0:00
0:00

سورة الزمر وهي مكية

قوله تعالى : ﴿ تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ ﴾ يقول، والله أعلم :أن الكتاب الذي يتلوه رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم ويدعوكم إليه، هو تنزيل من عند الله، كقوله : ﴿ نزل به الروح الأمين ﴾ ﴿ على قلبك لتكون من المنذرين ﴾ [ الشعراء :١٩٣ و١٩٤ ].
وقوله عز وجل : ﴿ العزيز الحكيم ﴾ على إثر قوله ﴿ تنزيل الكتاب من الله ﴾ يخرج، والله أعلم على أنه يدعوكم محمد صلى الله عليه وسلم إلى اتباع الكتاب والطاعة له، ليس لذل به، يطلب بكم العز، وضعف في التدبير، فيطلب بكم الاستعانة فيه ؛ لأنه عزيز بذاته، حكيم، لا يلحقه الخطأ أو الضعف في التدبير، ولكن إنما أمركم بما أمر، ونهاكم عما نهى لتكتسبوا لأنفسكم، ولتنتفعوا به. فإن الله سبحانه عزيز بذاته، غني، حكيم بنفسه.
وقال بعضهم :هو العزيز لأن كل عزيز دونه يصير ذليلا عنده، وعز من دونه عند عزه يصير ذلا.
والحكيم، هو المصيب في فعله وتدبيره. وقيل :هو الذي وضع كل شيء موضعه.
وقال بعض أهل التأويل :العزيز، هو المنيع، وتأويل المنيع الممتنع عن جميع مكايد الخلق وجميع حيلهم بالضرر له، وقد ذكرنا هذا في غير موضع، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقّ ﴾ يحتمل قوله عز وجل : ﴿ بالحق ﴾ أي بالحق الذي لله عليكم، وبالحق الذي لبعضكم على بعض ويحتمل ما قال أهل التأويل : ﴿ بالحق ﴾ أي للحق، أي أنزلناه للحق، لم ننزله عبثا باطلا لغير شيء، ولكن أنزلناه للحق لحقوق ولأحكام ومحن وأجور، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ جائز أن يكون ما ذكر من إنزاله الكتاب بالحق ذلك الحق هو ما أمره من العبادة له، أمره بوفاء ذلك الحق.
ثم يحتمل قوله : ﴿ فاعبد الله مخلصا له الدين ﴾ وجهين :
أحدهما :الأصل في الاعتقاد، أي اعتقد جعل كل عبادة وطاعة لله خالصا، لا تعتقد أحدا شريكا.
والثاني :في المعاملة، أي كل عبادة وطاعة اجعله لله خالصا. لا تجعل لغيره فيه شركا، والله أعلم.
وأما أهل التأويل فقد قالوا : ﴿ فاعبد الله ﴾ وحد الله ﴿ مخلصا له الدين ﴾ وتأويل هذا :أن اجعل الوحدانية والألوهية لله في كل شيء.
قوله تعالى : ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ أي ألا لله شهادة الوحدانية والألوهية في كل شيء. ويحتمل أيضا قوله عز وجل : ﴿ أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ﴾ أي دين الله، هو الدين الخالص، لأنه دين قام بالحجج والبراهين. وأما غيره من الأديان، فهو دين قام بهوى النفس وأمانيها لا بالحجج والآيات، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ كان فيه إضمار :( وقال الذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى )، وقالوا في موضع آخر : ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [ يونس :١٨ ] عرفوا أن ما كانوا يعبدون من الأوثان وغيرها ليسوا بآلهة في الحقيقة، ولا لهم الألوهية حقيقة، وأن حقيقة الألوهية لله. لكنهم سموها آلهة لأنهم كانوا يعبدونها ؛ وكل معبود عند العرب إله، لأن الإله هو المعبود، وقد رأوا تسمية كل معبود إلها. لذلك سموها آلهة، وإن عرفوا أن ليست لهذه الأشياء ألوهية حقيقة، وأن الألوهية لله عز وجل ثم إن الذي حملهم على عبادة ما عبدوا من دون الله وجهان :
أحدهما :لما لم يروا أنفسهم تصلح لعبادة الإله العظيم، أو تقدر على القيام بخدمته عبدوا هذه الأشياء رجاء أن تقربهم عبادة هؤلاء إلى الله زلفى، وأن يكون هؤلاء شفعاءهم عنده. وذلك ما رأوا في ملوك الدنيا :أن كل واحد يجد السبيل إلى خدمة ملك، أو يقدر على القيام بين يديه والخدمة له، يخدم من اتصل بالملك ومن عظم قدره ومنزلته عند الملك ليقربه ذلك المخدوم له إلى الملك إذا بدت له الحاجة أو الشفاعة.
وعلى ذلك ما ذكر في قصة فرعون أنه كان اتخذ لقومه أصناما يعبدونها من دونه لما لم ير كل أحد منهم يصلح لخدمته، وهو ما أغرى قومه على موسى حين قالوا : ﴿ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ ﴾ [ الأعراف :١٢٧ ] ونحو هذا وجه.
والثاني :عبدوها لما رأوا آباءهم قد عبدوها، وتركوا على ذلك حتى تابوا، فاستدلوا بتركهم على ذلك على أن الله قد كان رضي بعبادتهم الأصنام، وأمرهم بذلك لقولهم : ﴿ وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ﴾ [ الأعراف :٢٨ ] ولذلك قالوا : ﴿ لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ﴾ [ الأنعام :١٤٨ ] وقالوا : ﴿ لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء ﴾ [ النحل :٣٥ ].
استدلوا بتركه آباءهم على ما عبدوا من الأصنام على ذلك وأنهم عن أمر منه فعلوا ذلك. فرد الله ذلك عليهم، فقال : ﴿ إن الله يحكم بينهم ﴾ يوم القيامة ﴿ في ما هم فيه يختلفون ﴾.
يحتمل قوله : ﴿ في ما هم فيه يختلفون ﴾ في محمد صلى الله عليه وسلم لأنهم اختلفوا فيه :
فمنهم من قال :إنه ساحر، ومنهم من قال :إنه شاعر، وإنه مجنون، وإنه مفتر، ونحوه.
فيخبر أنه يحكم بينهم ليبين لهم أن ما ذكروا هو هواهم أو يحكم بينهم أن الأصنام التي عبدوها لا تشفع لهم، وأن عبادتهم لا تقربهم إلى الله زلفى.
وقد بين لهم في الدنيا أن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بشاعر ولا ساحر ولا كذاب على ما قالوا لما أنبأهم، وأخبرهم بأخبار، عرفوا أن الساحر والشاعر، لا يعرف مثلها، نحو ما أخبرهم بنصر الله إياه والظفر له عليهم، أعني على الأعداء، فكان على ما أنبأهم. وكذلك ما أنبأهم بأنباء وأخبار، عرفوا أنه صادق في ذلك ما لا يستفاد مثلها بالسحر وبالكهانة إلا بالوحي من الله عز وجل لكنهم عاندوا، وكابروا.
وكذلك بين لهم أيضا ما عرفوا أن الأصنام التي عبدوها في الدنيا، لا تملك لهم الشفاعة يوم القيامة حين ابتلاهم بأهوال وأفزاع :بركوب البحار والضيق عليهم، حتى فزعوا إلى الله في كشف ذلك عنهم ودفعه عنهم، لم يفزعوا إلى الأصنام التي عبدوها، وهو ما قال عز وجل ﴿ فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين ﴾ [ العنكبوت :٦٥ ] وقوله : ﴿ وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه ﴾ [ الإسراء :٦٧ ] ونحو ذلك ما ابتلاهم بالشدائد والبلايا، عرفوا أن معبودهم الذي عبدوه، لا يملك دفع ذلك عنهم ولا كشفه. وإنما المالك لذلك، هو الله المعبود الحق.
ثم يناقض قولهم لأنهم كانوا ينكرون رسالة النبيين بقولهم : ﴿ أبعث الله بشرا رسولا ﴾ [ الإسراء :٩٤ ] فيرون للخشب والأشجار الألوهية والعبادة، فذلك تناقض ظاهر :
قال بعضهم في قوله : ﴿ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ أي مقربة، فيشفعون لنا إلى الله تعالى، وقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾.
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ قال أبو بكر :لا يهدي أحدا بالضلال والكفر، ولكن إنما يهدي بضد الضلال والكفر، أو كلام نحوه.
وقال الجبائي :لا يهدي من كان في الدنيا كاذبا كفارا في الآخرة طريق الجنة.
وجائز أن يكون قوله عز وجل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ من ضله قوله : ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ وقوله : ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [ يونس :١٨ ] كفار لنعمه بصرفه العبادة إلى غير المنعم.
وقال جعفر بن حرب :إن الله لا يهدي إلى الزيادات الذي يكذب، ويعطي من اختار الهدى، لأنه يقول :إن من اختار الهدى، واهتدى كان عند الله بلطفه ورحمته :يعطي ذلك زيادات على ما كان اختاره كقوله عز وجل : ﴿ والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم ﴾ [ محمد :١٧ ].
هذه التأويلات كلها للمعتزلة.
وأما عندنا فإن قوله : [ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : ﴿ إن الله لا يهدي من هو ﴾ في علمه أنه يختار الكفر وقت اختياره الكفر والضلال، أي لا يوفقه للهدى، ولا يعنيه وقت اختياره الكفر، ولكنه يخذله. وكذلك يقول في قوله عز وجل : ﴿ والله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ [ البقرة :٢٥٨ ] وقوله : ﴿ إن الله لا يهدي القوم الكافرين ﴾ [ المائدة :٦٧ ] ونحوه أي لا يهديهم وقت الكفر والظلم، والله الموفق.
والثاني :لا يهدي، أي لا يخلق من فعل من فعل كفرا، فعل هدى، ولكن يخلق فعل كفر. وكذلك لا يخلق من فعل من فعل هدى فعل كفر، ولكن يخلق كل فعل على ما يفعله الفاعل، ويختاره، يخلق من فعل الكافر كفرا، ومن فعل المهتدي فعل هدى يخلق كل فعل على ما يختاره الفاعل، ويفعله إن كان هدى يخلقه هدى، وإن كان كفرا يخلقه كفرا.
وقال بعض أهل التأويل :إن الله لا يهدي من كان في علمه أنه يختم بالكفر، ويخرج به من الدنيا، والله أعلم.
ثم قوله عز وجل : ﴿ من هو كاذب كفار ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما : ﴿ من هو كاذب كفار ﴾ على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والثاني : ﴿ كفار ﴾ لنعم الله وكاذب في القول كفار في الفعل، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾ ظاهر هذا أن إيجاد الولد له من المحتمل والممكن، ليس من الممتنع. وكذلك ظاهر قوله : ﴿ لو أردنا نتخذ لهوا ﴾ [ الأنبياء :١٧ ] ظاهر هذا الذي ذكر، هو من المحتمل والممكن ليس من الممتنع.
لكن قوله عز وجل : ﴿ تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا ﴾ ﴿ أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا ﴾ [ مريم :٩٠ و٩١ ] يدل على أن إيجاد الولد من الممتنع والعظيم في العقول والقلوب جميعا.
ثم قوله : ﴿ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ﴾يحتمل وجهين :
أحدهما :أي لو جاز، أو احتمل إيجاد الولد على ما تقولون أنتم، وتتوهمون لاصطفى، واختار مما يشاء هو ليس على ما تختارون أنتم له، وتشاؤون أن الملائكة بنات الله على ما تزعمون ؛ إذ العرف في الخلق أن من اتخذ لنفسه شيئا إنما اتخذه من أعز الأشياء وأرفعها وأعظمها قدرا عندهم لا من أخس الأشياء وأذلها. وهو كقوله عز وجل : ﴿ فراغ إلى آلهتهم ﴾ [ الصافات :٩١ ] أي :إلى آلهتهم التي اتخذها أولئك آلهة في الحقيقة، ولكن سماها بالذي عندهم، وكذلك قول موسى عليه السلام : ﴿ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ﴾ [ طه :٩٧ ] أي انظر إلى إلهك الذي اتخذته إلها، سماه على ما هو عنده.
فعلى ذلك قوله عز وجل : ﴿ لو أراد الله ﴾ على ما في ظنونكم وتوهمكم أنه لو اتخذ الولد لاختار مما ذكر مما تقولون أنتم ؛ لو احتمل ذلك على ما في ظنكم وحسبانكم لكان مما ذكر.
والثاني :مبنى الإيجاد راجع إلى البنين إذ كانت الكفرة ينسبونه إلى أنهم بناته، وإلى أن عيسى ابنه. .
وإنما تتخذ الأولاد، وينسبون، ليستنصر بهم. فبرأ الله عز وجل نفسه عن احتمال الشكل وخوف الغلبة، فقال : ﴿ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ دفع ما قالوا فيه، وأحاله ؛ ذلك لما أخبر أنه واحد في الذات. ولو كان له ما ذكر هؤلاء من الولد من الولد لم يكن واحدا في الذات ؛ إذ كل محتمل الولد منه هو من شلك الولد. فإن عرفهم أنه واحد لم يحتمل الولد وما ذكروا.
وفي قوله عز وجل :{ القهار دلالة إحالة ذلك لأنه أخبر أنه قهار.
والولد في الشاهد إنما يتخذ لأحد وجوه :إما لوحشة أصابته، فيستأنس، وإما لحاجة تمسه، فيدفع بالولد تلك، وإما لغلبة شهوة، فيقضيها، فيتولد من ذلك الولد، وإما لوراثة ملكه بعد موته، وهو دائم باق لا يزول ملكه، وإما لاستعانة به والنصرة على أعدائه. لأحد هذه الوجوه التي ذكرنا يحتاج المرء إلى اتخاذ الولد وهو قادر بذاته، قاهر، غني، لا يحتمل ما ذكروا، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ خلق السماوات والأرض بالحق ﴾ يحتمل قوله : ﴿ بالحق ﴾ أي بالحق الذي لله عليهم، ولما لبعض على بعض من الحق.
ويحتمل أن يكون قوله : ﴿ بالحق ﴾ أي للحق، وهو البعث، ما لو لم يكن البعث لكان خلقهما عبثا باطلا على ما ذكر في آية أخرى : ﴿ وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ﴾ [ ص :٢٧ ] وقال في آية أخرى : ﴿ أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون ﴾ [ المؤمنون :١١٥ ].
وجائز أن يكون قوله عز وجل : ﴿ خلق السماوات والأرض بالحق ﴾ أي بالحكمة، وهو أن جعل في خلقه كل شيء أثر وحدانيته وألوهيته ما يعرف كل أنه فعله، وإن لم يشاهد خلقه، وقوله على ما يكون ذلك في فعل أحد من الخلائق إثر معرفة فاعله، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ﴾ كما ذكر في آية أخرى : ﴿ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليلْ ﴾ [ الحج :٦١ ] يذكر دلالة وحدانيته حيث جعل منافع الليل متصلة بمنافع النهار، ومنافع النهار متصلة بمنافع الليل على اختلافهما وتناقضهما وتضادهما ليعلم أنهما فعل واحد. وكذلك كا جعل منافع السماء متصلة بمنافع الأرض على بعد ما بينهما ليعلم أن منشئهما واحد، إذ لو كان عددا لامتنع ذلك ؛ إذ المعروف من عادة الملوك انفراد كل بملكه وسلطانه والاستعلاء على ما استولى، وقبض برأس الآخر، ونفاذ أمره في سلطانه. فإن لم يمتنع ذلك دل أنه فعل واحد.
وكذلك ما ذكر من تسخير الشمس والقمر لهم ولمنافعهم وجريتهما في يوم واحد مسيرة ألف عام، أو ما ذكر من غير أن يعرف أحد سيرهما أنهما يسيران وقت سيرهما ألا بعد قطعهما ذلك أن لهما منشئا وأنه واحد.
ودل اتساقهما وجريانهما على سير واحد منذ كانا إلى آخر ما يكونان، ويدوران على أن منشئهما واحد، عالم، مدبر، عرف حاجة الخلق إليهما إلى أبد الآبدين، ومنافعهم بذلك.
وقوله تعالى : ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ أي كل مما ذكر يجري إلى الوقت الذي جعل له، لا يتقدم، ولا يتأخر، ولا ينقطع ما كان بالخلق حاجة، والله أعلم.
ويحتمل : ﴿ كل يجري لأجل مسمى ﴾ يجري إلى منازل معلومة، لا يجاوزها.
وقوله تعالى : ﴿ ألا هو العزيز الغفار ﴾ هو العزيز بذاته، لا يتعزز بما ذكروا له من الأولاد، ولا بطاعة من أطاعه. ﴿ الغفار ﴾ لمن كان أهلا للمغفرة، ولا تخرج مغفرته إياه عن الحكمة، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل ﴾ قال بعضهم :أي يدخل أحدهما على الآخر كقوله : ﴿ يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليلْ ﴾ [ الحج :٦١ ] وقال بعضهم : ﴿ يكور الليل على النهار ﴾ أي يغشي أحدهما بالآخر كقوله : ﴿ يغشي الليل والنهار يطلبه حثيثا ﴾ [ الأعراف :٥٤ ] وقال بعضهم :يكور أي يلف هذا بهذا، وهو من كور العمامة، ومنه قوله : ﴿ إذا الشمس كورت ﴾ [ التكوير :١ ] أي جمعت، ولفت. وأصل التكوير اللف والجمع، وهو قول أبي عوسجة والقتبي.
قوله تعالى : ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ ظاهر هذا أنه خلقنا من تلك النفس قبل خلق زوجه منها، لأن حرف ثم إنما هو حرف اتباع وإرداف، وحرف ترتيب، لا حرف جمع. فإذا كان كذلك فظاهره يوجب ما ذكرنا. لكن أهل التأويل اختلفوا في معنى ذلك وتفسيره :من ذلك ما ذكر عن ابن عباس رضي الله عنه في بعض الروايات أنه تأول في ذلك وقال :قال عز وجل : ﴿ خلقكم من نفس واحدة ﴾ كانت ﴿ ثم جعل منها زوجها ﴾ أو كلام نحو هذا. وعندنا أن قوله عز وجل : ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ يخرج على ظاهر ما ذكر، لكن الخلق هو التقدير في اللغة ؛ كأنه قال عز وجل : ﴿ خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ أي قدركم جميعا على كثرتكم من أول ما أنشأكم إلى آخر ما ينشئكم من تلك النفس الواحدة، منها قدركم.
وقوله عز وجل : ﴿ ثم جعل منها زوجها ﴾ ثم أخرجنا منها من تلك النفس زوجها، وإلا كان تقديره إيانا منها كان قبل خلق زوجها منها، وهو الظاهر على ما خرج الكلام، والله أعلم. ثم كان منه خلق ما ذكر، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ ظاهر الإنزال، هو أن ينزل من علو مرتفع إلى سفل ومنحدر. لكن اللغة لا تمتنع عن استعمال لفظ الإنزال لا على حقيقة الإنزال من علو إلى سفل ؛ يقال :نزل فلان بأرض أو بمكان كذا، وإن لم يكن هناك منه نزول من علو إلى منحدر وسفل. فعلى ذلك هذا.
وأصله أن كل حرف من حروف الإنزال وغيره مما أضيف إلى الله عز وجل مما يستقيم صرفه إلى خلقه إنما المراد منه خلقه نحو قوله عز وجل : ﴿ أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءتكم ﴾ [ الأعراف :٢٦ ] وقوله : ﴿ وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ﴾ [ الحديد :٢٥ ] وغير ذلك مما يكثر ذكره، فهو خلقه إياه. فعلى ذلك قوله عز وجل : ﴿ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ أي خلق لكم من الأنعام ما ذكر على ما ذكر : ﴿ وجعل لكم السمع والأبصار و الأفئدة ﴾ [ النحل :٧٨ } أي خلق لكم ما ذكر. فعلى ذلك حرف الإنزال، والله أعلم.
ثم ظاهر قوله : ﴿ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ﴾ يجيء أن يكون على أحد وجوه ثلاثة :
إما ألا يسمى الأنعام، ولا يكون إلا ثمانية الأزواج التي ذكر أنه خلقها لنا. فإن كان على هذا فيكون حرف من ههنا صلة، كأنه قال عز وجل :وأنزل لكم أنعاما، وهي ثمانية أزواج.
وإما أن يسمى كل ما خلق من الدواب أنعاما، إلا إنه لم يحل لنا منها إلا ثمانية الأزواج التي ذكر. فإن كان هذا فيكون حرف من حرف تبعيض وتجزئة.
وإما أن يسمي كل ما خلق من الدواب أنعاما، إلا أنه لم يحل لنا كل شيء منها من جميع أنواع الانتفاع بها من الأزواج التي ذكر، فإنه قد أحل لنا كل شيء من الأصناف الثمانية من لحومها وألبانها وأصوافها وكل شيء منها. وأما ما سوى ذلك من الأنعام فإنه لم يحل لنا كل شيء منها من اللحوم وغيرها، ولكن أحل لنا الانتفاع بظهورها من نحو الحمير والبغال وغير ذلك مما يشتهى، والله أعلم.
ثم ثمانية الأزواج التي ذكر التي ذكر أنه خلقها لنا في هذه الآية هي في سورة الأنعام، وهي قوله : ﴿ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ ﴾ إلى قوله : ﴿ وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ ﴾ [ الأنعام :١٤٣ و١٤٤ ] إلى آخر ما ذكر.
فيشبه أن يكون ما ذكر من ثمانية الأزواج ما أنزل لنا في سورة الزمر التي فيها أحل لنا كل شيء منها. وأما ما سوى ذلك فإنه إنما أحل لنا الانتفاع بها ما لم يحل لنا أكلها، لأنه ذكر في سوره الأنعام الأكل ثم ذكر على إثره ثمانية الأزواج هذه :الإبل والبقر والمعز والضأن حين قال عز وجل : ﴿ كلوا مما رزقكم الله ﴾ [ الآية :١٤٢ ] ثم قال عز وجل : ﴿ ثمانية أزواج من الضأن اثنين ﴾ إلى آخر ما ذكر.
وهذا يدل على أن قوله عز وجل : ﴿ قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ﴾ [ الأنعام :١٤٥ ] إنما هو مما ذكر، أي لا أجد محرما من هذه الأصناف إلا ما ذكر من الدم والميتة ولحم الخنزير. ثم يخرج استثناؤه لحم الخنزير مخرج استثناء غير جنس المذكور على إضمار كون ذلك الغير فيه. وذلك غير جائز في الكلام كقوله : ﴿ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ﴾ [ المائدة :١ ] كأنه قال ﴿ أحلت لكم بهيمة الأنعام ﴾ والاصطياد ﴿ إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد ﴾ فعلى ذلك الأول، كأنه أضمر فيه استثناء لحم الخنزير منه، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ ﴾ قال أهل التأويل :تحويله من حال إلى حال من نطفة إلى علقة ثم إلى مضغة حتى يتم خلقا مستويا ﴿ في ظلمات ثلاث ﴾ قيل :الرحم والبطن والمشيمة، وقيل :الظهر ؛ يخبر عن قدرته وعلمه وتدبيره أنه حين قدر على خلق الإنسان وكل خلق في تلك الظلمات الثلاث والتسوية بين كل شيء منه من اليدين والرجلين والعينين والأذنين والسمعين والبصرين وقسمة الأعضاء على السواء حتى لا تزاد إحدى اليدين على الأخرى، وكذلك إحدى الرجلين وإحدى العينين وإحدى الشفتين، وكذلك كل شيء منه هو في تلك النطفة من العينين واليدين والرجلين والبصر وكل الجوارح ما لو اجتمع الحكماء جميعا حكماء البشر لا يعرفون كون شيء من الجوارح والنفس وتقديرها من تلك النطفة وتصويرها منها ليعلم أنه قادر على خلق الأشياء من لا شيء وبسبب وغير سبب، وما جعل من الأسباب لبعض الأشياء لم يجعلها استعانة منه على إنشاء ذلك، وأن من قدر على تقدير ما ذكر تصويره في الظلمات التي ذكر على السبيل الذي ذكر فإنه لا يخفى عليه شيء، ولا يعجزه شيء.
يحتج عليهم لإنكارهم البعث وإنكارهم بعث الرسول والحجج ؛ يخبر أن من فعل ما ذكر من تغييرهم من حال إلى حال وتحويلهم من صورة إلى صورة أخرى أنه لا يفعل ذلك ليتركهم سدى لا يأمرهم، ولا ينهاهم، ولا يمتحنهم. ثم إذا امتحنهم لا يحتمل ألا يبعثهم ليجزي المسيء منهم والعاصي جزاء الإساءة والعصيان والمحسن منهم والمطيع جزاء الإحسان والطاعة ؛ إذ قد سوى بينهم في هذه الدار. وفي الحكمة والعقل التفريق بينهما. فلا بد من دار أخرى، يفرق بينهما، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ﴾ يحتمل ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ﴾ أي ذلكم الله الذي ذكر من تقديركم وتصويركم في ظلمات تلك النطفة، هو ربكم الذي فعل ذلك.
ويحتمل أن يكون قوله عز وجل : ﴿ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ﴾ أي جميع ما ذكر من قوله عز وجل : ﴿ خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ﴾ [ الزمر :٥ ] وما ذكر من تسخير الشمس والقمر وجريانهما على سنن واحد وعلى قدر واحد، وما ذكر من خلقنا جميعا من تلك النفس الواحدة إلى آخر ما ذكر، يقول : ﴿ ذلكم الله ﴾ الذي فعل ذلك كله، هو ربكم.
وقوله تعالى : ﴿ لا إله إلا هو فأنى تصرفون ﴾ أي فأنى عبادتكم إلى غيره ؟ أو فأنى تصرفون ألوهيته وربوبيته إلى غيره ؟ وتجعلون له شركاء وأعدالا، وتعلمون أن الذي فعل ذلك كله، هو الله الواحد الذي، لا شريك له، ولا مثيل.
أو يذكر أن من ذكر النعم التي أعطاكم، وأسدى إليكم، هو ربكم الذي خلقكم، فكيف تصرفون شكرها إلى غيره ؟ والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾ روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : ﴿ إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ ﴾ أي إن تكفروا دين الإسلام، ولم تسلموا، فإنه لا يقبل منكم دينا آخر ﴿ وإن تشكروا يرضه ﴾ أي وإن تسلموا ﴿ يرضه لكم ﴾ أي يقبل منكم كقوله : ﴿ ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ﴾ [ آل عمران :٨٥ ]. وقال غيره :أي إن تكفروا دينه فإن الله غني عن عبادتكم، ﴿ وإن تشكروا ﴾ أي تكفروا دينه فإن الله غني عن عبادتكم، ﴿ وإن تشكروا ﴾ أي توحدوه ﴿ يرضه لكم ﴾ وهو قريب من الأول.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ إن تكفروا ﴾ النعم التي عدها عليكم في ما تقدم ذكرها من قوله : ﴿ خلق السماوات والأرض بالحق يكور الليل على النهار ﴾ [ الزمر :٥ ].
وقوله تعالى : ﴿ وأنزل لكم من الأنعام ﴾ إلى آخر ما ذكر من النعم. يقول : ﴿ إن تكفروا ﴾ هذه النعم التي عدها عليكم فإنه غني عنكم، وإن تشكروا ما عد عليكم من النعم يقبل ذلك منكم، والله أعلم.
وأصله أن الله عز وجل بين سبيل الهدى، ورغبهم إليه، وبين سبيل الضلال، وحذرهم منه، ثم بين أن من سلك سبيل الهدى فله كذا، ومن سلك سبيل الضلال فله كذا، أو يقول :إن من سلك سبيل الهدى يرض لنفسه عاقبة السبيل الذي سلك فيه كقوله عز وجل : ﴿ وجوه يومئذ ناعمة ﴾ ﴿ لسعيها راضية ﴾ [ الغاشية :٨ و٩ ] ومن سلك سبيل الضلال والكفر يمقت ذلك السبيل في العاقبة كقوله عز وجل : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنَادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ [ غافر :١٠ ] أخبر أنهم يمقتون أنفسهم إذا نودوا، وعرفوا أنهم أخطأوا الطريق، وبالله العصمة.
وذكر في حرف ابن مسعود :والله يكره لعباده الكفر، وقوله : ﴿ وإن تشكروا ﴾ يرض عنكم. وكذلك ذكر في حرف أبي وحفصة خاصة.
وأصل قوله : ﴿ إن تكفروا فإن الله غني عنكم ﴾ إخبار أنه لم يأمركم في ما أمركم به، ولا نهاكم عما نهاكم عنه لحاجة نفسه أو لمنفعة له في ذلك. ولكن إنما امتحنكم بما امتحنكم لحاجة أنفسكم ولمنفعتكم ولدفع الضرر عنكم. وكذلك ما أنشأ من الأشياء لم ينشئها لحاجة نفسه أو لمنفعة له، ولكن إنما أنشأها لكم ولمنافعكم. وكذلك لم ينشئها لأنفسها حتى إذا أتلف شيئا عوضها لها على ما تقول المعتزلة :أن ليس لله أن يتلفها إلا أن يعوضها بإزاء ذلك، ولكن أنشأها وليس لهم تعويض إن أتلف الله شيئا منها، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى ﴾ ذكر هذا، والله أعلم، لوجهين :
أحدهما :جواب لقولهم حين قال عز وجل : ﴿ وَقَالَ للَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ ﴾ الآية [ العنكبوت :١٢ ] أخبر أن لا أحد يحمل وزر آخر، ولكن يحمل وزر نفسه.
والثاني :يخبر أن أمر الآخرة على خلاف أمر الدنيا، لأن في الدنيا قد يحمل بعض آثام بعض، فأما في الآخرة فإنه لا يحمل أحد وزر آخر ولا آثامه، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ثم إلى ربكم مرجعكم ﴾ خص البعث بالرجوع إليه مرة وبالمصير ثانيا والبروز له ونحو ذلك، وإن كانوا في جميع الأحوال راجعين إليه صائرين لأن المقصود من إنشائهم في هذه الدنيا ذلك البعث، فخص لذلك الرجوع إليه، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إنه عليم بذات الصدور ﴾ قال أهل التأويل : ﴿ إنه عليم ﴾ بما في الصدور. وعندنا : ﴿ إنه عليم ﴾ بكل ما يصدر من الخير والشر. وذكر ﴿ بذات الصدور ﴾ لأن أصحاب الصدور، هم يصدرون، ويظنون في صدورهم.
قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ أخبر الله الخلق ما كان من عادة الكفرة في غير آية من القرآن أنهم كانوا يخلصون الدين لله، ويتضرعون إليه، إذا مسهم بلاء أو شدة، إذا ركبوا البحر، كان لهم خوف الهلاك في ذلك وفزع كقوله تعالى ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ﴾ الآية : [ العنكبوت :٦٥ ] وغير ذلك من الآيات وكذلك [ في ]كل البلاء فزعوا إلى الله عز وجل وتضرعوا إليه ﴿ ثم إذا كشف الضر ﴾ [ النحل :٥٤ ] عادوا إلى ما كانوا من قبل.
وقوله تعالى : ﴿ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ ﴾ يحتمل قوله : ﴿ نسي ﴾ ألا تملك الأصنام التي عبدوها دفع ذلك عنهم ولا كشفه، أو ﴿ نسي ﴾ ألا تنفع شفاعتهم إياهم ونحوه كقوله عز وجل : ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [ الإسراء :٦٧ ] أي نسوا ما عملوا من عجز الأصنام ونحوه.
وقوله تعالى : ﴿ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ كأن الآية في الرؤساء منهم، جعلوا لله أندادا ليضلوا الناس عن سبيله. يدل على ذلك قوله تعالى : ﴿ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا ﴾ في الدنيا ﴿ إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ﴾ لما علم أنه يختم على الكفر، والله أعلم.
ثم الحكمة في ذكر هذا وأمثاله لرسول الله صلى الله عليه وسلم تحتمل وجوها :أحدها :يصبر رسول الله صلى الله عليه وسلم على سوء معاملتهم إياه ليحلم كما حلم عن سوء معاملتهم، ولم يستأصلهم على إثر ذلك. وذلك أعظم في العقل. والثانيٍ :يخبر الأواخر عن سوء معاملتهم ربهم ليحذروا عن مثل معاملتهم ربهم. والثالث :يخبر عن حلمه أن كيف حلم عنهم فاحلم أنت، والله أعلم.
وقرئ ليضل.
قوله تعالى : ﴿ أَمَنْ هُوَ قَانِتٌ آَنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ قال بعضهم :هذه الآية صلة ما تقدم من قوله ﴿ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾ يقول :الذي تضرع إلى الله، وأخلص دينه له، ونسي ذلك، وتركه إذا خول ذلك نعمة، وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله كالذي هو قانت أي مطيع لله آناء الليل والنهار، يحذر عذابه، ويرجو رحمته ؟ ليسا بسواء عندكم :الذي أطاع الله في جميع أوقاته :حاذر تقصيره، راج رحمته بطاعته. والذي عصى ربه، ولم يطعه. أنهما ليسا بسواء، ثم رأيتم أنهما قد استويا في نعم هذه الدار وسعتها وشدائدها، وفي الحكمة التفريق بينهما، فلا بد نم دار أخرى يفرق بينهما فيها :يثاب المحسن المطيع جزاء إحسانه وطاعته، ويعاقب الكافر الظالم جزاء كفره وظلمه، والله علم.
ومنهم من يجعل لهذه الآية مقابلا، لكنه يقول :مقابلها، ليس كالأول، ولكن لم يذكر لها مقابلا، ويقول :على ما عرفتم أنه لا يستوي الذي يعلم والذي لا يعلم. فعلى ذلك لا يستوي الذي أطاع ربه أناء الليل، وأجهد نفسه ي عبادة الله والذي عصى ربه، وكفر نعمه، وقد ظهر الاستواء بينهما في هذه الدنيا، فلابد من التفريق بينهما في دار أخرى.
ولو لم تكن دار أخرى، فيها يفرق، ويميز، لكان خلق هذا العالم على ما كان باطلا سفها غير حكمة، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ يحذر الآخرة ﴾ أي يحذر عذاب الآخرة. وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه قرأ :يحذر عذاب الآخرة.
وقوله تعالى : ﴿ ويرجوا رحمة ربه ﴾ دلت الآية على أن المؤمن يجب أن يكون بين الرجاء والحذر ؛ يرجو رحمته لا عمله، ويحذر عذابه لتقصيره في عمله.
ثم الرجاء إذا جاوز حده يكون أمنا، وقد قال الله تعالى : ﴿ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾ [ الأعراف :٩٩ ] والخوف إذا جاوز حده يكون إياسا، وقد قال الله تعالى : ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [ يوسف :٨٧ ].
ويجب أن يكون المؤمن كما ذكر عز وجل : ﴿ يدعون ربهم خوفا وطمعا ﴾ [ السجدة :١٦ ] وذكر : ﴿ ويدعوننا رغبا ورهبا ﴾ [ الأنبياء :٩٠ ] لا يجاوز أحدهما حده.
وجائز أن يكون قوله تعالى : ﴿ ويرجوا رحمة ربه ﴾ أي جنته على ما سمى الله تعالى الجنة رحمة في غير موضع، لما برحمته تنال هي، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ قل هل يستوي الذين يعلمون ﴾ بمعرفة نعم الله والقيام بشكره والحذر من عصيانه وعذابه ﴿ والذين لا يعلمون ﴾ بكل ذلك ؟ جوابه أن يقال :لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، وهو ما قال :عز وجل : ﴿ إنما يخشى الله من عباده العلماء ﴾ [ فاطر :٢٨ ].
وقوله تعالى : ﴿ إنما يتذكر أولوا الألباب ﴾ إنما يتذكر بمواعظ الله أولو العقول والبصر والمعرفة، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ آناء الليل ﴾ أي ساعات الليل،
وقوله : ﴿ قانت ﴾ أي مطيع. وأصل القنوت القيام، وهو القيام في الطاعة، والله أعلم.
وفي قوله : ﴿ يحذر الآخرة ويرجوا رحمة ربه ﴾ دلالة جواز الإرجاء لأنه لم يقطع على أحدهما دون الآخر، وكذلك في قوله تعالى : ﴿ يدعون ربهم خوفا وطمعا ﴾ [ السجدة :١٦ ] وفي قوله : ﴿ ويدعوننا رغبا ورهبا ﴾ [ الأنبياء :٩٠ ].
وفي القطع على أحدهما كفر على ما ذكرنا في قوله : ﴿ فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون ﴾ [ الأعراف :٩٩ ] وقوله : ﴿ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [ يوسف :٨٧ ] إذ المجاوزة في الخوف إياس، والمجاوزة في حد الرجاء أمن، وقد ذكرنا أنه كفر.
قوله تعالى : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ يحتمل قوله : ﴿ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ﴾ وجوها :
اتقوا سخط ربكم، أو اتقوا نقمة ربكم، أو اتقوا مخالفة ربكم، ونحوه.
وأصل التقى ما به تهلكون، أي اتقوا مهالككم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ قال عامة أهل التأويل : ﴿ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ﴾ لهم في الآخرة.
وجائز أن يكون لهم الحسنة في الدنيا والآخرة كقوله تعالى : ﴿ * وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ ﴾ [ النحل :٣٠ ] وكقوله عز وجل : ﴿ وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ ﴾ [ النحل :٤١ ].
ثم تحتمل الحسنة وجها آخر هو استغفار الملائكة لهم والأنبياء عليهم السلام لأن الله عز وجل امتحن ملائكته باستغفار المؤمنين والمؤمنات كقوله : ﴿ ويستغفرون لمن في الأرض ﴾ [ الشورى :٥ ] وكذلك امتحن رسله بالاستغفار للمؤمنين، وكذلك امتحن المؤمنين ؛ يستغفر بعضهم لبعض ونحوه.
وقوله تعالى : ﴿ وأرض الله واسعة ﴾ ذكر هذا، والله أعلم، لأن من آمن منهم بمكة كانوا يظهرون الموافقة لأعدائهم، ويقيمون في ما بينهم، وكانت لهم أسباب التعيش في بلدهم، ولم يكن لهم تلك في بلد غيرهم، فخافوا الضياع، إن هم خرجوا من بلدهم، فيهاجروا فيها إلى غير بلدهم، فيمتنعون عن ذلك.
فجاءت الآية على الترجي والإطماع لهم بمثل ذلك التعيش وأسبابه في ذلك البلد، وهو ما ذكر في آية أخرى، وهو قوله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ﴾ [ النساء :٩٧ ]. لم يعذروا في تركهم الهجرة وإظهارهم الموافقة للأعداء، ولهم طاقة ووسع التحول من بلدهم إلى بلد غيرهم الآمن، لم يكن بهم طاقة الخروج من بينهم، وهم الذين استثناهم، وهو قوله : ﴿ إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان ﴾ الآية [ النساء :٩٨ ] والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ يحتمل قوله : ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي بغير تبعة ولا تنويه كقوله صلى الله عليه وسلم : " من نوقش الحساب عذب " [ البخاري ٦٥٣٦ ].
ويحتمل : ﴿ بغير حساب ﴾ أي لا يحاسبون لما ليس وراء تلك الدار الآخرة دار أخرى يحاسبون فيها ما أعطوا في الآخرة، ليست كدار الدنيا يحاسبون ما أوتوا فيها في الآخرة وأما ما أعطوا في الآخرة فلا يحاسبون في غيرها.
ويحتمل : ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي غير مقدر بالحساب، ولكن ﴿ يوفى الصابرون أجرهم ﴾ أضعافا مضاعفة.
ويحتمل : ﴿ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ أي بلا نهاية ولا غاية، والله أعلم.
ثم الصبر، هو حبس النفس إما على أداء ما أمر الله به والانتهاء عما نهى الله عنه وإما حبسها وكفها لاحتمال ما حملت من الشدائد والمصائب والمؤن العظام.
احتملوا ذلك، ولم يجزعوا، وهو ما ذكر في غير آية من القرآن كقوله تعالى : ﴿ ونبلوكم بالشر والخير فتنة ﴾ [ الأنبياء :٣٥ ] ونحوه.
الآيتان ١١ و١٢ :وقوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ يحتمل أن يكون قال هذا لما أن أهل مكة كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دينهم ودين آبائهم، وكانوا يطمعون عوده أليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ﴾ ﴿ وأمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ ذكر ههنا أنه أمر أن يعبد الله مخلصا له الدين. وقال في آية أخرى : ﴿ قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ﴾ الآية [ الأنعام :٥٦ ] وقال فيها : ﴿ قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أخبر أنه لو اتبع أهواءهم في ما هم فيه يضل، وما كان من المهتدين.
ذكر في هذه الآيات النهي وترك اتباعه أهواءاهم، ولم يذكر الأمر فيها بعبادة الله تعالى مخلصا له الدين.
ويحتمل أن يقول :إني إذا أمرتكم بعبادة الله أمرت أنا في نفسي أن أعبده مخلصا. لست أنا كمن يأمر غيره شيئا، ولا يأتمر بنفسه، وهو غير مأمور بذلك، وهو ما قال : ﴿ وأمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ أو يقول :لست أنا كالملوك يأمرون أتباعهم بأشياء، ويستعملونهم في أمورهم، ولا يستعملون في تلك أنفسهم، والله أعلم.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١١: الآيتان ١١ و١٢ :وقوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ﴾ ﴿ وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ يحتمل أن يكون قال هذا لما أن أهل مكة كانوا يدعون رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى دينهم ودين آبائهم، وكانوا يطمعون عوده أليهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين ﴾ ﴿ وأمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ ذكر ههنا أنه أمر أن يعبد الله مخلصا له الدين. وقال في آية أخرى : ﴿ قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله ﴾ الآية [ الأنعام :٥٦ ] وقال فيها : ﴿ قل لا أتبع أهواءكم قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين ﴾ أخبر أنه لو اتبع أهواءهم في ما هم فيه يضل، وما كان من المهتدين.
ذكر في هذه الآيات النهي وترك اتباعه أهواءاهم، ولم يذكر الأمر فيها بعبادة الله تعالى مخلصا له الدين.
ويحتمل أن يقول :إني إذا أمرتكم بعبادة الله أمرت أنا في نفسي أن أعبده مخلصا. لست أنا كمن يأمر غيره شيئا، ولا يأتمر بنفسه، وهو غير مأمور بذلك، وهو ما قال : ﴿ وأمرت لأن أكون أول المسلمين ﴾ أو يقول :لست أنا كالملوك يأمرون أتباعهم بأشياء، ويستعملونهم في أمورهم، ولا يستعملون في تلك أنفسهم، والله أعلم.

اقوله تعالى : ﴿ قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ الخوف ههنا، ليس هو حقيقة الخوف، ولكن هو العلم، كأنه قال :إني أعلم ﴿ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ﴾ فآيسهم بالله بالمدينة عن عوده إلى دينهم وقطع طمعهم عنه، وهو ما قال عز وجل : ﴿ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ ﴾ [ المائدة :٣ ] فأما ما داموا بمكة، فإنهم كانوا طامعين في ذلك راجين فيه، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي ﴾
قوله تعالى : ﴿ فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ ﴾ إنه يخرج هذا الحرف منه مخرج التهديد لهم والتوعد، يقول :أما أنا فإنما أعبد الله الحق، وله أخلص ديني، فاعبدوا أنتم ما شئتم، فإنه يجزيكم جزاء عبادتكم كقوله عز وجل : ﴿ فاعبدوا ما شئتم ﴾ الآية [ فصلت :٤٠ ] وذلك معروف في كلام الناس :يقول الرجل :اعمل ما شئت فإن لك الجزاء بما تعمل على الوعيد. فعلى ذلك قوله عز وجل : ﴿ فاعبدوا ما شئتم من دونه ﴾ والله أعلم.
ويحتمل وجها آخر، لا على الوعيد، ولكن يقول :قد بينت لكم، وأوضحت السبيلين جميعا بالآيات والحجج :سبيل النجاة الذي إذا سلكتموه نجوتم، وهو سبيل الله، وسبيل الهلاك الذي إذا سلكتموه أهلككم، وهو سبيل الشيطان، فإن أردتم النجاة فاسلكوا سبيل كذا، وإن أردتم سبيل الهلاك فاسلكوا كذا، والله أعلم.
ثم قوله : ﴿ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ كناية لما أمرهم أن يقوا أنفسهم وأهليهم النار حين قال عز وجل : ﴿ يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ﴾ [ التحريم :٦ ] لتكون لهم أنفسهم وأهليهم يوم القيامة، ويسلم إليهم ذلك، وقد مكن لهم ذلك. وهلكوا، وتركوا ذلك، ولم يقوا أنفسهم ولا أهليهم النار. قال عند ذلك : ﴿ خسروا أنفسهم أهليهم ﴾.
ويحتمل أنهم قد أمروا بالسعي للآخرة والعمل لها، ووعدوا إذا سعوا لها، وعملوا، النجاة في الآخرة والحياة الدائمة والأهل في الجنة. وإذا لم يسعوا لها، ولم يعملوا خسروا أنفسهم والأهل الذين وعدوا فيها إذا سعوا. وهلكت أنفسهم.
قوله تعالى : ﴿ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ ﴾ ألا هنالك بين لهم أنهم خسروا خسرانا مبينا، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ﴾ أن يكون ما كان تحتهم من النار أن يوصف بالمهاد لهم لا بالظلل كقوله عز وجل : ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴾ [ الأعراف :٤١ ] وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود أنه جعل : ﴿ لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين ﴾ والله أعلم.
لكن جائز أن تكون الظلل التي تحتهم، هي ظلل لمن تحتهم، وهي لأولئك الذين فوقهم مهاد، والذين ليس تحتهم أحد مهاد أيضا، والله أعلم، لأن للنار دركات وأطباقا لتكون كل طبقة لمن تحتها ظللا ولمن فوقها مهادا على ما ذكرنا.
وقوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَاد ﴾ أي ذلك الذي ذكر في القرآن من المواعيد ﴿ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ ﴾ اتقوا سخط الله ونقمته، واتقوا مخالفة الله، أو اتقوا المهالك.
قوله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا ﴾ اختلف في الطاغوت :
قال بعضهم :هو الشيطان، أي اجتنبوا من أن يأتمروه، ويطيعوه وقال بعضهم :الطاغوت، هم الكهنة ؛ كانوا يأتون الكهنة، فيخبرونهم بأمور، فيعلمون بقولهم، ويصدقونهم ؛ يقول :أي اجتنبوا من أن تطيعوا الكهنة في أمرهم ونهيهم. وقال بعضهم :كل معبود دون الله فهو طاغوت، وهو من الطغيان، وهو المجاوزة عن الحد، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ ﴾ :أي قبلوا، ورجعوا إلى أمر الله وإلى ما به طاعته، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى ﴾ وهو ما ذكر في قوله : ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ ﴿ الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ﴾ ﴿ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ ﴾ [ يونس :٦٢ و ٦٣ و ٦٤ ] لأنهم أولياء الله، وقوله : ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴾.
قوله تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴾ اختلف فيه :
قال بعضهم :الذين يستمعون كلام الناس من الخير والشر والحسن والقبيح ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ أي يرون، ويحكمون منه ما هو خير وحسن، ويتركون ما هو شر وقبيح.
وقال بعضهم :يستمعون القرآن وكلام الناس وأحاديثهم، فيأخذون بالقرآن، ويتبعونه، ويتركون كلام الناس وأحاديثهم ؛ فهو اتباع الأحسن منه، وهو القرآن.
وقال بعضهم :يستمعون القرآن وفيه الناسخ والمنسوخ، فيتبعون أحسنه، أي ناسخه، ويعملون به، ويتركون منسوخه، فلا يعملون به.
وقال بعضهم :يستمعون إلى القرآن، وفيه الأمر والنهي، فيتبعون أمره، وينتهون عما نهى عنه، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ أي يتبعون الحسن منه ؛ والأحسن بمعنى الحسن، والله أعلم.
وقال قائلون : ﴿ فيتبعون أحسنه ﴾ فيتبعون أحسن ما في القرآن من الطاعة منه كقوله : ﴿ وأمر قومك يأخذوا بأحسنها ﴾ [ الأعراف :١٤٥ ] وتأويله ما ذكرنا ؛ أن خذوا ما فيه من الأمر، وائتمروا به، وانتهوا عما فيه من المناهي، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبَابِ ﴾ أي أولئك هم المنتفعون بألبابهم وعقولهم حين اختاروا، وآثروا هداية الله، ونظروا إليها بالتعظيم والإجلال، واهتدوا.
قوله تعالى : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ ذكر الله تعالى في هذه السورة أشياء، لا تقدر لها أجوبة في الظاهر إلا بالتأمل والاستدلال على غيره.
من ذلك ما ذكر : ﴿ أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ﴾ كأنه يقول :والله أعلم، " أفمن حق عليه العذاب " كمن له البشرى في الآخرة. لأنه ذكر في ما تقدم للمؤمنين البشرى حين قال عز وجل : ﴿ وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ ﴾ [ الزمر :١٧ ] على هذا يخرج جوابه :أفمن وجب عليه العذاب كمن وجبت له البشرى ؟ أو يقول :أفمن حق ووجب عليه العذاب كمن شرح صدره الإسلام ؟ أي ليس الذي وجب له العذاب كالذي شرح صدره للإسلام، أو يقول هذا لنازلة، كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لحرصه على إسلام قوم أحب أن يسلموا، فقال هذا له على الإياس من إسلامهم ؛ يقول :أفمن وجب عليه العذاب ؟ أفأنت تنقذه ؟ وتخلص من النار من قد وجب عليه العذاب ؟ وهو ما قال عز وجل : ﴿ إنك لا تهدي من أحببت ﴾ [ القصص :٥٦ ] وكقوله : ﴿ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ﴾ [ يونس :٩٩ ] كان لا يقدر أن يكرههم على الإسلام، لكنه كان يحب، ويحرص على إسلامهم، ويحزن لتركهم الإسلام كقوله ﴿ ولا تحزن عليهم ﴾ [ النحل :١٢٧ ] وقوله : ﴿ لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين ﴾ [ الشعراء :٣ ]وقوله : ﴿ فلا تذهب نفسك عليهم حسرات ﴾ [ فاطر :٨ ] ونحو ذلك.
كان يحزن، وكادت نفسه تتلف إشفاقا عليهم، فيقول :أفمن وجب، وحق عليه العذاب، تقدر أن تنقذه من النار ؟ أي لا تقدر على ذلك، والله أعلم.
ثم بين الذين أنقذوا من النار، وهم الذين اتقوا ربهم حين قال : ﴿ لكن الذين اتقوا ربهم ﴾ أي اتقوا مخالفة ربهم ونقمته.
ثم بين ما أوعد لهم في الآخرة، فقال عز وجل : ﴿ لهم غرف من فوقها غرف مبنية ﴾ ذكر أن لهم غرفا في الجنة، والغرف في الشاهد إنما تتخذ لضيق المكان. لكن ذلك في الجنة ليس كذلك، ولكن لما كان الله عز وجل عرف من رغبة الناس في الدنيا في الارتفاع والعلو والكرامة والتفضيل على الانحدار في الأرض ؛ رغبهم في الآخرة على ما رغبوا، وأحبوا في الدنيا، ولكن لأهل الدرجات، ولأهل النار الدركات.
ثم قوله تعالى : ﴿ تجري من تحتها الأنهار ﴾ يخبر أن أمر أهل الجنة على خلاف أمر أهل الدنيا ؛ إذ في الدنيا ؛ كل ما ارتفع، وعلا، من البنيان كان الماء منه أبعد والوصول إليه أصعب. فأخبر أنهم، وإن كانوا في الغرف والدرجات، فأبصارهم إنما تقع على الماء، والماء لا يبعد عنهم، ولا يصعب، والله أعلم.
ثم ذكر في الغرف البناء ولا ذكر السماء أنه بناها، فلم يفهم من بنائه ما ذكر ما فهم من بناء الخلق.
فكيف فهم من مجيء الرب وغير ذلك ما فهم من مجيء الخلق وإتيانهم ؟ لولا ما كان فيهم من فساد اعتقادهم ؟ والله أعلم.
الآية ٢١ : ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ﴾ ونحوه على وجهين :
أحدهما :على الخبر ﴿ ألم تر ﴾ أي قد رأيت.
والثاني :على الأمر :أن ر.
ثم الخطاب، وإن كان في الظاهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكل أحد يحتمل النظر والتأمل.
ثم جهة الحكمة المودعة فيها من إنزال الماء من السماء وجعله ينابيع في الأرض. والينابيع هي العيون التي تخرج من الأرض والآبار التي جعلت فيها ليعلم أن المياه الخارجة من الأرض والجارية فيها أصلها من السماء، منزلة منها، وهي طهور على ما أخبر أنه أنزل ﴿ من السماء ماء طهورا ﴾ [ الفرقان :٤٨ ]، وإن اختلف طعمه لاختلاف جواهر الأرض، ما لم يخالطه شيء من جواهر من القذارة والنجاسة وغيرها من الألوان التي تخرجه عن أن يكون طهورا، تغيره عن جوهره الذي أنزل من السماء.
ثم جعل الله عز وجل في شربة ذلك الماء معنى ولطفا ما يوافق جميع الأشجار والنبات، وكل خارج من الأرض، وغن اختلفت جواهرها وألوانها وطعومها، ليعلم أن من قدر على جعل ما جعل في الماء من اللطف والمعنى الذي يوافق كل شيء من النبات والشجر، وإن اختلفت جواهرها وألوانها وطعومها، لا يعجزه شيء، ولا يخفى عليه شيء. ولا قوة إلا بالله.
أو يقول :إن من تكلف زرع الزراعة في الأرض، وتحمل المؤن العظام إلى أن بلغ المبلغ الذي ينتفع به، وينال منه النفع، تركه لم ينتفع به، أليس يوصف بالسفه وغير بالحكمة ؟ فكذلك الله، سبحانه، لما أنشأكم صغارا طفلا، وغذاكم بألوان الأغذية والأطعمة حتى كبرتم، وبلغتم مبلغ الانتفاع بكم. ثم أبلغكم بلا عاقبة تقصد بذلك، كان غير حكيم، وقد عرفتموه حكيما.
فدل أن المقصود في ذلك كله حتى يكون إنشاؤه إياكم صغارا وتربيته إياكم بألوان الأغذية التي جعل لكم حكمة، وهو البعث، ما لو لا يذلك كان سفها غير حكمة على ما ذكر من إخراج الزرع من الأرض الماء الذي أخرج، ثم تركه فيها حتى صار يابسا، لا ينتفع به كان سفيها غير حكيم.
فعلى ذلك ما كان عند أولئك الكفرة أن لا بعث كان ما ذكر، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب ﴾ أي في ما يذكر من إنزال الماء وإدخاله في الأرض وإخراج ما ذكر منها به، وما ذكر موعظة لأولي الألباب، أي لمن انتفع بلبه وعقله لما ذكرنا، وما ذكر لأهل الجنة من الغرف وغير ذلك. ثم قال عز وجل : ﴿ وعد الله لا يخلف الله الميعاد ﴾ [ الزمر :٢٠ ] لأن من وعد في الشاهد، ثم أخلفه، إنما يخلفه لحاجته أو لما يبدو له من البدوات، فيرجع عما وعد، والله تعالى عن ذلك كله، ولا يحتمل خلف الوعد منه.
وقوله تعالى : ﴿ فسلكه ينابيع في الأرض ﴾ أي أدخله فيها، وجعله ينابيع أي عيونا. ثم قوله تعالى : ﴿ ثم يهيج ﴾ أي ييبس. وقوله : ﴿ ثم يجعله حطاما ﴾ متكسرا مثل الرفات والفتات، وهو قول أبي عوسجة والقتبي. ويقال :هاجت الأرض إذا ابتدأت في اليبس، ﴿ حطاما ﴾ أي متكسرا.
قوله عز وجل : ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ فيسلم ﴿ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ أي يجعل الله في صدره النور إذا أسلم حتى يبصر الحق وحججه وبراهينه بصورة الحق أنه حق، والباطل أنه باطل وأنه تمويه ؛ يبصر كل شيء بذلك النور على ما هو حقيقة أنه حق وباطل، فيأخذ الحق، ويعمل به، ويترك الباطل، ويجتنيه، والله أعلم.
ويحتمل أن يكون قوله : ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ ﴾ يكون نوره هو إسلامه الذي هداه، شرح الله صدره بنوره حتى أسلم، وهو ما روي في الخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم :( سئل :هل ينشرح الصدر للإسلام ؟ وكيف ينشرح ؟ قال نبي الله صلى الله عليه وسلم إذا دخله النور انشرح لذلك الصدر، وانفسح له ) [ السيوطي في الدر المنثور ٧/٢١٩ ] أخبر أن النور إذا دخل الصدر انشرح لذلك الصدر وانفسح له بذلك النور، والله أعلم.
وجائز أيضا أن يكون قوله عز وجل : ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ في الدنيا ﴿ فهو على نور من ربه ﴾ في الآخرة كقوله عز وجل : ﴿ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ ﴾ [ التحريم :٨ ] والذين كفروا طبع الله على قلوبهم، فبظلم وبفسق لما بقوا في الظلمة أبدا، والله أعلم.
ومنهم من قال : ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ الإسلام نفسه إذا أسلم ﴿ فهو على نور من ربه ﴾ :أيٍ كتاب الله، قال هذا المؤمن به، يأخذ كتاب الله وإليه. ينتهي.
ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم هل لذلك أي لانشراح الصدر للإسلام علامة ؟ فقال :( نعم التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل حلول الموت ) [ القرطبي في تفسيره :٧/٧٤ ] فهذا في التحقيق ليس في المعاملة في العمل، ولكن في الاعتقاد، أي يتجافى عن دار الغرور، وينيب إلى دار الخلود ؛ يتزود من الدنيا للآخرة.
ثم قوله : ﴿ أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ﴾ يحتمل أن يكون على الاستفهام على ما ذكر، ويحتمل ألا يكون على الاستفهام، ولكن على الإيجاب. فإن كان على هذا فهو على إسقاط الألف :فمن ﴿ شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ الآية كقوله في آية أخرى : ﴿ فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا ﴾ [ الأنعام :١٢٥ ].
فعلى ذلك يحتمل أن تكون هذه الآية على هذا، والله أعلم. وإن كان على الاستفهام فلا بد أن يكون له مقابل، يعرف ذلك بدليل أنه جوابه.
ثم قال بعضهم :جوابه في قوله : ﴿ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ ﴾ كأنه يقول :ليس المنشرح صدره بالإسلام كالقاسي قلبه بالكفر، وهو قول الكسائي.
وجائز أن يكون جوابه ومقابله ما تقدم ذكره، وهو قوله : ﴿ أفمن حق عليه كلمة العذاب ﴾ الآية [ الزمر :١٩ ] كأنه يقول :أفمن حق عليه العذاب كمن شرح صدره للإسلام ؟ أي ليس من وجب عليه العذاب كمن ﴿ شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه ﴾ والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ﴾ يحتمل قوله عز وجل : ﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ﴾ أصدقه خبرا وأعدله حكما، وهو ما ذكر في آية أخرى، ووصفه بالصدق والعدل حين قال عز وجل ﴿ وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا ﴾ [ الأنعام :١١٥ ] أي صدقا في خبره وعدلا في حكمه.
فعلى ذلك يحتمل قوله : ﴿ أحسن الحديث ﴾ خبرا وأعدله حكما، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله : ﴿ أحسن الحديث ﴾ أي أتقنه وأحكمه، وهو متقن ومحكم، وهو على ما وصفه بالصدق والعدل في آية أخرى، وقال : ﴿ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ﴾ [ فصلت :٤٢ ] أخبر أنه لا يأتي القرآن باطل من بين يديه ولا من خلفه ؛ وذلك لإتقانه وإحكامه، والله أعلم.
وهو أحسن الحديث لأن من تأمله، ونظر فيه، وتفكر، أنار قلبه، وأضاء صدره، وهداه سبيل الخير والحق، ودفع عنه الوساوس والشبهات وكل شر، وأفضاه إلى كل خير وبر ؛ فهو أحسن الحديث، إذ لا حديث يعمل ما يعمل هو لما ذكرنا وغير ذلك، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ كِتَابًا مُتَشَابِهًا ﴾ قوله ﴿ متشابها ﴾ أي ليس يختلف، ولا يتناقض، ليس كحديث الناس وكتبهم مما يختلف، ويتناقض حديثهم وكتابهم وخاصة في ما امتد من الأوقات، وطال، وبعدت مدته، وهو ما ذكر : ﴿ أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [ النساء :٨٢ ].
دل كونه متفقا متشابها غير مختلف في حلول نزوله وتفرق أوقاته وتباعد أيامه في الإنزال أنه من عند الله نزل، ومنه جاء ؛ إذ لو لم يكن من عنده لخرج مختلفا متناقضا على ما يخرج حديث الناس وخبرهم مختلفا ومتناقضا، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ مثاني ﴾ قال أهل التأويل :سماه مثاني لما يثني فيه أنباءه وقصصه مرة بعد مرة. وأصله أنه سماه مثاني لأنه ذكر فيه المواعظ والذكرى، وكررها، في غير موضع لما لو لم يكررها لغفلوا عنها، وسهوا عنها، لأن الحكيم إذا وعظ أحدا عظة، وزجره عن شيء، ثم تركه، لم يعظه، ولم يزجره ثانيا، غفل عما وعظة، وزجره وسها عنه. وكرر عز وجل عليهم المواعظ والزواجر ليكونوا أبدا متعظين متذكرين لذلك، والله أعلم، لكيلا يغفلوا عنها، ولا يسهوا.
وقوله تعالى : ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ﴾ عند تلاوة آية الرهبة والخوف ﴿ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ ﴾ عند تلاوة آية الرحمة.
وجائز أن يكون ذلك لهم بجميع القرآن بما فيه من الرحمة والرهبة جميعا ؛ يكون فيهما الموعظة :تلين قلوبهم، وتقشعر جلودهم، وتخاف أنفسهم، لأن آية الرحمة ليست بأحق بتليين القلوب من آية الرهبة، بل آية الرهبة أحق بذلك.
وقتادة يقول :كانت جلودهم تقشعر، وعيونهم تبكي، وقلوبهم تظمئن إليه، ولا تذهب عقولهم، ولا يغشى عليهم كما رأينا أهل البدع يفعلونه، وإنما ذلك من الشيطان.
وقوله تعالى : ﴿ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ ﴾ قد بين سبل الهدى والحق وحججه وبراهينه، وبين سبل الضلالة والباطل. فمن سلك سبيل الهدى فبتوفيقه سلك، وبمعونته اهتدى، ومن سلك طريق الكفر والباطل فبخذلانه ضل، وزاغ.
وقوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ أخبر أن من أضله الله فلا هادي له، على ما قال في المعيشة والرزق ؛ قال عز وجل : ﴿ مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [ فاطر :٢ ] وقال عز وجل :في الضراء والخير حين قال : ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ ﴾ [ يونس :١٠٧ ] ذكر في الضلال والهدى ما ذكر في الرزق والضر والخير.
ذكر أن لله في فعلهم وصنعهم تدبيرا، ليس على ما تقوله المعتزلة :أن لا تدبير لله في ذلك، وأن من اهتدى فإنما يهتدي بنفسه، ومن ضل، وزاغ فإنما ذلك بنفسه، لا تدبير لله في ذلك فالآية تنقض قولهم ومذهبهم.
وقتادة يقول في قوله : ﴿ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إلى ذكر الله ﴾ وإنما يذكر الله أهل الإيمان، فكانت تقشعر بذلك جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم، ولا تذهب عقولهم منه.
وأما تضرع أحدهم، فلم يكن، وكان هذا في أصحاب البدع، وربما هو من الشيطان.
ولعمري ما كان في هذه الأمة أحد أعلم من نبيه صلى الله عليه وسلم ومن بعده أصحابه الذين انتخبهم الله عز وجل لصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحاب أصحابه، فحدثوا أن هذا إنما كان في أهل البدع.
قوله تعالى : ﴿ أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ كأنه لم يذكر مقابل هذا في هذا الموضع. فجائز أن يكون مقابله ما تقدم، وهو قوله : ﴿ لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ﴾ أفمن جعل له الغرف أعلى الغرف تجري من تحتها الأنهار كمن ﴿ يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ ليس هذا كذاك، ولا أحد يتقي بوجهه سوء العذاب. لكن يخرج ذلك على وجوه :
أحدها :كناية عن الشفعاء وأهل النصر كأنه يقول :لا يكون له من يشفع، أو يملك دفع العذاب عنه.
والثاني :أن تكون أيديهم مغلولة إلى أعناقهم، فلا بد له يتّقي بها سوء العذاب عن وجهه، لأن في الشاهد من أصاب شيئا من العذاب يتقي ذلك العذاب عن وجهه بيده، فيخبر أن لا بد له في الآخرة، يتقي العذاب بها عن وجهه، بل يصيب العذاب وجهه، فكأنه يتقي به.
والثالث :أن يكون ذكر الوجه كناية عن نفسه، وهو ما ذكرنا :ألا يكون له من يملك دفع العذاب عنه.
والرابع :أن يكون ذكر الوجه كناية عن قلبه لئلا يصل وجع ذلك العذاب إلى قلبه، ولا يملك دفعه، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ﴾ يحتمل قوله : ﴿ ذوقوا ما كنتم تكسبون ﴾ أي ذوقوا جزاء ما كنتم تكسبون. ويحتمل ذوقوا ما اخترتم من الكسب، وهذا بما اخترتم، لأنه قد بيّن لهم الكسبين جميعا، وما يكون لكل كسب في العاقبة، فاختاروا هم الكسب الذي كان عاقبته الذي أصابهم، فكأنهم اختاروا ذلك الذي حل بهم باختيارهم ذلك الكسب، والله أعلم.
قوله تعالى : ﴿ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ﴾ ليخوّفهم، ويحذّرهم بما نزل بالمتقدمين بتكذيب الرسل عليهم السلام والعناد وحذّرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبعث وما يحل بهم يوم القيامة بذلك. فإذا لم يصدّقوه في ما يحذّرهم بيوم القيامة حذّرهم بالذي انتهى إليهم الخبر، يعني خبر المتقدمين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ليحذروا.
وقوله تعالى : ﴿ من حيث لا يشعرون ﴾ أي من حيث لا يأمنون العذاب الذي ينزل بهم.
قوله تعالى : ﴿ فأذاقهم الله الخزي في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ﴾ العذاب الذي نزل بهم في الدنيا ليس هو عذاب الكفر، إنما هو عذاب العناد والتعنُّت وأفعال فعلوها في حال الكفر. فأما عذاب الكفر فهو في الآخرة أبد الآبدين خالدين مُخلَّدين فيه. ولذلك قال : ﴿ ولعذاب الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون ﴾.
قوله تعالى : ﴿ ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ﴾ أي بيّنا للناس في هذا القرآن من كل ما يحتاجون إليه من أمر دينهم ودنياهم، أخبرهم مالهم وما عليهم وما لبعضهم على بعض وأمثاله، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ لعلهم يتذكّرون ﴾ هذا يحتمل وجهين :أحدهما :لكي يلزمهم التذكّر والاتعاظ. والثاني : لكي يبلّغهم ما يتذكّرون، ويتّعظون.
قوله تعالى : ﴿ قرآنا عربيا ﴾ أي جعلناه قرآن عربيا كقوله : ﴿ إنا أنزلناه قرآنا عربيا ﴾ [ يوسف :٢ ] لكي يفقهوه، ويعرفوه، كقوله تعالى : ﴿ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ﴾ [ إبراهيم :٤ ].
وقوله تعالى : ﴿ غير ذي عِوج ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :أنه لا يخالف الكتب السالفة، بل يوافقها، لأن كُتب الله جاءت كلها على الدعاء إلى توحيد الله وربوبيّته. فكذلك القرآن، فهو لا يخالف سائر الكتب، بل يوافقها.
والثاني :لا عِوج فيه لما لا يخالف بعضه بعضا، ولا يناقض، بل خرج كله موافقا بعضه بعضا مستقيما على تباعد نزوله في الأوقات، وبالله التوفيق.
وأصل﴿ غير ذي عوج ﴾ أي ليس بمائل ولا زائغ عن الحق.
وقوله تعالى : ﴿ لعلهم يتقون ﴾ المهالك أو سخط الله ونقمته.
قوله تعالى : ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ﴾ أي لا يستويان. يشبه أن يكون ما ذكر من المثل لرجُلين هو مثل للبشر كله المسلمين والكافرين.
ثم يحتمل الرجل الذي فيه شركاء متشاكسون، أي يتشاكسون في نسبه ؛ أو يتشاكسون في المُلك فيه ؛ يقول كل هو لي، أو في الملك في قوم يدّعي كل أن الملك له فيهم.
ولا يثبت لواحد منهم المُلك الذي يدّعي ليطلب هذا منه النفقة، وما يجب على ذي المُلك من حقوق المُلك، فيبقى ضائعا متحيِّرا وكذلك لا يثبت لأحد فيهم الملك لقيام التنازع بينهم، فيبقون متحيّرين ضائعين لعدم من لا يسوسهم، ويقوم بأمورهم.
وإن كان المُلك لرجل واحد أو النّسب سالما له يصل إلى كل ما هو حق له، ويكون محفوظا في نفسه معروفا، فيكون مثل الذي فيه شركاء متشاكسون، هو الذي يعبد الشيطان أو الأصنام أو هوى النفس ؛ يدعوه كل شيطان إلى غير الذي دعاه الآخر، وكذا الهوى يدعو صاحبه مرة إلى كذا ومرة إلى غير ذلك. فهو كالذي فيه شركاء متشاكسون، يدّعيه هذا وهذا فيبقى متحيِّرا.
والذي يعبد الله الحق الذي تثبت ألوهيته بالحجج والآيات كالرجل السالم الواحد :يكون أبدا على حالة واحدة مطيعا له خالصا له.
وقوله تعالى : ﴿ هل يستويان مثلا ﴾ أي هل يستوي الرجل الذي يدّعي فيه شركاء متشاكسون والرجل الذي يكون لرجل واحد في ما ذكرنا، أي هل يستويان.
وقال أهل التأويل : ﴿ هل يستويان ﴾ :من يعبد آلهة شتى مختلفة، والذي يعبد ربا واحدا، وهو المؤمن، وقد رأوا أنهما قد استويا في هذه الدنيا، وفي الحكمة التفريق بينهما، وفيه دلالة البعث. وكذلك قالوا في قوله : ﴿ مثل الفريقين كالأعمى والأصمّ والبصير والسميع هل يستويان ﴾ [ هود :٢٤ ] وقد استووا في هذه الدنيا. دل أن هناك دارا أخرى يفرّق بينهم، إذ في الحكمة والعقل التفريق بينهم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ ذكر الحمد على إثر ذلك يخرّج على وجهين :
أحدهما :أمرهم أن يحمدوا ربهم على ما خصّهم بالتوحيد من بين الكفار ﴿ بل أكثرهم لا يعلمون ﴾ توحيد ربهم.
والثاني :أمره أن يحمد ربه على ما جعله سالما خالصا لم يجعل ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾.
قال أبو عوسجة والقتبيّ : ﴿ فيه شركاء متشاكسون ﴾ أي مختلطون يتنازعون، ويتناجون، و :رجلا سالما :أي خالصا. ومن قرأ : ﴿ سَلَمًا لرجل ﴾ أراد سلِم إليه، فهو سَلْمٌ وسِلْمٌ.
ثم قوله : ﴿ تقشعرّ منه جلود الذين يخشون ربهم ﴾ [ الزمر :٢٣ ] يحتمل الأنبياء منهم والخواصّ كقوله : ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [ فاطر :٢٨ } وجائز أن يكون أراد جميع المؤمنين. وكذلك ذكر في حرف ابن مسعود :تقشعرّ منه جلود الذين يؤمنون بربهم، ثم تطمئن جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
وفي حرف حفصة :ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله.
وقال بعضهم في قوله : ﴿ أفمن يتقي بوجهه سوء العذاب ﴾ [ الزمر :٢٤ ] يقول، والله أعلم :ليس الضال الذي يتقي النار بوجهه كالمهتدي الذي لا تصل النار إلى وجهه، ليسا بسواء على ما ذكرنا.
قوله تعالى : ﴿ إنك ميّت وإنهم ميّتون ﴾ وجه ذكر هذا على إثر ما تقدم من قوله : ﴿ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ﴾ وقد استووا في هذه الدنيا :من أخلص نفسه ودينه لله وللرسول ومن جعل في دينه شركاء، ولم يسلّم نفسه له، وهو الكافر، ثم تموت أنت، ويموتون. فلو لم تكن دار أخرى، يُميَّز فيها، ويُفرَّق بين الذي جعل نفسه سالما لله خالصا وبين من لم يفعل ذلك، لكان في ذلك استواء بين من ذكر. وفي الحكمة أن لا استواء بينهما. ويموت المسلم نفسه لله، ويموت الآخر. دلّ أن في ذلك بعثا، يثاب هذا، ويعاقب الآخر، والله أعلم.
ويحتمل أنه ذكر هذا لما كانوا يتشاءمون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويتطيّرون، في ما يصيبهم من المصائب والشدائد حتى قال عز وجل : ﴿ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ ﴾ [ الأنبياء :٣٤ ] أي لا يخلُدون. فعلى ذلك يقول عز وجل ﴿ إنك ميّت وإنهم ميّتون ﴾ أيضا أي لا يبقون هم بعد موتك أبدا، ولكنهم يموتون.
ولو كان ما يصيبهم، بل يصيبك أنت على ما يزعمون لأخبر ألا يصيبهم بعد موتك. هذا لا يُحتمل، والله أعلم. ويحتمل أن يقول : ﴿ إنك ميّت ﴾ فتصل إلى ما وعدك من الكرامات والثواب، ويموتون هم، فيصلون إلى ما أوعدوا من المواعيد والعقوبات، والله أعلم.
قوله عز وجل : ﴿ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ﴾ وروي عن ابن عمر رضي الله عنه أنه قال :كنا لا نعلم ما تفسير هذه الآية ؟ وكنا نقول :من يخاصم ؟ فلما وقعت الفتنة بين أصحاب رسول الله حتى كفح بعضنا وجوه بعض بالسيوف، فعرفت أنها نزلت فينا.
وذكر عن ابن الزبير أنه لمّا نزلت هذه الآية قال :( يا رسول الله أتُكرَّر علينا الخصومة بعد الذي كان بيننا في الدنيا ؟ فقال :نعم، فقال :إن الأمر إذن لشديد ) [ الترمذي ٣٢٣٦ ].
وروي عن بعض الصحابة، رضوان الله عليهم أجمعين، لما نزلت هذه الآية أنهم قالوا :كيف نختصم، ونحن إخوان ؟ فلما قتل عثمان ظلما وعدوانا علموا أنها لهم وفيهم، والله أعلم.
ثم خصومتهم هذه يوم القيامة تحتمل وجهين :
أحدهما :في المظالم في الحقوق التي كانت لبعض على بعض. والثاني :في الدين أو في الدين أو في أمر الدين.
ويحتمل أن يكون قوله عز وجل : ﴿ إنك ميّت وإنهم ميّتون ﴾ ﴿ ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون ﴾ لما بلغت المحاجّة غايتها في الدين والدنيا، ولم تنجع فيهم، ولا قبِلوها، أخبر أنم يختصمون في ذلك يوم القيامة في الوقت الذي يعاينون العذاب. والعرب تقول :مات يمات، فهو مائت.
الآية ٣٢ وقوله تعالى : ﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ ﴾ يقول :لا ظلم أعظم، ولا أفحش مما١ يُكذَب على من يتقلّب في إحسانه، ويتصرف في نعمائه، وأنتم متقلّبون في نعم الله وأنواع إحسانه. فلا ظلم [ أعظم ]٢ ولا أفحش /٤٦٩– ب/ من تكذيب خبره وردّه ؛ إذ لا خبر أصدق من خبره، ولا حديث أحق من حديثه.
وقوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ ﴾ كأنه يقول : [ أليست جهنم كافية ]٣ للكافرين مثوى كقوله عز وجل ﴿ حسبُهم جهنم يصلونها ﴾ [ المجادلة :٨ ] أي حسبهم جهنم عقوبة لهم بكفرهم وتكذيبهم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: ما..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: أليس جهنم كاف..
الآية ٣٣ وقوله عز وجل : ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ﴾ اختلف أهل التأويل فيه :
قال بعضهم : ﴿ والذي جاء بالصدق ﴾ جبرائيل عليه السلام ﴿ وصدّق به ﴾ محمد عليه السلام.
وقال بعضهم : ﴿ والذين جاء بالصدق ﴾ محمد عليه السلام ﴿ وصدّق به ﴾ أبو بكر.
وقال بعضهم : ﴿ والذين جاء بالصّدق ﴾ محمد عليه السلام ﴿ وصدّق به ﴾ أصحابه جميعا.
قلنا :أهل التأويل على اختلافهم اتفقوا أن الذي جاء به جبرائيل أو محمد صلى الله عليه وسلم هو التوحيد.
فإن كان التأويل ما ذكر أهل التأويل، وعلى ذلك قوله : ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ أي الموحّدين المؤمنين، ففيه نقض قول الخوارج والمعتزلة :إن صاحب الكبيرة، ليس بمؤمن، وإنه يُخلّد في النار، لأنه قال : ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ وكل مرتكبٍ الكبيرة مُصدِّق بالذي جاء به جبرائيل ومحمد عليه السلام.
ثم أخبر أنهم ﴿ هم المتقون ﴾ أي اتقوا الشرك، وقال لأولئك أيضا :إنه يكفّر عنهم ما ارتكبوا من المساوئ، وهو قوله : ﴿ ليكفّر الله عنهم أسوأ الذي عملوا ﴾.
دلّ أن لهم مساوئ، ثم إن شاء عذّب على تلك المساوئ وقتا، ثم أعطاهم ما وعد. وإن شاء عفا عنهم، وتجاوز، وأعطاهم ما ذكر. فكيف ما كان فلهم ما ذكر، إذ هم على تصديق بما جاء محمد عليه السلام، والله أعلم.
وجائز أن يكون قوله عز وجل : ﴿ وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :صدّق بقلبه ؛ أي جاء بالقول وتصديق القلب.
والثاني :صدّق به في المعاملة في اختيار كل ما يصلح [ واجتناب كل ما ]١ لا يوافق الذي جاء به.
وعلى ذلك ذُكر عن الحسن [ أنه ]٢ قال :يا ابن آدم :قلت :لا إله إلا الله، فصدِّقها.
فإن كان التأويل هذا فهو أشد، لكنه، وإن لم يعامل المعاملة [ التي توافق ]٣ الذي جاء به، وهو التوحيد، ولم يجتنب ما ذكرنا، فإن له ما ذكر :إما بعد التعذيب٤ وإما بعد العفو، والله أعلم.
١ في الأصل وم: و..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: التوحيد..
الآية ٣٤ وقوله تعالى : : ﴿ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ ﴾ دل هذا أن ذلك الوعد للجماعة، ليس لواحد ولا لاثنين، وهو لجميع المؤمنين.
الآية ٣٥ ﴿ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ ذكر نوعين من العمل السّيئ والحسن. ثم أخبر أنه يكفّر ﴿ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ فيحتمل الأحسن الحسنات أنفسها :يجزيها، ويكفّر السيئات.
[ ويحتمل أي يكفّر السيئات أسوأها وأعظمها، ويجزي بأحسن الحسنات وأعظمها.
فعلى هذا :أحسن وأسوأ من نوعها :أحسن الحسنات وأسوأ السّيئات ]١.
وعلى الأول من غير نوعها، أي يكفّر السيئات، ويجزي بالحسنات، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٣٦ وقوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ﴾ وعباده أيضا. الآية يحتجّ بها على إثبات الرسالة، وكذلك قوله : ﴿ فإن تولّوا فقل حسبي الله لا إله إلا هو ﴾ [ التوبة :١٢٩ ] وكذلك قوله : ﴿ إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ ﴾ [ آل عمران :١٦٠ ] ونحو ذلك، وأمثاله كثيرة وكان يقرع أسماعهم بهذه١ الآيات التي ذكرنا وغير ذلك من قوله : ﴿ ثم كيدون فلا تُنظرون ﴾ [ الأعراف :١٩٥ ] ثم لم يقدروا على إهلاكه، بل عصمه الله من كيدهم ومكرهم على ما قال : ﴿ والله يعصمك من الناس ﴾ [ المائدة :٦٧ ] فبلّغ إليهم ما أُمر تبليغه من غير أن قدروا على ما قصدوا به. وفي ذلك لطف من الله عظيم ودلالة على إثبات الرسالة.
ثم قوله عز وجل : ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ وإن خُرّج مُخرَج الاستفهام في الظاهر، فهو في الحقيقة على الإيجاب والتقرير لأنهم كانوا يعلمون أن الله عز وجل هو الكافي لخلقه.
من ذلك أنهم إذا سئلوا من خلق السماوات والأرض ؟ قالوا :الله تعالى، وإذا سئلوا من يرزقكم ؟ قالوا :الله، ومن أنزل من السماء ماء ؟ ومن أخرج من الأرض والنبات ؟ قالوا الله.
فعلى ذلك قوله : ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ أي تعلمون أن الله هو الكافي جميع خلقه في الدفع والذّب عنهم والنصر لهم. فإذا عرفتم ذلك فكيف تخوّفون رسول الله بالذي تُخوّفونه، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ﴾ اختُلف فيه :
قال بعضهم :بأهل الأرض جميعا ؛ يقولون له :إن العرب يفعلون٢ بك كذا، ويعملون بك كذا، يخوّفونه بهم.
وقال بعضهم :كانوا يخوّفونه بالأصنام التي كانوا يعبدونها أن يصيبه سوء وأذى من ناحيتها كقوله عز وجل : ﴿ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ﴾ [ هود :٥٤ ] وكان هذا أشبه بالآية [ التي ]٣ ذكر على إثر ذلك، وعقّبه بالأصنام حين٤ قال عز وجل : ﴿ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ ﴾ [ الزمر :٣٨ ] هذا يدل أن ما ذكر من تخويفهم إياه إنما كان بالأصنام التي كانوا يعبدونها.
١ الباء ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: يفعل..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: حيث..
الآية ٣٧ وقوله تعالى : ﴿ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ ﴿ وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ ﴾ أخبر أنه إذا أراد هداية أحدكم لم يملك أحد إضلاله، وإذا أراد إضلال أحد لم يقدر أحد على هدايته ؛ ذكر في الدين أن لا أحد يملك دفع من أراد من هدي أو إضلال، ولا منعه عن ذلك على ما ذكر في الرّزق وأسباب العيش، وعلى ما ذكر في الأنفس وحفظها أن لا أحد يملك دفع ما أراد هو. فعلى ذلك في الدين لأن الذّكر خرج في الكل على مخرج واحد.
وذلك على المعتزلة لقولهم :إن الله تعالى قد أراد هداية كل أحد ونصر كل وليّ، لكن غيره منعه عن ذلك، فهو وحش من القول سمجٌ، وبالله العصمة والنجاة.
وقوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ ﴾ هو على الإيجاب والتقرير، أي يعلمون أنه عزيز ذو انتقام، أي عزيز، لا يُعجزه شيء، ذو انتقام لأوليائه من أعدائه.
الآية ٣٨ وقوله تعالى : ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾ قد علموا أن لا خالق سواه، وعرفوا أنه لا يملك أحد سواه كشف ما أراد هو من الضّرر ولا إمساك ما أراد هو من الضرر ولا إمساك ما أراد من الرحمة بأحد. ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا [ إليٍ ]١ من عبدوهم من دونه من الأصنام ولا إلى أحد من الخلائق٢.
دلّ ذلك على أنهم قد عرفوا أن ذلك به يُنال من خير أو غيره. ولذلك فزعوا إليه عند نزول البلاء بهم، ولم يفزعوا [ إليهم ولذلك احتج ]٣ عليهم بما احتج، ولو لم يكونوا علموا بذلك لم يكن ليحتجّ عليهم بذلك، وهم بذلك منكرون، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ في قوله ﴿ حَسْبِيَ الله ﴾ ما ذكرنا من اللطف /٤٧٠ – أ/ والدلالة على إثبات الرسالة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: الخالقين..
٣ في الأصل: إليه، في م: احتج..
الآية ٣٩ وقوله تعالى : ﴿ قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما :على الإياس منهم أنهم لا يؤمنون، ولا يجيبون إلى ما دعوا إليه بعد ما أقيم عليهم الحُجج والبراهين. كأنه يقول :أنيبوا أنتم إلى دينكم، واعملوا له، ونُنيب نحن إلى ديننا، ونعمل له، فسوف تعلمون أننا على الحق نحن أو أنتم، وهو كقوله : ﴿ لكم دينكم ولي دين ﴾ [ الكافرون :٦ ] أي لا أدين أنا بدينكم، ولا أنتم تدينون بديننا، ولكن يلزم كل منا دينه الذي عليه. فعلى ذلك الأول.
والثاني :على التوبيخ لهم والتعبير ؛ يقول :اعملوا على مكانتكم أنتم مما تقدرون من الكيد والمكر لي، وأنا عامل ذلك بمكانتكم كقوله عز وجل : ﴿ ثم كيدون فلا تُنظرونِ ﴾ [ الأعراف :١٩٥ ] وغير ذلك من الآيات التي فيها ذكر توبيخهم وتعييرهم، وفي هذه الآية وفي ما تقدم من وقوله عز وجل : ﴿ أليس الله بكاف عبده ويخوّفونك بالذين من دونه ﴾ [ الزمر :٣٦ ] والله أعلم.
إلى هذا الموضع تقرير وتوبيخ ومُنابَزة وإياس. فأما الإياس فهو لي في قوله : ﴿ يَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ ﴾ والتقرير في قوله : ﴿ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولنّ الله ﴾ والمنابزة في وقوله : ﴿ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾ والتوبيخ في قوله : ﴿ أليس الله بكاف عبده ويخوّفونك بالذين من دونه ﴾.
ثم جائز أن يكون قوله : ﴿ ومن يضلل الله فما له من هاد ﴾ ﴿ ومن يهد الله فما له من مُضلّ ﴾ يخرّج على الصلة لقوله : ﴿ أليس الله بكاف عبده ويخوّفونك بالذين من دونه ﴾ كأنه يقول :من أضل الله حتى لا يعلم أن الله، هو كاف عبده، وأن ما يخوّفون به لا١ يقع به خوف، ولا يلحق به ضرر، فلا هادي له، ومن هداه، فعرف ذلك، فلا مُضلّ له عن ذلك، والله أعلم بذلك.
١ في الأصل وم: ولا..
الآية ٤٠ وقوله تعالى : ﴿ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ ﴾ جائز أن يكون ذلك العذاب الذي يأتيه، هو عذاب في الدنيا من نحو القتل والتعذيب بالذي أُهلك الأوّلون المعاندون للرسول ﴿ يُخزيه ﴾ أي يفضحه ﴿ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ ﴾ في الآخرة، وهو عذاب الكفر. وإلى ذلك ذهب بعض أهل التأويل. وجائز أن يكون ذلك كله في الآخرة، والله أعلم.
الآية ٤١ وقوله تعالى : ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ ﴾ هذا كأنه، والله أعلم ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ ﴾ لتحكم بين الناس بالعدل على ما ذكر في آية أخرى : ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ ﴾ [ النساء :١٠٥ ] فعلى ذلك هذا، ويكون قوله : ﴿ فَمَنِ اهْتَدَى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا ﴾ أنشأ الله عز وجل البشر درّاكا مميِّزا بين الخبيث والطيب وبين الحسن والقبيح وبين ما لهم وما عليهم وبين السبيلين جميعا غاية البيان، وأوضح كل سبيل نهاية الإيضاح أنه١ من سلكه إلى ماذا يُفضيه، وينهيه.
ثم امتحنهم في ذلك، ومكّن لهم من السلوك في كل أحد من السبيلين بعد البيان منه أنه من سلك سبيل كذا، ومن سلك سبيل كذا أفضاه إلى كذا امتحانا منه.
ثم أخبر أنه في ما امتحنهم [ لم يمتحنهم ]٢ لمنفعة ترجع إليه أو لمضرة تدفع عن نفسه. ولكن إنما امتحنهم لمنفعة ترجع إليهم إذا اختاروا ترك سلوك سبيل الباطل، وهو ما ذكرنا في غير آية٣ من القرآن :
أحدها :هذا [ في ما ]٤ قال : ﴿ فمن اهتدى فلنفسه ومن ضلّ فإنما يضل عليها ﴾.
والثاني :بما قال عز وجل ﴿ إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها ﴾ [ الإسراء :٧ ] وغير ذلك من الآيات التي تبين أنه إنما امتحنهم لمنفعة أنفسهم واكتساب الخير الدائم لهم، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى : ﴿ وما أنت عليهم بوكيل ﴾ يخبر أن ليس عليك إلا تبليغ ما أُرسلت، وأُمرت تبليغه إليهم كقوله تعالى : ﴿ إن عليك إلا البلاغ ﴾ [ الشورى :٤٨ ] وقوله عز وجل : ﴿ فإنما عليه ما حُمّل وعليكم ما حُمّلتم ﴾ [ النور :٥٤ ] وقوله تعالى : ﴿ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ ﴾ [ الأنعام :٥٢ ] وقوله تعالى : ﴿ فما أرسلناك عليهم حفيظا ﴾ [ النساء :٨٠ ] والوكيل الحفيظ، والله أعلم.
١ أدرجت في الأصل وم: بعد سلكه..
٢ من م، ساقطة من الأصل..
٣ في الأصل وم: آي..
٤ في الأصل وم: حيث..
الآية ٤٢ وقوله عز وجل : ﴿ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا ﴾ إلى آخر ما ذكر. قال ابن عباس :كل نفس لها سبب تجري فيه ؛ فالتي قضى عليها الموت [ في منامها يمسكها، فينقطع السبب، ويرسل التي لم يقض الموت عليها، فتجري في السبب حتى ]١ تجري في الجسد كله. لكن لم يُفهم مما ذكر ابن عباس تأويل الآية.
وعن سعيد بن جُبير [ أنه ]٢ قال :يُجمع بين أرواح الأحياء وبين أرواح الأموات، فيتعارف مها ما شاء الله أن يتعارف، فيُمسك التي قضى عليها الموت، ويرسل الأخرى إلى أجسادها. وبهذا أيضا لم يفهم شيء من تأويل الآية.
وقال الكلبيّ :النائم متوفّى حين يرد الله إليه [ نفسه ]٣ فأما التي يتوفّاها حين موتها فإنه يقبض الروح والنفس جميعا، ويرسل التي يتوفّاها في منامها حتى تبلغ أجلها المسمّى، وهو الموت، ويقال :إنما يقبض الله من النائم النفس، والروح في الجسد لم تفارقه. فإذا قبض الله الروح ذهبت النفس مع الروح. وهذا الذي ذكر الكلبيّ أقرب إلى تأويل الآية من الذي ذكر أولئك.
وأصله أن الله عز وجل جعل في الأجساد أنفُسًا وأرواحا ؛ تحيى الأجساد في حال نومها على الهيئة التي كانت من قبل، ليس بها أثر الموت، لكنها لا تدرك شيئا، ولا تسمع، ولا تُبصر، ولا تعقل شيئا، وبها آثار الحياة. يدلّنا هذا على أنها في حال النوم قد ذهب منها، وخرج ما به تُدرك الأشياء، وبقي منها [ ما به ]٤ تحيى، وهو الروح. فإذا خرج الروح منها، وإن كانت لا تدرك شيئا على الهيئة التي كانت من قبل، دلّ ذلك على أن الذي به تُدرك الأشياء غير الذي به يُحيَى، والله أعلم.
ألا ترى أن تلك الأنفس الدّرّاكة تبقى في حال النوم، حيث كانت، تتألّم، وتتلذّذ، وتقضي الشهوات، وهي في أقصى الدنيا ؟ هذا يدل على ما ذكرنا، والله أعلم.
ثم على هذا جائز أن يكون ما ذكر من عذاب القبر أنه إنما يكون على تلك الأنفس الدّرّاكة لا على الروح على ما ذكرنا من تألُّمها بعد خروجها من الأجساد ومفارقتها عنها، والله أعلم.
ثم أضاف في هذه الآية التوفّي إلى الله، وفي آية أخرى أضافه إلى الرسل حين٥ قال الله عز وجل : ﴿ توفّتهُ رُسلنا ﴾ الآية [ الأنعام :٦١ ] وأضافه مرة إلى ملك الموت حين قال عز وجل : ﴿ قل يتوفّاكم ملك الموت الذي وُكّل بكم ﴾ [ السجدة :١١ ].
ثم يحتمل إضافة التّوفّي [ إلى ]٦ الرسل وإلى ملك الموت وجهين :
أحدهما :وإن كانت حقيقة التّوفّي والموت بالله لما يخلق فعل قبضهم الروح منها، ويشبه ذلك منهم، وهو كما ذكر من البشرى لهم وطمأنينة القلوب عند بعثه إليهم الملائكة بالإعانة لهم والنصر حين٧ قال عز وجل : ﴿ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [ آل عمران :١٢٦ ] أخبر أنه جعل لهم بعث الملائكة بشارة النصر، وأن حقيقة النصر ليست إلا من عند الله.
فعلى ذلك ما ذكر من إضافة التوفّي إلى الرسل لما يخلق فعل قبضهم الروح، وكانت حقيقة ذلك لله عز وجل، والله أعلم.
والثاني٨ :البشارة أن تكون من الله لطف في ذلك ومعنى، لا يكون ذلك منهم. لكنه لم يبيّن ما ذلك اللطف ؟ وما ذلك المعنى يكون منه، والله أعلم بذلك.
ثم قوله : ﴿ الله يتوفّى الأنفس حين موتها ﴾ أي حين خلق موتها بقبض الروح منها.
وقوله تعالى : ﴿ والتي لم تمت في منامها ﴾ لم تُقبض منها الروح، يرسل إليها النفس الدّرّاكة إلى الأجل الذي جُعل لها، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ الله يتوفّى الأنفس ﴾ جائز /٤٧٠- ب/ أن يكون من القبض أي لقبض الأنفس. وجائز أن يكون من العدّ كقوله : ﴿ إنما نعُدّ لهم عدًّا ﴾ [ مريم :٨٤ ].
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ﴾ يحتمل قوله : ﴿ لآيات ﴾ العِبر أو الأعلام أو الحُجج.
وقوله تعالى : ﴿ لقوم يتفكّرون ﴾ ويعلمون أن من قدر على استخراج تلك الأنفس الدّرّاكة من الأجساد وإبقائها على الهيئة التي كانت إلى الوقت، لا تدرك شيئا، ثم ردّها إليها وإعادتها إلى ما كانت، قادر بذاته، لا يعجزه شيء، أو من قدر على إنشاء النفس الدرّاكة في الأجساد [ حتى تدرك بها، لا يحتمل أن يعجز عن [ إعادتها إلى ]٩ الأجساد ]١٠ بعد ما بليت، وفنيت.
وذاك اللطف من هذا أكبر، لأن الناس قد يتكلّفون تصوير صور الأنفس ظاهرة، ولا أحد يتكلّف تصوير نفس درّاكة من غيرها والله أعلم.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: فتجري..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ في الأصل وم: حيث..
٨ في الأصل وم: و..
٩ في م: إعادة..
١٠ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٤٣ وقوله تعالى : ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ﴾ على ما ذكرنا في ما تقدم في غير موضع أن حرف الاستفهام والشك إذا أضيف إلى الله عز وجل فهو على الإيجاب والإلزام.
ثم قال بعض أهل التأويل :إن قوله عز وجل : ﴿ أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ ﴾ هم الملائكة الذين عبدوهم١.
لكنه بعيد، لأنه قال [ في إثر ذلك ]٢ : ﴿ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلَا يَعْقِلُونَ ﴾ والملائكة أهل العقل والعلم، وإنهم يملكون ذلك [ إذ جعله لهم، وملكوه ]٣. لكن الآية في الأصنام التي كانوا يعبدونها من دون الله على رجاء أن تشفع لهم، وتقرّب عبادتهم إياها إلى الله زلفى فهي٤ أشبه بالأصنام التي كانوا يعبدونها من الملائكة، والله أعلم.
ثم قوله : ﴿ أم اتخذوا من دون الله شفعاء ﴾ يخرّج على وجهين :
أحدهما :بل اتخذوا بعبادة من عبدوا من دون الله شفعاء لأنفسهم، ولا يكونون شفعاء لهم، ولا يملكون ذلك، ولا يعقلون.
والثاني :بل اتخذوا لأنفسهم من دون الله شفعاء، ولا يملك أحد جعل الشفاعة لأحد دون الله إلا من جعل الله له الشفاعة. ولا يجعل الله لأحد الشفاعة إلا من كان له عند الله عهد أو من ارتضى له الشفاعة [ كقوله ]٥ : ﴿ لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا ﴾ [ مريم :٨٧ ] وقوله : ﴿ ولا يشفعون إلا لمن ارتضى ﴾ [ الأنبياء :٢٨ ] يدل على هذا قوله حين٦ قال : ﴿ قل أوَلو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون ﴾.
١ في الأصل وم: عبدوها..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: إذا جعل لهم وملكوا..
٤ في الأصل وم: فهو..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: حيث..
الآية ٤٤ [ وقوله تعالى ]١ : ﴿ قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ هو ما ذكرنا :هو المالك الشفاعة جميعا، لا يملكها٢ أحد سواه إلا من جعل الله له الشفاعة، وارتضاها٣ له.
فأما أن يملك أحد سواه اتخاذ الشفاعة لنفسه أو جعل الشفاعة لأحد٤ فلا، والله الموفّق.
وقوله تعالى : ﴿ ثم إليه تُرجعون ﴾ في البعث أو ترجعون في ما أعدّ الله لهم، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: يملك..
٣ في الأصل وم: وارتضى..
٤ في الأصل وم: لنفسه..
الآية ٤٥ وقوله تعالى : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ قال بعض أهل التأويل :إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم توحيد الله في القرآن ﴿ اشمأزّت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة ﴾ أي نفرت كقوله عز وجل في بني إسرائيل ﴿ وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولّوا على أدبارهم نفورا ﴾ [ الإسراء :٤٦ ] وإذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم الذين عبدوا من دونه الآلهة كقوله في سورة النجم حين١ قال : ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى ﴾ ﴿ وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾ [ النجم :١٩ و٢٠ ] ﴿ ألقى الشيطان في أمنيّته ﴾ [ الحج :٥٢ ] في فمه :تلك الغرانيق العُلا، [ وإن شفاعتها ]٢ لتُرجى. ففرح الكفار حين سمعوا أن لها شفاعة. إلى هذا يذهب مقاتل وغيره.
لكنه ليس كذا، وغير هذا كأنه أولى به وأقرب ؛ وهو أن قوله عز وجل : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ ﴾ أي إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم توحيد الله وألوهيته، أو ذكر أهل التوحيد، ونفوا٣ الألوهية ممن عبدوا دونه ﴿ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ ﴾ أي نفرت، وأنكرت كقولهم : ﴿ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عُجاب ﴾ [ ص :٥ ].
وقوله تعالى : ﴿ وإذا ذكر الذين من دونه ﴾ وإذا ذكر أهل الكفر الذين عبدوا من دونه عبادتهم إياها وخلوتهم بها ﴿ إذا هم يستبشرون ﴾ ويفرحون، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ اشمأزّت ﴾ قال بعضهم :أبغضت، ونفرت.
وقال القتبي وأبو عوسجة ﴿ اشمأزّت ﴾ أنكرت، وذُعرت. ويقال في الكلام :مالي أراك مشمئزا ؟ أي مذعورا، ويقال :اشمأزن المكان، أي بعُد.
وقال بعضهم : ﴿ اشمأزّت ﴾ استكبرت، وكفرت، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: منها الشفاعة..
٣ في الأصل وم: وهذا..
الآية ٤٦ وقوله تعالى : ﴿ قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ يحتمل :مُبدئ، ويحتمل :مبدع أو خالق السماوات والأرض، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ يحتمل قوله : ﴿ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ ما أشهد الخلق بعضهم على بعض، هو عالم ذلك كله. والغيب ما غاب عن الخلق كلهم، والشهادة ما شهده الخلق.
[ ويحتمل ]١ أن يكون قوله ﴿ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ﴾ أي عالم ما يكون أنه يكون، والشهادة ما قد كان يعلم ذلك كله، يعلم ما يكون أنه يكون، وما كان يعلمه كائنا، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ﴾ في هذه الدنيا، فهو يخرّج على وجوه :
أحدها :ما جعل الله من الكتب والرسل، وبيّن لهم ما فيها مالهم وما عليهم.
ثم إن كان في الآخرة فجائز ألا يكون يحكم بيننا في ما وسّع علينا الحكم في الأمر في الدنيا، وترتفع المحنة به في الآخرة من نحو الأحكام التي سبيل معرفتها الاجتهاد. ولا يحكم بذلك بيننا بشيء من ذلك.
وإذا كان غير موسّع علينا في الدنيا ترك ذلك، وهو مما لا ترتفع المحنة به في الدارين جميعا من نحو التوحيد والدين، فذلك يحكم بيننا في الآخرة، والله أعلم.
١ في الأصل وم: أو..
الآية ٤٧ وقوله تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ كأنه، والله أعلم، يذكر لرسوله صلى الله عليه وسلم ليصبّره على أذاهم إياه، وألا١ يُشفق عليهم بما ينزل بهم في الآخرة لأنه أخبر عن عظيم ما ينزل بهم من العذاب.
وكذلك ما ذكر من قوله : ﴿ وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ﴾ [ الزمر :٤٥ ] يخبر عن سوء معاملتهم ربهم على علم منه أنهم يؤذون رسوله صلى الله عليه وسلم وأن ذلك يشتدّ عليه، ويشُقّ، لينظر أنهم كيف عاملوا ربهم من سوء المعاملة ليصبّره٢ على سوء معاملتهم إياه، ويترك٣ الرحمة والشفقة عليهم بما ينزل بهم في الآخرة من سوء العذاب، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ قال بعض أهل التأويل :بدا لهم من الله من شهادة الجوارح عليهم والنطق ما لم يكونوا يحتسبون ذلك.
ولكن غير هذا كأنه أقرب ؛ بدا لهم من الهوان والعذاب لهم في الآخرة ﴿ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ ﴾ وهو يخرّج على وجهين :
أحدهما :أنهم كانوا يقولون :حين٤ فضّلنا الله في هذه الدنيا بفضول الأموال /٤٧١ – أ/ والكرامة، فعلى٥ ذلك نكون في الآخرة مفضَّلين عليهم كما كنا في الدنيا. ولذلك قالوا : ﴿ واتبعك الأرذلون ﴾ [ الشعراء :١١١ ] وقالوا٦ : ﴿ وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ ﴾ [ هود :٢٧ ] ونحوه. فبدا لهم، وظهر في الآخرة ما لم يكونوا يحتسبون ما ذكرنا من الهوان لهم والعذاب.
والثاني :كانوا ينكرون رسالة نبينا صلى الله عليه وسلم ويقولون : ﴿ لولا نزّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم ﴾ [ الزخرف :٣١ ] وقالوا : ﴿ أأُنزل عليه الذكر من بيننا ﴾ الآية [ ص :٨ ] ونحو ذلك من الكلام كقولهم أيضا : ﴿ لو كان خيرا ما سبقونا إليه ﴾ [ الأحقاف :١١ ] لا يرون الرسالة توضع إلا في العظيم من أمر الدنيا، فأخبر أنه يبدي لهم ما [ لم ]٧ يكونوا يحتسبون لما ذكرنا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وأن..
٢ من م، في الأصل وم: ليصبرهم..
٣ في الأصل وم: ولا يترك..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: فعل..
٦ في الأصل وم: و..
٧ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٤٨ وقوله تعالى : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ﴾ يحتمل قوله : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ ﴾ [ يحتمل وجهين :
أحدهما ]١ : ﴿ وبدا لهم ﴾ أي ظهر لهم جميع ما صنعوا في الدنيا في الآخرة حتى حفظوها، وذكروا ذلك كله.
والثاني : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ ﴾ ما حسبوا حسنات سيئات، والله أعلم.
[ ويحتمل ]٢ أن يكون ذلك في الجزاء، أي بدا لهم، وظهر، جزاء ما كسبوا. يدل على ذلك قوله : ﴿ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ ﴾ والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: أو..
الآية ٤٩ وقوله تعالى : ﴿ فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا ﴾ لا يحتمل أن يكون أراد كل إنسان [ لأنه لا كل إنسان يكون كما ]١ وصف عز وجل [ ولكن أريد به ]٢ إنسان دون إنسان، ولا يجب أن يشار إلى واحد أنه فلان.
وكذلك ما ذكر من مس الضر به، لا يشار ضُرّ [ دون ضر ]٣ ولكن ما أعلم الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أنه ماذا ؟ لأن ذلك يخرّج مخرج الشهادة على الله عز وجل والامتناع عن٤ الإشارة إليه والتسمية له أسلم.
ثم كانت عادة أولئك الكفرة، لعنهم الله، عند نزول البلاء بهم والشدة الفزع إلى الله عز وجل وإخلاص الدعاء له. فبعد الكشف عنهم ذلك والرفع العَوْد إلى ما كانوا من قبل على ما ذكرهم في غير آية٥ من القرآن.
ثم قوله عز وجل ﴿ إذا خوّلناه نعمة منا ﴾ أي أعطيناه نعمة، أو ملّكناه نعمة.
وقوله عز وجل : ﴿ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ ﴾ [ قال بعضهم :أي ]٦ على حيلة مني أعطيت ذلك. وقال بعضهم : [ إنما أوتيته على } شرف ومنزلة علمه الله مني. وقال قتادة :على خير علِمه الله عندي. وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه :إنما أتانيه الله على علم. وقال بعضهم ما ذكرنا ﴿ إنما أوتيته على علم ﴾ وشرف أعطيت ذلك.
قال الله عز وجل ردًّا بقوله : ﴿ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ ﴾ والفتنة المحنة التي فيها شدة، أي بل هي محنة، فيها شدة وبلاء. والمحنة من الله بأمر وبنهي، أي فيها أمر ونهي ﴿ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ أنها لم تعط لفضل وشرف له أو حيلة منه، ولكن٧ لأمر ونهي، والله أعلم.
١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: ما..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: ولكنه..
٣ من م، ساقطة من الأصل وم..
٤ من م، في الأصل: على..
٥ في الأصل وم: آي..
٦ في الأصل وم: أي..
٧ في الأصل وم: ولكنه..
الآية ٥٠ وقوله تعالى : ﴿ قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ﴾ هي١ ما قال هذا الرجل حين٢ قال : ﴿ إنما أوتيته على علم ﴾ كان من قارون حين ﴿ قال إنما أوتيته على علم عندي ﴾ [ القصص :٧٨ ].
ولم تزل العادة من الكفرة والرؤساء منهم وأهل الثروة [ أن يقولوا مثل ]٣ هذا الكلام والقول، وهو ما أخبر عن قوم حين قالوا : ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ﴾ [ الأعراف :١٣١ ] وما قال أهل مكة : ﴿ وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذَّبين ﴾ [ سبإ :٣٥ ] وغير ذلك من أمثال هذا، لم يزالوا قائلين٤ هذا.
ثم أخبر أن ذلك لم يُغنهم حين٥ قال : ﴿ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما :ما قالوا : [ إنما أوتيناه لكرامة وفضل لنا عند الله.
والثاني :ما قالوا : ]٦ إنما أوتينا٧ هذا بحِيل من عندنا واكتساب.
أخبر أن ذلك لم يُغنهم عن دفع عذاب الله عز وجل [ إذا نزل بهم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: غير..
٢ في الأصل وم: حيث..
٣ في الأصل وم: قائلون بمثل..
٤ في الأصل وم: قائلون..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ ساقطة من م..
٧ في الأصل وم: أوتيناه..
الآية ٥١ وقوله عز وجل ]١ : ﴿ فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا ﴾ يتوعد أهل مكة، ويخوّفهم أنه ينزل بهم، ويصيبهم بكسبهم الذي يكسبون كما نزل بأولئك الأوائل بمثل كسبهم وصنيعهم.
وقوله تعالى : ﴿ وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ ﴾ أي ما هم بمعجزين عما [ يريد بهم ]٢ من الانتقام منهم والتعذيب، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ من م، في الأصل يزيدهم..
الآية ٥٢ وقوله عز وجل : ﴿ أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ﴾ لا لكرامة وفضل عند الله ولا لحق قبله، ويضيّق على من يشاء، لا لهوان له عنده ولا لجناية، ولكن امتحانا لهم بمختلف الأحوال ؛ يمتحن هذا بالسّعة ليستأدي منه الشكر، ويُضيّق على هذا، يطلب منه الصبر على ذلك، أو يمتحن بعضهم بالسّعة وبعضهم بالشّدة والضيق ليعلموا أن ذلك كله في يد غيرهم لا في أيديهم ؛ إذ يمتحنهم [ بمختلف ]١ الأحوال ليكونوا أبدا فزعين إلى الله في كل وقت وكل ساعة.
ولو كانت السعة والنعمة لكرامة عند الله وفضل على ما ظن أولئك لكان لا يحتمل ذلك بمختلف٢ المذهب الذي يناقض بعضه بعضا، ويضادّ بعضه بعضا، نحو المسلم والكافر، وقد وسّع على المسلم، ووسّع على الكافر، وقد ضيّق عليهم جميعا، يدل أن التوسيع [ ليس ]٣ للكرامة والمنزلة عند الله أو لحق عليه، ولا التضييق والتقتير لهوان ؛ إذ لو كان لذلك لكان لا يجمع بين متضادّي المذهب ومتناسبيهما٤ فإذا جمع دل أنه [ جمع ]٥ لمعنى الامتحان لا لما ظن أولئك، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ ﴾ في ما ذكر من التوسيع والبسط والتضييق والتقتير ﴿ لَآَيَاتٍ ﴾ أي لعبرة وعظة ﴿ لِقَوْمٍ يتفكرون ﴾ يؤمنون أنه لم يوسّع لكرامته عند الله ومنزلته وفضله، ولا ضيّق على من ضيّق لهوان له عنده ولا جناية، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ في الأصل وم: مختلفى..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: ومختلفهما..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٥٣ وقوله تعالى : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ قال بعض أهل التأويل :إن الآية نزلت في شأن الوحشيّ [ الذيٍ ]١ قتل حمزة بن عبد المطلب في الجاهلية ؛ إنه أراد أن يُسلِم٢، فذكر ما كان منه من [ قتله حمزة ]٣ رضي الله عنه فظن أنه لا يقبل منه لعظم جنايته، فنزلت الآية على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُنبئه، ويخبره٤ أنه لا يقبل منه بعد ذلك، والله أعلم.
وقال بعضهم :لا، ولكن ناسا قد أصابوا ذنوبا عظاما في الجاهلية من نحو القتل والزنى وكبائر، فأشفقوا ألا يثاب عليهم، فأنزل الله هذه الآية يدعوهم إلى التوبة والإسلام، وأطمع لهم القبول منهم والتجاوز عما كان منهم، وهو كأنه أشبه وأولى، لأن الوحشيّ من كان حتى يُنزل الله الآية بشأنه خاصة ؟
ثم قوله عز وجل : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [ يحتمل وجهين :
أحدهما :كأنه يقول يا عبادي، الذين جنوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله ]٥ فإن قنوطكم من رحمة الله وإياسكم منه [ أنه ]٦ لا يغفر، ولا يتجاوز، وذلك أعظم وأقطع إذا رجع أحدهما إلى نفسه والآخر إلى رحمة الله وفضله.
والثاني :يقول :إنكم، وإن أسرفتم في ما ارتكبتم من الكبائر والفواحش، وأعرضتم عن أمر الله، فلا تقنطوا من رحمة الله بعد إذ تبتم عما كنتم فيه، ورجعتم عما كان منكم في الوقت الذي [ كانت أنفسكم في أيديكم يُقبل ذلك منكم، ويُتجاوز. فأما في الوقت الذي ]٧ خرجت أنفسكم من أيديكم، فلا يُقبل ذلك منكم، وهو وقت نزول العذاب [ بكم وإشرافه عليكم ]٨ لأن التوبة في ذلك الوقت توبة اضطرار وتوبة دفع العذاب عن أنفسكم كقوله عز وجل ﴿ فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده ﴾ [ غافر :٨٤ ] والله أعلم.
ثم أخبر أنه لا ينفعهم الإيمان في ذلك الوقت الذي خرجت أنفسهم من أيديهم حين٩ قال عز وجل : ﴿ فلم يكُ ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ﴾ [ غافر :٨٥ ] والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ لمن يشاء ﴿ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾.
وذكر عن علي بن أبي طالب، كرّم الله وجهه، أنه قال :أرجى آية في القرآن هذه الآية، وذكر أن سورة الزمر كلها نزلت بمكة إلا هذه الآية فإنها /٤٧١ – ب/ نزلت بالمدينة، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ أدرج بعدها في الأصل وم: الوحشي..
٣ في الأصل: قتل، في م: قتله..
٤ في الأصل وم: وأخبر..
٥ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٦ ساقطة من الأصل وم..
٧ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: بهم وإشرافه عليهم..
٩ في الأصل وم: حيث..
الآية ٥٤ وقوله تعالى : ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾ الآية كأنها صلة ما تقدم من قوله : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ بعد إذ أقبلتم إلى قبول ما دعيتم إليه، ورجعتم عما كان منكم.
ثم قوله عز وجل ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ ﴾ قال بعضهم :أنيبوا بقلوبكم إلى طاعة ربكم، وأخلصوا له تلك الطاعة، ولا تشركوا فيها غيره. وقيل : ﴿ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ ﴾ أي ارجعوا إلى ما أمركم ربكم { أَسْلِمُوا
لَهُ } أي أخلصوا له التوحيد، أو١ يقول :اجعلوا كل شيء منكم له.
وأًصل الإنابة، هو الرجوع إلى طاعة الله والنزوع عما كان عليه الإراءة ؛ يقول عز وجل ﴿ منيبين إليه واتقوه ﴾ الآية [ الروم :٣١ ].
وقوله تعالى : ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ ﴾ يقول، والله أعلم، على الصلة بالأول أن أنيبوا له، وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب، فلا تقبل منكم الإنابة والتوبة إذا أقبل عليكم العذاب.
[ وقوله تعالى ]٢ : [ ﴿ ثم لا تنصرون ﴾ هذا يحتمل وجهين :
أحدهما : ﴿ ثم لا تنصرون ﴾ بإنابتكم إلى الله عز وجل في ذلك الوقت الذي أقبل عليكم العذاب ]٣ على ما ذكرنا أي لا تجابون في٤ ذلك الوقت.
والثاني : ﴿ ثم لا تنصرون ﴾ بعبادة من عبدتموه من الأصنام والأوثان على رجاء أن يشفع لكم، ويرفع عنكم العذاب، أي أنيبوا إلى عبادة الله الحق قبل نزول العذاب بكم، فإنكم إن كنتم على عبادة من تعبدون دونه لا تنصرون، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وأن..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من م، ساقطة من الأصل..
٤ في الأصل وم: من..
الآية ٥٥ وقوله تعالى : ﴿ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ يحتمل وجوها :
أحدها :كأنه يقول :اتبعوا ما أمركم ربكم، وانتهوا عما نهاكم ربكم عنه.
والثاني :اتبعوا ما في القرآن، وأحلّوا حلاله، وحرّموا حرامه، واجتنبوه، يقول :اعملوا بها، وبادروا في العمل به ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً ﴾.
والثالث :أن الله عز وجل قد بيّن السبيلين جميعا الخير والشر على الإبلاغ، فيقول :اتبعوا سبيل الخير منه، ولا تتّبعوا سبيل الشر. فيكون تأويل هذا كأنه يقول :اتبعوا الحسن منه، ولا تتّبعوا غيره ونحو ذلك، وقد ذكرناه في ما تقدم، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ ﴾ كأنه موصول بالأول ؛ يقول :ولا تؤخّروا الإنابة إليه والتوبة فإن العذاب لعله سينزل لكم في وقت لا تشعرون أنتم به، ولا تقدرون أن ترجعوا إليه، وتنيبوا، والله أعلم.
الآيات ٥٦ و٥٧ و٥٨ :وقوله تعالى : ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [ وقوله تعالى ]١ : ﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [ وقوله تعالى ]٢ : ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ كان كل ذلك صلة ما تقدم من قوله : ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ ﴿ واتّبِعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم من قبل ﴾ أن يقول ما ذكر في وقت لا ينفعه ذلك القول، ولا يغنيه من عذاب الله، ولا يدفعه.
ثم قوله : ﴿ على ما فرّطت في جنب الله ﴾ قال بعضهم :في ذات الله، وقال بعضهم :ما فرّطت، وضيّعت من أمر الله، وأمثال ذلك.
ولسنا نحتاج إلى تفسير قول ذلك الرجل الذي كان منه حتى قال ذلك، وهو تضييع توحيد الله أو تضييع حدّ الله، أو كان منه من تكذيب البعث ؛ يتأسف على ما كان منه من تضييع ما ذكرنا من توحيد الله وحدوده أو كفران نعمه أو إنكاره ما ذكرنا من البعث، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ قال بعضهم : ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ من القرآن. وقال بعضهم :من أهل توحيد الله.
قال قتادة :لم يكتف أن ضيّع طاعة الله حتى جعل يسخر من أهل طاعته، وقال :هذا قول ضعيف منهم.
وقوله عز وجل : ﴿ أو تقول حين ترى العذاب ﴾ إلى آخره قول ضعيف منهم. جائز ما قال :إن كل قول من ذلك قول ضعيف على ما قال قتادة. وجائز أن يكون كل ذلك من كل كافر، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ ذلك الكافر الذي قال هذا القول أعرف بهداية الله من المعتزلة. وكذلك ما قال أولئك الكفرة لأتباعهم حين٣ ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ [ إبراهيم :٢١ ] يقولون :لو وفّقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه. ولكن حين٤ علم منا اختيار الضلال والغواية وترك الرغبة إلى الهدى والاستخفاف به أضلّنا، وخذلنا، ولم يوفّقنا.
والمعتزلة يقولون :بل هداهم الله، وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا.
فإن قيل :هذا قول أهل الكفر، فلا دلالة فيه لما يذكرون، قيل :وإن كان ذلك قول الكفرة، فذلك القول منهم عند معاينة العذاب. فلو كان على خلاف ما ذكروا لكان الله يكذّبهم في ذلك كما كذّبهم في أشياء حين٥ قالوا : ﴿ فارجعنا نعمل صالحا ﴾ [ السجدة :١٢ ] فقال الله عز وجل : ﴿ ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه ﴾ [ الأنعام :٢٨ ] ونحوه، والله أعلم.
والأصل في الهداية أن عند الله لطفا٦، من أعطى ذلك لاهتدى، وهو التوفيق والعصمة، ومن حرم ذلك، ولم يعطِه ضلّ، وغوى، ويكون استوجب٧ العذاب وما ذكر لتركه الرغبة في ذلك والاستخفاف به وتضييعه واشتغاله بضده. لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ لكنت من المتقين ﴾ الشرك أو المهالك، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرّة ﴾ أي رجوعا ﴿ فأكون من المحسنين ﴾ قيل :من الموحّدين، ويحتمل كل إحسان وطاعة، والله أعلم.
وقد كذّبه الله عز وجل في قوله هذا حين٨ قال ﴿ ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ [ الأنعام :٢٨ ] ثم [ كذّبه في قوله ]٩ ﴿ لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ وفي قوله١٠ : ﴿ لو أن لي كرّة فأكون من المحسنين ﴾ [ حين١١.
١ في الأصل وم: وقيل..
٢ في الأصل وم: وقيل..
٣ أدرج بعدها في الأصل وم: وقيل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: لطف..
٧ في الأصل وم: استجاب..
٨ في الأصل وم: حيث..
٩ في الأصل وم: كذبهم في قولهم..
١٠ في الأصل وم: قولهم..
١١ في الأصل وم: حيث..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٦: الآيات ٥٦ و٥٧ و٥٨ :وقوله تعالى : ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [ وقوله تعالى ]١ : ﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [ وقوله تعالى ]٢ : ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ كان كل ذلك صلة ما تقدم من قوله : ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ ﴿ واتّبِعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم من قبل ﴾ أن يقول ما ذكر في وقت لا ينفعه ذلك القول، ولا يغنيه من عذاب الله، ولا يدفعه.
ثم قوله : ﴿ على ما فرّطت في جنب الله ﴾ قال بعضهم :في ذات الله، وقال بعضهم :ما فرّطت، وضيّعت من أمر الله، وأمثال ذلك.
ولسنا نحتاج إلى تفسير قول ذلك الرجل الذي كان منه حتى قال ذلك، وهو تضييع توحيد الله أو تضييع حدّ الله، أو كان منه من تكذيب البعث ؛ يتأسف على ما كان منه من تضييع ما ذكرنا من توحيد الله وحدوده أو كفران نعمه أو إنكاره ما ذكرنا من البعث، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ قال بعضهم : ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ من القرآن. وقال بعضهم :من أهل توحيد الله.
قال قتادة :لم يكتف أن ضيّع طاعة الله حتى جعل يسخر من أهل طاعته، وقال :هذا قول ضعيف منهم.
وقوله عز وجل : ﴿ أو تقول حين ترى العذاب ﴾ إلى آخره قول ضعيف منهم. جائز ما قال :إن كل قول من ذلك قول ضعيف على ما قال قتادة. وجائز أن يكون كل ذلك من كل كافر، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ ذلك الكافر الذي قال هذا القول أعرف بهداية الله من المعتزلة. وكذلك ما قال أولئك الكفرة لأتباعهم حين٣ ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ [ إبراهيم :٢١ ] يقولون :لو وفّقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه. ولكن حين٤ علم منا اختيار الضلال والغواية وترك الرغبة إلى الهدى والاستخفاف به أضلّنا، وخذلنا، ولم يوفّقنا.
والمعتزلة يقولون :بل هداهم الله، وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا.
فإن قيل :هذا قول أهل الكفر، فلا دلالة فيه لما يذكرون، قيل :وإن كان ذلك قول الكفرة، فذلك القول منهم عند معاينة العذاب. فلو كان على خلاف ما ذكروا لكان الله يكذّبهم في ذلك كما كذّبهم في أشياء حين٥ قالوا : ﴿ فارجعنا نعمل صالحا ﴾ [ السجدة :١٢ ] فقال الله عز وجل : ﴿ ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه ﴾ [ الأنعام :٢٨ ] ونحوه، والله أعلم.
والأصل في الهداية أن عند الله لطفا٦، من أعطى ذلك لاهتدى، وهو التوفيق والعصمة، ومن حرم ذلك، ولم يعطِه ضلّ، وغوى، ويكون استوجب٧ العذاب وما ذكر لتركه الرغبة في ذلك والاستخفاف به وتضييعه واشتغاله بضده. لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ لكنت من المتقين ﴾ الشرك أو المهالك، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرّة ﴾ أي رجوعا ﴿ فأكون من المحسنين ﴾ قيل :من الموحّدين، ويحتمل كل إحسان وطاعة، والله أعلم.
وقد كذّبه الله عز وجل في قوله هذا حين٨ قال ﴿ ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ [ الأنعام :٢٨ ] ثم [ كذّبه في قوله ]٩ ﴿ لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ وفي قوله١٠ : ﴿ لو أن لي كرّة فأكون من المحسنين ﴾ [ حين١١.
١ في الأصل وم: وقيل..
٢ في الأصل وم: وقيل..
٣ أدرج بعدها في الأصل وم: وقيل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: لطف..
٧ في الأصل وم: استجاب..
٨ في الأصل وم: حيث..
٩ في الأصل وم: كذبهم في قولهم..
١٠ في الأصل وم: قولهم..
١١ في الأصل وم: حيث..

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٥٦: الآيات ٥٦ و٥٧ و٥٨ :وقوله تعالى : ﴿ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ ﴾ [ وقوله تعالى ]١ : ﴿ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [ وقوله تعالى ]٢ : ﴿ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ كان كل ذلك صلة ما تقدم من قوله : ﴿ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له ﴾ ﴿ واتّبِعوا أحسن ما أُنزل إليكم من ربكم من قبل ﴾ أن يقول ما ذكر في وقت لا ينفعه ذلك القول، ولا يغنيه من عذاب الله، ولا يدفعه.
ثم قوله : ﴿ على ما فرّطت في جنب الله ﴾ قال بعضهم :في ذات الله، وقال بعضهم :ما فرّطت، وضيّعت من أمر الله، وأمثال ذلك.
ولسنا نحتاج إلى تفسير قول ذلك الرجل الذي كان منه حتى قال ذلك، وهو تضييع توحيد الله أو تضييع حدّ الله، أو كان منه من تكذيب البعث ؛ يتأسف على ما كان منه من تضييع ما ذكرنا من توحيد الله وحدوده أو كفران نعمه أو إنكاره ما ذكرنا من البعث، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ قال بعضهم : ﴿ وإن كنت لمن الساخرين ﴾ من القرآن. وقال بعضهم :من أهل توحيد الله.
قال قتادة :لم يكتف أن ضيّع طاعة الله حتى جعل يسخر من أهل طاعته، وقال :هذا قول ضعيف منهم.
وقوله عز وجل : ﴿ أو تقول حين ترى العذاب ﴾ إلى آخره قول ضعيف منهم. جائز ما قال :إن كل قول من ذلك قول ضعيف على ما قال قتادة. وجائز أن يكون كل ذلك من كل كافر، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ ذلك الكافر الذي قال هذا القول أعرف بهداية الله من المعتزلة. وكذلك ما قال أولئك الكفرة لأتباعهم حين٣ ﴿ قالوا لو هدانا الله لهديناكم ﴾ [ إبراهيم :٢١ ] يقولون :لو وفّقنا الله للهداية، وأعطانا الهدى لدعوناكم إليه. ولكن حين٤ علم منا اختيار الضلال والغواية وترك الرغبة إلى الهدى والاستخفاف به أضلّنا، وخذلنا، ولم يوفّقنا.
والمعتزلة يقولون :بل هداهم الله، وأعطاهم التوفيق، لكنهم لم يهتدوا.
فإن قيل :هذا قول أهل الكفر، فلا دلالة فيه لما يذكرون، قيل :وإن كان ذلك قول الكفرة، فذلك القول منهم عند معاينة العذاب. فلو كان على خلاف ما ذكروا لكان الله يكذّبهم في ذلك كما كذّبهم في أشياء حين٥ قالوا : ﴿ فارجعنا نعمل صالحا ﴾ [ السجدة :١٢ ] فقال الله عز وجل : ﴿ ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه ﴾ [ الأنعام :٢٨ ] ونحوه، والله أعلم.
والأصل في الهداية أن عند الله لطفا٦، من أعطى ذلك لاهتدى، وهو التوفيق والعصمة، ومن حرم ذلك، ولم يعطِه ضلّ، وغوى، ويكون استوجب٧ العذاب وما ذكر لتركه الرغبة في ذلك والاستخفاف به وتضييعه واشتغاله بضده. لذلك كان ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ لكنت من المتقين ﴾ الشرك أو المهالك، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرّة ﴾ أي رجوعا ﴿ فأكون من المحسنين ﴾ قيل :من الموحّدين، ويحتمل كل إحسان وطاعة، والله أعلم.
وقد كذّبه الله عز وجل في قوله هذا حين٨ قال ﴿ ولو رُدّوا لعادوا لما نهوا عنه ﴾ [ الأنعام :٢٨ ] ثم [ كذّبه في قوله ]٩ ﴿ لو أن الله هداني لكنت من المتقين ﴾ وفي قوله١٠ : ﴿ لو أن لي كرّة فأكون من المحسنين ﴾ [ حين١١.
١ في الأصل وم: وقيل..
٢ في الأصل وم: وقيل..
٣ أدرج بعدها في الأصل وم: وقيل..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: حيث..
٦ في الأصل وم: لطف..
٧ في الأصل وم: استجاب..
٨ في الأصل وم: حيث..
٩ في الأصل وم: كذبهم في قولهم..
١٠ في الأصل وم: قولهم..
١١ في الأصل وم: حيث..

الآية ٥٩ قال عز وجل : ﴿ بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آَيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ ﴾ يقول، والله أعلم، ﴿ بلى قد جاءتك آياتي ﴾ وبيّنت لك الهداية من الغواية وسبيل الحق من الباطل والخير من الشر والكذب من الصدق، ومكّنتك١ من اختيار الهداية على الغواية [ ومكّنت لكم ]٢ اختيار الحق على الباطل والصدق على الكذب، لكن تركتم ذلك، وضيّعتم، واستخففتم به، واشتغلتم بضد ذلك. فإنما جاء ذلك التضييع من قِبلكم لا من قبل الله [ والله ]٣ عز وجل قد أتى بالحجج والآيات والبيان في ذلك غاية ما يجب أن ترى ما لم يكن لأحد عذر في الجهل في ذلك والترك [ له ]٤، والله أعلم.
وأكثر القرآن على التذكير في قوله عز وجل : ﴿ بلى قد جاءتك آياتي ﴾ إلى آخره على إرادة [ الإنسان ]٥ ومخاطبته. وقد يقرأ بالتأنيث على إرادة النفس التي تقدم ذكرها والخبر عنها.
ويروى في ذلك خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أنه قرأ بالتأنيث ﴿ بلى قد جاءتك آياتي ﴾ ) [ أبو داوود ٣٩٩٠ ] والله أعلم.
١ في الأصل وم: ومكنت..
٢ في الأصل وم: ومكن لهم..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٦٠ وقوله تعالى : ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ﴾ كذبهم على الله تعالى يحتمل وجوها :
أحدها :في التوحيد حين١ قالوا بالولد والشركاء.
[ والثاني ]٢ :ما قال عز وجل ﴿ وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ﴾ [ الأعراف :٢٨ } وكان الله تعالى لم يأمرهم بذلك، فكذبوا على الله عز وجل أنه أمرهم بذلك /٣٧٢ – أ/.
[ والثالث ]٣ :ما قالوا : ﴿ هؤلاء شفعاؤنا عند الله ﴾ [ يونس :١٨ ] [ وقالوا ]٤ : ﴿ وما نعبدهم إلا ليقرّبونا إلى الله زُلفى ﴾ [ الزمر :٣ ].
[ والرابع ]٥ :أن يكون كذِبهم على الله هو إنكارهم البعث وقولهم :إن الله لا يقدر على البعث والإحياء بعد الموت، ونحو ذلك، والله أعلم.
والمعتزلة يقولون في قوله عز وجل : ﴿ ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودّة ﴾ هم المُجبِرة، فيجيء أن يكونوا هم أقرب في كونهم في وعيد هذه الآية من المجبرة، لأنهم يقولون :إن الله لا يأمر أحدا بشيء إلا بعد أن أعطى جميع ما يعمل، ويقتضى به، حتى لا يبقى عنده شيء من ذلك.
[ يقول المعتزليّ ذلك، ثم يسأل ]٦ ربه المعونة والعصمة. فهو بالسؤال كاتم لما أعطاه، وهو كفران النعمة، لأنه يسأل ما قد أعطاه ربه، أو يكون هازئا به، لأنه يسأل على قولهم ما ذكرنا من مذهبهم، وكل من يسأل، يعلم أن ليس عنده ذلك، ولا يملك ذلك، فهو يهزأ به، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ على رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتكبّر، هو الذي لا يرى لنفسه نظيرا ولا شكلا. ولذلك يوصف الله عز وجل بالكبرياء، لأنه، لا نظير له، ولا شكل، ولا يجوز لغيره، لأن غيره ذو٧ أشكال وأمثال، ولا قوة إلا بالله.
وفي حرف ابن مسعود وحفصة رضي الله عنهما على ما فرّطت في ذكر الله.
وفي حرف ابن مسعود رضي الله عنه أيضا في قوله :بلى قد جاءته آياتنا من قبل، فكذّب، واستكبر، وكان من الكافرين.
والمثوى المقام [ قال الله تعالى ]٨ : ﴿ وما كنت ثاويا في أهل مدين ﴾ [ القصص :٤٥ ] أي٩ مقيما.
وقوله عز وجل : ﴿ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ ﴾ كأنه يقول عز وجل :لو رأيتهم١٠ يا محمد يوم القيامة لرحمتهم، وأشفقت عليهم [ بما هم فيه ]١١ وما نزل بهم، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: ويحتمل..
٣ في الأصل وم: أو..
٤ في الأصل وم: و..
٥ في الأصل وم: أو..
٦ في الأصل وم: ثم قال ذلك ثم سأل..
٧ في الأصل وم: ذا..
٨ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٩ أدرج قبلها في الأصل وم: من ذلك..
١٠ في الأصل وم: رأيت..
١١ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: بها هزأ به..
الآية ٦١ وقوله تعالى : ﴿ وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ ﴾ و﴿ بمفازتهم ﴾ يخرّج على وجهين :
أحدهما :قوله : ﴿ بمفازتهم ﴾ أي بالأعمال والأسباب التي فازوا بها على أشكالهم.
[ والثاني : ﴿ بمفازتهم ﴾ أي فازوا بها على المهالك ]١.
وقوله تعالى : ﴿ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ قوله عز وجل ﴿ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ﴾ بعد المفازة والنجاة، وإلا قبل ذلك قد يمسُّهم السوء، وهم ٢ يحزنون.
وهو على الجهمية فلقولهم٣ :إن الجنة تفنى، وينقطع أهلها ولذّاتها. فإذا كان ما ذكروا مسّهم السوء والحزن.
وعلى قول أبي الهُذيل أيضا فلأنه٤ يقول :إن أهل الجاهلية يصيرون بحال حتى إذا أراد الله أن يزيد لهم شيئا أو لذة لم يملك ذلك. فإن كان ما ذكر هو مسّهم السوء والحزن أيضا. فالبلاء على قوله :إن السوء والحزن إنما [ هو ]٥ مسّ رب العالمين. فنعود بالله من مقال يعقُب كفرا.
وقوله عز وجل : ﴿ لا يمسُّهم السوء ولا هم يحزنون ﴾ على إبطال قول أولئك، والله أعلم.
١ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: ولا..
٣ الفاء ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل: لا، في م: لأنه..
٥ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٦٢ وقوله تعالى : ﴿ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ ﴾ هذه الآية تنقُض على المعتزلة قولهم في١ وجوه :
أحدها :أن قولهم :إن شيئيّة الأشياء لم تزل كائنة، ويقولون :إنه لم يكن من الله إلا إيجادها. فإذا كان ما ذكروا لم يكن هو خالق شيء به فضلا عن أن يكون خالق كل شيء على ما ذكر، ووصف نفسه بخلق كل شيء، فيكون قولهم في التحقيق والتحصيل قول الدّهرية والثّنوية، لأن الدّهرية يقولون بقدم الطينة والهَيُولَى ونحوه، وينكرون كون الشيء من لا شيء، وكذلك الثّنوية يقولون بقدم النور والظلمة، ثم كون كل جنس من جنسه وكون كل شيء من أصله.
فعلى ذلك قوله المعتزلة، إن المعدوم شيء يرجع في التحقيق إلى ما ذكرنا من أقاويلها.
ثم قوله : ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ يخرّج على ما ذكر [ من ]٢ الربوبية والألوهية والوصف له [ مُخرَج المدح ]٣ لما ذكرنا أن إضافة كلية الأشياء إلى الله عز وجل ﴿ خالق كل شيء ﴾ مخصوصا شيئا دون شيء على ما يقوله المعتزلة لم يخرّج مخرج المدح له والتعظيم. ثم إنه لا شك أنه لو لم يكن خالق أفعال الخلق لم يكن خالقا من عشرة ألف شيء. فدل أنه خالق الأشياء كلها :الأفعال والأجسام والجواهر جميعا.
فإن قيل :إنكم لا تقولون :خالق الأنجاس والأقدار والخنازير، ونحوه، فإنما يرجع قوله عز وجل : ﴿ الله خالق كل شيء ﴾ إلى خصوص. قيل :إنه لا يقال، ولا يوصف بخلق هذه الأشياء على التقييد والتخصيص :يا خالق الأنجاس والأقدار وما ذُكر لأنه يخرّج الوصف له بذلك مخرج التهجين والذّمّ. وكان في الجملة يوصف بذلك، وتدخل الأشياء كلها في ذلك لما ذكرنا أن قوله عز وجل : ﴿ خالق كل شيء ﴾ يخرّج مخرج الامتداح والتعظيم له والوصف بالربوبية له والألوهية.
ألا ترى أنه لا يقال على التخصيص :إنه وكيل، وإن كان في الجملة يقال كما ذكرنا ﴿ وهو على كل شيء وكيل ﴾ ؟ لأنه في الجملة يخرّج مُخرَج الربوبية له والألوهيّة والوصف له بالمدح وعلى التخصيص والإفراد وعلى التهجين والذّم. لذلك افترقا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: على..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: بالمدح..
الآية ٦٣ وقوله تعالى : ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ قيل :هي المفاتيح :وهي فارسيّة، عُرّبت.
وجائز أن يكون قوله عز وجل : ﴿ لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ﴾ له مفاتيح جميع البركات والخيرات على أهل السماوات والأرض.
يخبر أن ذلك كله بيده، ليس بيد أحد سواه، منه يُطلب ذلك، ومنه يستفاد، والله أعلم.
ثم لم يفهم مما أضيف إليه من المقاليد ما يفهم من مقاليد الخلق لو أضيف إليهم. فكيف فُهم مما أضيف إليه من مجيء أو استواء وغير ذلك ما فُهم مما أضيف إلى الخلق ؟ والله الموفّق.
وقوله عز وجل : ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴾ كان الله عز وجل جعل هذه الدنيا وما فيها لأهلها، وبيّن أحوالهم، يتّجرون بها، ويشترون بها الآخرة، ويتزوّدون لها. ولذلك قال عز وجل : ﴿ ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات ﴾ [ البقرة :٢٠٧ ] وقال١ عز وجل : ﴿ الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ﴾ [ النساء :٧٤ ]. فمن يتزوّد، ويجعلها بُلغة إلى الآخرة يُسمَّ خاسرا مغبونا، والله أعلم.
١ في الأصل وم: وقوله..
الآية ٦٤ وقوله تعالى : ﴿ قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ ﴾ دلت هذه الآية على أن سفه أولئك الكفرة قد بلغ غايته، وجاوز حدّه، حتى دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة من دونه بعد ما عرفوا فضيلة الرسالة في البشر وبعث البشر رسولا. فلولا ما وقع عندهم من الفضيلة للرسول والخصوصية له، وإلا لم يُحتمل أن ينكروا وضعها في البشر وبعث البشر رسولا.
ثم قد أتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من البيان والحجج ما قد قرّر١ عندهم آية الرسول إليهم.
فمع ما تقرّر عندهم ذلك دعوه إلى أن يعبد غير الله دونه، فيكون لهم. فهذا منهم تناقض في القول وسفهٌ حين صيّروا المُفضَّل والمخصوص بالرسالة في العبادة من دونه كغير المفضّل والمخصوص بها، والله أعلم، ليُعلَم أنهم لسفههم ونعنّتهم كانوا يدعونه إلى عبادة من [ هو ]٢ دون الله، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ أيها الجاهلون ﴾ سماهم جهلة بما أمروه، ودعوه إلى عبادة غير الله. وكذلك قال موسى عليه السلام /٤٧٢ – ب/ لقومه حين سألوا موسى أن يجعل لهم إلها كما لهم آلهة : ﴿ إنكم قوم تجهلون ﴾ [ الأعراف :١٣٨ ].
ثم يحتمل قوله عز وجل : ﴿ أيها الجاهلون ﴾ وجوها :
أحدها : ﴿ أيها الجاهلون ﴾ في التسوية بين المفضّل والمخصوص [ بالرسالة وبين من لم ]٣ يخص بذلك في عبادة غير الله.
[ والثاني ]٤ : ﴿ أيها الجاهلون ﴾ عن هداية الله وخصوصيته.
[ والثالث ]٥ : ﴿ أيها الجاهلون ﴾ عن جميع نعمه وإحسانه حين٦ لم يذكروه فيها، والله أعلم.
١ في الأصل وم: قدر..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل: وبين، في م: وبين من لم..
٤ في الأصل وم: أو..
٥ في الأصل وم: أو..
٦ في الأصل وم: حيث..
الآية ٦٥ وقوله تعالى : ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ يحتمل هذا وجهين :
أحدهما :كأنه يقول : ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ ﴾ وقيل لكل رسول ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾ ذكر هذا ليُعلم أن الشرك ليُحبِط العمل، وإن أتى به من جل قدره، وعظُمت منزلته عنده.
والثاني : ﴿ وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ ﴾ من كان ﴿ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ ﴾ أنت ﴿ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾.
الآية ٦٦ وقوله تعالى : ﴿ بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ ﴾ يحتمل وجوها :
[ أحدها : ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ لنِعم الله جميعا ]١
[ والثاني ]٢ : ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ للخصوصية التي خُصِصْت بها.
[ والثالث ]٣ : ﴿ وكن من الشاكرين ﴾ للهداية التي هديت، والله أعلم.
وفي حرف ابن مسعود وأبيّ رضي الله عنهما : ﴿ له مقاليد السماوات والأرض ﴾ [ الذي له ملك السماوات والأرض ]٤ قال الكسائيّ :مقاليد فارسية مُعرَّبة، وواحد المقاليد إقليد.
وقال بعضهم في قوله عز وجل : ﴿ أليس الله بكاف عبده ﴾ [ الزمر :٣٦ ] قال :بلى والله ليكفينّه الله، وبعزّه ونصره كاف عبده. وأصله :ما ذكرنا، والله أعلم.
١ من م، ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل: يحتمل، في م: و..
٣ في الأصل وم: أو..
٤ من م، ساقطة من الأصل..
الآية ٦٧ وقوله تعالى : ﴿ وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ﴾ ذكر أهل التأويل أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا له :إن ربك على كذا وكذا، وإن السماوات على كذا منه، والأرض على كذا، ذكروه له، ووصفوه كما يوصف الخَلق، فنزل قوله : ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ قيل :ما عرفوا الله حق معرفته، ولا عظّموه حق عظمته.
ويذكر أهل الكلام أن اليهود مشبِّهة، ولذلك قالوا بالولد حين١ قالوا : ﴿ عُزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ﴾ [ التوبة :٣٠ ] فلو لم يكونوا عرفوه ما يُعرف به الخلق لم يكونوا يقولون له بالولد كما يقولون للخلق من الولد.
فدل ما وصفوا له، وذكروا له أنهم عرفوه بمعنى الخلق. فتعالى الله عما تقوله الملاحدة علوًّا كبيرًا.
ثم قوله عز وجل : ﴿ وما قدروا الله حق قدره ﴾ أي ما عرفوا الله حق معرفته، أو ما عظموه حق عظمته ما يحتمل وُسع الخَلق، وكذلك لم يعرفوه حق معرفته التي يحتملها٢ وسع البشر بينهم.
فأما معرفته [ أو تعظيمه٣ حق عظمته فما٤ وسع الخلق، وهو لم يكلّفهم أن يعرفوه حق معرفته ]٥ أو يعظّموه لأنه لا يحتمل وسع الخلق ذلك. وإنما كلّفهم ما احتمله وسعهم.
فالمشبّهة حين٦ وصفوه كما وصف الخلق ومن معانيهم٧ لم يعرفوه المعرفة التي تحتمل وسع الخلق وبُنيتَهم، ولا عظّموه العظمة التي تحتمل وسع الخلق وبنيتهم.
ثم إن الله، سبحانه، جعل سبب معرفته الاستدلال بآثار الأفعال المحسوسات. فلا تُفهم معرفته، ولا تُقدَّر بمعرفة الخلق وتقديرهم مع ما جعل الله سبحانه وتعالى الخلق على قسمين : [ قسم مما ]٨ يحاط به، وتُدرك حقيقته، وهو المحسوس منه والمُدرك، وقسم٩ مما يعرف بآثار الأفعال والاستدلال بها، وهو غير محسوس من نحو العقل والبصر والسمع والروح وغير ذلك.
فإذا لم يدرك من خلقه، ولم يُحَط به مما سبيل الاستدلال بآثار الأفعال لا بالحسّ، فالذي أنشأ ذلك، وأبدعه، أحق ألا يُدرَك ولا يحاط بمعرفته ما يحاط، ويدرك بالمحسوس ؛ إذ الموصل إلى معرفة الاستدلال بآثار الأفعال بالمحسوس، والله أعلم.
[ وإضافة الأمور في وجهين :
أحدهما : ]١٠ وكذلك ما أضاف إلى نفسه من الأحرف لا يُفهم منه ما لو أضيف ذلك إلى الخلق من نحو الاستواء والمجيء والإتيان ونحو ذلك، ولا يقدّر منه ما يقدّر من الخلق على ما لم يفهم من مجيء الحق وإتيانه ما فُهِم من مجيء الخلق وإتيانهم١١.
فعلى ذلك لا تُفهَم ﴿ قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ﴾ ما يُفهم من ذلك كله من قوله عز وجل : ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ [ النحل :٤٠ ] كل ما ذكر من القبضة والطّيّ واليمين في ذلك ﴿ كن ﴾ كاف ونون أو شيء من ذلك.
لكنه ذكر ﴿ كن ﴾ لأنه أخف كلام على الألسن وأوجز حرف يفهم منه المعنى وتعدّيه في ما بين الخلق، والله أعلم.
وأصله أن الله عز وجل خاطبهم بما تعارفوا في ما بينهم حقيقة، وإن كان ما تعارفوا في ما بينهم منفيا١٢ عن الله تعالى نحو ما ذكر : ﴿ لا تقدّموا بين يدي الله ورسوله ﴾ [ الحجرات :١ ] وقوله عز وجل : ﴿ ذلك ما قدّمت أيديكم ﴾ [ آل عمران :١٨٢ ] وقوله : ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ﴾ [ فصلت :٤٢ ] لما باليد يقدَّم، ويؤخّر، في الشاهد، وإن يكن ما ذكر عمل اليد، وذكر بين يدي ما ذكر، وإن يكن بين يديه، لما في الشاهد كذلك يتقدم.
فعلى ذلك ما أضاف إلى نفسه من أحرف كانت تلك منفية عنه، لما في الشاهد بذلك يكون، والله أعلم.
وأصل ذلك أن قد بُيّنت بالتنزيل على ما ذكر من إضافة تلك الأحرف إلى الله، وثبتت بدليل السمع أن ﴿ ليس كمثله شيء ﴾ [ الشورى :١١ ] وفي١٣ العقل تعاليه عن الأشباه والشركاء لزم القول بوقوع تلك الآيات على ما [ لا ]١٤ تشابه به يقع بينه وبين الخلق في الفعل لا [ في ]١٥ جهة من جهات الخلق ؛ إذ هو متعال عن جميع جهات الخلق في حدّ الإحداث والخلق، فيلزم الإيمان بها على ما نطق به الكتاب والتنزيه١٦ عن التشابه، وتفويض المراد إلى من جاء عنه ذلك مع ما توجد الإضافة إلى الله عز وجل من نحو قوله عز وجل ﴿ تلك حدود الله ﴾ [ البقرة :١٨٧ ] ونحوه لا يحتمل فهم المضاف منه إلى غيره.
فكذلك ما ذكرنا على إمكان وجوه فيها ينفي معنى التشابه من ذلك ما يضمّن فيها معاني نحو قوله عز وجل : ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم ﴾ الآية [ آل عمران :١٦٠ ] [ وقوله ]١٧ : ﴿ وإلى الله المصير ﴾ [ آل عمران :٢٨ ] والمرجع. [ وقوله ]١٨ : ﴿ يرجو لقاء الله ﴾ [ العنكبوت :٥ ] [ وقوله ]١٩ : ﴿ فرُدّوه إلى الله والرسول ﴾ [ النساء :٥٩ ] وغير٢٠ ذلك مما أضيف إلى الله، ولا معنى لتحقيقه في ذلك، فيضمّن في ذلك [ دينه ووعده ووعيده ]٢١ وغير ذلك من الوجوه مما يطول ذكره، ويكثر. فمثله أمر هذه الآيات.
والثاني :أن إضافة الأمور في الشاهد إلى الملوك وذكر التولّي لهم، ليس يخرّج مخرج تحقيق كما هو ما جرى به الذّكر، ولكن على الكناية والعبارة عن غيره، ونحو ما يقال٢٢ :بلدة كذا في يد فلان وقبضته، وأمر كذا في [ يد ]٢٣ فلان ؛ وإنما يراد بذلك قدرته. فعلى ذلك ما ذكر من قبضته ويده ويمينه إنما هو الوصف له بالقوة والسلطان والقدرة على ذلك.
وقوله عز وجل : ﴿ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ يحتمل تنزيه نفسه عما وصفه المشبّهة، وشبّهوه بالخلق أو عما أشرك عبدة الأصنام الله في العبادة وتسميتهم إياها آلهة.
وقوله تعالى : ﴿ والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويّاتٌ بيمينه ﴾ هو على التقديم والتأخير، كأنه يقول :عز وجل :الأرض والسماوات جميعا في قبضته مطويات بيمينه، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ في الأصل وم: يحتمله..
٣ في م: عظموا الله..
٤ الفاء ساقطة من م..
٥ من م، ساقطة من الأصل..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: يعاينوه..
٨ في الأصل وم: قسما منها..
٩ في الأصل وم: وقسما..
١٠ في الأصل وم: وكذلك..
١١ في الأصل وم: ولا إتيانهم..
١٢ في الأصل وم: منفى..
١٣ الواو ساقطة من الأصل وم..
١٤ من م، ساقطة من الأصل..
١٥ ساقطة من الأصل وم..
١٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: واستهى به..
١٧ في الأصل وم: و..
١٨ في الأصل وم: و..
١٩ في الأصل وم: و..
٢٠ في الأصل وم: في غير..
٢١ من نسخة الحرم المكي في الأصل وم: منه ووعد ووعيده..
٢٢ في الأصل وم: قال..
٢٣ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٦٨ وقوله عز وجل : ﴿ ونُفخ في الصور ﴾ اختلف في قوله عز وجل : ﴿ ونفخ في الصور ﴾ أهو على حقيقة النفخ أم لا ؟
قال بعضهم :ليس هنالك نفخ ولا شيء، وإنما ذكر النفخ عبارة /٤٧٣ – أ/ عن خفّة الأمر على الله عز وجل [ كقوله ]١ : ﴿ وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب ﴾ [ النحل :٧٧ ] [ وقوله ]٢ : ﴿ وهو أهون عليه ﴾ [ الروم :٢٧ ].
وقال بعضهم :ليس نفخا إنما هو عبارة عن قدر نفخ أنه يحيى، ويميت على قدر النفخة، لأنها أسرع شيء في الدنيا٣.
وقال بعضهم :هو على حقيقة النفخة من غير أن كانت سببا للإحياء والإماتة، ولكن على جعل النفخة علَما وآية للإحياء والإماتة. امتحن بذلك المَلَك الذي كان موكلا به على ما امتحن مَلك الموت بقبض الأرواح في أوقات جُعلت له.
فعلى ذلك ما ذكر من النفخة، والله أعلم.
ثم اختلف في الصور أيضا. قال بعضهم :هو صُوَرُ الخَلق، فيها يُنفخ، وإلى ذلك [ ذهب ]٤ جميع أهل الكلام. وقال [ بعضهم ]٥ :ليس هو صُوَرَ الخَلق، ولكن إنما هو قرن، لأنه قال : ﴿ الصُّور ﴾، ولم يقل :الصُّوَرِ بالتثقيل، وإنما ذكره بالتخفيف، وهو القرن. وذكر صُوَرَ الخلق بالتثقيل صوّر حين٦ قال : ﴿ فأحسن صوركم ﴾ [ غافر :٦٤ والتغابن :٣ ] فلسنا ندري أيهما يقال جميعا [ الصُّورُ أمِ ]٧ الصُّوَرُ ؟ والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ فصعِق من في السماوات ومن في الأرض ﴾ قال عامة أهل التفسير والتأويل :الصّعق الموت.
وقال بعضهم :الصّعق، هو الغشيان كقوله عز وجل : ﴿ وخرّ موسى صعِقًا ﴾ [ الأعراف :١٤٣ ] أي مغشيّا عليه.
ألا ترى أنه قال عز وجل : ﴿ فلما أفاق ﴾ وإنما يفاق من الغشيان، ولا يفاق من الموت ؟ والله أعلم بذلك.
وقوله تعالى : ﴿ إلا من شاء الله ﴾ هم٨ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل وملك الموت، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ثم نُفخ فيه أخرى ﴾ قال بعضهم :تكون ثلاث نفخات :نفخة تحملهم على الفزع [ لقوله تعالى ]٩ ﴿ ويوم ينفخ في الصور ففزِع من في السماوات ومن في الأرض ﴾ الآية [ النمل :٨٧ ] ونفخة١٠ يموتون بها. والثالثة١١ يحيون بها.
وعلى هذا يُروى حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :( يُنفخ ثلاث ) [ ابن جرير الطبري في تفسيره :ج ٢٤/٣٠ ] ذكر كما ذكرنا، والله أعلم.
وقال بعضهم :نفختان على ما ذكر في هذه الآية :بإحداهما يموتون. والثانية يحيون، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ أدرج بعدها في الأصل وم: هي النفخة..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ ساقطة من الأصل وم..
٦ في الأصل وم: حيث..
٧ في الأصل وم: أم لا الصور أو..
٨ في الأصل وم: هو..
٩ ساقطة من الأصل وم..
١٠ في الأصل وم: ثم الأخرى..
١١ في الأصل وم: والثلاثة..
الآية ٦٩ وقوله تعالى : ﴿ وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا ﴾ يحتمل بنور الذي أنشأه الله عز وجل وجعله فيها، وليس أن يكون لذاته نور أو شيء يضيء، ويكون قوله عز وجل : ﴿ بنور ربها ﴾ كقوله عز وجل : ﴿ بحمد ربك ﴾ [ غافر :٥٥ ] بإحسان ربك وآلاء ربك ؛ لا يفهم منه سوى النعمة والمنشأة والآلاء المجعولة.
فعلى ذلك قوله عز وجل : ﴿ بنور ربها ﴾ لا يفهم منه نور الذات ولا شيء من ذلك.
ثم قوله عز وجل : ﴿ وأشرقت الأرض ﴾ أي أضاءت.
وجائز أن يكون الله تعالى أنشأ أرض الآخرة أرضا مضيئة مشرقة لما أخبر أنه يبدّل أرضا غير هذه حين١ قال عز وجل : ﴿ يوم تُبدّل الأرض غير الأرض والسماوات ﴾ [ إبراهيم :٤٨ ] كانت هذه [ الأرض ]٢ مظلمة وتلك مضيئة على ما ذكرنا، والله أعلم.
[ ويحتمل ]٣ أن يكون إشراقها ارتفاع سواترها وظهور الحق لهم وزوال الاشتباه والالتباس. وكانت أمورهم في الدنيا مُشتبِهة ملتبِسة. ويقرّون يومئذ جميعا بالتوحيد له والألوهية والربوبية، وهو على ما ذكرنا من قوله عز وجل : ﴿ وبرزوا لله جميعا ﴾ [ إبراهيم :٢١ ] وقوله عز وجل : ﴿ وإليه ترجعون ﴾ [ يونس :٥٦ و. . . ] [ وقوله عز وجل ]٤ : ﴿ وإليه المصير ﴾ [ المائدة :١٨ ] وقوله : ﴿ المُلك يومئذ لله ﴾ [ الحج :٥٦ ] ونحو ذلك.
ذكر البروز له والرجوع إليه والمصير، وإن كانوا في الأحوال كلها [ بارزين له راجعين إليه صائرين ]٥، والمُلك له في الدارين جميعا. خص البروز والرجوع إليه والملك له لما يومئذ يظهر المُحقّ لهم من المبطل، ويومئذ يقرّون٦ جميعا بالتوحيد له والملك.
فعلى ذلك يحتمل إشراق الأرض وإضاءتها لما ترتفع السواتر يومئذ، وتزول الشُّبَه، وتظهر الحقائق، والله أعلم، أو أن يكون ما ظهر لكل ما عمل في الدنيا من خير أو شر، وعرفه يومئذ، وإن كان في الدنيا لم يظهر، ولم يعرف، ما عمل من خير وشر كقوله عز وجل : ﴿ يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا ﴾ الآية [ آل عمران :٣٠ ] والله أعلم. أو أن تكون أرض الآخرة مضيئة مشرقة لما لا يقضي عليها تعالى، عز وجل وأرض الدنيا مظلمة بعصيان أهلها الرّب عز وجل.
وذلك كما روي في الخبر أن الحجر الأسود من الجنة، كذا صار أسود لما مسّته أيدي الخاطئين العاصين، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ بنور ربها ﴾ قال بعضهم :بعدل ربها أي رضا ربها، وهو ما قال عز وجل : ﴿ وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق ﴾ [ الحجر :٨٥ ] أي بالعدل، والله أعلم.
وجائز ما ذكر بنور أنشأه، وجعله فيها، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ ووُضع الكتاب ﴾ كقوله تعالى : ﴿ ووضع الميزان ﴾ [ الرحمن :٧ ] وقال بعضهم :الكتاب، هو الحساب بما حفظ عليهم ولهم من خير أو شر محذور منه. وقال بعضهم :هو الكتاب الذي يوضع في أيديهم يومئذ، فيه ما عملوا، يقرؤونه، وهو مثل الأول، والله أعلم.
[ وقوله عز وجل ]٧ : ﴿ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ﴾ اختُلف في الشهداء :قال بعضهم :الشهداء، هم المرسلون ؛ يؤتى بالنبيّين والمرسلين، يشهدون عليهم كقوله عز وجل : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [ النساء :٤١ ] وقوله عز وجل : ﴿ إنا أرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم ﴾ الآية [ المزمل :١٥ ]. وقال بعضهم :الشهداء ههنا الملائكة والحفظة الذين يشهدون عليهم بأعمالهم عملوها. وقال بعضهم :الشهداء، هم الذين استشهدوا في هذه الدنيا، والله أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من الشهداء :هم الجوارح التي تشهد عليهم يومئذ كقوله عز وجل : ﴿ يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم ﴾ الآية [ النور :٢٤ ].
وقوله تعالى : ﴿ وقضي بينهم بالحق ﴾ أي بالعدل.
وقوله تعالى : ﴿ وهم لا يظلمون ﴾ أي لا يُحمل على أحد ما لم يعمل، ولكن يحمل عليه ما عمل، والله أعلم.
١ في الأصل وم: حيث..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ في الأصل وم: أو..
٤ ساقطة من الأصل وم..
٥ في الأصل وم: بارزون له راجعون إليه صائرون..
٦ في الأصل وم: اقروا..
٧ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٧٠ وقوله تعالى : ﴿ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ﴾ كافرة ﴿ مَا عَمِلَتْ ﴾ من سوء. فأما ما عملت من خير فلا تُوفّى.
[ وكذلك تُوفّى ]١ كل نفس مسلمة ما عملت من خير ؛ لا ينقص منه٢ شيء، وما عملت من سوء جائز أن يتجاوز عنها، ويبدّل حسنات كقوله عز وجل : ﴿ فأولئك يبدّل الله سيئاتهم حسنات ﴾ [ الفرقان :٧٠ ] والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ ﴾ أي عالم بما يفعلون من خير أو شر.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: منها..
الآية ٧١ وقوله تعالى : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا ﴾ قيل :أمّة أمّة وجماعة جماعة كقوله عز وجل : ﴿ كلما دخلت أمة لعنت أختها ﴾ الآية [ الأعراف :٣٨ ] وقوله عز وجل : ﴿ إلى جهنم يُحشَرون ﴾ [ الأنفال :٣٦ ] ونحوه.
وقوله تعالى : ﴿ حتى إذا جاءوها فُتحت أبوابها ﴾ جائز أن يكون لها أبواب، يدخلون فيها، وجائز أن تكون الأبواب المذكورة لا على حقيقة الأبواب، ولكن على الجهات والسُّبل التي كانوا فيها، أي الدنيا، وعملوا بها ؛ يدخلون النار بتلك الجهات والسبل التي كانوا في الدنيا، وعملوا بها كما يقال :فُتِح على فلان باب كذا، ليس يراد حقيقة الباب/٤٧٣ – ب/ ولكن سبيل بابه، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِ رَبِّكُمْ ﴾ يحتمل قوله عز وجل : ﴿ آيات ربكم ﴾ أي [ آيات ]١ التوحيد وحججه، ويحتمل آيات البعث الذي ٢ أنكروه. وقال٣ بعض أهل التأويل :آيات القرآن.
وقوله عز وجل : ﴿ وَيُنْذِرُونَكُمْ ﴾ بالآيات ﴿ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا ﴾.
وقوله عز وجل : ﴿ قَالُوا بَلَى ﴾ قد فعلوا ذلك.
وقوله عز وجل : ﴿ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ قال أهل التأويل : ﴿ وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ ﴾ أي عدة العذاب، وهو ما قال عز وجل، ووعد أنه يملأ جهنم منهم، وهو قوله عز وجل : ﴿ لأملأن جهنم من الجِنّة والناس أجمعين ﴾ [ هود :١١٩ والسجدة :١٣ ] أي حقّ وعد ذلك عليهم، والله أعلم.
وجائز أن يكون ما ذكر من كلمة العذاب، هي٤ كلمة الشرك والكفر ؛ أي حقّت كلمة الكفر والشرك التي٥ علمنا ؛ سمّى٦ كلمة الكفر كلمة العذاب لما عُذّبوا، وعوقبوا، والله أعلم.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: التي..
٣ الواو ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: هذه..
٥ في الأصل وم: الذي..
٦ في الأصل وم: سموا..
الآية ٧٢ وقوله تعالى : ﴿ قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ ﴾ تأويله ظاهر.
[ قوله : ﴿ المتكبّرين ﴾ يحتمل متكبرين ]١ على آياته وحججه، ويحتمل ﴿ المتكبرين ﴾ على رسله وأنبيائه، صلوات الله عليهم. والله أعلم.
وقال القتبي وأبو عوسجة : ﴿ وأشرقت الأرض ﴾ أي أضاءت، وأنارت، و﴿ زُمَرًا ﴾ أي جماعات، والواحدة زُمرة ؛ ويقال :تَزَمَّر القوم إذا اجتمعوا، زمرتهم جمعتهم. وأصله أن يساق كل فريق على ما أحبوا، وكانوا في الدنيا جماعة وأمّة أمّة وعلى ما يجتمعون في هذه الدنيا :أهل الخير [ مع أهل الخير وأهل الشر مع ]٢ أهل الشر، ويسرّون٣ بالاجتماع في ذلك.
لكن أهل الخير يساقون إلى الجنة على ما كانوا يجتمعون في هذه الدنيا مسرورين، وأهل الكفر يساقون إلى النار على ما يجتمعون في هذه الدنيا على الشّر ؛ حزينين مغتمّين، والله أعلم.
١ في الأصل وم: والمتكبرين..
٢ في الأصل: وأهل الشر على، في م: على أهل الخير وأهل الشر على..
٣ في الأصل وم: وسرور..
الآية ٧٣ وقوله عز وجل : ﴿ وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ﴾ يحتمل ﴿ اتقوا ﴾ الشرك بربهم، أو ﴿ اتقوا ﴾ سُخط ربهم ونقمته، أو ﴿ اتقوا ﴾ المهالك. وقد ذكرنا في ما تقدم، والله أعلم.
[ وقوله عز وجل ]١ : ﴿ وسيق ﴾ وإن كان في الظاهر خيرا عما مضى، لكنه يخرّج على وجهين :
أحدهما :على الاستقبال، وذلك جائز في اللغة :استعمال حرف الماضي على إرادة الاستقبال ؛ كأنه قال :يساقون.
والثاني : [ لأنه جزاء ]٢ أمر قد كان مضى، فقال عز وجل : ﴿ وسيق ﴾ ذكره٣ بحرف سيق، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ زمرا ﴾ قد ذكرناه، أي جماعة جماعة وأمة أمة على ما كانوا في هذه الدنيا يجتمعون على ذلك. فعلى ذلك يساقون في الآخرة، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا ﴾ فتح الأبواب لهم يحتمل حقيقة الأبواب، ويحتمل كناية عن الوجوه والسّبل التي يأتون في الدنيا لا على حقيقة الأبواب، والله أعلم.
وقوله تعالى : ﴿ وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ﴾ بدأ الخزنة بالسلام عليهم. فجائز أن يكون الله عز وجل :امتحن رسوله ببدء السلام على من آمن، وهو قوله عز وجل : ﴿ وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم ﴾ الآية [ الأنعام :٥٤ ].
ثم يحتمل سلام الخزنة عليهم السلامة٤ والبراءة من جميع العيوب والآفات التي في الدنيا، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ ﴾ فقوله : ﴿ طبتم ﴾ يحتمل أي صرتم طيّبين، لا تُخسَؤون أبدا، وقد برئتم من الآفات والعيوب كلها، والله أعلم.
[ ويحتمل ]٥ :طاب [ لكم ]٦ العيش أبدا من حيث ما يأتيكم بلا عناء.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: كأنه خبر..
٣ أدرج قبلها في الأصل وم: ولذلك..
٤ في الأصل وم: السلام..
٥ في الأصل وم: أو يقول..
٦ ساقطة من الأصل وم..
الآية ٧٤ وقوله تعالى : ﴿ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ لا١ شك أن الله عز وجل إذا وعد صدق وعده لكن معنى قولهم : ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ ﴾ الحمد لله الذي جعلنا مستحقين وعده، إذ وعده، لا شك، أنه يصدق، ولا قوة إلا بالله.
وقوله تعالى : ﴿ وأورثنا الأرض ﴾ قيل :أنزلنا الأرض، أي الجنة.
وقوله عز وجل : ﴿ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ﴾ يحتمل قوله ﴿ حيث نشاء ] نرغب فيها، وهم لا يرغبون النزول في منازل غيرهم. [ ويحتمل ]٢ أن يكون قوله :{ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء ﴾ أي جميع أمكنة٣ الجنة مختار، ليس مما نتخيّر في الدنيا مكانا دون مكان، لأن جميع أمكنتها، ليست بمختارة، فيقع فيها الاختيار.
فأما الجنة فجميع أمكنتها مختارة، فلا يقع هنالك اختيار مكان على مكان، والله أعلم.
وإلا ظاهر قوله تعالى : ﴿ نتبوّأ من الجنة حيث نشاء ﴾ ما [ لنا وما لغيرنا ]٤ والوجه فيه ما ذكرنا، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ﴾ ظاهر.
١ أدرج قبلها في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: أو..
٣ في الأصل وم: مكان..
٤ في الأصل وم: لهم وما لغيرهم..
الآية ٧٥ وقوله عز وجل : ﴿ وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ ﴾ [ قيل :مُحدِقين حول العرش ]١.
وقوله عز وجل : ﴿ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ﴾ قال بعض أهل التأويل :بأمر ربهم. لكن التسبيح [ عندنا ]٢ بحمد ربهم، هو أن يسبّحوا بثناء ربهم وحمده، أي يبرّؤوه، وينزّهوه عن جميع معاني الخلق ؛ بثناء وحمد يحمدونه، ويثنون عليه على ما ذكرنا في غير موضع، والله أعلم.
وقوله عز وجل : ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ﴾ قيل :بين الأمم والرسل، وقيل :بين الخلائق كلهم.
وجائز أن يكون قوله [ ﴿ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ ﴾ أي بين المؤمنين وأعدائهم، والله أعلم.
وقوله تعالى ]٣ : ﴿ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ قال الحسن :فتح الله نعمه في الدنيا بالحمد له، وهو قوله عز وجل : ﴿ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض ﴾ الآية [ الأنعام :١ ] وقوله عز وجل : ﴿ الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ﴾ الآية [ الكهف :١ ] وغير ذلك من الآيات، وختم نعمه في الآخرة بالحمد له حين٤ قال عز وجل : ﴿ الحمد لله رب العالمينٍ ﴾ [ الفاتحة :١ ] وقال٥ عز وجل : ﴿ وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ﴾ [ يونس :١٠ ] والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه الطاهرين [ أجمعين ]٦.
١ من م، ساقطة من الأصل..
٢ ساقطة من الأصل وم..
٣ من نسخة الحرم المكي، ساقطة من الأصل وم..
٤ في الأصل وم: حيث..
٥ في الأصل وم: وقوله..
٦ من م، ساقطة من الأصل..
السورة التالية
Icon