحمد لله رب الخلائق كلها.
السورة التالية
Icon