0:00
0:00

تفسير سورة الزّمر
تنزيل القرآن وغاياته
تفضل الله تعالى على عباده بأعظم هدية وأكرم منحة خالدة: ألا وهي تنزيل القرآن الكريم تدريجا في مبدأ الأمر والوحي الإلهي إلى أن اكتمل وحفظ حفظا تاما في الصدور والكتابة، من غير زيادة ولا نقص فيه، ولا تعديل ولا تبديل لشيء فيه، وسيظل محفوظا بكفالة الله وتعهده إلى يوم القيامة، لأنه منهاج الحياة السديدة، في العقيدة، والعبادة، والمعاملة، والأخلاق، والعلاقات الإنسانية والاجتماعية. أنزله الله بالحق والميزان، فأبطل عقائد المشركين الوثنية، ونفى اتخاذ الله ولدا، وشرع شرائع الشرائع، وأبان الحلال والحرام، ونظم أصول الحياة والآداب والفضائل، لينقذ الله به العالمين من الضلالة إلى النور، ومن الزيغ والانحراف إلى طريق الهداية والاستقامة، قال الله تعالى مبينا مصدر القرآن، ومحددا غاياته وأهدافه في مطلع سورة الزمر:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ١ الى ٤]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (٢) أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي ما هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كاذِبٌ كَفَّارٌ (٣) لَوْ أَرادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً لاصْطَفى مِمَّا يَخْلُقُ ما يَشاءُ سُبْحانَهُ هُوَ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (٤)
«١» [الزمر: ٣٩/ ١- ٤].
(١) مرفوع بالابتداء، والخبر قوله: (من الله) أو أنه خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا تنزيل.
هذا الكتاب العظيم وهو القرآن الكريم تنزيل من الله تعالى، العزيز: في قدرته الذي لا يغلب، الحكيم في إبداعه وصنعه، فهو الكتاب الإلهي الحق الذي لا مرية فيه ولا شك، إنا أنزلنا أيها النبي الرسول القرآن مقترنا بالحق، متضمنا إياه، أي الحق فيه وفي أحكامه وفي أخباره، فكل ما فيه حق، من إثبات التوحيد والنبوة والمعاد وأنواع الأحكام والتكاليف الشرعية، ولم ننزله مشوبا بالباطل الكاذب الذي لا قرار له.
فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى ذلك، وأخبرهم أنه لا تصلح العبادة إلا لله وحده، وأنه ليس له شريك ولا نظير.
والإخلاص: أن يقصد العبد بعمله وجه الله تعالى ورضوانه، ولا يقصد شيئا آخر. والدين: العبادة والطاعة، وأساس توحيد الله، وتنزيهه عن الشريك والنظير.
ألا لله العبادة والطاعة الخالصة من شوائب الشرك والرياء وغيره، وأما ما سواه من الدين، فليس بدين الله الخالص الذي أمر به.
ومعنى الآية: الأمر بتحقيق النية لله في كل عمل. والدين هنا: يعم المعتقدات وأعمال المكلفين العضوية التي يمارسونها. وقوله سبحانه: أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ بمعنى: من حقه ومن واجباته، لا يقبل غيره.
وأما المشركون الذين والوا غير الله تعالى، وعبدوا سواه، وهي الأصنام أو الكواكب أو الملائكة أو بعض البشر، وقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله تقريبا، ويشفعوا لنا عنده في حوائجنا، فهم في أسوأ عاقبة، وأقبح مصير، لذا هددهم الله بقوله: إن الله يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة، ويفصل في خلافاتهم، ويجزي كل عامل بعمله، فيدخل الموحدين الجنة، ويدخل المشركين النار.
قال ابن عباس: أنزلت هذه الآية: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ في
ثلاثة أحياء: عامر وكنانة وبني سلمة، كانوا يعبدون الأوثان، ويقولون: الملائكة بناته، فقالوا: ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى.
ثم أخبر الله تعالى بما معناه: إن الله لا يهدي الكاذب الكفّار في حال كذبه وكفره، وعناده وإعراضه ومبالغته في الكفر والجحود، ولا يوفقه للاهتداء إلى الحق، فهو كاذب مفتر على الله، في زعمه أن لله ولدا، وأن تلك المعبودات الباطلة تشفع لعابديها، وتقربهم إلى الله تعالى.
ثم رد الله تعالى على زعم المشركين اتخاذ ولد لله، بقوله فيما معناه: لو شاء الله اتخاذ ولد، وهو لا يحتاج لذلك، لاختار من جملة خلقه موجوداته ومحدثاته ما يشاء أن يختاره، ولكان الأمر على خلاف ما يزعمون، فيختار أكمل الأولاد وهم الأبناء، لا البنات كما زعموا، والواقع أنه لا موجود سوى الله، ولا أحد غير الله إلا وهو مخلوق لله، ولا يصح أن يكون المخلوق ولدا للخالق. وقوله: مِمَّا يَخْلُقُ أي من موجوداته ومحدثاته.
ثم نزّه الله تعالى نفسه تنزيها مطلقا عن جميع الشركاء، فأخبر بقوله: تنزه الله وتقدس عن أن يكون له ولد، فإنه الإله الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي يفتقر إليه كل شيء، والذي قهر الأشياء والمخلوقات كلها، فدانت لعظمته، وخضعت لسلطانه وهيبته.
عظمة القدرة الإلهية
في مناسبات مختلفة، يورد الله تعالى البراهين والأدلة الحسية القطعية على وحدانيته، وقدرته، واستغنائه عن مخلوقاته، ليقتنع اللادينيون من الملاحدة والمشركين بأن الله تعالى هو وحده الإله الحق، وأنه القادر على كل شيء، وأنه
مستغن عن جميع مخلوقاته وموجوداته، وتلك الأدلة والبراهين محسوسة مشاهدة، منها خلق السماوات والأرضين وما فيهما من العوالم، وخلق الإنسان من نفس واحدة، وخلق الأنواع الثمانية من الأنعام، وهذه آي كريمة تعبر بجلاء واضح عن هذه الموجودات:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٥ الى ٧]
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ وَيُكَوِّرُ النَّهارَ عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥) خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْها زَوْجَها وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦) إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٧)
«١» «٢» [الزمر: ٣٩/ ٥- ٧].
هذه أدلة ثلاثة على وحدانية الله وقدرته، في كل دليل منها ثلاثة أدلة:
الدليل الأول- من عالم السماء والأرض: أبدع الله تعالى عالم السماء والأرض إبداعا بالواجب الواقع موقعه، الجامع للمصالح، فليس في هذا الخلق باطل وعبث، من غير استعانة بأحد، فهو وحده الإله الموجود الذي لا شريك له ولا نظير، التامّ القدرة، الكامل الاستغناء عن غيره.
يلف الليل على النهار، ويلف النهار على الليل أو يولج أحدهما في الآخر، ويعيد من هذا على هذا، بنسب متفاوتة تتفق مع أحوال الزيادة والنقصان، دون الاستمرار
(١) أي بما يتفق مع الواجب، القائم على المصالح، الواقع موقعه المناسب.
(٢) أي نزل الأمر بخلقها وإيجادها من عند الله، والعادة تقضي بأن نعم الله ورحمته وأمطاره هي من السماء، فعبر عن خلقها بالإنزال.
على مقدار واحد، وهو دليل على كروية الأرض، لأن التكوير: اللف على الجسم المستدير، وعلى دوران الأرض حول نفسها مرة ثانية، لأن تعاقب الليل والنهار لا يتم من غير دوران. ويجعل الله الشمس والقمر مذللين لأمره بالطلوع والغروب، يسير كل منهما في فلكه إلى منتهى معيّن، وإلى وقت محدد في علم الله تعالى وهو انتهاء الدنيا وقيام القيامة، أو انتهاء دورة القمر كل شهر، ودورة الشمس كل سنة. ألا إن هذا التدبير والخلق من إله غالب قادر، ساتر لذنوب عباده بالمغفرة.
والدليل الثاني- من خلق الإنسان والأنعام، فإنه سبحانه خلقكم أيها الناس على اختلاف أجناسكم وألسنتكم وألوانكم من نفس واحدة، هي آدم عليه السّلام، ثم جعل حواء من جنسه أو من طينته، أو خلقها من ضلعه- ضلع آدم القصير، ثم تكاثر الخلق منهما.
وأمر الله تعالى بخلق أو إيجاد ثمانية أصناف من الأنعام: وهي الإبل والبقر والغنم والمعز، جاعلا من كل صنف ذكرا وأنثى، ويبتدئ الله خلق الناس في بطون الأمهات في مراحل متدرجة من الخلق والإبداع، حيث يكون بدء تكون الجنين من نطفة ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم تتكون العظام، ثم تكسى باللحم والعروق والأعصاب. ومراحل الخلق هذه في ظلمات ثلاث: هي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة والأغشية. هذا الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، وخلق الإنسان: هو الرب المربي لكم، الذي له الملك المطلق في الدنيا والآخرة، وهو الإله الواحد الذي لا إله غيره، فكيف تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره؟! وثمرة هذه العبادة تعود للناس، فإن تكفروا بالله أيها المشركون، بعد توافر هذه الأدلة على وجود الله وتوحيده وقدرته، فإن الله هو الغني عما سواه من المخلوقات، ويغضب الله من كفر بعض عباده، ويرضى ويحب شكرهم على نعمه وآلائه، ويثيبهم
به خيرا، أي يقبله منهم. والشكر الحقيقي يتضمن الإيمان. وبعبارة أخرى: لا يقع الكفر إلا بإرادة الله تعالى، إلا أنه بعد وقوعه لا يرضاه الله دينا لعباده. واستغناء الله عن خلقه هو الدليل الثالث على قدرته.
قال ابن عباس عن هذه الآية: إِنْ تَكْفُرُوا.. هذه الآية مخاطبة للكفار الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم. وكلمة وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ هم المؤمنون. ويحتمل أن تكون الآية مخاطبة لجميع الناس، لأن الله غني عن جميع الناس.
والمبدأ في المسؤولية أمام الله: إنما هو المسؤولية الشخصية أو الفردية، فلا تحمل نفس إثم أو ذنب نفس أخرى، والوزر: الثقل، وإنما كل إنسان مطالب بأمر نفسه، من خير أو شر. والجزاء على قدر العمل، فإن مصيركم جميعا أيها الخلائق إلى ربكم يوم القيامة، فيخبركم بأعمالكم من خير أو شر، إنه سبحانه وتعالى خبير بما تخفيه النفوس من أسرار، فلا تخفى على الله خافية.
وهذا خبر يتضمن الحض على أن ينظر كل أحد في خاصة أمره وما ينوبه في ذاته، كما يتضمن أيضا أن مرجعهم في الآخرة إلى ربهم، أي إلى ثوابه أو عقابه، فيطلع كل أحد على أعماله، لأنه تعالى المطلع على نيات الصدور وسرائر الأفئدة.
الإنسان في وقت المحنة
الإنسان في منهاج حياته لا يسير على منوال واحد، ما دام مستكبرا معاندا مكابرا الحقائق، فتراه يصر على الكفر بالله بفلسفات بالية وعقائد موروثة ساذجة، حتى إذا ألم به ضرر، أو تعرض لأزمة أو محنة، بادر إلى الاستعانة بالله تعالى، والتضرع إليه، إذ لا يجد في أصائل نفسه طريقا للفرج إلا الله القوي القادر الذي يكشف الضر، ويدفع الشر، وهذا دليل على تناقض الكافر، يضرع إلى الله تعالى وقت الشدة،
ويهمله ويعرض عنه وقت الرخاء، أما المؤمن فمنهاجه سواء، إن أصابه سراء ونعمة شكر، وإن تعرض لضراء ونقمة صبر، فكان خيرا له في كلا الحالين، مما يدل على ثبات إيمانه، وصلابة يقينه وتمسّكه بالمبدأ الذي لا يحيد عنه. قال الله تعالى واصفا الإنسان:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٨ الى ٩]
وَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ ما كانَ يَدْعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْداداً لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ (٨) أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَقائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ (٩)
«١» «٢» «٣» «٤» [الزمر: ٣٩/ ٨- ٩].
هذه موازنة واضحة بين الكافر والمؤمن في وقت الرخاء والشدة، أما الكافر فهو متناقض مضطرب، إذا أصابته شدة من مرض أو فقر أو خوف، تضرع إلى ربه، تائبا إليه، مستغيثا به لتفريج كربه، ثم إذا أنعم الله عليه بنعمة أو خير، وصار في حال رخاء، نسي دعاء الله في حال الضرر، أو نسي الله سبحانه وتعالى مطلقا، ورجع إلى كفره، وجعل الشركاء والنظراء أو الأمثال من الأصنام وغيرها شركاء لله، يعبدها، ليؤول أمره إلى الوقوع في دائرة الضلال، وإضلال غيره عن جادة الحق، وطريق الإسلام والتوحيد.
والإنسان في هذه الآية: يراد به الكافر، بدلالة ما وصفه به آخرا من اتخاذ الأنداد لله تعالى، ولقوله سبحانه موبخا ومهددا إياه: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ. وتخويل النعمة: إما في كشف الضر المذكور، أو يريد أي نعمة كانت، واللفظ يشمل الأمرين.
ثم أمر الله تعالى نبيه أن يقول للكفار- على سبيل التهديد- قولا، يخاطب به
(١) أي تائبا مقاربا مراجعا بصيرته.
(٢) خوله: ملّكه وحكمه فيها ابتداء منه، لا مجازاة.
(٣) الأنداد:
الأمثال التي تضادّ وتزاحم ويعارض بعضها بعضا.
(٤) الأظهر أن الألف في (أمّن) ألف تقرير واستفهام.
واحدا واحدا منهم: تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ أي تلذّذ به، واصنع ما شئت مدة قليلة: وهي مدة عمر ذلك المخاطب، فإنك في النهاية يوم القيامة مصيرك أن تكون من أصحاب النار، أي من سكانها والمخلّدين فيها. وهذا أمر يراد به التهديد.
ثم ذكر الله تعالى على جهة المقارنة حال المؤمن المخلص، والمعنى: أذلك القانت خير أم هذا المذكور الذي يتمتع بكفره قليلا، وهو من أصحاب النار؟ الجواب واضح وهو أن المؤمن خير. والقانت: الطائع الخاشع، المصلي لله في أوقات الليل، ساجدا خاضعا لربه، وفي حال قيامه، يخاف الآخرة، ويرجو رحمة ربه، جامعا بين الخوف والرجاء، وتلك هي حقيقة العبادة الكاملة، التي يفوز بها صاحبها. وهذا دليل على فضل قيام الليل وأنه أفضل من قيام النهار.
وكما لا يستوي القانت المطيع الخاشع، والكافر الجاحد، لا يستوي أهل العلم والجهل، إنما يتعظ بآيات الله ويتدبرها أهل العقول السليمة والأفكار السديدة، لا الجهلاء الأغبياء، الذين لا يقدّرون الأمور حق قدرها، ولا يتأملون في مصير المستقبل.
نزلت هذه الآية أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ إما في عثمان بن عفان أو في عمار بن ياسر، أو ابن مسعود أو سالم مولى أبي حذيفة.
وفي هذه الآية دلالة واضحة على أن كمال الإنسان محصور في هذين المقصودين:
العلم والعمل، كما قال أبو حيان في البحر المحيط، فكما لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، كذلك لا يستوي المطيع والعاصي، والمراد بالعلم هنا: ما أدى إلى معرفة الله تعالى، ونجاة العبد من سخطه.
وهذه المقارنة في معنى مقارنة آتية في السورة نفسها (سورة الزمر) في قول الله تعالى: أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الزمر: ٣٩/ ٢٢].
والقنوت يطلق على الدعاء، والطاعة،
أخرج الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «كل حرف من القرآن يذكر فيه القنوت، فهو الطاعة».
وعن ابن عباس قال: «من أحب أن يهوّن الله عليه الوقوف يوم القيامة، فلينزه الله في سواد الليل ساجدا وقائما».
طريق الخلاص في الآخرة
إن طريق الخلاص والنجاة في عالم القيامة محصور في أمور ثلاثة: تقوى الله وطاعته، وإخلاص الدين لله، واجتناب الطواغيت، أي الأوثان وكل ما عبد من دون الله، فإذا ملأ الإنسان قلبه خوفا من الله تعالى، وبادر لأداء الفرائض والواجبات، وأخلص النية والعمل لله، واجتنب كل ألوان الشرك والوثنية، كان ناجيا مطمئنا، مستقرا في جنان الخلد، عند مليك مقتدر، وهذا وعد إلهي منجز، وسبيل متعين للنجاة، قال الله تعالى مبينا هذا التوجه الصحيح وأصوله:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ١٠ الى ٢٠]
قُلْ يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ (١٠) قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي (١٤)
فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ (١٥) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ (١٦) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ (١٨) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)
لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ (٢٠)
«١» «٢» «٣»
(١) الحسنة في الآخرة: الجنة والنعيم، وفي الدنيا: العافية والطهور وولاية الله تعالى أي نصرته، والمراد هنا الحسنة الأخروية.
(٢) الظلل: طبقات النار. [..... ]
(٣) الطاغوت: كل ما عبد من دون الله.
«١» «٢» [الزمر: ٣٩/ ١٠- ٢٠].
المعنى: قل أيها النبي: يا عباد الله الذين آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا، اتقوا عذاب ربكم: باتباع أوامره، واجتناب نواهيه، فللمحسنين أعمالهم حسنة في الدنيا: وهي الصحة والعافية والنصر والسلطان، وإذا لم تتمكنوا من ممارسة مقتضيات التقوى في بلد، فهاجروا إلى بلد آخر، حيث تمكن طاعة الله، فإن أرض الله واسعة غير ضيقة، فسيحة غير مغلقة، إنما يوفي الله الصابرين في عملهم ثوابهم بغير مكيال ولا وزن، وبما لا يقدر على حسابه حاصر وحاسب، وهذا حض على الهجرة. وهذا وعد من الله تبارك وتعالى على الصبر على المكاره، والخروج عن الوطن، ونصرة الدين، وجميع الطاعات، ومفاد الوعد أن الأجر يوفّى بغير حساب، أي بغير حصر ولا عدّ، بل جزافا، وهذه استعارة للكثرة التي لا تحصى، وهذا رأي جمهور المفسرين. يروى أن هذه الآية نزلت في جعفر بن أبي طالب وأصحابه حين عزموا على الهجرة إلى أرض الحبشة.
ثم أمر الله تعالى بعد الأمر بالتقوى بالإخلاص في العبادة والطاعة، فقل أيها النبي: إنما أمرت أن أعبد الله وحده، بإخلاص خال من الشرك والرياء وغير ذلك، وأمرت بأن أكون أول المسلمين المنقادين لله الخاضعين له، من هذه الأمة، في مخالفة دين الآباء الوثنيين.
وقل للمشركين الوثنيين: إني أخشى إن عصيت ربي بترك التقوى وإخلاص العبادة
(١) الغرفة: الحجرة.
(٢) وعد الله: منصوب على المصدر تقديره: وعدكم الله وعدا.
لله وتوحيده: أن أتعرض لعذاب شديد الأهوال في يوم القيامة. وأمرني ربي أن أعبده وحده لا شريك له، وأن يكون تعبّدي خالصا لله غير مشوب بشرك ولا رياء ولا غيرهما.
ثم قال لهم على سبيل التهديد والوعيد: اعبدوا ما أردتم عبادته من غير الله، من الأوثان والأصنام، فسوف تجازون بعملكم.
ثم قل لهم أيها الرسول: إنما أهل الخسارة التامة: هم الذين خسروا أنفسهم بالضلالة والشرك والمعاصي، وخسروا أتباعهم من الأهل حيث أوقعوهم في الضلال، وعرّضوهم للعذاب الدائم يوم القيامة، وذلك هو الخسران الواضح، ولا خسران أعظم منه.
ونوع الخسران: أن لهم طبقات متراكمة من النار الملتهبة، من فوقهم ومن تحتهم، ومن كل جانب، ذلك العذاب الشديد الذي يخبر به الله خبرا كائنا لا محالة، ليرهب به عباده، فيا عبادي خافوا بأسي وعذابي واتقوا غضبي. ووعد المؤمنين: هو أن الذين تجنبوا عبادة الأوثان والشيطان وكل ما عبد من دون، ورجعوا إلى الله، لهم البشارة بالثواب الجزيل: وهو الجنة، فبشر أيها الرسول بالجنة عبادي المؤمنين الذين يستمعون القول الحق من كتاب الله، وسنة رسوله، فيفهمونه، فيتبعون أحسن ما يؤمرون به، ويعملون بما فيه. أولئك المتصفون بهذه الصفة هم الموفقون للصواب في الدنيا والآخرة، وهم ذوو العقول الصحيحة والآراء السديدة.
وآية فَبَشِّرْ عِبادِ نزلت في رجل من الأنصار أعتق سبعة مماليك، ليعتق نفسه من أبواب النار السبعة، وآية: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ نزلت في ثلاثة نفر موحدين الله في الجاهلية، وهم زيد بن عمرو بن نفيل، وأبو ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.
ثم واسى الله رسوله على إعراضهم عن دعوته بما معناه: إنك لا تقدر على هداية
من وجب عليه قرار العذاب، ولا تتمكن من إنقاذه من النار. لكن أولئك الذين اتقوا عذاب ربهم بأداء فرائضه واجتناب معاصيه، لهم في الجنة غرف مبنية محكمة البناء، تجري من تحت تلك الغرف والقصور أنهار عذبة الماء، وذلك وعد محقق من الله تنفيذه، ووعد الله حق ثابت، لا نقض فيه ولا رجوع عنه.
حال الدنيا الفانية وتوجيه الهداية
رغّب القرآن الكريم بالآخرة لخلودها ونعيمها التام، ونفّر من الدنيا لفنائها وسرعة زوالها، فهي أشبه بزرع اخضّر بماء السماء، ثم اصفر وتهشم، وأوضح القرآن سبيل الهداية للدين الحق والنور الإسلامي، فمن استضاء قلبه بالإسلام، فهو على نور من ربه، ومن استنار بتعاليم القرآن، ولأن جلده وقلبه لذكر الله تعالى، فهو على طريق مستقيم. ومن أعرض عن هدي القرآن، وانغمس في المعاصي والمنكرات، فقد عرّض نفسه لسوء العذاب، واستحقاق الخزي في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى واصفا أحوال الدنيا وحال انشراح الصدر بالقرآن:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٢١ الى ٢٦]
أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ (٢١) أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٢٣) أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٢٤) كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتاهُمُ الْعَذابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٢٥)
فَأَذاقَهُمُ اللَّهُ الْخِزْيَ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٢٦)
«١»
(١) الويل: كلمة عذاب أو واد في جهنم.
«١» [الزمر: ٣٩/ ٢١- ٢٦].
المعنى: ألم تشاهد أيها النبي وكل بشر أن الله أنزل من السحاب مطرا، فأدخله وأسكنه في الأرض، ثم أخرج منها عيونا متدفقة بالماء، ثم تسقى به الأرض، فيخرج بذلك الماء من الأرض زرعا مختلفا أنواعه، من الحنطة والشعير والحبوب الأخرى والخضروات وغيرها، ثم ييبس ويجف، فتراه مصفرا بعد خضرته، ثم يتكسر ويتهشم، إن في ذلك المذكور من إنزال المطر وإخراج الزرع به موعظة ينتفع بها أهل العقول الصحيحة.
هذا مثال لحال الدنيا الفانية، متاعها زائل، وبهجتها ذاهبة، وكل مفكر تفكيرا صحيحا يدرك أن سرعة زوال الدنيا يدل على قصر عمر الإنسان، وأنه مهما طال، لا بد له من الانتهاء، كما جاء في آية أخرى: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [القصص: ٢٨/ ٨٨].
ولا يكون الانتفاع بهذه المواعظ إلا إذا شرح الله الصدور للإسلام، ونوّر القلوب بالإيمان، ولا يستوي هذا ومن حجب قلبه عن الأنوار الإلهية. أفمن وسّع الله صدره، فقبله واهتدى بهدية، فأصبح مستنير القلب بنور الله، وهو نور المعرفة، والاهتداء إلى الحق، كمن قسا قلبه لسوء اختياره وغفلته وجهالته؟! أي لا يستوي المهتدي للإسلام والحق، ومن هو قاسي القلب، البعيد عن الحق، فالعذاب الشديد لمن تحجرت قلوبهم عند سماع ذكر الله، ولم تخشع لصوت الحق الإلهي، أولئك قساة
(١) الخزي: الذل والهوان.
القلوب في ضلال واضح عن الحق، ولا يفهم الكلام إلا بمحذوف يدل عليه الظاهر، تقديره كالقاسي القلب والمعرض عن ذكر الله.
ذكر الواحدي في أسباب النزول: أن هذه الآية نزلت في علي وحمزة رضي الله عنهما، وأبي لهب وابنه، وهما اللذان كانا من القاسية قلوبهم.
وشَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ استعارة لتحصيله للنظر الجيد والإيمان بالله تعالى.
و «النور» :هداية الله، وهي أشبه شيء بالضوء.
قال ابن مسعود رضي الله عنه فيما أخرجه ابن مردويه: قلنا: يا رسول الله، كيف انشراح الصدر؟ قال: إذا دخل النور القلب انشرح الصدر، قلنا: وما علامة ذلك؟ قال: «الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والتأهب للموت».
والقسوة: شدة القلب.
ثم وصف الله القرآن الذي يشرح الصدر بأن الله نزل أحسن الأحاديث وهو القرآن، لما فيه من الخيرات والبركات والمنافع العامة والخاصة، وهو كتاب يشبه بعضه بعضا، في جمال النظم وحسن الإحكام والإعجاز، وقوّة المباني والمعاني، وبلوغ أرقى درجات البلاغة، وتثنى فيه القصص، وتتكرر فيه المواعظ والأحكام من أوامر ونواه، ووعد ووعيد، ويثنى في التلاوة، وتقشعر من عظمة آياته وأمثاله ومواعظه جلود الخائفين من الله، ثم تسكن وتطمئن الجلود والقلوب عند سماع آيات الرحمة، ذلك القرآن الذي هذه صفته هو هداية الله، يهدي به من يشاء هدايته وتوفيقه للإيمان، ومن يخذله الله عن الإيمان بالقرآن من الفسّاق والعصاة والفجار، فلا مرشد له.
عن ابن عباس: أن قوما من الصحابة قالوا: يا رسول الله، حدثنا بأحاديث حسان وبأخبار الدهر، فنزل: اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ.
وسبب التمييز بين المهتدي والضال يظهر في هذه المقارنة، وهي: أفمن يتقحّم نار جهنم، فلا يتمكن من اتقاء العذاب الشديد يوم القيامة، كمن هو آمن لا يتعرض
لشيء من المخاوف والمكروهات؟ وحين يقال للكافرين: ذوقوا جزاء ظلمكم وكسبكم من المعاصي في الدنيا. لقد كذب بعض الأقوام السابقين لقومك رسلهم، فأتاهم العذاب من جهة لا يترقبون إتيان العذاب منها، فأذاقهم الله الذل والهوان في الدنيا بما أنزل من العذاب والنكال، كالخسف والمسخ والقتل، والأسر، ولعذاب الآخرة أشد وأعظم مما أصابهم في الدنيا.
ضرب الأمثال في القرآن
من حكمة الله تعالى ورحمته وفضله: إيراد الأمثال والأشباه الحسية لتوضيح المجملات، وتقريب البعيد، وإقناع الناس، تخويفا وتحذيرا، وهذه إحدى خواص القرآن الكريم، ومن خواصه أيضا أنه قرآن متلو إلى يوم القيامة، وأنه عربي اللسان، وغير ذي عوج، أي إنه بريء وبعيد عن التناقض والتعارض. وفيه مثل عجيب للمؤمن الموحد، والمشرك، في أهم الأمور وأعظمها خطرا: وهو التوحيد، يدل على فساد مذهب المشركين، وبعدهم عن المنطق، فهم إن كانوا يرفضون الشركة في عبد مملوك لهم، فكيف يجعلون لله الشريك؟! قال الله تعالى موضحا هذه الخواص:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٢٧ الى ٣١]
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٢٩) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)
«١» «٢» [الزمر: ٣٩/ ٢٧- ٣١].
ضرب الله الأمثال المجملة للناس في القرآن الكريم، والمراد بضرب المثل: تطبيق
(١) أي متنازعون مختلفون لسوء طباعهم وأخلاقهم.
(٢) أي سالما خالصا.
حالة غريبة على حالة تشبهها، والمثل يقرّب المعنى إلى الذهن، وذلك لعل الناس يتعظون ويعتبرون. ثم وصف الله القرآن بصفات ثلاث: هي كونه قرآنا، أي مقروءا متلوا في المحاريب إلى يوم القيامة، وكونه عربيا بلسان عربي مبين، أعجز الفصحاء والبلغاء عن معارضته، وكونه غير ذي عوج، أي براءته وبعده عن التناقض والتضاد.
وقدّم الله تعالى التذكر على الاتقاء، لأن من اتعظ بشيء وفهم معناه، أقبل على ساحة التقوى: بالتزام المأمورات واجتناب المنهيات والاحتراز من المعاصي والمنكرات.
ثم مثّل الله تعالى الكافر العابد للأوثان والشياطين بعبد لرجال عدّة، في أخلاقهم شكاسة ونقص وعدم مسامحة، فهم لذلك يعذّبون هذا العبد، لأنهم يتضايقون في أوقاتهم، ويضايقون هذا العبد في كثرة العمل، فهو أبدا دائب متعب، فكذلك عابد الأوثان، أي ضرب الله مثلا للمشرك في صنعه، لا في معبوده، الذي يعبد أكثر من إله، بحالة رجل عبد مملوك يملكه عدد من الرجال، مختلفون فيما بينهم، متنازعون في ذلك العبد المشترك بينهم، متعاسرون، لسوء أخلاقهم وطباعهم، كل له رأي وحاجة، فإذا طلب كل واحد من السادة من هذا العبد شيئا أو حاجة، فماذا يفعل، وكيف يرضي جميع الشركاء؟ كذلك المشرك في عبادته آلهة متعددة لا يتمكن من إرضاء جميع تلك الآلهة، فهو معذب الفكر بها، ومتى أرضى صنما منها بالذبح له في زعمه، تفكّر فيما يصنع مع الآخر، فهو أبدا في تعب وضلال.
ومثّل الله تعالى المؤمن بالله تبارك وتعالى وحده، بعبد لرجل واحد يكلفه شغله، فهو يعمله على تؤدة، وقد ساس مولاه، فالمولى يغفر زلّته، ويشكره على إجادة عمله، أي ضرب الله مثلا آخر للمؤمن بحالة رجل آخر مملوك لشخص واحد، لا يشاركه فيه غيره، فإذا طلب شيئا منه لبّاه دون ارتباك ولا حيرة، وهذا كالمسلم الذي لا يعبد إلا الله، ولا يسعى لإرضاء غير ربه، فهل يكون في طمأنينة أو في حيرة؟.
الحمد لله على إقامة الحجة على عبدة الأوثان، وعلى أن الحمد لله لا لغيره، وعلى التوفيق للإسلام والحق، بل أكثر الناس لا يعلمون هذا الفرق، فيشركون مع الله غيره. وبما أن أكثر الناس جاهلون بالحق، لا ينتفعون بهذا المثل، هدد الله تعالى بالموت، فمصير جميع الخلائق إلى الله، وهو الذي يفصل بينهم في مظالمهم، والموت عاقبة كل حي، فإنك أيها النبي ميت، وهم سيموتون، ثم يكون التقاضي عند الله تعالى فيما اختلفتم فيه في الدنيا من التوحيد والشرك، فينجي الله المؤمنين الموحدين، ويعذّب المشركين المكذبين.
والتخاصم في الآخرة ليس خاصا بين المؤمنين والكافرين، وإنما هو حادث بين كل متنازعين في الدنيا، فإنه تتكرر المنازعة في الآخرة. وهو دليل على أن النبي محمدا صلّى الله عليه وسلّم سيخاصم قومه، ويحتج عليهم بأنه بلّغهم الرسالة، وأدى الأمانة، وأنذرهم وبشرهم، وهم يخاصمونه ويعتذرون بما لا معنى له، وهذا توعد للمشركين: بأنهم سيتخاصمون يوم القيامة في ردهم شريعة الله، وتكذيبهم لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم.
أخرج الإمام أحمد عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «أول الخصمين يوم القيامة: جاران».
وعيد المكذبين ووعد المصدقين
ليس هناك بعد الشرك بالله أسوأ من الكذب، وإن الذين يفترون الكذب لا يفلحون، والكذب أخس صفة تؤدي إلى الطعن بالرجولة، وتدل على فقد الثقة بالنفس، وضعف الإنسان، وتورطه بالنفاق، لذا كان أسوأ اعتقاد المشركين تكذيب الله تعالى بإثبات ولد له أو شريك، وتكذيب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد إثبات صدقه في نبوته، بالأدلة القاطعة والمعجزات الباهرة، فاستحقوا الوعيد في نار
جهنم، ويقابل ذلك وعد الصادقين المصدقين بالله ورسوله بمنحهم عند ربهم كل ما يشاءون من الجنة والنعيم والرضوان، وإثابتهم أفضل الثواب، ليقترن الوعد بالوعيد، وتظهر التفرقة بين الحالين، قال الله تعالى مبينا هذا التفاوت:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٣٢ الى ٣٧]
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٣٢) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤) لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥) أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ هادٍ (٣٦)
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقامٍ (٣٧)
«١» «٢» [الزمر: ٣٩/ ٣٢- ٣٧].
من أقبح خصال المشركين: أنهم يكذبون الله ورسوله، فلا أحد أظلم ممن كذب على الله، فزعم أن له ولدا أو شريكا، أو صاحبة، وحرّم وحلل من غير أمر الله، وكذّب بما جاء به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من دعوة الناس إلى التوحيد، والأمر بإقامة فرائض الشرع، والنهي عن المحرّمات، والإخبار بالبعث والنشور والحساب والجزاء.
وهؤلاء في الواقع يستحقون أشد العذاب، أليس في نار جهنم الواسعة مقام ومستقر لهؤلاء الكافرين؟! وفيه دلالة على علة كذبهم وتكذيبهم، وهو الكفر.
وفي مقابل هذا الوعيد: يأتي الوعد للمؤمنين، فالذي جاء بالصدق والقول الحق: وهو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والذين صدقوا به، وآمنوا بأنه رسول من عند الله، وهم أتباعه المؤمنون، أولئك لا غيرهم هم الذين اتقوا الله وخافوه، وتجنبوا الشرك وعبادة الأوثان.
(١) أي مقام لهم.
(٢) أي يكفيه وعيد المشركين.
وثواب هؤلاء الصادقين المصدقين: أن لهم ما يطلبون عند ربهم في جنان الخلد، من رفع الدرجات، ودفع الضرر، وتكفير السيئات، وذلك جزاء الذين أحسنوا في أعمالهم.
قال على بن أبي طالب رضي الله عنه وجماعة: الذي جاء بالصدق هو محمد صلّى الله عليه وسلّم، والذي صدّق به: هو أبو بكر رضي الله عنه.
وقال قتادة وابن زيد، الذي جاء بالصدق: هو محمد صلّى الله عليه وسلّم، والذي صدّق به هم المؤمنون. وقال مجاهد: هم أهل القرآن.
وعلة هذا الجزاء: تكفير السيئات، والمجازاة بأحسن أفعالهم، أي وعدهم الله تعالى بالجنان ونعمها من أجل تكفير سيئ عملهم، وإثابتهم بمحاسن أعمالهم، وإذا غفر الله لهم أسوأ أعمالهم، غفر لهم ما دونه بطريق أولى. والحسن الذي يعملونه:
هو الأحسن عند الله تعالى.
وكذلك يكفي الله المؤمنين في الدنيا ما أهمهم، ويمنع عنهم ما يخيفهم، أليس الله يكفي من عبده وتوكل عليه؟ فيدفع عنه الويلات والمصائب، ويحقق له جميع رغائبه.
والمراد بعبده: النبي صلّى الله عليه وسلّم وجميع عباد الله. وهذا تقوية لنفس النبي صلّى الله عليه وسلّم، لأن كفار قريش كانوا خوّفوه من الأصنام، وقالوا: أنت تسبّها وتخاف أن تصيبك بجنون أو علة، فنزلت الآية في ذلك. أي إن المشركين يخوّفونك أيها النبي بالذي يعبدون من دون الله.
وروي أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعث خالد بن الوليد إلى كسر صنم العزّى، فقال سادنها «١» :يا خالد، إني أخاف عليك منها، فلها قوّة لا يقوم لها شيء، فأخذ خالد الفأس، فهشم به وجهها وانصرف «٢».
ثم قرر الله تعالى: أن الهداية والإضلال من عنده بالخلق والاختراع، وأن ما أراد
(١) خادمها والقائم على حمايتها.
(٢) أخرجه عبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير عن قتادة.
من ذلك لا رادّ له، ثم توعد الله المشركين بعزته وانتقامه، فكان ذلك والانتقام يوم بدر وما بعده.
أي إن من حقّ عليه القضاء بضلاله لسوئه وعناده ومكابرته، ماله من هاد يهديه إلى الرشد، ويخرجه من الضلالة، ومن يوفقه الله إلى السعادة والإيمان لاستعداده لهما، فلا مضل له أبدا. أليس الله بغالب لكل شيء، قاهر له، ينتقم من عصاته بعذاب شديد؟ فهو سبحانه منيع الجانب، قوي البطش، شديد الانتقام من أعدائه المشركين المكذبين رسوله وأمينه عليه الصلاة والسّلام.
مناقشة عبدة الأصنام
الإسلام دعوة الإصلاح الكبرى الشاملة لجميع أبناء البشر، لذا كان حريصا بصراحته ورحمته واعتماده على العقل الحر والمنطق الرشيد، هداية الناس جميعا حتى الوثنيين البدائيين إلى الدين الحق والعقيدة الصحيحة القائمة على توحيد الله عز وجل، وإبطال عبادة كل ما لا خير فيه ولا نفع، ولا دليل من الواقع عليه، واعتمد القرآن الكريم في مناقشة عبدة الأصنام على أساسين واضحين:
الأول- أن المشركين لو سئلوا عن خالق السماوات والأرض لأقروا بأنه الله تعالى.
الثاني- أن أصنامهم التي يعبدونها عاجزة عن تحقيق الخير أو دفع الشر.
روي عن مقاتل: أن النبي صلّى الله عليه وسلّم سألهم، فسكتوا، فنزل قوله تعالى: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ
وقال بعض المشركين: لا تدفع هذه الأصنام شيئا قدّره الله، ولكنها تشفع، فنزلت هذه الآيات الآتية:

[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٣٨ الى ٤٠]

وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كاشِفاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨) قُلْ يا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٩) مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٤٠)
«١» [الزمر: ٣٩/ ٣٨- ٤٠].
هذا ابتداء احتجاج على المشركين بحجة حاسمة، مفادها أن القرآن الكريم انتزع منهم الإقرار بالخالق المخترع الموجد: وهو الله عز وجل، وحينئذ لم يبق لهم في الأصنام غرض إلا أن يقولوا: إنها تضر وتنفع.
فقيل لهم: إذا أراد الله أمرا، هل للأصنام قدرة على نقضه؟
والجواب واضح: وهو أنه لا قدرة للأصنام على شيء من ذلك.
وتقرير الأمرين أو الأصلين يتبين في معنى هذه الآيات.
لئن سألت أيها النبي أو أي إنسان المشركين عن خالق السماوات والأرض، لأقروا على الفور وبصراحة: بأنه هو الله الخالق، مع أنهم يعبدون الأصنام.
فإذا أقررتم بأن الله تعالى خلق الأشياء كلها، فأخبروني عن هذه الآلهة المزعومة:
إن أراد الله بأحد شيئا من الضّر، أي الشدة والبلاء، هل تستطيع هذه الأصنام أن تمنع ما أراده الله من شدة، وإن أراد الله بأحد منحه شيئا من الخير والنعمة والفضل والإحسان، هل تقدر هذه الأصنام حجب رحمة الله عنه؟ وإذا كانت لا تمنع شرا، ولا تجلب نفعا، فكيف تجوز عبادتها وتعظيمها؟! ثم أمر الله تعالى نبيه أن يصدع بالاتكال على الله تعالى، وأنه حسبه وكافيه من كل
(١) أي على ما رأيتموه متمكنا لكم، وعلى حالاتكم التي استقر رأيكم عليها.
شيء ومن كل ناصر، وأنه هو وحده لا غيره الذي يجب أن يتوكل عليه المتوكلون، ويفوض إليه جميع الأمور المؤمنون، ويلجأ إلى الاستعانة به كل البشر أجمعون.
ثم أمر الله نبيه بأن يتوعد المشركين في قوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ أي: قل أيها النبي: يا قوم، اعملوا ما شئتم، وافعلوا ما أنتم عليه من هذه الحال والطريقة التي أنتم عليها، من معاداة رسالتي، والاعتماد على القوة والشدة والثروة، واجتهدوا في استعمال مختلف أنواع المكر والكيد، فإني على حالتي ومنهجي وطريقتي التي أدعو بها إلى توحيد الله، ونشر دينه في الآفاق، ولدى جميع الناس، فسوف تعلمون وبال ذلك وعاقبته الوخيمة، وتأملوا فيمن سيأتيه عذاب يذله ويهينه في الدنيا، بعد تفاخره وعناده واستكباره، فيظهر حينئذ المبطل من المحق، وسيتعرض لعذاب دائم مستمر، لا محيد عنه في الآخرة: وهو عذاب النار يوم القيامة.
وقوله سبحانه: اعْمَلُوا لفظ أمر بمعنى الوعيد والتهديد، والعذاب المخزي:
هو عذاب الدنيا يوم بدر وغيره من الهزائم المنكرة التي تلحق بالمشركين، والعذاب المقيم: هو عذاب الآخرة.
إن النظرة العاجلة السريعة التي يتبين خطؤها عما قريب: هي التي تحمل أهل الشرك والكفر والضلال على البقاء على ما هم عليه، وإن النظرة المتأنية المعتمدة على المنطق السديد والعقل الرشيد هي التي تغيّر المواقف، وتحوّل أصحاب العقول السوية من طريق الغواية والانحراف إلى طريق الرشاد والاستقامة.
مظاهر القدرة الإلهية والوحدانية
مظاهر وحدانية الله تعالى وسلطانه ومقدرته الفائقة تتعدد في الكون والإنسان والحياة وما بعد الممات في عالم الآخرة، وأول المظاهر الكبرى للوحدانية والقدرة
الإلهية: إنزال القرآن الكريم على النبي محمد صلّى الله عليه وسلّم وبيان علو مكانته واصطفاء ربه عز وجل له، ثم الاعلام بقدرة الله على قبض الأرواح بانتهاء آجالها، وملكه الشفاعة التي لا تتم إلا بأمره وإذنه. وهناك مظاهر ثلاثة متممة أخرى، وهي كون الله مبدع السماوات والأرض، واتصافه بعلم الغيب والشهادة، علم الآخرة والدنيا المشاهدة، وإظهار أنواع من العقاب غير معروفة ولا محسوبة، وبيان آثار السيئات والمعاصي التي يرتكبها الناس، قال الله تعالى مبينا ذلك:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٤١ الى ٤٨]
إِنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ لِلنَّاسِ بِالْحَقِّ فَمَنِ اهْتَدى فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٤١) اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢) أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعاءَ قُلْ أَوَلَوْ كانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلا يَعْقِلُونَ (٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفاعَةُ جَمِيعاً لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٤٤) وَإِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)
قُلِ اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧) وَبَدا لَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤٨)
[الزمر: ٣٩/ ٤١- ٤٨].
المعنى: يقرر الله تعالى أنه أنزل القرآن الكريم بالحق، أي متضمنا الحق في أخباره وأحكامه، أو أنزله بالواجب من إنزاله وبالاستحقاق لذلك، لما فيه من مصلحة العالم وهداية الناس. وهذا بيان لإقامة الحجة على العباد، ولم يبق إلا اختيارهم وإقدامهم على الأخذ به، فمن عرف الحق وسلك طريقه واتبعه، فاهتداؤه ومعرفته
لخير نفسه، ومن حاد عن الحق وتنكر له، فضلاله على نفسه، ووباله على ذاته، وما أنت أيها الرسول بموكل على الناس أن يهتدوا ولا يمكنك حملهم على جادة الهداية، وإنما عليك إبلاغ الرسالة. ومن المعلوم أن إنزال القرآن هو أول مظاهر قدرة الله وفضله وتوحيده.
والمظهر الثاني: أن الله تعالى هو الحاكم المطلق على الناس بالموت، فهو الذي يقبض الأرواح من طريق الملائكة حين انتهاء آجال أصحابها، وهي الوفاة الكبرى، فيمسك تلك الأرواح، أي لا يردها إلى الجسد الذي كانت فيه، ويرسل روح النفس الأخرى التي نامت إلى أجسادها حين اليقظة، بأن يعيد إليها إحساسها، ويبقيها على قيد الحياة، إلى أجل معين: هو وقت الموت. إن في ذلك التوفي التام، وإرسال الروح مرة أخرى لعلامات باهرة على قدرة الله ووحدانية، من قوم يتفكرون ويتأملون في ذلك. أما الروح فلا يعلم حقيقتها إلا الله، ولا سلطان عليها لأحد غير الله، لا بتحضير الأرواح أو التنويم المغناطيسي ولا بغير ذلك: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ١٧/ ٨٥].
بل اتخذ المشركون من دون الله آلهة شفعاء تشفع لهم عند الله؟ لا ينبغي لهم ذلك، وقل لهم أيها النبي للرد عليهم: كيف تتخذون تلك الأصنام شفعاء لكم، وهم لا يملكون شفاعة ولا غيرها، ولا يعقلون شيئا من شفاعة ولا غيرها، ولا تدرك تلك الأصنام شفعاء لكم، وهم لا يملكون شفاعة ولا غيرها، ولا يعقلون شيئا من شفاعة ولا غيرها، ولا تدرك تلك الأصنام أن الناس يعبدونها. وقل أيضا يا نبي الله: إن الله تعالى هو مالك جميع أنواع الشفاعة، وليس لأحد منها شيء فالله هو مالك جميع السماوات والأرض وكل ما يحدث فيهما، ثم إليه مصائر جميع الناس بعد البعث، فيحاسبهم على جميع أعمالهم، وفي هذا تهديد ووعيد لمن يعتمد على غير الله في أي شيء.
ومن قبائح المشركين: إذا ذكر الله وحده، وأنه لا إله سواه، انقبضوا وانزعجوا،
لأنهم لا يؤمنون باليوم الآخر، وإذا ذكرت الأصنام كاللات والعزى، إذا هم يفرحون ويسرّون.
قال مجاهد: نزلت هذه الآية في قراءة النبي صلّى الله عليه وسلّم سورة النجم عند الكعبة، وفرحهم عند ذكره الآلهة، أي عند قوله تعالى: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) [النجم: ٥٣/ ١٩].
ثم رد الله تعالى عليهم بقوله: ادع الله أيها النبي فقل: يا خالق السماوات والأرض، ويا عالم الغيب والشهادة (ما غاب عن البشر وما شاهدوه) أنت تحكم بين عبادك في كل ما اختلفوا فيه. وهذا دليل على العلم التام لله عز وجل.
ثم توعد الله المشركين بأمور ثلاثة:
أولها: لو أن هؤلاء المشركين ملكوا جميع خزائن الأرض ومثلها معها، لجعلوا الكل فدية لأنفسهم من ذلك العذاب يوم القيامة.
وثانيها: وظهر لهم من أنواع العقاب والعذاب المهيأ لهم ما لم يكن في حسابهم ولا خطر في بالهم.
وثالثها: وظهر لهم جزاء وأثر سيئاتهم التي اكتسبوها في الدنيا، وأحاط بهم من العذاب ما كانوا يستهزئون به في دار الدنيا، ومن إنذارات النبي صلّى الله عليه وسلّم.
سوء الطبع عند الإنسان
من قبائح طبائع المشركين والكافرين: تنكرهم للنعمة الإلهية حال الرخاء، ولجوؤهم إلى الله تعالى حين الشدة والبلاء، زاعمين بأن الإنقاذ والنعمة يحدثان بمهارتهم وجهدهم، مع أن الله تعالى وحده هو مصدر الخير والنعمة والرزق، وليس جمع الثروة بمهارة الإنسان وفطنته وخبرته، ولا ضعفها ولا قلتها بغبائه وخموله،
وإنما أمر الرزق بيد الله تعالى بشرط السعي والعمل، فقد يكون الجهد الكثير، ولا يحصل سوى الرزق القليل، وقد يكون العجز والضعف، ويسوق الله الرزق الوفير لصاحبه، على وفق مراد الله تعالى وحكمته، وهذا ما دوّنته الآيات الآتية:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٤٩ الى ٥٢]
فَإِذا مَسَّ الْإِنْسانَ ضُرٌّ دَعانا ثُمَّ إِذا خَوَّلْناهُ نِعْمَةً مِنَّا قالَ إِنَّما أُوتِيتُهُ عَلى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هؤُلاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئاتُ ما كَسَبُوا وَما هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١) أَوَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)
«١» «٢» «٣» «٤» [الزمر: ٣٩/ ٤٩- ٥٢].
إن طبع الإنسان غريب، فتراه إذا كان كافرا أو مشركا، وأصابه ضرّ من فقر أو مرض أو غيرهما، تضرّع إلى الله تعالى، واستعان به لكشف الضّر عنه، حتى إذا منحه الله نعمة من صحة وعافية وسلامة أو ثروة ومنصب وجاه، أو غير ذلك، زعم أنه وصل لذلك بخبرته ومهارته بأوجه المكاسب والعمل، أو لأنه يستحق ذلك، والحقيقة أن الحياة بأوضاعها كلها ابتلاء وخبرة للناس وامتحان لهم، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ذلك، ولا يدركون أن كلّا من النعمة والنقمة اختبار وامتحان، ففي حال الإنعام ليعرف الشاكر من الجاحد، وفي حال الإفقار ليعلم الصابر والمؤمن من الجزع والجاحد، والجزع: ضدّ الصبر.
وهذه المقالة من المشركين، قالها الذين سبقوهم، فزعموا هذا الزعم، وادّعوا هذه الدعاوي مثل قارون وغيره، فما صحّ قولهم، ولم يفدهم ما كسبوا من متاع الدنيا شيئا، ولا نفعهم جمع المال الكثير.
(١) أي أعطيناه وملكناه.
(٢) أي اختبار وابتلاء. [..... ]
(٣) أي مفلتين وناجين بأنفسهم.
(٤) أي يضيّق.
ترتّب على هذا الموقف المباين للصواب والسداد أن يحلّ بهم جزاء المعاصي والسيئات التي اكتسبوها من الأعمال، فعوقبوا في الدنيا بعقوبات شتى كخسف الأرض بقارون، وتدمير عاد وثمود وقوم لوط، ولهم أشدّ العقاب أيضا في الآخرة، وكذلك هؤلاء الظالمون الكافرون من مشركي مكة حين نزول الوحي وأمثالهم في كل زمان، سيصيبهم وبال كسبهم منكرات الأعمال، وسوء الاعتقاد، كما أصاب من قبلهم، من القحط والقتل والأسر والقهر، وما هم بمفلتين ولا ناجين بأنفسهم من سلطان الله تعالى، بل مردّهم ومرجعهم إليه، في قبضته وهيمنته، يصنع بهم ما يشاء من العقوبة.
إن هؤلاء المعاندين لرسالة الأنبياء والمعارضين لدعوة الإصلاح، لا يغني عنهم كسبهم وجمعهم للأموال، ولا يغني أمثالهم، والجميع يستحقون التوعّد، فأولئك الغابرون، أصابهم جزاء ما كسبوا، وكذلك الذين ظلموا بالكفر من هؤلاء المعاصرين للنّبي محمد صلّى الله عليه وسلّم سيصيبهم ما أصاب المتقدّمين.
ثم قرّر الله تعالى القرار الحقيقي في أمر الكسب والرزق وسعة النّعم، وطريقة قسمته بين الناس على وفق الحكمة والمصلحة للعباد أنفسهم، وهذا القرار هو: أو لم يعلم المشركون وأمثالهم أن الله هو الذي يبسط الرزق لقوم، ويضيّقه على قوم بمشيئته وسابق علمه، وليس ذلك لمهارة أحد ولا لعجزه، إن في ذلك لدلالات واضحات وعلامات قاطعات لقوم يؤمنون بالله وحده، ويصدّقون بسلطانه وقدرته الخارقة والشاملة.
وقد خصّ الله تعالى المؤمنين بأنهم هم الذين ينتفعون بالآيات ويدركون ذلك، ويقدرون مواقفهم السديدة في مواجهة الحقّ تعالى، ويبين هذا أيضا آية أخرى هي قوله تعالى: وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) [الشّورى: ٤٢/ ٢٧].
إن في هذا البيان الإلهي تقريرا لأمرين: الأول- أن الله تعالى هو لا غيره الرازق المتكفّل بأرزاق المخلوقات من بدء الحياة إلى الموت. والثاني- أن قسمة الرّزق بيد الله تعالى، لا تكون مرتبطة بالمهارات وضدّها من العجز، ولا بالإيمان ونقيضه، ولا بالاستقامة والطاعة وعكسها.
طريق التجديد والإصلاح
من المعلوم أن الإنسان مركب على النقض، معرّض للأخطاء، فالخطأ ملازم لكل إنسان، لكن لا يجب ولا يصح استمرار الخطأ، وإنما العلاج سهل ويسير، والتخلص من آثار الزلات والانتكاسات أمر ليس بالعسير ولا بالشاق، ألا وهو العودة إلى الله تعالى، وتجديد الحياة، وتصحيح المسيرة بالتوبة الخالصة بين الإنسان وربه، وإخلاصه العمل له سبحانه، والتوجه الصحيح في فهم حقيقة الوجود، وضرورة الإيمان لكل إنسان، والالتزام بأصول الحق والسداد والاستقامة. قال الله تعالى مبينا هذا المنهاج ليفتح لنا باب الأمل والرجاء:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٥٣ الى ٥٩]
قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (٥٦) أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)
أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها وَاسْتَكْبَرْتَ وَكُنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (٥٩)
«١» «٢» «٣» «٤»
(١) أي تجاوزوا الحد وأفرطوا.
(٢) لا تيأسوا، والقنوط أعظم اليأس.
(٣) أي فجأة وعلى غير موعد.
(٤) أي في تضييع شريعته والإيمان به.
[الزمر: ٣٩/ ٥٣- ٥٩].
نزلت هذه الآية فيما
رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن عباس: أن ناسا من أهل الشرك قتلوا فأكثروا، وزنوا فأكثروا، ثم أتوا محمدا صلّى الله عليه وسلّم، فقالوا: إن الذي تقول وتدعو إليه لحسن، أو تخبرنا أن لنا توبة، أو أن لما عملنا كفارة؟ فنزلت الآية:
وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ إلى قوله: وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً
[الفرقان:
٢٥/ ٦٨- ٧٠] ونزل: قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ..
وهذه الآية عامة في جميع الناس إلى يوم القيامة، تشمل الكافر والمؤمن.
المعنى: قل أيها النبي لقومك: يا عباد الله الذين أسرفوا أو تجاوزوا الحد في المعاصي، واستكثروا منها، لا تيأسوا من مغفرة الله تعالى، فإن الله تعالى يغفر جميع الذنوب إلا الشرك الذي لم يتب منه صاحبه، كما في آية أخرى: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء: ٤/ ٤٨].
إن الله كثير المغفرة واسع الرحمة، فلا يعاقب بعد التوبة، فإن توبة الكافر تمحو كفره، وتوبة العاصي تمحو ذنبه، ومقتضى ظواهر القرآن: أن الذنب مغفور بالتوبة ولا بد، لكن الشرك ليس بمغفور إجماعا، وكل مغفرة أو عمل مقيد بمشيئة الله.
لكن المغفرة تتطلب أمرين: التوبة الخالصة لله تعالى، وإخلاص العمل لله سبحانه، لذا أمر الله بالإنابة إليه بالتوبة والطاعة، واجتناب المعاصي، وتسليم الأمر لله عز وجل، والرضا بحكمه وبأمره، من قبل مجيء عذاب الدنيا، والوقوع في الهزيمة المنكرة. ومعنى قوله: وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ: ارجعوا وميلوا بنفوسكم.
وإخلاص العمل لله لا يكون إلا باتباع القرآن الكريم بإحلال حلاله، وتحريم حرامه، والتزام طاعته، وتجنب معصيته. ومعنى قوله: وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ
إِلَيْكُمْ..
أي التزموا طريق التفهم والطاعة، واتبعوا أوامر الله واجتنبوا نواهيه، فهو أحسن من أن يسلك الإنسان طريق الغفلة والمعصية، وهذا هو المعنى المقصود ب (أحسن) وليس معناه أن بعض القرآن أحسن من بعض، من حيث هو قرآن، وإنما وجه الأحسنية: هو بالإضافة إلى أفعال الإنسان وما يجد من عواقبها، فما يأمر به الله خير مما يفعله الإنسان بهواه وعقله، قال السّدي: الأحسن: هو ما أمر الله تبارك وتعالى به في كتابه.
واتباع أوامر الله: مطلوب قبل مجيء العذاب فجأة من غير موعد، والناس غافلون عنه لاهون، لا يشعرون به، وهذا تهديد ووعيد.
وهذا منهج الحكمة والعقل، فإن المبادرة إلى التوبة والعمل الصالح أمر مطلوب قبل فوات الأوان، وذلك قبل الندم، وقبل أن تقول نفس مفرطة في التوبة: يا حسرتاه على التقصير في الإيمان والطاعة، وتدبّر القرآن والعمل بأوامره وإرشاداته، فلقد كان عملي في الدنيا عمل ساخر مستهزئ بدين الله وكتابه وبرسوله وبالمؤمنين، غير مصدّق بالله وحسابه. أو قبل أن تقول نفس: لو أن الله أرشدني إلى دينه، لكنت ممن يتقي الله ويجتنب الشرك. فهذه الجملة وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ هي من قول الكافر، مفادها الندامة على استهزائه بأمر الله، والسّخر: الاستهزاء. أو قبل أن تقول حين معاينة العذاب: ليت لي رجعة أخرى إلى الدنيا، فأكون من المؤمنين بالله، الموحّدين له، المحسنين في أعمالهم. ثم رد الله تعالى على أصحاب هذه التأملات بأنه قد جاءت آيات الله في قرآنه تنذر وتحذر، فكذبوا بها، وتكبروا عن اتباعها، وكانوا من الجاحدين بها، الكافرين بمضمونها.
إن هذه التحذيرات من سوء العاقبة مفيدة في الدنيا، لا في الآخرة، فإن الدنيا:
هي دار التكليف، والآخرة هي دار الحساب والجزاء، وفي الآخرة لا ينفع الندم، ولا مجال لإصلاح العمل أو العودة للدنيا لتصحيح الأعمال.
الوحدانية والخلق والجزاء
يجمع الله تعالى في بضع آيات موضوعات متعددة، يساند بعضها بعضا، وتحقق الغاية منها لإصلاح الإنسان، وتحذيره من الانحراف والعصيان، فيكون الوعد بجوار الوعيد، والنهي يقابل الأمر، والترغيب مع الترهيب، والإخبار بسوء مصير المكذبين بآيات الله، ونجاة المتقين في عالم القيامة، واقتران التذكير بأن الله خالق كل شيء، مع التفرد بالسلطان والحساب والجزاء، والتحذير من إحباط الشرك جميع الأعمال، والأمر بعبادة الله وشكره، وهذا اللون من الجمع بين المتقابلات يتميز به أسلوب القرآن المتميز بالإعجاز، وارتقاء المستوى البلاغي والفصاحة إلى أرقى الحدود لأن الأشياء تتبين بأضدادها، قال الله تعالى:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٦٠ الى ٦٧]
وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠) وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦١) اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤)
وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)
«١» «٢» «٣» «٤» [الزمر: ٣٩/ ٦٠- ٦٧].
هذه ألوان من الأخبار المتضمنة للوعيد والتحذير والإنذار لمعاصري النبي محمد
(١) أي قائم على الأمر، موفّ كل شيء على السام والكمال.
(٢) أي مفاتيح، وهذه استعارة يراد بها بيان قدرة الله على كل شيء وتصرفه بكل شيء.
(٣) أي يبطل ويفسد.
(٤) هذه استعارة لكمال العظمة والقدرة.
صلّى الله عليه وسلّم ومن يأتي بعدهم، تتضمن بيان خواص الألوهية والوحدانية، وكمال العظمة والسلطان والقدرة الإلهية.
أول هذه الخواص: أن الله تعالى هو المتفرد بالخلق والإبداع وإيجاد جميع الأشياء في الدنيا والآخرة، وأنه القائم على جميع الأمور المستقل بها، الموكل بحفظها وتدبيرها، والمتولي إكمالها وتتميمها، وهذا دليل على أن الله هو الخالق لجميع أعمال الناس.
وأخبر أيها النبي بخبر مهم جدا: وهو أنك وكل إنسان ترى المشركين يوم القيامة، الذين كذبوا على الله في ادعائهم شريكا لله، وجوههم مسودة مظلمة بكذبهم وافترائهم، لما شاهدوه من مآس وأحزان، وعذاب وسخط، إن في جهنم مسكنا ومقاما للمتكبرين عن طاعة الله، الذين أبوا الانقياد للحق والطاعة.
وأخبر في مقابل هؤلاء الجناة للمعادلة والموازنة عن حال المتقين الذين اتقوا الشرك والمعاصي، فإن الله تعالى ينجيهم من النار، ويدخلهم الجنة، ويحميهم من السوء والكدر، ومن الحزن والألم، فهم آمنون من كل فزع.
وثاني خواص القدرة الإلهية: أن الله تعالى هو المتصرف والمتحكم في شؤون السماوات والأرض، وبيده خزائن الخيرات فيهما: لَهُ مَقالِيدُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وهذه استعارة يراد بها بيان قدرة الله تعالى المطلقة وتحكم الله في مخزونات الكون حفظا وتدبيرا، ومنحا ومنعا، أو عطاء وحرمانا، لكن الذين جحدوا بآيات الله الكونية الدالة على وحدانيته وقدرته، في أنحاء السماوات والأرض، أولئك لا غيرهم هم الذين خسروا أنفسهم، واستحقوا الخلود في النار، جزاء كفرهم.
وإذا كان الله تعالى هو المتميز بالوحدانية والقدرة المطلقة، فيستحق المشركون التوبيخ على ترك عبادة الله، والتوجه نحو عبادة الأصنام، فقل أيها الرسول لكفرة
قومك وأمثالهم: كيف تأمروني أيها الجهال بعبادة غير الله تعالى؟ بعد قيام الأدلة القطعية على تفرده بالألوهية، فهو خالق الأشياء ومدبرها ورازق الأحياء، فلا تصلح العبادة إلا له تعالى.
وسبب نزول هذه الآية: هو كما
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن المشركين من جهلهم، دعوا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عبادة آلهتهم، وأن يعبدوا معه إلهه، فنزلت هذه الآية: قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤).
ثم قرّر الله تعالى مبدأ إعلان الوحدانية الدائم في قوله: وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ.. أي إن أمر المشركين المساومين عجيب، فلقد أوحي إلى النبي محمد وإلى كل نبي عليهم الصلاة والسّلام: لئن أشركت مع الله إلها آخر، ليبطلنّ عملك، ولتكونن من الذين خسروا أنفسهم، وأضاعوا دنياهم وأخراهم. وهذا دليل على أن الشرك يحبط الأعمال، ويضيعها هباء منثورا، ولو كانت خيرا.
ثم أكد الله تعالى مقتضى الوحدانية بأمر النبي صلّى الله عليه وسلّم بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، وأن يكون من الشاكرين نعم الله بالهداية والرسالة النبوية.
أما المشركون: فلم يقدروا الله حق قدره، أي لم يعظموه حق تعظيمه، حين عبدوا معه إلها آخر، فإن الأرض كلها تحت سلطان الله وتصرفه وملكه والسماوات خاضعة لقدرته وسلطانه ومشيئته، تنزه الله عما يشركون به من الشركاء. والمراد باليمين والقبضة في الآيات: أنها عبارة عن القدرة والقوة.
وسبب نزول هذه الآية كما
روى الطبري: هو الرد على رهط من اليهود حين أتوا النبي صلّى الله عليه وسلّم فقالوا: يا محمد، هذا الله خلق الخلق، فمن خلقه؟ فغضب النبي، ثم جاءه الجواب عما سألوا عنه بنزول سورة الإخلاص قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) فلما تلاها عليهم النبي قالوا: صف لنا ربك، كيف خلقه، وكيف عضده، وكيف
ذراعه؟ فغضب النبي صلّى الله عليه وسلّم أشد من غضبه الأول، ثم ساورهم، فأتاه جبريل فقال مثل مقاله، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ الآية.
نفخة الصور وتوابعها
لكل شيء مخلوق نهاية، والدوام والخلود ابتداء وبقاء هو لله تعالى، والنهاية الحتمية للمخلوقات جميعها تكون يوم القيامة، وهي أمر سهل على الله تعالى، لأن من ملك البدء في الخلق، أمكنة الإعادة، وهما سواء بالنسبة للخالق عز وجل، ونهاية الكون تكون بنفخات ثلاث: الأولى صعقة الفزع، وهي ليست مذكورة في الآيات الآتية، ثم نفخة الصور للإماتة، ثم نفخة البعث من القبور، وهاتان النفختان مذكورتان في الآيات الآتية، ويتبع ذلك فصل الخصومات أو المنازعات بين الناس، على منهج الحق التام والعدل المطلق، ثم إيصال الحق لصاحبه. قال الله تعالى واصفا هذه الأحداث الجسام:
[سورة الزمر (٣٩) :الآيات ٦٨ الى ٧٥]
وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلاَّ مَنْ شاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فَإِذا هُمْ قِيامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّها وَوُضِعَ الْكِتابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَداءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها فُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آياتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقاءَ يَوْمِكُمْ هذا قالُوا بَلى وَلكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذابِ عَلَى الْكافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذا جاؤُها وَفُتِحَتْ أَبْوابُها وَقالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ (٧٣) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٧٤) وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٧٥)
«١»
(١) الصور: القرن أو البوق الذي ينفخ فيه قبل القيامة.
[الزمر: ٣٩/ ٦٨- ٧٥].
من تمام مظاهر قدرة الله تعالى: النفخ في الصور ليصعق الأحياء من أهل الدنيا والسماء، والنفخات ثلاث كما ذكرت: نفخة الفزع «١»، ولم تتضمنها هذه الآية، فاذكر أيها النبي حين ينفخ إسرافيل في الصور للإماتة، والصور قرن أو بوق، فيخرّ ميتا جميع أهل السماوات والأرض، إلا من شاء الله ألّا يموت حينئذ كجبرائيل وميكائيل وإسرافيل حيث يموتون بعد ذلك، ثم ينفخ إسرافيل نفخة أخرى للبعث من القبور، فيقوم الناس أحياء من قبورهم، ينظرون أهوال يوم القيامة، وينتظرون ماذا يفعل بهم، بعد أن كانوا عظاما بالية، ورفاتا مفتتة كالتراب.
روي أن بين النفختين أربعين سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة، لا يدري الراوي أبو هريرة ذلك، كما روى البخاري.
وتكون أحوال القيامة على النحو التالي:
١- ٤: تضيء الأرض في المحشر بتجلي الحق للخلائق لفصل القضاء، ويوضع سجل أو صحائف الأعمال لبني آدم بين يدي أصحابها، إما باليمين أو بالشمال ويجاء بالأنبياء إلى الموقف ليسألوا عما أجابتهم به أقوامهم، ويجاء أيضا بالشهود الذين يشهدون على الأمم، من الملائكة الحفظة التي تقيّد أعمال العباد. والشهداء: جمع شاهد، والمراد بالشهود: أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم الذين جعلهم الله تعالى شهداء على الناس.
(١) ثبت في بعض الأحاديث عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وسلّم أن قبل الموت صعقة الفزع
وتكون توابع الحشر والنشر والحساب والجزاء كما يلي:
١- ٤: يقضي الله بين العباد بالحق والعدل والصدق، ولا يظلم ولا ينقص شيء من ثوابهم، ولا يزاد في عقابهم، ويكون الجزاء على قدر أعمالهم، وتوفى أو تعطى كل نفس جزاء ما عملت من خير أو شر، والله أعلم من كل أحد بما يفعل العباد في الدنيا، من غير حاجة إلى كاتب أو حاسب أو مسجل، ولكن وضع الكتاب أو صحف الأعمال وشهادة الشهود والأنبياء لإلزام الناس بالحجة وقطع المعذرة. ثم أبان الله تعالى حال الأشقياء وحال الأتقياء.
فيساق الكافرون سوقا عنيفا بزجر وتهديد إلى جهنم، جماعات متفرقة، حتى إذا وصلوا إليها، تفتح لهم أبوابها السبعة، ليدخلوها ويعاقبوا فيها. وتقول لهم خزنة النار من الملائكة، على وجه التقريع والتوبيخ: ألم يأتكم رسل من جنسكم تأخذون عنهم، ويتلون عليكم آيات الله التي أنزلها لإقامة الحجة على صحة ما دعوكم إليه، ويحذرونكم شر هذا اليوم، فأجابوا بقولهم: بلى، جاءونا وأنذرونا، ولكن كذبناهم وخالفناهم، ووجبت كلمة العذاب على من كفر بالله وأشرك. فتقول لهم الملائكة:
ادخلوا في أبواب جهنم التي فتحت لكم، مقدّرا لكم فيها الخلود والبقاء والدوام إلى الأبد، فبئس المقر الدائم جهنم، بسبب تكبركم في الدنيا عن اتباع الحق.
وأما الأتقياء الذين اتقوا الشرك، وهم كل من يدخل الجنة من المؤمنين:
فتسوقهم الملائكة إلى الجنة بإعزاز وتكريم، جماعات متعاقبة، حتى إذا وصلوا إلى أبواب الجنة الثمانية، بعد تجاوز الصراط فتفتح لهم أبوابها الثمانية، والواو في قوله:
وَفُتِحَتْ واو الحال، للدلالة على فتح الأبواب سابقا، وعلى الترحيب بهم، ولاستعجال السرور قبل الدخول إذا رأوها مفتوحة، وصيانة لهم عن المذلة التي يلقاها من يجد الباب مغلقا في وجهه. وتقول لهم خزنة الجنة: سلام لكم من كل آفة ومكروه، طابت أعمالكم وأقوالكم وسعيكم في الدنيا، فادخلوا الجنة ماكثين فيها على الدوام.
وقال هؤلاء المؤمنون الأتقياء: الحمد لله الذي أنجز لنا وعده على ألسنة الرسل، وجعلنا ورثة جنان الخلد، ننزل فيها أي مكان شئنا، فنعم الأجر أجرنا على عملنا ونعم أجر العالمين: وهو الجنة.
وترى أيها السعيد أن الملائكة تحيط بالعرش المجيد، ينزهون الله عن أي نقص أو شبيه، ويمجدونه ويعظمونه، ويفصل بينهم فصلا بالحق والعدل، ويقولون: سبحان الله وبحمده، فهو رب جميع العالمين من إنس وجن.
السورة التالية
Icon