0:00
0:00

سورة الزمر
وتسمى الغرف كما في الإتقان والكشاف لقوله تعالى ﴿ لهم غرف منها فوقها غرف ﴾ أخرج ابن الضريس وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس أنها أنزلت بمكة ولم يستثن وأخرج النحاس عنه أنه قال :نزلت سورة الزمر بمكة سوى ثلاث آيات نزلت بالمدينة وحشى قاتل حمزة ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ إلى ثلاث آيات وزاد بعضهم ﴿ قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم ﴾ الآية ذكره السخاوي في جمال القراءة وحكاه أبو حيان عن مقاتل وزاد بعض ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ حكاه ابن الجوزي والمذكور في البحر عن ابن عباس استثناء ﴿ الله نزل أحسن الحديث ﴾ وقوله تعالى ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ الخ وعن بعضهم إلا سبع آيات من قوله سبحانه ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا ﴾ إلى آخر السبع وأيها خمس وسبعون في الكوفي وثلاث في الشامي واثنتان في الباقي وتفصيل الاختلاف في مجمع البيان وغيره ووجه اتصال أولها بآخر صاد أنه قال سبحانه هناك : ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين ﴾ وقال جل شأنه هنا ﴿ تنزيل الكتاب من الله ﴾ وفي ذلك كمال الالتئام بحيث لو أسقطت البسملة لم يتنافر الكلام ثم إنه تعالى ذكر آخر صلى الله عليه وسلم قصة خلق آدم وذكر في صدر هذه القصة خلق زوجه منه وخلق الناس كلهم منه وذكر خلقهم في بطون أمهاتهم خلقا من بعد خلق ثم ذكر أنهم ميتون ثم ذكر سبحانه القيامة والحساب والجنة والنار وختم بقوله سبحانه : ﴿ وقضى بينهم بالحق وقيل الحمد لله رب العالمين ﴾ فذكر جل شأنه أحوال الخلق من المبدأ إلى آخر المعاد متصلا بخلق آدم عليه السلام المذكور في السورة قبلها وبين السورتين أوجه أخر من الربط تظهر بالتأمل فتأمل

﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ قال الفراء. والزجاج :هو مبتدأ وقوله تعالى :
﴿ مِنَ الله العزيز الحكيم ﴾ خبره أو خبر مبتدأ محذوف أي هذا المذكور تنزيل، و ﴿ مِنَ الله ﴾ متعلق بتنزيل والوجه الأول لوجه كما في «الكشف »، والكتاب القرآن كله وكأن الجملة عليه تعليل لكونه ذكراً للعالمين أو لقوله تعالى : ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ ﴾ [ ص :٨٨ ] والظاهر أن المراد بالكتاب على الوجه الثاني السورة لكونها على شرف الذكر فهي أقرب لاعتبار الحضور الذي يقتضيه اسم الإشارة فيها، و ﴿ تَنزِيلَ ﴾ بمعنى منزل أو قصد به المبالغة، وقدر أبو حيان المبتدأ هو عائداً على الذكر في ﴿ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ ﴾ [ ص :٨٧ ] وجعل الجملة مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل هذا الذكر ما هو فقيل هو تنزيل الكتاب والكتاب عليه القرآن عليه القرآن وفي ﴿ تَنزِيلَ ﴾ الاحتمالان، وجوز على احتمال كونه خبر مبتدأ محذوف كون ﴿ مِنَ الله ﴾ خبراً ثانياً وكونه خبر مبتدأ محذوف أيضاً أي هذا أو هو تنزيل الكتاب هذا أو هو من الله وكونه حالاً من ﴿ الكتاب ﴾ وجاز الحال من المضاف إليه لأن المضاف مما يعمل عمل الفعل وكونه حالاً من الضمير المستتر في ﴿ تَنزِيلَ ﴾ على تقدير كونه بمعنى منزل وكونه حالاً من ﴿ تَنزِيلَ ﴾ نفسه والعامل فيه معنى الإشارة. وتعقب بأن معاني الأفعال لا تعمل إذا كان ما هي فيه محذوفاً ولذلك ردوا على المبرد قوله في بيت الفرزدق :وإذ ما مثلهم بشر أن مثلهم منصوب على الحالية وعامله الظرف المقدر أي ما في الوجود بشر مماثلاً لهم بأن الظرف عامل معنوي لا يعمل محذوفاً، وقرأ ابن أبي عبلة. وزيد بن علي. وعيسى ﴿ تَنزِيلَ ﴾ بالنصب على إضمار فعل نحو اقرأ والزم. والتعرض لوصفي العزة والحكمة للإيذان بظهور أثريهما في الكتاب بجريان أحكامه ونفاذ أوامره ونواهيه من غير مدافع ولا ممانع وبابتناء جمع ما فيه على أساس الحكم الباهرة
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ بيان لكونه نازلاً بالحق وتوطئة لما يذكر بعد. وفي «إرشاد العقل السليم » أنه شروع في بيان المنزل إليه وما يجب عليه إثر بيان شأن المنزل وكونه من عند الله تعالى، وإياً ما كان لا يتكرر مع ما تقدم، نعم كان الظاهر على تقدير كون المراد بالكتاب هناك القرءان الإتيان بضميره ههنا إلا أنه أظهر قصداً إلى تعظيمه ومزيد الاعتناء بشأنه.
وقال ابن عطية :الذي يظهر لي أن الكتاب الأول عام لجميع ما تنزل من عند الله تعالى والكتاب الثاني خاص بالقرآن فكأنه أخبر إخباراً مجرداً أن الكتب الهادية الشارعة تنزيلها من الله عز وجل وجعله توطئة لقوله سبحانه. ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب ﴾ اه وهو كما ترى، والباء متعلقة بالإنزال وهي للسببية أي أنزلناه بسبب الحق أي إثباته وإظهاره أو بمحذوف وقع حالاً من المفعول وهي للملابسة أي أنزلناه ملتبساً بالحق والصواب، والمراد أن كل ما فيه موجب للعمل والقبول حتماً، وجوز كون المحذوف حالاً من الفاعل أي أنزلناه ملتبسين بالحق أي في ذلك، والفاء في قوله تعالى : ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ لترتيب الأمر بالعبادة على إنزال الكتاب إليه عليه الصلاة والسلام بالحق أي فاعبده تعالى ممحضاً له الدين من شوائب الشرك والرياء حسبما بين في تضاعيف ما أنزل إليك، والعدول إلى الاسم الجليل مما يلائم هذا الأمر أتم ملاءمة. وقرأ ابن أبي عبلة ﴿ الدين ﴾ بالرفع كما رواه الثقاة فلا عبرة بإنكار الزجاج، وخرج ذلك الفراء على أنه مبتدأ خبره الظرف المقدم للاختصاص أو لتأكيده. واعترض بأنه يتكرر مع قوله تعالى : ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾.
ومن باب الإشارة :في بعض الآيات : ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ [ الزمر :٢ ] أي اعبده تعالى بنفسك وقلبك وروحك مخلصاً، وإخلاص العبادة بالنفس التباعد عن الانتقاص، وإخلاص العبادة بالقلب العمى عن رؤية الأشخاص، وإخلاص العبادة بالروح نفي طلب الاختصاص. وذكر أن المخلص من خلص بالجود عن حبس الوجود.
﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ وأجيب بأن الجملة الأول استئناف وقع تعليلاً للأمر بإخلاص العبادة وهذه الجملة تأكيد لاختصاص الدين به تعالى أي ألا هو سبحانه الذي يجب أن يخص بإخلاص الدين له تعالى لأنه المتفرد بصفات الألوهية التي من جملتها الإطلاع على السرائر والضمائر، وهي على قراءة الجمهور استئناف مقرر لما قبله من الأمر بإخلاص الدين له عز وجل ووجوب الامتثال به، وفي الإتيان بالا واسمية الجملة وإظهار الجلالة والدين ووصفه بالخالص والتقديم المفيد للاختصاص مع اللام الموضوعة له عند بعض ما لا يخفى من الدلالة على الاعتناء بالدين الذي هو أساس كل خير، قيل ومن هنا يعلم أنه لا بأس يجعل الجملة تأكيداً للجملة قبلها على القراءة الأخيرة وإليه ذهب «صاحب التقريب » وقال :بتغاير دلالتي الجملتين إجمالاً وتفصيلاً. ورد بذلك زعم إباء هذه الجملة صحة تخريج الفراء.
والحق إنه تخريج لا يعول عليه، ففي «الكشف » لما كان قوله تعالى : ﴿ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ بمنزلة التعليل لقوله سبحانه : ﴿ فاعبد الله مُخْلِصاً ﴾ [ الزمر :٢ ] كان الأصل أن يقال فلله الدين الخالص ثم ترك إلى ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ مبالغة لما عرفت من أنه أقوى الوصلين ثم صدر بحرف التنبيه زيادة على زيادة وتحقيقاً بأن غير الخالص كالعدم فلو قدر الاستئناف التعليلي أولاً من دون الوصف المطلوب الذي هو الأصل في العلة ومن دون حرف التنبيه للفائدة المذكورة كان كلاماً متنافراً ويلزم زيادة التنافر من وصف الدين بالخلوص ثانياً لدلالته على العي في الأول إذ ليس فيه ما يرشد إلى هذا الوصف حتى يجعل من باب الاجمال والتفصيل ؛ وأما جعله تأكيداً فلا وجه له للوصف المذكور ولأن حرف التنبيه لا يحسن موقعها حينئذ فإنها يؤتى بها في ابتداء الاستئناف المضاف لقصد التأكيد اه.
ونص العلامة الثاني أيضاً على أن كون الجملة الثانية تأكيداً للأولى فاسد عند من له معرفة بأساليب الكلام وصياغات المعاني ففيها ما ينبو عنه مقام التأكيد ولا يكاد يقترن به المؤكد لكن في قول «صاحب الكشف » :ليس في الأول ما يرشد إلى وصف الخلوص حتى يجعل من باب الاجمال والتفصيل بحثاً إذ لقائل أن يقول :إن ﴿ لَّهُ الدين ﴾ على معنى له الدين الكامل ومن المعلوم أن كمال الدين بكونه خالصاً فيكون في الأول ما يرشد إلى هذا الوصف نعم وهن ذلك التخريج على حاله قبل هذا البحث أم لم يقبل.
وقال أبو حيان :الدين مرفوع على أنه فاعل بمخلصاً الواقع حالاً والراجع لذي الحال محذوف على رأي البصريين أي الدين منك أو تكون أل عوضاً من الضمير أي دينك وعليه يكون وصف الدين بالإخلاص وهو وصف صاحبه من باب الإسناد المجازي كقولهم شعر شاعر، وفي الآية دلالة على شرف الإخلاص بالعبادة وكم من آية تدل على ذلك.
وأخرج ابن مردويه عن يزيد الرقاشي أن رجلاً قال :يا رسول الله إنا نعطي أموالنا التماس الذكر فهل لنا من أجر ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا قال :يا رسول الله إنا نعطي التماس الأجر والذكر فهل لنا أجر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله تعالى لا يقبل إلا من أخلص له " ثم تلا رسول الله عليه الصلاة والسلام هذه الآية ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ ويؤيد هذا أن المراد بالدين في الآية الطاعة لا كما روى عن قتادة من أنه شهادة أن لا إله إلا الله وعن الحسن من أنه الإسلام، وقوله تعالى : ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ الخ تحقيق لحقية التوحيد ببطلان الشرك ليعلم منه حقية الإخلاص وبطلان تركه وفيه من ترغيب المخلصين وترهيب غيرهم ما لا يخفى، والموصول عبارة عن المشركين من قريش وغيرهم كما روى عن مجاهد، وأخرج جويبر عن ابن عباس أن الآية نزلت في ثلاثة أحياء. عامر. وكنانة. وبني سلمة كانوا يعبدون الأوثان ويقولون :الملائكة بنات الله فالموصول إما عبارة عنهم أو عبارة عما يعمهم وأضرابهم من عبدة غير الله سبحانه وهو الظاهر فيكون الأولياء عبارة عن كل معبود باطل كالملائكة وعيسى عليهم السلام والأصنام، ومحل الموصول رفع على الابتداء خبره الجملة الآتية المصدرية بأن، وقوله تعالى : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرّبُونَا إِلَى الله زُلْفَى ﴾ حال بتقدير القول من واو ﴿ اتخذوا ﴾ مبينة لكيفية إشراكهم وعدم خلوص دينهم أي اتخذوا قائلين ذلك، وجوز أن يكون القول المقدر قالوا ويكون بدلاً من ﴿ اتخذوا ﴾ وأن يكون المقدر ذلك ويكون هو الخبر للموصول والجملة الآتية استئناف بياني كأنه قيل بعد حكاية ما ذكر :فماذا يفعل الله تعالى بهم ؟ فقيل إن الله يحكم بينهم الخ، والوجه الأول هو المنساق إلى الذهن، نعم قرأ عبد الله. وابن عباس. ومجاهد. وابن جبير قالوا : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ ﴾ الآية لكن لا يتعين فيه البدلية أو الخبرية، وقد اعترض البدلية «صاحب الكشف » بأن المقام ليس مقام الإبدال إذ ليس فيه إعادة الحكم لكون الأول غير واف بالغرض اعتناء بشأنه لاسيما وحذف البدل ضعيف بل ينافي الغرض من الإتيان به، والاستثناء مفرغ من أعم العلل و ﴿ زلفى ﴾ مصدر مؤكد على غير لفظ المصدر أي والذين لم يخلصوا العبادة لله تعالى بل شابوها بعبادة غيره سبحانه قائلين ما نعبدهم لشيء من الأشياء إلا ليقربونا إلى الله تعالى تقريباً.
وقرئ ﴿ نَعْبُدُهُمْ ﴾ بضم النون اتباعاً لحركة الباء ﴿ إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ ﴾ أي وبين خصمائهم الذين هم المخلصون للدين وقد حذف لدلالة الحال عليه كما في قوله تعالى : ﴿ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رُّسُلِهِ ﴾ [ البقرة :٢٨٥ ] على أحد الوجهين أي بين أحد منهم وبين غيره، وعلى قول النابغة
فما كان بين الخير لو جاء سالما أبو حجر إلا ليال قلائل
أي بين الخير وبيني، وقيل الضمير للفريقين المتخذين والمتخذين وكذا الكلام في ضميري الجمع في قوله تعالى : ﴿ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ والمعنى على الأول أنه تعالى يفصل الخصومة بين المشركين والمخلصين فيما اختلفوا فيه من التوحيد والإشراك وادعى كل صحة ما اتصف به بإدخال المخلصين الموحدين الجنة وإدخال المشركين النار أو يميزهم سبحانه تمييزاً يعلم منه حال ما تنازعوا فيه بذلك، والمعنى على الثاني أنه تعالى يحكم بين العابدين والمعبودين فيما يختلفون حيث يرجو العابدون شفاعتهم وهم يتبرؤون منهم ويلعنونهم قالا أو حالاً بإدخال من له أهلية دخول الجنة من المعبودين الجنة وإدخال العابدين ومن ليس له أهلية دخول الجنة ممن عبد كالأصنام النار، وإدخال الأصنام النار ليس لتعذيبها بل لتعذيب عبدتها بها، وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى ما يضعفه.
وأجاز الزمخشري كون الموصول السابق عبارة عن المعبودين على حذف العائد إليه وإضمار المشركين من غير ذكر تعويلاً على دلالة السياق عليهم ويكون التقدير والذين اتخذهم المشركون أولياء قائلين ما نعبدهم إلا ليقربونا عند الله زلفى إن الله يحكم بينهم وبين عبدتهم فيما الفريقان فيه يختلفون حيث يرجو العبدة شفاعتهم وهم يلعنوهم بإدخال ما هو منهم أهل للجنة الجنة وإدخال العبدة مع أصنامهم النار. وتعقب بأنه بعد الإغضاء عما فيه من التعسفان بمعزل من السداد كيف لا وليس فيما ذكر من طلب الشفاعة واللعن مادة يختلف فيها الفريقان اختلافاً محوجاً إلى الحكم والفصل فإنما ذاك ما بين فريقي الموحدين والمشركين في الدنيا من الاختلاف في الدين الباقي إلى يوم القيامة فتدبر ولا تغفل.
وقرئ ﴿ مَا نعبدكم إلا لتقربونا ﴾ حكاية لما خاطبوا به آلهتهم ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى ﴾ أي لا يوفق للاهتداء الذي هو طريق النجاة عن المكروه والفوز بالمطلوب ﴿ مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ ﴾ في حد ذاته وموجب سيء استعداده لأنه غير قابل للاهتداء والله عز وجل لا يفيض على القوابل إلا حسب القابليات كما يشير إليه قوله سبحانه : ﴿ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَىء خَلْقَهُ ثُمَّ هدى ﴾ [ طه :٥٠ ] وقوله تعالى : ﴿ قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ على شَاكِلَتِهِ ﴾ [ الإسراء :٨٤ ] وقوله عز وجل : ﴿ وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴾ [ النحل :١١٨ ] وهذا هو الذي حتم عليه جل شأنه لسيء استعداده بالموافاة على الضلال قاله بعض الأجلة، وقال الطبرسي :لا يهدي إلى الجنة أي يوم القيامة من هو كاذب كفار في الدنيا.
وقال ابن عطية :المراد لا يهدي الكاذب الكافر في حال كذبه وكفره وهذا ليس بشيء أصلاً، والمراد بمن هو كاذب كفار قيل من يعم أولئك المحدث عنهم وغيرهم، وقيل :أولئك المحدث عنهم وكذبهم في دعواهم استحقاق غير الله تعالى للعبادة أو قولهم في بعض من اتخذوهم أولياء من دون الله إنهم بنات الله سبحانه أو أن المتخذ ابن الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فمن هو كاذب من الظاهر الذي أقيم مقام المضمر على معنى أن الله تعالى لا يهديهم أي المتخذين تسجيلاً عليهم بالكذب والكفر وجعل تمهيداً لما بعده، وقال بعضهم :الجملة تعليل للحكم.
وقرأ أنس بن مالك. والجحدري. والحسن. والأعرج. وابن يعمر ﴿ كَذَّابٌ كَفَّارٌ ﴾ وقرأ زيد بن علي ﴿ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ ﴾ وحملوا الكاذب هنا على الراسخ في الكذب لهاتين القراءتين وكذا حملوا الكفر على كفر النعم دون الكفر في الاعتقاد لقراءة زيد، وذكر الإمام فيه احتمالين.
ومن باب الإشارة : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَنْ هُوَ كاذب كَفَّارٌ ﴾ [ الزمر :٣ ] فيه إشارة إلى تهديد من يدعي رتبة من الولاية ليس بصادق فيها وعقوبته حرمان تلك الرتبة
﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ استئناف مسوق لتحقيق الحق وإبطال القول بأن الملائكة بنات الله وعيسى ابنه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ببيان استحالة اتخاذ الولد في حقه سبحانه على الإطلاق ليندرج فيه استحالة ما قيل اندراجاً أولياً، وحاصل المعنى لو أراد الله سبحانه اتخاذ الولد لامتنعت تلك الإرادة لتعلقها بالممتنع أعني الاتخاذ لكن لا يجوز للباري إرادة ممتنعة لأنها ترجح بعض الممكنات على بعض.
وأصل الكلام لو اتخذ الولد لامتنع لاستلزامه ما ينافي الألوهية فعدل إلى لو أراد الاتخاذ لامتنع أن يريده ليكون أبلغ وأبلغ ثم حذف هذا الجواب وجيء بدله لاصطفى تنبيهاً على أن الممكن هذا لا الأول وإنه لو كان هذا من اتخاذ الولد في شيء لجاز اتخاذ الولد عليه سبحانه وتعالى شأنه عن ذلك فقد تحقق التلازم وحق نفي اللازم وإثبات الملزوم دون صوبة ؛ ويجوز أن يكون المراد لو أراد الله أن يتخذ لامتنع ولم يصح لكن على إرادة نفي الصحة على كل تقدير من تقديري الإرادة وعدمها من باب لو لم يخف الله لم يعصه فلا ينفي الثاني إذ ذاك ولا يحتاج إلى بيان الملازمة وإذا امتنع ذلك فالممكن الاصطفاء وقد اصطفى سبحانه من مخلوقاته من شاء كالملائكة وعيسى وذهب عليكم أن الاصطفاء ليس باتخاذ، والجواب على هذا الوجه أيضاً محذوف أقيم مقامه ما يفيد زيادة مبالغة، وإنما لم يجعل لاصطفى هو الجواب عليه لصيرورة المعنى حينئذ لو أراد اتخاذ الولد لاصطفى ولو لم يرد لاصطفى من طريق الأولى وحينئذ يكون إثبات الاصطفاء هو المطلوب من الإيراد كما أن التمدح بنفي العصيان في مثال الباب هو المطلوب وليس الكلام فيه، وعلى الوجهين هو من أسلوب
:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب
وجوز أن يكون المعنى في الآية لو أراد الله تعالى أن يتخذ ولداً لجعل المخلوق ولداً إذ لا موجود سواه إلا وهو مخلوق له تعالى والتالي محال للمباينة التامة بين المخلوق والخالق والولدية تأبى تلك المباينة فالمقدم مثله ويكون قوله تعالى ﴿ لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء ﴾ على معنى لاتخذه ابناً على سبيل الكناية وما تقدم أولى لما فيه من المبالغة التي نبهت عليها، وقوله تعالى : ﴿ سبحانه ﴾ تقرير لما ذكر من استحالة اتخاذ الولد في حقه تعالى وتأكيد له ببيان تنزهه سبحانه عنه أي تنزهه الخاص به تعالى على أن سبحان مصدر من سبح إذا بعض أو أسبحه تسبيحاً لائقاً به لأنه علم للتسبيح مقول على ألسنة العباد أو سبحوه تسبيحاً لائقاً بشأنه جل شأنه، وقوله تعالى : ﴿ هُوَ الله الواحد القهار ﴾ استئناف مقرر لتنزهه عن ذلك أيضاً فإن اتخاذ الولد يقتضي تبعضاً وانفصال شيء من شيء وكذا يقتضي المماثلة بين الولد والوالد والوحدة الذاتية الحقيقية التي هي في أعلى مراتب الوحدة الواجبة له تعالى بالبراهين القطعية العقلية تأبى التبعض والانفصال إباء ظاهراً لأنهما من خواص الكم وقد اعتبر في مفهوم الوحدة الذاتية سلبه فتأبى الاتخاذ المذكور وكذا تأبى المماثلة سواء فسرت بما ذهب إليه قدماء المعتزلة كالجبائي وابنه أبي هاشم وهي المشاركة في أخص صفات الذات كمشاركة زيد لعمرو في الناطقية أم فسرت بما ذهب إليه المحققون من الماتريدية وهي المشاركة في جميع الصفات الذاتية كمشاركته له في الحيوانية والناطقية أم فسرت بما نسب إلى الأشعري وهو التساوي بين الشيئين من كل وجه، ولعل مراده نحو ما مر عن الماتريدي وإلا فمع التساوي من كل وجه ينتفي التعدد فينتفي التماثل بناء على ما قرروا من أن الوحدة الذاتية كما تقتضي نفي الأبعاض المقدارية تقتضي نفي الكثرة العقلية وأن التماثل يقتضي التعدد وهو يقتضي ثبوت الأجزاء المذكورة كذا قيل، وفيه بحث طويل وكلام غير قليل وسنذكر بعضاً منه إن شاء الله تعالى في تفسير سورة الإخلاص فالأولى أن يقتصر على منافاة الوحدة الذاتية للتبعض والانفصال لاستلزامهما التركب الخارجي والحكماء والمتكلمون مجمعون على استحالته في حقه تعالى ودليلها أظهر من يذكر، وكذا وصف القهارية يأبى اتخاذ الولد وقرر ذلك على أوجه، فقيل وجه إبائها ذلك أن القهارية تقتضي الغنى الذاتي الذي هو أعلى مراتب الغنى وهو يقتضي التجرد عن المادة وتولد الولد عن الشيء يقتضيها، وقيل إن القهارية تقتضي كمال الغنى وهو يقتضي كمال التجرد الذي هو البساطة من كل الوجوه فلا يكون هناك جنس وفصل ومادة وصورة وإعراض وأبعاض إلى غير ذلك مما يخل بالبساطة الكاملة الحقيقية واتخاذ الولد لما فيه من الانفصال والمثلية مخل بتلك البساطة فيخل بالغنى فيخل بالقهارية، وقد أشار سبحانه إلى أن الغنى ينافي أن يكون له سبحانه ولد بقوله تعالى : ﴿ قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً سبحانه هُوَ الغنى ﴾ [ يونس :٦٨ ] وقيل :إن اتخاذ الولد يقتضي انفصال شيء عنه تعالى وذلك يقتضي أن يكون متأثراً مقهوراً لا مؤثراً قهاراً تعالى عن ذلك علواً كبيراً، فحيث كان جل وعلا قهاراً كما هو مقتضى الألوهية استحال أن يكون له عز وجل ولد، وقيل :إن القهارية منافية للزوال لأن القهار لو قبله كان مقهوراً إذ المزيل قاهر له ولذا قيل سبحانه من قهر العباد بالموت.
والولد من أعظم فوائده عندهم قيامه مقام الأب بعد زواله فإذا لم يكن الزوال لم يكن حاجة إلى الولد وهذا مع كونه إلزامياً لا يخلو عن بحث كما لا يخفى.
والزمخشري جعل قوله تعالى : ﴿ سبحانه هُوَ الله ﴾ الخ متصلاً بقوله عز وجل : ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء ﴾ [ الزمر :٣ ] الخ على أنه مقرر نفى أن يكون له تعالى ولي ونفى أن يكون له ولد، ولعل بيان ذلك لا يخفى فتدبر.
وقوله سبحانه : ﴿ خُلِقَ السموات والأرض بالحق ﴾ إثبات لما ذكر أولاً من الوحدة والقهر، وفيه أيضاً ما ستعمله إن شاء الله تعالى أي خلق هذا العالم المشاهدة ملتبساً بالحق والصواب مشتملاً على الحكم والمصالح.
وقوله تعالى : ﴿ يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى الليل ﴾ بيان لكيفية تصرفه فيما ذكر بعد بيان الخلق فإن حدوث الليل والنهار منوط بتحريك أجرام سماوية، والتكوير في الأصل هو اللف واللي من كان العمامة على رأسه وكورها، والمراد على ما روى عن قتادة يغشى أحدهما الآخر، وهو على ما قيل على معنى يذهب أحدهما ويغشى مكانه الآخر أي يلبسه مكانه فيصير أسود مظلماً بعد ما كان أبيض منيراً وبالعكس فالمغشى حقيقة المكان، ويجوز أن يكون المغشي الليل والنهار على الاستعارة ويكون المكان ظرفاً، والمقصود أنه لما كان أحدهما غاشياً للآخر أشبه اللباس الملفوف على لابسه في ستره إياه واشتماله عليه وتغطيه به.
وتحقيقه أن أحدهما لما كان محيطاً على جميع ما أحاط به الآخر من غير أن يكون ثم شيء زائد غير الظهور والخفاء جعل إحاطته على محاط الآخر إحاطة عليه مجاز ملابسته وعبر عنها بالغشيان والتكوير للشبه المذكور.
وجوز أن يكون المراد أن كل واحد من الليل والنهار يغيب الآخر إذا طرأ عليه فشبه في تغييبه إياه بشيء ظاهر لف عليه ما غيبه عن مطامح الأبصار ورجح الأول بأن فيه مع اعتبار الستر اعتبار اللي وإحاطة الأطراف ثم إن هذا لظهوره تشبيه مبذول وأن يكون المراد أن هذا يكر على هذا كروراً متتابعاً فشبه ذلك بتتابع أكوار العمامة بعضها على إثر بعض قيل وهو الأرجح لأنه اعتبر فيه ما اعتبر مع الأول مع النظر إلى المطرد فيه لفظ الكور فإنه لف بعد لف وهو أيضاً كذلك إلا أن أكوار العمامة متظاهرة وفيما نحن فيه متعاورة وهذا مما لا بأس به فإن كل لية تسمى كوراً حقيقة.
وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عن ابن عباس أن المعنى يحمل أحدهما على الآخر، وفسر هذا الحمل بالضم والزيادة أي يزيد الليل على النهار ويضمه إليه بأن يجعل بعض أجزاء الليل نهاراً فيطول النهار ويقصر الليل ويزيد النهار على الليل ويضمه إليه بأن يجعل سبحانه بعض أجزاء النهار ليلاً فيطول الليل ويقصر النهار.
وإلى هذا ذهب الراغب وهو معنى واضح والآية عليه كقوله تعالى : ﴿ يُولِجُ اليل فِى النهار وَيُولِجُ النهار فِى الليل ﴾ [ الحج :٦١ ] في قول، وذكر بعض الفضلاء أنها على المعنى الأول فيها شيء من قوله تعالى : ﴿ جَعَلَ الليل والنهار خَلْفِهِ لّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ ﴾ [ الفرقان :٦٢ ] وعلى المعنى الثاني فيها شيء من قوله تعالى : ﴿ والليل إِذَا يغشى والنهار إِذَا تجلى ﴾ [ الليل :١، ٢ ] وعلى الثالث شيء من قوله سبحانه : ﴿ يغشي الليل النها يطلبه حثيثا ﴾ [ الأعراف :٥٤ ] وإنها يحتمل أن يكون فيها الاستعارة التبعية والمكنية والتخييلية والتمثيلية والتمثيل أولى بالاعتبار ؛ وأياً ما كان فصيغة المضارع للدلالة على التجدد.
﴿ وَسَخَّرَ الشمس والقمر ﴾ جعلهما منقادين لأمره عز وجل ﴿ كُلٌّ يَجْرِى لأجل مُّسَمًّى ﴾ بيان لكيفية تسخيرهما أي كل منهما يجري لمنتهى دورته أو منقطع حركته، وقد مر تمام الكلام عليه، وفيه دليل على أن الشمس متحركة، وزعم بعض الكفرة أنها ساكنة وأنها مركز العالم وسمعت في هذه الأيام أنه ظهر في الإفرنج منذ سنتين تقريباً من يزعم أنها تتحرك على مركز آخر كما تتحرك الأرض عليها نفسها بزعمهم وزعم بعض المتقدمين، ولهم في الهيئة كلام غير هذا وفيه الغث والسمين إلا أن نفيهم السماوات الناطقة بها الشرائع بالكلية من العجب العجاب وأنظارهم السخيفة تفضي بهم إلى ما هو أعجب من ذلك عند ذوي العقول السليمة نسأل الله تعالى السلامة والتوفيق، ولي عزم على تأليف كتاب أبين فيه إن شاء الله تعالى ما هو الأقرب إلى الحق من الهيئتين القديمة والجديدة متحركاً على محور الانصاف ساكتاً عن سلوك مسالك الاعتساف والله تعالى الموفق لذلك.
﴿ إِلاَّ هُوَ العزيز ﴾ القادر على عقاب المصرين ﴿ الغفار ﴾ لذنوب التائبين أو الغالب الذي يقدر أن يعاجلهم بالعقوبة وهو سبحانه يحلم عليهم ويؤخرهم إلى أجل مسمى فيكون قد سمي الحلم عنهم وقد ترك تعجيل العقوبة بالمغفرة التي هي ترك العقاب على طريق الاستعارة للمناسبة بينهما في الترك.
وجوز كون ذلك من باب المجاز المرسل، والأول أبلغ وأحسن، وهذان الوجهان في ﴿ العزيز الغفار ﴾ قد ذكرهما الزمخشري، وظن بعضهم أن الداعي للأول رعاية مذهب الاعتزال حيث خص فيه المغفرة بذنوب التائبين فتركه وقال :العزيز القادر على كل ممكن الغالب على كل شيء الغفار حيث لم يعاجل بالعقوبة وسلب ما في هذه الصنائع من الرحمة وعموم المنفعة وما علينا أن نفسر كما فسر ونقول بأن مغفرته تعالى لا تخص التائبين بل قد يغفر جل شأنه لغيرهم إلا أن التقييد ليلائم ما تقدم أتم ملاءمة، ففي «الكشف » أن الوجه الأول من ذينك الوجهين المذكورين يناسب قوله تعالى : ﴿ خُلِقَ السموات والأرض بالحق ﴾ من وجهين. أحدهما :ما فيه من الدلالة على كمال القدرة وكمال الرحمة المقتضي لعقاب المصر وغفران ذنوب التائب، وثانيهما :أن قوله تعالى : ﴿ خُلِقَ السموات ﴾ الخ مسوق لأمرين إثبات الوحدة والقهر المذكورين فيما قبل نفياً للولد بل حسبما للشرك من أصله والتسلق إلى ما مهد أولاً من العبادة والإخلاص لئلا يزول عن الخاطر فقيل ﴿ بالحق ﴾ كما قيل هنالك ﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق ﴾ [ الزمر :٢ ] وادمج فيه أن إنزال الكتاب كما يدل على استحقاقه تعالى للعبادة فكذلك خلق السموات والأرض بالحق والحكمة التي منها الجزاء على ما سلف فالتذييل بإلا هو العزيز الغفار للترغيب في طلب المغفرة بالعبادة والإخلاص والتحذير عن خلاف ذلك سواء خالف أصل الدين كالكفر أو خالف الإخلاص فيه كسائر المعاصي في غاية الملاءمة، وإنما أفرد مخالفة الدين بالذكر صريحاً في قوله تعالى : ﴿ والذين اتخذوا ﴾ [ الزمر :٣ ] الخ تحذيراً من حالهم لأنها هاتكة لعصمة النجاة فكانت أحق بالتحذير، ورمز إلى هذا الثاني بالتذييل المذكور تكميلاً للمعنى المراد ومدار هذه السورة الكريمة على الأمر بالعبادة والإخلاص والتحذير من الكفر والمعاصي، والوجه الثاني من ذينك الوجهين يناسب حديث الشرك والتذييل به لتوكيد تفظيع ما نسبوا إليه، ولما ذكر تنزيل الكتاب وعقب بالأوصاف المقتضية للعبادة والإخلاص ذيله بقوله سبحانه : ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص ﴾ [ الزمر :٣ ] على ما تحقق وجهه وقد نقلناه نحن عنه فيما مر، ثم لما ذكر بعده عظيم ما نسبوا إليه سبحانه :من الشرك والأولاد وما دل على تنزهه تعالى بالألوهية ناسب أن يذيله بقوله تعالى : ﴿ أَلا هُوَ العزيز الغفار ﴾ للتوكيد المذكور، وقد آثر هذا العلامة الطيبي ويعلم مما ذكرنا وجه رجحان الأول اه، والوجه الثاني من وجهي المناسبة على الوجه الأول أولى الوجهين، والآية على ما ذكره البعض يجوز ارتباطها بما عندها من الخلق والتكوير والتسخير
ومن باب الإشارة : ﴿ يُكَوّرُ اليل عَلَى النهار وَيُكَوّرُ النهار عَلَى اليل ﴾ [ الزمر :٥ ] فيه إشارة إلى أحوال السائرين إلى الله سبحانه من القبض والبسط والصحو والسكر والجمع والفرق والستر والتجلي وغير ذلك
وقوله تعالى : ﴿ خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ الخ دليل آخر على الوحدة والقهر.
وترك عطفه على ﴿ خلقَ السموات ﴾ [ الزمر :٥ ] للإيذان باستقلاله في الدلالة ولتعلقه بالعالم السفلي، والبداءة بخلق الإنسان لأنه أقرب وأعجب بالنسبة إلى غيره باعتبار ما فيه من العقل وقبول الأمانة الإلهية وغير ذلك حتى قيل
:
وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر
والمراد بالنفس آدم عليه السلام، وقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي حواء فإنها خلقت من قصيري ضلعه عليه السلام اليسرى وهي أسفل الأضلاع على معنى أنها خلقت من بعضها أو خلقت منها كلها وخلق الله تعالى لآدم مكانها عطف على محذوف هو صفة ثانية لنفس أي من نفس واحدة خلقها ثم جعل منها زوجها، أو على ﴿ واحدة ﴾ لأنه في الأصل اسم مشتق فيجوز عطف الفعل عليه كقوله تعالى : ﴿ فَالِقُ الإصباح وَجَعَلَ اليل سَكَناً ﴾ [ الأنعام :٩٦ ] ويعتبر ماضياً لأن اسم الفاعل قد يكون للمضي إذا لم يعمل أي من نفس وحدت ثم جعل منها زوجها ورجح بسلامته من التقدير الذي هو خلاف الأصل أو على ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ لتفاوت ما بينهما في الدلالة فإنهما وإن كانتا آيتين دالتين على ما مر من الصفات الجليلة لكن خلق حواء من الضلع أعظم وأجلب للتعجب ولذا عبر بالجعل دون الخلق فثم للتراخي الرتبي، ويجوز فيه كون الثاني أعلى مرتبة من الأول وعكسه، وقيل إنه تعالى أخرج ذرية آدم عليه السلام من ظهره كالذر ثم خلق منه حواء فالمراد بخلقهم منه إخراجهم من ظهره كالذر فالعطف على ﴿ خَلَقَكُمْ ﴾ وثم على ظاهرها، وهذا لا يقبل إلا إذا صح مرفوعاً أو في حكمه، وقد تضمنت الآية ثلاث آيات خلق آدم عليه السلام بلا أب وأم وخلق حواء من قصيراه وخلق ذريته التي لا يحصى عددها إلا الله عز وجل، وقوله تعالى : ﴿ وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الانعام ثمانية أزواج ﴾ استدلال بنوع آخر من العالم السفلي، والإنزال مجاز عن القضاء والقسمة فإنه تعالى إذا قضى وقسم أثبت ذلك في اللوح المحفوظ ونزلت به الملائكة الموكلة بإظهاره، ووصفه بالنزول مع أنه معنى شائع متعارف كالحقيقة والعلاقة بين الإنزال والقضاء الظهور بعد الخفاء ففي الكلام استعارة تبعية، وجوز أن يكون فيه مجاز مرسل، ويجوز أن يكون التجوز في نسبة الإنزال إلى الأنعام والمنزل حقيقة أسباب حياتها كالأمطار ووجه ذلك الملابسة بينهما، وقيل يراد بالأزواج أسباب تعيشها أو يجعل الإنزال مجازاً عن إحداث ذلك بأسباب سماوية وهو كما ترى، وقيل الكلام على ظاهره والله تعالى خلق الأنعام في الجنة ثم أنزلها منها ولا أرى لهذا الخبر صحة، والأنعام الإبل والبقر والضان والمعز وكانت ثمانية أزواج لأن كلاً منها ذكر وأنثى، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما مر مراراً من الاعتناء بما قدم والتشويق إلى ما أخر، وقوله تعالى : ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِى بُطُونِ أمهاتكم ﴾ بيان لكيفية خلق من ذكر من الأناسي والأنعام إظهاراً لما فيه من عجائب القدرة، وفيه تغليبان تغليب أولى العقل على غيرهم وتغليب الخطاب على الغيبة كذا قيل، والأظهر أن الخطاب خاص وصيغة المضارع للدلالة على التدرج والتجدد، وقوله تعالى : ﴿ خَلْقاً مّن بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ مصدر مؤكد أن تعلق من بعد بالفعل وإلا فغير مؤكد أي يخلقكم فيها خلقاً مدرجاً حيواناً سوياً من بعد عظام مكسوة لحماً من بعد عظام عارية من بعد مضغ غير مخلقة من بعد علقة من بعد نطفة فقوله سبحانه : «خلقا من بعد خلق » لمجرد التكرير كما يقال مرة بعد مرة لا أنه مخصوص بخلقين.
وقرأ عيسى. وطلحة ﴿ يَخْلُقُكُمْ ﴾ بإدغام القاف في الكاف ﴿ فِى ظلمات ثلاث ﴾ ظلمة البطن والرحم والمشيمة، وقيل ظلمة الصلب والبطن والرحم، والجار والمجرور متعلق بيخلقكم، وجوز الشهاب تعلقه بخلقاً بناء على أنه غير مؤكد وكونه بدلاً من قوله تعالى : ﴿ فِى بُطُونِ أمهاتكم ﴾ ﴿ ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ ﴾ إشارة إليه تعالى باعتبار أفعاله المذكورة على وجه بدل على بعد منزلته تعالى في العظمة والكبرياء، واسم الإشارة مبتدأ والاسم الجليل خبره و ﴿ رَبُّكُمْ ﴾ خبر بعد خبر والاسم الجليل نعت أو بدل وهو الخبر أي ذلكم العظيم الشأن الذي عددت أفعاله الله مربيكم فيما ذكر من الأطوار وفيها بعدها ومالككم المستحق لتخصيص العبادة به سبحانه ﴿ لَهُ الملك ﴾ على الإطلاق في الدنيا والآخرة ليس لغيره تعالى شركة ما في ذلك بوجه من الوجوه والجملة خبر آخر، وقوله تعالى : ﴿ لاَ إله إِلاَّ هُوَ ﴾ جملة متفرعة على ما قبلها ولم يصرح معها بالفاء التفريعية اعتماداً على فهم السامع. وفي إرشاد العقل السليم أنه خبر آخر، والفاء في قوله تعالى : ﴿ فَإِنّى تُصْرَفُونَ ﴾ لترتيب ما بعدها على ما ذكر من شؤونه عز وجل أي فكيف تصرفون عن عبادته تعالى مع وفور موجباتها ودواعيها وانتفاء الصارف عنها بالكلية إلى عبادة غيره سبحانه من غير داع إليها مع كثرة الصوارف عنها.
ومن باب الإشارة : ﴿ فِى ظلمات ثلاث ﴾ [ الزمر :٦ ] قيل :يشير إلى ظلمة الإمكان وظلمة الهيولى وظلمة الصورة
﴿ إِن تَكْفُرُواْ ﴾ به تعالى مع مشاهدة ما ذكر من موجبات الإيمان والشكر ﴿ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ ﴾ أي فأخبركم أنه عز وجل غنى عن إيمانكم وشكركم غير متأثر من انتفائهما ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ لما فيه من الضرر عليهم ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ ﴾ أي الشكر ﴿ لَكُمْ ﴾ لما فيه من نفعكم، ومن قال بالحسن والقبح العقليين قال :عدم الرضا بالكفر لقبحه العقلي والرضا بالشكر لحسنه العقلي، والرضا إما بمعنى المحبة أو بمعنى الإرادة مع ترك الاعتراض ويقابلة السخط كما في «شرح المسايرة » فعباده على ظاهره من العموم، ومنهم من فسره بالإرادة من غير قيد ويقابله الكره وهؤلاء يقولون قد يرضى بالكفر أي يريده لبعض الناس كالكفرة ونقله السخاوي عن النووي في كتابه «الأصول والضوابط ». وابن الهمام عن الأشعري. وإمام الحرمين كذا قاله الحفاجي في حواشيه على تفسير البيضاوي. والذي رأيته في الضوابط وهي نسخة صغيرة جداً ما نصه مسألة مذهب أهل الحق الإيمان بالقدر وإثباته وأن جميع الكائنات خيرها وشرها بقضاء الله تعالى وقدره وهو مريد لها كلها ويكره المعاصي مع أنه سبحانه مريد لها لحكمة يعلمها جلا وعلا، وهل يقال إنه تعالى يرضي المعاصي ويحبها فيه مذهبان لأصحابنا المتكلمين حكاهما إمام الحرمين وغيره، قال إمام الحرمين في الإرشاد :مما اختلف فيه أهل الحق إطلاق المحبة والرضاء، فقال بعض أصحابنا لا يطلق القول بأن الله تعالى يحب المعاصي ويرضاها لقوله تعالى : ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ ومن حقق من أتنا لم يلتفت إلى تهويل المعتزلة بل قال الله تعالى يريد الكفر ويحبه ويرضاه والإرادة والمحبة والرضا بمعنى واحد قال :والمراد بعباده في الآية الموفقون للإيمان وأضيفوا إلى الله تعالى تشريفاً لهم كما في قوله تعالى : ﴿ يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ الله ﴾ [ الإنسان :٦ ] أي خواصهم لأكلهم اه فلا تغفل عن الفرق بينه وبين ما ذكره الخفاجي، وحكى تخصيص العباد في البحر عن ابن عباس.
وقيل يجوز مع ذلك حمل العباد على العموم ويكون المعنى ولا يرضى لجميع عباده الكفر بل يرضاه ويريده لبعضهم نظير قوله تعالى : ﴿ لاَّ تُدْرِكُهُ الابصار ﴾ [ الأنعام :١٠٣ ] على قول، ولعلامة الأعصار صاحب الكشف تحقيق نفيس في هذا المقام لم أره لغيره من العلماء الأعلام وهو أن الرضا يقابل السخط وقد يستعمل بعن والباء ويعدي بنفسه فإذا قلت :رضيت عن فلان فإنما يدخل على العين لا المعنى ولكن باعتبار صدور معنى منه يوجب الرضا في مقابلة سخطت عليه وبينهما فرقان أنك إذا قلت :رضيت عن فلان بإحسانه لم يتعين الباء للسببية بل جاز أن يكون صلة مثله في رضيت بقضاء الله تعالى وإذا قلت :سخطت عليه بإساءته تعين السببية فكان الأصل ههنا ذكر الصلة لكنه كثر الحذف في الاستعمال بخلافه ثمت إذ لا حذف، وإذا قيل :رضيت به فهذا يجب دخوله على المعنى إلا إذا دخل على الذات تمهيداً للمعنى ليكون أبلغ تقول :رضيت بقضاء الله تعالى ورضيت بالله عز وجل ربا وقاضياً، وقريب منه سمعت حديث فلان وسمعته يتحدث وإذا عدى بنفسه جاز دخوله على الذات كقولك :رضيت زيداً وإن كان باعتبار المعنى تنبيهاً على أن كله مرضى بتلك الخصلة وفيه مبالغة وجاز دخوله على المعنى كقولك :رضيت إمارة فلان، والأول أكثر استعمالاً وهو على نحو قولهم :حمدت زيداً وحمدت علمه، وأما إذا استعمل باللام تعدى بنفسه كقولك رضيت لك هذا فمعناه ما سيجيء إن شاء الله تعالى قريباً، وإذا تمهد هذا لاح لك أن الرضا في الأصل متعلقة المعنى وقد يكون الذات باعتبار تعلقه بالمعنى أو باعتبار التمهيد فهذه ثلاثة أقسام حققت بأمثلتها وأنه في الحقيقة حالة نفسانية تعقب حصول ملائم مع ابتهاج به واكتفاء فهو غير الإرادة بالضرورة لأنها تسبق الفعل وهذا يعقبه، وهذا المعنى في غير المستعمل باللام من الوضوح بمكان لا يخفى على ذي عينين، وأما فيه فإنما اشتبه الأمر لأنك إذا قلت :رضيت لك التجارة فالمراضي بالتجارة هو مخاطبك وإنما أنت بينت له أن التجارة مما يحق أن يرضى به وليس المعنى رضيت بتجارتك بل المعنى استحمادك التجارة له فالملاءمة ههنا بين الواقع عليه الفعل والداخل عليه اللام ثم إنه قد يرضى بما ترضاه له إذا عرف وجه الملاءمة وقد لا يرضى، وفيه نجوز إما لجعل الرضا مجازاً عن الاستحماد لأن كل مرضى محمود أو لأنك جعلت كونه مرضياً له بمنزلة كونه مرضياً لك فاعلم أن الرضا في حق الله تعالى شأنه محال لأنه سبحانه لا يحدث له صفة عقيب أمر البتة فهو مجاز كما أن الغضب كذلك إما من أسماء الصفات إذا فسر بإرادة أن يثيبهم إثابة من رضي عمن تحت يده وإما من أسماء الأفعال إذا أريد الاستحماد وأن مثل قوله تعالى : ﴿ رَّضِىَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ ﴾ [ المائدة :١١٩ ] إما من باب المشاكلة وإما من باب المجاز المذكور، وأن مثل قوله سبحانه : ﴿ وَرَضِيتُ لَكُمُ الأسلام دِيناً ﴾ [ المائدة :٣ ] متعين أن يكون من ذلك الباب بالنسبة إلى من يصح اتصافه بالرضا حقيقة أيضاً فإذن قوله تعالى : ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ كلام وارد على نهجه من غير تأويل دال على أنه جل شأنه لا يستحمد الكفر لعباده كما يستحمد الاسلام لهم ويرتضيه، وأما أنه لا يرد الكفر أن يوجد فليس من هذا الباب في شيء ولا هو من مقتضيات هذا التركيب وأن الخروج إلى تخصيص العباد من ضيق العطن وأن قول المحققين رضي الله تعالى عنهم :إن الطاعات برضى الله تعالى والمعاصي ليست كذلك ليس لهذه الآية بل لأن الرضا بالمعنى الأصلي يستحيل عليه تعالى وقد أخبر أنه رضي عن المؤمنين بسبب طاعتهم في مواضع عديدة من كتابه الكريم.
والزمخشري عامله الله تعالى بعدله فسر الرضا في نحوه بالاختيار وهو لا ينفك عن الإرادة، وأنت تعلم سقوطه مما حقق هذا ثم إنا نقول :لما أرشد سبحانه إلى الحق وهدد على الباطل إكمالاً للرحمة على عباده كلهم الفريقين بقوله تعالى : ﴿ إن تكفروا ﴾ إلى قوله سبحانه ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ تنبيهاً على الغني الذاتي وأنه سبحانه تعالى أن يكون أمره بالخير لانتفاعه به ونهيه عن الشر لتضرره منه، ثم في العدول عن مقتضى الظاهر من الخطاب إلى قوله تعالى : ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ ما ينبه على أن عبوديتهم وربوبيته جل شأنه يقتضي أن لا يرضى لهم ذلك، وفيه أنهم إذا اتصفوا بالكفر فكأنهم قد خرجوا عن رتبة عبوديته تعالى وبقوا في الذل الدائم ثم قيل ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ للتنبيه على مزيد الاختصاص فهذا هو النظم السري الذي يحاردون إدراك طائفة من لطائفة الفكر البشري والله تعالى أعلم اه. وهو كلام رصين وبالقبول قمين إلا أنه ربما يقال إنه :لا يتمشى على مذهب السلف حيث أنهم لا يؤولون الرضا في حقه تعالى وكونه عبارة عن حالة نفسانية إلى آخر ما ذكر في تفسيره إنما هو فينا وحيث أنه ذاته تعالى مباينة لسائر الذوات فصفاته سبحانه كذلك فحقيقة الرضا في حقه تعالى مباينة لحقيقته فينا وأين التراب من رب الأرباب، وقد تقدم الكلام في هذا المقام على وجه يروي الأوام ويبرئ السقام فنقول عمد التأويل لا يضر فيما نحن بصدده فالرضا ان أول أو لم يؤول غير الإرادة لحديث السبق والتأخر الساق، وممن صرح بذلك ابن عطية قال :تأمل الإرادة فإن حقيقتها إنما هي فيما لم يقع بعد والرضا حقيقته إنما هي فيما وقع واعتبر هذا في آيات القرآن تجده وإن كانت العرب قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوز هذا بدل هذا.
وقد ذهب إلى المغايرة بينهما بما ذكر هنا ابن المنير أيضاً إلا أنه أول الرضا وذكر أنه لا يتأتى حمله في الآية على الإرادة وشنع على الزمخشري في ذلك جزاء ما تكلم على بعض أهل السنة المخالفين للمعتزلة في زعمهم اتحاد الرضا والإرادة وأنه تعالى قد يريد ما لا يفعله العبد وقد يفعل العبد ما لا يريده عز وجل فقال :هب أن المصر على هذا المعتقد على قلبه رين أو في ميزان عقله غين اليس يدعى أو يدعي له أنه الخريت في معابر العبارات فكيف هام عن جادة الإجادة في بهماء وأعار منادي الحذاقة أذنا صماء اللهم إلا أن يكون الهوى إذا تمكن أرى الباطل حقاً وغطى على مكشوف العبارة فسحقا سحقاً أليس مقتضى العربية فضلاً عن القوانين العقلية أن المشروط مرتب على الشرط فلا يتصور وجود المشروط قبل الشرط عقلاً ولا مضيه واستقبال الشرط لغة ونقلاً واستقر باتفاق الفريقين أهل السنة وأهل البدعة أن إرادة الله تعالى لشكر العباد مثلاً مقدمة على وجود الشكر منهم فحينئذ كيف ينساغ حمل الرضا على الإرادة وقد جعل في الآية مشروطاً وجزاء وجعل وقوع الشكر شرطاً ومجزيا واللازم من ذلك عقلاً تقدم المراد وهو الشكر على الإرادة وهي الرضا ولغة تقدم المشروط على الشرط فإذا ثبت بطلان حمل الرضا على الإرادة عقلاً ونقلاً تعين المحمل الصحيح له وهو المجازاة على الشكر بما عهد أن يجازي به المرضى عنه من الثواب والكرامة فيكون معنى الآية والله تعالى أعلم وان تشكروا يجازكم على شكركم جزاء المرضى عنه، ولا شك أن المجازاة مستقبلة بالنسبة إلى الشكر فجري الشرط والجزاء على مقتضاهما لغة وانتظم ذلك بمقتضى الأدلة العقلية على بطلان تقدم المراد على الإرادة عقلاً، ومثل هذا يقال في قوله تعالى : ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ أي لا يجازي الكافر مجازاة المرضى عنه بل مجازاة المغضوب عليه من النكال والعقوبة انتهى.
لا يقال :حيث كان قوله تعالى : ﴿ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ ﴾ جزاء باعتبار الأخبار كما أشير إليه فيما سلف فليكن قوله تعالى ﴿ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ جزاء بذلك الاعتبار فحينئذ لا يلزم أن يكون نفس الرضا مؤخراً لأنا نقول :مثل هذا الاعتبار شائع في الجملة الاسمية المتحقق مضمونها قبل الشرط نحو ﴿ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدُيرٌ ﴾ [ الأنعام :١٧ ] وفي الفعل الماضي إذا وقع جزاء نحو ﴿ إِن يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَّهُ مِن قَبْلُ ﴾ [ يوسف :٧٧ ] وأما في الفعل المضارع فليس كذلك والذوق السليم يأبى هذا الاعتبار فيه ومع هذا أي حاجة تدعو إلى ذلك هنا ولا أراها إلا نصرة الباطل والعياذ بالله تعالى، ثم أنه يعلم من مجموع ما قدمنا حقية ما قالوا من أنه لا تلازم بين الإرادة والرضا كما أن الرضا ليس عبارة عن حقيقة الإرادة لكن ابن تيمية وتلميذه ابن القيم قسما الإرادة إلى قسمين تكوينية وشرعية، وذكراً أن المعاصي كالكفر وغيره واقعة بإرادة الله تعالى التكوينية دون إرادته سبحانه الشرعية وعلى هذا فالرضا لا ينفك عن الإرادة الشرعية فكل مراد لله تعالى بالإرادة الشرعية مرضى له سبحانه وهذا التقسيم لا أتعقله إلا أن تكون الإرادة الشرعية هي الإرادة التي يرتضي المراد بها فتدبر هذا، وقرأ ابن كثير. ونافع في رواية، وأبو عمرو. والكسائي ﴿ يَرْضَهُ ﴾ باشباع ضمة الهاء، والقاعدة في أشباع الهاء وعدمه أنها إن سكن ما قبلها لم تشبع نحو عليه وإليه وإن تحرك أشبعت نحو به وغلامه وههنا قبلها ساكن تقديراً وهو الألف المحذوفة للجازم فإن جعلت موجودة حكماً لم تشبع كما في قراءة ابن عامر.
وحفص وإن قطع النظر عنها أشبعت كما في قراءة من سمعت وهذا هو الفصيح وقد تشبه وتختلس في غير ذلك وقد يحسن أشباعها مع فقد الشرط لنكتة، وقرأ
﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ ﴾ من مرض وغيره من المكاره ﴿ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ﴾ راجعاً ممن كان يدعوه في حالة الرخاء من دون الله عز وجل لعلمه بأنه بمعزل من القدرة على كشف ضره وهذا وصف للجنس بحال بعض أفراده كقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [ إبراهيم :٣٤ ]، واستظهر أبو حيان أن المراد بالإنسان جنس الكافر، وقيل :هو معين كعتبة بن ربيعة ﴿ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مّنْهُ ﴾ أي أعطاه نعمة عظيمة من جنابه من الخول بفتحتين وهو تعهد الشيء أي الرجوع إليه مرة بعد أخرى وأطلق على العطاء لما إن المعطي الكريم يتعهد من هو ربيب احسانه ونشو امتنانه بتكرير العطاء عليه مرة بعد أخرى، وقال بعضهم :معنى ﴿ خوله ﴾ في الأصل أعطاه خولا بفتحتين أي عبيداً وخدماً أو أعطاه ما يحتاج إلى تعهده والقيام عليه ثم عمم لمطلق العطاء، وجوز الزمخشري كونه من خال يخول خولاً بسكون الواو إذا افتخر، واعترض بأنه صرح في الصحاح أن خال بمعنى افتخر يائي والخيلاء بمعنى التكبر يدل عليه دلالة بينة، وأيضاً خول متعد إلى مفعولين وأخذه منه لا يقضي أن يتعدى للمفعول الثاني.
وأجيب عن الأول بأن الزمخشري من أئمة النقل وقد ثبت عنده وأصله من الخال الذي هو العلامة، وقد نقل فيه الواو والياء ثم قيل لسيما الجمال والخير خال من ذلك وأخذ منه الخيال وأما الاختيال بمعنى التكبر فهو مأخوذ من الخيال لأنه خال نفسه فوق قدره أو جعل لنفسه خال الخير كما يقال :أعجب الرجل فقد وضح أن الاشتقاق يناسبهما ولا ينكر ثبوت الياء بدليل الخيلاء لكن لا مانع من ثبوت الياء أيضاً وليس الاختيال مأخوذاً من الخيلاء بل الخيلاء هو الاسم منه فلا يصلح مانعاً لكن يصلح مثبتاً للياء، وعن الثاني بأنه ليس المراد أن خول مضعف خال بمعنى افتخر حتى يشكل تعديته للمفعول الثاني بل أنه موضوع في اللغة لمعنى أعطى وما ذكر بيان لما أخذ اشتقاقه وأصل معناه الملاحظ في وضعه له ومثله كثير فاصل خوله جعله مفتخراً بما أنعم عليه ثم قطع النظر عنه وصار بمعنى أعطاه مطلقاً ﴿ نَسِىَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ ﴾ أي نسي الضر الذي كان يدعو الله تعالى إلى إزالته وكشفه ﴿ مِن قَبْلُ ﴾ التخويل فما واقعة على الضر ودعا من الدعوة وهو يتعدى بإلى يقال دعا المؤذن الناس إلى الصلاة ودعا فلان الناس إلى مأدبته والدعوة مجاز عن الدعاء، والمعنى على اعتبار المضاف كما أشير إليه، ويجوز أن يراد بما معنى من للدلالة على الوصفية والتفخيم واقعاً عليه تعالى كما في قوله تعالى : ﴿ وَمَا خَلَقَ الذكر والأنثى ﴾ [ الليل :٣ ] وقوله سبحانه : ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عابدون مَا أَعْبُدُ ﴾ [ الكافرون :٣ ] والدعاء على ظاهره وتعديته بإلى لتضمينه معنى الإنابة أو التضرع والابتهال، والمعنى نسى ربه الذي كان يدعو منيباً أو متضرعاً إليه وهو وجه لا بأس به، وما قيل من أنه تكلف إذ لا يقال دعا إليه بمعنى دعاه ولا حاجة إلى جعل ما بمعنى من مردود لحسن موقف التضمين واستعمال ما في مقام التفخيم. وفي الإرشاد أن في ذلك الجعل إيذاناً بأن نسيانه بلغ إلى حيث لا يعرف مدعوه ما هو فضلاً من أن يعرفه من هو، وقيل :ما مصدرية أي نسي كونه يدعو، وقيل :هي نافية وتم الكلام عند قوله تعالى ﴿ نَسِىَ ﴾ أي نسي ما كان فيه من الضر ثم نفي أن يكون دعاء هذا الكافر خالصاً لله تعالى من قبل أي من قبل الضر ولا يخفى ما فيه ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً ﴾ شركاء في العبادة، والظاهر من استعمالاتهم اطلاق الأنداد على الشركاء مطلقاً، وفي البحر أنداداً أى أمثالاً يضاد بعضها ويعارض، قال قتادة :أي الرجال يطيعهم في المعصية، وقال غيره أوثاناً ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ الناس بذلك ﴿ عَن سَبِيلِهِ ﴾ عز وجل الذي هو التوحيد.
وقرأ ابن كثير. وأبو عمرو، وعيسى ﴿ لِيُضِلَّ ﴾ بفتح الياء أي ليزداد ضلالاً أو ليثبت عليه وإلا فاصل الضلال غير متأخر عن الجعل المذكور، واللام لام العاقبة كما في قوله تعالى : ﴿ فالتقطه ءالُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ ﴾ [ القصص :٨ ] بيد أن هذا أقرب إلى الحقيقة لأن الجاعل ههنا قاصد بجعله المذكور حقيقة الإضلال والضلال وأن لم يعرف بجهله إنهما اضلال وضلال وأما آل فرعون فهم غير قاصدين بالتقاطهم العداوة أصلاً.
﴿ قُلْ ﴾ تهديداً لذلك الجاعل وبياناً لحاله ومآله ﴿ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً ﴾ أي تمتعاً قليلاً أو زماناً قليلاً ﴿ إِنَّكَ مِنْ أصحاب ﴾ أي ملازميها والمعذبين فيها على الدوام، وهو تعليل لقلة التمتع وفيه من الاقناط من النجاة وذم الكفر ما لا يخفى كأنه قيل :إذ قد أبيت ما أمرت به من الإيمان والطاعة فمن حقك أن تؤمر بتركه لتذوق عقوبته.
﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء الليل ﴾ الخ من تمام الكلام المأمور به في قول، وأم إما متصلة قد حذف معادلها ثقة بدلالة مساق الكلام عليه كأنه قيل له تأكيداً للتهديد وتهكماً به أأنت أحسن حالاً ومآلا أم من هو قائم بمواجب الطاعات ودائم على وظائف العبادات في ساعات الليل التي فيها العبادة أقرب إلى القبول وأبعد عن الرياء حالتي السراء والضراء لا عند مساس الضر فقط كدأبك حال كونه ﴿ ساجدا وَقَائِماً ﴾ وإلى كون المحذوف المعادل الأول ذهب الأخفش ووافقه غير واحد ولا بأس به عند ظهور المعنى لكن قال أبو حيان :إن مثل ذلك يحتاج إلى سماع من العرب، ونصب ﴿ ساجدا وَقَائِماً ﴾ على الحالية كما أشير إليه أي جامعاً بين الوصفين المحمودين وصاحب الحال الضمير المستتر في ﴿ قَانِتٌ ﴾.
وجوز كون الحال من ضمير ﴿ يَحْذَرُ ﴾ الآتي قدم عليه ولا داعي لذلك. وقرأ الضحاك ﴿ ساجد وقائم ﴾ برفع كل على أنه خبر بعد خبر، وجوز أبو حيان كونه نعتاً لقانت وليس بذاك، والواو كما أشير إليه للجمع بين الصفتين، وترك العطف على ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ﴾ قيل لأن القنوت مطلق العبادة فلم يكن مغايراً للسجود والقيام فلم يعطفا عليه بخلاف السجود والقيام فإنهما وصفان متغايران فلذا عطف أحدهما على الآخر، وتقديم السجود على القيام لكونه أدخل في معنى العبادة، وذهب المعظم إلى أنه أفضل من القيام لحديث «أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد » وقوله تعالى : ﴿ يَحْذَرُ الآخرة ﴾ حال أخرى على التداخل أو الترادف أو استئناف وقع جواباً عما نشأ من حكاية حاله كأنه قيل ما باله يفعل ذلك ؟ فقيل :يحذر الآخرة أي عذاب الآخرة كما قرأ به ابن جبير.
﴿ وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبّهِ ﴾ فينجو بذلك مما يحذره ويفوز بما يرجوه كما ينبئ عنه التعرض لعنوان الربوبية المنبئة عن التبليغ إلى الكمال مع الإضافة إلى ضمير الراجي لا أنه يحذر ضر الدنيا ويرجو خيرها فقط، وإما منقطعة وما فيها من الاضراب للانتقال من التبكيت بتكليف الجواب الملجئ إلى الاعتراف بما بينهما من التباين البين كأنه قيل :بل أمن هو قانت الخ، وقدر الزمخشري كغيره مثلك أيها الكافر. وقال النحاس :أم بمعنى بل ومن بمعنى الذي والتقدير بل الذي هو قانت الخ أفضل مما قبله. وتعقبه في البحر بأنه لا فضل لمن قبله حتى يجعل هذا أفضل بل يقدر الخبر من أصحاب الجنة لدلالة مقابلة أعني ﴿ إنك مِنْ أصحاب النار ﴾ [ الزمر :٨ ] عليه ولا يبعد أن يقدر أفضل منك ويكون ذلك من باب التهكم.
وقرأ ابن كثير. ونافع. وحمزة. والأعمش. وعيسى. وشيبة. والحسن في رواية ﴿ مِن ﴾ بتخفيف الميم وضعفها الأخفش وأبو حاتم ولا التفات إلى ذلك، وخرجت على إدخال همزة الاستفهام التقريري على من والمقابل محذوف أي الذي هو قانت الخ خير أم أنت أيها الكافر، ومثله في حذف المعادل قوله :
دعاني إليها القلب إني لأمره سميع فما أدرى أرشد طلابها
فإنه أراد أم غي، وقال الفراء :الهمزة للنداء كأنه قيل يا من هو قانت وجعل قوله تعالى : ﴿ قُلْ ﴾ خطاباً له، وضعف هذا القول أبو علي الفارسي وهو كذلك، وقوله تعالى : ﴿ قُلْ ﴾ على معنى قل له أيضاً بياناً للحق وتصريحاً به وتنبيهاً على شرف العلم والعمل ﴿ هَلْ يَسْتوي الَّذينَ يَعْلُمونَ ﴾ فيعملون بمقتضى علمهم ويقنتون الليل سجداً وركعاً يحذرون الآخرة ويرجون رحمة ربهم ﴿ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ فيعلمون بمقتضى جهلهم وضلالهم كدأبك أيها الكافر الجاعل لله تعالى أنداداً والاستفهام للتنبيه على أن كون الأولين في أعلى معارج الخير وكون الآخرين في أقصى مدارج الشر من الظهور بحيث لا يكاد يخفى على أحد من منصف ومكابر، ويعلم مما ذكرنا أن المراد بالذين يعلمون العاملون من علماء الديانة وصرح بإرادة ذلك بعض الأجلة على تقديري الاتصال والانقطاع وأن الكلام تصريح بنفي المساواة بين القانت وغيره المضمنة من حرفي الاستفهام أعني الهمزة وأم على الاتصال أو من التشبيه على الانقطاع وعلى قراءة التخفيف أيضاً قال :وإنما عدل إلى هذه العبارة دلالة على أن ذلك مقتضى العلم وأن العلم الذي لا يترتب عليه العمل ليس بعلم عند الله تعالى سواء جعل من باب إقامة الظاهر مقام المضمر للإشعار المذكور أو استئناف سؤال تبكيتي توضيحاً للأول من حيث التصريح ومن حيث أنهم وصفوا بوصف آخر يقتضي اتصافهم بتلك الأوصاف ومباينتهم لطبقة من لا يتصف. وهذا أبلغ وأظهر لفظاً لقوله تعالى : ﴿ قُلْ ﴾ وجوز أن يكون الكلام وارداً على سبيل التشبيه فيكون مقرراً لنفي المساواة لا تصريحاً بمقتضى الأول أي كما لا استواء بين العالم وغيره عندكم من غير ريبة فكذلك ينبغي أن لا يكون لكم ارتياب في نفي المساواة بين القانت المذكور وغيره، وكونه للتصريح بنفي المساواة وحمل الذين يعلمون على العاملين من علماء الديانة على ما سمعت مما لا لا ينبغي أن يختار غيره لتكثير الفائدة، وأما من ارتاب في ذلك الواضح فلا يبعد منه الارتياب في هذا الواضح أيضاً فجوابه أن الاستنكاف عن الجهل مركوز في الطباع بخلاف الأول، ويشعر كلام كثير ان قوله تعالى : ﴿ أَم مَّنْ هُوَ ﴾ الخ غير داخل في حيز القول والمعنى عليه كما في الأول بتغيير يسير لا يخفى، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه تلا ﴿ أَم مَّنْ هُوَ قَانِتٌ ﴾ الآية فقال :نزلت في عثمان بن عفان، وأخرج ابن سعد في طبقاته، وابن مردويه.
وابن عساكر عن ابن عباس أنها نزلت في عمار بن ياسر، وأخرج جويبر عنه أنها نزلت في عمار. وابن مسعود. وسالم مولى أبي حذيفة، وعن عكرمة الاقتصار على عمار، وعن مقاتل المراد بمن هو قانت عمار. وصهيب. وابن مسعود. وأبو ذر، وفي رواية الضحاك عن ابن عباس. أبو بكر. وعمر، وقال يحيى بن سلام :رسول الله صلى الله عليه وسلم، والظاهر أن المراد المتصف بذلك من غير تعيين ولا يمنع من ذلك نزولها فيمن علمت وفيها دلالة على فضل الخوف والرجاء، وقد أخرج الترمذي. والنسائي. وابن ماجه عن أنس قال :دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وهو في الموت فقال :كيف تجدك ؟ قال :أرجو وأخاف فقال عليه الصلاة والسلام :لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الذي يرجو وآمنه الذي يخاف، وفيها رد على من ذم العبادة خوفاً من النار ورجاء الجنة وهو الإمام الرازي كما قال الجلال السيوطي، نعم العبادة لذلك ليس إلا مذمومة بل قال بعضهم بكفر من قال :لولا الجنة والنار ما عبدت الله تعالى على معنى نفي الاستحقاق الذاتي، وفيها دلالة أيضاً على فضل صلاة الليل وأنها أفضل من صلاة النهار، ودل قوله تعالى : ﴿ هَلْ يَسْتَوِي ﴾ الخ على فضل العلم ورفعة قدره وكون الجهل بالعكس. واستدل به بعضهم على أن الجاهل لا يكافئ العالمة كما أنه لا يكافئ بنت العالم، وقوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الالباب ﴾ كلام مستقل غير داخل عند الكافة في الكلام المأمور وارد من جهته تعالى بعد الأمر بما تضمن القوارع الزاجرة عن الكفر والمعاصي لبيان عدم تأثيرها في قلوب الكفرة لاختلال عقولهم كما في قوله
:
عوجوا فحيوا لنعمي دمنة الدار ماذا تحيون من نؤى وأحجار
وهو أيضاً كالتوطئة لأفراد المؤمنين بعد بالخطاب والإعراض عن غيرهم أي إنما يتعظ بهذه البيانات الواضحة أصحاب العقول الخالصة عن شوائب الخلل وأما هؤلاء فبمعزل عن ذلك. وقرئ ﴿ يُذْكَرِ ﴾ بالإدغام.
ومن باب الإشارة : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ءانَاء اليل ساجدا وَقَائِماً ﴾ يشير إلى القيام بآداب العبودية ظاهراً وباطناً من غير فتور ولا تقصير ﴿ يَحْذَرُ الآخرة ﴾ ونعيمها كما يحذر الدنيا وزينتها ﴿ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ ﴾ رضاه سبحانه عنه وقربه عز وجل : ﴿ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الذين يَعْلَمُونَ ﴾ قدر معبودهم جل شأنه فيطلبونه ﴿ والذين لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ ذلك فيطلبون ما سواه ﴿ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ ﴾ حقيقة الأمر ﴿ أُوْلُو الالباب ﴾ [ الزمر :٩ ] وهم الذين انسلخوا من جلد وجودهم وصفوا عن شوائب أنانيتهم
﴿ قُلْ ياعِبَادِ الذين ءامَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ ﴾ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يذكر المؤمنين ويحملهم على التقوى والطاعة إثر تخصيص التذكر بأولي الألباب وفيه إيذان بأنهم هم أي قل لهم قولي هذا بعينه وفيه تشريف لهم باضافتهم إلى ضمير الجلالة ومزيد اعتناء بشأن المأمور به فإن نقل عين أمر الله تعالى أدخل في إيجاب الامتثال به، وقوله تعالى : ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ إلى آخره تعليل للأمر أو لوجوب الامتثال به، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو خبر مقدم وقوله سبحانه : ﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ متعلق بأحسنوا واسم الإشارة للإحضار، وقوله تبارك وتعالى ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ مبتدأ وتنوينه للتفخيم أي للمحسنين في الدنيا حسنة في الآخرة أي حسنة والمراد بها الجنة، وقوله عز وجل : ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ جملة معترضة ازاحة لما عسى أن يتوهم من التعلل في التفريط بعدم التمكن في الوطن من رعاية الأوامر والنواهي على ما هي عليه، وقوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ من تتمة الاعتراض فكأنه قيل :اتقوا ربكم فإن للمحسنين في هذه الدنيا الجنة في الأخرى ولا عذر للمفرطين في الإحسان بعدم التمكن في الأوطان فإن أرض الله تعالى واسعة وبلاده كثيرة فليتحولوا إن لم يتمكنوا عنها وليهاجروا إلى ربهم لنيل الرضوان فإن لهم في جنب ذلك ما يتقاصر عنه الجنة ويستلذ له كل محنة وكأنه لما أزاح سبحانه علتهم بأن في أرض الله تعالى سعة وقع في خلدهم هل نكون نحن ومن يتمكن من الإحسان في بلدته فارغ البال رافغ الحال سواء بسواء فأجيبوا إنما يوفى الصابرون الذين صبروا على الهجرة ومفارقة المحاب والاقتداء بالأنبياء والصالحين أجرهم بغير حساب، وأصله إنما توفون أجوركم بغير حساب على الخطاب وعدل عنه إلى المنزل تنبيهاً على أن المقتضى لذلك صبرهم فيفيد أنكم توفون أجوركم بصبركم كما وفى أجر من قبلكم بصبرهم وهو محمول على العموم شامل للصبر على كل بلاء غير مخصوص بالصبر على المهاجرة لكنه إنما جيء به في الآية لذلك وليشمل الصابرين على ألم المهاجرة شمولاً أوليا، والجار والمجرور في موضع الحال إما من الأجر أي إنما يوفون أجرهم كائناً بغير حساب وذلك بأن يغرف لهم غرفاً ويصب عليهم صبا، واما من الصابرين أي إنما يوفون ذلك كائنين بغير حساب عليه، والمراد على الوجهين المبالغة في الكثرة وهو المراد بقول ابن عباس لا يهتدي إليه حساب الحساب ولا يعرف، وجوز جعل احال من الصابرين على معنى لا يحاسبون أصلاً، والمتبادر ما يفيد المبالغة في كثرة الأجر، ومعنى القصر ما يوفى الصابرون أجرهم إلا بغير حساب جعل الجار والمجرور حالاً من المنصوب أو المرفوع لأن القصر في الجزء الأخير، وفيه من الاعتناء بأمر الأجر ما فيه، وأما اختصاصه بالصابرين دون غيرهم فمن ترتب الحكم على المشتق، هذا ونقل عن السدى أن قوله تعالى : ﴿ فِى هذه الدنيا ﴾ متعلق بحسنة من حيث المعنى فقيل هو حينئذ حال من ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ ورد بأنها مبتدأ ولا يجوز الحال منه على الصحيح، فإن قيل :يلتزم جعلها فاعل الظرف قيل :لا يتسنى إلا على مذهب الأخفش وهو ضعيف.
وقيل حال من الضمير المستتر في الخبر الراجع إلى ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ وقال الزمخشري :هو بيان لحسنة والتقدير هي في الدنيا، والمراد بها الصحة والعافية أي للمحسنين صحة وعافية في الدنيا، قال في الكشف :وإنما آثر كونه بياناً مع جواز كونه حالاً عن الضمير الراجع إلى ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ في الخبر لأن المعنى على البيان لا على التقييد بالحال وذلك لأن المعنى على هذا الوجه أن للمحسنين جزاء يسيراً في الدنيا هو الصحة والعافية وإنما توفية أجورهم في الآخرة ولو قيد بالحال لم يلائم على ما لا يخفى، وحق قوله تعالى : ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ على هذا أن يكون اعتراضاً إزاحة لما قد يختلج في بعض النفوس من خلاف ذلك الجزاء بواسطة اختلاف الهواء والتربة وغير ذلك مما يؤدي إلى آفات في البدن فقيل وأرض الله تعالى واسعة فلا يعدم أحد محلاً يناسب حاله فليتحول عنه إليه إن لم يلائمه ثم يكون فيه تنبيه على أن من جعل الأرض ذات الطول والعرض قطعاً متجاورات تكميلاً لانتعاشهم وارتياشهم يجب أن تقابل نعمه بالشكر ليعدوا من المحسنين ثم قيل : ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون ﴾ أي توفية الأجر لهؤلاء المحسنين إنما يكون في الآخرة والذي نالوه في الدنيا عاجل حظهم وأما الأجر الموفى بغير حساب فذلك للصابرين، ومن سلبناه تلك العاجلة تمحيصاً له وتقريباً وفي ذلك تسلية لأهل البلاء وتنشيط للعباد على مكابدة العبادات وتحريض على ملازمة الطاعات ثم قال :وهذا أيضاً وجه حسن دقيق والرجحان للأول من وجوه.
أحدها :أن الاعتراض لإزاحة العلة في التفريط أظهر لأنه المقصود من السياق على ما يظهر من قوله تعالى : ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾. الثاني :أنه المطابق لما ورد في التنزيل من نحو ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الله واسعة فتهاجروا فِيهَا ﴾ [ النساء :٩٧ ] ﴿ إِنَّ أَرْضِى وَاسِعَةٌ فَإِيَّاىَ فاعبدون ﴾ [ العنكبوت :٥٦ ] الثالث :أن تعلق الظرف بالمذكور المتقدم هو الوجه ما لم يصرف صارف.
الرابع :أنه على ذلك التقدير ليس بمطرد ولا أكثري فإن الحسنة بذلك المعنى في شأن المخالفين أتم والقول بأنها استدراج في شأنهم لا حسنة ليس بالظاهر فقد قال سبحانه : ﴿ فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة قَالُواْ لَنَا هذه ﴾ [ الأعراف :١٣١ ] انتهى، ولعمري أن ما رجحه بالترجيح حقيق وما استحسنه واستدقه ليس بالحسن ولا الدقيق، والذي نقله الطبرسي عن السدي تفسير الحسنة في الدنيا بالثناء الحسن والذكر الجميل والصحة والسلامة، وفسرها بعضهم بولاية الله تعالى وعليه فليس للمخالفين منها نصيب، وفي الآية أقوال أخر فعن عطاء أرض الله تعالى المدينة قال أبو حيان :فعلى هذا يكون ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾ هاجروا و ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ راحة من الأعداء، وقال قوم :أرض الله تعالى الجنة، وتعقبه ابن عطية بأنه تحكم لا دليل عليه.
وقال أبو مسلم :لا يمتنع ذلك لأنه تعالى أمر المؤمنين بالتقوى ثم بين سبحانه أنه من اتقى له في الآخرة الحسنة وهي الخلود في الجنة ثم بين جل شأنه أن أرض الله واسعة لقوله تعالى : ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء ﴾ [ الزمر :٧٤ ] وقوله تعالى : ﴿ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السموات والأرض أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ [ آل عمران :١٣٣ ] والرجحان لما سمعت أولاً، واختير فيه شمول الحسنة لحسنات الدنيا والآخرة، والمراد بالإحسان الإتيان بالأعمال الحسنة القلبية والقالبية، قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسيره في حديث جبريل عليه السلام : «أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك » والآية على ما في بعض الآثار نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة وفيها من الدلالة على فضل الصابرين ما فيها
ومن باب الإشارة : ﴿ قُلْ يا عِبَادِ الذين آمنوا ﴾ بي شوقاً إلي ﴿ اتقوا رَبَّكُمُ ﴾ فلا تطلبوا غيره سبحانه ﴿ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ ﴾ في طلبي في هذه الدنيا بأن لم يطلبوا مني غيري ﴿ حَسَنَةٌ ﴾ عظيمة وهي حسنة وجداني ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ وهي حضرة جلاله وجماله فإنها لا نهاية لها فليسر فيها ليرى ما يرى ولا يظن بما فتح عليه انتهاء السير وانقطاع الفيض ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون ﴾ على صدق الطلب ﴿ أَجْرَهُمْ ﴾ من التجليات ﴿ بغير حساب ﴾ [ الزمر :١٠ ] إذ لا نهاية لتجلياته تعالى ﴿ وَكُل يَوْمٍ هُوَ فِى شَأْنٍ ﴾.
﴿ قُلْ إِنّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين ﴾ أي من كل ما يخل به من الشرك والرياء وغير ذلك ؛ أمر عليه الصلاة والسلام ببيان ما أمر به نفسه من الإخلاص في عبادة الله عز وجل الذي هو عبارة عما أمر به المؤمنون من التقوى مبالغة في حثهم على الإتيان بما كلفوه وتمهيداً لما يعقبه مما خوطب به المشركون.
وعدم التصريح بالآمر لتعين أنه الله عز وجل، وقيل :للإشارة إلى أن هذا الأمر مما ينبغي امتثاله سواء صدر منه تعالى أم صدر من غيره سبحانه.
﴿ وَأُمِرْتُ لاِنْ أَكُونَ أَوَّلَ المسلمين ﴾ أي وأمرت بذلك لأجل أن أكون مقدم المسلمين في الدنيا والآخرة لأن إحراز قصب السبق في الدين بالإخلاص فيه وإخلاصه عليه الصلاة والسلام أتم من إخلاص كل مخلص فالمراد بالأولية الأولية في الشرف والرتبة، والعطف لمغايرة الثاني الأول بتقييده بالعلة والإشعار بأن العبادة المذكورة كما تقتضي الأمر بها لذاتها تقتضيه لما يلزمها من السبق في الدين، وإلى حذف متعلق الأمر وكون اللام تعليلية ذهب البصريون في هذه الآية ونحوها ؛ وذهب غيرهم إلى أنها زائدة، واستدل له بتركها في قوله تعالى : ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين ﴾ [ النمل :٩١ ] ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين ﴾ [ يونس :١٠٤ ] ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ ﴾ [ الأنعام :١٤ ] وكل ذلك محتمل لتقدير اللام فلا تغفل ؛ ولا تزاد إلا مع أن لفظاً أو تقديراً دون الاسم الصريح وذلك لأن الأصل في المفعول به أن يكون اسماً صريحاً فكأنها زيدت عوضاً من ترك الأصل إلى ما يقول مقامه كما يعوض السين في اسطاع عوضاً من ترك الأصل الذي هو أطوع، وهذه الزيادة وإن كانت شاذة قياساً إلا أنها لما كثرت استعمالاً جاز استعمالها في القرآن والكلام الفصيح، ومثل هذا يقال في زيادتها مع فعل الإرادة نحو أردت لأن أفعل. وجعل الزمخشري وجه زيادتها معه أنها لما كان فيها معنى الإرادة زيدت تأكيداً لها وجعل وجهاً في زيادتها مع فعل الأمر أيضاً لاسيما والطلب والإرادة عندهم من باب واحد، وفي المعنى أوجه أن أكون أول من أسلم في زماني ومن قومي أي إسلاماً على وفق الأمر، وأن أكون أول الذين دعوتهم إلى الإسلام إسلاماً، وأن أكون أول من دعا نفسه إلى ما دعا إليه غيره لأكون مقتدى بي قولي وفعلي جميعاً ولا تكون صفتي صفة الملوك الذين يأمرون بما لا يفعلون، وأن أفعل ما أستحق به الأولية والشرف من أعمال السابقين دلالة على السبب وهي الأعمال التي يستحق بها الشرف بالمسبب وهو الأولية والشرف المذكور في «النظم الجليل » ذكر ذلك الزمخشري. وفي «الكشف » المختار من الأوجه الأربعة الوجه الثاني فإنه المكرر الشائع في القرآن الكريم وفيه سائر المعاني الأخر من موافقة القول الفعل ولزوم أولية الشرف من أولية التأسيس مع أنه ليس فيه أنه أمر بأن يكون أشرف وأسبق فافهم.
﴿ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عصيت ربي ﴾ بترك الإخلاص والميل إلى ما أنتم عليه من الشرك، وجوز العموم أي أخاف إن عصيته بشيء من المعاصي ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ هو يوم القيامة، ووصفه بالعظمة لعظمة ما فيه من الدواهي والأهوال، وهو مجاز في الظرف أو الإسناد وهو أبلغ ولذا عدل عن توصيف العذاب بذاك والمقصود من قول ذلك لهم تهديدهم والتعريض لهم بأنه عليه الصلاة والسلام مع عظمته لو عصى الله تعالى ما أمن العذاب فكيف بهم.
ومن باب الإشارة : ﴿ قُلْ إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى ﴾ بطلب ما سواه ﴿ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ [ الزمر :١٣ ] وهو عذاب القطيعة والحرمان
﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ ﴾ لا غيره سبحانه لا استقلالاً ولا اشتراكاً ﴿ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ حال من فاعل ﴿ أَعْبُدُ ﴾ فقيل مؤكدة لما أن تقديم المفعول قد أفاد الحصر وهو يدل على إخلاصه عن الشرك الظاهر والخفي، وقيل :مؤسسة وفسر إخلاص الدين له تعالى بعبادته سبحانه لذاته من غير طلب شيء كقول رابعة :سبحانك ما عبدتك خوفاً من عقابك ولا رجاء ثوابك أو يفسر بتجريده عن الشرك بقسميه وأن يكون معه ما يشينه من غير ذلك كما أشير إليه آنفاً ؛ والفرق بين هذا وقوله سبحانه : ﴿ قُلْ إِنّى أُمِرْتُ ﴾ [ الزمر :١١ ] الخ أن ذاك أمر ببيان كونه عليه الصلاة والسلام مأموراً بعبادته تعالى مخلصاً له الدين وهذا أمر بالإخبار بامتثاله بالأمر على أبلغ وجه وآكده إظهاراً لتصلته صلى الله عليه وسلم في الدين وحسماً لأطماعهم الفارغة حيث أن كفار قريش دعوه صلى الله عليه وسلم إلى دينهم فنزلت لذلك وتمهيداً لتهديدهم بقوله عز وجل :
ومن باب الإشارة : ﴿ قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَّهُ دِينِى ﴾ [ الزمر :١٤ ] فلا أطلب دنيا ولا أخرى كما قيل
:
وكل له سؤل ودين ومذهب ولي أنتم سؤل وديني هواكم
﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ ﴾ أن تعبدوه ﴿ مِن دُونِهِ ﴾ عز وجل، وفيه من الدلالة على شدة الغضب عليهم ما لا يخفى كأنهم لما لم ينتهوا عما نهوا عنه أمروا به كي يحل بهم العقاب ﴿ قُلْ إِنَّ الخاسرين ﴾ أي الكاملين في الخسران وهو إضاعة ما بهم وإتلاف ما لا بد منه لجمعهم أعاظم أنواع الخسران ﴿ الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ ﴾ باختيارهم الكفر لهما فالمراد بالأهل أتباعهم الذين أضلوهم أي أضاعوا أنفسهم وأضاعوا أهليهم وأتلفوهما ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ حين يدخلون النار حيث عرضوهما للعذاب السرمدي وأوقعوهما في هلكة ما وراءها هلكة ؛ ولو أبقى يوم القيامة على ظاهره لأنه يتبين فيه أمرهم ويتحقق مبدأ خسرانهم صح على ما قيل، وقيل :المراد بالأهل الاتباع مطلقاً وخسرانهم إياهم لأنهم إن كانوا من أهل النار فقد خسروا هم كما خسروا أنفسهم وإن كانوا من أهل الجنة فقد ذهبوا عنهم ذهاباً لا إياب بعده، وتعقب بأن المحذور ذهاب من لو آب لانتفع به الخاسر وذلك غير متصور في الشق الأخير، وقيل :المراد بالأهل ما أعده الله تعالى لمن يدخل الجنة من الخاصة أي وخسروا أهليهم الذين كانوا يكونون لهم في الجنة لو آمنوا، أخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد عن قتادة قال :ليس أحد إلا قد أعد الله تعالى له أهلاً في الجنة إن أطاعه، وأخرج نحوه عن مجاهد، وروي أيضاً عن ميمون بن مهران وكلهم ذكروا ذلك في الآية، وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس أنه قال فيها أيضاً :خسروا أهليهم من أهل الجنة كانوا أعدوا لهم لو عملوا بطاعة الله تعالى فغبنوهم، وهو الذي يقتضيه كلام الحسن فقد روي عنه أنه فسر الأهل بالحور العين، ولا يخفى أن حمل الآية على ذلك لا يخلو عن بعد.
وأياً ما كان فليس المراد مجرد تعريف الكاملين في الخسران بما ذكر بل بيان أنهم المخاطبون بما تقدم إما بجعل الموصول عبارة عنهم أو بجعله عبارة عما هم مندرجون فيه اندراجاً أولياً، وما في قوله تعالى : ﴿ أَلاَ ذَلِكَ هُوَ الخسران المبين ﴾ من استئناف الجملة، وتصديرها بحرف التنبيه والإشارة بذلك إلى بعد منزلة المشار إليه في الشر وأنه لعظمه بمنزلة المحسوس وتوسيط ضمير الفصل وتعريف الخسران والإتيان به على فعلان الأبلغ من فعل ووصفه بالمبين من الدلالة على كمال هوله وفظاعته وأنه لا نوع من الخسر وراءه ما لا يخفى.
ومن باب الإشارة : ﴿ قُلْ إِنَّ الخاسرين الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ ﴾ أي الذين تبين خسران أنفسهم بإفساد استعدادها للوصول والوصال ﴿ وَأَهْلِيهِمْ ﴾ من القلوب والإسرار والأرواح بالإعراض عن طلب المولى ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ الذي تتبين فيه الحقائق ﴿ ذلك هُوَ الخسران المبين ﴾ [ الزمر :١٥ ] الذي لا خفاء فيه لفوات رأس المال وعدم إمكان التلافي، وقال بعض الأجلة :إن للإنسان قوتين يستكمل بإحداهما علماً وبالأخرى عملاً، والآلة الواسطة في القسم الأول هي العلوم المسماة بالمقدمات وترتيبها على الوجه المؤدي إلى النتائج التي هي بمنزلة الربح يشبه تصرف التاجر في رأس المال بالبيع والشراء، والآلة في القسم العملي هو القوى البدنية وغيرها من الأسباب الخارجية المعينة عليها، واستعمال تلك القوى في وجوه أعمال البر التي هي بمنزلة الربح يشبه التجارة، فكل من أعطاه الله تعالى العقل والصحة والتمكين ثم إنه لم يستفد منها معرفة الحق ولا عمل الخير فإذا مات فات ربحه وضاع رأس ماله ووقع في عذاب الجهل وألم البعد عن عالمه والقرب مما يضاده أبد الآباد، فلا خسران فوق هذا ولا حرمان أبين منه، وقد أشار سبحانه إلى هذا بقوله تعالى : ﴿ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ [ الزمر :١٦ ] وهذا على الأول إشارة إلى إحاطة نار الحسرة بهم
وقوله تعالى : ﴿ لَهُمْ مّن فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مّنَ النار ﴾ إلى آخره نوع بيان لخسرانهم بعد تهويله بطريق الإبهام على أن ﴿ لَهُمْ ﴾ خبر لظلل و ﴿ مِنْ ﴾ فوقهم متعلق بمحذوف حال من ضميرها في الظرف المقدم لا منها نفسها لضعف الحال من المبتدأ، وجعلها فاعل الظرف حينئذٍ اتباع لنظر الأخفش وهو ضعيف، و ﴿ مِنَ النار ﴾ صفة لظلل.
والكلام جار مجرى التهكم بهم ولذا قيل لهم وعبر عما علاهم من النار بالظلل أي لهم كائنة من فوقهم ظلل كثيرة متراكمة بعضها فوق بعض كائنة من النار ﴿ وَمِن تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ كائنة من النار أيضاً، والمراد أطباق كثيرة منها وتسميتها ظللاً من باب المشاكلة. وقيل هي ظلل لمن تحتهم في طبقة أخرى من طبقات النار ولا يطرد في أهل الطبقة الأخيرة من هؤلاء الخاسرين إلا أن يقال :إنها للشياطين ونحوهم مما لا ذكر لهم هنا، وقيل :إن ما تحتهم يلتهب ويتصاعد منه شيء حتى يكون ظلة فسمي ظلة باعتبار ما آل إليه أخيراً وليس بذاك، والمراد أن النار محيطة بهم ﴿ ذلك ﴾ العذاب الفظيع ﴿ يُخَوّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ يذكره سبحانه لهم بآيات الوعيد ليخافوا فيجتنبوا ما يوقعهم فيه، وخص بعضهم العباد بالمؤمنين لأنهم المنفعون بالتخويف وعمم آخرون.
وكذا في قوله سبحانه : ﴿ قَلِيلاً وإياي فاتقون ﴾ ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي، ويختلف المراد بالأمر على الوجهين كما لا يخفى، وهذه عظة من الله جل جلاله وعم نواله منطوية على غاية اللطف والرحمة. وقرئ ﴿ فِى عِبَادِي ﴾ بالياء.
﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ الخ قال ابن زيد :نزلت في ثلاثة نفر كانوا في الجاهلية يقولون لا إله إلا الله. زيد بن عمرو بن نفيل، وسلمان، وأبي ذر. وقال ابن إسحاق :أشير بها إلى عبد الرحمن بن عوف. وسعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد. والزبير وذلك أنه لما أسلم أبو بكر سمعوا ذلك فجاءوه وقالوا :أسلمت قال نعم وذكرهم بالله تعالى فآمنوا بأجمعهم فنزلت فيهم وهي محكمة في الناس إلى يوم القيامة، والطاغوت فعلوت من الطغيان كما قالوا لا فاعول كما قيل بتقديم اللام على العين نحو صاعقة وصاقعة، ويدل على ذلك الاشتقاق وأن طوغ وطيغ مهملان.
وأصله طغيوت أو طغووت من الياء أو الواو لأن طغى يطغى ويطغو كلاهما ثابتان في العربية نقله الجوهري، ونقل أن الطغيان والطغوان بمعنى وكذا الراغب، وجمعه على الطواغيت يدل على أن الجمع بني على الواو، وقولهم :من الطغيان لا يريدون به خصوص الياء بل أرادوا المعنى وهو على ما في «الصحاح » الكاهن والشيطان وكل رأس في الضلال، وقال الراغب :هو عبارة عن كل متعد وكل معبود من دون الله تعالى وسمي به الساحر والكاهن والمارد من الجن والصارف عن الخير ويستعمل في الواحد والجمع.
وقال الزمخشري في هذه السورة :لا يطلق على غير الشيطان، وذكر أن فيه مبالغات من حيث البناء فإن صيغة فعلوت للمبالغة ولذا قالوا الرحموت الرحمة الواسعة، ومن حيث التسمية بالمصدر، ومن حيث القلب فإنه للاختصاص كما في الجاه، وقد أطلقه في النساء على كعب بن الأشرف وقال :سمي طاغوتاً لإفراطه في الطغيان وعداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم أو على التشبيه بالشيطان فلعله أراد لا يطلق على غير الشيطان على الحقيقة، وكأنه جعل كعباً على الأول من الوجهين من شياطين الإنس، وفي «الكشف » كأنه لما رآه مصدراً في الأصل منقولاً إلى العين كثير الاستعمال في الشيطان حكم بأنه حقيقة فيه بعد النقل مجاز في الباقي لظهور العلاقة إما استعارة وإما نظر إلى تناسب المعنى، والذي يغلب على الظن أن الطاغوت في الأصل مصدر نقل إلى البالغ الغاية في الطغيان وتجاوز الحد، واستعماله في فرد من هذا المفهوم العام شيطاناً كان أو غيره يكون حقيقة ويكون مجازاً على ما قرروا في استعمال العام في فرد من أفراده كاستعمال الإنسان في زيد، وشيوعه في الشيطان ليس إلا لكونه رأس الطاغين، وفسره هنا بالشيطان مجاهد، ويجوز تفسيرها بالشياطين جمعاً على ما سمعت عن الراغب ويؤيده قراءة الحسن ﴿ اجتنبوا ﴾ ﴿ الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا ﴾ بدل اشتمال من الطاغوت وعبادة غير الله تعالى عبادة للشيطان إذ هو الآمر بها والمزين لها، وإذا فسر الطاغوت بالأصنام فالأمر ظاهر ﴿ وَأَنَابُواْ إِلَى الله ﴾ وأقبلوا إليه سبحانه معرضين عما سواه إقبالاً كلياً ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ بالثواب من الله تعالى على ألسنة الرسل عليهم السلام أو الملائكة عند حضور الموت وحين يحشرون وبعد ذلك
﴿ فَبَشّرْ عِبَادِ ﴾.
﴿ فَبَشّرْ عِبَادِ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ مدح لهم بأنهم نقاد في الدين يميزون بين الحسن والأحسن والفاضل والأفضل فإذا اعترضهم أمران واجب وندب اختاروا الواجب وكذلك المباح والندب.
وقيل يستمعون أوامر الله تعالى فيتبعون أحسنها نحو القصاص والعفو والانتصار والإغضاء والإبداء والإخفاء لقوله تعالى : ﴿ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى ﴾ [ البقرة :٢٣٧ ]. ﴿ وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الفقراء فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ [ البقرة :٢٧١ ] والفرق بين الوجهين أن هذا أخص لأنه مخصوص بأوامر فيها تخيير بين راجح وأرجح كالعفو والقصاص مثلاً كأنه قيل يتبعون أحسن القولين الواردين في معين وفي الأول يتبعون الأحسن من القولين مطلقاً كالإيجاب بالنسبة إلى الندب مثلاً.
وعن الزجاج يستمعون القرآن وغيره فيتبعون القرآن. وقيل يستمعون القول ممن كان فيتبعون أولاه بالقبول وأرشده إلى الحق ويلزم من وصفهم بذلك أنهم يميزون القبيح من الحسن ويجتنبون القبيح، وأريد بهؤلاء العباد الذين اجتنبوا وأنابوا لا غيرهم لئلا ينفك النظم فإن قوله تعالى : ﴿ فَبَشّرْ ﴾ مرتب على قوله سبحانه : ﴿ لَهُمُ البشرى ﴾ ووضع الظاهر موضع الضمير ليشرفهم تعالى بالإضافة إليه ولتكرير بيان الاستحقاق وليدل على أنهم نفادون حرصاً على إثار الطاعة ومزيد القرب عند الله تعالى وفيه تحقيق للإنابة وتتميم حسن، وقيل الوقف على ﴿ عِبَادِي ﴾ فيكون الذين مبتدأ خبره جملة قوله تعالى :
﴿ أولئك الذين هداهم الله ﴾ أي لدينه، والكلام استئناف بإعادة صفة من استؤنف عنه الحديث ؛ وما تقدم أرجح لما سلف من الفوائد من إقامة الظاهر مقام المضمر والتتميم فإن ذلك دون الوصف لا يتم، ولأن محرك السؤال المجاب بالجملة بعد قوله تعالى : ﴿ يَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ أقوى وذلك الأصل في حسن الاستئناف ﴿ وَأُوْلَئِكَ هُمُ أُوْلُواْ الالباب ﴾ أي هم أصحاب العقول السليمة عن معارضة الوهم ومنازعة الهوى المستحقون للهداية لا غيرهم، وفي الآية دلالة على حط قدر التقليد المحض ولذا قيل
:
شمر وكن في أمور الدين مجتهدا ولا تكن مثل عير قيد فانقاد
واستدل بها على أن الهداية تحصل بفعل الله تعالى وقبول النفس لها كما ذهب إليه الأشاعرة
وقوله تعالى : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِى النار ﴾ بيان لأضداد المذكورين على طريقة الإجمال وتسجيل عليهم بحرمان الهداية وهم عبدة الطاغوت ومتبعوا خطواتها كما يلوح به التعبير عنهم بمن حق عليه كلمة العذاب فإن المراد بتلك الكلمة قوله تعالى : ﴿ لأملأن جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ ص :٨٥ ] والآية على ما قيل نزلت في أبي جهل وأضرابه، والهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر ومن شرطية على ما ذهب إليه الحوفي وغيره وجواب الشرط ﴿ فَأَنتَ تُنقِذُ ﴾ الخ والهمزة قبله لاستطالة الكلام على نحو قوله
:
لقد علم الحزب اليمانون أنني إذا قلت أما بعد أني خطيبها
لأن دخول الهمزة في الجواب أو الشرط كاف تقول :أإن أكرمك تكرمه كما تقول إن أكرمك أتكرمه ولا تكررها فيهما إلا للتأكيد لأن الجملتين أعني الشرط والجزاء بعد دخول الأداة مفردان والاستفهام إنما يتوجه على مضامين الجمل إذا كان المطلوب تصديقاً والإنكار المفاد بالهمزة متعلق بمضمون المعطوف والمعطوف عليه إلا أن المقصود في المعطوف إنكار الجزاء والتقدير أأنت مالك أمر الناس قادر على التصرف فيه فمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه على معنى لست أنت مالك أمر الناس ولا أنت تقدر على الإنقاذ بل المالك والقادر على الإنقاذ هو الله عز وجل، وعدل عن فأنت تنقذه إلى ما في «النظم الكريم » لمزيد تشديد الإنكار والاستبعاد مع ما فيه من الإشارة إلى أنه نزل استحقاقهم للعذاب وهم في الدنيا المشعر به الشرط منزلة دخولهم النار وأنه مثل حاله عليه الصلاة والسلام في المبالغة في تحصيل هدايتهم والاجتهاد في دعائهم إلى الإيمان بحال من يريد أن ينقذ من في النار منها. وفي «الحواشي الخفاجية » نقلاً عن السعد أن في هذه الآية استعارة لا يعرفها إلا فرسان البيان وهي الاستعارة التمثيلية المكنية لأنه نزل ما يدل عليه قوله تعالى : ﴿ أَفَمَنِ ﴾ الخ من استحقاقهم العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار في الآخرة حتى يترتب عليه تنزيل بذله عليه الصلاة والسلام جهده في دعائهم إلى الإيمان منزلة إنقاذهم من النار الذي هو من ملائمات دخول النار ثم قال :وقد عرفت من مذهبه أن قرينة المكنية قد تكون تحقيقية كما في نقض العهد انتهى فتأمل.
وقيل :إن النار مجاز عن الضلال من باب إطلاق اسم المسبب على السبب والإنقاذ بدل الهداية من ترشيح المجاز أو مجاز عن الدعاء للإيمان والطاعة وليس بذاك، وجوز أن يكون الجزاء محذوفاً وجملة ﴿ فَأَنتَ تُنقِذُ ﴾ الخ مستأنفة مقررة للجملة الأولى والتقدير أفمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تخلصه أفأنت تنقذ من في النار.
ولا فرق بين الوجهين في أن الفاء في الأولى للعطف على محذوف ولا في كون المعنى على تنزيل استحقاق العذاب وهم في الدنيا منزلة دخولهم النار وتمثيل حاله عليه الصلاة والسلام في المبالغة في تحصيل هدايتهم بحال من يريد أن ينقذ من في النار منها، نعم الكلام على الأول جملة وعلى الثاني جملتان، واستظهر أبو حيان أن ﴿ مِنْ ﴾ موصولة مبتدأ والخبر محذوف، وحكي أن منهم من يقدره يتأسف عليه ومنهم من يقدره يتخلص منه ومنهم من يقدره فأنت تخلصه، ولا يخفى أن التقدير الأخير أولى، وذكر أن النحاة على أن الفاء في مثل هذا التركيب للعطف وموضعها قبل الهمزة لكن قدمت الهمزة لأن لها صدر الكلام وقال :إن القول بأن كلاً منهما في مكانه قول انفرد به الزمخشري فيما علمنا وفي «المغني » ترجيح القول بأن الهمزة مقدمة من تأخير وعليه يقدر المعطوف عليه ما أنت مالك أمرهم أو ما أخبر الله تعالى به واقع لا محالة أو كل كافر مستحق للعذاب أو نحو ذلك مما يناسب المعنى المراد.
﴿ لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ ﴾ استدراك بين ما يشبه النقيضين والضدين وهما المؤمنون والكافرون وأحوالهما، والمراد بالذين اتقوا الموصوفون بما عدد من الصفات الفاضلة، والغرف جمع غرفة وهي العلية أي لهم علالي كثيرة جليلة بعضها فوق بعض ﴿ مَّبْنِيَّةٌ ﴾ قيل :هو كالتمهيد لقوله تعالى : ﴿ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا ﴾ أي من تحت تلك الغرف الفوقانيات والتحتانيات ﴿ الانهار ﴾ أي مبنية بناءاً يتأتى معه جري الأنهار من تحتها وذلك على خلاف علالي الدنيا فيفيد الوصف بذلك أنها سويت تسوية البناء على الأرض وجعلت سطحاً واحداً يتأتى معه جري الأنهار عليه على أن مياه الجنة لما كانت منحدرة من بطنان العرش على ما في الحديث فهي أعلى من الغرف فلا عجب من جري الماء عليها فوقاً وتحتاً لكن لا بد من وضع يتأتى معه الجري فالوصف المذكور لإفادة ذلك.
وقال بعض الأجلة :الظاهر أن هذا الوصف تحقيق للحقيقة وبيان أن الغرف ليست كالظلل حيث أريد بها المعنى المجازي على الاستعارة التهكمية، وقال بعض فضلاء إخواننا المعاصرين :فائدة التوصيف بما ذكر الإشارة إلى رفعة شأن الغرف حيث آذن أن الله تعالى بانيها وماذا عسى يقال في بناء بناه الله جل وعلا.
وأقول والله تعالى أعلم :وصفت الغرف بذلك للإشارة إلى أنها مهيأة معدة لهم قد فرغ من أمرها كما هو ظاهر الوصف لا أنها تبنى يوم القيامة لهم، وفي ذلك من تعظيم شأن المتقين ما فيه، وفي الآية على هذا رد على المعتزلة وكأن الزمخشري لذلك لم يحم حول هذا الوجه واقتصر على ما حكيناه أولاً مع أن ما قلناه أقرب منه فليحفظ.
﴿ وَعَدَ الله ﴾ مصدر مؤكد لمضمون الجملة قبله فإنه وعد أي وعد ﴿ لاَ يُخْلِفُ الله الميعاد ﴾ لما في خلفه من النقص المستحيل عليه عز وجل.
ومن باب الإشارة : ﴿ لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار ﴾ [ الزمر :٢٠ ] قيل الغرف المبنية بعضها فوق بعض إشارة إلى العلوم المكتسبة المبنية على النظريات وأنها تكون في المتانة واليقين كالعلوم الغريزية البديهية
﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاء ﴾ استئناف وارد إما لتمثيل الحياة الدنيا في سرعة الزوال وقرب الاضمحلال بما ذكر من أحوال الزرع تحذيراً من الاغترار بزهرتها أو للاستشهاد على تحقق الموعود من الأنهار الجارية من تحت الغرف بما يشاهد من إنزال الماء من السماء وما يترتب عليه من آثار قدرته سبحانه وإحكام حكمته ورحمته، والمراد بالماء المطر وبالسماء جهة العلو، وقيل :الأجرام العلوية وكون إنزال المطر منها باعتبار أنه بأسباب ناشئة منها فإن تصاعد الأبخرة وتكون الغيوم بسبب جذب الشمس واختلاف أوضاعها ونحو ذلك من الأسباب التي يعلمها الله تعالى، وأما كون إنزال المطر نفسه من جرم السماء المعروفة نفسها فكثير ما يرتفع سحاب ويمطر مطراً غزيراً وهناك من هو على ذروة جبل لا سحاب عنده ولا مطر والتزام أن المطر في ذلك نازل من جرم السماء أيضاً على السحاب لكن لا يشاهده من هو مشرف على السحاب وواقف فوق الجبل لا يخفى حاله ؛ وقيل :المراد بالماء كل ماء في الأرض، والمراد بالإنزال المذكور الإنزال في مبدأ الخليقة وذلك أنه عز وجل لما خلق الأرض خلقها خالية من الماء فأنزل من بحر تحت العرش ماء ﴿ فَسَلَكَهُ ﴾ فأدخله ﴿ يَنَابِيعَ فِى الأرض ﴾ أي في ينابيع أي عيون ومجاري كائنة في الأرض كالعروق في الأجساد فعلى الأول :يقتضي ظاهر الآية أن ماء العيون والقنوات من ماء المطر وعلى الثاني :ليس منه، وشاع عن الفلاسفة أن ماء العيون وما جرى مجراها من الأبخرة قالوا :إن البخار إذا احتبس في الأرض يميل إلى جهة وتبرد بها فتنقلب مياه مختلطة بأجزاء بخارية فإذا كثر بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاقها فانفجر منها العيون، ورده أبو البركات البغدادي فقال في «المعتبر » :السبب في العيون وما يجري مجراها هو ما يسيل من الثلوج ومياه الأمطار لأنا نجدها تزيد بزيادتها وتنقص بنقصانها وأن استحالة الأهوية والأبخرة المنحصرة في الأرض لا مدخل لها في ذلك فإن باطن الأرض في الصيف أشد برداً منه في الشتاء فلو كان سبب هذه استحالتها لوجب أن تكون العيون والقنوات ومياه الآبار في الصيف أزيد وفي الشتاء أنقص مع أن الأمر بخلاف ذلك على ما دلت عليه التجربة، وقال الميبدي :الحق أن السبب الذي ذكره صاحب المعتبر معتبر لا محالة إلا أنه غير مانع من اعتبار السبب الذي ذكر يعني ما شاع، واحتجاجه في المنع إنما يدل على أنه لا يجوز أن يكون ذلك هو السبب التام لا على أنه لا يجوز أن يكون ذلك سبباً في الجملة اه.
وفي شرح المواقف اختلفوا في أن المياه متولدة من أجزاء مائية متفرقة في عمق الأرض إذا اجتمعت أو من الهواء البخاري الذي ينقلب ماء.
وهذا الثاني وإن كان ممكناً إلا أن الأول أولى لأن مياه العيون والقنوات والآبار تزيد بزيادة الثلوج والأمطار، والأولى عندي أن يحمل الماء في الآية على المطر ونحوه من الثلج، والآية تدل على أن ذلك الماء يسلكه الله تعالى في ينابيع في الأرض ولا تدل على أن ما في الينابيع ليس إلا ذلك الماء فيجوز أن يكون بعض ما فيها هو الماء المنزل من السماء والبعض الآخر حادثاً من الهواء البخاري بانقلابه ماءً بأسباب يعلمها الله عز وجل، وحمل الإنزال على الإنزال في مبدأ الخليقة على ما سمعت مع كونه مما لم أقف على خبر صحيح يقتضيه خلاف الظاهر في الآية جداً لأن الخطاب في ﴿ أَلَمْ تَرَ ﴾ عام ولا يتأتى العموم في رؤية ذلك، وكأنه يتعين عليه جعل الخطاب خاصاً بسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم والمراد ألم تعلم ذلك بالوحي ومع ذلك لا يخفى حال حمل الآية على ما ذكر، وقريب مما قيل ما حكاه الزمخشري في الآية عن بعض من أن كل ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة ثم يقسمه الله تعالى بين البقاع، هذا لكن يعكر على ما اخترناه ظاهر ما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية :ليس في الأرض ماءً إلا ما أنزل الله تعالى من السماء ولكن عروق في الأرض تغيره فمن سره أن يعود الملح عذباً فليصعد. وأخرج نحوه عن سعيد بن جبير. والشعبي، فإن صح هذا الخبر وقلنا إنه في حكم المرفوع فما علينا إذا قلنا بظاهره فالعقل لا يأباه والله تعالى على كل شيء قدير، هذا وجوز أن تكون الينابيع جمع ينبوع بمعنى النابع فإنه كما يطلق على المنبع يطلق على ما ذكر وحينئذٍ تكون منصوبة على الحال، والمعنى فسلكه مياهاً نابعة في الأرض، ولا يخلو من الكدر لأنه لو قصد هذا كان الظاهر أن يقال من الأرض وعلى ما هو المشهور يكون ﴿ يَنَابِيعَ ﴾ منصوباً بنزع الخافض كما أشرنا إليه.
واحتمال كونه منصوباً على المصدرية في إطلاقيه بأن يكون الأصل فسلكه سلوكاً في ينابيع أي مجاري فحذف المصدر وأقيم ما هو في موضع الصفة مقامه أو يكون الأصل فسلكه سلوك ينابيع أي مياه نابعة فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه بعيد كما لا يخفى.
﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ ﴾ أي بواسطته مراعاة للحكمة لا لتوقف الإخراج عليه في نفس الأمر، وقالت الأشاعرة :أي يخرج عنده بلا مدخلية له بوجه من الوجوه سوى المقارنة ﴿ زَرْعاً مُّخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ﴾ أي أنواعه وأصنافه من بر وشعير وغيرهما أو كيفياته المدركة بالبصر من خضرة وحمرة وغيرهما أو كيفياته مطلقاً من الألوان والطعوم وغيرهما على ما قيل، وشمل الزرع المقتات وغيره، وثم للتراخي في الرتبة أو الزمان، وصيغة المضارع لاستحضار الصورة ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ ﴾ ييبس، وظاهر كلام أهل اللغة أن هذا معنى حقيقي للهيجان، ويفهم من كلام بعض المفسرين أن يهيج بمعنى يثور واستعماله بمعنى ييبس من مجاز المشارفة لأن الزرع إذا يبس وتم جفافه يشرف على أن يثور ويذهب من منابته ﴿ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ﴾ من بعد خضرته ونضارته.
وقرئ ﴿ مصفاراً ﴾ ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما ﴾ فتاتاً متكسراً كأن لم يغن بالأمس، ولكون هذه الحالة من الآثار القوية علقت بجعل الله تعالى كالإخراج. وقرأ أبو بشر ﴿ ثُمَّ يَجْعَلُهُ ﴾ بالنصب قال صاحب الكامل :وهو ضعيف ولم يبين وجه النصب، وكأنه إضمار أن كما في قوله
:إني وقتلي سليكاً ثم أعقله *** ولا يخفى وجه ضعفه هنا ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ ﴾ إشارة إلى ما ذكر تفصيلاً، وما فيه من معنى البعد للإيذان ببعد منزلته في الغرابة والدلالة على ما قصد بيانه ﴿ لِذِكْرِى ﴾ لتذكيراً عظيماً ﴿ لأولى الالباب ﴾ لأصحاب العقول الخالصة عن شوائب الخلل وتنبيهاً لهم على حقيقة الحال يتذكرون بذلك حال الحياة الدنيا وسرعة تقضيها فلا يغترون ببهجتها ولا يفتنون بفتنتها أو يجزمون بأن من قدر على إنزال الماء من السماء والتصرف به على أتم وجه قادر على إجراء الأنهار من تحت تلك الغرف، وكأن الأول أولى ليكون ما تقدم ترغيباً في الآخرة وهذا تنفيراً عن الدنيا، وقيل المعنى إن في ذلك لتذكيراً وتنبيهاً على أنه لا بد لذلك من صانع حكيم وأنه كائن على تقدير وتدبير لا عن تعطيل وإهمال وهو بمعزل عما يقتضيه السياق على أن الأنسب بإرادة ذلك ذكر الآثار غير مسندة إليه عز وجل فحيث ذكرت مسندة إليه سبحانه فالظاهر أن يكون متعلق التذكير والتنبيه شؤونه تعالى أو شؤون آثاره حسبما أشير إليه لا وجوده جل وعلا.
[ بم وقوله تعالى :
ومن باب الإشارة : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء ﴾ من سماء حضرته سبحانه أو من سماء القلب ﴿ مَاء ﴾ ماء المعارف والعلوم ﴿ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ ﴾ مدارك وقوى ﴿ فِى الأرض ﴾ أرض البشرية ﴿ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً ﴾ من الأعمال البدنية والأقوال اللسانية ﴿ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حطاما ﴾ [ الزمر :٢١ ] إشارة إلى أفعال المرائين وأقوالهم ترى مخضرة وفق الشرع ثم تصفر من آفة الرياء ثم تكون حطاماً لا حاصل لها إلا الحسرة
﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام ﴾ الخ استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تخصيص الذكرى بأولى الألباب، والشرح في الأصل البسط والمد للحم ونحوه ويكنى به عن التوسيع، وتجوز به هنا عن خلق النفس الناطقة مستعدة استعداداً تاماً للقبول بجامع عدم التأبي عن القبول وسهولة الحصول وذلك بعد التجوز في الصدر، وإرادة النفس الناطقة منه من حيث أنه محل للقلب وفي تجويفه بخار لطيف يتكون من صفوة الأغذية وبه تتعلق النفس أولاً وبواسطته تتعلق بسائر البدن تعلق التدبير والتصريف، وتلك النفس هي التي تتصف بالإسلام والإيمان، وجعل بعض الأجلة شرح الله صدره استعارة تمثيلية، والهمزة للإنكار دالة على محذوف على أحد القولين المارين آنفاً، والفاء للعطف على ذلك المحذوف، وخبر من محذوف لدلالة ما بعده عليه والتقدير أكل الناس سواء فمن شرح الله تعالى صدره وخلقه مستعداً للإسلام فبقي على الفطرة الأصلية ولم تتغير بالعوارض المكتسبة القادحة فيها ﴿ فَهُوَ ﴾ بموجب ذلك مستقر ﴿ على نُورٍ ﴾ عظيم ﴿ مّن رَّبّهِ ﴾ وهو اللطف الإلهي المشرق عليه من بروج الرحمة عند مشاهدة الآيات التكوينية والتنزيلية والتوفيق للاهتداء بها إلى الحق كمن قسا قلبه وحرج صدره بتبديل فطرة الله تعالى بسوء اختياره واستولى عليه ظلمات الغي والضلال فأعرض عن تلك الآيات بالكلية حتى لا يتذكر بها ولا يغتنمها، وعدل عن فعنده أو فله نور إلى ما في النظم الجليل للدلالة على استمرار ذلك واستقراره في النور وهو مستعار للطف والتوفيق للاهتداء، وقد يقال :أمر إليه غير اللطف والتوفيق يدرك به الحق ؛ وجاء برواية الثعلبي في «تفسيره ». والحاكم في «مستدركه ». والبيهقي في «شعب الإيمان ». وابن مردويه عن ابن مسعود أنه قال :تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ ﴾ الخ فقلنا :يا رسول الله كيف انشراح الصدر ؟ قال :إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح قلنا. فما علامة ذلك يا رسول الله ؟ فقال :الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والتأهب للموت قبل نزوله. واستشكل ذلك بأن ظاهر الآية ترتب دخول النور على ألا نشرح، لأنه الاستعداد لقبوله وما في الحديث الشريف عكسه والظاهر أن السؤال عما في الآية وأن الجواب بيان لكيفيته. وأجيب بأن الاهتداء له مراتب بعضها مقدم وبعضها مؤخر وانشراح الصدر بحسب الفطرة والخلق وبحسب ما يطرأ عليه بعد فيض الألطاف عليه وبينهما تلازم، والمراد بانشراح الصدر في الحديث ما يكون بعد المكن فيه، وفي الآية ما تقدم وقس عليه النور، والجواب من قبيل الأسلوب الحكيم فتأمل.
﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مّن ذِكْرِ الله ﴾ أي من أجل ذكره سبحانه الذي حقه أن تلين منه القلوب أي إذا ذكر الله تعالى عندهم أو آياته عز وجل اشمأزوا من ذلك وزادت قلوبهم قساوة.
وقرئ ﴿ عَن ذِكْرِ الله ﴾ والمتواترة أبلغ لأن القاسي من أجل الشيء أشد تأبياً من قبوله من القاسي عنه بسبب آخر، وللمبالغة في وصف أولئك بالقبول وهؤلاء بالامتناع ذكر شرح الصدر لأن توسعته وجعله محلاً للإسلام دون القلب الذي فيه يدل على شدته وإفراط كثرته التي فاضت حتى ملأت الصدر فضلاً عن القلب، وإسناده إلى الله تعالى الظاهر في أنه على أتم الوجوه لأنه فعل قادر حكيم وقابله بالقساوة مع أن مقتضى المقابلة أن يعبر بالضيق لأن القساوة كما في الصخرة الصماء تقتضي عدم قبول شيء بخلال الضيق فإنه مشعر بقبول شيء قليل، وعدل عن التعبير بما يفيد مجعولية القساوة له تعالى وخلقه إياها للإشارة إلى غاية لزومها لهم حتى كأنها لو لم تجعل لتحققت فيهم بمقتضى دواتهم، وإما إسنادها إلى القلوب دون الصدور فللتنصيص على فساد هذا العضو الذي إذا فسد فسد الجسد كله، واعتبر الجمع في هؤلاء الكفرة والإفراد في أولئك المؤمنين حيث قال سبحانه : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ ﴾ دون أفمن شرح الله صدورهم للإشارة إلى أن المؤمنين وأن تعددوا كرجل واحد ولا كذلك الكفار.
﴿ أولئك ﴾ البعداء المتصفون بما ذكر من قساوة القلوب ﴿ فِى ضلال مُّبِينٍ ﴾ ظاهر كونه ضلالاً لكل أحد.
والآية نزلت في علي. وحمزة رضي الله تعالى عنه ممن شرح الله تعالى صدره للإسلام وأبو لهب. وابنه من القاسية قلوبهم.
ومن باب الإشارة : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام ﴾ للانقياد إليه سبحانه ﴿ فَهُوَ على نُورٍ مّن رَّبّهِ ﴾ [ الزمر :٢٢ ] يستضيء به في طلبه سبحانه، ومن علامات هذا النور محو ظلمات الصفات الذميمة النفسانية والتحلية بالأخلاق الكريمة القدسية.
والسلام على رسوله محمد وآله.
﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ هو القرآن الكريم، وكونه حديثاً بمعنى كونه كلاماً محدثاً به لا بمعنى كونه مقابلاً للقديم، ومن قال بالتلازم من الأشاعرة القائلين بحدوث الكلام اللفظي جعل الأوصاف الدالة على الحدوث لذلك الكلام، وجوز أن يكون إطلاق الحديث هنا على القرآن من باب المشاكلة. عن ابن عباس أن قوماً من الصحابة قالوا :يا رسول الله حدثنا بأحاديث حسان وبأخبار الدهر فنزلت، وعن ابن مسعود أن الصحابة ملوا ملة فقالوا له عليه الصلاة والسلام حدثنا فنزلت أي إرشاداً لهم إلى ما يزيل مللهم وهو تلاوة القرآن واستماعه منه صلى الله عليه وسلم غضاً طرياً. وفي إيقاع اسم الله تعالى مبتدأ أو بناء ﴿ نَزَّلَ ﴾ عليه تفخيم لأحسن الحديث واستشهاد على أحسنيته وتأكيد لاستناده إلى الله عز وجل وأن مثله لا يمكن أن يتكلم به غيره سبحانه، أما التفخيم فلأنه من باب الخليفة عند فلان، وأما الاستشهاد على أحسنيته فلكونه ممن لا يتصور أكمل منه بل لا كمال لشيء ما في جنبه بوجه، وأما توكيد الاستناد إليه تعالى فمن التقوى، وأما إن مثله لا يمكن أن يتكلم به غيره سبحانه فلمكان التناسب لأن أكمل الحديث إنما يكون من أكمل متكلم ضرورة، ومذهب الزمخشري أن مثل هذا التركيب يفيد الحصر وأنه لا تنافي بينه وبين التقوى جمعاً فافهم.
﴿ كتابا ﴾ بدل من ﴿ أَحْسَنَ الحديث ﴾ أو حال منه كما قال الزمخشري، وليس مبنياً على القول بأن إضافة أفعل التفضيل تفيده تعريفاً كما ظن أبو حيان فإن مطلق الإضافة كافية في صحة الحالية كما لا يخفى على من له أدنى إلمام بالعربية، ووقوعه حالاً مع كونه اسماً لا صفة إما لوصفه بقوله تعالى : ﴿ متشابها ﴾ أو لكونه في قوة مكتوباً.
والمراد بكونه متشابهاً هنا تشابه معانيه في الصحة والأحكام والابتناء على الحق والصدق واستتباع منافع الخلق في المعاد والمعاش وتناسب ألفاظه في الفصاحة وتجاوب نظمه في الإعجاز، وما أشبه هذا بقول العرب في الوجه الكامل حسناً وجه متناصف كأن بعضه أنصف بعضاً في القسط من جمال، وقوله تعالى : ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ صفة أخرى لكتاباً أو حال أخرى منه، وهو جمع مثنى بضم الميم وفتح النون المشددة على خلاف القياس إذ قياسه مثنيات بمعنى مردد ومكرر لما كرر وثنى من أحكامه ومواعظه وقصصه، وقيل :لأنه يثني في التلاوة.
وجوز أن يكون جمع مثنى بالفتح مخففاً من التثنية بمعنى التكرير والإعادة كما كان قوله تعالى : ﴿ فارجع البصر كَرَّتَيْنِ ﴾ [ الملك :٤ ] بمعنى كرة بعد كرة وكذلك لبيك وسعديك، والمراد أنه جمع لمعنى التكرير والإعادة كما ثنى ما ذكر لذلك لكن استعمال المثنى في هذا المعنى أكثر لأنه أول مراتب التكرار، ويحتمل أن يراد أن مثنى بمعنى التكرير والإعادة كما أن صريح المثنى كذلك في نحو كرتين ثم جمع للمبالغة، وقيل :جمع مثنية لاشتماله آياته على الثناء على الله تعالى أو لأنها تثني ببلاغتها وإعجازها على المتكلم بها، ولا يخفى أن رعاية المناسبة مع ﴿ متشابها ﴾ تجعل ذلك مرجوحاً وأنه حسن إذا حمل على الثناء باعتبار الإعجاز، وفي «الكشف » الاقيس بحسب اللفظ أن ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ اشتقت من الثناء أو الثني جمع مثنى مفعل منهما إما بمعنى المصدر جمع لما صير صفة أو بمعنى المكان في الأصل نقل إلى الوصف مبالغة نحو أرض مأسدة لأن محل الثناء يقع على سبيل المجاز على الثاني والمثنى عليه وكذلك محل الثني انتهى، ووقوعه صفة لكتاب باعتبار تفاصيله وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ألا تراك تقول :القرآن أسباع وأخماس وسور وآيات فكذلك تقول :هو أحكام ومواعظ وأقاصيص مثاني ونظيره قولك الإنسان عروق وعظام وأعصاب إلا أنك تركت الموصوف إلى الصفة والأصل كتاباً متشابهاً فصلاً مثاني، ويجوز أن يكون تمييزاً محولاً عن الفاعل والأصل متشابهاً مثانيه فحول ونكر لأن الأكثر فيه التنكير وهذا كقولك :رأيت رجلاً حسناً شمائل، وقرأ هشام.
وأبو بشر ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ بسكون الياء فاحتمل أن يكون خبر مبتدأ محذوف وإن يكون منصوباً وسكن الياء على لغة من يسكنها في كل الأحوال لانكسار ما قبلها استثقالاً للحركة عليها، وقوله تعالى : ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ قيل صفة لكتاباً أو حال منه لتخصصه بالصفة، وقال بعض :الأظهر أنه استئناف مسوق لبيان آثاره الظاهرة في سامعيه بعد بيان أوصافه في نفسه ولتقرير كونه أحسن الحديث.
والاقشعرار التقبض يقال اقشعر الجلد إذا تقبض تقبضاً شديداً وتركيبه من القشع وهو الأديم اليابس قد ضم إليه الراء ليكون رباعياً ودالاً على معنى زائد يقال :اقشعر جلده وقف شعره إذا عرض له خوف شديد من أمر هائل دهمه بغتة، والمراد تصوير خوفهم بذكر لوازمه المحسومة ويطلق عليه التمثيل وإن كان من باب الكناية.
وقيل :هو تصوير للخوف بذكر آثارها وتشبيه حالة بحالة فيكون تمثيلاً حقيقة، والأول أحسن لأن تشبيه القصة بالقصة على سبيل الاستعارة ههنا لا يخلو عن تكلف، واستظهر كون المراد بيان حصول تلك الحالة وعروضها لهم بطريق التحقيق، والمعنى أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارع آيات وعيده أصابتهم رهبة وخشية تقشعر منها جلودهم وإذا ذكروا رحمة لله تعالى عند سماع آيات وعده تعالى والطافه تبدلت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة وذلك قوله تعالى : ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ أي ساكنة مطمئنة إلى ذكر رحمته تعالى، وإنما لم يصرح بالرحمة إيذاناً بأنها أول ما يخطر بالبال عند ذكره تعالى لأصالتها كما يرشد إليه خبر سبقت رحمتى غضبي، وذكر القلوب لتقدم الخشية التي هي من عوارضها ولعله إنما لم تذكر هناك على طرز ذكرها هنا لأنها لا توصف بالاقشعرار وتوصف باللين، وليس في الآية أكثر من نعت أوليائه باقشعرار الجلود من القرآن ثم سكونهم إلى رحمته عز وجل، وليس فيها نعتهم بالصعق والتواجد والصفق كما يفعله بعض الناس، أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر.
وابن مردويه. وابن أبي حاتم. وابن عساكر عن عبد الله بن عروة بن الزبير قال :قلت لجدتي أسماء كيف كان يصنع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اقرؤوا القرآن ؟ قالت :كانوا كما نعتهم الله تعالى تدمع أعينهم وتقشعر جلودهم قلت :فإن ناساً ههنا إذا سمعوا ذلك تأخذهم غشية قالت :أعوذ بالله تعالى من الشيطان، وأخرج الزبير بن بكار في الموفقيات عن عامر عن عبد الله بن الزبير قال :جئت أمي فقلت وجدت قوماً ما رأيت خيراً منهم قط يذكرون الله تعالى فيرعد أحدهم حتى يغشى عليه من خشية الله تعالى فقالت :لا تقعد معهم ثم قالت :رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلو القرآن ورأيت أبا بكر. وعمر يتلوان القرآن ورأيت أبا بكر. وعمر يتلوان القرآن فلا يصيبهم هذا أفتراهم أخشى من أبي بكر وعمر، وقال ابن عمر وقد رأى ساقطاً من سماع القرآن فقال إنا لنخشى الله تعالى وما نسقط :هؤلاء يدخل الشيطان في جوف أحدهم، وأخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد. وابن المنذر عن قتادة أنه قال في الآية هذا نعت أولياء الله تعالى قال :تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى ولم ينعتهم الله سبحانه بذهاب عقولهم والغشيان عليهم إنما هذا في أهل البدع وإنما هو من الشيطان، وأخرج ابن أبي شيبة عن ابن جبير :قال الصعقة من الشيطان، وقال ابن سيرين :بيننا وبين هؤلاء الذين يصرعون عند قراءة القرآن أن يجعل أحدهم على حائط باسطاً رجليه ثم يقرأ عليهم القرآن كله فإن رمي بنفسه فهو صادق، فهذه أخبار ناعية على بعض المتصوفة صعقهم وتواجدهم وضرب رؤسهم الأرض عند سماع القرآن ويقول مشايخهم :إن ذلك لضعف القلوب عن تحمل الوارد وليس فاعلو ذلك في الكمال كالصحابة أهل الصدر الأول في قوة التحمل فما هو إلا دليل النقص بدليل إن السالك إذا كمل رسخ وقوي قلبه ولم يصدر منه شيء من ذلك ويقولون :ليس في الآية أكثر من إثبات الإقشعرار واللين وليس فيها نفي أن يعتريهم حال آخر بل في الآية إشعار بأن المذكور حال الراسخين الكاملين حيث قال سبحانه : ﴿ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُم ﴾ فعبر بالموصول ومقتضى معلومية الصلة أن لهم رسوخاً في الخشية حتى يعلموا بها فلا يلزم من كون حالهم ما ذكر ليس إلا على فرض دلالتها على الحصر كون حال غيرهم كذلك ثم إنه متى كان الأمر ضرورياً كالعطاس لا اعتراض على من يتصف به، وفي كلام ابن سيرين ما يؤيد ذلك، وهذا غاية ما يقال في هذا المجال ونحن نسأل الله تعالى أن يتفضل علينا بما تفضل به على أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ ذلك هُدَى الله ﴾ الإشارة إلى الكتاب الذي شرح أحواله ﴿ يَهْدِى بِهِ مَن يَشَاء ﴾ أي من يشاء الله تعالى هدايته بأن يوفقه سبحانه للتأمل فيما في تضاعيفه من شواهد الحقية ودلائل كونه من عنده عز وجل، وجوز أن يكون ضمير ﴿ يَشَاء ﴾ لمن والمعنى يهدي به الله تعالى من يشاء هداية الله تعالى وليس بذاك.
﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ أي يخلق سبحانه فهي الضلال لإعراضه عما يرشده إلى الحق بسوء استعداده ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ يخلصه من ورطة الضلال، وقيل :الإشارة بذلك إلى المذكور من الإقشعرار واللين والمعنى ذلك من ذكر من الخشية والرجاء أثر هداه تعالى يهدي بذلك الأثر من يشاء من عباده ومن يضلله أي ومن لم يؤثر فيه لقسوة قلبه وإصراره على فجوره فما له من هاد أي من مؤثر فيه بشيء قط وهو كما ترى.
ومن باب الإشارة : ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث كتابا متشابها مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ إذا قرعت صفات الجلال أبواب قلوبهم ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذِكْرِ الله ﴾ [ الزمر :٢٣ ] بالشوق والطلب
﴿ أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ استئناف جار مجرى التعليل لما قبله من تباين حال المهتدي والضال، والكلام في الهمزة والفاء والخبر كالذي مر في نظائره، ويقال هنا على أحد القولين :التقدير أكل الناس سواء فمن شأنه أن يتقي بوجهه الذي هو أشرف أعضائه يوم القيامة العذاب السيء الشديد لكون يده التي بها كان يتقي المكاره مغلولة إلى عنقه كمن هو آمن لا يعتريه مكروه ولاحتاج إلى الاتقاء بوجه من الوجوه فالوجه على حقيقته وقد يحمل على ذلك من غير حاجة إلى حديث كون اليد مغلولة تصويراً لكمال اتقائه وجده فيه وهو أبلغ، وفي هذا المضمار يجري قول الشاعر
:
يلقى السيوف بوجهه وبنحره ويقيم هامته مقام المغفر
وجوز أن يكون الوجه بمعنى الجملة والمبالغة عليه دون المبالغة فيما قبله. وقيل :الاتقاء بالوجه كناية عن عدم ما يتقي به إذ الاتقاء بالوجه لا وجه له لأنه مما لا يتقي به، ولا يخلو عن خدش، وإضافة سوء إلى العذاب من إضافة الصفة إلى الموصوف و ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ معمول يتقي كما أشرنا إلى ذلك. وجوز أن يكون من تتمة سوء العذاب، والمعنى أفمن يتقي عذاب يوم القيامة كالمصر على كفره، وهو وجه حسن والوجه حينئذ كما في الوجه السابق إما الجملة مبالغة في تقواه وإما على الحقيقة تصويراً لكمال تقواه وجده فيها وهو أبلغ. والمتبادر إلى الذهن المعنى السابق، والآية قيل نزلت في أبي جهل ﴿ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ﴾ عطف على يتقي أي ويقال لهم من جهة خزنة النار، وصيغة الماضي للدلالة على التحقيق والتقرر ؛ وقيل الواو للحال والجملة حال من ضمير ﴿ يَتَّقِى ﴾ بإضمار قد أو بدونه، ووضع المظهر موضع المضمر للتسجيل عليهم بالظلم والإشعار بعلة الأمر في قوله تعالى : ﴿ ذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ أي وبال ما كنتم تكسبون في الدنيا على الدوام من الكفر والمعاصي.
﴿ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ استئناف مسوق لبيان ما أصاب بعض الكفرة من العذاب الدنيوي إثر بيان ما يصيب الكل من العذاب الأخروي أي كذب الذين من قبلهم من الأمم السالفة ﴿ فأتاهم العذاب ﴾ المقدر لكل أمة منهم ﴿ مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ ﴾ من الجهة التي لا يحتسبون ولا يخطر ببالهم إتيانه منها لأن ذلك أشد على النفس.
﴿ فَأَذَاقَهُمُ الله الخزي ﴾ أي الذل والصغار ﴿ في الحياة الدنيا ﴾ كالمسخ والخسف والقتل والسبي والإجلاء وغير ذلك من فنون النكال، والفاء تفسيرية مثلها في قوله تعالى : ﴿ فاستجبنا لَهُ فنجيناه ﴾ [ الأنبياء :٧٦ ] ﴿ وَلَعَذَابُ الآخرة ﴾ المعد لهم ﴿ أَكْبَرَ ﴾ لشدته وسرمديته ﴿ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ ﴾ أي لو كانوا من شأنهم أن يعلموا شيئاً لعلموا ذلك واعتبروا به.
﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان ﴾ العظيم الشأن ﴿ مِن كُلّ مَثَلٍ ﴾ يحتاج إليه الناظر في أمور دينه ﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ أي كي يتذكروا ويتعظوا أو مرجوا تذكرهم واتعاظهم، والرجاء بالنسبة إلى غيره تعالى والتعليل أظهر.
﴿ قُرْءاناً عَرَبِيّاً ﴾ حال من هذا والاعتماد فيها على السفة أعني عربياً وإلا فقرآناً جامداً لا يصلح للحالية وهو أيضاً عين ذي الحال فلا يظهر حاله فالحال في الحقيقة ﴿ عَرَبِيّاً ﴾ وقررناً للتمهيد ونظيره جاء زيد رجلاً صالحاً، قيل وذلك بمنزلة عربياً محققاً.
وجوز أن يكون منصوباً بمقدر تقديره أعني أو أخص أو أمدح ونحوه، وأن يكون مفعول ﴿ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ وهو كما ترى ﴿ غَيْرَ ذِى عِوَجٍ ﴾ لا اختلال فيه بوجه من الوجوه وهو أبلغ من مستقيم لأن عوجاً نكرة وقعت في سياق النفي لما في غير من معناه، والاستقامة يجوز أن تكون من وجه دون وجه ونفي مصاحبة العوج عنه يقتضي نفي اتصافه به بالطريق الأولى فهو أبلغ من غير معوج، والعوج بالكسر يقال فيما يدرك بفكر وبصيرة والعوج بالفتح يقال فيما يدرك بالحس، وعبر بالأول ليدل على أنه بلغ إلى حد لا يدرك العقل فيه عوجاً فضلاً عن الحسن، وتمام الكلام مر في الكهف. وقيل المراد بالعوج الشك واللبس، وروى ذلك عن مجاهد وأنشدوا قول الشاعر :
وقد أتاك يقين غير ذي عوج من الإله وقول غير مكذوب
ولا استدلال به على أن العوج بمعنى الشك لأن عوج اليقين هو الشك لا محالة، والقول في وجه الاستدلال أن الشاعر فهم هذا المعنى من الآية لأنه اقتباس وإذا فهمه الفصيح مع صحة التجوز كان محملاً تعسف ظاهر لأنه لم يتبين أنه اقتبسه منها ولو سلم يكون محتملاً لما يحتمله العوج في النظم الذي لا عوج فيه، وقد يقال :مراد من قال أي لا لبس فيه ولا شك نفي بعض أنواع الاختلال، وعلى ذلك ما روى عن عثمان بن عفان من أنه قال :أي غير مضطرب ولا متناقض وما قيل أي غير ذي لحن. وأخرج الديلمي في مسند الفردوس عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال :غير ذي عوج غير مخلوق ولعله إن صح الخبر تفسير باللازم فتأمل.
﴿ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ﴾ علة أخرى مترتبة على الأولى.
﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ﴾ إيراد لمثل من الأمثال القرآنية بعد بيان أن الحكمة في ضربها هو التذكر والاتعاظ بها وتحصيل التقوى، والمراد بضرب المثل ههنا تطبيق حالة عجيبة بأخرى مثلها وجعلها مثلها، و ﴿ مَثَلاً ﴾ مفعول ثان لضرب و ﴿ رَجُلاً ﴾ مفعوله الأول أخر عن الثاني للتشويق إليه وليتصل به ما هو من تتمته التي هي العمدة في التمثيل أو ﴿ مَثَلاً ﴾ مفعول ضرب و ﴿ رَجُلاً ﴾ الخ بدل منه بدل منه بدل كل من كل.
وقال الكسائي :انتصب ﴿ رَجُلاً ﴾ على إسقاط الخافض أي مثل في رجل وقيل غير ذلك وقد تقدم الكلام في نظيره.
و ﴿ فِيهِ ﴾ خبر مقدم و ﴿ شُرَكَاء ﴾ مبتدأ و ﴿ متشاكسون ﴾ صفته والنكرة وإن وصفت يحسن تقديم خبرها. والجملة صفة ﴿ رَجُلاً ﴾ والرابط الهاء أو الجار والمجرور في موضع الصفة له و ﴿ شُرَكَاء ﴾ مرتفع به على الفاعلية لاعتماده على الموصوف، وقيل ﴿ فِيهِ ﴾ صلة شركاء وهو مبتدأ خبره متشاكسون، وفيه أنه ليس لتقديمه نكتة ظاهرة.
والمعنى ضرب الله تعالى مثلاً للمشرك حسبما يقول إليه مذهبه من ادعاء كل من معبوديه عبوديته عبداً يتشارك فيه جماعة متشاجرون لشكاسة أخلاقهم وسوء طبائعهم يتجاذبونه ويتعاورونه في مهماتهم المتباينة في تحيره وتوزع قلبه ﴿ وَرَجُلاً ﴾ أي وضرب للموحد مثلاً رجلاً ﴿ سلاما ﴾ أي خالصاً ﴿ لِرَجُلٍ ﴾ فرد ليس لغيره سبيل إليه أصلاً فهو في راحة عن التحير وتوزع القلب وضرب الرجل مثلاً لأنه أفطن لما شقى به أو سعد فإن الصبي والمرأة قد يغفلان عن ذلك.
وقرأ عبد الله. وابن عباس. وعكرمة. ومجاهد. وقتادة. الزهري. والحسن بخلاف عنه. والجحدري. وابن كثير. وأبو عمرو ﴿ *سالماً ﴾ اسم فاعل من سلم أي خالصاً له من الشركة. وقرأ ابن جبير ﴿ قِيلاً سلاما ﴾ بكسر السين وسكون اللام، وقرئ ﴿ سلاما ﴾ بفتح فسكون وهما مصدران وصف بهما مبالغة في الخلوص من الشركة.
وقرئ ﴿ ورجل سالم ﴾ برفعهما أي وهناك رجل سالم، وجوز أن لا يقدر شيء ويكون رجل مبتدأ وسالم خبره لأنه موضع تفصيل إذ قد تقدم ما يدل عليه فيكون كقول امرىء القيس :
إذا ما بكى من خلفها انحرفت له بشق وشق عندنا لم يحول
وقوله تعالى : ﴿ والبصير والسميع هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ إنكار واستبعاد لاستوائهما ونفي له على أبلغ وجه وآكده وإيذان بأن ذلك من الجلاء والظهور بحيث لا يقدر أحد أن يتفوه باستوائهما أو يتلعثم في الحكم بتباينهما ضرورة أن أحدهما في لوم وعناء والآخر في راحة بال ورضاء، وقيل ضرورة أن أحدهما في أعلى عليين والآخر في أسفل سافلين، وأياً ما كان فالسر في إبهام الفاضل والمفضول الإشارة إلى كمال الظهور عند من له أدنى شعور.
وانتصاب ﴿ مَثَلاً ﴾ على التمييز المحول عن الفاعل إذ التقدير هل يستوي مثلهما وحالهما، والاقتصار في التمييز على الواحد لبيان الجنس والاقتصار عليه أولاً في قوله تعالى : ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً ﴾ وقرئ ﴿ مثلين ﴾ أي هل يستوي مثلاهما وحالاهما، وثني مع أن المقصود من التمييز حاصل بالإفراد من غير لبس لقصد الإشعار بمعنى زائد وهو اختلاف النوع، وجوز أن يكون ضمير يستويان للمثلين لأن التقدير فيما سبق مثل رجل ومثل رجل أي هل يستوي المثلان مثلين وهو على نحو كفى بهما رجلين وهو من باب لله تعالى دره فارساً ويرجع ذلك إلى هل يستويان رجلين فيما ضرب من المثال ولما كان المثل بمعنى الصفة العجيبة التي هي كالمثل كان المعنى هل يستويان فيما يرجع إلى الوصفية، وقوله تعالى : ﴿ وَقَالُواْ الحمد للَّهِ ﴾ تقرير لما قبله من نفي الاستواء بطريق الاعتراض وتنبيه للموحدين على أن مالهم من المزية بتوفيق الله تعالى وأنها نعمة جليلة تقتضي الدوام على حمده تعالى وعبادته أو على أن بيانه تعالى بضرب المثل أن لهم المثل الأعلى وللمشركين مثل السوء صنع جميل ولطف تام منه عز وجل مستوجب لحمده تعالى وعبادته، وقوله تعالى : ﴿ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ إضراب وانتقال من بيان عدم الاستواء على الوجه المذكور إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون لا يعلمون ذلك مع كمال ظهوره أو ليسوا من ذوي العلم فلا يعلمون ذلك فيبقون في ورطة الشرك والضلال، وقيل المراد أنهم لا يعلمون أن الكل منه تعالى وأن المحامد إنما هي له عز وجل فيشركون به غيره سبحانه فالكلام من تتمة ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ ولا اعتراض، ولا يخفى أن بناء الكلام على الاعتراض كما سمعت أولى
ومن باب الإشارة : ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاء متشاكسون ﴾ يتجاذبونه وهم شغل الدنيا وشغل العيال وغير ذلك من الأشغال ﴿ وَرَجُلاً سَلَماً لّرَجُلٍ ﴾ [ الزمر :٢٩ ] إشارة إلى المؤمن الخالص الذي لم يشغله شيء عن مولاه عز شأنه
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ ﴾ تمهيد لما يعقبه من الاختصام يوم القيامة. وفي «البحر » أنه لما لم يلتفتوا إلى الحق ولم ينتفعوا بضرب المثل أخبر سبحانه بأن مصير الجميع بالموت إلى الله تعالى وأنهم يختصمون يوم القيامة بين يديه وهو عز وجل الحكم العدل فيتميز هناك المحق والمبطل.
وقال بعض الأجلة :إنه لما ذكرت من أول السورة إلى هنا البراهين القاطعة لعرق الشركة المسجلة لفرط جهل المشركين وعدم رجوعهم مع جهده صلى الله عليه وسلم في ردهم إلى الحق وحرصه على هدايتهم اتجه السؤال منه عليه الصلاة والسلام بعد ما قاساه منهم بأن يقول ما حالي وحالهم ؟ فأجيب بأنك ميت وإنهم ميتون الآية.
وقرأ ابن الزبير. وابن أبي إسحاق. وابن محيصن. وعيسى. واليماني. وابن أبي غوث. وابن أبي عبلة ﴿ إِنَّكَ ﴾ والفرق بين ميت ومائت أن الأول :صفة مشبهة وهي تدل على الثبوت ففيها إشعار بأن حياتهم عين الموت وأن الموت طوق في العنق لازم والثاني :اسم فاعل وهو يدل على الحدوث فلا يفيد هنا مع القرينة أكثر من أنهم سيحدث لهم الموت، وضمير الخطاب على ما سمعت للرسول صلى الله عليه وسلم قال أبو حيان :ويدخل معه عليه الصلاة والسلام مؤمنو أمته، وضمير الجمع الغائب للكفار وتأكيد الجملة في ﴿ أَنَّهُمْ مَّيّتُونَ ﴾ للإشعار بأنهم في غفلة عظيمة كأنهم ينكرون الموت وتأكيد الأولى دفعاً لاستبعاد موته عليه الصلاة والسلام، وقيل للمشاكلة، وقيل إن الموت مما تكرهه النفوس وتكره سماع خبره طبعاً فكان مظنة أن لا يلتفت إلى الإخبار به أو أن ينكر وقوعه ولو مكابرة فأكد الحكم بوقوعه لذلك ولا يضر في ذلك عدم الكراهة في بعض لخصوصية فيه كسيد العالمين صلى الله عليه وسلم.
﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ ﴾ على تغليب المخاطب على الغيب.
﴿ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ ﴾ أي مالك أموركم ﴿ تَخْتَصِمُونَ ﴾ فتحتج أنت عليهم بأنك بلغتهم ما أرسلت به من الأحكام والمواعظ التي من جملتها ما في تضاعيف هذه الآيات واجتهدت في دعوتهم إلى الحق حق الاجتهاد وهم قد لجوا في المكابرة والعناد ويعتذرون بالأباطيل مثل ﴿ أَطَعْنَا سَادَتَنَا ﴾ [ الأحزاب :٦٧ ] و ﴿ وَجَدْنَا ءابَاءنَا ﴾ [ الأنبياء :٥٣ ] ﴿ غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا ﴾ [ المؤمنون :١٠٦ ] والجمع بين ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ و ﴿ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ لزيادة التهويل ببيان أن اختصامهم ذلك في يوم عظيم عند مالك لأمورهم نافذ حكمه فيهم ولو اكتفى بالأول لاحتمل وقوع الاختصام فيما بينهم بدون مرافعة أو بمرافعة لكن ليست لدى مالك لأمورهم، والاكتفاء بالثاني على تسليم فهم كون ذلك يوم القيامة معه بدون الاحتمال لا يقوم مقام ذكرهما لما في التصريح بما هو كالعلم من التهويل ما فيه، وقال جمع :المراد بذلك الاختصام العام فيما جرى في الدنيا بين الأنام لا خصوص الاختصام بينه عليه الصلاة والسلام وبين الكفرة الطغام، وفي الآثار ما يأبى الخصوص المذكور.
أخرج عبد الرزاق. وعبد بن حميد. وابن جرير. وابن عساكر عن إبراهيم النخعي قال :نزلت هذه الآية ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ ﴾ [ الزمر :٣٠ ] الخ فقالوا :وما خصومتنا ونحن إخوان فلما قتل عثمان بن عفان قالوا هذه خصومة ما بيننا. وأخرج سعيد بن منصور عن أبي سعيد الخدري قال :لما نزلت ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ كنا نقول :ربنا واحد وديننا واحد فلما كان يوم صفين وشد بعضنا على بعض بالسيوف قلنا :نعم هو هذا.
وأخرج عبد بن حميد. والنسائي. وابن أبي حاتم. والطبراني. وابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال :لقد لبثنا برهة من دهرنا ونحن نرى أن هذه الآية نزلت فينا وفي أهل الكتابين من قبل ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ ﴾ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون قلنا :كيف نختصم ونبينا واحد وكتابنا واحد حتى رأيت بعضنا يضرب وجوه بعض بالسيف فعرفت أنها نزلت فينا، وفي رواية أخرى عنه بلفظ نزلت علينا الآية ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ وما ندري فيم نزلت قلنا :ليس بيننا خصومة فما التخاصم حتى وقعت الفتنة فقلت :هذا الذي وعدنا ربنا أن نختصم فيه.
وأخرج أحمد. وعبد الرزاق. وعبد بن حميد. والترمذي وصححه. وابن أبي حاتم. والحاكم وصححه. وابن مردويه. وأبو نعيم في الحلية، والبيهقي في البعث والنشور عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال :لما نزلت : ﴿ إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ [ الزمر :٣٠ ] قلت :يا رسول الله أينكر علينا ما يكون بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب قال :نعم ينكر ذلك عليكم حتى يؤدي إلى كل ذي حق حقه قال الزبير :فوالله إن الأمر لشديد.
وزعم الزمخشري أن الوجه الذي يدل عليه كلام الله تعالى هو ما ذكر أولاً واستشهد بقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ [ الزمر :٣٢ ] الخ وبقوله سبحانه : ﴿ والذي جَاء بالصدق ﴾ [ الزمر :٣٣ ] الخ لدلالتهما على أنهما اللذان تكون الخصومة بينهما، وكذلك ما سبق من قوله تعالى : ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً ﴾ ( الزمر ؛ ٢٩ ) الخ. وتعقب ذلك في «الكشف » فقال :أقول قد نقل عن جلة الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم ما يدل على أنهم فهموا الوجه الثاني أي العموم بل ظاهر قول النخعي قالت الصحابة :ما خصومتنا ونحن إخوان يدل على أنه قول الكل فالوجه إيثار ذلك.
وتحقيقه أن قوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان ﴾ [ الزمر :٢٧ ] كلام مع الأمة كلهم موحدهم ومشركهم وكذلك قوله تعالى ضرب الله مثلاً رجلا ورجلاً بل أكثرهم دون بل هم كالنص على ذلك فإذا قيل : ﴿ إنك ميت ﴾ وجب أن يكون على نحو ﴿ يأيُّهَا النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ ﴾ [ الطلاق :١ ] أي إنكم أيها النبي والمؤمنون وأبهم ليعم القبيلين ولا يتنافر النظم فقد روعي من مفتتح السورة إلى هذا المقام التقابل بين الفريقين لا بينه عليه الصلاة والسلام وحده وبين الكفار ثم إذا قيل : ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ ﴾ على التغليب يكون تغليباً للمخاطبين على جميع الناس فهذا من حيث اللفظ والمساق الظاهر ثم إذا كان الموت أمراً عمه والناس جميعاً كان المعنى عليه أيضاً، وأما حديث الاختصام والطباق الذي ذكره فليس بشيء لأنه لعمومه يشمله شمولاً أولياً كما حقق هذا المعنى مراراً. والتعقيب بقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ [ الزمر :٣٢ ] للتنبيه على أنه مصب الغرض وأن المقصود التسلق إلى تلك الخصومة، ولا أنكر أن قوله تعالى : ﴿ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ يدل على أن الاختصام يوم القيامة ولكن أنكر أن يختص باختصام النبي صلى الله عليه وسلم وحده والمشركين بل يتناوله أولاً وكذلك اختصام المؤمنين والمشركين واختصام المؤمنين بعضهم مع بعض كاختصام عثمان رضي الله تعالى عنه يوم القيامة وقاتليه، وهذا ما ذهب إليه هؤلاء وهم هم رضي الله تعالى عنهم انتهى، وكأنه عنى بقوله ولا أنكر الخ رد ما يقال إن ﴿ عِندَ رَبّكُمْ ﴾ يدل على أن الاختصام يوم القيامة، وقد صرح في «النظم الجليل » بذلك فيكون تأكيداً مشعراً بالاهتمام بأمر ذلك الاختصام فليس هو إلا اختصام حبيبه صلى الله عليه وسلم مع أعدائه الطغام، ووجه الرد أنه إن سلم أن فائدة الجمع ما ذكر فلا نسلم استدعاء ذلك لاعتبار الخصوص بل يكفي للاهتمام دخول اختصام الحبيب مع أعدائه عليه الصلاة والسلام فتأمله، ثم أنت تعلم أنه لو لم يكن في هذا المقام سوى الحديث الصحيح المرفوع لكفى في كون المراد عموم الاختصام فالحق القول بعمومه وهو أنواع شتى، فقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس أنه قال في الآية :يخاصم الصادق الكاذب والمظلوم الظالم والمهتدي الضال والضعيف المستكبر، وأخرج الطبراني.
وابن مردويه بسند لا بأس به عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أول من يختصم يوم القيامة الرجل وامرأته والله ما يتكلم لسانها ولكن يداها ورجلاها يشهدان عليها بما كان لزوجها وتشهد يداه ورجلاه بما كان لها ثم يدعى الرجل وخادمه بمثل ذلك ثم يدعى أهل الأسواق وما يوجد ثم دانق ولا قراريط ولكن حسنات هذا تدفع إلى هذا الذي ظلمه وسيئات هذا الذي ظلمه توضع عليه ثم يؤتى بالجبارين في مقامع من حديد فيقال أوردوهم إلى النار فوالله ما أدري يدخلونها أو كما قال الله ﴿ وإن منكم إلا واردها ﴾ " وأخرج البزار عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يجاء بالأمير الجائر فتخاصمه الرعية " وأخرج أحمد. والطبراني بسند حسن عن عقبة بن عامر قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أول خصمين يوم القيامة جاران " ولعل الأولية إضافية لحديث أبي أيوب السابق.
وجاء عن ابن عباس اختصام الروح مع الجسد أيضاً بل أخرج أحمد بسند حسن عن أبي هريرة قال :«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليختصمن يوم القيامة كل شيء حتى الشاتان فيما انتطحا "
تم الجزء الثالث والعشرون ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الرابع والعشرون وأوله ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾
﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله ﴾ بأن أضاف إليه سبحانه وتعالى الشرك أو الولد ﴿ وَكَذَّبَ بالصدق ﴾ أي بالأمر الذي هو عين الحق ونفس الصدق وهو ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ إِذْ جَاءهُ ﴾ أي في أول مجيئه من غير تدبر فيه ولا تأمل فإذ فجائية كما صرح به الزمخشري لكن اشترط فيها في المغنى أن تقع بعد بينا أو بينما ونقله عن سيبويه فلعله أغلبي، وقد يقال :هذا المعنى يقتضيه السياق من غير توقف على كون إذ فجائية، ثم المراد أن هذا الكاذب والمكذب أظلم من كل ظالم ﴿ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين ﴾ أي لهؤلاء الذين افتروا على الله سبحانه وتعالى وسارعوا إلى التكذيب بالصدق، ووضع الظاهر موضع الضمير للتسجيل عليهم بالكفر، والجمع باعتبار معنى ﴿ مِنْ ﴾ كما أن الافراد في الضمائر السابقة باعتبار لفظها أو لجنس الكفرة فيشمل أهل الكتاب ويدخل هؤلاء في الحكم دخولاً أولياً، وأياً ما كان فالمعنى على كفاية جهنم مجازاة لهم كأنه قيل :أليست جهنم كافية للكافرين مثوى كقوله تعالى : ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا ﴾ [ المجادلة :٨ ] أي هي تكفي عقوبة لكفرهم وتكذيبهم، والكفاية مفهومة من السياق كما تقول لمن سألك شيئاً :ألم أنعم عليك تريد كفاك سابق أنعامي عليك، واستدل بالآية على تفكير أهل البدع لأنهم مكذبون بما علم صدقه.
وتعقب بأن ﴿ مَن كَذَّبَ ﴾ مخصوص بمن كذب الأنبياء شفاها في وقت تبليغهم لا مطلقاً لقوله تعالى : ﴿ إِذْ جَاءهُ ﴾ ولو سلم اطلاقه فهم لكونهم يتأولون ليسوا مكذبين وما نفوه وكذبوه ليس معلوماً صدقه بالضرورة إذ لو علم من الدين ضرورة كان جاحدة كافراً كمنكر فرضية الصلاة ونحوها.
وقال الخفاجي :الأظهر أن المراد تكذيب الأنبياء عليهم السلام بعد ظهور المعجزات في أن ما جاؤوا به من عند الله تعالى لا مطلق التكذيب، وكأني بك تختار أن المتأول غير مكذب لكن لا عذر في تأويل ينفي ما علم من الدين ضرورة.
ومن باب الإشارة : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله ﴾ يشير إلى حال الكاذبين في دعوى الولاية ﴿ وَكَذَّبَ بالصدق إِذْ جَاءهُ ﴾ [ الزمر :٣٢ ] يشير إلى حال أقوام نبذوا الشريعة وراء ظهورهم وقالوا :هي قشر والعياذ بالله تعالى
﴿ والذي جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ الموصول عبارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخرجه ابن جرير. وابن المنذر. وابن أبي حاتم. وابن مردويه. والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس، وفسر الصدق بلا إله إلا الله، والمؤمنون داخلون بدلالة السياق وحكم التبعية دخول الجند في قولك :نزل الأمير موضع كذا، وليس هذا من الجمع بين الحقيقة والمجاز في شيء لأن الثاني لم يقصد من حاق اللفظ، ولا يضر في ذلك أن المجيء بالصدق ليس وصفاً للمؤمنين الأتباع كما لا يخفى، والموصول على هذا مفرد لفظاً ومعنى، والجمع في قوله تعالى : ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون ﴾ باعتبار دخول الأتباع تبعاً، ومراتب باعتبار دخول الأتباع تبعا، ومراتب التقوى متفاوتة ولرسول الله صلى الله عليه وسلم أعلاها، وجوز أن يكون الموصول صفة لمحذوف أي الفوج الذي أو الفريق الذي الخ فيكون مفرد اللفظ مجموع المعنى فقيل :الكلام حينئذ على التوزيع لأن المجيء بالصدق على الحقيقة له عليه الصلاة والسلام والتصديق بما جاء به وان عمه وأتباعه صلى الله عليه وسلم لكنه فيهم أظهر فليحمل عليه للتقابل، وفي الكشف الأوجه أن لا يحمل على التوزيع غاية ما في الباب ان أحد الوصفين في أحد الموصوفين أظهر، وعليه يحمل كلام الزمخشري الموهم للتوزيع، وحمل بعضهم الموصول على الجنس فإن تعريفه كتعريف ذي اللام يكون للجنس والعهد، والمراد حينئذ به الرسل والمؤمنون.
وأيد إرادة ما ذكر بقراءة ابن مسعود ﴿ والذين مَعَاذِيرَهُ لاَ تُحَرّكْ بِهِ ﴾ وزعم بعضهم أنه أريد والذين فحذفت النون كما في قوله
:
إن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم مالك
وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بصحيح لوجوب جمع الضمير في الصلة حينئذ كما في البيت ألا ترى أنه إذا حذفت النون من اللذان كان الضمير مثنى كقوله
:
إن الذي حانت بفلج دماؤهم هم القوم كل القوم يا أم مالك
وتعقبه أبو حيان بأنه ليس بصحيح لوجوب جمع الضمير في الصلة حينئذ كما في البيت ألا ترى أنه إذا حذفت النون من اللذان كان الضمير مثنى كقوله :
أبني كليب ان عمى اللذا
قتلا وفككا الاغلالا
وقال علية. وأبو العالية. والكلبي. وجماعة ﴿ الذي جَاء بالصدق ﴾ هو الرسول صلى الله عليه وسلم والذي صدق به هو أبو بكر رضي الله تعالى عنه. وأخرج ذلك ابن جرير. والماوردي في معرفة الصحابة. وابن عساكر من طريق أسيد بن صفوان وله صحبة عن علي كرم الله تعالى وجهه، وقال أبو الأسود. ومجاهد في رواية. وجماعة من أهل البيت.
وغيرهم :الذي صدق به هو علي كرم الله تعالى وجهه. وأخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأخرج ابن جرير. وابن أبي حاتم عن السدي أنه قال : ﴿ الذي جَاء بالصدق ﴾ جبريل عليه السلام ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ هو النبي صلى الله عليه وسلم، قيل :وعلى الأقوال الثلاثة يقتضي اضمار الذي وهو غير جائز على الأصح عند النحاة من أنه لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته مطلقاً أي سواء عطف على موصول آخر أم لا.
ويضعفه أيضاً الأخبار عنه بالجمع. وأجيب بأنه لا ضرورة إلى الاضمار ويراد بالذي الرسول صلى الله عليه وسلم والصديق أو علي كرم الله تعالى وجههما معاً على أن الصلة للتوزيع، أو يراد بالذي جبريل عليه السلام والرسول صلى الله عليه وسلم معاً كذلك، وضمير الجمع قد يرجع إلى الاثنين وقد أريدا بالذي، ولا يخفى ما ذلك من التكلف والله تعالى أعلم بحال الأخبار، ولعل ذكر أبي بكر مثلا على تقدير الصحة من الاقتصار على بعض أفراد العام لنكتة وهي في أبي بكر رضي الله تعالى عنه كونه أول من آمن وصدق من الرجال، وفي علي كرم الله تعالى وجهه كونه أول من آمن وصدق من الصبيان، ويقال نحو ذلك على تقدير صحة خبر السدى ولا يكاد يصح لقوله تعالى :فيما بعد ﴿ لِيُكَفّرَ ﴾ الخ، وبما ذكر يجمع بين الأخبار إن صحت ولا يعتبر في شيء منها الحصر فتدبر. وقرأ أبو صالح. وعكرمة بن سليمان ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ مخففاً أي وصدق به الناس ولم يكذبهم به يعني أداه إليهم كما نزل عليه من غير تحريف فالمفعول محذوف لأن الكلام في القائم به الصدق وفي الحديث الصدق، والكلام على العموم دون خصوصه عليه الصلاة والسلام فإن جملة القرآن حفظه الصحابة عنه عليه الصلاة والسلام وأدوه كما أنزل، وقيل :المعنى وصار صادقاً به أي بسببه لأن القرآن معجز والمعجز يدل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام، وعلى هذا فالوصف خاص، وقد تجوز في ذلك باستعمال ﴿ صَدَقَ ﴾ بمعنى صار صادقاً به ولا كناية فيه كما قيل ؛ وقال أبو صالح :أي وعمل به وهو كما ترى. وقرئ ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ مبنياً للمفعول مشدداً.
﴿ لَهُمْ مَّا يَشَآءونَ عِندَ رَبّهِمْ ﴾ بيان لما لأولئك الموصوفين بالمجيء بالصدق والتصديق به في الآخرة من حسن المآب بعد بيان ما لهم في الدنيا من حسن الأعمال أي لهم كل ما يشاؤونه من جلب المنافع ودفع المضار في الآخرة لا في الجنة فقط لما أن بعض ما يشاؤونه من تكفير السيئات والأمن من الفزع الأكبر وسائر أهوال القيامة إنما يقع قبل دخول الجنة ﴿ ذلك ﴾ الذي ذكر من حصول كل ما يشاؤونه ﴿ جَزَاء المحسنين ﴾ أي الذي أحسنوا أعمالهم، والمراد بهم أولئك المحدث عنهم لكن أقيم الظاهر مقام الضمير تنبيهاً على العلة لحصول الجزاء، وقيل :المراد ما يعمهم وغيرهم ويدخلون دخولاً أولياً
وقوله تعالى : ﴿ لِيُكَفّرَ الله عَنْهُمْ أَسْوَأَ الذي عَمِلُواْ ﴾ الخ متعلق بمحذوف أي ليكفر الله عنهم ويجزيهم خصهم سبحانه بما خص أو بما قبله باعتبار فحواه على ما قيل أي وعدهم الله جميع ما يشاؤونه من زوال المضار وحصول المسار ليكفر عنهم بموجب ذلك الوعد أسوأ الذي عملوا الخ، وليس ببعيد معنى عن الأول، وجوز أن يكون متعلقاً بقوله سبحانه : ﴿ وذلك جَزَاء المحسنين ﴾ [ الزمر :٣٤ ] أي بما يدل عليه من الثبوت أو بالمحسنين كما قال أبو حيان فكأنه قيل :وذلك جزاء الذين أحسنوا أعمالهم ليكفر الله تعالى عنهم أسوأ الذي عملوه ﴿ وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ ﴾ ويعطيهم ثوابهم ﴿ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ وتقديم التكفير على إعطاء الثواب لأن درء المضار أهم من جلب المسار.
وأقيم الاسم الجليل مقام الضمير الراجع إلى ﴿ رَّبُّهُمْ ﴾ لإبراز كمال الاعتناء بمضمون الكلام، وإضافة ﴿ أَسْوَأَ. وَأَحْسَنُ ﴾ إلى ما بعدهما من إضافة افعل التفضيل إلى غير المفضل عليه للبيان والتوضيح كما في الأشج أعدل بني مروان ويوسف أحسن أخوته، والتفضيل على ما قال الزمخشري للدلالة على أن الزلة المكفرة عندهم هي الأسوأ لاستعظامهم المعصية مطلقاً لشدة خوفهم، والحسن الذي يعملونه عند الله تعالى هو الأحسن لحسن إخلاصهم فيه.
وذلك على ما قرر في الكشف لأن التفضيل هنا من باب الزيادة المطلقة من غير نظر إلى مفضل عليه نظراً إلى وصوله إلى أقصر الغاية الكمالية، ثم لما كانوا متقين كاملي التقي لم يكن في عملهم أسوأ إلا فرضاً وتقديراً.
وقوله سبحانه : ﴿ بِأَحْسَنِ الذي كَانُواْ يَعْمَلُونَ ﴾ دون أحسن الذي كانوا يعملون يدل على أن حسنهم عند الله تعالى من الأحسن لدلالته على أن جميع أجرهم يجري على ذلك الوجه فلو لم يعملوا إلا الأحسن كان التفصيل بحسب الأمر نفسه ولو كان في العمل الأحسن والحسن وكان الجزاء بالأحسن بأن ينظر إلى أحسن الأعمال فيجري الباقي في الجزاء على قياسه دل أن الحسن عند المجازي كالأحسن، فصح على التقديرين أن حسنهم عند الله تعالى هو الأحسن، ويعلم من هذا أن لا اعتزال فيما ذكره الزمخشري كما توهمه أبو حيان، وأما قوله في الاعتراض عليه :إنه قد استعمل ﴿ أَسْوَأَ ﴾ في التفضيل على معتقدهم و ﴿ حُسْنُ ﴾ في التفضيل على ما هو عند الله عز وجل وذلك توزيع في أفعل التفضيل وهو خلاف الظاهر. فقد يسلم إذا لم يكن في الكلام ما يؤذن بالمغايرة فحيث كان فيه ههنا ذلك على ما قرر لا يسلم أن التوزيع خلاف الظاهر، وقيل :إن ﴿ أَسْوَأَ ﴾ على ما هو الشائع في أفعل التفضيل، وليس المراد أن لهم عملاً سيئاً وعملاً أسوأ والمكفر هو الأسوأ فإنهم المتقون الذين وإن كانت لهم سيئات لا تكون سيئاتهم من الكبائر العظيمة، ولا يناسب التعرض لها في مقام مدحهم بل الكلام كناية عن تكفير جميع سيئاتهم بطريق برهاني، فإن الأسوأ إذا كفر كان غيره أولى بالتكفير لا أن ذلك صدر منهم، ولا نسلم وجوب تحقق المعنى الحقيقي في الكناية وهو كما ترى، وقال غير واحد :أفعل على ما هو الشائع والأسوأ الكفر السابق على التقوى والإحسان، والمراد تكفير جميع ما سلف منهم قبل الإيمان من المعاصي بطريق برهاني.
وعلى هذا لا يتسنى تفسير ﴿ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ [ الزمر :٣٣ ] بعلي كرم الله تعالى وجهه إذ لم يسبق له كفر أصلي ولا يكاد يعبر عن الكفر التبعي بأسوأ العمل، وقيل :أفعل ليس للتفضيل أصلاً فأسوأ بمعنى السيء صغيراً كان أو كبيراً كما هو وجه أيضاً في الأشج أعدل بني مروان، وأيد بقراءة ابن مقسم. وحامد بن يحيى عن ابن كثير رواية عن البزي عنه ﴿ أسواء ﴾ بوزن أفعال جمع سوء، وأحسن عند أكثر أهل هذه الأقوال على بابه على معنى أنه تعالى ينظر إلى أحسن طاعاتهم فيجري سبحانه الباقي في الجزاء على قياسه لطفاً وكرماً، وزعم الطبرسي أن الأحسن الواجب والمندوب والحسن المباح والجزاء إنما هو على الأولين دون المباح، وقيل :المراد يجزيهم بأحسن من عملهم وهو الجنة، وفيه ما فيه، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل في صلة الموصول الثاني دون الأول للإيذان باستمرارهم على الأعمال الصالحة بخلاف السيئة.
﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ انكار ونفي لعدم كفايته تعالى على أبلغ وجه كأن الكفاية من التحقق والظهور بحيث لا يقدر أحد على أن يتفوه بعدمها أو يتلعثم في الجواب بوجودها، والمراد بعبده إما رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما روي عن السدى وأيد بقوله تعالى : ﴿ وَيُخَوّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ أي الأوثان التي اتخذوها آلهة ؛ فإن الخطاب سواء كانت الجملة استئنافاً أو حالاً له صلى الله عليه وسلم :وقد روي أن قريشاً قالت له عليه الصلاة والسلام :انا نخاف أن تخبلك آلهتنا وتصيبك معرتها لعيبك إياها فنزلت، وفي رواية قالوا :لتكفن عن شتم آلهتنا أو ليصيبنك منها خبل فنزلت، أو الجنس المنتظم له عليه الصلاة والسلام انتظاماً أولياً، وأيد بقراءة أبي جعفر. ومجاهد. وابن وثاب. وطلحة والأعمش. وحمزة. والكسائي ﴿ عِبَادِهِ ﴾ بالجمع وفسر بالأنبياء عليهم السلام والمؤمنين، وعلى الأول يراد أيضاً الأتباع كما سمعت في قوله تعالى : ﴿ والذي جَاء بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ [ الزمر :٣٣ ] ﴿ وَيُخَوّفُونَكَ ﴾ شامل لهم أيضاً على ما سلف والتئام الكلام بقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾ [ الزمر :٣٢ ] إلى هذا المقام لدلالته على أنه تعالى يكفي نبيه صلى الله عليه وسلم منهم دينه ودنياه ويكفي أتباعه المؤمنين أيضاً المهمين وفيه أنه سبحانه يكفيهم شر الكافرين من وجهين من طريق المقابلة ومن انه داخل في كفاية مهمة الرسول عليه الصلاة والسلام وأتباعه، وهذا ما تقتضيه البلاغة القرآنية ويلائم ما بني عليه السورة الكريمة من ذكر الفريقين وأحوالهما توكيداً لما أمر به أولاً من العبادة والإخلاص. وقرئ ﴿ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ بالإضافة و ﴿ مِنْ عِبَادِهِ ﴾ مضارع كافي ونصب ﴿ عِبَادِهِ ﴾ فاحتمل أن يكون مفاعلة من الكفاية كقولك :يجاري في يجري وهو أبلغ من كفى لبنائه على لفظ المبالغة وهو الظاهر لكثرة تردد هذا المعنى في القرآن نحو ﴿ فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله ﴾ [ البقرة :١٣٧ ] ويحتمل أن يكون مهموزاً من المكافأة وهي المجازاة، ووجه الارتباط أنه تعالى لما ذكر حال من كذب على الله وكذب بالصدق وجزاء، وحال مقابله أعني الذي جاء بالصدق وصدق به وجزاءه وعرض بقوله سبحانه : ﴿ ذَلِكَ جَزَاء المحسنين ﴾ [ الزمر :٣٤ ] بأن ما سلف جزاء الكافرين المسيئين لما هو معروف من فائدة البناء على اسم الإشارة ثم عقبه تعالى بقوله عز وجل : ﴿ لِيُكَفّرَ ﴾ [ الزمر :٣٥ ] الخ على معنى ليكفر عنهم ويجزيهم خصهم بما خص فنبه على المقابل أيضاً من ضرورة الاختصاص والتعليل، وفيه أيضاً ما يدل على حكم المقابل على اعتبار المتعلق غير ما ذكر كما يظهر بأدنى التفات أردف بقوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ وحيث أن مطمح النظر من العباد السيد الحبيب صلى الله عليه وسلم كان المعنى الله تعالى يجازي عبده ونبيه عليه الصلاة والسلام هذا الجزاء المذكور وفيه أنه الذي يجزيه البتة ويلائمه قوله تعالى : ﴿ وَيُخَوّفُونَكَ ﴾ فإنه لما كان في مقابلة ذم آلهتهم كما سمعت في سبب النزول كان تحذيراً من جزاء الآلهة فلا مغمز بعدم الملاءمة. نعم لا ننكر أن معنى الكفاية أبلغ كما هو مقتضى القراءة المشهورة فاعلم ذاك والله تعالى يتولى هداك.
﴿ وَمَن يُضْلِلِ الله ﴾ حتى غفل عن كفايته تعالى عبده وخوف بما لا ينفع ولا يضر أصلاً ﴿ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ يهديه إلى خير ما.
﴿ وَمَن يَهْدِ الله ﴾ فيجعل كونه تعالى كافياً نصيب عينه عاملاً بمقتضاه ﴿ فَمَا لَهُ مِن مُّضِلّ ﴾ يصرفه عن مقصده أو يصيبه بسوء يخل بسلوكه إذ لا راد لفعله ولا معارض لإرادته عز وجل كما ينطق به قوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ الله بِعَزِيزٍ ﴾ غالب لا يغالب منيع لا يمانع ولا ينازع ﴿ ذِي انتقام ﴾ ينتقم من أعدائه لأوليائه، وإظهار الاسم الجليل في موضع الاضمار لتحقيق مضمون الكلام وتربية المهابة.
﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض لَيَقُولُنَّ الله ﴾ لظهور الدليل ووضوح السبيل فقد تقرر في العقول وجوب انتهاء الممكنات إلى واجب الوجود، والاسم الجليل فاعل لفعل محذوف أي خلقهن الله ﴿ قُلْ ﴾ تبكيتاً لهم ﴿ أَفَرَأيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله إِنْ أَرَادَنِي الله بِضُرّ هَلْ هُنَّ كاشفات ضُرّهِ ﴾ أي إذا كان خالق العالم العلوي والسفلي هو الله عز وجل كما أقررتم فأخبروني أن آلهتكم ان أرادني الله سبحانه بضر هل هن يكشفن عني ذلك الضر، فالفاء واقعة في جواب شرط مقدر ؛ وقال بعضهم :التقدير إذا لم يكن خالق سواه تعالى فهل يمكن غيره كشف ما أراد من الضر، وجوز أن تكون عاطفة على مقدر أي أتفكرتم بعد ما أقررتم فرأيتم ما تدعون الخ. ﴿ أَوْ أَرَادَنِى بِرَحْمَةٍ ﴾ أي أو أن أرادني بنفع ﴿ هَلْ هُنَّ ممسكات رَحْمَتِهِ ﴾ فيمنعها سبحانه عني. وقرأ الأعرج. وشيبة. وعمرو بن عبيد. وعيسى بخلاف عنه. وأبو عمرو. وأبو بكر ﴿ كاشفات ﴾ بالتنوين فيهما ونصب ما بعدهما وتعليق إرادة الضر والرحمة بنفسه التفيسة عليه الصلاة والسلام للرد في نحورهم حيث كانوا خوفوه معرة الأوثان ولما فيه من الإيذان بامحاض النصحية، وقدم الضر لأن دفعه أهم، وقيل : ﴿ كاشفات ﴾ على ما يصفونها به من الأنوثة تنبيهاً على كمال ضعفها ﴿ قُلْ حَسْبِىَ الله ﴾ كافي جل شأنه في جميع أموري من إصابة الخير ودفع الشر. روي عن مقاتل أنه صلى الله عليه وسلم لما سألهم سكتوا فنزل ذلك.
﴿ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ ﴾ لا على غيره في كل شيء ﴿ المتوكلون ﴾ لعلمهم أن كل ما سواه تحت ملكوته تعالى.
﴿ قُلْ يا أهل قَوْمٌ اعملوا على مَكَانَتِكُمْ ﴾ على حالتكم التي أنتم عليها من العداوة التي تمكنتهم فيها فإن المكانة نقلت من المكان المحسوس إلى الحالة التي عليها الشخص واستعيرت لها استعارة محسوس لمعقول، وهذا كما تستعار حيث وهنا للزمان بجامع الشمول والإحاطة، وجوز أن يكون المعنى اعملوا على حسب تمكنكم واستطاعتكم.
وروي عن عاصم ﴿ مكاناتكم ﴾ بالجمع والأمر للتهديد، وقوله تعالى : ﴿ مَكَانَتِكُمْ إِنّي عامل ﴾ وعيد لهم وإطلاقه لزيادة الوعيد لأنه لو قيل :على مكانتي لتراءى أنه عليه الصلاة والسلام على حالة واحدة لا تتغير ولا تزداد فلما أطلق أشعر بأنه له صلى الله عليه وسلم كل زمان مكانة أخرى وأنه لا يزال يزداد قوة بنصر الله تعالى وتأييده ويؤيد ذلك قوله تعالى : ﴿ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ فإنه دال على أنه صلى الله عليه وسلم منصور عليهم في الدنيا والآخرة بدليل قوله تعالى : ﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ الأول اشارة إلى العذاب الدنيوي وقد نالهم يوم بدر والثاني إشارة إلى العذاب الأخروي فإن العذاب المقيم عذاب النار فلو قيل إني عامل على مكانتي وكان إذ ذاك غير غالب بل الأمر بالعكس لم يلائم المقصود
﴿ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ﴾ فإن الأول اشارة إلى العذاب الدنيوي وقد نالهم يوم بدر والثاني إشارة إلى العذاب الأخروي فإن العذاب المقيم عذاب النار فلو قيل إني عامل على مكانتي وكان إذ ذاك غير غالب بل الأمر بالعكس لم يلائم المقصود، و ﴿ مِنْ ﴾ تحتمل الاستفهامية والموصولية وجملة ﴿ يُخْزِيهِ ﴾ صفة ﴿ عَذَابِ ﴾ والمراد بمقيم دائم وفي الكلام مجاز في الظرف أو الإسناد وأصله مقيم فيه صاحبه.
﴿ إِنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب لِلنَّاسِ ﴾ لأجلهم فإنه مناط مصالحهم في المعاش والمعاد ﴿ بالحق ﴾ حال من مفعول ﴿ أَنزَلْنَا ﴾ أو من فاعله أي أنزلنا الكتاب ملتبساً أو ملتبسين بالحق ﴿ فَمَنُ اهتدى ﴾ بأن عمل بما فيه ﴿ فَلِنَفْسِهِ ﴾ إذ نفع به نفسه ﴿ وَمَن ضَلَّ ﴾ بأن لم يعمل بموجبه ﴿ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ لما أن وبال ضلاله مقصور عليها ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ لتجبرهم على الهدى وما وظيفتك إلا البلاغ وقد بلغت أي بلاغ.
﴿ الله يَتَوَفَّى الانفس ﴾ أي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها تعلق التصرف فيها عنها ﴿ حِينَ مِوْتِهَا ﴾ أي في وقت موتها ﴿ والتي لَمْ تَمُتْ ﴾ أي ويتوفى الأنفس التي لم تمت ﴿ فِي مَنَامِهَا ﴾ متعلق بيتوفى أي يتوفاها في وقت نومها على أن مناما اسم زمان، وجوز فيه كونه مصدراً ميمياً بأن يقطع سبحانه تعلقها بالأبدان تعلق التصرف فيها عنها أيضاً فتوفى الأنفس حين الموت وتوفيها في وقت النوم بمعنى قبضها عن الأبدان وقطع تعلقها بها تعلق التصرف إلا أن توفيها حين الموت قطع لتعلقها بها تعلق التصرف ظاهراً وباطناً وتوفيها في وقت النوم قطع لذلك ظاهراً فقط، وكأن التوفي الذي يكون عند الموت لكونه شيئاً واحداً في أول زمان الموت وبعد مضي أيام منه قيل : ﴿ حِينَ مِوْتِهَا ﴾ والتوفي الذي يكون في وقت النوم لكونه يتفاوت في أول وقت النوم وبعد مضي زمان منه قوة وضعفاً قيل : ﴿ فِى مَنَامِهَا ﴾ أي في وقت نومها كذا قيل فتدبره ولمسلك الذهن السليم اتساع، وإسناد الموت والنوم إلى الأنفس قيل :مجاز عقلي لأنهما حالا ابدانها لا حالاها، وزعم الطبرسي أن الكلام على حذف مضاف أعني الأبدان، وجعل الزمخشري الأنفس عبارة عن الجملة دون ما يقابل الأبدان، وحمل توفيها على إماتتها وسلب صحة أجزائها بالكلية فلا تبقى حية حساسة داركة حتى كأن ذاتها قد سلبت، وحيث لم يتحقق هذا المعنى في التوفي حين النوم لأن ليس إلا سلب كمال الصحة وما يترتب عليه من الحركات الاختيارية وغيرها قال في قوله تعالى : ﴿ والتي لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا ﴾ أي يتوفاها حين تنام تشبيهاً للنائمين بالموتى، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَهُوَ الذي يتوفاكم بالليل ﴾ [ الأنعام :٦٠ ] حيث لا تميزون ولا تتصرفون كما أن الموتى كذلك، وما يتخايل فيه من الجمع بين الحقيقة والمجاز يدفع بالتأمل ؛ وتقديم الاسم الجليل وبناء ﴿ يَتَوَفَّى ﴾ عليه للحصر أو للتقوى أو لهما، واعتبار الحصر أوفق بالمقام من اعتبار التقوى وحده أي الله يتوفى الأنفس حقيقة لا غيره عز وجل ﴿ فَيُمْسِكُ التي ﴾ أي الأنفس التي ﴿ قَضَى ﴾ في الأزل ﴿ عَلَيْهَا الموت ﴾ ولا يردها إلى أبدانها بل يبقيها على ما كانت عليه وينضم إلى ذلك قطع تعلق التصرف باطناً، وعبر عن ذلك بالإمساك ليناسب التوفي.
وقرأ حمزة. والكسائي. وعيسى. وطلحة. والأعمش. وابن وثاب ﴿ قَضَى ﴾ على البناء للمفعول ورفع ﴿ الموت ﴾.
﴿ وَيُرْسِلُ الاخرى ﴾ أي الأنفس الأخرى وهي النائمة إلى أبدانها فتكون كما كانت حال اليقظة متعلقة بها تعلق التصرف ظاهراً وباطناً، وعبر بالإرسال رعاية للتقابل ﴿ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى ﴾ هو الوقت المضروب للموت حقيقة وهو غاية لجنس الارسال الواقع بعد الإمساك لا لفرد منه فإني آتي لا امتداد له فلا يغيا، واعتبر بعضهم كون الغاية للجنس لئلا يرد لزوم أن لا يقع نوم بعد اليقظة الأولى أصلاً وهو حسن، وقيل : ﴿ يُرْسِلُ ﴾ مضمن معنى الحفظ والمراد يرسل الأخرى حافظاً إياها عن الموت الحقيقي إلى أجل مسمى، وروي عن ابن عباس أن في ابن آدم نفساً وروحاً بينهما مثل شعاع الشمس فالنفس هي التي بها العقل والتمييز والورح هي التي بها النفس والتحرك فيتوفيان عند الموت وتتوفى النفس وحدها عند النوم، وهو قول بالفرق بين النفس والروح، ونسبه بعضهم إلى الأكثرين ويعبر عن النفس بالنفس الناطقة وبالروح الأمرية وبالروح الالهية، وعن الروح بالروح الحيوانية وكذا بالنفس الحيوانية، والثانية كالعرش للأولى، قال بعض الحكماء المتألهين :إن القلب الصنوبري فيه بخار لطيف هو عرش للروح الحيوانية وحافظ لها وآلة يتوقف عليها آثارها، والروح الحيوانية عرش ومرآة للروح الإلهية التي هي النفس الناطقة وواسطة بينها وبين البدن بها يصل حكم تدبير النفس إليه، وإلى عدم التغاير ذهب جماعة، وهو قول ابن جبير واحد قولين لابن عباس، وما روي عنه أولاً في الآية يوافق ما ذكرناه من حيث أن النفس عليه ليست بمعنى الجملة كما قال الزمخشري وادعى أن الصحيح ما ذكره دون هذا المروى بدليل موتها ومنامها، والضمير للأنفس وما أريد منها غير متصف بالموت والنوم وإنما الجملة هي التي تتصف بهما.
وقال في الكشف. ولأن الفرق بين النفسين رأى يدفعه البرهان، وإيقاع الاستيفاء أيضاً لا بد له من تأويل أيضاً فلا ينبغي أن يعدل عن المشهور الملائم يعني حمل التوفي على الاماتة فإن أصله أخذ الشيء من المستوفي منه وافياً كملا وسلبه منه بالكلية ثم نقل عن ذلك إلا الإماتة لما أنه موجود فيها حتى صارت المتبادرة إلى الفهم منه.، وفيه دغدغة، والذي يشهد له كثير من الآثار الصحيحة أن المتوفى الأنفس التي تقابل الإبدان دون الجملة.
أخرج الشيخان في صحيحهما عن أبي هريرة قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفضه بداخلة إزاره فإنه لا يدري ما خلفه عليه ثم ليقل اللهم باسمك ربي وضعت جنبي وباسمك أرفعه إن أمسكت نفسي فارحمها وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به الصالحين من عبادك، وأخرج أحمد. والبخاري. وأبو داود. والنسائي. وابن أبي شيبة عن أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهم ليلة الوادي :" إن الله تعالى قبض أرواحكم حين شاء وردها عليكم حين شاء " وأخرج ابن مردويه عن أنس بن مالك قال :«كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فقال :من يكلؤنا الليلة ؟ فقلت :أنا فنام ونام الناس ونمت فلم نستيقظ إلا بحر الشمس فقال رسول الله عليه الصلاة والسلام :أيها الناس إن هذه الأرواح عارية في أجساد العباد فيقبضها الله إذا شاء ويرسلها إذا شاء ».
وأخرج ابن أبي حاتم. وابن مردويه عن سليم بن عامر أن عمر بن الخطاب قال :العجب من رؤيا الرجل أنه يبيت فيرى الشيء لم يخطر له على بال فتكون رؤياه كأخذ باليد ويرى الرجل الرؤيا فلا تكون رؤياه شيئاً فقال علي كرم الله تعالى وجهه :أفلا أخبرك بذلك يا أمير المؤمنين ؟ يقول الله تعالى : ﴿ الله يَتَوَفَّى الانفس حِينَ مِوْتِهَا والتي لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ التي قضى عَلَيْهَا الموت وَيُرْسِلُ الاخرى إلى أَجَلٍ ﴾ [ الزمر :٢٤ ] فالله تعالى يتوفى الأنفس كلها فما رأت وهي عنده سبحانه في السماء فهي الرؤيا الصادقة وما رأت إذا أرسلت إلى أجسادها فهي الكاذبة لأنها إذا أرسلت إلى أجسادها تلقتها الشياطين في الهواء فكذبتها وأخبرتها بالأباطيل فكذبت فيها فعجب عمر من قوله رضي الله تعالى عنهما ؛ وظاهر هذا الأثر أن النفس النائمة المقبوضة تكون في السماء حتى ترسل، ومثل ذلك مما يجب تأويله على القول بتجرد النفس ولا يجب على القول الآخر. نعم لعلك تختاره وكأنك تقول :إن النفس شريفة علوية هبطت من المحل الأرفع وأرسلت من حمى ممنع وشغلت بتدبير منزلها في نهارها وليلها ولم تزل تنتظر فرصة العود إلى ذياك الحمى والمحل الرفيع الأسمى وعند النوم تنتهز تلك الفرصة وتهون عليها في الجملة هاتيك الغصة فيحصل لها نوع توجه إلى عالم النور ومعلم السرور الخالي من الشرور بحيث تستعد استعداداً ما لقبول بعض آثاره والاستضاءة بشيء من أنواره وجعلها كذلك هو قبضها وبه لعمري بسطها وقبضها، فمتى رأت وهي في تلك الحال مستفيضة من ذلك العالم الموصوف بالكمال رؤيا كانت صادقة، ومتى رأت وهي راجعة القهقرى إلى ما ابتليت به من تدبير منزل تحوم فيه شياطين الأوهام وتزدحم فيه أي ازدحام كانت رؤياها كاذبة ثم إنها في كلا الحالين متفاوتة الأفراد فيما يكون من الاستعداد، والوقوف على حقيقة الحال لا يتم إلا بالكشف دون القيل والقال ﴿ إِنَّ فِى ذلك لآيات لّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ الإشارة إلى ما ذكر من التوفي والإمساك والإرسال، والإفراد لتأويله بالمذكور أو نحوه، وصيغة البعيد باعتبار مبدئه أو تقضي ذكره أو بعد منزلته، والتنوين في ﴿ ءايات ﴾ للتكثير والتعظيم أي أن فيما ذكر الآيات كثيرة عظيمة دالة على كمال قدرته تعالى وحكمته وشمول رحمته سبحانه لقوم يتفكرون في كيفية تعلق الأنفس بالأبدان وتوفيها عنها تارة بالكلية عند الموت وإمساكها باقية لا تفنى بفنائها إلى أن يعيد الله تعالى الخلق وما يعتريها من السعادة والشقاوة وأخرى عن ظواهرها فقط كما عند النوم وإرسالها حيناً بعد حين إلى انقضاء آجالها.
﴿ أَمِ اتخذوا ﴾ أي بل اتخذ قريش فأم منقطعة والاستفهام المقدر لإنكار اتخاذهم ﴿ مِن دُونِ الله شُفَعَاء ﴾ تشفع لهم عند الله تعالى في رفع العذاب، وقيل :في أمورهم الدنيوية والأخروية، وجوز كونها متصلة بتقدير معادل كما ذكره ابن الشيخ في حواشي البيضاوي وهو تكلف لا حاجة إليه، ومعنى ﴿ مِن دُونِ الله ﴾ من دون رضاه أو إذنه لأنه سبحانه لا يشفع عنده إلا من أذن له ممن أرضاه ومثل هذه الجمادات الخسيسة ليست مرضية ولا مأذونة ولو لم يلاحظ هذا اقتضى أن الله تعالى شفيع ولا يطلق ذلك عليه سبحانه أو التقدير أو اتخذوا آلهة سواه تعالى لتشفع لهم وهو يؤل لما ذكر ﴿ قُلْ أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ أي أيشفعون حال تقدير عدم ملكهم شيئاً من الأشياء وعدم وعقلهم إياه، وحاصله أيشفعون وهم جمادات لا تقدر ولا تعلم فالهمزة داخلة على محذوف والواو للحال والجملة حال من فاعل الفعل المحذوف. وذهب بعضهم إلى أنها للعطف على شرطية قد حذفت لدلالة ﴿ لَّوْ كَانُواْ لاَّ يَمْلِكُونَ ﴾ الخ عليها أي أيشفعون لو كانوا يملكون شيئاً ويعقلون ولو كانوا لا يملكون شيئاً ولا يعقلون، والمعنى على الحالية أيضًا كأنه قيل :أيشفعون على كل حال، وقال بعض المحققين من النحاة :إنها اعتراضية ويعني بالجملة الاعتراضية ما يتوسط بين أجزاء الكلام متعلقاً به معنى مستأنفاً لفظاً على طريق الالتفات كقوله
:فأنت طلاق والطلاق ألية *** وقوله :
ترى كل من فيها وحاشاك فانيا *** وقد تجيء بعد تمام الكلام كقوله صلى الله عليه وسلم : «أنا سيد ولد آدم ولا فخر » وفي احتياج أداة الشرط في مثل هذا التركيب إلى الجواب خلاف وعلى القول بالاحتياج هو محذوف لدلالة ما قبل عليه وتحقيق الأقوال في كتب العربية.
وجوز أن يكون مدخول الهمزة المحذوف هنا الاتخاذ أي قل لهم أتتخذونهم شفعاء ولو كانوا لا يملكون شيئاً من الأشياء فضلاً عن أن يملكوا الشفاعة عند الله تعالى ولا يعقلون.
﴿ قُل لِلَّهِ الشفاعة جَمِيعاً ﴾ لعله كما قال الإمام رد لما يجيبون به وهوان الشفعاء ليست الأصنام أنفسها بل أشخاص مقربون هي تماثيلهم، والمعنى أنه تعالى مالك الشفاعة كلها لا يستطيع أحد شفاعة ما إلا أن يكون المشفوع مرتضى والشفيع مأذوناً له وكلاهما مفقودان ههنا، وقد يستدل بهذه الآية على وجود الشفاعة في الجملة يوم القيامة لأن الملك أو الاختصاص الذي هو مفاد اللام هنا يقتضي الوجود فالاستدلال بها على نفي الشفاعة مطلقاً في غاية الضعف.
وقوله تعالى : ﴿ لَّهُ مُلْكُ السموات والأرض ﴾ استئناف تعليلي لكون الشفاعة جميعاً له عز وجل كأنه قيل :له ذلك لأنه جل وعلا مالك الملك كله فلا يتصرف أحد بشيء منه بدون إذنه ورضاه فالسماوات والأرض كناية عن كل ما سواه سبحانه، وقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ عطف على قوله تعالى : ﴿ لَّهُ مُلْكُ ﴾ الخ وكأنه تنصيص على مالكية الآخرة التي فيها معظم نفع الشفاعة وإيماء إلى انقطاع الملك الصوري عما سواه عز وجل.
وجوز أن يكون عطفاً على قوله تعالى : ﴿ لِلَّهِ الشفاعة ﴾ وجعله في «البحر » تهديداً لهم كأنه قيل :ثم إليه ترجعون فتعلمون أنهم لا يشفعون لكم ويخيب سعيكم في عبادتهم، وتقديم ﴿ إِلَيْهِ ﴾ للفاصلة وللدلالة على الحصر إذ المعنى إليه تعالى لا إلى أحد غيره سبحانه لا استقلالاً ولا اشتراكاً ترجعون.
﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ ﴾ أي مفرداً بالذكر ولم تذكر معه آلهتهم، وقيل :أي إذا قيل لا إله إلا الله ﴿ اشمأزت قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة ﴾ أي انقبضت ونفرت كما في قوله تعالى : ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولو على أدربارهم نفوراً ﴾ [ الإسراء :٤٦ ] ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الذين مِن دُونِهِ ﴾ فرادى أو مع ذكر الله عز وجل ﴿ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ لفرط افتتانهم بهم ونسيانهم حق الله تعالى، وقد بولغ في بيان حالهم القبيحة حيث بين الغاية فيهما فإن الاستبشار أن يمتلئ القلب سروراً حتى ينبسط له بشرة الوجه، والاشمئزاز أن يمتلئ غيظاً وغماً ينقبض عنه أديم الوجه كما يشاهد في وجه العابس المحزون، و ﴿ إِذَا ﴾ الأولى :شرطية محلها النصب على الظرفية وعاملها الجواب عند الأكثرين وهو ﴿ اشمأزت ﴾ أو الفعل الذي يليها وهو ﴿ ذُكِرَ ﴾ عند أبي حيان وجماعة، وليست مضافة إلى الجملة التي تليها عندهم، وكذا ﴿ إِذَا ﴾ الثانية :فالعامل فيها إما ﴿ ذُكِرَ ﴾ بعدها وإما ﴿ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ و ﴿ إِذَا ﴾ الثالثة :فجائية رابطة لجملة الجزاء بجملة الشرط كالفاء، فعلى القول بحرفيتها لا يعمل فيها شيء وعلى القول باسميتها وأنها ظرف زمان أو مكان عاملها هنا خبر المبتدأ بعدها، وقال الزمخشري :عاملها فعل مقدر مشتق من لفظ المفاجأة تقديره فاجاؤا وقت الاستبشار فهي مفعول به، وجوز أن تكون فاعلاً على معنى فاجأهم وقت الاستبشار، وهذا الفعل المقدر هو جواب إذا الثانية فتتعلق به بناءً على قول الأكثرين من أن العامل في إذا جوابها، ولا يلزم تعلق ظرفين بعامل واحد لأن الثاني منهما ليس منصوباً على الظرفية.
نعم قيل على الزمخشري :إنه لا سلف له فيما ذهب إليه، وأنت تعلم أن الرجل في العربية لا يقلد غيره، ومن العجيب قول الحوفي إن ﴿ إِذَا ﴾ الثالثة ظرفية جيء بها تكراراً لإذا قبلها وتوكيداً وقد حذف شرطها والتقدير إذا كان ذلك هم يستبشرون، ولا ينبغي أن يلتفت إليه أصلاً، والآية في شأن المشركين مطلقاً. وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنه فسر ﴿ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة ﴾ بأبي جهل بن هشام. والوليد بن عقبة. وصفوان. وأبي بن خلف، وفسر ﴿ الذين مِن دُونِهِ ﴾ باللات والعزى وكأن ذلك تنصيص على بعض أفراد العام. وأخرج ابن المنذر. وغيره عن مجاهد أن الآية حكت ما كان من المشركين يوم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ والنجم ﴾ [ النجم :١ ] عند باب الكعبة :وهذا أيضاً لا ينافي العموم كما لا يخفى، وقد رأينا كثيراً من الناس على نحو هذه الصفة التي وصف الله تعالى بها المشركين يهشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون منهم ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم توافق هواهم واعتقادهم فيهم ويعظمون من يحكي لهم ذلك وينقبضون من ذكر الله تعالى وحده ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه عز وجل وسرد ما يدل على مزيد عظمته وجلاله وينفرون ممن يفعل ذلك كل النفرة وينسبونه إلى ما يكره، وقد قلت يوماً لرجل يستغيث في شدة ببعض الأموات وينادي يا فلان أغثني فقلت له :قل يا ألله فقد قال سبحانه :
﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنّي فَإِنّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ ﴾ [ البقرة :١٨٦ ] فغضب وبلغني أنه قال :فلان منكر على الأولياء، وسمعت عن بعضهم أنه قال :الولي أسرع إجابة من الله عز وجل وهذا من الكفر بمكان نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزيغ والطغيان.
﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى الأرض جَمِيعاً ﴾ الخ قيل مستأنف مسوق لبيان آثار الحكم الذي استدعاه النبي صلى الله عليه وسلم وغاية شدته وفظاعته أي لو أن لهم جميع ما في الدنيا من الأموال والذخائر ﴿ وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ مِن سُوء العذاب يَوْمَ القيامة ﴾ أي لجعلوا كل ذلك فدية لأنفسهم من العذاب السيئ الشديد وقيل الجملة معطوفة على مقدر والتقدير فأنا أحكم بينهم وأعذبهم ولو علموا ذلك ما فعلوا ما فعلوا، والأول أظهر، وليس المراد إثبات الشرطية بل التمثيل لحالهم بحال من يحاول التخلص والفداء مما هو فيه بما ذكر فلا يتقبل منه، وحاصله أن العذاب لازم لهم لا يخلصون منه ولو فرض هذا المحال ففيه من الوعيد والإقناط ما لا يخفى.
وقوله تعالى : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ أي ظهر لهم من فنون العقوبات ما لم يكن في حسابهم زيادة مبالغة في الوعيد، ونظير ذلك في الوعد قوله تعالى : ﴿ فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِىَ لَهُم مّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ ﴾ [ السجدة :٧١ ] والجملة قيل :الظاهر أنها حال من فاعل ﴿ افتدوا ﴾.
﴿ بِمُسْتَيْقِنِينَ وَبَدَا لَهُمْ ﴾ حين تعرض عليهم صحائفهم ﴿ عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ ﴾ أي الذي كسبوه وعملوه على أن ﴿ مَا ﴾ موصولة أو كسبهم وعملهم على أنها مصدرية، وإضافة ﴿ سَيّئَاتُ ﴾ على معنى من أو اللام ﴿ وَحَاقَ ﴾ أي أحاط ﴿ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِ ﴾ أي جزاء ذلك على أن الكلام على تقدير المضاف أو على أن هناك مجازاً بذكر السبب وإرادة مسببه، و ﴿ مَا ﴾ محتملة للموصولية والمصدرية أيضاً.
﴿ فَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَانَا ﴾ إخبار عن الجنس بما يغلب فيه، وقيل :المراد بالإنسان حذيفة بن المغيرة، وقيل :الكفرة ﴿ ثُمَّ إِذَا خولناه نِعْمَةً مّنَّا ﴾ أي أعطيناه إياها تفضلاً فإن التخويل على ما قيل مختص به لا يطلق على ما أعطى جزاء ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ أي على علم مني بوجوه كسبه أو بأني سأعطاه لمالي من الاستحقاق أو على علم من الله تعالى بي وباستيجابي، وإنما للحصر أي ما أوتيته لشيء من الأشياء إلا لأجل علم، والهاء للنعمة، والتذكير لتأويلها بشيء من النعم، والقرينة على ذلك التنكير، وقيل :لأنها بمعنى الإنعام، وقيل :لأن المراد بها المال، وقيل :لأنها تشتمل على مذكر ومؤنث فغلب المذكر، وجوز أن يكون لما في ﴿ إِنَّمَا ﴾ على أنها موصولة أي إن الذي أوتيته كائن على علم ويبعد موصوليتها كتابتها متصلة في المصاحف ﴿ بَلْ هِىَ فِتْنَةٌ ﴾ رد لقوله ذلك، والضمير للنعمة باعتبار لفظها كما أن الأول لها باعتبار معناها، واعتبار اللفظ بعد اعتبار المعنى جائز وإن كان الأكثر العكس، وجوز أن يكون التأنيث باعتبار الخبر، وقيل :هو ضمير الإتيانة وقرئ بالتذكير فهو للنعمة أيضاً كالذي مر أو للإتيان أي ليس الأمر كما يقول بل ما أوتيه امتحان له أيشكر أم يكفر، وأخبر عنه بالفتنة مع أنه آلة لها لقصد المبالغة، ونحو هذا يقال على تقدير عود الضمير للإتيانة أو الإتيان ﴿ ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ إن الأمر كذلك وهذا ظاهر في أن المراد بالإنسان الجنس إذ لو أريد العهد لقيل لكنه لا يعلم أو لكنهم لا يعلمون وإرادة العهد هناك وإرجاع الضمير للمطلق هنا على أنه استخدام نظير عندي درهم ونصفه تكلف.
والفاء للعطف وما بعدها عطف على قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ ﴾ [ الزمر :٤٥ ] الخ وهي لترتيبه عليه والغرض منه التهكم والتحميق، وفيه ذمهم بالمناقضة والتعكيس حيث أنهم يشمئزون عن ذكر الله تعالى وحده ويستبشرون بذكر الآلهة فإذا مسهم ضر دعوا من اشمأزوا من ذكره دون من استبشروا بذكره، وهذا كما تقول :فلان يسىء إلى فلان فإذا احتاج سأله فأحسن إليه، ففي الفاء استعارة تبعية تهكمية، وقيل :يجوز أن تكون للسببية داخلة على السبب لأن ذكر المسبب يقتضي ذكر سببه لأن ظهور ﴿ ما لم يكونوا يحتسبون ﴾ [ الزمر :٤٧ ] الخ مسبب عما بعد الفاء إلا أنه يتكرر مع قوله تعالى الآتي : ﴿ والذين ظَلَمُواْ مِنْ هؤلاء ﴾ [ الزمر :٥١ ] إلى آخره إن لم يتغايرا بكون أحدهما في الدنيا والآخر في الأخرى، وإلى ما قدمنا ذهب الزمخشري، والجمل الواقعة في البين عليه أعني قوله سبحانه : ﴿ قُلِ اللهم –إلى- يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ [ الزمر :٤٦، ٤٨ ] اعتراض مؤكد للإنكار عليهم، وزعم أبو حيان أن في ذلك تكلفاً واعتراضاً بأكثر من جملتين وأبو علي الفارسي لا يجيز الاعتراض بجملتين فكيف يجيزه بالأكثر، وأنا أقول :لا بأس بذلك لاسيما وقد تضمن معنى دقيقاً لطيفاً، والفارسي محجوج بما ورد في كلام العرب من ذلك.
﴿ قَدْ قَالَهَا الذين مِن قَبْلِهِمْ ﴾ ضمير ﴿ قَالَهَا ﴾ لقوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ [ الزمر :٤٩ ] لأنها كلمة أو جملة، وقرئ بالتذكير أي القول أو الكلام المذكور، والذين من قبلهم قارون وقومه فإنه قال ورضوا به فالإسناد من باب إسناد ما للبعض إلى الكل وهو مجاز عقلي.
وجوز أن يكون التجوز في الظرف فقالها الذين من قبلهم بمعنى شاعت فيهم، والشائع الأول، والمراد قالوا مثل هذه المقالة أو قالوها بعينها ولاتحاد صورة اللفظ تعد شيئاً واحداً في العرف ﴿ فَمَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ من متاع الدنيا ويجمعونه منه.
﴿ فَأَصَابَهُمْ عَنْهُم مَّا كَسَبُواْ ﴾ أي أصابهم جزاء سيئات كسبهم أو الذي كسبوه على أن الكلام بتقدير مضاف أو أنه تجوز بالسيئات عما تسبب عنها وقد يقال لجزاء السيئة سيئة مشاكلة نحو قوله تعالى : ﴿ وَجَزَاء سَيّئَةٍ سَيّئَةٌ مّثْلُهَا ﴾ [ الشورى :٤٠ ] فيكون ما هنا من المشاكلة التقديرية، وإذا كان المعنى على جعل جزاء جميع ما كسبوا سيئاً دل الكلام على أن جميع ما كسبوا سيء إذ لو كان فيه حسن جوزي عليه جزاءً حسناً، وفيه من ذمهم ما فيه.
﴿ والذين ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلاَء ﴾ المشركين، و ﴿ مِنْ ﴾ للبيان فإنهم كلهم كانوا ظالمين إذا الشرك ظلم عظيم أو للتبعيض فالمراد بالذين ظلموا من أصر على الظلم حتى تصيبهم قارعة وهم بعض منهم ﴿ سَيُصِيبُهُمْ سَيّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾ كما أصاب الذين من قبلهم، والمراد به العذاب الدنيوي وقد قحطوا لسبع سنين، وقتل :ببدر صناديدهم وقيل العذاب الأخروي، وقيل :الأعم، ورجح الأول بأنه الأوفق للسياق، وأشير بقوله تعالى : ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي بفائتين على ما قيل إلى العذاب الأخروي.
﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء ﴾ أن يبسطه له ﴿ وَيَقْدِرُ ﴾ لمن يشاء أن يقدر له من غير أن يكون لأحد ما مدخل في ذلك حيث حبس عنهم الرزق سبعاً ثم بسطه لهم سبعاً ﴿ إِنَّ فِى ذَلِكَ ﴾ الذي ذكر ﴿ لاَيَاتٍ ﴾ دالة على أن الحوادث كافة من الله تعالى شأنه والأسباب في الحقيقة ملغاة ﴿ لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴾ إذ هم المستدلون بها على مدلولاتها.
﴿ قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ أي أفرطوا في المعاصي جانين عليها، وأصل الإسراف الإفراط في صرف المال ثم استعمل فيما ذكر مجازاً بمرتبتين على ما قيل، وقال الراغب :هو تجاوز الحد في كل فعل يفعله الإنسان وإن كان ذلك في الإنفاق أشهر وهذا ظاهر في أنه حقيقة فيما ذكرنا وهو حسن.
وضمن معنى الجناية ليصح تعديه بعلى والمضمن لا يلزم فيه أن يكون معناه حقيقياً، وقيل :هو مضمن معنى الحمل، وحمل غير واحد الإضافة في ﴿ عِبَادِى ﴾ على العهد أو على التشريف، وذهبوا إلى أن المراد بالعباد المؤمنون وقد غلب استعماله فيهم مضافاً إليه عز وجل في القرآن العظيم فكأنه قيل :أيها المؤمنون المذنبون ﴿ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ﴾ أي لا تيأسوا من مغفرته سبحانه وتفضله عز وجل على أن المغفرة مدرجة في الرحمة أو أن الرحمة مستلزمة لها لأنه لا يتصور الرحمة لمن لم يغفر له، وتعليل النهي بقوله تعالى :
﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ يقتضي دخولها في المعلل، والتذييل بقوله سبحانه : ﴿ إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم ﴾ كالصريح في ذلك، وجوز أن يكون في الكلام صنعة الاحتباك كأنه قيل :لا تقنطوا من رحمة الله ومغفرته إن الله يغفر الذنوب جميعاً ويرحم، وفيه بعد، وقالوا :المراد بمغفرة الذنوب التجافي عنها وعدم المؤاخذة بها في الظاهر والباطن وهو المراد بسترها، وقيل :المراد بها محوها من الصحائف بالكلية مع التجافي عنها وأن الظاهر إطلاق الحكم وتقييده بالتوبة خلاف الظاهر كيف لا وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء ﴾ [ النساء :٤٨ ] ظاهر في الإطلاق فيما عدا الشرك، ويشهد للإطلاق أيضاً أمور، الأول :نداؤهم بعنوان العبودية فإنها تقتضي المذلة وهي أنسب بحال العاصي إذا لم يتب واقتضاؤها للترحم ظاهر. الثاني :الاختصاص الذي تشعر به الإضافة إلى ضميره تعالى فإن السيد من شأنه أن يرحم عبده ويشفق عليه. الثالث :تخصيص ضرر الإسراف المشعرة به ﴿ على ﴾ بأنفسهم فكأنه قيل :ضرر الذنوب عائد عليهم لا علي فيكفي ذلك من غير ضرر آخر كما في المثل أحسن إلى من أساء كفى المسيء إساءته، فالعبد إذا أساء ووقف بين يدي سيده ذليلاً خائفاً عالماً بسخط سيده عليه ناظراً لإكرام غيره ممن أطاع لحقه ضرر إذ استحقاق العقاب عقاب عند ذوي الألباب.
الرابع :النهي عن القنوط مطلقاً عن الرحمة فضلاً عن المغفرة وإطلاقها. الخامس :إضافة الرحمة إلى الاسم الجليل المحتوي على جميع معاني الأسماء على طريق الالتفات فإن ذلك ظاهر في سعتها وهو ظاهر في شمولها التائب وغيره.
السادس :التعليل بقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله ﴾ الخ فإن التعليل يحسن مع الاستبعاد وترك القنوط من الرحمة مع عدم التوبة أكثر استبعاداً من تركه مع التوبة. السابع :وضع الاسم الجليل فيه موضع الضمير لإشعاره بأن المغفرة من مقتضيات ذاته لا لشيء آخر من توبة أو غيرها. الثامن :تعريف الذنوب فإنه في مقام التمدح ظاهر في الاستغراق فتشمل الذنب الذي يعقبه التوبة والذي لا تعقبه. التاسع :التأكيد بالجميع. العاشر :التعليل بأنه هو الخ. الحادي عشر :التعبير بالغفور فإنه صيغة مبالغة وهي إن كانت باعتبار الكم شملت المغفرة جميع الذنوب أو باعتبار الكيف شملت الكبائر بدون توبة. الثاني عشر :حذف معمول ﴿ الغفور ﴾ فإن حذف المعمول يفيد العموم. الثالث عشر :إفادة الجملة الحصر فإن من المعلوم أن الغفران قد يوصف به غيره تعالى فالمحصور فيه سبحانه إنما هو الكامل العظيم وهو ما يكون بلا توبة. الرابع عشر :المبالغة في ذلك الحصر.
الخامس عشر :الوعد بالرحمة بعد المغفرة فإنه مشعر بأن العبد غير مستحق للمغفرة لولا رحمته وهو ظاهر فيما إذا لم يتب. السادس عشر :التعبير بصيغة المبالغة فيها. السابع عشر :إطلاقها، ومنع المعتزلة مغفرة الكبائر والعفو عنها من غير توبة وقالوا :إنها وردت في غير موضع من القرآن الكريم مقيدة بالتوبة فإطلاقها هنا يحمل على التقييد لاتحاد الواقعة وعدم احتمال النسخ، وكون القرآن في حكم كلام واحد
وأيدوا ذلك بقوله تعالى : ﴿ وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ فإنه عطف على ﴿ لا تقنطوا ﴾
﴿ وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ وَأَسْلِمُواْ لَهُ مِن قَبْلِ يَأْتِيَكُمُ العذاب ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ ﴾ فإنه عطف على ﴿ لا تقنطوا ﴾ [ الزمر :٥٣ ] والتعليل معترض، وبعد تسليم حديث حمل الإطلاق على التقييد يكون عطفاً لتتميم الإيضاح كأنه قيل :لا تقنطوا من رحمة الله تعالى فتظنوا أنه لا يقبل توبتكم وأنيبوا إليه تعالى وأخلصوا له عز وجل.
وأجاب بعض الجماعة بمنع وجوب حمل الإطلاق على التقييد في كلام واحد نحو أكرم الفضلاء أكرم الكاملين فضلاً عن كلام لا يسلم كونه في حكم كلام واحد وحينئذٍ لا يكون المعطوف شرطاً للمعطوف عليه إذ ليس من تتمته، وقيل إن الأمر بالتوبة والإخلاص لا يخل بالإطلاق إذ ليس المدعي أن الآية تدل على حصول المغفرة لكل أحد من غير توبة وسبق تعذيب لتغني عن الأمر بهما وتنافي الوعيد بالعذاب.
وقال بعض أجلة المدققين :إن قوله تعالى : ﴿ قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] خطاب للكافرين والعاصين وإن كان المقصود الأولى الكفار لمكان القرب وسبب النزول، فقد أخرج ابن جرير وابن مردويه عن ابن عباس أنه قال :إن أهل مكة قالوا :يزعم محمد صلى الله عليه وسلم أنه من عبد الأوثان ودعا مع الله تعالى إلهاً آخر وقتل النفس التي حرم الله لم يغفر له فكيف نهاجر ونسلم وقد عبدنا الآلهة وقتلنا النفس ونحن أهل شرك فأنزل الله تعالى : ﴿ قُلْ يا عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] الخ.
وأخرج ابن جرير عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال :نزلت هذه الآيات في عياش بن أبي ربيعة والوليد بن الوليد. ونفر من المسلمين كانوا أسلموا ثم فتنوا وعذبوا فافتتنوا فكنا نقول :لا يقبل الله تعالى من هؤلاء صرفاً ولا عدلاً أبداً أقوام أسلموا ثم تركوا دينهم بعذاب عذبوه فنزلت هؤلاء الآيات وكان عمر رضي الله تعالى عنه كاتباً فكتبها بيده ثم كتب بها إلى عياش وإلى الوليد وإلى أولئك النفر فأسلموا وهاجروا.
وأخرج ابن جرير عن عطاء بن يسار قال :نزلت هذه الآيات الثلاث ﴿ قُلْ يا عِبَادِى -إلى - وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ [ الزمر :٥٣-٥٥ ] بالمدينة في وحشي وأصحابه وتخلل قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ [ الزمر :٥٣ ] بين المعطوفين تعليلاً للجزء الأول قبل الوصول إلى الثاني للدلالة على سعة رحمته تعالى وأن مثله حقيق بأن يرجى وإن عظم الذنب لاسيما وقد عقب بقوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ هُوَ ﴾ الآية الدال على انحصار الغفران والرحمة على الوجه الأبلغ فالوجه أن يجري على عمومه ليناسب عموم الصدر ولا يقيد بالتوبة لئلا ينافي غرض التخلل مع أنه جمع محلي باللام، وقد أكد بما صار نصاً في الاستغراق، ولا يغني المعتزلي أن القرآن العظيم كالكلام الواحد وأنه سليم من التناقض بل يضره، وكذلك ما ذكر من أسباب النزول انتهى، وقد تضمن الإشارة إلى بعض مؤكدات الإطلاق التي حكيناها آنفاً، والذي يترجح في نظري ما اختاره من عموم الخطاب في ﴿ فِى عِبَادِى ﴾ للعاصين والكافرين، وأمر الإضافة سهل، وإن قوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ مقيد بلمن يشاء بقرينة التصريح به في قراءة عبد الله هنا، وكون الأمور كلها معلقة بالمشيئة ولا نسلم أن متعلق المشيئة التائب وحده، وكونها تابعة للحكمة على تقدير صحته لا ينفع إذ دون إثبات كون المغفرة لغير التائب منافية للحكمة خرط القتاد.
نعم لا تتعلق بالمشرك ما لم يؤمن لقوله تعالى : ﴿ إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ فمغفرة الشرك مشروطة بالإيمان فالمشرك داخل فيمن يشاء لكن بالشرط المعروف، واعتبار الشرط فيه لا يضر في عدم اعتبار شرط التوبة في العاصي بما دونه.
ويشهد لذلك ما أخرجه الإمام أحمد في مسنده. وابن جرير. وابن أبي حاتم. وابن مردويه. والبيهقي في «شعب الإيمان » عن ثوبان قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الآية يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم إلى آخر الآية فقال رجل :يا رسول الله ومن أشرك ؟ فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ساعة ثم قال :الا ومن أشرك ثلاث مرات " لا يقال المغفرة لمن أشرك بشرط الإسلام أمر واضح فلا يجوز أن تخفى على السائل وعليه عليه الصلاة والسلام حتى يسكت لانتظار الوحي أو الاجتهاد لأنا نقول :السؤال للاستبعاد من حيث العادة والسكوت لتعليم سلوك طريق التأني والتدبر وإن كان الأمر واضحاً.
وقيل :الظاهر أنه لانتظار الإذن أو الاجتهاد في التصريح بعموم المغفرة فإنهم ربما اتكلوا على ذلك فيخشى التفريط في العمل وهو لا ينافي التعليم فإنه عليه الصلاة والسلام إنما يعلمهم التدبر بعد أن يتدبر هو في نفسه صلى الله عليه وسلم. وزعم أن الحديث دال على اشتراط التوبة ليس بشيء، ويؤيد إطلاق المغفرة عن قيد التوبة ما أخرجه الإمام أحمد. وعبد بن حميد. وأبو داود. والترمذي. وحسنه. وابن المنذر. وابن الأنباري في المصاحف. والحاكم. وابن مردويه عن أسماء بنت يزيد قالت : «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً ولا يبالي إنه هو الغفور الرحيم » فإنه ليس للا يبالي كثير حسن إن كانت المغفرة مشروطة بالتوبة كما لا يخفى، وكذا ما أخرجه ابن جرير عن ابن سيرين قال :قال علي كرم الله تعالى وجهه أي آية أوسع ؟ فجعلوا يذكرون آيات من القرآن
﴿ مَن يَعْمَلُ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ [ النساء :١١٠ ] الآية ونحوها فقال علي كرم الله تعالى وجهه :ما في القرآن أوسع آية من ﴿ قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] الآية.
والمؤكدات السابقة أعني السبعة عشر لا يخلو بعضها عن بحث، والظاهر أن مغفرة ذنب لا تجامع العذاب عليه أصلاً، وذهب بعضهم إلى أنها تجامعه إذا كان انقض من الذنب لا إذا كان بمقداره فمن عذب بمقدار ذنبه في النار، وأخرج منها لا يقال إنه غفر له إذ السيئات إنما تجزى بأمثالها، وقيل :تجامعه مطلقاً وكون السيئات لا تجزى إلا بأمثالها بلطفه تعالى أيضاً فهو نوع من عفوه عز وجل وفيه ما فيه فتأمل، وأصل الإنابة الرجوع.
ومعنى ﴿ وَأَنِيبُواْ إلى رَبّكُمْ ﴾ [ الزمر :٤٥ ] الخ أي ارجعوا إليه سبحانه بالإعراض عن معاصيه والندم عليها، وقيل :بالانقطاع إليه تعالى بالعبادة وذكر الرب كالتنبيه على العلة، وقال القشيري :الإنابة الرجوع بالكلية، والفرق بين الإنابة والتوبة أن التائب يرجع من خوف العقوبة والمنيب يرجع استحياء لكرمه تعالى، والإسلام له سبحانه الإخلاص في طاعاته عز وجل، وذكر أن الإخلاص بعد الإنابة أن يعلم العبد أن نجاته بفضل الله تعالى لا بإنابته فبفضله سبحانه وصل إلى إنابته لا بإنابته وصل إلى فضله جل فضله. وعن ابن عباس من حديث أخرجه ابن جرير. وابن المنذر عنه «من آيس العباد من التوبة فقد جحد كتاب الله تعالى ولكن لا يقدر العبد أن يتوب حتى يتوب الله تعالى عليه ».
﴿ واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ ﴾ الظاهر أنه خطاب للعباد المخاطبين فيما تقدم سواء أريد بهم المؤمنون أو ما يعمهم والكافرين، والمراد بما أنزل القرآن وهو كما أنزل إلى المؤمنين أنزل إلى الكافرين ضرورة أنه أنزل عليه صلى الله عليه وسلم لدعوة الناس كافة، والمراد بأحسنه ما تضمن الإرشاد إلى خير الدارين دون القصص ونحوها أو المأمور به أو العزائم أو الناسخ، وأفعل على الأول والثالث على ظاهره وعلى الثاني والرابع فيه احتمالان ؛ وقيل :لعل الأحسن ما هو أنجى وأسلم كالإنابة والمواظبة على الطاعة وأفعل فيه على ظاهره أيضاً، وجوز أن يكون الخطاب للجنس، والمراد بما أنزل الكتب السماوية وبأحسنه القرآن، وفيه ارتكاب خلاف الظاهر، وفي ذكر الرب ترغيب في الاتباع ﴿ مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العذاب بَغْتَةً ﴾ أي فجأة ﴿ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ ﴾ لا تعلمون أصلاً بمجيئه فتتداركون ما يدفعه
﴿ أَن تَقُولَ نَفْسٌ ﴾ في موضع المفعول له بتقدير مضاف، وقدره الزمخشري كراهة وهو منصوب بفعل محذوف يدل عليه ما قبل أي أنذركم وأمركم بأحسن ما أنزل إليكم كراهة أن تقول، ومن لا يشترط للنصب اتحاد الفاعل يجوز كون الناصب ﴿ أنيبوا ﴾ [ الزمر :٥٤ ] أو ﴿ اتبعوا ﴾ [ الزمر :٥٥ ] وأياً ما كان فهذه الكراهة مقابل الرضا دون الإرادة فلا اعتزال في تقديرها، وهو أولى من تقدير مخافة كما فعل الحوفي حيث قال :أي أنذرناكم مخافة أن تقول، وابن عطية جعل العامل ﴿ أنيبوا ﴾ ولم يقدر شيئاً من الكراهة والمخافة حيث قال :أي أنيبوا من أجل أن تقول، وذهب بعض النحاة إلى أن التقدير لئلا تقول ؛ وتنكير ﴿ تَكَلَّمُ نَفْسٌ ﴾ للتكثير بقرينة المقام كما في قول الأعشى
:
ورب بقيع لو هتفت بجوه أتاني كريم ينفض الرأس مغضباً
فأنه أراد أفواجاً من الكرام ينصرونه لا كريماً واحداً، وجوز أن يكون للتبعيض لأن القائل بعض الأنفس واستظهره أبو حيان، قيل :ويكفي ذلك في الوعيد لأن كل نفس يحتمل أن تكون ذلك، وجوز أيضاً أن يكون للتعظيم أي نفس متميزة من الأنفس إما بلجاج في الكفر شديد أو بعذاب عظيم، وليس بذاك ﴿ *يَا حَسْرَتي ﴾ بالألف بدل ياء الإضافة، والمعنى كما قال سيبويه يا حسرتي احضري فهذا وقتك. وقرأ ابن كثير في الوقف ﴿ يا حسرتاه ﴾ بهاء السكت. وقرأ أبو جعفر ﴿ يا حسرتي ﴾ بياء الإضافة، وعنه ﴿ يا حسرتاي ﴾ بالألف والياء التحتية مفتوحة أو ساكنة جمعاً بين العوض والمعوض كذا قيل، ولا يخفى أن مثل هذا غير جائز اللهم إلا شاذاً استعمالاً وقياساً، فالأوجه أن يكون ثنى الحسرة مبالغة على نحو لبيك وسعديك وأقام بين ظهريهم وظهرانيهم على لغة بلحرث بن كعب من إبقاء المثنى على الألف في الأحوال كلها، واختار ذلك «صاحب الكشف »، وجوز أبو الفضل الرازي أيضاً في كتابه اللوامح أن تكون التثنية على ظاهرها على تلك اللغة، والمراد حسرة فوت الجنة وحسرة دخول النار، واعتبار التكثير أولى لكثرة حسراتهم يوم القيامة ﴿ نَفْسٌ يا حسرتى على مَا فَرَّطَتُ ﴾ أي بسبب تفريطي فعلى تعليلية و ﴿ مصدرية ﴾ كما في قوله تعالى : ﴿ وَلِتُكَبّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ ﴾ [ البقرة :١٨٥ ] والتفريط التقصير ﴿ فِى جَنبِ الله ﴾ أي جانبه، قال الراغب :أصل الجنب الجارحة ثم يستعار للناحية والجهة التي تليها كعادتهم في استعارة سائر الجوارح لذلك نحو اليمين والشمال، والمراد هنا الجهة مجازاً، والكلام على حذف مضاف أي في جنب طاعة الله أو في حقه تعالى أي ما يحق له سبحانه ويلزم وهو طاعته عز وجل ؛ وعلى ذلك قول سابق البربري من شعراء الحماسة
:
أما تتقين الله في جنب عاشق له كبد حرى عليك تقطع
والتفريط في جهة الطاعة كناية عن التفريط في الطاعة نفسها لأن من ضيع جهة ضيع ما فيها بطريق الأولى الأبلغ لكونه بطريق برهاني، ونير ذلك قول زياد الأعجم
إن السماحة والمروءة والندى في قبة ضربت على ابن الحشرج
ولا مانع من أن يكون للطاعة وكذا حق الله تعالى بمعنى طاعته سبحانه جهة بالتبعية للمطيع كمكان السماحة وما معها في البيت، ومما ذكرنا يعلم أنه لا مانع من الكناية كما توهم، وقال الإمام :سمي الجنب جنباً لأنه جانب من جوانب الشيء، والشيء الذي يكون من لوازم الشيء وتوابعه يكون كأنه جند من جنوده وجانب من جوانبه فلما حصلت المشابهة بين الجنب الذي هو العضو وبين ما يكون لازماً للشيء وتابعاً له لا جرم حسن إطلاق لفظ الجنب على الحق والأمر والطاعة انتهى. وجعلوا في الكلام عليه استعارة تصريحية وليس هنا مضاف مقدر، وليس بذاك. وقول ابن عباس :يريد على ما ضيعت من ثواب الله، ومقاتل :على ما ضيعت من ذكر الله ؛ ومجاهد. والسدي :على ما فرطت في أمر الله، والحسن :في طاعة الله، وسعيد بن جبير :في حق الله بيان لحاصل المعنى، وقيل :الجنب مجاز عن الذات كالجانب أو المجلس يستعمل مجازاً لربه، فيكون المعنى على ما فرطت في ذات الله. وضعف بأن الجنب لا يليق إطلاقه عليه تعالى ولو مجازاً، وركاكته ظاهرة أيضاً، وقيل :هو مجاز عن القرب أي على ما فرطت في قرب الله. وضعف بأنه محتاج إلى تجوز آخر، ويرجع الأمر في الآخرة إلى طاعة الله تعالى ونحوها. وبالجملة لا يمكن إبقاء الكلام على حقيقته لتنزهه عز وجل من الجنب بالمعنى الحقيقي.
ولم أقف على عد أحد من السلف إياه من الصفات السمعية، ولا أعول على ما في المواقف، وعلى فرض العد كلامهم فيها شهير وكلهم مجمعون على التنزيه وسبحان من ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وفي حرف عبد الله. وحفصة ﴿ فِى ذِكْرِى * الله ﴾ ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين ﴾ أي المستهزئين بدين الله تعالى وأهله، و ﴿ ءانٍ ﴾ هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة والجملة في محل النصب على الحال عند الزمخشري أي فرطت في حال سخريتي.
وقال في «البحر » :ويظهر أنها استئناف إخبار عن نفسه بما كان عليه في الدنيا لا حال، والمقصود من ذلك الاخبار التحسر والتحزن.
﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى لَكُنتُ مِنَ المتقين ﴾ أي من الشرك والمعاصي.
وفسر غير واحد الهداية هنا بالإرشاد والدلالة الموصلة بناء على أنه الأنسب بالشرطية والمطابق للرد بقوله سبحانه : ﴿ بلى ﴾ [ الزمر :٥٩ ] الخ، وفسرها أبو حيان بخلق الاهتداء، وأياً ما كان فالظاهر أن هذه المقالة في الآخرة.
﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب لَوْ أَنَّ لِى كَرَّةً ﴾ أي رجوعاً إلى الحياة الدنيا ﴿ فَأَكُونَ مِنَ المحسنين ﴾ في العقيدة والعمل، و ﴿ لَوْ ﴾ للتمني ﴿ فَأَكُونَ ﴾ منصوب في جوابها، وجوز في «البحر » أن يكون منتصباً بالعطف على ﴿ كَرَّةٌ ﴾ إذ هو مصدر فيكون مثل قوله
:
فما لك عنها غير ذكري وحسرة وتسأل عن ركبانها أين يمموا
وقول الآخر
:
ولبس عباءة وتقر عيني أحب لي من لبس الشفوف
ثم قال :والفرق بينهما أن الفاء إذا كانت في جواب التمني كانت أن واجبة الإضمار وكان الكون مترتباً على حصول المتمني لا متمنى، وإذا كانت للعطف على ﴿ كَرَّةٌ ﴾ جاز إظهار أن وإضمارها وكان الكون متمني.
وقوله تعالى : ﴿ بلى قَدْ جَاءتْكَ ءاياتي فَكَذَّبْتَ بِهَا واستكبرت وَكُنتَ مِنَ الكافرين ﴾ جواب من الله عز وجل لما تضمنه قول القائل ﴿ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى ﴾ [ الزمر :٥٧ ] من نفى أن يكون الله تعالى هداه ورد عليه، ولا يشترط في الجواب ببلى تقدم النفي صريحاً وقد وقع في موقعه اللائق به لأنه لو قدم على القرينة الأخيرة أعني ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى العذاب ﴾ [ الزمر :٥٨ ] الخ وأوقع بعده غير مفصول بنيهما بها لم يحسن لتبتير النظم الجليل، فإن القرائن الثلاث متناسبة متناسقة متلاصقة، والتناسب بينهن أتم من التناسب بين القرينة الثانية وجوابها، ولو أخرت القرينة الثانية وجعلت الثالثة ثانية لم يحسن أيضا لأن رعاية الترتيب المعنوي وهي أهم تفوت إذ ذاك، وذلك لأن التحسر على التفريط عند تطاير الصحف على ما يدل عليه مواضع من القرآن العظيم، والتعلل بعدم الهداية إنما يكون بعد مشاهدة حال المتقين واغتباطهم، ولأنه للتسلي عن بعض التحسر أو من باب تمسك الغريق فهو لا حق وتمني الرجوع بعد ذوق النار، ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار فَقَالُواْ يا ليتنا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذّبَ ﴾ [ الأنعام :٢٧ ] وكذلك لو حمل الوقوف على الحبس على شفيرها أو مشاهدتها، وكل بعد مشاهدة حال المتقين وما لقوا من خفة الحساب والتكريم في الموقف، ولأن اللجأ إلى التمني بعد تحقق أن لا جدوى للتعليل.
وقال الطيبي :إن النفس عند رؤية أهوال يوم القيامة يرى الناس مجزيين بأعمالهم فيتحسر على تفويت الأعمال عليها ثم قد يتعلل بأن التقصير لم يكن مني فإذا نظر وعلم أن التقصير كان منه تمني الرجوع، ثم الظاهر من السياق أن النفوس جمعت بين الأقوال الثلاثة فأو لمنع الخلو، وجيء بها تنبيهاً على أن كل واحد يكفي صارفاً عن إيثار الكفر وداعياً إلى الإنابة واتباع أحسن ما أنزل وتذكير الخطاب في ﴿ جَاءتْكَ ﴾ الخ على المعني لأن المراد بالنفس الشخص وإن كان لفظها مؤنثاً سماعياً.
وقرأ ابن يعمر. والجحدري. وأبو حيوة. والزعفراني. وابن مقسم. ومسعود بن صالح. والشافعي عن ابن كثير. ومحمد بن عيسى في اختياره. والعبسى ﴿ جَاءتْكَ ﴾ الخ بكسر الكاف والتاء، وهي قراءة أبي بكر الصديق. وابنته عائشة رضي الله تعالى عنهما، وروتها أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقرأ الحسن. والأعمش. والأعرج ﴿ جأتك ﴾ بالهمز من غير مد بوزن فعتك، وهو على ما قال أبو حيان :مقلوب من جاءتك قدمت لام الكلمة وأخرت العين فسقطت الألف. واستدل المعتزلة بالآية على أن العبد خالق لأفعال. وأجاب الأشاعرة بأن إسناد الأفعال إلى العبد باعتبار قدرته الكاسبة. وحقق الكوراني أنه باعتبار قدرته المؤثرة بإذن الله عز وجل لا كما ذهب إليه المعتزلة من أنه باعتبار قدرته المؤثرة أذن الله تعالى أم لم يأذن.
﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ بما ينالهم من الشدة التي تغير ألوانهم حقيقة، ولا مانع من أن يجعل سواد الوجوه حقيقة علامة لهم غير مترتب على ما ينالهم، وجوز أن يكون ذلك من باب المجاز لا أنها تكون مسودة حقيقة بأن يقال :إنهم لما يلحقهم من الكآبة ويظهر عليهم من آثار الجهل بالله عز وجل يتوهم فيه ذلك. والظاهر أن الرؤية بصرية. والخطاب إما لسيد المخاطبين عليه الصلاة والسلام، وإما لكل من تتأتى منه الرؤية، وجملة ﴿ وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ في موضع الحال على ما استظهره أبو حيان، وكون المقصود رؤية سواد وجوههم لا ينافي الحالية كما توهم لأن القيد مصب الفائدة، ولا بأس بترك الواو والاكتفاء بالضمير فيها لاسيما وفي ذكرها ههنا اجتماع واوين وهو مستثقل. وزعم الفراء شذوذ ذلك، ومن سلمه جعل الجملة هنا بدلاً من ﴿ الذين ﴾ كما ذهب إليه الزجاج، وهم جوزوا إبدال الجملة من المفرد، أو مستأنفة كالبيان لما أشعرت به الجملة قبلها وأدركه الذوق السليم منها من سوء حالهم، أو جعل الرؤية علمية والجملة في موضع الثاني، وأيد بأنه قرئ ﴿ وُجُوههُم مُّسْوَدَّة ﴾ بنصبهما على أن ﴿ وُجُوههُمْ ﴾ مفعول ثان و ﴿ مُّسْوَدَّة ﴾ حال منه. وأنت تعلم أن اعتبار الرؤية بصرية أبلغ في تفضيحهم وتشهير فظاعة حالهم لاسيما مع عموم الخطاب، والنصب في القراءة الشاذة يجوز أن يكون على الإبدال، والمراد بالذين ظلموا أولئك القائلون المتحسرون فهو من باب إقامة الظاهر مقام المضمر، وينطبق على ذلك أشد الانطباق قوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ فِى جَهَنَّمَ مَثْوًى ﴾ أي مقام ﴿ لّلْمُتَكَبّرِينَ ﴾ الذين جاءتهم آيات الله فكذبوا بها واستكبروا عن قبولها والانقياد لها، وهو تقرير لرؤيتهم كذلك، وينطبق عليه أيضاً قوله الآتي : ﴿ وَيُنَجّى ﴾ [ الزمر :٦١ ] الخ.
وكذبهم على الله تعالى لوصفهم له سبحانه بأن له شريكاً ونحو ذلك تعالى عما يصفون علواً كبيراً، وقيل :لوصفهم له تعالى بما لا يليق في الدنيا وقولهم في الأخرى : ﴿ لَوْ أَنَّ الله هَدَانِى ﴾ [ الزمر :٥٧ ] المتضمن دعوى أن الله سبحانه لم يهدهم ولم يرشدهم، وقيل :هم أهل الكتابين، وعن الحسن أنهم القدرية القائلون إن شئنا فعلنا وإن لم يشأ الله تعالى وإن شئنا لم نفعل وإن شاء الله سبحانه ؛ وقيل :المراد كل من كذب على الله تعالى ووصفه بما لا يليق به سبحانه نفياً وإثباتاً فأضاف إليه ما يجب تنزيهه تعالى عنه أو نزهه سبحانه عما يجب أن يضاف إليه، وحكى ذلك عن القاضي وظاهره يتقضي تكفير كثير من أهل القبلة، وفيه ما فيه، والأوفق لنظم الآية الكرمية ما قدمنا، ولا يبعد أن يكون حكم كل من كذب على الله تعالى عالماً بأنه كذب عليه سبحانه أو غير عالم لكنه مستند إلى شبهة واهية كذلك ؛ وكلام الحسن إن صح لا أظنه إلا من باب التمثيل، وتعريض الزمخشري بأهل الحق بما عرض خارج عن دائرة العدل فما ذهبوا إليه ليس من الكذب على الله تعالى في شيء، والكذب فيه وفي أصحابه ظاهر جداً. وقرأ أبي ﴿ أجوههم ﴾ بإبدال الواو همزة.
ومن باب الإشارة : ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ [ الزمر :٦٠ ] قيل :هو سواد قلوبهم ينعكس على وجوههم
﴿ وَيُنَجّى الله الذين اتقوا ﴾ ما اتصف به أولئك المتكبرون من جهنم. وقرئ ﴿ ينجى ﴾ بالتخفيف من الانجاء ﴿ اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ اسم مصدر كالفلاح على ما في «الكشف » أو مصدر ميمي على ما في غيره من فاز بكذا إذا أفلح به وظفر بمراده منه، وقال الراغب :هي مصدر فاز أو اسم الفوز ويراد بها الظفر بالبغية على أتم وجه كالفلاح وبه فسرها السدي، والباء للملابسة متعلقة بمحذوف هو حال من الموصول مفيدة لمقارنة تنجيتهم من العذاب لنيل الثواب أي ينجيهم الله تعالى من جهنم مثوى المتكبرين لتقواهم مما اتصف المتكبرون به ملتبسين بفلاحهم وظفرهم بالبغية وهي الجنة، ومآله ينجيهم من النار ويدخلهم الجنة، وكون الجنة بغية المتقي كائناً من كان مما لا شبهة فيه. نعم هي بغية لبعض المتقين من حيث أنها محل رؤية محبوبهم التي هي غاية مطلوبهم ولك أن تعمم البغية، وقوله تعالى : ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ السوء وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ في موضع الحال أيضاً إما من الموصول أو من ضمير ﴿ مفازتهم ﴾ مفيدة لكونهم مع التنجية أو الفوز منفياً عنهم على الدوام مساس جنس السوء والحزن، والظاهر أن هذه الحال مقدرة، وقيل :إنها مقارنة مفيدة لكون تنجيتهم أو مفازتهم بالجنة غير مسبوقة بمساس العذاب والحزن، ولا يخفى أنه لا يتسنى بالنسبة إلى جميع المتقين إذ منهم من يمسه العذاب ويحزن لا محالة، وعد وجود ذلك لقلته وانقطاعه كلا وجود تكلف بعيد، وجوز أن يراد بالمفازة الفلاح ويجعل قوله تعالى : ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ لاَ يَمَسُّهُمُ ﴾ الخ استئنافاً لبيانها كائنة قيل :ما مفازتهم ؟ فقيل :لا يمسهم الخ.
والباء حينئذ على ما في «الكشف » سببية متعلقة بينجي أي ينجيهم بنفي السوء والحزن عنهم. وتعقب بأن في جعل عدم الحزن وعدم السوء سبب النجاة تكلفاً فهما من النجاة، والظاهر أنه لو جعلت الباء على هذا الوجه أيضاً للملابسة لا يرد ذلك، وجوز كون المفازة اسم مكان أي محل الفوز، وفسرت بالمنجاة مكان النجاة، وصح ذلك لأن النجاة فوز وفلاح، وجعلت الباء عليه للسببية وهناك مضاف محذوف بقرينة باء السببية وإن المنجاة لا تصلح سبباً أي ينجيهم بسبب منجاتهم وهو الإيمان، وهو كالتصريح بما اقتضاه تعليق الفعل بالموصول السابق، وفسره الزمخشري بالأعمال الصالحة، وقواه بما حكاه عن ابن عباس ليتم مذهبه ؛ أو لا مضاف بل هناك مجاز بتلك القرينة من إطلاق اسم المسبب على السبب، والجملة بعد على الاحتمالين في هذا الوجه حال ولا يخفى أن المفازة بمعنى المنجاة مكان النجاة هي الجنة والإيمان أو العمل الصالح ليس سبباً لها نفسها وإنما هو سبب دخولها فلا بد من اعتباره فلا تغفل، وجوز أن تكون المفازة مصدراً ميمياً من فاز منه أي نجا منه يقال :طوبى لمن فاز بالثواب وفاز من العقاب أي ظفر به ونجا، والباء إما للملابسة والجملة بيان للمفازة أي ينجيهم الله تعالى ملتبسين بنجاتهم الخاصة لهم أي بنفي السوء والحزن عنهم، ولا يخفى ركاكة هذا المعنى، وإما للسببية إما على حذف المضاف أو التجوز نظير ما مر آنفاً، ولا يحتاج هنا إلى اعتبار الدخول كما لا يخفى، والجملة في موضع الحال أيضاً.
وجوز على بعض الأوجه تعلق ﴿ بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ بما بعده ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وبالجملة الاحتمالات العقلية في الآية كثيرة لأن المفازة إما اسم مصدر أو مصدر ميمي أو اسم مكان من فاز به ظفر أو من فاز منه نجا والباء إما للملابسة أو للسببية أو للاستعانة، وهي إما متعلقة بما قبلها أو بما بعدها وهذه ستة وثلاثون احتمالاً وإذا ضممت إليها احتمال حذف المضاف في بمفازتهم بمعنى منجاتهم أو نجاتهم واحتمال التجوز فيه كذلك وكذا احتمال كون جملة ﴿ لاَ يَمَسُّهُمُ ﴾ الخ حالاً من الموصول واحتمال كونها حالاً من ضمير مفازتهم واحتمال كون الحال مقدرة وكونها مقارنة زادت كثيراً، ولا يخفي أن فيها المقبول ودونه بل فيها ما لا يتسنى أصلاً فأمعن النظر ولا تجمد. وقرأ السلمي. والحسن. والأعرج. والأعمش. وحمزة والكسائي. وأبو بكر ﴿ بمفازاتهم ﴾ جمعاً لتكون على طبق المضاف إليه في الدلالة على التعدد صريحاً.
﴿ قُلِ الله خالق كُلّ شَىْء ﴾ من خير وشر وإيمان وكفر لكن لا بالجبر بل بمباشرة المتصف بهما لأسبابهما فالآية رادة على المعتزلة رداً ظاهراً ﴿ وَهُوَ على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ ﴾ يتولى التصرف فيه كيفما يشاء حسبما تقتضيه الحكمة، وكأن ذكر ذلك للدلالة على أنه سبحانه الغني المطلق وإن المنافع والمضار راجعة إلى العباد، ولك أن تقول :المعنى أنه تعالى حفيظ على كل شيء كما قيل نحو ذلك في قوله تعالى : ﴿ وَمَا أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ ﴾ [ الزمر :٤١ ] وحاصله أنه تعالى يتولى حفظ كل شيء بعد خلقه فيكون إشارة إلى احتياج الأشياء إليه تعالى في بقائها كما أنها محتاجة إليه عز وجل في وجودها.
﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ أي مفاتيحها كما قال ابن عباس. والحسن. وقتادة. وغيرهم فقيل هو جمع لا واحد له من لفظه، وقيل :جمع مقليد وقيل :جمع مقلاد من التقليد بمعنى الإلزام ومنه تقليد القضاء وهو إلزامه النظر في أموره، وكذا القلادة للزومها للعنق، وجعل اسماً للآلة المعروفة للإلزام بمعنى الحفظ وهو على جميع هذه الأقوال عربي والأشهر الأظهر كونه معرباً فهو جمع اقليد معرب إكليد وهو جمع شاذ لأن جمع افعيل على مفاعيل مخالف للقياس وجاء أقاليد على القياس ويقال :في اكليد كليد بلا همزة، وذكر الشهاب أنه بلغة الروم اقليدس وكليد واكليد منه، والمشهور أن كليد فارسي ولم يشتهر في الفارسية اكليد بالهمزة، وله مقاليد كذا قيل :مجاز عن كونه مالك أمره ومتصرفاً فيه بعلاقة اللزوم، ويكنى به عن معنى القدرة والحفظ، وجوز كون المعنى الأول كنائياً لكن قد اشتهر فنزل منزلة المدلول الحقيقي فكنى به عن المعنى الآخر فيكون هناك كناية على كناية وقد يقتصر على المعنى الأول في ازرادة وعليه قيل هنا المعنى لا يملك أمر السماوات والأرض ولا يتمكن من التصرف فيها غيره عز وجل. والبيضاوي بعد ذكر ذلك قال :هو كناية عن قدرته تعالى وحفظه لها وفيه مزيد دلالة على الاستقلال والاستبداد لمكان اللام والتقديم، وقال الراغب :مقاليد السماوات والأرض ما يحيط بها، وقيل :خزائنها، وقيل :مفاتيحها، والإشارة بكلها إلى معنى واحد وهو قدرته تعالى عليه وحفظه لها انتهى.
وجوز أن يكون المعنى لا يملك التصرف في خزائن السماوات والأرض أي ما أودع فيها واستعدت له من المنافع غيره تعالى، ولا يخفى أن هذه الجملة إن كانت في موضع التعليل لقوله سبحانه : ﴿ وَهُوَ على كُلّ شيء وَكِيلٌ ﴾ [ الزمر :٦٢ ] على المعنى الأول فالأظهر الاقتصار في معناها على أنه لا يملك أمر السماوات والأرض أي العالم بأسره غيره تعالى فكأنه قيل :تعالى يتولى التصرف في كل شيء لأنه لا يملك أمره سواه عز وجل، وإن كانت تعليلاً له على المعنى الثاني فالأظهر الاقتصار في معناها على أنه لا قدرة عليها لأحد غيره جل شأنه فكأنه قيل :هو تعالى يتولى حفظه كل شيء لأنه لا قدرة لأحد عليه غيره تعالى، وجوز أن تكون عطف بيان للجملة قبلها وأن تكون صفة ﴿ وَكِيلٌ ﴾ وأن تكون خبراً بعد خبر فأمعن النظر في ذلك وتدبر. وأخرج أبو يعلى. ويوسف القاضي في «سننه ». وأبو الحسن القطان في المطولات. وابن السني في عمل اليوم والليلة. وابن المنذر. وابن أبي حاتم وابن مردويه عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال : «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى :له مقاليد السموات والأرض فقال :لا إله إلا الله والله أكبر سبحان الله والحمد لله استغفر الله الذي لا إله إلا هو الأول والآخر والظاهر والباطين يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير » الحديث.
وفي رواية ابن مردويه عن ابن عباس أن عثمان جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له :اخبرني عن مقاليد السماوات والأرض فقال :سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير يا عثمان من قالها إذا أصبح عشر مرات وإذا أمسى أعطاه الله ست خصال. أما أولهن :فيحرس من إبليس وجنوده. وأما الثانية :فيعطي قنطاراً من الأجر. وأما الثالثة :فيتزوج من الحور العين. وأما الرابعة :فيغفر له ذوبه. وأما الخامسة :فيكون مع إبراهيم عليه السلام. وأما السادسة :فيحضره اثنا عشر ملكاً عند موته يبشرونه بالجنة ويزفونه من قبره إلى الموقف فإن أصابه شيء من أهاويل يوم القيامة قالوا له لا تخف إنك من الآمنين ثم يحاسبه الله حساباً يسيراً ثم يؤمر به إلى الجنة فيزفونه إلى الجنة من موقفه كما تزف العروس حتى يدخلوه الجنة بإذن الله تعالى والناس في شدة الحساب. وفي رواية العقيلي. والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عمر أن عثمان سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن تفسير ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ فقال عليه الصلاة والسلام :ما سألني عنها أحد تفسيرها لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله وبحمده واستغفر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله هو الأول والآخر والظاهر والباطن بيده الخير يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير. وفي رواية الحرث بن أبي أسامة. وابن مردويه عن أبي هريرة أنه عليه الصلاة والسلام قال :" هي سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله " وبالجملة اختلفت الروايات في الجواب، وقيل في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما :إنه ضعيف في سنده من لا تصلح روايته، وابن الجوزي قال :إنه موضوع ولم يسلم له وحال الاخبار الآخر الله تعالى أعلم به والظن الضعف.
والمعنى عليها أن لله تعالى هذه الكلمات يوحد بها سبحانه ويمجد وهي مفاتيح خير السماوات والأرض من تكلم بها من المؤمنين أصابه، فوجه إطلاق المقاليد عليها أنها موصلة إلى الخير كما توصل المفاتيح إلى ما في الخزائن، وقد ذكر صلى الله عليه وسلم شيئاً من الخير في حديث ابن عباس وعد في الحديث قبله عشر خصال لمن قالها كل يوم مائة مرة وهو بتمامه في «الدر المنثور.
﴿ { والذين كَفَرُواْ * بآيات الله * أولئك هُمُ الخاسرون ﴾ معطوف على قوله تعالى : ﴿ الله خالق كُلّ شيء ﴾ [ الزمر :٦٢ ] الخ أي أنه عز شأنه متصف بهذه الصفات الجليلة الشأن والذين كفروا وجحدوا ذلك أولئك هم الكاملون في الخسران، وقيل :على قوله تعالى : ﴿ لَّهُ مَقَالِيدُ السموات والأرض ﴾ ولا يظهر ذلك على بعض الأوجه السابقة فيه.
وقيل :على مقدر تقديره فالذين اتقوا أو فالذين آمنوا بآيات الله هم الفائزون والذين كفروا الخ، وفيه تكلف.
وجوز أن يكون معطوفاً على قوله تعالى : ﴿ وَيُنَجّى الله ﴾ [ الزمر :٦١ ] فيكون التقدير وينجي الله المتقين والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون وما بينهما اعتراض للدلالة على أنه تعالى مهيمن على العباد مطلع على أفعالهم مجاز عليها، وفيه تأكيد لثواب المؤمنين وفلاحهم وعقاب الكفرة وخسرانهم ولم يقل ويهلك الذين كفروا بخسرانهم ما قاله سبحانه : ﴿ وَيُنَجّى ﴾ الخ للإشعار بأن العمدة في فوز المؤمنين فضله تعالى فلذا جعل نجاتهم مسندة له تعالى حادثة له يوم القيامة غير ثابتة قبل ذلك بالاستحقاق والأعمال بخلاف هلاك الفكرة فإنهم قدموه لأنفسهم بما اتصفوا به من الكفر والضلال ولم يسند له تعالى ولم يعبر عنه بالمضارع أيضاً، وفي ذلك تصريح بالوعد وتعريض بالوعيد حيث قيل : ﴿ الخاسرون ﴾ ولم يقل الهالكون أو المعذبون أو نحوه وهو قضية الكرم.
وعطف الجملة الاسمية على الفعلية مما لا شبهة في جوازه عند النحويين، ومما ذكرنا يعلم رد قول الإمام الرازي :إن هذا الوجه ضعيف من وجهين :الأول :وقوع الفصل الكثير بين المعطوف والمعطوف عليه. الثاني :وقوع الاختلاف بينهما في الفعلية والاسمية وهو لا يجوز، والإمام أبو حيان منع كون الفاصل كثيراً.
وقال في الوجه الثاني :إنه كلام من لم يتأمل كلام العرب ولا نظر في أبواب الاشتغال. نعم قال في «الكشف » يؤيد الاتصال بما يليه دون قوله تعالى : ﴿ وَيُنَجّى ﴾ أن قوله سبحانه : ﴿ وَيُنَجّى الله ﴾ متصل بقوله تعالى : ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ ﴾ [ الزمر :٦٠ ] فلو قيل بعده : ﴿ والذين كَفَرُواْ بئايات الله أُوْلَئِكَ هُمُ الخاسرون ﴾ [ الزمر :٣٦ ] لم يحسن لأن الأحسن على هذا المساق أن يقدم على قوله تعالى : ﴿ وَيُنَجّى الله ﴾ على ما لا يخفى ولأنه كالتخلص إلى ما بعده من حديث الأمر بالعبادة والإخلاص إذ ذاك، وهو كلام حسن، ثم الحصر الذي يقتضيه تعريف الطرفين وضمير الفصل باعتبار الكمال كما أشرنا إليه لا باعتبار مطلق الخسران فإنه لا يختص بهم ؛ وجوز أن يكون قصر قلب فإنهم يزعمون المؤمنين خاسرين.
﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون ﴾ أي أبعد الآيات المقتضية لعبادته تعالى وحده غير الله أعبد، فغير مفعول مقدم لأعبد و ﴿ تَأْمُرُونّى ﴾ اعتراض للدلالة على أنهم أمروه به عقيب ذلك وقالوا له صلى الله عليه وسلم :استلم بعض آلهتنا ونؤمن بإلهك لفرط غباوتهم ولذا نودوا بعنوان الجهل، وجوز أن يكون ﴿ أَعْبُدُ ﴾ في موضع المفعول لتأمروني على أن الأصل تأمروني أن أعبد فحذفت أن وارتفع الفعل كما قيل في قوله
:ألا أيهذا الزاجري احضر الوغي *** ويؤيد قراءة من قرأ ﴿ أَعْبُدُ ﴾ بالنصب، و ﴿ غَيْرِ ﴾ منصوب بما دل عليه ﴿ تَأْمُرُونّى أَعْبُدُ ﴾ أي تعبدونني غير الله أي أتصيرونني عابداً غيره تعالى، ولا يصح نصبه باعبد لأن الصلة لا تعمل فيما قبلها والمقدر كالموجود، وقال بعضهم :هو منصوب به وأن بعد الحذف يبطل حكمها المانع عن العمل، وقرأ ابن كثير ﴿ تَأْمُرُونّى ﴾ بالإدغام وفتح الياء.
وقرأ ابن عامر ﴿ تأمرونني ﴾ بإظهار النونين على الأصل، ونافع ﴿ تَأْمُرُونّى ﴾ بنون واحدة مكسورة وفتح الياء، وفي تعيين المحذوف من النونين خلاف فقيل :الثانية لأنها التي حصل بها التكرار، وقيل :الأولى لأنها حرف إعراب عرضة للتغيير.
﴿ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ ﴾ أي من الرسل عليهم السلام ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ ﴾ أي بالله تعالى شيئاً ما ﴿ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين ﴾ الظاهر أن جملة ﴿ لَئِنْ ﴾ الخ نائب فاعل ﴿ أوحى ﴾ لكن قيل في الكلام حذف والأصل أوحى إليك لئن أشرت ليحبطن عملك الخ، وإلى الذين من قبلك مثل ذلك، وقيل :لا حذف، وإفراد الخطاب باعتبار كل واحد منه صلى الله عليه وسلم والمرسلين الموحي إليهم فإنه أوحى لكل ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ ﴾ الخ بالإفراد، وذهب البصريون إلى أن الجمل لا تكون فاعلة فلا تقوم مقام الفاعل، ففي «البحر » أن ﴿ إِلَيْكَ ﴾ حينئذ نائب الفاعل، والمعنى كما قال مقاتل أوحى إليك وإلى الذين من قبلك بالتوحيد، وقوله تعالى : ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ ﴾ الخ استئناف خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وهو كما ترى، وأياً ما كان فهو كلام على سبيل الفرض لتهييج المخاطب المعصوم وإقناط الكفرة والإيذان بغاية شناعة الإشراك وقبحه وكونه بحيث ينهى عنه من لا يكاد يباشره فكيف بمن عداه، فالاستدلال بالآية على جواز صدور الكبائر من الأنبياء عليهم السلام كما في «المواقف » ليس بشيء، فاحتمال الوقوع فرضاً كاف في الشرطية لكن ينبغي أن يعلم أن استحالة الوقوع شرعية، ولاما ﴿ لَقَدِ. وَلَئِنِ ﴾ موطئتان للقسم واللامان بعد للجواب، وفي عدم تقييد الإحباط بالاستمرار على الإشراك إلى الموت دليل للحنفية الذاهبين إلى أن الردة تحبط الأعمال التي قبلها مطلقاً. نعم قالوا :لا يقضي منها بعد الرجوع إلى الإسلام إلا الحج، ومذهب الشافعي أن الردة لا تحبط العمل السابق عليها ما لم يستمر المرتد على الكفر إلى الموت، وترك التقييد هنا اعتماداً على التصريح به في قوله تعالى : ﴿ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم فِي الدنيا والآخرة وَأُوْلئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا ﴾ [ البقرة :٢١٧ ] ويكون ذلك من حمل المطلق على المقيد.
وأجاب بعض الحنفية بأن في الآية المذكورة توزيعاً ﴿ فَأُوْلئِكَ حَبِطَتْ أعمالهم ﴾ ناظر إلى الارتداد عن الدين ﴿ وَأُوْلئِكَ أصحاب النار ﴾ الخ ناظر إلى الموت على الكفر فلا مقيد ليحمل المطلق عليه، ومن هذا الخلاف نشأ الخلاف في الصحابي إذا ارتد ثم عاد إلى الإسلام بعد وفاته صلى الله عليه وسلم أو قبلها ولم يره هل يقال له :صحابي أم لا، فمن ذهب إلى الإطلاق قال لا ومن ذهب إلى التقييد قال :نعم، وقيل :يجوز أن يكون الإحباط مطلقاً من خصائص النبي عليه الصلاة والسلام إذ شركه وحاشاه أقبح، وفيه ضعف لأن الغرض تحذير أمته وتصوير فظاعة الكفر فتقدير أمر يختص به لا يتعدى من النبي إلى الأمة لا اتجاه له مع أنه لا مستند له من نقل أو عقل، والمراد بالخسران على مذهب الحنفية ما لزم من حبط العمل فكان الظاهر فتكون إلا أنه عدل إلى ما في النظم الجليل للاشعار بأن كلا من الاحباط والخسران يستقل في الزجر عن الاشراك، وقيل :الخلود في النار فيلزم التقييد بالموت كما هو عند الشافعي عليه الرحمة.
وقرئ ﴿ لَيَحْبَطَنَّ ﴾ من أحبط ﴿ عَمَلُكَ ﴾ بالنصب أي ليحبطن الله تعالى أو الإشراك عملك، وقرئ بالنون ونصب ﴿ عَمَلُكَ ﴾ أيضاً.
﴿ بَلِ الله فاعبد ﴾ رد لما أمروه به من استلام بعض آلهتهم، والفاء جزائية في جواب شرط مقدر كأنه قيل :إن كنت عابداً أو عاقلاً فاعبد الله فحذف الشرط وجعل تقديم المفعول عوضاً عنه، وإلى هذا ذهب الزمخشري وسلفه في كونها جزائية الزجاج، وأنكر أبو حيان كون التقديم عوضاً عن الشرط، ومذهب الفراء. والكسائي أن الفاء زائدة بين المؤكد والمؤكد والاسم الجليل منصوب بفعل محذوف والتقدير الله اعبد فاعبده وقدر مؤخراً ليفيد الحصر.
وفي الانتصاف مقتضى كلام سيبويه أن الأصل تنبه فاعبد الله فحذفوا الفعل الأول اختصاراً واستنكروا الابتداء بالفاء ومن شأنها التوسط بين المعطوف والمعطوف عليه فقدموا المفعول فصارت الفاء متوسطة لفظاً ودالة على المحذوف وانضاف إليها فائدة الحصر لإشعار التقديم بالاختصاص، واعتبار الاختصاص قيل :مما لا بد منه لأنه لم يكن الكلام رداً عليهم فيما أمروه به لولاه فإنهم لم يطلبوا منه عليه الصلاة والسلام ترك عبادة الله سبحانه بل استلام آلهتهم والشرك به عز وجل اللهم إلا أن يقال :عبادة الله سبحانه مع الشرك كلا عبادة، والله جل وعلا أغنى الشركاء فمن أشرك في عمله أحداً معه عز وجل فعمله لمن أشرك كما يدل عليه كثير من الأخبار، وقرأ عيسى ﴿ بَلِ الله ﴾ بالرفع ﴿ وَكُنْ مّنَ الشاكرين ﴾ انعامه تعالى عليك الذي يضيق عنه نطاق الحصر، وفيه إشارة إلى موجب الاختصاص.
﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ أي ما عظموه جل جلاله حق عظمته إذ عبدوا غيره تعالى وطلبوا من نبيه صلى الله عليه وسلم عبارة غيره سبحانه قاله الحسن. والسدي، وقال المبرد :أصله من قولهم :فلان عظيم القدر يريدون بذلك جلالته، وأصل القدر اختصاص الشيء بعظم أو صغر أو مساواة، وقال الراغب :أي ما عرفوا كنهه عز وجل. وتعقب بأن معرفة كنهه تعالى أي حقيقته سبحانه لا يخص هؤلاء لتعذر الوقوف على الحقيقة، ومن هنا
:
العجز عن درك الإدراك إدراك والبحث عن كنه ذات الله إشراك
ولا يخفى أن المسألة خلافية، وما ذكر على تقدير التسليم يمكن دفعه بالعناية. نعم أولى منه ما قيل :أي ما عرفوه كما يليق به سبحانه حيث جعلوا له سبحانه شريكاً، وظاهر كلام بعضهم أن الكلام على تقدير مضاف أي ما قدروا في أنفسهم وما تصوروا عظمة الله حق التصوف فلم يعظموه كما هو حقه عز وجل حيث وصفوه بما لا يليق بشؤنه الجليلة من الشركة ونحوها، وأياً ما كان فهو متعلق بما قبله من حيث أن فيه تجهيلهم في الإشراك ودعائهم رسوله صلى الله عليه وسلم إليه، وقيل :المعنى ما وصفوا الله تعالى حق صفته إذ جحدوا البعث ووصفوه سبحانه بأنه خالق الخلق عبثاً وأنه سبحانه عاجز عن الإعادة والبعث وهو خلاف الظاهر، وعليه يكون للتمهيد لأمر النفخ في الصور، وضمير الجمع على جميع ما ذكر لكفار قريش كما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقيل :الضمير لليهود تكلموا في صفات الله تعالى وجلاله فالحدوا وجسموا وجاءوا بكل تخليط فنزلت.
وقرأ الأعمش حق ﴿ قَدْرِهِ ﴾ بفتح الدال، وقرأ الحسن. وعيسى. وأبو نوفل. وأبو حيوة ﴿ وَمَا قَدَرُواْ ﴾ بتشديد الدال ﴿ حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ بفتح الدال ﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ الجملة في موضع الحال من الاسم الجليل و ﴿ جَمِيعاً ﴾ حال من المبتدأ عند من يجوزه أو من يقدر كأثبتها جميعاً كما قيل، وهو جار مجرى الحال المؤكدة في أن العامل منتزع من مضمون الجملة، وفي «التقريب » هو حال من الضمير في ﴿ قَبْضَتُهُ ﴾ لأنه بمعنى مقبوضة وكان الظاهر أن يؤخر عنه وإنما قدم عليه ليعلم أول الأمر أن الخبر الذي يرد لا يقع عن أرض واحدة أو بعض دون بعض ولكن عن الأرضين كلها أو عن جميع أبعاضها. وجاز هذا التقديم لأن المصدر لم يعمل من حيث كونه مصدراً بل لكونه بمعنى اسم المفعول، وقال الحوفي :العامل في الحال ما دل عليه قبضته لا هي، وهو كما ترى، و ﴿ يَوْمُ القيامة ﴾ معمول ﴿ قَبْضَتُهُ ﴾ وهي في الأصل المرة الواحدة من القبض وتطلق على المقدار المقبوض كالقبضة بضم القاف وجعلت صفة مشبهة حينئذ، وجوز كل من إرادة المقبوضة والمعنى المصدري هنا، والكلام على الثاني على تقدير مضاف أي ذوات قبضته أي يقبضهن سبحانه قبضة واحدة، وقرأ الحسن ﴿ قَبْضَتُهُ ﴾ بالنصب على أنه ظرف مختص مشبه بالمبهم ولذا لم يصرح بفي معه وهو مذهب الكوفيين، والبصريون يقولون :إن النصب في مثل ذلك خطأ غير جائز وأنه لا بد من التصريح بفي.
وقرأ عيسى. والجحدري ﴿ مطويات ﴾ بالنصب على أن ﴿ السموات ﴾ عطف على ﴿ الأرض ﴾ مشاركة لها في الحكم أي والسماوات قبضته، و ﴿ مطويات ﴾ حال من ﴿ السموات ﴾ عند من يجوز مجيء الحال من مثل ذلك أو من ضميرها المستتر في ﴿ قَبْضَتُهُ ﴾ على أنها بمعنى مقبوضته أو من ضميرها محذوفاً أي أثبها مطويات، و ﴿ بِيَمِينِهِ ﴾ متعلق بمطويات أو على أن ﴿ السموات ﴾ مبتدأ و ﴿ بِيَمِينِهِ ﴾ الخبر و ﴿ مطويات ﴾ حال أيضاً إما من المبتدأ أو من الضمير المحذوف أو من الضمير المستتر في الخبر بناء على مذهب الأخفش من جواز تقديم الحال في مثل ذلك.
والكلام عند كثير من الخلف تمثيل لحال عظمته تعالى ونفاذ قدرته عز وجل وحقارة الأفعال العظام التي تتحير فيها الأوهام بالإضافة إليها بحال من يكون له قبضة فيها الأرض جميعاً ويمين بها يطوي السماوات أو بحال من يكون له قبضة فيها الأرض والسماوات ويمين بها يطوي السماوات من غير ذهاب بالقبضة ولا باليمين إلى جهة حقيقة أو مجاز بالنسبة إلى المجرى عليه وهو الله عز شأنه، وقال بعضهم :المراد التنبيه على مزيد جلالته عز وجل وعظمته سبحانه بإفادة أن الأرض جميعاً تحت ملكه تعالى يوم القيامة فلا يتصرف فيها غيره تعالى شأنه بالكلية كما قال سبحانه : ﴿ الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ ﴾ [ الحج :٥٦ ] والسماوات مطويات طي السجل للكتب بقدرته التي لا يتعاصاها شيء.
وفيه رمز إلى أن ما يشركونه معه عز وجل أرضياً كان أم سماوياً مقهور تحت سلطانه جل شأنه وعز سلطانه فالقبضة مجاز عن الملك أو التصرف كما يقال :بلد كذا في قبضة فلان، واليمين مجاز عن القدرة التامة، وقيل :القبضة مجاز عما ذكر ونحوه والمراد باليمين القسم أي والسماوات مفنيات بسبب قسمه تعالى لأنه عز وجل أقسم أن يفنيها، وهو ما يهزأ منه لا مما يهتز استحساناً له، والسلف يقولون أيضاً :إن الكلام تنبيه على مزيد جلالته تعالى وعظمته سبحانه ورمز إلى أن آلهتهم أرضية أم سماوية مقهورة تحت سلطانه عز وجل إلا أنهم لا يقولون :إن القبضة مجاز عن الملك أو التصرف ولا اليمين مجاز عن القدرة بل ينزهون الله تعالى عن الأعضاء والجوارح ويؤمنون بما نسبه إلى ذاته بالمعنى الذي أراده سبحانه وكذا يفعلون في الأخبار الواردة في هذا المقام.
فقد أخرج البخاري. ومسلم. والترمذي. والنسائي. وغيرهم عن ابن مسعود قال :جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد إنا نجد الله يحمل السماوات يوم القيامة على أصبع والأرضين على أصبع والشجر على أصبع والماء والثرى على أصبع وسائر الخلق على أصبع فيقول :أنا الملك فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه تصديقاً لقول الحبر ثم قرأ رسول الله عليه الصلاة والسلام ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ الآية، والمتأولون يتأولون الأصابع على الاقتدار وعدم الكلفة كما في قول القائل :أقتل زيداً بأصبعي، ويبعد ذلك ظاهر ما أخرجه الإمام أحمد. والترمذي وصححه. والبيهقي. وغيرهم عن ابن عباس قال :مر يهودي على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس قال :كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السماوات على ذه وأشار بالسبابة والأرضين على ذه والجبال على ذه وسائر الخلق على ذه ؟ كل ذلك يشير بأصابعه فأنزل الله تعالى ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ وجعل بعض المتأولين الإشارة إعانة على التمثيل والتخييل. وزعم بعضهم أن الآية نزلت رداً لليهودي حيث شبه وذهب إلى التجسيم وإن ضحكه عليه الصلاة واللام المحكي في الخبر السابق كان للرد أيضاً وأن ﴿ إِنَّ لَهُ ﴾ في الخبر من كلام الراوي على ما فهم، ولا يخفى أن ذلك خلاف الظاهر جداً، وجعلوا أيضاً من باب الإعانة على التمثيل وتخييل العظمة فعله عليه الصلاة والسلام حين قرأ هذه الآية، فقد أخرج الشيخان. والنسائي. وابن ماجه. وجماعة عن ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية ذات يوم المنبر ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مطويات بِيَمِينِهِ ﴾ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هكذا بيده ويحركها يقبل بها ويدبر يمجد الرب نفسه أنا الجبار أنا المتكبر أنا الملك أنا العزيز أنا الكريم فرجف برسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر حتى قلنا ليخرجن به » وفي «صحيح مسلم » عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى ابن عمر كيف يحكي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يأخذ الله تعالى سماواته وأرضيه بيديه ويقول :أنا الله ويقبض أصابعه ويبسطها أنا الملك. " وفي «شرح الصحيح » للإمام النووي نقلاً عن المازري أن قبض النبي صلى الله عليه وسلم أصابعه وبسطها تمثيل لقبض هذه المخلوقات وجمعها بعد بسطها وحكاية للمبسوط المقبوض وهو السماوات والأرضون لا إشارة إلى القبض والبسط الذي هو صفة للقابض والباسط سبحانه وتعالى ولا تمثيل لصفة الله تعالى السمعية المسماة باليد التي ليست بجارحة انتهى، ثم إن ظاهر بعض الأخبار يقتضي أن قبض الأرض بعد طي السماوات وأنه بيد أخرى.
أخرج مسلم عن ابن عمر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :يطوي الله تعالى السماوات يوم القيامة ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول :أنا الملك أين الجبارون أين المتكبرون ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول :أين الجبارون أين المتكبرون ؟، وفي الشرح نقلاً عن المازري أيضاً أن إطلاق اليدين لله تعالى متأول على القدرة، وكنى عن ذلك باليدين لأن أفعالنا تقع باليدين فخوطبنا بما نفهمه ليكون أوضح وأوكد في النفوس، وذكر اليمين والشمال حتى يتم التأول لأنا نتناول باليمين ما نكرمه وبالشمال ما دون ولأن اليمين في حقنا تقوى لما لا تقوى له الشمال، ومعلوم أن السماوات أعظم من الأرض فأضافها إلى اليمين وأضاف الأرضين إلى الشمال ليظهر التقريب في الاستعارة وإن كان الله سبحانه وتعالى لا يوصف بأن شيئاً أخف عليه من شيء ولا أثقل من شيء انتهى. والصوفية يقولون بالتجلي الصوري مع بقاء الإطلاق والتنزيه المدلول عليه بليس كمثله شيء، والأمر عليه سهل جداً. ثم إن التصرف في الأرض والسماوات يكون والناس على الصراط كما جاء في خبر رواه مسلم عن عائشة مرفوعاً، وروى أيضاً عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «تكون الأرض يوم القيامة خبزة واحدة يكفؤها الجبار بيده كما يكفأ أحدكم خبزته في السفر نزلاً لأهل الجنة » والكلام في هذا الخبر كالكلام في نظائره، وإياك من التشبيه والتجسيم، وكذا من نسبة ذلك إلى السلف ولا تك كالمعتزلة في التحامل عليهم والوقيعة فيهم، ويكفي دليلاً على جهل المعتزلة بربهم زعمهم أنه عز وجل فوض العباد فهم يفعلون ما لا يشاء ويشاء ما لا يفعلون ﴿ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ أي أبعد من هذه قدرته وعظمته عن إشراكهم أو عما يشركونه من الشركاء فسبحان للتعجب وتتعلق به ﴿ عَنْ ﴾ بالتأويل بما ذكر و ﴿ مَا ﴾ تحتمل المصدرية والموصولية.
﴿ وَنُفِخَ فِى الصور ﴾ المشهور أن النافخ فيه ملك واحد وأنه إسرافيل عليه السلام بل حكى القرطبي الإجماع عليه. وفي حديث أخرجه ابن ماجه. والبزار. وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري مرفوعاً أن النافخ اثنان، ويدل عليه أيضاً أخبار أخر، منها ما أخرجه أحمد. والحاكم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" النافخان في السماء الثانية رأس أحدهما بالمشرق ورجلاه بالمغرب ينتظران متى يؤمران أن ينفخا في الصور فينفخا " وفي بعض الآثار ما يدل على أنه واحد وأنه شاخص ببصره إلى إسرافيل عليه السلام ما طرف منذ خلقه الله تعالى ينتظر متى يشير إليه فينفخ في الصور. والصور قرن عظيم فيه ثقب بعدد كل روح مخلوقة ونفس منفوسة. وأخرج أبو الشيخ عن وهب أنه من لؤلؤة بيضاء في صفاء الزجاجة به ثقب دقيقة بعدد الأرواح وفي وسطه كوة كاستدارة السماء والأرض ونحن نؤمن به ونفوض كيفيته إلى علام الغيوب جل شأنه. وأنكر بعضهم ذلك وقال :هو جمع صورة كما في قراءة قتادة. وزيد بن علي ﴿ فِى الصور ﴾ بفتح الواو وقد مر الكلام في ذلك، والتعبير بالماضي لتحقق الوقوع، وبني الفعل للمفعول لعدم تعلق الغرض بالفاعل بل الغرض إفادة هذا الفعل من أي فاعل كان فكأنه قيل. ووقع النفخ في الصور ﴿ فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض ﴾ أي ماتوا بسبب ذلك، ويحتمل أنهم يغشى عليهم أولاً ثم يموتون، ففي الأساس صعق الرجل إذا غشي عليه من هدة أو صوت شديد يسمعه وصعق إذا مات. وفي «صحيح مسلم » من حديث طويل فيه ذكر الدجال " ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أُصغي ليتا ورفع ليتا فأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله فيصعق ويصعق الناس " وقرئ ﴿ فَصَعِقَ ﴾ بضم الصاد ﴿ إِلاَّ مَن شَاء الله ﴾ قال السدي :جبريل. وإسرافيل. وميكائيل. وملك الموت عليهم السلام، وقيل :هم وحملة العرش فإنهم يموتون بعد، وفي ترتيب موتهم اضطراب مذكور في «الدر المنثور »، وقيل :رضوان والحور ومالك والزبانية وروى ذلك عن الضحاك، وقيل :من مات قبل ذلك أي يموت من في السماوات والأرض إلا من سبق موته لأنهم كانوا قد ماتوا ؛ قال في البحر :وهذا نظير ﴿ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى ﴾ [ الدخان :٥٦ ] ومن الغريب ما حكى فيه أن المستثنى هو الله عز وجل، ولا يخفى عليك حاله متصلاً كان الاستثناء أم منقطعاً، وقيل :هو موسى عليه السلام وسيأتي الكلام إن شاء الله تعالى في تحقيق ذلك، وقيل غير ذلك.
ويراد بالسماوات على أكثر الأقوال جهة العلو وإلا لم يتصل الاستثناء فإن حملة العرش مثلاً ليسوا في السماوات بالمعنى المعروف، وقيل :إنه لم يرد في التعيين خبر صحيح ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ ﴾ أي في الصور وهو ظاهر في أنه ليس بجمع وإلا لقيل فيها ﴿ أخرى ﴾ أي نفخة أخرى، وهو يدل على أن المراد بالأول ونفخ في الصور نفخة واحدة كما صرح به في مواضع لأن العطف يقتضي المغايرة فلو أريد المطلق الشامل للأخرى لم يكن لذكرها ههنا وجه، و ﴿ أخرى ﴾ تحتمل النصب على أنها صفة مصدر مقدر أي نفخة أخرى، والرفع على أنها صفة لنائب الفاعل، وعلى الأول كان النائب عنه الظرف.
وصح في «صحيحي البخاري ». ومسلم أن الله تعالى ينزل بين النفختين ماء من السماء جاء في بعض الروايات أنه كالطل بالمهملة وفي بعضها كمني الرجال فتنبت منه أجساد الناس وإن بين النفختين أربعين وهذا عن أبي هريرة مرفوعاً ولم يبين فيه ما هذه الأربعون.
وفي حديث أخرجه أبو داود أنها أربعون عاماً، وأخرج عبد بن حميد عن عبد الله بن العاص قال :ينفخ في الصور النفخة الأولى من باب إيلياء الشرقي أو قال الغربي والنفخة الثانية من باب آخر ﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ ﴾ قائمون من قبورهم ﴿ يُنظَرُونَ ﴾ أي نتظرون ما يؤمرون أو ينتظرون ماذا يفعل بهم، وقيل :يقلبون أبصارهم في الجهات نظر المبهوت إذا فاجأه خطب عظيم. وتعقب بأن قولهم عند قيامهم ﴿ مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا ﴾ [ يس :٥٢ ] يأباه ظاهراً نوع إباء.
وجوز أن يكون قيام من القيام مقابل الحركة أي فإذا هم متوقفون جامدون في أمكنتهم لتحيرهم. واعترض بأن قوله تعالى : ﴿ وَنُفِخَ فِى الصور فَإِذَا هُم مّنَ الاجداث إلى رَبّهِمْ يَنسِلُونَ ﴾ [ يس :٥١ ] ظاهر في خلافه لأن النسل الاسراع في المشي، وكذا قوله تعالى : ﴿ يَخْرُجُونَ مِنَ الاجداث سِرَاعاً كَأَنَّهُمْ إلى نُصُبٍ يُوفِضُونَ ﴾ [ المعارج :٤٣ ] وقرأ زيد بن علي ﴿ قِيَاماً ﴾ بالنصب على أن جملة ﴿ يُنظَرُونَ ﴾ خبرهم ﴿ وقياما ﴾ حال من ضمير ﴿ يُنظَرُونَ ﴾ للفاصلة، أو من المبتدأ عند من يجوز ذلك. وفي «البحر » النصب على الحال وخبر المبتدأ الظرف الذي هو ﴿ إِذَا ﴾ الفجائية وهي حال لا بد منها إذ هي محط الفائدة إلا أن يقدر الخبر محذوفاً أي فإذا هم مبعوثون أو موجودون قياماً، وإذا نصب ﴿ قِيَاماً ﴾ على الحال فالعامل فيها ذلك الخبر المحذوف إن قلنا به وإلا فالعامل هو العامل في الظرف فإن كان ﴿ إِذَا ﴾ ظرف مكان على ما يقتضيه ظاهر كلام سيبويه فتقديه فبالحضرة هم قياماً، وإن كان ظرف زمان كما ذهب إليه الرياشي فتقديره ففي ذلك الزمان الذي نفخ فيه هم أي وجودهم، واحتيج إلى تقدير هذا المضاف لأن ظرف الزمان لا يكون خبراً عن الجثة، وإن كانت ﴿ إِذَا ﴾ حرفاً كما زعم الكوفيون فلا بد من تقدير الخبر إلا إن اعتقدنا أن ﴿ يُنظَرُونَ ﴾ هو الخبر ويكون عاملاً في الحال انتهى.
ولعمري أن مذهب الكوفيين أقل تكلفاً، هذا وههنا إشكال بناء على أنهم فسروا نفخة الصعق بالنفخة الأولى التي يموت بها من بقي على وجه الأرض. فإنه قد أخرج البخاري. ومسلم. والترمذي. وابن ماجه. والإمام أحمد. وغيرهم عن أبي هريرة قال : «قال رجل من اليهود بسوق المدينة :والذي اصطفى موسى على البشر فرفع رجل من الأنصار يده فلطمه قال :أتقول هذا وفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فذكرت ذلك لرسول الله عليه الصلاة والسلام فقال :قال الله تعالى : ﴿ وَنُفِخَ فِى الصور فَصَعِقَ مَن فِى السموات وَمَن فِى الأرض إِلاَّ مَن شَاء الله ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ [ الزمر :٦٨ ] فأكون أول من يرفع رأسه فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أرفع رأسه قبلي أو كان ممن استثنى الله تعالى » وهو يأبى تفسير النفخة بذلك ضرورة أن موسى عليه السلام قد مات قبل تلك النفخة بألوف سنين، واحتمال أنه عليه السلام لم يمت كما قيل في الخضر وإلياس مما لا ينبغي أن يتفوه به حي، ويدل كما قال بعض الأجلة :على أنها نفخة البعث.
وقال القاضي عياض :يحتمل أن تكون هذه صعقة فزع بعد النشر حين تنشق السماوات فتتوافق الآيات والأحاديث وتكون النفخات ثلاثاً وهو اختيار ابن العربي. ورده القرطبي بأن أخذ موسى عليه السلام بقائمة العرش إنما هو عند نفخة البعث وادعى أن الصحيح أن ليس إلا نفختان لا ثلاث ولا أربع كما قيل.
ثم قال :والذي يزيح الإشكال ما قال بعض مشايخنا :إن الموت ليس بعدم محض بالنسبة للأنبياء عليهم السلام والشهداء فإنهم موجودون أحياء وإن لم نرهم فإذا نفخت نفخة الصعق صعق كل من في السماء والأرض وصعقة غير الأنبياء موت وصعقتهم غشي فإذا كانت نفخة البعث عاش من مات وأفاق من غشي عليه، ولذا وقع في «الصحيحين » فأكون أول من يفيق انتهى، ولا يخفى أنه يحتاج إلى القول بجواز استعمال المشترك في معنييه معاً أو إلى ارتكاب عموم المجاز أو التزام إرادة غشي عليهم وأن موت من يموت بعض الغشي مفاد من أمر آخر فتدبر.
﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض ﴾ أي أرض المحشر وهي الأرض المبدلة من الأرض المعروفة. وفي «الصحيح » يحشر الناس على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد وهي أوسع بكثير من الأرض المعروفة. وفي بعض الروايات أنها يومئذ من فضة ولا يصح أي أضاءت ﴿ بِنُورِ رَبّهَا ﴾ هو على ما روي عن ابن عباس نور يخلقه الله تعالى بلا واسطة أجسام مضيئة كشمس وقمر، واختاره الإمام وجعل الإضافة من باب ﴿ نَاقَةُ الله ﴾ [ الأعراف :٧٣ ] وعن محيي السنة تفسير بتجلي الرب لفصل القضاء، وعن الحسن. والسدي تفسيره بالعدل وهو من باب الاستعارة وقد استعير لذلك وللقرآن والبرهان في مواضع من التنزيل أي وأشرقت الأرض بما يقيمه فيها من الحق والعدل ويبسط سبحانه من القسط في الحساب ووزن الحسنات والسيئات، واختار هذا الزمخشري وصحح أولاً تلك الاستعارة بتكررها في القرآن العظيم، وحققها ثانياً بقوله :وينادي على ذلك إضافته إلى اسمه تعالى لأنه عز وجل هو الحق العدل إشارة إلى الصارف إلى التأويل، وعينها ثالثها بإضافة اسمه تعالى الرب إلى الأرض لأن العدل هو الذي يتزين به الأرض لا البرهان مثلاً، ورابعاً بما عطف على إشراق الأرض من وضع الكتاب والمجيء بالنبيين والشهداء والقضاء بالحق لأنه كله تفصيل العدل بالحقيقة، وأيدها خامساً بالعرف العام فإن الناس يقولون للملك العادل :أشرقت الآفاق بعدلك وأضاءت الدنيا بقسطك، وسادساً بقوله صلى الله عليه وسلم :" الظلم ظلمات يوم القيامة " فإنه يقتضي أن يكون العدل نوراً فيه، وسابعاً بأن فتح الآية وختمها بنفي الظلم يدل عليه ليكون من باب رد العجز على الصدر على طريقة الطرف والعكس. ورجح ما اختار الإمام بأن الأصل الحقيقة ولا صارف لأن الإضافة تصح بأدنى ملابسة، وأيد ما حكى عن محيى السنة ببعض الأحاديث.
وتعقب ذلك صاحب الكشف فقال :إن إضافة الملابسة مجاز والترجيح لما اختاره جار الله لما ذكر من الفوائد ولأنه الشائع في استعمال القرآن، ألا ترى إلى قوله تعالى : ﴿ الله نُورُ السموات والأرض ﴾ [ النور :٣٥ ] وأما تجلي الرب سبحانه فسواء حمل على تجلي الجلال أو تجلي الجمال لا يقتضي إشراق الأرض بنور إلا بأحد المعنيين أعني العدل أو عرضاً يخلقه الله تعالى عند التجلي في الأرض فلو توهم من تجليه تعالى أنه ينعكس نور منه على الأرض لاستحال إلا بالتفسير المذكور فليس قولاً ثالثاً لينصر ويؤيد بالحديث الذي لا يدل على أنه تفسير الآية المشتمل على حديث الرؤية وإلقاء ستره تعالى على العبد يذكر ما فعل به وما جنى انتهى، ولعل الأوفق بما يشعر به كثير من الأخبار أن قوله سبحانه : ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبّهَا ﴾ إشارة إلى تجليه عز وجل لفصل القضاء وقد يعبر عنه بالاتيان، وقد صرح به في قوله تعالى :
﴿ يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مّنَ الغمام والملائكة ﴾ [ البقرة :٢١٠ ] ولم يتأول ذلك السلف بل أثبتوه له سبحانه كالنزول على الوجه الذي أثبته عز وجل لنفسه.
ولا يبعد أن يكون هذا النور هو النور الوارد في الحديث الصحيح ﴿ إِنَّ الله لاَ ينام ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل حجابه النور ﴾ ويقال فيه كالحجاب نحو ما قال السلف في سائر المتشابهات أو هو نو آخر يظهر عند ذلك التجلي، ولا أقول :هو نور منعكس من الذات المقدس انعكاس نور الشمس مثلاً من الشمس بل الأمر فوق ما تنتهي إليه العقول، وأني وهيهات وكيف ومتى يتصور إلى حقيقة ذلك الوصول، ويومئ إلى أن ذلك التجلي مقرون بالعدل التعبير بعنوان الربوبية مضافاً إلى ضمير الأرض والله تعالى أعلم بمراده. وقرأ ابن عباس. وعبيد بن عمير. وأبو الجوزاء ﴿ *أشرقت ﴾ بالبناء للمفعول، قال الزمخشري :من شرقت بالضوء تشرق إذا امتلأت به واغتصت وأشرقها الله تعالى كما تقول :ملأ الأرض عدلاً وطبقها عدلاً، وقال ابن عطية :هذا إنما يترتب من فعل يتعدى فهذا على أن يقال :أشرق البيت وأشرقه السراج فيكون الفعل مجاوزاً وغير مجاوز، وقال صاحب اللوامح وجب أن يكون الإشراق على هذه القراءة منقولاً من شرق الشمس إذا طلعت فيصير متعدياً والمعنى أذهبت ظلمة الأرض، ولا يجوز أن يكون من أشرقت إذا أضاءت فإن ذلك لازم وهذا قد يتعدى إلى المفعول ﴿ وَوُضِعَ الكتاب ﴾ قال السدي الحساب، فالكتاب مجاز عن الحساب ووضعه ترشيح له، والمراد به الشروع فيه ويجوز جعل الكلام تمثيلاً.
وقال بعضهم :صحائف الأعمال وضعت بأيدي العمال فالتعريف للجنس أو الاستغراق، وقيل :اللوح المحفوظ وضع ليقابل به الصحائف فالتعريف للعهد، وروي هذا القول عن ابن عباس، واستبعده أبو حيان وقال :لعله لا يصح عن ابن عباس ﴿ وَجيء بالنبيين ﴾ قيل ليسئلوا هل بلغوا أممهم ؟ وقيل :ليحضروا حسابهم ﴿ والشهداء ﴾ قال عطاء. ومقاتل. وابن زيد :الحفظة، وكأنهم أرادوا أنهم يشهدون على كل من الأمم أنهم بلغوا أو يشهدون على كل بعمله كما قال سبحانه : ﴿ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ ﴾ [ ق :٢١ ] وفي بعض الآثار أنه يؤتى باللوح المحفوظ وهو يرتعد فيقال له :هل بلغت إسرافيل ؟ فيقول :نعم يا رب بلغته فيؤتى بإسرافيل وهو يرتعد فيقال له :هل بلغك اللوح ؟ فيقول :نعم يا رب فعند ذلك يسكن روع اللوح ثم يقال لإسرافيل فأنت هل بلغت جبرائيل ؟ فيقول :نعم يا رب فيؤتى بجبرائيل وهو يرتعد فيقال له :هل بلغك إسرافيل ؟ فيقول :نعم يا رب فعند ذلك يسكن روع إسرافيل ثم يقال لجبرائيل :فأنت هل بلغت ؟ فيقول :نعم يا رب فيؤتى بالمرسلين وهم يرتعدون فيقال لهم :هل بلغكم جبرائيل ؟ فيقولون :نعم فيسكن عند ذلك روع جبرائيل ثم يقال لهم :فأنتم هل بلغتم ؟ فيقولون :نعم فيقال للأمم :هل بلغكم الرسل ؟ فيقول كفرتهم :ما جاءنا من بشير ولا نذير فيعظم على الرسل الحال ويشتد البلبال فيقال لهم :من يشهد لكم ؟ فيقولون :النبي الأمي وأمته فيؤتى بالأمة المحمدية فيشهدون لهم أنهم بلغوا فيقال لهم :من أين علمتم ذلك ؟ فيقولون :من كتاب أنزله الله تعالى علينا ذكر سبحانه فيه أن الرسل بلغوا أممهم ويزكيهم النبي عليه الصلاة والسلام وذلك قوله تعالى : ﴿ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس وَيَكُونَ الرسول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ﴾ [ البقرة :١٤٣ ] ومن هنا قيل :المراد بالشهداء في الآية أمة نبينا صلى الله عليه وسلم، وقال الجبائي. وأبو مسلم :هم عدول الآخرة يشهدون للأمم وعليهم، وقيل :جميع الشهداء من الملائكة وأمة محمد عليه الصلاة والسلام والجوارح والمكان، وأياً ما كان فالشهداء جمع شاهد، وقال قتادة. والسدي :المراد بهم المستشهدون في سبيل الله تعالى فهو جمع شهيد وليس بذاك ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ ﴾ أي بين العباد المفهوم من السياق ﴿ بالحق ﴾ بالعدل ﴿ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ﴾ بنقص ثواب أو زيادة عقاب على ما جرى به الوعد بناءً على أن الظلم حقيقة لا يتصور في حقه تعالى فإن الأمر كله له عز وجل.
﴿ وَوُفّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ ﴾ أي أعطيت جزاء ذلك كاملاً ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ فلا يفوته سبحانه شيء من أعمالهم
[ بم وقوله تعالى :
﴿ وَسِيقَ الذين كَفَرُواْ إلى جَهَنَّمَ زُمَراً ﴾ الخ تفصيل للتوفية وبيان لكيفيتها، والفاء ليس بلازم، والسوق يقتضي الحث على المسير بعنف وإزعاج وهو الغالب ويشعر بالإهانة وهو المراد هنا أي سيقوا إليها بالعنف والإهانة أفواجاً متفرقة بعضها في أثر بعض مترتبة حسب ترتب طبقاتهم في الضلالة والشرارة، والزمر جمع زمرة قال الراغب :هي الجماعة القليلة، ومنه قيل شاة زمرة قليلة الشعر ورجل زمر قليل المروءة، ومنه اشتق الزمر، والزمارة كناية عن الفاجرة، وقال بعضهم. اشتقاق الزمرة من الزمر وهو الصوت إذ الجماعة لا تخلو عنه ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أبوابها ﴾ ليدخلوها وكانت قبل مجيئهم غير مفتوحة فهي كسائر أبواب السجون لا تزال مغلقة حتى يأتي أصحاب الجرائم الذين يسجنون فيها فتفتح ليدخلوها فإذا دخلوها أغلقت عليهم، و ﴿ حتى ﴾ هي التي تحكي بعدها الجملة، والكلام على إذا الواقعة بعدها قد مر في الانعام. وقرأ غير واحد ﴿ فُتِحَتْ ﴾ بالتشديد ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ﴾ على سبيل التقريع والتوبيخ ﴿ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مّنكُمْ ﴾ أي من جنسكم تفهمون ما ينبؤنكم به ويسهل عليكم مراجعتهم.
وقرأ ابن هرمز ﴿ تأتكم ﴾ بتاء التأنيث، وقرئ ﴿ نَّذْرٍ مّنكُمْ ﴾ ﴿ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءايات رَبّكُمْ ﴾ المنزلة لمصلحتكم ﴿ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا ﴾ أي وقتكم هذا وهو وقت دخولكم النار لأن المنذر به في الحقيقة العذاب ووقته، وجوز أن يراد به يوم القيامة والآخرة لاشتماله على هذا الوقت أو على ما يختص بهم من عذابه وأهواله، ولا ينافيه كونه في ذاته غير مختص بهم ؛ والإضافة لامية تفيد الاختصاص لأنه يكفي للاختصاص ما ذكر، نعم الأول أظهر فيه. واستدل بالآية على أنه لا تكليف قبل الشرع لأنهم وَبَّخوهم بكفرهم بعد تبليغ الرسل للشرائع وإنذارهم ولو كان قبح الكفر معلوماً بالعقل دون الشرع لقيل. ألم تعلموا بما أودع الله تعالى فيكم من العقل قبح كفركم، ولا وجه لتفسير الرسل بالعقول لإباء الأفعال المستندة إليها عن ذلك، نعم هو دليل إقناعي لأنه إنما يتم على اعتبار المفهوم وعموم الذين كفروا وكلاهما محل نزاع، وقيل في وجه الاستدلال :إن الخطاب للداخلين عموماً يقتضي أنهم جميعاً أنذرهم الرسل ولو تحقق تكليف قبل الشرع لم يكن الأمر كذلك. وتعقب بأن للخصم أن لا يسلم العموم، ولمن قال بوجوب الإيمان عقلاً أن يقول :إنما وبخوهم بالكفر بعد التبليغ لأنه أبعد عن الاعتذار وأحق بالتوبيخ والإنكار ﴿ قَالُواْ بلى ﴾ قد أتانا رسل منا تلواً علينا آيات ربنا وأنذرونا لقاء يومنا هذا ﴿ ولكن حَقَّتْ ﴾ أي وجبت ﴿ كَلِمَةُ العذاب ﴾ أي كلمة الله تعالى المقتضية له ﴿ عَلَى الكافرين ﴾ والمراد بها الحكم عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل النار لسوء اختيارهم أو قوله تعالى لإبليس : ﴿ لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [ ص :٨٥ ] ووضعوا الكافرين موضع ضميرهم للإيماء إلى علية الكفر، والكلام اعتراف لا اعتذار.
﴿ قِيلَ ادخلوا أبواب جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا ﴾ أي مقدراً خلودكم فيها، والقائل يحتمل أن يكون الخزنة وترك ذكرهم للعلم به مما قبل، ويحتمل أن يكون غيرهم ولم يذكر لأن المقصود ذكر هذا المقول المهول من غير نظر إلى قائله ؛ وقال بعض الأجلة :أبهم القائل لتهويل المقول.
﴿ فَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين ﴾ أل فيه سواء كانت حرف تعريف أم اسم موصول للجنس وفاءً بحق فاعل باب نعم وبئس والمخصوص بالذم محذوف ثقة بذكره آنفاً أي فبئس مثواهم جهنم والتعبير بالمثوى لمكان ﴿ خالدين ﴾ وفي التعبير بالمتكبرين إيماءً إلى أن دخولهم النار لتكبرهم عن قبول الحق والانقياد للرسل المنذرين عليهم الصلاة والسلام وهو في معنى التعليل بالكفر، ولا ينافي تعليل ذلك بسبق كلمة العذاب عليهم لأن حكمه تعالى وقضاءه سبحانه عليهم بدخول النار ليس إلا بسبب تكبرهم وكفرهم لسوء اختيارهم المعلوم له سبحانه في الأزل، وكذا قول عز وجل ﴿ لأملأن ﴾ [ ص :٨٥ ] فهناك سببان قريب وبعيد والتعليل بأحدهما لا ينافي التعليل بآخر فتذكر وتدبر.
﴿ وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً ﴾ جماعات مرتبة حسب ترتب طبقاتهم في الفضل، وفي «صحيح مسلم » وغيره عن أبي هريرة قال :" قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أول زمرة تدخل الجنة من أمتي على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أشد نجم في السماء إضاءة ثم هم بعد ذلك منازل " والمراد بالسوق هنا الحث على المسير للإسراع إلى الإكرام بخلافه فيما تقدم فإنه لإهانة الكفرة وتعجيلهم إلى العقاب والآلام واختير للمشاكلة، وقوله سبحانه : ﴿ إِلَى الجنة ﴾ يدفع إيهام الإهانة مع أنه قد يقال :إنهم لما أحبوا لقاء الله تعالى أحب الله تعالى لقاءهم فلذا حثوا على دخول دار كرامته جل شأنه قاله بعض الأجلة، واختار الزمخشري أن المراد هنا بسوقهم سوق مراكبهم لأنه لا يذهب بهم إلا راكبين، وهذا السوق والحث أيضاً للإسراع بهم إلى دار الكرامة.
وتعقب بأنه لا قرينة على إرادة ذلك وكون جميع المتقين لا يذهب بهم إلا راكبين يحتاج إلى دليل، والاستدلال بقوله تعالى : ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ المتقين إِلَى الرحمن وَفْداً ﴾ [ مريم :٨٥ ] لا يتم إلا على القول بأن الوفد لا يكونون إلا ركباناً وأن الركوب يستمر لهم إلى أن يدخلوا الجنة، وفي «الكشف » أنه تفسير ظاهر يؤيده الأحاديث الكثيرة ويناسب المقام لأن السوقين بعد فصل القضاء واللطف الخالص في شأن البعض والقهر الخالص في شأن البعض ولا ينافي مقام عظمة مالك الملوك على ما توهم انتهى، وأقول :إن حمل الذين اتقوا على المخلصين فالقول بركوبهم قول قوي وإن حمل على المحترز عن الشرك خاصة ليشمل المخلصين فالقول بذلك قول ضعيف إذ منهم من لا يدخل الجنة إلا بعد أن يدخل النار ويعذب فيها، وظاهر كثير من الأخبار أن من هذا الصنف من يذهب إلى الجنة مشياً.
ففي «صحيح مسلم » عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" آخر من يدخل الجنة رجل فهو يمشي مرة ويكبو أخرى وتسفعه النار مرة فإذا ما جاوزها التفت إليها فقال تبارك الذي نجاني منك لقد أعطاني الله تعالى شيئاً ما أعطاه أحداً من الأولين والآخرين فترفع له شجرة فيقول :أي رب أدنني من هذه الشجرة فلأستظل بظلها فأشرب من مائها فيقول الله تعالى :يا ابن آدم لعلي إن أعطيتكها سألتني غيرها فيقول :لا يا رب ويعاهده أن لا يسأله غيرها وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه فيدنيه " الحديث، وقال بعض العارفين :إن المتقين يساقون إلى الجنة لأنهم قد رأوا الله تعالى في المحشر فلرغبتهم في رؤيته عز وجل ثانياً لا يحبون فراق ذلك الموطن الذي رأوه فيه ولشدة حبهم وشغفهم لا يكاد يخطر لهم أنهم سيرونه سبحانه إذا دخلوا الجنة، والمحبة إذا عظمت فعلت بصاحبها أعظم من ذلك وأعظم فكأنها غلبتهم حتى خيلت إليهم أن ذلك الموطن هو الموطن الذي يرى فيه عز وجل وهو محل تجليه على محبيه جل جلاله وعظم نواله فأحجموا عن المسير ووقفوا منتظرين رؤية اللطيف الخبير وغداً لسان حال كل منهم يقول :
وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم
ويدل على رؤيتهم إياه عز وجل هناك ما في «صحيح مسلم » عن أبي هريرة قال : «إن أناساً قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم :يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :هل تضارون في القمر ليلة البدر ؟ قالوا :لا يا رسول الله قال :هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب ؟ قالوا :لا قال :فإنكم ترونه كذلك يجمع الله الناس يوم القيامة فيقول :من كان يعبد شيئاً فليتبعه فيتبع من يعبد الشمس الشمس وينبع من يعبد القمر القمر ويتبع من يعبد الطواغيت الطواغيت وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير الصورة التي يعرفون فيقول :أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا فإذا جاء ربنا عرفناه فيأتيهم الله في صورته التي يعرفون فيقول :أنا ربّكم فيقولون :أنت ربنا فيتبعونه ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم فأكون أنا وأمتي أول من يجيز ولا يتكلم يومئذٍ إلا الرسل ودعوى الرسل يومئذٍ اللهم سلم سلم » الحديث، ومع هذا فسوقهم ليس كسوق الذين كفروا كما لا يخفى.
وقبل :السائق للكفرة ملائكة الغضب والسائق للمتقين شوقهم إلى مولاهم فهو سبحانه لهم غاية الإرب، وليست الجنة عندهم هي المقصودة بالذات ولا مجرد الحلول بها أقصى اللذات وإنما هي وسيلة للقاء محبوبهم الذي هو نهاية مطلوبهم ﴿ حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها ﴾ وقرئ بالتشديد، والواو للحال والجملة حالية بتقدير قد على المشهور أي جاءوها وقد فتحت لهم أبوابها كقوله تعالى : ﴿ جنات عَدْنٍ مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الابواب ﴾ [ ص :٥٠ ] ويشعر ذلك بتقدم الفتح كأن خزنة الجنات فتحوا أبوابها ووقفوا منتظرين لهم، وهذا كما تفتح الخدم باب المنزل للمدعو للضيافة قبل قدومه وتقف منتظرة له، وفي ذلك من الاحترام والإكرام ما فيه، والظاهر أن قوله تعالى : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا ﴾ الخ عطف على ﴿ فُتِحَتْ أبوابها ﴾ وجواب ﴿ إِذَا ﴾ محذوف مقدر بعد ﴿ خالدين ﴾ للإيذان بأن لهم حينئذٍ من فنون الكرامات ما لا يحيط به نطاق العبارات كأنه قيل :إذا جاؤها مفتحة لهم أبوابها وقال لهم خزنتها ﴿ سلام عَلَيْكُمُ ﴾ أي من جميع المكاره والآلام وهو يحتمل الإخبار والإنشاء.
﴿ طِبْتُمْ ﴾ أي من دنس المعاصي، وقيل :طبتم نفساً بما أتيح لكم من النعيم المقيم، والأول مروى عن مجاهد وهو الأظهر، والجملة في موضع التعليل ﴿ فادخلوها خالدين ﴾ أي مقدرين الخلود كان ما كان مما يقصر عنه البيان أو فازوا بما لا يعد ولا يحصى من التكريم والتعظيم، وقدره المبرد سعدوا بعد ﴿ خالدين ﴾ أيضاً، ومنهم من قدره قبل ﴿ وَفُتِحَتْ ﴾ أي حتى إذا جاءوها جاؤها وقد فتحت وليس بشيء، ومنهم من قدره نحو ما قلنا قبل ﴿ وَقَالَ ﴾ وجعل جملة ﴿ قَالَ ﴾ الخ معطوفة عليه، وما تقدم أقوى معنى وأظهر.
وقال الكوفيون :واو ﴿ وَفُتِحَتْ ﴾ زائدة والجواب جملة ﴿ فُتِحَتْ ﴾ وقيل :الجواب ﴿ قَالَ لَهُمْ * خَزَنَتُهَا ﴾ والواو زائدة، والمعول عليه ما ذكرنا أولاً وبه يعلم وجه اختلاف الجملتين أعني قوله تعالى في أهل النار : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءوهَا فُتِحَتْ أبوابها ﴾ [ الزمر :٧١ ] وقوله جل شأنه في أهل الجنة : ﴿ حتى إِذَا جَاءوهَا وَفُتِحَتْ أبوابها ﴾ حيث جيء بواو في الجملة الثانية وحذف الجواب ولم يفعل كذلك في الجملة الأولى، فما قيل :إن الواو في الثانية واو الثمانية لأن المفتح ثمانية أبواب ولما كانت أبواب النار سبعة لا ثمانية لم يؤت بها وجه ضعيف لا يعول عليه.
واستدل المعتزلة بقوله : ﴿ طِبْتُمْ فادخلوها ﴾ حيث رتب فيه الأمر بالدخول على الطيب والطهارة من دنس المعاصي على أن أحداً لا يدخل الجنة إلا وهو طيب طاهر من المعاصي إما لأنه لم يفعل شيئاً منها أو لأنه تاب عما فعل توبة مقبولة في الدنيا. ورد بأنه وإن دل على أن أحداً لا يدخلها إلا وهو طيب لكن قد يحصل ذلك بالتوبة المقبولة وقد يكون بالعفو عنه أو الشفاعة له أو بعد تمحيصه بالعذاب فلا متمسك فيها للمعتزلة.
وقيل :المراد بالذين اتقوا المحترزون عن الشرك خاصة فطبتم على معنى طبتم عن دنس الشرك ولا خلاف في أن دخول الجنة مسبب عن الطيب والطهارة عنه. وتعقب بأن ذاك خلاف الظاهر لأن التقوى في العرف الغالب تقع على أخص من ذلك لاسيما في معرض الإطلاق والمدح بما عقبه من قوله تعالى : ﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين ﴾ [ الزمر :٧٤ ] فتدبر.
ومن باب الإشارة : ﴿ وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً ﴾ [ الزمر :٧٣ ] قيل المتقون قد عبدوا الله تعالى لله جل شأنه لا للجنة فتصير شدة استغراقهم في مشاهدة مطالع الجمال والجلال مانعة لهم عن الرغبة في الجنة فلا جرم يفتقرون إلى السوق، وقيل :كل خصلة ذميمة أو شريفة في الإنسان فإنها تجره من غير اختيار شاء أم أبى إلى ما يضاهي حاله فداك معنى السوق في الفريقين، وقيل :القوم أهل وفاء فهم يقولون :لا ندخل الجنة حتى يدخلها أحبابنا فلذا يساقون إليها ولكن لا كسوق الكفرة
﴿ وَقَالُواْ ﴾ عطف على ﴿ قَالَ ﴾ [ الزمر :٧٣ ] أو على الجواب المقدر بعد ﴿ خالدين ﴾ أو على مقدر غيره أي فدخلوها وقالوا : ﴿ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ بالبعث والثواب ﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض ﴾ يريدون المكان الذي استقروا فيه فإن كانت أرض الآخرة التي يمشي عليها تسمى أرضاً حقيقة فذاك وإلا فإطلاقهم الأرض على ذلك من باب الاستعارة تشبيهاً له بأرض الدنيا، والظاهر الأول، وحكي عن قتادة. وابن زيد. والسدي أن المراد أرض الدنيا وليس بشيء، وإيراثها تمليكها مخلفة عليهم من أعمالهم أو تمكينهم من التصرف فيها تمكين الوارث فيما يرثه بناءً على أنه لا ملك في الآخرة لغيره عز وجل وإنما هو إباحة التصرف والتمكين مما هو ملكه جل شأنه، وقيل :ورثوها من أهل النار فإن لكل منهم مكاناً في الجنة كتب له بشرط الإيمان.
﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء ﴾ أي يتبوأ كل منا في أي مكان أراده من جنته الواسعة لا أن كلاً منهم يتبوأ في أي مكان من مطلق الجنة أو من جنات غيره المعينة لذلك الغير، فلا يقال :إنه يلزم جواز تبوؤ الجميع في مكان واحد وحدة حقيقة وهو محال أو أن يأخذ أحدهم جنة غيره وهو غير مراد، وقيل :الكلام على ظاهره ولكل منهم أن يتبوأ في أي مكان شاء من مطلق الجنة ومن جنات غيره إلا أنه لا يشاء غير مكانه لسلامة نفسه وعصمة الله تعالى له عن تلك المشيئة، وقال الإمام :قالت حكماء الإسلام :إن لكل جنتين جسمانية وروحانية ومقامات الثانية لا تمانع فيها فيجوز أن يكون في مقام واحد منها ما لا يتناهى من أربابها، وهذه الجملة حالية فالمعنى أورثنا مقامات الجنة حالة كوننا نسرح في منازل الأرواح كما نشاء.
وقد قال بعض متألهي الحكماء :الدار الضيقة تسع ألف ألف من الأرواح والصور المثالية التي هي أبدان المتجردين عن الأبدان العنصرية لعدم تمانعها كما قيل :
سم الخياط مع الأحباب ميدان *** وفسر المقام الروحاني بما تدركه الروح من المعارف الإلهية وتشاهده من رضوان الله تعالى وعنايته القدسية مما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
وتعقب بأن هذا أن عد من بطون القرآن العظيم فلا كلام وإلا فحمل الجنة على مثل ذلك مما لا تعرفه العرب ولا ينبغي أن يفسر به، على أنه ربما يقال :يرد عليه أنه يقتضي أن لكل أحد أن يصل إلى مقام روحاني من مقاماتها مع أن منها ما يخص الأنبياء المكرمين والملائكة المقربين، والظاهر أنه لا يصل إلى مقاماتهم كل أحد من العارفين فافهم ولا تغفل ﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ العاملين ﴾ من كلام الداخلين عند الأكثر والمخصوص بالمدح محذوف أي هذا الأجر أو الجنة، ولعل التعبير بأجر العاملين دون أجرنا للتعريض بأهل النار أنهم غير عاملين، وقال مقاتل :هو من كلام الله تعالى.
﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ ﴾ أي محدقين من الحفاف بمعنى الجانب جمع حاف كما قال الأخفش، وقال الفراء :لا يفرد فقيل :أراد أن المفرد لا يكون حافاً إذ الإحداق والإحاطة لا يتصور بفرد وإنما يتحقق بالجمع، وقيل :أراد أنه لم يرد استعمال مفرده. وأورد على الأول أن الإحاطة بالشيء بمعنى محاذاة جميع جوانبه فتتصور في الواحد بدورانه حول الشيء فإنه حينئذٍ يحاذي جميع جوانبه تدريجاً فيكون الحفوف بمعنى الدوران حوله أو يراد بكونه حافاً أنه جزء من الحاف وله مدخل في الحفوف، ولو صح ما ذكر لم يصح أن يقال :طائف أو محدق أو محيط أو نحوه مما يدل على الإحاطة. وأورد على الثاني أنا لم نجد ورود جمع سالم لم يرد استعمال مفرده فبعد ورود حافين الظاهر ورود حاف كما لا يخفى، والخطاب لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم، وجوز أن يكون لكل من تصح منه الرؤية كأنه قيل :وترى أيها الرائي الملائكة حافين ﴿ مِنْ حَوْلِ العرش ﴾ أي حول العرش على أن ﴿ مِنْ ﴾ مزيد على رأي الأخفش وهو الأظهر، وقيل :هي للابتداء فحول العرش مبتدأ الحفوف وكأن الحفوف حينئذٍ للخلق، وفي بعض الآثار ما هو ناطق بذلك، وفيها ما يدل على أن العرش يوم فصل القضاء يكون في الأرض حيث يشاء الله تعالى والأرض يومئذٍ غير هذه الأرض، على أن أحوال يوم القيامة وشؤون الله تعالى وراء عقولنا وسبحان من لا يعجزه شيء، والظاهر أن الرؤية بصرية فحافين حال أولى وقوله تعالى : ﴿ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ حال ثانية، ويجوز أن يكون حالاً من ضمير ﴿ حَافّينَ ﴾ المستتر، وجوز كون الرؤية علمية فحافين مفعول ثان وجملة ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ حال من ﴿ الملائكة ﴾ أو من ضميرهم في ﴿ حَافّينَ ﴾ والباء في ﴿ بِحَمْدِهِ ﴾ للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال أي ينزهونه تعالى عما لا يليق به ملتبسين بحمده، وحاصله يذكرون الله تعالى بوصفي جلاله وإكرامه تبارك وتعالى، وهذا الذكر إما من باب التلذذ فإن ذكر المحبوب من أعظم لذائذ المحب كما قيل
:
أجد الملامة في هواك لذيذة حباً لذكرك فليلمني اللوم
أو من باب الامتثال ويدعي أنهم مكلفون، ولا يسلم أنهم خارجون عن خطة التكليف أو يخرجون عنها يوم القيامة، نعم لا يرون ذلك كلفة وإن أمروا به. وفي حديث طويل جداً أخرجه عبد بن حميد. وعلي بن سعيد في كتاب الطاعة والعصيان. وأبو يعلى. وأبو الحسن القطان في المطولات. وأبو الشيخ في العظمة. والبيهقي في البعث والنشور عن أبي هريرة «فبيننما نحن وقوف أي في المحشر إذ سمعنا حساً من السماء شديداً فينزل أهل سماء الدنيا بمثلي من في الأرض من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم تنزل أهل السماء الثانية بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم تنزل أهل السماء الثالثة بمثلي من نزل من الملائكة ومثلي من فيها من الجن والإنس حتى إذا دنوا من الأرض أشرقت الأرض بنورهم وأخذوا مصافهم ثم ينزلون على قدر ذلك من التضعيف إلى السماوات السبع ثم ينزل الجبار في ظلل من الغمام والملائكة تحمل عرشه يومئذٍ ثمانية وهم اليوم أربعة أقدامهم على تخوم الأرض السفلي والأرضون والسماوات إلى حجزهم والعرش على مناكبهم لهم زجل بالتسبيح فيقولون :سبحان ذي العزة والجبروت سبحان ذي الملك والملكوت سبحان الحي الذي لا يموت سبحان الذي يميت الخلائق ولا يموت سبوح قدوس رب الملائكة والروح سبحان ربنا الأعلى الذي يميت الخلائق ولا يموت فيضع عرشه حيث يشاء من الأرض ثم يهتف سبحانه بصوته فيقول عز وجل :يا معشر الجن والإنس إني قد أنصت لكم منذ يوم خلقتكم إلى يومكم هذا أسمع قولكم وأبصر أعمالكم فأنصتوا إلي فإنما هي أعمالكم وصحفكم تقرأ عليكم فمن وجد خيراً فليحمد الله تعالى ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه »
الحديث.
﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق ﴾ أي بين العباد كلهم بإدخال بعضهم الجنة وبعضهم النار فإن القضاء المعروف يكون بينهم، ولوضوح ذلك لا يضر كون الضمير لغير الملائكة مع أن ضمير ﴿ يَسْبَحُونَ ﴾ لهم إذ التفكيك لا يمتنع مطلقاً كما توهم، وقيل :ضمير ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ للملائكة واستظهره أبو حيان، وثوابهم وإن كانوا كلهم معصومين يكون على حسب تفاضل أعمالهم فيختلف تفاضل مراتبهم فإقامة كل في منزلته حسب عمله هو القضاء بينهم بالحق.
﴿ وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين ﴾ أي على ما قضى بيننا بالحق، والقائل قيل :هم المؤمنين المقضي لهم لا ما يعمهم والمقضي عليهم، وحمدهم الأول على إنجاز وعده سبحانه وإيراثهم الأرض يتبوؤون من الجنة ما شاؤا، وحمدهم هذا على القضاء بالحق بينهم فلا تكرار.
وقال الطيبي :إن الأول للتفصلة بين الفريقين بحسب الوعد والوعيد والسخط والرضوان، والثاني للتفرقة بينهما بحسب الأبدان ففريق في الجنة وفريق في السعير والأول أحسن، وقيل :هم الملائكة يحمدونه تعالى على قضائه سبحانه بينهم بالحق وإنزال كل منهم منزلته، وعليه ليس في الحمدين شائبة تكرار لتغاير الحامدين.
وقيل : ﴿ قِيلَ ﴾ دون قالوا لتعينهم وتعظيمهم، وجوز كون القائل جميع العباد منعمهم ومعذبهم ؛ وكأنه أريد أن الحمد من عموم الخلق المقضي بينهم هنا إشارة إلى التمام وفصل الخصام كما يقوله المنصرفون من مجلس حكومة ونحوها، فيحمده المؤمنون لظهور حقهم وغيرهم لعدله واستراحتهم من انتظار الفصل، ففي بعض الآثار أنه يطول الوقوف في المحشر على العباد حتى إن أحدهم ليقول :رب أرحني ولو إلى النار، وقيل :إنهم يحمدونه إظهاراً للرضا والتسليم.
وقال ابن عطية :هذا الحمد ختم للأمر يقال عند انتهاء فصل القضاء أي إن هذا الحاكم العدل ينبغي أن يحمد عند نفوذ حكمه وإكمال قضائه، ومن هذه الآية جعلت ﴿ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين ﴾ خاتمة المجالس في العلم، هذا والحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على رسوله محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه أجمعين.
ومن باب الإشارة : ﴿ وَتَرَى الملائكة حَافّينَ مِنْ حَوْلِ العرش ﴾ إشارة إلى أنه صلى الله عليه وسلم في مقعد صدق عند مليك مقتدر بناءً على أن العرش لا يتحول ﴿ يُسَبّحُونَ بِحَمْدِ رَبّهِمْ ﴾ إشارة إلى نعيمهم ﴿ وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ بالحق ﴾ أعطى كل ما يستحقه ﴿ وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبّ العالمين ﴾ [ الزمر :٧٥ ] على انقضاء الأمر وفصل القضاء بالعدل الذي لا شبهة فيه ولا امتراء، هذا والحمد لله تعالى على أفضاله والصلاة
السورة التالية
Icon