0:00
0:00

بسم الله الرّحمن الرّحيم

الآيات: (١- ٧) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ١ الى ٧]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
التفسير:
قوله تعالى:
«تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ».
هو جواب عن سؤال أو أسئلة كثيرة، كانت تدور فى رءوس المشركين وتجرى على ألسنتهم: من أين جاء محمد بهذا الذي يحدثنا به؟ ومن علّمه هذا؟
ومن أي الكتب أخذه؟ إلى غير ذلك مما كانوا يحدثون به أنفسهم، ويتحدث به بعضهم إلى بعض فى شأن القرآن.. وقد جاء فى آخر السورة السابقة «ص» ما يجيب- إجابة غير مباشرة- عن تلك الأسئلة، فقال تعالى على لسان نبيه الكريم: «ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ».. ثم جاء بعد هذا من آيات الله، ما يحدّث عن هذا الاختصام، الأمر الذي يقطع بأن النبىّ على صلة بالملأ الأعلى، حتى يكون له أن يأتى ببعض ما يقع هناك من أمور..
وهنا فى قوله تعالى: «تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» إجابة مباشرة عن تلك الأسئلة التي يسألها المشركون عن المصدر الذي جاء منه القرآن.. وإذ كان سؤالهم أو أسئلتهم، تنحصر فى هذا المحتوى: من أين هذا الكتاب؟ فكان الجواب: من الله العزيز الحكيم تنزيله..
وقد جاء النظم القرآنى هكذا: «تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ» بتقديم الجهة التي نزل منها على الذات التي أنزلته- إشارة إلى أنه صادر من جهة عالية، وأنه ليس مما على هذه الأرض، وما فيها من جهات وذوات.. وبهذا ينعزل القرآن عن أن يكون من العالم الأرضى. إنه نور خالص، لمن نظر فيه، والسماء هى مصدر كل نور على هذه الأرض.. فإذا تقرر ذلك، كان البحث فى طبيعة هذا النور، وهل هو نور إلهى، أم من ذلك النور الذي تشعّه
الكواكب والنجوم؟ وإمعان النظر فى القرآن يكشف للناظر عن أنه نور إلهى، لا ينكسر ضوؤه، ولا تغرب شمسه أبدا.. وإذن فهو نور من الله.. «تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ».
قوله تعالى:
«إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ» أي قد نزل إليك أيها النبي هذا الكتاب من ربك شائبة بالحقّ.. الذي لا يعلق به باطل.. فهو يحمل إليك الحق خالصا من كل شائبة، فمن نظر فى آياته، وتدبر فى كلماته، عرف طريق الحق واضحا مشرقا.. وإذ كان ذلك هو ما عرفت من آيات الله وكلماته من حق، فاعبد الله على هذه المعرفة، عبادة خالصة، تملأ القلب، وتملك المشاعر، وتستولى على الوجدان.. فلا ترى غير الله الحق..
وإذ كان الله سبحانه، هو الحق، وما سواه- بالإضافة إليه- باطل، فكل ولاء لغيره، باطل، وكل تعبّد لسواه، ضلال.. فالعبودية الخالصة له وحده سبحانه وتعالى..
قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى.. إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.. إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ»..
أي وأما الذين لم يخلصوا عبوديتهم لله لم يجعلوا ولاءهم خالصا له. واتخذوا من دونه أولياء، قائلين: ما نعبدهم إلا لنتقرب بهم إلى الله، ونزلف بهم إلى مرضاته- هؤلاء سيحكم الله بينهم يوم القيامة، فيما هم فيه يختلفون من أمر الله،
وفى وتصورهم الباطل لذاته، وجعل معبوداتهم شفعاء لهم عند الله، لأنهم- كما يزعمون- أبناؤه، أو بناته، أو شركاء له فى الخلق والتصريف! وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ» حكم على مدّعيات هؤلاء المشركين، بأنها من ملفقات الأكاذيب، وأن الكفر هو صفة من يدين بهذا الإفك، ويقيم معتقده على هذه الأكاذيب، وأن من سلك هذا الطريق، ولم يراجع نفسه، ويصحح معتقده، فإن لله سيخلى بينه وبين الضلال الذي هو فيه، فلن يهتدى أبدا..
قوله تعالى:
«لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لَاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ.. سُبْحانَهُ، هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ».
أي لو أراد الله سبحانه أن يتخذ له ولدا- كما يزعم هؤلاء الضالون- لاختاره هو سبحانه، ولخلقه على ما يشاء، لا أن يختاره له هؤلاء الضالون، كما يقول سبحانه عنهم: «وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ» (١٠٠: الأنعام).
وقوله تعالى: «سُبْحانَهُ.. هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ» تنزيه لله عن أن يكون له ولد.. فهو سبحانه «الواحد» الذي لا شريك له.. والولد شريك للوالد، وهو سبحانه «القهار» أي القوى الذي لا يغلب.. فليس به إلى الولد حاجة، مما يبغيه الوالدون من الأولاد..
قوله تعالى:
«خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ.. يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ، وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ.. كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى.. أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ».
ذلك هو بعض سلطان الله، وتلك هى بعض قدرته.. فالسموات والأرض صنعة يده.. وبعض خلقه.. وقد خلقهما سبحانه بالحق، الذي هو صفته.
وقوله تعالى «يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ».. يشير إلى أمور:
أولها: أن النهار والليل يكوّر كل منهما على الآخر، فى حركة دائبة..
حيث لا يكون نهار إلا كور عليه الليل، ولا يكون ليل إلا كور عليه النهار..
وثانيهما: أن التكوير يعنى الحجب والتغطية من الأعلى للأسفل، إذ أن أصله من تكوير العمامة على الرأس.. يقال كر العمامة، وكورها، أي لفها على رأسه، حتى صارت مثل الكرة.
وثالثها: أن هذه الصورة من التكوير، تشير إلى كروية الأرض، وإلى أن الليل والنهار يتحركان فوق كرة، أشبه بالعمامة التي تعلو الرأس.
ورابعها: أن لفظ «يكور» يشير إلى أن الأرض متحركة، وأن هذا التكوير الذي يجرى على الكرة، إنما يقع حالا بعد حال، ووقتا بعد وقت..
وخامسها: تقديم تكوير الليل على النهار، إشارة إلى اتجاه حركة الأرض، بعد لإشارة إلى شكلها الكروي وإلى حركتها- فإن هذه الحركة من الغرب إلى الشرق، حيث يكون النهار أولا، ثم يتلوه الليل فيتكور عليه، ثم يعقبه النهار، فيعلوه متكورا عليه كذلك.. وهكذا..
قوله تعالى: «وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى».
أي وأجرى الشمس والقمر، وسخرهما بقدرته، وأقامهما على نظام محكم
لا يخرجان عنه.. فلكلّ فلكه الذي يجرى فيه.. لا يتعداه..
وقوله تعالى: «أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ».. إشارة إلى عزّة الله وقوته، وأنه القهّار الذي يخضع كل موجود لسلطانه.. ومن كان هذا شأنه فإن نسبة الولد إليه ضلال مبين، وسفه جهول.. لأن الولد إنما يسدّ نقصا، ويشبع رغبة، ويرضى عاطفة.. وتعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا.
والله سبحانه وتعالى مع عزّته وقوته، فهو غفار للسيئات، غفور للمذنبين، إذا هم تابوا إلى الله، واستغفروا لذنوبهم! «وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ» (١٣٥ آل عمران) قوله تعالى:
«خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ.. يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ. ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ» هو كشف لوجه آخر من وجوه قدرة الله سبحانه.. تلك القدرة المتمكنة من كل شىء، المتصرفة فى كل شىء، المستغنية عن كل شىء..
ومن دلائل تلك القدرة خلق الناس جميعا من نفس واحدة، أي طبيعة واحدة، أو جرثومة واحدة، هى الجرثومة الأولى التي تخلّق منها الكائن الحىّ..
وفى قوله تعالى: «ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها». إشارة إلى أمرين:
أولهما: أن الجعل غير الخلق. فالخلق إيجاد للمخلوق، والجعل، إظهار لما فى المخلوق من خصائص، وإبراز ما اشتمل عليه من صفات.. وهذا مثل قوله تعالى: «وَمِنْ آياتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْها»..
وهذا يعنى أن الجرثومة الأولى للحياة، كانت ذكرا وأنثى معا.. ثم حصل
التوالد بانقسام الكائن الحىّ على نفسه.. كلّ قسم يحوى جرثومة ذكرا وأنثى.. وهكذا تتوالد الخلايا بانقسامها على نفسها.
وثانيهما: أن انفصال الذكر عن الأنثى جاء فى مرحلة متأخرة، بمعنى أنه كان بين الخلق والجعل آمادا طويلة، وأزمانا ممتدة، وهذا هو السرّ- والله أعلم- فى العطف بحرف «ثم» الذي يفيد الامتداد والتراخي فى الزمن.
قوله تعالى: «وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ».
التعبير بالإنزال دون الخلق. إشارة إلى أنها نعم منزلة من عند الله.. وأن شأنها فى حياة الإنسان عظيم، أشبه بالغيث الذي ينزل من السماء..
والأنعام الثمانية، هى ما أشار إليها سبحانه وتعالى فى قوله: «ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ.. قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ، أَمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهذا» (١٤٣- ١٤٤: الأنعام).
فهى أربعة أصناف: الضأن، والمعز، والإبل، والبقر.. وكل صنف منها ذكر وأنثى، فهى ثمانية متزوجة، ذكر وأنثى. كلّ منها زوج للآخر..
وقوله تعالى: «يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ»..
أي أن هذا التوالد، هو خلق جديد لكل كائن يولد، وليس عملا آنيّا يتم بغير حساب وتقدير.. بل إنه ليس خلقا واحدا، وإنما هو خلق بعد خلق، وأطوار بعد أطوار، يلبسها الكائن إلى آخر مرحلة الخلق، حتى يستوى خلقه ويصبح على الصورة التي قدّر الله سبحانه إخراجه عليها.. وهذا الخلق يقع فى عالم خفىّ محجّب بحجب ثلاثة، تلفّه فى كيانها، واحدا بعد واحد.. هى البطن،
فالرّحم، فالمشية التي يغلّف فيها الجنين داخل الرحم!! ففى هذا الكون الضيق المظلم، تجرى عمليات الخلق والتكوين، والتصوير، بيد المبدع، الخلاق العليم! وقوله تعالى: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ.. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ».
«ذلكم» إشارة إلى من خلق هذا الخلق وأبدعه، وأخرجه على هذا النظام المحكم.. واللام للبعد، وهى إشارة إلى علو مقام المشار إليه، وهو الله سبحانه.. والكاف حرف خطاب للمخلوقين.. فهذا الخالق العظيم، هو الله، وهو رب كل مخلوق، خلقا ورزقا، وهو المتفرد بملكية الوجود، وهو- سبحانه- بهذه الصفات، ينبغى أن يكون الإله المتفرد بالألوهة..
«لا إله إلا هو».. تتجه إليه وحده الوجوه، وتفوض إليه وحده الأمور..
فإلى أين يولّى المشركون وجوههم، إذا هم صرفوها عن الله؟ إنه لا وجه إلا الضلال والخسران! قوله تعالى:
«إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ».
هو تعقيب على تلك الدعوة التي دعا بها الله سبحانه وتعالى عباده إليه بقوله تعالى: «ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ».. بعد أن بيّن لهم- سبحانه- آيات بينات من دلائل قدرته، وآثار رحمته.. فمن استجاب لهذه الدعوة،
وآمن بالله إلها واحدا لا شريك له، فقد اهتدى إلى طريق الخير والفلاح، ومن كفر فإن الله غنىّ عن العالمين، لا ينفعه إيمان من آمن، ولا يضره كفر من كفر. «وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» (١٢: لقمان).
«وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى» أي لا تحمل نفس وزر نفس أخرى، بل «كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ» (٣٨: المدثر).
- «ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ.. إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ» فلا تخفى على الله منكم خافية، فيجزى المحسن بإحسانه، والمسيء بإساءته..
وهنا أمور:
فأولا: قوله تعالى: «وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ» :
ما معنى رضا الله هنا؟ وإذا كان سبحانه لا يرضى شيئا فكيف يقع ما لا يرضاه؟
المراد بالرضا هنا، القبول، ويكون معنى أن الله لا يرضى لعباده الكفر، أنه- سبحانه- لا يقبله منهم، لأنه تعالى، طيب، لا يقبل إلا طيبا.. والكفر نجس، وخبث..
ووجه آخر فى هذه الآية: وهو أن المراد بالعباد هنا، هم المؤمنون، ولهذا أضافهم لله سبحانه وتعالى إليه فى قوله تعالى: «لعباده»، ويكون معنى الرضا على حقيقته، وهو أن الله سبحانه لا يرضى لعباده الذين أراد لهم الإيمان أن يكفروا، فهو سبحانه يهديهم إلى الإيمان، وييسر لهم السبيل إليه- وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً» (٣: المائدة).
وعلى هذا يكون قوله تعالى: «وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ» دعوة للمؤمنين- وكلهم عباد الله- أن يكونوا بالمكان الذي يرضاه الله لهم، ويقبله منهم، وأن ينأوا عما لا يرضاه الله لهم، فإنهم عباده! وثانيا: قوله تعالى: «وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ».
ما المراد بالشكر هنا؟ وهل هو الإيمان المقابل للكفر؟ أم هو أمر آخر وراء الإيمان؟
الشكر هنا- والله أعلم- هو أمر مترتب على الإيمان.. وهو مطلوب من المؤمنين الذين هداهم الله إلى الإيمان، ويسر لهم سبله.. فكانوا فى المؤمنين، ويجب بعد هذا أن يكونوا من الشاكرين، أن هداهم الله إلى الإيمان..
وثالثا: ماذا عن الذين كفروا؟ أرضى الله لهم الكفر، وذلك بمفهوم المخالفة لقوله تعالى: «وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ» - على أن المراد بعباده هم المؤمنون خاصة؟
الجواب- والله أعلم- أن كفر الكافرين وإن كان إرادة لله سبحانه فيهم، ومشيئة له غالبة عليهم- فإنه مطلوب منهم أن يعملوا إرادتهم، ويحركوا مشيئتهم إلى الإيمان، لأنهم لا يدرون ما إرادة الله فيهم ولا مشيئته بهم.. وتلك هى الحجة القائمة عليهم.
أما أن مشيئة الله هى النافذة، وإرادته هى الغالبة، فهذا أمر لم يمنع العقلاء من أن يعملوا فى كل ميدان من ميادين العمل.. ثم هم صائرون حتما إلى مشيئة الله وقدره «لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ» (٢٣: الأنبياء).
وهذا هو موضوع قد عرضنا له أكثر من موضع من هذا التفسير، وأفردناه ببحث خاص، تحت عنوان «القضاء والقدر «١» ».
(١) الكتاب الثامن ص ٦٧٢ وما بعدها.
الآيات: (٨- ١٨) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٨ الى ١٨]
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩) قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)
قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧)
الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ
ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ».
خوله نعمة: أي ساق إليه نعمة، وألبسه إياها.. وأصل اللفظ من الخال الذي يزين المرأة.. ومن حق نعم الله التي تلبس عباده أن تكون زينة كمال وجمال لهم..
ومناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة عليها، قد حثّت عباد الله المؤمنين، على أن يطلبوا رضا الله بالشكر له، على ما أنعم عليهم من نعم، أجلّها الإيمان الذي هداهم إليه..
وفى المؤمنين، من لا يشكر الله، ولا يؤدى ما لنعم الله عليه من واجب الشكر للمنعم..
وفى المؤمنين، من لا يذكر الله وهو فى حال من النعمة والعافية، ولكن إذا مسّه ضر ضرع إلى ربه، ورجع إليه، ودعاه لكشف الضر عنه.. فإذا استجاب الله سبحانه له، وكشف ما به من ضر، نسى هذا الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه من قبل، ونسى ربه، وإحسانه إليه.
وهذا الإيمان، على صورته تلك- هو ضرب من النفاق، وصورة من صور المكر بالله.. والله سبحانه وتعالى قد توعد الذين يمكرون بآياته، وفى هذا يقول سبحانه: «وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ، خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ.. ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» (١١: الحج).
وقوله تعالى: «قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا.. إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ» - تهديد ووعيد بالعذاب الأليم فى الآخرة، لهذا الذي يعرف الله فى الشدة، وينكره فى الرخاء.. فهو فى الشدة يعرف ربّا يطرق بابه، وهو فى الرخاء لا يعرف وجه ربه.. وفى الأثر: «من عرف الله فى الرخاء عرفه الله فى الشدة»..
وحسن أن يعرف الإنسان ربه فى الشدة، ويفزع إليه، ويطرق باب فضله وإحسانه، ويدعوه لكشف الضر عنه.. فذلك من إيمان المؤمن بربه وثقته فيه، وطمعه فى رحمته..
وأحسن الحسن أن يعرف الإنسان ربه فى الرخاء، ويسبح بحمده، ويشكر له، ويذكر نعمه وإحسانه إليه.. فذلك إقرار من المؤمن بسلطان ربه، وبقيومته على هذا الملك، وعلى كل ما يجرى فيه..
وذلك هو الإيمان، وتلك هى حال المؤمن حقا، إن أصابه خير حمد وشكر، وإن أصابه ضرّ رضى وصبر، وفى الأنبياء والمصطفين من عباد الله الأسوة والقدوة..
والتمتع بالكفر، هو الحياة معه على ذلك الوجه الذي يزين فيه الكفر لأهله، كل منكر، فلا يتقيد صاحبه بأى قيد، ولا يرتبط بأى التزام أدبى، أو خلقى، أو إنسانى، قبل الله أو قبل الناس..
فليتمتع الكافر بهذه الحياة البهيمية التي يدعوه إليها كفره.. إنه من أصحاب النار.. وإنه لا بأس أن ينال من يقدّم للقتل ما تشتهى نفسه؟؟
قوله تعالى:
«أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا
رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ.. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ»
..
أي أهذا الذي يمكر بالله، فإذا أصابه ضرّ لجأ إليه، وإذا كشف الضرّ عنه نسى ربه، ومرّ كأن لم يدعه إلى ضرّ مسّه- أهذا، أم ذلك الذي هو على ذكر دائم لربه فى السراء والضراء جميعا؟..
أهذا الذي لا يذكر ربه إلا عند الشدّة، أم هذا القانت فى محراب صلاته بين يدى ربه، القائم فى ولاء وخشوع، يقطع الليل ساجدا، وقائما، وهو بين خوف من عذاب الله، وطمع فى رحمته.. فإذا ذكر عذاب الله طلب السلامة من هذا العذاب بالاستغفار، وإذا ذكر رحمة الله، أنس بالرجاء فى مغفرته ورضوانه فلهج بالحمد والشكر؟.. أيستوى هذا الحامد الشاكر فى السّرّاء والضراء، وهذا الجاحد الغافل؟
وفى توقيت القنوت بالليل، إشارة إلى المعاناة التي يجدها المؤمن فى طاعة ربه، حيث يهجر النوم بالليل ويقهر سلطانه.. وفى هذا يقول الله تعالى:
«إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا» (٦: المزمل) ويقول سبحانه فى الثناء على عبّاد الليل، وما لهم من جزاء عظيم عنده: «كانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ» (١٧- ١٨: الذاريات).
وقوله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ»..
كان مقتضى السياق أن تجىء المفاضلة بين المؤمن والكافر، أو بين من يذكر الله ومن لا يذكره، فيقال مثلا: هل يستوى المؤمنون
والكافرون؟ أو هل يستوى من يذكر الله ويشكر له، ومن يكفر بالله ويمكر به؟.
ولكن جاءت المفاضلة بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، للإشارة إلى أن العلم، هو الذي تقوم عليه قيم الناس، وتثقل أو تخفّ به موازينهم، فى أي أمر من أمور الدنيا، أو الدين..
ففى الإيمان بالله، تكون التفرقة بين المؤمن وغير المؤمن قائمة أساسا على العلم وعدم العلم، فمن آتاه الله علما، انكشف له بالعلم الطريق إلى الله، فآمن واتّقى.. وإنه بقدر علمه يكون مبلغ إيمانه وتقواه.. والله سبحانه وتعالى يقول: «إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ» (٢٨: فاطر).. ومن جهل، فمن أين تأتيه المعرفة بربه؟ ومن أين يقع فى قلبه الخشوع لجلاله والولاء لسلطانه، والخشية من بأسه وعقابه، وهو لا يعرف لله جلالا، ولا سلطانا ولا بأسا؟.
وليس المراد بالعلم هنا، هو العلم النظري التجريدى، وإن كان لهذا العلم خطره وأثره، فى توسيع المدارك، وشحذ الملكات، وإنما المراد هو العلم الذي يجلو عمى البصائر، ويرفع الغشاوة عن القلوب.. فهذا العلم هو ثمرة كل علم نافع، وحصيلة كل معرفة طيبة..
وقوله تعالى: «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» - هو تعقيب على هذا الحكم الذي تضمنه قوله تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» الذي يفرق بين من يعلم ومن لا يعلم.. فمن علم، كان ذا لبّ وفهم، وكان على بصيرة من أمره، فيتذكر ويتدبر، ويهتدى إلى الحقّ، وإلى سواء السبيل.. ومن جهل، كان فى ضلال وعمى، فلا
يقف عند عبرة، ولا يلتفت إلى موعظة، بل يمضى فى طريق الضلالة إلى غايته..
والله سبحانه وتعالى يقول: «أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمى.. إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» (١٩: الرعد).
قوله تعالى:
«قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ.. لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ.. إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ»..
هو نداء من رب كريم إلى عباده الذين آمنوا به، واستجابوا لرسوله، بعد أن سمعوا آيات ربّهم، وعرفوا مواقع الحق منها.. وفى هذا النداء الكريم يستدعيهم ربهم إليه بالتقوى التي تقربهم منه، وتدنبهم من رحمته وإحسانه..
فالإيمان هو أول خطوة إلى الله.. والوقوف عند هذه الخطوة تقصير بالإيمان وتعطيل لمعطياته التي كان جديرا بالمؤمن أن يحصل عليها بإيمانه.. والعمل بهذا الإيمان، والغرس فى مغارسه هو الذي يحقق للمؤمن الوصول إلى الله، وإلى مواقع رحمته ورضوانه.. وفى هذا يقول سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ» (٩: يونس).. فالإيمان مصباح يضىء للمؤمن الطريق إلى ربه.. والعمل الصالح هو الزيت الذي يمدّ هذا المصباح بالوقود الذي تظلّ به شعلته متقدّة مضيئة أبدا..
وقوله تعالى: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ» - إشارة إلى أن الأعمال، الحسنة، تعطى ثمرة حسنة معجلة فى هذه الدنيا إلى ما تعطيه من حسنات كثيرة فى الآخرة.. فالعمل الحسن هو حسن فى ذاته، لا يجىء منه إلا ما هو حسن.. وهذا من شأنه أن يضمن للمحسنين حياة طيبة معه فى الدنيا- مع صرف النظر- عما يكون له من آثار طيبة فيما وراء هذه الدنيا.. وبهذا.
الحساب يرى المحسنون أنهم غير مغبونين فى تعاملهم بالإحسان فى دنياهم، وأنهم- وبصرف النظر عن الحياة الأخرى، وبمعزل عنها- ينالون بإحسانهم حياة طيبة، ويجدونها فى راحة الضمير، وصفاء النفس، وإن لم يجدوها فيما يحصّلون من متاع مادى، وشهوات عاجلة لا تلبث أن تخمد، فلا يجد المرء لها أثرا..
وفى إفراد كلمة «حسنة» وتنكيرها، إشارة إلى أن ما يجزى به المحسنون بإحسانهم فى الدنيا، هو قليل قليل بالإضافة إلى ما يجزون به فى الآخرة..
وقوله تعالى: «وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ» - إشارة إلى أن المؤمن قد لا يجد فى مكان ما سبيلا إلى العمل، وإلى الغرس فى مغارس الإحسان، حيث تكون الأرض التي يعيش فيها أرضا خبيثة، لا تمسك ماء، ولا تنبث نباتا.. وهنا ينبغى على المؤمن أن يتحول عن هذه الأرض، إلى غيرها، مما هو طيب صالح.
فأرض الله واسعة، وكما أن فيها الخبيث النكد، ففيها الطيب الكريم..
وفى هذا، دعوة للمؤمنين الذين كانوا يعيشون فى مكة قبل الهجرة، محاصرين من المشركين، لا يستطيعون أن يعطوا إيمانهم حقه، ولا أن يفجروا ينابيع الخير منه- فى هذا دعوة لهم أن يتحولوا عن هذا الموقع من الأرض إلى أرض أخرى، حيث تطيب فيها مغارسهم، وحيث يرفعون مصابيح الهدى التي بين أيديهم، فتملأ الدنيا من حولهم هدى ونورا.. وقد كان، فهاجر المؤمنون
إلى المدينة، وفى هذا المكان الطيب من الأرض سطح نور الإسلام، ودخل الناس فى دين الله أفواجا..
وقوله تعالى: «إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ» - دعوة للمؤمنين إلى الصبر، الذي هو ملاك كل أمر يراد منه الخير الكثير الدائم الذي لا ينقطع..
إن كل ثمرة إنما تكون قيمتها بقدر ما يبذل فيها من جهد، وما يحتمل فى سبيلها من عناء ومعاناة.. ومن طلب ثمرة بلا عمل، فقد طلب ريّا من سراب! وفى قوله تعالى: «بِغَيْرِ حِسابٍ» - إشارة إلى أن جزاء الصبر جزاء عظيم، وأن ميزان العمل الذي يجىء فى أعقاب الصبر يرجح جميع الأعمال كلها، حيث ينال الصابر جزاء صبره، ما يشاء من فضل وإحسان، بلا حساب! قوله تعالى:
«قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ.. وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ» هو بيان لحال النبي فى هذه الدعوة التي حملها إلى الناس من ربه، وأنه مأمور من الله، بما يأمر الله به عباده جميعا.. فهو والناس فى هذا الأمر السماوي على سواء، فلا استثناء لأحد فى هذا القانون، كما يقع ذلك فى القوانين الوضعية، التي ترفع السلطان عن الخضوع للقانون العام الذي تخضع له الرعية.. بل وأكثر من هذا، فإن صاحب الدعوة- صلوات الله وسلامه عليه- يتلقى هذه الدعوة من ربه فى صورة أمر وإلزام، على حين يتلقاها الناس مجرد دعوة لا إلزام فيها، ولا إكراه معها.. «إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ».
وفى قوله تعالى: «وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ» - إشارة إلى أن رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- هو أول المسلمين: خضوعا لسلطان
الله، وامتثالا لأمره، يسلم إليه وجوده، وتخلص له ولاءه.. وأنه- صلوات الله وسلامه عليه- القدوة للمسلمين فى طاعة ربه، وفى اتقاء حرماته، وأنه- وهو سلطان المؤمنين- أكثر المؤمنين عبادة لله، واجتهادا فى عبادته، واتقاء لحرماته، وخوفا من عقابه.. إنه عبد من عباد الله. وأفضل عباد الله، وأكرمهم عنده، وأقربهم إليه، من كان أعرفهم به، وأكثرهم طاعة وولاء له.. فمن أراد من المؤمنين أن يكون أقرب إلى الله، فليكن فى طاعة لله، فإنه كلما ازداد طاعة ازداد قربا..
قوله تعالى:
«قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ» وشأن عباد الله فى طاعته، شأنهم فى معصيته.. فكما أنه من ازداد طاعة لله، ازداد قربا منه، كذلك من أقام أمره مع الله على معصيته، والخروج عن أمره، والاجتراء على محارمه- كلما ازداد معصية لله، ازداد بعدا عنه، وتعرضا لسخطه وعذابه.. حتى الأنبياء، وحتى سيد الأنبياء، رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- إنه لو عصى الله- وحاشاه- فهو محاسب بهذا الحساب..
وهكذا شريعة الله.. وهكذا عدل الله: «لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَساؤُا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى» (٣١: النجم) قوله تعالى:
«قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي.. فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ» هذا هو حال النبي- صلوات الله وسلامه عليه- مع ربه.. إنه على العبادة الخالصة لله، لا يلتفت إلى غيره. ولا يدين لسواه. أما أنتم أيها
المشركون فلكم ما تشاءون من معبودات تعبدونها من دون الله.. «لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ» (٦: الكافرون) فكلّ محاسب بما يدين به، وكل مجزىّ بما يعمل: «لا تُسْئَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنا وَلا نُسْئَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ» (٢٥: سبأ) قوله تعالى:
«قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ.. أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ» إن العبرة فى الريح أو الخسارة، هى فى الحساب الختامى، الذي يسوّى فيه حساب الإنسان.. أما هذا الحساب اليومي فى هذه الدنيا، فإنه لا يكشف عن المركز الصحيح للإنسان..
هكذا يعرف الناس شئونهم فى هذه الدنيا. إنهم يقيمون موازين حياتهم لا على لحظه عابرة، ولا على يوم يعيشون فيه، وإنما ينظرون إلى الغد، وما بعد الغد.. وحياتهم الدنيوية، هذه- لو عقلوا- لحظة من لحظات حياتهم الممتدة إلى ما وراء هذه الحياة، وأنها ليست إلا يوما، أو بعض يوم.. وإنه لضلال مبين أن يقيم المرء حسابه كله على ميزان يوم أو بعض يوم، حتى إذا طلع عليه صح يوم جديد، ولم يكن قد عمل له حسابا، وجد نفسه ولا شىء معه. وهنا يكون الندم، ويكون الخسران..
والخاسرون حقا، هم أولئك الذين أقاموا ميزانهم على هذه الحياة الدنيا، ولم يجعلوا للآخرة حسابا.. إنهم يجيئون إلى الحياة الآخرة، وقد صفرت أيديهم من كل خير يجدونه فى هذا اليوم، بل سيجدون ديونا كثيرة هم مطالبون بها، ولا يقدرون على أداء شىء منها، إلا الحبس فى جهنم، وفاء لهذه الديون! والسؤال هنا: إذا خسر المجرمون أنفسهم، وأوردوها موارد الهلاك يوم
القيامة، فكيف تكون خسارتهم لأهليهم فى هذا اليوم؟
والجواب- والله أعلم- من وجهين:
الوجه الأول: أن أهل الضلال لا يلتقى بعضهم ببعض يوم القيامة إلا على عداوة وخصام، وإلا على قطيعة ونفور.. كما يقول الله تعالى: «ثُمَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْواكُمُ النَّارُ وَما لَكُمْ مِنْ ناصِرِينَ».
(٢٥: العنكبوت).
فأهل الضلال بعضهم فتنة لبعض، ومن هنا يقع بينهم يوم القيامة هذا الخصام، وتلك العداوة، ومن هنا يلتفت الضالّ، فلا يجد حوله فى جهنم إلا وجوها كالحة تلعنه، وترمى إليه بالعداوة، ممن كانوا هم أقرب الناس إليه فى الدنيا من أهل وصديق.
والوجه الثاني: أن خسارة الضال لأهله يوم القيامة، هو تفرقهم عنه، فلا يلتقى بهم إذا كانوا فى الجنة، أما إذا كانوا فى جهنم فإن لقاءه بهم حسرة وبكاء وعويل.. على خلاف لقاء المؤمنين، حيث يجمعهم الله بأهليهم، وبإخوانهم من أهل الجنة، فيتضاعف لذلك سرورهم، نعيمهم، كما يقول سبحانه: «وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» (٢١: الطور) وكما يقول سبحانه عن أهل الإيمان: «ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْواجُكُمْ تُحْبَرُونَ» (٧٠: الزخرف).
قوله تعالى:
«لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ.. ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ.. يا عِبادِ فَاتَّقُونِ» هذا هو الذي يلقاه أهل الضلال فى الآخرة تغشاهم النار، وتشتمل عليهم، من فوقهم، ومن تحت أرجلهم.. كما يقول سبحانه:
«لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ» (٤١ الأعراف) والظلل جمع ظلة، وهى ما يستظل به وفى التعبير عن النار بالظلل، مع أن الظلل يتقى بها وهج الشمس- إشارة إلى أن النار المسلطة على أهل النّار لا تتّقى هناك إلا بنار من النار..
إذا استصرخ أهلها، كان الصريخ لهم بعضا منها، وقطعا من شواظها..
وفى هذا بلاء إلى بلاء، وعذاب إلى عذاب.. حيث تتضاعف البلوى بهذا الطارق الجديد، الذي كان موضع أمل ورجاء.. وفى هذا يقول المتنبئ:
إذا استشفيت من دء بداء فأقتل ما أعلّك ما شفاكا
والظلل التي من تحت أهل النار هى نار، يمشون على شواظها، فلا ينتقلون إلا من نار إلى نار، فحيثما وضعوا أرجلهم كانت النار تحتها، فلا ظلّ يمشون عليه إلا هذه النار الجاحمة التي يضعون أقدامهم عليها.
وقوله تعالى: «ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ».. أي هذا العوض لأهوال جهنّم- أعاذنا الله منها- وما يلقى فيها أهلها من هذا العذاب الأليم- هو تحذير من الله لعباده، وتخويف لهم من هذا المورد الوبيل، وهم فى هذه الدنيا، ليأخذوا لذلك حذرهم، وليعملوا على توقّيه، بالإيمان بالله واتقاء محارمه، ولهذا جاء قوله تعالى: «يا عِبادِ فَاتَّقُونِ» تعقيبا على هذا التحذير، وإلفاتا إلى طريق السلامة والنجاة من هذا البلاء الراصد، وذلك بتقوى الله. فالتقوى هى مركب النجاة من هذا الطوفان الجهنّمى، الذي يحتوى بأمواجه المتلاطمة كلّ من لم يكن فى هذا المركب! وفى قوله تعالى: «يا عِبادِ» نداء من رب كريم إلى عباده، ليأخذوا طريقهم إليه سبحانه وتعالى، حيث الأمن والسلامة والنعيم والرضوان.
والفاء فى قوله تعالى: «فَاتَّقُونِ» هى فاء الفصيح، والتفريع، وهى تفصح عن كلام محذوف.. أي قد بينت لكم ما ينتظر الذين لا يؤمنون بي، ولا يتقون محارمى، من بلاء شديد وعذاب أليم، فاتقون، أنتم حتى لا تقعوا تحت طائلة نقمتى وعذابى..
قوله تعالى «وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ.. لَهُمُ الْبُشْرى.. فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ» هو تعقيب أيضا على هذا العرض الذي عرضت فيه جهنم وأهلها، وما يلقون فيها..
وفى هذا التعقيب بيان شارح للطريق الذي يعدل بالناس عن الطريق الجهنمى، إلى طريق النجاة والفوز بجنات النعيم..
فمن اجتنب الشرك بالله، وأخلى يديه، وقلبه، من هذه المعبودات المخلوقة لله، أو المصنوعة بأيدى الناس- من اجتنب هذه المعبودات ابتداء، أو تاب إلى الله من بعد شركه، وأخلص لله عبادته، فله البشرى بالنجاة والفوز برضوان الله..
وقوله تعالى: «فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ» أي أن هذه البشرى بالنجاة والفلاح إنما ينالها عباد الله الذين يستضيئون بنور الله ويتدبرون ما يقع لأسماعهم من كلمات، فيميزون الخبيث من الطيب، والضلال من الهدى، ثم يؤدّيهم هذا إلى أن يستجيبوا لكل ما هو طيب، وأن يتبعوا كل ما هو هدى ورشاد.. فإنهم إن فعلوا ذلك كانوا من عباد الله المهتدين، الذين إذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، وأخذوا طريقهم المستقيم، السالك بهم إلى جنات
النعيم.. ثم كانوا مع هذا- أو قبل هذا- أصحاب عقول، يعيشون بها فى صورة بشرية كريمة..
والطاغوت: هو كل ضلال.. وأصله من الطغيان، الذي يعدل بصاحبه عن طريق الحق والخير، إلى متاهات الضلال والهلاك..
وفى التعبير عن الضلال بكلمة «الطاغوت» - تشنيع على الضلال، وعرض له فى تلك الصورة، التي تتمثل فى هذه الأحرف المتنافرة، التي تشكلت منها هذه الكلمة، كما يتشكل الضلال من وجوه الآثام والشرور..
وقوله تعالى: «أَنْ يَعْبُدُوها» مصدر مؤوّل، وقع بدلا من الطاغوت فى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ».. أي اجتنبوا عبادة الطاغوت..
وفى تأنيث الطاغوت، إثارة لمشاعر البغضاء والكراهية، التي عند الجاهليين للأنثى، ليلتقوا بهذه المشاعر مع معبوداتهم، ولينظروا إليها فى صورة أنثى يعبدونها، ويخرون للأدقان سجّدا بين يديها..
وهكذا من المتناقضات التي تعيش فى عقولهم الفاسدة، إذ كيف يستقيم لذى عقل أن يحقر الأنثى، ويكره وجهها فى صورة ابنة هى فلذة من كبده، ثم إذا هو عبد ذليل بين يدى أنثى سوّها بيده من، حجر، أو خشب؟.
الآيات: (١٩- ٢٦) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ١٩ الى ٢٦]
أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣)
أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥) فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)
التفسير:
قوله تعالى:
«أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ» ؟.
هو تهديد ووعيد لأولئك الذين استولى الضلال عليهم، فحجب عقولهم عن رؤية النور الذي يشعّ من حولهم، وأصمّوا آذانهم عن داعى الهدى الذي يدعوهم إليه، ليخرجهم مما هم فيه من ضلال..
والخطاب لرسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- وأنه لا يملك
أن يردّ قضاء الله، فى هؤلاء المشركين، الذين حقّت عليهم كلمة العذاب، وأنهم من أصحاب النار، فليدعهم الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- لمصيرهم هذا، بعد أن أعذر إليهم، وبلّغهم رسالة ربه..
وقوله تعالى: «أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ» استفهام يراد به النفي، وهو جواب للشرط قبله.. «أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ» أي أفمن حق عليه كلمة العذاب، ينتفع بالهدى الذي بين يديك أيها النبىّ، ويتحول من الشرك إلى الإيمان؟ ذلك محال.. «أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ» ؟ إنما عليك البلاغ وعلينا الحساب..
قوله تعالى:
«لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ» هو إشارة إلى أن قضاء الله فى خلقه، ليس حجة لأهل الضلال على ما هم فيه من ضلال، وأن عليهم أن يعملوا بمعزل عما لله من مشيئة فيهم، لأنهم لا يدرون ما تلك المشيئة.
فهؤلاء المؤمنون من عباد الله، المتقون لحرماته، قد أخذوا بالأسباب التي من شأنها أن تدنيهم من الله، وتبلغ بهم منازل رضوانه، دون أن يعلموا مشيئة الله فيهم. ولكنهم مع هذا قد أخذوا بالأسباب.. إنهم لم يستسلموا للقدر إلا وهم على طريق العمل.. وهذا هو ما يقضى به العقل.. إن العاقل لا يلقى بنفسه بين مخالب حيوان مفترس، أو يضع يده فى فم حيّة..
بل إنه ليفر من وجه هذا الخطر، وإن كان هذا لا يمنع القدر المقدور له!..
إن الجنة لا يدخلها إلا مؤمن.. فمن كان على غير الإيمان، وطلب الجنة فقد غبن نفسه، وأضلّها وغرّر بها.. فليطلب المرء رضوان الله من بابه، وهو الإيمان.. ثم يدع ما وراء ذلك، فإن كان ممن أراد الله لهم الهدى والرشاد، أذن له بالدخول، ووفّقه للعمل الصالح، وإن كان ممن أراد الله له الضلال والشقاء، حجبه عنه، وحلّى بينه وبين ما هو فيه من ضلال!..
إن المرء لا يحاسب على إرادة الله فيه، وإنما يحاسب على إرادته هو لنفسه، على ما تجرى عليه أموره فى الدنيا.. فهو إن سرق أخذ بجريرة السرقة، وإن قتل أخذ بمن قتل.. وهكذا.. إن العقل يقضى بأن يسأل الإنسان نفسه إزاء كل أمر يعرض له: ماذا أريد، لا ماذا يريد الله بي، أولى؟ لأنه يعرف يقينا ماذا يريد هو، ولا يعرف قطعا ماذا يريد الله به، أوله..
وفى وصف الغرف بأنها مبنية- إشارة إلى أنها ثابتة، تطيب فيها الحياة بالسكن والاستقرار. وأنها ليست خياما مضروبة، لا يستقر المقيم فيها إلا ريثما يتحول بها إلى أماكن أخرى..
ونعود مرة، بعد مرة، لنقرر أن هذه الصور التي لنعيم الجنة، مما هو من حياة البادية ومطالب النفس فيها- هذه الصور، هى مما يشتهيه أهل الجنة الذين حرموا منه فى دنياهم، وقصرت أيديهم عن تناوله، فهى بالنسبة للمحرومين منها نعيم عظيم، لا يكمل نعيمهم إلا بتحقيقه، وإن كان لا يعدّ شيئا إلى ما فى الجنة من ألوان النعيم.
وقوله تعالى: «وَعْدَ اللَّهِ» منصوب على الإغراء، أي انتظروا وعد الله، أو صدّقوا وعد الله.
قوله تعالى:
«أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ»..
هو عرض لقدرة الله، وتذكير بآلائه، ونعمه على عباده..
فهذا الماء، ينزل من السماء بقدرة القادر، ثم يأخذ مسالكه فى ظاهر الأرض، وباطنها، فيكون على ظهر الأرض جداول وأنهارا، ويكون فى باطنها شرايين، تتجمع، ثم تتفجر منها العيون، ومن ماء الأنهار والعيون، يخرج الزرع مختلف الألوان، والثمار.. وهذا الزرع يأخذ دورة فى الحياة كدورة الكائن الحي، ينتقل من طور الطفولة إلى الشباب، فالكهولة، فالشيخوخة، فالموت..
وهيجان النبات: فورانه، وبلوغ أشدّه.. أشبه بفوران الشباب وهيجانه..
وفى العطف بالفاء فى قوله تعالى: «فَتَراهُ مُصْفَرًّا». إشارة إلى قصر الزمن بين شباب الزرع وشيخوخته..
وفى العطف بثم فى قوله تعالى: «ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً» - إشارة إلى الزمن بين اصفرار النبات، وجفاف ماء الحياة منه، وهو زمن أطول بالنسبة إلى الزمن بين هيجانه واصفراره..
والحطام: القطع المحطمة من كلّ شىء قابل للكسر.. مثل حطام الآنية، أو قطع الخشب ونحوها، وهذا ما يكون من النبات بعد أن يجفّ وييبس.
وقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ».. إشارة إلى أن هذه المشاهد التي تعرضها الآية الكريمة لقدرة الله، لا يراها، ولا يذكر ما فيها من دلالات دالة على تلك القدرة، إلّا أصحاب العقول السليمة، التي لم يغطّ عليها الجهل والضلال..
قوله تعالى:
«أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ.. فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ. فِي ضَلالٍ مُبِينٍ».
جواب الشرط (من) محذوف دل عليه المقام، وتقديره: أيستوى من شرح الله صدره للإسلام، فأشرقت نفسه بنور الحق، واستبان له الطريق إلى الله، ومن ختم الله على قلبه، فلم يقبل ما ساق الله إليه من نور، فضلّ سواء السبيل؟ وهذا مثل قوله تعالى: «أَفَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ» (١٤: محمد).
قوله تعالى: «فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ».. تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين الضالين، الذين إذا ذكرّوا بآيات ربّهم اشمأزّوا ونفروا..
وهذا هو بعض السر فى تعدية اسم الفاعل «قاسية» بحرف الجرّ (من) وذلك لتضمنه معنى (نافرة)، أي فويل للنافرة قلوبهم من ذكر الله.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» :
(٤٥: الزمر)..
قوله تعالى:
«اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ».
هو إلفات إلى نعمة جليلة من نعم الله، إلى جانب ما ينزل سبحانه من نعم.. فهو سبحانه الذي أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، وأخرج منها حبّا ونباتا، تغتذى منه الأجسام، وإنه يغير هذا الماء، وبما يخرج من الأرض من ثمرات، لا يكون للإنسان ولا لكائن حىّ حياة..
ثم هو سبحانه بعد أن كفل للإنسان حياته، وللجسم حاجته- أنزل له من السماء ما يحيا به الجانب الروحىّ منه.. فالإنسان ليس جسدا وحسب، مثل سائر الأحياء، وإنما هو جسد وروح، وهو بهذا الجسد وحده حيوان، ولا تتحقق إنسانيته إلا بالجسد والروح معا..
وقوله تعالى: «اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ».. هو بيان للغذاء الروحي الذي أنزله الله، وهو القرآن الكريم.. إنه حديث الله إلى عباده، وكلماته إليهم.. فأى حديث أحسن من حديث الله؟ وأي كلام أكرم وأطيب من كلامه؟.
وقوله تعالى: «كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ».. هو بدل من قوله تعالى:
«أَحْسَنَ الْحَدِيثِ»..
وهو وصف لأحسن الحديث، وبيان له.. فأحسن الحديث، هو هذا الكتاب، أي القرآن الكريم، وهو كتاب متشابه فى جلال قدره، وعلوّ منزلته، وسموّ معانيه.. إنه الحق فى آياته وكلماته.. فهو على درجة واحدة
فى كماله وجلاله، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً» :(٨٢: النساء).
والمثاني: جمع مثنى، وذلك بما فيه من بيان للأمور وأضداد.
كالإيمان والكفر، والحق والباطل، والهدى والضلال، والخير والشر، والحسنات والسيئات، والجنة والنار.. والقرآن الكريم فى الحالين، هو على مستواه العالي من الكمال والجلال.. فالحديث عن الكفر مثلا، معجز إعجاز الحديث عن الإيمان، لأن هذا وذك من كلام الله..
وقوله تعالى: «تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ».
الاقشعرار، والقشعريرة، حال تعترى الجسد من أثر رهبة أو خوف، فيموج الجلد بموجات أشبه بمسّة الكهرباء.
واقشعرار جلود الذين يخشون ربّهم من هذا الحديث المنزل من عند الله، هو لما يقع فى قلوبهم من رهبة وجلال لما يسمعون من كلام الله، الذي يقول الله سبحانه وتعالى فيه: «لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ» (٢١: الحشر). فإذا نزل هذا القرآن على القلوب المؤمنة اهتزت لجلاله، وزلزلت أقطارها لرهبته.. أما غير المؤمنين، الذين لا يعرفون الله ولا يقدرونه قدره، فلا تلمس قلوبهم نفحة من آيات الله، ولا تصوبها قطرة من سماء كلماته..
وقوله تعالى: «ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» إشارة إلى حال أخرى من أحوال المؤمنين الذين يخشون ربّهم فى لقائهم مع آيات الله..
إنهم فى أول لقائهم مع آيات الله، وفى مفتتح كلّ اسّماع إليها، تغشاهم حال من الخوف والرهبة، فتقشعرّ لذلك جلودهم.. ثم إذا هم أطالوا النظر فى آيات
الله، وامتدّ جلوسهم فى حضرتها، أخذ هذا الخوف وتلك الراهبة يزايلانهم شيئا، شيئا، حيث تعلوهم السكينة وتظللهم الطمأنينة ويغشاهم الأنس، فتسكن قلوبهم الواجفة، وتهدأ أوصالهم الراجفة، وإذا جلودهم التي علتها أمواج القشعريرة، وشدّتها رعدة الخوف، قد استرخت ولانت! وفى تعدية الفعل «تلين» بحرف الجرّ إلى- إشارة إلى تضمين الفعل معنى الميل، بمعنى أن قلوبهم تميل وتهفوا إلى مواصلة الحياة مع كتاب الله..
وقوله تعالى: «ذلِكَ هُدَى اللَّهِ» الإشارة إلى القرآن الكريم، وأنه هدى الله، الذي أنزله على رسوله، ليكون هدى للعالمين..
وقوله تعالى: «يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ».. أي أن هذا الهدى لا يهتدى به إلّا من وفّقه الله، وشرح صدره للإيمان..
وقوله تعالى: «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ».. أي أمّا من أضلّه الله وختم على سمعه وقلبه، وجعل على بصره غشاوة- فلن يهتدى أبدا، ولن تجدى معه الحجج التي تساق إليه.. «مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً» (١٧: الكهف) قوله تعالى:
«أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ.. وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ».
أي أفمن يلقى فى جهنم فيتقيها بوجهه، كمن عافاه الله من هذا البلاء، وقيل له ادخل؟ الجنة كلّا.. «لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النَّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ.. أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ» (٢٠: الحشر).
وقوله تعالى: «وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ» معطوف على
محذوف، هو بيان لحال المؤمنين الذين اتقوا سوء العذاب بإيمانهم، فقيل لهم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون، «وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ».
وفى اتقاء العذاب ودفعه بالوجه، إشارة إلى شدّة هذا العذاب، حتى أن الوجه الذي تقوم جوارح الإنسان على حراسته ودفع الأذى عنه، يصبح هو لذبّة التي يذبّ بها هذا العذاب.
قوله تعالى:
«كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ».
هو مواجهة للمشركين بما ينتظرهم من عذاب مباغت، يطلع عليهم من حيث لا يشعرون، كما وقع ذلك للذين كذبوا رسل الله من قبلهم.. فتلك هى عاقبة المكذبين، ولن يفلت هؤلاء المشركون من هذه العاقبة..
قوله تعالى:
«فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ».
هو بيان للعذاب الذي حلّ بالمكذبين.. إنه عذاب فى الدنيا، بما أصابهم فى أنفسهم وأهليهم وأموالهم، وعذاب فى الآخرة، حيث تكون النار مأواهم.. وهذا العذاب الأخروى أكبر من كل عذاب يراه الناس فى هذه الدنيا.. ولكن المكذبين فى غفلة من هذا، فهم لا يعلمون سوء هذا المصير الذي ينتظرهم.
الآيات: (٢٧- ٣١) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٢٧ الى ٣١]
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ».
المراد بالناس هنا، هم المشركون، الذين ووجهوا بالرسالة الإسلامية..
ثم هو خطاب عام للناس جميعا إلى آخر الدهر..
وقوله تعالى: «مِنْ كُلِّ مَثَلٍ» أي من كل مثل فيه عبرة وعظة..
قوله تعالى:
«قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ».
قرآنا: منصوب على المدح، وعربيا صفة لقرآن، وغير ذى عوج صفة ثانية له.. أي أن هذا القرآن الذي ضرب الله سبحانه فيه الأمثال للناس، هو قرآن عربّى مبين، واضح المعنى، بيّن الدّلالة، ليس من سجع الكهان، ولا من رطانة الرهبان..
وقوله تعالى: «لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ» هو تعليل لنزول القرآن بلسان عربّى مبين، فبهذا اللسان العربىّ المبين، يقع منه العلم، ومن العلم يكون الإيمان والتقوى، ومثل هذا قوله تعالى: «وَكَذلِكَ أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا
وَصَرَّفْنا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْراً»
(١١٣: طه).
قوله تعالى:
«ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا.. الْحَمْدُ لِلَّهِ.. بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ».
هذا المثل، هو من تلك الأمثال التي ضربها الله سبحانه وتعالى للناس فى القرآن..
وفى هذا المثل تعرض صورة لرجلين مملوكين..
أمّا أحد الرجلين فهو فى ملكة شركاء، متشاكسين، أي مختلفين طباعا، ونوازع، وتفكيرا.. فهم على خلاف فى أمر هذا الرجل المملوك لهم.. هذا يأمره بأتيان أمر، وهذا ينهاه عن إتيان هذا الأمر.. وثالث يطلب منه عملا، ورابع يطلبه فى نفس الوقت لعمل.. وهكذا يصبح هذا الإنسان موزّع المشاعر، ممزّق الكيان.. لا يدرى ماذا يأخذ وماذا يدع، ولا يستطيع أن يقرر أيتقدم أم يتأخر.. إنه ريشة فى مهبّ ريح هوجاء..
وأما الرجل الآخر فهو فى ملك يد واحدة.. فهو مع مالكه على أمر معلوم، ووجه مفهوم.. إنه يجد كيانه كلّه حاضرا معه، أينما أقبل أو أدبر..
فهل يستوى هذان المملوكان فى حظهما من الحياة؟
إن الأول شقىّ، تمزّقه الأيدى الممسكة به، والمختلفة فيه.. كلّ يد تريد أن تذهب به مذهبا..
أما الآخر، فهو على حال من الأمن والاستقرار..
ومن هذا المثل تبدو العبرة والعظة لمن اعتبر واتعظ.
فالذى يعبد آلهة شتى، هو صورة من هذا الرجل الذي تملكه تلك الأيدى الكثيرة المتشاكسة.. إنه يقطع أنفاسه لاهثا، وراء كل إله يريد أن يكسب رضاه، بالملق والرياء، والدّس على الآلهة الآخرين..
وأما الذي يعبد إلها واحدا، هو الله ربّ العالمين، فهو صورة لهذا الرّجل الذي هو سلم لرجل، أي خالص له، لايدين بالولاء لغيره.. إنه إذ يعبد الله وحده، فهو على حال من الأمن والطمأنينة، مادام مطيعا له، مخلصا فى عبادته.
وقوله تعالى: «الحمد لله».. هو التعقيب على هذا المثل، الذي تنكشف به الطريق إلى الحق، وإلى الإيمان بإله واحد لا شريك له.. وهذا الحمد، هو منطق كل مؤمن، ولسان كل عاقل، نظر فى هذا المثل، وأخذ العبرة منه..
قوله تعالى: «بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ» - هو إضراب عن الحمد المطلوب من المشركين والضالين، والذي يقتضيه العقل منهم، وهم فى مواجهة هذا المثل المضروب.. فالناس جميعا مطالبون من عقولهم بأن يحمدوا الله الذي ضرب لهم الأمثال، ليبين لهم الطريق إلى الحق والخير.. ولكن أكثر الناس، - وهم أهل الضلال والشرك- لا يعلمون شيئا، ومن ثم فلا يحمدون الله على هذا المثل المضروب لهم، إذ لم يعلموا ما ينطوى عليه من هدى ونور.
قوله تعالى:
«إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ» هو إحالة لما بين النبي- صلوات الله وسلامه عليه- وبين المشركين، إلى ما بعد هذه الحياة الدنيا، إذ قد استنفد النبي جهده معهم، فى إبلاغهم رسالة ربه إليهم، كما استفرغوا هم جهدهم معه، فيما كانوا يرمونه به من ضر وأذى، وفيما كانوا يكيدون له وللمؤمنين معه..
وفى قوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ» - إشارة إلى أن هذا الموت المقضىّ به على النبىّ وعلى الناس جميعا، ومنهم هؤلاء المشركون- هذا الموت ليس هو خاتمة الأمر بينه وبينهم، وإنما هو بدء مرحلة جديدة، يكون فيها الفصل بينه وبينهم فيوفىّ كلّ جزاءه..
وفى التسوية بين النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- وبين الناس، فى الموت، ثم فى التسوية بينه وبينهم فى مجلس القضاء والفصل بين يدى الله- فى هذا إشارة إلى أن الناس جميعا على سواء عند الله، وإنما هى أعمالهم التي تنزلهم منازلهم عنده.. «مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها» (٤٦: فصلت).
الآيات: (٣٢- ٤٠) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٣٢ الى ٤٠]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦)
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)
التفسير:
قوله تعالى:
«فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ.. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ» مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الله سبحانه وتعالى قد أنذر المشركين بالموت، المقضىّ به على الناس جميعا فى هذه الدنيا، ثم أنذرهم بالحساب، المحكوم به على الناس جميعا فى الآخرة.. ثم جاءت هذه الآية لتكشف
للمشركين عن المصير الذي هم صائرون إليه يوم الحساب، وهو مصير مشئوم، حيث تكون النار هى مثواهم..
والاستفهام فى قوله تعالى: «فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ» - مراد به النفي، أي أنه لا أظلم ممن جمع بين هذين المنكرين، وهما الكذب على الله، بنسبة الولد إليه، أو اتخاذ تلك المعبودات التي عبدوها شفعاء عنده.. ثم التكذيب بالصدق، وهو القرآن الذي أنزله الله على النبي، فما كان قولهم فيه إلا أنه حديث مفترى، وأنه أساطير الأولين اكتتبها محمد، وتلقاها من علماء أهل الكتاب..
فهؤلاء الذين كذبوا على الله، وكذّبوا بالحق الذي بين أيديهم- هم أكثر الظالمين ظلما، لأنهم قطعوا على أنفسهم كل عذر يعتذرون به عن هذا الكفر الذي هم فيه. وذلك أنه إذ كان لهم عذر بالكذب على الله لجهلهم، فإنه لا عذر لهم بتكذيب الحقّ الذي جاءهم.. إذ كان من البيان والوضوح بحيث لا يكذّب به إلا كل معاند مكابر..
قوله تعالى: «أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ» - هو استفهام يراد به الإثبات، على طريق الإلزام والتوكيد، حيث لا جواب لهذا الاستفهام إلا التسليم بالمستفهم عنه، وإلا أن يجيب المستفهم منه بقوله: «بلى فى جهنم مثوى للكافرين».. فهى منزلهم المعدّ لهم، لا منزل لهم سواه..
قوله تعالى:
«وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» الذي جاء بالصدق، هو رسول الله- صلوات الله وسلامه عليه- والصدق الذي جاء به، هو القرآن الكريم، الذي تلقاه وحيا من ربه..
والذي صدق بهذا الصدق هم المؤمنون..
وقوله تعالى: «أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ» هو وصف شامل، للذى جاء بالصدق، وللذين صدّقوا به.. وفى الإشارة إليهم بقوله تعالى: «أُولئِكَ» - إشارة إلى علو منزلتهم، وأنهم بهذا المقام العالي الذي تتقطع دونه الأعناق.. وفى ضمير الفصل «هم» - إشارة أخرى إلى اختصاصهم وحدهم بهذا المقام الرفيع الكريم الذي هم فيه..
قوله تعالى:
«لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ.. ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ».
هو بيان لما يلقى هؤلاء المتقون من أجر عظيم، ورزق كريم، وهم فى هذا المقام الرفيع الذي هم فيه «لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ».. حيث يجدون كل ما يشتهون من نعيم الجنة، حاضرا بين أيديهم..
وقوله تعالى: «ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ» - إشارة إلى أن هذا الذي للمتقين عند ربهم من فضل وإحسان، هو الجزاء الذي يجزى الله به المحسنين من عباده.. كما يقول سبحانه: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ، وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ» (٢٦: يونس).
قوله تعالى:
«لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ»..
هو تعليل لهذا الجزاء الذي يجزاه المحسنون من الله.. وهو جزاء
يضاعف فيه الإحسان إلى المحسن، حتى ليسأل السائلون: ما بال هؤلاء المحسنين يجزون الحسنة أضعافا مضاعفة، على حين يجزى المسيئون السيئة بمثلها؟ أليس العدل يقضى بالتسوية فى الجزاء، فيجزى المحسنون الحسنة بالحسنة، كما يجزى المسيئون السيئة بالسيئة؟ فيجاب على هذا التساؤل: إن جزاء السيئة بالسيئة، عدل، وإن جزاء الحسنة بأضعافها، إحسان.. فالمسيئون مأخوذون بعدل الله، والمحسنون مجزيّون بإحسانه، وذلك «لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا» أي بهذا الإحسان المضاعف يمحو الله عنهم أسوأ ما فى صحفهم من أعمال، وهى السيئات التي تقع منهم وهم على طريق الإحسان، حتى تصبح صحفهم كلها إحسان، فيكون جزؤهم الإحسان بهذا الإحسان..
وهذا مثل قوله تعالى: «أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ» (١٦: الأحقاف)..
قوله تعالى:
«أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ».
الكافي: الكافل: والحافظ..
وعبده: هو رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه.. وفى الإشارة إلى رسول الله صلوات الله وسلامه عليه، بضمير الغيبة دون ذكره.. تنويه بشأنه وإعلاء لذكره، وأنه- صلوات الله وسلامه عليه- هو وحده المعنىّ بهذا الحديث، وأنّه وحده الجدير بهذه الإضافة بالعبودية الخالصة إلى ربّه..
والاستفهام هنا، للوجوب.. أي أن الله سبحانه وتعالى، هو الذي يكفى
عبده محمدا ويكفله، ويحفظه من كل سوء يراد به.. إذ كيف يعجز سبحانه عن أن يحمى حماه هذا، ويدفع المكروه عنه؟ تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا..
وقوله تعالى: «وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ».. هو معطوف على مضمون قوله تعالى: «أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ» - أي الله هو الذي يرعاك ويحفظك، والمشركون يخوفونك بآلهتهم، وما يقدّرون أن يلحقوه بك من سوء..
فهل يقع فى نفسك شىء من هذا الخوف الموهوم، وأنت فى حراسة الله ورعايته؟..
وقوله تعالى: «وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ» أي هذا ضلال من ضلال المشركين، إذ يحسبون أن آلهتهم تلك تملك ضرّا أو نفعا.. إنهم فى ضلال مبين. فقد أضلهم الله وطمس على عقولهم، فلم يروا إلا ظلاما وضلالا:
«وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ».
وقوله تعالى: «وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ.. أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ»..
أي الله سبحانه وتعالى، هو وحده، الذي يملك الضرّ والنفع.. وهو سبحانه الذي أضلّ هؤلاء المشركين، وهو سبحانه الذي هدى المهتدين.
وأن آلهتهم تلك لا تملك من هذا الأمر شيئا، فلا سبيل لها إلى هداية عابديها الذين أضلهم الله، كما لا سبيل إليها إلى ضلال المؤمنين الذين يحقرونها ويستخفّون بها.. «أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ» فيحمى بعزته أولياءه «ذى انتقام» «ينتقم لأوليائه ممّن يكيدون لهم؟ بلى.. إنه سبحانه عزيز بعز بعزّته من يلوذبه، ذو انتقام، ينتقم بقوته ممن يخرجون عن طاعته، ويؤذون أولياءه، وأهل ودّه..
قوله تعالى:
«وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ.. قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ.. قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ.. عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ» أي أن هؤلاء المشركين الذين يتهدّدون النبىّ صلوات الله وسلامه عليه.. ويخوفونه بآلهتهم، وما يمكن أن يريدوه به من سوء، إذا هو أصرّ على إعراضه عنها، أو التعرض لها- هؤلاء المشركون إذا سئلوا عمن خلق السموات والأرض، ما كان لهم جواب إلّا أن يقولوا، خلقهن الله.. إذ كانت هذه الحقيقة من الجلاء والظهور، بحيث لا يستطيع مكابر أو معاند أن ينكرها، فهى من الأمور المسلّمة التي لا اختلاف عليها.
وقد كان مقتضى هذا التسليم بأن الله هو الذي خلق السموات والأرض- أن يقيم للمشركين منطقا سليما مع اعتقادهم فى الله، فلا يجعلوا لغيره شركة معه فى تصريف هذا الوجود، وفيما يجرى فيه.. ولكنهم- مع تسليمهم بهذا السلطان المطلق لله- يجعلون لآلهتهم شركة معه فى تدبير هذا الملك، وسلطانا مع سلطانه فى تصريفه..
وفى قوله تعالى: «قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ؟»..
هذا هو السؤال المطلوب من المشركين أن يعطوا له جوابا.. هل هذه الآلهة التي يتهددون بها النبىّ تملك ضرّا أو نفعا؟ وهل لها إرادة مع إرادة الله، وسلطان مع سلطانه؟ وهل إذا أراد الله بالنبيّ ضرّا هل يمكن أن تردّه
عنه؟ وهل إذا أراد الله بالنبي خيرا ورحمة، هل تستطيع أن تمسك هذا الخير وتلك الرحمة عنه؟ إن يكن ذلك مما يقولون، فكيف يتفق هذا مع تسليمهم بأن الله خالق السموات والأرض؟ وهل من يخلق السموات والأرض يكون مقهورا من تلك الدّمى التي يعبدونها؟ أيتفق هذا مع ذاك؟.
وقوله تعالى: «قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ» هو أمر للنبى بما يلقى به ضلال هؤلاء الضّالّين، وما يتهددون به من أوهام وأباطيل.. إن الله هو حسبه وكافيه من كل ضر يراد به، وهو حسبه وكافيه، من كل خير يرجوه..
وقوله تعالى: «عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ» أي أن الله وحده، هو الذي يتوكل عليه المتوكلون، الذين يؤمنون به، ويضيفون وجودهم إليه، فيجدون فى ظله الأمن، والسلامة، والخير..
وفى الحديث عن الآلهة بضمير المؤنث «هنّ» تشنيع على هؤلاء المشركين، وتسخيف لعقولهم المريضة، التي تتخذ من هذه الدّمى آلهة تعبد من دون الله، ثم تقيم منها- بهذا الخيال السقيم- كائنات عاقلة، فيخاطبونها، ويلقون إليها بآمالهم وآلامهم، وهى- بين أيديهم- صمّاء لا تسمع، خرساء، لا تجيب!.
قوله تعالى:
«قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ»..
المكانة: المنزلة، والحال التي يكون عليها الإنسان..
وقوله تعالى: «اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ» أي اعملوا على ما أنتم عليه من ضلال، ومن معتقد فاسد مع آلهتكم تلك..
وقوله تعالى: «إِنِّي عامِلٌ» أي وأنا أعمل على ما أنا عليه، من إيمانى بالله، وولائى له وحده..
وقوله تعالى: «فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ» أي وسيأتى اليوم الذي ينكشف فيه الأمر بيننا، وسترون يومئذ من الذي سينزل به العذاب الذي يخزيه، ويفضح ما كان عليه من ضلال.. ثم ما يكون له وراء هذا من عذاب مقيم، يعيش فيه أبدا..
وعذاب الخزي هو ما يقع للمشركين فى الحياة الدنيا، يوم يرون بأعينهم نصر الله للمؤمنين، وخذلانه للكافرين، وتحطيم هذه الأصنام، ووطأها بالأقدام..
والعذاب المقيم، هو عذاب يوم القيامة، الذي يخلد فيه أهل الكفر والضلال..
الآيات: (٤١- ٤٦) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٤١ الى ٤٦]
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦)
التفسير:
قوله تعالى:
«إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ»..
هو بيان لمهمة النبي، وأنه رسول من الله للناس، يبلغهم ما أنزل إليه من ربه.. فمن اهتدى بهذا الكتاب فإنما يهتدى لنفسه، ويعمل الخير لها، ومن ضلّ فإنما ضلاله واقع عليه، ومجزىّ به، وليس النبي وكيلا على أحد، يؤدّى عنه حسابه.
وفى تعدية الفعل «أنزلنا» بحرف الجر (على) - إشارة إلى علوّ المتنزل الذي نزل منه القرآن على رسول الله، وأنه من الله رب العالمين، القائم بسلطانه على هذا الوجوه..
وفى قوله تعالى: «للناس» - إشارة إلى أن هذا القرآن هو خير مسوق من الله سبحانه للناس جميعا، ورحمة منزلة منه سبحانه إليهم، وأنه إذا كان النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- هو الذي تلقّى هذه الرحمة من ربه- فإن الناس جميعا شركاء له فيها، ولكل واحد منهم نصيبه منها، سواء دعى إلى أخذ نصيبه أم لم يدع إلى ذلك.. وفى هذا ما يفتح
الطريق لهؤلاء المعاندين المستكبرين، إلى كتاب الله.. فكثير من هؤلاء المشركين كانوا يأنفون أن يتفضّل عليهم النبىّ- صلوات الله وسلامه عليه- بهذا القرآن الذي بين يديه.. وفى حسابهم أنه قرآنه، يعطى منه من يشاء، ويمنع من يشاء.. وفى قوله تعالى: «للناس» ما يعزل عن القرآن هذه المشاعر التي تحول بين المشركين وبين الاتصال به.. إنه ليس قرآن «محمد» وليس ملك «محمد» وإنما هو كلام الله إلى عباد الله، ورحمة الله لخلق الله.. وما محمد- صلوات الله وسلامه عليه- إلا حامل هذه الرحمة، وداع إليها، وآخذ بنصيبه الذي قدّره الله له منها.. وإنها لرحمة واسعة لا حدود لها، ولكل إنسان حظه الذي يستطيع أن تطوله يده منها..
قوله تعالى:
«اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ».
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة، قد جاء فيها ذكر القرآن الكريم، الذي أنزله الله تعالى على نبيه- صلوات الله وسلامه عليه- هدى ورحمة للناس، وروحا وحياة للنفوس..
وفى هذه الآية بيان لمصير النفس الإنسانية، وأنها صائرة إلى الله، بما تحمل من هدى أو ضلال، وبما معها من نور القرآن، أو ظلام الشرك..
فقوله تعالى: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها» أي يردها إليه، ويوفّيها حسابها، حين يجىء أجلها، وتستوفى حياتها المقدورة لها فى الدنيا..
وقوله تعالى: «وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها» أي ويتوفى الأنفس فى منامها..
فالجار والمجرور فى منامها متعلق بقوله تعالى: «يَتَوَفَّى».. وعلى هذا يكون معنى الآية: «الله يتوفى الأنفس ويردها إليه حين يقبضها بالموت، أو بالنوم..
وقوله تعالى: «فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى»
هو بيان للأنفس التي يردها الله سبحانه وتعالى إليه، حين يغشى النوم أصحابها.. فهذه النفوس، إن كانت قد استوفت أجلها فى الدنيا أمسكها الله عنده فلا تعود إلى الجسد مرة أخرى، وإن كان قد بقي لها فى الحياة أجل، أرسلها لتعود إلى الجسد مرة أخرى، حتى ينتهى أجلها المقدور لها فى الدنيا..
فالله سبحانه وتعالى يردّ الأنفس إليه حين الموت، وحين النوم، إلا أنه فى حال الموت يمسكها عنده إلى يوم القيامة، أما فى حال النوم، فإن كانت النفس قد استوفت أجلها فى الدنيا أمسكها الله عنده، وإن لم تكن قد استوفت أجلها، أرسلها لتعود إلى جسدها، حتى ينتهى أجلها فى الدنيا.
ومن هذا يرى المرء أنه يموت كل يوم، وأن نفسه التي تلبسه تردّ إلى الله عند النوم، ثم يبعث من جديد فى اليقظة حين تعود إليه نفسه التي فارقت بدنه..
وهكذا تتكرر عملية الموت والبعث كل يوم فى ذات الإنسان.. ومع هذا ينكر الضالون البعث بعد الموت، وهم يرون هذه الحقيقة فى أنفسهم.. فهل بعد هذا الضلال ضلال؟ وهل بعد هذا السفه سفه؟ «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» ولكن أين من يتفكر؟ إنهم قلة قليلة فى هذا المحيط الصاخب المضطرب بالضالين السفهاء! [بين النفس. والروح.. والجسد] وهنا نود أن نقف قليلا بين يدى قوله تعالى: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى».
فقد أشارت الآية الكريمة إلى أن فى الإنسان نفسا، وأن هذه النفس تردّ إلى الله، على حين يترك الجسد لمصيره فى التراب..
فالإنسان إذن نفس وجسد.. وهما طبيعتان مختلفان.. فالنفس من العالم العلوي، والجسد من عالم التراب، وأنهما إذ يجمع الله بينهما بقدرته، فيجعل منهما- سبحانه- كائنا سويّا هو الإنسان، فإنه- سبحانه. بقدرته كذلك يحفظ لكل منهما طبيعته، حتى إذا انتهى الأجل الذي قدره الله لاجتماعهما، افترقا، فلحق كل منهما بعالمه، الذي هو منه.. النفس إلى عالمها العلوىّ، والجسد إلى عالمه الترابىّ.
وقبل أن نتحدث عن ماهية النفس، وعن الآثار التي تتركها فى الجسد، أو يتركها الجسد فيها. حين اجتماعهما- نود أن نشير إلى كائن آخر، يعيش مع الجسد والنفس، هو الروح فقد أشار القرآن الكريم إلى الروح، فقال تعالى:
«وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» (٨٥ الإسراء) وإذن فهناك:
الجسد، والروح، والنفس، وثلاثتها هى الإنسان.
فما الجسد؟ وما الروح؟ وما النفس؟
وليس ثمة خلاف فى أن الجسد، هو هذا الكيان من اللحم، والعظم، والدم، والذي هو المظهر المادي للإنسان..
أما الروح، وأما النفس فهما قوتان غيبيتان تسكنان إلى هذا الجسد، فيكون بهما معا هذا الإنسان الحي، السميع، البصير، العاقل المميز بين الخير والشر، والنافع والضار..
والسؤال هنا: هل الروح والنفس حقيقة واحدة، أم هما حقيقتان؟ وإذا كانتا حقيقتين، فهل هما من طبيعة واحدة أم من طبيعتين مختلفتين كالاختلاف الذي بينهما وبين الجسد؟
إن القرآن الكريم يحدثنا عن الروح، وعن النفس..
وفى حديث القرآن عن الروح. نجد أنها نفحة الحياة فى الإنسان، وأنها من روح الله، فيقول سبحانه فى خلق آدم: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ» (٢٩ الحجر) ويقول سبحانه: «ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» (٩: السجدة) ويقول سبحانه فى خلق عيسى عليه السلام: «وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا» (١٢: التحريم).
فالرّوح هى مبعث الحياة فى الإنسان، وهى التي تخرج هذا الجسد الهامد إلى عالم الحياة والحركة..
والإنسان فى هذه الحدود، لا يخرج عن كونه حيوانا، ذا جسد حىّ، يتنفس، ويتحرك ويطلب الغذاء الذي يحفظ حياته..
فهل للحيوان روح كهذه الروح التي تلبس الإنسان، وتكسوه حياة وحركة؟
إننا إذا رجعنا إلى قوله تعالى عن الروح: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» - تجد أن الروح التي تلبس الكائن الحي- من إنسان أو حيوان- هى روح، وهى من أمر الله! ولكننا إذ ننظر فى قوله تعالى فى خلق آدم: «فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي» وقوله سبحانه: «ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ» - نجد مزيدا من؟؟؟ الإحسان والتكريم للإنسان، بإضافة روحه إلى الله سبحانه وتعالى..
وهذه الإضافة تضفى على روح الإنسان صفاء إلى صفاء، وقوة إلى قوة..
وإنه إذا كان لا حديث للعلم فى هذا الأمر الغيبىّ، فإن المشاهدة تدعونا إلى القول بأن الأرواح التي تلبس الكائنات الحية- بما فيها الإنسان- ليست على درجة واحدة من القوة التي تنبعث منها فى الكائن الحي، وفى الآثار التي تحدثها فيه..
ففى عالم الحيوان مثلا.. نجد من الحيوانات مالا تكاد تحسّ فيه الحياة، كالديدان مثلا، كما نجد حيوانات تكاد تعقل، كالقردة.. وبين هذه وتلك أنماط كثيرة من الحيوات التي تلبس عالم الحيوان..
وهذا يعنى أن اختلافا ما بين روح وروح إن لم يكن فى النوع ففى القدر، وفى الدرجة.
ومن جهة أخرى، فإننا نجد فى عالم البشر أناسا لا يبتعدون كثيرا عن عالم الحيوان، بينما نجد الذكاء والألمعية والعبقرية فى أناس آخرين.
وهؤلاء وأولئك جميعا يلبسون أرواحا من مورد واحد، هى نفخة الله سبحانه وتعالى فى الإنسان.. وهذا يعنى أن الاختلاف فى الأرواح البشرية ليس فى النوع، وإنما فى القدر والدرجة.. أيضا.. بمعنى أن الاختلاف بين إنسان وإنسان فى العقل، والذكاء، والبصيرة، هو اختلاف فى القدر الذي كان للجسد من عالم الروح، وفى الكمية- إن صح هذا التعبير- التي فاضت عليه من هذا العالم!! وهذا أيضا ما يشير إليه الفلاسفة فى حديثهم عن الروح، وأن كل جسد إنما تلبسه روح خاصة به، مقدرة بحسب استعداده الفطري، وقدرته على احتمال ما يفاض عليه منها..
وإذن فهذا الاختلاف بين الكائنات الحية ومنها الإنسان- هو أثر من آثار الروح التي لبسته، وأنه بقدر حظه من الروح- قدرا لا نوعا- يكون حظه من الترقي فى سلم الحياة.
وإذا كان لنا أن نشبه عالم الروح بمولد كهربائى عظيم، وكان لنا أن نشبه الأجسام بلمبات الكهرباء، على اختلاف قوتها، مما هو دون الشمعة، إلى آلاف الشمعات- كان لنا أن نتمثل الأجسام، أو اللمبات الكهربائية، وقد اتصلت بالمولد الكهربائى العظيم، فأخذ كل جسم أو كل لمبة بقدر قوته من النور الكهربى، أو من عالم الروح!..
وعلى هذا نرى أن الكائن الحي، جسد وروح، وأن الإنسان كذلك جسد وروح، وإن كان حظه من عالم الروح- قدرا لا نوعا- أكبر من أي كائن حى آخر فى غير عالم الإنسان.
إذن فما النفس؟
أهي الروح الإنسانية، سميت بهذا الاسم، للتفرقة بين روح الإنسان، وروح الحيوان.. إذ كان للإنسان النصيب الأوفى من هذا النور العلوي المفاض على الأحياء؟ أم هى شىء مضاف إلى خلق الإنسان، به صار الإنسان إنسانا، بعد أن أصبح بالروح حيوانا؟
يحدث القرآن الكريم عن النفس، على أنها كائن له وجود ذاتى مستقل، وبمعنى آخر، إن القرآن يخاطب الإنسان فى ذات نفسه، باعتبار أن النفس هى القوة العاقلة المدركة فيه، فيقول سبحانه: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها».. ويقول جل شأنه: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي» (٢٧- ٣٠ الفجر) ويقول
سبحانه: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ» (٥٣ يوسف) ويقول:
«بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْراً» (١٨: يوسف) ويقول سبحانه: «وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ» (١: الطلاق) ويقول سبحانه: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً» (٦: التحريم).
فالنفس هنا، وفى مواضع أخرى كثيرة من القرآن، هى الإنسان العاقل، المكلف، وهى الإنسان الذي يتوقع منه الخير أو الشر، والهدى أو الضلال..
ثم هى الإنسان بجميع مشخصاته، جسدا وروحا!..
ومرة أخرى.. ما هى النفس؟
والجواب الذي نعطيه عن هذا السؤال هو مستمد من القرآن الكريم، بعيدا عن مقولات الفلاسفة، وغير الفلاسفة ممن لهم حديث عن النفس «١».
وعلى هذا نقول:
يشخّص القرآن الكريم النفس، ويجعلها الكائن الذي يمثل الإنسان أمام الله، بل وأمام المجتمع أيضا..
فالقتل الذي يصيب الإنسان هو قتل للنفس، كما يقول سبحانه: «وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ» (٢٩: النساء) ويقول جل شأنه: «مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً» (٣٢: المائدة).
وفى مقام القصاص تحسب «النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ» (٤٥: المائدة).
(١) من أراد النظر فى هذا الموضوع على الآراء المختلفة فى النفس أو الروح، أو العقل، فليرجع إلى كتابنا قضية الألوهية (الجزء الثاني).. (الله والإنسان).
وفى مقام التنويه بالإنسان، ودعوته ليلقى الجزاء الحسن، تخاطب النفس، وتدعى، فيقول سبحانه: «يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي» (٢٧- ٣٠: الفجر).
والنفس فى القرآن هى الإنسان المسئول المحاسب: «وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها» (٧- ١٠:
الشمس) «بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ»
(١٤- ١٥: القيامة) وإن بالفهم الذي يستريح إليه العقل فى شأن النفس، هو أنها شىء غير الروح، وغير العقل.. وأنها هى الذات الإنسانية أو الإنسان المعنوي، إن صح هذا التعبير.. إنها تتخلق من التقاء الروح بالجسد، إنها التركيبة التي تخلق فى الإنسان ذاتية يعرف بها أنه ذلك الإنسان بأحاسيسه ووجدانه ومدركاته..
النفس هى ذات الإنسان، أو هى مشخصات الإنسان التي تنبىء عن ذاته..
ولا نريد أن نذهب إلى أكثر من هذا.. وحسبنا أن نؤمن بأن الروح من أمر الله، فلا سبيل إلى الكشف عنها كما يقول سبحانه: «قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي» وأن النفس، جهاز خفى عامل فى الإنسان.. هى الإنسان المعنوي- كما قلنا- ولهذا كانت موضع الخطاب من الله تعالى، كما أنها كانت موضع الحساب والثواب والعقاب..
قوله تعالى:
«أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ» ؟.
هو بيان لضلالة من ضلالات المشركين، بعد إقرارهم بأن الله- هو الذي خلق السموات والأرض- فهم مع إقرارهم هذا- يتخذون من
الأصنام وسائل يتوسلون بها إلى مرضاة الله، ويرجون بها الشفاعة عنده، ويقولون لمن يحاجّهم فيها: «ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى» (٣: الزمر) فهم- مع اعترافهم بأن هذه الأصنام ليست الإله الخالق الرازق، المالك لما فى السموات والأرض- مع اعترافهم هذا- لا يوجهون وجوههم إلى الله مباشرة، بل يجعلون بينهم وبين الله من يتولى الاتصال بالله عنهم، والشفاعة لهم فيما يريدون من الله، من جلب خير، أو دفع ضرّ.. وهذا ضلال من وجوه:
فأولا: أن الإنسان- من حيث هو إنسان- مخلوق كريم عزيز بين مخلوقات الله.. قد أحسن الله خلقه، وأمر الملائكة بالسجود له، وأقامه خليفة له فى الأرض..
وهذه منزلة عالية، ودرجة رفيعة، جدير بالإنسان أن يقيم وجوده فيها، ويطلب من الله الاستزادة منها.. وذلك بدوام الاتصال بالله، وطلب القرب منه، بالولاء المطلق لله، والإخلاص فى عبادته، والاجتهاد فى طاعته..
وفى تخلّى الإنسان عن هذا المقام، وإسلام زمامه لغيره، من دمى وأشباه دمىّ، لتقوده إلى الله- فى هذا نزول بالإنسان عن منزلته، واعتراف منه بأنه ليس أهلا لها..
وثانيا: أن الله- سبحانه- الذي كرم الإنسان، جعل طريقه إليه مفتوحا ليس عليه خزنة أو حجاب وذلك حتى يتحرر الإنسان من التبعية لأى مخلوق، تلك التبعية التي يسلم فيها وجوده العقلي والروحي لغيره، فيفقد بذلك ذاتيته، ويصبح كائنا مسلوب الإرادة، يتحرك بإرادة غيره، فيقاد، كما يقاد الحيوان.
وقد حرّرت الشريعة الإسلامية الإنسان تحريرا كاملا، وأطلقت كل قواه وملكاته من كل قيد ومن كل تبعية، حتى أن الولاء الذي يعطيه المؤمن للنبىّ ليس ولاء أعمى، بل المطلوب منه شرعا أن يكون ولاء مستندا إلى العقل، وإلى الاقتناع.. حتى ينبع هذا الولاء عن نفس راضية وقلب مطمئن.. ولهذا كانت دعوة الإسلام دعوة قائمة على مجرد البلاغ، والعرض لما بين يديها من هدى.. ثم إن للناس أن يعرضوا هذا المعروض عليهم، على عقولهم.. ثم إن لهم مع هذا إرادتهم المطلقة، فى قبول ما عرض عليهم، أو رفضه..
وفى هذا يقول الله تعالى: «وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ.. فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ» (٢٩: الكهف) ويقول سبحانه لنبيه الكريم: «أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ» (٩٩: يونس) ويقول جلّ شأنه: «لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ.. قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ» (٢٥٦ البقرة) وثالثا: هؤلاء المشركون، الذي يتعاملون مع تلك الأصنام، قد ضلوا ضلالا بعد ضلال.. فهم ضلوا أولا، لأنهم لم يوجهوا وجوههم إلى الله مباشرة، بل جعلوا بينهم وبين الله من يقودهم إليه، وضلوا ثانيا لأنهم أسلموا زمامهم لتلك الدّمى التي لا تعقل، ولا تسمع ولا تبصر!! فكيف يكون لهذا الدّمى أن تتجه بهم إلى متجه، وهى تابعة فى أماكنها لا تملك تحولا من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان؟ وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ» ؟ أي أيتعاملون مع هذه المعبودات ويسلمون أمرهم إليها، ولو كانت لا تملك شيئا ولا تعقل أمرا؟ فإذا كان الإنسان على ضلال إذا أسلم نفسه لإنسان عاقل مثله، أو لمن هو أعقل منه، فإنه يكون على ضلال مبين، وسفه غليظ، إذا هو أسلم نفسه لحيوان أو حجر!!
قوله تعالى:
«قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.. ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» هو تقرير لتلك الحقيقة المطلقة التي غفل عنها المشركون، وعمى عنها الضالون، وهى أن الشفاعة جميعها لله وحده، لا يملك أحد مع الله شيئا منها..
فهو سبحانه مالك السموات والأرض، وإليه يردّ كل ما يجرى فيهما، وما يقع للمخلوقات من نفع أو ضر..
وقوله تعالى: «ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ» هو دعوة إلى الناس أن يرجعوا إلى الله، وأن يسلموا أمرهم إليه وحده يوم الحساب والجزاء.. فهو- سبحانه- الذي يتولى حساب الناس وجزاءهم.. فمن السفه والجهل معا أن يكون هناك عمل يتجه به إلى غيره.. إنه عمل ضائع، لا يقام له وزن! بل هو وزر يحمله الإنسان معه، لأنه حجه عن الله، وقصّر به دون العمل لمرضاته..
والشفاعة هنا: هى ما يجلب به الخير، ويدفع به الضر.. أي أن كل ما هو مطلوب للإنسان من جلب خير أو دفع ضر، هو بين يدى الله، وهو سبحانه المتصرف فيه وحده.. فمن طلب فليطلب من الله وحده.. ومن طلب من غيره شيئا، فقد ضل سعيه وخاب رجاؤه..
قوله تعالى: «وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ. وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ» هو فضح لحال من أحوال المشركين، وكشف لضلالة من ضلالاتهم..
فهم إذا ذكر الله وحده، من غير أن تذكر معه آلهتهم- اشمأزت قلوبهم،
أي نفرت، وجزعت، وهلعت.. وإذا ذكرت آلهتهم، وما لها من شفاعة عند الله، فرحوا واستبشروا..
وفى قوله تعالى: «الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ» - إشارة إلى أن الإيمان بالآخرة، لا يكون إلا بعد الإيمان بالله.. فالإيمان بالآخرة، إيمان بها وبالله.. وقد يكون إيمان بالله وكفر بالآخرة، كما كان عليه إيمان المشركين..
فهم يعرفون الله، ويؤمنون بأن على هذا الوجود إلها واحدا.. ولكنهم يتخذون معه آلهة أخرى، هى- عندهم- دون الله جلالا وقدرا.. إنها قربان يتقربون بها إلى الله.. ثم هم لا يؤمنون بالآخرة، إذ يستبعدون أن يحيى الله الناس بعد أن يصيروا ترابا.. وهذا قصور فى فهمهم، لجلال الله وقدرته..
قوله تعالى:
«قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ».
هو دعوة للنبى- صلوات الله وسلامه عليه- أن يعلن الناس بهذه الحقيقة، وهى أن الله سبحانه، هو فاطر السموات والأرض، أي خالقهما ابتداء على غير مثال سبق..
وأنه سبحانه عالم الغيب والشهادة، أي ما غاب عنّا، وما ظهر لنا..
وهو سبحانه الذي يحكم بين عباده فيما اختلفوا فيه من الحق، فيحقّ- سبحانه- الحق ويبطل الباطل.. «لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ إِنْ شاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ»..
وقد جاء هذا الخبر فى صورة النداء والدعاء، لبيان أن النبي- صلوات الله وسلامه عليه- قد بلّغ رسالة ربه، كما أمره ربه، وأنه أفرغ جهده كلّه فى الدعوة إلى الله.. ولم يبق بعد هذا إلا الحساب والجزاء.
الآيات: (٤٧- ٥٤) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٤٧ الى ٥٢]
وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)
أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ».
مناسبة هذه الآية لما قبلها، هى أن الآية السابقة عليها قد كانت دعاء من الرسول- صلوات الله وسلامه عليه- إلى ربه أن يفصل بينه وبين قومه، فيما اختلفوا فيه عليه، وفى تكذيبهم إياه- فجاءت هذه الآية، وكأنها استجابة لدعوة الرسول.. فها هو ذا يوم الفصل، وها هم أولاء الذين ظلموا يساقون إلى جهنم، ويطلبون الشفعاء فلا يجدون شفيعا، ويستصرخون ولا صريخ لهم إلا زبانية جهنم، يدعّونهم إلى النار دعّا..
فلو أنه كان بين يدى أحدهم ما فى الأرض جميعا، ومثل ما فى الأرض مضافا إليه، لافتدى به نفسه من عذاب هذا اليوم، ولوجد ذلك صفقة رابحة له.. وهذا مثل قوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدى بِهِ» (٩١: آل عمران)..
وقوله تعالى: «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» - إشارة إلى ما ينكشف للمشركين والضالين فى هذا اليوم، مما لم يكن يقع فى حسبانهم..
ففي هذا اليوم يرون أن ما كانوا يعبدون من دون الله، هو ضلال فى ضلال، ويرون أعمالهم التي زينها لهم الشيطان، وجوها منكرة، تطلع عليهم بالويلات والحسرات.. وأكثر من هذا، فإنهم يرون هذا الهول الذي يلقاهم من جهنم، مما لم يقع فى خيال، أو يخطر على بال..
كما يرون أناسا كانوا يسخرون منهم ويستهزئون بهم قد لبسوا حلل النعيم، ونزلوا منازل الرحمة والرضوان، على حين يشهدون سادتهم وكبراءهم ممن كانوا ينزلونهم منازل الآلهة، وقد قطّعت لهم ثياب من نار، يصبّ من فوق رءوسهم الحميم.. يصهر به ما فى بطونهم والجلود.. ولهم مقاطع من جديد.. كلّما أرادوا أن يخرجوا منها من غمّ أعيدوا فيها...
إن معارف الناس، وتصوراتهم وأخيلتهم فى هذه الدنيا، لا تكاد تلتقى مع شىء من أمور الآخرة، وإن كان المؤمنون بالله أكثر تصورا لها، وأقرب إدراكا لمجملها..
روى أن بعض الصالحين حين حضره الموت، فزع واضطرب، فسئل فى هذا، فقال: ذكرت قول الله تعالى: «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» فما أدرى ماذا يبدو لى من الله وأنا مقدم عليه!.
قوله تعالى:
«وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ».
هو معطوف على قوله تعالى: «وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ» - من عطف الخاص على العام.. فمما يبدو للظالمين- مما لم يكونوا يحتسبونه- هو سيئات ما كسبوا، حيث يبدو كسبهم الذي كسبوه، وعملهم الذي عملوه فى الدنيا، ضلالا فى ضلال، وسوءا إلى سوء. وخسرانا إلى خسران، مع أنهم كانوا يحسبون أن هذا الذي يعملون، هو الحق، وهو الخير.. والله سبحانه وتعالى يقول: «قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً».. (١٠٣- ١٠٤: الكهف) وقوله تعالى: «وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ»..
حاق بهم: أي نزل بهم، واشتمل عليهم.. وأصله من الحقّ..
ومعنى هذا، أن الحق الذي كانوا يستهزئون به قد جاء ليحاكمهم، وليقتصّ منهم لجنايتهم التي جنوها عليه، بالانتصار للباطل، ومحاربة أولياء الحق..
قوله تعالى:
«فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ.. بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ.. وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ»..
خولناه نعمة: أي آتيناه نعمة، صار بها من أصحاب الوجاهة والرياسة..
وأصلها من الخيلاء والعجب.. ومنها «الخال» وهو الشامة السوداء التي تزين الوجه الحسن، وتزيده حسنا..
والفاء فى قوله تعالى: «فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا» - هى فاء العطف، للتفريع على قوله تعالى: «وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ»، أي فكان من استهزائهم بالحق أن الإنسان منهم إذا أصابه ضر دعا ربه.. ثم إذا كشف الله الضرّ عنه، وخوله نعمة من نعمه، تنكر لله، ولم يذكر أن هذه النعمة من عند الله، بل قال إنما أوتيت ما أوتيت عن علم منّى..
إن ذلك كان بحولي وحيلتى.. وهذا من ضلال العقل، وخداع النفس.. فلو أن هذا الجهول كان يملك أن يجلب لنفسه نفعا، لكان يملك أن يدفع عن نفسه كل ضر ينزل به، ولما كان له أن يدعو الله عند كل ضر يقع له.. فهل يظن هذا الجهول أن الله يملك الضر ولا يملك النفع؟ ولكنها سكرة النعمة تلبس الأحمق الجهول، فإذا هو فيها مارد جبار يخيل إليه أنه يخرق الأرض أو يبلغ الجبال طولا! ثم إن هذا الجبار، يشاك بشوكة أو يحتبس له بول، ليوم أو بعض يوم، فإذا هو ذليل مهين، يصرخ صراخ الأطفال، ويئنّ أنين الثّكلى! وقوله تعالى: «إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ».. الضمير فى أوتيته، يعود إلى المال الذي جمعه، فهو لا يرى النعمة إلا مالا، أما غير المال من نعم الله، فلا يلتفت إليه..
وقوله تعالى: «بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ» أي هذه النعمة، هى فتنة وابتلاء، فكما يبتلى الله بالشر، يبتلى كذلك بالخير، كما يقول سبحانه: «وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً» (٣٥: الأنبياء).
قوله تعالى:
«قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ».
أي قد قال مثل هذه القولة الضالة الآثمة أقوام كثيرون قبل هؤلاء المشركين.. قد قالها قارون، إذ قال: «إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ عِنْدِي» بل وقال أشنع منها، ذلك الذي حاجّ إبراهيم فى ربه: «إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ.. قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ» ! (٢٥٨: البقرة) فماذا كان وراء هذا الضلال فى الرأى؟ لم يكن إلا الخيبة والخسران، فقد أهلك الله الضالين، وأخذهم البلاء من حيث لا يشعرون.. فما كان لهم من هذا الذي بين أيديهم ولىّ ولا نصير.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا، وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا.. وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ».
وفى قوله تعالى: «وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا» تهديد ووعيد لهؤلاء المشركين الظالمين من قريش، وأنهم سيقع بهم ما وقع بالظالمين قبلهم «سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا» (٦٢: الأحزاب).
فالله سبحانه لا يبدل سنته مع هؤلاء الظالمين «وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ» أي لن يعجزوا الله، ولن يفلتوا من عقابه، وهو القوىّ العزيز.
وفى الإشارة إلى مجتمع الجاهليين جميعا، وفيهم المؤمنون والمشركون- فى الإشارة إليهم بهؤلاء، بدلا من أن يقال من قومك، أو من المشركين أو نحو هذا- ما يدل على أن الظالمين معروفون لكل من ينظر إليهم، وأنهم بحيث يشار إليهم باليد، واحدا واحدا..
قوله تعالى:
«أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ.. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ».
أي ألم يكن لهؤلاء الضالين نظر فى تصريف الله وتدبيره؟ إنهم لو نظروا نظرا عاقلا مستهديا، لعلموا أن الله سبحانه «يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ» أي يوسعه ويكثره لمن يشاء، «ويقدر» أي يقبضه ويقلله لمن يشاء، بحكمة الحكيم، وتدبير العليم..!
وهذا الاختلاف فى حظوظ الناس من الرزق، هو الذي يضبط ميزان الناس فى الحياة، ويجعل لحياتهم هذه الطعوم المختلفة، وتلك الألوان المتباينة، التي بغيرها لا تكون الحياة حياة، ولا الناس ناسا.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ.. إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ.. وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ» (١١٨- ١١٩ هود).
فهذا الاختلاف بين الناس فى الرزق، هو الذي يدفع موكب الحياة، ويبعث الناس إلى الجدّ والتحصيل.. ولو كانوا على درجة واحدة، لماتت نوازع التنافس بينهم، ولخمدت روح الابتكار والتجديد، ولركدت الحياة الإنسانية كما تركد المياه فى المستنقعات! وقوله تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» - أي فى هذا التفاوت
فى الرزق، والاختلاف فى حظوظ الناس منه- آيات وشواهد للمؤمنين بالله، يشهدون منها حكمة الخالق، وقدرته، وسلطانه، وعلمه..
الآيات: (٥٣- ٦١) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٥٣ الى ٦١]
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩) وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١)
التفسير:
قوله تعالى:
«قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
فى وسط هذا الظلام المتراكم من الكفر، ومن خلال هذا الدخان المتصاعد من معاقل الضلال، ومواقع الشرك- تشرق الأرض بنور ربها، وفى سنا هذا النور القدسي يؤذّن مؤذّن الحق، بين ظلام هذا الكفر المتراكم، ودخان هذا الضلال المتصاعد، داعيا هؤلاء الغرقى فى بحار الكفر والضلال:
«يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».
إن الغرقى إذ يسمعون هذا النداء الكريم ليرون بأعينهم رأى العين، مراكب النجاة تخفّ إليهم من كل جهة، وليس عليهم إلا أن يتعلقوا بها، ويشدوا أيديهم عليها، لتحملهم إلى شاطىء النجاة والسلامة..
ولكن ما أكثر الذين يرون الخير ولا يتجهون إليه، ويشهدون النور ولا يفتحون أعينهم عليه.. وفى ابن نوح مثل يشهد لهذا، فقد كان يرى بعينيه الطوفان يهجم عليه، ويكاد يبتلعه فيمن ابتلع من الضالين والغاوين، وأبوه يناديه: يا بنىّ اركب معنا ولا تكن مع الكافرين.. فيأبى إلا أن يركب رأسه، ويلقى بيده إلى التهلكة! وهؤلاء هم أبناء نوح، يناديهم ربّ العزّة هذا النداء الرحيم: «يا عبادى».
ويضيفهم سبحانه وتعالى إليه إضافة رحمة ورعاية، وإحسان، تعلو على إضافة الأبناء إلى الآباء، حنانا ورحمة وإحسانا..
وهؤلاء الذين ينادون من ربهم هذا النداء الرحيم الكريم، ويضافون إلى عزته وجلاله إضافة الرحمة والإكرام- هم العصاة، الخارجون على حدود الله، المعتدون على حرماته، الجاحدون لنعمه..
إنهم الذين أسرفوا على أنفسهم، وجاروا عليها بهذه الأوزار التي حمّلوها إياها.. فيالطف الله، ويا لسعة كرمه.. وعظيم مننه، وجليل إحسانه!! وقوله تعالى: «لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ» هو اليد البرة الرحيمة الحانية التي يربت الله بها على هؤلاء المذنبين العصاة، بمجرد أن يلتفتوا إلى هذا النداء الرحيم اللطيف: «لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ».. إنها قريبة منكم، دانية لأيديكم.. فهيا أقبلوا عليها، واستظلوا بظلها، واقطفوا ما تشاءون من ثمرها..
وفى قوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً».. شحنة من النور تضىء ظلام هذه النفوس التي تنظر إلى الله سبحانه وتعالى من خلال هذا الضباب المنعقد من اليأس حولها، وهى تذكر بشاعة جرائمها، وشناعة آثامها، وتحسب- جهلا وضلالا- أن ذنوبها أكثر من أن تغفر، وأن جرائمها أكبر من أن يتجاوز لها عنها.. وكلّا.. فإن ذلك ظن سيىء بالله:
«إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً» مهما تكن بشاعتها وشناعتها.. «إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» فما أعظم مغفرته، وما أوسع رحمته.. والله سبحانه وتعالى يقول: «وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ» (١٥٦: الأعراف) !! فأى عذر لمذنب بعد هذا البلاغ المبين، إذا هو لم يسع إلى الله، ويغتسل فى بحر رحمته، من أدرانه، ويتطهر من ذنوبه؟
وأي عذر لمجرم بعد هذا النداء الكريم الرحيم، إذا هو لم يمدّ يده إلى ربّه، ليقيل عثرته، ويحمل عنه وزره؟
«يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ..
«لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.. «إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً».. «إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ..»
إنها ضيافة كريمة فى ساحة رب كريم..
وإنها نزل مهيأة، بكل أسباب الهناءة والرضوان، يستقبل فيها على طريق الحياة، أولئك الذين أضناهم السفر الطويل، وأكلت وجوههم لوافح الهجير..
فيجدون حيث ينزلون ظلا ظليلا، وطعاما هنيئا، وشرابا باردا.
فقل لمن يرى هذا المنزل الكريم ويعدل عنه: ألا ما أعظم غباءك، وما أشأم حظك، وما أولاك بالذئاب تفترسك، وبالحيات تنهشك، فلا يرحمك راحم، ولا يبكيك باك.. من قريب أو صديق! قوله تعالى:
«وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ.. مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ»..
إنه دعوة إلى رحاب الله، بعد أن فتحت الأبواب، ومدت موائد رحمته..
فلم يتبق إلا أن يمد المدعوون أيديهم إلى هذه الموائد، وأن ينالوا منها ما يشتهون..
ومن عظيم لطف لله بعباده، وسابغ برّه بهم، وسعة رحمته لهم، أن لقيهم، وهم على طريق الضلال، وبين مراعى الإثم والمعصية، وأراهم منه- سبحانه- ما بين يديه من رحمة ومغفرة، وأنهم مع ما هم فيه من محاربة له، وعصيان لأمره، واعتداء على حرماته- لا يزالون من عباده، الذين لا تغلق دونهم أبوابه، ولا تحجب عنهم رحمته- ذلك كله قبل أن يطلب- سبحانه وتعالى- إليهم أن يرجعوا إليه، وأن يلقوا الأسلحة التي يحاربونها بها.. إنهم
على ما هم عليه عباده، وأبوابه لن تغلق دونهم، ورحمته لن تحجب عنهم، ماداموا فى هذه الدنيا..
ألا خسىء من لا يستحى من ربه، فيظل قائما على حربه، على حين يبسط إليه ربه يده، ويظلله بربوبيته، ويمده بنعمه وفضله! فقوله تعالى: «وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ» - هو رحمة من رحمة الله، وإفساح لطريق النجاة، بالعودة إلى الله والمصالحة معه، فى أية لحظة من لحظات الحياة، قبل أن تدنو ساعة الموت، وينقطع العمل، وينتقل الإنسان إلى الدار الآخرة بما مات عليه فى الدنيا..
وعندئذ ينزل الإنسان منزله فى الآخرة، بآخر منزل كان عليه فى الدنيا..
«فَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ. وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ، وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ» (٨٨- الواقعة).
قوله تعالى:
«وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ».
أحسن ما أنزل إلى العباد من الله، هو كلمات الله، وهى القرآن الكريم.. فقد أنزل إلى العباد من الله نعم كثيرة، وخيرات موفورة، وأرزاق لا تحصى، ولكن أحسن ما أنزل إليهم من هذه النعم وتلك الخيرات، وهذه الأرزاق، هو هذا الكتاب، الذي به يعرف الإنسان قدر هذه النعم، وطعم هذه الخيرات.. فهو الميزان العدل الذي يقيم هذه النعم وتلك الخيرات على طريق الحق والإحسان، وبغير هذا الميزان تتحول هذه
النعم إلى نقم فى يد أصحابها، تفسد عليهم وجودهم، وتحرمهم الثمرة الطيبة المرجوّة منها.
وفى قوله تعالى: «مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ»..
إشارة إلى المبادرة بالرّجوع إلى الله، والتخلّي الفوري عن مشاعر الإمهال والتسويف، من يوم إلى يوم، إذ لا يدرى المرء متى يحين حينه، ويأتيه أجله.. فقد يؤخّر المرء التوبة إلى غد، ثم لا يأتى الغد إلّا وهو فى عالم الموتى. وقد يؤخر التوبة من صبح يومه إلى مسائه، فلا يكون فى المساء بين الأحياء. فالمراد بإتيان العذاب هنا، هو وقوع الموت بالعصاة والمذنبين قبل التوبة.. فإتيان الموت لهم وهم على تلك الحال، إتيان بالعذاب الذي يبدأ دخولهم فيه منذ لحظة الموت.. وهنا تكون الحسرة والندامة، حيث لا تنفع حسرة، ولا نجدى ندامة!.. وهذا ما يشير إليه- قوله تعالى:
«أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ».
فهذه مقولات ثلاث، للذين أدركهم الموت وهم على كفرهم وضلالهم..
وهى بدل من قوله تعالى: «أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ».. أي واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم من قبل أن تقولوا فى حسرة وندم هذه المقولات..
وكل مقولة من هذه المقولات الثلاث، يقولها الكافر الضال، فى مرحلة من مراحل الآخرة.. من الموت.. إلى البعث.. إلى الحساب والجزاء..
فعند الموت، يرى أهل الضلال مصيرهم المشئوم الذين هم صائرون إليه، فيعرف الضالّ منهم أنه كان من أمره على ضلال، فيقول: «يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ».
والتفريط، معناه: التقصير، وجنب الله: هو ما لله، وما ينبغى له من طاعة وولاء من عباده.. و «إن» هى المخففة من إنّ الثقيلة المؤكدة..
أي وإنى كنت لمن الخاسرين، إذ بصّرت فلم أبصر، وجاءنى الهدى، فلم هتد، وقد اهتدى الناس وضللت، وربح المؤمنون وخسرت..
والمقولة الثانية، وهى قوله: «لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» يقولها عند ما يبعث من قبره، ويساق إلى المحشر.. حيث يأخذ مكانا ضيقا بين المجرمين، على حين يرى أهل الإيمان والإحسان فى سعة، فى موكب كريم، تحفّ به البشريات من كل جانب..
والمقولة الثالثة.. يقولها حين يرى العذاب، ويساق إليه، فيقول:
«لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً ٩ فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ»..؟
و «لو» هنا للتمنّى: حيث يفزع أهل النار إلى هذه الأمانىّ الباطلة، قائلين: «رَبَّنا أَخْرِجْنا نَعْمَلْ صالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ» (٣٧: فاطر).
قوله تعالى:
«بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ» هو جواب على سؤال، مقدّر، هو والسؤال ردّ على هذا الذي يتمناه الضالّ يوم القيامة، من العودة إلى الحياة الدنيا، ليؤمن بالله، ويكون من المهتدين..
والسؤال المقدّر هو: «ألم يأتك رسولى؟ ألم يسمعك الرسول كلامى؟
ألم يتل عليك آياتي؟ «بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي.. فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ، وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ».. فما لك تطلب العودة إلى الدنيا مرة أخرى؟ وهل تكون فى هذه المرة على حال غير حالك الأولى؟ إنك لن تكون من المهتدين أبدا.. إنك من أصحاب النار.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَلَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ» (٢٨: الأنعام).
قوله تعالى:
«وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ.. أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ».
ما أشأم هذا الإنسان الذي يدعى من ربّه بهذا النداء الكريم:
«يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ.. إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».. ثم لا يستجيب لهذا النداء، ولا يحثّ الخطا إلى ربّه، ثم يظلّ جامدا فى مكانه، مسرفا على نفسه فى مواقع الضلال، حتى تطوى صفحته من هذه الدنيا، ثم إذا هو يساق إلى جهنّم، لتكون له مأوى، يذوق فيه العذاب طعوما وألوانا! وقوله تعالى: «ترى» بمعنى تبصر، فالرؤية رؤية بصرية، لا علمية وقوله تعالى: «وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ» جملة من مبتدأ وخبر، وقعت حالا من الاسم الموصول «الذين» أي تبصرهم يوم القيامة، وهم على تلك الحال:
«وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ».
واسوداد الوجوه، كناية عن الكرب العظيم الذي أحاط بهؤلاء الكافرين، إذ كانت الوجوه هى الصفحة التي يبدو عليها ما يجرى فى كيان الإنسان، من مشاعر وعواطف وأحاسيس، سواء أكان فى حال نعيم، ومسرة،
ورضوان، أم كان فى حال بلاء، ونكد، وشقاء! وقوله تعالى: «أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ».. استفهام يراد به الخبر على جهة التقرير والتوكيد.. أي إن فى جهنم مأوى ومنزلا لكل متكّبر كافر بالله..
قوله تعالى:
«وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» المفازة: الطريق المخوف، الذي يجتازه المنتقل من مكان إلى مكان، وسمّى مفازة على سبيل التفاؤل، كما يقال للملدوغ. السليم.
ويذهب المفسّرون إلى أن «بمفازتهم» جار ومجرور متعلق بالفعل «ينجّى» على تقدير أن المفازة بمعنى الفوز، والباء للسببية.. أي بسبب فوزهم..
ويكون المعنى: وينجى الله الذين اتقوا بهذا الفوز الذي حصلوا عليه فى الآخرة..
والرأى عندنا- والله أعلم- أن متعلق الجار والمجرور هو قوله تعالى:
«وينجى» ولكن وتبقى المفازة على معناها الذي صار حقيقة لغوية عليها، والباء للملابسة.. ويكون المعنى: وينجى الله الذين اتقوا وهم ملتبسون بهذه المفازة، سائرون فى هذا الطريق المحفوف بالمخاطر «لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ» حيث تحرسهم عناية الله، وتحفّ بهم ألطافه.. «وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ» على فائت فاتهم من أمر الدنيا..
ويجوز كذلك- والله أعلم- أن يتعلق الجار والمجرور بقوله تعالى:
«لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ» ويكون المعنى: وينجى الله الذين اتقوا، لا يمسهم السوء وهم بمفازتهم التي يجتازونها إلى موقف الحساب والجزاء، ولا هم يحزنون
على فائت، إذا هم رأوا ما أعدّ الله لهم من نعيم ورضوان، فى جنة عرضها السموات والأرض، أعدت للمتقين..
الآيات: (٦٢- ٦٦) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٦٢ الى ٦٧]
اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)
التفسير:
قوله تعالى:
«اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ».
مناسبة هذه الآية لما قبلها، أنّها تذكّر بالله، وتكشف عمّا له سبحانه وتعالى من كمال وجلال، ومن ملك وسلطان، وذلك بعد أن كانت الآية السابقة دعوة إلى الله، وتحذيرا للكافرين والضالين من عذاب الله، وما تكون عليه حالهم فى الآخرة، من الندم والحسرة، وسوء المصير..
ألا فليذكر هؤلاء الكافرون بالله، الذين لم يفتحوا آذانهم وعقولهم إلى ندائه الكريم الرحيم: «يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ»
- ألا فليذكروا أن الله هو خالق كل شىء، وقائم على كل نفس بما كسبت، لا يملك أحد معه من الأمر شيئا.. فمن ولّى وجهه إلى غير الله، فقد خاب وخسر، وأورد نفسه موارد الهلاك.. وهذا ما يشير إليه:
قوله تعالى:
«لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ».
ومقاليد السموات والأرض: أزمّتها التي تقاد منها، كما يقاد الحيوان من عنقه، وهو موضع القلادة.. وهذا تشبيه وتمثيل، يراد به خضوع السموات والأرض لله، وانقيادهما لقدرته..
قوله تعالى:
«قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ».
هو تعقيب على هذا العرض الذي كشفت فيه الآيتان السابقتان عن بعض ما لله سبحانه من سلطان مطلق فى هذا الوجود، لا يملك أحد معه مثقال ذرّة منه..
وهذا التعقيب هو وإن كان تلقينا من الله سبحانه وتعالى لنبيه- صلوات الله وسلامه عليه- إلا أنه دعوة العقل، تلتقى مع أمر الله!.
فالعقل بمنطقه، لا يجد أمام هذا العرض لقدرة الله، وبين يدى تلك الدلائل الدالة على وحدانيته- لا يجد إلا الإذعان لله، والولاء له، وإخلاص العبادة له وحده، غير ملتفت إلى ما يدعو إليه أهل الجهالة والضلالة، من عبادة ما يعبدون من ضلالات..
والاستفهام إنكارى.. والأمر ليس أمرا على حقيقته، وإنما هو دعوة من دعوات الضالين للنبى بعبادة غير الله، وذلك بإنكارهم عليه أن يعبد الله.. ومفهوم المخالفة لهذا الإنكار، هو أن يعبد غير الله..
وفى قوله تعالى: «أَيُّهَا الْجاهِلُونَ» توبيخ لهؤلاء الداعين إلى عبادة غير الله، وفضح للداء الذي أوقعهم فيما هم فيه من ضلال، وهو الجهل..
فلو أنهم كانوا على شىء من العلم، لما ركبوا هذا الطريق المظلم، وبين يديهم طريق مستقيم مضىء.
قوله تعالى:
«وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» هو تشنيع على الشرك، وعلى ما يحيق بالمشركين من غضب الله ونقمته، وأنه أمر إن وقع فيه أحد، فلا شفاعة له عند الله- حتى ولو فرض- وهو مستحيل- إن كان الذي يشرك بالله، من أقرب المقربين إلى الله، وهم أنبياء الله، أو كان من أكرم خلق الله على الله، وهو رسول الله! قوله تعالى:
«بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ»..
هو تأمين على ما قررته الآية السابقة، وتوكيد لما حملت من إنكار على الكافرين دعوتهم النبىّ إلى عبادة غير الله.. فهم يدعون النبي إلى عبادة غير الله، والله سبحانه وتعالى يدعوه إلى عبادته.. وفى هذا إبطال لدعوة المشركين، وإهدار لها..
وفى الجمع بين العبادة والشكر، إشارة إلى أن هذه العبادة ليست عبادة قهر وقسر، بل هى عبادة حمد وشكر، وولاء، وحبّ لله سبحانه وتعالى، الذي خلق فسوّى، والذي قدّر فهدى، والذي أخرج المرعى، فجعله غثاء أحوى..
قوله تعالى:
«وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ.. وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ.. سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ»..
أي أن هؤلاء الذين كفروا بالله، إنما كفروا به لأنهم لم يتعرفوا إليه، ولم يعرفوا بعض كمالاته، وصفاته..!
وقوله تعالى: «وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ» - جملة حالية، من لفظ الجلالة، أي أن هؤلاء الكافرين لم يقدروا الله حق قدره، والحال أن الأرض تكون فى قبضته يوم القيامة، فأنّى لهم المهرب من حسابه وعقابه؟.
وقوله تعالى: «وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ» حال أخرى معطوف على قوله تعالى: «وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ».. وطىّ السماء بيمين الله سبحانه وتعالى، هو استجابتها لقدرته، وخضوعها لسلطانه، يطويها وينشرها، كما شاء سبحانه.. ومثل هذا قوله تعالى: «يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ» (١٠٤: الأنبياء).
وقوله تعالى: «سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ».. هو ردّ المؤمنين على الكافرين، والضالين، الذين لم يقدروا الله حق قدره، فأشركوا به، وجعلوا ولاءهم لغيره.. والمؤمنون- وقد قدروا الله حق قدره- ينزّهون الله سبحانه وتعالى عن أن يكون له شركاء، وينكرون على المشركين ما هم فيه من ضلال، وكفر بالله.
الآيات: (٦٨- ٧٥) [سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٦٨ الى ٧٥]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)
التفسير:
قوله تعالى:
«وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ».
تحدّث هذه الآية والآيات التي بعدها إلى آخر السورة، عن مشاهد القيامة، وإرهاصاتها، وما يلقى الكافرون من بلاء وعذاب، وما يستقبل به المؤمنون من حفاوة وتكريم وترحيب، فى جنات النعيم..
والصور: هو البوق الذي ينفخ فيه، كنذير بإعلان حرب، أو وقوع غارة، ونحو هذا.. وأصله من الصّوار، وهو قرن الحيوان، وقد كان البوق يتخذ عادة من قرن ثور، أو وعل أو نحوهما.. والصوار أعلى الشيء، وجمعه صوار، ومؤنثه صارية..
والنفخ فى الصور من قبل الله سبحانه وتعالى، هو الأمر الذي يصدر منه سبحانه، إلى ما يشاء من عالم الخلق، فيستجيب له من وقع عليه الأمر، بلا تردد أو مهل.. ولهذا شبه الأمر بالنفخ فى الصور، حيث يفزع كل من سمع النفخة، فيخفّ مسرعا، متخليا عن كل شىء، ليتوقى هذا الخطر الداهم..
والصعق: حال من الفزع تعترى الكائن الحي، فتشلّ حركته، وتهدّ كيانه، أشبه بما يكون من صعقة الصاعقة، ومسة الكهرباء..
وقوله تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ» هو إشارة إلى النفخة الأولى، وهى نفخة الموت.. ففى هذه النفخة يصعق، أي يموت، من فى السموات والأرض من عالم الأحياء..
وقوله تعالى: «إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» - هو استثناء لمن لا تقع عليهم هذه الصعقة، أي الذين لا يقضى بموتهم فيها، أو الذين لا تمسهم زلزلة منها..
والسؤال هنا هو: هل العالم العلوي مشترك مع العالم الإنسانى فى هذا الذي يجرى على الناس، من موت، وبعث، وحساب وجزاء؟.
وإذا لم يكن مشتركا مع العالم البشرى، فكيف يصعق من فى السموات؟
وما تأويل قوله تعالى: «فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ؟».
والجواب على هذا- والله أعلم- أن القيامة وأهوالها، وما فيها من حساب وجنة، ونار، هى مما يقع على أبناء آدم وحدهم، على تلك الصورة التي جاءت بها الكتب السماوية، وأنذر بها رسل الله أقوامهم، الذين أرسلوا إليهم..
وقد تكون هناك أحوال للعوالم الأخرى، ولكن ليس من شأننا أن نبحث عنها، أو نشغل بها، إذ كان لا يعنينا من أمرها شىء، سواء أوقعت أو لم تقع، وسواء أوقعت على تلك الصورة، أو غيرها..
وإذن، فإن كل ما تحدث به القرآن الكريم مما يتصل بالموت، والبعث، والحساب، والجزاء، هو مما يتصل بعالمنا نحن، لا يتجاوزه إلى العوالم الأخرى..
وعلى هذا يكون قوله تعالى: «وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» - هو مقصور على أبناء آدم، وما يتصل بهم فى عالمهم الأرضىّ..
وقد تحدث القرآن الكريم عن أن لأبناء آدم صلة بالسماء، وأن النفس الإنسانية هى من العالم العلوي، وأنها حين تفارق الجسد لا تموت بموته، بل تلحق بعالمها العلوي، وتأخذ مكانها فيه..
فالموتى من بنى آدم، إذ تكون أجسامهم فى عالم التراب، تكون نفوسهم فى السماء، أو العالم العلوي.. وإنه حين ينفخ فى الصور نفخة الموت العام لأبناء آدم، يفزع ويصعق من فى السموات ومن فى الأرض.. أما من فى السموات، فهم الناس فى أرواحهم ونفوسهم تلك التي سبقت إلى العالم العلوي، وأما من فى الأرض، فهم الذين كانوا لا يزالون فى عالم الأحياء لم يموتوا بعد، فتدركهم النفخة، فيصعقون ويموتون.. وأما الصعقة التي تقع على الأرواح والنفوس، فهى صعقة فزع، وخوف من لقاء هذا الوعد، يوم الحساب والجزاء الذي كانت هذه الصعقة إرهاصا بقرب موعده..
ويكون قوله تعالى: «إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ» استثناء واقعا على نفوس الأخيار المصطفين من عباد الله، وأوّلهم رسله، وأنبياؤه وأولياؤه، حيث لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون..
وقوله تعالى: «ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ» - هو إشارة إلى نفخة البعث، بعد نفخة الموت..
وقوله تعالى: «فإذا» - للمفاجأة.. أي أن هذا البعث يجىء على فجاءة، دون أن يعلم أحد موعده..
وقوله تعالى: «فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ» - إشارة إلى أن البعث يقع للناس جميعا فى لحظة واحدة، حيث يولدون جميعا ميلادا كاملا، على صورة كاملة..
يجد فيها كل إنسان حواسّه ومدركاته، ووجوده كله.
قوله تعالى:
«وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ» وإشراق الأرض بنور ربها، هو تجلّى الله سبحانه وتعالى عليها في هذا اليوم، يوم القيامة، حيث يعرض الناس على ربهم للحساب والجزاء..
وقوله تعالى: «وَوُضِعَ الْكِتابُ» أي الكتاب الذي سجلت فيه أعمال الناس، حيث يرى الناس أعمالهم، ويأخذ كل إنسان كتابه من هذا الكتاب..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» (٢٩: الجاثية) وقوله تعالى:
«وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً» (١٣: الإسراء) وقوله تعالى: «وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ».. أي دعى النبيون ليحضروا
محاسبة أقوامهم، وليشهدوا على ما كان منهم، من إيمان أو كفر..
وفى هذا يقول الله تعالى: «يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ» (١: ٧ الإسراء).
ويقول سبحانه: «فَكَيْفَ إِذا جِئْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» (٤١: النساء).
والشهداء: هم الذين يشهدون على الناس، من أنبياء وملائكة، وعلماء وهداة، ودعاة إلى الله، وكذلك ما فى كيان كل إنسان من أعضاء، تشهد عليه، كما يقول الله تعالى: «يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ» (٢٤: النور) وكما يقول سبحانه: «وَجاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَها سائِقٌ وَشَهِيدٌ» (٢١ ق).
والصورة تمثل محكمة عليا تقضى بين الناس، وتحدد لكل إنسان مصيره الذي هو صائر إليه.. والقائم على هذه المحكمة، هو أحكم الحاكمين رب العالمين..
والكتاب هو صحيفة الدعوى، والأنبياء والشهداء هم الشهود.. والمحامون، هم المحاكمون، والمحاسبون، كما يقول الله سبحانه: «يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عَنْ نَفْسِها» (١١١: النحل).
ثم بعد هذا تصدر الأحكام من رب الأرباب: «وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ».
قوله تعالى:
«وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ».
هو تعقيب على هذه المحاكمة، وأن كل نفس قد قضى لها أو عليها بالحق والعدل، وفّيت جزاء ما عملت من خير أو شر.
وقوله تعالى: «وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ» - احتراس من أن يقع فى الوهم أن هذه المحاكمة التي أحضر فيها الكتاب، واستدعى لها الشهود، قد جاءت على هذه الصورة لتكشف عن أعمال الناس، وكلّا، فإن الله سبحانه وتعالى عالم بكل ما يعملون، لا تخفى على الله منهم خافية.. ولكن ذلك ليرى الناس بأعينهم ما كان منهم، وليحاكموا أنفسهم، وليشهدوا عدل الله المطلق فيما أجرى عليهم من أحكام! قوله تعالى:
«وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً.. حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا.. قالُوا بَلى.. وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ».
وإذا قضى بين الناس بالحق، وعرف كل إنسان ما قضى به الله سبحانه وتعالى فيه، وامتاز أصحاب النار من أصحاب الجنة- عندئذ يساق الكافرون إلى جهنم زمرا، أي جماعات.. كل جماعة تنزل منزلها المعدّ لهم فى جهنم..
وكلما وصل فوج إلى جهنم فتحت أبوابها، فيلقاهم خزنتها سائلين فى لوم وتوبيخ: «أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا؟» فلا يجد الكافرون إلا أن يقولوا فى حسرة، وندم، وذلة:
«بَلى.. وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ» أي بلى قد جاءت رسل ربّنا، وتلوا علينا آياته، ولكن حقّ علينا قضاء الله فينا أن نكون من أصحاب النار.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى على لسانهم: «فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إِنَّا لَذائِقُونَ» (٣١: الصافات).
وفى قوله تعالى: «حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها».. إشارة إلى
أن هذه الأبواب مغلقة على من فيها، وأنها لا تفتح إلا عند ورود فوج من الأفواج المساقين إليها، وكلما دخل فوج أغلقت عليه أبوابها، فإذا جاء فوج جديد فتحت له، ثم أغلقت عليه.. وهكذا.. إنها سجن مطبق على من بداخله، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «إِنَّها عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ» (٨- ٩ الهمزة) وفى إقامة الظاهر، مقام المضمر فى قولهم، «وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ» بدلا من أن يقولوا: ولكن حقت كلمة العذاب علينا- فى هذا إشارة إلى أنّهم قد شهدوا على أنفسهم بالكفر، بعد أن رأوا بأعينهم صحائف أعمالهم.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: َ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ»
(١٣٠: الأنعام).
قوله تعالى:
«قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ».
هو تعقيب على جواب الكافرين عن سؤال خزنة جهنم لهم، حين سألوهم هذا السؤال:
«أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا» فكان جوابهم: بلى! وكان التعقيب على هذا الجواب:
«ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ»..
وفى قوله تعالى: «ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ» بدلا من أن يقال: ادخلوا جهنم كما هو الواقع فعلا- فى هذا إشارة إلى أن لأبواب قطعة من جهنم، وأن الذي يدخلها، إنما هو فى جهنم فعلا.
وقوله تعالى: «فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ» بيان للداء الذي كان منه
كفرهم، وهو الاستكبار، والاستعلاء، عن أن ينقادوا للحق، وأن يذعنوا للآيات البينات منه.
والمثوى: المنزل، والمقرّ الذي يستقر فيه الإنسان..
قوله تعالى:
«وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ».
عبّر عن السّير بالمتقين إلى الجنة، بالسّوق، كما عبّر به عن دفع الكافرين إلى جهنم، وذلك للمشاكلة بينهم فى الحال التي كانوا عليها فى موضع الحساب، وأنه لم يكن يدرى أحد منهم ما الله صانع به، حتى إذا حوسبوا جميعا، ولم يبرحوا الموقف بعد، انقسموا إلى فريقين، كل فريق يأخذ اتجاها لا يدرى ما هو.. فهذا يساق، وذاك يساق.. ولا يعلم أحد إلى أين المساق..
ثم ينكشف الحال، فإذا الكافرون إلى جهنم، وبين يدى أبوابها، وإذا المؤمنون المتقون إلى الجنّة، وعلى مشارف ظلالها.. وفى هذا مضاعفة للسرور الذي يلقاهم بهذا الفوز العظيم بعد أن ذهبت بهم الظنون.. كل مذهب.
وفى قوله تعالى: «وَفُتِحَتْ أَبْوابُها» الواو هنا واو الحال، والجملة حال من فاعل جاءوها، على تقدير الحرف «قد» أي حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها، وهذا يعنى أنهم يجدون أبوابها مفتحة لهم، كما يقول سبحانه وتعالى: «جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ» (٥٠: ص).
فهم لا يقفون عند أبواب الجنة، بل يمضون إلى حيث أراد الله لهم من نعيمه ورضوانه.. ويلقاهم عند هذه الأبواب خزنة الجنة وحرّاسها، وحجابها، رسلا من الله، لاستقبال ضيوفه، والترحيب بهم، قائلين لهم:
«سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ.. فَادْخُلُوها خالِدِينَ» أي لكم سلام من الله.. طبتم وطهرتم من كل دنس، فاهنئوا بهذا المقام الطيب، الذي لا يحلّ به إلا كل طيب.
وجواب إذا محذوف، دل عليه السياق، وتقديره: حتى إذا جاءوها وقد فتحت لهم أبوابها وتلقوا هذه التحية الطيبة من ملائكة الرحمن، ودخلوا الجنة- وجدوا ما لا يستطيع وصفه الواصفون من نعيم ورضوان..
قوله تعالى:
«وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ، فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ».
هو معطوف على جواب «إذا» المحذوف، أي حتى إذا دخلوا الجنة، بهرهم هذا النعيم الذي لم يكن يخطر لهم على بال، وقالوا بلسان الحمد والشكران: الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء.
والوعد الذي صدقهم الله إياه، هو ما وعدهم على لسان رسله، كما يقول الله سبحانه وتعالى: «رَبَّنا وَآتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ».. وهذا الوعد هو ما وعد الله به المؤمنين من جنات ونعيم فى الآخرة كما يقول سبحانه:
«وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَمَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ» (٧٢: التوبة) وقوله تعالى: «وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ».. الأرض هنا هى أرض الحياة الدنيا، وميراثها هو التمكين منها والانتفاع بها.. والمؤمنون أيّا كان حظهم من هذه الدنيا- هم الوارثون لهذه الدنيا، لأنهم هم الذين قطفوا أطيب ثمراتها، وهو الإيمان بالله، والعمل الصالح.. أما ما أخذه غيرهم من
أهل الكفر والضلال، فهو- وإن كثر- لا وزن له، ولا نفع لهم منه..
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: «وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ» (٥٥: النور) وقوله سبحانه: «وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ» (١٠٥ الأنبياء).. فالمؤمنون بالله، هم ورثة هذه الأرض، وهم خلفاء الله عليها.. أما غيرهم فهمل لا حساب له..
وقوله تعالى: «نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ» أي ننزل من الجنة حيث نشاء، غير مضيّق علينا بحدود أو قيود فيها.. والجملة معطوفة على محذوف، أي الحمد لله الذي أورثنا الأرض فى الدنيا، وأورثنا الجنة فى الآخرة نقبوا منها حيث نشاء..
وقوله تعالى: «فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ».. هو تعقيب على ما لهج به أصحاب الجنة من حمد الله، ومن التحدث بما أفاض عليهم من نعم فى الدنيا والآخرة..
وهذا التعقيب، قد يكون من الملائكة، الذي شهدوا حمدهم وتسبيحهم، وقد يكون بلسان الحال، فهو منطق كل من يرى هذا النعيم، وما يساق إلى أهله منه، مما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين..
قوله تعالى:
«وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ».
الخطاب هنا للنبى صلوات الله وسلامه عليه- وهو بعد هذا خطاب لكل من يشهد موقف القيامة.. ففى هذا اليوم يرى الناس الملائكة، وقد حفّوا بعرش الرحمن، يسبحون بحمد ربّهم، وهذا ما يشير إليه قوله تعالى:
«وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمانِيَةٌ» (١٧: الحاقة) وقوله تعالى: «وَجاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا» (٢٢: الفجر) وهذه حال لا يمكن أن نتصورها فى عالمنا الحسّى، وعلينا أن نصدّق بوقوعها، على أية صورة تقع، دون أن نطلب الصورة التي تقع عليها، فهذا ما لا يمكن أن تبلغه مدركاتنا، أو تتمثله خواطرنا.
وقوله تعالى: «وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ».. أي وقضى بين الناس بالحق، فى هذا اليوم، فلم تظلم نفس مثقال ذرّة.
وقوله تعالى: «وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ».. هو قول الوجود كلّه، ومعهم أهل المحشر من أصحاب الجنة، وأصحاب النار، فقد كان القضاء قضاء عادلا عدلا مطلقا، فلم يؤخذ أحد بجريرة لم يقترفها، ولم يدن أحد بشهادة زور..
٤٠- سورة غافر
وتسمّى سورة المؤمن نزولها: مكية.
عدد آياتها: خمس وثمانون آية.
عدد كلماتها: ألف ومائة وتسع وتسعون كلمة.
عدد حروفها: أربعة آلاف وتسعمائة وستون حرفا.
مناسبتها لما قبلها
كان فيما اشتملت عليه سورة «الزمر» قوله تعالى: «قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ. أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ. إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً.. إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ».. ثم كان ختامها القضاء والفصل بين الناس، وإنزال الكافرين منازلهم من النار، وإنزال المؤمنين منازلهم من الجنة..
وبدء هذه السورة- غافر- يلقى الناس جميعا، بعد أن شهدوا الحساب والجزاء، ورأوا جزاء المحسنين، والمسيئين- يلقاهم بكتاب الله، الذي هو هداية كل ضال، ومنارة كل سالك إلى طريق النجاة، ثم يلقاهم مع كتاب الله بغفران الله ورحمته، وقبول توبة التائبين المنيبين إليه، وشدّة عقاب المحادّين له، المكذبين برسله.
السورة التالية
Icon