0:00
0:00

بسم الله الرحمن الرحيم

قال :اعلم أن هذه السورة تسمى :سورة النساء، وتسمى سورة الأحكام، وهي مدنية على قول أكثر المفسرين، إلا قوله تعالى :( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها )( ١ ) ؛ فإن هذه الآية نزلت بمكة في مفاتيح الكعبة، وأورد النحاس أن السورة مكية.
وفي الحديث : «من قرأ سورة البقرة، وآل عمران( ٢ )، والنساء في ليلة ؛ كتب من القانتين »( ٣ )، وعن عمر- رضي الله عنه- قال :تعلموا سورة البقرة، والنساء، والمائدة، وسورة النور، والأحزاب ؛ فإن فيهن الفرائض.
١ - النساء: ٥٨..
٢ - ليست في "ك"..
٣ - رواه أبو عبيد في فضائل القرآن (١٦٨ رقم ٤٣٣)، وسعيد بن منصور في سننه (التفسير ٣/٢٣ رقم ٤٨٥)، ومن طريقه البيهقي في الشعب (٥/٣٥٩-٣٦٠ رقم ٢٢٠١)، ولكن فيهما: «كان من الحكماء»، جميعهم من طريق سعيد بن جبير، عن عمر موقوفا. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/٣٤): فيه انقطاع..

قوله - تعالى- :( يا أيها الناس ) قال علقمة :كل ما نزل في القرآن :( يا أيها الناس ) فإنما نزل بمكة، وكل ما ورد في القرآن :( يا أيها الذين آمنوا ) فإنما نزل بالمدينة. وقوله :( يا أيها ) " يا " للنداء، و " أي " للإشارة، و " ها " للتنبيه ( اتقوا ربكم ) وقرأ ابن مسعود :" اتقوا ( الله ) ( ١ ) ربكم ".
بدأ من السورة بالوعظ والتحذير، فقال :( اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة )، وأراد بالنفس الواحدة آدم - صلوات الله عليه - وإنما قال :( واحدة )على التأنيث ؛ لأجل اللفظ ؛ لأن النفس مؤنثة، وهذا مثل قول الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرى وأنت خليفة ذاك الكمال
وإنما قال :ولدته للفظ الخليفة، وإن كان معناه الذكر ( وخلق منها زوجها ) يعني :حواء، وسميت حواء ؛ لأنها خلقت من حي، وفي القصص :أن الله تعالى خلق حواء من ضلع لآدم في جنبه الأيسر يسمى :" القصيراء " وفي الخبر المعروف «أن المرأة خلقت من ضلع أعوج، فإن أردت أن تقيمها كسرتها، وإن تركتها استمتعت بها على اعوجاج »( ٢ ) وقيل :إن حواء خلقت من التراب.
وقوله :( وخلق منها زوجها ) معناه :وخلق من جنسها زوجها، يعني :التراب، والأصح الأول. وفي الخبر :أن الله تعالى لما خلق آدم ألقى عليه النوم، ثم أخذ ضلعا من أضلاعه، وخلق منه حواء، فجلست بجنبه، فلما انتبه رآها جالسه بجنبه، وقيل :إنه لم يؤذه أخذ الضلع شيئا، ولو آذاه لما عطف رجل على امرأة أبدا.
وعن ابن عباس :أن الله تعالى خلق الرجل من التراب ؛ فهمه في التراب، وخلق المرأة من الرجل، فهمها في الرجل ؛ فاحبسوا نساءكم. ( وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) ذكر هذا كله لبيان القدرة ؛ وإظهار المنة ( واتقوا الله الذي تساءلون به ) أي :تسألون به، وذلك مثل قول الرجل :أسألك بالله، ونشدتك بالله، وقيل :معناه :واتقوا الله الذي تعاهدون به، وذلك أن تقول :عليك عهد الله، وعلي عهد الله، ونحو ذلك.
وأما قوله :( والأرحام ) قرأ حمزة :" الأرحام " بكسر الميم( ٣ ) وتقديره :تساءلون به وبالأرحام، قال إبراهيم النخعي :تقول العرب :نشدتك بالله وبالرحم. وضعفوا هذه القراءة، والقراءة المعروفة :بنصب الميم، وتقديره :واتقوا الأرحام أن تقطعوها.
وفي الخبر :يقول الله تعالى : «أنا الرحمن، وخلقت الرحم، واشتققت لها اسما من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها قطعته »( ٤ ).
وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إن الله تعالى يعمر الكفار، ويكثر أموالهم، ولم ينظر إليهم منذ خلقهم ؛ بغضا لهم، فقيل :مم ذاك يا رسول الله ؟ قال :بصلة الأرحام »( ٥ ).
( إن الله كان عليكم رقيبا ) أي :حفيظا.
١ - لفظ الجلالة ليس في "ك"..
٢ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، رواه البخاري (٩/١٦٠-١٦١ رقم ٥١٨٤، وأطرافه في ٣٣٣١، ٥١٨٦)، ومسلم (١٠/٨٣-٨٤ رقم ١٤٦٨) بنحوه..
٣ - انظر النشر (٢/٢٤٧)..
٤ - رواه البخاري في الأدب المفرد (ص ٢٥ رقم ٥٣)، وأبو داود (٢/٣٣ رقم ١٦٩٤، ١٦٩٥)، والترمذي (٤/٢٧٨ رقم ١٩٠٧) وقال: صحيح، والإمام أحمد (١/١٩٤)، وابن حبان في صحيحه (٢/١٨٦-١٨٧ رقم ٤٤٣)، والحاكم في المستدرك (٤/١٥٧) جميعهم من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا..
٥ - رواه الطبراني في الكبير (١٢/٨٥-٨٦ رقم ١٢٥٥٦)، والحاكم في المستدرك (٤/١٦١) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا بنحوه.
وقال الحاكم: عمران الرملي من زهاد المسلمين وعبادهم [فإن] كان حفظ هذا الحديث، فإنه غريب صحيح. وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٥٥): إسناده حسن..

قوله تعالى :( وآتوا اليتامى أموالهم ) أراد به :دفع المال إليهم بعد البلوغ، وسماهم بعد البلوغ يتامى ؛ لقرب عهدهم باليتيم، وكانت قريش تسمي رسول الله صلى الله عليه وسلم يتيم أبي طالب لذلك.
( ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ) وفي قراءة شاذة :" ولا تشتروا الخبيث بالطيب " فالخبيث :الحرام، والطيب الحلال، ومعنى الكلام :ولا تأكلوا أموال اليتامى حراما، وتدعوا أموالكم الحلال، وقال مجاهد :معناه :لا تستعجلوا أكل الحرام ؛ فإن الحلال يأتيكم.
( ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم ) قال الفراء :معناه :مع أموالكم، وقال غيره :" إلى " لا تكون بمعنى " مع "، وهي على حقيقتها، ومعناه :ولا تأكلوا أموالهم مضافة إلى أموالكم.
( إنه كان حوبا كبيرا ) فالحوب :الإثم، وفي الخبر : «أن أبا أيوب الأنصاري أراد أن يطلق امرأته أم أيوب، فقال النبي :صلى الله عليه وسلم إن طلاق أم أيوب لحوب »( ١ ).
١ - رواه الطبراني في الكبير (١٢/١٩٥-١٩٦ رقم ١٢٨٧٦) عن ابن عباس مرفوعا، وقال الهيثمي في المجمع (٩/٢٦٥): فيه يحيى بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف..
قوله تعالى :( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ) أي :ألا تعدلوا، يقال :أقسط، إذا عدل، وقسط، إذا جار، وفي معنى الآية قولان :أحدهما أورده البخاري في الصحيح، وهو ما روى الزهري عن عروة أنه سأل عائشة عن شأن هذه الآية، فقالت :يا ابن أختي، نزلت الآية في يتيمة تكون في حجر وليها، ويرغب في مالها وجمالها، ولا يقسط في صداقها ؛ فنهوا عن نكاحهن، وأمروا أن ينكحوا غيرهن » فعلى هذا تقدير الآية :وإن خفتم ألا تقسطوا في نكاح اليتامى ؛ ( فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع ).
وقال ابن عباس :قصر نكاح النساء على الأربع من أجل أموال اليتامى، فإن قيل :كيف يعرف هذا، وكيف يلتئم بذاك هذا ؟ قيل :معناه :أن الله تعالى لما شدد في أموال اليتامى، تحرج المسلمون عنها غاية التحرج، وشرعوا في نكاح النساء، واستهانوا به ؛ فنزلت الآية، وأراد :إنكم كما تحرجتم عن أموال اليتامى ؛ خوفا من الجور، فتحرجوا عن الزيادة على الأربع أيضا ؛ خوفا من الجور والميل، فهذا معنى قوله :( فانكحوا ما طاب لكم ) أي :ما حل لكم ( من النساء مثنى وثلاث ورباع ) أي :لا تجاوزوا الأربع.
وذهب بعض الناس إلى أن نكاح التسع جائز بظاهر هذه الآية ؛ لأن الاثنين والثلاث والأربع يكون تسعا ليس بصحيح، بل فيه قولان :أحدهما :قال الزجاج :مثنى مثنى، ثلاث ثلاث، رباع رباع، يعني :لكل الناس، وقيل :" الواو " بمعنى :" أو " يعني :مثنى، أو ثلاث، أو رباع ؛ ولأن على التقدير الذي ذكروا [ عيٌّ ] ( ١ ) في الكلام ؛ لأن من أراد أن يذكر التسع فيقول :مثنى وثلاث ورباع، عد ذلك عيبا في الكلام وقد قال :( فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ) ؛ لأنه أخف مؤنه ( أو ما ملكت أيمانكم ) لأن حقوق ملك اليمين أدنى من حقوق ملك النكاح، وهو معنى قوله :( ذلك أدنى ألا تعولوا ) أي :ذلك أقرب أن لا تجوروا، يقال :عال، يعول إذا جار، وأعال يعيل إذا كثر عياله، قال الشاعر :
إنا اتبعنا الرسول واطّرحوا أَمر الرسولِ وعَالُوا في الموازينِ( ٢ )
أي جاروا، وروى :أن أهل الكوفة عتبوا على عثمان في شيء، فقال :لست بقسطاء، فلا أعول، أي لست بقسطاس ؛ فلا أجور. وقال الشافعي :معناه :ذلك أدنى ألا تكثر عيالكم. وحكى الأزهري عن الكسائي إنه حكى عن العرب :عال يعول :إذا كثر عياله، وهذا يؤيد قول الشافعي.
١ - في "الأصل وك": عيًّا..
٢ - وقع البيت في لسان العرب (مادة: عول) كما يأتي:
إنا تَبِعْنَا رسولَ اللهِ واطَّرحوا قول الرسول وعالوا في الموازين.

( وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ) الصدقة والصداق واحد ( نحلة ) أي :تدينا، وقال ابن عباس :معناه :فريضة، والخطاب مع الأزواج على الأصح وقيل :هو خطاب مع الأولياء، وكان أهل الجاهلية لا يعطون المرأة صداقها، وإنما يأخذ الأولياء ؛ فخطاب الأولياء بإعطاء المرأة صداقها نحلة، أي :هو عطية لها من الله. ( فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا ) أي :فإن أعطين عن طيب نفس من الصداق شيئا. و " من " للتخيير هاهنا، لا للتبعيض ؛ حتى يجوز للمرأة هبة كل الصداق، ( فكلوه هنيئا مريئا ) الهنيء :ما أكلت من غير تنغيص، والمريء :هو المحمود العاقبة ؛ وذلك ألا يورث تخمة. وعن علي رضي الله عنه أنه قال :إذا مرض أحدكم، فليستقرض من امرأته ثلاثة دراهم من صداقها، وليشتري بها عسلا، وليخلطه بماء السماء، ثم ليأكل ؛ فإنه الشفاء المبارك والهنيء المريء.
قوله تعالى :( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم ) أكثر المفسرين على أن المراد بالسفهاء :الصبيان والنساء هاهنا، وقال الشعبي :المرأة أسفه من كل سفيه. قال سعيد بن جبير :معنى الآية :أن لا تجعلوا المرأة قيمة البيت في المعاش، بل كونوا أنتم قوامين على النساء في المعاش، وقوله :( التي جعل الله لكم قياما ) فالقيام والقوام واحد، يعني :أموالكم التي جعلها الله قواما لمعاشكم، وقال الزجاج :تقديره :الأموال التي تقيمكم فتقومون به قياما ( وارزقوهم فيها وأكسوهم ) قيل :معناه :وارزقوهم منها، وقيل كلمة في حقيقتهما، ومعناه :اجعلوا وظائفهم من الرزق والكسوة فيها. ( وقولوا لهم قولا معروفا ) قيل :معناه :تعليم الدين والشرائع، وقيل :أراد به :وعد الجميل ؛ وذلك أن تقول لهم :إن سافرت وربحت، أعطيكم كذا، وإن غزوت فغنمت، أعطيكم كذا، فهذا هو القول المعروف.
قوله تعالى :( وابتلوا اليتامى ) يعني :واختبروا اليتامى، ثم منهم من قال :إنما نختبرهم بعد البلوغ، وسماهم يتامى ؛ لقرب عهدهم باليتيم، والصحيح أنه أراد به :الاختبار قبل البلوغ، ثم اختلفوا، فأما الفقهاء قالوا :يدفع إليه شيئا يسيرا، ويبعثه إلى السوق، حتى يستام السلعة، ثم إذا آل الأمر إلى العقد يعقد الولي، ومنهم من قال :يعقد الصبي، ويجوز ذلك في الشيء اليسير ؛ لأجل الاختبار. وأما الذي قاله المفسرون :أنه يدفع إليه مالا، ويجعل إليه نفقة البيت، ويختبره فيها، ( حتى إذا بلغوا النكاح ) أي :أوان الحلم ( فإن آنستم ) أي :أحسستم، ووجدتم ( منهم رشدا ) قال مجاهد :عقلا، وقال سفيان الثوري :عقلا وإصلاحا في المال. ومذهب الشافعي :أن الرشد :هو الصلاح في الدين، والإصلاح في المال.
( فادفعوا إليهم أموالهم ) أمر الأولياء بدفع المال إليهم عند البلوغ والرشد. ( ولا تأكلوها إسرافا ) أي :لا تأكلوها مسرفين ( وبدارا أن يكبروا ) أي :لا تبادروا إلى أكل أموال اليتامى، خوفا من أن يكبروا ؛ فيأخذوا أموالهم. ( ومن كان غنيا فليستعفف ) أي :فليستعفف بماله عن مال اليتيم ( ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ) قال عمر رضي الله عنه إذا كان الولي فقيرا، يأكل من مال اليتيم بقدر الحاجة، وقال أيضا :أنا في هذا المال :كولي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت. وإلى هذا ذهب قوم من العلماء، أن له أن يأكل بقدر ما يسد به الخلة، وقال بعضهم :عباءا غليظا، وخبز الشعير، وقال الشعبي وجماعة :يأكل من مال اليتيم على سبيل القرض، وقال مجاهد :لا يأكل أصلا، لا قرضا، ولا غير قرض، قال :والآية منسوخة بقوله تعالى :( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) ( إلا أن تكون تجارة عن تراضي ) ( ١ ) وإلى هذا ذهب أكثر العلماء، وعليه الفتوى، أنه لا يأكل أصلا، ومن قال :إنه يأكل، يقول :يأخذ بقدر أجرته على القيام، وقد روى أن رجلا ( جاء ) ( ٢ ) إلى ابن عباس، وقال : [ إنَّ ] ( ٣ ) لي يتيما وله إبل، فماذا أصيب منها ؟ فقال :أتلوط حوضها وتهنأ جرباها ؟ قال :نعم، فقال ابن عباس :أصب من رسلها غير مضر بنسل، ولا ناهك في حلب.
وفيه قول رابع :أن معنى قوله :( فليأكل بالمعروف ) يعني :يأكل الفقير من قوت نفسه بالمعروف، ولا يستكثر منه حتى ينفذ ماله ؛ فيحتاج إلى مال اليتيم.
( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) ندب إلى الإشهاد ؛ كيلا يجحدوا.
( وكفى بالله حسيبا ) أي :شهيدا.
١ - النساء: ٢٩..
٢ - في "ك": أتى..
٣ - في "الأصل": إني، وما أثبتناه من "ك"..
قوله-تعالى- :( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) سبب نزول الآية أن أوس بن ثابت الأنصاري مات وخلف ثلاث بنات وامرأة يقال لها :أم كجة وابني عم :عرفجة، وسويد، فجاء ابنا عمه وأخذا جميع المال، وكان أهل الجاهلية لا يورثون النساء من الميت، ويقولون :لا يرث أموالنا إلا من طاعن بالرماح، وضارب بالسيوف ؛ فنزلت الآية، وهذه أول آية نزلت في توريث النساء المال.
( مما قل منه أو كثر نصيب مفروضا ) وقد بين الأنصبة المفروضة في آيات المواريث.
قوله تعالى :( وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه ) يعني :قسمة التركة في مواريث إذا حضرها من لا يرث الميت من أقاربه، أو اليتامى، والمساكين ( فارزقوهم منه ) فأعطوهم شيئا ( وقولوا لهم قولا معروفا ) أي :قولوا لهم :بورك فيكم.
ثم اختلفوا، فقال بعضهم :الآية منسوخة، فيجوز أن يعطوا، ويجوز أن لا يعطوا، وقيل :هو على الندب، ويستحب أن يعطيهم شيئا، ومنهم من قال :إن قسموا العين والورق ونحوه يوضح لهم، وإن قسموا الدور والعقار، والعبيد، والثياب، ونحوها، يقول لهم :بورك فيكم.
قوله تعالى :( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله ) سبب نزول الآية :أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الرجل منهم إذا حضره الموت، يأتون إليه، ويقولون له :انظر لنفسك أيها الرجل، وأوصي بمالك، وإن ورثتك لا يغنون عنك من الله شيئا، وربما يحملونه على أن يوصي بجميع المال فنزلت الآية ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ) أي :إن تركوا من خلفهم ( ذرية ضعافا ) أي :أولاد صغارا ( خافوا عليهم ) أو على أولادهم ؛ فليخافوا على أولاد الناس كما يخافون على أولادهم ؛ فإن أولاد الميت أحق بماله من الأجانب، فهذا معنى قوله :( فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا ) أي :عدلا.
قوله تعالى :( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) نزلت الآية في حنظلة ابن الشمردل، كان قد ولى يتيما، فأكل جميع ماله، وقيل :الآية نزلت ابتداء في حق الكافر ( إنما يأكلون في بطونهم نارا ) لأنه لما كان أكلهم ذلك يؤدي إلى النار، سماهم آكلين للنار، وهذا كقول النبي :صلى الله عليه وسلم «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة، إنما يجرجر في بطنه نار جهنم »( ١ ). وفى الحديث : «يخرج لهيب النار من جوفهم يوم القيامة »( ٢ ). وفى رواية : «أن الملك يأتيهم، فيفتح أفواههم، ويلقمهم الجمر، ويقول :هذا بأكلكم مال اليتيم »( ٣ ).
وقال صلى الله عليه وسلم : «من أبكى يتيما، فحق على الله أن يبكى عينيه يوم القيامة ». ( وسيصلون سعيرا ) أي :سيدخلون جهنم، وقيل :يعاينون سعيرا، والسعير :النار المستعرة، وهو اسم من أسماء جهنم.
١ - متفق عليه من حديث أم سلمة، رواه البخاري (١٠/٩٨ رقم ٥٦٣٤)، ومسلم (١٤/٣٨-٣٩ رقم ٢٠٦٥)..
٢ - رواه أبو يعلى في مسنده (١٣/٤٣٤ رقم ٧٤٤٠)، ومن طريقه ابن حبان في صحيحه (١٢/٣٧٧ رقم ٥٥٦٦) وابن عدي في الكامل (٣/١٨٧) حديث أبي برزة.
قال الهيثمي في المجمع (٧/٥): رواه أبو يعلى والطبراني، وفيه زياد بن المنذر، وهو كذاب..

٣ - رواه ابن جرير (٤/١٨٤) من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا بنحوه..
قوله تعالى :( يوصيكم الله في أولادكم ) معناه :يفرض الله عليكم في أولادكم، وذلك مثل قوله -تعالى- :( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به )( ١ ) أي :فرض عليكم ( للذكر مثل حظ الأنثيين ).
سبب نزول الآية : «أن سعد بن الربيع لما استشهد يوم أحد خلف ابنتين وامرأة وأخا، فجاء الأخ وأخذ جميع المال، فجاءت المرأة تشكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فنزلت الآية ». فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الأخ، وقال :اعط الابنتين الثلثين والمرأة الثمن، وخذ الباقي »( ٢ ).
وقوله :( للذكر مثل حظ الأنثيين ) يعني :إذا خلف ابنا وابنه، فالمال من ثلاثة أسهم :سهمان للإبن، وسهم للبنت ( فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) أكثر الصحابة والعلماء على أن للابنتين، والثلاث :الثلثين.
وقال ابن عباس :للابنتين النصف، وإنما الثلثان للثلاث وما زاد ؛ تمسكا بظاهر الآية. والأول أصح.
ومعنى قوله :( فإن كن نساء فوق اثنتين ) يعني :كن نساء اثنتين فما فوقهما، وهذا كقوله :( فاضربوا فوق الأعناق ) ( ٣ ) أي :فاضربوا الأعناق فما فوقها، وقيل :" فوق " فيه صلة، وتقديره :فإن كن نساء اثنتين، واسم الجمع ينطلق على الاثنين ؛ لأن الجمع عبارة عن جمع الشيء، ويستوي فيه الاثنان والثلاث، ولأنا أجمعنا على أن الأختين ترثان الثلثين، وهما ابنتا أب الميت، فالابنتان لأن يرثا الثلثين أولى، وهما ابنتاه للصلب.
( وإن كانت واحدة فلها النصف ) وفيه إجماع ( ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك وإن كان له ولد ) يعني :للميت، ( فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث ) وهذا لا خلاف فيه. ( فإن كان له إخوه فلأمه السدس ) أكثر الصحابة والعلماء على أن الأخوين والثلاثة يردون الأم من الثلث إلى السدس.
وقال ابن عباس :الثلاثة يردون، فأما الأخوان فلا يردان، لأنه ذكر بلفظ الجمع وأقله ثلاثة. وقد بينا أن اسم الجمع ينطلق على اثنين والثلاثة.
وقرأ حمزة والكسائي :" فلأمه السدس " بكسر الهمزة، وهو لغة في الأم، والمعروف بالضم( ٤ ) ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) يقرأ بقرآتين " يوصى " بكسر الصاد على معنى :يوصيها الموصى، ويقرأ :" يوصى " بفتح الصاد، على ما لم يسم فاعله( ٥ ).
وعن علي رضى الله عنه أنه قال :إنكم تقرءون الوصية قبل الدين، والدين قبل الوصية، يعني :في القضاء، ثم اختلفوا، منهم من قال :" أو " بمعنى " الواو " والمراد الجمع بينهما، وبيان أن الإرث مؤخرا عنهما جميعا، ومنهم من قال " أو " على حقيقته، ومعناه :من بعد وصية، إن كانت وصية، أو دين إن كان دين، فالإرث مؤخر عن كل واحد منهما ؛ من ذلك عرف تأخيره عنهما إذا اجتمعنا بطريق الأولى.
وقوله :( آباؤكم وأبناؤكم ) يعني :الذين يرثونكم آباؤكم وأبناؤكم ( لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا ) أي :لا تعلمون أيهم أنفع لكم في الدين والدنيا. فمنهم من يظن أن الآباء تنفع فتكون الأبناء أنفع، ومنهم من يظن أن الأبناء أنفع، فتكون الأباء أنفع، وأنتم لا تعلمون، وأنا أعلم بمن هو أنفع لكم ؛ وقد دبرت أمركم على ما فيه الحكمة والمصلحة، فخذوه، واتبعوه. وفي الأخبار «أن في الجنة يكون الأب على الدرجة العالية، والابن في الدرجة السافلة، فيسأل الابن الله تعالى فيرفعه إلى درجة أبيه. ويكون الابن على الدرجة العالية، والأب في الدرجة السافلة، فيسأل الأب الله تعالى فيرفعه إلى درجة الابن »( ٦ ) فهذا معنى الآية لا تدرون أيهم أنفع لكم في الآخرة، وأرفع درجة، فتصلون إلى درجته.
( فريضة من الله ) يعني :ما قدر من المواريث ( إن الله كان عليما ) بأمر العباد ( حكيما ) بنصب الأحكام.
١ - الأنعام: ١٥١..
٢ - رواه أبو داود (٣/١٢١ رقم ٢٨٩٢)، والترمذي (٤/٣٠٦١ رقم ٢٠٩٢) وقال: حديث صحيح، وابن ماجه (٢/٩٠٨-٩٠٩ رقم ٢٧٢٠)، وأحمد (٣/٣٥٢)، والدارقطني (٤/٧٨-٧٩)، والحاكم (٤/٣٣٣-٣٣٤) وصححه، جميعهم من حديث جابر به..
٣ - الأنفال: ١٢..
٤ - انظر النشر (٢/٢٤٨)..
٥ - قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو بكر: بفتح الصاد، وقرأ الباقون بكسرها. انظر المصدر السابق..
٦ - رواه الطبراني في الكبير (١١/٢٤٠-٢٤١ رقم ١٢٢٤٨)، وفي الصغير (١/٣٨٢ رقم ٦٤٠) من حديث ابن عباس مرفوعا ولفظه: «إذا دخل بالرجل الجنة سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك وعملك، فيقول: يا رب، قد عملت لي ولهم، فيؤمر بإلحاقهم به... الحديث.
وقال الهيثمي في المجمع (٧/١١٧): وفيه محمد بن عبد الرحمن بن غزوان وهو ضعيف.
ورواه ابن جرير (٤/١٩٠)، وابن المنذر وابن أبي حاتم – كما في الدر (٢/١٤٠)- عن ابن عباس موقوفا مختصراً..

قوله تعالى :( ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ) هذا في ميراث الأزواج، وفيه إجماع ( ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين ) وهذا في ميراث الزوجات، ولا خلاف فيه.
قوله تعالى :( وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة ) يعنى :أو امرأة تورث كلالة، قال بعض العلماء :الكلالة لا يعلم معناها، وعن عمر -رضي الله عنه- قال :خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الدنيا ولم يبين لنا ثلاثة :الكلالة، والخلافة، والربا.
والصحيح أنها معلومة المعنى، ثم اختلفوا، قال ابن عباس في رواية وهي إحدى الروايتين عن عمر :إن الكلالة اسم لميت لا ولد له، وورث الاخوة مع الأب. وقال الحكم بن عتيبة :والكلالة :اسم لميت لا ولد له، وورث الاخوة مع الوالد، وهما قولان في شواذ الخلاف، والصحيح فيه قولان :
أحدهما قول لأهل المدينة والكوفة أن الكلالة اسم لورثة ليس فيهم ولد ولا والد ؛ مأخوذ من الإكليل، وهو الذي على جانبي الوجه، فالكلالة اسم لمن يحيط بجانبي الميت من الاخوة والأخوات، والأعمام، ونحوهم، ولم يكن أعلى ولا أسفل.
واستدلوا عليه بحديث جابر «كان مريضا ؛ فدخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوده، فقال :إنما يرثني كلالة »( ١ ). ولم يكن في ورثته ولد ولا والد، وجعل الكلالة اسما للوارث، ويشهد لهذا ما قرئ في الشواذ :" وإن كان رجل يورث كلالة " مشددا بكسر الراء.
وقال البصريون :وهو قول أبى بكر، وعلي، وابن مسعود، وزيد، وفى أصح الروايتين عن ابن عباس :أن الكلالة :اسم للميت الذي ليس له ولد ولا والد، وهو ظاهر الآية، وتشهد له القراءة الأخرى في الشواذ :" وإن كان رجل يورث كلالة " مشددا بفتح الراء. قال الشاعر :
وإن أَبَا المرء أَحمى له( ٢ ) ومولى الكلالة لا يغضب
فيجعل الكلالة اسما للميت. وفيه قول آخر :أن الكلالة اسم للتركة، قاله عطاء. وقوله :( وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس ) أجمعوا على أن المراد بالأخ والأخت هاهنا أولاد الأم، وفرض لكل واحد منهم السدس ذكرا كان أو أنثى.
( فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث ) وفيه إجماع، أن فرضهم الثلث إذا تعددوا، وإن كثروا ( من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار ) يعني :الموصي لا يضر بالورثة بمجاوزة الثلث، ونحوه ( وصية من الله ) أي :فريضة من الله ( والله عليم حليم )
١ - متفق عليه، رواه البخاري (١٢/٢٦ رقم ٦٧٤٣ وأطرافه في ١٩٤، ٤٥٧٧، ٥٦٥١، ٥٦٦٤، ٥٦٧٦، ٦٧٢٣، ٧٣٠٩)، ومسلم (١١/٧٨-٨١ رقم ١٦١٦)..
٢ - وقع هذا الشطر من البيت في الأصل كما يأتي:
وإن أبى المراء حمى له
وما أثبتناه من لسان العرب (مادة: كلل). وفسره بقوله: أراد أن أبا المرء أغضب له إذا ظلم، وموالي الكلالة وهم: الإخوة، والأعمام، وبنو الأعمام وسائر القرابات لا يغضبون للمرء غَضَبَ الأب.

( تلك حدود الله ) يعني :ما ذكر من الفروض المحدودة، ( ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ) ذكر ثواب من أطاعه، ولم يجاوز حدوده
( ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) ذكر عقاب من عصاه، وجاوز حدوده.
قوله- تعالى- :( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم ) اللاتي، والتي، واللواتي :اسم لجماعة النساء، قال الشاعر :
هن اللواتي والتي واللاتي زعمن أنى قد كبرت لِداتي
ومثله :اللائي أيضا، قال الشاعر :
من اللائي لم يحججن تبغين حسبة ولكن ليقتلن البريء المغفلا
وقوله :( يأتين الفاحشة ) أراد بالفاحشة هاهنا الزنا :( فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ) هو خطاب للحكام، يعني :فاطلبوا عليهن أربعة من الشهود، وهذه الآية هي الحجة على أن شهود الزنا أربعة ( فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) وكان هذا هو الحكم في ابتداء الإسلام، وأن المرأة إذا زنت حبست في البيت إلى أن تموت. ثم نسخ ذلك في حق البكر بالجلد والتغريب، وفي حق الثيب بالجلد والرجم، وهو بيان السبيل المذكور في الآية، والحجة عليه :حديث عبادة : «خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا :البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام ؛ والثيب بالثيب جلد مائة ورجم بالحجارة »( ١ ).
ثم نسخ الجلد في حق الثيب، واستقر أمرها على الرجم.
وقال بعض العلماء :الجلد مع الرجم باق على الحكم، والأول أصح.
وقال أبو حنيفة وأصحابه :التغريب أيضا منسوخ في حق البكر، والخلوف مذكور في الفقه.
واختلفوا في أن ذلك الإمساك في البيت كان على سبيل الحد أم كان حبسا ؛ ليظهر الحد ؟ على قولين :أحدهما :أنه كان حدا، والثاني :أنه كان حبسا ليظهر الحد.
١ - رواه مسلم في صحيحه (١١/٢٧٠-٢٧٣ رقم ١٦٩٠)، وأبو داود (٤/١١٤ رقم ٤٤١٥، ٤٤١٦)، والترمذي (٤/٣٢ رقم ١٤٣٤)، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الكبرى (٦/٣٢٠ رقم ١١٠٩٣)، وابن ماجة (٢/٨٥٢ رقم ٢٥٥٠) جميعهم عن عبادة مرفوعاً..
قوله تعالى :( واللذان يأتيانها منكم فآذوهما ) اختلفوا في المراد من الآيتين، قال مجاهد :الآية الأولى في النساء، وهذه الآية في الرجال إذا زنوا.
وقال غيره :الأولى في الثيب، وهذه الآية في الأبكار.
وفيه قول ثالث :أن الآية الأولى في المرأة إذا أتت المرأة سحقا، والآية الثانية في الرجل إذا أتى الرجل.
وقد قال صلى الله عليه وسلم : «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان ؛ وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان »( ١ ).
والمراد بالإيذاء في هذه الآية :هو السب باللسان، وإسماع المكروه، والتعبير، والضرب بالنعال. فإن قيل :ذكر الحبس في الآية الأولى، والإيذاء في الآية الثانية، فكيف وجه الجمع ؟ قيل :أما على قول من قال :إن الآية الأولى في صنف، والآية الثانية في صنف آخر، يستقيم الكلام. وقال بعضهم :أراد به :الجمع بين الإيذاء والحبس في حق الزاني فيؤذى أولا، ثم يحبس، والآية الثانية وإن كانت في التلاوة متأخرة، فهي في المعنى متقدمة، كأنه قال :واللذان يأتيان الفاحشة منكم فآذوهما وأمسكوهما في البيت ( فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما ) أي :أعرضوا عن الإيذاء ( إن الله كان توابا رحيما ).
١ - الحديث شطره الأول: «إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان». رواه الآجري في ذم اللواط (٥١)، والبيهقي في سننه (٨/٢٣٣) من حديث أبي موسى مرفوعاً، وقال البيهقي: هو منكر بهذا الإسناد.
وقال الحافظ في التلخيص (٤/١٠٣): رواه البيهقي من حديث أبي موسى، وفيه محمد بن عبد الرحمن القشيري، كذبه أبو حاتم. ورواه أبو الفتح الأزدي في الضعفاء، والطبراني من وجه آخر عن أبي موسى، وفيه بشر بن الفضل البجلي، وهو مجهول، وقد أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده عنه.
وشطره الثاني جاء بلفظ: «سحاق النساء زنا بينهن» رواه أبو يعلى (١٣/٤٧٦ رقم ٧٤٩١)، والطبراني في الكبير (٢٢/٦٣ رقم ١٥٣)، والآجري في ذم اللواط (ص ٥٤)، وابن عدي في الكامل (٥/١٧٤)، والخطيب في التاريخ (٩/٢٩-٣٠) جميعهم من حديث واثلة، وزاد الخطيب أنساً مع واثلة..

قوله- تعالى- :( إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ) قال قتادة :أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن من عصى الله فهو جاهل، وقيل :أراد به :الجهال بكنه عقوبة الله، وقيل :الجهالة في المعصية :أنه اختار اللذة الفانية على اللذة الباقية.
( ثم يتوبون من قريب ) يعني :قبل الموت، قال الضحاك :كل ما بينك وبين الموت فهو قريب، وقيل :أراد به :التوبة قبل أن يعاين ملك الموت، وقيل :أراد به :ثم يتوبون قبل أن يغرغروا.
وفي الخبر :أن النبي قال : «من تاب قبل موته بسنة تاب الله عليه، ثم قال :إن السنة ( لكثيرة )( ١ )، ثم قال :من تاب قبل موته بشهر تاب الله عليه، ثم قال :إن الشهر لكثير، ثم قال :من تاب قبل موته بجمعة، تاب الله عليه، ثم قال :إن الجمعة ( لكثيرة ) ( ٢ )، ثم قال :من تاب قبل موته بيوم، تاب الله عليه، ثم قال :إن اليوم لكثير، ( من تاب قبل موته بنصف يوم تاب الله عليه، ثم قال :إن نصف اليوم لكثير ) ( ٣ ) من تاب قبل موته بساعة تاب الله عليه، ثم قال :إن الساعة لكثيرة( ٤ )، من تاب قبل أن يغرغر تاب الله عليه »( ٥ ). رواه عبادة بن الصامت، فهذا معنى قوله :( ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما ).
١ - في "ك". لكثير..
٢ - في "ك" لكثير..
٣ - ليس في "ك"..
٤ - في "ك" لكثير..
٥ - رواه الطبراني (٤/٢٠٥) باختصار من حديث عبادة بن الصامت. وبنحوه رواه أحمد في مسنده (٢/٢٠٦)، والطيالسي (ص ٣٠١ رقم ٢٢٨٤)، والطبري في تفسيره (٤/٢٠٦)، والحاكم (٤/٢٥٨-٢٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص.
وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٠): رواه أحمد، وفيه راوٍ لم يسم، وبقية رجاله ثقات. ورواه أحمد في مسنده (٣/٤٢٥)، والحاكم (٤/٢٥٧-٢٥٨) عن نفر من الصحابة بنحوه مطولا. وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٠٠): رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير عبد الرحمن، وهو ثقة..

قوله- تعالى- :( وليست التوبة للذين يعملون السيئات ) قيل :أراد بالسيئات :الشرك، وقال ابن عباس :هو النفاق، وقيل :كل المعاصي.
( حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ) يعني :حالة الموت، يتوب حين يساق، ووجه ذلك :مثل توبة فرعون حين أدركه الغرق، قال :آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل، يقول الله تعالى ليس لهؤلاء توبة.
( ولا الذين يموتون وهم كفار ) يعني :ولا الذين يموتون كفارا لهم توبة ( أولئك اعتدنا لهم ) أي :أعددنا لهم ( عذابا أليما ).
( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) نزلت الآية في الأنصار، كان الرجل منهم إذا مات أبوه ؛ ورث امرأة أبيه، ثم إن شاء أمسكها لنفسه زوجة، وإن شاء زوجها من غيره، وأخذ صداقها، وإن شاء عضلها عن الأزواج، حتى تضجر [ فتفدي ] ( ١ ) نفسها بمال، حتى مات أبو قيس بن الأسلت الأنصاري عن امرأته كبيشة بنت معن الأنصاري، فجاء [ ابنه ] ( ٢ ) حصن وورث المرأة ؛ فجاءت المرأة تشكو إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل قوله- تعالى :( لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ) ويقرأ :" كُرْها " ( ٣ ) بضم الكاف، فالكره بالفتح :الإكراه، والكره بالضم المشقة. ( ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن ) أي :تمنعوهن من الأزواج حتى يضجرن ؛ فيفتدين ببعض مالهن، فيكون خطابا لأولياء الميت. والصحيح أنه خطاب للأزواج، يعني :إذا لم تكن الزوجة بموافقة، فلا تمسكها ضرارا ؛ لتفتدى ببعض مالها ( إلا أن يأتين بفاحشة مبينة ) قال ابن عباس :هو النشوز، وقيل :هو الزنا، يعني :إذا نشزت أو زنت، فحينئذ يحل أن يفاديها، ويأخذ مالها، وكان في ابتداء الإسلام إذا زنت المرأة أخذ الزوج جميع صداقها منها ثم نسخ ( وعاشروهن بالمعروف ) أي :الإجمال في المبيت، والقول، والنفقة ( فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ).
١ - ليست في "الأصل" ولا "ك"..
٢ - في "الأصل": أبوه، وفي "ك": أبو، وكلاهما خطأ، والصواب: ابنه، واسمه حصن، له ترجمة في الإصابة (١/٣٣٥)، وذكر الحافظ أن الثعلبي ذكره في تفسيره بنحو ما هنا، وكذا الواقدي، لكن بلا إسناد، وصوب أن اسمه قيس بن أبي قيس بن الأسلت، وترجم له في الإصابة (٣/٢٥١-٢٥٢)..
٣ - قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بضم الكاف، وقرأ الباقون بفتحها. انظر النشر (٢/٢٤٨)..
قوله تعالى :( وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ) أراد بالزوج هاهنا :الزوجة، وهو اسم للرجل والمرأة ( وآتيتم إحداهن قنطارا ) يعني :من الصداق، ( فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا ) أي :ظلما ( وإثما مبينا ).
( وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ) أي :وصل بعضكم إلى بعض بالدخول، وحكى عن الزجاج :أنه الخلوة، والأول أصح.
( وأخذن منكم ميثاقا غليظا ) هو قول الولي :زوجتكها على أن تمسكها بمعروف، أو تسرحها بإحسان، وقيل :هو معنى ما روى : «اتقوا الله في النساء ؛ فإنهن عندكم عوان، أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله »( ١ ) فهذا هو الميثاق الغليظ.
١ - رواه مسلم في صحيحه (٨/٢٥٢ رقم ١٢١٨)، وأبو داود (٢/١٨٢-١٨٧ رقم ١٩٠٥، ١٩٠٩)، وابن ماجة (٢/١٠٢٢ رقم ٣٠٧٤) من حديث جابر في حجة الوداع..
قوله- تعالى- :( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ) كان أهل الجاهلية ينكحون أزواج آبائهم ؛ فورد الشرع بالنهى عنه ( إلا ما قد سلف ) يعنى :بعدما سلف، وقال المبرد :ومعناه :لكن ما سلف في الجاهلية ؛ فهو مغفور.
( إنه كان فاحشة ومقتا ) قيل " كان " :فيه صلة، وتقديره :إنه فاحشة، وهذا كما يقول الشاعر :
فكيف إذا رأيت ديار قومي( ١ ) وجيرانٍ لنا كانوا كرامِ
وقيل :" كان " في موضعه، ومعناه :أنه كان في الجاهلية يعدونه فاحشة ومقتا، وكانوا يسمون ولد امرأة الأب :مقيتا، والفاحشة :أقبح معصية، وأما المقت :قال أبو عبيدة هو المبغضة من الله، وقال ابن عباس :أراد به المقت من الملائكة ( وساء سبيلا ) أي :بئس المسلك.
١ - وقع هذا الشطر من البيت في لسان العرب (مادة: كون) كما يأتي.
فكيف إذا مررت بدار قومٍ
وفي (مادة: كنن):
فكيف ولو مررت بدار قومٍ.

قوله تعالى :( حرمت عليكم أمهاتكم ) قال ابن عباس :حرم الله تعالى سبعا بالنسب، وسبعا بالمهر، وقال الفقهاء :سبعا بالنسب، وسبعا بالسبب.
أما السبع بالنسب :منهن الأمهات :وهي كل امرأة تنسب إليها بالولادة، سواء قربت أو بعدت، سواء كان بينك وبينها ذكر أو أنثى، أو لم يكن أحد، فالكل حرام.
قال :( وبناتكم ) ومنها البنات :وهى كل امرأة تنسب إليكم بالولادة، سواء قربت أو سلفت، سواء كان بينك وبينها ذكر أو أنثى، أو لم يكن أحد، فالكل حرام.
قال ( وأخواتكم ) ومنها الأخوات :وهي كل امرأة تنسب إلى من تنسب إليه بالولادة، فالكل حرام. قال :( وعماتكم ) ومنها العمات، والعمة :أخت كل ذكر تنسب إليه بالولادة، فالكل حرام، قرب أم بعد، قال :( وخالاتكم ) ومنها الخالات، والخالة :أخت كل امرأة تنسب إليها بالولادة، قربت أم بعدت. قال :( وبنات الأخ وبنات الأخت ) ومنها بنات الأخ وبنات الأخت :وهي بنت كل من تنسب إلى من تنسب إليه، فهذه السبعة بالنسب.
وأما السبع بالسبب :فإحداهن مذكورة قبل هذه الآية في قوله :( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء )، والثانية في قوله :( وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم )، والثالثة :( وأخواتكم من الرضاعة )، ولا خلاف أن الأم والأخت من الرضاعة حرام على الرجل نكاحها، فأما ما عدا الأمهات والأخوات من الرضاعة حرام أيضا عند أكثر العلماء ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب »( ١ ).
قال داود، وأهل الظاهر :لا يحرم ما عدا الأمهات والأخوات بالرضاع ؛ تمسكا بظاهر القرآن. قال ( وأمهات نسائكم ) الرابعة :أم الزوجة، تحرم على الإطلاق بنفس العقد على قول الأكثرين، وحكى خلاس عن علي رضى الله عنه أنه قال :" لا تحرم أم الزوجة إلا بعد الدخول بالزوجة لقوله تعالى :( وربائبكم اللاتى في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) قال :فقوله :( من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ) ينصرف إليهما جميعا. والأول أصح. قال ابن عباس :أبهموا ما أبهمه الله، أي :أطلقوا ما أطلقه الله، ولأن قوله :( وأمهات نسائكم ) مستقل بنفسه، معتد بحكمه، فيستغني عن الإظهار ؛ ولأن قوله :وأمهات نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن على هذا التقدير يكون عيا في الكلام، فلا يليق بكلام الله تعالى الذي هو أفصح أنواع الكلام. قال :( وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن ).
الخامسة :الربيبة ؛ وهي ابنة الزوجة، وسميت ربيبة ؛ لأن الزوج يربها في حجره على الأغلب، فهي حرام بعد الدخول بالزوجة، وسواء كانت في حجره، أو في حجر غيره.
وقال داود :يختص التحريم بالتي في حجره ؛ لقوله :( وربائبكم اللاتي في حجوركم )، وهذا لا يصح ؛ لأن الكلام خرج على لأغلب.
( فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم ) يعني :في نكاحهن.
وقال :( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) السادسة :حليلة الابن، وهي حرام، وسميت حليلة ؛ لأنها مع الابن يحلان فراشا واحدا، وقيل :لأنها تحل إزار الابن، والابن يحل إزارها، وقيل :سميت حليلة ؛ لأنها تحل له.
وقوله ( الذين من أصلابكم ) إنما قيد بالصلب، وإن كان حليلة ولد الولد حراما، ليبين أن حليلة ولد التبني حلال. وقد تزوج رسول اللهصلى الله عليه وسلم زينب بنت جحش امرأة زيد بن حارثة، وكان قد تبنى زيدا، حتى قال عبد الله بن أبى بن سلول :انظروا إلى هذا الرجل، كيف وثب على امرأة ابنه وتزوجها :فقال الله تعالى :( وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ) بذلك السبب.
( وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف ) السابعة :الجمع بين الأختين حرام بالنكاح، وكذلك بالوطء في ملك اليمين ؛ وقال أهل الظاهر :لا يحرم الجمع بينهما إلا في النكاح ؛ لأن الآية في التحريم بالنكاح، قال عثمان :حرمتها آية وأحلتها آية، فآية التحريم هذه ؛ وآية التحليل قوله :( إلا ما ملكت أيمانكم ) ( ٢ ) ( إلا ما قد سلف ) أي :بعدما سلف وقد [ بينا لك ] ( ٣ ) ( إن الله كان غفورا رحيما ).
١ - متفق عليه من حديث عائشة. رواه البخاري (٩/٤٣ رقم ٥٠٩٩)، ومسلم (١٠/٢٨-٢٩ رقم ١٤٤٣)..
٢ - النساء: ٢٤..
٣ - في "الأصل وك": بيناك..
قوله تعالى :( والمحصنات من النساء ) أراد به :ذوات الأزواج ( إلا ما ملكت أيمانكم ) اختلفوا فيه، فقال علي، وابن عباس :أراد به :إلا ما ملكت أيمانكم من سبايا أو طاس، وفيه نزلت الآية، قال أبو سعيد الخدري : «لما سبا رسول الله صلى الله عليه وسلم سبايا أو طاس، هرب الرجال ؛ فتحرج المسلمون من وطء النساء بمكان الأزواج ؛ فنزلت الآية، وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في وطئهن »( ١ ).
وقال ابن مسعود، وأبى بن كعب :إن قوله :( إلا ما ملكت أيمانكم ) هو أن يبيع الجارية المزوجة، فتقع الفرقة بينها وبين زوجها، ويحل للمشترى وطأها، ويكون بيعها طلاقا لها. وقيل :معنى الآية ( والمحصنات من النساء ) يعني :ذوات الأزواج يحرم الاستمتاع بهن، ( إلا ما ملكت أيمانكم ) من مهرهن، فيحل الاستمتاع به، فكأنه حرم الاستمتاع ببعضهن وأباح الاستمتاع بمهرهن. ( كتاب الله عليكم ) أي :فرض الله عليكم، ويقرأ :" كتب الله عليكم " أي :فرض الله عليكم ( وأحل لكم ما وراء ذلكم ) يعني :أحل لله لكم، ويقرأ :" أحل لكم " -بضم الألف- على نظم قوله :( حرمت عليكم أمهاتكم ) ( ٢ ).
( أن تبتغوا بأموالكم ) قيل :الإحلال :بالابتغاء بالأموال، وفيه دليل على أن استحلال البضع لا يخلو عن عوض ( محصنين ) أي :متزوجين متعففين ( غير مسافحين ) غير زانين، مأخوذ من سفح الماء، وهو الصب، ومنه قول امرئ القيس :
وإن شفائي عَبْرَةٌ إن سفحتها( ٣ ) فهل عندَ رسمٍ دارسٍ من مُعَوِّل
أي :صببتها ( فما استمتعتم به منهن ) قيل :أراد به :فما استمتعتم به بالنكاح منهن، ( فأتوهن أجورهن فريضة ) أي :مهورهن، وقال ابن عباس :هو المتعة المعروفة. وكانت المتعة حلالا في ابتداء الإسلام، وصورتها :أن يقول الرجل للمرأة :أجرتك أو عقدت عليك لأستمتع بك عشرة أيام بكذا، وكان هذا حلالا، ثم نسخ، وكان ابن عباس يفتى بإباحتها، والصحيح أنه منسوخ. وروى علي، والربيع عن سبرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أنه نهى عن نكاح المتعة »( ٤ ).
وقال علي لابن عباس :إنك رجل تائه نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة. وقيل :إن ابن عباس رجع عن إباحة المتعة، وتاب. وقال بعض السلف :لولا أن عمر نهى عن المتعة ؛ مازنى أحد في العالم. ( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة ) فمن حمل ما قبله على المتعة، قال :المراد بهذا :أن يزيد الرجل في المهر، وتزيد المرأة في الأجل، ومن حمل ذلك على الاستمتاع بالنكاح ؛ فالمراد بقوله :( ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به ) يعنى :من الإبراء، والاعتياض عن المهر ( إن الله كان عليما حكيما ).
١ - رواه مسلم (١١/٥١-٥٤ رقم ١٤٥٦)، وأبو داود (٢/٢٤٧ رقم ٢١٥٥) والترمذي (٣/٤٣٨ رقم: ١١٣٢) وقال: حسن، والنسائي (٦/١١٠ رقم ٣٣٣٣)، وأحمد (٣/٧٢، ٨٤) والطبري (٥/٢)..
٢ - قرأ أبو جعفر، وحمزة، والكسائي، وخلف، وحفص: بضم الهمزة وكسر الحاء، وقرأ الباقون بفتحهما. وانظر النشر (٢/٢٤٩)..
٣ - وقع هذا الشطر من البيت في لسان العرب (مادة: عول، هلل) كما يأتي:
وإن شفائي عبرة مهراقة.

٤ - حديث علي: متفق عليه، رواه البخاري في صحيحه (٩/٧١ رقم ٥١١٥)، ومسلم (٩/٢٦٩-٢٧١ رقم ١٤٠٧). وحديث سبرة الجهني، رواه مسلم (٩/٢٦٢-٢٦٩ رقم ١٤٠٦)، وأبو داود (٢/٢٢٦-٢٢٧ رقم ٢٠٧٢، ٢٠٧٣)، والنسائي (٦/١٢٦-١٢٧ رقم ٣٣٦٨)، وابن ماجة (١/٦٣١ رقم ١٩٦٢)..
قوله تعالى :( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات ) قال مجاهد :الطول :السعة، والغنى.
وأصل الطول الفضل، ومنه الطول ؛ لفضل القامة، ويقال :لا طائل تحته أي، لا معنى تحته.
ومعنى الآية :ومن لم يقدر على مهر الحرة المؤمنة ؛ فليتزوج بالأمة المؤمنة، وفيه دليل على أن نكاح الأمة الكتابية باطل.
قال الشعبي :نكاح الأمة مع القدرة على مهر الحرة حرام، كالميتة والدم، وقال عطاء :الطول الهوى، ومعنى الآية :ومن لم يستطيع من هواه أن ينكح الحرة ؛ بأن كان يهوى الأمة دون الحرة، فليتزوج بالأمة ؛ فعلى هذا يجوز نكاح الأمة، وإن كان قادرا على مهر الحرة، والفتى :العبد، والفتاة الجارية، فمعنى قوله تعالى :( من فتياتكم المؤمنات ) أي :من جواريكم. ( والله أعلم بإيمانكم ) أي :لا تتعرضوا للباطن في الإيمان، وخذوا بالإيمان الظاهر ؛ فإن الله أعلم بإيمانكم ( بعضكم من بعض ) أي :كلكم من نفس واحدة ؛ فلا تستنكفوا من نكاح الإماء، وقيل :معناه بعضكم أخوة لبعض.
( فانكحوهن ) أي :الإماء ( بإذن أهلهن ) أي :إذن مواليهن ( وآتوهن أجورهن ) أي :مهورهن ( بالمعروف محصنات ) يعني :عفائف بالتزويج ( غير مسافحات ) أي :غير زانيات ( ولا متخذات أخدان ) فالمسافحة :هي أن تمكن منها كل أحد، قال الحسن :المسافحة :هي امرأة كل من أوى إليها تبعته، و ذات الخدن :هي أن تختص بصديق، والعرب كانت تحرم الأولى وتستبيح الثانية.
قوله تعالى :( فإذا أَحْصَنَّ ) قال ابن مسعود :فإذا أسلمن. وقال ابن عباس :فإذا تزوجن، ويقرأ فإذا " أُحْصِنَّ " بضم الآلف، ومعناه :زوجن( ١ ).
( فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ) ومعنى الآية على قول ابن عباس، وهو الأصح :أن الإماء إذا تزوجن وصرن ثيبا ( فعليهن نصف )
( ما على المحصنات ) يعني :الحرائر( من العذاب ) أي :من عذاب الحد، وحد الحرائر :يكون بالجلد ؛ ويكون بالرجم، والرجم لا ينتصف ؛ فكان المراد تنصيف الجلد. وذهب بعض العلماء إلى أن الأمة البكر إذا زنت، لا حد عليها ؛ لظاهر هذه الآية، وهذا لا يصح.
قال الزهري :حد الأمة الثيب ثابت بهذه الآية، وحد الأمة البكر ثابت بالسنة، والسنة المعروفة فيه :قوله صلى الله عليه وسلم : «إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها »( ٢ ) ( ذلك لمن خشي العنت منكم ) العنت :الزنا، وقد يكون بمعنى المشقة، كما بينا ( وأن تصبروا ) يعني :عن نكاح الإماء ( خير لكم ) كيلا يخلق الولد رقيقا ( والله غفور رحيم ).
١ - قرأ حمزة والكسائي، وخلف، وأبو بكر: بفتح الهمزة، والصاد، وقرأ الباقون بضم الهمزة، وكسر الصاد. انظر النشر (٢/٢٤٩)..
٢ - متفق عليه من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد، رواه البخاري (١٢/١٦٨ رقم ٦٨٣٧ وأطرافه في ٢١٥٣، ٢١٥٤، ٢٢٣٢، ٢٢٣٣، ٢٥٥٥، ٢٥٥٦، ٦٨٣٨، ومسلم (١١/٣٠٣ رقم ١٧٠٤)..
قوله تعالى :( يريد الله ليبين لكم ) يعني :أن يبين لكم، ومثله قول الشاعر :
أريدُ لأَنْسَى ذِكْرَهَا فكأنما تَمَثَّل لي ليلى بكل سبيل
يعني :أريد أن أنسى ذكرها.
قوله :( ليبين لكم ) أي :يوضح لكم الأحكام ( ويهديكم ) أي :يرشدكم ( سنن الذين من قبلكم ) أي :طرائق الذين من قبلكم من النبين، والصالحين، وقيل :من قوم موسى، وعيسى، الذين هدوا بالحق ؛ وذلك أنه حرم عليهم ما حرم على المسلمين من المحارم المذكورات، وقيل :معناه :ويهديكم( ١ ) إلى الملة الحنيفية، ملة إبراهيم، ( ويتوب عليكم ) قال ابن عباس :بداء من الله، ومعناه :يوفقكم للتوبة، وقيل :يرشدكم إلى السبيل الذي يدعوكم إلى التوبة ( والله عليم ) بمصالح أمركم ( حكيم ) فيما دبر.
١ - من "ك"..
قوله تعالى :( والله يريد أن يتوب عليكم ) هو ما ذكرنا. ( ويريد الذين يتبعون الشهوات ) قال مجاهد :هم الزناة، وقيل :أراد به :اليهود، والنصارى، قال مقاتل بن حيان :اليهود خاصة ؛ لأنهم استحلوا نكاح الأخت من الأب ( أن تميلوا ميلا عظيما ) الميل العظيم :هو أن يفعل فعلا لا يخاف الله فيه، ولا يرقب الناس، وقيل :الميل العظيم باتباع الشهوات.
قوله تعالى :( يريد الله أن يخفف عنكم ) أي :يسهل عليكم، وقد سهل هذا الدين ؛ قال صلى الله عليه وسلم : «بعثت بالسمحة السهلة الحنيفية »، وروى : «بالحنيفية السمحة السهلة »( ١ ) وقال الله تعالى :( ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم ) ( ٢ ).
( وخلق الإنسان ضعيفا ) قال طاوس، ومجاهد :وخلق ضعيفا في أمر النساء ؛ لا يصبر عنهن، وقال وكيع :يذهب عقله عندهن ؛ فهو ضعيف، وقال الزجاج :يستميله هواه وشهوته.
١ - رواه أحمد (٥/٢٦٦) عن أبي أمامة، والخطيب في تاريخه (٧/٢٠٩) عن جابر بن عبد الله مرفوعاً. ورواه أحمد (٦/١٦) عن عائشة، وفيه «لتعلم يهود أن في ديننا فسحة، إني أرسلت بحنيفية سمحة». وقال السخاوي في المقاصد (ص ١٨٦): وسنده حسن، وفي الباب عن أبي بن كعب، وأسعد بن عبد الله الخزاعي، وجابر، وابن عمر، وأبي هريرة وغيرهم..
٢ - الأعراف: ١٥٧..
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ) قال السدى :هو القمار، والربا، ونحوه، وقال غيره :كل العقود الباطلة ( إلا أن تكون تجارة ) يقرأ :بالضم والفتح، قد ذكرنا وجه القرائتين في سورة البقرة.
( عن تراض منكم ) أي :بطيبة نفس منكم ( ولا تقتلوا أنفسكم ) أي :لا يقتل بعضكم بعضا، وقرأ الحسن :( ولا تقتلوا أنفسكم ) مشددا على التكثير.
وقيل :معناه :ولا تقتلوا أنفسكم بأكل المال الباطل، وقيل :أراد به :قتل الرجل نفسه على الحقيقة ( إن الله كان بكم رحيما ).
قوله تعالى :( ومن يفعل ذلك ) يعني :ما سبق من الحرام ( عدوانا وظلما ) فالعدوان :مجاوزة الحد، والظلم :وضع الشيء في غير موضعه.
( فسوف نصليه نارا ) :ندخله نارا، يصلى بها ( وكان ذلك على الله يسيرا ) أي هينا، وروى عن ابن عمر أنه قال :كنا نشهد لمن ارتكب الكبائر بالنار بهذه الآيات ؛ حتى نزل قوله تعالى ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ( ١ ) فتوقفنا.
١ - النساء: ٤٨، ١١٦..
قوله تعالى ( إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه ) سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له : «أي الكبائر أكبر ؟ فقال :أن تدعو لله ندا وهو خلقك، قيل :ثم أي ؟ قال :أن تقتل ولدك مخافة أن يأكل معك، قيل :ثم أي ؟ قال :أن تزني بحليلة جارك، ثم قرأ ( والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ) ( ١ ) » ( ٢ ) وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «أكبر الكبائر :الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، والفرار من الزحف، وكان متكئا فاستوى جالسا، وقال :وشهادة الزور، وشهادة الزور، فما زال يردده حتى قلنا :ليته سكت »( ٣ ).
وقال ابن مسعود :الكبائر :ما ذكر الله تعالى في هذه السورة إلى هذه الآية :( إن تجتنبوا كبائر ).
وعن ابن مسعود أيضا أنه قال :الكبائر أربعة :الإشراك بالله، والقنوط من رحمة الله، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله. وقال ابن عباس :الكبائر سبع :الإشراك بالله، وقتل النفس بغير نفس، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، والتعرب بعد الهجرة، يعني :إلى دار الحرب.
وقال ابن عمر :الكبائر تسع فذكر هذه السبع وزاد شيئين أحدهما :السحر، والثاني :الإلحاد في الحرم بالميل والظلم. وسئل ابن عباس، فقيل له :الكبائر سبع ؟ فقال :هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع، وقال المغيرة بن مقسم الضبي :شتم أبي بكر، وعمر من الكبائر.
والجملة أن الكبائر :كل جريمة أوعد الله تعالى عليها النار، وقال أبو صالح :الكبيرة كل ما أوجب الحد ؛ غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار.
وقوله :( نكفر عنكم سيئاتكم ) قال السدى :أراد بالسيئات :الصغائر ( نكفر عنكم سيئاتكم ) إن شئت ؛ فالمشيئة مضمرة فيه، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «الجمعة إلى الجمعة، والصلوات الخمس، كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر »( ٤ ). وروى أبو سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : «ما من مسلم يصيبه وصب، أو نصب، إلا كفر عنه خطاياه حتى الشوكة يشاكها »( ٥ ).
وقيل :باجتناب الكبائر، تقع الصغائر مكفرة، ومذهب أهل السنة :أن تكفير الصغائر معلقة بالمشيئة ؛ فيجوز أن يعفو الله عن الكبائر، ويأخذ بالصغائر، ويجوز أن يجتنب الرجل الكبائر، فيؤخذ بالصغائر. ( وندخلكم مدخلا كريما ) وتقرأ :" مدخلا " ( ٦ )- بفتح الميم فالمدخل :الجنة والمدخل بضم الميم :الإدخال، يعني :إدخالا كريما.
١ - الفرقان: ٦٨..
٢ - متفق عليه من حديث ابن مسعود، فرواه البخاري (١٢/١١٦ رقم ٦٨١١ وأطرافه في ٤٧٦١، ٦٠٠١، ٦٨٦١، ٧٥٢٠، ٧٥٣٢)، ومسلم (٢/١٠٥-١٠٦ رقم ١٤١)..
٣ - متفق عليه من حديث أبي بكرة، فرواه البخاري (١٠/٤١٩ رقم ٥٩٧٦ وأطرافه في ٢٦٥٤، ٢٦٧٣، ٦٢٧٤، ٦٩١٩) ومسلم (٢/١٠٨ رقم ١٤٣) وليس عندهما "الفرار من الزحف"..
٤ - رواه مسلم في صحيحه (٣/١٤٧-١٤٨ رقم ٢٣٣)، والترمذي (١/٤١٨ رقم ٢١٤)، وأحمد (٢/٣٥٩) من حديث أبي هريرة.
وقال الترمذي حسن صحيح، وفي الباب عن جابر، وأنس، وحنظلة الأسدي..

٥ - متفق عليه من حديث أبي سعيد، وأبي هريرة، رواه البخاري (١٠/١٠٧ رقم ٥٦٤١) ومسلم (١٦/١٩٦ رقم ٢٥٧٣)..
٦ - قرأ نافع، وأبو جعفر المدنيان: بفتح الميم، وقرأ الباقون بالضم. انظر النشر (٢/٢٤٩)..
قوله تعالى :( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) سبب نزول الآية :ما روى عن أم سلمة، قالت :يا رسول الله :إن الرجال يغزون ولا نغزوا، ولهم ضعف مالنا من الميراث، فلو كنا رجالا غزونا كما غزوا، وأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا ؛ فنزل قوله :( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض ) وقيل :سبب نزول الآية :أن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ؛ فلما نزلت الآية بتوريث النساء، وجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، قالت النساء :لو كنا رجالا لأخذنا من الميراث مثل ما أخذوا، وقال الرجال :كما فضلنا عليكن في الدنيا، نفضل عليكن في الآخرة ؛ فنزلت الآية.
قال الفراء :هذا نهي تأديب وتهذيب، وقال غيره :إنه نهي تحريم ( للرجال نصيب مما اكتسبوا ) يعني :من الأجر ( وللنساء نصيب مما اكتسبن ) يعني :من الأجر، ومعنى الآية :أن الرجال والنساء في الأجر في الآخرة سواء، وإن فضل الرجال على النساء في الدنيا، فالحسنة بعشر أمثالها يستوي فيها الرجل والمرأة، وقيل :معناه :للرجال نصيب مما اكتسبوا من أمر الجهاد، وللنساء نصيب مما اكتسبن من طاعة الأزواج، وحفظ الفروج، يعني :إن كان للرجل فضل الجهاد، فللنساء فضل طاعة الأزواج، وحفظ الفروج.
( واسألوا الله من فضله ) وفي هذا دليل على أن الحسد حرام ؛ والحسد :هو أن يتمنى زوال النعمة عن صاحبه، ويتمناها لنفسه، والغبطة :هو أن يتمنى لنفسه مثل ما لصاحبه، فالحسد حرام، والغبطة لا بأس بها، ثم اختلفوا في معنى الفضل هاهنا، قال ابن عباس :واسألوا الله من فضله، أي :من رزقه.
وقال سعيد بن جبير :معناه :( واسألوا الله من فضله ) أي :من عبادته، وقيل :هو سؤال التوفيق على الطاعة ( إن الله كان بكل شيء عليما ).
قوله تعالى :( ولكل جعلنا موالى ) ولكل من الرجال والنساء جعلنا ورثة، قال مجاهد :الموالى هاهنا :بنو الأعمام، وقال الشاعر :
مهلا بني عمنا مهلا موالينا لا تنشبوا بيننا ما كان مدفونا
وقيل :هم جميع الأقارب، ومعنى الآية :ولكل جعلنا موالي يعطون ( مما ترك الوالدان والأقربون ) ( والذين عاقدت( ١ ) أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) عاقدت، وعقدت، وحالفت بمعنى واحد، وهو من الحلف والعهد :وهو أن يقول الرجل لصاحبه :دمي دمك، ومالي مالك، وترثني وأرثك، وكان في الجاهلية يورث بالحلف، وأقر عليه في الإسلام، وكان للحليف السدس، ثم نسخ ذلك بقوله تعالي :( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض ) ( ٢ ) وقيل :هذا في التوريث بالتبني، وكان ثابتا، ثم نسخ ( إن الله كان على كل شئ شهيدا ).
١ - كذا بالأصل، و"ك" وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم "عقدت" بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف. انظر النشر (٢/٢٤٩)..
٢ - الأنفال: ٧٥..
قوله تعالى :( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ) سبب نزول الآية :أن امرأة سعد بن الربيع جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقالت :«إن زوجي لطمني على وجهي، وهذا أثره، فقال صلى الله عليه وسلم :اذهبي فاقتصي منه ؛ فنزل قوله تعالى :( الرجال قوامون على النساء بما فضل الله ) ( ١ ) يعني :بالتأديب.
قال الحسن :لما قال صلى الله عليه وسلم لها :اذهبي فاقتصي منه ؛ نزل قوله :( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ) ( ٢ ) أي :لا تحكم قبل أن ينزل حكم الله.
والقوام والقيم بمعنى واحد، والقوام أبلغ :وهو القائم بالمصالح والتدبير، قال الشاعر :
الله بيني وبين قيمها يفر مني وأتبع
( بما فضل الله بعضهم على بعض ) يعني :الرجال على النساء بالعقل، والعلم، والحلم. ( وبما أنفقوا من أموالهم ) يعني :بإعطاء المهر، والنفقة.
( فالصالحات قانتات ) يعني :مطيعات، وقيل :مصليات ( حافظات للغيب ) أي :حافظات للفروج في غيبة الأزواج ( بما حفظ الله ) يعني :بما حفظهن الله من إيصاء( ٣ ) الأزواج بأداء حقهن من المهر والنفقة، وقيل :معناه :حافظات للغيب بحفظ الله، وقرأ أبو جعفر المدني " بما حفظ الله " بفتح الهاء( ٤ ) يعني :بما حفظ الله من طاعتهن وعبادتهن.
( واللاتي تخافون نشوزهن ) النشوز :هو الشقاق ( فعظوهن ) أي :بالتخويف من الله، والوعظ بالقول، ( واهجروهن في المضاجع ) قال ابن عباس :ومعناه :ولوهن ظهوركم في المضاجع ؛ وذلك بأن يوليها ظهره في الفراش، ولا يكلمها، وقيل :معناه :أن يعتزل عنها في فراش آخر.
( واضربوهن ) يعنى :ضربا غير مبرح، وذلك ضرب، ليس فيه جرح ولا كسر، قال عطاء :ضرب بالسواك ونحوه. ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ) يعني :بالتعلل، والتجني، وقيل :فلا تكلفوهن محبتكم ؛ فإن القلب ليس بأيديهن ( إن الله كان عليا كبيرا ) أي :متعاليا عن أن يكلف العباد ما لا يطيقونه، وفي الخبر : «لو جاز أن يسجد أحد لأحد لأمرت الزوجة أن تسجد لزوجها ؛ لما له عليها من الحقوق »( ٥ ).
وروى مرفوعا : «خير النساء من إذا دخلت عليها سرتك، وإن أمرتها أطاعتك وإن غبت عنها حفظتك »( ٦ ).
١ - ذكره الواحدي في أسباب النزول (ص ١١١)..
٢ - طه: ١١٤..
٣ - في "الأصل، وك": إيصال، آخره لام. والصواب ما أثبتناه، انظر تفسير البغوي (١/٤٢٢)..
٤ - انظر المصدر السابق، والنشر (٢/٢٤٩)..
٥ - رواه الترمذي (٣/٤٦٥ رقم ١١٥٩) وقال: حسن غريب، وبان حبان في صحيحه –الإحسان- (٩/٤٧٠ رقم ٤١٦٢)، والبيهقي (٧/٢٩١) كلهم من حديث أبي هريرة.
ورواه الحاكم (٤/١٧١-١٧٢) بإسناد آخر، وصححه، وتعقبه الذهبي في التخليص بقوله: بل سليمان هو اليمامى، ضعفوه. وفي الباب عن غير واحد من الصحابة..

٦ - رواه النسائي (٦/٦٨ رقم ٣٢٣١)، والطيالسي (ص ٣٠٦ رقم ٢٣٢٥)، وأحمد في مسنده (٢/٢٥١)، والحاكم (٢/١٦١) وصححه على شرط مسلم، كلهم من حديث أبي هريرة وروى هذا الحديث من حديث ابن عباس، وأبي أمامة، وعبد الله بن سلام، وغيرهم، انظر تخريج الكشاف للزيلعي (١/٣١٣-٣١٥)..
( وإن خفتم شقاق بينهما ) :هو النشوز، قال أبو عبيدة :أراد به :إن تيقنتم شقاق بينهما، فالخوف بمعنى :اليقين، ومنه قول الشاعر :
إذا مت فارميني إلى جنب كرمة أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها( ١ )
أي :أتيقن.
وأنكر الزجاج ذلك عليه، وقال :إذا تيقن الشقاق، فلا معنى لبعث الحكمين، بل الخوف بمعنى الظن، يعني :إن ظننتم شقاق بينهما ( فابعثوا حكما من أهله ) يعني من أهل الزوج، ( وحكما من أهلها ) يعني :من أهل الزوجة. ( إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا ) وهل يجوز للحكمين التفريق ؟ فللسلف فيه قولان :أحدهما :أنه يجوز التفريق، كما يجوز الجمع من غير رضا الزوج، وروى عن علي :أنه بعث الحكمين، فقال الزوج :أما الفرقة فلا، فقال علي :لا حتى ترضى بكتاب الله تعالى ؛ فعلى هذا معنى قوله :( يوفق الله بينهما ) يعني :يوفق الله بين الحكمين بما فيه الصلاح من الفرقة أو الجمع، والصحيح وعليه الفتوى :أنه لا يجوز التفريق، وهو ظاهر الآية.
١ - هذا البيت ملفق، فالشطر الثاني منه هو الشطر الثاني من البيت الذي يليه. وصواب الأبيات كما يأتي:
إذا مت فادفني إلى جنب كرمة تروي عظامي بعد موتي عروقها
ولا تَدْفِنَِـيِّ بالغـلاة فإننــي أخاف إذا مامت أن لا أذوقهــا
انظر لسان العرب (مادة: كرم، عرق)، وتفسير القرطبي (٢/٥٤)..

قوله-تعالى- :( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) روى عن معاذ أنه قال : «كنت رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال لي :يا معاذ. فقلت :لبيك وسعديك. فقال :أتدري ما حق الله على العباد ؟ قلت :الله ورسوله أعلم. فقال :حق الله على العباد :أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئا، ثم قال :يا معاذ، قلت :لبيك وسعديك، قال :أتدري ما حق العباد على الله ؟ قلت :الله ورسوله أعلم. فقال :حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك أن يدخلهم الجنة، ولا يعذبهم »( ١ ).
( وبالوالدين إحسانا ) أي :وأحسنوا بالوالدين إحسانا، ومن الإحسان بالوالدين :لين الجانب، وألا يرفع صوته فوق صوتهما، ولا يجبه بالرد( ٢ )، ويكون لهما كالعبد الذليل لسيده ( وبذي القربى ) أي :أحسنوا بذي القربى ( واليتامى والمساكين ( والجار ذي القربى ) فيه قولان :أحدهما :انه الجار الذي له قرابة. والثاني :أنه الجار الذي بقرب داره، وهو الملاصق، ( والجار الجنب ) فيه قولان :أحدهما :أنه الجار الغريب الأجنبي، والثاني :أنه الجار الذي يبعد داره.
وقد ورد في حق الجار أخبار، منها :ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه »( ٣ ) وقال صلى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره »( ٤ )، وقال صلى الله عليه وسلم لمناديه حتى نادى : «ألا إن الجيران أربعون دارا، ولم يؤمن بالله من آذى جاره »( ٥ ).
وقالت عائشة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : «إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي ؟ فقال :إلى أقربهما بابا »( ٦ ) فحق الجار القريب المسلم ثلاثة حقوق :حق القرابة، وحق الإسلام، وحق الجوار، وللجار الغريب المسلم حقان :حق الإسلام، وحق الجوار، وللجار الذمي حق واحد، وهو حق الجوار.
قوله تعالى :( والصاحب بالجنب ) قال علي، وابن مسعود :هي المرأة، وقال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وجماعة :هو الرفيق في السفر، ( وابن السبيل ) فيه قولان :أحدهما :أنه الملازم للطريق، قاله ابن عباس، وقال غيره :هو الضيف، وقال صلى الله عليه وسلم : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه »( ٧ ) وقال صلى الله عليه وسلم «الضيافة ثلاثة أيام، فما زاد فهو صدقة »( ٨ ).
( وما ملكت أيمانكم ) يعني :أحسنوا إلى المماليك، وآخر ما حفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «الصلاة، وما ملكت أيمانكم »( ٩ ) أي :الزموا الصلاة، وحق ما ملكت أيمانكم.
( إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا ) المختال :المتكبر، والفخور :الذي يفخر بنفسه تكبرا، قال الشاعر :
وإن كنت سيدنا سُدْتَنَا وإن كنت للخَالِ فاذهب فَخَلْ
يعنى :إن كنت للخيلاء فاذهب فخل، فإن قيل :أي معنى لهذا بعد هذه الأحكام ؟ قيل :لأن الآدمي قد يُقَصِّر في أداء الحقوق تكبرا ؛ فنهى عنه، وفي الخبر : «أن رجلا كان يتبختر في حلة له، فخسف الله به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة »( ١٠ ).
١ - متفق عليه، فرواه البخاري (١٣-٣٥٩-٣٦٠ رقم ٧٣٧٣) وأطرافه في ٥٩٦٧، ٦٢٦٧، ٦٥٠٠) ومسلم (١/٣١٥-٣٢٠ رقم ٣٠)..
٢ - جَبَهَ الرجل يجبهه جَبْهاً. أي: رده عن حاجته، واستقبله بما يكره. انظر لسان العرب (مادة: جبه)..
٣ - متفق عليه من حديث عائشة، فرواه البخاري (١٠/٤٥٥ رقم ٦٠١٤)، ومسلم (١٦/٢٦٩ رقم ٢٦٢)..
٤ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، فرواه البخاري (١٠/٤٦٠ رقم ٦٠١٨)، ومسلم (٢/٢٣-٢٦ رقم ٤٧)..
٥ - رواه الطبراني في الكبير (١٩/٧٣ رقم ١٤٣) عن كعب بن مالك مرفوعا بنحوه. وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٧٢): وفيه يوسف بن السفر، وهو متروك. ورواه أبو داود في المراسيل (ص ٢٥٧ رقم ٣٥٠) عن الزهري مرسلا، ورواه أبو يعلى في مسنده (١٠/٣٨٥ رقم ٥٩٨٢) عن أبي هريرة مرفوعا بنحو شطره الأول وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٧١): رواه أبو يعلى عن شيخه محمد بن جامع العطار، وهو ضعيف..
٦ - رواه البخاري (١٠/٤٦١ رقم ٦٠٢٠)، وأبو داود (٤/٣٣٩ رقم ٥١٥٥)، وأحمد في مسنده (٦/١٧٥)، والطيالسي في مسنده (٢١٥ رقم ١٥٢٩)..
٧ - تقدم تخريجه قبل حديثين تحت حديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره..
٨ - متفق عليه من حديث أبي شريح، فرواه البخاري (١٠/٤٦٠ رقم ٦٠١٩) ومسلم (٢/٢٧ رقم ٤٨)، و)١٢/٤٥-٤٧)..
٩ - رواه أبو داود (٤/٣٣٩-٣٤٠ رقم ٥١٥٦)، وابن ماجة (٢/٩٠١ رقم ٦٩٨) وأحمد (١/٧٨) والبيهقي (٨/١١) كلهم من حديث علي بن أبي طالب.
وروى من حديث أنس بن مالك، رواه ابن ماجة (٢/٩٠١ رقم ٢٦٩٧) وأحمد (٣/١١٧)، وابن حبان في صحيحه الإحسان (١٤/٥٧١ رقم ٦٦٠٥)، والحاكم (٣/٥٧)..

١٠ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، فرواه البخاري (١٠/٢٦٩ رقم ٥٧٨٩)، ومسلم (١٤/٨٩-٩٠ رقم ٢٠٨٨)..
قوله تعالى :( الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ) قيل :هو عام في كل بخيل في العالم، وقيل أراد به :اليهود والنصارى بخلوا بنعت محمد، وأمروا سفلتهم بذلك، ( ويكتمون ما آتاهم الله من فضله اعتدنا ) أي :أعددنا ( للكافرين عذابا مهينا ).
قوله تعالى :( والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ) قال إبراهيم النخعي :هم اليهود والنصارى، وقال غيره :هم المنافقون.
( ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ) أي :فبئس القرين، قال الشاعر :
عن المرء لا تسأل وبصر قرينه كل قرين بالمقارن يقتدي
قوله تعالى :( وماذا عليهم ) أي :وأي شئ عليهم ( لو آمنوا بالله ) وهو مثل ما يحاسب الرجل نفسه، فينظر فيما له، وفيما عليه ؛ يقول الله تعالى أي :شئ عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر ( وأنفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما ).
قوله-تعالى- :( إن الله لا يظلم مثقال ذرة ) قرأ ابن مسعود :" مثقال نملة " والذرة :هي النملة الحمراء، ( وإن تك حسنة يضاعفها ) وقرئ :" يضعفها " ( ١ ) وهما في المعنى سواء. ( ويؤت من لدنه أجرا عظيما ).
١ - قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب: بتشديد العين مع حذف الألف، وقرأ الباقون بإثبات الألف، والتخفيف. انظر النشر (٢/٢٢٨)..
قوله تعالى :( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) معناه :فكيف الحال إذا جئنا من كل أمة بشهيد ؟ وأراد بالشهيد من كل أمة نبيها، وشهيد هذه الأمة :نبينا صلى الله عليه وسلم. وأختلفوا على أن شهادتهم على ماذا ؟ منهم من قال :يشهدون على تبليغ الرسالة، ومنهم من قال :يشهدون على الأمة بالأعمال.
واختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل يشهد على من لم يره ؟ منهم من قال :إنما يشهد على من رآه، والصحيح :أنه يشهد على الكل، على من رأى، وعلى من لم ير.
وروى عن ابن مسعود : «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لي :" اقرأ علي القرآن " فقلت :كيف أقرأ عليك القرآن، وعليك أنزل ؟ ! فقال :أريد أن أسمعه من غيري. قال ابن مسعود :فافتتحت سورة النساء، فلما بلغت قوله :( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا ) غمزني رسول اللهصلى الله عليه وسلم بيده، وقال :حسبك، فنظرت إليه، فإذا عيناه تذرفان »( ١ )، وفي رواية : «لما قرأت هذه الآية، قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم :( وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ) ( ٢ ) »( ٣ ) وفي رواية ثالثة : «هذا يا رب فيمن رأيته، فكيف بمن لم أره ؟ »( ٤ ) وأصل الحديث صحيح.
١ - متفق عليه، فرواه البخاري (٨/٩٨-٩٩ رقم ٤٥٨٢) ومسلم (٨/١٢٤-١٢٦ رقم ٨٠٠)..
٢ - المائدة: ١١٧..
٣ - رواه الطبري (٥/٥٩) عن ابن مسعود..
٤ - عزاه السيوطي في الدر (٢/٨٠) لابن أبي حاتم، والبغوي في معجمه، والطبراني بسند حسن، عن محمد ابن فضالة الأنصاري، وقال الهيثمي في المجمع (٧/٧): رجاله ثقات..
قوله تعالى :( يومئذ ) يعني :يوم القيامة ( يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ) ويقرأ :" لو تَسَوَّى بهم الأرض " ( ١ ) أي :تستوي، يعني :يودون أن يصيروا ترابا، وهذا مثل قوله تعالى :( ويقول الكافر يا ليتني كنت ترابا ) ( ٢ )، وذلك حين تحشر البهائم ثم يقول الله تعالى لهم :كونوا ترابا، فيكونون ترابا ؛ فيود الكفار هنالك أن يصيروا مثل البهائم ترابا، وقيل :يودون أن تنخرق الأرض ؛ فساخوا فيها وهلكوا، وتسوى بهم الأرض، أي :عليهم الأرض.
( ولا يكتمون الله حديثا ) فإن قيل :قد أخبر هاهنا أنهم لا يكتمون الله حديثا، وذكر في موضع آخر قولهم :( والله ربنا ما كنا مشركين ) ( ٣ ) فقد كتموا، فكيف وجه الجمع ؟ قيل :قال الحسن البصري :وهذا في موطن وذاك في موطن، آخر، وفي القيامة مواطن، وهذا جواب معروف أورده القتيبي في مشكل القرآن. وقيل :معناه :يودون أن لا يكتمون الله حديثا، وذلك أنهم يقولون :( والله ربنا ما كنا مشركين ) ( ٤ ) ونحو ذلك، فيختم الله على أفواههم، وينطق جوارحهم ؛ فيودون أنهم لم يكتموا الله حديثا فهو راجع إلى قوله :( يود الذين كفروا ) وقيل :معناه :لا يقدرون أن يكتموا الله حديثا.
١ - قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بفتح التاء، وتخفيف السين، وقرأ نافع وأبو جعفر، وابن عامر بفتح التاء وتشديد السين، وقرأ الباقون بضم التاء وتخفيف السين. انظر النشر (٣/٢٤٩)..
٢ - النبأ: ٤٠..
٣ - الأنعام: ٢٣..
٤ - في "ك": ابن عباس، وهو خطأ..
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ) يعني :لا تقربوا موضع الصلاة، ( وأنتم سكارى ) فالأصح وعليه أكثر المفسرين أنه أراد به :السكر من الشراب، وهو قول ابن عباس. وقال الضحاك :أراد به :السكر من النوم.
والسكر من السكر فهو أشد، فالسكر يسد العقل والمعرفة، والصحيح أنه في السكر من الشراب.
وسبب نزول الآية ما روى :أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما، واتخذ شرابا، ودعا رهطا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكلوا، وشربوا حتى ثملوا، فدخل وقت المغرب، فقاموا إلى الصلاة، وقدموا واحدا منهم، فقرأ سورة ( قل يا أيها الكافرون ) وقرأ :أعبد ما تعبدون، وأنتم عابدون ما أعبد، قرأ هكذا إلى آخر السورة بطرح " لا " ؛
فنزل قوله :( لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ) » أي :حتى تميزوا، وتعرفوا ما تقولون.
فإن قيل :كيف خاطب السكارى، والسكران لا يخاطب ؟ قيل أراد به لا تتعرضوا للسكر في أوقات الصلاة، فكانوا يشربون بعد ذلك بعد صلاة الصبح، ويصحون عند الظهر، ويشربون بعد العشاء الآخرة، ويصحون عند الصبح.
( ولا جنبا إلا عابري سبيل ) يعني :ولا تقربوا المسجد موضع الصلاة جنبا، إلا عابري سبيل، اختلفوا فيه :قال جماعة من التابعين وهو قول الشافعي :إنه أراد به عبور :الجنب في المسجد من غير أن يجلس ؛ فرخص فيه، وقال بعضهم إنه يتيمم للعبور، ثم يعبر إذا لم يكن له بد من العبور، والآية في قوم من الأنصار كانت أبواب بيوتهم في المسجد :فرخص لهم في العبور بالتيمم، فهذا معنى قوله :( ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا ).
( وإن كنتم مرضى ) أراد به :المرضى من القروح والجروح، وفيه تفاصيل تذكر في الفقه، ( أو على سفر ) وحد السفر :مسيرة يوم وليلة، وقال أصحاب الرأي :مسيرة ثلاثة أيام ( أو جاء أحد منكم من الغائط ) قال الفراء :معناه :وجاء أحد منكم من الغائط ؛ حتى يستقيم الكلام، والغائط :اسم للمطمئن من الأرض ؛ فلما جرت عادة العرب بإتيان الغائط للحدث ؛ سمى الحدث غائطا باسم المكان.
( أو لمستم النساء ) ويقرأ :" أو لامستم النساء " ( ١ ) قال علي، وابن عباس :أراد به الجماع، قال ابن عباس :إن الله حيى كريم، يكنى بالحسن عن القبيح ؛ فكنى باللمس عن الجماع، وقال ابن مسعود، وابن عمر :هو اللمس باليد، وهو قول الشافعي، فمن قال بالأول قال :إن التيمم للجنب ثابت بنص الكتاب، ومن قال بالثاني قال :إن التيمم للمحدث ثابت بالكتاب، وللجنب ثابت بالسنة.
وقال عمر، وابن مسعود :ليس للجنب أن يتيمم أصلا، وحملوا الآية على اللمس باليد، وتمسكوا بظاهر الآية.
والأصح أن اللمس والملامسة واحد، وقال بعضهم :ومن قرأ :( أو لامستم ) ففيه دليل على انتقاض طهارة اللامس والملموس جميعا. ومن قرأ ( أو لمستم ) ففيه دلالة على انتقاض طهارة اللامس فحسب.
( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) أي :اقصدوا، وتعمدوا، والتيمم :القصد، قال الشاعر :
تيممت قيسا وكم دونه من الأرض من مَهْمَةٍ ذي شَزَنْ
( صعيدا ) قال أبو عبيدة :الصعيد :التراب، وهو قول الشافعي، وقال ابن الأعرابي :الصعيد :ما يصعد من وجه الأرض، وهو اختيار الزجاج، وقال الزجاج :لو ضرب يده على صخرة صماء حصل التيمم، وإن لم يعلق به شئ، واستدلوا بقوله :( صعيدا زلقا ) ( ٢ ) وأراد به :وجه الأرض، والأول أصح ؛ لأنه قال في آية أخرى :( فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه ) ( ٣ ) يعني :من الصعيد ؛ فدل أنه التراب حتى يكون التيمم منه وقوله :( طيبا ) أي :طاهرا، وقال بعضهم :حلالا ( فامسحوا بوجهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا ) فالعفو المسهل والغفور :الساتر.
١ - قرأ حمزة، والكسائي، وخلف بغير ألف، وقرأ الباقون بالألف. انظر النشر (٢/٢٥٠)..
٢ - الكهف: ٤٠..
٣ - المائدة: ٥٦..
قوله تعالى :( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ) فإن قال قائل :كيف يسمي اليهود والنصارى :" أهل الكتاب "، وهو اسم مدح، وهم يستحقون الذم ؟ قيل :قال ذلك لإلزام الحجة، وقيل :سماهم بذلك على زعمهم أنهم أهل الكتاب.
( يشترون الضلالة ) لأنهم لما استبدلوا الضلالة بالهدى، فكأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، وكل مشتر مستبدل. ( ويريدون أن تضلوا السبيل
والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا ) قال الزجاج :معناه :اكتفوا بالله وليا واكتفوا به نصيرا ؛ لتكون " الباء " في موضعها، وقال غيره :الباء صلة، وتقديره :وكفى الله وليا وكفى الله نصيرا.
قوله تعالى :( من الذين هادوا يحرفون ) قيل تقديره :ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب من الذين هادوا يحرفون، وقيل معناه :من الذين هادوا فريق يحرفون ( الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا ) لأنهم لما سمعوا ولم يطيعوا، فكأنهم قالوا :سمعنا وعصينا. ( واسمع غير مسمع ) قال ابن عباس :كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم :اسمع، ثم يقولون في أنفسهم :لا سمعت، فهذا معناه، وقال الحسن :اسمع غير مسمع منك، يعني :اسمع منا، ولا نسمع منك ( وراعنا ) كانوا يقولون ذلك، ويريدون به :النسبة إلى الرعونة، فذلك معنى قوله :( ليا بألسنتهم وطعنا في الدين ) ؛ لأن قولهم :راعنا من المراعاة، فلما حرفوه إلى الرعونة، فذلك معنى قوله :( ليا بألسنتهم ). ( ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا ) أي :انظر إلينا ( لكان خيرا لهم وأقوم ) أي :أعدل ( ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا ) فيه قولان :أحدهما فلا يؤمنون إلا إيمانا قليلا، لا يستحقون به اسم الإيمان ؛ وذلك أنهم يؤمنون بالله، والآخرة، وموسى، وقيل :معناه :فلا يؤمنون إلا نفر قليل منهم، وأراد به :عبد الله بن سلام، وقوما منهم أسلموا.
( يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا ) يعني :من القرآن( مصدقا لما ( معكم ) من التوراة والإنجيل( من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها ) الطمس :المحو، ومعناه :من قبل أن نطمس الوجه، ونرده إلى القفا، وقيل :معناه :نبات الشعر عليه، حتى يصير كالقردة، وقيل :يجعل عينيه على القفا ليمشي بقهقرى، وروى :أن عبد الله بن سلام لما سمع هذه الآية، جاء إلى النبيصلى الله عليه وسلم ويده على وجهه، فأسلم، وقال :خفت أن يطمس وجهي قبل أن أصل إليك، وكذلك كعب الأحبار لما سمع هذه الآية أسلم في زمن عمر رضي الله عنه. فإن قال قائل :قد أوعد اليهود بالطمس إن لم يسلموا، ولم يطمس وجوههم، فكيف ذلك ؟ قيل :هذا كان في قوم معدودين أسلموا، وذلك :عبد الله بن سلام، وثعلبة بن سعيد، وأوس بن سعيد، والمحيريق، وجماعة، ولو لم يسلموا لطمسوا. وقيل :أراد به :الطمس في القيامة، قال مجاهد :أراد بقوله ( نطمس وجوها ) أي :نتركهم في الضلالة ؛ فيكون المراد طمس القلب ( أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت ) أي :نجعلهم قردة كما جعلنا أصحاب السبت قردة ( وكان أمر الله مفعولا ).
قوله تعالى :( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) قيل :هذه أرجى آية في القرآن، قال ابن عمر :كنا نطلق القول فيمن ارتكب الكبائر بالخلود في النار، حتى نزلت هذه الآية، فتوقفنا ( ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما ) أي :اختلق إثما عظيما، فإن قال قائل :قد قال الله تعالى :( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) وقال في موضع آخر :( إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ١ ) فكيف وجه الجمع ؟ قيل أراد به :يغفر الذنوب جميعا سوى الشرك.
وفي الخبر : «أنه صلى الله عليه وسلم لما قرأ قوله تعالى :( إن الله يغفر الذنوب جميعا ) ( ٢ ) فقال رجل :والشرك يا رسول الله ؟ فنزل قوله تعالى ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ) » ( ٣ ).
١ - الزمر: ٥٣..
٢ - الزمر: ٥٣..
٣ - رواه الطبري عن ابن عمر (٥/٨٠) وعزاه السيوطي في الدر (٢/١٨٧) لابن أبي حاتم، وابن المنذر..
قوله تعالى :( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ) نزلت الآية في رحبي بن عمرو، ومرحب بن زيد، جاءا إلى النبي صلى الله عليه وسلم بأطفالهما، وقالا :هل على هؤلاء ذنب ؟، فقال :لا. فقالا :نحن مثلهم ؛ ما فعلنا بالليل يكفر عنا بالنهار، وما فعلنا بالنهار يكفر عنا بالليل، فنزل قوله :( ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم ). ( بل الله يزكي من يشاء ) " يطهر من يشاء. ( ولا يظلمون فتيلا ) أي :لا ينقص من أجورهم شئ إن أسلموا، ولا من أوزارهم إن لم يسلموا. والفتيل والقطمير والنقير :ثلاثة أسامي مذكورة في القرآن فالفتيل :اسم لما يكون في شق النواة، والقطمير :اسم للقشرة التي تكون على النواة، والنقير :اسم للنقطة التي تكون على ظهر النواة، هذا قول ابن عباس، وقال غيره :الفتيل من الفتل، وهو اسم لما يحصل من الوسخ بين الإصبعين عند الفتل، قال الشاعر :
تجمع الجيش ذا الألوف وتغزو ثم لا ترزأ العدو فتيلا
قاله النابغة، وأنشده الأزهري.
قوله تعالى :( أنظر كيف يفترون على الله الكذب وكفى به ) أي :بالكذب ( إثما مبينا ).
( ألم تر إلي الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ) قال عمر رضي الله عنه :الجبت :السحر والطاغوت :الشيطان، وبه قال الشعبي، وقال قتادة :الجبت :الشيطان والطاغوت :الكاهن، وعن ابن عباس في رواية الكلبي عنه أنه قال :هما اسما رجلين من اليهود، فالجبت :حيى بن أخطب والطاغوت :كعب بن الأشرف، وفي رواية أخرى عن ابن عباس :أن الجبت :الساحر بلغة الحبشة فعرب، وذكر عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس رحمة الله أنه قال :الطاغوت :كل ما يعبد من دون الله، وقرأ قوله تعالى :( واجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها ) ( ١ ) فقيل له :ما " الجبت " ؟، فقال سمعت أنه الكاهن.
( ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا ) هذا قول جماعة من اليهود وحضروا موسم الحج، فقال لهم المشركون :نحن أحسن طريقة أم محمد وأصحابه ؟ فقالوا :أنتم. وهذا دليل على شدة معاندة اليهود ؛ حيث فضلوا المشركين على المسلمين، مع علمهم أنهم لم يؤمنوا بشيء من الكتب، وأن المسلمين آمنوا بالكتب المتقدمة.
١ - الزمر: ١٧..
( أولئك الذين لعنهم الله ) هم اليهود ( ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا ).
قوله تعالى :( أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا ) فالنقير :اسم تلك النقطة على ظهر النواة، ومنها تنبت النخلة، وفي الآية قولان :أحدهما :أنه :استفهام بمعنى الإنكار والنفي، يعنى :ليس لهم نصيب من الملك ؛ إذ لو كان الملك لهم، فإذا لا يؤتون الناس نقيرا، وقد ذكرنا نزع الملك من اليهود، والقول الثاني :إنه بمعنى الإثبات، يعني :لهم نصيب من الملك :وأراد بالملك المال، ثم هم إذا لا يؤتون الناس نقيرا، وصفهم بشدة البخل، وهذا على طريق ضرب المثل ؛ إذ من اليهود من يؤتي المال.
قوله تعالى :( أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله ) أي :بل يحسدون، واختلفوا في الناس هاهنا، من المراد به ؟ قال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وجماعة :أراد به :محمدا صلى الله عليه وسلموحده، وقال قتادة :أراد به العرب ؛ حسدهم اليهود ببعث النبي منهم، وفيه قول ثالث :أراد به :محمدا وأصحابه، وقال أبو جعفر محمد بن علي الباقر :نحن الناس ؛ وذلك أنهم حسدوا، فإذا قلنا بالقول الأول :أنه محمد وحده ؛ فاختلفوا في الفضل المذكور في الآية ما هو ؟ قال بعضهم :هو النبوة حسد الرسول بها، وقال بعضهم :هو تحليل الزوجات فيما زاد على الأربع، حسده اليهود عليه ؛ فقالوا :ما بال هذا الرجل همه في النكاح، ينكح، وينكح. ( فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة ) أراد بآل إبراهيم :داود، وسليمان، والكتاب :هو الكتاب الذي أنزل عليهم، وأما الحكمة :قيل :هي النبوة، وقيل هي السنة.
ومعنى الآية :أنهم إن حسدوا الرسول بما أوتى من الفضل، فليحسدوا آل إبراهيم ؛ فإنهم قد أوتوا الكتاب والحكمة ( وآتيناهم ملكا عظيما ) اختلفوا في الملك العظيم :فمن فسر الفضل بتحليل الزوجات، فسر الملك العظيم به أيضا، وقد كان لداود تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مائة امرأة، وقيل :كان لسليمان سبعمائة امرأة، وثلثمائة سرية، وقيل :أعطى نبينا صلوات الله عليه قوة سبعين شابا في المباضعة( ١ ).
وقيل :الملك العظيم :ملك سليمان، وقيل :المراد به تأييدهم بالجنود من الملائكة.
١ - قال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/٤٥٠) تحت حديث أنس: «كنا نتحدث أنه أعطى قوة ثلاثين» أي: في الجماع.! ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق أبو موسى، عن معاذ بن هشام "أربعين" بدل ثلاثين، وهي شاذة من هذا الوجه، لكن في مراسيل طاووس مثل ذلك، وزاد: "في الجماع". وفي صفة الجنة لأبي نعيم، من طريق مجاهد مثله، وزاد: من رجال أهل الجنة، ومن حديث عبد الله بن عمرو، ورفعه: «أعطيت قوة أربعين في البطش والجماع»... الخ..
قوله تعالى :( فمنهم من آمن به ) يعنى :بالكتاب ( ومنهم من صد عنه ) أي :أعرض عنه، وقيل :معناه :فمنهم من آمن بمحمد، ومنهم من صد عنه ( وكفى بجهنم سعيرا ) والسعير :هي النار المسعرة.
قوله تعالى ( إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا ) أي نلقيهم في النار، ويقال :صلى النار، إذا قرب منها، قال الشاعر يصف امرأة :
تجعل المسك واليَلَنْجُوجَ( ١ ) والذَّ ذَّ صِلاَءً لها على الكانون
( كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) قيل :قرئت هذه الآية عند عمر رضي الله عنه وكان عنده معاذ بن جبل، فقال :تبدل جلودهم في كل ساعة سبعين مرة، قال عمر :كذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم »( ٢ ).
وقال الحسن :في كل يوم سبعين ألف مرة.
فإن قيل :إذا بدلت جلودهم، فكيف يعذب غير الجلد الذي كان في الدنيا ؟ قيل :إنما يعذب الشخص في الجلد دون الجلد، وقيل :يعاد الجلد الأول في كل مرة، إلا أنه( ٣ ) سماه جلدا غيره، ومثله جائز، تقول العرب :صغت من خاتمي خاتما غيره، وإن كان الثاني إعادة للأول، وفي الخبر : «أنَّ بُصْر جلد الكافر في النار أربعون ذراعا يعني :غلظه وضرسه مثل جبل أحد، وما بين منكبيه مسيرة ثلاثة أيام »( ٤ ).
وفي الأخبار : «يكون عليه مائة جلد، بين كل جلدين لون من العذاب » ( إن الله كان عزيزا حكيما ) عزيزا :غالبا. حكيما :فيما دبر،
١ - كذا في لسان العرب (مادة: خصر)، وفي "الأصل، وك": والألوَّة..
٢ - أخرجه الطبراني في الأوسط، كما في مجمع البحرين (٦/١٥-١٦ رقم ٣٣٠٧)، وابن عدي في الكامل (٧/٥٠) في ترجمة نافع السلمي مولى يوسف. كلاهما من حديث ابن عمر- رضي الله عنهما- وفيه: مائة مرة. وقال ابن عدي: وعامة ما يرويه غير محفوظ، والضعف على روايته بيّن. أي: نافع. وقال الهيثمي في المجمع (٧/٩): وفيه نافع مولى يوسف السلمي، وهو متروك وعزاه السيوطي في الدر (٢/١٩٢) لابن أبي حاتم وابن مردويه..
٣ - ليست في "الأصل"، ولا "ك"..
٤ - رواه الترمذي (٤/٦٠٦ رقم ٢٥٧٧)، وقال: حسن صحيح غريب. وأحمد (٢/٣٣٤، ٥٣٧) وابن أبي عاصم في السنة (١/٢٧١ رقم ٢١٠، ٢١١)، وابن حبان في صحيحه (١٦/٥٣١ رقم ٧٤٨٦) والحاكم (٤/٥٩٥) وقال: صحيح على شرط الشيخين، والبيهقي في البعث (٣١٥ رقم ٦٢١) من حديث أبي هريرة بنحوه، وأعله الدارقطني في العلل (١٠/١٥٠) بالوقف وأصل الحديث عند مسلم مختصرا (١٧/٢٧١ رقم ٢٧٥١) و(٧/٢٧٢ رقم ٢٨٥٢)..
قوله :( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة ) وقد ذكرنا معنى الجميع، ( وندخلهم ظلا ظليلا ) وهو الكن الذي يقي من الحر والبرد.
قوله تعالى :( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ) فيه ثلاثة أقاويل :أحدها :أن المراد منه :جميع الأمانات، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :يجاء بالذي خان في الأمانة يوم القيامة، فيقال له :رد الأمانة. فيقول :ذهبت الدنيا أنى لي الأمانة، فتمثل له الأمانة في النار، ويقال له :خذ الأمانة وردها، فيأتي ليأخذ الأمانة ؛ فيهوي في النار، ثم يعود ليأخذ فيهوي فيها أبدا. وفي الخبر أنه صلى الله عليه وسلم قال : «أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك »( ١ ).
وروى عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أن قال : «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له »( ٢ ).
والقول الثاني :أنه أراد به :تفويض الأمر إلى الولاة بالطاعة لهم، والقول الثالث-وهو قول عامة المفسرين- :أن المراد منه ردّ مفاتيح الكعبة.
وسبب نزول الآية ما روى : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة، أخذ مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة، وفتح الباب، ودخل الكعبة، فلما خرج، قال العباس :بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اجمع لي بين السدانة والسقاية فهمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدفع المفتاح إليه ؛ فنزل قوله تعالى :( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها )، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة، ودفع إليه المفتاح، وقال :خذوها يا بني طلحة، خالدة تالدة، لا ينزعها عنكم إلا ظالم »( ٣ ) وكان مع عثمان حياته، فلما توفي دفعه إلى أخيه شيبة، فهو في بني شيبة إلى قيام الساعة.
( وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) أي :بالقسط ( إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا ).
١ - رواه أبو داود (٣/٢٩٠ رقم ٣٥٣٤، ٣٥٣٥) والترمذي (٣/٥٦٤ رقم ١٢٦٤) وقال: حسن غريب، والحاكم (٢/٢٦٤) وصححه على شرط مسلم، والدارقطني (٣/٣٥ رقم ١٤٢) كلهم من حديث أبي هريرة.
وقد روى من حديث أنس، وأبي ابن كعب وغيرهم، انظر تلخيص الحبير (٣/٢٠٩-٢١٠ رقم ١٤٥٤).
وقال ابن الجوزي في العلل (٢/٥٩٢): هذا الحديث من جميع طرقه لا يصح، ونقل عن أحمد أنه قال: هذا حديث باطل. وتعقبه الذهبي في تلخيص العلل (٢٠٧ رقم ٥٨١) بتحقيقنا: بأن إسناد الترمذي جيد..

٢ - رواه أبو يعلى (٤/٣٤٣ رقم ٢٤٥٨)، والطبراني في الكبير (١١/٢١٣ رقم ١١٥٣٢) وقال الهيثمي في المجمع (١/١٧٧): وفيه حسين بن قيس الملقب بحنش، وهو متروك.
وله شاهد من حديث أنس، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١١/١١) وأحمد في مسنده (٣/٣٥، ١٥٤، ٢١٠) وأبو يعلى (٥/٢٤٦-٢٤٧ رقم ٢٨٦٣) وابن حبان في صحيحه –الإحسان- (١/٤٢٢-٤٢٣ رقم ١٩٤)، والبيهقي (٦/٢٨٨) و(٩/٢٣١) وغيرهم.
وقال الهيثمي في المجمع (١/١٠١): رواه أحمد وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط، وفيه أبو هلال، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره.
وقال الهيثمي في المجمع (١/١٠١): رواه أحمد وأبو يعلى، والبزار، والطبراني في الأوسط، وفيه أبو هلال، وثقه ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره..

٣ - رواه الطبري في التفسير (٥/٩٢) عن أبي جريج، وذكره الواحدي في أسباب النزول (ص ١١٦-١١٧) عن مجاهد، وعزه السيوطي في الدر (٢/١٩٣) لابن مردويه من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس..
قوله-تعالى- :( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ) اختلفوا في أولى الأمر، قال ابن عباس، وجابر-وهو قول جماعة- :هم العلماء والفقهاء، وقال أبو هريرة :هم الولاة والسلاطين، وقيل :هم أمراء السرايا الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحروب، وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام قال : «من عصى أميري فقد عصاني، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن أطاعني فقد أطاع الله »( ١ ).
وقال عكرمة :أراد به :أبا بكر وعمر.
( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) التنازع :هو التشاجر، سمى تنازعا ؛ لأن كل واحد من الخصمين ينزع بحجة وآية.
وقوله :( فردوه إلى الله ) يعنى :إلى الكتاب، وإلى الرسول إن كان حيا، وإلى سنته إن كان ميتا.
والرد [ إلى ]( ٢ ) الكتاب والسنة واجب، ما دام في الحادثة شئ من الكتاب والسنة، فإن لم يكن فالسبيل فيه الاجتهاد، وروى أن مسلمة بن عبد الملك قال لرجل :إنكم أمرتم أن تطيعونا، فقال الرجل :قد نزعها الله منكم ؛ حيث قال :( فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) وقد تنازعتم، فقال مسلمة :أين الله ؟ فقال :الكتاب، وقال :أين الرسول ؟ فقال :السنة.
وقيل :الرد إلى الله والرسول :أن يقول الرجل فيما لا يدرى :الله ورسوله أعلم، وهذا قول حسن ( إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) أي :أحسن مآل وعاقبة.
١ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، فرواه البخاري (١٣/١١٩ رقم ٧١٣٧)، ومسلم (١٢/٣٠٨-٣٠٩ رقم ١٨٣٥)..
٢ - في "الأصل" و"ك": في..
قوله-تعالى- :( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا ).
في الآية قولان :أحدهما :أنه في جماعة من المنافقين منهم خلاس بن الصامت، كانت لهم خصومة مع جماعة من المسلمين، فقال المسلمون :نتحاكم إلى الرسول، وقال المنافقون :نتحاكم إلى الكهنة.
والقول الثاني-وهو الأصح : «أن رجلا من اليهود خاصم رجلا من المنافقين، فقال اليهودي :نتحاكم إلى أبي القاسم إذ عرف أنه لا يأخذ الرشوة على الحكم فيحكم بالحق، وقال المنافق :نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فتحاكما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فحكم لليهودي، وكان الحكم له، فقال المنافق :لا أرضى بحكمه، نتحاكم إلى أبي بكر، فتحاكما إلى أبي بكر، فحكم لليهودي بمثل ما حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المنافق :لا أرضى بحكمه، نتحاكم إلى عمر، فتحاكما إلى عمر، فقال عمر :هل تحاكمتما إلى أحد ؟ فقال اليهودي :نعم إلى أبي القاسم، وإلى أبي بكر، وقد حكما لي، وهو لا يرضى، فقال عمر :مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، واشتمل على السيف، ثم خرج، وضرب عنق المنافق، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال :أنت الفاروق »( ١ ).
١ - أخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص ١٢٠) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس. والبغوي في تفسيره (١/٤٤٦) عن الشعبي قوله..
قوله تعالى :( وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ) هو ما ذكرنا، أن المنافقين دعوا إلى التحاكم إلى الرسول، فأعرضوا عنه، وتحاكموا إلى الطاغوت.
قوله تعالى ( فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) قيل :هذا في المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت، وقوله :( أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ) قيل :هو قتل عمر رضي الله عنه ذلك المنافق ؛ فإنهم جاءوا يطلبون دمه، وقيل :هو في جميع المنافقين، والمصيبة :كل مصيبة تصيبهم في الدنيا والعقبى.
يقول الله تعالى :فكيف الحال إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم( ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا ) قيل :هو إحسان بعضهم إلى بعض، وقيل أرادوا بالإحسان :تقريب الأمر من الحق، لا القضاء على مر الحكم.
وأما التوفيق :موافقة الحق، وقيل :هو التأليف والجمع بين الخصمين. ومعنى الآية :أن المنافقين يحلفون ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا إحسانا وتوفيقا. وقي الآية قول آخر :أنها في المنافقين، حلفوا في المسجد الذي بنوا ضرارا على ما هو مذكور قي سورة التوبة ( وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ) ( ١ ).
١ - التوبة: ١٠٧..
قوله تعالى :( أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم ) خلاف ما على ألسنتهم ( فأعرض عنهم وعظهم ) فإن قال قائل :كيف يتصور الجمع بين الإعراض والوعظ وقد أمر الله تعالى بهما ؟
قيل معناه :فأعرض عن عقوبتهم، وعظهم.
وقيل :معناه :فأعرض عن قبول عذرهم، وعظهم ( وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا ) القول البليغ :هو ما يبلغ الإنسان بلسانه كنه ما في قلبه، وقيل :هو التخويف بالله تعالى وقيل :هو أن يقول :إن رجعتم إلى هذا، فأمركم القتل.
قوله تعالى :( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) قال أهل المعاني :قوله ( إلا ليطاع ) كلام كاف مفيد بنفسه، وقوله :( بإذن الله ) كلام آخر ومعناه بعلم الله وقضاء الله يعنى :أن طاعته تقع بإذن الله.
( ولو أنهم ) يعني :المنافقين ( إذا ظلموا أنفسهم ) يعنى :بالتحاكم إلى الطاغوت ( جاءوك فاستغفروا الله ) لأنهم ما جاءوا مستغفرين، وإنما جاءوا معتذرين بالأعذار الكاذبة.
قوله :( فاستغفروا الله ) أي :سألوا مغفرة الله، ( واستغفر لهم الرسول ) أي :دعا لهم الرسول بالاستغفار ( لوجدوا الله توابا رحيما ).
قوله تعالى :( فلا ربك لا يؤمنون ) قوله :( فلا ) :رد لقول المنافقين وعذرهم، ثم ابتداء بقوله :( وربك لا يؤمنون ) والمراد به :الإيمان الكامل، أي :لا يكمل إيمانهم، ( حتى يحكموك فيما شجر بينهم ) أي :اختلف، والاشتجار :الاختلاف، ومنه الشجر لالتفاف أغصانه بعضها على بعض، قال الشاعر :
هم الحكام أرباب الندي وسراة الناس إذ الأمر شجر
أي :اختلف، ( ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ) أي :ضيقا، ومنه الحرجة، روى أن عمر-رضي الله عنه-قال لبعض العرب :ما الحرجة عندكم ؟ قال :هي شجرة ملتفة، لا يصل الماء إليها.
ومن ذلك قوله-تعالى- :( يجعل صدره ضيقا حرجا ) ( ١ ) أي :يضيق مسلكه بحيث لا تصل إليه الهداية ( ويسلموا تسليما ) ومعنى الآية :لا يكمل إيمانهم حتى يرضوا بحكمك، وينقادوا لك، قيل :هذه أبلغ آية في كتاب الله-تعالى-في الوعيد. واختلفوا في سبب نزول الآية، قال عطاء، ومجاهد :الآية في المنافقين الذين تحاكموا إلى الطاغوت، وقال عبد الله بن الزبير، وعروة بن الزبير، وجماعة : «الآية نزلت في رجل من الأنصار يقال له :حاطب بن أبي بلتعة -وكان من أهل بدر- خاصم الزبير بن العوام في ماء أرض عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال-عليه الصلاة والسلام- للزبير :اسق أرضك الماء ثم أرسله إلى جارك، وكانت أرض الأنصاري دون أرضه ؛ فقال الأنصاري :أن كان ابن عمتك، فتلَوَّنَ وجه النبي صلى الله عليه وسلم، وقال للزبير :اسق أرضك، واحبس الماء حتى يبلغ الجدر » -وفي رواية- حتى يبلغ الكعبين ثم سرحه يمر »( ٢ )
كان النبي صلى الله عليه وسلم ساهل في حق الزبير في ابتداء الأمر، فلما أغضبه الأنصاري استوعب جميع حقه، وكلا الحكمين كان حقا، وفي الخبر :قال الزبير :«احسب أن قوله :( فلا وربك لا يؤمنون ) نزل في هذا.
وروى أن اليهود لما بلغهم ذلك، قالوا :انظروا إلى أصحاب محمد كيف يخالفونه، وإن موسى عتب علينا، فأُمِرْنَا بقتل أنفسنا، فقتلنا أنفسنا حتى بلغ القتلى سبعين ألفا.
١ - الأنعام: ١٢٥..
٢ - متفق عليه فرواه البخاري (٥/٤٢-٤٣ رقم.
قوله-تعالى- :( ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ) معناه :لو كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم، أو اخرجوا من دياركم، بدل ما أمرناهم به من طاعة الرسول، والانقياد لحكمه ( ما فعلوه إلا قليل منهم ) قال ثابت بن قيس بن شماس :لو أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل نفسي لقتلت، وفي الخبر :أن ابن مسعود وعمار بن ياسر، وثابت بن قيس بن شماس، من ذلك القليل، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى عبد الله بن رواحه، فقال له : «أنت من ذلك القليل »( ١ ).
ويقرأ " إلا قليلا منهم " ( ٢ ) فمن قرأ بالرفع ؛ فلأنه معطوف على قوله :( ما فعلوه ) وذلك في محل الرفع، وتقديره :ما فعلوه إلا نفر قليل منهم فعلوه. ومن قرأ بالنصب، فعلى الاستثناء. ( ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به ) يعنى :من طاعة الرسول، والرضا لحكمه ( لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا ) أي :تصديقا
١ - عزاه السيوطي في الدر (٢/٢٠٠) لابن أبي حاتم، عن شريح بن عبيد..
٢ - وهي قراءة ابن عامر، وأهل الشام انظر النشر (٢/٢٥٠)..
( وإذ لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ) هو الجنة
( ولهديناهم صراطا مستقيما ) قيل :هو القرآن، وقيل :الإسلام.
قوله-تعالى- :( ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم ) سبب نزول الآية، ما روى :أن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا :يا رسول الله، كيف يكون الحال في الجنة، وأنت في الدرجات العلي، ونحن أسفل منك، وكيف نراك ؟ فنزلت الآية. وذكر النقاش في تفسيره :أن ذلك القائل كان عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري. وروى :أن رجلا قال :لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنت أحب إلى من أهلي ومالي وولدي، وإذا غبت عنى يصيبني شبه الجنون، حبا لك، فكيف حالي معك في الجنة ؟ فنزلت الآية » ( فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين ) قيل :ذلك بأن ينزل إليهم النبيون ؛ حتى يروهم، لا أن يرفعوا إلى درجاتهم، وقيل :معناه :أنهم لا يفوتهم رؤية النبيين ومجالستهم، وقوله :( والصديقين ) يعنى :أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والصديق المبالغ في الصدق، ( والشهداء ) الذين استشهدوا يوم أحد.
واختلفوا في( ١ ) أنهم لم سموا شهداء ؟ قال بعضهم :لأنهم قاموا بشهادة الحق حتى قتلوا، وقيل :لأن أرواحهم تشهد الجنة عقيب القتل، ( والصالحين ) الصالح :من استوت( ٢ ) سريريته علانيته ( وحسن أولئك رفيقا ) الرفيق :الواحد، وهو بمعنى الجمع هاهنا
١ - ليست في "الأصل"، ولا "ك"..
٢ - في "الأصل، وك": استوى..
( ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما ). لم يرد تفيسير بشأنها
قوله-تعالى- :( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ) أي :عدتكم، والحذر :ما يتقى به من العدو، نحو العدة والسلاح، ( فانفروا ثبات ) جمع " ثُبَة " قال ابن عباس :" الثبة " :ما فوق العشرة، وقال أبو عمرو بن العلاء :" الثُبَة " النَفَر، ومعناه :انفروا جماعات، نفرا نفرا ( أو انفروا جميعا ).
وهذا دليل على أن الجهاد فرض على الكفاية، وقيل إن الآية صارت منسوخة ؛ لقوله-تعالى- :( وما كان المؤمنين لينفروا كافة ) ( ١ ).
١ - التوبة: ١٢٢..
قوله-تعالى- :( وإن منكم لمن ليبطئن ) أي :ليتأخرن، والبطء :التأخير. وقيل :هذا في عبد الله بن أبي بن سلول ( فإن أصابتكم مصيبة ) يعنى :بالقتل والجرح في الجهاد ( قال قد أنعم الله على إذ لم أكن معهم شهيدا ) أي :حاضرا
( ولئن أصابكم فضل من الله ) أي :الغنيمة ( ليقولن )-بنصب اللام- ويقرأ في الشواذ :برفع اللام والمعنى واحد ( كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ) قيل :في الآية تقديم وتأخير، وتقديره :فإن أصابتكم مصيبة، قال :قد أنعم الله على ؛ إذ لم أكن معهم شهيدا، كأن لم تكن بينكم وبينه مودة، أي :معاقدة ومعاهدة على الجهاد، وقيل :أراد به :مودة الصحبة. ثم ابتدأ ( ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما ).
قوله-تعالى- :( فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا ) أي :يبيعون ( بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما ) وهو معنى قوله في سورة التوبة :( فيقتلون ويقتلون ) ( ١ ).
١ - التوبة: ١١١..
قوله-تعالى- :( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله ) عتب على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بترك القتال ( والمستضعفين ) وهم الذين أسلموا بمكة وسكنوا بأعذار، وبعضهم منعوا من الهجرة، قال ابن عباس :كنت أنا وأمي من المستضعفين.
قال الأزهري :معنى الآية :لا تقاتلون في سبيل الله، وفي سبيل المستضعفين ؛ بتخليصهم من أيدي المشركين ( من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية ) وهي مكة باتفاق المفسرين ( الظالم أهلها ) أي :المشرك أهلها ( واجعل لنا من لدنك وليا ) أي :من يلي أمرنا ( واجعل لنا من لدنك
( نصيرا ) أي :من يمنع العدو عنا ؛ فاستجاب الله دعوتهم، حتى فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، وولى عليها عتاب بن أسيد، فكان ينصف المظلوم، وينتصف من الظالم.
قوله-تعالى- :( الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ) قد بينا معنى الطاغوت ( فقاتلوا أولياء الشيطان ) أي :الكفار ( إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) قيل كان ضعيفا بمعنى :أنه لا يرد أحدا عن الإسلام والهداية، وقيل :أراد به أن كيده كان ضعيفا يوم بدر، حين رأى الملائكة، وخاف أن يأخذوه، فهرب، فكيده ضعيف بأحد هذين المعنيين.
قوله-تعالى- :( ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم ) قيل :هذا في قوم أسلموا بمكة فآذاهم المشركون ؛ «فقالوا :يا رسول الله، ائذن لنا نقاتلهم، فقال لهم :( كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة ) ؛ فإني لم أؤمر بالقتال، ثم لما هاجر إلى المدينة، فأمر بالقتال، فكرهوا القتال »( ١ ) قيل :أولئك الذين أسلموا وقالوا ذلك، منهم :عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وقدامة بن مظعون، والمقداد بن الأسود الكندي، وجماعة.
( فلما كتب عليهم القتال ) يعنى :بعد الهجرة ( إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية ) أي :يخشون الناس كخشيتهم من الله، أو أشد خشية، قال الحسن البصري :ما كانوا يخشون أمر الله بالقتال، وإنما ذلك :خشية طبع البشرية.
( وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب ) أي :هلا أخرتنا إلى أجل قريب ؛ فنموت بآجالنا، قيل :هذا قول المنافقين، وقيل :كان ذلك قول بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :قالوا ذلك خوفا و( جبنا ) ( ٢ ) لا اعتقادا. وقال بعضهم :هو قول طلحة بن عبيد الله ؛ قال ذلك خوفا ثم تاب عنه.
( قل متاع الدنيا قليل ) يعنى :أن ما تستمتعون به من الدنيا فهو قليل، وفي الخبر المعروف : «ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم المخيط في البحر، فلينظر بم يرجع ؟ ! » ( ٣ ) ( والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا ) أي :لا يُنقص من أجرهم شئ، ولا مقدار الفتيل.
١ - رواه النسائي (٦/٣ رقم ٣٠٨٦) والطبري في التفسير (٥/١٠٨)، والحاكم (٢/٦٦، ٣٠٧) وصححه على شرط البخاري، والواحدي في أسباب النزول (ص ١٢٤). كلهم من حديث ابن عباس..
٢ - في "ك" حنقا..
٣ - رواه مسلم في صحيحه (١٧/٢٧٩-٢٨٠ رقم ٢٨٥٨)، والترمذي (٤/٤٨٦ رقم ٢٣٢٣)، وابن ماجه (٢/١٣٧٦ رقم ٤١٠٨)، وأحمد (٤/٢٢٨-٢٢٩، ٢٣٠)، وابن المبارك في زهده (ص ١٧٠ رقن ٤٩٦) والطبراني في الكبير (٢٠/٣٠١-٣٠٢ رقم ٧١٣-٧١٧) وابن حبان في صحيحه (١٠/١٧٣ رقم ٤٣٣٠)، والحاكم (٣/٥٩٢)، و(٤/٣١٩) كلهم من حديث المستورد بن شداد –رضي الله عنه-..
قوله-تعالى- :( أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة ) معناه :أينما كنتم يأتيكم الموت، وإن كنتم في بروج مشيدة، والبروج :الحصون، قال السدي :وهي قصور بيض في السماء، قوله :( مشيدة ) قال ابن عباس-في القول المعروف- :هي المعروفة المطولة، وقال عكرمة :المشيدة :المجصصة، والشيد :الجص. وقال بعضهم :المشيد :المجصص، والمشيدة :المرفوعة، وفيه قول آخر عن ابن عباس :أنه أراد :في بروج من حديد.
( وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك ) فالحسنة :الخصب، والسيئة :الجدب، وقيل الحسنة :النصر، والظفر يوم بدر، والسيئة :الهزيمة والقتل يوم أحد، ومعنى الآية :أن المسلمين إذا أصابتهم حسنة، فقال الكفار :هذا من عند الله وإن تصبهم سيئة قالوا هذا من عندك أي :بشؤمك ؛ وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة أصاب أهلها نوع سوء ؛ فقالت اليهود :ما رأينا أشأم من هذا الرجل ؛ منذ دخل ديارنا، قد غلت أسعارنا، ونقصت ثمارنا ؛ وذلك بلية للمسلمين، وهذا نحو ما قالوا لصالح عليه السلام ( اطيرنا بك وبمن معك ) ( ١ ) وفي قصة موسى :( يطيروا بموسى ومن معه ) ( ٢ ) وفي سورة " يس " :( إنا تطيرنا بكم ) ( ٣ ).
( قل كل من عند الله ) أي :الخصب، والجدب، والنصر، والهزيمة، كل من عند الله، ( فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ) أي :ما لهم لا يعلمون حديثا. والحديث :القرآن هاهنا، أي :لا يعلمون معاني القرآن.
١ - النمل: ٤٧..
٢ - الأعراف: ١٣١..
٣ - يس: ١٨..
قوله-تعالى- :( ما أصابك من حسنة فمن الله ) يعني :ما أصابك من خصب، فمن فضل الله، ( وما أصابك من سيئة ) أي :من جدب ( فمن نفسك ) أي :بذنبك.
والخطاب وإن كان مع الرسول، فالمراد به :الأمة ؛ وذلك معنى قوله-تعالى- :( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ) ( ١ ) قيل معناه :وما أصابك من حسنة أيها الإنسان فمن الله، وما أصابك من سيئة، فمن نفسك ؛ فيكون الخطاب مع كل أحد من الناس، وقيل :معناه ( ما أصابك من حسنة ) أي :من النصر، والظفر فمن فضل الله ( وما أصابك من سيئة ) أي :من هزيمة، وقتل يوم أحد ( فمن نفسك ) أي :بذنب نفسك من مخالفة النبي صلى الله عليه وسلم كما سبق. فإن قيل :كيف وجه الجمع بين الآيتين، فإنه قد قال-في الآية الأولى- :( قل كل من عند الله ) قيل :معنى الآية الأولى :أن الخصب والجدب والنصر والهزيمة ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌كلها تقع من عند الله، ومعنى الآية الثانية ( وما أصابك من سيئة فمن نفسك ) أي :ما أصابك من سيئة من الله، فبذنب نفسك ؛ عقوبة لك. واعلم أنه ليس في الآية متعلق لأهل القدر أصلا ؛ فإن الآية فيما يصيب الناس من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي ؛ إذ لو كان المراد ما توهموا، لقال :ما أصبت من حسنة، فمن الله وما أصبت من سيئة ؛ فلما قال :ما أصابك من حسنة وما أصابك من سيئة ؛ دل أنه أراد :ما يصيب العباد من النعم والمحن، لا في الطاعات والمعاصي، وحكى عبد الوهاب بن مجاهد، عن مجاهد، أن ابن عباس قرأ :" وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك " وكذا حكى عن ابن مسعود أنه قرأ كذلك، وهو معروف عن ابن عباس، وهو يؤيد قولنا :إن المراد :بذنب نفسك. وفي الآية قول آخر :مضمر فيه، وتقديره :فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا ؛ يقولون :ما أصابك من حسنة، فمن الله، وما أصابك من سيئة، فمن نفسك [ فيكون ] ( ٢ ) حكاية لقول الكفار ( وأرسلناك للناس رسولا وكفى بالله شهيدا ).
١ - الشورى: ٣٠..
٢ - في "الأصل وك": فيقول..
قوله تعالى :( من يطع الرسول فقد أطاع الله ) روى : «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :«من أطاعني فقد أطاع الله تعالى ومن أحبني فقد أحب الله، فقالت اليهود :إن هذا الرجل يريد أن نتخذه ربا وحنّانا، كما اتخذت النصارى عيسى بن مريم ؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية على وفاق قول الرسول »( ١ ) ( ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) أي :كِلْ أمره إليَّ.
١ - قال الزيلعي في تخريج الكشاف (١/٣٣٦): غريب جدا. وقال الحافظ في تلخيص الكشاف: لم أجده..
قوله تعالى :( ويقولون طاعة ) يعني :المنافقين يقولون باللسان :مرنا، فإن أمرك طاعة ( فإذا برزوا ) أي :خرجوا ( من عندك بيت طائفة منهم غير الذي ( تقول ) قال أبو رزين :بَيَّتَ أي :ألف. وقال غيره :بيت، أي :بدل ؛ والأصح أنه من التبييت، وهو فعل الشيء ليلا، يقال :هذا أمر بُيِّتَ ليلاً، قيل :أي :فعل بالليل، ويجوز أن يقال لما فعل بالنهار :تبييتا ؛ لأن الفعل بالليل إنما سمى تبييتا ؛ لأن الإنسان بالليل يكون أفرغ لتدبير أمره، فعلى هذا المعنى يجوز أن يقال لما فعل بالنهار :تبييتا، قال الشاعر :
بَيَّتوا أمرهم بليل فلما أصبحوا أصبحوا على( ١ ) ضوضاء( ٢ )
ومعنى ( بيت طائفة منهم غير الذي تقول ) أي :خالفوا بالليل ما قالوا بالنهار ( والله يكتب ما يبيتون ) أي :يحصى ويحفظ ؛ ليجازى عليه، وقيل :يأمر الكتبة حتى يكتبوا ( فأعرض عنهم ) قال الضحاك :معناه :لا تخبر بأسمائهم، وكان-عليه الصلاة والسلام- يعرف المنافقين، وما كان يخبر بأسمائهم ( وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا ) أي :اتخذه وكيلا.
١ - ليست في "ك"..
٢ - وقع هذا البيت في لسان العرب (مادة: ضوا)
أجمعوا أمرهم عِشاءً فلمَّا أصبحوا أصبحت لهم ضوضاءً
وعزاه ابن منظور للحارث بن حلِّزة..

قوله-تعالى- :( أفلا يتدبرون القرآن ) التدبر :النظر في الأمر إلى آخره، وهو من دُبُر الشيء :آخره، وفي الخبر : «من أشراط الساعة :ولا يأتون الصلاة إلا دُبُراً »( ١ ) أي :آخرا ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : «لا تَدَابَروا »( ٢ ) أي :لا يول بعضكم ظهره إلى بعض عداوة.
فقوله ( أفلا يتدبرون القرآن ) أي :أفلا يتفكرون في القرآن ( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ) قال ابن عباس :ليس في القرآن تناقض ولا تفاوت ؛ فهذا معنى الآية.
وقال الزجاج :ما أخبر عن الغيب فكله صدق، ليس بعضه صدقا، وبعضه كذبا، وقيل :معناه :أن كله بليغ صحيح، ليس فيه مرذول ولا فاسد.
١ - لم أجده مروفوعا بهذا اللفظ، وروى أبو داود، وابن ماجه وغيرهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ثلاثة لا يقبل الله تعالى منهم صلاة –وذكر فيهم- والرجل لا يأتي الصلاة إلا دباراً» وروى عن ابن مسعود أنه قال: ومن الناس من لا يأتي الصلاة إلا دبراً» انظر الزهد لأبي داود بتحقيقنا (رقم ١٦١). وقال ابن الأثير في النهاية (٢/٩٧): ومنه الحديث: «لا يأتي الجمعة إلا دبراً»..
٢ - متفق عليه من حديث أنس بن مالك، رواه البخاري (١٠/٥٠٧ رقم ٦٠٧٦ وطرفه في ٦٠٦٥)، ومسلم (١٦/١٧٤-١٧٥ رقم ٢٥٥٩)..
قوله تعالى :( وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ) يعني :المنافقين إذا جاءهم أمر وخبر من أمر السرايا الذين بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن كان بالأمن والنصر، كتموا، وقصروا في الأخبار، وإن كان بالخوف والهزيمة أذاعوا به، وزادوا.
وفي الآية إضمار، وتقديرها :وإذا جاءهم أمر من الأمن قصروا في الإخبار به، وكتموا، [ وإذا ]( ١ ) جاءهم أمر من الخوف أذاعوا به ( ولو روده إلى الرسول ) قيل أراد بقوله :( ولو ردوه ) يعني :ضعفة المسلمين الذين سمعوا تلك الأخبار من المنافقين قالوا مثل قولهم ؛ فقال الله تعالى :( ولو ردوه إلى الرسول ) ويحتمل أن يكون المراد به في الكلام المؤمنين والمنافقين، لو( ٢ ) ردوه إلى الرسول.
( وإلى أولي الأمر منهم ) يعني :إلى أمراء السرايا ( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) يعني :لو طلبوا تلك الأخبار من عند أمراء السرايا، ووكلوا الإخبار بها إليهم ؛ لعلمه الذين يحبون أن يعلموه على حقيقته كما هو، والاستنباط :هو استخراج العلم ومنه النبط، وهم قوم يستخرجون الماء، وقيل :أراد به العلماء يعني :ولو ردوه إلى الرسول، وإلى أولي الأمر منهم لعلم الذين يستنبطونه منهم ما ينبغي أن يكتم، ويعلمون ما ينبغي أن يفشي، يعني :العلماء.
( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) فإن قال قائل :كيف استثنى القليل، ولولا فضله لاتبع الكل الشيطان ؟ قيل :اختلفوا فيه، قال الفراء :هذا الاستثناء راجع إلى قوله :( أذاعوا به ) إلا قليلا، وقوله :( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان )، كلام تام، وقيل :هو راجع إلى قوله :( لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) ثم قال :( ولولا فضل الله عليكم ورحمته لا تبعتم الشيطان ) وقيل :هو على نظمه، ومعناه :ولولا ما تفضل الله عليكم به من البيان لما ينبغي أن يفعل وما ينبغي أن يجتنب ( لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ).
وفيه قول رابع :أنه أراد بالقليل :قوما اهتدوا بالحق قبل بعث الرسول، وإنزال القرآن، وأقروا بالتوحيد، وذلك مثل :زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وجماعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل : «إنه يبعث أمة على حدة »( ٣ ).
١ - في "الأصل وك"/ إذ..
٢ - في "الأصل وك" أو، تحريف..
٣ - رواه الإمام أحمد في مسنده (١/١٨٩-١٩٠)، والحاكم في المستدرك (٣/٤٣٩-٤٤٠)، والطبراني في الكبير (١/١٥١-١٥٢ رقم ٣٥٠)، والبيهقي في الدلائل (١/٤٧٥-٤٧٦) كلهم من حديث سعيد ابن زيد بن عمرو، وقال الهيثمي في المجمع (٩/٤٢٠): وفيه المسعودي، وقد اختلط، وبقية رجاله ثقات..
قوله تعالى ( فقاتل في سبيل الله ) كذا يتصل بما سبق من قوله :( وما لكم لا تقاتلون ) لما عاتبهم على ترك القتال، قال للرسول :إن لم يقاتل هؤلاء، فقاتل أنت وحدك ( لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ) يعني :عذاب الذين كفروا، وعسى من الله واجب، والمراد به :تطميع المؤمنين، ( والله أشد بأسا ) أي :أشد عذابا( وأشد تنكيلا ) التنكيل من النكل، وهو المنع، ومنه النكال :وهو ما يفعل بالإنسان، فيمنع غيره عن فعله.
قوله تعالى :( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ومن يشفع ) ( شفاعة سيئة يكن له كفل منها ) قال ابن عباس :الشفاعة الحسنة :هي الإصلاح بين الناس، والشفاعة السيئة :هي المشي بالنميمة بين الناس، وقيل :هو في كل الشفاعات، فالشفاعة الحسنة :هي أن يقول قولا حسنا ؛ ينال به الخير، والشفاعة السيئة :هي أن يقول قولا قبيحا ؛ يلحق به سوء.
قوله :( يكن له نصيب منها ) أي :من أجرها، وقوله :( يكن له كفل منها ) أي :من وزرها، والكفل :النصيب، قال الله تعالى :( يؤتكم( ١ ) كفلين من رحمته ) ( ٢ ) أي نصيبين.
واعلم أن الإنسان يؤجر على الشفاعة، وإن لم يُشَفَّع ؛ لأن الله تعالى يقول :( من يشفع )، ولم يقل :من يُشَفَّع، وقد روى أبو موسى الأشعري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : «اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء »( ٣ ).
واعلم أن الشفاعة مستحبة في كل الحقوق إلا في حدود الله تعالى ؛فإنه لا يجوز فيها الشفاعة ليترك الحد، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «من شفع في حد من حدود من الله تعالى فقد ضاد الله في ملكه »( ٤ ) أي :نازعه في ملكه.
( وكان الله على كل شيء مقيتا ) قال ابن عباس :المقيت :المقتدر، قال الشاعر :
وذي ضغن كففتُ النفسَ عنه وكنت على مساءَتِه مُقِيتَا
والقول الثاني عن ابن عباس :المقيت :الحافظ، وفي الخبر : «كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوته »( ٥ ) أي :من قوته، وفي رواية : «من يقيت » أي :من في حفظه، وفيه قول ثالث :أن الله تعالى على كل حيوان مقيت، أي :يوصل القوت إليه ؛ فهذا معنى قوله :( وكان الله على كل شيء ) أي :حيوان ( مقيتا ).
١ - في "ك": يكن لكم، وهو خطأ..
٢ - الحديد: ٢٨..
٣ - متفق عليه، رواه البخاري (٣/٣٥١ رقم ١٤٣٢)، ومسلم (١٦/١٧٢ رقم ٢٦٢٧)..
٤ - رواه أبو داود (٣/٣٠٥ رقم ٣٥٩٧)، وأحمد (٢/٧٠) والحاكم (٢/٢٧) والطبراني في الكبير (١٢/٢٧٠-٢٧١ رقم ١٣٠٨٤)، والبيهقي (٦/٨٢) وصحح الحاكم إسناده..
٥ - رواه أبو داود (٢/١٣٢ رقم ١٦٩٢)، والنسائي في الكبرى (٥/٣٧٤ رقم ٩١٧٦، ٩١٧٧)، والحميدي في مسنده (٢/٢٧٣ رقم ٥٩٩)، وأحمد (٢/١٩٣، ١٩٥)، والطيالسي (ص ٣٠١ رقم ٢٢٨١)، وابن حبان –الإحسان- (١٠/٥١-٥٢ رقم ٤٢٤٠)، والحاكم (٤/٥٠٠) وقال صحيح الإسناد، والبيهقي في الكبرى (٧/٤٦٧)، وأبو نعيم في الحلية (٧/١٣٥) من حديث عبد الله بن عمرو.
ورواه مسلم (٧/١١٤ رقم ٩٩٦) بلفظ "كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم»..

قوله-تعالى- :( وإذا حييتم بتحية ) أكثر المفسرين على أن المراد بالتحية هاهنا :السلام، وأصل التحية :هو دعاء بالحياة، وهو في الشريعة عبارة عن السلام، والسلام :دعاء السلامة، وقد تكون التحية بمعنى :الملك والبقاء، ومنه :التحيات لله، وقال الشاعر :
ولكل ما نال الفتى *** قد نلته إلا التحيه
يعني :إلا الملك، وعلى معنى السلام أنشدوا قول الشاعر :
إنا محيوك يا سلمى فحيينا وإن سقيت كرام الناس فاسقينا
( فحيوا بأحسن منها أو ردوها ) أراد به :رد السلام بأحسن مما سلم، أو ترد كما سلم، فإذا قال :السلام عليك، فالمستحب أن تقول :وعليك السلام ورحمة الله، وإذا قال :السلام عليك ورحمة الله، تقول :وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وهو الأحسن.
وفي الخبر : «أن رجلا جاء، فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :وعليكم السلام ورحمة الله، فدخل آخر وقال :السلام عليك ورحمة الله، فقال :وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فدخل ثالث، وقال :السلام عليك ورحمة الله وبركاته، فقال :وعليكم ؛ فقيل له في ذلك، فقال-عليه السلام- إن الأول والثاني تركا من التحية شيئا ؛ فأجبت بأحسن، وإن الثالث لم يترك من التحية شيئا فرددت عليه »( ١ ).
واعلم أن السلام، سنة ورد السلام فريضة، لكنه فرض على الكفاية، حتى إذا سلم على جماعة فرد أحدهم ؛ سقط الفرض عن الباقين، وكذلك السلام سنة على الكفاية، حتى إذا كانت جماعة، فسلم أحدهم كفى في السنة.
وروى الحسن مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «السلام سنة ورده فريضة »( ٢ ).
وقال بعض المفسرين :أراد بالتحية :الهبات والهدايا، وقوله :( فحيوا بأحسن منها ) أراد به :الثواب على الهدية، وهو سنة، «وكان عليه السلام يقبل الهدية، ويثيب عليها »( ٣ )، والأصح هو القول الأول.
( إن الله كان على شئ حسيبا ) أي :محاسبا، وقيل كافيا، ومنه قوله تعالى :( جزاء من ربك عطاء حسابا )( ٤ ) أي :كافيا.
١ - رواه الطبري في التفسير (٥/١٢٠) والطبراني في الكبير (٦/٢٤٦-٢٤٧ رقم ٦١١٤) من حديث سلمان الفارسي، وقال الهيثمي في المجمع (٨/٣٦١): وفيه هشام بن لاحق، قواه النسائي، وترك أحمد حديثه. وعزاه السيوطي في الدر (٢/٢٠٧) لأحمد في الزهد، وابن أبي حاتم وابن المنذر، وابن مردويه بسند حسن..
٢ - رواه الطبراني في تفسيره (٥/١٢٠) عن الحسن مرسلا. وعزاه في كنز العمال (٩/٢١٥) رقم ٢٥٧١٧) للديلمي في الفردوس من حديث الحسن مرسلاً.
وفي مسند الفردوس (٢/٣٤٠ رقم ٣٥٣٨) جعله من مسند علي.
وقال العجلوني في كشف الخفاء (١/٥٤٨ رقم ١٤٧٦): رواه الديلمي بسند ضعيف عن علي. قلت: ولفظه: «السلام تطوع، والرد فريضة»..

٣ - رواه البخاري (٥/٢٤٩)، وأبو داود (٣/٢٩٠ رقم ٣٥٣٦)، والترمذي (٤/٢٩٨ رقم ١٩٥٣)، وأحمد كلهم من طريق عيسى بن يونس، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه من طريق وكيع، عن هشام بن عروة من قوله.
وقال البخاري: لم يذكر وكيع، ومحاضر: عن هشام عن أبيه عن عائشة..

٤ - النبأ: ٣٦..
قوله تعالى :( الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) " اللام " لام القسم، وتقديره :والله ليجمعنكم الله إلى يوم القيامة، واختلفوا :أنه فيم يجمعهم ؟ قال بعضهم :يجمعهم في الإهلاك والموت إلى القيامة، وقال بعضهم :يجمعهم في القبور إلى القيامة. واختلفوا :لم سميت القيامة قيامة ؟ قال بعضهم :لأن الناس يقومون فيها إلى رب العالمين، كما قال الله تعالي :( يوم يقوم الناس لرب العالمين ) ( ١ ) وقيل :إن الناس يقومون فيها إلى الحساب. ( ومن أصدق من الله حديثا ) أي :قولا وخبرا.
١ - المطففين: ٦..
قوله-تعالى- :( فما لكم في المنافقين فئتين ) اختلفوا في سبب نزول الآية على ثلاثة أقوال :قال زيد بن ثابت :هذا في الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد، فقال بعض الصحابة لرسول الله :اعف عنهم ؛ فإنهم تكلموا بالإسلام. وقال بعضهم :اقتلهم ؛ فإنهم منافقون ؛ فنزلت الآية ( فما لكم في المنافقين فئتين ) » ( ١ ) أي :ما لكم افترقتم فيهم فرقتين ؟ عتب عليهم بالاختلاف بينهم، وحكم بنفاقهم.
وقال مجاهد :الآية في جماعة من أهل مكة هاجروا إلى المدينة، وأسلموا، ثم استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرجوع إلى مكة، بعلة أن لهم بها بضائع ؛ فرجعوا، وارتدوا فقال بعض أصحابه :هم مسلمون ؛ لأنهم تكلموا بالإسلام، وقال بعضهم :هم قد نافقوا ؛ فنزل قوله تعالى :( فما لكم في المنافقين فئتين ) وحكى مجاهد هذا عن ابن عباس.
والقول الثالث وهو الرواية الثانية عن ابن عباس :أن الآية في قوم من المشركين أسلموا بمكة، وكانوا يعاونون المشركين، ويظاهرونهم ؛ فاختلف الصحابة فيهم فرقتين ؛ فنزل قوله-تعالى- :( فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا ) أركسهم وركسهم بمعنى واحد. وقرأ ابن مسعود ( والله ركسهم ) قال الزجاج :معناه :نكسهم، وقال النضر بن شميل :معناه :أعادهم، يعنى :إلى الكفر بما كسبوا، ومنه :الركس ؛ لأنه كان طعاما فصار رجيعا. ( أتريدون أن تهدوا من أضل الله ) يعنى :أتريدون أن ترشدوا من أضله الله ( ومن يضلل الله ) يعنى :ومن يضلله ( فلن تجد له سبيلا ) أي :طريقا إلى الحق.
١ - متفق عليه من حديث زيد بن ثابت، فرواه البخاري (١٠/١٠٤-١٠٥ رقم ٤٥٨٩) ومسلم (١٧/١٨٠ رقم ٢٧٧٦)..
قوله-تعالى- :( ودوا لو تكفرون كما كفروا ) يعنى :الذين عادوا إلى الكفر ودوا أن تعودوا إلى الكفر ( فتكونون سواء ) يعنى :في الكفر.
( فلا تتخذوا منهم أولياء ) منعهم من الموالاة معهم ( حتى يهاجروا في سبيل الله ) أي :حتى يسلموا ( فإن تولوا ) يعنى :في الكفر ( فخذوهم ) أي :فأسروهم، والأخذ هاهنا :الأسر، ويقال للأسير :أخيذ ( واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ).
قوله-تعالى- :( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ) قال أبو عبيده :معناه إلا الذين ينتسبون إلى قوم، وأنشد فيه قول الشاعر :
إذا اتصلت قالت لبكر بن وائل وبكرٌ سبَاهَا( ١ ) والأنوف رواغم
يعنى :إذا انتسبت تلك القبيلة.
وأنكر أهل المعاني هذا على أبى عبيده، وقالوا :هذا لا يستقيم في معنى هذا الاستثناء المنع من القتل، وما كان المنع لأجل النسبة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقاتل المشركين من قريش، وإن كانوا من نسبه، بل معنى قوله :( إلا الذين يصلون ) أي :يخالطون، ويتصلون بقوم كان بينهم وبين النبي صلى الله عليه وسلم موادعة وعهد.
وذلك هلال بن عويمر الأسلمي، وقومه، وكان الله -تعالى- منع من قتل أولئك ممن اتصل بهم، وفي ذمامهم ( أو جاءوكم ) أو يصلون بقوم جاءوكم للمعاهدة والموادعة، ( حصرت صدورهم ) ضاقت، فضاقت صدورهم من القتال معكم، ومن معاونتكم على القتال مع قومهم ؛ لأجل الرعب الذي ألقى الله-تعالى- في قلوبهم، وقرأ الحسن- وهو قراءة يعقوب وسهل- " حَصِرَةً صدورهم " ( ٢ ) على الحال، أي :ضيقة صدورهم، قال المبرد :حصرت صدورهم على سبيل الدعاء، كقوله :( قاتلهم الله ) ( ٣ ) كأن الله -تعالى- يقول :( حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم ) على سبيل الدعاء.
( ولو شاء الله لسلطهم عليكم ) معنى هذا :أن الله -تعالى- هو الذي ألقى الرعب في قلوبهم، وكفهم عن قتالكم، حتى جاءوا معاهدين، ولو شاء الله لسلطهم عليكم ( فلقاتلوكم ) ؛ فإذا لا تقاتلوهم ومن اتصل بهم ( فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم ) يعنى :الصلح فانقادوا، واستسلموا ( فما جعل الله لكم عليهم سبيلا ) أي :طريقا عليهم بالقتل والقتال.
١ - في لسان العرب (مادة: وصل): سبتها..
٢ - انظر النشر (٢/٢٥١)..
٣ - التوبة: ٣٠، والمنافقون: ٤..
قوله-تعالى- :( ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ) قال ابن عباس :أراد به :أسد وغطفان، جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأسلموا ؛ فلما رجعوا إلى قومهم قالوا :إنا آمنا بالعقرب والخنفساء ورجعوا إلى الكفر.
وقال قتادة :أراد به :سراقة بن مالك بن جعشم، لما جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال :أنا منكم، ثم رجع إلى قومه، فقال أنا منكم. ( يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ) أي :يريدون أن يأمنوا منكم، ومن قومهم. ( كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها ) أي كلما دعوا إلى الشرك دخلوا فيه.
( فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ) يعني :القيادة والاستسلام ( ويكفوا أيديهم فخذوهم ) أي :فأسروهم ( واقتلوهم حيث ثقفتموهم ) وجدتموهم، ( وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا ) حجة بينة بالقتل والقتال.
قوله تعالى :( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ) سبب نزول الآية :ما روى أن عياش بن أبي ربيعة قتل الحارث بن يزيد، وكان الحارث يؤذي عياشا في الجاهلية، حتى أسلم عياش ؛ فنذر أن يقتله متى ظفر به، فظفر بالحارث وقد أسلم الحارث، ولم يعلم هو بإسلامه، فنزلت الآية :( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا ) وهذا نهى عن قتل المؤمن على الإطلاق، وقوله :( إلا خطأ ) استثناء منقطع، ومعناه :لكن إن وقع خطأ. وقال بعضهم :" إلا " بمعنى " ولا " يعنى :ولا خطأ، ولا يعرف في كلام العرب " إلا " بمعنى " ولا " ؛ ولأنه يقتضي النهي عن قتل الخطأ، والخطأ لا يدخل تحت النهي والأمر، والأول أصح، ثم ذكر حكم القتل الخطأ، فقال :( ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ) أي :فاعتقوا رقبة مؤمنة، ثم اختلف العلماء، فقال الحسن، والشعبي، والنخعي :أراد به :رقبة بالغة ولا تجزئ الرقبة الصغيرة، وإن كانت مؤمنة، وقال عطاء وهو الذي أخذ به الفقهاء :إنه تجزئ الصغيرة.
( ودية مسلمة إلى أهله ) يعني :سلموا الدية إلى أهله، وظاهر الآية يقتضي أن تكون الدية قي قتل الخطأ في مال القاتل، كالكفارة، لكن عرفنا بالسنة أن الكفارة في مال القاتل والدية على العاقلة.
وقوله :( إلا أن يصدقوا ) يعني :أن يتصدقوا، وقرأ أبي بن كعب كذلك، ومعنى التصدق :العفو عن الدية ( فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة ) أكثر المفسرين وهو قول الحسن، وقتادة، ومجاهد وجماعة :أن المراد به :وإن كان من [ نَسضبِ ] ( ١ ) قوم عدو لكم وهو مؤمن، ومعناه المؤمن يكون في دار الإسلام، وقرابته في دار الحرب، فيقتل خطأ، قالواجب بقتله الكفارة، ولا دية ؛ لأنها إذا سلمت إلى قرابته يقووا بها على المسلمين، والأصح والذي عرفه الفقهاء أن المراد به :المؤمن الذي أسلم في دار الحرب، فيقتله من لم يعلم إسلامه، فالواجب فيه الكفارة، دون الدية.
( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق ) هذا في أهل الذمة والمعاهدين ( فدية مسلمة إلى أهله ) يعني :على القدر الذي اختلف فيه ( وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله ) يعني :ليتوبوا إلى الله ( وكان الله عليما حكيما ).
١ - في "الأصل وك": سبب، وهو تصحيف..
قوله تعالى ( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم ) نزلت الآية في مقيس بن ضبابة الليثي، أسلم وأخوه هشام، ثم وجد أخاه مقتولا في بني النجار ؛ فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فبعث معه رجلا فهريا إلى بني النجار، وأمرهم أن يدفعوا إليه قاتل أخيه، أو يسلموا الدية، فجاءا إليهم، وبلغا الرسالة فقالوا :سمعا وطاعة لرسول الله، والله ما نعرف القاتل، وساقوا الدية إليه مائة من الإبل ؛ فلما رجعا أقبل مقيس وقتل الفهري، واستاق الإبل، ولحق بمكة وارتد، وقال الشعر :
قتلتُ به فهرا وحملت عَقْلَه سَرَاةَ بني النجار أربابَ فارع
فأدركت ثأري واضطجعت موسرا( ١ ) وكنت إلى الأوثان أول راجعِ
فنزلت الآية فيه، وهو الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله ؛ فجاء الجماعة الذين عينهم للقتل يوم فتح مكة ؛ فقتل وهو متعلق بأستار الكعبة فقوله :( ومن يقتل مؤمنا متعمدا ) فالقتل المتعمد عند أكثر العلماء :هو الذي يحصل بكل ما يقصد به القتل، وقال سعيد بن المسيب، وطاوس :القتل العمد لا يكون إلا بالحديد ( فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ) أي :طرده عن الرحمة ( وأعد له عذابا عظيما ) وقال ابن عباس :الآية مدنية لم ينسخها شئ ؛ فكان يقول :ليس لقاتل المؤمن توبة، وسئل عن توبته ؛ فقال :أنى تكون له التوبة، فقيل له :أليس قد قال الله تعالى :( ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا إلا من تاب ) ( ٢ ) فقال ابن عباس :تلك آية مكية، وهذه آية مدنية لم تنسخ بشيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال زيد بن ثابت :الشديدة بعد الهينة بستة أشهر، يعني بالهينة آية الفرقان، وبالشديدة هذه الآية.
وروى حميد، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «أبى الله تعالى أن يكون لقاتل المؤمن توبة »( ٣ ) وفي الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم : «لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا »( ٤ ).
والأصح، والذي عليه الأكثرون وهو مذهب أهل السنة :أن لقاتل المؤمن عمدا توبة، والدليل عليه قوله تعالى :( وإني لغفار لمن تاب وآمن )( ٥ ) وقوله :( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ( ٦ ) ولأن القتل العمد ليس بأشد من الكفر، ومن الكفر توبة ؛ فمن القتل أولى، وأما الذي روى عن ابن عباس، فعلى سبيل التشديد والمبالغة في الزجر عن القتل، وهو مثل ما روى عن سفيان بن عيينة أنه قال :إن لم يقتل يقال له :لا توبة لك، منعا له عن القتل، وإن قتل يقال له :لك توبة، حتى يتوب. وروى أن رجلا جاء إلى ابن عباس وسأله :هل لقاتل المؤمن توبة، قال :لا، فجاءه آخر، وسأله عن ذلك، فقال :نعم، له توبة، فقيل له في ذلك، فقال :إن الأول لم يكن قتل ؛ فمنعته عن القتل، وإن الثاني ؛ قتل ؛ فأرشدته إلى التوبة.
واعلم أن لا متعلق في هذه الآية لمن يقول بالتخليد في النار لأهل الكبائر من المسلمين ؛ لأنا إن نظرنا إلى سبب نزول الآية، فالآية نزلت في قاتل كافر كما بينا، وقيل :إنه فيمن يقتل مستحلا، والأولى أن تقول فيه ما قاله أبو صالح :إن معنى قوله :( فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) إن جازى، وبه نقول :إن الله تعالى إن جازاه ذلك خالدا، فهو جزاؤه، ولكنه ربما لا يجازي، وقد وعد أن لا يجازى ويغفر لمن يشاء، وهو لا يخلف الميعاد، وحكى عن قريش بن أنس رحمه الله أنه قال :كنت في مجلس فيه عمرو بن عبيد، فقال :لو قال الله لي يوم القيامة :لم قلت بتخليد القاتل المتعمد في النار ؟ فأقول له :أنت الذي قلت :( فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) قال قريش :وكنت أصغر القوم، فقلت له :أرأيت لو قال الله تعالى لك :ألست قلت ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ( ٧ ) فمن أين علمت أنى لم أشأ مغفرة القاتل ؟ فسكت ولم يستطع الجواب.
وحكى أن عمرو بن عبيد جاء إلى أبي عمرو بن العلاء رحمه الله وقال له :هل يخلف الله وعده ؟ فقال :لا، فقال :أليس قد قال الله تعالى :( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) فأنا على هذا ؛ لأنه لا يخلف وعده، فقال أبو عمرو :ومن العجمة أتيت يا أبا عثمان ؛ إن العرب لا تعد الإخلاف في الوعيد خلفا وذما، وإنما ذلك في الخلف في الوعد، وأنشد له قول القائل فيه :
إني إذا أوعدته ( و ) ( ٨ )عدته لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
فقد تمدح بالخلف في الوعيد، وقال آخر :
وإذا وعد السراء أنجز وعده وإن وعد الضراء فالعفو مانعه
فالله تعالى يجوز أن يخلف في الوعيد، وإنما لا يخلف الميعاد.
١ - كذا "بالأصل"، و"ك"، وفي لسان العرب (مادة: فرع): مُوَسَّداً، آخره دال..
٢ - الفرقان: ٦٨-٧٠..
٣ - الحديث صححه الشيخ الألباني كما في الصحيحة رقم [٦٨٩] وعزاه للواحدي في الوسيط والضياء في المختارة، وغيرهما..
٤ - روى من حديث بريدة، والبراء، وعبد الله بن عمرو، انظر تلخيص الحبير بتحقيقنا (٤/٢٨ رقم ١٨٦٩)..
٥ - طه: ٨٢..
٦ - النساء: ٤٨..
٧ - النساء: ٤٨، ١١٦..
٨ - في "ك" :أو..
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله ) أي :سافرتم في سبيل الله، يعني :الغزو ( فتبينوا ) ويقرأ :" فتثبتوا " ( ١ ) ومعناهما :ترك العجلة. وفي الخبر : «التأني من الله، والعجلة من الشيطان »( ٢ ) ( فتبينوا ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ) يقرأ " إليكم السلام " ويقرأ " إليكم السلم " ( ٣ )، فالسلام :هو التسليم المعهود، والسلم :المقادة والاستسلام، والسلم :الصلح، وقرأ أبو جعفر المدني يزيد بن القعقاع :" لست مؤمنا " ( ٤ ) من الأمان ( تبتغون عرض الحياة الدنيا ) يعني :تبتغون الدنيا، وفي الآثار : «الدنيا عرض حاضر، يأكل منها البر والفاجر، والآخرة وعد صادق، يقضي فيها ملك قادر »( ٥ ).
( فعند الله مغانم كثيرة ) أي :غنائم كثيرة. ( كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم ) أي :تفضل الله عليكم، وفيه قولان :قال سعيد بن جبير :معناه كذلك كنتم من قبل تكتمون الإيمان، فمن الله عليكم، وفيه قولان بالإظهار، وقال قتادة :معناه :كذلك كنتم من قبل ضلالا، فمن الله عليكم بالهداية ( فتبينوا ) إعادة تأكيد ( إن الله كان بما تعملون خبيرا ) وسبب نزول الآية ما روى :" أن النبيصلى الله عليه وسلم بعث سرية، فلقوا رجلا يقال له :مرداس بن عمرو من فدك، له غنيمات، فانحاز بها إلى الجبل لما أحس بالسرية، ثم تقدم إليهم، فقال :السلام عليكم أنا مؤمن، فبادر إليه أسامة بن زيد وهو يقول :لا إله إلا الله، وقتله، وأخذ سلبه، والغنيمات التي له، فلما رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لأسامة :أقتلت رجلا يقول :لا إله إلا الله، فقال :إنه إنما أسلم متعوذا، وقال :إنما أسلم، ليحرز نفسه وماله، فقال عليه الصلاة والسلام :هلا شققت عن قلبه ؟ فقال أسامة :استغفر لي يا رسول الله، فقال كيف لك بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ فقال :استغفر لي يا رسول الله، فقال عليه الصلاة والسلام :كيف بلا إله إلا الله يوم القيامة ؟ هكذا حتى أعاده ثلاثا- فنزلت الآية فيه. ( ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام ) » ( ٦ ) ولأن ذلك الرجل كان قد سلم عليهم، وأسلم لهم ( لست مؤمنا تبتغون عرض الحياة الدنيا ) يعنى :تبتغون بقتله غنيمات كانت له.
وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر لأسامة، وأمره بإعتاق رقبة وكان أسامة من علية الصحابة، وعاش إلى زمان على-رضى الله عنه- فدعاه على إلى المقاتلة معه في الحروب، فقال لعلى :أنت أعز على من كل أحد، ولو قاتلت المسلمين مع أحد لقاتلت معك، ولكني منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي :كيف بلا إله إلا الله يوم القيامة، امتنعت من القتال، فإن أعطيتني سيفا يميز المسلم من الكافر حتى أقاتل فتركه على.
وكان ممن اعتزل الفريقين هو وسعد بن أبي وقاص، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أجمعين.
وقيل :إن قاتِلَ صاحبِ الغنيمات، كان المقداد بن عمرو الكندي-هو ابن الأسود( ٧ )- هذا هو القول المعروف في سبب نزول الآية، وفي الآية قول آخر : «أنها نزلت في محلم بن جثامة الليثي، قتل رجلا وهو يقول :لا إله إلا الله، ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال :يا رسول الله، استغفر لي، فقال :لا غفر الله لك، فقام يبكي، وانصرف، فلما مات دفن في الأرض، فلفظته الأرض، ثم دفن فلفظته الأرض، ثم دفن فلفظته الأرض-هكذا ثلاثا- فأمر النبي صلى الله عليه وسلم حتى ألقي عليه الحجارة، قال :إن الأرض لتنطبق على من هو شر منه-يعنى من محلم-، ولكن الله-تعالى-أراد أن يريكم الآية »( ٨ ).
١ - وهي قراءة حمزة، والكسائي، وخلف. انظر النشر (٢/٢٥١)..
٢ - رواه أبو يعلى (٧/٢٤٨ رقم ٤٢٥٦)، والبيهقي في الكبرى (١٠/١٠٤)، من حديث أنس به وقال المنذري في الترغيب (٢/٢٥١)، والهيثمي في المجمع (٨/٢٢): رجاله رجال الصحيح..
٣ - قرأ نافع، وأبو جعفر، وحمزة، وابن عامر، وخلف: بحذف الألف، وقرأ الباقون بإثباتها..
٤ - انظر المصدر السابق..
٥ - رواه الشافعي في مسنده (٢/١٨٨-١٨٩ رقم ٦٧٢) من طريق إبراهيم بن محمد قال أخبرني عمرو «أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب... » وعزاه في كنز العمال رقم [٢/٤٣٦٠] للشافعي، والبيهقي في المعرفة، عن عمرو مرسلا. ورواه الطبراني في الكبير (٧/٢٨٨/ رقم ٧١٥٨)، وعنه أبو نعيم في الحلية (١/٢٦٤-٢٦٥)، عن شداد بن أوس مرفوعاً.
وقال الهيثمي في المجمع (٢/١٩٢): وفيه أبو مهدي سعيد بن سنان وهو ضعيف جدا..

٦ - هذه الحادثة ثابتة في الصحيحين، رواها البخاري في صحيحه (٧/٥٩٠ رقم ٤٢٦٩) ومسلم (٢/١٣١-١٣٢ رقم ٩٦) من حديث أسامة. وليس فيهما أن هذه الحادثة هي سبب نزول الآية..
٧ - رواه الطبراني في الكبير (١٢/٣٠ رقم ١٢٣٧٩)، والبزار – مختصر الزوائد- (٢/٧٨ رقم ١٤٥٨) كلاهما من حديث ابن عباس.
وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٢): وإسناده جيد..

٨ - رواه الطبري في تفسيره (٥/١٤٠) عن ابن عمر..
قوله-تعالى- :( لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولى الضرر ) اعلم أن الذي نزل في الابتداء من هذه الآية قوله : «لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم » قال زيد بن ثابت : «كان النبي صلى الله عليه وسلم يملى على هذه الآية، وفخذه على فخذي، فدخل عبد الله بن أم مكتوم، وقال يا رسول الله، أنا رجل ضرير، ولو استطعت أن أقاتل لقاتلت معك ؛ فتغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي ؛ فثقل فخذه على فخذي حتى كاد يرضه ؛ فلما سرى عنه، قال لي :اكتب ( غير أولى الضرر ) » ( ١ ) فنزل هذا القدر في ابن أم مكتوم، وكان ضريرا من أولى الضرر، وقوله :( غير أولي الضرر ) يقرأ على وجوه :" غيرُ " -برفع الراء- وتقديره :لا يستوي القاعدون الذين هم غير أولي الضرر، ويقرأ :بفتح الراء، على الاستثناء( ٢ )، يعنى :إلا أولي الضرر، وقيل :هو نصب على الحال، يعنى :في حال الصحة، وانتفاء الضرر، كأنه قال :لا يستوي القاعدون من المؤمنين أصحاء، وهذا أشهر القراءتين، وكذلك قرأ النبي صلى الله عليه وسلم «غيرِ أولي الضرر » -بكسر الراء يعنى-، من المؤمنين غير أولي الضرر، ( فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ) أراد بالقاعدين هاهنا :أولى الضرر، فضل المجاهدين عليهم بدرجة ؛ لأن المجاهدين باشروا الجهاد مع النية، وأولوا الضرر كانت لهم نية الجهاد، ولكن لم يباشروا ؛ فنزلوا عنهم بدرجة ( وكلا وعد الله الحسنى ) يعنى :الجنة ( وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما ) وأراد بالقاعدين هنا :غير أولي الضرر، فضل الله المجاهدين عليهم أجرا عظيما
١ - رواه البخاري (٨/١٠٨ رقم ٤٥٩٢)، وأبو داود (٣/١١ رقم ٢٥٠٧)، والترمذي (٥/٢٢٦ رقم ٣٠٣٣)، والنسائي (٦/٩-١٠ رقم ٣٠٩٩، ٣١٠٠). وأحمد (٥/١٨٤، ١٩١) وغيرهم..
٢ - قرأ نافع، وأبو جعفر، وابن عامر، والكسائي، وخلف، بنصب الراء، وقرأ الباقون برفعها. انظر النشر (٢/٢٥١)..
( درجات منه ومغفرة ورحمة ) قال ابن محيريز :هي سبعون درجة، ما بين كل درجتين حضر الفرس المضمر سبعين سنة، وفي الخبر «في الجنة مائة درجة، ما بين كل درجتين ما بين السماء والأرض، أعدها الله للمجاهدين في سبيله »( ١ )، وقيل :أراد بالدرجات :الإسلام، والهجرة، والجهاد، والشهادة في الجهاد، وفاز بتلك الدرجات المجاهدون ( وكان الله غفورا رحيما ).
١ - رواه البخاري (٦/١٤ رقم ٢٧٩٠)، وأحمد (٢/٣٣٥ ٣٣٩)، والحاكم (١/٨٠)، وابن أبي عاصم في الجهاد (٢/٥٤٤ رقم ٢١٢) وابن حبان –الاحسان- (١٠/٤٧١-٤٧٢)، والبيهقي في الكبرى (٩/١٥-١٦). وأبو نعيم في صفة الجنة (ص ٧٩ رقم ٢٢٤)..
قوله-تعالى- :( إن الذين توفاهم الملائكة ) قرأ عيسى بن عمر النحوي :" تتوفاهم " -بالتائين-والمعروف " توفاهم " وأصله :تتوفاهم، فأدغمت إحدى التائين تخفيفا، على القراءة المشهورة، فإن قال قائل :لم قال :تتوفاهم الملائكة والمتوفى ملك واحد، كما قال :( قل يتوفاكم ملك الموت ) ؟ ( ١ ) قيل :ذكره بلفظ الجمع، والمراد به الواحد، ومثله شائع في كلام العرب، وقيل :إن لملك الموت أعوانا، فلعله أراده مع أعوانه ؛ فلذلك ذكر بلفظ الجمع.
قال عكرمة والضحاك :الآية في قوم أسلموا بمكة قبل الهجرة، فلما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، تخلفوا عن الهجرة، فلما كان يوم بدر حملهم الكفار مع أنفسهم إلى بدر كرها، فقتلوا بين الكفار.
وقوله ( ظالمي أنفسهم ) يعنى :بالشرك ؛ فإنهم قتلوا مشركين ؛ إذ ما كان يقبل الإسلام بعد هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالهجرة، ثم أبيح ذلك بقوله -عليه الصلاة والسلام- : «لا هجرة بعد الفتح »( ٢ ).
( قالوا فيم كنتم ) يعنى :الملائكة قالوا لأولئك الذين أسلموا ولم يهاجروا :( فيم كنتم ) يعنى :في أي الفريقين كنتم، في المسلمين أم المشركين ؟ وهذا سؤال توبيخ، لا سؤال استعلام ( قالوا كنا مستضعفين في الأرض ) يعنى :كنا بمكة مستضعفين بين المشركين ( قالوا ) يعنى :الملائكة ( ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ) يعنى :إلى المدينة ( فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا ) حكم لهم بالنار ؛ لأنهم ماتوا مشركين
١ - السجدة: ١١..
٢ - متفق عليه، فرواه البخاري (٤/٥٦ رقم ١٨٣٤)، ومسلم (٩/١٧٥ رقم ١٣٥٣) من حديث ابن عباس ورواه البخاري (٦/٢٢٠ رقم ٣٠٨٠)، ومسلم (١٣/١٣ رقم ١٨٦٤) من حديث عائشة..
( إلا المستضعفين ) وهم أصحاب الأعذار ( من الرجال والنساء والولدان ) منهم الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة.
قال ابن عباس :كنت أنا وأمي من المستضعفين بمكة، وهم الذين دعا لهم النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت، فقال : «اللهم انج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين بمكة، وأشدد وطأتك على مضر، هكذا كان يدعوا لهم شهرا، حتى نجوا، وقدموا ؛ فترك ذلك الدعاء، فقيل له في ذلك فقال :ألا ترونهم قد قدموا »( ١ ).
( لا يستطيعون حيلة ) يعنى :للخروج ( ولا يهتدون سبيلا ) أي :طريقا إلى المدينة
١ - متفق عليه من حديث أبي هريرة، فرواه البخاري (٢/٣٣٩ رقم ٨٠٤، وأطرافه في ٧٩٧، ١٠٠٦، ٢٩٣٣، ٣٣٨٦، ٤٥٦٠، ٤٥٩٨، ٦٢٠٠، ٦٣٩٣، ٦٩٤٠) ومسلم (٥/٢٤٧-٢٥٠ رقم ٦٧٥)..
( فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) " وعسى " من الله واجب ؛ لأنه للإطماع، والله -تعالى- إذا أطمع عبدا أوجب له وأوصله إليه.
( وكان الله عفوا غفورا ) روى :أنه لما نزلت هذه الآية، كتب بها أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المستضعفين بمكة، وكان فيهم شيخ كبير يقال له :جندع بن ضمرة ويقال له حبيب بن ضمرة فقال :لست من المستضعفين، وأنا أعرف طريق المدينة، وقال لبنيه :احملوني إلى المدينة، فحملوه يأتون به، فلما بلغ التنعيم ؛ أدركه الموت، فبلغ ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :لو وصل إلى المدينة لأتمم الله أجره ؛ فنزل قوله تعالى :( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) يعنى :تم أجره.
وقوله :( ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعه ) والمراغمة :المهاجرة، المهاجر، قال أبو عمر بن العلاء :وإنما سميت المهاجرة مراغمة ؛ لأنه من هاجر مراغم قومه وقرابته، وقال الشاعر :
كطود يلوذ( ١ ) بأركانه عزيز المراغم والمهرب
وقال ابن عباس :مراغما، أي :متحولا يتحول إليه، وقال مجاهد :مراغما، أي :متزحزحا، وقوله :( وسعة ) قال ابن عباس :معناه :وسعة في الرزق، قال قتادة :ومعناه :وسعة من الضلالة إلى الهدي.
( ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله ) قد ذكرنا أنه فيم نزل ( وكان الله غفورا رحيما ).
١ - في لسان العرب: يلاذ، مادة (رغم)..
قوله تعالى :( وإذا ضربتم في الأرض ) أي :سافرتم ( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ).
قصر الصلاة في السفر لا خلاف في جوازه في حال الخوف، وأما في حال الأمن :قال سعد بن أبي وقاص :إنه لا يجوز، وبه قال داود، وأهل الظاهر ؛ تمسكا بظاهر القرآن، وقال جمهور العلماء وهو قول أكثر الأمة- :إنه يجوز القصر في حال الأمن ؛ لما روى عن يعلي بن أمية أنه قال لعمر-رضي الله عنه- : «ما بالنا نقصر، وقد أمنا، والله-تعالى- يقول في كتابه :( أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ) قال عمر :عجبت مما تعجبت أنت، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال :صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته »( ١ ) وروى «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سافر من مكة إلى المدينة -لا يخاف إلا الله- وقصر الصلاة »( ٢ ) وكان -عليه السلام- يقصر الصلاة في جميع أسفاره، ولم ينقل أنه أتم في سفر ما ؛ ولذلك قال الشافعي :القصر أولى ؛ وإن جاز الإتمام.
وروى عن جابر، والحسن-وهو قول ابن عباس- :أن صلاة الحضر أربع ركعات، وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الخوف ركعة، وروى عن ابن عباس أنه قال : «فرض الله -تعالى- الصلاة على لسان نبيه في الحضر أربع ركعات، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة »( ٣ ) وأكثر الأمة على أن القصر في الخوف ركعتان، مثل قصر السفر، ثم اختلفوا في القصر على قولين :أنه إباحة، أم واجب، قال بعضهم :هو إباحة، وهو اختيار الشافعي، وهو أصح ؛ لقوله عز ذكره :( فليس عليكم جناح ) وهو مثل قوله :( فلا جناح عليهما أن يتراجعا ) ( ٤ ).
وقال بعضهم :هو واجب. والخلاف بين السلف مشهور فيه.
وقوله :( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا ) أي :يقتلكم، والفتنة بمعنى :القتل هاهنا، وقرأ أبى بن كعب : «أن تقصروا من الصلاة أن يفتنكم الذين كفروا » -من غير قوله :( إن خفتم )- ويروى عن أبى أيوب الأنصاري أنه قال :نزل قوله :( فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة ) هذا القدر فحسب، ثم مضى حول، ولم ينزل شئ ؛ فسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة الخوف، ثم نزل قوله :( إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا ) ».
( وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) فأشار إلى أنه راجع إلى صلاة الخوف، لا إلى صلاة السفر.
١ - رواه مسلم (٥/٢٧٣-٢٧٤ رقم ٦٨٦)، وأبو داود (٢/٣ رقم ١١٩٩)، والترمذي (٥/٢٢٧ رقم ٣٠٣٤)، والنسائي (٣/١١٦-١١٧ رقم ١٤٣٣)، وابن ماجة (١/٣٣٩ رقم ١٠٦٥) وأحمد (١/٢٥، ٢٦)..
٢ - رواه الترمذي (٢/٤٣١ رقم ٤٥٧) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٣/١١٧-١١٨ رقم ١٤٣٦، ١٤٣٧) وأحمد (١/٢١٥) كلهم من حديث ابن عباس..
٣ - رواه مسلم (٥/٢٧٥ رقم ٦٨٧)، وأبو داود (٢/١٧ رقم ١٢٤٧)، والنسائي (١/٢٢٦ رقم ٤٥٦)، وابن ماجة (١/٣٣٩ رقم ١٠٦٨)..
٤ - البقرة: ٢٣٠..
قوله-تعالى- :وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ) بين في هذه الآية كيفية صلاة الخوف، وأعلم أن صلاة الخوف جائزة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على قول أكثر العلماء، وقال بعضهم :صلاة الخوف لا تجوز لأحد بعده، وهو قول أبى يوسف ؛ تمسكا بظاهر الآية، قوله :( وإذا كنت فيهم ) فشرط كونه فيهم، والأصح هو الأول. وقوله :( وإذا كنت فيهم ) ليس على سبيل الشرط، وإنما خرج الكلام على وفق الحال، وقد ورد أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلوا بعده صلاة الخوف.
( فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ) وسبب نزول الآية :ما روى أبو عياش الزرقي : «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل بعسفان، وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد، فصلى النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه صلاة الظهر، فقال المشركون :قد وجدنا منهم غرة إن قصدناهم، وحملنا عليهم، فقال بعضهم :ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من أولادهم، وأهاليهم -يعنون صلاة العصر- فنزل جبريل، وأخبره بمقالتهم، وأمر بصلاة الخوف »( ١ ).
وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بروايات شتى، وأخذ الشافعي برواية صالح بن خوات بن جبير عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم : «أنه صلى صلاة الخوف، فجعل أصحابه فرقتين، وصلى بإحدى الطائفتين ركعة، فقاموا، وأتموا ركعتين، وذهبوا إلى وجه العدو ؛ وجاءت الطائفة الثانية والنبي صلى الله عليه وسلم ينتظرهم، فصلى بهم الركعة الثانية وانتظرهم جالسا حتى قاموا وأتموا ركعتين، ثم سلم بهم »( ٢ ) فهذا معنى قوله :( فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم ).
واختلفوا في أنهم متى يأخذون أسلحتهم ؟ قال بعضهم :يأخذونه في الصلاة ؛ ليكونوا أهيب في عين العدو ؛ فعلى هذا يأخذون من السلاح ما لا يمنعهم من الإتيان بأركان الصلاة، وقال آخرون :يأخذون السلاح إذا ذهبوا إلى وجه العدو.
( فإذا سجدوا ) يعنى :فإذا صلوا ( فليكونوا من ورائكم ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ) والحِذْر :ما يتقى به للحذر من العدو ( ود الذين كفروا لو تغفلون ) لو وجدوكم غافلين ( عن أسلحتكم وأمتعتكم ) يعني :بالصلاة ( فيميلون عليكم ميلة واحدة ) أي :فيحملون عليكم حملة واحدة.
( ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم ) رخص لهم في وضع السلاح في حال المطر، والمرض ؛ لأن السلاح يثقل حمله في هاتين الحالتين. ( وخذوا حذركم إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا ).
١ - رواه أبو داود (٢/١١-١٢ رقم ١٢٣٦)، والنسائي (٣/١٧٦-١٧٧) رقم ١٥٤٩)، وأحمد (٤/٥٩-٦٠) وابن حبان –الإحسان (٧/١٢٨-١٢٩ رقم ٢٨٧٦)، والحاكم في المستدرك (١/٣٣٧-٣٣٨) وصححه على شرط الشيخين، والبيهقي (٣/٢٥٤-٢٥٥)، والدارقطني وصححه (٢/٥٩-٦٠)، والواحدي في أسباب النزول ص ١٣٣..
٢ - متفق عليه، فرواه البخاري (٧/٤٨٦ رقم ٤١٢٩)، ومسلم (٦/١٨٣ رقم ٨٤٢). عن صالح عمن شهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة ذات الرقاع، ورجح الحافظ في الفتح (٧/٤٨٧) أنه عن صالح بن خوات عن أبيه خوات بن جبير..
قوله تعالى :( فإذا قضيتم الصلاة ) يعني :صلاة الخوف، ( فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ) يعني :الذكر بالتسبيح والتهليل، والتحميد، والتمجيد. ( فإذا إطمأننتم ) يعني :فإذا سكنتم وأقمتم وأمنتم ( فأقيموا الصلاة ) يعني على أركانها وهيئتها كما عرفتم ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) قال مجاهد :أي :فرضا مؤقتا يؤدى ( في )( ١ ) أوقاته، وقال زيد بن أسلم :أراد به :فرضا مُنَجَّماً يأتي نجم بعد نجم.
١ - في "ك": إلى..
قوله تعالى :( ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ) سبب نزول الآية :أن الكفار يوم أحد لما انهزموا، بعث النبي صلى الله عليه وسلم طائفة من أصحابه على إثرهم، فشكوا ألم الجراحات ؛ فنزلت الآية »( ١ ) ( ولا تهنوا في ابتغاء القوم ) أي :لا تضعفوا في طلب القوم. ( إن تكونوا تألمون ) أي :توجعون وتشكون الألم، فإنهم يألمون، أي :يوجعون ويشكون الألم كما تألمون، قال الشاعر في معناه :
قاتل القوم يا خزاع ولا يدخلنكم
من قتالهم، فشد القوم أمثالكم لهم شعر في الرأس لا ينشرون إن قتلوا( ٢ )
( وترجون من الله ما لا يرجون ) أي :وتأملون من الله مالا يأملون، من الظفر في الدنيا، والثواب في الآخرة، وقال الفراء والكسائي :الرجاء بمعنى الخوف، وكل راج خائف ؛ لأنه يخاف ألا يدرك المأمول، ومنه قوله تعالى :( ما لكم لا ترجون لله وقارا ) ( ٣ ) وأجمعوا على أن معناه :لا تخافون لله عظمة، قال الشاعر :
لا تَرْتَجِي إذا تلاقى الزائدا أسبعة تلقى معا أم واحدا( ٤ )
( وكان الله عليما حكيما )
١ - رواه بنحوه الطبري في التفسير (٥/١٦٩) عن عكرمة..
٢ - كذا وقعت هذه الأبيات "بالأصل، وك"..
٣ - نوح: ١٣..
٤ - وقع هذا الرجز في لسان العرب (مادة: رجا) كما يأتي:
لا ترتجي حين تُلاقي الذائدا أسبعة لاقَتْ معًا واحدا.

قوله تعالى :( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق ) سبب نزول الآية :ما روى «أن طعمة بن أبيرق من بني ظفر بن الحارث سرق درعا، فلما أتاهم به ألقاه في دار يهودي، وقال :إنه سرق وفي رواية :أودعه عند يهودي فلما ظهر، قال :إن اليهودي سرقه ؛ فجاء قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهم بنو ظفر بن الحارث ؛ ليدافعوا عنه، وهمّ النبي صلى الله عليه وسلم بدفع السرقة عنه، وقطع يد اليهودي، وكان عند قومه أنه السارق ؛ فنزل قوله :( إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق )( ١ ) أي :لتحكم بالحق. ( لتحكم بين الناس بما أراك الله ) أي :بما علمك، وحكى عن ابن عباس أنه قال :إياك والرأي فإن الله تعالى يقول :( بما أراك الله ) ولم يقل :بما رأيت، ( ولا تكن للخائنين خصيما ) يعني :طعمة من الخائنين، فلا تكن مدافعا عنه
١ - رواه الترمذي (٥/٢٢٨-٢٣٠ رقم ٣٠٣٦)، وقال: هذا حديث غريب، لا نعلم أحداً أسنده غير محمد ابن سلمة الحراني، وروى يونس بن بكير، وغير واحد هذا الحديث، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر ابن قتادة مرسل، لم يذكروا فيه عن أبيه، عن جده.
ورواه الحاكم (٤/٣٨٥-٣٨٨) وصححه على شرط مسلم، والطبري في التفسير (٥/١٦٩-١٧١) كلهم من حديث قتادة بن النعمان.
وزاد السيوطي في الدر (٢/٢٣٧) فعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ..

( واستغفر الله ) أمره بالاستغفار ؛ لأنه كان قد هم أن يدافع عنه ( إن الله كان غفورا رحيما ).
قوله تعالى :( ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم ) أي :يخونون أنفسهم والاختيان :افتعال من الخيانة ( إن الله لا يحب ) قال أهل التفسير :معناه :إن الله لا يقرب ( من كان خوّانا أثيما ) الخوان :الخائن والأثيم :ذو الإثم.
قوله تعالى :( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم ) بشكوى بني ظفر بن الحارث، معناه :يستترون من الناس، ولا يستترون من الله، وهو معهم ( إذ يبيتون مالا يرضى من القول ) قد بينا أن التبييت :تدبير الفعل ليلا ؛ وذلك التبييت منهم أن قوم طعمة قالوا :ندفع أمره إلى النبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنه يسمع يمينه، وقوله ؛ لأنه مسلم، ولا يسمع من اليهودي ؛ لأنه كافر، فلم يرض الله تعالى قولهم ( وكان الله بما تعملون محيطا ).
قوله تعالى :( ها أنتم هؤلاء ) يعني :أنتم يا هؤلاء، قال الزجاج :معناه :ها أنتم الذين ( جادلتهم عنهم في الحياة الدنيا ) أي :خاصمتم، وأصل الجدال :الجدل، وهو الفتل، ويقال :شخص أجدل، إذا كان وثيق الخلق، ويقال للصقر :أجدل ؛ لأنه أقوى الطيور على الصيد.
( فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يكون عليهم وكيلا ) يعني :من الذي يتولى أمرهم، ويذب عنهم يوم القيامة ؟
قوله تعالى :( ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ) عرض التوبة على طعمة وقومه في هذه الآية، وأمرهم بالاستغفار.
قوله تعالى :( ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه ) سبب هذا أن قومه قالوا له :تب إلى الله، فحلف أنى ما سرقته، وإنما سرقه اليهودي ؛ فذلك الذي يقول الله -تعالى- ومن كسبه الإثم ( وكان الله عليما حكيما ).
قوله-تعالى- :( ومن يكسب خطيئة أو إثما ) هو سرقته التي ذكرنا، ( ثم يرم به بريئا ) هو نسبته السرقة إلى اليهودي الذي كان بريئا عنها ( فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا ) فالبهتان :الكذب الذي يتحير منه الإنسان، وهو البهت، وأراد بالإثم المبين :اليمين الفاجرة.
قوله-تعالى- :( ولولا فضل الله عليك ورحمته ) هذا خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ( لهمت طائفة منهم أن يضلوك ) يعنى :قوم طعمه، هموا أن يُلَبِّسُوا عليك ؛ لتدافع عنه ( وما يضلون إلا أنفسهم ) أي :يرجع وباله عليهم ( وما يضرونك من شيء ) يعنى :ضرره عائد عليهم، ولا يضرك ؛ لأنك معصوم ( وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة ) قيل :أراد به :وأنزل الله عليك الكتاب بالحكمة، وقيل :أراد بالكتاب :القرآن، وبالحكمة :السنة ( وعلمك ما لم تكن تعلم ) يعنى :من أحكام القرآن، وقيل :من علم الغيب، وقيل :علمك قدرك، ولم تكن تعلمه ( وكان فضل الله عليك عظيما ).
قوله-تعالى- :( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة ). النجوى :السرائر في التدبير، قال الزجاج :كل ما انفرد بتدبيره قوم يخوضون فيه ؛ فهو نجوى :سرا كان أو علانية، وأراد هاهنا :نجوى قوم طعمه وتدبيرهم، وقيل :هو في جميع الحوادث.
( إلا من أمر بصدقة ) قيل :أراد به إلا نجوى من أمر بصدقة، وقيل :هو استثناء منقطع، يعنى :لكن من أمر بصدقة ( أو معروف ) وهو كل ما عرفه الشرع ( أو ‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌إصلاح بين الناس ) وفي الخبر : «كل كلام ابن آدم عليه إلا ثلاثة :أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، أو ذكر الله »( ١ ) وقيل لسفيان بن عيينة -حين روى هذا الحديث ؛ فقالوا- :ما أشد هذا الحديث ؟ ! فقال :اقرءوا قوله-تعالى- :( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقه ) الآية.
وروى :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبى أيوب الأنصاري : «ألا أدلك على صدقة هي خير لك من حمر النعم -أي :من الصدقة بحمر النعم ؟ -قال :بلى يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم :أن تصلح بين الناس إذا تفاسدوا، وأن تقرب بينهم إذا تباعدوا »( ٢ ).
( ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيما ).
١ - رواه الترمذي (٤/٥٢٥-٥٢٦ رقم ٣٩٧٤)، وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن يزيد ابن خنيس، وابن ماجة (٢/١٣١٥ رقم ١٩٧٤)، وأحمد في الزهد (ص ٢٢-٢٣)، وأبو يعلى (١٣/٥٦ رقم ٧١٣٢)، والطبراني في الكبير (٢٣/٢٤٣ رقم ٤٨٤)، والحاكم (٢/٥١٢-٥١٣)، وأبو يعلى (١٣/٥٦ رقم ٧١٣٢)، والطبراني في الكبير (٢٣/٢٤٣ رقم ٤٨٤)، وابن السني في عمل اليوم والليلة (ص ١٢-١٣ رقم ٥) من حديث أم حبيبة..
٢ - رواه البزار –مختصر الزوائد- (٢/٢٢٢ رقم ١٧٤١)، وقال: لا نعلمه يروى عن أنس إلا من هذا الوجه، ولا نعلم حدث به عن حميد إلا عبد الله بن عمر، ولا عنه إلا ابنه عبد الرحمن، وهو لين الحديث، حدث بأحاديث لم يتابع عليها.
قلت: ولفظه: «ألا أدلك على تجارة... ».
وقال الهيثمي في المجمع (٨/٨٣): وفيه عبد الرحمن بن عبد الله العمري، وهو متروك..

قوله-تعالى- :( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ) أراد به :طعمه، جادل النبي صلى الله عليه وسلم، ثم لحق بمكة، وارتد حين ظهر عليه الحكم بالقطع.
قال سعيد بن جبير :إنه لما لحق بمكة سرق هنالك، فوجد في نقب يسرق، فقتل.
وفي بعض القصص :أنه حين لحق بمكة نزل على الحجاج بن غلاط الأسلمي، فقام في بعض الليل يسرق، فأحسوا به، فأخذوه واجتمعوا عليه، وقالوا :إنه ضيف، وتركوه ؛ فلحق بحرة بني سليم، وكان يعبد الأصنام، ومات عليه ؛ ففيه نزلت الآية ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين ) لأنه لما ارتد، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين.
واستدل أهل العلم بهذه الآية على أن الإجماع حجة.
قوله :( نوله ما تولى ) أي :نوله ما اختاره، وقيل :نَكِلْهُ إلى ( من )( ١ ) تولاه ( ونصله جهنم وساءت مصيرا ).
١ - في "ك": ما..
قوله تعالى :( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وقد ذكرنا معنى الآية فيما سبق ( ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) روى أبو عيسى الترمذي بإسناده عن علي رضي الله عنه انه قال :هذه أحب آية إلي في القرآن.
قوله تعالى :( إن يدعون من دونه ) أي :ما يدعون من دونه ( إلا إناثا ) قيل :معناه الأوثان، وإنما سميت الأوثان إناثا ؛ لأنهم كانوا يسمونها باسم الإناث، فيقولون :اللات، والعزى، ومناة، وكانوا يقولون لصنم كل قبيلة :أنثى بني فلان، قال أبي بن كعب :كان مع كل صنم جِنّْية من الشياطين، وقيل :معناه :الموَات وإنما سمي الموات إناثا ؛ لأن الإناث أرذل الجنسين، وأدونهما، فكذلك الموات أرذل من الحيوان، وكانت أصنامهم من الموات والجماد.
قال الضحاك :أراد به :الملائكة، وكانوا يقولون :الملائكة إناث، وكان بعضهم ‍‍ يعبدون الملائكة، ويصورون الأصنام على صور الملائكة، وقرأ ابن عباس :" إلا أُثُنًا " جمع الأوثان، وقرأ في الشواذ أيضا " إلا أُنُثًا " جمع الإناث ؛ فيكون على جمع الجمع كالمُثُل. ( وإن يدعون إلا شيطانا مريدا ) ؛ لأنهم إذا عبدوا الأصنام، فقد أطاعوا الشيطان، وأراد به :إبليس، والمَرِيد العاتي المتمرد، وحقيقته :العاري من كل خير، ومنه الأمرد، ويقال :شجرة مرداء، إذا تساقطت أغصانها.
( لعنه الله ) أي :أبعده الله من الرحمة ؛ معاقبة، ولذلك لا يجوز لعن البهائم ؛ لأنها لا تستوجب العقوبة، والطرد عن الرحمة. ( وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا ) أي :مقدارا معلوما، قيل في التفسير :من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون للشيطان وواحد لله. وأصل الفَرْض :الحزّ والقطع، ومنه فرض القوس :وهو الشق الذي يجعل فيه الوَتَر. ومنه فَرْض السواك :وهو الموضع الذي يجعل فيه الخيط، ومنه فُرْضة البحر :وهو المشرع الذي توقف إليه السفينة، والفرض :نوع من التمر يكون بعمان، قال الشاعر :
إذا أكلت سمكا وفرضاً ذهبت طولاً وذهبت عرضاً
قوله تعالى :( ولأضلنهم ) أي :لأغوينهم، فإن قال قائل :كيف نسب إليه الإضلال، وليس إليه الضلالة ؟ قلنا :معناه :التزيين والدعوة إلى الضلالة، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «بعثت داعيا، وليس إلى من الهداية شيء، وبعث الشيطان مزِّيناً، وليس إليه من الضلالة شئ »( ١ ). ( ولأمنينهم ) قيل :معناه :أمنينهم ركوب الأهواء، وقيل معناه :أمنينهم طول العمر في النعيم ؛ ليؤثروا الدنيا على الآخرة، وقال الزجاج :معناه :أمنيهم إدراك الآخرة مع ركوب المعاصي.
( ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ) أراد به :البحيرة التي تأتي في سورة المائدة، والبَتْك :القطع، والمراد به :شق الآذان، ( ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ) قال ابن عباس في إحدى الروايتين، وهو قول مجاهد :معناه :فليغيرن دين الله، أي :وضع الله في الدين :بتحليل الحرام، وتحريم الحلال، ونحو ذلك، والرواية الثانية عن ابن عباس وهو قول أنس، وعكرمة :أراد به :إخصاء الأنعام، وكان أنس يكره إخصاء البهائم من أجل هذا، وكان يجيزه الحسن، وقال ابن مسعود :أراد به الوشم، ويحتمل أن يكون المراد به تغيير الأنساب ؛ وذلك أن ينتقل من نسب إلى نسب، ويحتمل أن يكون المراد به :الخضاب بالسواد، وهو منهي عنه، وإنما الخضاب المباح بالحمرة، والصفرة ( ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله ) أي :يواليه باتباعه ( فقد خسر خسرانا مبينا ).
١ - رواه العقيلي (٢/٨-٩ ) في ترجمة خالد بن عبد الرحمن أبي الهيثم وقال: ليس بمعروف بالنقل، وحديثه غير محفوظ، ولا يعرف له أصل.
ورواه ابن عدي في الكامل (٣/٣٩)، وابن حبان في المجروحين (١/٢٧٧)، والدولابي في الكنى (٢/١٥٧)، والسهمي في تاريخ جرجان (ص ٣٩٥)، وابن بطة في الإبانة –كتاب القدر- (٢/١/٧١ رقم ١٢٨٣)، وابن الجوزي في الموضوعات (١/٢٧٢-٢٧٣).
وقال الدارقطني في تعليقه على المجروحين (ص ٨٨) عن خالد بن عبد الرحمن العبدي أبي الهيثم، رجل مجهول، لا أعلمه روى شيئا من الحديث غير هذا الحديث الباطل..

قوله تعالى :( يعدهم ) وعده قد يكون بالتخويف( ١ ) كما قال الله تعالى ( الشيطان يعدكم الفقر )( ٢ ) وقيل :أنه يتمثل في صورة الآدمي، فيعد، ويمنى، وكان قد ظهر يوم بدر في صورة سراقة بن مالك بن جعشم وظهر في اليوم الذي اجتمعت فيه قريش، وتشاوروا في إخراج النبي صلى الله عليه وسلم، في صورة شيخ من نجد.
وقوله ( ويمنيهم ) قد ذكرنا، ومن ذلك تمنى الإنسان قضاء الشهوات.
واعلم أن الإنسان لا يؤاخذ بغلبة الشهوة، واشتهاء الشهوات ؛ لأن ذلك شيء جُبِل عليه، ويؤاخذ بالتمني، وذلك أن يتمنى خمرا ليشربه، أو امرأة ؛ ليزني بها، فذلك من المعصية، ويؤاخذ به ( وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ) الغرور :إيهام الوصول إلى النفع من موضع الضر
١ - في "ك" بالتحريف خطأ..
٢ - البقرة: ٢٦٨..
( أولئك مأواهم جهنم ولا يجدون عنها محيصا ) أي :معدلا.
قوله تعالى :( والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا وعد الله حقا ) فإن قيل :ما الفائدة في تكرار الوعد والوعيد في القرآن ؟ قيل :فائدته :التوكيد، قطعا من سواء التأويل، وقيل إنما كرر الوعد على تفاصيل الإيمان، وكرر الوعيد على تفاصيل الكفر، ( ومن أصدق من الله قيلا ) أي :قولا.
قوله تعالى :( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) قال مسروق هو أبو عائشة مسروق بن الأجدع الهمداني :أراد به :ليس بأمانيكم أيها المسلمون، ولا أماني أهل الكتاب، وهم اليهود، والنصارى.
وقال مجاهد :أراد بقوله :( ليس بأمانيكم ) مشركي العرب، ( ولا أماني أهل الكتاب ) يعني :اليهود، والنصارى، فعلى القول الأول معنى الآية :أن اليهود قالوا :نحن أولى ؛ لأن ديننا أقدم وكتابنا أقدم.
وقالت النصارى :نحن أولى ؛ لأنا على دين عيسى، وهو روح الله، وكلمته، وكان يحيي الموتى.
وقال المسلمون :نحن أولى ؛ لأن نبينا خاتم النبيين، وكتابنا ناسخ للكتب، وقد آمنا بكتابكم، ولم تؤمنوا بكتابنا ؛ قال الله تعالى :( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) يعني :ليس الأمر بالأماني، وإنما الأمر بالعمل الصالح، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «ليس الدين بالتمني، ولا بالتحلي. . » ( ١ ) الخبر.
وأما على القول الثاني :معنى الآية :أن اليهود والنصارى قالوا :نحن أهل الجنة، وذلك قول الله تعالى :( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) ( ٢ ) وقال المشركون :لا جنة، ولا نار، ولا بعث ؛ قال الله تعالى :( ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب ) أي :ليس كما قال المشركون، ولا كما قال اليهود والنصارى.
( من يعمل سوءا يجز به ) قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتاده، وجماعة المفسرين :إن الآية على العموم في حق كل عامل. وقال الحسن :أراد به :أهل الشرك.
وفي حديث أبي هريرة : «أن هذه الآية لما نزلت، قالت الصحابة :أينا لم يعمل سوءا ؟ وشقت عليهم الآية، فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك، فقال :ما منكم من أحد تصيبه مصيبة، إلا كفر عنه، حتى الشوكة يشاكها، والنكبة ينكبها »( ٣ ).
وروى : «أن أبا بكر دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :«ألا أقرئك آية أنزلت عليّ ؟ قال :بلى( ٤ ) فقرأ :( من يعمل سوءا يحز به ) قال أبو بكر :فوجدت انقصاما في ظهري، فقال -عليه السلام- :مالك يا أبا بكر ؟ فقلت :كيف النجاة بعد هذه الآية، هلكنا، وأينا لم يعمل سوءا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :أما أنت يا أبا بكر، والمؤمنون تجزون به في الدنيا، فتلقون الله تعالى وما عليكم ذنب، وأما الكافرون يجمع عليهم، ثم يجزون به في الآخرة »( ٥ ) وفي رواية قال له عليه السلام : «ألست تنصب ؟ ألست تحزن ؟ ألست تمرض ؟ أليس تصيبك اللأواء ؟ فذلك الذي تجزون به »( ٦ ) فهذا معنى قوله تعالى :( من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا ).
١ - رواه الديلمي في مسند الفردوس (٣/٤٥٠)، وابن النجار في الذيل (١٧/٤٨)، وابن عدي في الكامل (٦/٢٨٨-٢٨٩) وحكم عليه الشيخ الألباني في الضعيفة رقم [١٠٩٨] بالوضع، وانظر كلام الشيخ محمد عمرو بن عبد اللطيف في كتابه "تبيض الصحيفة" (ص ٩٩-١٠٢ رقم ٣٣)، وهو عندهم بلفظ: "ليس الإيمان..."..
٢ - البقرة: ١١١..
٣ - رواه مسلم (١٦/١٩٦-١٩٧ رقم ٢٥٧٤)، والترمذي (٥/٢٣١ رقم ٣٠٣٨)، والنسائي في الكبرى (٦/٣٢٨ رقم ١١١٢٢)..
٤ - في "الأصل وك": نعم، وله وجه انظر مغني اللبيب (٢/٣٤٦) وما أثبتناه من مصادر تخريج الحديث، وهو الأشهر..
٥ - رواه الترمذي (٥/٢٣١-٢٣٢ رقم ٣٠٣٩)، وعبد بن حميد –المنتخب- (ص ٣١ رقم ٧)، وقال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي إسناده مقال، موسى بن عبيدة يضعف في الحديث، ضعفه يحيى بن سعيد، وأحمد بن حنبل، ابن سباع مجهول، وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه عن أبي بكر، وليس له إسناد صحيح أيضا..
٦ - رواه أحمد (١/١١)، والطبري (٥/١٨٩)، وأبو يعلى (١/٩٧-٩٨ رقم ٩٧-١٠١)، وهناد في زهده (١/٢٤٨ رقم ٤٢٩)، وابن حبان –الإحسان- (٧/١٧٠-١٧١ رقم ٢٩١٠)، والحاكم (٣/٧٤-٧٥) وصححه/ والبيهقي (٣/٣٧٣)..
قوله تعالى :( ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا ) أي :مقدار النقير، وذلك أن الله تعالى لما أحال الخلق على العمل بيّن العمل في هذه الآيات، وجزاء العمل.
قوله تعالى :( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله ) أي :أخلص عبادته لله، وقيل :توجه بعبادته إلى الله، والوجه يذكر بمعنى :الدين والعبادة، ومنه قول المصلى :وجهت وجهي، أي :ديني وهو الصلاة.
( وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا ) وإنما خص إبراهيم ؛ لأنه كان مقبول الأمم أجمع، وقيل :لأنه صلى الله عليه وسلم بُعث على ملة إبراهيم ؛ وزيد له أشياء.
( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) يعني :حبيبا، لا خلل في حبه، والخلة :صفاوة المودة، فمعناه :أنه اتخذه حبيبا، وجعله صفيه، وخاص نفسه، كما يكون الحبيب مع الحبيب، قال الشاعر :
قد تخللت مسلك الروح منى وبذا سمى الخليل خليلا
وقيل :المحتاج من الخَلَّة، وهي الحاجة، يعني :جعل حاجته إلى نفسه، دون غيره، وقال الشاعر :
وإن أتاه خليل يوم مسألة فقال لا غائب( ١ ) مالي ولا حَرِمُ
يعني :وإن أتاه محتاج، والأول أصح ؛ لأن قوله ( واتخذ الله إبراهيم خليلا ) يقتضي الخلة من الجانبين. ولا يتصور الحاجة من الجانبين. وفي الخبر قال صلى الله عليه وسلم : «إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، ولو كنت متخذا خليلا، لاتخذت أبا بكر ؛ ولكن ود وإخاء إيمان، وإن صاحبكم خليل الله »( ٢ ).
١ - في لسان العرب (مادة: حرم): يقول، وانظر (مادة: خلل)..
٢ - رواه الترمذي (٥/٥٦٧-٥٦٨ رقم ٣٦٥٩)، وقال حسن غريب، وأحمد (٣/٤٧٨)، والطبراني في الكبير (١٢/٣٢٨ رقم ٨٢٥)، والدولاني في الكنى (١/٥٥-٥٦)، والبيهقي في الدلائل (٧/١٧٥) كلهم من حديث أبي المعلى الأنصاري.
ورواه بنحوه مسلم في صحيحه (٦/١٨-١٩ رقم ٥٣٢)، والنسائي في الكبرى (٦/٣٢٨/رقم ١١١٢٣)، وأبو عوانة في صحيحه (١/٤٠١) كلهم من حديث جندب – رضي الله عنه-.
وأخرجه الواحدي في أسباب النزول (ص ١٣٦) من طريق عبد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، وقد تقدم أن هذا الإسناد تالف..

قوله تعالى :( ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شئ محيطا ) المحيط :هو العالم بالشيء بجميع ما يتصور العلم به.
قوله تعالى :( ويستفتونك في النساء ) أي :يطلبون فتواك في النساء، قيل :هذا في أم كُجَّة وقد بينا قصتها، وأن أهل الجاهلية كانوا لا يورثون النساء والصبيان.
( قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب ) قال الزجاج :يعنى :ويفتيكم كما يتلى عليكم في الكتاب ( في يتامى النساء ) هذا إضافة الشيء إلى نفسه ؛ لأنه أراد باليتامى :النساء ( اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ) قال الحسن، وجماعة :أراد به :لا تؤتونهن حقهن من الميراث ( وترغبون أن تنكحوهن ) به، بمعنى :عن أن تنكحوهن لدمامتهن، وحملوا الآية على الميراث. وقالت عائشة :أراد به :لا تؤتونهن ما كتب لهن من الصداق. وقوله :( وترغبون أن تنكحوهن ) يعني :في أن تنكحوهن، ( والمستضعفين من الولدان ) يعني :ويفتيكم في المستضعفين من الوالدان، وهم الصغار ( وأن تقوموا لليتامى بالقسط ) أي :بالعدل ( وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ).
قوله تعالى :( وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا ) النشوز :هو الارتفاع، والمراد به، ارتفاع الزوج، والتكبر بنفسه على الزوجة، ومنه النشز. ( أو إعراضا ) يعنى :أو خافت إعراضا من الزوج ( فلا جناح عليهما أن يصلحا ) وقرئ :" أن يصالحا( ١ ) بينهما صلحا " يعني :بين الزوجين، واختلفوا فيمن نزلت الآية، قال بعضهم :نزلت في امرأة رافع بن خديج، فإنها كبرت، وتزوج رافع عليها شابة وخافت أن يعرض عنها ؛ فنزلت الآية.
وقوله :( أن يصلحا بينهما صلحا ) يعني :أن يترك شيئا من القسم، وترضى بأن يكون القسم للشابة أكثر، وقيل :هو الصلح عن المهر بالإبراء، ونحوه، والقول الثاني :أن الآية نزلت في سودة بنت زمعة ؛ أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يطلقها ؛ فقالت :لا تطلقني، قد وهبت ليلتي لعائشة، فلا تطلقني حتى( ٢ ) أحشر يوم القيامة في زمرة نسائك( ٣ ).
( والصلح خير ) قيل :أراد به :الصلح خير من الفرقة، وقيل :أراد به :الصلح خير من النشوز، والإعراض ( وأحضرت الأنفس الشح ) والشح :البخل، وقيل :هو أقبح البخل، وحقيقته :الحرص على منع الخير، وأراد به :شح الزوجين على حقيهما ( وإن تحسنوا وتتقوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ).
١ - قرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: يُصْلِحا، بضم الياء، وإسكان الصاد وكسر اللام من غير ألف.
وقرأ الباقون: بفتح الياء، والصاد واللام، وتشديد الصاد، وألف بعدها: انظر النشر (٢/٣٥٢)..

٢ - في "الأصل": فلما تطلقني حتى، وفي "ك": لأجل أن..
٣ - رواه الترمذي (٥/٢٣٢ رقم ٣٠٤٠)، وقال: حسن غريب، والطبري في التفسير (٥/١٩٩)، وأبو داود الطيالسي (ص ٣٤٩ رقم ٢٦٨٣)، والطبراني في الكبير (١١/٢٨٤ رقم ١١٧٤٦)، والبيهقي (٧/٢٩٧) كلهم من حديث ابن عباس.
وروي من حديث عائشة، رواه أبو داود (٢/٢٤٣ رقم ٢١٣٥)، والحاكم (٢/١٨٢) وصحح إسناده..

قوله تعالى :( ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم ) قال عمر، وعلي، وابن عباس، أراد بالعدل :المحبة في القلب ( فلا تميلوا كل الميل ) يعنى :إن ملتم في المحبة، فلا تميلوا في القسم، وقد قال صلى الله عليه وسلم : «اللهم هذا قَسْمِي فيما أملك، فلا تؤخذاني فيما لا أملك »( ١ ) ( فتذروها كالمعلقة ) يعني لا أيِّماً ولا ذات بعل، وقيل :كالمحبوسة ( وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما ).
١ - رواه أبو داود (٢/٢٤٢ رقم ٢١٣٤)، والترمذي (٣/٤٤٦ رقم ١١٤٠)، والنسائي (٧/٦٤ رقم ٣٩٤٣)، وابن ماجه (١/٦٣٤ رقم ١٩٧١)، وأحمد (٦/١٤٤)، والدارمي (٢/١٩٣/٢٢٠٧) والحاكم (٢/١٨٧) وصححه على شرط مسلم، وابن حبان –الإحسان (١٠/٥ رقم ٤٢٠٥)، وابن أبي حاتم في العلل (١/٤٢٥ رقم ١٢٧٩) وقال سمعت أبا زرعة يقول: لا أعلم أحدا تابع حماداً على هذا. قلت: روى ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة، قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بين نسائه... » الحديث مرسل. وكذا قال النسائي: أرسله حماد بن زيد. ورجح الترمذي رواية حماد بن زيد المرسلة على رواية حماد بن سلمة المتصلة..
قوله-تعالى- :( وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته ) يعني :الزوجين إذا تفرقا، فالزوج يجد الزوجة، والزوجة تجد الزوج ( وكان الله واسعا حكيما ) أي :واسع الفضل والرحمة والقدرة.
قوله تعالى :( ولله ما في السموات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله ) هذه وصية الله العباد بالتقوى، ( وإن تكفروا فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا ).
( ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ) فإن قيل :أي فائدة في تكرار قوله :( ولله ما في السموات وما في الأرض ) قيل :لكل واحد منها وجه :
أما الأول :فمعناه :ولله ما في السموات وما في الأرض، وهو يوصيكم بالتقوى، فاتقوه، واقبلوا وصيته.
وأما الثاني :يقول :فإن لله ما في السموات وما في الأرض، وكان الله غنيا حميدا ؛ فاطلبوا منه ما تطلبون.
وأما الثالث يقول :ولله ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا، أي :اتخذوه وكيلا ولا تتكلوا على غيره.
قوله تعالى :( إن يشاء يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين ) روى : «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يضرب بيده كتف سلمان، ويقرأ :( ويأت بآخرين ) ويقول :سلمان وأصحابه »( ١ ) ( وكان الله على ذلك قديرا ).
١ - أخرجه الطبري في التفسير (٥/٢٠٥) من حديث أبي هريرة، وقال الزيعلي في تخريج الكشاف (١/٣٦٤ رقم ٣٨٠): وفيه انقطاع ؛ فإن الطبري لم يسمع من شيخه..
قوله تعالى :( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة ) أراد به :الكفار ؛ فإنهم يعملون( ١ ) ابتغاء ثواب الدنيا، وطلبا لنعيمها، ولا يطلبون ثواب الآخرة، ولا يؤمنون بها ؛ فقال الله تعالى :( من كان يريد ثواب الدنيا فعند الله ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعا بصيرا ).
١ - في "الأصل، وك": يعلمون، وهو تصحيف..
قوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ) القوّام :مبالغة من القائم، والقسط :العدل، ومعناه :كونوا قائلين بالعدل ( شهداء لله ) لأنهم إذا شهدوا بالحق وقاموا بالعدل، كانوا شهداء لله ( ولو على أنفسكم ) فإن قيل :كيف يشهد على نفسه ؟ قيل :شهادته على نفسه :هو الإقرار، وهو معنى ما روى عن ابن عباس : «قولوا الحق ولو على أنفسكم ».
( أو الوالدين والأقربين ) أي :قولوا الحق، ولو على الوالدين والأقربين، قيل :نزلت الآية في رجل كانت عنده شهادة على أبيه، فهم أن يمتنع عنها ؛ فنزل قوله :
( أو الوالدين والأقربين )، ( إن يكن غنيا أو فقيرا ) قال السدي :نزل ذلك في رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أحدهما غني، والآخر فقير، وكان ضلع النبي عليه السلام إلى الفقير، وكان عنده أن الفقير لا يخاصم بالباطل، وكان الحق للغني في الباطن ؛ فنزلت الآية ( إن يكن غنيا أو فقيرا ) ( ١ ).
قال ابن عباس :معناه :لا تحابوا الغني لغناه، ولا ترحموا الفقير لفقره، وقال عطاء :لا تحيفوا على الفقير، ولا تعظموا الغني ؛ فهذا معنى الآية، وحقيقة المعنى :قوموا بالشهادة، سواء كان المشهود عليه غنيا أو فقيرا، وسواء كان المشهود له غنيا أو فقيرا، ولا تمتنعوا عن الشهادة للغني لغناه، ولا عن الشهادة على الفقير لفقره.
وقوله :( إن يكن غنيا أو فقيرا ) :يعني :إن يكن المشهود عليه غنيا، أو فقيرا ( فالله أولى بهما ) أي :كلوا أمرهما إلى الله، قال الحسن :معناه :فالله أعلم بهما. ( فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ) قيل :معناه :فلا تتبعوا الهوى بأن تعدلوا، أي :لتكونوا عادلين، كما يقال :لا تعص فتُرضِى ربّك، وقيل :معناه :لا تتبعوا الهوى لتميلوا من الحق إلى الباطل ( وإن تلووا ) وهي من اللي قال الشاعر :
وكنت داينت به حسانا مخافة الإفلاس والليانا
وفي معناه قولان :أحدهما :أنه خطاب للحكام، ومعنى ( وإن تلووا ) أي :تميلوا إلى أحد الخصمين، أو تعرضوا عنه.
والثاني وهو قول أكثر المفسرين أنه خطاب للشهود، والليّ منهم :" تحريف الشهادة " والإعراض :كتمان الشهادة والأول :قول ابن عباس، وأما القراءة الثانية :" وإن تلوا " ( ٢ ) فيه قولان :أحدهما :أن أصله :" وإن تلووا " فإدخلت إحدى الواوين في الأخرى تخفيفا، والمعنى ما بينا، والثاني :أنه من الولاية، يعني :وإن تلوا القيام بأداء الشهادة ( أو تعرضوا ) فتتركوا أداء الشهادة ( فإن الله كان بما تعملون خبيرا ).
١ - انظر أسباب النزول للواحدي (ص ١٣٨).
والضَّلْعُ: الميل. انظر لسان العرب (مادة: ضلع)..

٢ - هي قراءة: ابن عامر، وحمزة، بضم اللام، وواو ساكنة بعدها انظر النشر (٢/٣٥٢)..
قول تعالى :( يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله ) أكثر المفسرين على أنه في المؤمنين، ومعناه :يا أيها الذين آمنوا آمنوا، أي اثبتوا على الإيمان، كما يقال :قف حتى أرجع إليك للرجل الواقف أي :أثبت واقفا.
وقال مجاهد :هو خطاب للمنافقين، ومعناه :يا أيها الذين آمنوا باللسان آمنوا بالقلب، وقال الضحاك وهو رواية الكلبي عن ابن عباس :هو خطاب لأهل الكتاب، ومعناه :يا أيها الذين آمنوا بموسى وعيسى آمنوا بمحمد ( والكتاب الذي نزل على رسوله ) يعني :القرآن ( والكتاب الذي أنزل من قبل ) يعني :الكتب المنزلة من قبل القرآن.
( ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا ) أي :بعيدا عن الحق.
قوله تعالى :( إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا ) قال قتادة :هذا في اليهود، آمنوا بموسى، ثم كفروا به بعبادة العجل، ثم آمنوا بموسى بالتوبة، ثم كفروا بعيسى، ثم ازدادوا كفروا بمحمد، وقيل :هو في جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى ؛ آمنوا بنبيهم، ثم كفروا به، وآمنوا بكتابهم، ثم كفروا به ثم ازدادوا كفرا بمحمد. وقال مجاهد :هو في قوم مرتدين آمنوا، ثم ارتدوا، ثم آمنوا ثم ارتدوا.
ومثل هذا هل تقبل توبته ؟
قال علي :لا تقبل توبته ؛ فإنه إذا آمن، ثم كفر، ثم آمن، ثم كفر، فلو أراد أن يؤمن لا يقبل منه، ويقتل ؛ لقوله -تعالى- :( لم يكن الله ليغفر لهم ).
وأكثر أهل العلم على أنه :تقبل توبته، ويحتمل أن تكون الآية في المنافقين، وقوم من أهل الكتاب، كانوا يؤمنون باللسان، ثم يرجعون إلى الكفر، ثم يأتون، فيؤمنون، ثم يرجعون إلى الكفر.
( لم يكن الله ليغفر لهم ) فإن قيل :أيش معنى قوله-تعالى- :( لم يكن الله ليغفر لهم )، ومعلوم أن الله لا يغفر الكفر ؟ قيل :أجاب النقاش في تفسيره أن معناه :أن الكافر إذا أسلم، يغفر له كفره السابق، فهذا الذي أسلم، ثم كفر ثم أسلم، ثم كفر، لا يغفر كفره السابق الذي كان يغفر لو ثبت على الإسلام ( ولا يهديهم سبيلا ) أي :طريقا إلى الحق.
قوله-تعالى- :( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما ) فإن قيل :ما معنى البشارة بالعذاب الأليم ؟ قيل :أصل البشارة :كل خبر تتغير به بشرة الوجه، سارا كان أم مكروها، لكنه في الغالب إنما يستعمل في الخبر السار، فإذا استعمل في الخبر السيئ كان على الأصل، وقيل :أراد به :ضع هذا موضع البشارة، كما تقول العرب :تحيتك السوط، وعقابك السيف.
يعنى :وضعت السوط مع التحية، قال الشاعر :
وخيل قد دلفت بها لخيل تحية بَيْنهِم ضربٌ وجيعُ
قوله-تعالى- :( الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) هذا في المنافقين، كانوا يوالون الكفار، ويظنون أن النصرة والغلبة لهم ( أيبتغون عندهم العزة ) يعنى :أيطلبون عندهم القوة والغلبة ( فإن العزة لله جميعا ) أي :القوة والغلبة كلها لله-تعالى-.
فإن قال قائل :قد نرى في( ١ ) بعض الأحوال الغلبة للكفار ؛ فما معنى قوله :( فإن العزة لله جميعا ) ؟ قيل :معناه :أن المقوى هو الله-تعالى- في الأحوال كلها.
وقيل :معناه :الغلبة بالحجة لله جميعا( ٢ ).
١ - في "الأصل وك": عن..
٢ - في "ك": تعالى..
قوله-تعالى- :( وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم ).
هذا إشارة إلى ما أنزل في سورة الأنعام ( وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم. . . . ) ( ١ ) الآية. نهى عن القعود معهم، وما حكم القعود معهم ؟ أما إذا قعد معهم. . . ورضى بما يخوضون فيه، فهو كافر مثلهم، وهو معنى قوله :( إنكم إذا مثلهم ). وإن قعد، ولم يرض بما يخوضون فيه، فالأولى أن لا يقعد، ولكن لو قعد كارها، فلا يكفر، وهذا هو الحكم في كل بدعة يخاض فيها، فلو تركوا الخوض فيه وخاضوا في حديث غيره، فلا بأس بالقعود معهم وإن كره ؛ لقوله ( حتى يخوضوا في حديث غيره ) قال الحسن :وإن خاضوا في حديث غيره لا يجوز القعود معهم ؛ لقوله في سورة الأنعام :( وإما ينسينك الشيطان فلا تقعد بعد الذكرى مع القوم الظالمين ) ( ٢ ) والأكثرون على أنه يجوز، وآية الأنعام مكية وهذه الآية مدنية، والمتأخر أولى.
( إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا
١ - الأنعام: ٦٨..
٢ -الأنعام:٦٨..
الذين يتربصون بكم ) يعنى :المنافقين ينتظرون أمركم ( فإن كان لكم فتح من الله ) يعنى :ظفر ( قالوا ألم نكن معكم ) يعنى :كنا معكم، فاجعلوا لنا نصيبا من الغنيمة ( وإن كان للكافرين نصيب ) يعنى :وإن كانت القوة للكافرين ( قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ) الاستحواذ :الاستيلاء والغلبة ومنه قوله -تعالى- :( استحوذ عليهم الشيطان )( ١ ) قال المبرد :معنى هذا :قالوا :ألم نغلبكم على رأيكم، ونمنعكم من المؤمنين، والدخول في جملتهم، وتخذيل المؤمنين عنكم.
وقال غيره :معناه :ألم نستول عليكم بالنصرة لكم من جهة مراسلتنا إياكم بأخبار المؤمنين، وأمورهم، وتخذيلنا إياهم عنكم. ( فالله يحكم بينكم يوم القيامة ).
( ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) قال على، وابن عباس :أراد به :في القيامة، وقيل :هو سبيل الحجة، أي :لا تكون الحجة للكافرين على المؤمنين أبدا.
١ -المجادلة: ١٠٩..
قوله-تعالى- :( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ) يخادعون الله، أي :يعاملون الله معاملة المخادعين حيث أظهروا الإيمان، وأبطنوا الكفر، وهو خادعهم، أي :يعاملهم معاملة المخادعين، وذلك على وجهين :أحدهما :أنه حكم بإيمانهم في الظاهر، وكفرهم في الباطن، كما فعلوا هم والثاني :أنه في القيامة يعطيهم نورا، كما يعطى المؤمنين، ثم إذا كانوا على الصراط طفئ نورهم، وذهب المؤمنون بنورهم، وهذا معنى قوله :( وهو خادعهم ) وقيل :معناه :يخادعون رسول الله، وهو خادعهم، أي :يجازيهم على مخادعتهم الرسول، وسمى الثاني خداعا على الازدواج، كما قال :( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) ( ١ ) وفي حديث عدى بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : «يؤتى بناس من الناس يوم القيامة إلى الجنة، حتى إذا دنوا منها، واستنشقوا رائحتها، ورأوا فيها من النعيم، يأمر الله -تعالى- بصرفهم عنها، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون والآخرون بمثلها، فيقولون :يا رب، لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا، فيقول الله-تعالى- :ذاك أردت لكم، وكنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم، وإذا لقيتم الناس، لقيتموهم مخبتين، هبتم الناس ولم تهابوني، أجللتم الناس، ولم تجلوني، تركتم للناس، ولم تتركوا لي ؛ فاليوم أذيقكم العذاب، مع ما حرمتم من الثواب »( ٢ ).
وقوله :( وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى ) يعنى :متثاقلين، وهذا دأب المنافقين ؛ لقلة الدواعي لهم، وأما المؤمنين ينشطون إلى القيام إلى الصلاة ؛ لكثرة الدواعي لهم، ( يراءون الناس ) أي :يعملون ما يعملون، مراءه للناس، لا اتباعا لأمر الله.
واعلم أن الرياء لا يوجب الكفر، وهو عيب عظيم، وأما النفاق كفر محض.
( ولا يذكرون الله إلا قليلا ) قال الحسن :لأنه لما لم يتقبل عملهم، كان قليلا
١ - الشورى: ٤٠..
٢ - رواه الطبراني في الكبير (١٧/٨٦ رقم ١٩٩، ٢٠٠)/ وفي الأوسط –مجمع البحرين- (٨/١٩٣-١٩٤ رقم ٤٩٤٧) وابن حبان في المجروحين (٣/١٥٥-١٥٦)، والبيهقي في البعث (ص ٣١٦ رقم ٦٥٨)، وأبو نعيم في الحلية (٤/١٢٤-١٢٥) وابن الجوزي في الموضوعات (٣/١٦٢).
وقال الهيثمي في المجمع (١٠/٢٢٣): وفيه أبو جنادة وهو ضعيف..

( مذبذبين بين ذلك ) أي :متذبذبين وكذلك قرأ أبى بن كعب، ومعناه :مضطربين متحيرين ( لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء )، يعنى :لا إلى الكفار بالتصريح بالشرك، ولا إلى المؤمنين باعتقاد الإيمان.
وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين ربيضين، إن جاءت إلى هذه، نطحتها، وإن جاءت إلى هذه نطحتها »( ١ ) ( ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) أي :ومن يضلله الله، فلن تجد له طريقا إلى الحق.
١ - رواه مسلم (١٧/١٨٧ رقم ٢٧٨٤)، والنسائي (٨/١٢٤ رقم ٥٠٣٧)، وأحمد (٢/٣٢) والطبري (٥/٢١٥) والطيالسي (ص ٢٤٩ رقم ١٨٠٢) كلهم من حديث ابن عمر..
قوله-تعالى- :( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ) في الآية نهى عن موالاة المؤمنين مع الكفار ( أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ) السلطان :الحجة، ومنه يقال :للأمير سلطان ؛ لأنه ذو الحجة، ومعناه :أتريدون أن تجعلوا لله عليكم حجة بينة في عذابكم، بحيث لا يبقى لكم عذر عنده ؟ !.
قوله-تعالى- :( إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ) ويقرأ :" في الدرْك " بجزم الراء( ١ )- قال أبو عبيده، والأخفش :النار دركات، والجنة درجات، قال أهل العلم :يجوز أن يكون فرعون وهامان أشد عذابا من المنافقين، وإن كان المنافقون في الدرك الأسفل. قال ابن مسعود :الدرك الأسفل :تابوت من حديد مقفل عليهم، وقيل :تابوت من النار. قال أبو هريرة :والدرك الأسفل :بيت مطبق عليهم، تتوقد النار فيه من فوقهم، ومن تحتهم ( ولن تجد لهم نصيرا ) مانعا من العذاب.
١ - قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم: بإسكان الراء، وقرأ الباقون بفتحها. انظر النشر (٢/٢٥٣)..
قوله-تعالى- :( إلا الذين تابوا ) أي :أسلموا ( وأصلحوا ) أي :داموا على التوبة ( واعتصموا بالله ) الاعتصام :هو الامتناع بالشيء مما يخاف، فالاعتصام بالله :هو الامتناع بطاعته من كل ما يخاف عاجلا، وآجلا ( وأخلصوا دينهم لله ) شرط الإخلاص بالقلب ؛ لأن الآية في المنافقين، والنفاق :كفر القلب، فزواله بالإخلاص ( فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما )، وإنما لم يقل :فأولئك هم المؤمنون، وسوف يؤتيهم الله أجرا عظيما ؛ غيظا على المنافقين.
قوله-تعالى- :( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم ) هذا استفهام بمعنى التقرير، ومعناه :لا يعذب الله [ المؤمن ] ( ١ ) الشاكر، وتقدير قوله :( إن شكرتم وآمنتم ) أي :إن آمنتم وشكرتم، والشكر ضد الكفر، والكفر :ستر النعمة والشكر :إظهار النعمة ( وكان الله شاكرا عليما ) الشكر من الله قبول العمل، ومعناه :وكان الله قابلا للطاعات، عليما بالنيات.
١ - في "الأصل": المؤمنين..
قوله-تعالى- :( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم ) قال ابن عباس :معناه :إلا من ظلم، فيجوز له أن يجهر بالسوء بالإخبار عن ظلم الظالم، والدعاء عليه، قال الحسن :دعاؤه عليه :أن يقول :اللهم اعني عليه، اللهم استخرج حقي منه.
وقيل :يجوز له أن يشتم، ولكن بمثل ما شتم، لا يزيد عليه، بما لم يكن قذفا، وقد ورد في الحديث : «السبتان بالسبة ربا » قال مجاهد :هو في الضيف يأتي قوما، فلم يقروه، ولم يحسنوا ضيافته، يجوز له أن يجهر بالسوء لهم.
ويقرأ :" إلا من ظلم " بفتح الظاء واللام.
قال الزجاج :معناه :إلا من ظلم، فأجهر قوله بالسوء، وقيل :هو راجع إلى الآية المتقدمة، وتقديره :ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم إلا من ظلم وقيل :هو استثناء منقطع، يعنى :لا يحب الله الجهر بالسوء من القول، لكن يجهر بالسوء من ظلم ( وكان الله سميعا عليما ) سميعا لأقوالكم :عليما بنياتكم.
قوله-تعالى- :( إن تبدوا خيرا أو تخفوه ) معناه :إن تبدوا شيئا من الصدقات ؛ ليقتدى بكم، أو تخفوه ؛ مخافة الرياء ( أو تعفوا عن سوء ) تصابون به ( فإن الله كان عفوا قديرا ).
قوله-تعالى- :( إن الذين يكفرون بالله ورسله ) أراد به اليهود لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فكأنهم كفروا بالله ( ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ) يريدون أن يؤمنوا بالله، ويكفروا بالرسول ( ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ) يؤمنون بموسى، ويكفرون بعيسى، ومحمد ( ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا ) أي :مذهبا يذهبون إليه.
( أولئك هم الكافرون حقا ) إنما حقق كفرهم، ليعلم أنهم كفار [ مطلقاً ] ( ١ ) لئلا يظن ظان أنهم لما آمنوا بالله وبعض الرسل لا يكون كفرهم مطلقا ( وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا ).
١ - في "الأصل وك": مطلق..
قوله-تعالى- :( والذين آمنوا بالله ورسله ولم يفرقوا بين أحد منهم أولئك سوف يؤتيهم أجورهم ) إنما سماه أجرا مجازا ؛ لأنه ذكره بإزاء العمل، لأن العمل يوجبه، وهذا نحو قوله-تعالى-في قصة موسى :( إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا ) ( ١ ) سماه أجرا على مقابلة العمل ؛ لأن موسى عمل ؛ ليؤجر عليه ( وكان الله غفورا رحيما ).
١ - القصص: ٢٥..
قوله-تعالى- :( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ) هم اليهود، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم لن نؤمن لك حتى تنزل علينا كتابا من السماء جملة، كما أنزلت التوراة على موسى جملة.
قال الحسن :ولم يكن ذلك سؤال انقياد، وإنما ذلك سؤال تحكم، واقتراح ؛ فإنهم لو أنزل عليهم الكتاب جملة، كما سألوا ؛ لم يؤمنوا، والله -تعالى- لا ينزل الآيات على اقتراح العباد، وإنما ينزلها على مشيئته ( فقد سألوا موسى أكبر من ذلك ) أي :أعظم من ذلك ( فقالوا أرنا الله جهرة ) أي :عيانا، وذلك أن العرب كانت تعد العلم بالقلب رؤية ؛ فقال :( جهرة ) ليعلم أنه أراد العيان، وقال أبو عبيده :معناه :فقالوا جهرة :أرنا الله ( فأخذتهم الصاعقة بظلمهم )، ( ثم اتخذوا العجل ) يعنى :إلها ( من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك ) فيه استدعاء للتوبة، ومعناه :أن أولئك الذين اجترموا [ ذلك ] ( ١ ) الإجرام، عفونا عنهم ؛ فتوبوا أنتم، حتى نعفو عنكم ( وآتينا موسى سلطانا مبينا ) حجة بينة من المعجزات.
١ - في "الأصل وك" :تلك..
قوله-تعالى- :( ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم ) الطور :جبل الطور، وقيل :كل جبل ينبت شيئا، فهو طور، فإن لم ينبت، لا يسمى طورا، والميثاق :العهد المؤكد باليمين.
( وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا ) قيل :إنهم سجدوا على أنصاف وجوههم، حتى دخلوا الباب، وفي القصة :أنهم قالوا :بهذا السجود رفع العذاب عنا، فلا نترك هذا السجود، وكانوا يسجدون بعد ذلك على أنصاف وجوههم.
( وقلنا لهم لا تعدوا في السبت ) وقرأ نافع -برواية قالوا- :( لا تعْدُّوا )-بجزم العين، مشددة الدال وفي رواية ورش عنه ( لا تعَدَّوا )-بفتح العين مشددة الدال( ١ ) ومعنى الكل :لا يتعدوا في السبت ( وأخذنا منهم ميثاقا غليظا ).
١ - انظر النشر (٢/٢٥٣)..
قوله-تعالى- :( فبما نقضهم ميثاقهم ) و " ما " للصلة، وإنما تدخل في الكلام ؛ لتفخيمه، وتجزيله ( وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف ) قد ذكرنا كل هذا ( بل طبع الله عليها بكفرهم ) الطبع :الختم، وقال الزجاج :جعل قلوبهم، كالمطبوع لا يفلح، ولا يصلح أبدا، ولا يدخلها خير ؛ فلا يؤمنون إلا قليلا
( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما ) أراد به :نسبتهم مريم إلى الزنا.
قوله-تعالى- :( وقولهم إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم ).
قيل :إن الله-تعالى- ألقى شبه عيسى على الذي دلهم عليه ؛ فقتلوه وقيل :إنهم كانوا حبسوا عيسى في بيت، وجعلوا عليه رقيبا، فألقى الله تعالى شبه عيسى على الرقيب ؛ فقتلوه، وقيل :إنهم ما كانوا يعرفون عيسى بعينه، وكانوا يعرفونه باسمه، وكانوا يطلبونه ؛ فقال لهم يهوذا-وهو واحد من أصحاب عيسى- :أعطوني شيئا، أدلكم على عيسى ؛ فأعطوه ثلاثين درهما ؛ فدلهم على غيره، فقتلوا ذلك الغير ؛ فهذا قوله :( ولكن شبه لهم )، ( وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ) وذلك أن الرجل الذي قتلوه على ظن أنه عيسى، كان يشبهه بوجهه، ولا يشبهه بجسده، فوقع فيهم الاختلاف، فقال بعضهم :الذي قتلناه كان عيسى، وقال بعضهم :لم يكن عيسى. وقيل :هو الاختلاف بين علمائهم، وأغتامهم( ١ ) ؛ فإن علماءهم كانوا يعلمون أنهم لم يصلبوا عيسى وكان عند جهالهم وأغتامهم أنهم قتلوا عيسى، ( وما لهم به من علم ) يعنى :من حقيقة علم ( إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ) قال ابن الأنباري :قوله :( وما قتلوه ) كلام تام، وقوله :( يقينا ) راجع إلى ما بعد، وتقديره :" بل رفعه الله إليه يقينا، قال الفراء :معناه :وما قتلوا الذي ظنوا أنه عيسى يقينا أنه عيسى، وقيل :" الهاء " كناية عن عيسى، أي :وما قتلوا عيسى يقينا
١ - الغتمة: عجمة في المنطق، ورجل اغتم: أي لا يفصح شيئا، انظر لسان العرب (مادة: غتم)..
قوله-تعالى- :( وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ) معناه :وأن من أهل الكتاب أحدا إلا ليؤمن به، وهو مثل قوله :( وإن منكم إلا واردها ) ( ١ ) أي :وأن منكم أحد.
واختلفوا في قوله :( قبل موته ) قال الحسن -وهو إحدى الروايتين عن ابن عباس- :إنه كناية عن الكتابي، وقال :ما من كتابي من اليهود، إلا وهو يؤمن بعيسى قبل موته في وقت اليأس، حين لا ينفعه، حتى قيل لابن عباس :وإن مات حرقا أو غرقا أو هدما ؟ قال :نعم.
وقال قتادة -وهو رواية أخرى عن ابن عباس- :إن " الهاء " كناية عن عيسى، يعنى :ما من كتابي إلا يؤمن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل من السماء، وقال عكرمة :هذا في محمد صلى الله عليه وسلم ما من كتابي إلا ويؤمن به قبل الموت، وهذا قول ضعيف ؛ لأنه لم يجر ذكر محمد في الآية ( ويوم القيامة يكون عليهم شهيدا ) يعنى :عيسى.
١ - مريم: ٧١..
قوله-تعالى- :( فبظلم من الذين هادوا ) يعنى :ما ذكر من إجرامهم ( حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم ) هو ما ذكرنا في سورة الأنعام ( وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر. . . ) ( ١ ) الآية على ما سيأتي ( وبصدهم عن سبيل الله كثيرا
١ - الأنعام: ١٤٦..
وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل ) يعنى :الرشا ( وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما ).
قوله-تعالى- :( لكن الراسخون في العلم منهم ) " لكن " للإضراب عن كلام، والدخول في كلام آخر، ( والراسخون ) :المبالغون في العلم أولوا البصائر فيه، وأراد به :الذين أسلموا من علماء اليهود :مثل عبد الله بن سلام، ويمين بن يمين، وأسد وأسيد ابني كعب، وجماعة ( والمؤمنون ) أراد به :المهاجرين، والأنصار ( يؤمنون بما أنزل إليك ) يعنى :القرآن ( وما أنزل من قبلك ) يعنى :سائر الكتب المنزلة ( والمقيمين الصلاة ) في هذا إشكال من حيث النحو، قيل :إن هذا ذكر لعائشة، وأبان بن عثمان، فادعيا الغلط على الكاتب، وقالا :ينبغي أن يكتب :" والمقيمون الصلاة " وليس هكذا ؛ بل هو صحيح في النحو، وهو نصب على المدح، وتقديره :واذكروا المقيمين الصلاة، أو أعنى :المقيمين الصلاة، وهم المؤتون الزكاة، ومثله قول الشاعر :
النازلين بكل معترك والطيبون [ معاقد ] ( ١ ) الأزر
أي :أعنى النازلين بكل معترك، وهم الطيبون معاقد الأزر ؛ فيكون نصبا على المدح، وقيل تقديره :وما أنزل على المقيمين الصلاة، قوله :( والمؤتون الزكاة ) رجوع إلى نسق الأول ( والمؤمنون بالله واليوم الآخر أولئك سنؤتيهم أجرا عظيما ).
١ - في "الأصل وك": مقاعد. وهو تصحيف..
قوله-تعالى- :( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده ) هذا بناء على ما [ سبق ] ( ١ ) من قوله ( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ) يقول الله -تعالى- :قد جعلناك رسولا بالطريق الذي [ قد ] ( ٢ ) جعلنا سائر الأنبياء رسلا، وهو الوحي، ( وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان ) ذكر عدة من الرسل الذين أوحى إليهم.
فإن قال قائل :لم قدم ذكر عيسى، وهو متأخر ؟ قيل :" الواو " لا توجب الترتيب، وإنما هي للجمع، وقيل :ذكره اهتماما بأمره، وكان أمر عيسى أهم ( وآتينا داود زبورا ) قرأ حمزة :" زُبورا " -بضم الزاي( ٣ )- فالزبور :فعول بمعنى المفعول، وهو الكتاب الذي أنزل الله -تعالى- على داود، فيه التحميد، والتمجيد، وثناء الله -تعالى-، والزبور :الكتابة، والزُبْرَة قطعة الحديد، ويقال :ما له زَبْرٌ أي :ما له عقل، وأما الزبور :جمع الزِّبْرُ.
١ - في "الأصل": نسق..
٢ - من "ك"..
٣ - وهي قراءة خلف أيضا. انظر النشر (٢/٢٥٣)..
قوله-تعالى- :( ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ) وأرسلنا رسلا قد قصصناهم عليك من قبل ( ورسلا لم نقصصهم عليك وكلم الله موسى تكليما ) إنما كلمه بنفسه من غير واسطة، ولا وحي، وفيه دليل على من قال :إن الله خلق كلاما في الشجرة ؛ فسمعه موسى ؛ وذلك لأنه قال :( وكلم الله موسى تكليما )
قال الفراء، وثعلب :إن العرب تسمى ما توصل إلى الإنسان :كلاما، بأي طريق وصل إليه، ولكن لا تحققه بالمصدر، فإذا حقق الكلام بالمصدر، لم تكن إلا حقيقة الكلام، وهذا كالإرادة، يقال :أراد فلان إرادة، فيكون حقيقة الإرادة، ولا يقال :أراد الجدار أن يسقط إرادة، وإنما يقال :أراد الجدار، من غير ذكر المصدر ؛ لأنه مجاز، فلما حقق الله كلامه موسى بالتكليم، عرف أنه حقيقة الكلام من غير واسطة، قال ثعلب :وهذا دليل من قول الفراء أنه ما كان يقول بخلق القرآن.
فإن قال قائل :بأي شيء عرف موسى أنه كلام الله ؟ قيل :بتعريف الله -تعالى- إياه، وإنزال آية عرف موسى بتلك الآية أنه كلام الله -تعالى-، وهذا مذهب أهل السنة أنه سمع كلام الله حقيقة، بلا كيف، وقال وائل بن داود :معنى قوله :( وكلم الله موسى تكليما ) أي :مرارا، كلاما بعد كلام.
قوله-تعالى- :( رسلا مبشرين ومنذرين ) أي :أرسلنا رسلا ( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ) وهذا دليل على أن الله-تعالى-لا يعذب الخلق قبل بعثه الرسل، وهذا معنى قوله :( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) ( ١ ) وقال-تعالى- ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) ( ٢ ).
( وكان الله عزيزا ) أي :مقتدرا على معاونة الخلق ( حكيما ) ببعث الرسل. وفي حديث أبي الدرداء أنه قال : «سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عدد الأنبياء فقال :مائة وأربعة وعشرون ألفا، فقلت :كم الرسل منهم ؟ قال :ثلثمائة وخمسة عشر [ جما غفيرا ] ( ٣ ) »( ٤ ).
١ - الإسراء: ١٥..
٢ - طه: ١٣٤..
٣ - في "الأصل، ك": جم غفير، وهو خلاف الجادة..
٤ - المشهور أنه من حديث أبي ذر رضي الله عنه، فرواه ابن حبان في المجروحين (٣/١٢٩-١٣٠)، وفي صحيحه –الإحسان (٢/٧٦-٧٩ رقم ٣٦١)، والحاكم (٢/٥٩٧) وسكت عليه؛ فتعقبه الذهبي فقال: السعدي ليس بثقة. وأبو نعيم في الحلية (١/١٦٦-١٦٨)، والبيهقي في السنن (٩/٤)، وابن عدي في الكامل (٧/٢٤٤) وقال ابن عدي: هذا حديث منكر. ورواه أحمد مختصراً.
قوله-تعالى- ( لكن الله يشهد بما أنزل إليك ) سبب نزول الآية :أن قوما من علماء اليهود حضروا عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لهم : «أنتم تعلمون أنى رسول الله ؟ فقالوا :لا نعلم ذلك ؛ فنزل قوله :( لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه ) » ( ١ ) أي :مع علمه، كما يقال :جاءني فلان بسيفه، أي :مع سيفه، وفيه دليل على أن لله علما، هو صفته، خلاف قول المعتزلة خذلهم الله.
( والملائكة يشهدون وكفى بالله شهيدا ) فإن قيل :إذا شهد الله له بالرسالة، فأي حاجة إلى شهادة الملائكة ؟ قيل :لأن الذين حضروا عند النبي صلى الله عليه وسلم، كان عندهم أنهم علماء الأرض ؛ فقالوا :نحن علماء الأرض، ونحن ننكر رسالتك، فقال الله تعالى :إن أنكره علماء الأرض، يشهد به علماء السماء، وهم الملائكة، على مقابلة زعمهم وظنهم ؛ لا للحاجة إلى شهادتهم ؛ فإنه قال :( وكفى بالله شهيدا ).
١ - رواه الطبري في التفسير (٦/٢٢) عن ابن عباس، وعزاه السيوطي في الدر (٢/٢٧٢) لابن إسحاق، وابن المنذر، والبيهقي في الدلائل..
قوله-تعالى- :( إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ) صدهم عن سبيل الله كان بكتمان نعت محمد ( قد ضلوا ضلالا بعيدا ) أي :هلكوا، والضلال :الهلاك.
قوله -تعالى- :( إن الذين كفروا وظلموا ) فإن قال قائل :أي معنى لقوله :( وظلموا ) وقد قال :( كفروا ) وظلمهم كفرهم ؟ قيل :معناه :كفروا بالله، وظلموا محمدا بكتمان نعته.
وقيل :ذكره تأكيدا ( لم يكن الله ليغفر لهم ) في هذا إشارة إلى أن الله -تعالى- لو غفر للكافرين أجمع، كان يسع ذلك رحمته، لكنه قطع القول بأن لا يغفر لهم، ( ولا ليهديهم طريقا ) يعنى :الإسلام
( إلا طريق جهنم ) يعنى :اليهودية ( خالدين فيها أبدا وكان ذلك على الله يسيرا ).
قوله-تعالى- :( يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم فآمنوا خيرا لكم ) تقديره :يكن الإيمان خيرا لكم ( وإن تكفروا فإن لله ما في السموات والأرض وكان الله عليما حكيما ).
قوله-تعالى- :( يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ) الغلو :مجاوزة الحد، والآية في النصارى، قال الحسن :يجوز أن تكون في اليهود والنصارى ؛ فإنهم غلوا في أمر عيسى، أما اليهود بالتقصير في حقه، وأما النصارى بمجاوزة الحد فيه.
الغلو غير محمود في الدين، روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «إياكم والغلو في الدين ؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو »( ١ ).
( ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ) وقد بينا أقوال العلماء في كونه " كلمة " وجملته( ٢ ) ثلاثة أقاويل :أحدها :أنه بكلمته، وهي قوله :كن، فكان، والثاني :أنه يهتدي به، كما يهتدي بكلمة الله، الثالث :كلمته :بشارته التي بشر بها في الكتب " يكون عيسى " فهذا معنى قوله :( وكلمته ) ( ألقاها إلى مريم وروح منه ) وفي تسميته " روحا " ثلاثة أقاويل :
أحدها :أنه كان له روح كسائر الأرواح، إلا أن الله-تعالى- أضافه إلى نفسه تشريفا. والثاني :أنه تحيا به القلوب، كما تحيا الأبدان بالروح.
الثالث :أن الروح :هو النفخ الذي نفخ في مريم جبريل بإذن الله ؛ فسمى ذلك النفخ روحا.
( فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة ) وكانت النصارى يقولون بالثلاثة، كانوا يقولون :ابن، وآب، وروح القدس، وهذا معنى قوله-تعالى- :( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) ( ٣ ) وقوله :( انتهوا خيرا لكم ) تقديره :يكن الانتهاء خيرا لكم.
( إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد ) واعلم أن الله-تعالى-كما لا يجوز له أن يتخذ ولدا، لا يجوز عليه التبني ؛ فإن التبني إنما يكون حيث يكون به الولد، فإذا لم يتصور لله ولد ولم يجز عليه التبني ( له ما في السموات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا ).
١ - أخرجه النسائي (٥/٢٦٨ رقم ٣٠٥٧)، وابن ماجة (٢/١٠٠٨ رقم ٣٠٢٩)، وأحمد (١/٢١٥، ٣٤٧)، وأبو يعلى (٤/٣١٦، ٣٥٧ رقم ٢٤٢٧) وابن خزيمة (٤/٢٧٤ لرقم ٢٨٦٧، ٢٨٦٨)، ابن حبان –الإحسان (٩/١٨٣-١٨٤ رقم ٣٨٧١)، وابن الجارود (ص ١٩٣-١٩٤ رقم ٤٧٣)، والحاكم (١/٤٦٦) وصححه على شرط الشيخين والطبراني في الكبير (١٢/١٥٦ رقم ١٢٧٤٧) والبيهقي في الكبرى (٥/١٢٧) وأبو نعيم في الحلية (٢/٢٢٣)..
٢ - في "ك": وجملتها..
٣ - المائدة: ٧٣..
قوله-تعالى- :( لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ) الاستنكاف :التكبر مع الأنفة، ومعناه :لن يأنف المسيح أن يكون عبدا ( ولا الملائكة المقربون ) واستدل بهذه الآية من ذهب إلى تفضيل الملائكة على البشر ؛ لأن الله تعالى ارتقى من عيسى إلى الملائكة، وليس في الآية مستدل، وإنما قال :( ولا الملائكة المقربون ) [ لا ] ( ١ ) لامتناع مكانهم ومقامهم على مقام البشر، وإنما قال ذلك على ما عند النصارى، ولعله كان عندهم أن الملائكة أفضل من البشر، فقال ذلك على ما في زعمهم.
وقوله :( ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا ) الفرق بين الاستنكاف والاستكبار :أن الاستنكاف هو التكبر مع الأنفة، والاستكبار :هو الغلو، والتكبر من غير أنفة.
١ - ليست في "الأصل، ولا ك"، والسياق يقتضيها..
( فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله ) قيل :زيادة فضله :ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
وقيل :هو الشفاعة، وفي الحديث : «يشفع الصالحون يوم القيامة لمن يعرفون ».
( وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا أليما ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا ).
قوله-تعالى- :( يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم ) قيل :هو محمد صلى الله عليه وسلم، على هذا أكثر المفسرين. وقيل :هو القرآن.
والبرهان في اللغة :هو الحجة ( وأنزلنا إليكم نورا مبينا ) هو القرآن.
قوله تعالى :( فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل ) يعنى الجنة ( ويهديهم إليه صراطا مستقيما ).
قوله-تعالى- :( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ) روى عن البراء بن عازب أنه قال :آخر سورة أنزلت كاملة :سورة براءة، وآخر آية أنزلت هذه الآية.
وسبب نزول الآية ما روى : «أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على جابر وهو مريض، وكان قد أغمى عليه، فدعا بماء وتوضأ، ثم رشه عليه، فأفاق، فقال جابر :يا رسول الله، ماذا أصنع في مالي، وإنما ترثني كلالة ؟ فنزلت الآية »( ١ )، وقد سبق الكلام في الكلالة.
وتلك الآية في توريث الاخوة والأخوات من الأم، وهذه الآية في توريث الاخوة والأخوات من الأب والأم، ومن ( الأب ) ( ٢ ) ( إن امرؤ هلك ليس له ولد ) تقديره :ليس له ولد، ولا والد، وعلى هذا أكثر العلماء، أن الكلالة :هذا، وأن الأخوة والأخوات لا يرثون مع الأب، إلا ما يحكى عن عمر-رضى الله عنه- :أنه ورثهم مع الأب، وقد سبق.
قوله-تعالى- :( ليس له ولد ) أراد به :الذكر، وعلى هذا أكثر العلماء :أن الاخوة والأخوات إنما لا يرثون مع الابن، ويرثون مع البنت، وحكى عن ابن عباس، وبه قال داود وأهل الظاهر- :أن الإخوة والأخوات لا يرثون مع البنت، تمسكا بظاهر الآية، وقد بينا أن المراد به :الابن، والآية في نفي الفرض مع الولد وعندنا :إنما يرثون بالتعصيب، فإن الأخوات مع البنات عصبة.
قوله-تعالى- :( وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها ولد فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك وإن كانوا اخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين يبين الله لكم أن تضلوا ).
قال الفراء :معناه :يبين الله لكم أن لا تضلوا، وهو قول أبي( ٣ ) عبيده، قال أبو عبيده :وذكر الكسائي حديثا في معناه ؛ فأعجبه ذلك، وذلك ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : «لا يدعون أحدكم على ابنه أن يوافق قدرا » أي :أن لا يوافق قدرا( ٤ ).
وقال البصريون :معناه :يبين الله لكم كراهية أن تضلوا ( والله بكل شئ عليم ).
والله أعلم، صدق الله وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى آله أجمعين.
١ - تقدم تخريجه في أول السورة تحت آية الكلالة..
٢ - في "ك": الأم..
٣ - في "ك": أبو، وهو خلاف الجادة..
٤ - رواه مسلم (١٨/١٨٦-١٨٧ رقم ٣٠٠٩)، وأبو داود (٢/٨٨ رقم ١٥٣٢) وابن حبان –الإحسان- (١٣/٥١-٥٢ رقم ٥٧٤٢) من حديث جابر..
السورة التالية
Icon