0:00
0:00

مكية وآياتها ٧٥، غير ثلاث آيات نزلت في شأن وحشي قاتل حمزة بن عبد المطلب وهي : ﴿ قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ الآيات، وقالت فرقة إلى آخر السورة هو مدني، وقيل فيها مدني سبع آيات.

قوله تعالى : ﴿ تَنزِيلُ الكتاب ﴾ الآية، ﴿ تَنزِيلُ ﴾ رفعُ بالابتداءِ، والخبرُ قوله : ﴿ مِنَ الله ﴾ وقالتْ فرقَة : ﴿ تَنزِيلُ ﴾ خَبَرُ مبتدأ محذوفٍ، تقديرُه :هذا تنزيلٌ، والإشَارَةُ إلى القرآنِ ؛ قاله المفسرون، ويظهرُ لِي أَنَّه اسمٌ عامٌ لجميعِ ما تَنَزَّلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فكأنَّه أخْبَرَ إخباراً مجرَّداً أَنَّ الكُتُبَ الهاديةَ الشارِعَة إنما تَنْزيلُهَا من اللَّه تعالى.
وقوله : ﴿ بالحق ﴾ معناه :متضمِّناً الحَقَّ، أي :بالحقِّ فيه، وفي أحْكَامِهِ وأخباره، و﴿ الدين ﴾ هنا يَعُمُّ المُعْتَقَدَاتِ وأعمالَ الجَوَارِحِ.
قال قتادة :والدين الخالص لاَ إله إلاَّ اللَّهُ.
وقوله تعالى : ﴿ والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ﴾ الآية، أي :يقولون : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إلا ليُقَرِّبُونَا إلى اللَّه زلفى ﴾، وفي مصحف ابن مسعودٍ :( قَالُوا مَا نَعْبُدُهُمْ ) وهي قراءة ابن عبَّاس وغيرِه، وهذه المقالة شائعةٌ في العرب في الجاهلية يقولون في معبوداتِهم منَ الأصْنام وغيرها : ﴿ ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى اللَّه ﴾، قال مجاهد :وقد قال ذلك قومٌ من اليهودِ في عُزَيْرٍ، وقومٌ من النصارى في عيسى.
و﴿ زلفى ﴾ بمعنى قُرْبَةٍ وتَوْصِلَةٍ، كأنهم قَالُوا ليقرِّبونا إلى اللَّه تَقْرِيباً، وكأنَّ هذه الطوائفَ كلَّها تَرَى نُفُوسَها أقلَّ من أن تَتَّصِلَ هي باللَّه، فكانت ترى أن تَتَّصِلَ بمخلوقاتِه.
و﴿ زلفى ﴾ عند سيبَوَيْهِ، مَصْدَرٌ في موضع الحال كأَنَّه تَنَزَّلَ مَنْزِلَةَ مُتَزَلِّفِينَ والعاملُ فيه ( يُقَرِّبُونَا )، وقرأ الجَحْدَرِيُّ ( كذَّابٌ كَفَّارٌ ) بالمبالَغَةِ فيهما، وهذه المبالغةُ إشارةٌ إلى التَوَغُّلِ في الكُفْرِ.
قوله تعالى : ﴿ لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ معناه :اتِّخَاذُ التشريفِ والتبنِّي ؛ وعلى هذا يستقيمُ قولُه تعالى : ﴿ لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ ﴾ وأمَّا الاتخاذُ المعهودُ في الشاهدِ فَمُسْتَحِيلٌ أن يُتَوَهَّمَ في جهة اللَّه تعالى، ولا يستقيمُ عليه معنى قوله : ﴿ لاصطفى مِمَّا يَخْلُقُ ﴾. وقوله تعالى : ﴿ وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً ﴾ [ مريم :٩٢ ] لفظٌ يعمُّ اتخَاذَ النسلِ واتخاذَ الاصطِفاء، فأما الأول فمعقولٌ، وأمَّا الثاني فمعروفٌ بخبر الشرع، ومما يدل على أن مَعْنى قوله : ﴿ أَن يَتَّخِذَ ﴾ إنما المقصودُ به اتخاذُ اصطفاء، وَتَبَنٍّ قولُهُ : ﴿ مِمَّا يَخْلُقُ ﴾ أي :مِنْ موجوداتِه ومُحْدَثَاتِه ثم نَزَّهَ سبحانه نفسَه تنزيهاً مطلقاً عن كلِّ ما لاَ يَلِيقُ بهِ سبحانه.
قوله تعالى : ﴿ يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار ﴾ الآية، معناه :يُعِيدُ مِنْ هَذَا على هذا، ومنه كُورُ العِمَامَة التي يَلْتَوِي بعضُها على بعض، فكأن الذي يطولُ مِن النهارِ أو الليلِ يصيرُ مِنْه على الآخرِ جُزْءٌ فيستُرُهُ، وكأن الآخرَ الذي يَقْصُرُ يَلِجُ في الذي يَطولُ، فيستَتِرُ فيه.
قوله تعالى : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ قيل : ﴿ ثُمَّ ﴾ هنا :لترتيب الإخْبَارِ لا لترتِيبِ الوُجُودِ، وقيل قوله : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ واحدة ﴾ :هو أخذ الذريةَ مِن ظهر آدم، وذلك شيءٌ كان قبل خلق حَوَّاءَ، ( ت ) :وهذا يحتاج إلى سندٍ قاطعٍ.
وقوله سبحانه : ﴿ فِي ظلمات ثلاث ﴾ قالت فرقة :الأولى هي ظَهْرُ الأَبِ، ثم رَحِمُ الأمِّ، ثم المَشِيمَةُ في البَطْن، وقال مجاهد وغيره :هي المَشِيمَةُ والرَّحِمُ والبَطْنُ، وهذه الآياتُ كلُّها فيها عِبَرٌ وتنبيهٌ على تَوْحِيدِ الخالِق الذَّي لاَ يَسْتَحِقُّ العبادةَ غَيْرُهُ وتوهينٌ لأمْرِ الأصنام.
وقوله سبحانه : ﴿ إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِىٌّ عَنكُمْ ﴾ الآية، قال ابنُ عباس :هذه الآيةُ مخاطبَةٌ للكفارِ، قال ( ع ) :وتحتملُ أن تكونَ مخاطبةً لجميع الناس، لأن اللَّهَ سبحانه غنيٌّ عَن جميعِ الناسِ، وهم فقراءُ إليه، واخْتَلَفَ المتأولونَ مِن أهْلِ السنةِ في تأويل قوله تعالى : ﴿ وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر ﴾ فقالت فرقة :الرِّضى بمعنى الإرادَةِ، والكلامُ ظاهرُه العمومُ، ومعناه الخصوصُ فيمن قَضَى اللَّهُ له بالإيمان، وحتَّمَهُ له، فعبادُه على هذا ملائكتُهُ ومؤمِنو الإنْسِ والجِنِّ، وهذا يتركَّبُ على قول ابن عباس، وقالت فرقة :الكلامُ عُمُومٌ صحيحٌ، والكُفْرُ يقعُ مِمَّنْ يَقَعُ بإرادَةِ اللَّهِ تعالى، إلا أنه بَعْدَ وُقُوعِهِ لاَ يَرْضَاهُ دِيناً لهم، ومعنى لا يرضاه :لا يشكرُه لهُمْ، ولا يُثيبُهم بهِ خَيْراً، فالرضا :على هذا هو صفةُ فِعْلٍ بمعنى، القَبُولِ، ونحوِه، وتأمَّلِ الإرَادَةَ فإنما هي حقيقةٌ فيما لَمْ يَقَعْ بَعْدُ، والرِّضا ؛ فإنما هُو حقيقةٌ فِيمَا قَدْ وَقَعَ، واعْتَبِرْ هذا في آيات القرآن تجِدْهُ، وإنْ كانت العربُ قد تستعمل في أشعارها على جهة التجوُّز هذا بَدَلَ هذا.
وقوله تعالى : ﴿ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ عمومٌ، والشكرُ الحقيقيُّ في ضِمْنِهِ الإيمانُ، قال النوويُّ :وَرُوِّينَا في سُنَنِ أبي دَاوُدَ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، أن رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم قال :" من قال :رَضِيتُ بِاللَّهِ رَبّاً وبِالإسْلاَمِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم رَسُولاً، وَجَبَتْ لَهُ الجَنَّة " انتهى.
وقوله تعالى : ﴿ وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ ﴾ الآية : ﴿ الإنسان ﴾ هنا :الكافرُ، وهذه الآيةُ بَيَّنَ تعالى بها عَلَى الكُفَّارِ، أنَّهُمْ على كُلِّ حَالٍ يَلْجَئونَ إليه في حالِ الضروراتِ، و( خَوَّلَهُ ) معناه مَلكه وحكَّمَه فيها ابتداءً من اللَّهِ لاَ مُجَازَاةً، ولا يقالُ في الجزاء خَوَّلَ.
وقوله تعالى : ﴿ نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ ﴾ قالت فرقة :( ما ) مصدريةٌ، والمعنى :نسِيَ دعاءَه إليه في حالِ الضَّرُورَةِ، وَرَجَعَ إلى كُفْرِهِ، وقالت فرقة ( ما ) بمعْنَى :الذي، والمرادُ بها اللَّه تعالى، أي :نسي اللَّه، وعبارة الثعلبي :قوله : ﴿ نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ ﴾ أي :تَرَكَ عبادَة اللَّه تعالى والتضرُّعَ إليهِ من قَبْلُ في حال الضُّرِّ انتهى. وباقي الآية بيِّنٌ.
وقوله تعالى : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ ﴾ بتخفيف الميمِ، هي قراءة نافعٍ وابنِ كَثِيرٍ وحمزة، والهَمْزةُ للتقرير والاستفهام، وكأنه يقولُ :أهذا القانتُ خَيْرٌ أم هذا المذكورُ الذي يتمتَّعُ بكُفْرِهِ قليلاً، وهو من أَصْحَاب النار، وقرأ الباقونَ : ﴿ أَمَّنْ ﴾ بتشديدِ الميمِ، والمعنى :أهذا الكافرُ خَيْرٌ أمَّنْ هُو قَانِتٌ ؟ والقانتُ :المطِيعُ ؛ وبهذا فسَّره ابنُ عبَّاس رضي اللَّه عنهما، والقُنُوتُ في الكلام يَقَع عَلى القِراءةِ وَعَلى طُولِ القيامِ في الصلاةِ ؛ وبهذا فسَّره ابنُ عُمَرَ رَضِي اللَّه عنهما قال الفَخْرُ :قيل :إن المرادَ بقوله : ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ الليل ﴾ :عُثْمَانُ بْنُ عفَّانَ ؛ لأنَّه كَان يُحْيِي الليل، والصحيحُ أنها عامَّةٌ في كلِ من اتَّصَفَ بهذه الصِّفَةِ، وفي هذه الآية تنبيهٌ على فضلِ قيامِ الليلِ، انتهى، ورُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ ؛ أَنَّه قالَ : «مَنْ أحَبَّ أَنْ يُهَوِّنَ اللَّهُ عليه الوقوفَ يوم القيامةِ، فَلْيَرَهُ اللَّهُ في سَوَادِ اللَّيْلِ سَاجِداً وقائِماً »، قال الشيخ عبدُ الحَقِّ في «العَاقِبَةِ » :وعن قَبِيصَةَ بْنِ سُفْيَانَ قال :رأيتُ سُفْيانَ الثَّوْرِيَّ في المنام بعد موته ؛ فقلتُ له :ما فعل اللَّه بك ؟ فقال :
نَظَرْتُ إلى رَبِّي عِيَاناً فَقَالَ لِي هَنِيئاً رِضَائي عَنْكَ يَا ابْنَ سَعِيدِ
لَقَدْ كُنْتَ قَوَّاماً إذَا اللَّيْلُ قَدْ دَجَا بِعَبْرَةِ مَحْزُونٍ وَقَلْبِ عَمِيدِ
فَدُونَكَ فاختر أَيَّ قَصْرٍ تُرِيدُه وَزُرْنِي فَإنِّي مِنْكَ غَيْرُ بَعِيدِ
وكَانَ شُعْبَة بن الحَجَّاج، ومِسْعَرُ بْن كِدَامٍ، رجلَيْنِ فَاضِلَيْنِ، وكانَا مِنْ ثِقَاتِ المُحَدِّثينَ وحُفَّاظِهِم، وكان شُعْبَةُ أَكْبَرَ فَمَاتَا، قال أبو أحمد اليَزِيدِيُّ، فرَأَيتُهما في النَّوْمِ، وكنتُ إلى شُعْبَةَ أَمْيَلَ مِنِّي إلى مِسْعَرٍ، فقلتُ :يا أبا بِسْطَامَ ؛ ما فَعَلَ اللَّهُ بك ؟ فقال :وَفَّقَكَ اللَّه يا بُنَيَّ، احفظ ما أقُولُ : وَقَالَ لِيَ الْجَبَّارُ :
حَبَانِي إلهي فِي الْجِنِانِ بِقُبَّة لَهَا أَلْفُ بَابٍ مِنْ لُجَيْنٍ وَجَوْهَرَا
يَا شُعْبَةُ الَّذِي تَبَحَّرَ في جَمْعِ الْعُلُومِ وَأَكْثَرَا
تَمَتَّعْ بِقُرْبِي إنَّنِي عَنْكَ ذُو رِضا وَعَنْ عَبْدِيَ القَوَّامِ في اللَّيْلِ [ مِسْعَرَا ]
كفى مِسْعَراً عِزًّا بِأنْ سَيَزُورُنِي وَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِي وَيَدْنُو لِيَنْظُرَا
وهذا فِعَالِي بِالَّذِينَ تَنَسَّكُوا وَلَمْ يَأْلَفُوا في سَالِفِ الدَّهْرِ مُنْكَرَا
انتهى. والآناء :الساعاتُ واحدها أني كَمِعًي ويقال :إِنْي بكسر الهمزة وسكون النون، وأَنا على وزن قَفاً.
وقوله سبحانه : ﴿ يَحْذَرُ الآخرة وَيَرْجُواْ رَحْمَةَ رَبِّهِ ﴾ قال ابْنُ الجوزيِّ في «المُنْتَخَبِ » :يقولُ اللَّه تعالى : «لاَ أجْمَعُ على عَبْدِي خَوْفَيْنِ وَلاَ أَمْنَيْنِ ؛ مَنْ خَافَنِي في الدُّنْيَا، أمَّنتُهُ في الآخِرَةِ، وَمَنْ أَمِنَنِي في الدُّنْيَا خَوَّفْتُهُ في الآخِرَةِ »، يَا أَخِي :
امتطَى القَوْمُ مَطَايَا الدجى على مَرْكَبِ السَّهَرِ ***
فَمَا حَلُّوا وَلاَ حَلُّوا رِحَالَهُمْ حَتَّى السَّحَرْ
دَرَسُوا القُرآن فَغَرَسُوا بِأَيْدِي الْفِكْرِ أَزْكَى الشَّجَرْ ***
وَمَالُوا إلى النُّفُوسِ بِاللَّوْمِ ؛ فَلاَ تَسْأَلْ عَمَّا شَجَرْ
رَجَعُوا بِنَيْلِ القَبُولِ مِنْ ذَلِكَ السَّفَرْ ***
وَوَقَفُوا على كَنْزِ النَّجَاةِ وَمَا عِنْدَكَ خَبَرْ
فإذا جَاء النَّهَارُ قَدَّمُوا طَعَامَ *** الجُوعِ وَقَالُوا لِلنَّفْسِ :هَذَا الَّذِي حَضَرْ
حَذَوْا عزَمَاتٍ طَاحَتِ الأَرْضُ بَيْنَهَا فَصَارَ سُرَاهُمْ في ظُهُورِ العَزَائِمْ
تَرَاهُمْ نُجُومَ اللَّيْلِ مَا يَبْتَغُونَهُ على عَاتِقِ الشعرى وَهَامِ النَّعَائِمْ
مَالَتْ بِالقَوْمِ رِيحُ السَّحَرِ مَيْلَ الشَّجَرِ بِالأَغْصَانْ ***
وَهَزَّ الخَوْفُ أَفْنَانْ القُلُوبِ فانتشرت الأَفْنَان
فَالقَلْبُ يَخْشَعُ واللِّسَانُ يَضْرَعُ وَالعَيْنُ تَدْمَعُ وَالوَقْتُ بُسْتَانْ ***
خَلَوْتُهُمْ بِالحَبِيبِ تَشْغَلُهُمْ عَنْ نُعْمٍ وَنَعْمَانْ
سُرُورُهُمْ أَسَاوِرُهُمْ وَالخُشُوعُ تِيجِانْ ***
خُضُوعُهُمْ حُلاَهُمْ وَمَاءُ دَمْعِهِمْ دُرٌّ وَمَرْجَانْ
بَاعُوا الْحِرْصَ بِالقَنَاعَةِ فَمَا مُلكُ أَنُوشِرْوَان ***
فَإذَا وَرَدُوا القِيَامَةَ تَلَقَّاهُمْ بَشَرٌ :لَوْلاَكُمْ مَا طَابَ الجِنَانْ
يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانْ ***
َأيْنَ أَنْتَ مِنْهُمْ يَا نَائِمُ كَيَقْظَانْ
كَمْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمْ أَيْنَ الشُّجَاعُ مِنَ الجَبَانْ ***
مَا لِلْمَوَاعِظِ فِيكَ نُجْحٌ، مَوْضِعُ القَلْبِ بِاللَّهْوِ مِنْكَ مَلآنْ
يَا أَخِي، قِفْ على بَابِ النَّجَاحِ ولكن وُقُوفَ لُهْفَانْ ***
واركب سُفُنَ الصَّلاَحِ، فهذا المَوْتُ طُوفَانْ
إخْوَانِي، إنَّمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ مَرَاحِلْ ***
وَمَرْكَبُ العُمْرِ قَدْ قَارَبَ السَّاحِلْ
فانتبه لِنَفْسِكَ وازدجر يَا غَافِلْ ***
َيا هَذَا، أَنْتَ مُقِيمٌ فيَّ مُنَاخِ الرَّاحِلِينَ
وَيْحَكَ اغتنم أَيَّامَ الْقُدْرَةِ قَبْلَ صَيْحَةِ الانْتِزَاعِ، فَما أقْرَب مَا يُنْتَظَرْ
وَمَا أَقَلَّ المُكْثَ فِيمَا يَزُولُ وَيَتَغَيَّرْ
انتهى.
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ يا عباد الذين آمَنُواْ اتقوا رَبَّكُمْ ﴾ يُرْوَى أنَّ هذهِ الآيةَ نزلتْ في جَعْفَرِ بن أبي طالب وأصحابِهِ، حِينَ عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة، ووعد سبحانه بقوله : ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هذه الدنيا حَسَنَةٌ ﴾ فقولهُ : ﴿ فِي هذه الدنيا ﴾ متعلق ب ﴿ أَحْسَنُواْ ﴾، والمعنى :أنَّ الذين يُحْسِنُونَ في الدنيا لَهُمْ حَسَنَةٌ في الآخِرَة، وهي الجنةُ والنعيمُ ؛ قاله مقاتلٌ ويحتملُ أنْ يريدَ :أن الذينَ يُحْسِنُونَ لهُم حسَنَةٌ في الدنيا، وهي العافيةُ والظهورُ وولايةُ اللَّهِ تعالى ؛ قاله السُّدّيُّ، والأَوَّلُ أرجح أن الحسَنَةَ هِي في الآخِرة.
وقوله سبحانه : ﴿ وَأَرْضُ الله وَاسِعَةٌ ﴾ حَضٌّ عَلى الهجرةِ، ثم وَعَدَ تعالى على الصَّبْرِ على المكارِهِ، والخروج مِنَ الوَطَنِ ونُصْرَةِ الدينِ وجميعِ الطاعات بِتَوْفِيَةِ الأجورِ بغير حِسَابٍ، وهذا يحْتَمِلُ معنيين :
أحدهما :أن الصابرَ يؤتى أَجْرَهُ وَلاَ يحاسَبُ على نعيمٍ ولا يُتَابَعُ بذنوبٍ، ويكونُ في جملة الذين يدخلون الجنةَ بغير حساب.
والثاني من المعنيين :أن أجورَ الصابرينَ توفى بغَيْرِ حَصْر وَلا عَدٍّ، بلْ جُزَافاً، وهذه استعارةٌ للكثرةِ التي لا تحصى ؛ وإلى هذا التأويلِ ذَهَبَ جمهورُ المفسرينَ، حتى قال قتادةُ :لَيْسَ ثَمَّ واللَّهِ مِكْيَالٌ ولا ميزان، وفي الحديث أَنَّهُ لما نزلت ﴿ والله يضاعف لِمَن يَشَاءُ ﴾ [ البقرة :٢٦١ ] قال النبي صلى الله عليه وسلم :" اللَّهُمَّ، زِدْ أُمَّتِي "، فَنَزَلَتْ بَعْدَ ذلِكَ ﴿ مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ [ البقرة :٢٤٥ ] فقال :" اللَّهُمَّ زِدْ أُمَّتِي حتى نزلَتْ " : ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصابرون أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾، قال :رَضِيتُ يَا رَبِّ.
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ إني أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ من المعلوم أنه عليه السلام معصومٌ من العِصْيَانِ، وإنما الخطابُ بالآيةِ لأِمَّتِهِ يَعُمُّهُمْ حكمُهُ، ويحفُّهم وعيدُهُ.
وقوله : ﴿ فاعبدوا مَا شِئْتُمْ مِّن دُونِهِ ﴾ هذه صيغةُ أَمْرٍ على جِهَةِ التهْدِيدِ، وهذا في القرآنِ كثيرٌ، والظُّلَّة ما غَشِيَ وعَمَّ كالسَّحَابَةِ وَسَقْفِ البيت، ونحوِه.
وقوله سبحانه : ﴿ ذلك يُخَوِّفُ الله بِهِ عِبَادَهُ ﴾ يريد :جميعَ العَالَمِ.
وقوله تعالى : ﴿ والذين اجتنبوا الطاغوت ﴾ الآية، قال ابن زيد :إن سببَ نزولِها زيدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ وَسَلْمَانُ الفَارِسِيُّ وأبُو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ، والإشارةُ إليهم.
سُلَيْمَانُ إنما أسلم بالمدينةِ، فَيَلْزَمُ على هذا التأويلِ أن تكونَ الآيةُ مدنيةً، وقال ابن إسْحَاق :الإشَارةُ بِها إلى عَبْدِ الرحمنِ بْنِ عَوْفٍ، وسَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، والزُّبَيْرِ، وذَلك أنه لما أسْلم أَبو بَكْرٍ سَمِعُوا ذلك ؛ فَجَاؤُوهُ، فقالوا :أَأَسْلَمْتَ ؟ قال :نَعَمْ ؛ وذَكَّرَهُمْ باللَّه سبحانه، فآمَنُوا بأجمعهم، فنزلَتْ فيهم هذه الآية، وهي على كلِّ حالٍ عامَّةٌ في الناس إلى يوم القيامة يتناولُهُمْ حُكْمُهَا، و﴿ الطاغوت ﴾ :كلُّ ما عُبِدَ من دون اللَّه.
وقوله سبحانه : ﴿ الذين يَسْتَمِعُونَ القول فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ :كَلاَمٌ عامٌّ في جميع الأقوال، والمَقْصِدُ الثناءُ على هؤلاءِ في نفوذِ بصائرهم، وقوام نَظَرِهِم، حتى إنهم إذا سمعوا قولاً مَيَّزوه واتبعوا أحْسَنه، قال أبو حيَّان : ﴿ الذين يَسْتَمِعُونَ ﴾ صفةٌ ل ﴿ عِبَادِ ﴾، وقيلَ :الوَقْفُ على عباد، ﴿ والذين ﴾ مبتدأ خبرُهُ ﴿ أولئك ﴾ ومَا بَعْدَهُ، انتهى.
وقوله تعالى : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العذاب أَفَأَنتَ تُنقِذُ مَن فِي النار ﴾ قالت فرقةٌ :معنى الآيةِ : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّتْ عَلَيْه كلمةُ العَذَابِ ﴾ فَأَنْتَ تُنْقِذهُ، لكنَّه زَادَ الهَمْزَةَ الثانيةَ ؛ تَوْكِيداً، وأظْهرَ الضميرَ تَشْهيراً لهؤلاءِ القَومِ وإظهاراً لِخِسَّةِ منازِلهم.
وقوله تعالى : ﴿ لكن الذين اتقوا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ ﴾ الآية، مُعَادَلَةٌ وتَحْضِيضٌ على التقوى، وعَادَلَتْ ﴿ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ ﴾ ما تَقَدَّمَ مِنَ الظُّلِ فَوْقَهُمْ وَتَحْتَهُمْ، والأحاديثُ الصحيحةُ في هذا البابِ كثِيرةٌ.
ثُمَّ وَقَفَ تعالى نبيَّه عليه السلام وأُمَّتَهُ على مُعْتَبَرٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ، فقال : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السماء مَاءً ﴾ الآية، قال الطبريُّ :الإشارةُ إلى ماءِ المطرِ ونَبْعِ العيونِ منه، و﴿ سَلَكَهُ ﴾ معناه :أجْرَاهُ وأدْخَلَهُ في الأرضِ، و﴿ يَهِيجُ ﴾ معناه :يَيْبَسُ، وهاجَ الزَّرْعُ والنباتُ :إذَا يَبِسَ، والحُطَامُ :اليابِسُ المُتَفَتِّتُ، ومعنى ( لذكرى ) أيْ :للبَعْث من القبورِ وإحياء الموتى ؛ على قياسِ هذا المِثَالِ المذكورِ.
وقوله تعالى : ﴿ أَفَمَن شَرَحَ الله صَدْرَهُ للإسلام ﴾ الآية، رُوِيَ أنَّ هذهِ الآيةَ نزلَتْ في عَلِيٍّ وحمزةَ وأبي لَهَبٍ وابنه ؛ وهمَا اللذان كَانا من القَاسِيَةِ قلوبُهُمْ، وفي الكلامِ محذوفٌ يدلُّ عليه الظاهِرُ ؛ تقديره :أفمن شَرَحَ اللَّه صدره كالقاسِي القَلْبِ المُعْرِضِ عن أمرِ اللَّه، وشَرْحُ الصدرِ :استعارةٌ لتحصيلهِ للنظر الجَيِّدِ والإيمانِ باللَّه، والنُّورُ :هدايةُ اللَّه تعالى، وهي أشبهُ شَيْءٍ بالوضَّوْءِ، قال ابن مسعود :( قلنا يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ انشراح الصَّدْرِ ؟ قال :إذا دَخَلَ النُّورُ القَلْبَ، انشرح وَانْفَسَحَ، قُلْنَا :يَا رَسُولَ اللَّه، وَمَا عَلاَمَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَ :الإنَابَةُ إلَى دَارِ الخُلُودِ، والتَّجَافِي عَنْ دَارِ الغُرُورِ، والتَّأَهُّبُ لِلْمَوْتِ قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ )، والقسوةُ :شِدَّةُ القَلْب، وهي مأخوذةٌ من قَسْوَةِ الحَجَرِ، شَبَّهَ قَلْبَ الكافرِ بهِ في صَلاَبَتِهِ وقِلَّةِ انفعاله، للوَعْظِ، وَرَوَى الترمذيُّ عن ابن عُمَرَ قال :قال رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم :" لاَ تُكْثِرُوا الكَلاَمَ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ ؛ فَإنَّ كَثْرَةَ الكَلاَمِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَسْوَةٌ لِلْقَلْبِ وإنَّ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنَ اللَّهِ القَلْبُ القَاسِي "، قال الترمذيُّ :هذا حديث حسنٌ غريبٌ. انتهى وقال مالكُ بن دِينَارٍ :مَا ضُرِبَ عَبْدٌ بعقوبةٍ أعْظَمَ من قَسْوَةِ قلبهِ، قال ابن هِشَامٍ :قوله تعالى : ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله ﴾. ( من ) هنا :مرادِفَةٌ ( عَنْ )، وقيل :هي للتعليلِ، أي :مِنْ أجْلِ ذكر اللَّه ؛ لأنه إذا ذُكِرَ اللَّه، قَسَتْ قلوبُهُمْ ؛ عياذاً باللَّه، وقيل :هي للابتداءِ، انتهى من «المغني ».
قال الفَخْرُ :اعلم أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ سببٌ لحصولِ النُّورِ والهدايةِ وزيادةِ الاطمئنان في النفوس الطاهرة الروحانية، وقد يُوجِبُ القَسْوَةَ والبُعْدَ عنِ الحَقِّ في النفوسِ الخبيثة الشيطانية، فإذا عَرَفْتَ هذا، فنقول :إنَّ رأسَ الأدْوِيَةِ التي تفيدُ الصحةَ الروحانيةَ ورُتْبَتَها هو ذِكْرُ اللَّهِ، فإذا اتفق لبعضِ النفوسِ أنْ صَارَ ذِكْرُ اللَّهِ سبباً لازْدِيادِ مَرَضِها، كانَ مَرَضُ تلكَ النفوسِ مَرَضاً لا يرجى زوالُهُ، ولا يُتَوَقَّعُ علاجُهُ، وكانَتْ في نِهَايَةِ الشَّرِّ والرَّدَاءَةِ، فلهذا المعنى قال تعالى : ﴿ فَوَيْلٌ للقاسية قُلُوبُهُمْ مِّن ذِكْرِ الله أُوْلَئِكَ فِي ضلال مُّبِينٍ ﴾ وهذا كَلاَمُ كَامِلٍ مُحَقِّقٍ، انتهى.
وقوله تعالى : ﴿ الله نَزَّلَ أَحْسَنَ الحديث ﴾ عبارة عَنِ ابْنِ عبَّاس أن سبَبَ هذه الآيةِ أنَّ قَوْماً من الصحابةِ قالوا :يَا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنَا بِأَحَادِيثَ حِسَانٍ، وَأَخْبِرْنَا بِأَخْبَارِ الدَّهْرِ، فنزلَت الآية.
وقوله : ﴿ متشابها ﴾ معناه مُسْتَوِياً لا تَنَاقُضَ فيه ولا تَدَافُعَ، بل يُشْبِهُ بَعْضُهُ بعضاً في رَصْفِ اللَّفْظِ، ووَثَاقَةِ البراهينِ، وشَرَفِ المعاني ؛ إذْ هِيَ اليَقِينُ في العقائدِ في اللَّهِ وصفاته وأفعالهِ وشرعهِ، و﴿ مَّثَانِيَ ﴾ معناه :مَوْضِعُ تَثْنِيَةٍ للقصَصِ والأقضيةِ والمَوَاعِظِ تثنى فيهِ ولاَ تُمَلُّ مَع ذلك ولا يَعْرِضُهَا ما يَعْرِضُ الحديثَ المَعَادَ، وقال ابن عباس، ثنى فِيه الأَمْرَ مِرَاراً، ولا ينصرفُ ﴿ مَّثَانِيَ ﴾ لأنه جمعٌ لا نَظِيرَ له في الواحد.
وقوله تعالى : ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الذين يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عبارة عَنْ قفِّ شَعْرِ الإنسانِ عندَما يُدَاخِلُهُ خَوْفٌ ولِينُ قَلْبٍ عند سماعِ موعظةٍ أو زَجْرِ قرآن ونحوهِ، وهذه علامةُ وقوعِ المعنى المُخْشِعِ في قلبِ السامعِ، وفي الحديث ؛ أَنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قرأ عند النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فَرَقَّتِ الْقُلُوبُ ؛ فَقَالَ النبي صلى الله عليه وسلم :" اغتنموا الدُّعَاءَ عِنْدَ الرِّقَّةِ ؛ فإنَّهَا رَحْمَةٌ " وقال العبَّاسُ بن عبد المُطَّلِبِ :قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :" مَنِ اقشعر جِلْدُهُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تعالى، تَحَاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَتَحَاتُّ عَنِ الشَّجَرَةِ اليَابِسَةِ وَرَقُهَا "، وَقَالَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ : «كان أَصْحَابُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم تَدْمَعُ أَعْيُنُهُمْ وتقشعرُّ جلودُهم عند سماع القرآن، قيل لها :إن أقواماً اليومَ إذا سَمِعوا القرآن خَرَّ أحدُهم مَغْشِياً عليه، فقالت :أعوذُ باللَّهِ من الشيطانِ »، وعن ابن عمر نحوُه، وقال ابن سيرين :بينَنَا وبين هؤلاء الذين يُصْرَعُونَ عند قراءة القرآن أن يُجْعَلَ أحَدُهم عَلى حَائِطٍ مَادًّا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُقْرأُ عَلَيْه القرآن كلُّه، فإن رمى بِنَفْسِهِ، فهو صَادِقٌ.
( ت ) :وهذا كله تغليظٌ على المُرَائِينَ والمتصنِّعين، ولا خلاف أعلمهُ بين أربابِ القلوبِ وأئمَّةِ التصوُّفِ أن المُتَصَنِّعَ عندهم بهذه الأمور مَمْقُوتٌ، وأما مَنْ غَلَبَه الحالُ لِضَعْفِهِ وقَوِيَ الوارِدُ عليه حتى أذْهَبَهُ عَنْ حِسِّه ؛ فهو إن شاء اللَّهُ مِن السادةِ الأخْيارِ والأولياء الأبرار، وقَد وَقَعَ ذلك لكثير من الأخْيارِ يَطُولُ تَعْدَادُهم ؛ كابن وهب وأحمد بن مُعَتِّبٍ المالكيَّيْنِ، ذكرهما عياض في «مداركه »، وأنهما ماتا من ذلك ؛ وكذلك مالك بن دينار ماتَ مِنْ ذلك ؛ ذكره عبد الحَقِّ في «العاقبة »، وغيرهم ممن لا يحصى كثرةً، ومن كلام عزِّ الدين بن عَبْدِ السَّلامِ رحمه اللَّه في قواعده الصغرى قال :وقَدْ يَصِيحُ بَعْضُهُمْ لِغَلَبَةِ الحَالِ عَلَيْهِ، وَإلْجَائِهَا إِيَّاهُ إلى الصِّيَاحِ، وهو في ذلك مَعْذُورٌ، ومَنْ صَاحَ لِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمُتَصَنِّعٌ لَيْسَ مِنَ القَوْمِ في شَيْءٍ، وكذلِكَ من أظهر شيئاً من الأحوال رياءً أو تسميعاً، فإنه ملحَقٌ بالفجَّار دونَ الأبْرَارِ، انتهى.
وقوله تعالى : ﴿ ذلك هُدَى الله ﴾ يحتملُ أَنْ يشيرَ إلى القرآن ويحتملُ أنْ يشير إلى الخَشْيَةِ واقشعرار الجُلُودِ، أيْ :ذلك أَمَارَةُ هدَى اللَّهِ.
قال الغَزَّالِيُّ في «الإحياء » :والمُسْتَحَبُّ من التالِي للقرآن أن يَتأثر قلبهُ بآثار مختلفةٍ بحسْبِ اخْتِلاَفِ الآيات، فيكون له بحسَبِ كُلِّ فهمٍ حالٌ يَتَّصِفُ به قلبُهُ من الحُزْن والخَوْفِ والرجاءِ وغَيْرِ ذلك، ومَهْمَا تَمَّتْ معرفتُهُ كانَتِ الخشْيَةُ أَغْلَبَ الأحْوَالِ على قلبهِ، انتهى، قال الشيخ الوليُّ عبد اللَّه بن أبي جَمْرَةَ :وكان النبيُّ صلى الله عليه وسلم في قيامِهِ يَكْسُوهُ من كل آية يَقْرَؤُهَا حَالٌ يُنَاسِبُ معنى تلكَ الآية، وكذلك يَنْبَغِي أن تَكُونَ تلاوةُ القرآن وألاَّ يكونَ تالِيهِ كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً، انتهى.
وقوله تعالى : ﴿ أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوءَ العذاب. . . ﴾ الآية، تقريرٌ بمعنى التَّعْجِيبِ، والمعنى :أَفَمَنْ يَتَّقِي بوجْهِهِ سُوءَ العَذَابِ كَالمُنَعَّمِينَ في الجنةِ ! قال مجاهد : ﴿ يَتَّقِى بِوَجْهِهِ ﴾، أي :يُجَرُّ على وَجْهِه في النَّارِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ :ذلك لِمَا رُوِيَ أنَّ الكافرَ يلقى في النارِ مكتُوفاً مربوطةً يداه إلى رِجْلَيْهِ مَعَ عُنُقِهِ، ويُكَبُّ على وجهِه، فليس له شَيْءٌ يَتَّقِي به إلا وَجْهَهُ، وقالت فرقَة :المعنى في ذلك صفةُ كَثْرَةِ مَا يَنَالُهُمْ من العذابِ يتَّقِيهِ بِكَلِّ جَارِحَةٍ مِنْهُ حتى بِوَجْهِهِ الذي هُوَ أشْرَفُ جوارحِهِ، وهذا المعنى أَبْيَنُ بلاغةً.
ثم مَثَّلَ لقريشٍ بالأمم الذين مِنْ قبلهم، وما نالَهُمْ مِنَ العذابِ في الدنيا المتَّصِلِ بعذابِ الآخرةِ الذي هو أكبر.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥: ثم مَثَّلَ لقريشٍ بالأمم الذين مِنْ قبلهم، وما نالَهُمْ مِنَ العذابِ في الدنيا المتَّصِلِ بعذابِ الآخرةِ الذي هو أكبر.
نَفَى اللَّهُ سبحانه عن القرآن العِوَجَ ؛ لأنَّهُ لا اخْتِلاَفَ فيه، ولا تناقُضَ، ولا مَغْمَزَ بِوَجْهٍ.
وقوله سبحانه : ﴿ ضَرَبَ الله مَثَلاً رَّجُلاً فِيهِ شُرَكَاءُ متشاكسون ﴾، هَذا مَثَلٌ ضربَه اللَّهُ سبحانه في التوحيدِ، فَمَثَّلَ تعالى الكافرَ العابِدَ للأوثانِ والشياطينِ بِعَبْدٍ لرِجَالٍ عِدَّةٍ ؛ في أَخْلاَقِهِم شَكَاسَةٌ وَعَدَمُ مُسَامَحَةٍ ؛ فهم لذلك يُعَذِّبُونَ ذلك العَبْدَ بتضايقهم في أوقاتهم، ويضايِقُون العبدَ في كثْرَةِ العَمَلِ ؛ فهو أبَداً في نَصَبٍ منهم وعناءٍ، فكذلك عَابِدُ الأوْثَانِ الذي يَعْتَقِدُ أَنَّ ضُرَّهُ ونَفْعَهُ عِنْدَهَا ؛ هو معذَّبُ الفِكْرِ بِهَا وبحراسَةِ حَالِهِ مِنْهَا، ومتى تَوَهَّمَ أنه أرضى صَنَماً بالذبحِ له في زعمِه، تَفَكّر فيما يصنعُ معَ الآخرِ ؛ فهو أبداً تَعِبٌ في ضلالٍ، وكذلك هو المُصَانِعُ للنَّاس المُمْتَحَنُ بخدمةِ الملوكِ، ومَثَّلَ تَعالى المُؤْمِنَ باللَّهِ وحدَهُ ؛ بعَبْدٍ لرجُلٍ واحدٍ يُكَلِّفُه شُغْلَهُ ؛ فهو يعمله على تُؤدَةٍ وقَدْ سَاسَ مَوْلاَهُ، فالمولى يَغْفِر زَلَّتهُ ويشكُرُه على إجادةِ عَمَلهِ، و﴿ مَثَلاً ﴾ مفعولُ ب ﴿ ضَرِبَ ﴾ و﴿ رَجُلاً ﴾ نَصْبٌ على البَدَلِ و﴿ متشاكسون ﴾ معناه :لا سَمْحَ في أخلاقِهم ؛ بل فيها لَجَاجٌ، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو «سالماً » أي :سالماً من الشّرْكَة، ثم وَقَفَ تعالى الكفارَ بقوله : ﴿ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً ﴾ ونَصْبُ ﴿ مَثَلاً ﴾ على التمييز ؛ وهذا التوقيفُ لا يجيبُ عَنْهُ أحدٌ إلاَّ بأنهما لا يستويان ؛ فلذلك عَامَلَتْهُمُ العِبَارَةُ الوجيزةُ على أنهم قد أجابوا، فقال : ﴿ الحمد للَّهِ ﴾ أي :على ظهور الحجَّةِ عليكم من أقوالِكم، وباقي الآية بيِّن.
والاخْتِصَامُ في الآية قيلَ :عَامٌّ في المؤمنِين والكَافِرين، قال ( ع ) :ومعنى الآيةِ عندي :أن اللَّه تعالى تَوَعَّدَهُم بأنهم سيَتَخاصَمُونَ يَوْمَ القيامةِ في معنى ردِّهم في وجهِ الشريعةِ وتكذيبِهمْ لرسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وَرَوَى الترمذيُّ من حديث عبد اللَّه بن الزُّبَيْرِ قال :" لما نَزَلَتْ : ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ القيامة عِندَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ قال الزُّبَيْرُ :يا رَسُولَ اللَّهِ :أَتُكَرَّرُ عَلَيْنَا الخُصُومَةُ بَعْدَ الَّذِي كَانَ بَيْنَنَا في الدُّنْيَا ؟ قَالَ :نَعَمْ قَالَ :إنَّ الأَمْرَ إِذَنْ لَشَدِيدٌ " انتهى.
وقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ علَى الله ﴾ الآية، الإِشارةُ بهذا الكذبِ إلى قولهم : «إن للَّه صاحبةً وولداً » وقولِهِمْ :هذا حلالٌ، وهذا حرامٌ، افتراءً على اللَّه، ونحوَ ذلك، وكذَّبُوا أيضاً بالصِّدْقِ، وذلك تكذيبُهم بما جاءَ به محمدٌ صلى الله عليه وسلم، ثم توعَّدَهم سبحانه تَوَعُّداً فيه احتقارُهم بقوله : ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى للكافرين ﴾.
وقرأ ابن مسعود :( والَّذِينَ جَاءُوا بِالصِّدْقِ وَصَدَّقُوا بِهِ ) والصدقُ هنا القرآن والشَّرْعُ بجُمْلَتِهِ ؛ وقالتْ فرقةٌ الذي يراد بِهِ :الذين، وحُذِفَتِ النونُ، قال ( ع ) :وهذا غيرُ جَيِّدٍ وَترْكِيبُ جاء عليه يَرُدُّ ذلك، بل الذي هاهنا هي للجنس، والآيةُ مُعَادِلة لقولهِ : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ ﴾. قال قتادة وغَيْرُهُ :( الذي جاء بالصِّدْقِ ) هو محمَّدُ عليه السلام والَّذي صَدَّقَ به همُ المؤمنونَ ؛ وهذا أَصْوَبُ الأقْوالِ، وذَهَبَ قومٌ إلى أن الذي صدَّقَ به أبو بكرٍ، وقيل :عليٌّ وتَعْمِيمُ اللفظ أَصْوَبُ.
وقولهُ سبحانه : ﴿ أُوْلَئِكَ هُمُ المتقون ﴾ قال ابن عبَّاس :اتَّقَوُا الشِّرْكَ.
وقوله تعالى : ﴿ لِيُكَفِّرَ ﴾ يحتملُ أن يَتَعَلَّقَ بقوله : ﴿ المحسنين ﴾ أي :الذين أحسنوا، لكَيْ يُكَفِّرَ ؛ وقاله ابن زيد، ويحتملُ أن يتعلَّقَ بفعلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مما قَبْلَهُ ؛ تقديرهُ :يَسَّرَهُمُ اللَّهُ لذلكَ ؛ لِيُكَفِّرَ، لأنَّ التَّكْفِيرَ لاَ يكونُ إلا بَعْدَ التَّيْسِيرِ لِلْخَيْرِ.
وقوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ تقوِيَةٌ لنَفْسِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ :( عباده ) يريد الأنبياءَ، وأنتَ يَا محمدُ أحدُهُمْ، فيدخلُ في ذلكَ المُؤْمِنُونَ المطيعُونَ والمتوكِّلُونَ على اللَّه سُبْحَانَهُ.
وقوله سبحانه : ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بالذين مِن دُونِهِ ﴾ أيْ :بالذين يَعْبُدُونَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وقد تقدَّم تفسيرُ نظيرِهِ.
وقوله تعالى : ﴿ فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ ﴾، أيْ :فلنفسه عَمِلَ وسعى، ومَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا جنى، ثم نبَّه تعالى على آية مِنْ آياته الكبرى، تدِلُّ الناظِرَ على الوحدانيَّةِ، وأنَّ ذلك لا شِرْكَةَ فيه لِصَنَمٍ، وهي حالةُ التَّوَفِّي، وذلكَ أَنَّ ما تَوَفَّاهُ اللَّهُ تعالى على الكَمَالِ. فهو الذي يَمُوتُ، وما تَوَفَّاهُ تَوفِّياً غَيرَ مُكَمَّلٍ فهو الذي يكونُ في النَّوْم، قال ابن زيدٍ :النومُ وفاةٌ والموتُ وفاة وكثَّرَ الناسُ في هذه الآية، وفي الفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، وَفَرَقَ قَوْمٌ بَيْنَ نَفْسِ التمييزِ ونفس التخيُّل ؛ إلى غير ذلك مِن الأقوال التي هي غَلَبةُ ظَنٍّ، وحقيقةُ الأمْرِ في هذا هي مما استأثر اللَّه به وَغَيَّبَهُ عن عِبَادِهِ في قوله : ﴿ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [ الإسراء :٨٥ ] ويكفيكَ أن في هذه الآية ﴿ يَتَوَفَّى الأنفس ﴾، وفي الحديثِ الصحيحِ :" إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْوَاحَنَا حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْنَا حِينَ شَاءَ "، وفي حديث بلالٍ في الوَادي ؛ فقد نطقتِ الشريعةُ بقَبْضِ الرُّوحِ والنَّفْس، وقد قال تعالى : ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ والظاهرُ أنَّ الخَوْضَ في هذا كُلِّهِ عَنَاءٌ، وإنْ كَان قَد تعرَّضَ للقَوْلِ في هذا ونحوه أئمةٌ، ذَكَرَ الثعلبيُّ عن ابن عباس ؛ أنه قال : «في ابن آدم نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُمَا مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ هِيَ الَّتي بها العَقْلُ والتمييزُ، والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحَرُّكُ، فإذا نام العَبْدُ قَبَضَ اللَّهُ تعالى نَفْسَهُ ولم يَقْبِضْ رُوحَه »، وجاءَ في آداب النَّوم وأذكار النائِم أحاديثُ صحيحةٌ ؛ ينبغي للعبدِ ألاَّ يُخْلِيَ نفسَه مِنها، وقد روى جابرُ بن عبد اللَّه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال :" إذا أَوَى الرَّجُلُ إلى فِرَاشِهِ، ابتدره مَلَكٌ وَشَيْطَانٌ، فيقُولُ المَلَكُ :اختم بِخَيْرٍ، ويقُولُ الشَّيْطَانُ :اختم بِشَرٍّ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تعالى، ثُمَّ نَامَ ؛ بَاتَ المَلَكُ يَكْلَؤُهُ، فَإنِ استيقظ ؛ قال الملكُ :افتح بِخَيْرٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ :افتح بِشَرٍّ، فإنْ قَالَ :الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَدَّ إلَيَّ نَفْسِي، وَلَمْ يُمِتْهَا في مَنَامِهَا، الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السماوات وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَلَئِنْ زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إلاَّ بِإذْنِهِ، إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فإن وَقَعَ مِنْ سَرِيرهِ، فَمَاتَ، دَخَلَ الجَنةَ "، رواه النسائي، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك » وابن حِبَّانَ في «صحيحه »، وقال الحاكم :صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، وزاد آخره : ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ انتهى من «السِّلاح ». وفيه عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :مَنْ قَالَ حِينَ يَأوِي إلى فِرَاشِهِ :" لا إله إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ ؛ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَوْ خَطَايَاهُ شَكَّ مِسْعَرٌ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ ". رواه ابن حِبَّان في «صحيحه »، ورواه النسائي موقوفاً، انتهى.
وروى الترمذيُّ عن أبي أُمَامَةَ قال :سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ :" مَنْ أوى إلى فِرَاشِهِ طَاهِراً يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يسألُ اللَّهَ شَيْئاً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ "، انتهى. والأجَلُ المسمى في هذه الآيةِ :هُوَ عُمْرُ كُلِّ إنْسَانٍ.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٤١: وقوله تعالى : ﴿ فَمَنِ اهتدى فَلِنَفْسِهِ ﴾، أيْ :فلنفسه عَمِلَ وسعى، ومَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا جنى، ثم نبَّه تعالى على آية مِنْ آياته الكبرى، تدِلُّ الناظِرَ على الوحدانيَّةِ، وأنَّ ذلك لا شِرْكَةَ فيه لِصَنَمٍ، وهي حالةُ التَّوَفِّي، وذلكَ أَنَّ ما تَوَفَّاهُ اللَّهُ تعالى على الكَمَالِ. فهو الذي يَمُوتُ، وما تَوَفَّاهُ تَوفِّياً غَيرَ مُكَمَّلٍ فهو الذي يكونُ في النَّوْم، قال ابن زيدٍ :النومُ وفاةٌ والموتُ وفاة وكثَّرَ الناسُ في هذه الآية، وفي الفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، وَفَرَقَ قَوْمٌ بَيْنَ نَفْسِ التمييزِ ونفس التخيُّل ؛ إلى غير ذلك مِن الأقوال التي هي غَلَبةُ ظَنٍّ، وحقيقةُ الأمْرِ في هذا هي مما استأثر اللَّه به وَغَيَّبَهُ عن عِبَادِهِ في قوله : ﴿ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ [ الإسراء :٨٥ ] ويكفيكَ أن في هذه الآية ﴿ يَتَوَفَّى الأنفس ﴾، وفي الحديثِ الصحيحِ :" إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْوَاحَنَا حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْنَا حِينَ شَاءَ "، وفي حديث بلالٍ في الوَادي ؛ فقد نطقتِ الشريعةُ بقَبْضِ الرُّوحِ والنَّفْس، وقد قال تعالى : ﴿ قُلِ الروح مِنْ أَمْرِ رَبِّي ﴾ والظاهرُ أنَّ الخَوْضَ في هذا كُلِّهِ عَنَاءٌ، وإنْ كَان قَد تعرَّضَ للقَوْلِ في هذا ونحوه أئمةٌ، ذَكَرَ الثعلبيُّ عن ابن عباس ؛ أنه قال : «في ابن آدم نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُمَا مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ هِيَ الَّتي بها العَقْلُ والتمييزُ، والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحَرُّكُ، فإذا نام العَبْدُ قَبَضَ اللَّهُ تعالى نَفْسَهُ ولم يَقْبِضْ رُوحَه »، وجاءَ في آداب النَّوم وأذكار النائِم أحاديثُ صحيحةٌ ؛ ينبغي للعبدِ ألاَّ يُخْلِيَ نفسَه مِنها، وقد روى جابرُ بن عبد اللَّه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنَّه قال :" إذا أَوَى الرَّجُلُ إلى فِرَاشِهِ، ابتدره مَلَكٌ وَشَيْطَانٌ، فيقُولُ المَلَكُ :اختم بِخَيْرٍ، ويقُولُ الشَّيْطَانُ :اختم بِشَرٍّ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تعالى، ثُمَّ نَامَ ؛ بَاتَ المَلَكُ يَكْلَؤُهُ، فَإنِ استيقظ ؛ قال الملكُ :افتح بِخَيْرٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ :افتح بِشَرٍّ، فإنْ قَالَ :الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَدَّ إلَيَّ نَفْسِي، وَلَمْ يُمِتْهَا في مَنَامِهَا، الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السماوات وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَلَئِنْ زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إلاَّ بِإذْنِهِ، إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فإن وَقَعَ مِنْ سَرِيرهِ، فَمَاتَ، دَخَلَ الجَنةَ "، رواه النسائي، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك » وابن حِبَّانَ في «صحيحه »، وقال الحاكم :صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، وزاد آخره : ﴿ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ انتهى من «السِّلاح ». وفيه عن أبي هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :مَنْ قَالَ حِينَ يَأوِي إلى فِرَاشِهِ :" لا إله إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ ؛ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَوْ خَطَايَاهُ شَكَّ مِسْعَرٌ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ ". رواه ابن حِبَّان في «صحيحه »، ورواه النسائي موقوفاً، انتهى.
وروى الترمذيُّ عن أبي أُمَامَةَ قال :سمعتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ :" مَنْ أوى إلى فِرَاشِهِ طَاهِراً يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يسألُ اللَّهَ شَيْئاً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ "، انتهى. والأجَلُ المسمى في هذه الآيةِ :هُوَ عُمْرُ كُلِّ إنْسَانٍ.

والضمائرُ في قوله تعالى : ﴿ أَوَلَوْ كَانُواْ لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلاَ يَعْقِلُونَ ﴾ :للأصنام.
وقوله تعالى: لِيُكَفِّرَ يحتملُ أن يَتَعَلَّقَ بقوله: الْمُحْسِنِينَ أي: الذين أحسنوا، لكَيْ يُكَفِّرَ وقاله ابن زيد «١»، ويحتملُ أن يتعلَّقَ بفعلٍ مُضْمَرٍ مَقْطُوعٍ مما قَبْلَهُ تقديرهُ:
يَسَّرَهُمُ اللَّهُ لذلكَ لِيُكَفِّرَ، لأنَّ التَّكْفِيرَ لاَ يكونُ إلا بَعْدَ التّيسير للخير.
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٣٦ الى ٤٤]
أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤)
وقوله تعالى: أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ تقوِيَةٌ لنفس النبيّ صلّى الله عليه وسلّم، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ: «عباده» «٢» يريد الأنبياءَ، وأنتَ يَا محمدُ أحدُهُمْ، فيدخلُ في ذلكَ المُؤْمِنُونَ المطيعُونَ والمتوكِّلُونَ على اللَّه سُبْحَانَهُ.
وقوله سبحانه: وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ أيْ: بالذين يَعْبُدُونَ، وباقي الآية بَيِّنٌ، وقد تقدَّم تفسيرُ نظيرِهِ.
وقوله تعالى: فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ، أيْ: فلنفسه عَمِلَ وسعى، ومَنْ ضَلَّ فَعَلَيْهَا جنى، ثم نبَّه تعالى على آية مِنْ آياته الكبرى، تدِلُّ الناظِرَ على الوحدانيَّةِ، وأنَّ ذلك لا شِرْكَةَ فيه لِصَنَمٍ، وهي حالةُ التَّوَفِّي، وذلكَ أَنَّ ما تَوَفَّاهُ اللَّهُ تعالى على الكَمَالِ، فهو الذي يَمُوتُ، وما تَوَفَّاهُ تَوفِّياً غَيرَ مُكَمَّلٍ فهو الذي يكونُ في النَّوْم، قال ابن زيد: النوم وفاة
(١) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٢).
(٢) ينظر: «السبعة» (٥٦٢)، و «الحجة» (٦/ ٩٥)، و «معاني القراءات» (٢/ ٣٣٨)، و «شرح الطيبة» (٥/ ١٩٨)، و «العنوان» (١٦٥)، و «حجة القراءات» (٦٢٢)، و «شرح شعلة» (٥٦٧)، و «إتحاف» (٢/ ٤٢٩).
والموتُ وفاة «١» وكثَّرَ الناسُ في هذه الآية، وفي الفَرْقِ بَيْنَ النَّفْسِ والرُّوحِ، وَفَرَقَ قَوْمٌ بَيْنَ نَفْسِ التمييزِ ونفس التخيُّل إلى غير ذلك مِن الأقوال التي هي غَلَبةُ ظَنٍّ، وحقيقةُ الأمْرِ في هذا هي مما استأثر اللَّه به وَغَيَّبَهُ عن عِبَادِهِ في قوله: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء:
٨٥]، ويكفيكَ أن في هذه الآية يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ، وفي الحديثِ الصحيحِ: إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرْوَاحَنَا حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْنَا حِينَ شَاءَ «٢». وفي حديث بلالٍ في الوَادي فقد نطقتِ الشريعةُ بقَبْضِ الرُّوحِ والنَّفْس، وقد قال تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي والظاهرُ أنَّ الخَوْضَ في هذا كُلِّهِ عَنَاءٌ، وإنْ كَان قَد تعرَّضَ للقَوْلِ في هذا ونحوه أئمةٌ، ذَكَرَ الثعلبيُّ عن ابن عباس أنه قال: «في ابن آدم نَفْسٌ ورُوحٌ بَيْنَهُمَا مِثْلُ شُعَاعِ الشَّمْسِ، فالنَّفْسُ هِيَ الَّتي بها العَقْلُ والتمييزُ، والرُّوحُ هي التي بها النَّفَسُ والتَّحَرُّكُ، فإذا نام العَبْدُ قَبَضَ اللَّهُ تعالى نَفْسَهُ ولم يَقْبِضْ رُوحَه» «٣»، وجاءَ في آداب النَّوم وأذكار النائِم أحاديثُ صحيحةٌ ينبغي للعبدِ ألاَّ يُخْلِيَ نفسَه مِنها، وقد روى جابرُ بن عبد اللَّه عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّه قال: «إذا أَوَى الرَّجُلُ إلى فِرَاشِهِ، ابتدره مَلَكٌ وَشَيْطَانٌ، فيقُولُ المَلَكُ: اختم بِخَيْرٍ، ويقُولُ الشَّيْطَانُ:
اختم بِشَرٍّ، فَإنْ ذَكَرَ اللَّهَ تعالى، ثُمَّ نَامَ بَاتَ المَلَكُ يَكْلَؤُهُ، فَإنِ استيقظ قال الملكُ:
افتح بِخَيْرٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ: افتح بِشَرٍّ، فإنْ قَالَ: الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي رَدَّ إلَيَّ نَفْسِي، وَلَمْ يُمِتْهَا في مَنَامِهَا، الحَمْدُ للَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولاَ، وَلَئِنْ زَالَتَا إنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ/ إلاَّ بِإذْنِهِ، إنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ، فإن وَقَعَ مِنْ سَرِيرهِ، فَمَاتَ، دَخَلَ الجنة»
«٤»، رواه
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ١٠) برقم: (٣٠١٦٣)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٣).
(٢) أخرجه البخاري (٢/ ٧٩- ٨٠) كتاب «مواقيت الصلاة» باب: الأذان بعد ذهاب الوقت برقم: (٥٩٥)، (١٣/ ٤٥٥) كتاب «التوحيد» باب: في المشيئة والإرادة (٧٤٧١)، وأحمد (٥/ ٣٠٧)، والبيهقي (١/ ٤٠٣- ٤٠٤) كتاب «الصلاة» باب: الأذان والإقامة للفئة، (٢/ ٢١٦) كتاب «الصلاة» باب: لا تفريط على من نام عن صلاة أو نسيها، وأبو داود (١/ ١٧٤) كتاب «الصلاة» باب: من نام عن صلاة أو نسيها (٤٣٩)، والنسائي (٢/ ١٠٥- ١٠٦) كتاب «الإمامة» باب: الجماع للفائت من الصلاة برقم: (٨٤٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٤/ ٤٤٨) كتاب «الصلاة» باب: ذكر خبر أوهم غير المتبحر في صناعة العلم: أن الصلاة الفائتة لا تؤدى عند طلوع الشمس حتى تبيض، (١٥٧٩)، وذكره البغوي في «شرح السنة» (٢/ ٨٦) كتاب «الصلاة» باب: الأذان للفائتة والإقامة لها (٤٣٩).
كلهم عن أبي قتادة عن أبيه، إلا أن بعضهم زاد، وبعضهم رواه مختصرا. [..... ]
(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١٦)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٤) أخرجه الحاكم في «المستدرك» (١/ ٥٤٨) كتاب «الدعاء»، وابن حبان (٧/ ٣٨٩- ٣٩٠) - الموارد
النسائي، واللفظ له، والحاكمُ في «المستدرك» وابن حِبَّانَ في «صحيحه»، وقال الحاكم:
صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ، وزاد آخره: «الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يُحْيِي الموتى وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» انتهى من «السِّلاح»، وفيه عن أبي هريرةَ عن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال: مَنْ قَالَ حِينَ يَأوِي إلى فِرَاشِهِ: «لا إله إلا الله وحده لا شريك لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَالحَمْدُ لِلَّهِ وَلاَ إله إلاَّ اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ، - غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ أَوْ خَطَايَاهُ- شَكَّ مِسْعَرٌ وَإنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» «١» رواه ابن حِبَّان في «صحيحه»، ورواه النسائي موقوفاً، انتهى، وروى التِّرمذيُّ عن أبي أُمَامَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم يقولُ: «مَنْ أوى إلى فِرَاشِهِ طَاهِراً يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى يُدْرِكَهُ النُّعَاسُ، لَمْ يَنْقَلِبْ سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ يسألُ اللَّهَ شَيْئاً مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ إلاَّ أَعْطَاهُ إيَّاهُ» «٢»، انتهى، والأجَلُ المسمّى
(٣٣٦٢)، وابن حبان في «صحيحه» (٢/ ٣٤٣) كتاب «الزينة والتطيب» باب: آداب الطعام ذكر الشيء الذي إذا قاله المرء عند استيقاظه من النوم دخل الجنة بقوله ذلك إن أدركته منيته (٥٥٣٣)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢١٣) كتاب «عمل اليوم والليلة» باب: ما يقول إذا انتبه من منامه (١٠٦٨٩/ ١)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٦٩)، كتاب «النوافل» باب: الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوي إلى فراشه، وما جاء فيمن نام ولم يذكر الله تعالى (٨٨١)، والهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/ ١٢٣) كتاب «الأدعية» باب: ما يقول إذا أوى إلى فراشه وإذا انتبه.
قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. اهـ.
وقال الهيثمي: رواه أبو يعلى، وهو عنده (٣/ ٣٢٦- ٣٢٧) برقم: (١٧٩١)، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن الحجاج الشامي وهو ثقة. اهـ بتصرف.
(١) أخرجه ابن حبان (٧/ ٣٩٤) - الموارد (٢٣٦٥)، وابن حبان (١٢/ ٣٣٨) كتاب «الزينة والتطيب» باب:
آداب الطعام، وذكر الشيء الذي يغفر الله ذنوب قائله إذا أوى إلى فراشه (٥٥٢٨)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٧٢٧)، وأبو نعيم في «أخبار أصفهان» (١/ ٢٦٧)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٦٨) كتاب «النوافل» باب: الترغيب في كلمات يقولهن حين يأوي إلى فراشه وما جاء فيمن نام ولم يذكر الله تعالى، برقم: (٨٧٩)، والهندي في «كنز العمال» (١٥/ ٣٤٧- ٣٤٨) (٤١٣٢٣) وفي الباب من حديث أبي هريرة أخرجه أحمد في «المسند» (٢/ ١٠).
(٢) أخرجه الترمذي (٥/ ٥٤٠) كتاب «الدعوات» باب: (٩٣) (٣٥٢٦) والطبراني في «المعجم الكبير» (٨/ ١٤٧) (٧٥٦٨)، وذكره المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٦٣)، كتاب «النوافل» باب: الترغيب في أن ينام الإنسان طاهرا ناويا للقيام (٨٦٩)، والنووي في «الأذكار» (١٣٤) كتاب «ما يقوله إذا دخل في الصلاة» باب: ما يقرأ في الوتر وما يقوله بعدها (٢٦/ ٢٤٢).
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وللحديث شاهد نحوه من حديث معاذ بن جبل: أخرجه ابن ماجه (٢/ ١٢٧٧) كتاب «الدعاء» باب: ما يدعو به إذا انتبه من الليل (٣٨٨١)، والنسائي في «الكبرى» (٦/ ٢٠١)، كتاب «عمل اليوم والليلة» باب:
ثواب من أوى طاهرا إلى فراشه يذكر الله تعالى حتى تغلبه عيناه (١٠٦٤٢/ ٢)، وأبو داود (٢/ ٣٧٠) كتاب «الأدب» باب: في النوم على طهارة (٥٠٤٢)، وأحمد (٥/ ٢٣٤، ٢٣٥، ٢٤١، ٢٤٤)، وذكره
وقوله تعالى : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ الله وَحْدَهُ اشمأزت قُلُوبُ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة ﴾ الآية، قال مجاهدٌ وغيره نَزَلَتْ في قراءةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم سورةُ النَّجم عِنْدَ الكَعْبَةِ بِمَحْضَرٍ من الكُفَّارِ، وقرأ ﴿ أَفَرَأيْتُمُ اللات والعزى. . . ﴾ [ النجم :١٩ ] الآية، ( وألقى الشيطانُ ) يَعْنِي في أسْمَاعِ الكفارِ تلك الغَرِانِقَةَ العلى عَلَى مَا مَرَّ في سُورَةِ الحَج، فَاسْتَبْشَرُوا، واشمأَزَّتْ نُفُوسُهُمْ :معناه :تَقَبَّضَتْ كِبْراً وأَنَفَةً وكَرَاهِيَةً ونَفُوراً.
وقوله تعالى : ﴿ قُلِ اللهم فَاطِرَ السماوات ﴾ الآية، أَمْرٌ لنبيهِ عليه السلام بالدعاءِ إليه وَرَدِّ الحُكْم إلى عَدْلِهِ، ومعنى هذا الأَمْرِ تَضمُّنُ الإجابةِ.
وقوله تعالى : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾ قال الثعلبيُّ :قال السُّدِّيُّ :ظَنُّوا أشياءَ أَنَّهَا حسناتٌ فبدَتْ سَيِّئاتٍ، قال ( ع ) :قال سفيانُ الثوريُّ :ويلٌ لأهل الرياءِ مِن هذه الآية، وقال عكرمة بن عَمَّار :جَزع محمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عند المَوْتِ، فقيل له :ما هَذَا ؟ فقال :أخافُ هذه الآيةَ ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِّنَ الله مَا لَمْ يَكُونُواْ يَحْتَسِبُونَ ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ إِذَا خولناه نِعْمَةً مِّنَّا ﴾ الآية، قال الزَّجَّاجُ :التَّخْوِيلُ العطاءُ عَنْ غَيْرِ مُجَازَاةٍ، والنِّعْمَةُ هنا عامَّةٌ في المالِ وغيرِه، وتَقْوَى الإشارةُ إلى المالِ بقوله : ﴿ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ على عِلْمٍ ﴾ قال قتادة :يريد إنما أُوتيتُهُ على علْمٍ مِنِّي بوجهِ المَكَاسِبِ والتِّجاراتِ، ويحتملُ أن يريد :على عِلْمٍ من اللَّهِ فيَّ واستحقاق حُزْتُهُ عندَ اللَّه، ففي هذا التأويلِ اغترارٌ باللَّه، وفي الأول إعْجَابٌ بالنَّفْسِ، ثم قال تعالى : ﴿ هِي فِتْنَةٌ ولكن ﴾ أي :ليس الأمْرُ كما قَال ؛ بل هذه الفَعْلَةُ بهِ فِتْنَةٌ له وابتلاء، ثم أَخْبَرَ تعالى عمَّنْ سَلَفَ من الكَفَرَةِ ؛ أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا هذه المقالَةَ كَقَارُونَ وغيره.
﴿ فَما أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ مَنَ الأمْوَالِ، ﴿ والذين ظَلَمُواْ مِنْ هَؤُلاَءِ ﴾ المعاصرينَ لَكَ، يا مُحَمَّدُ.
﴿ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُواْ ﴾. قال أبو حَيَّان : ﴿ فَمَا أغنى ﴾ يحتملُ أن تَكونَ ( ما ) نافيةً أو استفهاميةً فيها معنى النّفْي، انتهى.
في هذه الآيةِ: هُوَ عُمْرُ كُلِّ إنْسَانٍ، والضمائرُ في قوله تعالى: أَوَلَوْ كانُوا لاَ يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ: للأصنام.
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٤٥ الى ٥٢]
وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥) قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨) فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩)
قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
وقوله تعالى: وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ...
الآية، قال مجاهد وغيره «١» نزلت في قراءة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم سورةُ النَّجم عِنْدَ الكَعْبَةِ بِمَحْضَرٍ من الكُفَّارِ، وقرأ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى... [النجم: ١٩] الآية، وألقى الشيطانُ يَعْنِي في أسْمَاعِ الكفارِ (تلك الغَرِانِقَةَ العلى) عَلَى مَا مَرَّ في سُورَةِ الحَج، فَاسْتَبْشَرُوا، واشمأَزَّتْ نُفُوسُهُمْ: معناه: تَقَبَّضَتْ كِبْراً وأَنَفَةً وكَرَاهِيَةً ونَفُوراً.
وقوله/ تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ... الآية، أَمْرٌ لنبيهِ- عليه السلام- بالدعاءِ إليه وَرَدِّ الحُكْم إلى عَدْلِهِ، ومعنى هذا الأَمْرِ تَضمُّنُ الإجابةِ.
وقوله تعالى: وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ قال الثعلبيُّ: قال السُّدِّيُّ:
ظَنُّوا أشياءَ أَنَّهَا حسناتٌ فبدَتْ سَيِّئاتٍ «٢»، قال ع: قال سفيانُ الثوريُّ: ويلٌ لأهل الرياءِ مِن هذه الآية «٣»، وقال عكرمة بن عَمَّار: جَزع محمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ عند الموت، فقيل
المنذري في «الترغيب والترهيب» (١/ ٤٦٢) كتاب «النوافل» باب: الترغيب في أن ينام الإنسان طاهرا ناويا للقيام (٨٦٧).
(١) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨١) عن مجاهد ومقاتل، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٤)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦١٨)، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.
(٢) ذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨٢).
(٣) ذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٥).
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ يا عبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ الله ﴾ الآية، هذه الآيةُ عامَّةٌ في جميع النَّاسِ إلى يوم القيامةِ، فتَوْبَةُ الكَافِرِ تَمْحُو ذَنْبَهُ، وتوبة العاصي تمحو ذنبَهُ ؛ على ما تقدَّم تفصيلُهُ، واختُلِفَ في سبب نزولِ هذه الآية، فقال عطاءُ بن يَسَارٍ :نزلَتْ في وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حمزة، وقال ابن إسحاق وغيره :نزلَتْ في قومٍ بمكَّةَ آمنوا، ولم يُهَاجِرُوا وفَتَنَتْهُمْ قُرَيْشٌ، فافتتنوا، ثم نَدِمُوا وَظَنُّوا أنهم لا تَوْبَةَ لَهم، فنزلَتِ الآيةُ فِيهِم، منهم الوَلِيدُ بْنُ الوَلِيدِ وَهِشَامُ بْنُ العَاصي ؛ وهذا قولُ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وأنه كَتَبَهَا بِيدِهِ إلى هشامِ بْنِ العَاصِي، الحديثَ، وقالتْ فرقةٌ :نزلَتْ في قومٍ كُفَّارٍ مِنْ أهْلِ الجاهليَّةِ، قالوا :وَمَا يَنْفَعُنَا الإسْلاَمُ، وَنَحْنُ قد زَنَيْنَا وَقَتَلْنَا النَّفْسَ، وأَتَيْنَا كُلَّ كبيرةٍ، فَنَزَلَتِ الآيةُ فِيهمْ، وقالَ عليُّ بْنُ أبي طَالِبِ، وابنُ مَسْعُودٍ، وابنُ عُمَرَ :هذِهِ أرْجَى آية في القرآن.
ورَوَى ثَوْبَانُ عَنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم قال :" مَا أُحِبُّ أَنَّ لي الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا بِهَذِهِ الآيةِ ﴿ قُلْ يا عبادي " و{ أَسْرَفُواْ ﴾ معناه أَفْرَطُوا، والقَنَطُ أعْظَمُ اليَأْسِ، وقرأ نافعٌ والجمهورُ ( تَقْنَطُوا ) بفتح النون، قال أبو حاتم :فيلزمهم أن يقرؤوا { مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُواْ بكسرها ولم يقرأْ بهِ أحَدٌ، وقرأ أبو عمرو ( تَقْنِطُوا ) بالكسر.
وقوله : ﴿ إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً ﴾ عمومٌ بمعنى الخصوصِ ؛ لأن الشِّرْكَ لَيْسَ بداخلٍ في الآيةِ إجماعاً، وهي أيضاً في المعاصِي مقيَّدةٌ بالمشيئةِ، ورُوِيَ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قرأ : ﴿ إن اللَّه يغفرُ الذنوبَ جَميعاً ولاَ يُبَالِي ﴾ وقَرَأَ ابنُ مَسْعُودٍ : ﴿ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً لِمَنْ يَشَاءُ ﴾.
﴿ وأنيبوا ﴾ معناه :ارجعوا.
وقوله سبحانه : ﴿ واتبعوا أَحْسَنَ ﴾ معناه :أن القرآن العزيزَ تضمَّنَ عقائدَ نيرةً وأوامرَ ونواهيَ مَنْجِيَةً وَعِدَاتٍ على الطاعاتِ، والبِرِّ، وتضمَّن أيضاً حدوداً على المعاصِي وَوَعِيداً على بَعْضِها فالأحسنُ للمرءِ أنْ يسلك طَريق الطاعةِ والانتهاءِ عن المعصيةِ والعفوِ في الأمورِ ونحوِ ذلك مِنْ أنْ يسلكَ طريقَ الغَفْلَةِ والمعصيةِ ؛ فَيُحَدُّ أو يَقَعَ تَحْتَ الوعيدِ، فهذا المعنى هو المقصود ب ﴿ أَحْسَنَ ﴾، وليس المعنى :أنَّ بعضَ القرآن أحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ منْ حيثُ هو قرآن.
( ت ) :وروى أبو بكرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده عن أبي سعيد الخدريِّ قال :( قال رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم :في قولِ اللَّهِ عزَّ وجَلَّ : ﴿ يَا حسرتى ﴾ قال :الحسرةُ أن يرى أهلُ النارِ منازِلَهُمْ من الجنة، قال :فهي الحسرةُ ) انتهى.
وقوله : ﴿ فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله ﴾ أي :في جِهَةِ طاعتهِ وتضييعِ شريعتِه والإيمانِ به، وقال مجاهدٌ : ﴿ فِي جَنبِ الله ﴾ أي :في أمر اللَّه، وقولُ الكافِر : ﴿ وَإِن كُنتُ لَمِنَ الساخرين ﴾ نَدَامَةً على استهزائه بِأَمْرِ اللَّهِ تعالى.
( وكرة ) مصدرٌ مِنْ كَرّ يَكُرُّ، وهذا الكونُ في هذه الآيةِ داخلٌ في التَّمَنِّي، وباقي الآيةِ أنوارُهُ لائحةٌ، وحُجَجُهُ واضحةٌ.
ثم خاطبَ تعالى نبيَّه بِخَبَرِ مَا يَرَاهُ يومَ القيامةِ من حالَةِ الكُفّار، وفي ضِمْنِ هذَا الخبرِ وَعِيدٌ بَيِّنٌ لمعاصريه عليه السلام فقال : ﴿ وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ ﴾ ﴿ ترى ﴾ من رؤيةِ العينِ، وظاهرُ الآية أنَّ وجوههم تَسْوَدُّ حقيقةً.
وقوله سبحانه : ﴿ وَيُنَجِّى الله الذين اتقوا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ الآية، ذَكَر تعالى حَالَةَ المُتَّقينَ ونجاتهم ؛ لِيُعَادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ من شَقَاوَةِ الكَافِرِينَ، وفي ذلك تَرْغِيبٌ في حالةِ المتقين ؛ لأن الأشياء تَتَبَيَّنُ بِأضْدَادِها، ومفازتهم مصدَرٌ مِن الفَوْزِ، وفي الكلام حَذْفُ مضافٍ، تقديرُهُ :ويُنَجِّي اللَّهُ الذين اتقوا بأسْبَابِ مفازَتِهِمْ، وال ﴿ مَقَالِيدُ ﴾ :المفاتيح ؛ وقاله ابن عباس واحدها مِقْلاَدُ كمِفْتَاحٍ، وقال عثمان بن عَفَّان :سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن مَقَالِيدُ السماوات والأرض.
﴿ مَقَالِيدُ السماوات والأرض ﴾ فقال : ﴿ هِيَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إلاَّ باللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ أُوْحِىَ إِلَيْكَ وَإِلَى الذين مِن قَبْلِكَ ﴾ قالت فرقة :المعنى :ولقد أوحِي إَلى كُلِّ نبيٍّ ؛ ﴿ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾. ( ت ) :قد تقدَّمَ غيرُ مَا مَرَّةٍ، بأنَّ ما وَرَدَ مِن مِثْلِ هذا، فهو محمولٌ على إرادةِ الأمَّةِ لعِصْمَة النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ مِنْهُ، وخُوطِبَ هو صلى الله عليه وسلم تعظيماً للأمْرِ، قال ( ص ) : ﴿ لَيَحْبَطَنَّ ﴾ جوابُ القَسَمِ، وجَوابُ الشَّرْطِ محذوفٌ ؛ لِدَلاَلَةِ جَوابِ القسمِ عليه، انتهى.
وقوله سبحانه: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ معناه: أن القرآن العزيزَ تضمَّنَ عقائدَ نيرةً وأوامرَ ونواهيَ مَنْجِيَةً وَعِدَاتٍ على الطاعاتِ، والبِرِّ، وتضمَّن أيضاً حدوداً على المعاصِي وَوَعِيداً على بَعْضِها/ فالأحسنُ للمرءِ أنْ يسلك طَريق الطاعةِ والانتهاءِ عن المعصيةِ والعفوِ في الأمورِ ونحوِ ذلك مِنْ أنْ يسلكَ طريقَ الغَفْلَةِ والمعصيةِ فَيُحَدُّ أو يَقَعَ تَحْتَ الوعيدِ، فهذا المعنى هو المقصود ب أَحْسَنَ، وليس المعنى: أنَّ بعضَ القرآن أحْسَنُ مِنْ بَعْضٍ منْ حيثُ هو قرآن، ت: وروى أبو بكرِ بْنُ الخَطِيبِ بسنده عن أبي سعيدٍ الخدريِّ قال:
قال رَسُولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: في قولِ اللَّهِ- عزَّ وجَلَّ-: يَا حَسْرَتى قال: الحسرةُ أن يرى أهلُ النارِ منازِلَهُمْ من الجنة، قال: فهي الحسرةُ «١»، انتهى.
وقوله: فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في جِهَةِ طاعتهِ وتضييعِ شريعتِه والإيمانِ به، وقال مجاهدٌ : فِي جَنْبِ اللَّهِ أي: في أمر اللَّه «٢»، وقولُ الكافِر: وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ نَدَامَةً على استهزائه بِأَمْرِ اللَّهِ- تعالى-، و «كرة» مصدرٌ مِنْ كَرّ يَكُرُّ، وهذا الكونُ في هذه الآيةِ داخلٌ في التَّمَنِّي، وباقي الآيةِ أنوارُهُ لائحةٌ، وحُجَجُهُ واضحةٌ، ثم خاطبَ تعالى نبيَّه بِخَبَرِ مَا يَرَاهُ يومَ القيامةِ من حالَةِ الكُفّار، وفي ضِمْنِ هذَا الخبرِ وَعِيدٌ بَيِّنٌ لمعاصريه- عليه السلام- فقال: وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ تَرَى من رؤيةِ العينِ، وظاهرُ الآية أنَّ وجوههم تسودّ حقيقة.
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٦١ الى ٦٦]
وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥)
بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦)
وقوله سبحانه: وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ... الآية، ذَكَر تعالى حَالَةَ المُتَّقينَ ونجاتهم لِيُعَادِلَ بِذَلِكَ ما تَقَدَّمَ من شَقَاوَةِ الكَافِرِينَ، وفي ذلك تَرْغِيبٌ في حالةِ المتقين لأن الأشياء تَتَبَيَّنُ بِأضْدَادِها، و «مفازتهم» مصدَرٌ مِن الفَوْزِ، وفي الكلام حَذْفُ مضافٍ، تقديرُهُ: ويُنَجِّي اللَّهُ الذين اتقوا بأسْبَابِ مفازَتِهِمْ، وال مَقالِيدُ: المفاتيح وقاله
(١) أخرجه الطبري في (٥/ ١٧٨) برقم: (١٣١٨٩)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٣/ ٣٨٩) برقم:
(١٥٠٢)، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٣/ ٩)، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، والطبراني، وأبي الشيخ، وابن مردويه.
(٢) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ١٩) برقم: (٣٠١٩٥)، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨٥)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٨).
وقوله تعالى : ﴿ وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ ﴾ معناهُ وما عَظَّمُوا اللَّه حقَّ عظَمتهِ، ولا وَصَفُوهُ بصفاتِهِ، ولا نَفَوْا عَنْهُ مَا لاَ يليقُ به، قال ابن عبَّاسٍ :نزلتْ هذه الآيةُ في كُفَّارِ قُرَيْشٍ الذينَ كَانَتْ هذهِ الآياتُ كلُّها محاورةً لهم، وردًّا عليهم، وقالت فرقة :نزلتْ في قومٍ من اليهودِ تَكَلَّمُوا في صفاتِ اللَّه تعالى، فَأَلْحَدُوا وَجَسَّمُوا وَأَتَوْا بِكُلِّ تَخْلِيطٍ.
وقوله تعالى : ﴿ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ ﴾ معناه :في قَبْضَتِهِ، واليمينُ هنا، والقبضةُ عِبارةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما اختلج في الصُّدُورِ من غَيْرِ ذَلِكَ بَاطِلٌ.
و﴿ فَصَعِقَ ﴾ في هذه الآية، معناه :خَرَّ مَيِّتاً، والصُّورُ :القَرنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هنا غَيْرُ هذا، ومَنْ يَقُولُ : ﴿ الصور ﴾ جمع صُورَةٍ، فإنما يَتَوجَّهُ قولهُ فِي نَفْخَةِ البَعْثِ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُ نَظِيرِ هذه الآيةِ في غَيْرِ هذا المَوْضِعِ.
وقوله تعالى : ﴿ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أخرى ﴾ هي نفخةُ البَعْثِ، وفي الحديث :( إنَّ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أربعين لاَ يَدْرِي أبو هريرةَ سَنَةً أو شَهْراً أَوْ يَوْماً أَوْ سَاعَةً )، ( ت ) :ولفظُ مُسْلِمٍ :عن أبي هريرةَ قال :قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :" مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا :يَا أَبا هُرَيْرَةَ :أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ :أَبَيْتُ قَالُوا :أَرْبَعُونَ شَهْراً ؟ قَالَ :أَبَيْتُ، قَالُوا :أَربَعُونَ يَوماً ؟ قالَ :أَبَيْتُ " الحَدِيثَ، قال صَاحِبُ «التَّذْكِرَةِ » :فقيل :معنى قوله :( أَبَيْتُ ) أي :امتنعت من بَيَانِ ذلك ؛ إذْ ليس هو مِمَّا تَدْعُو إليه حاجةٌ، وعلى هذا كانَ عِنده عِلْمُ ذلك، وقيل :المعنى :أَبَيْتُ أَنْ أَسْأَلَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عَنْ ذلك، وعلى هذا :فلاَ عِلْمَ عِنْدَهُ، والأَوَّلُ أظْهَرُ، وقد جاء :( إَنَّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعِينَ عَاماً ) انتهى. وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصحيحَ في المستثنى في الآيةِ أَنَّهُمُ الشُّهَدَاءُ قَال الشيخُ أبو محمَّدِ بْنُ بُزَيزَةَ في شرح «الأحكام الصغرى » لعبد الحَقِّ :الذي تلقيناه من شيوخنا المحققين أن العَوالِمَ التي لاَ تفنى سَبْعَةٌ :العَرْشُ، والكُرْسِيُّ، واللَّوْحُ، والقلم، والجَنَّةُ، والنَّارُ، والأَرْوَاحُ. انتهى.
﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرض بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ معناه :أضاءت وعَظُمَ نُورُهَا، و﴿ الأرض ﴾ في هذه الآية :الأرض المُبَدَّلَةُ من الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.
وقوله : ﴿ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ إضَافَةُ مُخلوق إلى خَالقٍ، و﴿ الكتاب ﴾ كتابُ حِسَابِ الخلائِقِ، وَوَحَّدَهُ على اسم الجِنْسِ ؛ لأنَّ كلَّ أحَدٍ له كتابٌ عَلى حِدَةٍ، ﴿ وَجِيءَ بالنبيين ﴾ أي :لِيَشْهَدُوا على أممهم، و﴿ الشهداء ﴾ قيل :هو جمع شَاهِد وقيل :هو جمع شَهِيدٍ في سبِيلِ اللَّهِ، والأولُ أبْيَنُ في معنى التَّوَعُّدِ، والضميرُ في قوله ﴿ بَيْنَهُمْ ﴾ عائدٌ على العالم بِأجْمَعِهِ، إذِ الآيةُ تدلُّ عليهم.
و﴿ زُمَراً ﴾ مَعْنَاهُ :جماعاتٍ متفرقةً، واحدتها :زُمْرَة.
وقوله : ﴿ فُتِحَتْ ﴾ جوابُ ( إذَا )، والكَلاَمُ هنا يَقْتَضِي أن فَتْحَها إنما يكُونَ بَعْدَ مجِيئِهم، وفي وُقوفِهِم قَبْل فَتْحِها مَذَلَّةٌ لهُمْ، وهَكَذا هي حالُ السُّجُونِ ومَواضِعِ الثِّقَافِ والعَذَابِ ؛ بِخلافِ قولِهِ في أَهْلِ الجَنَّةِ ﴿ وَفُتِحَتْ ﴾، فالواو مؤذِنَةٌ بأنهم يَجِدُونَها مَفْتُوحَةً كَمَنَازِلِ الأَفْرَاحِ والسُّرُورِ.
وقوله تعالى : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيات رَبِّكُمْ ﴾ الآية، في قوله : ﴿ مِّنكُمْ ﴾ أعْظَمُ في الحُجَّةِ، أي :رُسُلٌ مِنْ جِنْسِكُمْ ؛ لا يَصْعُبُ عليكم مَرَامُهم، ولا فَهْمُ أقوالِهِم.
ابن عباس «١»، «واحدها «مِقْلاَدُ» ك «مِفْتَاحٍ»، وقال عثمان بن عفّان: سألت النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عن مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فقال: «هِيَ لاَ إلَهَ إلاَّ اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ، وسُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ للَّهِ، وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّة إِلاَّ بالله العلي العظيم هُوَ الأَوَّلُ والآخِرُ والظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ يُحْيِي ويُمِيتُ، وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» «٢».
وقوله تعالى: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ قالت فرقة: المعنى: ولقد أوحِي إَلى كُلِّ نبيٍّ لَئِنْ أشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ، ت: قد تقدَّمَ غيرُ مَا مَرَّةٍ، بأنَّ ما وَرَدَ مِن مِثْلِ هذا، فهو محمولٌ على إرادةِ الأمّة لعصمة النبي صلّى الله عليه وسلّم، وإِنما المرادُ مَنْ يمكنُ أنْ يَقَعَ ذلكَ منه، وخوطب هو صلّى الله عليه وسلّم تعظيماً للأمْرِ، قال- ص-: لَيَحْبَطَنَّ جوابُ القَسَمِ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدلالة جواب القسم عليه، انتهى.
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٦٧ الى ٧٢]
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١)
قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)
وقوله تعالى: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ معناهُ وما عَظَّمُوا اللَّه حقَّ عظَمتهِ، ولا وَصَفُوهُ بصفاتِهِ، ولا نَفَوْا عَنْهُ مَا لاَ يليقُ به، قال ابْنُ عَبَّاس: نزلَتْ هذه الآيةُ في كُفَّارِ قُرَيْشٍ الذينَ كَانَتْ هذهِ الآياتُ كلُّها محاورةً لهم، وردًّا عليهم «٣»، وقالت فرقة: نزلت في
(١) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٢٢) برقم: (٣٠٢٠٥) عن ابن عبّاس، وبرقم: (٣٠٢٠٦) عن قتادة، وذكره البغوي في «تفسيره» (٤/ ٨٦)، وابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٣٩)، والسيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٦٢٥)، وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عبّاس، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن مجاهد.
(٢) ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٥/ ٥٢٦)، وعزاه إلى أبي يعلى، ويوسف القاضي في «سننه»، وأبي الحسن القطان في «المطولات»، وابن السني في «عمل اليوم والليلة»، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
(٣) أخرجه الطبري في «تفسيره» (١١/ ٢٤) برقم: (٣٠٢٠٩)، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (٤/ ٥٤٠)، وابن كثير في «تفسيره» (٤/ ٦٢) عن مجاهد.
قومٍ من اليهودِ تَكَلَّمُوا في صفاتِ اللَّه تعالى، فَأَلْحَدُوا وَجَسَّمُوا وَأَتَوْا بِكُلِّ تَخْلِيطٍ.
وقوله تعالى: وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ معناه: في قَبْضَتِهِ، واليمينُ هنا، والقبضةُ عِبارةٌ عَنِ القُدْرَةِ والقُوَّةِ، وما اختلج في الصُّدُورِ من غَيْرِ ذَلِكَ باطل، وفَصَعِقَ في هذه الآية، معناه: خَرَّ مَيِّتاً، والصُّورِ: القَرنُ، ولا يُتَصَوَّرُ هنا غَيْرُ هذا، ومَنْ يَقُولُ:
الصُّورِ جمع صُورَةٍ، فإنما يَتَوجَّهُ قولهُ فِي نَفْخَةِ البَعْثِ، وقد تَقَدَّمَ بَيَانُ نَظِيرِ هذه/ الآيةِ في غَيْرِ هذا المَوْضِعِ.
وقوله تعالى: ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى هي نفخةُ البَعْثِ، وفي الحديث: «أَنَّ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أربعين» لاَ يَدْرِي أبو هريرةَ سَنَةً أو شَهْراً أَوْ يَوْماً أَوْ سَاعَةً ت: ولفظُ مُسْلِمٌ :
عن أبي هريرةَ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلّى الله عليه وسلّم ومَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ، قَالُوا: يَا أَبا هُرَيْرَةَ: أَرْبَعُونَ سَنَةً؟ قَالَ: أَبَيْتُ قَالُوا: أَرْبَعُونَ شَهْراً؟ قَالَ: أَبَيْتُ، قَالُوا: أَربَعُونَ يَوماً؟ قالَ: أَبَيْتُ الحَدِيثَ، قال صَاحِبُ «التَّذْكِرَةِ» «١» :فقيل: معنى قوله: «أَبَيْتُ» أي: امتنعت من بَيَانِ ذلك إذْ ليس هو مِمَّا تَدْعُو إليه حاجةٌ، وعلى هذا كانَ عِنده عِلْمُ ذلك، وقيل: المعنى:
أبيت أن أسأل «٢» النبيّ صلّى الله عليه وسلّم عَنْ ذلك، وعلى هذا: فلاَ عِلْمَ عِنْدَهُ، والأَوَّلُ أظْهَرُ، وقد جاء أَنَّ مَا بَيْنَ النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعِينَ عَاماً، انتهى، وقد تَقَدَّمَ أنَّ الصحيحَ في المستثنى في الآيةِ أَنَّهُمُ الشُّهَدَاءُ قَال الشيخُ أبو محمَّدِ بْنُ بُزَيزَةَ في «شرح الأحكام الصغرى» لعبد الحَقِّ: الذي تلقيناه من شيوخنا المحققين أن العَوالِمَ التي لاَ تفنى سَبْعَةٌ : العَرْشُ، والكُرْسِيُّ، واللَّوْحُ، والقلم، والجَنَّةُ، والنَّارُ، والأَرْوَاحُ. انتهى.
وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها معناه: أضاءت وعظم نورها، والْأَرْضُ في هذه الآية: الأرض المُبَدَّلَةُ من الأرْضِ المَعْرُوفَةِ.
وقوله: بِنُورِ رَبِّها إضَافَةُ مُخلوق «٣» إلى خالق، والْكِتابُ كتاب حساب
(١) ينظر: «التذكرة» (١/ ٢٣١).
(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٤١٤) كتاب «التفسير» باب: وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٤٨١٤)، (٨/ ٥٥٨) كتاب «التفسير» باب: يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْواجاً (٤٩٣٥)، ومسلم (٤/ ٢٢٧٠) كتاب «الفتن وأشراط الساعة» باب: ما بين النفختين (١٤١/ ٢٩٥٥)، (١٤٣/ ٢٩٥٥)، وأخرجه مختصرا مالك (١/ ٢٣٩) كتاب «الجنائز» باب: جامع الجنائز (٤٨)، والنسائي (٤/ ١١١- ١١٢)، كتاب «الجنائز» باب: أرواح المؤمنين برقم: (٢٠٧٧)، وابن ماجه (٢/ ١٤٢٥)، كتاب «الزهد» باب: ذكر القبر والبلى (٤٢٦٦).
(٣) في د: خلق. [..... ]
وقوله تعالى : ﴿ وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ ﴾ :لَفْظٌ يعمُّ كُلَّ مَنْ يدخلُ الجنةَ من المؤمنينَ الذين اتقوا الشِّرْكَ، والواو في قوله : ﴿ وَفُتِحَتْ ﴾ مؤذِنَةٌ بأنها قَدْ فتحت قبل وصولهِم إليها، وقالتْ فِرْقَةٌ :هي زائدةٌ وقالَ قَوْمٌ :أشَارَ إلَيْهِمُ ابن الأنباريِّ، وضَعَّفَ قولَهُم :هذه واو الثمانيةِ، وقد تقدَّم الكلامُ عليها، وجَوابُ ( إذا ) ( فُتِحَتْ )، وعَنِ المُبَرِّدِ :جوابُ إذا محذوفٌ، تقديره بعد قوله : ﴿ خالدين ﴾ :سُعِدُوا وسقطَتْ هذه الواوُ في مصحف ابن مسعود، ﴿ وسلام عَلَيْكُمْ ﴾ تحيةٌ، و﴿ طِبْتُمْ ﴾ معناه :أعمالاً ومُعْتَقَداً وَمُسْتَقَرّاً وجَزَاءً.
﴿ وَأَوْرَثَنَا الأرض ﴾ يُريدُ :أرْضَ الجَنَّةِ، و﴿ نَتَبَوَّأُ ﴾ معناه :نتخذ أَمْكِنَةٌ ومَسَاكِنَ، ثم وَصَفَ تعالى حَالَةَ الملائِكَةِ مِنَ العَرْشِ وَحُفُوفَهُمْ به والحفُوفُ الإحْدَاقُ بالشَّيْءِ، وهذه اللفظة مأخوذةٌ من الحِفَافِ، وهو الجانبُ.
قال ابن المبارِك في «رقائقه » :أخبرنا مَعْمَرٌ عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضَمْرَةَ عن علي ؛ أنه تلا هذه الآية : ﴿ وَسِيقَ الذين اتقوا رَبَّهُمْ إِلَى الجنة زُمَراً حتى إِذَا جَاءُوهَا ﴾ قال :وَجَدُوا عِنْدَ بَابِ الجَنَّةِ شَجَرَةً يخرجُ مِنْ ساقها عَيْنَانِ، فَعَمَدُوا إلى إحداهما كأنما أمروا بها، فاغْتَسَلُوا بها، فَلَمْ تَشْعَثْ رُؤُوسُهم بَعْدَها أبداً، ولم تَتَغَيَّرْ جُلُودُهُمْ بَعْدَهَا أبداً كأنما دُهِنُوا بِالدُّهْنِ، ثم عمدوا إلى الأخرى، فَشَرِبُوا مِنْهَا، فَطَهُرَتْ أجوافُهم، وغَسَلَتْ كُلَّ قَذِرٍ فيها، وَتَتَلَقَّاهُمْ على كلِّ بَابٍ مِنْ أبوابِ الجَنَّةِ ملائكةٌ : ﴿ سلام عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فادخلوها خالدين ﴾، ثم تتلقَّاهم الوِلْدَانُ يُطِيفُونَ بهم كما يُطِيفُ وِلْدَانُ الدُّنْيا بالحَمِيمِ، يجيءُ من الغَيْبَةِ يقولونَ :أَبْشِرْ، أَعَدَّ اللَّهُ لَكَ كَذَا وَكَذَا، وأَعَدَّ اللَّهُ لَكَ كَذَا، ثم يَذْهَبُ الغُلاَمُ مِنْهُمْ إلى الزَّوْجَةِ مِنْ أزْوَاجِهِ، فيقولُ :قَدْ جَاءَ فُلاَنٌ باسمه الَّذِي كَانَ يَدَّعِي به في الدنيا، فَتَقُولُ لَهُ :أَنْتَ رَأَيْتَهُ فَيَسْتَخِفُّها الفَرَحُ حتى تَقُومَ على أُسْكُفَّةِ بَابِها، ثم ترجِعُ، فيجيءُ، فَيَنْظُرُ إلى تَأْسِيسِ بنيانِهِ من جَنْدَلِ اللؤلؤ أخضَرَ وأصْفَر وأحْمَر ؛ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ ثم يجلسُ فينظُرُ ؛ فإذا زَرَابِيُّ مبثُوثَةٌ، وأكوابٌ موضوعَةٌ، ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ فَلَوْلاَ أَنَّ اللَّهَ قَدَّرَ ذَلِكَ، لأَذْهَبَ بَصَرَهُ إنَّما هُوَ مِثْلُ البَرْقِ ؛ ثم يقول :الحمدُ لِلَّهِ الذِي هَدَانَا لِهذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلاَ أَنْ هَدَانَا اللَّهُ، انتهى.
وقوله تعالى : ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ قَالَتْ فرقَةٌ معناه :أَنَّ تَسْبِيحَهُمْ يتأتى بِحَمْدِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ، وقالَتْ فرقةٌ :تسبيحُهُمْ هُوَ بتردِيدِ حَمْدِ اللَّهِ، وتَكْرَارِهِ، قال الثعلبيُّ :مُتَلَذِّذِينَ لاَ مُتَعَبِّدِينَ مُكَلَّفِينَ.
وقوله تعالى : ﴿ وَقِيلَ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ خَتْمٌ للأمرِ، وقولٌ جَزْمٌ عِنْدَ فصلِ القَضَاءِ، أي :أن هذا المَلِكَ الحَاكِمَ العادلَ ينبغي أن يُحْمَدَ عِنْدَ نفوذِ حكمه وإكمال قضائِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ، وَمِنْ هذه الآيةِ جُعِلَتْ ﴿ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين ﴾ خَاتمةَ المجالِسِ والمُجْتَمَعَاتِ في الْعِلْمِ، قال قَتَادَةُ :فَتَحَ اللَّهُ أَوَّلَ الخَلَقِ بالحمدِ، فقال : ﴿ الحمد للَّهِ الذي خَلَقَ السماوات والأرض ﴾ [ الأنعام :١ ] وخَتَمَ القيامَةَ بالحَمْدِ في هذه الآية.
قال ( ع ) :وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ ﴿ الحمد للَّهِ رب العالمين ﴾ فَاتِحَةَ كتابهِ ؛ فَبِه يُبْدَأ كلُّ أمْرٍ وَبِه يُخْتَمُ، وحَمْدُ اللَّهِ تعالى وتقديسُهُ ينبغي أن يكونَ مِن المؤمنِ ؛ كما قيل : [ الطويل ]
السورة التالية
Icon
وَآخِرُ شَيْءٍ أَنْتَ في كُلِّ ضَجْعَةٍ وَأَوَّلُ شَيْءٍ أَنْتَ عِنْدَ هُبُوب