0:00
0:00

[ وهي مدنية ]١ قال العَوْفِي عن ابن عباس :نزلت سورةُ النساء بالمدينة. وكذا رَوَى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير، وزيد بن ثابت، ورَوَى من طريق عبد الله بن لَهِيعة، عن أخيه عيسى، عن عِكْرمة عن ابن عباس قال :لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا حَبْس " ٢.
وقال الحاكم في مستدركه :حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا أبو البَخْتَرِي٣ عبد الله بن محمد شاكر، حدثنا محمد بن بِشْر العَبْدي، حدثنا مِسْعَر بن كِدَام، عن مَعْن بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، قال :إن في سورة النساء لخمسُ آيات ما يَسُرّني أن لي بها الدنيا وما فيها : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ الآية، و﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ الآية، و ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ و ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ ﴾ الآية، و﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ ثم قال :هذا إسناد صحيح إن كان عبد الرحمن سمع من أبيه، فقد اختلف في ذلك٤.
وقال عبد الرزاق :أخبرنا مَعْمَر، عن رجل، عن ابن مسعود قال في خمس آيات من٥ النساء :لهن٦ أحب إلَيّ من الدنيا جَميعًا : ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ وقوله : ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ﴾ وقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ وقوله : ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ وقوله : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ٧ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ رواه ابن جرير :ثم روى من طريق صالح المري، عن قتادة، عن ابن عباس قال :ثماني آيات نزلت في سورة النساء هي خير٨ لهذه الأمة مما طَلَعت عليه الشمس وغربت، أولاهن : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ والثانية : ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا ﴾ والثالثة : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾.
ثم ذكر قول٩ ابن مسعود سواء، يعني في الخمسة١٠ الباقية.
وروى الحاكم من طريق أبي نُعَيم، عن سفيان بن عُيَيْنَة، عن عبيد الله١١ بن أبي يزيد، عن ابن أبي مُلَيْكَة ؛ سمعت ابن عباس يقول :سلوني عن سورة النساء، فإني قرأت القرآن وأنا صغير. ثم قال :هذا حديث١٢ صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
١ زيادة من أ..
٢ رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/١٦٢) والطبراني في المعجم الكبير (١١/٣٦٥) والدارقطني في السنن (٤/٦٨)، وقال: "لم يسنده غير ابن لهيعة عن أخيه وهما ضعيفان"..
٣ في جـ، أ: "البحتري"..
٤ المستدرك (٢/٣٠٥)..
٥ في جـ، أ: "في"..
٦ في جـ، أ: "هن"..
٧ في هـ: "من رسله"..
٨ في جـ، أ: "لهن"..
٩ في جـ، ر، أ: "ذكر مثل قول"..
١٠ في ر، أ: "الخمس"..
١١ في أ: "عبد الله"..
١٢ المستدرك (٢/٣٠١).
.


يقول تعالى آمرًا خلقه بتقواه، وهي عبادته وحده لا شريك له، ومُنَبّهًا لهم على قدرته التي خلقهم بها من نفس واحدة، وهي آدم، عليه السلام ﴿ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ﴾ وهي حواء، عليها السلام، خلقت من ضِلعه الأيسر١ من خلفه وهو نائم، فاستيقظ فرآها فأعجبته، فأنس إليها وأنست إليه.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مقاتل، حدثنا وكيع، عن أبي هلال، عن قتادة، عن ابن عباس قال :خُلقَت المرأة من الرجل، فجعل نَهْمَتَها في الرجل، وخلق الرجل من الأرض، فجعل نهمته في الأرض، فاحبسوا نساءكم.
وفي الحديث الصحيح :" إن المرأة خلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عِوَج " ٢.
وقوله : ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالا كَثِيرًا وَنِسَاءً ﴾ أي :وذَرَأ منهما، أي :من آدم وحواء رجالا كثيرا ونساء، ونَشَرهم في أقطار العالم على اختلاف أصنافهم وصفاتهم وألوانهم ولغاتهم، ثم إليه بعد ذلك المعاد والمحشر.
ثم قال تعالى : ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ ﴾ أي :واتقوا الله بطاعتكم إياه، قال إبراهيم ومجاهد والحسن : ﴿ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ ﴾ أي :كما يقال :أسألك بالله وبالرَّحِم. وقال الضحاك :واتقوا الله الذي به تعاقدون وتعاهدون، واتقوا الأرحام أن تقطعوها، ولكن بروها وصِلُوها، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، والضحاك، والربيع وغير واحد.
وقرأ٣ بعضهم : ﴿ والأرحام ﴾ بالخفض على العطف على الضمير في به، أي :تساءلون بالله وبالأرحام، كما قال مجاهد وغيره.
وقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ أي :هو مراقب لجميع أعمالكم وأحوالكم كما قال : ﴿ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [ البروج :٩ ].
وفي الحديث الصحيح :" اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " ٤ وهذا إرشاد وأمر بمراقبة الرقيب ؛ ولهذا ذكر تعالى أن أصل الخلق من أب [ واحد ]٥ وأم واحدة ؛ ليعطفَ بعضهم على
بعض، ويحننهم٦ على ضعفائهم، وقد ثبت في صحيح مسلم، من حديث جَرِير بن عبد الله البَجَلي ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه أولئك النفر من مُضَر - وهم مُجْتابو النِّمار - أي من عُريِّهم وفَقْرهم - قام فَخَطَب الناس بعد صلاة الظهر فقال في خطبته : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ حتى ختم الآية٧ وقال : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ [ وَاتَّقُوا اللَّهَ ]٨ [ الحشر :١٨ ] ثم حَضَّهم٩ على الصدقة فقال :" تَصَدَّقَ رجُلٌ من دِينَاره، من دِرْهَمِه، من صَاعِ بُرِّه، صَاعِ تَمْره. . . " وذكر تمام الحديث١٠.
وهكذا رواه١١ الإمام أحمد وأهل السنن عن ابن مسعود في خُطْبَة الحاجة١٢ وفيها ثم يقرأ ثلاث آيات هذه منها : ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ [ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ]١٣ الآية.
١ في جـ، ر، أ: "الأقصر"..
٢ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٣ في أ: "وقال"..
٤ رواه بهذا اللفظ الطبراني في المعجم الكبير والحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في التهذيب (٣/١٠٦) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه، ولعل الحافظ ابن كثير يقصد بهذا الحديث حديث جبريل الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في صحيحه برقم (٢٨)، وفيه "أخبرني عن الإحسان. قال: أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك"..
٥ زيادة من جـ، ر، أ..
٦ في ر: "وتحننهم"..
٧ في جـ، ر، أ: جاءت الآية كاملة..
٨ زيادة من جـ، أ..
٩ في جـ، أ: "حثهم"..
١٠ صحيح مسلم برقم (١٠١٧)..
١١ في جـ، ر، أ: "روى"..
١٢ المسند (٤/٣٥٨)..
١٣ زيادة من جـ، ر، أ..
يأمر تعالى بدفع أموال اليتامى إليهم إذا بلغوا الحُلُم كاملة موفرة، وينهى عن أكلها وضَمِّها إلى أموالهم ؛ ولهذا قال : ﴿ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ﴾ قال سفيان الثوري، عن أبي صالح :لا تعْجل بالرزق الحرام قبل أن يأتيك الرزق الحلال الذي قدر لك.
وقال سعيد بن جبير :لا تبَدَّلوا الحرام من أموال الناس بالحلال من أموالكم، يقول :لا تبذروا أموالكم الحلال وتأكلوا أموالهم الحرام.
وقال سعيد بن المسيّب والزهري :لا تُعْط مهزولا وتأخذ سمينا.
وقال إبراهيم النَّخَعِي والضحاك :لا تعط زائفًا وتأخذ جيدًا.
وقال السُّدِّي :كان أحدهم يأخذ الشاة السمينة من غَنم اليتيم، ويجعل فيها مكانها الشاة المهزولة، ويقول١ شاة بشاة، ويأخذ الدرهم الجَيِّد ويطرح مكانه الزّيْف، ويقول :درهم بدرهم.
وقوله : ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ﴾ قال مجاهد، وسعيد بن جبَيْر، ومقاتل بن حَيَّان، والسّدي، وسفيان بن حُسَين :أي لا تخلطوها فتأكلوها جميعا.
وقوله : ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ قال ابن عباس :أي إثمًا كبيرًا عظيما.
وقد رواه ابن مَرْدُويه، عن أبي هريرة قال :سئِل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : ﴿ حُوبًا كَبِيرًا ﴾ قال :" إثما كبيرًا ". ولكن في إسناده محمد بن يونس الكُدَيْمي وهو ضعيف٢ وهكذا رُوي عن مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وابن سيرين، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وأبي مالك، وزيد بن أسلم، وأبي سِنَان مثل قول ابن عباس.
وفي الحديث المروي في سنن أبي داود :" اغفر لنا حوبنا وخطايانا ".
وروى ابن مَرْدويه بإسناده إلى واصل، مولى أبي عيينة، عن محمد بن سِيرِين، عن ابن عباس :أن أبا أيوب طَلَّق امرأته، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" يا أبا أيوب، إن طلاق أم أيوب كان حوبا " قال٣ ابن سيرين :الحوب الإثم٤.
ثم قال ابن مردويه :حدثنا عبد الباقي، حدثنا بشر بن موسى، أخبرنا هَوْذَة بن خليفة، أخبرنا عَوْف، عن أنس :أن أبا أيوب أراد طلاق أم أيوب، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" إن طلاق أم أيوب لحوب فأمسكها " ٥ ثم رواه٦ ابن مردويه والحاكم في مستدركه من حديث علي بن عاصم، عن حُمَيد الطويل، سمعت أنس بن مالك يقول :أراد أبو طلحة أن يطلق أم سُليم فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" إن طلاق أم سليم لحوب " فكف٧.
والمعنى :إن أكلكم أموالهم مع أموالكم إثم عظيم وخطأ كبير فاجتنبوه.
١ في أ: "فيقول".
.

٢ وقال ابن عدي: قد اتهم بالوضع، وقال ابن حبان: لعله وضع أكثر من ألف حديث وقال أبو عبيد الآجري: رأيت أبا داود يطلق في الكديمي الكذب..
٣ في أ: "وقال"..
٤ ورواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/١٩٦) من طريق يحيى الحماني عن حماد بن زيد عن واصل مولى أبي عيينة عن محمد بن سيرين عن ابن عباس أن أبا أيوب أراد أن يطلق أم أيوب فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن طلاق أم أيوب لحوب" قال ابن سيرين: الحوب الإثم، قال الهيثمي في المجمع (٩/٢٦٢): "فيه يحيى الحماني وهو ضعيف"..
٥ هذا مرسل، وأخرجه أبو داود في المراسيل برقم (٢٣٣) عن وهب بن بقية عن خالد عن عوف عن أنس بن سيرين به. وأخرجه إبراهيم الحربي في غريب الحديث كما في تخريج الكشاف للزيلعي (١/٢٧٩) من طريق جرير عن واصل عن أنس بن سيرين به..
٦ في أ: "ورواه".
٧ المستدرك (٢/٣٠٢) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (٧/٣٢٣) وقال الحاكم: صحيح وتعقبه الذهبي: "لا والله فيه على بن عاصم وهو واه"..
وقوله : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى ﴾ أي :إذا كان١ تحت حجر أحدكم يتيمة وخاف ألا يعطيها مهر مثلها، فليعدل إلى ما سواها من النساء، فإنهن كثير، ولم يضيق الله عليه.
وقال البخاري :حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام، عن ابن جُرَيج، أخبرني هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة ؛ أن رجلا كانت له يتيمة فنكحها، وكان لها عَذْق. وكان يمسكها عليه، ولم يكن لها من نفسه شيء فنزلت فيه : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا [ فِي الْيَتَامَى ]٢ أحسبه قال :كانت شريكَتَه في ذلك العَذْق وفي ماله.
ثم قال البخاري :حدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب قال :أخبرني عروة بن الزبير أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى٣ ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى ﴾ قالت :يا ابن أختي٤ هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تَشْرَكه٥ في ماله ويعجبُه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يَقْسِط في صداقها فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا أن٦ ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن، ويبلغُوا بهنَّ أعلى سُنتهنَّ في الصداق، وأمِروا أن ينكحُوا ما طاب لهم من النساء سواهُنَّ. قال عروة :قالت عائشة :وإن الناس استفْتَوْا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية، فأنزل الله [ تعالى ]٧ ﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ ﴾ قالت عائشة :وقولُ الله في الآية الأخرى : ﴿ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ﴾ [ النساء :١٢٧ ]رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال. فنهوا٨ أن ينكحوا من رغبوا في ماله وجماله من يتامى٩ النساء إلا بالقسط، من أجل رغبتهم عنهن إذا كُن قليلات المال والجمال١٠.
وقوله : ﴿ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [ فاطر :١ ]أي :انكحوا ما شئتم من النساء سواهن إن١١ شاء أحدكم ثنتين، [ وإن شاء ثلاثا ]١٢ وإن شاء أربعا، كما قال تعالى : ﴿ جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ ﴾ [ فاطر :١ ] أي :منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ولا ينفي١٣ ما عدا ذلك في الملائكة لدلالة الدليل عليه، بخلاف قصر الرجال على أربع، فمن١٤ هذه الآية كما قاله ابن عباس وجمهور العلماء ؛ لأن المقام مقام امتنان وإباحة، فلو كان يجوز الجمع بين أكثر من أربع لذكره.
قال الشافعي :وقد دَلَّت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة.
وهذا الذي قاله الشافعي، رحمه الله، مجمع عليه بين العلماء، إلا ما حُكي عن طائفة من الشيعة أنه يجوز الجمع بين أكثر من أربع إلى تسع. وقال بعضهم :بلا حصر. وقد يتمسك بعضهم بفعل النبي١٥ صلى الله عليه وسلم في جمعه بين أكثر من أربع إلى تسع كما ثبت في الصحيحين، وإما إحدى عشرة كما جاء في بعض ألفاظ البخاري. وقد علقه١٦ البخاري، وقد روينا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج بخمس عشرة امرأة، ودخل منهن بثلاث عشرة، واجتمع عنده إحدى عشرة ومات عن تسع. وهذا عند العلماء من خصائص رسول الله صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأمة، لما سنذكره من الأحاديث الدالة على الحصر في أربع.
ذكر الأحاديث في ذلك :
قال الإمام أحمد :حدثنا إسماعيل ومحمد بن جعفر قالا حدثنا معمر، عن الزهري. قال ابن جعفر في حديثه :أنبأنا ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه :أن غيلان بن سَلَمة الثقفي أسلم وتحته عشرة نسوة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :اختر منهن أربعا. فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، فبلغ ذلك عمر فقال :إني لأظن الشيطان فيما يسترق من السمع سمع بموتك فقذفه في نفسك١٧ ولعلك لا تمكث إلا قليلا. وايم الله لتراجعنَّ نساءك ولترجعن في مالك أو لأورثُهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم، كما رجم قبرُ أبي رِغَال١٨.
وهكذا رواه الشافعي والترمذي وابن ماجة والدارقطني والبيهقي وغيرهم عن إسماعيل بن عُلَيَّة وغُنْدَر ويزيد بن زُرَيع وسعيد بن أبي عَرُوبة، وسفيان الثوري، وعيسى بن يونس، وعبد الرحمن بن محمد المحاربي، والفضل بن موسى وغيرهم من الحفاظ، عن مَعْمَر - بإسناده - مثله إلى قوله :اختر١٩ منهن أربعا. وباقي٢٠ الحديث في قصة عمر من أفراد أحمد٢١ وهي زيادة حسنة وهي مضعفة لما علل به البخاري هذا الحديث فيما حكاه عنه الترمذي، حيث قال بعد روايته له :سمعتُ البخاري يقول :هذا حديث غير محفوظ، والصحيح ما روى شُعَيْب وغيره، عن الزهري، حُدّثتُ عن محمد بن سُوَيد الثقفي أنّ غيلان بن سلمة، فذكره. قال البخاري :وإنما حديث الزهري عن سالم عن أبيه :أن رجلا من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر :لتراجعَنَّ نساءك أو لأرجمن قبرك كما رجم قبر أبي رغَال.
وهذا التعليل فيه نظر، والله أعلم. وقد رواه عبد الرزاق، عن مَعمر، عن الزهري مرسلا٢٢ وهكذا٢٣ رواه مالك، عن الزهري مرسلا. قال أبو زرعة :وهو أصح٢٤.
قال البيهقي :ورواه عقيل، عن الزهري :بلغنا عن عثمان بن محمد بن أبي سويد.
قال أبو حاتم :وهذا وَهْم، إنما هو الزهري عن عثمان بن أبي سويد بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكره٢٥.
قال البيهقي :ورواه يونس وابن عُيَيْنَةَ، عن الزهري، عن محمد بن أبي سويد.
وهذا كما علله البخاري. وهذا الإسناد الذي قدمناه من مسند الإمام أحمد رجاله ثقاتٌ على شرط الصحيحين٢٦ ثم قد رُوي من غير طريق مَعْمَر، بل والزهري قال٢٧ الحافظ أبو بكر البيهقي :أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو علي٢٨ الحافظ، حدثنا أبو عبد الرحمن النسائي، حدثنا أبو بُرَيد عَمْرو بن يزيد الجرمي٢٩ أخبرنا سيف بن عُبَيد٣٠ حدثنا سَرَّار بن مُجَشَّر، عن أيوب، عن نافع وسالم، عن ابن عمر :أن غيلان بن سلمة كان عنده عشر نسوة فأسلم وأسلَمْنَ معه، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار منهن أربعا. هكذا أخرجه النسائي في سننه. قال أبو علي بن السكن :تفرد به سرار بنُ مُجَشر وهو ثقة، وكذا وثقه ابن معين. قال أبو علي :وكذلك رواه السَّمَيْدع بن واهب٣١ عن سرار.
قال البيهقي :وروينا من حديث قيس بن الحارث أو الحارث بن قيس، وعروة بن مسعود الثقفي، وصفوان بن أمية - يعني حديث غيلان بن سلمة٣٢.
فوجهُ الدلالة أنَّه لو كان يجوز الجمعُ بين أكثر من أربع لسوغَ له رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سائرهن في بقاء العشرة٣٣ وقد أسلمن معه، فلما أمره بإمساك أربع وفراق سائرهن دل على أنه لا يجوز الجمعُ بين أكثر من أربع بحال، وإذا كان هذا في الدوام، ففي الاستئناف بطريق الأولى والأحرى، والله سبحانه وتعالى أعلم بالصواب.
حديث آخر في ذلك :روى أبو داود وابن ماجة في سننهما٣٤ من طريق محمد بن عبد الرحمن ابن أبي ليلى، عن حُمَيضة٣٥ بن الشَّمَرْدَل - وعند ابن ماجة :بنت الشمردل، وحكى أبو داود أن منهم من يقول :الشمرذل بالذال المعجمة - عن قيس بن الحارث. وعند أبي داود في رواية :الحارث بن قيس بن٣٦ عميرة الأسدي قال :أسلمت وعندي ثماني نسوة، فذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم فقال :" اختر منهن أربعا ".
وهذا الإسناد حسن، ومجرد هذا الاختلاف لا يضر مثلُه، لما للحديث من الشواهد٣٧.
حديث آخر في ذلك :قال الإمام أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، رحمه الله، في مسنده :أخبرني من سمع ابن أبي الزِّناد يقول :أخبرني عبد المجيد بن سُهَيل بن٣٨ عبد الرحمن عن عوف بن الحارث، عن نوفل بن معاوية الديلي، رضي الله عنه، قال :أسلمت وعندي خمس نسوة، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اختر٣٩ أربعا أيتهن شئت، وفارق الأخرى "، فَعَمَدت إلى أقدمهن صحبة عجوز عاقر معي منذ ستين سنة، فطلقتها٤٠.
فهذه كلها شواهد بصحة ما تقدم من حديث غَيْلان كما قاله الحافظ أبو بكر البيهقي، رحمه الله٤١.
وقوله : ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ أي :فإن خشيتم٤٢ من تعداد النساء ألا تعدلوا بينهن، كما قال تعالى : ﴿ وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ ﴾ [ النساء :١٢٩ ] فمن خاف من ذلك فيقتصر على واحدة، أو على الجواري السراري، فإنه لا يجب قسم٤٣ بينهن، ولكن يستحب، فمن فعل فحسن، ومن لا فلا حرج.
وقوله : ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا ﴾ قال بعضهم : [ أي ]٤٤ أدنى ألا تكثر عائلتكم. قاله زيد بن أسلم وسفيان بن عيينة والشافعي، رحمهم الله، وهذا مأخوذ من قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً ﴾ أي٤٥ فقرًا ﴿ فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ [ التوبة :٢٨ ] وقال الشاعر٤٦ :
فما يَدري الفقير متى غناه ومَا يَدرِي الغَنيُّ متى يعيل
وتقول العرب :عال الرجل يعيل عَيْلة، إذا افتقر ولكن في هذا التفسير هاهنا نظر ؛ فإنه كما يخشى كثرة العائلة من تعداد الحرائر، كذلك يخشى من تعداد السراري أيضا. والصحيح قول الجمهور : ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا ﴾ أي :لا تجوروا. يقال :عال في الحكم :إذا قَسَط وظلم وجار، وقال أبو طالب في قصيدته المشهورة :
بميزان قسطٍ لا يَخيس٤٧ شعيرة له شاهد من نفسه غير عائل٤٨
وقال هُشَيم :عن أبي إسحاق قال :كتب عثمان بن عفان إلى أهل الكوفة في شيء عاتبوه فيه :إني لست بميزان لا أعول. رواه ابن جرير.
وقد روى ابن أبي حاتم، وابن مَرْدويه، وأبو حاتم ابن حِبَّان في صحيحه، من طريق عبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيْم، حدثنا محمد بن شعيب، عن عمر بن محمد بن زيد، عن٤٩ عبد الله بن عمر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ﴿ ذَلِكَ أَدْنَى أَلا تَعُولُوا ﴾ قال :" لا تجوروا ".
قال ابن أبي حاتم :قال أبي :هذا حديث خطأ، والصحيح :عن عائشة. موقوف٥٠.
وقال ابن أبي حاتم :وروى عن ابن عباس، وعائشة، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وأبي مالك وأبي رَزِين والنَّخعي، والشَّعْبي، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسُّدِّي، ومُقاتل بن حَيَّان :أنهم قالوا :لا تميلوا٥١ وقد استشهد عِكْرمة، رحمه الله، ببيت أبي طالب الذي قدمناه، ولكن ما أنشده كما هو المروي في السيرة، وقد رواه ابن جرير، ثم أنشده جيدا، واختار ذلك.
١ في جـ، ر، أ: "كانت"..
٢ زيادة من جـ..
٣ في جـ، أ: "عز وجل"..
٤ في ر: "أخي"..
٥ في أ: "تشتركه"..
٦ في جـ، أ: "فنهوا عن أن"..
٧ زيادة من ر..
٨ في جـ، ر، أ: "قلت: فنهوا"..
٩ في ر: "باقي"..
١٠ صحيح البخاري برقم (٤٥٧٣، ٤٥٧٤)..
١١ في جـ، أ: "إذا"..
١٢ زيادة من أ..
١٣ في أ: "ولا ينبغي"..
١٤ في جـ، ر، أ: "من"..
١٥ في جـ، ر، أ: "رسول الله"..
١٦ في جـ، ر، أ: "علله".
.

١٧ في ر: "نيتك"..
١٨ قبر أبي رغال في الطائف، وقد روى ابن إسحاق أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خرج إلى الطائف مر بقبر أبي رغال فقال: إن هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه، وقيل: إن أبا رغال كان دليل أبرهة في طريقه لهدم الكعبة.قال الحافظ ابن كثير: والجمع بينهما أن أبا رغال المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضا. وقد قال جرير: إذا مات الفرزدق فارجموه... كرجمكم بقبر أبي رغالثم قال: والظاهر أنه الثاني. البداية والنهاية (٢/١٥٩)..
١٩ في جـ: "واختر"..
٢٠ في أ: "ويأتي"..
٢١ المسند (٢/١٤) والشافعي في الأم (٥/٤٩) وسنن الترمذي برقم (١١٢٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥٣) وسنن الدارقطني (٣/٢٧١) وسنن البيهقي الكبرى (٧/١٨٢)، وقد توسع الحافظ ابن حجر في التلخيص (٣/١٦٨) والشيخ ناصر الألباني (٦/٢٩٢) وحكم عليه بالصحة..
٢٢ المصنف لعبد الرزاق (١٢٦٢١)..
٢٣ في أ: "وقد"..
٢٤ رواه ابن أبي حاتم في العلل (١/٤٠٠) حدثني أبو زرعة عن عبد العزيز الأويسي عن مالك عن الزهري به مرسلا..
٢٥ العلل لابن أبي حاتم (١/٤٠١)..
٢٦ في جـ، ر، أ: "على شرط الشيخين"..
٢٧ في جـ، ر، أ: "فقال"..
٢٨ في أ: "أبو يعلى"..
٢٩ في جـ، أ: "أبو يزيد عمرو بن يزيد الحربي"، وفي ر: "أبو يزيد عمر بن يزيد الجرمي"..
٣٠ في جـ: "عبد الله"..
٣١ في جـ، ر، أ: "وهب"..
٣٢ السنن الكبرى (٧/١٨٣) وهذه الرواية دليل على أن معمر لم ينفرد بوصله، وهي شاهد جيد على وصل الحديث..
٣٣ في جـ: "العشر"..
٣٤ في ر: "سننيهما"..
٣٥ في أ: "حميصة"..
٣٦ في جـ، ر، أ: "أن"..
٣٧ سنن أبي داود برقم (٢٢٤٢، ٢٢٤١) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٥٢) ورجح المزي أن اسمه "قيس بن الحارث"..
٣٨ في أ: "عن"..
٣٩ في جـ، ر، أ: "أمسك"..
٤٠ مسند الشافعي برقم (١٦٠٦) ومن طريق البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٨٤)..
٤١ في أ: "رحمة الله عليه"..
٤٢ في أ: "خفتم"..
٤٣ في ر: "القسم"..
٤٤ زيادة من جـ..
٤٥ في جـ، ر: "أو"..
٤٦ هو أحيحة بن الجلاح الأوسي، والبيت في تفسير الطبري (٧/٥٤٩) وفي اللسان مادة (عيل)..
٤٧ في أ: "تخس"..
٤٨ البيت في تفسير الطبري (٧/٥٥٠)..
٤٩ في أ: "بن"..
٥٠ صحيح ابن حبان برقم (١٧٣٠) "موارد"..
٥١ في أ: "أن لا تميلوا"..
وقوله : ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :النحلة :المهر.
وقال محمد بن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة :نحلة :فريضة. وقال مقاتل وقتادة وابن جريج :نحلة :أي فريضة. زاد ابن جريج :مسماه. وقال ابن زيد :النحلة في كلام العرب :الواجب، يقول :لا تنكحها إلا بشيء واجب لها، وليس ينبغي لأحد بعد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح امرأة إلا بصداق واجب، ولا ينبغي أن يكون١ تسمية الصداق كذبا بغير حق.
ومضمون كلامهم :أن الرجل يجب عليه دفع الصداق إلى المرأة حَتمًا، وأن يكون طيب النفس بذلك، كما يمنح المنيحة ويعطي النحلة طيبًا بها، كذلك يجب أن يعطي المرأة صداقها طيبا بذلك، فإن طابت هي له به بعد تسميته أو عن شيء منه فليأكله حلالا طيبًا ؛ ولهذا قال [ تعالى ]٢ ﴿ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ﴾
قال ابن أبي حاتم :حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدِي، عن سفيان، عن السدي، عن يعقوب بن المغيرة بن شعبة، عن علي قال :إذا اشتكى أحدكم شيئًا، فَلْيسأل امرأته ثلاثة٣ دراهم أو نحو ذلك، فليبتع بها عسلا ثم ليأخذ ماء السماء فيجتمع هنيئًا مريئًا شفاء مباركا.
وقال هُشَيم، عن سيار، عن أبي صالح قال :كان الرجل إذا زوج ابنته أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، ونزل : ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان عن عمير٤ الخثعمي، عن عبد الملك٥ بن المغيرة الطائفي، عن عبد الرحمن بن البَيْلَمَاني٦ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ قالوا :يا رسول الله، فما العلائق بينهم ؟ قال :" ما تراضى عليه أهْلوهُم " ٧.
وقد روى ابن مَرْدُويه من طريق حَجَّاج بن أرْطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الرحمن بن البَيْلمَاني٨ عن عمر بن الخطاب قال :خَطَبَ٩ رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" أنكحوا الأيامى " ثلاثا، فقام إليه رجل فقال :يا رسول الله، ما العلائق بينهم ؟ قال :" ما تراضى عليه أهلوهم ".
ابن البَيْلمَاني١٠ ضعيف، ثم فيه انقطاع أيضًا١١.
١ في ر: "تكون"..
٢ زيادة من ر، أ..
٣ في أ: "بثلاثة"..
٤ في أ: "عمر"..
٥ في ر: "عبد الله"..
٦ في جـ، ر، أ: "عبد الرحمن السلماني"..
٧ ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٩) وابن أبي شيبة في المصنف (١٤/١٨٤) وأبو داود في المراسيل برقم (٢١٥)..
٨ في جـ، ر، أ: "السلماني"..
٩ في جـ، ر، أ: "خطبنا".
.

١٠ في جـ، ر، أ: "السلماني"..
١١ ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في المصنف (٤/١٨٦) وسعيد بن منصور في السنن برقم (٦١٩) "الأعظمي" والبيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٩) كلهم من طريق حجاج بن أرطأة عن عبد الملك بن المغيرة عن عبد الرحمن البيلماني مولى عمر بن الخطاب قال: فذكره مرسلا، وأظن أن "مولى" تصحفت في النسخ إلى "عن" وأكاد أجزم بذلك لقول الحافظ ابن كثير "فيه انقطاع"، فإن الانقطاع بإرساله، ولو كان عن عمر لكان موصولا..
ينهى تعالى عن تَمْكين السفهاء من التصرّف في الأموال التي جعلها الله للناس قياما، أي :تقوم١ بها معايشهم من التجارات وغيرها. ومن هاهنا يُؤْخَذُ الحجر على السفهاء، وهم أقسام :فتارة يكون الحَجْرُ للصغر ؛ فإن الصغير مسلوب العبارة. وتارة يكون الحجرُ للجنون، وتارة لسوء التصرف لنقص العقل أو الدين، وتارة يكون الحجر للفَلَس، وهو ما إذا أحاطت الديون برجل وضاقَ ماله عن وفائها، فإذا سأل٢ الغُرَماء الحاكم الحَجْرَ عليه حَجَرَ عليه.
وقد قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ قال :هم بَنُوك والنساء، وكذا قال ابن مسعود، والحكم بن عُتَيبة٣ والحسن، والضحاك :هم النساء والصبيان.
وقال سعيد بن جُبَير :هم اليتامى. وقال مجاهد وعكرمة وقتادة :هم النساء.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عَمّار، حدثنا صدقة بن خالد، حدثنا عثمان بن أبي العاتكة، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وإن النساء السُّفَهاء إلا التي أطاعت قَيِّمَها ".
ورواه ابن مَرْدُويه مطولا٤.
وقال ابن أبي حاتم :ذكر عن مسلم بن إبراهيم، حدثنا حَرْب بن سُرَيج٥ عن معاوية بن قرة٦ عن أبي هريرة ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ قال :الخدم، وهم شياطين الإنس وهم الخدم.
وقوله : ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس يقول [ تعالى ]٧ لا تَعْمَد إلى مالك وما خَوَّلك الله، وجعله معيشة، فتعطيَه امرأتك أو بَنيكَ، ثم تنظر٨ إلى ما في أيديهم، ولكن أمْسكْ مالك وأصلحْه، وكن أنت الذي تنفق عليهم من كسْوتهم ومؤنتهم ورزقهم.
وقال ابن جرير :حدثنا ابن المثنى :حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن فرَاس، عن الشعبي، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى قال :ثلاثة يدعون الله فلا يستجيب لهم :رجل كانت له امرأة سَيّئة الخُلُق فلم يُطَلقها، ورجل أعطى ماله سفيها، وقد قال : ﴿ وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾ ورجل كان له على رجل دين فلم يُشْهِد عليه.
وقال مجاهد : ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ يعني في البر والصلة.
وهذه الآية الكريمة انتظمت الإحسان إلى العائلة، ومَنْ تحت الحَجْر بالفعل، من الإنفاق في الكساوي والإنفاق٩ والكلام الطيب، وتحسين الأخلاق.
١ في أ: "يقوم"..
٢ في ر: "سألوا"..
٣ في جـ، ر، أ: "عيينة"..
٤ ذكره السيوطي في الدر (٢/٤٣٣) وفي إسناده عثمان بن أبي العاتكة وقد ضعف في روايته عن علي بن يزيد الألهاني..
٥ في جـ، ر، أ: "شريح"..
٦ في أ: "مرة"..
٧ زيادة من أ..
٨ في ر: "تنتظر"..
٩ في جـ، ر، أ: "الأرزاق"..
وقوله تعالى : ﴿ وَابْتَلُوا الْيَتَامَى ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والسدي، ومقاتل بن حيان :أي اختبروهم ﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾ قال مجاهد :يعني :الحُلُم. قال الجمهور من العلماء :البلوغ في الغلام تارة يكون بالحُلُم، وهو أن يرى في منامه ما ينزل به الماء الدافق الذي يكون منه الولد. وقد روى أبو داود في سننه١ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال :حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يُتْم بعد احتلام ولا صُمَات يوم إلى الليل " ٢.
وفي الحديث الآخر عن عائشة وغيرها من الصحابة، رضي الله عنهم، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" رُفِعَ القَلَمُ عن ثلاثة :عن الصَّبِيِّ حتى يَحْتلمَ، وعن النائم حتى يَسْتيقظ، وعن المجنون حتى يُفِيق " أو يستكمل٣ خمس عشرة سنة، وأخذوا ذلك من الحديث الثابت في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال :عُرِضْت على النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة، فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخَنْدَق وأنا ابن خمس عشرة فأجازني، فقال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز - لما بلغه هذا الحديث - إن هذا الفرق بين الصغير والكبير٤.
واختلفوا في إنبات٥ الشعر الخشن حول الفرج، وهو الشِّعْرة، هل تَدُل على بلوغ أم لا ؟ على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين صبيان المسلمين، فلا يدل٦ على ذلك لاحتمال المعالجة، وبين صبيان أهل الذمة فيكون بلوغا في حقهم ؛ لأنه لا يتعجل بها إلا ضرب الجزية عليه، فلا يعالجها. والصحيح أنها بلوغ في حق الجميع لأن هذا أمر جِبِلِّيٌّ يستوي فيه الناس، واحتمال المعالجة بعيد، ثم قد دلت السنة على ذلك في الحديث الذي رواه الإمام أحمد، عن عَطيَّةَ القُرَظيّ، رضي الله عنه قال :عُرضنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم قُرَيْظة فكان من أنْبَتَ قُتل، ومن لم يُنْبت خَلّي سبيله، فكنت فيمن لم يُنْبِت، فخلي سبيلي.
وقد أخرجه أهل السنن الأربعة بنحوه٧ وقال الترمذي :حسن صحيح. وإنما كان كذلك ؛ لأن سعد بن معاذ، رضي الله عنه، كان قد حكم فيهم بقتل المقاتلة وسَبْي الذرية.
وقال الإمام أبو عبيد٨ القاسم بن سلام في كتاب " الغريب " :حدثنا ابن علية، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حيان، عن عمر :أن غلاما ابتهر جارية في شعره، فقال عمر، رضي الله عنه :انظروا إليه. فلم يوجد أنبت، فَدَرَأَ عنه الحَد. قال أبو عُبَيد :ابتهرها :أي قذفها، والابتهار٩ أن يقول :فعلت بها وهو كاذب١٠ فإن كان صادقا فهو الابتيار، قال الكميت في شعره.
قبيح بمثلي نعتُ الفَتَاة إمَّا ابتهارًا وإمَّا ابتيارا١١
وقوله : ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ قال سعيد بن جبير :يعني :صَلاحا في دينهم وحفظا لأموالهم. وكذا روي عن ابن عباس، والحسن البصري، وغير واحد من الأئمة. وهكذا قال الفقهاء متَى بلغَ الغلام مُصْلحًا لدينه وماله، انفك الحجر عنه، فيسلم إليه ماله الذي تحت يد وليه بطريقه.
وقوله : ﴿ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ﴾ ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافا ومبادرةً قبل بلوغهم.
ثم قال تعالى : ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ [ أي ]١٢ من كان في غُنْية عن مال اليتيم فَلْيستعففْ عنه، ولا يأكل منه شيئا. قال الشعبي :هو عليه كالميتة والدم.
﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ قال ابن أبي حاتم :حدثنا الأشج، حدثنا عبد الله بن سليمان، حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة : ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ نزلت في مال١٣ اليتيم.
وحدثنا الأشج وهارون بن إسحاق قالا حدثنا عبدة بن سليمان، عن هشام، عن أبيه، عن، قالت :نزلت في والي اليتيم الذي يقوم عليه ويصلحه إذا كان محتاجا أن يأكل منه.
وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن سعيد الأصبهاني، حدثنا علي١٤ بن مسهر، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت :أنزلت هذه الآية في والي اليتيم ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ بقدر قيامه عليه.
ورواه البخاري عن إسحاق عَنْ عبد الله بن نُمَير، عن هشام، به.
قال الفقهاء :له أن يأكل أقل الأمرين :أجْرَةَ مثله أو قدر حاجته. واختلفوا :هل يرد إذا أيسر، على قولين :أحدهما :لا ؛ لأنه أكل بأجرة عمله وكان فقيرا. وهذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي ؛ لأن الآية أباحت الأكل من غير بدل. وقد قال الإمام أحمد :
حدثنا عبد الوهاب، حدثنا حسين، عن عَمْرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جده :أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :ليس لي مال ولي يتيم ؟ فقال :" كُلْ من مال يتيمك غير مُسْرِف ولا مُبذر ولا متأثِّل مالا ومن غير أن تقي مالك - أو قال :تفدي مالك - بماله " شك حسين١٥.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، حدثنا حسين المكتب، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :إن عندي يتيما عنده مال - وليس عنده شيء ما - آكل من ماله ؟ قال :" بالمعروف غير مُسرف ".
ورواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجة من حديث حسين المعلم١٦ به.
وروى أبو حاتم ابن حبّان في صحيحه، وابن مردويه في تفسيره من حديث يعلى بن مهدي، عن جعفر بن سليمان، عن أبي عامر الخَزّاز، عن عمرو بن دينار، عن جابر :أن رجلا قال :يا رسول الله، فيم أضرب يتيمي ؟ قال :ما كنتَ ضاربا منه ولدك، غير واق مالك بماله، ولا متأثل منه مالا١٧.
وقال ابن جرير :حدثنا الحسن١٨ بن يحيى، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد قال :جاء أعرابي إلى ابن عباس فقال :إن في حجري أيتاما، وإن لهم إبلا ولي إبل، وأنا أمنح١٩ في إبلي وأفْقر فماذا يحل لي من ألبانها ؟ فقال :إن كنت تبغي ضالتها وتهْنَأ جرباها، وتلوط حوضها، وتسقي٢٠ عليها، فاشرب غير مُضر بنسل، ولا ناهك في الحلب.
ورواه مالك في موطئه، عن يحيى بن سعيد٢١ به.
وبهذا القول - وهو عدمُ أداء البدل٢٢ - يقول عطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وإبراهيم النخعيّ، وعطية العوْفي، والحسن البصري.
والثاني :نعم ؛ لأن مال اليتيم على الحظْر، وإنما أبيح للحاجة، فيرد بدله كأكل مال الغير للمضطر عند الحاجة. وقد قال أبو بكر ابن أبي الدنيا :حدثنا ابن خيثمة، حدثنا وَكِيع، عن سفيان وإسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مُضرَب قال :قال عمر [ بن الخطاب ]٢٣ رضي الله عنه :إنى أنزلت نفسي من هذا المال بمنزلة والي اليتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت استقرضت، فإذا أيسرتُ قضيت٢٤.
طريق أخرى :قال سعيد بن منصور :حدثنا أبو الأحوص، عن أبي إسحاق، عن البراء قال :قال لي عمر، رضي الله عنه :إني أنزلْتُ نفسي من مال الله بمنزلة والي اليتيم، إن احْتَجْتُ أخذت منه، فإذا أيسَرت رَدَدْتُه، وإن اسْتَغْنَيْتُ اسْتَعْفَفْتُ.
إسناد صحيح٢٥ وروَى البيهقي عن ابن عباس نحوَ ذلك. وهكذا رواه ابنُ أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ يعني :القرض. قال :ورُوي عن عُبَيدة، وأبي العالية، وأبي وائل، وسعيد بن جُبَير - في إحدى الروايات - ومجاهد، والضحاك، والسّدي نحو ذلك. وروي من طريق السدي، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله : ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ قال :يأكل بثلاث أصابع.
ثم قال :حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا ابن مَهْديّ، حدثنا سفيانُ، عن الحكم، عن مقْسم، عن ابن عباس : ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ قال :يأكل من ماله، يقوت على يتيمه٢٦ حتى لا يحتاج إلى مال اليتيم. قال :ورُوي عن مجاهد وميمون بن مِهْران في إحدى الروايات والحكم نحو ذلك.
وقال عامر الشَّعْبِيّ :لا يأكل منه إلا أن يضطر إليه، كما يضطر إلى [ أكل ]٢٧ الميتة، فإن أكل منه قضاه. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن وهب :حدثني نافع بن أبي نُعَيْم القَارئ قال :سألت يحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة عن قول الله : ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ فقالا٢٨ ذلك في اليتيم، إن كان فقيرا أنفق٢٩ عليه بقدر فقره، ولم يكن للولي منه شيء.
وهذا بعيد من السياق ؛ لأنه قال : ﴿ وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ يعني :من الأولياء ﴿ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي :منهم ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي :بالتي هي أحسن، كما قال في الآية الأخرى : ﴿ وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ﴾ [ الإسراء :٣٤ ]أي :لا تقربوه إلا مصلحين له، وإن احتجتم إليه أكلتم منه بالمعروف.
وقوله : ﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ يعني :بعد بلوغهم الحلم وإيناس الرشد [ منهم ]٣٠ فحينئذ سلموهم أموالهم، فإذا دفعتم إليهم أموالهم ﴿ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ ﴾ وهذا أمر الله تعالى للأولياء٣١ أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا٣٢ إليهم أموالهم ؛ لئلا يقع من بعضهم جُحُود وإنكار لما قبضه وتسلمه.
ثم قال : ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا ﴾ أي :وكفى بالله محاسبا وشهيدًا ورقيبا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم٣٣ للأموال :هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مَبْخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها ؟ الله عالم بذلك كله. ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يا أبا ذر، إني أراك ضعيفا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تَأَمَّرَن على اثنين، ولا تَلِيَنَّ مال يتيم " ٣٤.
١ في جـ، أ: "بإسناده"..
٢ سنن أبي داود برقم (٢٨٧٣)..
٣ في جـ، أ: "ويستكمل"..
٤ صحيح البخاري برقم (٢٦٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٨٦٨)..
٥ في ر: "إثبات"..
٦ في جـ، أ: "فلا يدل بلوغ".
.

٧ المسند (٤/٣١٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤٠٤) (٤٤٠٥) وسنن الترمذي برقم (١٥٨٤) وسنن النسائي (٦/١٥٥) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٤١، ٢٥٤٢)..
٨ في جـ، أ: "أبو عبد الله"..
٩ في جـ، ر: "قال: والابتهار"..
١٠ في ر: "كذب"..
١١ غريب الحديث لأبي عبيد (٣/٢٨٩) والبيت في اللسان أيضا مادة (بهر)..
١٢ زيادة من جـ، أ..
١٣ في جـ، ر، أ: "والى"..
١٤ في جـ، أ: "الأصبهاني وعلي"..
١٥ المسند (٣/١٨٦)..
١٦ سنن أبي داود برقم (٢٨٧٢)، وسنن النسائي (٦/٢٥٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧١٨)..
١٧ رواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٢٤٤) "الإحسان" ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٤) والطبراني في المعجم الصغير (١/٨٩) كلاهما من طريق أبي عامر الخزاز عن عمرو بن دينار به..
١٨ في جـ، أ: "الحسين"..
١٩ في أ: "أشبع"..
٢٠ في أ: "وتسعى"..
٢١ تفسير الطبري (٧/٥٨٨) وموطأ مالك (٢/٩٣٤) ومن طريق مالك رواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص ٢٩٨) ثم قال: "هذا إسناد صحيح"..
٢٢ في جـ: "وهو رد عدم البدل"..
٢٣ زيادة من جـ..
٢٤ ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٥) والطبري في تفسيره (٧/٥٨٢) من طريق سفيان وإسرائيل به..
٢٥ ورواه النحاس في الناسخ والمنسوخ (ص ٢٩٦) من طريق أبي الأحوص عن أبي إسحاق به..
٢٦ في جـ، أ: "على نفسه"..
٢٧ زيادة من جـ..
٢٨ في جـ: "قال"، وفي أ: "قالا"..
٢٩ في جـ: "تنفق" وفي أ: "انتفق"..
٣٠ زيادة من جـ، أ..
٣١ في جـ: "هذا أمر الله للأولياء"..
٣٢ في جـ، ر: "تسلموا"، وفي أ: "ويسلموا"..
٣٣ في و: "تسلمهم الأموال"..
٣٤ صحيح مسلم برقم (١٨٢٦)..
قال سعيد بن جبير وقتادة :كان المشركون يجعلون المال للرجال الكبار، ولا يورثون النساء ولا الأطفال شيئا، فأنزل الله : ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ [ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا ]١ أي :الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله [ تعالى ]٢ لكل منهم، بما يدلي به إلى الميت من قرابة، أو زوجية، أو ولاء. فإنه لُحْمَة كَلُحمة النسب. وقد روى ابن مردويه من طريق ابن هَرَاسة٣ عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن جابر قال :جاءت أم كُجَّة٤ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :يا رسول الله، إن لي ابنتين، وقد مات أبوهما، وليس لهما شيء، فأنزل الله تعالى : ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ ﴾ الآية، وسيأتي هذا الحديثُ عند آيتي الميراث بسياق آخر، والله أعلم.
١ زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ زيادة من أ..
٣ في جـ: "من طريق ابن راهويه" وفي أ: "من طريق هواسة"..
٤ في ر: "لجه"..
وقوله : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ [ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا ]١ قيل :المراد :وإذا حضر قسمة الميراث ذوو القربى ممن ليس بوارث واليتامى والمساكين فَلْيَرْضَخْ لهم من التركة نصيب، وأن ذلك كان واجبا في ابتداء الإسلام. وقيل :يستحب٢ واختلفوا :هل هو منسوخ أم لا ؟ على قولين، فقال البخاري :حدثنا أحمد بن حُمَيد أخبرنا عُبَيدُ الله٣ الأشجعي، عن سُفْيان، عن الشَّيْباني، عن عكرمة، عن ابن عباس : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ ﴾ قال :هي مُحْكَمَة، وليست بمنسوخة. تابعه سَعيد عن ابن عباس.
وقال ابن جرير :حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا عَبَّاد بن العَوَّام، عن الحجاج، عن الحَكَم، عن مِقْسم، عن ابن عباس قال :هي قائمة يعمل بها.
وقال الثوري، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في هذه الآية، قال :هي واجبة على أهل الميراث، ما طابت به أنفسهم. وهكذا روي عن ابن مسعود، وأبي موسى، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وأبي العالية، والشعبي، والحسن، وابن سيرين، وسعيد بن جُبَير، ومكحول، وإبراهيم النَّخَعي، وعطاء بن أبي رباح، والزهري، ويحيى بن يَعْمَرَ :إنها واجبة.
وروى ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن إسماعيل بن عُلَيَّةَ، عن يونس بن عُبَيد، عن محمد بن سيرين قال :ولي عبيدة وصية، فأمر بشاة فذبحت، فأطعم أصحاب هذه الآية، وقال :لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.
وقال مالك، فيما يروى عنه من التفسير في جزء مجموع، عن الزهري :أن عروة أعْطى من مال مصعب حين قسم ماله. وقال الزهري :وهي محكمة.
وقال مالك، عن عبد الكريم، عن مجاهد قال :هو حق واجب ما طابت به الأنفس.
ذكر من ذهب إلى أن ذلك أمر بالوصية لهم :
قال عبد الرزاق :أخبرنا ابن جُرَيج٤ أخبرني ابن أبي مُلَيكة :أن أسماء بنت عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، والقاسم بن محمد أخبراه :أن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر قسم ميراث أبيه عبد الرحمن وعائشة حَية قالا فلم يدع في الدار مسكينا ولا ذا قرابة إلا أعطاه من ميراث أبيه. قالا وتلا ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى ﴾ قال القاسم :فذكرت ذلك لابن عباس فقال :ما أصاب، ليس ذلك له، إنما ذلك إلى الوصية، وإنما هذه الآية في الوصية يزيد الميت [ أن ]٥ يوصي لهم. رواه ابن أبي حاتم٦.
ذكر من قال :إن هذه الآية منسوخة بالكلية :
قال سفيان الثوري، عن محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ﴾ قال :منسوخة.
وقال إسماعيل بن مسلم المكي، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال في هذه الآية : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى ﴾ نسختها الآية التي بعدها : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ﴾
وقال العَوْفي، عن ابن عَبَّاس في هذه الآية : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى ﴾ كان ذلك قبل أن تَنزل٧ الفرائض، فأنزل الله بعد ذلك الفرائض، فأعطى كل ذي حق حقه، فجعلت الصدقة فيما سَمى المتوفى. رواهن ابن مَرْدُويه.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا الحسن٨ بن محمد بن الصبَّاح، حدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيج وعثمان بن عطاء عن عَطاء، عن ابن عباس قوله : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ ﴾ نسختها آية الميراث، فجعل لكل إنسان نصيبه مما تَرك الوالدان والأقربون - مما قل منه أو كثر - [ نصيبا مفروضا ]٩
وحدثنا أسيد بن عاصم، حدثنا سعيد بن عامر، عن همام، حدثنا١٠ قتادة، عن سعيد بن المسيب أنه قال :إنها منسوخة، كانت قبل الفرائض، كان ما ترك الرجل من مال أعطى منه اليتيم والفقير والمسكين وذوي القربى إذا حَضروا القسمة، ثم نسخ بعد ذلك، نسختها المواريث، فألحق الله بكل ذي حَق حقه، وصارت الوصية من ماله، يوصي بها لذوي قرابته حيث يشاء.
وقال مالك، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب :هي منسوخة، نسختها المواريث والوصية.
وهكذا روي عن عكرمة، وأبي الشعثاء، والقاسم بن محمد، وأبي صالح، وأبي مالك، وزيد ابن أسلم، والضحاك، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حَيَّان، وربيعة بن أبي عبد الرحمن :أنهم قالوا :إنها١١ منسوخة. وهذا مذهب جُمْهور الفقهاء والأئمة الأربعة وأصحابهم.
وقد اختار ابن جرير هاهنا قولا غريبا جدًا، وحاصله :أن معنى الآية عنده ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ﴾ أي :وإذا حضر قسمة مال الوصية أولو قرابة الميت ﴿ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ ﴾ لليتامى والمساكين إذا حضروا ﴿ قَوْلا مَعْرُوفًا ﴾ هذا مضمون ما حاوله بعد طُول العبارة والتكرار، وفيه نظر، والله أعلم.
وقد قال العَوْفي عن ابن عباس : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ ﴾ وهي قسمة الميراث. وهكذا قال غير واحد، والمعنى على هذا لا على ما سلكه أبو جعفر بن جرير، رحمه الله، بل المعنى :أنه إذا حضر هؤلاء الفقراء من القرابة الذين لا يَرثون، واليتامى والمساكين قسمة مال جزيل، فإن أنفسهم تتوق١٢ إلى شيء منه، إذا رأوا هذا يأخذ وهذا يأخذ وهذا يأخذ، وهم يائسون لا شيء يعطون، فأمر الله تعالى - وهو الرءوف الرحيم - أن يُرضَخ لهم شيء من الوسَط يكون برا بهم١٣ وصدقة عليهم، وإحسانا إليهم، وجبرا لكسرهم. كما قال الله تعالى : ﴿ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ﴾ [ الأنعام :١٤١ ]وذم الذين ينقلون المال١٤ خفية ؛ خشية أن يطلع عليهم المحاويج وذوو الفاقة، كما أخبر عن أصحاب الجنة ﴿ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ ﴾ [ القلم :١٧ ]أي :بليل. وقال : ﴿ فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ ﴾ [ القلم :٢٣، ٢٤ ]﴿ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا ﴾ [ محمد :١٠ ]فمن جَحَد حق الله عليه عاقبه١٥ في أعز ما يملكه ؛ ولهذا جاء في الحديث :" ما خالطت الصَّدَقَةُ مالا إلا أفسدته " ١٦ أي :منعها يكون سبب محاق ذلك المال بالكلية.
١ زيادة من جـ، ر، أ، وفي الأصل: "الآية"..
٢ في أ: "مستحب"..
٣ في أ: "عبد الله".
.

٤ في أ: "ابن جرير"..
٥ زيادة من أ..
٦ ورواه الطبري في تفسيره (٨/١٠، ١١) من طريق ابن جريج عن ابن أبي مليكة به..
٧ في جـ، أ: "ينزل"..
٨ في جـ، أ: "الحسين".
.

٩ زيادة من جـ، أ..
١٠ في جـ، أ: "عن"..
١١ في أ: "هي"..
١٢ في جـ، ر، أ: "تتشوق"..
١٣ في أ: "لهم"..
١٤ في جـ: "يشتغلون بالمال"، وفي ر، أ: "يستغلون المال"..
١٥ في أ: "عاقبه الله"..
١٦ رواه البزار في مسنده برقم (٨٨١) "كشف الأستار" من حديث عائشة، وقال الهيثمي في المجمع (٣/٦٤): "فيه عثمان الجمحي قال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به".
.

وقوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ [ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ]١ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :هذا في الرجل يَحْضُره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تَضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضَّيْعَةَ.
وهكذا قال مجاهد وغير واحد، وثبت في الصحيحين :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما دخل على سَعْد بن أبي وقاص يعوده قال :يا رسول الله، إني ذو مال ولا يرثني إلا ابنة، أفأتصدق بثلثي مالي ؟ قال :" لا ". قال :فالشَّطْر ؟ قال :" لا ". قال :فالثلث ؟ قال :" الثلث، والثلث كثير ". ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنك إن تَذر وَرَثَتَك أغنياء خَيْر من أن تَذَرَهم عَالةً يتكَفَّفُون الناس " ٢.
وفي الصحيح أن ابن عباس قال :لو أن الناس غَضّوا من الثلث إلى الربع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" الثلث، والثلث كثير " ٣.
قال الفقهاء :إن كان ورثة الميت أغنياء استُحب للميت أن يَسْتَوفي الثلث في وصيته٤ وإن كانوا فقراء استُحب أن يَنْقُص الثلث.
وقيل :المراد بقوله : ﴿ وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ ﴾ [ أي ]٥ في مباشرة أموال اليتامى ﴿ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا ﴾
حكاه ابن جرير من طريق العَوْفي، عن ابن عباس :وهو قول حسن، يتأيد بما بعده من التهديد في أكل مال اليتامى ظلما، أي :كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذرياتهم٦ إذا وليتهم.
١ زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ صحيح البخاري برقم (٢٧٤٢) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٨)..
٣ صحيح البخاري برقم (٢٧٤٣) وصحيح مسلم برقم (١٦٢٩)..
٤ في أ: "أن يستوفى في وصيته ثلث ماله"..
٥ زيادة من جـ، ر..
٦ في أ: "ذراريهم"..
ثم أعلمهم أن من أكل مال يتيم ظلما فإنما يأكل في بطنه نارًا ؛ ولهذا قال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا ﴾ أي :إذا أكلوا أموال اليتامى بلا سبب، فإنما يأكلون نارًا تَأجَّج١ في بطونهم يوم القيامة. وثبت في الصحيحين من حديث سليمان ابن بلال، عن ثَوْر بن زيد٢ عن سالم أبي الغَيْث، عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" اجْتَنبوا السَّبْعَ الموبقات " قيل :يا رسول الله، وما هن ؟ قال :" الشِّرْكُ بالله، والسِّحْر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولِّي يوم الزَّحْفِ، وقَذْفُ المحصنات المؤمنات الغافلات ".
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا عبيدة٣ أخبرنا أبو عبد الصمد عبد العزيز بن عبد الصمد العمِّى، حدثنا أبو هاروي٤ العَبْدي عن أبي سعيد الخدري قال :قلنا :يا رسول الله، ما رأيت
ليلة أسري بك ؟ قال :" انطَلَق بي إلى خَلْقٍ من خَلْقِ الله كثير، رِجَال، كل رجل له مِشْفَران كمشفري البعير، وهو موَكَّل بهم رجال يفكون٥ لحاء٦ أحدهم، ثم يُجَاءُ بِصَخْرَةٍ من نار فَتُقْذَف في فِي أحدهم حتى يخرج من أسفله ولهم٧ خُوار وصُرَاخ. قلت٨ يا جبريل، من هؤلاء ؟ قال :هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلْمًا إنما يأكلون في بطونهم نارا وسَيَصْلَوْن سَعِيرًا " ٩.
وقال السدي :يبعث آكل مال اليتيم يوم القيامة ولهب النار يخرج١٠ من فِيهِ ومن مسامعه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه بأكل مال اليتيم.
وقال أبو بكر ابن مردويه :حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا أحمد بن عمرو، حدثنا عقبة بن مكرم، حدثنا يونس بن بُكَير، حدثنا زياد بن المنذر، عن نافع بن الحارث عن أبي برزة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يبعث يوم القيامة القوم١١ من قبورهم تَأَجَّج أفواههم نارا " قيل :يا رسول الله، من هم ؟ قال :" ألم تر أن الله قال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ]١٢ الآية.
رواه١٣ ابن أبي حاتم، عن أبي زُرْعة، عن عُقْبة بن مكرم وأخرجه أبو حاتم بن حبّان في صحيحه، عن أحمد بن علي بن المثنى، عن عقبة بن مكرم١٤.
وقال ابن مَردويه :حدثنا عبد الله بن جعفر، أحمد بن عصام١٥ حدثنا أبو عامر العبدي، حدثنا عبد الله١٦ بن جعفر الزهري، عن عثمان بن محمد، عن المقبرِيّ، عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أُحَرِّجُ مال الضَّعِيفيْن :المرأة واليتيم " ١٧ أي١٨ أوصيكم باجتناب مالهما.
وتقدم في سورة البقرة من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال :لما أنزل الله : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا [ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا ]١٩ انطلق من كان عنده يتيم، فَعَزَل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، فجعل يفضل الشيء فَيُحْبَس له حتى يأكله أو يفسد٢٠ فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ [ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ ]٢١ [ البقرة :٢٢٠ ].
١ في جـ، أ: "تتأجج"..
٢ في جـ، أ: "يزيد"..
٣ في أ: "عبد الله"..
٤ في جـ، ر، أ: "هارون".
.

٥ في أ: "يكفون"..
٦ في ر: "لحيي"..
٧ في ر، أ: "وله"..
٨ في أ: "فقلت"..
٩ ورواه الطبري في تفسيره (٨/٢٧) من طريق معمر عن أبي هارون العبدي به.قال الشيخ أحمد شاكر - رحمه الله: "أبو هارون العبدي هو عمارة بن جوين روى عن أبي سعيد وابن عمر وهو ضعيف، وقالوا: كذاب" قال الدارقطني: "يتلون، خارجي وشيعي" وقال ابن حبان: "كان يروي عن أبي سعيد ما ليس من حديثه لا يحل كتب حديثه إلا على جهة التعجب"..
١٠ في ر: "تخرج"..
١١ في جـ: "ناس"..
١٢ زيادة من جـ، ر، أ..
١٣ في جـ، أ: "أخرجه"..
١٤ صحيح ابن حبان برقم (٢٥٨٠) "موارد" من طريق أبي يعلى وهو في مسنده (١٣/٤٣٤) وفي إسناده زياد بن المنذر وشيخه نفيع بن الحارث متروكان عند الأئمة..
١٥ في أ: "عاصم"..
١٦ في ر: "عبيد الله"..
١٧ وفي إسناده أحمد بن عصام الموصلي ضعفه الدارقطني..
١٨ في أ: "إني"..
١٩ زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢٠ في ر: "أو يفسده"..
٢١ زيادة من جـ، ر، أ.
.

هذه الآية الكريمة والتي١ بعدها والآية التي هي خاتمة هذه السورة هن آيات علم الفرائض، وهو مستنبط من هذه الآيات الثلاث، ومن الأحاديث الواردة في ذلك مما هي كالتفسير لذلك وَلنذْكُرْ منها ما هو متعلق بتفسير ذلك، وأما تقرير المسائل ونصب الخلاف والأدلة، والحجاج بين الأئمة، فموضعه كتاب " الأحكام " فالله المستعان٢.
وقد ورد الترغيب في تعلم الفرائض، وهذه الفرائض الخاصة٣ من أهم ذلك. وقد روى أبو داود وابن ماجة، من حديث عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الإفريقي، عن عبد الرحمن بن رافع التنوخي، عن عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه٤ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" العِلْمُ ثلاثة، وما سِوَى ذلك فهو فَضْلٌ :آية مُحْكَمَةٌ، أو سُنَّةٌ قائمةٌ، أو فَريضةٌ عَادَلةٌ " ٥.
وعن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا أبا هريرة، تَعلَّمُوا الفرائِضَ وعلِّموهُ فإنه نصْف العلم، وهو يُنْسَى، وهو أول شيء٦ يُنْتزَع من أمتي ".
رواه ابن ماجة، وفي إسناده ضعف٧.
وقد رُوي من حديث عبد الله بن مسعود وأبي سعيد٨ وفي كل منهما نظر. قال [ سفيان ]٩ ابن عيينة :إنما سَمَّى الفرائض نصفَ العلم ؛ لأنه يبتلى١٠ به الناس كلهم.
وقال البخاري عند تفسير هذه الآية :حدثنا إبراهيم بن موسى، حدثنا هشام :أن ابن جُرَيج أخبرهم قال :أخبرني ابن المُنْكدِر، عن جابر بن عبد الله قال :عادني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في بني سَلمَةَ ماشيين، فوجَدَني النبي صلى الله عليه وسلم لا أعقل شيئا، فدعا بماء فتوضأ منه، ثم رَش عَلَيَّ، فأفقت، فقلت :ما تأمرني أن أصنع في مالي يا رسول الله ؟ فنزلت : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ﴾.
وكذا رواه مسلم والنسائي، من حديث حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج١١ به، ورواه الجماعةُ كُلّهم من حديث سفيان بن عُيَينة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر١٢.
حديث آخر عن جابر في سبب نزول الآية :قال الإمام أحمد :حَدّثنا زكريا بن عدي، حدثنا عبيد الله - هو ابن عَمْرو١٣ الرقيّ - عن عبد الله بن محمد بن عَقيل، عن جابر قال :جاءت امرأة سعد بن الرَّبيع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد بن الربيع، قُتل أبوهما معك في أحُد شهيدا، وإن عمهما أخذ مالهما، فلم يَدَعْ لهما مالا ولا يُنْكَحَان إلا ولهما مال. قال :فقال :" يَقْضِي اللَّهُ في ذلك ". قال :فنزلت آية الميراث، فأرسل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلى عمهما فقال :" أعْطِ ابْنَتي سعد الثلثين، وأُمُّهُمَا الثُّمُنَ، وما بقي فهو لك ".
وقد رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة، من طرق، عن عبد الله بن محمد بن عُقَيل، به. قال الترمذي :ولا يعرف إلا من حديثه١٤.
والظاهر أن١٥ حديث جابر الأول إنما نزل بسببه الآية الأخيرة من هذه السورة كما سيأتي، فإنه إنما كان له إذ ذاك أخوات، ولم يكن له بنات، وإنما كان يورث كلالة، ولكن ذكرنا الحديث هاهنا تبعا للبخاري، رحمه الله، فإنه ذكره هاهنا. والحديث الثاني عن جابر أشبه بنزول هذه الآية، والله أعلم.
فقوله١٦ تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ﴾ أي :يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين ؛ وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتجشُّم المشقة، فناسب أن يُعْطَى ضعْفَيْ ما تأخذه١٧ الأنثى.
وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم١٨ أنه أرحم بهم منهم، كما جاء في الحديث الصحيح.
وقد رأى امرأة من السَّبْي تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألْصَقَتْه بصَدْرها وأرضعته. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه :" أتَروْن هذهِ طارحةَ ولدها١٩ في النار وهي تَقْدِرُ على ذلك ؟ " قالوا :لا يا رسول الله :قال :" فَوَاللهِ للَّهُ أًرْحَمُ بعبادِهِ من هذه بِوَلَدِهَا ".
وقال البخاري هاهنا :حدثنا محمد بن يوسف، عن ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن عَطاء، عن ابن عباس قال :كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنَسَخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس والثلث، وجعل للزوجة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع٢٠.
وقال العَوفي، عن ابن عباس قوله : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ ﴾ وذلك أنه لما نزلت الفرائض التي فَرَضَ الله فيها ما فرض، للولد الذكر والأنثى والأبوين، كرهها الناس أو بعضهم وقالوا :تُعطَى المرأة الربع أو الثمن٢١ وتعطى البنت٢٢ النصف. ويعطى الغلام الصغير. وليس أحد من هؤلاء يقاتل القوم، ولا يحوز الغنيمة. . اسكتوا عن هذا الحديث لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ينساه، أو نقول له فيغير، فقال بعضهم :يا رسول الله، نعطي الجارية نصف ما ترك أبوها، وليست تركب الفَرَس، ولا تقاتل القوم ونُعطِي٢٣ الصبي الميراث وليس يُغني٢٤ شيئا. . وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، لا يعطون الميراث إلا لمن قاتل القوم، ويعطونه الأكبر فالأكبر. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير أيضا.
وقوله : ﴿ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ قال بعض الناس :قوله : ﴿ فوق ﴾ زائدة وتقديره :فإن كنّ نساء اثنتين كما في قوله [ تعالى ]٢٥ ﴿ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْنَاقِ ﴾ [ الأنفال :١٢ ] وهذا غير مُسَلَّم لا هنا ولا هناك ؛ فإنه ليس في القرآن شيء زائد لا فائدة فيه وهذا ممتنع، ثم قوله : ﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ لو كان المراد ما قالوه لقال :فلهما ثلثا ما ترك. وإنما استفيد كون الثلثين للبنتين٢٦ من حكم الأختين في الآية الأخيرة، فإنه تعالى حكم فيها للأختين بالثلثين. وإذا ورث الأختان الثلثين فلأن يرث البنتان الثلثين بطريق الأولى٢٧ وقد تقدم في حديث جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم لابنتي سعد بن الربيع بالثلثين، فدل الكتاب والسنة على ذلك، وأيضا فإنه قال : ﴿ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ﴾ فلو كان للبنتين النصف [ أيضا ]٢٨ لنص عليه، فلما حكم به للواحدة على انفرادها دل على أن البنتين في حكم الثلاث والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَلأبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ [ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ ]٢٩ إلى آخره، الأبوان لهما في الميراث أحوال :
أحدها :أن يجتمعا مع الأولاد، فيفرض لكل واحد منهما السدس فإن لم يكن للميت إلا بنت واحدة، فرض لها النصف، وللأبوين لكل واحد منهما السدس، وأخذ الأب السدس الآخر بالتعصيب، فيجمع٣٠ له - والحالة هذه - بين هذه الفرض والتعصيب.
الحال الثاني :أن ينفرد الأبوان بالميراث، فيفرض للأم - والحالة هذه - الثلث ويأخذ الأب الباقي بالتعصيب المحض، ويكون قد أخذ ضعفي ما فرض٣١ للأم، وهو الثلثان، فلو كان معهما - والحالة هذه - زوج أو زوجة أخذ الزوج النصف والزوجة٣٢ الربع. ثم اختلف العلماء :ما تأخذ٣٣ الأم بعد فرض الزوج والزوجة على ثلاثة أقوال :
أحدها :أنها تأخذ ثلث الباقي في المسألتين ؛ لأن الباقي كأنه٣٤ جميع الميراث بالنسبة إليهما. وقد جعل الله لها نصف ما جعل للأب فتأخذ ثلث الباقي ويأخذ ثلثيه٣٥ وهو قول عمر وعثمان، وأصح الروايتين عن علي. وبه يقول ابن مسعود وزيد بن ثابت، وهو قول الفقهاء السبعة، والأئمة الأربعة، وجمهور العلماء - رحمهم الله.
والقول الثاني :أنها تأخذ ثلث جميع المال لعموم قوله : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأمِّهِ الثُّلُثُ ﴾ فإن الآية أعم من أن يكون معها زوج أو زوجة أو لا. وهو قول ابن عباس. وروي عن علي، ومعاذ بن جبل، نحوه. وبه يقول شريح وداود بن علي الظاهري واختاره الإمام أبو الحسين محمد بن عبد الله بن اللبان البصري٣٦ في كتابه " الإيجاز في علم الفرائض ".
وهذا فيه نظر، بل هو ضعيف ؛ لأن ظاهر الآية إنما هو [ ما ]٣٧ إذا استبد بجميع التركة، فأما في هذه المسألة فيأخذ الزوج أو الزوجة الفرض، ويبقى الباقي كأنه جميع التركة، فتأخذ ثلثه، كما تقدم.
والقول الثالث :أنها تأخذ ثلث جميع المال في مسألة الزوجة، فإنها تأخذ الربع وهو ثلاثة٣٨ من اثني عشر، وتأخذ الأم الثلث وهو أربعة، فيبقى٣٩ خمسة للأب. وأما في مسألة الزوج فتأخذ ثلث الباقي ؛ لئلا تأخذ أكثر من الأب لو أخذت ثلث المال، فتكون المسألة من ستة :للزوج النصف ثلاثة٤٠ وللأم ثلث ما بقي٤١ وهو سهم، وللأب الباقي بعد ذلك وهو سهمان. ويحكى هذا عن محمد بن سيرين، رحمه الله، وهو مركب من القولين الأولين، موافق كلا منهما في صورة وهو ضعيف أيضا. والصحيح الأول، والله أعلم.
والحال الثالث من أحوال الأبوين :وهو اجتماعهما مع الإخوة، وسواء كانوا من الأبوين، أو من الأب، أو من الأم، فإنهم لا يرثون مع الأب شيئًا، ولكنهم مع ذلك يحجبون الأم عن الثلث إلى السدس، فيفرض لها مع وجودهم السدس، فإن لم يكن وارث سواها وسوى الأب أخذ الأب الباقي.
وحكم الأخوين فيما ذكرناه كحكم الإخوة عند الجمهور. وقد روى البيهقي من طريق شُعْبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس أنه دخل على عثمان فقال :إن الأخوين لا يَردان الأم عن الثلث، قال الله تعالى : ﴿ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ ﴾ فالأخوان ليسا بلسان قومك إخوة. فقال عثمان :لا أستطيع تغيير ما كان قبلي، ومضى في الأمصار، وتوارث به الناس.
وفي صحة هذا الأثر نظر، فإن شُعْبَة هذا تكلَّم فيه مالك بن أنس، ولو كان هذا صحيحا عن ابن عباس لذهب إليه أصحابه الأخصاء به، والمنقول عنهم خلافه.
وقد روى عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن أبيه أنه قال :الأخوان تسمى إخوة٤٢ وقد أفردت لهذه المسألة جُزءًا على حدة.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا عبد العزيز بن المغيرة، حدثنا يزيد بن زريع عن سعيد، عن قتادة قوله : ﴿ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأمِّهِ السُّدُسُ ﴾ أضروا بالأم ولا يرثون، ولا يحجبها الأخ الواحد من الثلث ويحجبها ما فوق ذلك، وكان أهل العلم يَرون أنهم إنما حجبوا أمهم من الثلث أن أباهم يلي إنكاحهم ونفقته٤٣ عليهم دون أمهم.
وهذا كلام٤٤ حسن. لكن روي عن ابن عباس بإسناد صحيح أنه كان يرى أن السدس الذي حجبوه عن أمهم يكون لهم،
١ في ر: "والذي"..
٢ في جـ، ر، أ: "وبالله المستعان"..
٣ في جـ، أ: "الخاصة وهي من أهم ذلك"..
٤ في جـ، ر، أ: "عنهما"..
٥ سنن أبي داود برقم (٢٨٨٥) وسنن ابن ماجة برقم (٥٤) ورواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٠٨) والدارقطني في السنن (٤/٦٧) من طريق عبد الرحمن بن زياد الإفريقي به. قال الذهبي في هذا الحديث والذي بعده: الحديثان ضعيفان..
٦ في جـ، أ: "علم"..
٧ سنن ابن ماجة برقم (٢٧١٩) ورواه الدارقطني في السنن (٤/٦٧) والحاكم في المستدرك (٤/٣٣٢) والبيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٠٨) من طريق حفص بن عمر بن أبي العطاف به. قال الذهبي: "فيه حفص بن عمر بن أبي العطاف وهو واه بمرة"..
٨ حديث ابن مسعود "تعلموا الفرائض وعلموها فإني امرؤ مقبوض.." الحديث، رواه الحاكم في المستدرك (٤/٣٣٣)..
٩ زيادة من: ر، أ..
١٠ في أ: "تبتلى".
.

١١ صحيح البخاري برقم (٤٥٧٧) وصحيح مسلم برقم (١٦١٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٣٢٣)..
١٢ طريق سفيان رواها البخاري في صحيحه برقم (٥٦٥١) ومسلم في صحيحه برقم (١٦١٦) وأبو داود في السنن برقم (٢٨٨٦) والترمذي في السنن برقم (٢٠٩٧) والنسائي في السنن (١/٨٧) وابن ماجة في السنن برقم (٢٧٢٨)..
١٣ في أ: "عمر"..
١٤ المسند (٣/٣٥٢) وسنن أبي داود برقم (٢٨٩٢، ٢٨٩١) وسنن الترمذي برقم (٢٠٩٢) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٢٠)..
١٥ في أ: "أنه"..
١٦ في أ: "وقوله"..
١٧ في ر: "ما تأخذ"..
١٨ في أ: "منكم".
.

١٩ في جـ: "بولدها"..
٢٠ صحيح البخاري برقم (٤٥٧٨)..
٢١ في أ: "والثمن"..
٢٢ في ر: "ويعطى الابنة"، وفي جـ: "وتعطى الابنة"..
٢٣ في ر، أ: "ويعطي"..
٢٤ في ر: "يعني"..
٢٥ زيادة من جـ..
٢٦ في جـ، ر: "كون للبنتين الثلثان"..
٢٧ في جـ، ر، أ: "الأحرى"..
٢٨ زيادة من جـ، ر، أ..
٢٩ زيادة من جـ، ر، أ.
.

٣٠ في أ: "فيجتمع"..
٣١ في جـ: "ما حصل" وفي ر: "ما فضل"..
٣٢ في جـ، ر: "أو الزوجة"..
٣٣ في أ: "ماذا تأخذ"..
٣٤ في أ: "كان"..
٣٥ في ر: "الباقي"..
٣٦ في أ: "المصري"..
٣٧ زيادة من أ..
٣٨ في جـ، ر: "ثلثه"..
٣٩ في أ: "فبقى"..
٤٠ في جـ، ر: "ثلثه"..
٤١ في جـ: "الباقي".
.

٤٢ في جـ، ر، أ: "وتسمى الأخوان إخوة"..
٤٣ في جـ: "والنفقة"..
٤٤ في جـ: "الكلام"..
يقول تعالى :ولكم - أيها الرجال - نصف ما ترك أزواجكم إذا مُتْن عن غير ولد، فإن كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد [ وصية ]١ يوصين بها أو دين. وقد تقدم أن الدين مقدم على الوصية، وبعده الوصية ثم الميراث، وهذا أمر مجمع عليه بين العلماء، وحكم أولاد البنين وإن سفلوا حكم أولاد الصلب.
ثم قال : ﴿ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ]٢ إلخ، وسواء في الربع أو الثمن الزوجة والزوجتان الاثنتان والثلاث والأربع يشتركن٣ فيه.
وقوله : ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ ﴾ إلخ، الكلام عليه كما تقدم.
وقوله : ﴿ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً ﴾ الكلالة :مشتقة من الإكليل، وهو الذي يحيط بالرأس من جوانبه، والمراد هنا٤ من يرثه من حواشيه لا أصوله ولا فروعه، كما روى الشعبي عن أبي بكر الصديق :أنه سئل عن الكلالة، فقال :أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه :الكلالة من لا ولد له ولا والد. فلما ولي عمر بن الخطاب قال :إني لأستحيي٥ أن أخالف أبا بكر في رأي رآه. رواه ابن جرير وغيره٦.
وقال ابن أبي حاتم، رحمه الله، في تفسيره :حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد، حدثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس قال :سمعت عبد الله بن عباس يقول :كنت آخر الناس عهدا بعمر بن الخطاب، فسمعته يقول :القول ما قلت، وما قلت٧ وما قلت. قال :الكلالة من لا ولد له ولا والد٨.
وهكذا قال علي بن أبي طالب وابن مسعود، وصح عن٩ غير وجه عن عبد الله بن عباس، وزيد بن ثابت، وبه يقول الشعبي والنخعي، والحسن البصري، وقتادة، وجابر بن زيد، والحكم. وبه يقول أهل المدينة والكوفة والبصرة. وهو قول الفقهاء السبعة والأئمة الأربعة وجمهور السلف والخلف١٠ بل جميعهم. وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، وورد فيه حديث مرفوع. قال أبو الحسين بن اللبان :وقد روي عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهو أنه لا ولد له. والصحيح عنه الأول، ولعل الراوي ما فهم عنه١١ ما أراد.
وقوله : ﴿ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ ﴾ أي :من أم، كما هو في قراءة بعض السلف، منهم سعد بن أبي وقاص، وكذا فسرها أبو بكر الصديق فيما رواه١٢ قتادة عنه، ﴿ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴾
وإخوة الأم يخالفون بقية الورثة من وجوه، أحدها :أنهم يرثون مع من أدلوا به وهي الأم. الثاني :أن ذكرهم وأنثاهم سواء. الثالث :أنهم لا يرثون إلا إذا كان ميتهم يورث كلالة، فلا يرثون مع أب، ولا جد، ولا ولد، ولا١٣ ولد ابن. الرابع :أنهم لا يزادون١٤ على الثلث، وإن كثر١٥ ذكورهم وإناثهم.
قال ابن أبي حاتم :حدثنا يونس، حدثنا ابن وَهْب، أخبرنا يونس، عن الزهري قال :قضى عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن ميراث الإخوة من الأم بينهم، للذكر مثل الأنثى١٦ قال محمد بن شهاب الزهري :ولا أرى عمر قضى بذلك حتى علم بذلك١٧ من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولهذه الآية التي قال الله تعالى : ﴿ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ﴾
واختلف العلماء في المسألة المشتركة، وهي :زوج، وأم أو جدة، واثنان١٨ من ولد الأم وواحد١٩ أو أكثر من ولد الأبوين. فعلى قول الجمهور :للزوج النصف، وللأم أو الجدة السدس، ولولد الأم الثلث، ويشاركهم فيه ولد الأب والأم بما بينهم من القدر المشترك وهو إخوةُ الأم.
وقد وقعت هذه المسألة في زمن٢٠ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فأعطى الزوج النصف، والأم السدس، وجعل الثلث لأولاد الأم، فقال له أولاد الأبوين :يا أمير المؤمنين، هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة ؟ فشرك بينهم.
وصح التشريك عنه وعن أمير المؤمنين عثمان، وهو إحدى الروايتين عن ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس، رضي الله عنهم. وبه يقول سعيد بن المسيب، وشريح القاضي، ومسروق، وطاوس، ومحمد بن سيرين وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، وشريك وهو مذهب مالك والشافعي، وإسحاق بن راهويه.
وكان علي بن أبي طالب لا يشرك بينهم، بل يجعل الثلث لأولاد الأم، ولا شيء لأولاد الأبوين، والحالة هذه، لأنهم عصبة. وقال وَكِيع بن الجراح :لم يختلف عنه في ذلك، وهذا قول أبي بن كعب وأبي موسى الأشعري، وهو المشهور عن ابن عباس، وهو مذهب الشعبي وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، والحسن بن زياد، وزُفَر بن الهُذيل، والإمام أحمد بن حنبل، ويحيى بن آدم ونعيم بن حماد، وأبي ثور، وداود بن علي الظاهري، واختاره أبو الحسين بن اللبان الفرضي، رحمه الله، في كتابه " الإيجاز ".
وقوله : ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ أي :لتكون٢١ وصيته على العدل، لا على الإضرار والجور والحيف بأن يحرم بعض الورثة، أو ينقصه، أو يزيده على ما قدرَ الله له من الفريضة فمتى سعى في ذلك كان كمن ضاد الله في حكمته٢٢ وقسمته ؛ ولهذا قال ابن أبي حاتم :
حدثنا أبي، حدثنا أبو النضر الدمشقي الفراديسي، حدثنا عُمَر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الإضرار في الوصية من الكبائر ".
وكذا رواه ابن جرير من طريق عمر بن المغيرة هذا٢٣ وهو أبو حفص بصري سكن المصيصة، قال أبو القاسم ابن عساكر :ويعرف بمفتي المساكين. وروى عنه غير واحد من الأئمة. وقال فيه أبو حاتم الرازي :هو شيخ. وقال علي بن المديني :هو مجهول لا أعرفه. لكن رواه النسائي في سننه عن علي ابن حجر، عن علي بن مُسْهِر، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، موقوفًا :
" الإضرار في الوصية من الكبائر ". وكذا رواه ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الأشج، عن عائذ بن حبيب، عن داود بن أبي هند. ورواه ابن جرير من حديث جماعة من الحفاظ، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس موقوفا٢٤ وفي بعضها :ويقرأ ابن عباس : ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾
قال ابن جريج٢٥ والصحيح الموقوف.
ولهذا اختلف الأئمة في الإقرار للوارث :هل هو صحيح أم لا ؟ على قولين :أحدهما :لا يصح لأنه مظنة التهمة أن يكون قد أوصى له بصيغة الإقرار وقد ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله قد أعْطَى كُلَّ ذِي حَق حَقَّه، فلا وَصِيَّة لِوَارِثٍ ". وهذا مذهب أبي حنيفة ومالك، وأحمد بن حنبل، والقول القديم للشافعي، رحمهم الله، وذهب في الجديد إلى أنه يصح الإقرار. وهو مذهب طاوس، وعطاء، والحسن، وعمر بن عبد العزيز.
وهو اختيار أبي عبد الله٢٦ البخاري في صحيحه. واحتج بأنّ رَافع بن خديج أوصى ألا تُكْشَف٢٧ الفَزَارية عما أغْلقَ عليه بابها قال :وقال بعض الناس :لا يجوز إقراره لسوء الظن به للورثة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :" إياكم والظنَّ، فإن الظَّنَّ أكذبُ الحديث ". وقال الله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ [ النساء :٥٨ ] فلم يخص وارثًا ولا غيره. انتهى ما ذكره.
فمتى كان الإقرارُ صحيحًا مطابقًا لما في نفس الأمر جَرَى فيه هذا الخلاف، ومتى كان حيلة ووسيلة إلى زيادة بعض الورثة ونقصان بعضهم، فهو حرام بالإجماع وبنص هذه الآية الكريمة ﴿ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴾ [ ثم قال الله ]٢٨
١ زيادة من جـ، ر، أ..
٢ زيادة من جـ، ر، أ..
٣ في أ: "يشتركون".
.

٤ في أ: "هاهنا"..
٥ في ر: "إنني لأستحي"، وفي جـ، أ: "إني أستحي"..
٦ تفسير الطبري (٨/٥٤) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٩١) ومن طريقه رواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٤٤) من طريق سفيان عن عاصم الأحول بنحوه..
٧ في ر: "القول"..
٨ تفسير ابن أبي حاتم (٢/ل١١٥) ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٨٩) من طريق سفيان بن عيينة به..
٩ في جـ، ر، أ: "من"..
١٠ في جـ، ر: "الخلف والسلف"..
١١ في جـ: "ولعل الراوي عنه ما فهم ما أراد"..
١٢ في أ: "فيما روى"..
١٣ في جـ: "وكذا"..
١٤ في أ: "يزدادون"..
١٥ في جـ: "كنا"..
١٦ في ر: "مثل حظ الأنثيين"..
١٧ في جـ: "ذلك".
.

١٨ في جـ، أ: "وابنان"..
١٩ في ر: "وواحدا"..
٢٠ في جـ، ر، أ: "زمان"..
٢١ في جـ، ر، أ: "لتكن"، وفي أ: "ليكن"..
٢٢ في جـ: "حكمه"..
٢٣ تفسير الطبري (٨/٦٦) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٦/٢٧١) من طريق عمر بن المغيرة به.
.

٢٤ سنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٢) وتفسير الطبري (٨/٦٥)..
٢٥ في أ: "ابن جرير"..
٢٦ في أ: "واختاره أبو عبد الله"..
٢٧ في جـ، ر، أ: "لا يكشف"..
٢٨ زيادة من أ..
أي :هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قُربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها ؛ ولهذا قال : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أي :فيها، فلم يزد بعض الورثة ولم١ ينقص بعضًا بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ أي، لكونه غيَّر ما حكم الله به وضاد الله في حكمه. وهذا إنما يصدر عن٢ عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم.
قال الإمام أحمد :حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب، عن أشعث بن عبد الله، عن شَهْر ابن حَوْشَب، عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الرَّجُلَ لَيَعْمَل بعمل أهل الخير سبعين سَنةً، فإذا أوْصَى حَافَ في وصيته، فيختم٣ بشر عمله، فيدخل النار ؛ وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل٤ الجنة ". قال :ثم يقول أبو هريرة :اقرءوا إن شئتم ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ إلى قوله : ﴿ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾٥.
[ و ]٦ قال أبو داود في باب الإضرار في الوصية من٧ سننه :حدثنا عَبْدَة٨ بن عبد الله أخبرنا عبد الصمد، حدثنا [ نصر ]٩ بن علي الحُدَّاني، حدثنا الأشعث بن عبد الله بن جابر الحُدَّاني، حدثني شَهْرُ بن حَوشَب :أن أبا هريرة حدثه :أن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فَيُضَاران في الوصية، فتجب لهما النار " وقال :قرأ عليّ أبو هريرة من هاهنا : ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ حتى بلغ : ﴿ [ وَ ]١٠ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.
وهكذا١١ رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عبد الله بن جابر الحُدَّاني به، وقال الترمذي :حسن غريب، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل١٢.
١ في جـ، ر، أ: "ولا".
٢ في جـ، ر: "من".
.

٣ في جـ، ر، أ: "فيختم له"..
٤ في ر: "فيدخله".
٥ المسند (٢/٢٧٨)..
٦ زيادة من جـ، ر، أ..
٧ في جـ، أ: "في"..
٨ في ر: "عبيدة"..
٩ زيادة من جـ، ر، أ..
١٠ زيادة من جـ..
١١ في أ: "وكذا"..
١٢ سنن أبي داود برقم (٢٨٦٧) وسنن الترمذي برقم (٢١١٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٠٤).
.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣: أي :هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قُربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها ؛ ولهذا قال : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ أي :فيها، فلم يزد بعض الورثة ولم١ ينقص بعضًا بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾ أي، لكونه غيَّر ما حكم الله به وضاد الله في حكمه. وهذا إنما يصدر عن٢ عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم.
قال الإمام أحمد :حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب، عن أشعث بن عبد الله، عن شَهْر ابن حَوْشَب، عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الرَّجُلَ لَيَعْمَل بعمل أهل الخير سبعين سَنةً، فإذا أوْصَى حَافَ في وصيته، فيختم٣ بشر عمله، فيدخل النار ؛ وإن الرجل ليعمل بعمل أهل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله فيدخل٤ الجنة ". قال :ثم يقول أبو هريرة :اقرءوا إن شئتم ﴿ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ ﴾ إلى قوله : ﴿ عَذَابٌ مُهِينٌ ﴾٥.
[ و ]٦ قال أبو داود في باب الإضرار في الوصية من٧ سننه :حدثنا عَبْدَة٨ بن عبد الله أخبرنا عبد الصمد، حدثنا [ نصر ]٩ بن علي الحُدَّاني، حدثنا الأشعث بن عبد الله بن جابر الحُدَّاني، حدثني شَهْرُ بن حَوشَب :أن أبا هريرة حدثه :أن رسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الرجل ليعمل أو المرأة بطاعة الله ستين سنة، ثم يحضرهما الموت فَيُضَاران في الوصية، فتجب لهما النار " وقال :قرأ عليّ أبو هريرة من هاهنا : ﴿ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ﴾ حتى بلغ : ﴿ [ وَ ]١٠ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾.
وهكذا١١ رواه الترمذي وابن ماجه من حديث ابن عبد الله بن جابر الحُدَّاني به، وقال الترمذي :حسن غريب، وسياق الإمام أحمد أتم وأكمل١٢.
١ في جـ، ر، أ: "ولا".
٢ في جـ، ر: "من".
.

٣ في جـ، ر، أ: "فيختم له"..
٤ في ر: "فيدخله".
٥ المسند (٢/٢٧٨)..
٦ زيادة من جـ، ر، أ..
٧ في جـ، أ: "في"..
٨ في ر: "عبيدة"..
٩ زيادة من جـ، ر، أ..
١٠ زيادة من جـ..
١١ في أ: "وكذا"..
١٢ سنن أبي داود برقم (٢٨٦٧) وسنن الترمذي برقم (٢١١٧) وسنن ابن ماجة برقم (٢٧٠٤).
.


كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت ؛ ولهذا قال : ﴿ وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ﴾ يعني :الزنا ﴿ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مّنكُمْ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك.
قال ابن عباس :كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد، أو الرجم.
وكذا رُوي عن عِكْرِمة، وسَعيد بن جُبَيْر، والحسن، وعَطاء الخُراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك :أنها منسوخة. وهو أمر متفق عليه.
قال الإمام أحمد :حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن حِطَّان بن عبد الله الرَّقاشِي، عن عبادة بن الصامت قال :كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي أَثَّرَ عليه
وكرب لذلك وتَرَبّد وجهه، فأنزل الله عز وجل عليه ذات يوم، فلما سُرِّيَ عنه قال :" خُذُوا عَنِّي، قد جَعَل الله لَهُنَّ سبيلا الثَّيِّبُ بالثيب، والبِكْرُ بالبكرِ، الثيب جَلْدُ مائة، ورَجْمٌ بالحجارة، والبكر جلد مائة ثم نَفْى سَنَةٍ ".
وقد رواه مسلم وأصحاب السنن من طرق عن قتادة عن الحسن عن حطَّان١ عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه :" خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا ؛ البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ". وقال الترمذي :هذا حديث حسن صحيح٢
وهكذا٣ رواه أبو داود الطيالسي، عن مبارك بن فَضَالة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة :أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا نزل عليه الوحي عُرف ذلك في وجهه، فلما أنزلت : ﴿ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلا ﴾ [ و ]٤ ارتفع الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خُذُوا خذوا، قد جَعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلا البكْرُ بالبكرِ جَلْدُ مائة وَنفيُ سنة، والثَّيِّب بالثيبِ جَلْدُ مائة ورَجْمٌ بالحجارة ".
وقد روى الإمام أحمد أيضا هذا الحديث عن وَكِيع بن الجراح، حدثنا الفضل بن دَلْهَم، عن الحسن، عن قُبَيْصَة بن حُرَيث، عن سلمة بن المُحَبَّق قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خُذُوا عَنِّي، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم ".
وكذا رواه أبو داود مطولا من حديث الفضل بن دلهم، ثم قال :وليس هو بالحافظ، كان قصابًا بواسط٥.
حديث آخر :قال أبو بكر بن مَرْدُويه :حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عباس بن حمدان، حدثنا أحمد بن داود، حدثنا عمرو بن عبد الغفار، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق، عن أبي بن كعب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" البكْرَان يُجْلَدان ويُنفيَانِ، والثيبان يجلدان ويُرجَمانِ، والشَّيْخانِ يُرجَمان ". هذا حديث غريب من هذا الوجه٦.
وروى الطبراني من طريق ابن لَهِيعة، عن أخيه عيسى بن لهيعة، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال :لما نزلت سورة النساء قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا حبس بعد سورة النساء " ٧.
وقد ذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى القول بمقتضى هذا الحديث، وهو الجمع بين الجلد والرجم في حق الثيب الزاني، وذهب الجمهور إلى أن الثيب الزاني إنما يُرجم فقط من غير جلد، قالوا :لأن النبي صلى الله عليه وسلم رَجَمَ ماعزًا والغامدية واليهوديين، ولم يجلدهم قبل ذلك، فدل على أن الجلد٨ ليس بحتم، بل هو منسوخ على قولهم، والله أعلم.
١ في ر: "خطاب"..
٢ المسند (٥/٣١٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٩٠) وسنن أبي داود برقم (٤٤١٥) وسنن الترمذي برقم (١٤٣٤) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٥٥٠)..
٣ في جـ، ر: "وكذا"..
٤ في جميع النسخ: "فلما" بدل الواو..
٥ المسند (٣/٤٧٦) وسنن أبي داود برقم (٤٤١٧)..
٦ وفي إسناده عمرو بن عبد الغفار الفقيمي. قال أبو حاتم: متروك الحديث، وقال ابن عدي: اتهم بوضع الحديث، وقال العقيلي: منكر الحديث. ميزان الاعتدال برقم (٦٤٠٣)..
٧ المعجم الكبير (١١/٣٦٥) وابن لهيعة وأخوه ضعيفان..
٨ في ر، أ: "الرجم"..
وقوله : ﴿ وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ أي :واللذان يأتيان١ الفاحشة فآذوهما. قال ابن عباس، وسعيد بن جبير وغيرهما :أي بالشتم والتعيير، والضرب بالنعال، وكان الحكم كذلك حتى نسخه الله بالجلد أو الرجم.
وقال عكرمة، وعطاء، والحسن، وعبد الله بن كثير :نزلت في الرجل والمرأة إذا زنيا.
وقال السدي :نزلت في الفتيان قبل أن يتزوجوا.
وقال مجاهد :نزلت في الرجلين إذا فعلا لا يكنى، وكأنه يريد اللواط، والله أعلم.
وقد روى أهل السنن، من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَنْ رأيتُمُوه يَعَمَلُ عَمَل قَوْمِ لُوطٍ فاقتلوا الفاعلَ والمفعول بِهِ " ٢
وقوله : ﴿ فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا ﴾ أي :أقلعا ونزعا عما كانا عليه، وصَلُحت أعمالهما وحسنت ﴿ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا ﴾ أي :لا تُعَنِّفُوهما بكلام قَبِيح بعد ذلك ؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ وقد ثبت في الصحيحين " إذا زَنَتْ أمَة أحدكُم فَلْيَجْلدْها الحدَّ ولا يُثَرِّبْ عليها " أي :ثم لا يُعَيِّرُهَا بما صَنَعتْ بعد الحد، الذي هو كفارة لما صَنَعتْ.
١ في جـ، ر، أ: "يفعلان"..
٢ رواه أبو داود في السنن برقم (٤٤٦٢) والترمذي في السنن برقم (١٤٥٥) وابن ماجة في السنن برقم (٢٥٦١)..
يقول تعالى :إنما يتقبل الله التوبة ممن عمل السوء بجهالة، ثم يتوب ولو قبل معاينة المَلَك [ لقبض ]١ روحه قَبْلَ الغَرْغَرَة.
قال مجاهد وغير واحد :كل من عصى الله خطأ أو عَمدًا فهو جاهل حتى ينزع عن الذنب.
وقال قتادة عن أبي العالية :أنه كان يحدث :أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يقولون :كل ذنب أصابه عبد فهو بجهالة. رواه ابن جرير.
وقال عبد الرزاق :أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة قال :اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأوا أن كل شيء عُصي به فهو جهالة، عمدًا كان أو غيره٢.
وقال ابن جُرَيْج :أخبرني عبد الله بن كثير، عن مجاهد قال :كل عامل بمعصية الله٣ فهو جاهل حين عملها. قال ابن جريج :وقال لي عطاء بن أبي رباح نحوَه.
وقال أبو صالح عن ابن عباس :مِنْ جَهالته عمل السوء.
وقال علي بن أبي طَلْحَة، عن ابن عباس ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ قال :ما بينه وبين أن ينظر إلى مَلَك الموت، وقال الضحاك :ما كان دون الموت فهو قريب. وقال قتادة والسدي :ما دام في صحته. وهو مروى عن ابن عباس. وقال الحسن البصري : ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ ما لم يُغَرْغر. وقال عكرمة :الدنيا كلها قريب.
ذكر الأحاديث في ذلك :
قال الإمام أحمد :حدثنا علي بن عَيَّاش٤ وعصام بن خالد، قالا حدثنا ابن ثَوْبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جُبَير بن نُفَيْر٥ عن ابن عُمَرَ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إنَّ الله يَقْبلُ تَوْبَةَ العبدِ ما لم يُغَرغِر ".
[ و ]٦ رواه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، به٧ وقال الترمذي :حسن غريب. ووقع في سنن ابن ماجه :عن عبد الله بن عَمْرو. وهو وَهْم، إنما هو عبد الله بن عُمَر بن الخطاب.
حديث آخر٨ عن ابن عُمَر :قال أبو بكر بن مردويه :حدثنا محمد بن معمر٩ حدثنا عبد الله بن الحسن الخراساني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابلتي١٠ حدثنا أيوب بن نَهِيك الحلبي قال :سمعت عطاء بن أبي رباح قال :سمعت عبد الله بن عُمَر، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ما مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِن يَتُوبُ قَبْلَ الموتِ بشهر إلا قَبِلَ الله منه، وأدْنَى من ذلك، وقَبْل موته بيوم وساعة، يعلم الله منه التوبة والإخلاصَ إليه إلا قَبِل منه " ١١.
حديث آخر :قال أبو داود الطيالسي :حدثنا شعبة، أخبرنا إبراهيم بن ميمون، أخبرني رجل من مِلْحَان١٢ يقال له :أيوب - قال :سمعت عبد الله بن عمر يقول :من تاب قبل موته بعام تيب عليه، ومن تاب قبل موته بشهر تِيب عليه، ومن تاب قَبْلَ موته بجمعة تيب عليه، ومن تاب قبل موته بيوم تيب عليه، ومن تاب قبل موته بساعة تيب عليه. فقلت له :إنما قال الله : ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ ﴾ فقال :إنما أُحدِّثك ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ١٣
وهكذا رواه أبو داود١٤ الطيالسي، وأبو عمر الحَوْضي، وأبو عامر العَقدي، عن شعبة.
حديث آخر :قال الإمام أحمد :حدثنا حُسين بن محمد، حدثنا محمد بن مطَرَّف، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البَيْلماني١٥ قال :اجتمع أربعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهم :سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله يَقْبَلُ تَوْبَة العبدِ قبل أن يموتَ بيومٍ ". فقال الآخر :أنتَ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال :نعم. قال :وأنا سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بِنِصْفِ يوم " فقال الثالث :أنتَ سمعتَ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال :نعم. قال :وأنا سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله يقبل توبة العبد قبل أن يموت بضَحْو ". قال١٦ الرابع :أنتَ سمعتَ هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال :نعم. قال وأنا سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله [ تعالى ]١٧ يقبل توبة العبد ما لم١٨ يُغَرغر بنفسه ". وقد رواه سعيد بن منصور عن الدَرَاوَرْدي، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن البيلماني١٩ فذكر قريبًا منه٢٠.
حديث آخر :قال أبو بكر بن مردويه :حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، حدثنا عمران بن عبد الرحيم، حدثنا عثمان بن الهيثم، حدثنا عَوْف، عن محمد بن سِيرِين، عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الله يَقبل تَوْبَة عَبْدِهِ ما لم يُغَرْغِرْ " ٢١.
أحاديث في ذلك مرسلة :
قال ابن جرير :حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عَدِيٍّ، عن عَوْف، عن الحسن قال :
بلغني أنَّ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم قال :" إنَّ الله يَقْبلُ توبة العبد ما لم يُغَرْغرْ " هذا مرسل حسن٢٢. عن الحسن البصري، رحمه الله.
آخر :قال ابن جرير أيضًا، رحمه الله :حدثنا ابن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، عن العلاء بن زياد، عن أبي أيوب بشير بن كعب ؛ أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله يقبل توبة العبد ما لم يُغَرْغرْ " ٢٣.
وحدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، فذكر مثله٢٤.
أثر آخر :قال ابن جرير :حدثنا ابن بشار، حدثنا أبو داود، حدثنا عمران، عن قتادة قال :كنا عند أنس بن مالك وثم أبو قِلابة، فحدث أبو قِلابة فقال :إن الله تعالى لما لَعَنَ إبليس سأله النَّظرة فقال :وعِزَّتِك وجلالك لا أَخْرُجُ من قَلْبِ ابن آدمَ ما دام فيه الروح. فقال الله :وعزتي٢٥ لا أمنعه التوبة ما دام فيه الروح.
وقد ورد هذا في حديث مرفوع، رواه الإمام أحمد في مسنده من طريق عمرو بن أبي عمرو وأبي الهيثم العُتْوارِي كلاهما عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" قال إبليس :وعِزَّتِك لا أزَالُ أُغْوِيهم ما دامت أرْوَاحهُمْ في أجسادهم. فقال الله عز وجل :وعزتي وجلالي، لا أزال٢٦ أغْفِرُ لهم ما اسْتَغْفَرُوني " ٢٧.
فقد دلت هذه الأحاديث على أن من تاب إلى الله عز وجل وهو يرجو الحياة، فإن توبته مقبولة [ منه ]٢٨ ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ فأما متى وقع الإياس من الحياة، وعاين الملك، وحَشْرَجَتِ الروح في الحلق، وضاق بها الصدر، وبلغت الحلقوم، وَغَرْغَرَتِ النفس صاعدة في الغَلاصِم - فلا توبة متقبلة حينئذ، ولات حين مناص ؛
ولهذا قال [ تعالى ]٢٩ ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ ﴾
١ زيادة من جـ، ر، أ..
٢ تفسير عبد الرزاق (١/١٥٢)..
٣ في أ: "بمعصيته".
.

٤ في أ: "عباس"..
٥ في ر: "نصير"..
٦ زيادة من ر، أ..
٧ المسند (٢/١٣٢) وسنن الترمذي برقم (٣٥٣٧) وسنن ابن ماجة برقم (٤٢٥٣)..
٨ في ر، أ: "طريق أخرى"..
٩ في أ: "يعمر"..
١٠ في جـ، أ: "الباهلي"..
١١ ورواه أبو نعيم في الحلية (٣/٣٢٠) من طريق يحيى بن عبد الله عن أيوب بن نهيك، ثم قال: هذا حديث غريب من حديث عطاء، تفرد به أيوب بن نهيك..
١٢ في جـ، ر، أ: "بلحارث"..
١٣ مسند الطيالسي (ص ٣٠١) وهو عنده من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، ورواه أحمد في مسنده (٢/٢٠٦) من طريق عفان عن شعبة بنحوه، من مسند عبد الله بن عمرو بن العاص، وقال الهيثمي في المجمع (١٠/١٩٧): "فيه راو لم يسم وبقية رجاله ثقات".
.

١٤ في هـ: "أبو الوليد" وهو خطأ..
١٥ في جـ، ر، أ: "السلماني"..
١٦ في أ: "وقال"..
١٧ زيادة من جـ..
١٨ في أ: "قبل أن"..
١٩ في ر: "السلماني"..
٢٠ المسند (٣/٤٢٥) وسنن سعيد بن منصور برقم (٥٩٧)..
٢١ وفي إسناده عمران بن عبد الرحيم بن أبي الورد، قال السليماني: فيه نظر وهو الذي وضع حديث أبي حنيفة عن مالك رحمهما الله تعالى، وقال أبو الشيخ: كان يرمى بالرفض. لسان الميزان (٤/٣٤٧)..
٢٢ تفسير الطبري (٨/٩٦) ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٣/٤٦٣)..
٢٣ تفسير الطبري (٨/٩٦)..
٢٤ تفسير الطبري (٨/٩٦) وقتادة لم يسمع من عبادة بن الصامت
.

٢٥ في أ: "عز وجل"..
٢٦ في جـ، ر، أ: "ولا أزال"..
٢٧ المسند (٣/٧٦)..
٢٨ زيادة من أ..
٢٩ زيادة من جـ، ر، أ..
وهذا كما قال تعالى : ﴿ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ [ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ]١ الآيتين، [ غافر :٨٤، ٨٥ ] وكما حكم تعالى بعدم توبة أهل الأرض إذا عاينوا الشمس طالعة من مغربها كما قال [ تعالى ]٢ ﴿ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ﴾ الآية [ الأنعام :١٥٨ ].
وقوله : ﴿ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ [ الآية ]٣ يعني :أن الكافر إذا مات على كفره وشركه لا ينفعه ندمه ولا توبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض [ ذهبا ]٤.
قال ابن عباس، وأبو العالية، والربيع بن أنس : ﴿ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ قالوا :نزلت في أهل الشرك.
وقال الإمام أحمد :حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان، قال :حدثني أبي، عن مكحول :أن عُمَرَ بن نعيم حدثه عن أسامة بن سلمان :أن أبا ذر حدثهم :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله يقبل تَوْبَةَ عَبْدِه - أو يغفر لعبده - ما لم يَقَعِ الحِجَاب ". قيل :وما وُقُوع الحجاب ؟ قال :" أن تَخرجَ النَّفْسُ وهي مُشْرِكة " ٥ ؛ ولهذا قال [ تعالى ]٦ ﴿ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا ﴾ أي :موجعا شديدا مقيما.
١ زيادة من جـ، ر، أ..
٢ زيادة من ر، وفي أ: "في قوله"..
٣ زيادة من أ..
٤ زيادة من جـ، أ..
٥ المسند (٥/١٧٤)..
٦ زيادة من أ.
.

قال البخاري :حدثنا محمد بن مُقَاتل، حدثنا أسْبَاط بن محمد، حدثنا الشَّيْباني عن عكرمة، عن ابن عباس - قال الشيباني :وذكره أبو الحسن السَّوَائي، ولا أظُنُّه ذكره إلا عن ابن عباس - : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ قال :كانوا إذا مات الرجل كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضُهم تزوجها، وإن شاءوا زَوَّجُوها، وإن شاؤوا لم يُزَوِّجوها، فهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية في ذلك.
هكذا رواه البخاري وأبو داود، والنسائي، وابن مَرْدُويه، وابن أبي حاتم، من حديث أبي إسحاق الشيباني - واسمه سليمان بن أبي سليمان - عن عكرمة، وعن أبي الحسن السوائي واسمه عطاء، كوفي أعمى - كلاهما عن ابن عباس بما تقدم١.
وقال أبو داود :حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت المَرْوزي، حدثني علي بن حُسَين، عن أبيه، عن يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال : ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ وذلك أن الرجل كان٢ يرث امرأة ذي قرابته، فيَعْضلها حتى تموت أو تَرُد إليه صداقها، فأحكَمَ الله تعالى عن ذلك، أي نهى عن ذلك.
تفرد به أبو داود٣ وقد رواه غَيْر واحد عن ابن عباس بنحو٤ ذلك، فقال وَكِيع عن سفيان، عن علي بن بذيمة، عن مِقْسم، عن ابن عباس :كانت المرأة في الجاهلية إذا تُوفِّي عنها زوجها فجاء رجل فألقى عليها ثوبًا، كان أحق بها، فنزلت : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾٥.
وروى علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ قال :كان الرجل إذا مات وترك جارية، ألقى٦ عليها حميمه٧ ثوبه، فمنعها من الناس. فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دَميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
وروى٨ العوفي عنه :كان الرجل من أهل المدينة إذا مات حميمُ أحدهم ألقى ثوبه على امرأته، فَورِث نكاحها ولم ينكحها أحد غيره، وحبسها عنده حتى تفتدي منه بِفِدْيَةٍ :فأنزل الله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾
وقال زيد بن أسلم في الآية٩ [ ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ ]١٠ كان أهل يَثْرِبَ إذا مات الرجل منهم في الجاهلية وَرِث امرأته من يرث ماله، وكان يعضُلها حتى يرثها، أو يزوجها من أراد، وكان أهل تُهامة يُسِيء الرجل صحبة١١ المرأة حتى يطلقها، ويشترط عليها أن لا تنكح إلا من أراد حتى تفتدي منه ببعض ما أعطاها، فنهى الله المؤمنين عن ذلك. رواه ابن أبي حاتم.
وقال أبو بكر بن مَرْدُويه :حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا موسى بن إسحاق، حدثنا علي بن المنذر، حدثنا محمد بن فضيل، عن يحيى١٢ بن سعيد، عن محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه قال :لما توفي أبو قَيْس بن الأسلت أراد ابنه أن يتزوج امرأته، وكان لهم ذلك في الجاهلية، فأنزل الله : ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾
ورواه ابن جرير من حديث محمد بن فضيل، به. ثم روي من طريق ابن جُرَيج قال :أخبرني عطاء أن أهل الجاهلية كانوا إذا هَلَك الرجل وترك امرأة، حبسها أهلُه على الصبي يكون فيهم، فنزلت : ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ الآية.
قال ابن جريج :وقال مجاهد :كان الرجل إذا تُوُفي كان ابنه أحق بامرأته، ينكحها إن شاء، إذا لم يكن ابنها، أو ينكحها من شاء أخاه أو ابن أخيه.
قال ابن جريج :وقال عكرمة :نزلت في كُبَيْشَةَ بنت مَعْن بن عاصم بن الأوس، توفي عنها أبو قيس ابن الأسلت، فجنَحَ عليها ابنُه، فجاءت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقالت :يا رسول الله، لا أنا وَرِثْتُ زوجي، ولا أنا تُرِكْتُ فأنكح، فنزلت هذه الآية.
وقال السدي عن أبي مالك :كانت المرأة في الجاهلية إذا مات زوجها، جاء وليه فألقى عليها ثوبًا، فإن كان له ابن صغير أو أخ حبسها حتى يَشب١٣ أو تموت فيرثها، فإن هي انفلتت فأتت أهلها، ولم يلق عليها ثوبًا نَجَتْ، فأنزل الله : [ تعالى ]١٤ ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾
وقال مجاهد في الآية :كان الرجل يكون في حجره اليتيمة هو يلي أمرها، فيحبسها رجاء أن تموت امرأته، فيتزوجها أو يزوجها ابنه. رواه ابن أبي حاتم. ثم قال :ورُوِيَ عن الشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وأبي مِجْلَز، والضحاك، والزهري، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حَيَّان - نحوُ ذلك.
قلت :فالآية تعم ما كان يفعله أهل الجاهلية، وما ذكره مجاهد ومن وافقه، وكل ما كان فيه نوع من ذلك، والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ أي :لا تُضارّوهن في العِشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقًا من حقوقها عليك، أو شيئًا من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ يقول :ولا تقهروهن ﴿ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ يعني :الرجل تكون له امرأة١٥ وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مَهرٌ فيَضرها١٦ لتفتدي.
وكذا قال الضحاك، وقتادة [ وغير واحد ]١٧ واختاره ابن جرير.
وقال ابن المبارك وعبد الرزاق :أخبرنا مَعْمَرٌ قال :أخبرني سِمَاك بن الفضل، عن ابن البَيْلمَاني١٨ قال :نزلت هاتان الآيتان إحداهما في أمر الجاهلية، والأخرى في أمرالإسلام. قال عبد الله بن المبارك :يعني قوله : ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ﴾ في الجاهلية ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ في الإسلام.
وقوله : ﴿ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن المُسَيَّب، والشَّعْبِيُّ، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن جُبَيْرٍ، ومجاهد، وعِكْرَمَة، وعَطاء الخراسانيّ، والضَّحَّاك، وأبو قِلابةَ، وأبو صالح، والسُّدِّي، وزيد بن أسلم، وسعيد بن أبي هلال :يعني بذلك الزنا، يعني :إذا زنت فلك أن تسترجع منها الصداق الذي أعطيتها وتُضَاجرهَا حتى تتركه لك وتخالعها، كما قال تعالى في سورة البقرة : ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلا أَنْ يَخَافَا أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ [ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ]١٩ الآية[ البقرة :٢٢٩ ].
وقال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك :الفاحشة المبينة :النُّشوز والعِصْيان.
واختار ابن جرير أنَّه يَعُم ذلك كلَّه :الزنا، والعصيان، والنشوز، وبَذاء اللسان، وغير ذلك.
يعني :أن هذا كله يُبيح مضاجرتها حتى تُبْرئه من حقها أو بعضه ويفارقها، وهذا جيد، والله أعلم، وقد تقدم فيما رواه أبو داود منفردا به من طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس [ رضي الله عنهما ]٢٠ في قوله : ﴿ لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ ﴾ قال :وذلك أن الرجل كان يرث امرأة ذي قرابته، فيعضُلها حتى تموت أو ترد إليه صداقها، فأحكم الله عن ذلك، أي نهى عن ذلك.
قال٢١ عكرمة والحسن البصري :وهذا يقتضي أن يكون السياق كله كان في أمر الجاهلية، ولكن نهي المسلمون عن فعله في الإسلام.
قال عبد الرحمن بن زيد :كان العَضْل في قريش بمكة، ينكحُ الرجلُ المرأة الشريفة فلعلها لا توافقه، فيفارقها على أن٢٢ لا تُزوّج٢٣ إلا بإذنه، فيأتي بالشهود فيكتب ذلك عليها ويشهد، فإذا خطبها الخاطب فإن أعطته وأرضته أذن٢٤ لها، وإلا عَضلها. قال :فهذا قوله : ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ الآية.
وقال مجاهد في قوله : ﴿ وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ﴾ هو كالعضل في سورة البقرة.
وقوله : ﴿ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي :طيِّبُوا أقوالكم لهن، وحَسّنُوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى : ﴿ وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ [ البقرة :٢٢٨ ] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لأهْلِهِ، وأنا خَيْرُكُم لأهْلي " ٢٥ وكان من أخلاقه صلى الله عليه وسلم أنه جَمِيل العِشْرَة دائم البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بهم، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يَتَوَدَّدُ إليها بذلك. قالت :سَابَقَنِي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فَسَبَقْتُهُ، وذلك قبل أن أحملَ اللحم، ثم سابقته بعد ما حملتُ اللحمَ فسبقني، فقال :" هذِهِ بتلْك " ٢٦ ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها. وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كَتِفَيْه الرِّداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل٢٧ منزله يَسْمُر مع أهله قليلا قبل أن ينام، يُؤانسهم بذلك صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [ الأحزاب :٢١ ].
وأحكام عشرة النساء وما يتعلق بتفصيل ذلك موضعه كتاب " الأحكام "، ولله الحمد.
وقوله تعالى : ﴿ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا [ وَيَجْعَلُ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ]٢٨ أي :فعَسَى أن يكون صبركم مع٢٩ إمساككم لهن وكراهتهن فيه، خير كثير لكم في الدنيا والآخرة. كما قال ابن عباس في هذه الآية :هو أن يَعْطف عليها، فيرزقَ منها ولدًا. ويكون في ذلك الولد خير كثير٣٠ وفي الحديث الصحيح :" لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن سَخِطَ منها خُلُقا رَضِيَ منها آخر " ٣١.
١ صحيح البخاري برقم (٤٥٧٩) وسنن أبي داود برقم (٦٠٨٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٤)..
٢ في ر: "كما"..
٣ سنن أبي داود برقم (٢٠٩٠)..
٤ في ر: "نحو"..
٥ ورواه الطبري في التفسير (٨/١٠٨) من طريق ابن وكيع عن وكيع به إلا أنه أوقفه على مقسم..
٦ في ر: "وألقى"..
٧ في أ: "خيمة"..
٨ في ر: "وقال"..
٩ في جـ، ر، أ: "في قوله"..
١٠ زيادة من جـ، ر، أ..
١١ في جـ، أ: "صحبته"..
١٢ في أ: "محمد"..
١٣ في أ: "يشيب"..
١٤ زيادة من ر.
.

١٥ في جـ، ر، أ: "يكون له المرأة"..
١٦ في أ: "فيضربها"..
١٧ زيادة من جـ، أ..
١٨ في ر، أ: "السلماني"..
١٩ زيادة من ر، أ..
٢٠ زيادة من أ.
.

٢١ في جـ، ر، أ: ك "وهكذا قال"..
٢٢ في جـ، أ: "أنه"..
٢٣ في أ: "تتزوج"..
٢٤ في ر: "فأذن"..
٢٥ جاء من حديث ابن عباس: رواه ابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٧) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٥) "موارد" من طريق جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان عن عطاء عن ابن عباس.وقال البوصيري في الزوائد (٢/١١٧): "هذا إسناد ضعيف، عمارة بن ثوبان ذكره ابن حبان في الثقات، وقال عبد الحق: ليس بالقوى، فرد ذلك عليه ابن القطان، وجعفر بن يحيى. قال ابن المديني: شيخ مجهول، وقال ابن القطان الفاسي: مجهول الحال، وذكره ابن حبان في الثقات.وجاء من حديث عائشة: رواه الترمذي في السنن برقم (٣٨٩٢) وابن حبان في صحيحه برقم (١٣١٢) من طريق سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب"، من حديث الثوري، ما أقل من رواه عن الثوري..
٢٦ رواه النسائي في السنن الكبرى برقم (٨٩٤٢) وابن ماجة في السنن برقم (١٩٧٩) من طريق سفيان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة به..
٢٧ في ر، أ: "فدخل".
.

٢٨ زيادة من جـ، ر، أ..
٢٩ في أ: "على"..
٣٠ في ر: "كبير"..
٣١ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٤٦٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
وقوله : ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ﴾ أي :إذا أراد أحدكم أن يفارق امرأة ويستبدل مكانها غيرها، فلا يأخذن مما كان أصدق الأولى شيئاً، ولو كان قنطارا من مال.
وقد قدمنا في سورة آل عمران الكلام على القنطار بما فيه كفاية عن إعادته هاهنا.
وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل، وقد كان عمر بن الخطاب نهى عن كثرة الإصداق، ثم رجع عن ذلك كما قال الإمام أحمد :حدثنا إسماعيل، حدثنا سلمة١ بن علقمة، عن محمد بن سِيرين، قال :نُبِّئْت عن أبي العَجْفَاء السُّلميِّ قال :سمعت عمر بن الخطاب يقول :ألا لا تُغْلُوا في صَداق٢ النساء، فإنها لو كانت مَكْرُمَةً في الدنيا أو تَقْوَى عند الله كان أولاكم بها النبي صلى الله عليه وسلم، ما أصْدَقَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم امرأةً من نسائه، ولا أُصدِقَت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أُوقِيَّة، وإن كان الرجل ليُبْتَلَى بصَدُقَةِ امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه، وحتى يقول :كَلِفْتُ إليك عَلَق القِرْبة، ثم رواه أحمد وأهل السنن من طرق، عن محمد بن سيرين، عن أبي العجفاء - واسمه هرم ابن مُسَيب البصري - وقال الترمذي :هذا حديث حسن صحيح٣.
طريق أخرى عن عمر :قال الحافظ أبو يعلى :حدثنا أبو خَيْثَمَةَ، حدثنا يعقوب بن إبراهيم حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن عبد الرحمن، عن المجالد٤ بن سعيد، عن الشعبي، عن مسروق، قال :ركب عمر بن الخطاب منبر رسول الله ثم قال :أيها الناس، ما إكثاركم في صُدُق النساء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وإنما الصدقات فيما بينهم أربعمائة درهم فما دون ذلك. ولو كان الإكثار في ذلك تقوى عند الله أو كرامة٥ لم تسبقوهم إليها. فَلا أعرفَنَّ ما زاد رجل في صداق امرأة على أربعمائة درهم قال :ثم نزل فاعترضته امرأة من قريش فقالت : ٦ يا أمير المؤمنين، نَهَيْتَ الناس أن يزيدوا النساء صداقهم٧ على أربعمائة درهم ؟ قال :نعم. فقالت :أما سمعت ما أنزل الله٨ في القرآن ؟ قال :وأي ذلك ؟ فقالت :أما سمعت الله يقول : ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا [ فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا ]٩ [ النساء :٢٠ ] قال :فقال :
اللهم غَفْرًا، كُلُّ الناس أفقه من عمر. ثم١٠ رجع فركب المنبر فقال :إني١١ كنت نهيتكم أن تزيدوا النساء في صداقهن١٢ على أربعمائة درهم، فمن شاء أن يعطي من ماله ما أحب. قال أبو يعلى :وأظنه قال :فمن طابت نفسه فليفعل. إسناده جيد قوي١٣.
طريق أخرى :قال ابن المنذر :حدثنا إسحاق بن إبراهيم عن عبد الرزاق، عن قيس بن ربيع، عن أبي حصين، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال :قال عمر بن الخطاب :لا تغالوا في مهور١٤ النساء. فقالت امرأة :ليس ذلك لك يا عمر، إن الله تعالى يقول :" وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب ". قال :وكذلك هي في قراءة عبد الله بن مسعود :" فلا يحل لكم أن تأخذوا منه شيئا " فقال عمر :إن امرأة خاصمت عمر فخصمته١٥.
طريق أخرى :عن عمر فيها انقطاع :قال الزبير بن بكار حدثني عمي مصعب بن عبد الله عن جدي قال :قال عمر بن الخطاب لا تزيدوا في مهور١٦ النساء وإن كانت بنت ذي الغُصّة - يعني يزيد ابن الحصين الحارثي - فمن زاد ألقيت الزيادة في بيت المال. فقالت امرأة - من صُفَّة النساء طويلة، في أنفها فَطَس - :ما ذاك لك. قال :ولم ؟ قالت :لأن الله [ تعالى ]١٧ قال : ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا ﴾ الآية. فقال عمر :امرأة أصابت١٨ ورجل أخطأ١٩. ولهذا قال [ الله ]٢٠ منكرا : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾
١ في أ: "مسهر"..
٢ في جـ، ر، أ: "صدق"..
٣ المسند (١/٤٠) ورواه أبو داود في السنن برقم (٢١٠٦) والترمذي في السنن برقم (١١١٤) والنسائي في السنن (٦/١١٧) وابن ماجة: في السنن برقم (١٨٨٧)..
٤ في جـ: "مجالد"..
٥ في جـ، ر، أ: "أو مكرمة"..
٦ في جـ، أ. "فقالت له"..
٧ في جـ، ر، أ: "في صدقاتهن"..
٨ في جـ، أ: "ما قال الله"..
٩ زيادة من جـ، ر، وفي هـ: "الآية".
.

١٠ في أ: "قال: ثم"..
١١ في جـ، أ: "أيها الناس، إني"..
١٢ في جـ، أ: "في صدقهن" وفي ر: "صدقاتهن"..
١٣ ورواه سعيد بن منصور في السنن برقم (٥٩٨) "الأعظمي" ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى (٧/٢٣٣) فقال: أخبرنا هيثم أخبرنا مجالد عن الشعبي قال: خطب عمر رضي الله عنه الناس فذكر بنحوه.انظر: إرواء الغليل (٦/٣٤٨) للشيخ ناصر الألباني فقد بين ضعف هذه الرواية ومخالفتها لما في السنن..
١٤ في أ: "مهر"..
١٥ رواه عبد الرزاق في المصنف برقم (١٠٤٢٠) من طريق قيس بن الربيع به. قال الشيخ ناصر الألباني في إرواء الغليل (١/٣٤٨): "إسناد ضعيف فيه علتان: الأولى: الانقطاع، فإن أبا عبد الرحمن السلمي، واسمه عبد الله بن حبيب بن ربيعة، لم يسمع من عمر كما قال ابن معين.الأخرى: سوء حفظ قيس بن الربيع"..
١٦ في أ: "لا يزيد في مهر"..
١٧ زيادة من جـ، أ..
١٨ في ر: "صابت"..
١٩ ذكره السيوطي في الدر (٢/٤٦٦) ونسبه للزبير في الموفقيات. قال الحافظ ابن كثير في مسند عمر بن الخطاب (٢/٥٧٣): "فيه انقطاع"..
٢٠ زيادة من أ..
أي :وكيف تأخذون الصداق من المرأة وقد أفضيت إليها وأفضَتْ إليك.
قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وغير واحد :يعني بذلك الجماع.
وقد ثبت في الصحيحين :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للمتلاعنين بعد فراغهما من تلاعنهما :" الله يعلم أن أحدكما كاذب. فهل منكما تائب " ثلاثًا. فقال الرجل :يا رسول الله، مالي - يعني :ما أصدقها١ - قال :" لا مال لك إن كنت صدَقْت عليها فهو بما استحللت من فرجها وإن كنت كذبت عليها فهو أبعد لك منها٢.
وفي سنن أبي داود وغيره عن بصرة بن أكتم٣ أنه تزوج امرأة بكرًا في خدرها، فإذا هي حامل٤ من الزنا، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له. فقضى لها بالصداق وفرَق بينهما، وأمر بجلدها، وقال :" الولد عبد لك " ٥.
فالصداق في مقابلة البُضْع، ولهذا قال تعالى : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾
وقوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا ﴾ روي عن ابن عباس ومجاهد، وسعيد بن جبير :أن المراد بذلك العَقْد.
وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَأَخَذْنَ مِنْكُم مِّيثَاقًا [ غَلِيظًا ]٦ قال :قوله :إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
قال ابن أبي حاتم :وروي عن عكرمة، ومجاهد، وأبي العالية، والحسن، وقتادة، ويحيى بن أبي كثير، والضحاك والسدي - نحو ذلك.
وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس في الآية٧ هو قوله :أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فإن " كلمة الله " هي التشهد في الخطبة. قال :وكان فيما أعطى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة أسرى به قال له :جعلت أمتك لا تجوز لهم خُطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ورسولي. رواه ابن أبي حاتم.
وفي صحيح مسلم، عن جابر في خُطبة حِجة الوداع :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيها :" واستوصوا بالنساء خيرًا، فإنكم أخذتموهن بأمان الله، واستحللتم فُروجهن بِكَلِمَة الله " ٨.
١ في أ: "ما أصدقتها"..
٢ صحيح البخاري برقم (٥٣١٢) وصحيح مسلم برقم (١٤٩٣) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنه.
.

٣ في جـ، ر، أ: "بصرة بن أبي بصرة"..
٤ في جـ، أ: "حبلى"..
٥ سنن أبي داود برقم (٢١٣١)..
٦ زيادة من جـ، ر، أ..
٧ في جـ، ر، أ: "وأخذن منكم ميثاقا غليظا"..
٨ صحيح مسلم برقم (١٢١٨)..
وقوله تعالى : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا ]١ يُحَرم تعالى زوجات الآباء تكرمة لهم، وإعظامًا واحترامًا أن توطأ من بعده، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه.
قال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا قيس بن الربيع عن أشعث بن سَوَّار، عن عدي بن ثابت، عن رجل من الأنصار قال :لما توفي أبو قَيْس - يعني ابن الأسلت - وكان من صالحي الأنصار، فخطب ابنَه قيس امرأته، فقالت :إنما أعُدُّكَّ ولدا وأنت من صالحي قومك، ولكن آتي٢ رسول الله صلى الله عليه وسلم فأستأمره. فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت :إن أبا قيس تُوفِّي. فقال :" خيرا ". ثم قالت :إن ابنه قيسًا خطبني وهو من صالحي قومه. وإنما كنت أعده ولدًا، فما ترى ؟ فقال٣ لها :" ارجعي إلى بيتك ". قال :فنزلت هذه الآية ﴿ وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ ]٤ الآية.
وقال ابن جرير :حدثنا القاسم، حدثنا، حسين، حدثنا حَجَّاج، عن ابن جُرَيْج، عن عِكْرمة في قوله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ [ الآية ]٥ قال :نزلت في أبي قيس ابن الأسلت، خُلِّفَ على أم عبيد٦ الله بنت صخر٧ وكانت تحت الأسلت أبيه، وفي الأسود بن خَلَفَ، وكان خلف على ابنة أبي طلحة بن عبد العُزّى بن عُثمان بن عبد الدار، وكانت عند أبيه خَلَف، وفي فاخِتَة ابنة الأسود بن المطلب بن أسد، كانت عند أمية بن خَلَف، فخُلِّف عليها صفوان ابن أمية٨.
وقد زعم السُّهيلي أن نكاح نساء الآباء كان معمولا به في الجاهلية ؛ ولهذا قال : ﴿ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ كما قال ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ قال :وقد فعل ذلك كِنَانة بن خزيمة، تزوج بامرأة أبيه، فأولدها ابنه النضْر بن كنانة قال :وقد قال صلى الله عليه وسلم :" وُلِدتُ من نِكاحٍ لا من سِفَاحٍ ". قال :فدل على أنَّه كان سائغًا لهم ذلك، فإن أراد أن ذلك كان عندهم يعدونه نكاحًا فيما بينهم، فقد قال ابن جرير :حدثنا محمد بن عبد الله المخرمي٩ حدثنا قُرَاد، حدثنا ابن عيينة عن عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس قال :كان أهل الجاهلية يُحَرِّمون ما حرم الله، إلا امرأة الأب والجمع بين الأختين، فأنزل الله : ﴿ وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ ﴿ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأخْتَيْنِ ﴾ وهكذا قال عطاء وقتادة. ولكن فيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر، والله أعلم. على كل تقدير فهو حرام في هذه الأمة، مُبَشَّع غاية التبشع١٠ ولهذا قال : ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلا ﴾ ولهذا قال١١ [ تعالى ]١٢ ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ﴾ [ الأنعام :١٥١ ] وقال ﴿ وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلا ﴾ [ الإسراء :٣٢ ] فزاد هاهنا : ﴿ وَمَقْتًا ﴾ أي :بُغْضًا، أي هو أمر كبير في نفسه، ويؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله ؛ ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة ؛ لأنهن أمهات، لكونهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كالأب [ للأمة ]١٣ بل حقه أعظم من حق الآباء بالإجماع، بل حبه مقدم على حب النفوس صلوات الله وسلامه عليه.
وقال عَطاء بن أبي رَباح في قوله : ﴿ ومقتا ﴾ أي :يمقت الله عليه ﴿ وَسَاءَ سَبِيلا ﴾ أي :وبئس طريقا لمن سلكه من الناس، فمن تعاطاه بعد هذا فقد ارتد عن دينه، فيقتل، ويصير ماله فيئا لبيت المال. كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، من طرق، عن البراء بن عازب، عن خاله أبي١٤ بردة - وفي رواية :ابن عمر - وفي رواية :عن عمه :أنه بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه من بعده أن يقتله ويأخذ ماله.
وقال الإمام أحمد :حدثنا هُشَيْم، حدثنا أشعث، عن عدي بن ثابت، عن البراء بن عازب قال :مرَّ بي عمي الحارث بن عمرو، ومعه لواء قد عقده له النبي١٥ صلى الله عليه وسلم فقلت له :أي عم، أين بعثك النبي [ صلى الله عليه وسلم ]١٦ ؟ قال :بعثني إلى رجل تزوج امرأة أبيه فأمرني أن أضرب عنقه١٧.
مسألة :
وقد أجمع١٨ العلماءُ على تحريم من وطئها الأبُ بتزويج أو ملك أو بشبهة أيضًا، واختلفوا فيمن باشرها بشهوة دون الجماع، أو نظر إلى ما لا يحل له النظر إليه منها لو كانت أجنبية. فعن الإمام أحمد رحمه الله أنها تحرم أيضا بذلك. قد روى [ الحافظ ]١٩ ابن٢٠ عساكر في ترجمة خُدَيْج الحِصْنِيّ٢١ مولى معاوية قال :اشترى لمعاوية جارية بيضاء جميلة، فأدخلها عليه مجردة وبيده قضيب. فجعل يهوي به إلى متاعها ويقول :هذا المتاع لو كان له متاع ! اذهب بها إلى يزيد بن معاوية. ثم قال :لا ادع لي ربيعة بن عمرو الجُرَشِي - وكان فقيها - فلما دخل عليه قال :إن هذه أتيت بها مجردة، فرأيت منها ذاك وذاك، وإني أردت أن أبعث بها إلى يزيد. فقال :لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنها لا تصلح له. ثم قال :نعم ما رأيت. ثم قال :ادع لي عبد الله بن مسعدة الفزاري، فدعوته، وكان آدم شديد الأدمة، فقال :دونك هذه، بَيض بها ولدك. قال :و[ قد ]٢٢ كان عبد الله بن مسعدة هذا وهبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنته فاطمة فربته ثم أعتقته ثم كان بعد ذلك مع معاوية من الناس عَلَى عَلِي [ بن أبي طالب ]٢٣ رضي الله عنه.
١ زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ في أ: "أتيت"..
٣ في جـ، ر، أ، "قال"..
٤ زيادة من ج، ر، أ.
.

٥ زيادة من أ..
٦ في أ: "عبد"..
٧ في جـ، ر، أ: "ضمرة"..
٨ تفسير الطبري (٨/١٣٣)..
٩ في أ: "المحرمي"..
١٠ في ر: "التبشيع"..
١١ في جـ، ر، أ: "وقد قال"..
١٢ زيادة من ر..
١٣ زيادة من أ..
١٤ في ر: "أبو" وهو خطأ.
.

١٥ في ر: "رسول الله"..
١٦ زيادة من جـ، ر، أ..
١٧ المسند (٤/٣٩٢)..
١٨ في أ: "اجتمع"..
١٩ زيادة من أ..
٢٠ في أ: "أبو"..
٢١ في جـ، أ: "الحمصي"، ولم أجد ترجمته فيما بين يدي من تاريخ دمشق لابن عساكر ولا في المختصر لابن منظور..
٢٢ زيادة من جـ، أ..
٢٣ زيادة من جـ، ر، أ.
.

هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب، وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر، كما قال ابن أبي حاتم :حدثنا أحمد بن سِنان، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان بن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال :حُرمت عليكم سبع نَسَبًا، وسبع صِهْرًا، وقرأ : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ ﴾ الآية.
وحدثنا أبو سعيد بن يحيى بن سعيد، حدثنا أبو أحمد، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إسماعيل بن رجاء١ عن عُمَير مولى ابن عباس، عن ابن عباس قال :يحرم من النسب سبع ومن الصهر سبع، ثم قرأ : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأخِ وَبَنَاتُ الأخْتِ ﴾ فهن٢ النسب.
وقد استدل جمهور العلماء على تحريم المخلوقة من ماء الزاني عليه بعموم قوله تعالى : ﴿ وبناتكم ﴾ ؛ فإنها بنت فتدخل في العموم، كما هو مذهب أبي حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل. وقد حُكيَ عن الشافعي شيء في إباحتها ؛ لأنها ليست بنتًا شرعية، فكما لم تدخل في قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ﴾ فإنها لا ترث بالإجماع، فكذلك لا تدخل في هذه الآية. والله أعلم.
وقوله : ﴿ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ ﴾ أي كما تحرم٣ عليك أمك التي ولدتك، كذلك يحرم عليك أمك التي أرضعتك ؛ ولهذا روى البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث مالك بن أنس، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة أم المؤمنين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الرضاعة تحرم ما تحرّم الولادة "، وفي لفظ لمسلم :" يَحْرُم من الرضاعة ما يَحْرُم من النسب " ٤.
وقد قال بعض الفقهاء :كما يحرم بالنسب يحرم بالرضاع إلا في أربع صور. وقال بعضهم :ست صور، هي٥ مذكورة في كتب الفروع. والتحقيق أنه لا يستثنى شيء من ذلك ؛ لأنه يوجد مثل بعضها في النسب، وبعضها إنما يحرم من جهة الصهر، فلا يرد٦ على الحديث شيء أصلا البتة، ولله الحمد.
ثم اختلف الأئمة في عدد الرضعات المحرمة، فذهب ذاهبون إلى أنه يحرم مجرد الرضاع لعموم هذه الآية. وهذا قول مالك، ويحكى عن ابن عمر، وإليه ذهب سعيد بن المُسَيَّب، وعُرْوَة بن الزبير، والزُّهْرِي.
وقال آخرون :لا يحرم أقل من ثلاث رضعات لما ثبت في صحيح مسلم، من طريق هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تُحرِّم المصةُ والمصتان " ٧.
وقال قتادة، عن أبي الخليل، عن عبد الله بن الحارث، عن أم الفضل قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تُحرم الرَّضْعَة ولا الرضعتان، والمصَّة٨ ولا المصتان "، وفي لفظ آخر :" لا تحرم الإمْلاجَة ولا الإملاجتان " رواه مسلم٩.
وممن ذهب إلى هذا القول الإمام أحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد، وأبو ثور. ويحكى١٠ عن علي، وعائشة، وأم الفضل، وابن الزبير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، رحمهم الله.
وقال آخرون :لا يحرم أقل من خمس رضعات، لما ثبت في صحيح مسلم من طريق مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عَمْرة١١ عن عائشة، رضي الله عنها، قالت :كان فيما أنزل [ الله ]١٢ من القرآن :عشر رضعات معلومات يحرمن. ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله صلى لله عليه وسلم وهن فيما يقرأ من القرآن.
وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة نحو ذلك١٣.
وفي حديث سَهْلة بنت سهيل :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن تُرضِع مولى أبي حذيفة خمس رضعات١٤ وكانت عائشة تأمر من يريد أن يدخل عليها أن يُرْضع خمس رضعات. وبهذا قال الشافعي، رحمه الله [ تعالى ]١٥ وأصحابه. ثم ليعلم أنه لا بد أن تكون الرضاعة في سن الصغر دون الحولين على قول الجمهور. وكما١٦ قدمنا الكلام على هذه المسألة في سورة البقرة، عند قوله : ﴿ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ﴾ [ الآية :٢٣٣ ].
واختلفوا :هل يحرم لبن الفَحْل، كما هو قول جمهور الأئمة الأربعة وغيرهم ؟ وإنما يختص الرضاع بالأم فقط، ولا ينتشر إلى ناحية الأب كما هو لبعض السلف ؟ على قولين، ١٧ تحرير هذا كله في كتاب " الأحكام الكبير ".
وقوله : ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أما١٨ أم المرأة فإنها تحرم بمجرد العقد على ابنتها، سواء دخل بها أو لم يدخل. وأما الربيبة وهي بنت المرأة فلا تحرم بمجرد العقد على أمها حتى يدخل بها، فإن طلق الأم قبل الدخول بها جاز له أن يتزوج بنتها، ولهذا قال : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ [ أي ]١٩ في تزويجهن، فهذا خاص بالربائب وحدهن.
وقد فهم بعضُهم عود الضمير إلى الأمهات [ و ]٢٠ الربائب فقال :لا تحرم واحدة من الأم ولا البنت بمجرد العقد على الأخرى حتى يدخل بها ؛ لقوله : ﴿ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾
وقال٢١ ابن جرير :حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي وعبد الأعلى، عن سعيد عن قتادة، عن خِلاس بن عَمْرو، عن علي، رضي الله عنه، في رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها، أيتزوج أمها ؟ قال :هي بمنزلة الربيبة.
وحدثنا ابن بشار حدثنا يحيى بن٢٢ سعيد، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن زيد بن ثابت قال :إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يدخل بها فلا بأس أن يتزوج أمها.
وفي رواية عن قتادة، عن سعيد، عن زيد بن ثابت ؛ أنه كان يقول :إذا ماتت عنده وأخذ ميراثها كُره أن يخلف على أمها، فإذا طلقها قبل أن يدخل بها فإن شاء فعل.
وقال ابن المنذر :حدثنا إسحاق، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج قال :أخبرني أبو بكر بن حفص، عن مسلم بن٢٣ عويمر الأجدع أن٢٤ بكر بن كنانة أخبره أن أباه أنكحه امرأة بالطائف قال :فلم أجامعها حتى توفي عَمي عن أمها، وأمها ذات مال كثير، فقال أبي :هل لك في أمها ؟ قال :فسألت ابن عباس وأخبرته الخبر٢٥ فقال :انكح أمها. قال :فسألت ابن عمر فقال :لا تنكحها. فأخبرت أبي ما قال ابن عباس وما قال ابن عمر، فكتب إلى معاوية وأخبره في كتابه بما قال ابن عُمَر وابن عباس فكتب معاوية :إني لا أحلّ ما حَرم الله، ولا أحرم ما أحل [ الله ] ٢٦ وأنت وذاك والنساء سواها كثير. فلم ينه٢٧ ولم يأذن لي، فانصرف أبي عن أمها فلم ينكحها٢٨.
وقال عبد الرزاق :أخبرنا مَعْمَر، عن سِمَاك بن الفضل، عن رجل، عن عبد الله بن الزبير قال :الربيبة والأم سواء، لا بأس بها إذا لم يدخل بالمرأة. وفي٢٩ إسناده رجل مبهم٣٠ لم يسم.
وقال ابن جريج٣١ أخبرني عكرمة بن خالد أن مجاهدًا قال له : ﴿ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾ أراد٣٢ بهما الدخول جميعًا٣٣ فهذا القول مروى كما ترى عن علي، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن الزبير، ومجاهد، وابن جبير٣٤ وابن عباس، وقد توقف فيه معاوية، وذهب إليه من الشافعية أبو الحسن أحمد بن محمد بن الصابوني، فيما نقله الرافعي عن العبادي. [ وقد خالفه جمهور العلماء من السلف والخلف، فرأوا أن الربيبة لا تحرم بمجرد العقد على الأم، وإنها لا تحرم إلا بالدخول بالأم، بخلاف الأم فإنها تحرم بمجرد العقد على الربيبة ]٣٥.
قال ابن أبي حاتم :حدثنا جعفر بن محمد بن هارون بن عَزْرة٣٦ حدثنا عبد الوهاب، عن سعيد، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس :أنه كان يقول إذا طلق الرجل امرأة قبل أن يدخل بها أو ماتت لم تحل٣٧ له أمها، أنه قال :إنها مبهمة، فكرهها.
ثم قال :ورُويَ عن ابن مسعود، وعمران بن حُصَين، ومسروق، وطاوس، وعكرمة، وعطاء، والحسن، ومكحول، وابن سيرين، وقتادة، والزهري نحو ذلك. وهذا مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة، وجمهور الفقهاء قديمًا وحديثًا، ولله الحمد والمنة.
قال٣٨ ابن جرير :والصواب، أعنى قَوْلَ من قال :" الأم من المبهمات " ؛ لأن الله لم يشرط٣٩ معهن الدخول كما شرط ذلك مع أمهات الربائب، مع أن ذلك أيضًا إجماع من الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به متفقة عليه. وقد روي بذلك أيضًا عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر، غير أنَّ في إسناده نظرًا، وهو ما حدثني به المثنى، حدثنا حبان بن موسى، حدثنا ابن المبارك، أخبرنا المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :إذا نكح الرجل المرأة فلا يحل له أن يتزوج أمها، دخل بالبنت أو لم يدخل، وإذا تزوج الأم٤٠ فلم يدخل بها ثم طلقها، فإن شاء تزوج الابنة٤١.
ثم قال :وهذا الخبر، وإن كان في إسناده ما فيه، فإن في إجماع الحجة على صحة القول به مُسْتَغْنى عن الاستشهاد على صحته بغيره.
وأما قوله : ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ ﴾ فجمهور٤٢ الأئمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا :وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له كقوله تعالى : ﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ [ النور :٣٣ ]
وفي الصحيحين أن أم حَبيبة قالت :يا رسول الله، انكح أختي بنت أبي سفيان - وفي لفظ لمسلم :عزة بنت أبي سفيان - قال :" أو تحبين ذلك ؟ " قالت :نعم، لَسْتُ لك بمُخْليَة، وأحب من شاركني في خير أختي. قال :" فإن ذلك لا يَحل٤٣ لي ". قالت :فإنا نُحَدثُ أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة. قال٤٤ بنْتَ أم سلمة ؟ " قالت٤٥ نعم. قال :إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حَلَّتْ لي، إنها لبنت٤٦ أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثُوَيْبَة فلا تَعْرضْن علي بناتكن ولا أخواتكن ". وفي رواية للبخاري :" إني لو لم أتزوج أم سلمة ما حلت لي " ٤٧.
فجعل المناط في التحريم مجرد تزويجه أم سلمة وحكم بالتحريم لذلك، وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة والفقهاء السبعة وجمهور الخلف والسلف. وقد قيل بأنه لا تحرم الربيبة إلا إذا كانت في حجر الرجل، فإذا لم يكن كذلك فلا تحرم.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا إبراهيم بن موسى، أنبأنا هشام - يعني ابن يوسف - عن ابن جريج، حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة، أخبرني مالك بن أوس بن الحدثان قال :كانت عندي امرأة فتوفيت، وقد ولدت لي، فوجِدْت عليها، فلقيني علي بن أبي طالب فقال :مالك ؟ فقلت :توفيت المرأة. فقال علي :لها ابنة ؟ قلت :نعم، وهي بالطائف. قال :كانت في حجرك ؟ قلت :لا هي بالطائف قال :فانكحها. قلت :فأين قول الله [ عز وجل ]٤٨ { وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُ
١ في جـ، أ: "بن جابر"..
٢ في جـ، ر، أ: "فهذا"..
٣ في ر: "يحرم"..
٤ صحيح البخاري رقم (٣١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١٤٤٤) وموطأ مالك (في الرضاع)..
٥ في ر: "وهي"..
٦ في أ: "لا يزد"..
٧ صحيح مسلم برقم (١٤٥٠) لكنه من طريق ابن أبي مليكة عن عبد الله بن الزبير عن عائشة.وقد رواه النسائي في السنن الكبرى من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وابن الزبير برقم (٥٤٥٨).
.

٨ في جـ، أ: "ولا المصة"..
٩ صحيح مسلم برقم (١٤٥١).
١٠ في جـ، أ: "هو محكى"..
١١ في جـ، ر، أ: "عن عروة"..
١٢ زيادة من جـ، أ..
١٣ صحيح مسلم برقم (١٤٥٢)..
١٤ وانظر قصتها في المسند (٦/٢٠١)..
١٥ زيادة من ر..
١٦ في جـ، ر، أ: "وقد"..
١٧ زيادة من جـ، ر، أ..
١٨ في ر: "أن"..
١٩ زيادة من جـ، أ..
٢٠ زيادة من ر.
.

٢١ في جـ، ر، أ: "فقال".
٢٢ في ج، ر: "عن"..
٢٣ في أ: "عن"..
٢٤ في جـ، ر: "من" وفي أ: "عن"..
٢٥ في أ: "بالخبر"..
٢٦ زيادة من جـ، أ..
٢٧ في جـ، ر، أ: "ينهنى"..
٢٨ في أ "ينكحنيها"..
٢٩ في جـ، ر: "في"..
٣٠ في أ: "متهم"..
٣١ في أ: "ابن جرير"..
٣٢ في جـ، ر، أ: "أريد"..
٣٣ في أ: "جمعا"..
٣٤ في جـ، ر: "ومجاهد بن جبير" وفي أ: "مجاهد بن جبر"..
٣٥ زيادة من جـ، ر، أ..
٣٦ في جـ، أ: "عروة"..
٣٧ في أ: "لا يمل"..
٣٨ في أ: "وقال"..
٣٩ في أ: "يشترط"..
٤٠ في أ: "بالأم"..
٤١ تفسير الطبري (٨/١٤٦) ورواه البيهقي في السنن الكبرى (٧/١٦٠) من طريق به، ثم قال البيهقي: "مثنى بن الصباح غير قوي"..
٤٢ في ر: "جمهور"..
٤٣ في أ: "لا تحل"..
٤٤ في ر: "قالت"..
٤٥ في جـ، ر: "قلت"..
٤٦ في جـ، ر: "لابنة"..
٤٧ صحيح البخاري برقم (٥١٠١) وصحيح مسلم برقم (١٤٤٩).
.

٤٨ زيادة من أ..
وقوله [ تعالى ]١ ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ أي :وحرم عليكم الأجنبيات المحصنات وهي المزوجات ﴿ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يعني :إلا ما٢ ملكتموهن بالسبي، فإنه يحل لكم وطؤهن إذا استبرأتموهن، فإن الآية نزلت في ذلك.
قال الإمام أحمد :حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان - هو الثوري - عن عثمان البَتِّي، عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري قال :أصبنا نساء٣ من سبي أوطاس، ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت هذه الآية : ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ [ قال ]٤ فاستحللنا فروجهن.
وهكذا رواه الترمذي عن أحمد بن منيع، عن هُشَيم، ورواه النسائي من حديث سفيان الثوري وشعبة بن الحجاج، ثلاثتهم عن عثمان البتي، ورواه ابن جرير من حديث أشعث بن سواري عن عثمان البتي، ورواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة عن قتادة، كلاهما عن أبي الخليل صالح بن أبي مريم، عن أبي سعيد الخدري، فذكره، وهكذا رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة عن أبي الخليل، عن أبي سعيد، به٥.
وقد روي من وجه آخر عن أبي الخليل، عن أبي عَلْقَمَةَ الهاشمي، عن أبي سعيد قال الإمام أحمد :
حدثنا ابن أبي عَدِيّ، عن سعيد، عن قتادة، عن أبي الخليل، عن أبي عَلْقَمَةَ، عن أبي سعيد الخدري ؛ أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أصابوا سبايا يوم أوطاس، لهن أزواج من أهل الشرك، فكان أناسًا٦ من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كفوا وتأثموا٧ من غشيانهن قال :فنزلت هذه الآية في ذلك : ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾
وهكذا رواه مسلم وأبو داود والنسائي من حديث سعيد بن أبي عَرُوبة - زاد مسلم :وشعبة - ورواه الترمذي من حديث همام بن يحيى، ثلاثتهم عن قتادة، بإسناده نحوه. وقال الترمذي :هذا حديث حسن، ولا أعلم أن أحدا ذكر أبا علقمة في هذا الحديث إلا ما ذكر همام عن قتادة. كذا قال. وقد تابعه سعيد وشعبة، والله أعلم٨.
وقد روى الطبراني من طريق الضحاك عن ابن عباس :أنها نزلت في سبايا خيبر، وذكر مثل حديث أبي سعيد، وقد ذهب جماعة من السلف إلى أن بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها، أخذا بعموم هذه الآية. قال ابن جرير :حدثنا ابن مثنى، حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن مغيرة، عن إبراهيم :أنه سُئل عن الأمة تباع ولها زوج ؟ قال :كان عبد الله يقول :بيعها طلاقها، ويتلو هذه الآية٩ ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾
وكذا رواه سفيان١٠ عن منصور، ومغيرة والأعمشن عن إبراهيم، عن ابن مسعود قال :بيعها طلاقها. وهو منقطع.
وقال سفيان الثوري، عن خالد، عن أبي قِلابة، عن ابن مسعود قال :إذا بيعت الأمة ولها زوج فسيدها أحق ببضعها.
ورواه سعيد، عن قتادة قال :إن أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وابن عباس قالوا :بيعها طلاقها.
وقال ابن جرير :حدثني يعقوب، [ حدثنا ]١١ ابن علية، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال :طلاق الأمة ست١٢ بيعها طلاقها، وعتقها طلاقها، وهبتها طلاقها، وبراءتها طلاقها، وطلاق زوجها طلاقها.
وقال عبد الرزاق :أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن ابن المسيب قوله : ﴿ وَالْمُحْصَناَتُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ قال :هُن١٣ ذوات الأزواج، حرّم الله نكاحهن إلا ما ملكت يمينك١٤ فبيعها طلاقها وقال معمر :وقال الحسن مثل ذلك.
وهكذا رواه سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله : ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ قال :إذا كان لها زوج فبيعها طلاقها.
وقال عوف، عن الحسن :بيع الأمة طلاقها وبيعُه طلاقُها.
فهذا قول هؤلاء من السلف [ رحمهم الله ]١٥ وقد خالفهم الجمهور قديمًا وحديثًا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقها١٦ ؛ لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما ؛ فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وَنَجَّزَتْ عتقها، ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها النبي صلى الله عليه وسلم بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، وقصتها مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها - كما قال١٧ هؤلاء لما خيرها النبي صلى الله عليه وسلم، فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط، والله أعلم.
وقد قيل :المراد بقوله : ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ يعني :العفائف حرام عليكم حتى تملكوا عصمتهن بنكاح وشهود ومهور وولي واحدة أو اثنتين١٨ أو ثلاثًا أو أربعا. حكاه ابن جرير عن أبي العالية وطاوس وغيرهما. وقال عُمَر وعبيدة : ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ ما عدا الأربع حرام عليكم إلا ما ملكت أيمانكم.
وقوله : ﴿ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ ﴾ أي :هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه، ولا تخرجوا عن حدوده، والزموا شرعه وما فرضه.
وقد قال عبيدة وعطاء والسّدّي في قوله : ﴿ كِتَابَ الله عَلَيْكُم ﴾ يعني الأربع. وقال إبراهيم : ﴿ كِتَابَ اللهِ عَلَيْكُمْ ﴾ يعني :ما حرم عليكم.
وقوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ أي :ما عدا من ذكرن من المحارم هن لكم حلال، قاله عطاء وغيره. وقال عبيدة والسدي : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ ما دون الأربع، وهذا بعيد، والصحيح قول عطاء كما تقدم. وقال قتادة ﴿ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ يعني :ما ملكت أيمانكم.
وهذه الآية هي١٩ التي احتج بها من احتج على تحليل الجمع بين الأختين، وقول من قال :أحلتهما آية وحرمتهما آية٢٠.
وقوله : ﴿ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ أي :تحصلوا بأموالكم من الزوجات إلى أربع أو السراري ما شئتم بالطريق الشرعي ؛ ولهذا قال : ﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾
وقوله : ﴿ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً ﴾ أي :كما تستمتعون بهن فآتوهن مهورهن في مقابلة ذلك، كقوله : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ٢١ إِلَى بَعْضٍ ﴾ [ النساء :٢١ ] وكقوله ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً ﴾ وكقوله [ النساء :٤ ] ﴿ وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا ﴾ [ البقرة :٢٢٩ ]
وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعًا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك. وقد ذهب الشافعي وطائفة من العلماء إلى أنه أبيح ثم نسخ، ثم أبيح ثم نسخ، مرتين. وقال آخرون أكثر من ذلك، وقال آخرون :إنما أبيح مرة، ثم نسخ ولم يبح بعد ذلك.
وقد رُويَ عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القولُ بإباحتها للضرورة، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمهم الله تعالى. وكان ابن عباس، وأبيّ بن كعب، وسعيد بن جُبَيْر، والسُّدِّي يقرءون :" فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى فآتوهن أجورهن فريضة ". وقال مجاهد :نزلت في نكاح المتعة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت في الصحيحين، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب [ رضي الله عنه ]٢٢ قال :نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر٢٣ ولهذا الحديث ألفاظ مقررة هي في كتاب " الأحكام ".
وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سَبْرَة بن معبد الجهني، عن أبيه :أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتح مكة، فقال :" يأيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حَرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن٢٤ شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا " وفي رواية لمسلم في حجة الوداع٢٥ وله ألفاظ موضعها كتاب " الأحكام ".
وقوله : ﴿ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ﴾ من حمل هذه الآية على نكاح المتعة إلى أجل مسمى قال :فلا٢٦ جناح عليكم إذا انقضى الأجل أن تراضوا٢٧ على زيادة به وزيادة للجعل٢٨.
قال السدي :إن شاء أرضاها من بعد الفريضة الأولى - يعني الأجر الذي أعطاها على تمتعه بها - قبل انقضاء الأجل بينهما فقال :أتمتع منك أيضا بكذا وكذا، فازداد٢٩ قبل أن يستبرئ رحمها يوم تنقضي المدة، وهو قوله : ﴿ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ﴾.
قال السدي :إذا انقضت المدة فليس له عليها سبيل، وهي منه بريئة، وعليها أن تستبرئ ما في رحمها، وليس بينهما ميراث، فلا٣٠ يرث واحد منهما صاحبه.
ومن قال بالقول الأول جعل معناه كقوله : ﴿ وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً [ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا ]٣١ [ النساء :٤ ] أي :إذا فرضت٣٢ لها صداقًا فأبرأتك منه، أو عن شيء منه فلا جناح عليك ولا عليها في ذلك.
وقال ابن جرير :حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه قال :زعم الحضرمي أن رجالا كانوا يفرضون٣٣ المهر، ثم عسى أن يدرك أحدهم العسرة، فقال : ﴿ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ﴾ أيها الناس ﴿ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرَيضَةِ ﴾ يعني :إن وضعت لك منه شيئا فهو لك سائغ، واختار هذا القول ابن جرير، وقال [ علي ]٣٤ بن أبي طلحة عن ابن عباس : ﴿ وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ ﴾ والتراضي أن يُوَفيها صداقها ثم يخيرها، ويعني٣٥ في المقام أو الفراق.
وقوله : ﴿ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ مناسب ذكر هذين الوصفين بعد شرع هذه المحرمات [ العظيمة ]٣٦.
١ زيادة من أ..
٢ في أ: "يعنى الإماء"..
٣ في أ: "سبيًا"..
٤ زيادة من جـ، أ..
٥ تفسير عبد الرزاق (١/١٥٣) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١٠٩٧) وصحيح مسلم برقم (١٤٥٦) وتفسير الطبري (٨/١٥٣).
.

٦ في أ: "وكان ناس"..
٧ في جـ، ر: "أو تأثموا"..
٨ المسند (٣/٨٤) وصحيح مسلم برقم (١٤٥٦) وسنن أبي داود برقم (٢١٥٥) وسنن النسائي (٦/١١٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠١٦)..
٩ في أ: "الآيات"..
١٠ في أ: "شقيق"..
١١ زيادة من جـ، ر، أ..
١٢ المذكور في رواية كل النسخ خمس لا ست..
١٣ في جـ، ر، أ: "هذه"..
١٤ في ر: "يمينك فيها".
.

١٥ زيادة من جـ، أ..
١٦ في ر، أ: "طلاقا لهما"..
١٧ في جـ، ر، أ: "قاله"..
١٨ في أ: "واحد أو اثنين"..
١٩ في جـ، ر، أ: "هي الآية"..
٢٠ في أ: "أحلتها آية وحرمتها آية"..
٢١ في أ: "بعضهم"..
٢٢ زيادة من جـ..
٢٣ صحيح البخاري رقم (٤٢١٦) وصحيح مسلم برقم (١٤٠٧)..
٢٤ في أ: "منه"..
٢٥ صحيح مسلم برقم (١٤٠٦)..
٢٦ في جـ: "لا جناح"..
٢٧ في جـ: "تتراضوا".
٢٨ في جـ: "الجعل"..
٢٩ في جـ، ر: "فإن زاد"..
٣٠ في جـ، أ: "ليس"..
٣١ زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٣٢ في ر: "فرضتم".
.

٣٣ في أ: "يقرضون"..
٣٤ زيادة من ر، أ..
٣٥ في أ: "بعد"..
٣٦ زيادة من جـ، أ..
يقول [ تعالى ]١ ومن لم يجد ﴿ طَوْلا ﴾ أي :سعة وقدرة ﴿ أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ أي الحرائر.
وقال ابن وَهْب :أخبرني عبد الجبار، عن ربيعة : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ قال ربيعة الطوْل الهوى، ينكح الأمة إذا كان هواه فيها. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ثم شرع يشنع على هذا القول ويَرُدّه ﴿ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ أي :فتزوجوا من الإماء المؤمنات اللاتي يملكهن المؤمنون، ولهذا قال : ﴿ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَات ﴾ قال ابن عباس وغيره :فلينكح من إماء المؤمنين، وكذا قال السدي ومقاتل بن حَيَّان.
ثم اعترض٢ بقوله : ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ ﴾ أي :هو العالم بحقائق الأمور وسرائرها، وإنما لكم أيها الناس الظاهر من الأمور.
ثم قال : ﴿ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ ﴾ فدلَّ على أن السيد هو ولي أمته لا تزوج إلا بإذنه، وكذلك هو ولي عبده، ليس لعبده أن يتزوج إلا٣ بإذنه، كما جاء في الحديث :" أيما عبد تَزَوّج بغير إذن مَوَاليه فهو عَاهِر " ٤ أي زان.
فإن كان مالك الأمة امرأة زوجها من يزوج المرأة بإذنها ؛ لما جاء في الحديث :" لا تُزَوِّجُ المرأةُ [ المرأةَ، ولا المرأةُ نفسها ]٥ فإن الزانية هي التي تزوج نفسها " ٦.
وقوله : ﴿ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ أي :وادفعوا٧ مهورهن بالمعروف، أي :عن طيب نفس منكم، ولا تبخسوا٨ منه شيئًا استهانة بهن ؛ لكونهن إماء مملوكات.
وقوله : ﴿ مُحْصَنَاتٍ ﴾ أي :عفائف عن الزنا لا٩ يتعاطينه ؛ ولهذا قال : ﴿ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ﴾ وهن الزواني اللاتي لا يمتنعن من أرادهن بالفاحشة.
وقوله : ﴿ ولا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ قال ابن عباس :المسافحات، هن الزواني المعالنات١٠ يعني الزواني اللاتي لا يمنعن أحدًا أرادهن بالفاحشة. ( ومتخذات أخدان ) يعني :أخلاء.
وكذا روي عن أبي هريرة، ومجاهد والشعبي، والضحاك، وعطاء الخراساني، ويحيى بن أبي كثير، ومقاتل بن حيان، والسدي، قالوا :أخلاء. وقال الحسن البصري :يعني :الصديق. وقال الضحاك أيضا : ﴿ وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ ﴾ ذات الخليل الواحد [ المسيس ]١١ المقرة به، نهى الله عن ذلك، يعني [ عن ]١٢ تزويجها١٣ ما دامت كذلك.
وقوله : ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ اختلف١٤ القراءُ في ﴿ أُحْصِنَّ ﴾ فقرأه١٥ بعضهم بضم الهمزة وكسر الصاد، مبني لما لم يسم فاعله، وقُرئ بفتح الهمزة والصاد فعل لازم ثم قيل :معنى القراءتين١٦ واحد. واختلفوا فيه على قولين :
أحدهما :أن المراد بالإحصان هاهنا الإسلام. رُوي ذلك عن عبد الله بن مسعود، وابن عمر، وأنس، والأسود بن يزيد، وزِرّ بن حُبَيْش، وسعيد بن جُبَير، وعطاء، إبراهيم النَّخعي، والشعبي، والسُّدِّي. وروى نحوه الزهري عن عمر بن الخطاب، وهو منقطع. وهذا هو القول١٧ الذي نص عليه الشافعي [ رحمه الله تعالى ]١٨ في رواية الربيع، قال :وإنما قلنا [ ذلك ]١٩ استدلالا بالسنة وإجماع أكثر أهل العلم.
وقد روى ابن أبي حاتم في ذلك حديثًا مرفوعًا، قال :حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن عبد الله [ الدمشقى ]٢٠ حدثنا أبي، عن أبيه، عن أبي حمزة، عن جابر، عن رجل، عن أبي عبد الرحمن، عن علي قال :قال رسول الله صلى عليه وسلم : ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ قال :" إحصانها إسلامها وعفافها ". وقال٢١ المراد به هاهنا التزويج، قال :وقال علي :اجلدوهن.
[ ثم ]٢٢ قال ابن أبي حاتم :وهو حديث منكر.
قلت :وفي٢٣ إسناده ضعف، ومنهم من لم يسم، و [ مثله ]٢٤ لا٢٥ تقوم به حجة٢٦.
وقال القاسم وسالم :إحصانها :إسلامها وعفافها.
وقيل :المراد به هاهنا :التزويج. وهو قولُ ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمة، وطاوس، وسعيد بن جُبَير، والحسن، وقتادة وغيرهم. ونقله أبو علي الطبري في كتابه " الإيضاح " عن الشافعي، فيما رواه أبو الحكم بن عبد الحكم عنه وقد رواه لَيْث بن أبي سليم، عن مجاهد أنه قال :إحصان الأمة أن ينكحها الحر، وإحصان العبد أن ينكح الحرة. وكذا رَوَى ابن أبي طلحة عن ابن عباس، رواهما ابن جرير في تفسيره، وذكره ابن أبي حاتم عن الشعبي والنخعي.
وقيل٢٧ معنى القراءتين متباين٢٨ فمن قرأ ﴿ أُحْصِنَّ ﴾ بضم الهمزة، فمراده التزويج، ومن قرأ " أحصن " بفتحها، فمراده الإسلام اختاره الإمام أبو جعفر ابن جرير في تفسيره، وقرره ونصره.
والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان هاهنا التزويج ؛ لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول سبحانه وتعالى : ﴿ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمْ ﴾ والله أعلم. والآية الكريمة سياقها كلها٢٩ في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله : ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ أي :تزوجن، كما فسره ابن عباس ومن تبعه.
وعلى كل من القولين إشكال على مذهب الجمهور ؛ وذلك أنهم يقولون :إن الأمة إذا زنت فعليها خمسون جلدة، سواء كانت مسلمة أو كافرة، مزوجة أو بكرا، مع أن مفهوم الآية يقتضي أنه لا حد على غير المحصنة ممن زنا من الإماء، وقد اختلفت أجوبتهم عن ذلك، فأما الجمهور فقالوا :لا شك أن المنطوق مقدم على المفهوم. وقد وردت أحاديث عامة في إقامة الحد على الإماء، فقدمناها على مفهوم الآية، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، عن علي، رضي الله عنه، أنه خطب فقال :يا أيها الناس، أقيموا على أرقَّائكم الحد من أحْصَنَ منهم ومن لم يُحْصَن، فَإنَّ أمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم زَنَتْ فأمرني أن أجلدها، فإذا هي حديثة عهد بنفاس، فخشيت إنْ جلدتها أن أقتلها، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فقال :" أحْسَنْتَ، اتركها حتى تَماثَل٣٠ " ٣١.
وعند عبد الله بن أحمد، عن غير أبيه :" فإذا تَعالتْ من نَفْسِها٣٢ حدَّها٣٣ خمسين ".
وعن أبي هريرة قال :سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها، فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زَنَتِ الثانية فليجلدها الحد ولا يُثَرِّبْ عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين زناها، فليبعها ولو بِحَبْل من شَعَر " ولمسلم٣٤ إذا زَنتْ ثلاثا فليبعها في الرابعة " ٣٥.
وقال مالك، عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يَسار، عن عبد الله بن عيَّاش٣٦ بن أبي ربيعة٣٧ المخزومي قال :أمَرَني عُمَر بن الخطاب في فتية من قريش، فجلدنا من ولائد الإمارة خمسين خمسين في الزنا.
الجواب الثاني :جواب من ذهب إلى أن الأمة إذا زنت ولم تحصن فلا حد عليها، وإنما تضرب تأديبا، وهو المحكي عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنه، وإليه ذهب طاوس، وسعيد بن جُبَير، وأبو عُبَيد القاسم بن سلام، وداود بن علي الظاهري في رواية عنه. وعمْدتهُم مفهوم الآية وهو من مفاهيم الشرط، وهو حجة عند أكثرهم فهو مقدم على العموم عندهم. وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل عن الأمة إذا زنت ولم تحْصنْ ؟ قال :" إن زنت فحدوها٣٨ ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير " ٣٩ قال ابن شهاب :لا أدري أبعد٤٠ الثالثة أو الرابعة.
أخرجاه في الصحيحين٤١ وعند مسلم :قال ابن شهاب :الضفير٤٢ الحبل.
قالوا :فلم يُؤَقَّت في هذا الحديث٤٣ عدد كما وقت في المحصنة بنصف ما على المحصنات من العذاب، فوجب الجمع بين الآية والحديث بذلك والله أعلم.
وأصرح من ذلك ما رواه سعيد بن منصور، عن سفيان، عن مسعر، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس على أمة حد حتى تحصن - أو٤٤ حتى تزوج - فإذا أحصنت بزوج فعليها نصف ما على المحصنات ".
وقد رواه ابن خزيمة، عن عبد الله بن عمران العابدي٤٥ عن سفيان به مرفوعا. وقال :رفعه خطأ، إنما هو من قول ابن عباس، وكذا رواه البيهقي من حديث عبد الله بن عمران، وقال مثل ما قاله ابن خزيمة٤٦.
قالوا :وحديث علي وعمر [ رضي الله عنهما ]٤٧ قضايا أعيان، وحديث أبي هريرة عنه أجوبة :
أحدها :أن ذلك محمول على الأمة المزوجة جمعا بينه وبين هذا الحديث.
الثاني :أن لفظ الحد في قوله :فليجلدها٤٨ الحد، لفظ مقحم٤٩ من بعض الرواة، بدليل الجواب الثالث وهو :
أن هذا من حديث صحابيين وذلك من رواية أبي هريرة فقط، وما كان عن اثنين فهو أولى بالتقدم٥٠ من رواية واحد، وأيضا فقد رواه النسائي بإسناد على شرط مسلم، من حديث عَبَّاد بن تميم، عن عمه - وكان قد شهد بدرًا - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا زنت الأمة فاجلدوها، ثم إذا زَنتِ فاجْلِدوها، ثم إذا زنت فاجلدوها، ثم إذا زنت فبيعوها ولو بضفير ".
الرابع :أنه لا يبعد أن بعض الرواة أطلق لفظ الحد في الحديث على الجلد ؛ لأنه لما كان الجلد اعتقد٥١ أنه حد، أو أنه أطلق لفظة الحد على التأديب، كما أطلق الحد على ضرب من زنى من المرضى بُعثْكال نخل فيه مائة شمراخ، وعلى جلد من زنى بأمة امرأته إذا أذنت له فيها مائة، وإنما ذلك تعزير وتأديب عند من يراه كالإمام أحمد وغيره من السلف. وإنما الحد الحقيقي هو جلد البكر مائة، ورجم الثيب أو اللائط، والله أعلم.
وقد روى ابن جرير في تفسيره :حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة ؛ أنه سمع سعيد بن جبير يقول :لا تضرب الأمة إذا زنت ما لم تتزوج٥٢.
وهذا إسناد صحيح عنه، ومذهب غريب إن أراد أنها لا تضرب أصلا لا حدا، وكأنه أخذ بمفهوم الآية ولم يبلغه الحديث، وإن كان أراد أنها لا تضرب حدا، ولا ينفي ضربها تأديبا، فهو٥٣ كقول ابن عباس ومن تبعه في ذلك، والله أعلم.
الجواب الثالث :أن الآية دلت على أن الأمة المحصنة تحد نصف حد الحرة، فأما قبل الإحصان فعمومات٥٤ الكتاب والسنة شاملة لها في جلدها مائة، كقوله تعالى٥٥ ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ﴾ [ النور :٢ ] وكحديث عبادة بن الصامت :" خُذوا عَنِّي، خذوا عني، قد جَعلَ الله لَهُنَّ سَبِيلا البِكر بالبِكْر جَلْدُ مائة وتَغْرِيبُ عام، والثيب جَلْدُ مائة ورَجْمُهَا بالحجارة " والحديث في صحيح مسلم وغير ذلك من الأحاديث.
وهذا القول هو المشهور عن داود بن علي الظاهري، وهو في غاية الضعف ؛ لأن الله تعالى٥٦ إذا كان أمر بجلد المحصنة من الإماء بنصف ما على الحرة٥٧ من العذاب وهو خمسون جلدة، فكيف يكون حكمها قبل الإحصان أشد منه بعد الإحصان. وقاعدة الشريعة في ذلك عكس ما قال، وهذا الشارع عليه السلام يسأله أصحابه عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، فقال :" اجلدوها "
١ زيادة من أ..
٢ في جـ، ر، أ: "أعرض"..
٣ في جـ: "بغير"..
٤ رواه أبو داود في السنن برقم (٢٠٧٨) والترمذي في السنن برقم (١١١١) من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه. قال الترمذي: حديث جابر حديث حسن.
.

٥ زيادة من جـ، أ، وابن ماجه..
٦ رواه ابن ماجة في سننه برقم (١٨٨٢) من طريق محمد بن مروان عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه..
٧ في أ: "فادفعوا"..
٨ في أ: "ولا يبخسوهن"..
٩ في ر: "ولا"..
١٠ في جـ، ر، أ: "المعلنات"..
١١ زيادة من جـ، أ..
١٢ زيادة من جـ، ر، أ..
١٣ في أ: "تزوجها"..
١٤ في ر: "واختلفت"..
١٥ في أ: "فقرأ"..
١٦ في جـ: "القولين"..
١٧ في جـ، ر: "وهذا القول هو"..
١٨ زيادة من جـ، ر، وفي أ: "رحمه الله"..
١٩ زيادة من جـ، ر، أ..
٢٠ زيادة من جـ، أ..
٢١ في ر: "وقيل".
.

٢٢ زيادة من جـ، أ..
٢٣ في أ: "في"..
٢٤ زيادة من جـ، أ..
٢٥ في جـ، ر، أ: "يقوم"..
٢٦ ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٤٩٠)..
٢٧ في جـ، ر: "بل"..
٢٨ في ر: "شيئان"..
٢٩ في أ: "فالسياق كله"..
٣٠ في ر: "تتماثل"..
٣١ صحيح مسلم برقم (١٧٠٥)..
٣٢ في أ: "نفاسها"..
٣٣ في جـ: "فاجلدها"..
٣٤ في جـ، أ: "أخرجاه، ولمسلم"..
٣٥ صحيح البخاري برقم (٣١٦٧) وصحيح مسلم برقم (١٧٦٥)..
٣٦ في ر: "عباس"..
٣٧ في ر: "رستم".
٣٨ في جـ، ر: "فاجلدوها"..
٣٩ في ر: "بظفير"..
٤٠ في أ: "بعد"..
٤١ صحيح البخاري برقم (٢١٥٣، ٤٥٥) وصحيح مسلم برقم (١٧٠٤) من حديث زيد بن خالد رضي الله عنه..
٤٢ في جـ، أ: "والضفير"، وفي ر: "والظفير"..
٤٣ في جـ، أ: "الجواب"..
٤٤ في جـ، أ: "يعني"، وفي ر: "أو يعني"..
٤٥ في جـ، ر، أ: "الغامدي"..
٤٦ السنن الكبرى للبيهقي (٨/٤٢٤) ط - الكتب العلمية، وقال: "رفعه خطأ والموقوف أصح".وقد رواه سعيد بن منصور في السنن موقوفا على ابن عباس من هذا الطريق برقم (٦١٦)..
٤٧ زيادة من جـ، أ.
.

٤٨ في جـ، أ: "فليقم عليها" وفي ر "عليها الحد"..
٤٩ في ر: "معجمة"، وفي أ: "مقحمة"..
٥٠ في أ: "بالتقديم"..
٥١ في جـ، أ: "لما كان الجلد في الحديث اعتقد"..
٥٢ في أ: "ما لم تزوج"..
٥٣ في جـ، ر: "فيكون"..
٥٤ في ر: "بعمومات"..
٥٥ في أ: "لقول الله تعالى"..
٥٦ في أ: "سبحانه"..
٥٧ في أ: "غيره"..
يخبر تعالى أنه يُريدُ أن يبين لكم - أيها المؤمنون - ما١ أحل لكم وحرم عليكم، مما تقدم ذكره في هذه السورة وغيرها، ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ﴾ يعني :طرائقهم الحميدة واتباع٢ شرائعه التي يحبها ويرضاها ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ أي من الإثم٣ والمحارم، ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي في شرعه وقدره وأفعاله وأقواله.
١ في جـ، ر، أ: "فيما"..
٢ في ر: "في اتباع"..
٣ في ر، أ: "المأثم"..
وقوله : ﴿ [ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ]١ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا ﴾ أي :يُريد٢ أتباع الشياطين من اليهود والنصارى والزناة ﴿ أَنْ تَمِيلُوا ﴾ يعني :عن الحق إلى الباطل ﴿ مَيْلا عَظِيمًا ﴾.
١ زيادة من ر، أ..
٢ في ر، أ: "من"..
﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ أي :في شرائعه وأوامره ونواهيه وما يقدره لكم، ولهذا أباح [ نكاح ]١ الإماء بشروطه، كما قال مجاهد وغيره : ﴿ خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ فناسبه٢ التخفيف ؛ لضعفه في نفسه وضعف عزمه وهمته.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا محمد بن إسماعيل [ الأحمسي ]٣ حدثنا وَكِيع، عن سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه : ﴿ خُلِقَ الإنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾ أي :في أمر النساء، وقال وكيع :يذهب عقله عندهن.
وقال موسى الكليم عليه الصلاة والسلام٤ لنبينا صلوات الله وسلامه٥ عليه ليلة الإسراء حِينَ مر عليه راجعا من عند سدْرة المنتهى، فقال له :ماذا فرض عليكم٦ ؟ فقال :" أمرني بخمسين
صلاة في كل يوم وليلة " ٧ فقال له :ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف ؛ فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت الناس٨ قبلك على ما هو أقل من ذلك فعجزوا، وإن أمتك أضعف أسماعا وأبصارا وقلوبا، فرجع فوضع عشرا، ثم رجع إلى موسى فلم يزل كذلك حتى بقيت خمسًا [ قال الله عز وجل :" هن خمس وهن خمسون، الحسنة بعشر أمثالها " ]٩ الحديث.
١ زيادة من أ..
٢ في أ: "فيناسبه"..
٣ زيادة من جـ، أ..
٤ في جـ، أ: "والتسليم"..
٥ في أ: "لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم"..
٦ في جـ، أ: "عليك ربك"..
٧ في ر: "أمرني بخمسين اليوم والليلة" وفي جـ، أ: "أمرني بخمسين صلاة في اليوم والليلة"..
٨ في أ: "الناس من"..
٩ زيادة من جـ، أ..
نهى١ تبارك وتعالى عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضا بالباطل، أي :بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، وما جرى مجرى ذلك من سائر صنوف الحيل، وإن ظهرت في غالب الحكم الشرعي مما يعلم الله أن متعاطيها إنما يريد الحيلة على الربا، حتى قال ابن جرير :
حدثني ابن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عكرمة، عن ابن عباس - في الرجل يشتري من الرجل الثوب فيقول :إن رضيته أخذته وإلا رددته ورددت معه درهما - قال :هو الذي قال الله عز وجل : ﴿ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا ابن فضيل، عن داود الأودي عن عامر، عن علقمة، عن عبد الله [ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ ] ٢ قال :إنها [ كلمة ]٣ محكمة، ما نسخت، ولا تنسخ إلى يوم القيامة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :لما أنزل الله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ قال المسلمون :إن الله قد نهانا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، والطعام هو أفضل الأموال، فلا يحل لأحد منا أن يأكل عند أحد، فكيف٤ للناس٥ ! فأنزل الله بعد ذلك : ﴿ لَيْسَ عَلَى الأعْمَى حَرَجٌ ﴾ [ النور :٦١ ] الآية، [ وكذا قال قتادة بن دعامة ]٦.
وقوله : ﴿ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾٧ قرئ :تجارة بالرفع وبالنصب، وهو استثناء منقطع، كأنه يقول :لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر٨ المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. كما قال [ الله ]٩ تعالى : ﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ﴾ [ الأنعام :١٥١ ]، وكقوله ﴿ لا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلا الْمَوْتَةَ الأولَى ﴾ [ الدخان :٥٦ ].
ومن هذه الآية الكريمة احتج الشافعي [ رحمه الله ]١٠ على أنه لا يصح البيع إلا بالقبول ؛ لأنه يدل على التراضي نَصا، بخلاف المعاطاة فإنها قد لا تدل على الرضا ولا بد، وخالف١١ الجمهورَ في ذلك مالك وأبو حنيفة وأحمد وأصحابهم، فرأوا أن الأقوال كما تدل على التراضي، وكذلك الأفعال تدل في بعض المحال قطعا، فصححوا بيع المعاطاة مطلقا، ومنهم من قال :يصح في المحقَّرات، وفيما يعده الناس بيعا، وهو احتياط نظر من محققي المذهب، والله أعلم.
قال مجاهد : ﴿ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ﴾ بيعا١٢ أو عطاء يعطيه أحد أحدًا. ورواه ابن جرير [ ثم ]١٣ قال :
وحدثنا ابن وَكِيع، حدثنا أبي، عن القاسم، عن١٤ سليمان الجُعْفي، عن أبيه، عن ميمون بن مهران قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" البَيْعُ عن تَراض والخِيارُ بعد الصَّفقة ولا يحل لمسلم أن يغش١٥ مسلمًا ". هذا حديث مرسل١٦.
ومن تمام التراضي إثبات خيار المجلس، كما ثبت في الصحيحين :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" البيعان بالخيار ما لم يَتَفَرقا " وفي لفظ البخاري :" إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا " ١٧.
وذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الشافعي، وأحمد [ بن حنبل ]١٨ وأصحابهما، وجمهورُ السلف والخلف. ومن ذلك مشروعية خيار الشرط بعد العقد إلى ثلاثة أيام، [ كما هو متفق عليه بين العلماء إلى ما هو أزيد من ثلاثة أيام ]١٩ بحسب ما يتبين فيه مال البيع، ولو إلى سنة في القرية ونحوها، كما هو المشهور عن مالك، رحمه الله. وصححوا٢٠ بيع المعاطاة مطلقا، وهو قول في مذهب الشافعي، ومنهم من قال :يصح بيع المعاطاة في المحقرات فيما يعده الناس بيعا، وهو اختيار طائفة من الأصحاب.
وقوله : ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ أي :بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ أي :فيما أمركم به، ونهاكم عنه.
قال الإمام أحمد :حدثنا حسن٢١ بن موسى، حدثنا ابن لَهِيعة، حدثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عمْران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جُبَير، عن عمرو بن العاص، رضي الله عنه، أنه قال لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم عام ذات السلاسل قال :احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال :فلما قدمتُ على رسول الله صلى عليه وسلم ذكرت ذلك له، فقال :" يا عمرو صَلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبٌ ! " قال :قلت يا رسول الله٢٢ إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت٢٣ أن أهلكَ، فذكرت٢٤ قول الله [ عز وجل ]٢٥ ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئا.
وهكذا رواه أبو داود من حديث يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، به. ورواه أيضا عن محمد بن أبي سلمة، عن ابن وهب، عن ابن لهيعة وعمر بن الحارث، كلاهما عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عنه، فذكر نحوه. وهذا، والله أعلم، أشبه بالصواب٢٦.
وقال أبو بكر بن مَرْدُوَيه :حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد البَلْخِي، حدثنا محمد بن صالح بن سهل البلخي، حدثنا عُبَيد٢٧ عبد الله بن عمر القواريري، حدثنا يوسف بن خالد، حدثنا زياد بن سعد، عن عكرمة، عن ابن عباس :أن عمرو بن العاص صلى بالناس وهو جُنُب، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له، فدعاه فسأله عن ذلك، فقال :يا رسول الله، خفْتُ أن يقتلني البرد، وقد قال الله تعالى : ﴿ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ] ﴾٢٨ قال :فسكت عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم٢٩.
ثم أورد ابن مَرْدُويه عند هذه الآية الكريمة من حديث الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَنْ قَتَل نَفْسَه بِحَدِيدَةٍ فحديدته في يَدِهِ، يَجَأ بها بَطْنه يوم القيامة في نار جَهَنَّمَ خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن قتل نفسه بسم، فسمه في يده، يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا، ومن تردى من جبل فقتل نفسه، فهو مُتَرد٣٠ في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ".
وهذا الحديث٣١ ثابت في الصحيحين٣٢ وكذلك رواه أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه، وعن أبي قِلابة، عن ثابت بن الضحاك، رضي الله عنه، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مَنْ قتل نَفْسَه بشيء عُذِّبَ به يوم القيامة ". وقد أخرجه الجماعَةُ في كُتُبهم من طريق أبي قلابة٣٣ وفي الصحيحين من حديث الحسن، عن٣٤ جُنْدب بن عبد الله البَجَلي قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كان رَجُلٌ ممن٣٥ كان قبلكم وكان به جُرْح، فأخذ سكينًا نَحَر بهَا يَدَهُ، فما رَقأ الدَّمُ حتى ماتَ، قال الله عز وجل :عَبْدِي بادرنِي بِنَفْسه، حرَّمت٣٦ عليه الْجَنَّة " ٣٧. ولهذا قال الله تعالى : ﴿ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا ﴾
١ في أ: ينهى..
٢ زيادة من جـ، ر، أ..
٣ زيادة من أ..
٤ في أ: "فكف"..
٥ في أ: "فكيف للناس عن ذلك"..
٦ زيادة من أ..
٧ في أ: "بينكم"..
٨ في أ: "المتجار"..
٩ زيادة من أ.
.

١٠ زيادة من جـ، أ..
١١ في ر، أ: "وخالفوا"..
١٢ في أ: "بيع"..
١٣ زيادة من جـ، أ..
١٤ في أ: "بن"..
١٥ في ر: "يضر"..
١٦ تفسير الطبري (٨/٢٢١)..
١٧ صحيح البخاري برقم (٢١٠٩) وصحيح مسلم برقم (١٥٣١)..
١٨ زيادة من أ..
١٩ زيادة من جـ، د، أ..
٢٠ في ر: "فصححوا"..
٢١ في جـ، أ: "حسين"..
٢٢ في أ: "نعم يا رسول الله"..
٢٣ في أ: "أن أغتسل"..
٢٤ في ر: "ذكرت"، وفي جـ، أ: "وذكرت".
.

٢٥ زيادة من جـ، ر، أ..
٢٦ المسند (٤/٢٠٣) وسنن أبي داود برقم (٣٣٤)..
٢٧ في ر: "عبد"..
٢٨ زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢٩ ورواه الطبراني (١١/٢٣٤) من طريق عبيد الله القواريري به، وقال الهيثمي في المجمع (١/٢٦٤): "فيه يوسف بن خالد السمتي وهو كذاب"..
٣٠ في ر: "متردد"..
٣١ في ر: "حديث"..
٣٢ صحيح البخاري برقم (٥٧٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٠٩)..
٣٣ صحيح البخاري برقم (٦٠٤٧، ٦١٠٥) وصحيح مسلم برقم (١١٠) وسنن أبي داود برقم (٣٢٥٧) وسنن الترمذي برقم (١٥٤٣) وسنن النسائي (٧/٥، ٦) وسنن ابن ماجه برقم (٢٠٩٨) وليس عند الترمذي قوله: "ومن قتل نفسه بشيء" وهو الشاهد هنا..
٣٤ في ر: "ابن"..
٣٥ في أ: "فيمن"..
٣٦ في أ: "فحرمت"..
٣٧ صحيح البخاري برقم (١٣٦٤، ٣٤٦٣) وصحيح مسلم برقم (١١٣).
.

أي :ومن يتعاطى ما نهاه الله عنه متعديا فيه ظالما في تعاطيه، أي :عالما بتحريمه متجاسرا على انتهاكه ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا [ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا ] ﴾١ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد، فَلْيحذَرْ منه كل عاقل لبيب ممن ألقى السمع وهو شهيد.
١ زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
وقوله : ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا ]١. أي :إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها كفرنا عنكم صغائر الذنوب وأدخلناكم الجنة ؛ ولهذا قال : ﴿ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا ﴾.
وقال الحافظ أبو بكر البزار :حدثنا مؤمل بن هشام، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا خالد٢ بن أيوب، عن معاوية بن قرة، عن أنس٣ [ يرفعه ]٤ :" الذي بلغنا عن ربنا، عز وجل، ثم لم نخرج له عن كل أهل ومال أن تجاوز لنا عما دون الكبائر، يقول الله [ تعالى ]٥ ﴿ إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ [ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلا كَرِيمًا ]٦ " ٧.
وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة فلنذكر منها ما تيسر :
قال الإمام أحمد :حدثنا هُشَيم عن مُغِيرة، عن أبي مَعْشَر، عن إبراهيم، عن قَرْثَع الضَّبِّي، عن سلمان الفارسي قال :قال لي النبي صلى الله عليه وسلم :" أتدري ما يوم الجمعة ؟ " قلت :هو اليوم الذي جمع الله فيه أباكم. قال :" لكن أدْرِي ما يَوْمُ الجُمُعَةِ، لا يتطهر الرجل فيُحسِنُ طُهُوره، ثم يأتي الجُمُعة فيُنصِت حتى يقضي الإمام صلاته، إلا كان٨ كفارة له ما بينه وبين الجمعة المقبلة، ما اجْتُنبت المقتلة٩ وقد رَوَى البخاري من وجه آخر عن سلمان نحوه١٠.
وقال أبو جعفر بن جرير :حدثني المثنى [ بن إبراهيم ]١١ حدثنا أبو صالح، حدثنا الليث، حدثني خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نعيم المُجْمر، أخبرني صهيب مولى العُتْوارِي، أنه سمع من أبي هريرة وأبي سعيد يقولان :خَطَبَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال :" والذي نَفْسي بِيَدِهِ " - ثلاث مرات - ثم أكَبَّ، فأكب كل رجل منا يبكي، لا ندري على ماذا حلف عليه ثم رفع رأسه وفي وجهه البشر١٢ فكان أحب إلينا من حُمْر النَّعَم، فقال [ صلى الله عليه وسلم ]١٣ ما من عَبْدٍ يُصَلِّي الصَّلَواتِ الخمسَ، ويَصُومُ رمضانَ، ويُخرِج الزكاة، ويَجْتنبُ الكبائر السَّبعَ، إلا فُتِحتْ له أبوابُ الجَنَّةِ، ثم قيل له :ادْخُل بسَلامٍ ".
وهكذا رواه النسائي، والحاكم في مستدركه، من حديث الليث بن سعد، رواه الحاكم أيضا وابن حِبَّان في صحيحه، من حديث عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال، به. ثم قال الحاكم :صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه١٤.
تفسير هذه السبع :
وذلك بما ثبت في الصحيحين من حديث سليمان بن بلال، عن ثَوْر بن زيد، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" اجْتَنِبُوا السبعَ المُوبِقَاتِ " قيل :يا رسول الله، وما هُنَّ ؟ قال :" الشِّركُ بالله، وقَتْلُ النَّفْس التي حَرَّمَ الله إلا بالحق، والسِّحرُ، وأكْلُ الربا، وأكل مال اليتيم، والتَّوَلِّي يوم الزَّحْف، وقَذْفُ المحصنَات المؤمنات الغافلات " ١٥.
طريق أخرى عنه :قال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا فَهْد بن عَوْف، حدثنا أبو عَوَانة، عن عَمْرو بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" الكبائر سَبْعٌ، أولها الإشراكُ بالله، ثم قَتْل النَّفْس بغير حقها، وأكْلُ الرِّبَا، وأَكْلُ مال اليتيمِ إلى أن يكبر، والفِرَارُ من١٦ الزَّحْفِ، ورَميُ المحصنات، والانقلاب إلى الأعراب بَعْدَ الهِجْرَةِ " ١٧.
فالنص على هذه السبع بأنهن كبائر لا ينفي ما عداهن، إلا عند من يقول بمفهوم اللقب، وهو ضعيف عند عدم القرينة، ولا سيما عند١٨ قيام الدليل بالمنطوق على عدم المفهوم، كما سنورده من الأحاديث المتضمنة من الكبائر غير هذه السبع، فمن ذلك ما رواه الحاكم في مستدركه حيث قال :
حدثنا أحمد بن كامل القاضي، إملاء حدثنا أبو قلابة عبد الملك بن محمد، حدثنا معاذ بن هانئ، حدثنا حَرْب بن شَدَّاد، حدثنا يحيى بن أبي كثير، عن عبد الحميد بن سِنَان، عن عبيد بن عُمَيْر، عن أبيه - يعني عُمَير بن قتادة - رضي الله عنه أنه حدثه - وكانت له صحبة - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حجة الوداع :" ألا إن أولياء الله المُصَلُّون من يُقِيم١٩ الصلواتِ الخمسَ التي كُتبت٢٠ عليه، ويَصومُ رمضان ويَحتسبُ صومَهُ، يرى أنه عليه حق، ويُعطي زكاةَ ماله يَحْتسِبها، ويجتنب الكبائر التي نهى الله عنها ". ثم إن رجلا سأله فقال :يا رسول الله، ما الكبائر ؟ فقال :" تسع :الشِّركُ بالله، وقَتْلُ نَفْسِ مؤمن بغير حق٢١ وفِرارُ يوم الزّحْفِ، وأكل مال اليتيم، وأكل الرِّبا، وقذفُ المُحصنَة٢٢ وعقوق الوالدين المسلمين، واستحلال البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا، ثم قال :لا يموت رجل لا يعمل٢٣ هؤلاء الكبائر، ويقيم الصلاة، ويُؤتِي الزكاة، إلا كان مع النبي صلى الله عليه وسلم في دار أبوابها مصاريع٢٤ من ذَهَبٍ ".
وهكذا رواه الحاكم مطولا وقد أخرجه أبو داود والترمذي٢٥ مختصرا من حديث معاذ بن هانئ، به وكذا رواه ابن أبي حاتم من حديثه مبسوطًا ثم قال الحاكم :رجاله كلهم يحتج بهم في الصحيحين إلا عبد الحميد بن سنان٢٦.
قلت :وهو حجازي لا يعرف إلا بهذا الحديث، وقد ذكره ابن حِبَّان في كتاب الثقات، وقال البخاري :في حديثه نظر.
وقد رواه ابن جرير، عن سليمان بن ثابت الجحدري، عن سلم٢٧ بن سلام، عن أيوب بن عتبة، عن يحيى بن أبي كثير، عن عبيد بن عُمَير، عن أبيه، فذكره. ولم يذكر في الإسناد :عبد الحميد بن سنان، فالله أعلم٢٨ ٢٩.
حديث آخر في معنى ما تقدم :قال ابن مَرْدُويه :حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا عبد العزيز بن مسلم بن الوليد، عن المطلب عن عبد الله بن حنطب عن عبد الله بن عمرو قال :صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر فقال :" لا أقْسِمُ، لا أقْسِمُ ". ثم نزل فقال :" أبْشِرُوا، أبْشِرُوا، من صَلَّى الصلوات الخمس، واجْتَنَبَ الكبائر السَّبعَ، نُودِيَ من أبواب الجنة :ادخُل ". قال عبد العزيز :لا أعلمه إلا قال :" بسلام ". قال المطلب :سمعت من سأل عبد الله بن عَمْرو :أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرهن ؟ قال :نعم :" عقوق الوالدين، وإشْرَاكٌ بالله، وقَتْلُ النفس، وقَذْفُ المُحْصنات، وأكْلُ مالِ اليتيمِ، والفِرارُ من الزَّحفِ، وأكْلُ الرِّبَا " ٣٠.
حديث آخر في معناه :قال أبو جعفر بن جرير في التفسير :حدثنا يعقوب، حدثنا ابن عُلَيَّةَ، أخبرنا زياد بن مِخْرَاق عن طيسلة بن مياس قال :كنت مع النَّجدات، فأصبت ذنوبا لا أراها إلا من الكبائر، فلقيت ابن عُمَر فقلت له :إني أصبت ذُنُوبا لا أراها إلا من الكبائر قال :ما هي ؟ قلت :أصبت كذا وكذا. قال :ليس من الكبائر. قلت :وأصبت كذا وكذا. قال :ليس من الكبائر قال - بشيء لم يسمه طَيْسَلَة - قال :هي تسع وسأعدهن عليك :الإشراك بالله، وقتل النفس بغير حقها٣١ والفرار من الزحف، وقذف المحصنة، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم ظلما، وإلحاد في المسجد الحرام، والذي يستسحر٣٢ وبكاء الوالدين من العقوق. قال زياد :وقال طيسلة لما رأى ابن عمر :فَرَقي. قال :أتخاف النار أن تدخلها ؟ قلت :نعم. قال :وتحب أن تدخل الجنة ؟ قلت :نعم. قال :أحيّ والداك ؟ قلت :عندي أمي. قال :فوالله لئن أنت ألَنْتَ لها الكلام، وأطعمتها الطعام، لتدخلن الجنة ما اجتنبت الموجبات٣٣.
طريق أخرى :قال ابن جرير :حدثنا سليمان بن ثابت الْجَحْدَرِي الواسطي، حدثنا سلم٣٤ بن سلام، حدثنا أيوب بن عتبة، عن طَيْسَلة بن علي النهدي قال :أتيت ابن عمر وهو في ظل أرَاك يوم
عَرَفة، وهو يصب الماء على رأسه ووجهه قلت٣٥ أخبرني عن الكبائر ؟ قال :هي تسع. قلت :ما هي ؟ قال :الإشراك بالله، وقذف المحصنة - قال :قلت :قبل القتل٣٦ ؟ قال :نعم وَرَغْمَا - وقتل النفس المؤمنة، والفِرارُ من الزَّحْفِ، والسِّحْرُ، وأكْلُ الربا، وأكل مال اليتيم، وعُقوق الوالدين المسلمين، وإلْحاد بالبيت الحرام، قبْلَتكم أحياء وأمواتا٣٧.
هكذا رواه من هذين الطريقين موقوفا، وقد رواه علي بن الجَعْدِ، عن أيوب بن عتبة، عن طيسلة بن علي [ النهدي ]٣٨ قال :أتيت ابن عمر عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وهو تحت ظلِّ أرَاكة، وهو يَصُبُّ الماء على رأسه، فسألته عن الكبائر، فقال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" هُنّ سبع ". قال :قلت :وما هُنّ ؟ قال :" الإشراك بالله، وقذف المحصنة٣٩ - قال :قلت :قبل٤٠ الدم ؟ قال :نعم ورغما - وقتلُ النفس المؤمنة، والفرار من الزَّحفِ، والسِّحرُ، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وعُقوق الوالدين، وإلحاد٤١ بالبيت الحرامِ قِبْلَتَكُم أحياء وأمواتا ".
وكذا رواه الحسن بن موسى الأشيب، عن أيوب بن عتبة اليماني - وفيه ضعف٤٢ - والله أعلم.
حديث آخر :قال الإمام أحمد :حدثنا زكريا بن عَديّ، حدثنا بَقِيَّة، عن بَحير بن سعد٤٣ عن خالد بن مَعْدان :أن أبا رُهْم السمعي حدثهم، عن أبي أيوب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من عَبَدَ الله لا يُشرِكُ به شيئا، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، واجْتَنَبَ الكبائر، فله الجنة - أو دخل الجنة " فسأله رجل :ما الكبائر ؟ فقال٤٤ الشرك بالله، وقَتْلُ نفس مسلمة، والفِرار يوم الزَّحْف ".
ورواه أحمد أيضًا والنسائي، من غير وجه، عن بقية٤٥.
حديث آخر :روى الحافظ أبو بكر ابن مردويه في تفسيره، من طريق سليمان بن داود اليماني - وهو ضعيف - عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عَمْرو بن حزم، عن أبيه، عن جده قال :كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن كتابا فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، قال :وكان في الكتاب :" إن أكبر الكبائر عند الله يوم القيامة :إشْراكٌ باللهِ وقَتْل النفْسِ المؤمنة بغير حَقٍّ، والفِرارُ في سبيل الله يوم الزَّحْفِ، وعُقوق الوالدين، ورَمْي المحصنة، وتَعَلُّم السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم " ٤٦.
حديث آخر :فيه ذكر شهادة الزور ؛ قال الإمام أحمد :حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، حدثني عُبَيد الله٤٧ بن أبي بكر قال :سمعت أنس بن مالك قال :ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الكبائر - أو سئل عن الكبائر - فقال :" الشِّرْكُ بالله، وقَتْلُ النفْسِ، وعُقوق الوالدين ". وقال :" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ " قال :" قول الزور - أو شهادة الزور ". قال شعبة :أكبر ظني أنه قال " " شهادة الزور " ٤٨.
أخرجاه من حديث شعبة٤٩ به. وقد رواه ابن مَرْدُويه من طريقين آخرين غريبين عن أنس، بنحوه٥٠.
حديث آخر :أخرجه٥١ الشيخان من حديث عبد الرحمن بن أبي بَكْرة، عن أبيه قال :قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ "، قلنا :بلى
١ زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ في ر: "الخلد"، وفي أ: "الخالد"..
٣ عند البزار، عن أنس قال: "لم نر مثل الذي بلغنا عن ربنا" انظر: المجمع (٧/٣)..
٤ زيادة من جـ، ر، أ..
٥ زيادة من جـ، ر، أ..
٦ زيادة من جـ، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٧ مسند البزار برقم (٢٢٠٠) "كشف الأستار"، وقال الهيثمي: "فيه الجلد بن أيوب وهو ضعيف"..
٨ في ر: "كانت"..
٩ في جـ: "المقتل"..
١٠ المسند (٥/٤٣٩) ورواه البخاري برقم (٩١٠) من طريق سعيد المقبري عن أبيه عن ابن وديعة عن سلمان الفارسي بنحوه..
١١ زيادة من ر، أ..
١٢ في أ: "البشرى".
١٣ زيادة من جـ..
١٤ تفسير الطبري (٨/٢٣٨) وسنن النسائي (٥/٨) والمستدرك (١/٢٠٠).
.

١٥ صحيح البخاري برقم (٢٧٦٦) وصحيح مسلم برقم (٨٩)..
١٦ في أ: "يوم"..
١٧ مسند البزار برقم (١٠٩) "كشف الأستار"، وقال الهيثمى في مجمع الزوائد (١/١٠٣): "فيه عمر بن أبي سلمة، ضعفه شعبة وغيره، ووثقة أبو حاتم وابن حبان وغيرهما"..
١٨ في ر: "عن"..
١٩ في ر، أ: "يقم"..
٢٠ في أ: "التى كتب"..
٢١ في د، أ: "الحق"..
٢٢ في أ: "المحصنات"..
٢٣ في جـ: "لم يعمل"..
٢٤ في جـ، ر، أ: "مصانعها"..
٢٥ في ج: "والترمذي والنسائي"..
٢٦ المستدرك (١/٥٩) وسنن أبي داود برقم (٢٨٧٥) ولم أجده عند الترمذي، ورواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق الحاكم (٣/٤٠٨) وقال: "سقط من كتابي أو من كتاب شيخي - يعنى الحاكم - السحر".وعبد الحميد بن سنان. قال الذهبي: "عداده في التابعين لا يعرف، وقد وثقه بعضهم. قال البخاري: روى عن عبيد بن عمير في حديثه نظر. قلت: حديثه عن عبيد عن أبيه: الكبائر تسع.. الحديث..".
.

٢٧ في جـ، أ: "سلمة"..
٢٨ في أ: "والله أعلم"..
٢٩ تفسير الطبري (٨/٢٤١)..
٣٠ ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٣) "القطعة المفقودة" من طريق عبد العزيز بن محمد عن مسلم بن الوليد عن المطلب به وفي إسناده مسلم بن الوليد ذكره البخاري في التاريخ الكبير (٨/١٥٣) وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل (٨/١٩٧) ولم يذكرا فيه جرحا أو تعديلا..
٣١ في د: "النسمة بغير حلها" رفي جـ: "نسمة بغير حلها"، في ر: "النفس بغير حلها"..
٣٢ في جـ: "يسحر"..
٣٣ تفسير الطبري (٨/٢٣٩) ورواه البخاري في الأدب المفرد برقم (٨) من طريق زياد بن مخراق به..
٣٤ في جـ، ر، أ: "مسلم"..
٣٥ في أ: "قال: قلت"..
٣٦ في ر، أ: "قتل النفس"..
٣٧ تفسير الطبري (٨/٢٤٠)..
٣٨ زيادة من أ..
٣٩ في د: "المحصنات"..
٤٠ في جـ: "قتل"..
٤١ في جـ، ر، أ: "والإلحاد"..
٤٢ رواه البغوي في الجعديات، وروى الخرائطي في مساوئ الأخلاق برقم (٢٤٧) من طريق حسين بن محمد المروزى عن أيوب بن عتبه بنحوه، وأيوب بن عتبه ضعيف. ورواه عكرمة بن عمار عن طيسلة بن على: أن ابن عمر كان ينزل الآراك يوم عرفة. أخرجه أبو داود في المسائل (١١٨)..
٤٣ في جـ، ر، أ: "يحيى بن سعيد"..
٤٤ في ر: "قال"..
٤٥ المسند (٥/٤١٣) وسنن النسائي (٧/٨٨)..
٤٦ ورواه الحاكم في المستدرك (١/٣٩٥) من طريق يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود به، وقال الحاكم: "هذا حديث كبير مفسر في هذا الباب، وسليمان بن داود الخولاني معروف بالزهري وإن كان يحيى بن معين غمزه فقد عدله غيره ثم ذكر قول أبي حاتم وأبي زرعة: "سليمان بن داود الخولاني عندنا ممن لا بأس به".
.

٤٧ في جـ، ر، أ: "عبد الله"، وفي ر: "محمد" وهو خطأ والصحيح عبيد الله وانظر: من مسند الإمام أحمد ٣/١٣١..
٤٨ المسند (٣/١٣١)..
٤٩ صحيح البخاري برقم (٥٩٧٧) وصحيح مسلم برقم (٨٨)..
٥٠ في ر: "نحوه"..
٥١ في أ: "أخرجاه"..
قال الإمام أحمد :حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد قال :قالت أم سلمة :يا رسول الله، يغزو الرجال ولا نغزو، ولنا نصف الميراث. فأنزل الله عز وجل : ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾
ورواه الترمذي عن ابن أبي عمر، عن سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أمّ سلمة أنها قالت :قلت :يا رسول الله. . . فذكره، وقال :غريب١ ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، أن أم سلمة قالت. . .
ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير وابن مَرْدُويه، والحاكم في مستدركه، من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال :قالت أم سلمة :يا رسول الله، لا نقاتل فنستشهد، ولا نقطع الميراث ! فنزلت : ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ ثم نزلت : ﴿ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى ﴾٢ [ آل عمران :١٩٥ ].
ثم قال ابن أبي حاتم :وكذا روى سفيان بن عيينة، يعني عن ابن أبي نجيح بهذا اللفظ. وروى يحيى القطان ووكيع بن الجراح، عن الثوري، وعن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أم سلمة قالت :قلت :يا رسول الله. . . وروي عن مقاتل بن حَيّان وخُصَيف نحوُ ذلك.
وروى ابن جرير من حديث ابن جريج، عن عكرمة ومجاهد أنهما قالا أنزلت في أم سلمة.
وقال عبد الرزاق :أخبرنا مَعْمَر، عن شيخ من أهل مكة قال :نزلت هذه الآية في قول النساء :ليتنا الرجال فنجاهد كما يجاهدون ونغزو في سبيل الله عز وجل.
وقال ابن أبي حاتم أيضا :حدثنا أحمد بن القاسم بن عطية، حدثني أحمد بن عبد الرحمن، حدثني أبي، حدثنا الأشعث بن إسحاق، عن جعفر - يعني ابن أبي المغيرة - عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في ] قوله[ ٣ ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ قال :أتت امرأةٌ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقالت :يا نبي الله، للذكر مثل حظ الأنثيين، وشهادة امرأتين برجل، فنحن٤ في العمل هكذا، إن عملت امرأة حسنة كتبت لها نصف حسنة. فأنزل الله هذه الآية : ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا ﴾ فإنه عدل مني، وأنا صنعته.
وقال السدي :قوله :في الآية ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ فإن الرجال قالوا :نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء، كما لنا في السهام سهمان. وقالت النساء :نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء، فإنا لا نستطيع أن نقاتل، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا فأبى الله ذلك، ولكن قال لهم :سلوني من فضلي قال :ليس بعرض الدنيا.
وقد روي عن قتادة نحو ذلك. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :قوله : ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ قال٥ ولا يتمنى الرجل فيقول :" ليت لو أن لي مال فلان وأهله ! " فنهى الله عن ذلك، ولكن يسأل الله من فضله.
وكذا قال محمد بن سيرين والحسن والضحاك وعطاء نحو ذلك٦ وهو الظاهر من الآية ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح :" لا حَسَد إلا في اثنتين :رجل آتاه الله مالا فسَلَّطَه على هَلَكَتِهِ في الحق، فيقول رجل :لو أن لي مثل ما لفلان لعَمِلْتُ مثله. فهما في الأجر سواء " ٧ فإن هذا شيء غير ما نهت الآية عنه، وذلك أن الحديث حَضَّ على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا، فقال : ﴿ وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ أي :في الأمور الدنيوية، وكذا الدينية أيضا لحديث أم سلمة، وابن عباس. وهكذا قال عطاء بن أبي رباح :نزلت في النهي عن تمني ما لفلان، وفي تمني النساء أن يكن رجالا فيغزون. رواه ابن جرير.
ثم قال : ﴿ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾ أي :كل له جزاء على عمله بحسبه، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر. وهو٨ قول ابن جرير.
وقيل :المراد بذلك في الميراث، أي :كل يرث بحسبه. رواه الترمذي٩ عن ابن عباس :
ثم أرشدهم إلى ما يصلحهم فقال : ﴿ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ] أي[ ١٠ لا تتمنوا ما فضل١١ به بعضكم على بعض، فإن هذا أمر محتوم، والتمني لا يجدي شيئًا، ولكن سلوني من فضلي أعطكم ؛ فإني كريم وهاب.
وقد روى الترمذي، وابن مردويه من حديث حماد بن واقد :سمعت إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سلُوا الله من فَضْلِه ؛ فإن١٢ الله يحب أن يسأل وإن أفضل العبادة انتظار الفرج ".
ثم قال الترمذي :كذا رواه حماد بن واقد، وليس بالحافظ، ورواه أبو نُعَيم، عن إسرائيل، عن حكيم بن جبير، عن رجل، عن النبي صلى الله عليه وسلم، وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح١٣
وكذا رواه ابن مردويه من حديث وَكِيع، عن إسرائيل. ثم رواه من حديث قيس بن الربيع، عن حكيم بن جُبَير، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال :قال رسول الله :" سَلُوا الله من فَضْلِه، فإن الله١٤ يحب أن يُسأل، وإن أحبَّ عباده إليه الذي يُحب الفرج " ١٥.
ثم قال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾ أي :هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه١٦ لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه ؛ ولهذا قال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ﴾.
١ المسند (٦/٣٢٢) وسنن الترمذي برقم (٣٠٢٢)..
٢ تفسير الطبري (٨/٢٦٢) والمستدرك (٢/٣٠٥)..
٣ زيادة من و..
٤ في أ: "أفنحن".
.

٥ في ر، أ: "يقول"..
٦ في أ: "هذا"..
٧ صحيح البخاري برقم (٥٠٢٦)..
٨ في أ: "هذا"..
٩ في أ: "الوالبى"..
١٠ زيادة من أ..
١١ في د، ر: "ما فضلنا"..
١٢ في أ: "فإنه"..
١٣ سنن الترمذي برقم (٣٥٧١).
.

١٤ في أ: "فإنه"..
١٥ وفي إسناده حكيم بن جبير ضعيف، واتهمه الجوزجاني بالكذب، وإنما ذلك لتشيعه..
١٦ في أ: "فيقيض"..
قال ابن عباس، ومجاهد، وسعيد بن جُبَير، وأبو صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والسدي، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم في قوله : ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ أي :ورثة. وعن ابن عباس في رواية :أي عَصَبة. قال ابن جرير :والعرب تسمي ابن العم مولى، كما قال الفضل بن عباس :
مَهْلا بني عَمّنا مَهْلا مَوالينا لا تُظْهِرَن لنا ما كان مدفُونا١
قال :ويعني بقوله : ﴿ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ ﴾ من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام :ولكلكم - أيها الناس - جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.
وقوله : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ٢ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ أي :والذين تحالفتم بالأيمان المؤكدة - أنتم وهم - فآتوهم نصيبهم من الميراث، كما وعدتموهم في الأيمان المغلظة، إن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات، وقد كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا، ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.
قال البخاري :حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا أبو أسامة، عن إدريس، عن طلحة بن مصرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ قال :ورثة، ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه ؛ للأخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ ﴾ نُسخت، ثم قال : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ من النصر والرفادة والنصيحة، وقد٣ ذهب الميراث ويُوصي له.
ثم قال البخاري :سمع أبو أسامة إدريس، وسمع إدريس عن طلحة٤.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأوديّ، أخبرني طلحة بن مُصَرف، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ [ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ] ﴾٥ الآية،
قال :كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري، دون ذوي رحمه ؛ بالأخوة التي آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينهم، فلما نزلت هذه الآية : ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ ﴾ نُسخت. ثم قال : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾
وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حَجّاج، عن ابن جُرَيْج - وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس قال : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ فكان الرجل قبل الإسلام يعاقد الرجل، يقول :ترثني وأرثك وكان الأحياء يتحالفون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" كُلُّ حِلْف كان في الجاهلية أو عَقْد أدْرَكَه الإسلامُ، فلا يَزِيدُه الإسلامُ إلا شدَّةً، ولا عَقْد ولا حِلْفٌ في الإسلامِ ". فنسختها هذه الآية : ﴿ وَأُولُو الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [ الأنفال :٧٥ ].
ثم قال :وروي عن سعيد بن المُسَيَّب، ومجاهد، وعطاء، والحسن، وسعيد بن جُبَيْر، وأبي صالح، والشَّعْبِي، وسليمان بن يَسار، وعكرمة، والسُّدِّي، والضَّحَّاك، وقتادة، ومُقاتِل بن حَيَّان أنهم قالوا :هم الحلفاء.
وقال الإمام أحمد :حدثنا عفان، حدثنا شَريك، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس - ورفعه - قال :" ما كان من حِلْفٍ في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلام إلا حدة وشدة " ٦.
وقال ابن جرير :حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وكيع، عن شريك، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - وحدثنا أبو كريب، حدثنا مصعب بن المقدام، عن إسرائيل عن يونس، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن عكرمة، عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا حِلْفَ في الإسلام، وكلُّ حِلْف كان في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شِدَّة، وما يَسُرُّني أن لي حُمْرَ النَّعَم وإني نَقَضْتُ الحِلْفَ الذي كان في دار النَّدْوة " هذا لفظ ابن جرير٧.
وقال ابن جرير أيضا :حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، عن عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" شهِدتُ حِلْف المُطيَّبين، وأنا غُلامٌ مع عُمُومتي، فما أحب أن لي حُمْرَ النَّعَم وأنا أنكثُهُ ". قال الزهري :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لم يُصب الإسلامُ حِلْفا إلا زاده شِدَّةً ". قال :" ولا حِلْف في الإسلام ". وقد ألف٨ النبي صلى الله عليه وسلم بين قريش والأنصار.
وهكذا رواه الإمام أحمد عن بشر بن المفضل عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن الزهري، بتمامه٩.
وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيْم، أخبرني مغيرة، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم :أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف، قال :فقال :" ما كان من حِلْفٍ في الجاهلية فَتَمَسَّكُوا به، ولا حِلْفٍ في الإسلام ".
وكذا رواه أحمد عن هشيم١٠.
وحدثنا أبو كريب حدثنا وَكِيع، عن داود بن أبي عبد الله، عن ابن جُدْعان، عن جدته، عن أم سلمة :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا حِلْف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شِدَّةً " ١١.
وحدثنا أبو كريب، حدثنا يونس بن بكير حدثنا محمد بن إسحاق، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال :لما كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح قام خطيبا في الناس فقال :" يا أيها الناس، ما كان من حِلْفٍ في الجاهلية، لم يَزِدْه الإسْلامُ إلا شِدَّةً، ولا حِلْفَ في الإسلامِ ".
ثم رواه من حديث حسين المعلم، وعبد الرحمن بن الحارث، عن عَمْرو بن شعيب، به١٢.
وقال الإمام أحمد :حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا ابن نمير وأبو أسامة، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا حِلْفَ في الإسْلامِ، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يَزِدْه الإسلام إلا شِدَّةً ".
وهكذا رواه مسلم عن عبد الله بن محمد، وهو أبو بكر بن أبي شيبة، بإسناده، مثله. ورواه أبو داود عن عثمان عن محمد بن أبي شيبة، عن محمد بن بشر وابن نمير وأبي أسامة، ثلاثتهم عن زكريا - وهو ابن أبي زائدة١٣ - بإسناده، مثله.
ورواه ابن جرير من حديث محمد بن بشر، به. ورواه النسائي من حديث إسحاق بن يوسف الأزرق، عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، به١٤.
وقال الإمام أحمد :حدثنا هشيم، قال :مغيرة أخبرني، عن أبيه، عن شعبة بن التوأم، عن قيس بن عاصم :أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف، فقال :" ما كَانَ مِنْ حِلْفٍ في الجاهلية فَتَمَسَّكُوا به، ولا حِلْفَ في الإسْلامِ ".
وكذا رواه شعبة، عن مغيرة - وهو ابن مِقْسَم - عن أبيه، به.
وقال محمد بن إسحاق، عن داود بن الحصين قال :كنت أقرأ على أم سعد بنت الربيع، مع ابن ابنها موسى بن سعد - وكانت يتيمة في حجر أبي بكر - فقرأت عليها ﴿ وَالَّذِيَن عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ فقالت :لا ولكن : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ قالت :إنما نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن، حين أبى أن يسلم، فحلف أبو بكر أن لا يورثه، فلما أسلم حين حمل على الإسلام بالسيف أمر الله أن يؤتيه نصيبه.
رواه ابن أبي حاتم، وهذا قول غريب، والصحيح الأول، وأن هذا كان في ابتداء الإسلام يتوارثون بالحلف، ثم نسخ وبقي تأثير الحلف بعد ذلك، وإن كانوا قد أمرُوا أن يوفوا بالعقود والعهود، والحلف الذي كانوا قد تعاقدوا قبل ذلك تقدم في حديث جبير بن مطعم وغيره من الصحابة :لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة.
وهذا نص في الرد على ما ذهب إلى التوارث بالحلف اليوم١٥ كما هو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن أحمد بن حنبل، رحمه١٦ الله.
والصحيحُ قول الجمهور ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ ﴾ أي :ورثه من أقربائه من أبويه وأقربيه، وهم يرثونه دون سائر الناس، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن عباس ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ألْحِقُوا الفرائِضَ بأهلها، فما بَقِيَ فهو لأوْلَى رَجُلٍ ذَكَرٍ " ١٧ أي :اقسموا الميراث على أصحاب الفروض الذين ذكرهم الله في آيتي الفرائض، فما بقي بعد ذلك فأعطوه العَصَبة، وقوله : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ أي :قبل نزول هذه الآية فآتوهم نصيبهم، أي من الميراث، فأيما حلف عُقد بعد ذلك فلا تأثير له.
وقد قيل :إن هذه الآية نسخت الحلف في المستقبل، وحكم الماضي أيضا، فلا توارث به، كما قال ابن أبي حاتم.
حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، حدثنا إدريس الأودي، أخبرني طلحة بن مُصَرّف، عن سعيد بن جُبَير عن ابن عباس : ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ قال :من النصرة والنصيحة والرّفادة، ويوصي له، وقد ذهب الميراث.
ورواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن أبي أسامة وكذا روي عن مجاهد، وأبي مالك، نحو ذلك.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَت أَيْمَانُكُمْ ﴾ قال :كان الرجل يعاقد الرجل، أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله : ﴿ وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا ﴾ [ الأحزاب :٦ ]. يقول :إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا وصية فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، وذلك هو المعروف.
وهذا نص غير واحد من السلف :أنها منسوخة بقوله : ﴿ وَأُولُوا الأرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائُكُمْ مَعْرُوفًا ﴾
وقال سعيد بن جبير : ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ أي :من الميراث. قال :وعاقد أبو بكر مولى فورثه. رواه ابن جرير.
وقال الزهري عن سعيد بن المسيب :أنزلت هذه الآية في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم، يورثونهم، فأنزل الله فيهم، فجعل لهم نصيبا في الوصية، ورد الميراث إلى الموالي في ذي الرحم والعَصبة وأبى الله للمدعين ميراثًا ممن ادعاهم وتبناهم، ولكن جعل لهم نصيبا من الوصية. رواه ابن جرير.
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله : ﴿ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ أي :من النصرة والنصيحة والمعونة، لا أن المراد فآتوهم نصيبهم من الميراث - حتى تكون الآية منسوخة، ولا أن ذلك كان حكما ثم نسخ، بل إنما دلت الآية على الوفاء بالحلف المعقود على النصرة والنصيحة فقط، فهي محكمة لا منسوخة.
وهذا الذ
١ البيت في تفسير الطبري (٨/٢٧٠) وفي لسان العرب مادة (ولى)..
٢ قرأ الكوفيون "عقدت" بتخفيف من غير ألف، وشدد القاف حمزة، والباقون "عاقدت" بألف. مستفاد من هامش ط، الشعب..
٣ في أ: "فقد"..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٨٠)..
٥ زيادة من أ..
٦ المسند (١/٣٢٩)..
٧ تفسير الطبري (٨/٢٨٢)..
٨ في د: "خالف"..
٩ تفسير الطبري (٨/٢٨٦) والمسند (١/١٩٠).
.

١٠ تفسير الطبري (٨/٢٨٣) والمسند (٥/٦١)..
١١ تفسير الطبري (٨/٢٨٣)..
١٢ تفسير الطبري (٨/٢٨٤)..
١٣ في أ: "زياد"..
١٤ المسند (٤/٨٣) وصحيح مسلم برقم (٢٥٣٠) وسنن أبي داود برقم (٢٩٢٥)، وتفسير الطبري (٨/٢٨٥) وسنن النسائي الكبرى برقم (٦٤١٨).
.

١٥ في ر: "باليوم"..
١٦ في ر: "رحمهم"..
١٧ صحيح البخاري برقم (٦٧٣٥) وصحيح مسلم برقم (١٦١٥).
.

يقول تعالى : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ أي :الرجل قَيّم على المرأة، أي هو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها ومؤدبها إذا اعوجَّت ﴿ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ﴾ أي :لأن الرجال أفضل من النساء، والرجل خير من المرأة ؛ ولهذَا كانت النبوة مختصة بالرجال وكذلك المُلْك الأعظم ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم :" لن يُفلِح قومٌ وَلَّوا أمْرَهُم امرأة " رواه البخاري من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه١ وكذا منصب القضاء وغير ذلك.
﴿ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ أي :من المهور والنفقات والكلف التي أوجبها الله عليهم لهنَّ في كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قَيّما عليها، كما قال ] الله[ ٢ تعالى : ﴿ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴾ الآية [ البقرة :٢٢٨ ].
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ يعني :أمراء عليها٣ أي تطيعه فيما أمرها به من طاعته، وطاعتُه :أن تكون محسنة إلى أهله حافظة لماله. وكذا قال مقاتل، والسدي، والضحاك.
وقال الحسن البصري :جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعديه٤ على زوجها أنه لَطَمَها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" القِصَاص "، فأنزل الله عز وجل : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ الآية، فرجعت بغير قصاص.
رواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من طرق، عنه. وكذلك أرسل هذا الخبر قتادة، وابن جُرَيج والسدي، أورد ذلك كله ابن جرير. وقد أسنده ابن مردويه من وجه آخر فقال :
حدثنا أحمد بن علي النسائي، حدثنا محمد بن عبد الله٥ الهاشمي، حدثنا محمد بن محمد الأشعث، حدثنا موسى بن إسماعيل بن موسى بن جعفر بن محمد، حدثني أبي، عن جدي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن علي قال :أتى النبي رجل من الأنصار بامرأة له، فقالت :يا رسول الله، إن زوجها فلان بن فلان الأنصاري، وإنه ضربها فأثر في وجهها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليْسَ ذَلِكَ لَه ". فأنزل الله : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ [ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ]٦ أي :قوامون على النساء في الأدب. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أَرَدْتُ أمْرًا وأرَادَ الله غَيْرَه " ٧.
وقال الشعبي في هذه الآية : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ قال :الصداق الذي أعطاها، ألا ترى أنه لو قَذَفَها لاعنَها، ولو قذفته جُلِدت.
وقوله : ﴿ فَالصَّالِحَاتُ ﴾ أي :من النساء ﴿ قانِتَاتٌ ﴾ قال ابن عباس وغير واحد :يعني مطيعات لأزواجهن ﴿ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ ﴾.
قال السدي وغيره :أي تحفظ زوجها في غيبته في نفسها وماله.
وقوله : ﴿ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ أي :المحفوظ من حفظه.
قال ابن جرير :حدثني المثنى، حدثنا أبو صالح، حدثنا أبو مَعْشَر، حدثنا سعيد بن أبي سعيد الْمقبري، عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" خَيرُ النساءِ امرأةٌ إذا نَظَرْتَ إليها سَرَّتْكَ وإذا أمَرْتَها أطاعتكَ وإذا غِبْتَ عنها حَفِظتْكَ في نَفْسِها ومالِكَ ". قال :ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ﴿ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ إلى آخرها.
ورواه ابن أبي حاتم، عن يونس بن حبيب، عن أبي داود الطيالسي، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، به مثله سواء٨.
وقال الإمام أحمد :حدثنا يحيى بن إسحاق، حدثنا ابن لَهِيعة، عن عُبيد الله٩ بن أبي جعفر :أن ابن قارظ١٠ أخبره :أن عبد الرحمن بن عوف قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا صَلَّت المرأة خَمسها، وصامت شهرها وحفظت فَرْجَها ؛ وأطاعت زوجها قِيلَ لها :ادخُلِي الجنة من أيِّ أبواب الجنة شِئْتِ ".
تفرد به أحمد من طريق عبد الله بن قارظ١١ عن عبد الرحمن بن عوف١٢.
وقوله تعالى ﴿ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ أي :والنساء اللاتي تتخوفون١٣ أن ينشزن على أزواجهن. والنشوز :هو الارتفاع، فالمرأة الناشز هي المرتفعة على زوجها، التاركة لأمره، المُعْرِضَة عنه، المُبْغِضَة له. فمتى ظهر له منها أمارات النشوز فليعظْها وليخوّفها عقابَ الله في عصيانه١٤ فإن الله قد أوجب حق الزوج عليها وطاعته، وحرم عليها معصيته لما له عليها من الفضل والإفضال. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو كُنْتُ آمرًا أحدًا أن يَسْجد لأحد لأمرتُ المرأة أن تَسْجُدَ لزوجها، من عِظَم حَقِّه عليها " ١٥ وروى البخاري، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إذا دَعَا الرَّجُلُ امرَأتَهُ إلى فِرَاشِه فأبَتْ عليه، لَعَنَتْهَا الملائكة حتى تُصْبِح " ١٦ ورواه مسلم، ولفظه :" إذا باتت المرأة هَاجرة١٧ فِراش زَوْجِها، لعنتها الملائكة حتى تُصبِح " ١٨ ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ ﴾.
وقوله : ﴿ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :الهجران هو أن لا يجامعها، ويضاجعها على فراشها ويوليها ظهره. وكذا قال غير واحد، وزاد آخرون - منهم :السدي، والضحاك، وعكرمة، وابن عباس في رواية - :ولا يكلمها مع ذلك ولا يحدثها.
وقال علي بن أبي طلحة أيضا، عن ابن عباس :يعظها، فإن هي قبلت وإلا هجرها في المضجع، ولا يكلمها من غير أن يذر نكاحها، وذلك عليها شديد.
وقال مجاهد، والشعبي، وإبراهيم، ومحمد بن كعب، ومِقْسم، وقتادة :الهجر :هو أن لا يضاجعها.
وقد قال أبو داود :حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن علي بن زيد، عن أبي حرّة الرقاشي، عن عمه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" فَإِن خِفْتُمْ نُشُوزَهُنَّ فَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ " قال حماد :
يعني النكاح١٩.
وفي السنن والمسند عن معاوية بن حيدة القشيري أنه قال :يا رسول الله، ما حق امرأة أحدنا ؟ قال :" أن تُطعمها إذا طَعِمْتَ، وتكسوها إذا اكْتَسَيْتَ، ولا تَضْرِب الوَجْهَ ولا تُقَبِّح، ولا تَهْجُر إلا في البَيْتِ " ٢٠.
وقوله : ﴿ وَاضْرِبُوهُنَّ ﴾٢١ أي :إذا لم يَرْتَدِعْن٢٢ بالموعظة ولا بالهجران، فلكم أن تضربوهن ضربا غير مبرح، كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم :أنه قال في حجة الوداع :" واتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فإنهن عندكم عَوَانٌ، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشكم أحدا تكرهونه، فإن فَعَلْن فاضربوهن ضَرْبا غير مُبَرِّح، ولهن رزْقُهنَّ وكِسْوتهن بالمعروف " ٢٣.
وكذا قال ابن عباس وغير واحد :ضربا غير مبرح. قال الحسن البصري :يعني غير مؤثر. قال الفقهاء :هو ألا يكسر فيها عضوا ولا يؤثر فيها شيئا.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس :يهجرها في المضجع، فإن أقبلت وإلا فقد أذن الله لك أن تضرب ضربا غير مبرح، ولا تكسر لها عظما، فإن أقبلت وإلا فقد حَل لك منها الفدية.
وقال سفيان بن عُيَينة، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، عن إياس بن عبد الله بن أبي ذُباب٢٤ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا تَضْرِبوا إماءَ اللهِ ". فجاء عمر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :ذئِرَت النساء على أزواجهن. فرخص في ضربهن، فأطاف بآل رسول الله صلى الله عليه وسلم نساء كثير يشكون٢٥ أزواجهن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لقد أطافَ بآل محمد نِسَاءٌ كثير يَشْكُونَ٢٦ أزواجهن، ليس أولئك بخياركم " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه٢٧.
وقال الإمام أحمد :حدثنا سليمان بن داود - يعني أبا داود الطيالسي - حدثنا أبو عوانة، عن داود الأوْدِيِّ، عن عبد الرحمن المُسْلي٢٨ عن الأشعث بن قيس، قال ضفْتُ عمر، فتناول امرأته فضربها، وقال :يا أشعث، احفظ عني ثلاثا حَفظتهن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم :لا تَسألِ الرَّجُلَ فِيمَ ضَرَبَ امرَأَتَهُ، ولا تَنَم إلا على وِتْر. . . ونسي الثالثة.
وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه، من حديث عبد الرحمن بن مهدي، عن أبي عوانة، عن داود الأوديّ، به٢٩.
وقوله : ﴿ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا ﴾ أي :فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، مما أباحه الله له منها، فلا سبيل له عليها بعد ذلك، وليس له ضربها ولا هجرانها.
وقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ﴾ تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن وهو منتقم ممن ظلمهن وبغى عليهن.
١ رواه البخاري برقم (٤٤٢٥)، (٧٠٩٩) من طريق الحسن البصري عن أبي بكرة..
٢ زيادة من أ.
.

٣ في د، ر، أ: "عليهن"..
٤ في أ: "تستعذيه"..
٥ في ر، أ: "هبة الله".
٦ زيادة من ر، أ..
٧ في إسناده محمد بن محمد الأشعث، قال ابن عدي: "كتبت عنه بمصر، حمله شدة تشيعه أن أخرج إلينا نسخة قريبا من ألف حديث عن موسى بن إسماعيل بن جعفر بن محمد عن أبيه عن جده عن آبائه بخط طرى، وعامتها مناكير كلها أو عامتها، فذكرنا روايته هذه الأحاديث عن موسى هذا لأبي عبد الله الحسين بن علي الحسن بن على من آل البيت بمصر، وهو أخو الناصر، فقال لنا: كان موسى هذا جاري بالمدينة أربعين سنة ما ذكر قط عنده شيئا من الرواية لا عن أبيه ولا عن غيره".
.

٨ تفسير الطبري (٨/٢٩٥)..
٩ في د، ر: "عبد الله"..
١٠ في أ: "فارس"..
١١ في أ: "فارس"..
١٢ المسند (١/١٩١)..
١٣ في أ: "تخافون"..
١٤ في ر: "عصيانها"..
١٥ رواه الترمذي برقم (١١٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، ورواه أحمد في المسند (٦/٧٦) من حديث عائشة..
١٦ صحيح البخاري برقم (٣٢٣٧)..
١٧ في ر: "مهاجره"..
١٨ صحيح مسلم برقم (١٤٣٦).
.

١٩ سنن أبي داود برقم (٢١٤٥)..
٢٠ سنن أبي داود برقم (٢١٤٣) والمسند (٤/٤٤٧)..
٢١ في ر: "فاضربوهن"..
٢٢ في أ: "إذا لم يرتدعن عما ينهاها عنه"..
٢٣ صحيح مسلم برقم (١٢١٨)..
٢٤ في أ: "ذئاب"..
٢٥ في أ: "يشتكين"..
٢٦ في أ: "يشتكين"..
٢٧ سنن أبي داود برقم (٢١٤٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩١٦٧) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٧٥)..
٢٨ في د: "السلمي"..
٢٩ سنن أبي داود برقم (٢١٤٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩١٦٨) وسنن ابن ماجة برقم (١٩٨٦).
.

ذكر[ تعالى ]١ الحال الأول، وهو إذا كان النفور والنشوز من الزوجة، ثم ذكر الحال الثاني وهو :إذا كان النفور من الزوجين فقال تعالى : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾
قال الفقهاء :إذا وقع الشقاق بين الزوجين، أسكنهما الحاكم إلى جنب ثقة، ينظر في أمرهما، ويمنع الظالم منهما من الظلم، فإن تفاقم أمرهما وطالت خصومتهما، بعث الحاكم ثقة من أهل المرأة، وثقة من قوم الرجل، ليجتمعا وينظرا في أمرهما، ويفعلا ما فيه المصلحة مما يريانه من التفريق أو التوفيق٢ وتَشَوف الشارع إلى التوفيق ؛ ولهذا قال : ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :أمر الله عز وجل، أن يبعثوا رجلا صالحًا من أهل الرجل، ورجلا مثله من أهل المرأة، فينظران أيهما المسيء، فإن كان الرجل هو المسيء، حجبوا عنه امرأته وقصروه على النفقة، وإن كانت المرأة هي المسيئة، قصروها على زوجها ومنعوها النفقة. فإن اجتمع رأيهما على أن يفرقا أو يجمعا، فأمرهما جائز. فإن رأيا أن يجمعا، فرضي أحد الزوجين وكره ذلك الآخر، ثم مات أحدهما، فإن الذي رضي يرث الذي كره ولا يرث الكاره الراضي. رواه ابن أبي حاتم وابن جرير.
وقال عبد الرزاق :أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن عكرمة بن خالد، عن ابن عباس قال :بعثت أنا ومعاوية حكمين، قال معمر :بلغني أن عثمان بعثهما، وقال لهما :إن رأيتما أن تُجْمَعا جُمِعْتُما، وإن رأيتما أن تُفَرَّقا فُرَّقْتما٣.
وقال :أنبأنا ابن جريج، حدثني ابن أبي مليكة، أن عَقيل بن أبي طالب تَزَوَّج فاطمة بنت عتبة بن ربيعة فقالت :تصير إليَّ٤ وأنفق عليك. فكان إذا دخل عليها قالت :أين عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ؟ قال :على يسارك في النار إذا دخلت. فشدت عليها ثيابها فجاءت عثمان، فذكرت له ذلك٥ فضحك وأرسل ابن عباس ومعاوية، فقال ابن عباس :لأفرِّقَن بينهما. فقال معاوية :ما كنت لأفرق بين شيخين من بني عبد مناف. فأتياهما فوجداهما قد أغلقا عليهما أبوابهما فرجعا.
وقال عبد الرزاق :أخبرنا مَعْمَر، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة قال :شهدت عليا وجاءته امرأة وزوجها، مع كل واحد منهما فِئَام من الناس، فأخرج هؤلاء حكما وهؤلاء حكما، فقال علي للحَكَمَين :أتدريان ما عليكما ؟ إن عليكما ؟ إن رأيتما أن تجمعا، جمعتما. فقالت المرأة :رضيت بكتاب الله لي وعَليّ. وقال الزوج :أما الفرقة فلا. فقال علي :كذبت، والله لا تبرح حتى ترضى بكتاب الله، عز وجل، لك وعليك.
رواه ابن أبي حاتم، ورواه ابن جرير، عن يعقوب، عن ابن علية، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي، مثله. ورواه من وجه آخر، عن ابن سيرين، عن عبيدة، عن علي، به٦.
وهذا مذهب جمهور العلماء :أن الحكمين إليهما الجمع والتفرقة، حتى قال إبراهيم النخعي :إن شاء الحكمان أن يفرقا بينهما بطلقة أو بطلقتين أو ثلاث فعلا. وهو رواية عن مالك.
وقال الحسن البصري :الحكمان يحكمان في الجمع ولا يحكمان في التفريق، وكذا قال قتادة، وزيد بن أسلم. وبه قال أحمد بن حنبل، وأبو ثور، وداود، ومأخذهم قوله تعالى : ﴿ إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ ولم يذكر التفريق.
وأما إذا كانا وكيلين من جهة الزوجين، فإنه يُنَفَّذُ حكمهما٧ في الجمع والتفرقة بلا خلاف.
وقد اختلف الأئمة في الحكمين :هل هما منصوبان من عند الحاكم، فيحكمان وإن لم يرض الزوجان، أو هما وكيلان من جهة الزوجين ؟ على قولين :فالجمهور على الأول ؛ لقوله تعالى : ﴿ فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ﴾ فسماهما حكمين، ومن شأن الحكم أن يحكم بغير رضا المحكوم عليه، وهذا٨ ظاهر الآية، والجديدُ من مذهب الشافعي، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.
الثاني منهما، بقول علي، رضي الله عنه، للزوج - حين قال :أما الفرقة فلا - قال :كذبت، حتى تقر بما أقرت به، قالوا :فلو كانا حاكمين لما افتقر إلى إقرار الزوج، والله أعلم.
قال الشيخ أبو عمر بن عبد البر :وأجمع العلماء على أن الحكمين - إذا اختلف قولهما - فلا عبرة بقول الآخر، وأجمعوا على أن قولهما نافذ في الجمع وإن لم يوكلهما الزوجان، واختلفوا :هل ينفذ قولهما في التفرقة ؟ ثم حكي عن الجمهور أنه ينفذ قولهما فيها٩ أيضا١٠.
١ زيادة من أ..
٢ في د، ر: من التوفيق أو التفريق..
٣ في أ: "فقرقا"..
٤ في د، ر: "لي"..
٥ في د، ر: "فذكرت ذلك له".
.

٦ تفسير عبد الرزاق (١/١٥٦) وتفسير الطبري (٨/٣٢٠، ٣٢١)..
٧ في أ: "حكماها"..
٨ في أ "هو"..
٩ في ر: "فيه"، وفي أ: "قولهما فيها منه من غير توكيل"..
١٠ الاستذكار لابن عبد البر (١٨/١١١)..
يأمر تبارك وتعالى بعبادته وحده لا شريك له ؛ فإنه هو الخالق الرازق المنعم المتفضل على خلقه في جميع الآنات والحالات، فهو المستحق منهم أن يوحدوه، ولا يشركوا به شيئا من مخلوقاته، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ :" أتَدْرِي ما حَقُّ الله على العباد١ ؟ " قال :الله ورسوله أعلم. قال :" أن يَعْبدُوهُ ولا يُشْرِكُوا به شيئا "، ثم قال :" أتَدْري ما حَقُّ العبادِ عَلَى اللهِ إذا فَعَلُوا ذلك ؟ ألا يُعَذِّبَهُم " ٢ ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله، سبحانه، جعلهما سببا لخروجك من العدم إلى الوجود، وكثيرا ما يقرنُ الله، سبحانه، ٣ بين عبادته والإحسان إلى الوالدين، كقوله : ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾ [ لقمان :١٤ ] وكقوله : ﴿ وَقَضَى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ﴾ [ الإسراء :٢٣ ].
ثم عطف على الإحسان إلى الوالدين الإحسان٤ إلى القرابات من الرجال والنساء، كما جاء في الحديث :" الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعَلَى ذِي الرَّحِم صَدَقَةٌ وصِلَةٌ " ٥.
ثم قال : ﴿ وَالْيَتَامَى ﴾ وذلك لأنهم قد فقدوا من يقوم بمصالحهم، ومن ينفق عليهم، فأمر الله بالإحسان إليهم والحنو عليهم.
ثم قال : ﴿ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ وهم المحاويج من ذوي الحاجات الذين لا يجدون ما يقوم بكفايتهم، فأمر الله بمساعدتهم بما تتم به كفايتهم وتزول به ضرورتهم. وسيأتي الكلام على الفقير والمسكين في سورة براءة.
وقوله : ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ قال علي بن أبي طَلْحَةَ، عن ابْنِ عَبَّاسٍ : ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ يعني الذي بينك وبينه قرابة، ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ الذي ليس بينك وبينه قرابة. وكذا رُوِيَ عن عِكْرِمةَ، ومُجَاهد، وميمون بنِ مهْرانَ، والضحاك، وزيد بْنِ أَسْلَمَ، ومقاتل بن حيَّان، وقتادة.
وقال أبو إسحاق عن نَوْف البِكَالِي في قوله : ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ يعني المسلم ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ يعني اليهودي والنصراني رواه ابنُ جَريرٍ، وابنُ أبي حَاتم.
وقال جَابِرٌ الْجُعْفِيّ، عن الشعبي، عن علي وابنِ مسعود : ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ يعني المرأة. وقال مُجَاهِد أيضا في قوله : ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ يعني الرفيق في السفر.
وقد وردت الأحاديث بالوصايا بالجار، فنذكر منها ما تيسر، والله المستعان :
الحديث الأول :قال الإمام أحمد :حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عمر بن محمد بن زيد :أنه سمع أباه محمدًا يحدث، عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" ما زال جِبرِيل يوصيني بالْجَارِ حَتِّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِثُه ".
أخرجاه في الصحيح من حديث عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر، به٦.
الحديث الثاني :قال الإمامُ أحمدُ :حدثنا سُفْيَانُ، عن داودَ بنِ شَابُورٍ، عن مجاهد، عن عبد الله بن عَمْرٍو قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بالْجَارِ حتى ظننْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُهُ " ٧.
وروى أبو داود والترمذي نحوه، من حديث سفيان بن عيينة، عن بَشِيرِ أبي٨ إسْمَاعيلَ - زاد الترمذي :وداود بن شابور - كلاهما عن مجاهد، به ثم قال الترمذي :حسن غريب من هذا الوجه٩ وقد رُوي عن مجاهد عن١٠ عائشةَ وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الحديث الثالث عنه :قال أحمد أيضا :حدثنا عبد الله بن يَزِيد، أخبرنا حَيْوةُ، أخبرنا شَرْحَبِيلُ بنُ شُرَيكٍ أنه١١ سمع أبا عبد الرحمن الحُبُلي يحدث عن عبد الله بْنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" خَيْرُ الأصْحَابِ عِندَ اللهِ خَيْرُهُم لِصَاحِبِهِ، وخَيْرُ الجِيرانِ عند اللهِ خيرهم لِجَارِهِ ".
ورواه الترمذي عن أحمد بن محمد، عن عبد الله بن المبارك، عن حيوة بن شريح - به، وقال : [ حديث ] حسن غريب١٢.
الحديث الرابع :قال الإمام أحمد :حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن أبيه، عن عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عن عُمَر قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يَشْبَعُ الرجل دون جَارِهِ ". تفرد به أحمد١٣.
الحديث الخامس :قال الإمام أحمد :حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا محمد بن فضيل بن غَزْوان، حدثنا محمد بن سعد الأنصاري، سمعت أبا ظَبْية الكَلاعِيّ، سمعت المقدادَ بن الأسود يقول :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه : [ " ما تقولون في الزنا ؟ " قالوا :حرام حَرَّمَهُ اللهُ ورسُولُه، فهو حرام إلى يوم القيامة. فقال :رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ]١٤ لأنْ يَزني الرَّجُلُ بِعَشْرِ نِسْوَة، أَيْسَرُ عليه من أَن يزنيَ بامرَأَةِ جَارِهِ ". قال :ما تقولون في السَّرِقَة ؟ قالوا :حَرَّمَهَا اللهُ وَرَسُولُهُ فهي حرام. قَالَ " لأن يَسْرِقَ الرجل مِن عَشْرَةِ أَبْيَاتٍ، أَيْسَرُ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يسرِقَ مِنْ جَارِهِ ".
تفرد به أحمد١٥ وله شاهد في الصحيحين من حديث ابْنِ مَسْعُودٍ :قلت :يا رسول الله، أيُّ الذَّنْب أَعْظَمُ ؟ قَالَ :" أن تجعل لله نِدًّا وهُوَ خَلَقَكَ ". قُلْتُ :ثُمَّ أَيُّ ؟ قال :" أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أَن يُطْعَم معك ". قُلتُ :ثُمَّ أيُّ ؟ قَالَ :" أَنْ تُزَاني حَليلةَ جَارِكَ " ١٦.
الحديث السادس :قال الإمامُ أحمد :حدثنا يَزِيدُ، أخبرنا هِشَامُ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أبِي الْعَالية، عَنْ رَجُلٍ من الأنصار قال :خَرَجْتُ من أهلي أريدُ النبي صلى الله عليه وسلم، فإذَا به قَائِمٌ ورجل مَعَهُ مُقْبِل١٧ عَليه، فَظَنَنْتُ أَنَّ لهما حَاجة - قَالَ الأنْصَارِيُّ :لقد قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جعلت أَرْثِي لِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم من طُولِ الْقِيَامِ، فَلمَّا انْصَرفَ قُلْتُ :يا رسول الله، لقد قام بك هذا الرَّجُلُ حتى جَعَلْتُ أَرْثِي لَك من طُولِ الْقِيَامِ. قال :" وَلَقَدْ رَأَيتَه ؟ " قُلتُ :نعم. قَالَ :" أَتَدْرِي مَن هُوَ ؟ " قُلْتُ :لا. قَال :" ذَاكَ جِبْرِيِلُ، ما زال يُوصِينِي بِالجِارِ حتى ظَنَنْتُ أَنَّه سَيُورثُه. ثُمَّ قال :أَمَا إِنَّك لَو سَلَّمْتَ عليه، رد عليك السلام " ١٨.
الحديث السابع :قال عبد بن حُمَيْدٍ في مسنده :حدثنا يَعْلَى بْنُ عُبَيْد، حدثنا أَبُو بَكْرٍ - يعني الْمدَنيّ - عن جابر بن عبد الله قال :جاء رجل من الْعَوَالِي ورسول الله صلى الله عليه وسلم وجِبْرِيلُ عليه السلام يُصَلِّيانِ حَيْثُ يُصَلَّى على الْجَنائِز، فلما انصرف قال الرجل :يا رسولَ الله، من هذا الرجل الذي رأيت معك ؟ قال :" وقد رأيْتَه ؟ " قال :نعم. قال :" لقد رأَيْتَ خَيْرًا كثيرًا، هَذَا جِبْرِيلُ مَا زَالَ يُوصِينِي بالجار حتى رُئِيت أَنَّه سَيُورثُه ".
تفرد به من هذا الوجه١٩ وهو شاهد للذي قبله.
الحديث الثامن :قال أبو بكر البزار :حدثنا عبيد الله٢٠ بن محمد أبو الرَّبِيعِ الْحَارِثِيّ، حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْن أَبِي فُدَيْك، أخبرني عبد الرَّحمن بنُ الْفَضل٢١ عن عَطَاء الخَراساني، عن الحسن، عن جابر بنِ عَبْدِ الله قال :قَالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :" الجِيرانُ ثَلاثَةٌ :جَارٌ لهُ حَقٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ أَدْنَى الجيرانِ حقًّا، وجار له حقَّان، وجَارٌ له ثلاثةُ حُقُوقٍ، وَهُوَ أفضلُ الجيرانِ حقا، فأما الذي له حق واحد فجار مُشْرِكٌ لا رَحمَ لَهُ، لَهُ حق الجَوار. وأمَّا الَّذِي لَهُ حقانِ فَجَارٌ مُسْلِمٌ، له حق الإسلام وحق الْجِوارِ، وأَمَّا الَّذِي لَهُ ثَلاثةُ حُقُوقٍ، فَجَارٌ مُسْلِمٌ ذُو رَحِمٍ لَهُ حق الجوار وحق الإسلام وحَقُّ الرحِمِ ".
قال البَزَّارُ :لا نعلم أحدا روى عن عبد الرحمن بن الْفُضَيْل٢٢ إلا ابْنُ أَبِي فُدَيْك٢٣.
الحديث التاسع :قال الإمام أحمد :حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي عِمْرَانَ، عنْ طَلْحَةَ بنِ عَبْد اللهِ، عن عائشة ؛ أنها سألت رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقالت :" إنَّ لي جَارَيْنِ، فإلى أيِّهِمَا أُهْدِي ؟ قَالَ :" إِلَى أقْرَبِهِمَا مِنْك بَابًا ".
ورواه البخاري من حديث شعبة، به٢٤.
وقوله : ﴿ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ ﴾ قال الثوريُّ، عن جابر الْجُعْفِي، عن الشَّعبي، عن علي وابنِ مسعودٍ قالا هي المرأة.
وقال ابن أبي حاتم :ورُويَ عن عبد الرحمن بن أبي لَيْلَى، وإبراهيم النَّخَعِيّ، والحسن، وسعيد بن جُبَير - في إحدى الروايات - نحوُ ذلك.
وقال ابن عباس ومجاهدٌ، وعِكْرِمَةُ، وقَتَادةُ :هو الرفيق في السفر. وقال سعيد بن جُبَيْرٍ :هو الرفيق الصالح. وقال زَيْدُ بنُ أَسْلَمَ :هو جليسك في الحضر، ورفيقك في السفر.
وأما ﴿ ابْنِ السَّبِيلِ ﴾ فعن ابن عباس وجماعة هو :الضيف.
وقال مجاهد، وأبو جَعْفَرٍ الباقرُ، والحسنُ، والضحاكُ، ومقاتلُ :هو الذي يمر عليك مجتازًا في السفر.
وهذا أظهر، وإن كان مراد القائل بالضيف :المار في الطريق، فهما سواء. وسيأتي الكلام على أبناء السبيل في سورة براءة، وبالله الثقة وعليه التكلان.
وقوله : ﴿ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾ وصية بالأرقاء ؛ لأن الرقيق ضعيف الحيلة أسير في أيدي الناس، ولهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل يُوصِي أُمَّتَه في مرضِ الموت يقول :" الصلاةَ الصلاةَ وما ملكتْ أيمانُكُم ". فجعل يُرَدِّدُها حتى ما يَفِيضُ بها لسانه٢٥.
وقال الإمام أحمد :حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، حدثنا بَقِيّة، حدثنا بَحِيرُ بن سعد، عن خالد بن مَعْدَان، عن الْمِقْدَامِ بن مَعْدِ يكَرِب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما أطعمت نَفْسَك فهو لك صدقةٌ، وما أطعمتَ وَلَدَكَ فهو لك صدقة، وما أطعمت زَوْجَتَكَ فهو لك صَدَقَةٌ، ومَا أطعَمْتَ خَادِمَكَ فهو لَك صَدَقَهٌ ".
ورواه النسائي من حديث بَقِيَّة، وإسناده صحيح٢٦ ولله الحمد.
وعن عبد الله بن عمرو أنه قال لِقَهْرَمَانَ له :هل أعطيت الرقيق قُوتَهم ؟ قال :لا. قال :فانطلق فأعطهم ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" كفى بالمرء إثما أن يحبس عمن يملك قوتهم " رواه مسلم٢٧.
وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" للمملوك طعامه وكِسْوتُه، ولا يكلَّف من العمل إلا ما يُطيق ". رواه مسلم أيضا٢٨.
وعنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمةً أو لقمتين أو أكْلَةً أو أكْلَتين، فإنه وَليَ حَرّه وعلاجه ".
أخرجاه ولفظه للبخاري ولمسلم٢٩ فليقعده معه فليأكل، فإن كان الطعام مَشْفُوها قليلا فَلْيضع في يده أكلة أو أكلتين ".
وعن أبي ذر، رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" هم إخوانكم خَوَلكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تح
١ في أ: "عبادة".
.

٢ رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٣٧٣) ومسلم في صحيحه برقم (٣٠)..
٣ في أ: "تعالى"..
٤ في ر: "والإحسان"..
٥ رواه أحمد في مسنده (٤/١٧) من حديث سلمان بن عامر، رضي الله عنه..
٦ المسند (٢/٨٥) وصحيح البخاري برقم (٦٠١٥) وصحيح مسلم برقم (٢٦٢٥)..
٧ المسند (٢/١٦٠).
.

٨ في ر: "ابن"..
٩ سنن أبي داود برقم (٥١٥٢) وسنن الترمذي برقم (١٩٤٣)..
١٠ في أ: "و".
١١ في ر: "أو"..
١٢ المسند (٢/١٦٧) وسنن الترمذي برقم (١٩٤٤)..
١٣ المسند (١/٥٤) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٧): "رجاله رجال الصحيح إلا أن عباية بن رفاعة لم يسمع من عمر"..
١٤ زيادة من أ، والمسند..
١٥ المسند (٦/٨)..
١٦ صحيح البخاري برقم (٤٧٦١) وصحيح مسلم برقم (٦٨)..
١٧ في أ: "يقبل"..
١٨ المسند (٥/٣٢) وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٤): "رجاله رجال الصحيح"..
١٩ ورواه البزار في مسنده (١٨٩٧) "كشف الأستار" من طريق الفضل بن مبشر أبو بكر المدني به.قال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٥): "فيه الفضل بن مبشر وثقه ابن حبان وضعفه غيره، وبقية رجاله ثقات"..
٢٠ في أ: "عبد الله"..
٢١ في د، ر: "الفضيل"..
٢٢ في أ: "الفضل"..
٢٣ مسند البزار برقم (١٨٩٦) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (٨/١٦٤): "رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثي وهو وضاع"..
٢٤ المسند (٦/١٧٥) وصحيح البخاري برقم (٦٠٢٠).
.

٢٥ رواه أبو داود في السنن برقم (٥١٥٤) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه..
٢٦ المسند (٤/١٣١) وسنن النسائي الكبرى برقم (٩١٨٥)..
٢٧ صحيح مسلم برقم (٩٩٦)..
٢٨ صحيح مسلم برقم (١٦٦٢)..
٢٩ صحيح البخاري برقم (٥٤٦٠) وصحيح مسلم برقم (١٦٦٣)..
يقول تعالى ذامًّا الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به - من بر الوالدين، والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجُنُب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم من الأرقاء - ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وأي داء أَدْوَأ من البخل ؟ ". وقال :" إياكم والشّحَ، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعةِ فقطعوا، وأمرهم بالفجور فَفَجَرُوا " ١.
وقوله : ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ فالبخيل جَحُود لنعمة الله عليه لا تظهر عليه ولا تبين، لا في أكله٢ ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى : ﴿ إِنَّ الإنْسَاَن لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ [ العاديات :٦، ٧ ] أي :بحاله وشمائله، ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [ العاديات :٨ ] وقال هاهنا : ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ولهذا توعَّدهم بقوله : ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه.
وفي الحديث :" إن الله إذا أنعم نعمةً على عبدٍ أحبَّ أن يَظْهَرَ أثرُها عليه " ٣ وفي الدعاء النبوي :" واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها - ويروى :قائليها - وأتممها علينا " ٤.
وقد حمل بعضُ السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم، من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك ؛ ولهذا قال : ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس. وقاله مجاهد وغير واحد.
ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى ؛ فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذا الآية التي بعدها، وهي قوله : ﴿ والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ فَذَكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يُمدَحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الذي فيه الثلاثة الذين هم أول من تُسَجَّرُ بهم النار، وهم :العالم والغازي والمنفق، والمراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال :ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله :كذبت ؛ إنما أردت أن يقال :جواد فقد قيل. أي :فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك.
وفي الحديث :أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لِعَدِيّ :" إن أباك رامَ أمرًا فبلغه ".
وفي حديث آخر :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عبد الله بن جُدعان :هل ينفعه إنفاقُه، وإعتاقُه ؟ فقال :" لا إنه لم يقل يوما من الدهر :رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ".
ولهذا قال : ﴿ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ]٥ أي :إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيحِ وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطانُ ؛ فإنه سَوَّلَ لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسّن لهم القبائح ﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴾ ولهذا قال الشاعر٦
عَن المَرْء لا تَسْأل وسَلْ عن قَرينه فكلُّ قرين بالمقارن يَقْتَدي٧
١ رواه أبو دواد في السنن برقم (٦٦٩٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
.

٢ في أ: "مأكله"..
٣ رواه الترمذي في سننه برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، ولفظة: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده..
٤ رواه أبو داود في سننه برقم (٩٦٩) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه..
٥ زيادة من أ، وفي هـ: "الآية"..
٦ الشاعر هو عدي بن زيد، والبيت في تفسير الطبري (٨/٣٥٨).
.

٧ في أ: "مقتدي"..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٧: يقول تعالى ذامًّا الذين يبخلون بأموالهم أن ينفقوها فيما أمرهم الله به - من بر الوالدين، والإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين، والجار ذي القربى، والجار الجُنُب، والصاحب بالجنب، وابن السبيل، وما ملكت أيمانكم من الأرقاء - ولا يدفعون حق الله فيها، ويأمرون الناس بالبخل أيضا. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وأي داء أَدْوَأ من البخل ؟ ". وقال :" إياكم والشّحَ، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعةِ فقطعوا، وأمرهم بالفجور فَفَجَرُوا " ١.
وقوله : ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ فالبخيل جَحُود لنعمة الله عليه لا تظهر عليه ولا تبين، لا في أكله٢ ولا في ملبسه، ولا في إعطائه وبذله، كما قال تعالى : ﴿ إِنَّ الإنْسَاَن لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ. وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ ﴾ [ العاديات :٦، ٧ ] أي :بحاله وشمائله، ﴿ وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ﴾ [ العاديات :٨ ] وقال هاهنا : ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ ولهذا توعَّدهم بقوله : ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ والكفر هو الستر والتغطية، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله عليه.
وفي الحديث :" إن الله إذا أنعم نعمةً على عبدٍ أحبَّ أن يَظْهَرَ أثرُها عليه " ٣ وفي الدعاء النبوي :" واجعلنا شاكرين لنعمتك، مثنين بها عليك قابليها - ويروى :قائليها - وأتممها علينا " ٤.
وقد حمل بعضُ السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم، من صفة النبي صلى الله عليه وسلم وكتمانهم ذلك ؛ ولهذا قال : ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ رواه ابن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عباس. وقاله مجاهد وغير واحد.
ولا شك أن الآية محتملة لذلك، والظاهر أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلا في ذلك بطريق الأولى ؛ فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء، وكذا الآية التي بعدها، وهي قوله : ﴿ والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ فَذَكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة وأن يُمدَحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله، وفي حديث الذي فيه الثلاثة الذين هم أول من تُسَجَّرُ بهم النار، وهم :العالم والغازي والمنفق، والمراءون بأعمالهم، يقول صاحب المال :ما تركت من شيء تحب أن ينفق فيه إلا أنفقت في سبيلك. فيقول الله :كذبت ؛ إنما أردت أن يقال :جواد فقد قيل. أي :فقد أخذت جزاءك في الدنيا وهو الذي أردت بفعلك.
وفي الحديث :أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال لِعَدِيّ :" إن أباك رامَ أمرًا فبلغه ".
وفي حديث آخر :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن عبد الله بن جُدعان :هل ينفعه إنفاقُه، وإعتاقُه ؟ فقال :" لا إنه لم يقل يوما من الدهر :رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين ".
ولهذا قال : ﴿ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ [ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ]٥ أي :إنما حملهم على صنيعهم هذا القبيحِ وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطانُ ؛ فإنه سَوَّلَ لهم وأملى لهم، وقارنهم فحسّن لهم القبائح ﴿ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا ﴾ ولهذا قال الشاعر٦
عَن المَرْء لا تَسْأل وسَلْ عن قَرينه فكلُّ قرين بالمقارن يَقْتَدي٧
١ رواه أبو دواد في السنن برقم (٦٦٩٨) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه.
.

٢ في أ: "مأكله"..
٣ رواه الترمذي في سننه برقم (٢٨١٩) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، ولفظة: "إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده..
٤ رواه أبو داود في سننه برقم (٩٦٩) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه..
٥ زيادة من أ، وفي هـ: "الآية"..
٦ الشاعر هو عدي بن زيد، والبيت في تفسير الطبري (٨/٣٥٨).
.

٧ في أ: "مقتدي"..

ثم قال تعالى : ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللهِ وَالْيَومِ الآخِرِ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللهُ [ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ]١ أي :وأيّ شيء يَكرثُهم لو سلكوا الطريق الحميدة، وعَدَلُوا عن الرياء إلى الإخلاص والإيمان بالله، ورجاء موعوده في الدار الآخرة لمن أحسن عملا وأنفقوا مما رزقهم الله في الوجوه التي يحبها الله ويرضاها.
وقوله : ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا ﴾ أي :وهو عليم بنياتهم الصالحة والفاسدة، وعليم بمن يستحق التوفيق منهم فيوفقه ويلهمه رشده ويقيضه لعمل صالح يرضى به عنه، وبمن يستحق الخذلان والطرد عن جنابه الأعظم الإلهي، الذي مَنْ طُرِدَ عن بابه فقد خاب وخَسِرَ في الدنيا والآخرة، عياذا بالله من ذلك [ بلطفه الجزيل ]٢.
١ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ زيادة من ر، أ..
يخبر تعالى أنه لا يظلم عبدا من عباده يوم القيامة مثقال حبة خردل ولا مثقال ذرة، بل يوفيها به ويضاعفها له إن كانت حسنة، كما قال تعالى ﴿ وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ [ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ ]١ [ الأنبياء :٤٧ ] وقال تعالى مخبرًا عن لقمان أنه قال : ﴿ يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ [ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ]٢ [ لقمان :١٦ ] وقال تعالى : ﴿ يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ. فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ ﴾
وفي الصحيحين، من حديث زيد بن أسلم، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي سَعِيدٍ الخُدْري، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة الطويلِ، وفيه :فيقول الله عز وجل :" ارْجِعُوا، فَمَن وجدتم في قلبه مثقالَ حبة٣ خردل من إيمان، فأخرجوه من النار ". وفي لفظ :" أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان فأخرجوه من النار، فيخرجون خلقًا كثيرًا " ثم يقول أبو سعيد :اقرؤوا إن شئتم : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ[ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ]٤٥.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبو سعيد الأشَجّ، حدثنا عيسى بن يُونُس، عن هارونَ بن عنترة٦ عن عبد الله بن السائب، عن زَاذَانَ قال :قال عبدُ الله بن مَسْعُود :يُؤْتَى بالعبد والأمَة يومَ القيامةِ، فينادي منادٍ على رءوس الأولين والآخِرين :هذا فلانُ بنُ فلانٍ، من كان له حق فليأت إلى حقه.
فتفرحُ المرأةُ أن يكون لها الحق على أبيها أو أخيها أو زوجها. ثم قرأ : ﴿ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ ﴾ [ المؤمنون :١٠١ ] فيغفر الله من حقه ما يشاء، ولا يغفر من حقوق الناس شيئا، فينصَب للناس فينادَي :هذا فلانُ بن فلانٍ، من كان له حق فليأتِ إلى حقه. فيقول :رَبّ، فَنِيَت الدنيا، من أين أُوتِيِهْم حقوقَهم ؟ قال :خذوا من أعماله الصالحة، فأعطوا كلَ ذي حق حقه بقدر طلبته فإن كان وليًّا لله ففَضَلَ له مثقالُ ذرة، ضاعفها الله له حتى يدخلَه بها الجنة، ثم قرأ علينا : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ﴾ قال :ادخل الجنة ؛ وإن كان عبدًا شقيا قال الملك :ربِّ فنيت حسناته، وبقي طالبون كثير ؟ فيقول :خذوا من سيئاتهم فأضيفوها إلى سيئاته، ثم صُكُّوا له صَكًّا إلى النار.
ورواه ابن جَرِيرٍ من وجه آخر، عن زاذان - به نحوه. ولبعض هذا الأثر شاهد في الحديث الصحيح.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثتا أبو نُعَيْمٍ، حدثنا فُضَيلٌ - يعني ابن مرزوق - عن عطيَّة العَوْفي، حدثني عبد الله بن عُمَرَ قال :نزلت هذه الآية في الأعراب : ﴿ مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [ الأنعام :١٦٠ ] قال رجل :فما للمهاجرين يا أبا عبد الرحمن ؟ قال :ما هو أفضلُ من ذلك : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾.
وحدثنا أبو زُرْعَةَ، حدثنا يَحْيَى بن عبد الله بن بُكَيْرٍ، حدثني عبد الله بن لَهِيعَةَ، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جُبَيْرٍ في قوله ﴿ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا ﴾ فأما المشرك فيخفف عنه العذاب يوم القيامة، ولا يخرج من النار أبدا. وقد استدل له بالحديث الصحيح أن العباس قال :يا رسول الله، إن أبا طالب٧ كان يحوطك وينصرك فهل نفعته بشيء ؟ قال :" نعم هو في ضَحْضَاح من نار، ولولا أنا لكان في الدَّرْك الأسفل من النار " ٨.
وقد يكون هذا خاصا بأبي طالب من دون الكفار، بدليل ما رواه أبو داود الطَّيالسِي في سننه٩ حدثنا عِمْرَانُ، حدثنا قتادة، عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله لا يظلم المؤمن حسنة، يثاب عليها الرزق في الدنيا ويُجْزَى بها١٠ في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بها في الدنيا، فإذا كان يوم القيامة لم يكن له حسنة " ١١.
وقال أبو هريرة، وعِكْرِمَةُ، وسعيدُ بن جُبَيْرٍ، والحسنُ وقتادةُ والضحاكُ، في قوله : ﴿ وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ يعني :الجنة.
وقال الإمام أحمد :حدثنا عبد الصمد، حدثنا سُلَيْمانُ - يعني ابن الْمُغَيْرَةِ - عن علي بن زَيْدٍ، عن أبي عثمان قال :بلغني عن أبي هريرة أنه قال :بلغني أن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة. قال :فقُضي أني انطلقت حاجا أو معتمرا، فلقيته فقلت :بلغني عنك حديث أنك تقول :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله يعطى عبده المؤمن بالحسنة ألف ألف حسنة " قال أبو هريرة :لا بل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله عز وجل يعطيه ألفي ألف حسنة " ثم تلا ﴿ يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ فمن يقدره قدره١٢ ١٣.
رواه الإمام أحمد فقال :حدثنا يَزِيدُ، حدثنا مباركُ بن فَضَالَة، عن علي بن زيد، عن أبي عثمان قال :أتيت أبا هريرة فقلت له :بلغنى١٤ أنك تقول :إن الحسنة تضاعف ألف ألف حسنة ؟ قال :وما أعجبك من ذلك ؟ فوالله لقد سمعت - يعنى النبي صلى الله عليه وسلم - كذا قال أبي - يقول :" إن الله ليضاعف الحسنة ألفى ألف حسنة " ١٥.
علي بن زيد في أحاديثه نكارة، فالله أعلم.
١ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
٣ في ر، أ: "ذرة"..
٤ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٥ صحيح البخاري برقم (٧٤٣٩) وصحيح مسلم برقم (١٨٣)..
٦ في أ: "عنبرة".
.

٧ في أ: "إن عمك أبا طالب"..
٨ رواه البخاري في صحيحه برقم (٣٨٨٣، ٦٢٠٨) ومسلم في صحيحه برقم (٢٠٩)..
٩ في د، ر، أ: "مسنده"..
١٠ في ر: "فيها"..
١١ مسند الطيالسي برقم (٤٧) "منحة المعبود" ورواه مسلم برقم (٢٨٠٨) من طريق يزيد بن هارون عن همام بن يحيى عن قتادة بنحوه.
.

١٢ في د، ر، أ: "يقدر قدره"..
١٣ المسند (٥/٥٢١)..
١٤ في ر: "إنه بلغني..
١٥ المسند (٢/٢٩٦)..
وقوله : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ يقول تعالى - مخبرًا عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه :فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة وحين١ يجيء من كل أمة بشهيد - يعني الأنبياء عليهم السلام ؟ كما قال تعالى : ﴿ وَأَشْرَقَتِ الأرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ [ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ]٢ [ الزمر :٦٩ ] وقال تعالى : ﴿ وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ [ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلاءِ وَنزلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ ]٣ [ النحل :٨٩ ].
قال البخاري :حدثنا محمد بن يُوسُفَ، حدثنا سفيانُ، عن الأعْمَشِ، عن إبراهيمَ، عن عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال :قال لي النبي صلى الله عليه وسلم " اقرأ علي " قلت :يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أُنزلَ ؟ قال :" نعم، إني أحب أن أسمعه من غيري " فقرأت سورة النساء، حتى أتيت إلى هذه الآية : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ قال :" حسبك الآن " فإذا عيناه تَذْرِفَان.
ورواه هو ومسلم أيضًا من حديث الأعمش، به٤ وقد رُوي من طرق متعددة عن ابن مسعود، فهو مقطوع به عنه. ورواه أحمد من طريق أبي حيان، وأبي رَزِين، عنه.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبو٥ بكر بن أبي الدنيا، حدثنا الصَّلْتُ بنُ مَسْعُود الجَحْدَري، حدثنا فُضَيْلُ بن سُلَيْمَانَ، حدثنا يونُس بنُ محمد بن فضَالَة الأنصاري، عن أبيه قال - وكان أبي ممن صحب النبي صلى الله عليه وسلم :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاهم في بني ظَفَر، فجلس على الصخرة التي في بني ظفر اليوم، ومعه ابن مسعود ومعاذ بن جبل وناس من أصحابه، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم قارئا فقرأ، فأتى على هذه الآية : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اضطرب٦ لحياه وجنباه، فقال :" يا رب هذا شهدتُ على من أنا بين ظهريه، فكيف بمن لم أره ؟ " ٧.
وقال ابن جرير :حدثني عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان، عن المسعودي، عن جعفر بن عمرو بن حريث عن أبيه عن عبد الله - هو ابن مسعود - ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ ﴾ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" شهيد عليهم ما دمت فيهم، فإذا توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم ".
وأما ما ذكره أبو عبد الله القُرْطُبي في " التذكرة " ٨ حيث قال :باب٩ ما جاء في شهادة النبي صلى الله عليه وسلم على أمته :قال :أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا رجل من الأنصار، عن المِنْهَال بنِ عمرٍو، حدثه أنه سمع سعيد بن المُسَيَّبِ يقول :ليس من يوم إلا تعرض على النبي صلى الله عليه وسلم أمته غُدْوة وعَشيّة، فيعرفهم بأسمائهم١٠ وأعمالهم، فلذلك يشهد عليهم، يقول الله تعالى : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا ﴾ فإنه أثر، وفيه انقطاع، فإن فيه رجلا مبهما لم يسم، وهو من كلام سعيد بن المسيب لم يرفعه. وقد قبله القرطبي فقال بعد إيراده : [ قد تقدم ]١١ أن الأعمال تعرض على الله كل يوم اثنين وخميس، وعلى الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجُمُعة. قال :ولا تعارض، فإنه يحتمل أن يخص نبينا بما يعرض عليه كل يوم، ويوم الجمعة مع الأنبياء، عليهم السلام.
١ في ر: "حين"..
٢ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
٣ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٤ صحيح البخاري برقم (٥٠٥٠) وصحيح مسلم برقم (٨٠٠)..
٥ في ر: "أبي" وهو خطأ.
.

٦ في ر: "ضرب"..
٧ ورواه البغوي في معجمه ومن طريقه الطبراني في المعجم الكبير (١٩/٢٤٣) من طريق الصلت بن مسعود الجحدري به. قال الهيثمي في المجمع (٧/٤): "رجاله ثقات"..
٨ التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (ص٢٩٤)..
٩ في أ: "يارب"..
١٠ في أ: "بسيماهم"..
١١ زيادة من ر، أ، والتذكرة..
وقوله ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ ﴾ أي :لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ، كقوله : ﴿ يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ [ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا ]١ وقوله ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ أخبر٢ عنهم بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئا.
قال ابن جرير :حدثنا ابن حُمَيْد، حدثنا حكَّام، حدثنا عمرو، عن مُطرِّف، عن الْمِنْهِالِ بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيْر قال :أتى رجل ابن عباس فقال :سمعتُ الله، عز وجل، يقول - يعني إخبارا عن المشركين يوم القيامة أنهم قالوا - : ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [ الأنعام :٢٣ ] وقال في الآية الأخرى : ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ فقال ابنُ العباس :أما قوله : ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فإنهم لما رأوا أنه لا يدخل الجنة إلا أهلُ الإسلام قالوا :تعالوا فَلْنَجْحَدْ، فقالوا : ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾
وقال عبد الرزاق :أخبرنا معمر، عن رجل عن المِنْهال بن عمرو، عن سعيد بن جُبَيْر قال :جاء رجل إلى ابن عباس فقال :أشياء تختلف علي في القرآن. قال :ما هو ؟ أشك في القرآن ؟ قال :ليس هو بالشك. ولكن٣ اختلاف. قال :فهات ما اختلف عليك من ذلك. قال :أسمع الله يقول : ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [ الأنعام :٢٣ ] وقال ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ ؛ فقد كتموا ! فقال ابن عباس :أما قوله : ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ فإنهم لما رأوا يوم القيامة أن الله لا يغفر إلا لأهل الإسلام٤ ويغفر الذنوب ولا يغفر شركا، ولا يتعاظمه ذنب أن يغفره، جحد المشركون، فقالوا : ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؛ رجاء أن يغفر لهم. فختم الله على أفواههم، وتكلمت أيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون، فعند ذلك : ﴿ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾
وقال جُوَيْبِرٌ عن الضَّحَّاك :إن نافِعَ بن الأزْرَقِ أتى ابنَ عباس فقال :يا ابن عباس، قول الله : ﴿ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ وقوله ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ ؟ فقال له ابن عباس :إني أحسبك قمت من عند أصحابك فقلت ألْقي عَلَى ابن عباس متشابه القرآن. فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أن الله جامع الناس يوم القيامة في بقيع واحد. فيقول المشركون :إن الله لا يقبل من أحد شيئا إلا ممن وحده، فيقولون :تعالوا نَقُلْ فيسألهم فيقولون : ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ قال :فَيُخْتَم على أفواههم، وتُسْتَنطق٥ جوارحهم، فتشهد عليهم جوارحُهم أنهم كانوا مشركين. فعند ذلك تَمَنَّوْا لو أن الأرضَ سُوِّيَتْ بِهِم ﴿ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا ﴾ رواه ابن جرير.
١ زيادة من ر، وفي هـ: "الآية"..
٢ في ر، أ: "إخبار".
.

٣ في ر، أ: "ولكنه"..
٤ في أ: "إن الله يغفر لأهل الإسلام"..
٥ في د: "ويستنطق"..
ينهى تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السُّكْرِ، الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محلها - وهي المساجد - للجُنُب، إلا أن يكون مجتازا من باب إلى باب من غير مُكْثٍ وقد كان هذا قبل تحريم الخمر، كما دل الحديث الذي ذكرناه في سورة البقرة، عند قوله [ تعالى ]١ ﴿ يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ ]٢ الآية [ البقرة :٢١٩ ] ؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم تلاها على عمر، فقال :اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فلما نزلت هذه الآية، تلاها عليه، فقال :اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا. فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلوات٣ فلما نزل٤ قوله [ تعالى ]٥ ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأنْصَابُ وَالأزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ إلى قوله : ﴿ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ﴾ [ المائدة :٩٠، ٩١ ] فقال عمر :انتهينا، انتهينا.
وفي رواية إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عمرو - وهو ابن شُرَحبيل - عن عُمَرَ بْنِ الْخطَّاب في قصة تحريم الخمر، فذكر الحديث وفيه :فنزلت الآية التي في ] سورة[ ٦ النساء : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ فكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قامت٧ الصلاة ينادي :ألا يَقْرَبَنَّ الصلاة سكران. لفظ أبي داود.
وذكروا في سبب نزول هذه الآية ما رواه ابن أبي حاتم٨.
حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا شُعْبَة، أخبرني سِمَاكُ بن حَرْبٍ قال :سمعت مُصْعَبَ بنَ سَعْدٍ يحدث عن سعد قال :نزلت في أربعُ آيات :صنع رجل من الأنصار طعاما، فدعا أناسا من المهاجرين وأناسا من الأنصار، فأكلنا وشربنا حتى سَكرْنا، ثم افتخرنا فرفع رجل لَحْي بعير فَفَزَر٩ بها أنف سعد، فكان سعد مَفْزور١٠ الأنف، وذلك قبل أن تحرم الخمر، فنزلت : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ الآية.
والحديث بطوله عند مسلم من رواية شُعْبة. ورواه أهلُ السُّنَن إلا ابنَ ماجه، من طُرُق عن سِماكٍ به١١.
سبب آخر :قال ابن أبي حاتم :حدثنا محمد بن عمَّار، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الدَّشْتَكي، حدثنا أبو جعفر عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السّلَمي، عن علي بن أبي طالب قال :صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما، فدعانا وسقانا من الخمر، فأخذت الخمر منا، وحضرتِ الصلاةُ فقدَّموا فلانا - قال :فقرأ :قل يا أيها الكافرون، ما أعبد ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون. [ قال ]١٢ فأنزل الله تعالى ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾
هكذا رواه ابن أبي حاتم، وكذا رواه الترمذي عن عبد١٣ بن حُمَيْدٍ، عن عبد الرحمن الدَّشْتَكي، به، وقال :حسن صحيح١٤.
وقد رواه ابن جرير، عن محمد بن بشار، عن عبد الرحمن بن مَهْدي، عن سفيانَ الثوري، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي ؛ أنه كان هو وعبد الرحمن ورجل آخر شربوا الخمر، فصلى بهم عبد الرحمن فقرأ : ﴿ قُلْ [ يَا ]١٥ أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ فخلط فيها، فنزلت : ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾.
وهكذا رواه أبو داود والنسائي، من حديث الثوري، به. ١٦
ورواه ابن جَرِير أيضا، عن ابن حُمَيْدٍ، عن جَرِيرٍ، عن عطاء، عن أبي عبد الله السَّلَمِيّ قال :كان عَلِيٌّ في نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بيت عبد الرحمن بن عوف، فطعموا فآتاهم بخمر فشربوا منها، وذلك قبل أن يحرم١٧ الخمر، فحضرت الصلاة فَقَدَّموا عليًا فقرأ بهم : ﴿ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ﴾ فلم يقرأها كما ينبغي، فأنزل الله عز وجل : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾
ثم قال :حدثني المُثَنَّى، حدثنا الحجَّاج بن المِنْهال، حدثنا حَمَّاد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حبيب - وهو أبو عبد الرحمن السَّلَمي ؛ أن عبد الرحمن بن عَوْفٍ صنع طعامًا وشرابا، فدعا نفرا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم المغرب، فقرأ :قل يا أيها الكافرون. أعبد ما تعبدون. وأنتم عابدون ما أعبد. وأنا عابد ما عبدتم. لكم دينكم ولي دين. فأنزل الله، عز وجل، هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾١٨.
وقال الْعَوْفِي عن ابن عباس في قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى [ حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ]١٩ وذلك أن رجالا كانوا يأتون الصلاة وهم سُكَارَى، قبل أن تحرم الخمر، فقال الله : ﴿ لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ الآية. رواه ابن جرير. وكذا قال أبو رَزِين ومُجَاهدٌ. وقال عبد الرزاق، عن معمر عن قتادة :كانوا يجتنبون السُّكْرَ عند حضور الصلوات ثم نسخ بتحريم الخمر.
وقال الضَّحَّاكُ في قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ﴾ لم يعن بها سُكْرَ الخمر، وإنما عنى بها سُكْرَ النوم. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم.
ثم قال ابن جرير :والصواب أن المراد سُكْر الشراب. قال :ولم يتوجه النهي إلى السكْران الذي لا يفهم الخطاب ؛ لأن ذاك في حكم المجنون، وإنما خُوطِب بالنهي الثَّمِل الذي يفهم التكليف٢٠.
وهذا حاصل ما قاله. وقد ذكره غير واحد من الأصوليين، وهو أن الخطاب يتوجه إلى من يفهم الكلام، دون السكران الذي لا يدري ما يقال له ؛ فإن الفهم شرط التكليف. وقد يحتمل أن يكون المراد التعريض بالنهي عن السُّكْر بالكلية ؛ لكونهم مأمورين بالصلاة في الخمسة الأوقات من الليل والنهار، فلا يتمكن شارب الخمر من أداء الصلاة في أوقاتها دائما، والله أعلم. وعلى هذا فيكون كقوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ﴾ [ آل عمران :١٠٢ ] وهو الأمر لهم بالتأهب للموت على الإسلام والمداومة على الطاعة لأجل ذلك.
وقوله : ﴿ حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ﴾ هذا أحسن ما يقال في حد السكران :إنه الذي لا يدري ما يقول٢١ فإن المخمور٢٢ فيه تخليط في القراءة وعدم تدبره٢٣ وخشوعه فيها، وقد قال الإمام أحمد :
حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا أيوب، عن أبي قِلابةَ، عن أنس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نعس أحدكم وهو يصلي، فلينصرف فليتم حتى يعلم ما يقول. انفرد بإخراجه البخاري دون مسلم، ورواه هو والنسائي من حديث أيوب، به٢٤ وفي بعض ألفاظ الحديث٢٥ فلعله يذهب يستغفر فيسُبّ نفسه.
وقوله : ﴿ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ﴾ قال ابن أبي حاتم :حدثنا محمد بن عمار، حدثنا عبد الرحمن الدَّشْتَكي، أخبرنا أبو جعفر الرازي عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس في قوله : ﴿ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ﴾ قال :لا تدخلوا المسجد وأنتم جنب إلا عابري سبيل، قال :تمر٢٦ به مرًّا ولا تجلس. ثم قال :ورُوي عن عبد الله بن مسعود، وأنس، وأبي عُبَيْدَةَ، وسعيد بن المُسَيَّبِ، وأبي الضُّحَى، وعطاء، ومُجَاهد، ومسروق، وإبراهيم النَّخَعي، وزيد بن أسلم، وأبي مالك، وعَمْرو بن دينار، والحكم بن عُتَيْبَة٢٧ وعِكْرِمَة، والحسن البصري، ويَحْيَى بن سعيد الأنصاري، وابن شهاب، وقتادَة، نحوُ ذلك.
وقال ابن جرير :حدثني المُثَنَّى، حدثنا أبو صالح، حدثني اللَّيْثُ، حدثني يَزِيدُ بن أبي حَبِيبٍ عن قول الله عز وجل٢٨ ﴿ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ أن رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد، فكانت تصيبهم الجنابة ولا ماء عندهم، فيردون الماء ولا يجدون ممرا إلا في المسجد، فأنزل الله : ﴿ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾
ويشهد لصحة ما قاله يزيد بن أبي حَبِيبٍ، رحمه اللهُ، ما ثبت في صحيح البخاري :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" سُدُّوا كل خَوخة في المسجد إلا خَوخةَ أبي بكر " ٢٩.
وهذا قاله في آخر حياته صلى الله عليه وسلم، علما منه أن أبا بكر، رضي الله عنه، سيلي الأمر بعده، ويحتاج إلى الدخول في المسجد كثيرا للأمور المهمة فيما يصلح للمسلمين، فأمر بسد الأبواب الشارعة إلى المسجد إلا بابه، رضي الله عنه. ومن روى :" إلا باب علي " كما وقع في بعض السنن، فهو خطأ، والصحيح. ما ثبت في الصحيح. ومن هذه الآية احتج كثير من الأئمة على أنه يحرم على الجنب اللبث في المسجد، ويجوز له المرور، وكذا الحائض والنفساء أيضًا في معناه ؛ إلا أن بعضهم قال :يمنع مرورهما لاحتمال التلويث. ومنهم من قال :إن أمنت كل واحدة منهما التلويث في حال المرور جاز لهما المرور وإلا فلا.
وقد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة، رضي الله عنها قالت :قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ناوليني الخُمْرة من المسجد " فقلت :إني حائض. فقال :" إن حيضتك ليست في يدك ". وله عن أبي هريرة مثله٣٠ ففيه دلالة على جواز مرور الحائض في المسجد، والنفساء في معناها والله أعلم.
وروى أبو داود من حديث أفْلَتَ بن خليفة٣١ العامري، عن جَسْرة بنت دجاجة، عن عائشة ] رضي الله عنها[ ٣٢ قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني لا أحلّ المسجد لحائض ولا جنبٍ " ٣٣ قال أبو مسلم الخَطَّابي :ضَعَّف هذا الحديث جماعة وقالوا :أفلت مجهول. لكن رواه ابن ماجه من حديث أبي الخطاب الهَجَري، عن مَحْدوج٣٤ الذهلي، عن جَسْرة، عن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم، به. قال أبو زرعة الرازي :يقولون :جسْرة عن أم سلمة. والصحيح جسرة عن عائشة.
فأما ما رواه أبو عيسى الترمذي، من حديث سالم بن أبي حفصة، عن عطية، عن أبي سعيد الخُدري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :يا علي، لا يحل لأحد أن يُجْنب في هذا المسجد غيري وغيرك. إنه حديث ضعيف لا يثبت ؛ فإن سالما هذا متروك، وشيخه عطية ضعيف٣٥ والله أعلم.
قول آخر في معنى الآية :قال ابن أبي حاتم :حدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا عبيد الله بن موسى، أخبرني ابن أبي ليلى، عن المنهال، عن زِرّ بن حُبَيش، عن علي : ﴿ وَلا جُنُبًا إِلا عَابِرِي سَبِيلٍ ﴾ قال :لا يقرب الصلاة، إلا أن يكون مسافرا تصيبه الجنابة، فلا يجد الماء فيصلي حتى يجد الماء.
ثم رواه من وجه آخر، عن المنهال بن عمرو، عن زِرّ، عن علي بن أبي طالب، فذكره. قال :ورُوي عن ابن عباس في إحدى الروايات وسعيد بن جبير، والضحاك، نحو ذلك.
وقد روى ابن جَرير من حديث وَكِيع، ع
١ زيادة من ر..
٢ زيادة من ر، أ..
٣ في د: "الصلاة"..
٤ زيادة من ر..
٥ زيادة من ر.
.

٦ زيادة من د..
٧ في د، ر: "أقيمت"..
٨ في أ: "ابن جرير"..
٩ في د: "فضرب"..
١٠ في د: "معرور"..
١١ صحيح مسلم برقم (١٧٤٨) وسنن أبي داود برقم (٢٧٤٠) وسنن الترمذي برقم (٣٠٧٩) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٩٦) مختصرا ليس فيه ذكر الشاهد هاهنا..
١٢ زيادة من ر، أ..
١٣ في أ: "عبد الله"..
١٤ سنن الترمذي برقم (٣٠٢٦)..
١٥ زيادة من ر، أ..
١٦ تفسير الطبري (٨/٣٧٦) وسنن أبي داود برقم (٣٦٧١) وسنن النسائي الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي برقم (١٠١٧٥)..
١٧ في ر: "تحرم"..
١٨ تفسير الطبري (٨/٣٧٦)..
١٩ زيادة من ر، أ..
٢٠ بعدها في أ: "وقد يحتمل أن يكون المراد"..
٢١ في أ: "يقولون"..
٢٢ في د، ر: "المحذور"..
٢٣ في ر، أ: "تدبره له"..
٢٤ المسند (٣/١٥٠) وصحيح البخاري برقم (٢١٣) وسنن النسائي (١/٢١٥)..
٢٥ في د: "ألفاظه"..
٢٦ في د: "مر"..
٢٧ في أ: "عيينة"..
٢٨ في أ: "في قوله تعالى"..
٢٩ صحيح البخاري برقم (٢٩٨).
.

٣٠ صحيح مسلم برقم (٢٩٨) ومن حديث أبي هريرة برقم (٢٩٩)..
٣١ في ر: "خليقة"..
٣٢ زيادة من أ..
٣٣ سنن أبي داود برقم (٢٣٢) وسنن ابن ماجه برقم (٦٤٥) من حديث أم سلمة. قال البوصيري في الزوائد (١/٢٣٠): "هذا إسناد ضعيف، محدوج لم يوثق، وأبو الخطاب مجهول"..
٣٤ في أ: "مجدوح"..
٣٥ سنن الترمذي برقم (٣٧٢٧)..
يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، أنهم يشترون الضلالة بالهدى ويعرضون عما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد صلى الله عليه وسلم ليشتروا به ثمنا قليلا من حطام الدنيا ﴿ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُوا السَّبِيلَ ﴾ أي يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع.
﴿ وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ ﴾ أي :هو يعلم بهم ويحذركم منهم ﴿ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللهِ نَصِيرًا ﴾ أي :كفى به وليا لمن لجأ١ إليه ونصيرا لمن استنصره.
١ في د: "التجأ"..
ثم قال تعالى : ﴿ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ " من " هذه لبيان الجنس كقوله : ﴿ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ ﴾
وقوله : ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ ﴾ أي :يتأولون على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله، عز وجل، قصدا منهم وافتراء ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾ أي يقولون١ سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه. هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في عنادهم وكفرهم، أنهم يتولون٢ عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة.
وقوله٣ ﴿ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أي :اسمع ما نقول، لا سمعت. رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال مجاهد والحسن :واسمع غير مقبول منك.
قال ابن جرير :والأول أصح. وهو كما قال. وهذا استهزاء منهم واستهتار، عليهم لعنة الله [ والملائكة الناس أجمعين ]٤.
﴿ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ﴾ أي :يوهمون أنهم يقولون :راعنا سمعك بقولهم :" راعنا " وإنما يريدون الرعونة. وقد تقدم الكلام في هذا عند قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا ﴾ [ البقرة :١٠٤ ].
ولهذا قال تعالى عن هؤلاء اليهود الذين يريدون بكلامهم خلاف ما يظهرونه : ﴿ لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ﴾ يعني :بسبهم النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا ﴾ أي :قلوبهم مطرودة عن الخير مبعدة منه، فلا يدخلها من الإيمان شيء نافع لهم وقد تقدم الكلام على قوله تعالى : ﴿ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [ البقرة :٨٨ ] والمقصود :أنهم لا يؤمنون إيمانا نافعا.
١ في ر: "تقولون"..
٢ في أ: "يقولون"..
٣ في أ: "وقولهم".
.

٤ زيادة من أ..
يقول تعالى - آمرا أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم من الكتاب العظيم١ الذي فيه تصديق الأخبار التي بأيديهم من البشارات، ومتهددا لهم أن٢ يفعلوا، بقوله : ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾ قال بعضهم :معناه :من قبل أن نطمس وجوها. طمسها٣ هو ردها إلى الأدبار، وجعل أبصارهم من ورائهم. ويحتمل أن يكون المراد :من قبل أن نطمس وجوها فلا يبقي لها سمع ولا بصر ولا أثر، ونردها مع ذلك إلى ناحية الأدبار.
قال العوفي عن ابن عباس : ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ وطمسها أن تعمى ﴿ فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾ يقول :نجعل وجوههم من قبل أقفيتهم، فيمشون القهقرى، ونجعل لأحدهم عينين٤ من قفاه.
وكذا قال قتادة، وعطية العوفي. وهذا أبلغ في العقوبة والنكال، وهذا مثل ضربه الله لهم في صرفهم عن الحق وردهم إلى الباطل ورجوعهم عن المحجة البيضاء إلى سبل الضلالة يهرعون ويمشون القهقرى على أدبارهم، وهذا كما قال بعضهم في قوله : ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ. وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا [ وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ ]٥ [ يس ٨، ٩ ] إن هذا مثل [ سوء ]٦ ضربه الله لهم في ضلالهم ومنعهم عن الهدى.
قال مجاهد : ﴿ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا ﴾ يقول :عن صراط الحق، فنردها٧ على أدبارهم، أي :في الضلالة.
قال ابن أبي حاتم :وروي عن ابن عباس، والحسن نحو هذا.
قال السدي : ﴿ فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾ فنمنعها عن الحق، قال :نرجعها كفارا ونردهم قردة.
وقال ابن٨ زيد٩ نردهم إلى بلاد الشام من أرض الحجاز.
وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية، قال ابن جرير :
حدثنا أبو كريب، حدثنا جابر بن نوح، عن عيسى بن المغيرة قال :تذاكرنا عند إبراهيم إسلام كعب، فقال :أسلم كعب زمان عمر، أقبل وهو يريد بيت المقدس، فمر على المدينة، فخرج إليه عمر فقال :يا كعب، أسلم، قال :ألستم تقرؤون في كتابكم١٠ ﴿ مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ [ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ ]١١ أَسْفَارًا ﴾ وأنا قد حملت التوراة. قال :فتركه عمر. ثم خرج حتى انتهى إلى حمص، فسمع رجلا من أهلها حزينا، وهو يقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾ الآية. قال١٢ كعب :يا رب آمنت، يا رب، أسلمت، مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين١٣.
وقد رواه ابن أبي حاتم من وجه آخر بلفظ آخر، فقال :حدثنا أبي، حدثنا ابن نفيل، حدثنا عمرو بن واقد، عن يونس بن حلبس١٤ عن أبي إدريس عائذ الله الخولاني قال :كان أبو مسلم الجليلي معلم كعب، وكان يلومه في إبطائه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :فبعثه إليه ينظر أهو هو ؟ قال كعب :فركبت حتى أتيت المدينة، فإذا تال يقرأ القرآن، يقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾ فبادرت الماء فاغتسلت وإني لأمسح وجهي مخافة أن أطمس، ثم أسلمت١٥.
وقوله : ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ ﴾ يعني :الذين اعتدوا في سبتهم بالحيلة على الاصطياد، وقد مسخوا قردة وخنازير، وسيأتي بسط قصتهم في سورة الأعراف.
وقوله : ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا ﴾ أي :إذا أمر بأمر، فإنه لا يخالف ولا يمانع.
١ في أ: "العزيز"..
٢ في أ: "إن لم يفعلوا"..
٣ في ر: "وطمسها"..
٤ في د، ر، أ: "عينان"..
٥ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٦ زيادة من أ.
.

٧ في أ: "ورد"..
٨ في ر، أ: "أبو"..
٩ في أ: "زيد بن دهم"..
١٠ في أ: "كتاب"..
١١ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "إلى"..
١٢ في أ: "فقال"..
١٣ تفسير الطبري (٨/ ٤٤٦)..
١٤ في ر: "حليس"، وفي أ: "حلس"..
١٥ وذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/ ٥٥٥) وعزاه لابن أبي حاتم.
.

ثم أخبر تعالى :أنه ﴿ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ﴾ أي :لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ أي :من الذنوب ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ أي :من عباده.
وقد وردت أحاديث متعلقة بهذه الآية الكريمة، فلنذكر منها ما تيسر :الحديث الأول :قال الإمام أحمد :حدثنا يزيد، أخبرنا صدقة بن موسى، حدثنا أبو عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس١ عن عائشة قالت :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدواوين عند الله ثلاثة ؛ ديوان لا يعبأ الله به شيئا، وديوان لا يترك الله منه شيئا، وديوان لا يغفره الله. فأما الديوان الذي لا يغفره الله، فالشرك بالله، قال الله عز وجل : ﴿ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ ﴾ [ المائدة :٧٢ ] وأما الديوان الذي لا يعبأ الله به شيئا، فظلم العبد نفسه فيما بينه وبين ربه، من صوم يوم تركه، أو صلاة تركها ؛ فإن الله يغفر ذلك ويتجاوز إن شاء. وأما الديوان الذي لا يترك الله منه شيئا، فظلم العباد بعضهم بعضا ؛ القصاص لا محالة ".
تفرد به أحمد٢.
الحديث الثاني :قال الحافظ أبو بكر البزار في مسنده :حدثنا أحمد بن مالك، حدثنا زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النمري، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" الظلم ثلاثة، فظلم لا يغفره الله، وظلم يغفره الله، وظلم لا يتركه الله :فأما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك، وقال٣ ﴿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [ لقمان :١٣ ]وأما الظلم الذي يغفره الله فظلم العباد لأنفسهم فيما بينهم وبين ربهم، وأما الظلم الذي لا يتركه٤ فظلم العباد بعضهم بعضا، حتى يدين لبعضهم من بعض " ٥.
الحديث الثالث :قال الإمام أحمد :حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد، عن أبي٦ عون، عن أبي إدريس قال :سمعت معاوية يقول :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كل ذنب عسى الله أن يغفره، إلا الرجل يموت كافرًا، أو الرجل يقتل مؤمنًا متعمدًا ".
رواه النسائي، عن محمد بن مثنى، عن صفوان بن عيسى، به٧.
الحديث الرابع :قال الإمام أحمد :حدثنا هاشم بن القاسم، حدثنا عبد الحميد، حدثنا شهر، حدثنا ابن غنم٨ أن أبا ذر حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن الله يقول :يا عبدي، ما عبدتني ورجوتني فإني غافر لك على ما كان فيك، يا٩ عبدي، إنك إن لقيتني بقراب الأرض خطيئة ما لم تشرك بي، لقيتك بقرابها مغفرة ".
تفرد به أحمد من هذا الوجه١٠.
الحديث الخامس :قال الإمام أحمد :حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا حسين، عن ابن بريدة أن يحيى بن يعمر حدثه، أن أبا الأسود الديلي حدثه، أن أبا ذر حدثه قال :أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" ما من عبد قال :لا إله إلا الله. ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة " قلت :وإن زنى وإن سرق ؟ قال :" وإن زنى وإن سرق " قلت :وإن زنى وإن سرق ؟ قال :" وإن زنى وإن سرق ". ثلاثا، ثم قال في الرابعة :" على رغم أنف أبي ذر " ! قال :فخرج أبو ذر وهو يجر إزاره وهو يقول :وإن رغم أنف أبي ذر ". وكان أبو ذر يحدث بهذا بعد ويقول :وإن رغم أنف أبي ذر.
أخرجاه من حديث حسين، به١١.
طريق أخرى عنه :قال [ الإمام ]١٢ أحمد :حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال :" كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة عشاء، ونحن ننظر إلى أحد، فقال :" يا أبا ذر ". فقلت :لبيك يا رسول الله، [ قال ]١٣ ما أحب أن لي أحدا ذاك عندي ذهبا أمسي ثالثة وعندي منه دينار، إلا دينارا أرصده - يعني لدين - إلا أن أقول به في عباد الله هكذا ". وحثا عن يمينه وبين يديه وعن يساره. قال :ثم مشينا فقال :" يا أبا ذر، إن الأكثرين هم الأقلون يوم القيامة إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا ". فحثا عن يمينه ومن بين يديه وعن يساره. قال :ثم مشينا فقال :" يا أبا ذر، كما أنت حتى آتيك ". قال :فانطلق حتى توارى عني. قال :فسمعت لغطا١٤ فقلت :لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض له. قال فهممت أن أتبعه، ثم ذكرت قوله :" لا تبرح حتى آتيك " فانتظرته حتى جاء، فذكرت له الذي سمعت، فقال :" ذاك جبريل أتاني فقال :من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ". قلت :وإن زنى وإن سرق ؟ قال :" وإن زنى وإن سرق ".
أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش، ١٥ به.
وقد رواه البخاري ومسلم أيضا كلاهما، عن قتيبة، عن جرير بن عبد الحميد، عن عبد العزيز بن رفيع، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر قال :خرجت ليلة من الليالي، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده، ليس معه إنسان، قال :فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد. قال :فجعلت أمشي في ظل القمر، فالتفت فرآني، فقال :" من هذا ؟ " فقلت :أبو١٦ ذر، جعلني الله فداك. قال :" يا أبا ذر، تعال ". قال :فمشيت معه ساعة فقال :" إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة إلا من أعطاه الله خيرا فنفخ فيه عن يمينه وشماله، وبين يديه وورائه، وعمل فيه خيرا ". قال :فمشيت معه ساعة فقال لي :" اجلس هاهنا "، قال :فأجلسني في قاع حوله حجارة، فقال لي :" اجلس هاهنا حتى أرجع إليك ". قال :فانطلق في الحرة حتى لا أراه، فلبث عني فأطال اللبث، ثم إني سمعته وهو مقبل، وهو يقول :" وإن سرق وإن زنى ". قال :فلما جاء لم أصبر حتى قلت :يا نبي الله، جعلني الله فداءك، من تكلم في جانب الحرة ؟ ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا. قال :" ذاك جبريل، عرض لي من١٧ جانب الحرة فقال :بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. قلت :يا جبريل، وإن سرق وإن زنى ؟ قال :نعم قلت :وإن سرق وإن زنى ؟ قال :نعم. قلت :وإن سرق وإن زنى ؟ قال :نعم، وإن شرب الخمر " ١٨.
الحديث السادس :قال عبد بن حميد في مسنده :أخبرنا عبيد الله بن موسى، عن ابن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر قال :جاء رجل إلى رسول الله١٩ صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله، ما الموجبتان٢٠ ؟ قال :" من مات لا يشرك بالله شيئا وجبت له الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا وجبت له النار ". وذكر تمام الحديث. تفرد به من هذا الوجه٢١.
طريق أخرى :قال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا الحسن بن عمرو بن خلاد الحراني، حدثنا منصور بن إسماعيل القرشي، حدثنا موسى بن عبيدة، الربذي، أخبر٢٢ عبد الله بن عبيدة، عن جابر بن عبد الله قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما من نفس تموت، لا تشرك بالله شيئا، إلا حلت لها المغفرة، إن شاء الله عذبها، وإن شاء غفر لها : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾٢٣.
ورواه الحافظ أبو يعلى في مسنده، من حديث موسى بن عبيدة، عن أخيه عبد الله بن عبيدة، عن جابر ؛ أن النبي٢٤ صلى الله عليه وسلم قال :" لا تزال المغفرة على العبد ما لم يقع الحجاب ". قيل :يا نبي الله، وما الحجاب ؟ قال :" الإشراك بالله ". قال :" ما من نفس تلقى الله لا تشرك به شيئا إلا حلت لها المغفرة من الله تعالى، إن يشأ أن يعذبها، وإن يشأ أن يغفر لها غفر لها ". ثم قرأ نبي الله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾٢٥.
الحديث السابع :قال الإمام أحمد :حدثنا أبو نعيم، حدثنا زكريا، عن عطية، عن أبي سعيد الخدري قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة ".
تفرد به من هذا الوجه٢٦.
الحديث الثامن :قال الإمام أحمد :حدثنا حسن بن موسى، حدثنا ابن لهيعة، حدثنا أبو قبيل، عن عبد الله بن ناشر٢٧ من بني سريع قال :سمعت أبا رهم قاص أهل الشام يقول :سمعت أبا أيوب الأنصاري يقول :إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات يوم إليهم، فقال لهم :" إن ربكم، عز وجل، خيرني بين سبعين ألفا يدخلون الجنة عفوا٢٨ بغير حساب، وبين الخبيئة عنده لأمتي ". فقال له بعض أصحابه :يا رسول الله، أيخبأ ذلك ربك ؟ فدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج وهو يكبر، فقال :" إن ربي زادني مع كل ألف سبعين ألفا والخبيئة عنده " قال أبو رهم :يا أبا أيوب، وما تظن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأكله الناس بأفواههم فقالوا :وما أنت وخبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! فقال أبو أيوب :دعوا الرجل عنكم، أخبركم عن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أظن، بل كالمستيقن. إن خبيئة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول :من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله مصدقا لسانه قلبه أدخله٢٩ الجنة " ٣٠.
الحديث التاسع :قال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا المؤمل بن الفضل الحراني، حدثنا عيسى بن يونس( ح ) وأخبرنا هاشم بن القاسم الحراني - فيما كتب إلي - قال :حدثنا عيسى بن يونس نفسه، عن واصل بن السائب الرقاشي، عن أبي سورة ابن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب الأنصاري قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :إن لي ابن أخ لا ينتهي عن الحرام. قال :" وما دينه ؟ " قال :يصلي ويوحد الله تعالى. قال " استوهب منه دينه، فإن أبى فابتعه منه ". فطلب الرجل ذاك منه فأبى عليه، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال :وجدته شحيحا في٣١ دينه. قال :فنزلت : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾٣٢.
الحديث العاشر :قال الحافظ أبو يعلى :حدثنا عمرو بن الضحاك، حدثنا أبي، حدثنا مستور أبو همام الهنائي، حدثنا ثابت عن أنس قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله، ما تركت حاجة ولا ذا حاجة إلا قد أتيت. قال :" أليس تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ؟ " ثلاث مرات. قال :نعم. قال :" فإن ذلك يأتي على ذلك كله " ٣٣.
الحديث الحادي عشر :قال الإمام أحمد :حدثنا أبو عامر، حدثنا عكرمة بن عمار، عن ضمضم بن جوس اليمامي٣٤ قال :قال لي أبو هريرة :يا يمامي٣٥ لا تقولن لرجل :والله لا يغفر الله لك. أو لا٣٦ يدخلك الجنة أبدا. قلت :يا أبا هريرة٣٧ إن هذه كلمة يقولها أحدنا لأخيه وصاحبه إذا غضب قال :لا تقلها، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كان في بني إسرائيل رجلان كان أحدهما مجتهدا في العبادة، وكان الآخر مسرفا على نفسه، وكانا متآخيين٣٨ وكان المجتهد لا يزال يرى الآخر على ذنب، فيقول :يا هذا أقصر. فيقول :خلني وربي ! أبعثت علي رقيبا ؟ قال :إلى أن رآه يوما على ذنب استعظمه، فقال له :ويحك ! أقصر ! قال :خلني وربي ! أبعثت علي رقيبا ؟ فقال :والله
لا يغفر الله لك - أو لا يدخلك الجنة أبدا - قال :فبعث الله إليهما ملكا فقبض أرواحهما واجتمعا عنده، فقال للمذنب :اذهب فادخل الجنة برحمتي. وقال للآخر :أكنت بي عالما ؟ أكنت على ما في يدي قادرا ؟ اذهبوا به إلى النار. قال :فوالذي نفس أبي القاسم بيده لتكلم بكلمة أو بقت دنياه وآخرته ".
ورواه أبو داود، من حديث عك
١ في ر: "أبنوس"، وفي أ: "لينوس"..
٢ المسند (٦/ ٢٤٠)..
٣ في د، أ: "وقال الله"..
٤ في ر: "لا يتركه الله"..
٥ مسند البزار برقم (٣٤٣٩) "كشف الأستار" وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٣٤٨): "رواه البزار عن شيخه أحمد بن مالك القشيري ولم أعرفه، وبقية رجاله قد وثقوا".ورواه الطيالسي في مسنده (٢/ ٦٠) "منحة المعبود" ومن طريقه أبو نعيم في الحلية (٦/ ٣٠٩) حدثنا الربيع عن يزيد عن أنس به. ويزيد هو الرقاشي ضعيف عند الأئمة..
٦ في د: "ابن"..
٧ المسند (٦/٩٩) وسنن النسائي (٧/ ٨١)..
٨ في ر: "تميم"..
٩ في أ: "ويا"..
١٠ المسند (٥/ ١٥٤).
.

١١ المسند (٥/١٦٦) وصحيح البخاري برقم (٥٨٢٧) وصحيح مسلم برقم (٩٤)..
١٢ زيادة من أ..
١٣ زيادة من أ، والمسند..
١٤ في ر، أ: "لغطا وصوتا"..
١٥ المسند (٥/ ١٥٢) وصحيح البخاري برقم (٢٣٨٨) وصحيح مسلم برقم (٩٤)..
١٦ في أ: "أبي".
.

١٧ في أ: "في"..
١٨ صحيح البخاري برقم (٦٤٤٣) وصحيح مسلم برقم (٩٤)..
١٩ في ر، أ: "النبي"..
٢٠ في د، ر: "ما الموجبات"..
٢١ المنتخب لعبد بن حميد برقم (١٠٥٨) وفي إسناده ابن أبي ليلي سيئ الحفظ.لكن روي من وجه آخر صحيح عن جابر: فرواه مسلم برقم (٩٣) من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر به..
٢٢ في أ: "أخبرني"..
٢٣ وفي إسناده موسى بن عبيدة ضعفه الأئمة، وروايته عن أخيه عبد الله بن عبيدة عن جابر مرسلة أيضا..
٢٤ في أ: "نبي الله"..
٢٥ ورواه ابن أبي الدنيا في حسن الظن بالله برقم (٥٦) وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٣٤) من طريق معتمر بن سليمان عن علي بن صالح عن موسى بن عبيدة به..
٢٦ المسند (٣/ ٧٩)..
٢٧ في أ: "ياسر".
.

٢٨ في ر، أ: "غفرا"..
٢٩ في د، أ: "فأدخله"، وفي ر: "فأدخل"..
٣٠ المسند (٥/ ٤١٣)..
٣١ في ر: "على"..
٣٢ ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٤/ ١٧٧) من طريق عيسى بن يونس عن واصل به.
قال الهيثمي في المجمع (٧/ ٥): "فيه واصل بن السائب وهو ضعيف"..

٣٣ مسند أبي يعلى (٦/ ١٥٥) وقال الهيثمي في المجمع (١٠/ ٨٣): "رجاله ثقات"..
٣٤ في د، ر: "الهفائي"، وفي أ: "الهنائي"..
٣٥ في د، ر، أ: "يا يماني"..
٣٦ في د، ر، أ: "ولا"..
٣٧ في ر: "يا رسول الله"..
٣٨ في أ: "متحابين".
.

قال الحسن وقتادة :نزلت هذه الآية، وهي قوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ في اليهود والنصارى، حين قالوا : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾
وقال ابن زيد :نزلت في قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ]، وفي قولهم : ﴿ وقالوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إَلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ [ البقرة :١١١ ].
وقال مجاهد :كانوا يقدمون الصبيان أمامهم في الدعاء والصلاة يؤمونهم، ويزعمون أنهم لا ذنب لهم١.
وكذا قال عكرمة، وأبو مالك. روى ذلك ابن جرير.
وقال العوفي، عن ابن عباس في قوله ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم ﴾ وذلك أن اليهود قالوا :إن أبناءنا توفوا وهم لنا قربة، وسيشفعون لنا ويزكوننا، فأنزل الله على محمد [ صلى الله عليه وسلم ]٢ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُم بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾٣ رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا محمد بن مصفى، حدثنا ابن حمير، عن ابن لهيعة، عن بشر بن أبي عمرو٤ عن عكرمة، عن ابن عباس قال :كانت اليهود يقدمون صبيانهم يصلون بهم، ويقربون قربانهم ويزعمون أنهم لا خطايا لهم ولا ذنوب. وكذبوا. قال٥ الله [ تعالى ]٦ إني لا أطهر ذا ذنب بآخر لا ذنب له " وأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾
ثم قال :وروى عن مجاهد، وأبي مالك، والسدي، وعكرمة، والضحاك - نحو ذلك.
وقال الضحاك :قالوا :ليس لنا ذنوب، كما ليس لأبنائنا ذنوب. فأنزل الله ذلك فيهم.
وقيل :نزلت في ذم التمادح والتزكية.
وقد جاء في الحديث الصحيح عند٧ مسلم، عن المقداد بن الأسود قال :أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب٨.
وفي الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من طريق خالد الحذاء، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يثني على رجل، فقال :" ويحك. قطعت عنق صاحبك ". ثم قال :" إن كان أحدكم مادحا صاحبه لا محالة، فليقل :أحسبه كذا ولا يزكي على الله أحدا " ٩.
وقال الإمام أحمد :حدثنا معتمر، عن أبيه، عن نعيم بن أبي هند قال :قال عمر بن الخطاب :من قال :أنا مؤمن، فهو كافر. ومن قال :هو عالم، فهو جاهل. ومن قال :هو في الجنة، فهو في النار١٠.
ورواه ابن مردويه، من طريق موسى بن عبيدة، عن طلحة بن عبيد الله بن كريز، عن عمر أنه قال :إن أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه، فمن قال :إنه مؤمن، فهو كافر، ومن قال :إنه عالم فهو جاهل، ومن قال :إنه في الجنة، فهو في النار١١.
وقال الإمام أحمد :حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة وحجاج، أنبأنا شعبة، عن سعد بن إبراهيم، عن معبد الجهني قال :كان معاوية قلما يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال :وكان قلما يكاد أن يدع يوم الجمعة هؤلاء الكلمات أن يحدث بهن عن النبي صلى الله عليه وسلم، يقول :" من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، وإن هذا المال حلو خضر، فمن يأخذه بحقه يبارك له فيه، وإياكم والتمادح فإنه الذبح " ١٢.
وروى ابن ماجه منه :" إياكم والتمادح فإنه الذبح " عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن شعبة به١٣.
ومعبد هذا هو ابن عبد الله بن عويم البصري القدري.
وقال ابن جرير :حدثنا يحيى بن إبراهيم المسعودي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن الأعمش، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب قال :قال عبد الله بن مسعود :إن الرجل ليغدو بدينه، ثم يرجع وما معه منه شيء، يلقى الرجل ليس يملك له نفعا ولا ضرا فيقول له :والله إنك كيت وكيت١٤ فلعله أن يرجع ولم١٥ يحل من حاجته بشيء وقد أسخط الله. ثم قرأ ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ ﴾ الآية.
وسيأتي الكلام على ذلك مطولا عند قوله تعالى : ﴿ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ [ النجم :٣٢ ]. ولهذا قال تعالى : ﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ ﴾ أي :المرجع في ذلك إلى الله، عز وجل١٦ لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامضها.
ثم قال تعالى : ﴿ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ أي :ولا يترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحسن، وقتادة، وغير واحد من السلف :هو ما يكون في شق النواة.
وعن ابن عباس أيضا :هو ما فتلت بين أصابعك. وكلا القولين متقارب.
١ في أ: "لا ذنوب لهم"..
٢ زيادة من أ..
٣ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٤ في أ: "عمرة"..
٥ في أ: "فقال"..
٦ زياد من أ..
٧ في أ: "عن"..
٨ صحيح مسلم برقم (٣٠٠٢).
٩ صحيح البخاري برقم (٢٦٦٢) وصحيح مسلم برقم (٣٠٠٠)..
١٠ رواه حنبل بن إسحاق عن أحمد به كما في مسند عمر بن الخطاب رضي الله عنه للحافظ ابن كثير (٢/ ٥٧٤)..
١١ ذكره ابن كثير في مسند عمر بن الخطاب (٢/٥٧٤) وطلحة لم يدرك عمر فهو منقطع.
١٢ المسند (٤/٩٣)..
١٣ سنن ابن ماجة برقم (٣٧٤٣) وقال البوصيري في الزوائد (٣/١٨١): "هذا إسناد حسن، معبد مختلف فيه، وباقي رجال الإسناد ثقات"..
١٤ في ر، أ: "إنك لذيت وذيت"..
١٥ في أ: "وما"..
١٦ في أ: "تعالى".
.

وقوله : ﴿ انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ ﴾ أي :في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه وقولهم : ﴿ لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى ﴾ [ البقرة :١١١ ] وقولهم : ﴿ لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ﴾ [ البقرة :٨٠ ] واتكالهم١ على أعمال آبائهم الصالحة، وقد حكم الله أن أعمال الآباء لا تجزي عن الأبناء شيئا، في قوله : ﴿ تِلْكَ أُمَةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ [ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ]٢ [ البقرة :١٤١ ].
ثم قال : ﴿ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا ﴾ أي :وكفى بصنعهم٣ هذا كذبا وافتراء ظاهرا.
١ في أ: "تميزهم باتكالهم"..
٢ زيادة من ر، أ..
٣ في د: "بصنيعهم"..
وقوله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾ أما " الجبت " فقال محمد بن إسحاق، عن حسان بن فائد، عن عمر بن الخطاب أنه قال :" الجبت " :السحر، و " الطاغوت " :الشيطان.
وهكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، والضحاك، والسدي.
وعن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، [ وأبي مالك ]١ وسعيد بن جبير، والشعبي، والحسن، وعطية :" الجبت " الشيطان - زاد ابن عباس :بالحبشية. وعن ابن عباس أيضا :" الجبت " :الشرك. وعنه :" الجبت " :الأصنام.
وعن الشعبي :" الجبت " :الكاهن. وعن ابن عباس :" الجبت " :حيي بن أخطب. وعن مجاهد :" الجبت " :كعب بن الأشرف.
وقال العلامة أبو نصر بن إسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه " الصحاح " :" الجبت " كلمة تقع على الصنم والكاهن٢ والساحر ونحو ذلك، وفي الحديث :" الطيرة والعيافة والطرق من الجبت " قال :وهذا ليس من محض العربية، لاجتماع الجيم والتاء في كلمة واحدة٣ من غير حرف ذولقي. ٤
وهذا الحديث الذي ذكره، رواه الإمام أحمد في مسنده فقال :حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا، عوف عن حيان أبي العلاء، حدثنا قطن بن قبيصة، عن أبيه - وهو قبيصة بن مخارق - أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن العيافة والطرق والطيرة من الجبت " وقال عوف :" العيافة " :زجر الطير، و " الطرق " :الخط، يخط في الأرض، و " الجبت " قال الحسن :إنه الشيطان.
وهكذا رواه أبو داود في سننه والنسائي وابن أبي حاتم في تفسيريهما من حديث عوف الأعرابي، به٥
وقد تقدم الكلام على " الطاغوت " في سورة البقرة بما أغنى عن إعادته هاهنا.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا إسحاق بن الضيف، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله أنه سئل عن " الطواغيت " فقال :هم كهان تنزل عليهم الشياطين.
وقال مجاهد :" الطاغوت " :الشيطان في صورة إنسان، يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم.
وقال الإمام مالك :" الطاغوت " :هو كل ما يعبد من دون الله، عز وجل.
وقوله : ﴿ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ﴾ أي :يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم، وقلة دينهم، وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم.
وقد روى ابن أبي حاتم :حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة قال :جاء حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف إلى أهل مكة، فقالوا لهم :أنتم أهل الكتاب وأهل العلم، فأخبرونا عنا وعن محمد، فقالوا :ما أنتم وما محمد. فقالوا :نحن نصل الأرحام، وننحر الكوماء، ونسقي الماء على اللبن، ونفك العناة، ونسقي الحجيج - ومحمد صنبور، قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو٦ غفار، فنحن خير أم هو ؟ فقالوا :أنتم خير وأهدى سبيلا. فأنزل الله ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ [ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ]٧.
وقد روي هذا من غير وجه، عن ابن عباس وجماعة من السلف.
وقال الإمام أحمد :حدثنا محمد بن أبي عدي، عن داود، عن عكرمة، عن ابن عباس قال :لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش :ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه ؟ يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية ! قال :أنتم خير. قال فنزلت ﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ ﴾ [ الكوثر :٣ ] ونزل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ ﴾ إلى ﴿ نَصِيرًا ﴾.
وقال ابن إسحاق :حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال :كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلام بن أبي الحقيق أبو رافع، والربيع بن الربيع بن أبي الحقيق، وأبو عمار، ووحوح٨ بن عامر، وهوذة بن قيس. فأما وحوح٩ وأبو عمار وهوذة فمن بني وائل، وكان سائرهم من بني النضير، فلما قدموا على قريش قالوا هؤلاء أحبار يهود وأهل العلم بالكتب الأول١٠ فسلوهم :أدينكم خير أم دين محمد ؟ فسألوهم، فقالوا :بل دينكم خير من دينه، وأنتم أهدى منه وممن اتبعه. فأنزل الله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ [ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلا ﴾
١ زياد من ر، أ..
٢ في ر: "الكافر"..
٣ في أ: "في حرف واحد"..
٤ الصحاح (١/٢٤٥).
٥ المسند (٥/٦٠) وسنن أبي داود برقم (٣٩٠٧) وسنن النسائي الكبرى برقم (١١١٠٨)..
٦ في د: "من"..
٧ زيادة من ر، أ..
٨ في أ: "دحرج"..
٩ في أ: "دحرج"..
١٠ في ر، أ: "الأولى"..
﴿ أُولَئِك الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا ]١ إلى قوله عز وجل : ﴿ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾.
وهذا لعن لهم، وإخبار بأنهم لا ناصر لهم في الدنيا ولا في الآخرة، لأنهم إنما ذهبوا يستنصرون بالمشركين، وإنما قالوا لهم ذلك ليستميلوهم إلى نصرتهم، وقد أجابوهم، وجاؤوا معهم يوم الأحزاب، حتى حفر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حول المدينة الخندق، فكفى الله شرهم ﴿ وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا ﴾ [ الأحزاب :٢٥ ].
١ زيادة من أ.
.

يقول تعالى : ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ ﴾ ؟ ! وهذا استفهام إنكار، أي :ليس لهم نصيب من الملك١ ثم وصفهم بالبخل فقال : ﴿ فَإِذًا لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا ﴾ أي :لأنهم لو كان لهم نصيب في الملك والتصرف لما أعطوا أحدا من الناس - ولا سيما محمدا صلى الله عليه وسلم - شيئًا، ولا ما يملأ " النقير "، وهو النقطة التي في النواة، في قول ابن عباس والأكثرين.
وهذه الآية كقوله تعالى ﴿ قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنْفَاقِ ﴾ [ الإسراء :١٠٠ ]أي :خوف أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاده، وإنما هو من بخلكم وشحكم ؛ ولهذا قال : ﴿ وَكَانَ الإنْسَانُ قَتُورًا ﴾ [ الإسراء :١٠٠ ]أي :بخيلا.
١ في د: "ليس لهم من نصيب"، وفي ر، أ: "ليس لهم نصيب في الملك"..
ثم قال : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ﴾ يعني بذلك :حسدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ما رزقه الله من النبوة العظيمة، ومنعهم من تصديقهم إياه حسدهم له ؛ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل.
قال الطبراني :حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي، حدثنا يحيى الحماني، حدثنا قيس بن الربيع، عن السدي، عن عطاء، عن ابن عباس قوله : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ [ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه ]١ الآية، قال ابن عباس :نحن الناس دون الناس، قال الله تعالى : ﴿ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا ﴾ أي :فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل - الذين هم من ذرية إبراهيم - النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب، وحكموا فيهم بالسنن٢ - وهي الحكمة - وجعلنا فيهم الملوك،
١ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ في ر: "بالسنين".
.

ومع هذا ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ أي :بهذا الإيتاء وهذا الإنعام ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ﴾ أي :كفر به وأعرض عنه، وسعى في صد الناس عنه، وهو منهم ومن جنسهم، أي من بني إسرائيل، فقد اختلفوا عليهم، فكيف بك يا محمد ولست من بني إسرائيل ؟.
وقال مجاهد : ﴿ فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ ﴾ أي :بمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ ﴾ فالكفرة منهم أشد تكذيبا لك، وأبعد عما جئتهم به من الهدى، والحق المبين.
ولهذا قال متوعدا لهم : ﴿ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا ﴾ أي :وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله.
يخبر تعالى عما يعاقب به في نار جهنم من كفر بآياته وصد عن رسله، فقال : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا [ سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا ] ﴾١ الآية، أي ندخلهم نارا دخولا يحيط بجميع أجرامهم، وأجزائهم. ثم أخبر عن دوام عقوبتهم ونكالهم، فقال : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ قال [ الأعمش، عن ابن عمر ]٢ إذا أحرقت جلودهم بدلوا جلودًا بيضا أمثال القراطيس. رواه ابن أبي حاتم.
وقال يحيى بن يزيد الحضرمي إنه بلغه في قول الله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ﴾ قال :يجعل٣ للكافر مائة جلد، بين كل جلدين لون من العذاب. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ [ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ]٤ الآية. قال :تنضجهم في اليوم سبعين ألف مرة. قال حسين :وزاد فيه فضيل عن هشام عن الحسن :كلما أنضجتهم فأكلت لحومهم قيل لهم :عودوا فعادوا.
وقال أيضا :ذكر عن هشام بن عمار :حدثنا سعيد بن يحيى - يعني سعدان - حدثنا نافع، مولى يوسف السلمي البصري، عن نافع، عن ابن عمر قال :قرأ رجل عند عمر هذه الآية : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا ﴾ فقال عمر :أعدها علي فأعادها، فقال معاذ بن جبل :عندي تفسيرها :تبدل في ساعة مائة مرة. فقال عمر :هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد رواه ابن مردويه، عن محمد بن أحمد بن إبراهيم، عن عبدان بن محمد المروزي، عن هشام بن عمار، به. ورواه من وجه آخر بلفظ آخر فقال :حدثنا محمد بن إسحاق، عن عمران، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحارث، حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا نافع أبو هرمز، حدثنا نافع، عن ابن عمر قال :تلا رجل عند عمر هذه الآية : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ [ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ]٥ الآية، قال :فقال عمر :أعدها على - وثم كعب - فقال :يا أمير المؤمنين، أنا عندي تفسير هذه الآية، قرأتها قبل الإسلام، قال :فقال :هاتها يا كعب، فإن جئت بها كما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقناك، وإلا لم ننظر إليها. فقال :إني قرأتها قبل الإسلام :" كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها في الساعة الواحدة عشرين ومائة مرة ". فقال عمر :هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الربيع بن أنس :مكتوب في الكتاب الأول أن جلد أحدهم أربعون ذراعا، وسنه تسعون ذراعًا، وبطنه لو وضع فيه جبل لوسعه، فإذا أكلت النار جلودهم بدلوا جلودا غيرها.
وقد ورد في الحديث ما هو أبلغ من هذا، قال٦ الإمام أحمد :حدثنا وكيع، حدثنا أبو يحيى الطويل، عن أبي يحيى القتات، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يعظم أهل النار في النار، حتى إن بين شحمة أذن أحدهم إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام، وإن غلظ جلده سبعون ذراعا، وإن ضرسه مثل أحد ".
تفرد به أحمد من هذا الوجه٧.
وقيل :المراد بقوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾ أي :سرابيلهم. حكاه ابن جرير، وهو ضعيف ؛ لأنه خلاف الظاهر.
١ زيادة من ر، أ..
٢ زيادة من ر، أ..
٣ في د: "إنه يجعل"..
٤ زيادة من ر..
٥ زيادة من ر، أ.
.

٦ في د، ر: "فقال"..
٧ المسند (٢/٢٦)..
وقوله : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ﴾ هذا إخبار عن مآل السعداء في جنات عدن، التي تجري فيها١ الأنهار في جميع فجاجها ومحالها وأرجائها حيث شاؤوا وأين أرادوا، وهم خالدون فيها أبدا، لا يحولون ولا يزولون ولا يبغون عنها حولا.
وقوله : ﴿ لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ﴾ أي :من الحيض والنفاس والأذى. والأخلاق الرذيلة، والصفات الناقصة، كما قال ابن عباس :مطهرة من الأقذار والأذى. وكذا قال عطاء، والحسن، والضحاك، والنخعي، وأبو صالح، وعطية، والسدي.
وقال مجاهد :مطهرة من البول والحيض والنخام والبزاق والمني والولد.
وقال قتادة :مطهرة من الأذى والمآثم ولا حيض ولا كلف.
وقوله : ﴿ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلا ظَلِيلا ﴾ أي :ظلا عميقا كثيرا غزيرا طيبا أنيقا.
قال ابن جرير :حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن - وحدثنا ابن المثنى، حدثنا٢ ابن٣ جعفر - قالا حدثنا شعبة قال :سمعت أبا الضحاك يحدث، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها، شجرة الخلد " ٤.
١ في د، ر: "تخترقها"..
٢ في د: "حدثنا محمد"..
٣ في ر: "أبو"..
٤ تفسير الطبري (٨/٤٨٩)..
يخبر تعالى أنه يأمر بأداء الأمانات إلى أهلها، وفي حديث الحسن، عن سمرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك ". رواه الإمام أحمد وأهل السنن١ وهذا يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان، من حقوق الله، عز وجل، على عباده، من الصلوات والزكوات، والكفارات والنذور والصيام، وغير ذلك، مما هو مؤتمن عليه لا يطلع عليه العباد، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغير ذلك مما يأتمنون به٢ بعضهم على بعض من غير اطلاع بينة٣ على ذلك. فأمر الله، عز وجل، بأدائها، فمن لم يفعل ذلك في الدنيا أخذ منه ذلك يوم القيامة، كما ثبت في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لتؤدن الحقوق إلى أهلها، حتى يقتص للشاة الجماء من القرناء " ٤.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن عبد الله بن السائب، عن زاذان، عن عبد الله بن مسعود قال :إن الشهادة تكفر كل ذنب إلا الأمانة، يؤتى بالرجل يوم القيامة - وإن كان قد قتل في سبيل الله - فيقال :أد أمانتك. فيقول وأنى أؤديها وقد ذهبت الدنيا ؟ فتمثل له الأمانة في قعر جهنم، فيهوي إليها فيحملها على عاتقه. قال :فتنزل عن عاتقه، فيهوي على أثرها أبد الآبدين. قال زاذان :فأتيت البراء فحدثته فقال :صدق أخي : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾.
وقال :سفيان الثوري، عن ابن أبي ليلى عن رجل، عن ابن عباس قوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ قال :هي٥ مبهمة للبر والفاجر. وقال محمد بن الحنفية :هي مسجلة للبر والفاجر. وقال أبو العالية :الأمانة ما أمروا به ونهوا عنه.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبو سعيد، حدثنا حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال :قال أبي بن كعب :من الأمانة أن المرأة ائتمنت على فرجها.
وقال الربيع بن أنس :هي من الأمانات فيما بينك وبين الناس.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ قال :قال :يدخل فيه وعظ السلطان النساء. يعني يوم العيد. وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة، عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي بن كلاب القرشي العبدري، حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن أبي طلحة، فكان معه لواء المشركين يوم أحد، وقتل يومئذ كافرا. وإنما نبهنا على هذا النسب ؛ لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه عليهم هذا بهذا، وسبب نزولها فيه لما أخذ منه رسول الله صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة يوم الفتح، ثم رده عليه.
وقال محمد بن إسحاق في غزوة الفتح :حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور، عن صفية بنت شيبة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء البيت، فطاف به سبعا على راحلته، يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه، دعا عثمان بن طلحة، فأخذ منه مفتاح الكعبة، ففتحت له، فدخلها، فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها، ثم وقف على باب الكعبة وقد استكف٦ له الناس في المسجد.
قال ابن إسحاق :فحدثني بعض أهل العلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على باب الكعبة فقال " لا إله إلا الله وحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ألا كل مأثرة أو دم أو مال يدعى، فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج ". وذكر بقية الحديث في خطبة النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ، إلى أن قال :ثم جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فقام إليه علي بن أبي طالب ومفتاح الكعبة في يده فقال :يا رسول الله، اجمع لنا الحجابة مع السقاية، صلى الله عليك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أين عثمان بن طلحة ؟ " فدعي له، فقال له :" هاك مفتاحك يا عثمان، اليوم يوم وفاء وبر " ٧.
قال ابن جرير :حدثني القاسم حدثنا الحسين، عن حجاج، عن ابن جريج [ قوله : ﴿ إِنّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ ]٨ قال :نزلت في عثمان بن طلحة قبض منه النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة، فدخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه٩ فدعا عثمان إليه، فدفع إليه١٠ المفتاح، قال :وقال عمر بن الخطاب لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الكعبة، وهو يتلو هذه الآية :فداه أبي وأمي، ما سمعته يتلوها قبل ذلك.
حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا الزنجي بن خالد، عن الزهري قال :دفعه إليه وقال :أعينوه١١.
وروى ابن مردويه، من طريق الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله عز وجل : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ قال :لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة دعا عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة، فلما أتاه قال :" أرني المفتاح ". فأتاه به، فلما بسط يده إليه قام العباس فقال :يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، اجمعه لي مع السقاية. فكف عثمان يده١٢ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أرني المفتاح يا عثمان ". فبسط يده يعطيه، فقال العباس مثل كلمته الأولى، فكف عثمان يده. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يا عثمان، إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فهاتني المفتاح ". فقال :هاك بأمانة الله. قال :فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ففتح باب الكعبة، فوجد في الكعبة تمثال إبراهيم معه قداح يستقسم بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما للمشركين قاتلهم الله. وما شأن إبراهيم وشأن القداح ". ثم دعا بحفنة فيها ماء فأخذ ماء فغمسه فيه، ثم غمس به تلك التماثيل، وأخرج مقام إبراهيم، وكان في الكعبة فألزقه في١٣ حائط الكعبة ثم قال :" يا أيها الناس، هذه القبلة ". قال :ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطاف بالبيت شوطا أو شوطين ثم نزل عليه جبريل، فيما ذكر لنا برد المفتاح، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ حتى فرغ من الآية١٤.
وهذا من المشهورات أن هذه الآية نزلت في ذلك، وسواء كانت نزلت في ذلك أو لا١٥ فحكمها عام ؛ ولهذا قال ابن عباس ومحمد بن الحنفية :هي للبر والفاجر، أي :هي أمر لكل أحد.
وقوله : ﴿ وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ ﴾ أمر منه تعالى بالحكم بالعدل بين الناس ؛ ولهذا قال محمد بن كعب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب :إنما نزلت في الأمراء، يعني الحكام بين الناس.
وفي الحديث :" إن الله مع الحاكم ما لم يَجُرْ، فإذا جار وكله إلى نفسه " ١٦ وفي الأثر :عدل يوم كعبادة أربعين سنة.
وقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ ﴾ أي :يأمركم به من أداء الأمانات، والحكم بالعدل بين الناس، وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة الشاملة.
وقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ أي :سميعا لأقوالكم، بصيرا بأفعالكم، كما قال ابن أبي حاتم :
حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، حدثني عبد الله بن لهيعة، عن يزيد١٧ بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال :رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرئ١٨ هذه الآية ﴿ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ يقول :بكل شيء بصير١٩.
وقد قال ابن أبي حاتم :أخبرنا يحيى بن عبدك القزويني، أنبأنا المقرئ - يعني أبا عبد الرحمن - عبد الله بن يزيد، حدثنا حرملة - يعني ابن عمران التجيبي المصري - حدثنا أبو٢٠ يونس، سمعت أبا هريرة يقرأ هذه الآية : ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا ﴾ إلى قوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا ﴾ ويضع إبهامه على أذنه والتي تليها على عينه ويقول :هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها٢١ ويضع أصبعيه. قال أبو زكريا :وصفه لنا المقري، ووضع أبو زكريا إبهامه اليمنى على عينه اليمنى، والتي تليها على الأذن اليمنى، وأرانا فقال :هكذا وهكذا٢٢.
رواه أبو داود، وابن حبان في صحيحه، والحاكم في مستدركه، وابن مردويه في تفسيره، من حديث أبي عبد الرحمن المقري بإسناده - نحوه٢٣ وأبو يونس هذا مولى أبي هريرة، واسمه سُلَيْم بن جُبَير.
١ لم أجد من رواه من حديث سمرة رضي الله عنه: أ - وإنما رواه الإمام أحمد في مسنده (٣/٤١٤) عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ب - ورواه الترمذي في سننه برقم (١٢٦٤) وأبو داود في سننه برقم (٣٥٣٥) من طريق طلق بن غنام عن شريك وقيس عن أبي حصين عن أبي هريرة رضي الله عنه. قال الترمذي: "حديث حسن غريب"، وقال أبو حاتم: "حديث منكر لم يرو هذا الحديث غير طلق" العلل (١/٣٧٥).جـ - ورواه الحاكم في المستدرك (٢/٦٤) والطبراني في المعجم الصغير (١/١٧١) من طريق أيوب بن سويد عن ابن شوذب عن أبي التياح، عن أنس رضي الله عنه، وأيوب بن سويد ضعيف.، د - ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/١٥٠) من طريق يحيى بن عثمان، عم عمرو بن الربيع، عن يحيى بن أيوب عن إسحاق ابن أسيد عن أبي حفص عن مكحول عن أبي أمامة رضي الله عنه.قال الهيثمي في المجمع (٨/١٢٨): "فيه يحي بن عثمان بن صالح المصري. قال ابن أبي حاتم: تكلموا فيه".هـ - ورواه الطبري في تفسيره (٨/٤٩٣) من طريق قتادة عن الحسن مرسلا..

٢ في أ: "فيه".
٣ في ر: "نبيه"..
٤ مسلم في صحيحه برقم "٢٥٨٢"..
٥ في أ: "فهي".
.

٦ في د: "استكن"، وفي ر، أ: "استلف"..
٧ انظر: السيرة النبوية لابن هشام (٣/٤١٣)..
٨ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "في الآية"..
٩ في أ: "هذه الآية"..
١٠ في ر: "فناوله"..
١١ في ر: "غيبوه".
.

١٢ في أ: "اجمعه لي بين السقاية فكف عثمان بيده"..
١٣ في أ: "إلى"..
١٤ ذكره السيوطي في الدر المنثور (٢/٥٧٠) وإسناده تالف..
١٥ في ر: "أم لا"..
١٦ رواه الترمذي في سننه برقم (١٣٣٠) من حديث عبد الله بن أبي أوفي، وقال: "حديث حسن غريب"..
١٧ في أ: "زيد"..
١٨ في أ: "يقترئ"..
١٩ ذكره السيوطي في الدر (٢/٥٧٣)..
٢٠ في أ: "ابن"..
٢١ في أ: "يقرأ بها"..
٢٢ في أ: "هكذا وهذا"..
٢٣ سنن أبي داود برقم (٤٧٢٨)، وصحيح ابن حبان برقم (١٧٣٢)، "موارد" والمستدرك (١/٢٤)، ورواه من طريق الحاكم البيهقي في الأسماء والصفات (ص١٧٩)..
قال البخاري :حدثنا صدقة بن الفضل، حدثنا حجاج بن محمد الأعور، عن ابن جريج، عن يعلى بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس : ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي ؛ إذ بعثه رسول النبي صلى الله عليه وسلم في سرية.
وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجه من حديث حجاج بن محمد الأعور، به. وقال الترمذي :حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج١.
وقال الإمام أحمد بن حنبل :حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي قال :بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، واستعمل عليهم رجلا من الأنصار، فلما خرجوا وَجَد عليهم في شيء. قال :فقال لهم :أليس قد أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تطيعوني ؟ قالوا :بلى، قال :اجمعوا٢ لي حطبا. ثم دعا بنار فأضرمها فيه، ثم قال :عزمت عليكم لتدخلنها. [ قال :فهم القوم أن يدخلوها ]٣ قال :فقال لهم شاب منهم :إنما فررتم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من النار، فلا تعجلوا حتى تلقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن أمركم أن تدخلوها فادخلوها. قال :فرجعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه، فقال لهم :" لو دخلتموها ما خرجتم منها أبدا ؛ إنما الطاعة في المعروف ". أخرجاه في الصحيحين من حديث الأعمش، به٤.
وقال أبو داود :حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، عن عبيد الله، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ".
وأخرجاه من حديث يحيى القطان٥.
وعن عبادة بن الصامت قال :بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة، في مَنْشَطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثَرَةٍ علينا، وألا ننازع الأمر أهله. قال :" إلا أن تروا كفرا بَوَاحا، عندكم فيه من الله برهان " أخرجاه٦.
وفي الحديث الآخر، عن أنس :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" اسمعوا وأطيعوا وإن أمر عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ". رواه البخاري٧.
وعن أبي هريرة قال :أوصاني خليلي أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا حبشيًا مُجَدَّع الأطراف. رواه مسلم٨.
وعن أم الحصين أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول :" ولو استعمل عليكم عبد٩ يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا " رواه مسلم١٠ وفي لفظ له :" عبدا حبشيًا مجدوعا ".
وقال ابن جرير :حدثني علي بن مسلم الطوسي، حدثنا ابن أبي فديك، حدثني عبد الله بن محمد بن عروة١١ عن هشام بن عروة، عن أبي صالح السمان، عن أبي هريرة ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البر ببره، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كل ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم وإن أساءوا فلكم وعليهم " ١٢.
وعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، وسيكون خلفاء فيكثرون ". قالوا :يا رسول الله، فما تأمرنا ؟ قال :" أوفوا ببيعة الأول فالأول، وأعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم " أخرجاه١٣.
وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر ؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية ". أخرجاه١٤.
وعن ابن عمر أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من خلع يدا من طاعة، لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ". رواه مسلم١٥.
وروى مسلم أيضا، عن عبد الرحمن بن عبد رب الكعبة قال :دخلت المسجد فإذا عبد الله بن عمرو بن العاص جالس في ظل الكعبة، والناس حوله مجتمعون عليه، فأتيتهم فجلست إليه فقال :كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر، فنزلنا منزلا فمنا من يصلح خباءه، ومنا من يَنْتَضل، ومنا من هو في جَشَره١٦ إذ نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم :الصلاة جامعة. فاجتمعنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :إنه لم يكن نبي قبلي إلا كان حقًا عليه أن يَدُل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم، وإن أمتكم هذه جعل عافيتها١٧ في أولها، وسيصيب١٨ آخرها بلاء وأمور تُنْكرونها، وتجيء فتن يَرفُق بعضُها بعضا، وتجيء الفتنة فيقول المؤمن :هذه مهلكتي، ثم تنكشف وتجيء الفتنة فيقول المؤمن :هذه هذه، فمن أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه، ومن بايع إماما فأعطاه صَفْقَة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عُنُق الآخر ". قال :فدنوت منه فقلت :أنشدك بالله آنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ فأهوى إلى أذنيه وقلبه بيديه وقال :سمعته أذناي ووعاه قلبي، فقلت له :هذا ابن عمك معاوية يأمرنا أن نأكل أموالنا بيننا بالباطل، ونقتل أنفسنا، والله تعالى يقول : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [ النساء :٢٩ ]قال :فسكت ساعة ثم قال :أطعه في طاعة الله، واعصه في معصية الله١٩.
والأحاديث في هذا كثيرة.
وقال ابن جرير :حدثنا محمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن المفضل٢٠ حدثنا أسباط، عن السدي : ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ قال :بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية عليها خالد بن الوليد، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبا٢١ منهم عَرَّسوا، وأتاهم ذو العُيَيْنَتَين فأخبرهم، فأصبحوا قد هربوا غير رجل. فأمر٢٢ أهله فجمعوا٢٣ متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد، فسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه فقال :يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدا، وإلا هربت ؟ قال عمار :بل هو ينفعك، فأقم. فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد فلم يجد أحدًا غير الرجل، فأخذه وأخذ ماله. فبلغ عمارا الخبر، فأتى خالدا فقال :خل عن الرجل، فإنه قد أسلم، وإنه في أمان مني. فقال خالد :وفيم أنت تجير ؟ فاستبا وارتفعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير. فاستبا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال خالد :يا رسول الله، أتترك هذا العبد الأجدع يَسُبُّني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" يا خالد، لا تسب عمارًا، فإنه من يسب عمارا يسبه الله، ومن يبغضه يبغضه الله ومن يلعن عمارا يلعنه الله " ٢٤ فغضب عمار فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه فاعتذر إليه، فرضي عنه، فأنزل الله عز وجل قوله : ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾
وهكذا رواه ابن أبي حاتم، من طريق عن السدي، مرسلا. ورواه ابن مردويه من رواية الحكم٢٥ بن ظهير، عن السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فذكره بنحوه٢٦ والله أعلم.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ يعني :أهل الفقه والدين. وكذا قال مجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وأبو العالية : ﴿ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ يعني :العلماء. والظاهر - والله أعلم - أن الآية في جميع٢٧ أولي الأمر من الأمراء والعلماء، كما تقدم. وقد قال تعالى : ﴿ لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ ﴾ [ المائدة :٦٣ ] وقال تعالى : ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ﴾ [ النحل :٤٣ ] وفي الحديث الصحيح المتفق عليه، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال :" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصا أميري فقد عصاني " ٢٨.
فهذه أوامر بطاعة العلماء والأمراء، ولهذا قال تعالى : ﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ ﴾ أي :اتبعوا كتابه ﴿ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ﴾ أي :خذوا بسنته ﴿ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ ﴾ أي :فيما أمروكم به من طاعة الله لا في معصية الله، فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما تقدم في الحديث الصحيح :" إنما الطاعة في المعروف ". وقال الإمام أحمد :
حدثنا عبد الرحمن، حدثنا همام، حدثنا قتادة، عن أبي مرابة، عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لا طاعة في معصية الله " ٢٩.
وقوله : ﴿ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ﴾ قال مجاهد وغير واحد من السلف :أي :إلى كتاب الله وسنة رسوله.
وهذا أمر من الله، عز وجل، بأن كل شيء تنازع الناس٣٠ فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى : ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [ الشورى :١٠ ] فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى : ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ أي :ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم ﴿ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾
فدل على أن من لم يتحاكم في مجال النزاع إلى الكتاب والسنة ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر.
وقوله : ﴿ ذَلِكَ خَيْرٌ ﴾ أي :التحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله. والرجوع في فصل النزاع إليهما خير ﴿ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا ﴾ أي :وأحسن عاقبة ومآلا كما قاله السدي وغير واحد. وقال مجاهد :وأحسن جزاء. وهو قريب.
١ صحيح البخاري برقم (٨٥٨٤)، وصحيح مسلم برقم (١٨٣٤)، وسنن أبي داود برقم (٢٦٢٤)، وسنن الترمذي برقم (١٦٧٢)، وسنن النسائي (٧/ ١٥٤)..
٢ في أ: "قال: فقال اجمعوا"..
٣ زيادة من أ، والمسند..
٤ المسند (١/٨٢) وصحيح البخاري برقم (٤٣٤٠)، وصحيح مسلم برقم (١٨٤٠).
.

٥ سنن أبي داود برقم (٢٦٢٦)، وصحيح البخاري برقم (٧١٤٤)، وصحيح مسلم برقم (١٨٣٩)..
٦ صحيح البخاري برقم (٧١٩٩)، وصحيح مسلم برقم (١٧٠٩)..
٧ صحيح البخاري برقم (٦٩٣)..
٨ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٨٣٧) من حديث أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، وليس من حديث أبي هريرة..
٩ في أ: "عبد حبشي"..
١٠ صحيح مسلم برقم (١٨٣٨)..
١١ في أ: "عرفة"..
١٢ تفسير الطبري (٨/٤٩٨)..
١٣ صحيح البخاري برقم (٣٤٥٥)، وصحيح مسلم برقم (١٨٤٢)..
١٤ صحيح البخاري برقم (٧١٤٣)، وصحيح مسلم برقم (١٨٤٩).
.

١٥ صحيح مسلم برقم (١٨٥١)..
١٦ في أ: "شجرة"..
١٧ في ر: "عاقبتها"..
١٨ في أ: "وبقيت"..
١٩ صحيح مسلم برقم (١٨٤٤)..
٢٠ في ر، أ: "ابن الفضل"..
٢١ في أ: "قبلا"..
٢٢ في أ: "أمر"..
٢٣ في ر: "فخرقوا"، وفي أ: "فحزموا".
.

٢٤ في أ: "من أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله"..
٢٥ في ر: "الحاكم"..
٢٦ تفسير الطبري (٨/٤٩٨).
٢٧ في ر، أ: "كل"..
٢٨ رواه البخاري في صحيحه برقم (٧١٣٧)، ومسلم في صحيحه برقم (١٨٣٥)..
٢٩ المسند (٤/٤٢٦)..
٣٠ في د: "المسلمون".
.

هذا إنكار من الله، عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية :أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول :بيني وبينك محمد. وذاك يقول :بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل :في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا ؛ ولهذا قال : ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ]١.
وقوله : ﴿ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ أي :يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ [ لقمان :٢١ ]هؤلاء وهؤلاء بخلاف المؤمنين، الذين قال الله فيهم : ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا [ وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ]٢ [ النور :٥١ ].
١ زيادة من أ، وفي هـ: "إلى آخرها"..
٢ زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".
.

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٦٠: هذا إنكار من الله، عز وجل، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية :أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول :بيني وبينك محمد. وذاك يقول :بيني وبينك كعب بن الأشرف. وقيل :في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية. وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا ؛ ولهذا قال : ﴿ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ [ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالا بَعِيدًا. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنزلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ]١.
وقوله : ﴿ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا ﴾ أي :يعرضون عنك إعراضا كالمستكبرين عن ذلك، كما قال تعالى عن المشركين : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ﴾ [ لقمان :٢١ ]هؤلاء وهؤلاء بخلاف المؤمنين، الذين قال الله فيهم : ﴿ إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا [ وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ]٢ [ النور :٥١ ].
١ زيادة من أ، وفي هـ: "إلى آخرها"..
٢ زيادة من أ، وفي هـ: "الآية".
.


ثم قال تعالى في ذم المنافقين : ﴿ فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ﴾ أي :فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم واحتاجوا إليك في ذلك، ﴿ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾ أي :يعتذرون إليك ويحلفون :ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي :المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة، كما أخبرنا تعالى عنهم في قوله : ﴿ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى [ أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ ]١ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ ﴾ [ المائدة :٥٢ ].
وقد قال الطبراني :حدثنا أبو زيد أحمد بن يزيد الحَوْطِيّ، حدثنا أبو اليمان، حدثنا صفوان بن عمر، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال :كان أبو بَرْزَة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه فتنافر إليه ناس من المسلمين فأنزل الله عز وجل : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ [ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ ]٢ إلى قوله : ﴿ إِنْ أَرَدْنَا إِلا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا ﴾
١ زيادة من أ، وفي هـ: "إلى قوله"..
٢ زيادة من أ..
ثم قال تعالى : ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [ أي ]١ هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم ؛ ولهذا قال له : ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي :لا تعنفهم على ما في قلوبهم ﴿ وَعِظْهُمْ ﴾ أي :وانههم٢ على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ﴿ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلا بَلِيغًا ﴾ أي :وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع٣ لهم.
١ زيادة من د، أ..
٢ في ر: "انههم"..
٣ في ر: "وادع"..
يقول تعالى : ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ ﴾ أي :فرضت طاعته على من أرسله١ إليهم وقوله : ﴿ بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ قال مجاهد :أي لا يطيع أحد إلا بإذني. يعني :لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك، كقوله : ﴿ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ ﴾ [ آل عمران :٥٢ ] أي :عن أمره وقدره ومشيئته، وتسليطه إياكم عليهم.
وقوله : ﴿ وَلَوْ أَنْهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ يرشد تعالى العصاة والمذنبين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان أن يأتوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فيستغفروا الله عنده، ويسألوه أن يستغفر لهم، فإنهم إذا فعلوا ذلك تاب الله عليهم ورحمهم وغفر لهم، ولهذا قال : ﴿ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾
وقد ذكر جماعة منهم :الشيخ أبو نصر بن الصباغ في كتابه " الشامل " الحكاية المشهورة عن العُتْبي، قال :كنت جالسا عند قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء أعرابي فقال :السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا ﴾ وقد جئتك مستغفرا لذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول :
يا خيرَ من دُفنَت بالقاع٢ أعظُمُه فطاب منْ طيبهنّ القاعُ والأكَمُ
نَفْسي الفداءُ لقبرٍ أنت ساكنُه فيه العفافُ وفيه الجودُ والكرمُ
ثم انصرف الأعرابي فغلبتني عيني، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فقال :يا عُتْبى، الحقْ الأعرابيّ فبشره أن الله قد غفر له٣.
١ في ر: "أرسلته".
.

٢ في أ: "في القاع"..
٣ ذكر هذه الحكاية النووي في المجموع (٨/٢١٧) وفي الإيضاح (ص٤٩٨)، وزاد البيتين التاليين: أنت الشفيع الذي ترجى شفاعته***على الصراط إذا ما زلت القدموصاحباك فلا أنساهما أبدا*** مني السلام عليكم ما جرى القلموساقها بقوله: "ومن أحسن ما يقول: ما حكاه أصحابنا عن العتبي مستحسنين له ثم ذكرها بتمامها"، وابن كثير هنا لم يروها ولم يستحسنها بل نقلها كما نقل بعض الإسرائيليات في تفسيره، وهي حكاية باطلة، وقصة واهية، استدل بها بعض الناس بجواز التوسل بالرسول صلى الله عليه سلم بعد وفاته، والرد عليها بأربعة أمور ذكرها الشيخ الفاضل صالح آل الشيخ في كتابه: "هذه مفاهيمنا" (ص٧٦).أولا: ما دام أنها ليست من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ولا فعل خلفائه الراشدين، وصحابته المكرمين، ولا من فعل التابعين، والقرون المفضلة، وإنما هي مجرد حكاية عن مجهول نقلت بسند ضعيف، فكيف يحتج بها في عقيدة التوحيد، الذي هو أصل الأصول، وكيف يحتج بها وهي تعارض الأحاديث الصحيحة التي نهي فيها عن الغلو في القبور، والغلو في الصالحين عموما، وعن الغلو في قبره، والغلو فيه صلى الله عليه وسلم خصوصا، وأما من نقلها من العلماء أو استحسنها فليس ذلك بحجة تعارض بها النصوص الصحيحة وتخالف من أجلها عقيدة السلف، فقد يخفى على بعض العلماء ما هو واضح لغيرهم، وقد يخطئون في نقلهم ورأيهم، وتكون الحجة مع من خالفهم.وما دمنا قد علمنا طريق الصواب، فلا شأن لنا بما قاله فلان أو حكاه فلان، فليس ديننا مبنيا على الحكايات والمنامات، وإنما هو مبني على البراهين الصحيحة.ثانيا: قد تخفى بعض المسائل والمعاني على من خلع الأنداد، وتبرأ من الشرك وأهله، كما قال بعض الصحابة: "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الله أكبر، إنها السنن، قلتم والذي نفسي بيده ما قاله أصحاب موسى: (اجعل لنا إلها كما لهم آلهة)" حديث صحيح.والحجة في هذا: أن هؤلاء الصحابة، وإن كانوا حديثي عهد بكفر، فهم دخلوا في الدين بلا إله إلا الله، وهي تخلع الأنداد، وأصناف الشرك، وتوحد المعبود، فمع ذلك ومع معرفة قائليها الحقة بمعنى لا إله إلا الله، خفي عليهم بعض المسائل من أفرادها، وإنما الشأن أنه إذا وضح الدليل، وأبينت الحجة، فيجب الرجوع إليها والتزامها، والجاهل قد يعذر، كما عذر أولئك الصحابة في قولهم: "اجعل لنا ذات أنواط"، وغيرهم من العلماء أولى باحتمال أن يخفى عليهم بعض المسائل ولو في التوحيد والشرك.ثالثا: كيف يتجاسر أحد أن يعارض نصوص كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم بقول حكاه حاك مستحسنا له، والله سبحانه يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور: ٦٣].قال الإمام أحمد: عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة) أتدري ما الفتنة؟.الفتنة: الشرك لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. رواه عن أحمد الفضل بن زياد وأبو طالب، ولعله في كتاب "طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم" لأحمد رحمه الله.فطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خير هذه الأمة أبا بكر وعمر، كما قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون: قال أبو بكر وعمر.فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس الذين يعارضون السنة الثابتة، والحجة الواضحة بقول أعرابي في قصة العتبى الضعيفة المنكرة.إن السنة في قلوب محبيها أعظم وأغلى من تلك الحجج المتهافتة، التي يدلي بها صاحب المفاهيم البدعية، تلك المفاهيم المبنية على المنامات والمنكرات، فاعجب لهذا، وجرد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وحذار ثم حذار من أن ترد الأحاديث الصحيحة وتؤمن بالأخبار الباطلة الواهية، فيوشك بمن فعل ذلك أن يقع في قلبه فتنة فيهلك.رابعا: ما من عالم إلا ويرد عليه في مسائل اختارها إما عن رأي، أو عن ضعف حجة، وهم معذورون قبل إيضاح المحجة بدلائلها، ولو تتبع الناس شذوذات المجتهدين ورخصهم، لخرجوا عن دين الإسلام إلى دين آخر، كما قيل: من تتبع الرخص تزندق، ولو أراد مبتغ الفساد والعدول عن الصراط أن يتخذ له من رخصهم سلما يرتقي به إلى شهواته لكان الواجب على الحاكم قمعه وصده، وتعزيره، كما هو مشهور في فقه الأئمة الأربعة، وغيرهم.وما ذكر ففيه أن من أحال لتبرير جرمه على قول عالم، عُلم خطؤه فيه أنه يقبل منه ولا يؤخذ بالعتاب.اللهم احفظ علينا ديننا، وتوحيدنا.
.

وقوله : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة :أنه لا يؤمن أحد حتى يُحَكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطنا وظاهرا ؛ ولهذا قال : ﴿ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾ أي :إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجا مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن فيسلمون لذلك تسليما كليا من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث :" والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ".
وقال البخاري :حدثنا علي بن عبد الله حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة قال :خاصم الزبير رجلا١ في شُرَيج٢ من الحَرَّة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" اسق يا زُبير ثم أرْسل الماء إلى جارك " فقال الأنصاري :يا رسول الله، أنْ كان ابن عمتك ؟٣ فَتَلَوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :" اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدْر، ثم أرسل الماء إلى جارك " واستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حَقّه في صريح الحكم، حين أحفظه الأنصاري، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة. قال الزبير :فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ الآية.
وهكذا رواه البخاري هاهنا أعني في كتاب :" التفسير " من صحيحه من حديث معمر :وفي كتاب :" الشرب " من حديث ابن جُرَيْج ومعمر أيضا، وفي كتاب :" الصلح " من حديث شعيب بن أبي حمزة، ثلاثتهم عن الزهري عن عروة، فذكره٤ وصورته صورة الإرسال، وهو متصل في المعنى.
وقد رواه الإمام أحمد من هذا الوجه فصرح بالإرسال فقال :حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، أخبرني عروة بن الزبير :أن الزبير كان يحدث :أنه كان يخاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة، كانا يسقيان بها كلاهما، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للزبير :" اسق ثم أرسل إلى جارك " فغضب الأنصاري وقال :يا رسول الله، أن كان ابن عمتك ؟٥ فتلوّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :" اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر " فاستوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ٦ الأنصاري رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم، قال عروة :فقال الزبير :والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
هكذا رواه الإمام أحمد٧ وهو منقطع بين عروة وبين أبيه الزبير ؛ فإنه لم يسمع منه، والذي يقطع به أنه سمعه من أخيه عبد الله، فإن أبا محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم رواه كذلك في تفسيره فقال :
حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، حدثنا الليث ويونس، عن ابن شهاب، أن عروة بن الزبير حدثه أن عبد الله بن الزبير حدثه عن الزبير بن العوام :أنه خاصم رجلا من الأنصار قد شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شراج في الحَرة، كانا يسقيان به كلاهما النخل، فقال الأنصاري :سَرِّح الماء يَمُر. فأبى عليه الزبير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك " فغضب الأنصاري وقال :يا رسول الله، أن كان ابن عَمَّتك ؟ فتلوَّن وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال :" اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجَدْر " واستوعى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم للزبير حَقّه وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أشار على الزبير برأي أراد فيه السعة له وللأنصاري، فلما أحفظ٨ الأنصاري رسولَ الله صلى الله عليه وسلم استوعى للزبير حقه في صريح الحكم فقال الزبير :ما أحسب هذه الآية إلا في ذلك : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يَؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾
وهكذا رواه النسائي من حديث ابن وهب، به٩ ورواه أحمد والجماعة كلهم من حديث الليث، به١٠ وجعله أصحاب الأطراف في مسند عبد الله بن الزبير، وكذا ساقه الإمام أحمد في مسند عبد الله بن الزبير، والله أعلم. والعجب كل العجب من الحاكم أبي عبد الله النيسابوري، فإنه روى هذا الحديث من طريق ابن أخي ابن شهاب، عن عمه، عن عروة، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير فذكره، ثم قال :صحيح الإسناد ولم يخرجاه. فإني لا أعلم أحدا قام بهذا الإسناد عن الزهري يذكر عبد الله بن الزبير، غير ابن أخيه، وهو عنه ضعيف. ١١
وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُوَيه :حدثنا محمد بن علي أبو دُحَيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا الفضل بن دُكَين، حدثنا ابن عُيَيْنة، عن عمرو بن دينار، عن سلمة - رجل من آل أبي سلمة - قال :خاصم الزبير رجلا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للزبير، فقال الرجل :إنما قضى له لأنه ابن عمته. فنزلت : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ﴾ الآية١٢.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو حيوة، حدثنا سعيد بن عبد العزيز، عن الزُّهري، عن سعيد بن المسيب في قوله : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ [ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ]١٣ [ الآية ]١٤ قال :نزلت في الزبير بن العوام، وحاطب بن أبي بلتعة. اختصما في ماء، فقضى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل. هذا مرسل ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري١٥.
ذكر سبب آخر غريب جدا :
قال ابن أبي حاتم :حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عبد الله بن لَهِيعة، عن أبي الأسود قال :اختصم رجلان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى بينهما، فقال الذي قضى عليه :ردنا إلى عمر بن الخطاب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" انطلقا١٦ إليه " فلما أتيا إليه قال الرجل :يا ابن الخطاب، قضى لي رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا، فقال :ردنا إلى عمر. فردنا إليك. فقال :أكذاك ؟ فقال :نعم فقال عمر :مَكَانَكُمَا حتى أخرج إليكما فأقضي بينكما. فخرج إليهما مشتملا على سيفه، فضرب الذي قال رُدَّنا إلى عمر فقتله، وأدبر الآخر فارا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله قتل عُمَر والله صاحبي، ولولا أني أعجزتُه لقتلني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما كنت أظن أن يجترئ عُمَر على قتل مؤمن " فأنزل الله : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ ﴾١٧ الآية، فهدر دم ذلك الرجل، وبرئ عمر من قتله، فكره الله أن يسن ذلك بعد، فقال : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ [ النساء :٦٦ ].
وكذا رواه ابن مَرْدُويه من طريق ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود به.
وهو أثر غريب، وهو مرسل، وابن لهيعة ضعيف١٨ والله أعلم.
طريق أخرى :قال الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن دُحَيْم في تفسيره :حدثنا شُعَيب بن شعيب حدثنا أبو المغيرة، حدثنا عتبة بن ضَمْرَة، حدثني أبي :أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى للمحق على المبطل، فقال المقضيّ عليه :لا أرضى. فقال صاحبه :فما تريد ؟ قال :أن نذهب إلى أبي بكر الصديق، فذهبا إليه، فقال الذي قُضي له :قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى لي١٩ فقال أبو بكر :فأنتما على ما قضى به النبي صلى الله عليه وسلم فأبى صاحبه أن يرضى، قال :نأتي عمر بن الخطاب، فأتياه، فقال المقضى له :قد اختصمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقضى لي عليه، فأبى أن يرضى، [ ثم أتينا أبا بكر، فقال :أنتما على ما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأبى أن يرضى ]٢٠ فسأله عمر، فقال :كذلك، فدخل عمر منزله وخرج والسيف في يده قدْ سَلَّه، فضرب به رأس الذي أبى أن يرضى، فقتله، فأنزل الله : ﴿ فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ﴾ [ إلى آخر ]٢١ الآية٢٢.
١ في أ: "رجلا من الأنصار"..
٢ في ر: "شريح"..
٣ في أ: "عمك"..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٨٥)، (٢٣٦١)، (٢٣٦٢)، (٢٧٠٨)..
٥ في أ: "عمك".
.

٦ في ر: "أخفظ"..
٧ المسند (١/١٦٥)..
٨ في ر: "أخفظ"..
٩ سنن النسائي (٨/٢٣٨)..
١٠ المسند (٤/٤)، وصحيح البخاري برقم (٢٣٥٩)، وصحيح مسلم برقم (٢٣٥٧)، وسنن أبي داود برقم (٣٦٣٧)، وسنن الترمذي برقم (١٣٦٣)، وسنن النسائي (٨/٢٤٥)، وسنن ابن ماجة برقم (١٥)..
١١ المستدرك (٣/٣٦٤)..
١٢ ورواه الحميدي في مسنده برقم (٣٠٠)، وسعيد بن منصور في سننه برقم (٦٦٠) من طريق سفيان بن عيينة به مرسلا..
١٣ زيادة من أ..
١٤ زيادة من ر، أ..
١٥ ذكره السيوطي في الدر (٢/٥٨٤)..
١٦ في ر، أ: "نعم انطلقا"..
١٧ في ر، أ جاءت الآية تامة..
١٨ ذكره السيوطي في الدر (٢/٥٨٥)..
١٩ في أ: "عليه".
.

٢٠ زيادة من أ، ر..
٢١ زيادة من أ، ر..
٢٢ وذكره المؤلف ابن كثير في مسند عمر بن الخطاب.
.

يخبر تعالى عن أكثر الناس أنهم لو أمروا بما هم مرتكبونه من المناهي لما فعلوه ؛ لأن طباعهم الرديئة مجبولة على مخالفة الأمر، وهذا من علمه - تبارك وتعالى - بما لم يكن أو كان فكيف كان يكون ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾
قال ابن جرير :حدثني المثنى، حدثني إسحاق، حدثنا أبو زهير١ عن إسماعيل، عن أبي إسحاق السبيعي، قال :لما نزلت : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهْ إلا قَلِيلٌ [ مِنْهُمْ ]٢ الآية، قال رجل :لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي " ٣.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا جعفر بن منير، حدثنا روح، حدثنا هشام، عن الحسن قال :لما نزلت هذه الآية : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ الآية. قال أناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم :لو فعل ربنا لفعلنا، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال :" لَلإيمان٤ أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي ".
وقال السدي :افتخر ثابت بن قيس بن شَمَّاس ورجل من اليهود، فقال اليهودي :والله لقد كتب الله علينا القتل فقتلنا أنفسنا. فقال ثابت :والله لو كتب علينا : ﴿ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ لقتلنا. فأنزل الله هذه الآية. رواه ابن أبي حاتم.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا محمود بن غَيْلان، حدثنا بشر بن السَّرِي، حدثنا مصعب بن ثابت، عن عمه عامر بن عبد الله بن الزبير، قال :لما نزلت [ ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ قال أبو بكر :يا رسول الله، والله لو أمرتني أن أقتل نفسي لفعلت، قال :" صدقت يا أبا بكر ".
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي عمر العَدَنيّ قال :سئل سفيان عن قوله ]٥ ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ﴾ قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لو نزلت لكان ابن أم عبد منهم ".
وحدثنا أبي، حدثنا أبو اليمان، حدثنا إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن شُرَيْح بن عُبَيْد قال :لما تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم هذه الآية : ﴿ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ ]٦ الآية، أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى عبد الله بن رَواحة، فقال :" لو أن الله كتب ذلك لكان هذا من أولئك القليل " يعني :ابن رواحة.
ولهذا قال تعالى : ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ ﴾ أي :ولو أنهم فعلوا ما يؤمرون به، وتركوا ما ينهون عنه ﴿ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ﴾ أي :من مخالفة الأمر وارتكاب النهي ﴿ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا ﴾ قال السدي :أي :وأشد تصديقا.
١ في ر: "أبو الأزهر"..
٢ زيادة من أ..
٣ تفسير الطبري (٨/٥٢٦)..
٤ في أ: "الإيمان"..
٥ زيادة من أ..
٦ زيادة من أ..
﴿ وَإِذًا لآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا ﴾ أي :من عندنا، ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ يعني :الجنة.
﴿ وَلَهَدَيناهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا ﴾ أي في الدنيا والآخرة.
ثم قال تعالى : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾ أي :من عمل بما أمره الله ورسوله، وترك ما نهاه الله عنه ورسوله، فإن الله عز وجل يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقًا للأنبياء ثم لمن بعدهم في الرتبة، وهم الصديقون، ثم الشهداء، ثم عموم المؤمنين وهم الصالحون الذين صلحت سرائرهم وعلانيتهم.
ثم أثنى عليهم تعالى فقال : ﴿ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾
وقال البخاري :حدثنا محمد بن عبد الله بن حَوْشَب، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" ما من نبي يَمْرَضُ إلا خُيِّر بين الدنيا والآخرة " وكان في شكواه التي قبض فيه، فأخذته بُحَّة شديدة فسمعته يقول : ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ﴾ فعلمت أنه خُيِّر.
وكذا رواه مسلم من حديث شعبة، عن سعد١ بن إبراهيم به٢.
وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر :" اللهم في الرفيق الأعلى " ثلاثا ثم قضى، عليه أفضل الصلاة والتسليم٣.
ذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة :
قال ابن جرير :حدثنا ابن حميد، حدثنا يعقوب القُمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جُبير قال :جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو محزون، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم :" يا فلان، ما لي أراك محزونًا ؟ " قال :يا نبي الله٤ شيء فكرت فيه ؟ قال :" ما هو ؟ " قال :نحن نغدو عليك ونروح، ننظر إلى وجهك ونجالسك، وغدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك. فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم عليه شيئا، فأتاه جبريل بهذه الآية : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَم اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ [ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ]٥ فبعث النبي صلى الله عليه وسلم فبشره.
قد روي هذا الأثر مرسلا عن مسروق، وعكرمة، وعامر الشَّعْبي، وقتادة، وعن الربيع بن أنس، وهو من أحسنها٦ سندًا. ٧
قال ابن جرير :حدثنا المثنى، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، قوله : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ [ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَم اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ ]٨ الآية، قال :إن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا :قد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن اتبعه وصدقه، وكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا ؟ فأنزل الله في ذلك - يعني هذه الآية - فقال :يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الأعْلَيْنَ ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات فيسعون عليهم بما يشتهُون وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون ويتنعمون٩ فيه " ١٠.
وقد روي مرفوعا من وجه آخر، فقال أبو بكر بن مردويه :حدثنا عبد الرحيم بن محمد بن مسلم، حدثنا إسماعيل بن أحمد بن أسيد، حدثنا عبد الله بن عمران، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله :إنك لأحب إلي من نفسي وأحب إلي من أهلي، وأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وإن دخلت الجنة خشيت ألا أراك. فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى نزلت عليه : ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾
وهكذا رواه الحافظ أبو عبد الله المقدسي في كتابه :" صفة الجنة "، من طريق الطبراني، عن أحمد بن عمرو بن مسلم الخلال، عن عبد الله بن عمران العابدي، به. ثم قال :لا أرى بإسناده بأسا١١ والله أعلم.
وقال ابن مردويه أيضًا :حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا العباس بن الفضل الأسفاطي، حدثنا أبو بكر بن ثابت بن عباس المصري١٢ حدثنا خالد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن عامر الشعبي، عن ابن عباس، أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله، إني لأحبك حتى إني لأذكرك في المنزل فيشق ذلك علي١٣ وأحب أن أكون معك في الدرجة. فلم يرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، فأنزل الله عز وجل [ ﴿ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَم اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وِالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ﴾١٤ ]١٥.
وقد رواه ابن جرير، عن ابن حُمَيْد، عن جرير، عن عطاء، عن الشعبي، مرسلا. وثبت في صحيح مسلم من حديث هقل بن زياد، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ربيعة بن كعب الأسلمي أنه قال :كنت أبيت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي :" سَلْ ". فقلت :يا رسول الله، أسألك مرافقتك في الجنة. فقال :" أو غَيْرَ ذلك ؟ " قلت :هو ذاك. قال :" فَأَعِنِّي على نفسك بكثرة السجود " ١٦.
وقال الإمام أحمد :حدثنا يحيى بن إسحاق، أخبرنا ابن لهيعة، عن عبيد الله بن أبي جعفر، عن عيسى بن طلحة، عن عمرو بن مُرَّةَ الجُهَنِيّ قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :يا رسول الله شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله وصليت الخمس وأديت زكاة مالي وصمت شهر رمضان. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من مات على هذا كان مع النبيين والصديقين والشهداء يوم القيامة هكذا - ونصب أصبعيه - ما لم يعق والديه " تفرد به أحمد١٧.
قال الإمام أحمد أيضا :حدثنا أبو سعيد مولى أبي هاشم، حدثنا ابن لهيعة، عن زَبَّان١٨ بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، عن أبيه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" من قرأ ألف آية في سبيل الله كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا، إن شاء الله " ١٩.
وروى الترمذي من طريق سفيان الثوري، عن أبي حمزة، عن الحسن البصري، عن أبي سعيد قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء ".
ثم قال :هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وأبو حمزة اسمه عبد الله بن جابر شيخ بصري٢٠.
وأعظم من هذا كله بشارة ما ثبت في الصحاح والمسانيد وغيرهما، من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم ؟ فقال :" المرء مع من أحب " قال أنس :فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث٢١.
وفي رواية٢٢ عن أنس أنه قال :إني أحب٢٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحب أبا بكر وعمر، رضي الله عنهما٢٤ وأرجو أن الله يبعثني الله معهم وإن لم أعمل كعملهم٢٥.
وقال الإمام مالك بن أنس، عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون٢٦ الكوكب الدري الغابر من٢٧ الأفق من المشرق أو المغرب لِتَفَاضُلِ ما بينهم ". قالوا :يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم ؟ قال :" بلى، والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ".
أخرجاه في الصحيحين من حديث مالك٢٨ ولفظه لمسلم.
وقال الإمام أحمد بن حنبل :حدثنا فزارة، أخبرني فُلَيْح، عن هلال - يعني ابن علي - عن عطاء، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن أهل الجنة ليتراءون في الجنة كما تراءون - أو تَرون - الكوكب الدري الغارب في الأفق والطالع في تفاضل الدرجات ". قالوا :يا رسول الله، أولئك النبيون ؟ قال :" بلى، والذي نفسي بيده، وأقوام آمنوا بالله وصدقوا المرسلين ".
قال الحافظ الضياء المقدسي :هذا الحديث على شرط البخاري٢٩ والله أعلم.
وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير :حدثنا علي بن عبد العزيز، حدثنا محمد بن عمار الموصلي، حدثنا عُفَيْف بن سالم، عن أيوب بن عُتْبة٣٠ عن عطاء، عن ابن عمر قال :أتى رجل من الحبشة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" سَلْ واسْتَفْهِمْ ". فقال :يا رسول الله، فُضِّلتُم علينا بالصور والألوان والنبوة، أفرأيت إن آمنتُ بما آمنتَ به، وعملتُ مثلَ ما عملتَ به، إني لكائن معك في الجنة ؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" نعم، والذي نفسي بيده إنه ليضيء بياض الأسود في الجنة من مسيرة ألف عام " قال :ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قال :لا إله إلا الله، كان له بها عهد عند الله، ومن قال :سبحان الله وبحمده، كتب له بها مائة ألف حسنة وأربعة وعشرون ألف حسنة " فقال رجل :كيف نهلك بعدها يا رسول الله ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن الرجل ليأتي يوم القيامة بالعمل لو وضع على جبل لأثقله، فتقوم النعمة من نعم الله فتكاد أن تستنفد ذلك كله إلا أن يتطاول الله برحمته " ونزلت هذه الآيات٣١ ﴿ هَلْ أَتَى عَلَى الإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ﴾ إلى قوله : ﴿ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا ﴾ [ الإنسان :١ - ٢٠ ] فقال الحبشي :وإن عيني لتريان ما ترى عيناك في الجنة ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" نعم ". فاستبكى حتى فاضت نفسه، قال ابن عمر :لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدليه في حفرته بيديه.
فيه غرابة ونكارة، وسنده ضعيف٣٢.
ولهذا قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ﴾
١ في أ: "سعيد"..
٢ صحيح البخاري برقم (٤٤٣٥) وصحيح مسلم برقم (٢٤٤٤)..
٣ رواه البخاري برقم (٤٤٣٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.
.

٤ في ر: "يا رسول الله"..
٥ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٦ في ر: "شيئا"، وفي أ: "سياق"..
٧ تفسير الطبري (٨/٥٣٤، ٥٣٥)..
٨ زيادة من أ..
٩ في د: "يتمتعون"..
١٠ تفسير الطبري (٨/٥٣٥) وهذا مرسل، وانظر المقدمة في النسخ التفسيرية، ففيها الكلام على نسخة أبي جعفر الرازي..
١١ ورواه الطبراني في الأوسط برقم (٣٣٠٨) "مجمع البحرين" ومن طريق أبو نعيم في الحلية (٨/١٢٥) من طريق أحمد بن عمرو الخلال عن عبد الله بن عمران عن فضيل عن منصور به.وقال الطبراني: "غريب من حديث فضيل ومنصور تفرد به العابدي".قال الهيثمي في المجمع (٧/٧): "رجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن عمران وهو ثقة".
.

١٢ في د، ر: "ابن عياش البصري"..
١٣ في د: "علي ذلك"..
١٤ زيادة من ر، وفي هـ: "هذه الآية".
١٥ سليمان بن أحمد هو الطبراني، ورواه في المعجم الكبير (١٢/٨٦)، قال الهيثمي في المجمع (٧/٧): "فيه عطاء بن السائب وقد اختلط"..
١٦ صحيح مسلم برقم (٤٨٩)..
١٧ ليس في المسند..
١٨ في و: "زياد"..
١٩ المسند (٤/٤٣٧) وفيه: "حدثنا حسن حدثنا ابن لهيعة فذكره". وقال الهيثمي (٢/٢٦٩): "فيه ابن لهيعة عن زبان وفيه كلام"..
٢٠ سنن الترمذي برقم (١٢٠٩)..
٢١ رواه البخاري في صحيحه برقم (٦١٦٧) ورواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٣٩)..
٢٢ في د: "وفي لفظ"..
٢٣ في أ: "لأحب"..
٢٤ في ر: "عنهم"..
٢٥ صحيح مسلم برقم (٢٦٣٩)..
٢٦ في أ: "يتراءون"..
٢٧ في أ: "في"..
٢٨ صحيح البخاري برقم (٣٢٥٦) وصحيح مسلم برقم (٢٨٣١)..
٢٩ المسند (٢/٣٣٩)..
٣٠ في النسخ: "أيوب عن عتبة" وهو تحريف..
٣١ في ر، أ: "السورة".
.

٣٢ المعجم الكبير (١٢/٤٣٦)، ووجه ضعفه أن فيه أيوب بن عتبة وهو ضعيف..
أي :من عند الله برحمته، هو الذي أهلهم لذلك، لا بأعمالهم. ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا ﴾ أي :هو عليم بمن يستحق الهداية والتوفيق.
يأمر الله عباده المؤمنين بأخذ الحذر من عدوهم، وهذا يستلزم التأهب لهم بإعداد الأسلحة والعدد وتكثير العدد بالنفير في سبيله.
﴿ ثُبَاتٍ ﴾ أي :جماعة بعد جماعة، وفرقة بعد فرقة، وسرية بعد سرية، والثبات :جمع ثُبَة، وقد تجمع الثبة على ثُبين.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : ﴿ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ ﴾ أي :عُصبا يعني :سرايا متفرقين ﴿ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا ﴾ يعني :كلكم.
وكذا رُوي عن مجاهد، وعكرمة، والسدي، وقتادة، والضحاك، وعطاء الخراساني، ومُقاتل بن حَيَّان، وخُصَيف الجَزَري.
وقوله : ﴿ وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ ﴾ قال مجاهد وغير واحد :نزلت في المنافقين، وقال مقاتل بن حيان : ﴿ ليبطئن ﴾ أي :ليتخلفن عن الجهاد.
ويحتمل أن يكون المراد أنه يتباطأ هو في نفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله بن أبي بن سلول - قبحه الله - يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويُثَبّط الناس عن الخروج فيه. وهذا قول ابن جُرَيْج وابن جَرِيرٍ ؛ ولهذا قال تعالى إخبارا عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد : ﴿ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ﴾ أي :قتل وشهادة وغلب العدو لكم، لما لله في ذلك من الحكمة ﴿ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا ﴾ أي :إذ لم أحضر معهم وقعة القتال، يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر أو الشهادة إن قتل.
﴿ وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ ﴾ أي :نصر وظفر وغنيمة ﴿ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَه مَوَدَّةٌ ﴾١ أي :كأنه ليس من أهل دينكم ﴿ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ أي :بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه. وهو أكبر قصده وغاية مراده.
١ في ر: قال".
.

ثم قال تعالى : ﴿ فَلْيُقَاتِلْ ﴾ أي :المؤمن النافر ﴿ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ ﴾ أي :يبيعون دينهم بعَرَض قليل من الدنيا، وما ذلك١ إلا لكفرهم وعدم إيمانهم.
ثم قال تعالى : ﴿ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ أي :كل من قاتل في سبيل الله - سواء قتل أو غَلَب وسَلَب - فله عند الله مثوبة عظيمة وأجر جزيل، كما ثبت في الصحيحين٢ وتكفل الله للمجاهد في سبيله، إن٣ توفاه أن يدخله الجنة، أو يرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة.
١ في د، ر: "وذاك"..
٢ رواه البخاري في صحيحه برقم (٧٤٦٣، ٧٤٥٧) ومسلم في صحيحه برقم (١٨٧٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٣ في د، ر، أ: "بأن".
.

يحرض تعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وعلى السعي في استنقاذ المستضعفين بمكة١ من الرجال والنساء والصبيان المتبرمين بالمقام بها ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ ﴾ يعني :مكة، كقوله تعالى : ﴿ وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ ﴾ [ محمد :١٣ ].
ثم وصفها بقوله : ﴿ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا ﴾ أي :سخر لنا من عندك وليا وناصرا.
قال البخاري :حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا سفيان، عن عبيد الله٢ قال :سمعت ابن عباس قال :كنت أنا وأمي من المستضعفين.
حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن [ أبي ]٣ مُلَيْكَة أن ابن عباس تلا ﴿ إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴾ قال :كنت أنا وأمي ممن عَذَرَ الله عز وجل٤.
١ في أ: "في مكة"..
٢ في د: "عبد الله"..
٣ زيادة من د، ر، أ..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٨٧، ٤٥٨٨)،
.

ثم قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ ﴾ أي :المؤمنون يقاتلون في طاعة الله ورضوانه، والكافرون يقاتلون في طاعة الشيطان.
ثم هَيَّجَ تعالى المؤمنين على قتال أعدائه بقوله : ﴿ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾
كان المؤمنون في ابتداء الإسلام - وهم بمكة - مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُّصُب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة، منها :قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقا. فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جَزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديدا ﴿ وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ أي :لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْم الأبناء، وتأيّم النساء، وهذه الآية في معنى قوله تعالى ﴿ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ [ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ ] ﴾ [ محمد :٢٠، ٢١ ]. ١
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن عبد العزيز بن أبي رِزْمة٢ وعلي بن زنجة قالا حدثنا علي بن الحسن، عن الحسين بن واقد، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس :أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابًا له أتوا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، فقالوا :يا نبي الله، كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة :قال :" إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم ". فلما حوله الله إلى المدينة أمره بالقتال، فكفوا. فأنزل الله : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ [ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً ] ٣ الآية.
ورواه النسائي، والحاكم، وابن مَرْدُويه، من حديث علي بن الحسن بن شَقِيق، به٤.
وقال أسباط، عن السدي :لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، فلما كتب عليهم القتال : ﴿ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ ﴾ وهو الموت، قال الله تعالى : ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ﴾
وعن مجاهد :إن هذه الآيات٥ نزلت في اليهود. رواه ابن جرير.
وقوله : ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى ﴾ أي :آخرة المتقي خير من دنياه.
﴿ وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلا ﴾ أي :من أعمالكم بل توفونها أتم الجزاء. وهذه تسلية لهم عن الدنيا. وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.
قال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّوْرَقي، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن هشام قال :قرأ الحسن : ﴿ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ ﴾ قال :رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، ما٦ الدنيا كلها أولها وآخرها إلا كرجل نام نومة، فرأى في منامه بعض ما يحب، ثم انتبه.
وقال ابن مَعين :كان أبو مُسْهِر ينشد :
ولا خير في الدنيا لمن لم يكن له مِنَ الله في دار المقام نَصيبُ
فإن تُعْجب الدنيا رجَالا فإنها*** مَتَاع قليل والزّوَال قريبُ
١ زيادة من ر. وفي هـ: "الآية"..
٢ في أ: "زرعه"..
٣ زيادة من ر، أ.
.

٤ سنن النسائي الكبرى برقم (١١١١٢) والمستدرك (٢/٣٠٧)..
٥ في أ: "الآية"..
٦ في ر، أ: "وما"..
وقوله : ﴿ أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ أي :أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، كما قال تعالى : ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ [ وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وِالإكْرَامِ ]١ [ الرحمن :٢٦، ٢٧ ] وقال تعالى ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ﴾ [ آل عمران :١٨٥ ] وقال تعالى : ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ﴾ [ الأنبياء :٣٤ ] والمقصود :أن كل أحد صائر إلى الموت لا محالة، ولا ينجيه من ذلك شيء، وسواء عليه جاهد أو لم يجاهد، فإن له أجلا محتوما، وأمدا مقسوما، كما قال خالد بن الوليد حين جاء الموت على فراشه :لقد شهدت كذا وكذا موقفا، وما من عضو من أعضائي إلا وفيه جرح من طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء٢.
وقوله : ﴿ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ ﴾ أي :حصينة منيعة عالية رفيعة. وقيل :هي بروج في السماء. قاله السدي، وهو ضعيف. والصحيح :أنها المنيعة. أي :لا يغني حذر وتحصن من الموت، كما قال زهير بن أبي سلمى : ٣
وَمَن خَاف أسبابَ المَنيّة يَلْقَهَا*** ولو رَامَ أسبابَ السماء بسُلَّم٤
ثم قيل :" المشَيَّدَة " هي المَشِيدَة كما قال :" وَقَصْرٍ مَشِيدٍ " [ الحج :٤٥ ] وقيل :بل بينهما فرق، وهو أن المُشَيَّدة بالتشديد، هي :المطولة، وبالتخفيف هي :المزينة بالشيد وهو الجص.
وقد ذكر ابن جرير، وابن أبي حاتم هاهنا حكاية مطولة عن مجاهد :أنه ذكر أن امرأة فيمن كان قبلنا أخذها الطَّلْقُ، فأمرت أجيرها أن يأتيها بنار، فخرج، فإذا هو برجل واقف على الباب، فقال :ما ولدت المرأة ؟ فقال :جارية، فقال :أما إنها ستزني بمائة رجل، ثم يتزوجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت. قال :فَكَرَّ راجعا، فبعج الجارية بسكين في بطنها، فشقه، ثم ذهب هاربا، وظن أنها قد ماتت، فخاطت أمها بطنها، فبرئت وشبت وترعرعت، ونشأت أحسن امرأة ببلدتها٥ فذهب ذاك [ الأجير ]٦ ما ذهب، ودخل البحور فاقتنى أموالا جزيلة، ثم رجع إلى بلده وأراد التزويج، فقال لعجوز :أريد أن أتزوج بأحسن امرأة بهذه البلدة. فقالت له :ليس هنا أحسن من فلانة. فقال :اخطبيها علي. فذهبت إليها فأجابت، فدخل بها فأعجبته إعجابا شديدًا، فسألته عن أمره ومن أين مقدمه٧ ؟ فأخبرها خبره، وما كان من أمره في هربه. فقالت :أنا هي. وأرته مكان السكين، فتحقق ذلك فقال :لئن كنت إياها فلقد أخبرتني باثنتين لا بد منهما، إحداهما :أنك قد زنيت بمائة رجل. فقالت :لقد كان شيء من ذلك، ولكن لا أدري ما عددهم ؟ فقال :هم مائة. والثانية :أنك تموتين بالعنكبوت. فاتخذ لها قصرا منيعا شاهقا، ليحرزها من ذلك، فبينا هم يوما إذا بالعنكبوت في السقف، فأراها إياها، فقالت :أهذه التي تحذرها علي، والله لا يقتلها إلا أنا، فأنزلوها من السقف فعمدت إليها فوطئتا بإبهام رجلها فقتلتها، فطار من سمها شيء٨ فوقع بين ظفرها ولحمها، فاسودت رجلها وكان في ذلك أجلها٩.
ونذكر هاهنا قصة صاحب الحَضْر، وهو " الساطرون " لما احتال عليه " سابور " حتى حصره فيه، وقتل من فيه بعد محاصرة سنتين، وقالت العرب في ذلك أشعارا منها :
وأخو الحَضْر إذ بناه وإذ دج*** لة تُجْبَى إليه والخابورُ
شاده مَرْمَرا وجلله كلْ***سا فللطير في ذُرَاه وُكُور
لم تَهَبْهُ أيدي المنون فباد ال***مُلْكُ عنه فبابُه مَهْجور
ولما دخل على عثمان جعل يقول :اللهم اجمع أمة محمد، ثم تمثل بقول الشاعر :
أرى الموتَ لا يُبقي عَزيزا ولم يَدَعْ*** لعاد ملاذَّا في البلاد ومَرْبَعا. . .
يُبَيَّتُ أهلُ الحِصْن والحصنُ مغلقٌ*** ويأتي الجبالَ في شَماريخها معا١٠
وقوله : ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ أي :خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو١١ ذلك هذا معنى قول ابن عباس وأبي العالية والسدي ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ أي :قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو نتاج أو غير ذلك. كما يقوله أبو العالية والسدي. ﴿ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي :من قبلك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك. كما قال تعالى عن قوم فرعون : ﴿ فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ ﴾ [ الأعراف :١٣١ ] وكما قال تعالى : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ [ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وِإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ ]١٢ الآية [ الحج :١١ ]. وهكذا قال هؤلاء المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهرا وهم كارهون له في نفس الأمر ؛ ولهذا إذا أصابهم شر إنما يسندونه إلى اتباعهم للنبي صلى الله عليه وسلم وقال١٣ السدي : ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ ﴾ قال :والحسنة الخصب، تُنْتج خيولهم وأنعامهم ومواشيهم، ويحسن حالهم وتلد نساؤهم الغلمان قالوا : ﴿ هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ ﴾ والسيئة :الجدْب والضرر في أموالهم، تشاءموا بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا : ﴿ هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ يقولون :بتركنا ديننا واتباعنا محمدا أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله عز وجل : ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ فقوله ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البَرّ والفاجر، والمؤمن والكافر.
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس : ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ أي :الحسنة والسيئة. وكذا قال الحسن البصري.
ثم قال تعالى منكرًا على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب. وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم : ﴿ فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾
ذكر حديث غريب يتعلق بقوله تعالى : ﴿ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾
قال الحافظ أبو بكر البزار :حدثنا السَّكن بن سعيد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا إسماعيل بن حماد، عن مقاتل بن حَيَّان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال :كنا جلوسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فأقبل أبو بكر وعمر في قبيلتين من الناس، وقد ارتفعت أصواتهما، فجلس أبو بكر قريبا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ وجلس عمر قريبا من أبي بكر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لم ارتفعت أصواتكما ؟ " فقال رجل :يا رسول الله، قال أبو بكر :الحسنات من الله والسيئات من أنفسنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" فما قلت يا عمر ؟ " قال :قلت :الحسنات والسيئات من الله. تعالى. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن أول من تكلم فيه جبريل وميكائيل، فقال ميكائيل مقالتك يا أبا بكر، وقال جبريل مقالتك يا عمر فقال :نختلف فيختلف أهل السماء١٤ وإن يختلف أهل السماء يختلف أهل الأرض. فتحاكما إلى إسرافيل، فقضى بينهم أن الحسنات والسيئات من الله ". ثم أقبل على أبي بكر وعمر فقال " احفظا قضائي بينكما، لو أراد الله ألا يُعْصَى لم يخلق إبليس ".
قال شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس ابن تيميّة :هذا حديث موضوع مختلق باتفاق أهل المعرفة١٥.
١ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ رواه الحافظ ابن عساكر في تاريخ دمشق كما في المختصر لابن المنظور (٨/٢٦) من طريق أبي الزناد أن خالد لما حضرته الوفاة بكى وقال... فذكره..
٣ في ر، أ: "طرفة بن العبد"..
٤ البيت من معلقة زهير بن أبي سلمى، وهو في ديوانه (ص ٣٠)..
٥ في ر، أ: "ببلدها"..
٦ زيادة من أ، والطبري..
٧ في أ: "وعن مقدمه"..
٨ في ر: "وطار شيء من سمها"..
٩ تفسير الطبري (٨/٥٥٢)..
١٠ في ر: "العلا"..
١١ في ر: "وغير"..
١٢ زيادة من: ر، أ..
١٣ في ر: "فقال" وفي أ: "قال"..
١٤ في ر: "السماوات"..
١٥ مسند البزار برقم (٢٤٩٦) وقال الهيثمي في المجمع (٧/١٩١) "شيخ البزار السكن بن سعيد لم أعرفه، وبقية رجال البزار ثقات وفي بعضهم كلام لا يضر، وقال ابن حجر رحمه الله: "هذا خبر منكر وفي الإسناد ضعف".
.

ثم قال تعالى - مخاطبًا - للرسول [ صلى الله عليه وسلم ]١ والمراد جنس الإنسان ليحصل الجواب : ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ أي :من فضل الله ومنه ولطفه ورحمته ﴿ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ أي :فمن قبلك، ومن عملك أنت كما قال تعالى : ﴿ وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ﴾ [ الشورى :٣٠ ].
قال السدي، والحسن البصري، وابن جُريج، وابن زيد : ﴿ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ أي :بذنبك.
وقال قتادة : ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ عقوبة يا ابن آدم بذنبك. قال :وذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول :" لا يصيب رجلا خَدْش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عِرْق، إلا بذنب، وما يعفو الله أكثر ".
وهذا الذي أرسله قتادة قد روي متصلا في الصحيح :" والذي نفسي بيده، لا يصيب المؤمن هَمٌّ ولا حَزَنٌ، ولا نَصَبٌ، حتى الشوكة يشاكها إلا كَفَّر الله عنه بها من خطاياه ". ٢
وقال أبو صالح : ﴿ مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ ﴾ أي :بذنبك، وأنا الذي قدرتها عليك. رواه ابن جرير.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا محمد بن عمار، حدثنا سهل - يعني ابن بَكَّار - حدثنا الأسود بن شيبان، حدثني عقبة بن واصل بن أخي مُطَرِّف، عن مُطَرِّف بن عبد الله قال :ما تريدون من القدر، أما تكفيكم الآية التي في سورة النساء : ﴿ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وِإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي :من نفسك، والله ما وُكِلُوا إلى القدر وقد أُمِروا وإليه يصيرون.
وهذا كلام متين قوي في الرد على القدرية والجبرية أيضا، ولبسطه موضع آخر.
وقوله تعالى : ﴿ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولا ﴾ أي :تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه.
﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا ﴾ أي :على أنه أرسلك، وهو شهيد أيضا بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم إياه، وبما يردون عليك من الحق كفرا وعنادًا.
١ زيادة من أ..
٢ رواه مسلم بنحوه برقم (٢٥٧٢) من حديث عائشة، وبرقم (٢٥٧٣) من حديث أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهم.
.

يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أبو معاوية حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله ومن أطاع الأمير فقد أطاعني، ومن عصى الأمير فقد عصاني ".
وهذا الحديث ثابت في الصحيحين، عن الأعمش به١
وقوله : ﴿ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾٢ أي :لا عليك منه، إن عليك إلا البلاغ فمن تَبِعك سَعِد ونجا، وكان لك من الأجر نظير ما حصل له، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء، كما جاء في الحديث :" من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعص الله ورسوله فإنه لا يضر إلا نفسه " ٣
١ رواه البخاري برقم (٧١٣٧) ومسلم برقم (١٨٣٥) من طريق يونس بن يزيد عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة به..
٢ في ر: "فمن"..
٣ رواه مسلم في صحيحه برقم (٨٧) من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه..
وقوله : ﴿ وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ ﴾ يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة ﴿ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ ﴾ أي :خرجوا وتواروا عنك ﴿ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ ﴾ أي :استسروا ليلا فيما بينهم بغير ما أظهروه. فقال تعالى : ﴿ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ ﴾ أي :يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد. يعلمون ما يفعلون. والمعنى في هذا التهديد، أنه تعالى أخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك. كما قال تعالى : ﴿ وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا [ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ]١ [ النور :٤٧ ].
وقوله : ﴿ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ﴾ أي :اصفح عنهم واحلم عليهم٢ ولا تؤاخذهم، ولا تكشف أمورهم للناس، ولا تَخَفْ منهم أيضا ﴿ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا ﴾ أي :كفى به٣ وليًّا وناصرًا ومعينا لمن توكل عليه وأناب إليه.
١ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ في ر: "عنهم"..
٣ في أ: "بالله"..
يقول تعالى آمرًا عباده بتدبر القرآن، وناهيا لهم عن الإعراض عنه، وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه البليغة، ومخبرًا لهم أنه لا اختلاف فيه ولا اضطراب، ولا تضادّ ولا تعارض ؛ لأنه تنزيل من حكيم حميد، فهو حق من حق ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ [ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ]١ [ محمد :٢٤ ] ثم قال : ﴿ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ ﴾ أي :لو كان مفتعلا مختلقا، كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم ﴿ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا ﴾ أي :اضطرابا وتضادًّا كثيرًا. أي :وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله. كما قال تعالى مخبرا عن الراسخين في العلم حيث قالوا : ﴿ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ﴾ [ آل عمران :٧ ] أي :محكمه ومتشابهه حق ؛ فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا ؛ ولهذا مدح تعالى الراسخين وذم الزائغين.
قال٢ الإمام أحمد :حدثنا أنس بن عياض، حدثنا أبو حازم عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال :لقد جلست أنا وأخي مجلسا ما أحب أن لي به حُمر النَّعم، أقبلت أنا وأخي وإذا مشيخة من صحابة٣ رسول الله صلى الله عليه وسلم على باب من أبوابه، فكرهنا أن نفرق بينهم، فجلسنا حَجْرَة، إذ ذكروا آية من القرآن، فتماروا فيها حتى ارتفعت أصواتهم، فخرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم مُغْضَبًا حتى احمر وجهه، يرميهم بالتراب، ويقول :" مهلا يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم، وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضا، بل يصدّق بعضه بعضا، فما عرفتم منه فاعملوا به، وما جهلتم منه فردوه إلى عالمِه " ٤.
وهكذا رواه أيضا عن أبي معاوية، عن داود بن أبي هند، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال :خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، والناس يتكلمون في القدر، فكأنما يُفْقَأ في وجهه حب الرُّمان من الغضب، فقال لهم :" ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض ؟ بهذا هلك من كان قبلكم ". قال :فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أشهده ما غبطت نفسي بذلك المجلس، أني لم أشهده.
ورواه ابن ماجه من حديث داود بن أبي هند، به نحوه٥.
وقال أحمد :حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا حماد بن زيد، عن أبي عمْران الجَوْني قال :كتب إلي عبد الله بن رَبَاح، يحدث عن عبد الله بن عمرو قال :هَجَّرتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما، فإنا لجلوس إذ اختلف اثنان في آية، فارتفعت أصواتهما فقال :" إنما هلكت الأمم قبلكم باختلافهم في الكتاب " ورواه مسلم والنسائي، من حديث حماد بن زيد، به٦.
١ زيادة من ر، أ.
.

٢ في ر، أ: "وقال"..
٣ في أ: "أصحاب"..
٤ المسند (٢/١٨١)..
٥ المسند (٢/١٧٨) وسنن ابن ماجه برقم (٨٥)..
٦ المسند (٢/١٩٢) وصحيح مسلم برقم (٢٦٦٦) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٠٩٥)..
وقوله : ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ﴾ إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة.
وقد قال مسلم في " مقدمة صحيحه " حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا علي بن حفص، حدثنا شعبة، عن خبيب١ بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" كفى بالمرء كذبا أن يُحدِّث بكل ما سمع " وكذا رواه أبو داود في كتاب " الأدب " من سننه، عن محمد بن الحسين بن إشكاب، عن علي بن حفص، عن شعبة مسندًا٢ ورواه مسلم أيضا من حديث معاذ بن هشام العنبري، وعبد الرحمن بن مهدي. وأخرجه أبو داود أيضا من حديث حفص بن عمر النمري، ثلاثتهم عن شعبة، عن خُبَيب٣ عن حفص بن عاصم، به مرسلا٤.
وفي الصحيحين عن المغيرة بن شعبة :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن قيل وقال أي :الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تَثبُّت، ولا تَدبُّر، ولا تبَيُّن٥.
وفي سنن أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" بئس مَطِيَّة الرجل زَعَمُوا عليه ".
وفي الصحيح :" من حَدَّث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبَيْن ". ٦ ويذكر٧ هاهنا حديث عمر بن الخطاب المتفق عليه، حين بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم طَلَّق نساءه، فجاءه من منزله حتى دخل المسجد فوجد الناس يقولون ذلك، فلم يصبر حتى استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفهمه :أطلقت نساءك ؟ قال :" لا ". فقلت الله أكبر. وذكر الحديث٨ بطوله.
وعند مسلم :فقلت :أطلقتهن ؟ فقال :" لا " فقمت على باب المسجد فناديت بأعلى صوتي :لم يطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم نساءه. ونزلت هذه الآية : ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ فكنت أنا استنبطت ذلك الأمر.
ومعنى قوله :( يستنبطونه ) أي :يستخرجونه ويستعلمونه من معادنه، يقال :استنبط الرجل العين، إذا حفرها واستخرجها من قعورها٩.
ومعنى قوله : ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا ﴾ قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس :يعني المؤمنين.
وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة : ﴿ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلا قَلِيلا ﴾ يعني :كلكم. واستشهد من نصر هذا القول. بقول الطرماح بن حكيم، في مدح يزيد بن المُهَلَّب :
أشَمَّ١٠ كثير يُدَيِّ النوال١١*** قليل المَثَالب والقَادحة١٢
يعني :لا مثالب له، ولا قادحة فيه.
١ في ر، أ: "حبيب"..
٢ صحيح مسلم برقم (٥) وسنن أبي داود برقم (٤٩٩٢)..
٣ في أ: "حبيب"..
٤ صحيح مسلم برقم (٥) وسنن أبي داود برقم (٤٩٩٢)..
٥ صحيح البخاري برقم (١٤٧٧) وصحيح مسلم برقم (٥٩٣)..
٦ رواه مسلم في مقدمة صحيحه (ص٩) والترمذي في السنن برقم (٢٦٦٢) من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه..
٧ في ر: "ونذكر"..
٨ صحيح البخاري برقم (٥١٩١) وصحيح مسلم برقم (١٤٧٩)..
٩ في ر: "قرارها"..
١٠ في أ: "أنتم"..
١١ في أ: "البوداي"..
١٢ البيت في تفسير الطبري (٨/٥٧٧).
.

يأمر تعالى عبده ورسوله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عليه فلا عليه منه ؛ ولهذا قال : ﴿ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ ﴾
قال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا محمد بن عمرو بن نُبَيْح، حدثنا حَكَّام، حدثنا الجراح الكندي، عن أبي إسحاق قال :سألت البراء بن عازب عن الرجل يلقى مائة من العدو، فيقاتل، أيكون ممن يقول الله : ﴿ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ﴾ [ البقرة :١٩٥ ] قال :قد قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾
ورواه الإمام أحمد، عن سليمان بن داود، عن أبي بكر بن عيَّاش، عن أبي إسحاق قال :قلت للبراء :الرجل يحمل على المشركين أهو ممن ألقى بيده إلى التهلكة ؟ قال :لا ؛ لأن الله بعث رسوله صلى الله عليه وسلم وقال : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلا نَفْسَكَ ﴾ إنما ذلك في النفقة.
وكذا رواه ابن مردُويه، من طريق أبي بكر بن عياش، وعلي بن صالح، عن أبي إسحاق، عن البراء به.
ثم قال ابن مردويه :حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أحمد بن النضر العسكري، حدثنا مسلم بن عبد الرحمن الْجَرْمِيّ، حدثنا محمد بن حِمْيَر، حدثنا سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن البراء قال :لما نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لا تُكَلَّفُ إلا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ [ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ]١ الآية، قال لأصحابه :" قد أمرني ربي بالقتال فقاتلوا " حديث غريب٢.
وقوله : ﴿ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ أي :على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عنده كما قال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وهو يسوي الصفوف :" قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض ".
وقد وردت أحاديثُ كثيرة في الترغيب في ذلك، فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها " قالوا :يا رسول الله، أفلا نبشر الناسَ بذلك ؟ فقال :" إن في الجنة مائةَ درجة، أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض، فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة. وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تُفَجَّر أنهار الجنة " ٣.
ورُوي من حديث معاذ وأبي الدرداء وعُبادة نحو ذلك.
وعن أبي سعيد الخدْري أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" يا أبا سعيد، من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيًا، وجبت له الجنة " قال :فعجب لها أبو سعيد فقال :أعدها عليَّ يا رسول الله. ففعل. ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وأخرى يرفع الله بها العبد مائة درجة في الجنة، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض " قال :وما هي يا رسول الله ؟ قال :" الجهاد في سبيل الله " رواه مسلم٤.
وقوله : ﴿ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ أي :بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.
وقوله : ﴿ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلا ﴾ أي :هو قادر عليهم في الدنيا والآخرة، كما قال [ تعالى ]٥ ﴿ ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مَنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ ] ٦ [ محمد :٤ ].
١ زيادة من ر، أ..
٢ ذكره السيوطي في الدر (٢/٦٠٢) ووجه غرابته أنه روي موقوفا من عدة وجوه، ولم يرو مرفوعا إلا من هذا الوجه..
٣ صحيح البخاري برقم (٢٧٩٠).
.

٤ صحيح مسلم برقم (١٨٨٤).
٥ زيادة من ر..
٦ زيادة من ر، ا، وفي هـ: "الآية"..
وقوله : ﴿ مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا ﴾ أي :من سعى في أمر، فترتب عليه خير، كان له نصيب من ذلك ﴿ وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا ﴾ أي :يكون عليه وزر من ذلك الأمر الذي ترتب على سعيه ونيته، كما ثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" اشفعوا تؤجروا ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء ".
وقال مجاهد بن جَبْر :نزلت هذه الآية في شفاعات الناس بعضهم لبعض.
وقال الحسن البصري :قال الله تعالى : ﴿ مَنْ يَشْفَعْ ﴾ ولم يقل :من يُشَفَّع.
وقوله : ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ قال ابن عباس، وعطاء، وعطية، وقتادة، ومطر الوراق : ﴿ مُقِيتًا ﴾ أي :حفيظا. وقال مجاهد :شهيدا. وفي رواية عنه :حسيبا. وقال سعيد بن جبير، والسدي، وابن زيد :قديرا. وقال عبد الله بن كثير :المقيت :الواصب١ وقال الضحاك :المقيت :الرزاق.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا عبد الرحيم بن مطرف، حدثنا عيسى بن يونس، عن إسماعيل، عن رجل، عن عبد الله بن رواحة، وسأله رجل عن قول الله : ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا ﴾ قال :يُقيت كلّ إنسان على قدر عمله٢.
١ في ر: "المواضب"..
٢ في ر: "بقدر عمله"..
وقوله : ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ أي :إذا سلم عليكم المسلم، فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم [ به ]١ فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.
قال ابن جرير :حدثني موسى بن سهل الرملي، حدثنا عبد الله بن السَّري الأنطاكي، حدثنا هشام بن لاحق، عن عاصم الأحول، عن أبي عثمان النَّهْدي، عن سلمان الفارسي قال :جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :السلام عليك يا رسول الله. فقال :" وعليك السلام ورحمة الله ". ثم أتى آخر فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم :" وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ". ثم جاء آخر فقال :السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال له :" وعليك " فقال له الرجل :يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، أتاك فلان وفلان فسلما عليك فرددت عليهما أكثر مما رددت علي. فقال :" إنك لم تدع لنا شيئا، قال الله تعالى : ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ فرددناها عليك ".
وهكذا رواه ابن أبي حاتم معلقا فقال :ذكر عن أحمد بن الحسن الترمذي، حدثنا عبد الله بن السري - أبو محمد الأنطاكي - قال أبو الحسن :وكان رجلا صالحا - حدثنا هشام بن لاحق، فذكر بإسناده مثله.
ورواه أبو بكر بن مردويه :حدثنا عبد الباقي بن قانع، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا هشام بن لاحق أبو عثمان، فذكره بمثله، ولم أره في المسند٢ والله٣ أعلم.
وفي هذا الحديث دلالة على أنه لا زيادة في السلام على هذه الصفة :السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إذ لو شرع أكثر من ذلك، لزاده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال الإمام أحمد :حدثنا محمد بن كثير - أخو سليمان بن كثير - حدثنا جعفر بن سليمان، عن عوف، عن أبي رجاء العُطَاردي، عن عمران بن حُصَين ؛ أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال :السلام عليكم٤ فرد عليه ثم جلس، فقال :" عَشْرٌ ". ثم جاء آخر فقال :" السلام عليكم٥ ورحمة الله. فرد عليه، ثم جلس، فقال :" عشرون ". ثم جاء آخر فقال :السلام عليكم٦ ورحمة الله وبركاته. فرد عليه، ثم جلس، فقال :" ثلاثون ".
وكذا رواه أبو داود عن محمد بن كثير، وأخرجه الترمذي والنسائي والبزار من حديثه، ثم قال الترمذي :حسن غريب من هذا الوجه، وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حُنَيف [ رضي الله عنهم ]٧.
وقال البزَّار :قد روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه، هذا أحسنها إسنادا٨ وقال ابن أبي حاتم :حدثنا علي بن حرب الموصلي، حدثنا حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي٩ عن الحسن بن صالح، عن سِمَاك، عن عكرمة عن ابن عباس قال :من يسلم١٠ عليك من خلق الله، فاردد عليه وإن كان مجوسيا ؛ ذلك بأن الله يقول : ﴿ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾
وقال قتادة : ﴿ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ﴾ يعني :للمسلمين ﴿ أَوْ رُدُّوهَا ﴾ يعني :لأهل الذمة.
وهذا التنزيل فيه نظر، بل كما تقدم في الحديث من أن المراد أن يرد بأحسن مما حياه به، فإن بلغ المسلم غاية ما شرع في السلام ؛ رد عليه مثل ما قال، فأما أهل الذمة فلا يُبْدؤون١١ بالسلام ولا يزادون، بل يرد عليهم بما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم :السام عليك فقل :وعليك " ١٢.
وفي صحيح مسلم، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا تبدؤوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه " ١٣.
وقال سفيان الثوري، عن رجل، عن الحسن البصري قال :السلام تطوع، والرد فريضة.
وهذا الذي قاله هو قول العلماء قاطبة :أن الرد واجب على من سلم عليه، فيأثم إن لم يفعل ؛ لأنه خالف أمر الله في قوله : ﴿ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾ وقد جاء في الحديث الذي رواه١٤.
١ زيادة من د، ر، أ.
.

٢ في تفسير الطبري (٨/٥٨٩) وفي إسناده عبد الله بن السري. قال أبو نعيم: "يروي المناكير لا شيء". لكن تابعه الإمام أحمد في رواية ابن مردويه، فرواه عن هشام به، وهشام بن لاحق مختلف فيه، وروايته عن عاصم الأحول متكلم فيها. قال الإمام أحمد: "رفع عن عاصم أحاديث لم ترفع، أسندها هو إلى سلمان"..
٣ في ر: "فالله"..
٤ في أ: "عليك"..
٥ في أ: "عليك"..
٦ في أ: "عليك"..
٧ زيادة من أ..
٨ سنن أبي داود برقم (١٥٩٥) وسنن الترمذي برقم (٢٦٨٩) وسنن النسائي برقم (١٠١٦٩)..
٩ في أ: "الرقاشي"..
١٠ في د، ر: "من سلم".
.

١١ في ر: "يبتدئون"..
١٢ رواه البخاري في صحيحه برقم (٦٢٥٧) ومسلم في صحيحه برقم (٢١٦٤)..
١٣ صحيح مسلم برقم (٢١٦٧)..
١٤ بياض بجميع النسخ، وفي نسخة مساعدة [أبو داود بسنده إلى أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم].
.

وقوله : ﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ﴾ إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، وتضمَّن قسما، لقوله : ﴿ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ ﴾ وهذه اللام موطئة للقسم، فقوله : ﴿ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ ﴾ خبر وقَسَم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد فيجازي كل عامل بعمله.
وقوله تعالى : ﴿ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا ﴾ أي :لا أحد أصدق منه في حديثه وخبره، ووعده ووعيده، فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.
يقول تعالى منكرا على المؤمنين في اختلافهم في المنافقين على قولين، واختلف في سبب ذلك، فقال الإمام أحمد :
حدثنا بَهْز، حدثنا شعبة، قال عدي بن ثابت :أخبرني عبد الله بن يزيد، عن زيد بن ثابت :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى أُحُد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم فرقتين :فرقة تقول :نقتلهم. وفرقة تقول :لا١ فأنزل الله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنها طَيْبة، وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة ".
أخرجاه في الصحيحين، من حديث شعبة٢.
وقد ذكر محمد بن إسحاق بن يَسار في وقعة أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول رجع يومئذ بثلث الجيش، رجع بثلاثمائة وبقي النبي صلى الله عليه وسلم في سبعمائة.
وقال العوفي، عن ابن عباس :نزلت في قوم كانوا بمكة، قد تكلموا بالإسلام، كانوا يظاهرون المشركين، فخرجوا من مكة يطلبون٣ حاجة لهم، فقالوا :إن لقينا أصحاب محمد فليس علينا منهم بأس، وأن المؤمنين لما أخبروا أنهم قد خرجوا من مكة، قالت فئة من المؤمنين :اركبوا إلى الجبناء فاقتلوهم، فإنهم يظاهرون عليكم عدوكم. وقالت فئة أخرى من المؤمنين :سبحان الله ! أو كما قالوا :أتقتلون قوما قد تكلموا بمثل ما تكلمتم به ؟ أمِنْ أجل أنهم لم يهاجروا ولم يتركوا ديارهم تستحل دماؤهم وأموالهم. فكانوا كذلك فئتين، والرسول عندهم لا ينهى واحدا من الفريقين٤ عن شيء فأنزل الله : ﴿ فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ ﴾
رواه ابن أبي حاتم، وقد رُوي عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعكرمة ومجاهد والضحاك وغيرهم قريب من هذا.
وقال زيد بن أسلم، عن ابنٍ لسعد بن معاذ :أنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبيّ، حين استعذر منه رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر في قضية الإفك.
وهذا غريب، وقيل غير ذلك.
وقوله : ﴿ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا ﴾ أي :ردهم وأوقعهم في الخطأ.
قال ابن عباس : ﴿ أَرْكَسَهُمْ ﴾ أي :أوقعهم. وقال قتادة :أهلكهم. وقال السدي :أضلهم.
وقوله : ﴿ بِمَا كَسَبُوا ﴾ أي :بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول واتباعهم الباطل.
﴿ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا ﴾ أي :لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه.
١ في د: "غير ذلك"..
٢ المسند (٥/١٨٤) وصحيح البخاري برقم (١٨٨٤، ٤٠٥٠) وصحيح مسلم برقم (١٣٨٤)..
٣ في د: "يريدون"..
٤ في ر: "منهم".
.

ثم قال : ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً ﴾ أي :هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم ؛ ولهذا قال : ﴿ فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا ﴾ أي :تركوا الهجرة، قاله العوفي عن ابن عباس. وقال السدي :أظهروا كفرهم ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ﴾ أي :لا توالوهم ولا تستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك.
ثم استثنى الله، سبحانه من هؤلاء فقال : ﴿ إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾ أي :إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم١ كحكمهم. وهذا قول السدي، وابن زيد، وابن جرير.
وقد روى ابن أبي حاتم :حدثنا أبي حدثنا أبو سلمة حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جُدْعان، عن الحسن :أن سراقة بن مالك المدلجي حدثهم قال :لما ظهر - يعني النبي صلى الله عليه وسلم - على أهل بدر وأُحُد، وأسلم من حولهم قال سراقة :بلغني أنه يريد أن يبعث خالد بن الوليد إلى قومي - بني مُدْلج - فأتيته٢ فقلت :أَنْشُدُك النعمة. فقالوا :صه٣ فقال النبي صلى الله عليه وسلم :" دعوه، ما تريد ؟ ". قال :بلغني أنك تريد أن تبعث إلى قومي، وأنا أريد أن توادعهم، فإن أسلم قومك أسلموا ودخلوا في الإسلام، وإن لم يسلموا لم تَخْشُن٤ قلوب قومك عليهم. فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيد خالد بن الوليد فقال :" اذهب معه فافعل ما يريد ". فصالحهم خالد على ألا يعينوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن أسلمت قريش أسلموا معهم، [ ومن وصل إليهم من الناس كانوا على مثل عهدهم ]٥ فأنزل الله : ﴿ وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ ﴾
ورواه ابن مردويه من طريق حماد بن سلمة، وقال٦ فأنزل الله : ﴿ إِلا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ ﴾ فكان من وصل إليهم كانوا معهم على عهدهم٧ وهذا أنسب لسياق الكلام.
وفي صحيح البخاري في قصة صلح الحديبية فكان من أحب أن يدخل في صلح قريش وعهدهم، ومن أحب أن يدخل في صلح محمد وأصحابه وعهدهم.
وقد روي عن ابن عباس أنه قال :نسخها قوله : ﴿ فَإِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ [ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ] ﴾ [ التوبة :٥ ].
وقوله : ﴿ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ [ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ ]٨ الآية، هؤلاء قوم آخرون من المُسْتَثنَين عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حَصِرَةٌ صدورهم أي :ضيقة صدورهم مُبْغضين٩ أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضا أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم. ﴿ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ ﴾ أي :من لطفه بكم أن كفهم عنكم ﴿ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ ﴾ أي :المسالمة ﴿ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلا ﴾ أي :فليس لكم أن تقتلوهم، ما دامت حالهم١٠ كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عن قتل العباس وعبّر١١ بأسره.
١ في أ: "حكمكم"..
٢ في د: فأتيت"..
٣ في أ: "مه"..
٤ في د: "لم تحزن" وفي ر: "لم يحسن"..
٥ زيادة من أ..
٦ في د: "وفيه"..
٧ رواه ابن أبي شيبة في المصنف (١٤/٢٣٢) حدثنا أسود بن عامر عن حماد بن سلمة به..
٨ زيادة من د..
٩ في د: "منقبضين".
١٠ في أ: "حالتهم"..
١١ في د، أ: "وأمر"..
وقوله : ﴿ سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ [ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ]١ الآية، هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي صلى الله عليه وسلم ولأصحابه الإسلام ؛ ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى : ﴿ وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ [ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ ]٢ [ البقرة :١٤ ] وقال هاهنا : ﴿ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا ﴾ أي :انهمكوا فيها.
وقال السدّي :الفتنة هاهنا :الشرك. وحكى ابن جرير، عن مجاهد :أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ ﴾ أي :عن القتال ﴿ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ﴾ أي :أين لقيتموهم ﴿ وَأُولَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا ﴾ أي :بيِّنا واضحا.
١ زيادة من د، ر، أ..
٢ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية".
.

يقول تعالى :ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه، كما ثبت في الصحيحين، عن ابن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث :النفس بالنفس، والثيب الزاني، والتارك لدينه المفارق للجماعة " ١.
ثم إذا وقع شيء من هذه الثلاث، فليس لأحد من آحاد الرعية أن يقتله، وإنما ذلك إلى الإمام أو نائبه.
وقوله : ﴿ إِلا خَطَأً ﴾ قالوا :هو استثناء منقطع، كقول الشاعر٢
من البيض لم تَظْعن بعيدا ولم تَطَأ على الأرض إلا رَيْطَ بُرْد مُرَحَّل٣.
ولهذا شواهد كثيرة.
واختلف في سبب نزول هذه [ الآية ]٤ فقال مجاهد وغير واحد :نزلت في عياش٥ بن أبي ربيعة أخي أبي جهل لأمه - وهي أسماء بنت مُخَرِّبَة٦ - وذلك أنه قتل رجلا كان يعذبه مع أخيه على الإسلام، وهو الحارث بن يزيد العامري، فأضمر له عَيّاش السوء، فأسلم ذلك الرجل وهاجر، وعياش لا يشعر، فلما كان يوم الفتح رآه، فظن أنه على دينه، فحمل عليه فقتله. فأنزل الله هذه الآية٧.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم :نزلت في أبي الدرداء ؛ لأنه قتل رجلا وقد قال كلمة الإسلام٨ حين رفع٩ السيف، فأهوى به إليه، فقال كلمته، فلما ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم قال :إنما قالها متعوذا. فقال له :" هل شققت عن قلبه " ١٠ [ وهذه القصة في الصحيح لغير أبي الدرداء ]١١.
وقوله : ﴿ وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ [ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا ]١٢ هذان واجبان في قتل الخطأ، أحدهما :الكفارة لما ارتكبه من الذنب العظيم، وإن كان خطأ، ومن شرطها أن تكون عتق رقبة مؤمنة فلا تجزئ الكافرة.
وحكى ابن جرير، عن ابن عباس والشعبي وإبراهيم النَّخَعِي والحسن البصري أنهم قالوا :لا يجزئ الصغير حتى يكون قاصدًا للإيمان. وروي من طريق عبد الرزاق١٣ عن معمر، عن قتادة قال :في حرف، أبي : ﴿ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ لا يجزئ فيها صبي.
واختار ابن جرير إن كان مولودًا بين أبوين مسلمين أجزأ، وإلا فلا. والذي عليه الجمهور :أنه متى كان مسلمًا صح عتقه عن الكفارة، سواء كان صغيرًا أو كبيرًا.
وقال الإمام أحمد :أنبأنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزُّهري، عن عبد الله بن عبد الله، عن رجل من الأنصار ؛ أنه جاء بِأَمَةٍ سوداء، فقال :يا رسول الله، إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة أعتقتها. فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ " قالت :نعم. قال :" أتشهدين أني رسول الله ؟ " قالت نعم. قال :" أتؤمنين بالبعث بعد الموت ؟ " قالت :نعم، قال :" أعتقها ".
وهذا إسناد صحيح، وجهالة الصحابي لا تضر١٤.
وفي موطأ [ الإمام ]١٥ مالك ومسندي الشافعي وأحمد، وصحيح مسلم، وسنن١٦ أبي داود والنسائي، من طريق هلال بن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن معاوية بن الحكم أنه لما جاء بتلك الجارية السوداء قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أين الله ؟ " قالت :في السماء. قال :" من أنا " قالت :أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" أعتقها فإنها مؤمنة " ١٧.
وقوله : ﴿ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ﴾ هو الواجب الثاني فيما بين القاتل وأهل القتيل، عوضا لهم عما فاتهم من قريبهم. وهذه الدية إنما تجب أخماسا، كما رواه الإمام أحمد وأهل السنن، من حديث الحجاج بن أرطأة، عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك، عن ابن مسعود قال :قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في دية الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين بني مخاض ذكورا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جَذَعة١٨ وعشرين حِقَّة.
لفظ النسائي، وقال الترمذي :لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، وقد روي عن عبد الله موقوفا١٩.
وكذا روي عن [ علي و ]٢٠ طائفة.
وقيل :تجب أرباعا. وهذه الدية إنما تجب على عاقلة القاتل، لا في ماله، قال الشافعي، رحمه الله :لم أعلم مخالفا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالدية على العاقلة، وهو أكثر٢١ من حديث الخاصة٢٢ وهذا الذي أشار إليه، رحمه الله، قد ثبت في غير ما حديث، فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال :اقتتلت امرأتان من هُذَيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقضى أن دية جنينها غُرَّة عبد أو أمة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها٢٣.
وهذا يقتضي أن حكم عمد الخطأ حكم الخطأ المحض في وجوب الدية، لكن هذا تجب فيه الدية أثلاثا كالعمد، لشبهه به.
وفي صحيح البخاري، عن عبد الله بن عمر قال :بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا :أسلمنا. فجعلوا يقولون :صبأنا صبأنا. فجعل خالد يقتلهم، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرفع يديه وقال :" اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد ". وبعث عليا فودى قتلاهم وما أتلف من أموالهم، حتى مِيلَغة الكلب٢٤.
وهذا [ الحديث ]٢٥ يؤخذ منه أن خطأ الإمام أو نائبه يكون في بيت المال.
وقوله : ﴿ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا ﴾ أي :فتجب فيه الدية مسلمة إلى أهله إلا أن يتصدقوا٢٦ بها فلا تجب.
وقوله : ﴿ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ﴾ أي :إذا كان القتيل مؤمنا، ولكن أولياؤه من الكفار أهل حرب، فلا دية لهم، وعلى القاتل٢٧ تحرير رقبة مؤمنة لا غير.
وقوله : ﴿ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ [ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ] ﴾٢٨ الآية، أي :فإن كان القتيل أولياؤه أهل ذمة أو هدنة، فلهم دية قتيلهم، فإن كان مؤمنا فدية كاملة، وكذا إن كان كافرا أيضا عند طائفة من العلماء. وقيل :يجب في الكافر نصف دية المسلم، وقيل :ثلثها، كما هو مفصل في [ كتاب الأحكام ]٢٩ ويجب أيضا على القاتل تحرير رقبة مؤمنة.
﴿ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ﴾ أي :لا إفطار بينهما، بل يسرد٣٠ صومهما إلى آخرهما، فإن أفطر من غير عذر، من مرض أو حيض أو نفاس، استأنف. واختلفوا في السفر :هل يقطع أم لا ؟ على قولين.
وقوله : ﴿ تَوْبَةً مِنَ اللهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ أي :هذه توبة القاتل خطأ إذا لم يجد العتق صام شهرين متتابعين.
واختلفوا فيمن لا يستطيع الصيام :هل يجب عليه إطعام ستين مسكينا، كما في كفارة الظهار ؟ على قولين ؛ أحدهما :نعم. كما هو منصوص عليه في كفارة الظهار، وإنما لم يذكر هاهنا ؛ لأن هذا مقام تهديد وتخويف وتحذير، فلا يناسب أن يذكر فيه الإطعام لما فيه من التسهيل والترخيص. القول الثاني :لا يعدل إلى الإطعام ؛ لأنه لو كان واجبا لما أخر بيانه عن وقت الحاجة.
﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا ﴾ قد تقدم تفسيره غير مرة.
١ صحيح البخاري برقم (٦٨٧٨) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٦)..
٢ هو جرير بن عطية الغطفي، والبيت في تفسير الطبري (٩/٣١)..
٣ في ر: "مرجل"..
٤ زيادة من أ..
٥ في أ: "عباس".
.

٦ في ر: "محزبة"..
٧ رواه الطبري في تفسيره (٩/٣٣)..
٨ في ر: "الإيمان"..
٩ في أ: "رفع عليه"..
١٠ رواه الطبري في تفسيره (٩/٣٤)..
١١ زيادة من ر، أ..
١٢ زيادة من د..
١٣ في أ "عبد العزيز"..
١٤ المسند (٣/٤٥١)..
١٥ زيادة من أ..
١٦ في ر، أ: "وسنني".
.

١٧ الموطأ (٢/٧٧٧) ومسند الشافعي برقم (١١٩٦) "بدائع المنن" ومسند أحمد (٥/٤٤٧) صحيح مسلم برقم (٥٣٧) وسنن أبي داود برقم (٢٣٨٤) وسنن النسائي (٣/١٤)..
١٨ في ر، أ "جزعا"..
١٩ المسند (١/٣٨٤) وسنن النسائي (٨/٤٣) وسنن أبي داود برقم (٤٥٤٥) وسنن الترمذي برقم (١٣٨٦) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦٣١)..
٢٠ زيادة من ر، أ..
٢١ في أ: "أكبر"..
٢٢ الأم (٦/١٠١).
٢٣ صحيح البخاري برقم (٦٩١٠) وصحيح مسلم برقم (١٦٨١)..
٢٤ صحيح البخاري برقم (٧١٨٩)..
٢٥ زيادة من أ..
٢٦ في ر: "يصدقوا"
.

٢٧ في ر، أ: "قاتله"..
٢٨ زيادة من ر، أ..
٢٩ زيادة من ر، أ..
٣٠ في أ: "يرد"..
ثم لما بين تعالى حكم القتل الخطأ، شرع في بيان حكم القتل العمد، فقال : ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا [ فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ] ﴾١ وهذا تهديد شديد ووعيد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول، سبحانه، في سورة الفرقان : ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ [ وَلا يَزْنُونَ ]٢ الآية [ الفرقان :٦٨ ] وقال تعالى : ﴿ قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ﴾ [ إلى أن قال :
﴿ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾٣ [ الأنعام :١٥١ ].
والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جدا. من ذلك ما ثبت في الصحيحين عن ابن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء " ٤ وفي الحديث الآخر الذي رواه أبو داود، من رواية عمرو بن الوليد بن عبدة المصري، عن عبادة بن الصامت قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يزال المؤمن مُعنقا٥ صالحا ما لم يصب دما حراما، فإذا أصاب دما حراما بَلَّح " ٦ وفي حديث آخر :" لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم " ٧ وفي الحديث الآخر :" لو أجمع٨ أهل السموات والأرض على قتل رجل مسلم، لأكبهم الله في النار " ٩ وفي الحديث الآخر :" من أعان على قتل مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه :آيس من رحمة الله " ١٠.
وقد كان ابن عباس، رضي الله عنهما، يرى أنه لا توبة للقاتل عمدا لمؤمن.
وقال البخاري :حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا مغيرة بن النعمان قال :سمعت ابن جبير قال :اختلف فيها أهل الكوفة، فَرَحَلْتُ إلى ابن عباس فسألته عنها فقال :نزلت هذه الآية : ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ [ خَالِدًا ]١١ هي آخر ما نزل١٢ وما نسخها شيء.
وكذا رواه هو أيضا ومسلم والنسائي من طرق، عن شعبة، به١٣ ورواه أبو داود، عن أحمد بن حنبل، عن ابن مهدي، عن سفيان الثوري، عن مغيرة بن النعمان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في١٤ قوله : ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا ﴾ فقال :لم ينسخها شيء.
[ وقال ابن جرير :حدثنا ابن بشار حدثنا ابن أبي عدي حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال :قال عبد الرحمن بن أبزة :سئل ابن عباس عن قوله : ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا ﴾ فقال :لم ينسخها شيء ]١٥ وقال في هذه الآية : ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ [ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا ] ١٦ [ الفرقان :٦٨ ] قال نزلت في أهل الشرك١٧.
وقال ابن جرير :حدثنا ابن حميد، حدثنا جرير، عن منصور، حدثني سعيد بن جبير - أو حدثنى الحكم، عن سعيد بن جبير - قال :سألت ابن عباس عن قوله [ تعالى ]١٨ ﴿ وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ قال :إن الرجل إذا عرف الإسلام وشرائع الإسلام، ثم قتل مؤمنا متعمدا، فجزاؤه جهنم ولا توبة له. فذكرت ذلك لمجاهد فقال :إلا من ندم.
حدثنا ابن حميد، وابن وَكِيع قالا حدثنا جرير، عن يحيى الجابر، عن سالم بن أبي الجَعْد قال :كنا عند ابن عباس بعد ما كُف بصره، فأتاه رجل فناداه :يا عبد الله بن عباس، ما ترى في رجل قتل مؤمنا متعمدا ؟ فقال : ﴿ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ﴾ قال :أفرأيت إن تاب وعمل صالحا ثم اهتدى ؟ قال ابن عباس :ثكلته أمه، وأنى له التوبة والهدى ؟ والذي نفسي بيده ! لقد سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول :" ثكلته أمه، قاتل مؤمن١٩ متعمدا، جاء يوم القيامة آخذه بيمينه أو بشماله، تشخب أوداجه دمًا في قُبُل عرش الرحمن، يلزم قاتله بشماله بيده الأخرى، يقول :سل هذا فيم قتلني " ٢٠ ؟ وايم الذي نفس عبد الله بيده ! لقد أنزلت هذه الآية، فما نسختها من آية حتى قبض نبيكم صلى الله عليه وسلم، وما نزل بعدها من برهان.
وقال الإمام أحمد :حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، سمعت يحيى بن المُجَبَّر يحدث عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس ؛ أن رجلا أتاه فقال :أرأيت رجلا قتل رجلا متعمدا ؟ فقال : ﴿ جَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا [ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا ]٢١ قال :لقد نزلت في آخر ما نزل، ما نسخها شيء حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما نزل وحي بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال :أرأيت إن تاب وآمن وعمل صالحًا ثم اهتدى ؟ قال :وأنى له بالتوبة. وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول :" ثكلته أمه، رجل قتل رجلا متعمدا، يجيء يوم القيامة آخذا قاتله بيمينه أو بيساره - وآخذا رأسه بيمينه أو بشماله - تَشْخَب أوداجه دما من قبل العرش يقول :يا رب، سل عبدك فيم قتلني ؟ ".
وقد رواه النسائي عن قتيبة٢٢ وابن ماجه عن محمد بن الصباح، عن سفيان بن عيينة، عن عمار الدُّهني، ويحيى الجابر وثابت الثمالي٢٣ عن سالم بن أبي الجعد، عن ابن عباس، فذكره٢٤ وقد روي هذا عن ابن عباس من طرق كثيرة.
وممن ذهب إلى أنه لا توبة له من السلف :زيد بن ثابت، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمر، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد بن عمر، والحسن، وقتادة، والضحاك بن مزاحم، نقله ابن أبي حاتم.
وفي الباب أحاديث كثيرة :من ذلك ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في تفسيره :حدثنا دَعْلَج بن أحمد، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد البُوشَنْجي وحدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن فهد قالا حدثنا عبيد بن عبيدة، حدثنا مُعْتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الأعمش، عن أبي عمرو بن شُرَحْبِيل، عن عبد الله بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" يجيء المقتول متعلقا بقاتله يوم القيامة، آخذًا رأسه بيده الأخرى فيقول :يا رب، سل هذا فيم قتلني ؟ " قال :" فيقول :قتلته لتكون العزة لك. فيقول :فإنها لي ". قال :" ويجيء آخر متعلقا بقاتله فيقول :رب، سل هذا فيم قتلني ؟ " قال :" فيقول قتلته لتكون العزة لفلان ". قال :" فإنها ليست له بؤْ بإثمه ". قال :" فيهوى في النار سبعين خريفا ".
وقد رواه عن النسائي، عن إبراهيم بن المُسْتَمِرِّ العَوْفي، عن عمرو بن عاصم، عن معتمر بن سليمان، به٢٥
حديث آخر :قال الإمام أحمد :حدثنا صفوان بن عيسى، حدثنا ثور بن يزيد، عن أبي عون، عن أبي إدريس قال :سمعت معاوية، رضي الله عنه، يقول :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، أو الرجل يقتل مؤمنا متعمدا ".
وكذا رواه النسائي، عن محمد بن المثنى، عن صفوان بن عيسى، به٢٦.
وقال ابن مردويه :حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا سَمُّوَيْه، حدثنا عبد الأعلى بن مُسْهِر، حدثنا صَدَقَةُ بن خالد، حدثنا خالد بن دِهْقان، حدثنا ابن أبي زكريا قال :سمعت أم الدرداء تقول :سمعت أبا الدرداء يقول :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا من مات مشركا، أو من قتل مؤمنا متعمدا ".
وهذا غريب جدا من هذا الوجه. والمحفوظ حديث معاوية المتقدم٢٧ فالله أعلم.
ثم روى ابن مَردويه من طريق بَقَيَّةَ بن الوليد، عن نافع بن يزيد، حدثني ابن جبير الأنصاري، عن داود بن الحُصَين، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" من قتل مؤمنا متعمدا فقد كفر بالله عز وجل ".
وهذا حديث منكر أيضا، وإسناده تُكُلم٢٨ فيه جدا٢٩.
وقال الإمام أحمد :حدثنا النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، حدثنا حميد قال :أتاني أبو العالية أنا وصاحب لي، فقال لنا :هلما فأنتما أشب شيئًا مني، وأوعى للحديث مني، فانطلق بنا إلى بِشْر بن عاصم - فقال له أبو العالية :حدث هؤلاء حديثك. فقال :حدثنا عقبة بن مالك الليثي قال :بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، فأغارت على قوم، فشد من القوم رجل، فاتبعه رجل من السرية شاهرا سيفه فقال الشاد من القوم :إني مسلم. فلم ينظر فيما قال، فضربه فقتله، فَنَمَى الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولا شديدا، فبلغ القاتلَ. فبينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب، إذ قال القاتلُ :والله ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل. قال :فأعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم قال أيضا :يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأعرض عنه وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر، فقال الثالثة :والله يا رسول الله ما قال إلا تعوذا من القتل.
فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم تُعْرف المساءةُ في وجهه، فقال :" إن الله أبى على من قتل مؤمنا " ثلاثًا.
ورواه النسائي من حديث سليمان بن المغيرة٣٠
والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها :أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه عز وجل، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملا صالحا، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته.
قال الله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ [ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا ]٣١. إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا [ فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ]٣٢ [ الفرقان :٦٨، ٦٩ ] وهذا خبر لا يجوز نسخه. وحمله على المشركين، وحمل هذه الآية على المؤمنين خلاف الظاهر، ويحتاج حمله إلى دليل، والله أعلم.
وقال تعالى : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ [ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ]٣٣ [ الزمر :٥٣ ] وهذا عام في جميع الذنوب، من كفر وشرك، وشك ونفاق، وقتل وفسق، وغير ذلك :كل من تاب من أي ذلك تاب الله عليه.
وقال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ [ النساء :٤٨ ]. فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك، وهي مذكورة في هذه السورة الكريمة بعد هذه الآية وقبلها، لتق
١ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢ زيادة من ر، أ..
٣ زيادة من ر، أ، وفي هـ: الآية..
٤ صحيح البخاري برقم (٦٨٦٤) وصحيح مسلم برقم (١٦٧٨)..
٥ في ر: "مستعفا"..
٦ سنن أبي داود برقم (٤٢٧٠).
.

٧ روي من حديث عبد الله بن عمرو، ومن حديث البراء بن عازب، أما حديث عبد الله بن عمرو، فرواه الترمذي في السنن برقم (١٣٩٥)، والنسائي في السنن (٧/٨٢) وهذا هو لفظه..
٨ في أ: "لو اجتمعت"..
٩ رواه الطبراني في المعجم الصغير برقم (٥٦٥) من طريق جعفر بن جبير بن فرقد عن أبيه عن الحسن عن أبي بكرة رضي الله عنه. قال الهيثمي في المجمع (٧/٢٩٧): "فيه جسر بن فرقد، وهو ضعيف".
١٠ رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٢٠) من طريق يزيد بن زياد عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال الذهبي رحمه الله: "هذا حديث باطل موضوع"..
١١ زيادة من أ..
١٢ في ر، أ: "ما نزلت"..
١٣ صحيح البخاري برقم (٤٥٩٠) وصحيح مسلم برقم (٣٠٢٣) وسنن النسائي (٨/٦٢)..
١٤ في د، ر: "عن"..
١٥ زيادة من أ..
١٦ زيادة من ر، أ..
١٧ سنن أبي داود برقم (٤٢٧٥)..
١٨ زيادة من ر.
.

١٩ في د: "مؤمنا"..
٢٠ تفسير الطبري (٩/٦٢، ٦٣)..
٢١ زيادة من ر..
٢٢ في أ: "قتادة".
٢٣ في أ: "البناني"..
٢٤ المسند (١/٢٤٠) وسنن النسائي (٨/٦٣) وسنن ابن ماجة برقم (٢٦٢١).
.

٢٥ سنن النسائي (٧/٨٤) ورواه أبو نعيم في الحلية (٤/١٤٧) والطبراني في المعجم الكبير (١٠/١١٩) وقال أبو نعيم: "غريب من حديث سليمان التيمي عن الأعمش لم يروه عنه إلا ابنه معتمر، ورواه عمرو بن عاصم عن معتمر مثله"..
٢٦ المسند (٤/٩٩) وسنن النسائي (٧/٨١)..
٢٧ ورواه أبو داود في سننه برقم (٤٢٧٠) وابن حبان في صحيحه برقم (٥١) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/٢١) من طريق خالد بن دهقان به.
وقول الحافظ ابن كثير، رحمه الله، هنا: "غريب جدا من هذا الوجه" لم يتبين لي سبب ذلك، على أن حديث أبي الدرداء أقوى من حديث معاوية، ففي إسناد حديث معاوية (أبو عون) لم يوثقه سوى ابن حبان، أما حديث أبي الدرداء فرجاله كلهم ثقات..

٢٨ في ر، أ: "مظلم"..
٢٩ ورواه ابن عدي في الكامل (٣/٢٠٣) من طريق بقية به، ثم قال: "وهذه الأحاديث عن زيد عن داود عن نافع عن ابن عمر غير محفوظات، يرويه عن داود زيد بن جبيرة"، وزيد بن جبيرة منكر الحديث لا يتابع على حديثه.
.

٣٠ المسند (٥/٢٨٨) وسنن النسائي الكبرى برقم (٨٥٩٣)..
٣١ زيادة من ر، أ، وفي هـ "إلى قوله"..
٣٢ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٣٣ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
[ قوله عز وجل ]١
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾
قال الإمام أحمد :حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْر، وحسين بن محمد، وخلف بن الوليد، قالوا :حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال :مر رجل من بني سليم بنفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسوق غنما له، فسلم عليهم فقالوا :ما سلم علينا إلا ليتعوذ منا. فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النبي صلى الله عليه وسلم فنزلت هذه الآية : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا [ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا ]٢ إلى آخرها.
ورواه الترمذي في التفسير، عن عبد بن حميد، عن عبد العزيز بن أبي رِزْمَة، عن إسرائيل، به. وقال :هذا حديث حسن، وفي الباب عن أسامة بن زيد. ورواه الحاكم من طريق عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، به. ثم قال :صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ورواه ابن جرير من حديث عبيد الله بن موسى وعبد الرحيم بن سليمان، كلاهما عن إسرائيل، به٣ وقال في بعض كتبه غير التفسير - وقد رواه من طريق عبد الرحمن٤ فقط - :وهذا خبر عندنا صحيح سنده، وقد يجب أن يكون على مذهب الآخرين سقيما، لعلل منها :أنه لا يعرف له مخرج عن سِمَاك إلا من هذا الوجه، ومنها :أن عكرمة في روايته عندهم نظر، ومنها :أن الذي أنزلت فيه الآية مختلف فيه، فقال بعضهم :أنزلت في مُحَلِّم٥ بن جَثَّامَةَ، وقال بعضهم :أسامة بن زيد. وقيل غير ذلك.
قلت :وهذا كلام غريب، وهو مردود من وجوه أحدها :أنه ثابت عن سِمَاك، حدث به عنه غير واحد من الكبار. الثاني :أن عكرمة محتج به في الصحيح. الثالث :أنه مروي من غير هذا الوجه عن ابن عباس، كما قال البخاري :حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عطاء، عن ابن عباس : ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا ﴾ قال :قال ابن عباس :كان رجل في غُنَيْمَة له، فلحقه المسلمون، فقال :السلام عليكم. فقتلوه وأخذوا غُنَيمته [ فأنزل الله ذلك إلى قوله : ﴿ تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ تلك الغنيمة. قرأ ابن عباس( السلام ) وقال سعيد بن منصور :حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن ابن عباس قال :لحق المسلمون رجلا في غُنَيْمَة فقال :السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غُنَيْمَته ]٦ فنزلت : ﴿ وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتُ مُؤْمِنًا ﴾
ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم، من طريق سفيان بن عيينة، به٧
وأما قصة محلم٨ بن جَثَّامة فقال الإمام أحمد :حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، حدثني يزيد بن عبد الله بن قُسيط، عن القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله ابن أبي حدرد، رضي الله عنه، قال :بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى إضَم، فخرجت في نفر من المسلمين، فيهم :أبو قتادة الحارث بن رِبْعي، ومحلم٩ بن جَثَّامة بن قيس، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضَم مر بنا عامر بن الأضبط الأشجعي، على قَعُود له، معه مُتَيَّع ووَطْب من لبن، فلما مر بنا سلم علينا، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم١٠ بن جثامة فقتله، بشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره مُتَيَّعه، فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ ]١١ خَبِيرًا. ﴾
تفرد به أحمد١٢
وقال ابن جرير :حدثنا ابن وَكِيع، حدثنا جرير، عن ابن إسحاق، عن نافع ؛ أن ابن عمر قال :بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم مُحَلِّم١٣ بن جَثَّامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام وكانت بينهم حسنة في الجاهلية، فرماه محلم١٤ بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع :يا رسول الله، سن اليوم وغير غدا. فقال عيينة :لا والله، حتى تذوق نساؤه من الثُّكل ما ذاق نسائي. فجاء محلم١٥ في بردين، فجلس بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ليستغفر له، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا غَفَرَ الله لك ". فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت له سابعة حتى مات، ودفنوه، فلفظته١٦ الأرض، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكروا ذلك له، فقال :" إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم، ولكن الله أراد أن يعظكم من جرمتكم " ثم طرحوه بين صدفي جبل١٧ وألقوا عليه الحجارة، ونزلت : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِيَن آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُوا ﴾ الآية١٨.
وقال البخاري :قال حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد، عن ابن عباس قال :قال رسول الله١٩ صلى الله عليه وسلم للمقداد :" إذا كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلتَه، فكذلك كنت أنت تخفي إيمانك بمكة من قبل ".
هكذا ذكر البخاري هذا الحديث معلقا مختصرا٢٠ وقد روي مطولا موصولا فقال الحافظ أبو بكر البزار :
حدثنا حماد٢١ بن علي البغدادي، حدثنا جعفر بن سلمة، حدثنا أبو بكر بن علي٢٢ بن مُقَدَّم، حدثنا حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال :بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، فيها المقداد بن الأسود، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح فقال :أشهد أن لا إله إلا الله. وأهوى٢٣ إليه المقداد فقتله، فقال له رجل من أصحابه :أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله ؟ والله لأذكرَن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم. فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا :يا رسول الله، إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله، فقتله المقداد. فقال :" ادعوا لي المقداد. يا مقداد، أقتلت رجلا يقول :لا إله إلا الله، فكيف لك بلا إله إلا الله غدا ؟ ". قال :فأنزل الله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا ﴾ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمقداد :" كان رجل مؤمن يخفي إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه، فقتلْتَه، وكذلك كنت تخفي إيمانك بمكة قبل " ٢٤.
وقوله : ﴿ فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ ﴾ أي :خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام، وأظهر إليكم٢٥ الإيمان، فتغافلتم عنه، واتهمتموه بالمصانعة والتقية ؛ لتبتغوا عَرَضَ الحياة الدنيا، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا.
وقوله : ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ أي :قد كنتم من قبل هذه٢٦ الحال كهذا٢٧ الذي يُسرّ إيمانه ويخفيه من قومه، كما تقدم في الحديث المرفوع آنفا، وكما قال تعالى : ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأرْضِ [ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ ]٢٨ الآية [ الأنفال :٢٦ ]، وهذا هو مذهب سعيد بن جبير، كما رواه الثوري، عن حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ تخفون إيمانكم في المشركين.
ورواه عبد الرزاق، عن ابن جُرَيْج، أخبرني عبد الله بن كثير، عن سعيد بن جبير في قوله : ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ تستخفون بإيمانكم، كما استخفى٢٩ هذا الراعي بإيمانه.
وهذا اختيار ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم :وذُكر عن قيس، عن سالم، عن سعيد بن جبير قوله : ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ [ تورعون عن مثل هذا، وقال الثوري عن منصور، عن أبي الضحى، عن مسروق : ﴿ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ ﴾ ]٣٠ لم تكونوا مؤمنين ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ [ فَتَبَيَّنُوا ﴾ وقال السدي : ﴿ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ﴾ ]٣١ أي :تاب عليكم، فحلف أسامة لا يقتل٣٢ رجلا يقول :" لا إله إلا الله " بعد ذلك الرجل، وما لقي من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه.
وقوله : ﴿ فَتَبَيَّنُوا ﴾ تأكيد٣٣ لما تقدم. وقوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا ﴾ قال سعيد بن جبير :هذا تهديد ووعيد.
١ زيادة من ر..
٢ زيادة من ر، أ..
٣ المسند (١/٢٢٩) من طريق يحيى بن بكير، و(١/٢٧٢) من طريق حسين بن محمد وخلف بن الوليد، وسنن الترمذي برقم (٣٠٣٠) والمستدرك (٢/٢٣٥) وتفسير الطبري (٩/٧٦)..
٤ في أ: "عبد الرحيم".
.

٥ في ر، أ: "محكم"..
٦ زيادة من أ..
٧ صحيح البخاري برقم (٤٥٩١) وتفسير الطبري (٩/٧٥)..
٨ في ر: "محكم"..
٩ في ر: "محكم"..
١٠ في ر: "محكم"..
١١ زيادة من ر، وفي هـ: "إلى قوله تعالى"..
١٢ المسند (٦/١١)..
١٣ في ر: "محكم"..
١٤ في ر: "محكم"..
١٥ في ر: "محكم".
.

١٦ في أ: "ونفضته"..
١٧ في ر، أ: "ثم طرحوه في جبل"..
١٨ تفسير الطبري (٩/٧٢)..
١٩ في د، أ: "النبي"..
٢٠ صحيح البخاري برقم (٦٨٦٦)..
٢١ في ر، أ: "حمدان"..
٢٢ في أ: "عامر"..
٢٣ في د: "فأهوى"..
٢٤ مسند البزار برقم (٢٢٠٢) "كشف الأستار" وقال البزار: "لا نعلمه يروي عن ابن عباس إلا من هذا الوجه ولا له عنه إلا هذا الطريق" وقال الهيثمي في المجمع (٧/٨): "إسناده جيد"..
٢٥ في ر: "لكم"..
٢٦ في أ: "هذا"..
٢٧ في ر: "لهذا".
.

٢٨ زيادة من ر، أ..
٢٩ في أ: "يستخفى".
٣٠ زيادة من أ..
٣١ زيادة من أ..
٣٢ في ر: "لا يقاتل"..
٣٣ في ر: "تأكيدا".
.

قال البخاري :حدثنا حفص بن عمر١ حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء قال :لما نزلت : ﴿ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا فكتبها، فجاء ابن أم مكتوم فشكا ضرارته فأنزل الله [ عز وجل ]٢ ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾
حدثنا محمد بن يوسف، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال :لما نزلت : ﴿ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ قال النبي صلى الله عليه وسلم :" ادع فلانا " فجاءه ومعه الدواة واللوح والكتف فقال :" اكتب :لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " وخَلْف النبي صلى الله عليه وسلم ابن أم مكتوم، فقال :يا رسول الله، أنا ضرير فنزلت مكانها : ﴿ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ﴾٣
وقال البخاري أيضا :حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسان، عن ابن شهاب، حدثني سهل بن سعد الساعدي :أنه رأى مَروان بن الحكم في المسجد، قال :فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أملى عَلَيّ :" لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله ". فجاءه ابن أم مكتوم، وهو يمليها عليَّ، قال :يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفَخِذه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن تُرَض٤ فخذي، ثم سري عنه، فأنزل الله : ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾
انفرد به البخاري٥ دون مسلم، وقد روي من وجه آخر عن زيد فقال الإمام أحمد :
حدثنا سليمان بن داود، أنبأنا عبد الرحمن بن٦ أبي الزناد، عن خارجة بن زيد قال :قال زيد بن ثابت :إني قاعد إلى جنب رسول الله٧ صلى الله عليه وسلم، إذ أُوحِي إليه، قال :وغشيته السكينة، قال :فوقع٨ فخذه على فخذي حين غشيته السكينة. قال زيد :فلا والله ما وجدت شيئًا قط أثقل من فخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم سري عنه فقال :" اكتب يا زيد ". فأخذت كتفا فقال :" اكتب : ﴿ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ ﴾ إلى قوله٩ ﴿ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ فكتب١٠ ذاك في كتف، فقام حين سمعها ابن أم مكتوم - وكان رجلا أعمى - فقام حين سمع فضيلة المجاهدين فقال :يا رسول الله، وكيف بمن لا يستطيع الجهاد ممن هو أعمى، وأشباه ذلك ؟ قال زيد :فوالله ما مضى١١ كلامه - أو ما هو إلا أن قضى كلامه - حتى غشيت النبي صلى الله عليه وسلم السكينة، فوقعت فخذه على فخذي، فوجدت من ثقلها كما وجدت في المرة الأولى، ثم سري عنه فقال :" اقرأ ". فقرأت عليه :" لا يستوِي القاعدون من الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ " ١٢ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾ قال زيد :فألحقتها، فوالله لكأني أنظر إلى مُلْحَقها عند صدع كان في الكتف.
ورواه أبو داود، عن سعيد بن منصور، عن عبد الرحمن بن أبي الزِّناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبيه، به نحوه١٣.
وقال عبد الرزاق :أنبأنا١٤ معمر، عن الزهري، عن قَبيصة بن١٥ ذُؤَيب، عن زيد بن ثابت، قال :كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :" اكتب لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله " فجاء١٦ عبد الله ابن أم مكتوم فقال :يا رسول الله إني أحب الجهاد في سبيل الله ولكن بي من الزمانة ما قد ترى، قد ذهب بصري. قال زيد :فثقلت فَخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، حتى خشيت أن ترضها١٧ ثم سُرِّي عنه، ثم قال :" اكتب : ﴿ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ﴾
ورواه ابن أبي حاتم وابن جرير١٨ وقال عبد الرزاق :أخبرني ابن جُرَيْج، أخبرني عبد الكريم - هو ابن مالك الجَزري١٩ - أن مِقْسما مولى عبد الله بن الحارث - أخبره أن ابن عباس أخبره :لا يستوي القاعدون من المؤمنين عن بدر، والخارجون إلى بدر.
انفرد به البخاري٢٠ دون مسلم. وقد رواه الترمذي من طريق حجاج، عن ابن جُرَيج، عن عبد الكريم، عن مِقْسم، عن ابن عباس قال :لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضر عن بدر، والخارجون إلى بدر، لما نزلت غزوة بدر قال عبد الله بن جحش وابن أم مكتوم :إنا أعميان يا رسول الله فهل لنا رخصة ؟ فنزلت : ﴿ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾ وفضل الله المجاهدين على القاعدين درجة، فهؤلاء القاعدون غير أولي الضرر ﴿ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ درجات منه على القاعدين من المؤمنين غير أولي الضرر.
هذا لفظ الترمذي، ثم قال :هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. ٢١
فقوله [ تعالى ]٢٢ ﴿ لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾ كان مطلقا، فلما نزل بوحي سريع : ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾ صار٢٣ ذلك مخرجا لذوي الأعذار٢٤ المبيحة لترك الجهاد - من الْعَمَى والعَرَج والمرض - عن مساواتهم للمجاهدين في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم.
ثم أخبر تعالى بفضيلة المجاهدين على القاعدين، قال ابن عباس : ﴿ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ ﴾ وكذا ينبغي أن يكون لما ثبت في الصحيح عند البخاري من طريق زهير بن معاوية، عن حُمَيْد، عن أنس ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن بالمدينة أقوامًا ما سِرْتُم من مَسِير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه " قالوا :وهم بالمدينة يا رسول الله ؟ قال :" نعم حبسهم العذر ".
وهكذا رواه الإمام أحمد عن محمد بن أبي عَدِيّ عن حُمَيد، عن أنس، به٢٥ وعلقه البخاري مجزوما. ورواه أبو داود عن حماد بن سلمة، عن حميد، عن موسى بن أنس بن مالك، عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" لقد تركتم بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرًا، ولا أنفقتم من نفقة، ولا قطعتم من وادٍ إلا وهم معكم فيه ". قالوا :يا رسول الله، وكيف٢٦ يكونون معنا وهم بالمدينة ؟ قال :" حبسهم العذر ".
لفظ أبي داود٢٧ وفي هذا المعنى قال الشاعر :
يا راحلين إلى البَيت العتيق لَقَدْ سرْتُم جُسُوما وسرْنا نحنُ أرواحا
إنَّا أقَمنا على عُذْرٍ وعَنْ قَدَرٍ ومَنْ أقامَ على عذْرٍ فقد راحا
وقوله : ﴿ وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ أي :الجنة والجزاء الجزيل. وفيه دلالة على أن الجهاد ليس بفرض عين بل هو فرض على الكفاية.
ثم قال تعالى : ﴿ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾ ثم أخبر تعالى بما فضلهم به من الدرجات، في غرف الجِنَان٢٨ العاليات، ومغفرة الذنوب والزلات، وحلول الرحمة والبركات، إحسانا منه وتكريما ؛ ولهذا قال تعالى : ﴿ دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾
١ في أ: "عمرو"..
٢ زيادة من ر، أ..
٣ صحيح البخاري برقم (٤٥٩٣) ورقم (٤٥٩٤).
.

٤ في ر: "يرض"..
٥ صحيح البخاري برقم (٤٥٩٢)..
٦ في ر، أ: "عن"..
٧ في أ: "النبي"..
٨ في أ: "فرفع"..
٩ في ر، أ: "الآية كلها إلى قوله"..
١٠ في أ: "فكتب"..
١١ في ر، أ: "قضى"..
١٢ في ر: "والمجاهدين"..
١٣ المسند (٥/١٩١) وسنن أبي داود برقم (٢٥٠٧)..
١٤ في أ: "أخبرنا"..
١٥ في ر: "عن"..
١٦ في أ: "فجاءه"..
١٧ في أ: "يرضها".
.

١٨ تفسير عبد الرزاق (١/١٦٤) وتفسير الطبري (٩/٩١)..
١٩ في أ: "الجهزي"..
٢٠ تفسير عبد الرزاق (١/١٦٥) وصحيح البخاري برقم (٤٥٩٥)..
٢١ سنن الترمذي برقم (٣٠٣٢)..
٢٢ زيادة من ر، أ..
٢٣ في أ: "كان"..
٢٤ في أ: "الأضرار"..
٢٥ صحيح البخاري برقم (٢٨٣٨) والمسند (٣/١٠٣)..
٢٦ في ر: "قالوا: وكيف يا رسول الله"..
٢٧ صحيح البخاري برقم (٢٨٣٩) وسنن أبي داود برقم (٢٥٠٨).
.

٢٨ في أ: "الجنات"..
وقد ثبت في الصحيحين١ عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن٢ في الجنة مائة درجة، أعدها الله للمجاهدين في سبيله، ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ".
وقال الأعمش، عن عمرو بن مُرّة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله بن مسعود قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من بلغ بسهم فله أجره درجة " فقال رجل :يا رسول الله، وما الدرجة ؟ فقال :" أما إنها ليست بعتبة أمك، ما بين الدرجتين مائة عام " ٣.
١ رواه مسلم في صحيحه برقم (١٨٨٤)، وهو عند البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه لا من حديث أبي سعيد الخدري برقم (٢٧٩٠)..
٢ في أ: "إنه"..
٣ رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن مردويه كما في الدر المنثور (٢/٦٤٥)..
قال البخاري :حدثنا عبد الله بن يزيد المقرئ، حدثنا حَيْوَة وغيره قالا حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود قال :قطع على١ أهل المدينة بعْثٌ، فاكتتبت فيه، فلقيتُ عكرمة مولى ابن عباس فأخبرته، فنهاني عن ذلك أشد النهي، ثم قال :أخبرني ابن عباس أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين، يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي السهم فَيُرمى٢ به، فيصيب أحدهم فيقتله، أو يضرب عنقه فيقتل، فأنزل الله [ عز وجل ]٣ ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ رواه الليث عن أبي الأسود٤.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أحمد بن منصور الرَّمَادِي، حدثنا أبو أحمد - يعني الزبيري – حدثنا محمد بن شَرِيك المكي، حدثنا عمرو بن دينار، عن عكرمة عن ابن عباس قال :كان قوم من أهل مكة أسلموا، وكانوا يستخفون بالإسلام، فأخرجهم المشركون يوم بدر معهم، فأصيب بعضهم بفعل بعض٥ قال المسلمون :كان أصحابنا هؤلاء مسلمين٦ وأكرهوا، فاستَغْفَروا لهم، فنزلت : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ [ قَالُوا فِيمَ كُنْتُم ﴾ إلى آخر ]٧ الآية، قال :فكتب إلى من بقي من المسلمين بهذه الآية :لا عذر لهم. قال :فخرجوا فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزلت هذه٨ الآية : ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ ﴾ الآية٩ [ البقرة :٨ ].
وقال عكرمة :نزلت هذه الآية في شباب من قريش، كانوا تكلموا بالإسلام بمكة، منهم :علي بن أمية بن خَلَف، وأبو قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو العاص بن منبه١٠ بن الحجاج، والحارث بن زَمْعة.
وقال الضحاك :نزلت في ناس١١ من المنافقين، تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، وخرجوا مع المشركين يوم بدر، فأصيبوا فيمن أصيب فنزلت هذه١٢ الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة، وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية حيث يقول تعالى : ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ ﴾ أي :بترك الهجرة ﴿ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ ﴾ أي :لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة ؟ ﴿ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأرْضِ ﴾ أي :لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض ﴿ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [ فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ]١٣.
وقال أبو داود :حدثنا محمد بن داود بن سفيان، حدثني يحيى بن حسان، أخبرنا سليمان بن موسى أبو داود، حدثنا جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، حدثني خبيب١٤ بن سليمان، عن أبيه سليمان بن سمرة، عن سمرة بن جندب :أما بعد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله " ١٥.
وقال السدي :لما أسر العباس وَعقِيل ونَوْفَل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس :" افد نفسك وابن أخيك " قال :يا رسول الله، ألم نصل قبلتك، ونشهد شهادتك ؟ قال :" يا عباس، إنكم خاصمتم فخُصمتم ". ثم تلا عليه هذه الآية : ﴿ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً [ فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ]١٦ رواه ابن أبي حاتم.
١ في أ: "من"..
٢ في د، ر أ: "يرمى"..
٣ زيادة من ر..
٤ صحيح البخاري برقم (٤٥٩٦).
.

٥ في ر، أ: "بنبل"..
٦ في ر: "مسلمون"..
٧ زيادة من ر، أ..
٨ في أ: "فيهم"..
٩ ورواه الطبراني في تفسيره (٩/١٠٢) حدثنا أحمد بن منصور الرمادي به..
١٠ في د: "ابن منصور"..
١١ في د، ر: "أناس"..
١٢ في أ: "فهذه"..
١٣ زيادة من د، ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
١٤ في ر، أ: "حبيب"..
١٥ سنن أبي داود برقم (٢٧٨٧)..
١٦ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
وقوله : ﴿ إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ [ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا١ ] ﴾ هذا عذر من الله تعالى لهؤلاء في ترك الهجرة، وذلك أنهم لا يقدرون على التخلص من أيدي المشركين، ولو قدروا ما عرفوا يسلكون الطريق، ولهذا قال : ﴿ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلا ﴾ قال مجاهد وعكرمة، والسدي :يعني طريقا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قال البخاري :حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا شَيْبَان، عن يَحْيَى، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة قال :بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال :" سمع الله لمن حمده " ثم قال قبل أن يسجد " اللهم نَج٣ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج٤ سلمة بن هشام، اللهم نج٥ الوليد بن الوليد، اللهم نَج٦ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسِنِيِّ يوسف ". ٧
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المقري٨ حدثنا عبد الوارث، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسَّيب، عن أبي هريرة :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده بعدما سلم، وهو مستقبل القبلة فقال :" اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسَلَمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار " ٩.
وقال ابن جرير :حدثنا المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد عن عبد الله١٠ - أو إبراهيم بن عبد الله القرشي - عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دُبُرِ صلاة الظهر :" اللهم خَلِّص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ".
ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم١١.
وقال عبد الرزاق :أنبأنا١٢ ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال :سمعت ابن عباس يقول :كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان١٣
وقال البخاري :أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن ابن عباس : ﴿ إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ قال :كانت أمي ممن عَذَر الله عز وجل١٤.


١ زيادة من د، ر، أ، وفي هـ: "إلى آخر الآية".
.

وقوله تعالى : ﴿ فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ ﴾ أي :يتجاوز عنهم بترك١ الهجرة، وعسى من الله موجبة ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا٢.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: قال البخاري :حدثنا أبو نُعَيْم، حدثنا شَيْبَان، عن يَحْيَى، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة قال :بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي العشاء إذ قال :" سمع الله لمن حمده " ثم قال قبل أن يسجد " اللهم نَج٣ عياش بن أبي ربيعة، اللهم نج٤ سلمة بن هشام، اللهم نج٥ الوليد بن الوليد، اللهم نَج٦ المستضعفين من المؤمنين، اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، اللهم اجعلها سنين كسِنِيِّ يوسف ". ٧
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبي، حدثنا أبو معمر المقري٨ حدثنا عبد الوارث، حدثنا علي بن زيد، عن سعيد بن المسَّيب، عن أبي هريرة :أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفع يده بعدما سلم، وهو مستقبل القبلة فقال :" اللهم خلص الوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وسَلَمة بن هشام، وضعفة المسلمين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا من أيدي الكفار " ٩.
وقال ابن جرير :حدثنا المثنى، حدثنا حجاج، حدثنا حماد، عن علي بن زيد عن عبد الله١٠ - أو إبراهيم بن عبد الله القرشي - عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في دُبُرِ صلاة الظهر :" اللهم خَلِّص الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، وضعفة المسلمين من أيدي المشركين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ".
ولهذا الحديث شاهد في الصحيح من غير هذا الوجه كما تقدم١١.
وقال عبد الرزاق :أنبأنا١٢ ابن عيينة، عن عبيد الله بن أبي يزيد قال :سمعت ابن عباس يقول :كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان١٣
وقال البخاري :أنبأنا أبو النعمان، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن ابن عباس : ﴿ إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ قال :كانت أمي ممن عَذَر الله عز وجل١٤.


١ في د، أ: "بتركهم"..
٢ في ر: "عفوا غفورا" وهو خطأ..
وقوله : ﴿ وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ﴾ هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه، و " المراغم " مصدر، تقول العرب :راغم فلان قومه مراغما ومراغمة، قال نابغة١ بني جعدة٢ :
كَطَوْدٍ يُلاذُ بأرْكَانِه عَزيز المُرَاغَم وَالْمَهْربِ
وقال ابن عباس :" المراغَم " :التحول من أرض إلى أرض. وكذا رُوي عن الضحاك والربيع بن أنس، الثوري، وقال مجاهد : ﴿ مُرَاغَمًا كَثِيرًا ﴾ يعني :متزحزحا عما يكره. وقال سفيان بن عيينة : ﴿ مُرَاغَمًا كَثِيرًا ﴾ يعني :بروجا.
والظاهر - والله أعلم - أنه٣ التمنّع الذي يُتَحصَّن به، ويراغم به الأعداء.
قوله : ﴿ وَسَعَةً ﴾ يعني :الرزق. قاله غير واحد، منهم :قتادة، حيث قال في قوله : ﴿ يَجِدْ فِي الأرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ﴾ إي، والله، من الضلالة إلى الهدى، ومن القلة إلى الغنى.
وقوله : ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ أي :ومن خرج من منزله بنية الهجرة، فمات في أثناء الطريق، فقد حصل له من٤ الله ثواب من هاجر، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من الصحاح والمسانيد والسنن، من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري٥ عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن وَقّاص الليثي، عن عمر بن الخطاب قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه " ٦.
وهذا عام في الهجرة وفي كل الأعمال. ومنه الحديث الثابت في الصحيحين٧ في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نَفْسًا. ثم أكمل بذلك العابد المائة، ثم سأل عالما :هل له من توبة ؟ فقال :ومن يَحُول بينك وبين التوبة ؟ ثم أرشده إلى أن يتحول من بلده إلى بلد آخر يعبد الله فيه، فلما ارتحل من بلده مهاجرا إلى البلد الآخر، أدركه الموت في أثناء الطريق، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقال هؤلاء :إنه جاء تائبا. وقال هؤلاء :إنه لم يَصِلْ بَعْدُ. فأمروا أن يقيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما٨ كان أقرب كان٩ منها، فأمر الله هذه أن يُقرب١٠ من هذه، وهذه أن تبعد١١ فوجدوه أقرب إلى الأرض التي هاجر إليها بِشِبْر، فقبضته ملائكة الرحمة. وفي رواية :أنه لما جاءه
الموت ناء بصدره إلى الأرض١٢ التي هاجر إليها.
وقال الإمام أحمد :حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن محمد بن عبد الله بن عَتِيك، عن أبيه عبد الله بن عَتِيك قال :سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" من خرج من بيته مهاجرا١٣ في سبيل الله - ثم قال بأصابعه هؤلاء الثلاث :الوسطى والسبابة والإبهام، فجمعهن وقال :وأين المجاهدون - ؟ فخرَّ عن دابته فمات فقد وقع أجره على الله، أو لدغته دابة فمات، فقد وقع أجره على الله أو مات حَتْف أنفه، فقد وقع أجره على الله - والله ! إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم - ومن قتل قَعْصًا١٤ فقد استوجب المآب١٥.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الملك بن شيبة الحزامي١٦ حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الحزامي١٧ عن المنذر بن عبد الله، عن هشام بن عُرْوَة، عن أبيه ؛ أن الزبير بن العوام قال :هاجر خالد بن حِزَام١٨ إلى أرض الحبشة، فنهشته حية في الطريق فمات، فنزلت فيه : ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ قال الزبير :فكنت أتوقعه وأنتظر قدومه وأنا بأرض الحبشة، فما أحزنني شيء حزن وفاته حين بلغني ؛ لأنه قَلّ أحد ممن هاجر من قريش إلا معه بعض أهله، أو ذوي رحمه، ولم يكن معي أحد من بني أسد بن عبد العزى، ولا أرجو غيره.
وهذا الأثر غريب جدا١٩ فإن هذه القصة مكية، ونزول هذه الآية مدنية، فلعله أراد أنها أنزلت تعم حكمه مع غيره، وإن لم يكن ذلك سبب النزول، والله أعلم.
وقال ابن أبي حاتم :حدثنا سليمان بن داود مولى عبد الله بن جعفر، حدثنا سهل بن عثمان، حدثنا عبد الرحمن٢٠ بن سليمان، عن الأشعث٢١ - هو ابن سَوَّار - عن عكرمة، عن ابن عباس قال :خرج ضَمْرَةُ بن جُنْدُب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمات في الطريق قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت : ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ [ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ]٢٢٢٣.
وحدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن رَجَاء، أنبأنا إسرائيل، عن سالم، عن سعيد بن جبير عن أبي ضمرة بن العيص الزُّرَقِي، الذي كان مصاب البصر، وكان بمكة فلما نزلت : ﴿ إِلا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ﴾ فقلت :إني لغني، وإني لذو حيلة، [ قال ]٢٤ فتجهز يريد النبي صلى الله عليه وسلم فأدركه الموت بالتَّنْعِيم، فنزلت هذه الآية : ﴿ وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ [ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ]٢٥
قال الحافظ أبو يعلى :حدثنا إبراهيم بن زياد سَبَلانُ، حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن إسحاق، عن حميد بن أبي حميد، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي هريرة قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من خرج حاجا فمات، كتب له أجر الحاج إلى يوم القيامة، ومن خرج معتمرا فمات، كتب له أجر المعتمر إلى يوم القيامة، ومن خرج غازيا في سبيل الله فمات، كتب له أجر الغازي٢٦ إلى يوم القيامة ".
وهذا حديث غريب من هذا الوجه٢٧.
١ في أ: "نابغة في بني جعدة..
٢ البيت في تفسير الطبري (١٠/١١٢) واللسان مادة (رغم)..
٣ في أ: "أن المراغم هو"..
٤ في أ: "عند"..
٥ في أ: "القطان"..
٦ صحيح البخاري برقم (١، ٥٤) وصحيح مسلم برقم (١٩٠٧) وسنن أبي داود برقم (٢٢٠١) وسن الترمذي برقم (١٦٤٧)، وسنن النسائي (١/٥٩) وسنن ابن ماجه برقم (٤٢٢٧) ومسند أحمد (١/٢٥) ومسند الحميدي (١/١٦) ومسند الطيالسي (٢/٢٧) "منحة المعبود"..
٧ صحيح البخاري برقم (٣٤٧٠) وصحيح مسلم برقم (٢٧٦٦)..
٨ في د، ر: "أيها"، وفي أ: "أيهما"..
٩ في د، ر: "فهو"..
١٠ في د: "تقترب"، وفي ر: "تقرب"..
١١ في د: "تبتعد".
.

١٢ في د: "البلد"..
١٣ في أ: "مجاهدا"..
١٤ في د: "نفسا"، وفي ر: "بعضا"، وفي أ: "بعض"..
١٥ المسند (٤/٣٦)، وقال الهيثمي في المجمع (٥/٢٦٠: "فيه محمد بن إسحاق وهو مدلس، وبقية رجاله ثقات"..
١٦ في أ: "الخزامي"..
١٧ في أ: "الخزامي"..
١٨ في أ: "ابن حرام"..
١٩ ووجه غرابته أيضا كما قال ابن حجر: أن الذي نزلت فيه هذه الآية جندب بن ضمرة، وسيأتي حديثه عقب هذا..
٢٠ في ر: "عبد الرحيم"..
٢١ في ر: "أشعث"..
٢٢ زيادة من ر، أ، وفي هـ: "الآية"..
٢٣ ورواه أبو يعلى في مسنده (٥/٨١) والطبراني في المعجم الكبير (١١/٢٧٢ ) من طريق أشعث بن سوار به. قال الهيثمي بعد أن عزاه لأبي يعلى وحده: "رجاله ثقات، لكن في إسناده أشعث بن سوار وهو ضعيف"..
٢٤ زيادة من ر..
٢٥ تفسير ابن أبي حاتم (ق١٧٦) وقد روي هذا الأثر من طرق أخرى مرسلة، فرواه سعيد بن منصور في سننه برقم (٦٨٥) قال: أخبرنا هشيم عن أبي بشر عن سعيد بن جبير به مرسلا، ورواه الطبري في تفسيره (٩/١١٨) من طريق قيس بن الربيع عن سالم عن سعيد بن جبير به مرسلا.
.

٢٦ في ر: "المغازي"..
٢٧ مسند أبي يعلى (١/٢٣٨) وفي إسناده جميل بن أبي ميمونة لم يوثقه سوى ابن حبان، وابن إسحاق مدلس وقد عنعن..
يقول تعالى : ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ ﴾ أي :سافرتم في البلاد، كما قال تعالى : ﴿ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ [ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ ]١ الآية [ المزمل :٢٠ ].
وقوله : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ أي :تخَفّفوا فيها، إما من كميتها بأن تجعل٢ الرباعية ثنائية، كما فهمه الجمهور من هذه الآية، واستدلّوا بها على قصر الصلاة في السفر، على اختلافهم في ذلك :فمن قائل لا بد أن يكون سفر طاعة، من جهاد، أو حج، أو عمرة، أو طلب علم، أو زيارة، وغير ذلك، كما هو مروي عن ابن عمر وعطاء، ويحكى عن مالك في رواية عنه نحوه، لظاهر قوله : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾
ومن قائل٣ لا يشترط سفر القربة، بل لا بد أن يكون مباحا، لقوله : ﴿ فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإثْمٍ [ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ]٤ [ المائدة :٣ ] أباح له تناول الميتة مع اضطراره إلا بشرط ألا يكون عاصيا بسفره. وهذا قول الشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة.
وقد قال أبو بكر بن أبي شيبة :حدثنا وَكِيع، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم قال :جاء رجل فقال :يا رسول الله، إني رجل تاجر، أختلف إلى البحرين " فأمره أن يصلي ركعتين " وهذا مرسل٥.
ومن قائل :يكفي مطلق السفر، سواء كان مباحا أو محظورا، حتى لو خرج لقطع الطريق وإخافة السبيل، تَرَخَّص، لوجود مطلق السفر. وهذا قول أبي حنيفة، رحمه الله، والثوري وداود، لعموم الآية وخالفهم الجمهور. وأما قوله : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ فقد يكون هذا خُرِّج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة، بل ما كانوا ينهضون إلا إلى غزو عام، أو في سرية خاصة، وسائر الأحيان حرب الإسلام وأهله، والمنطوق إذا خرج مخرج الغالب أو على حادثة فلا مفهوم له، كقوله٦ ﴿ وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا ﴾ [ النور :٣٣ ]، وكقوله : ٧ ﴿ وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ ﴾ الآية [ النساء :٢٣ ].
وقال الإمام أحمد :حدثنا ابن إدريس، حدثنا ابن جُرَيْج، عن ابن أبي عمار، عن عبد الله بن بابَيْه، عن يعلى بن أمية قال :سألت عمر بن الخطاب قلت : ﴿ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ وقد أمَّن الله الناس٨ ؟ فقال لي عمر :عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال :" صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته ".
وهكذا رواه مسلم وأهل السنن، من حديث ابن جريج، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار، به. وقال الترمذي :هذا حديث حسن صحيح. وقال علي بن المديني :هذا حديث صحيح من حديث عمر، ولا يحفظ إلا من هذا الوجه، ورجاله معروفون٩ وقال أبو بكر بن أبي شيبة :حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك بن مِغْول، عن أبي حنظلة الحذَّاء قال :سألت ابن عمر عن صلاة السفر فقال :ركعتان. فقلت :أين قوله تعالى : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ ونحن آمنون ؟ فقال :سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم١٠.
وقال ابن مَرْدُويه :حدثنا عبد الله بن محمد بن عيسى، حدثنا علي بن محمد بن سعيد، حدثنا مِنْجَاب، حدثنا شُرَيْك، عن قيس بن وهب، عن أبي الودَّاك :سألت ابن عمر عن ركعتين في السفر ؟ فقال :هي رخصة، نزلت من السماء، فإن شئتم فردوها.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة :حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا ابن عَوْن، عن ابن سِيرِين، عن ابن عباس قال :صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين مكة والمدينة، ونحن آمنون، لا نخاف بينهما، ركعتين ركعتين.
وكذا رواه النسائي، عن محمد بن عبد الأعلى، عن خالد الحذَّاء١١ عن عبد الله بن عون، به١٢ قال أبو عمر بن عبد البر :وهكذا رواه أيوب، وهشام، ويزيد بن إبراهيم التُّسْتَرِي، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس، رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم، مثله.
قلت :وهكذا رواه الترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن هُشَيم، عن منصور بن زَاذَان، عن محمد بن سيرين، عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من المدينة إلى مكة، لا يخاف إلا ربَّ العالمين، فصلى ركعتين، ثم قال الترمذي :صحيح١٣.
وقال البخاري :حدثنا أبو مَعْمَر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا يحيى بن أبي إسحاق قال :سمعت أنسا يقول :خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين، حتى رجعنا إلى المدينة. قلت :أقمتم بمكة شيئا ؟ قال :أقمنا بها عَشْرًا.
وهكذا أخرجه بقية الجماعة من طرق عن يحيى بن أبي إسحاق الحضرمي، به١٤.
وقال الإمام أحمد :حدثنا وَكِيع، حدثنا سُفْيان، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن وهب الخُزَاعي قال :صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر والعصر بمنى - أكثر ما كان الناس وآمنه - ركعتين.
ورواه الجماعة سوى ابن ماجه من طرق، عن أبي إسحاق السَّبِيعي، عنه، به١٥ ولفظ البخاري :حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة، أنبأنا أبو إسحاق، سمعت حارثة بن وهب قال :صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آمن ما كان بمنى ركعتين.
وقال البخاري :حدثنا مُسَدَّد، حدثنا يحيى، حدثنا عبيد الله، أخبرنا نافع، عن عبد الله بن عمر قال :صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم ركعتين، وأبي بكر وعمر، ومع عثمان صدرا من إمارته، ثم أتمها.
وكذا رواه مسلم من حديث يحيى بن سعيد القطان [ الأنصاري ]١٦ به١٧.
وقال البخاري :حدثنا قتيبة، حدثنا عبد الواحد، عن الأعمش، حدثنا إبراهيم، سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول :صلى بنا عثمان بن عفان، رضي الله عنه، بمنى أربع ركعات، فقيل في ذلك لعبد الله بن مسعود فاسترجع، ثم قال :صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى ركعتين، وصليت مع أبي بكر بمنى ركعتين، وصليت مع عمر بن الخطاب بمنى ركعتين، فليت حظي مع١٨ أربع ركعات ركعتان متقبلتان.
ورواه البخاري أيضا من حديث الثوري، عن الأعمش، به. وأخرجه مسلم من طرق، عنه. منها عن قتيبة كما تقدم١٩.
فهذه الأحاديث دالة صريحا على أن القصر ليس من شرطه وجود الخوف ؛ ولهذا قال من قال من العلماء :إن المراد من القصر هاهنا إنما هو قصر الكيفية لا الكمية. وهو قول مجاهد، والضحاك، والسدي كما سيأتي بيانه، واعتضدوا أيضا بما رواه الإمام مالك، عن صالح بن كيسان، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت :فرضت الصلاة ركعتين ركعتين في السفر والحضر، فَأقرَّت صلاة السفر ؛ وَزِيد في صلاة الحضر.
وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنَّيسي، ومسلم عن يحيى بن يحيى، وأبو داود عن القَعْنَبي، والنَّسائي عن قتيبةَ، أربعتهم عن مالك، به٢٠.
قالوا :فإذا كان أصل الصلاة في السفر هي الثنتين، فكيف يكون المراد بالقصر هاهنا قصر الكمية ؛ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ ؟
وأصرح من ذلك دلالة على هذا، ما رواه الإمام أحمد :حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان - وعبد الرحمن حدثنا سفيان - عن زُبَيْد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر، رضي الله عنه، قال :صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى٢١ ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، تمام غير قصر، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم.
وهكذا رواه النسائي وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، من طرق عن زُبَيْد اليامي٢٢ به٢٣.
وهذا إسناد على شرط مسلم. وقد حَكَم مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى، عن عمر. وقد جاء مصرحا به في هذا الحديث وفي غيره، وهو الصواب إن شاء الله. وإن كان يحيى بن مَعين، وأبو حاتم، والنسائي قد قالوا :إنه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضا، فقد وقع في بعض طرق أبي يَعْلى الموصِلي، من طريق الثوري، عن زُبَيد، عن عبد الرحمن [ بن أبي ليلى ]٢٤ عن الثقة، عن عمر فذكره، وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن أبي زياد بن أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عُجْرَة، عن عمر، به. ، فالله أعلم٢٥.
وقد روى مسلم في صحيحه، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث أبي عَوَانة الوضاح بن عبد الله اليَشْكُري - زاد مسلم والنسائي :وأيوب بن عائد - كلاهما عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عباس قال :فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة، [ هكذا رواه وكيع وروح بن عبادة عن أسامة بن زيد الليثي :حدثني الحسن بن مسلم بن يَسَاف عن طاوس عن ابن عباس قال :فرض الله ورسوله صلى الله عليه وسلم الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين ]٢٦ فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها، فكذلك يصلى في السفر٢٧.
ورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد، عن طاوس نفسه٢٨.
فهذا ثابت عن ابن عباس، رضي الله عنهما٢٩ ولا ينافي ما تقدم عن عائشة ؛ لأنها أخبرت أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر، فلما استقر ذلك صح أن يقال :إن فرض صلاة الحضر أربع، كما قاله ابن عباس، والله أعلم. لكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث عمر، رضي الله عنه، وإذا كان كذلك، فيكون المراد بقوله تعالى : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ قصر الكيفية كما في صلاة الخوف ؛ ولهذا قال : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا ]٣٠.
ولهذا قال بعدها : ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ [ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ]٣١ الآية٣٢ فبين المقصود من القصر هاهنا وذكر صفته وكيفيته ؛ ولهذا لما اعتضد٣٣ البخاري " كتاب٣٤ صلاة الخوف " صدره بقوله تعالى : ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ إلى قوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾
وهكذا قال جُوَيبر، عن الضحاك في قوله : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ قال :ذاك عند القتال، يصلي الرجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه.
وقال أسباط، عن السدي في قوله : ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ الآية :إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام، التقصير لا يحل، إلا أن تخاف من الذين كفروا أن يف
١ زيادة من ر، أ..
٢ في ر: "ترجع"..
٣ في ر: "ومن قال"..
٤ زيادة من ر، أ..
٥ المصنف (٢/٤٤٨).
.

٦ في ر: "لقوله"..
٧ في ر: "لقوله"..
٨ في أ: "البأس"..
٩ المسند (١/٢٥) وصحيح مسلم برقم (٦٨٦) وسنن أبي داود برقم (١١٩٩) وسنن النسائي (٣/١١٦) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٦٥)..
١٠ المصنف (٢/٤٤٧) ورواه أحمد في مسنده (٢/٣١) عن طريق يزيد بن إسماعيل عن أبي حنظلة عن ابن عمر رضي الله عنه..
١١ في أ: "ابن الحارث"..
١٢ المصنف (٢/٤٤٨) وسنن النسائي (٣/١١٧).
.

١٣ سنن الترمذي برقم (٥٤٧) وسنن النسائي (٣/١١٧)..
١٤ صحيح البخاري برقم (١٠٨١) وصحيح مسلم برقم (٦٩٣) وسنن أبي داود برقم (١٢٣٣) وسنن الترمذي برقم (٥٤٨) وسنن النسائي (٣/١١٨) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٧٧)..
١٥ المسند (٤/٣٠٦) وصحيح البخاري برقم (١٠٨٣) وصحيح مسلم برقم (٦٩٦) وسنن أبي داود برقم (١٩٦٥) وسنن الترمذي برقم (٨٨٢) وسنن النسائي (٣/١٢٠)..
١٦ زيادة من أ..
١٧ صحيح البخاري برقم (١٠٨٢) وصحيح مسلم برقم (٦٩٤) وسنن النسائي (٣/١٢١)..
١٨ في ر، أ: "من"..
١٩ صحيح البخاري برقم (١٠٨٤) و ( ١٦٥٧) وصحيح مسلم برقم (٦٩٥).
.

٢٠ الموطأ في قصر الصلاة في السفر برقم (٨)، (١/١٤٦) وصحيح البخاري برقم (٣٥٠) وصحيح مسلم برقم (٦٨٥) وسنن أبي داود برقم (١١٩٨) وسنن النسائي (١/٢٢٥)..
٢١ في أ: "الضحى"..
٢٢ في ر: "الأيامى"..
٢٣ المسند (١/٣٧) وسنن النسائي (٣/١١١) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٦٣) وصحيح ابن حبان (٤/١٩٧)..
٢٤ زيادة من أ..
٢٥ انظر صحيح مسلم المقدمة (١/٣٤) والمراسيل لابن أبي حاتم (١٢٥) وتاريخ الدروي عن يحيى بن معين (٢/٣٥٦). والصحيح أن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يسمع من عمر، بل قال ابن معين في رواية ابن أبي شيبة عنه: لم يسمع من عمر ولا عثمان وسمع من علي. وانظر: تهذيب الكمال للمزي (١٧/٣٧٦) وحاشية الدكتور بشار عواد عليه..
٢٦ زيادة من أ..
٢٧ صحيح مسلم برقم (٦٨٧) وسنن أبي داود برقم (١٢٤٧) وسنن النسائي (٣/١٦٩) وسنن ابن ماجه برقم (١٠٦٨)..
٢٨ سنن ابن ماجه برقم (١٠٧٢).
.

٢٩ في ر: "عنه"..
٣٠ زيادة من ر، أ..
٣١ زيادة من ر، أ..
٣٢ في ر، أ: "إلى آخرها"..
٣٣ في أ: "عقد"..
٣٤ في ر: "في كتاب"..
صلاة الخوف أنواع كثيرة، فإن العدو تارة يكون تجاه القبلة، وتارة يكون في غير صَوْبها، والصلاة تارة تكون رباعية، وتارة ثلاثية كالمغرب، وتارة ثنائية، كالصبح وصلاة السفر، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم الحرب فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ورجالا وركبانا، ولهم أن يمشوا والحالة هذه ويضربوا الضرب المتتابع في متن الصلاة.
ومن العلماء من قال :يصلون والحالة هذه ركعة واحدة ؛ لحديث ابن عباس المتقدم، وبه قال أحمد بن حنبل. قال المنذري في الحواشي :وبه قال عطاء، وجابر، والحسن، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وحماد. وإليه ذهب طاوس والضحاك.
وقد حكى أبو عاصم العَبَّادي١ عن محمد بن نصر المروزي ؛ أنه يرى رَدَّ الصبح إلى ركعة في الخوف وإليه ذهب ابن حزم أيضًا.
وقال إسحاق بن راهويه :أما عند المسايفة فيجزيك ركعة واحدة، تومئ بها إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة ؛ لأنها ذكر الله.
وقال آخرون :تكفي تكبيرة واحدة. فلعله أراد ركعة واحدة، كما قاله أحمد بن حنبل وأصحابه، ولكن الذين حكوه إنما حكوه على ظاهره في الاجتزاء بتكبيرة واحدة، كما هو مذهب إسحاق بن راهويه، وإليه ذهب الأمير عبد الوهاب بن بُخْت المكي، حتى قال :فإن لم يقدر على التكبيرة٢ فلا يتركها في نفسه، يعني بالنية، رواه سعيد بن منصور في سننه عن إسماعيل بن عَيَّاش، عن شعيب بن دينار، عنه، فالله أعلم.
ومن العلماء من أباح تأخير الصلاة لعذر القتال والمناجزة، كما أخر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب صلاة العصر، قيل :والظهر، فصلاهما بعد الغروب، ثم صلى بعدهما المغرب ثم العشاء. وكما قال
بعدها - يوم بني قريظة، حين جهز إليهم الجيش - :" لا يصلينّ أحدٌ منكم العصر إلا في بني قريظة "، فأدركتهم الصلاة في أثناء الطريق، فقال منهم قائلون :لم يرد منا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تعجيلَ المسير، ولم يرد منا تأخير الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها في الطريق. وأخَّر آخرون منهم العصر، فصلوها في بني قريظة بعد الغروب، ولم يُعَنِّف رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا من الفريقين٣ وقد تكلمنا على هذا في كتاب السيرة، وبَيَّنا أن الذين صلوا العصر لوقتها أقرب إلى إصابة الحق في نفس الأمر، وإن كان الآخرون معذورين أيضًا، والحجة هاهنا في عذرهم في تأخير الصلاة لأجل الجهاد والمبادرة إلى حصار الناكثين للعهد٤ من الطائفة الملعونة اليهود. وأما الجمهور فقالوا :هذا كله منسوخ بصلاة الخوف، فإنها لم تكن نزلت بعد، فلما نزلت نسخ تأخير الصلاة لذلك، وهذا بين في حديث أبي سعيد الخدري، الذي رواه الشافعي وأهل السنن، ولكن يشكل على هذا٥ ما حكاه البخاري رحمه الله، في صحيحه، حيث قال :
" باب الصلاة عند مناهضة الحصون ولقاء العدو " :قال الأوزاعي :إن كان تَهَيَّأ الفتحُ ولم يقدروا على الصلاة، صَلُّوا إيماء، كل امرئ لنفسه، فإن لم يقدروا على الإيماء أخَّروا الصلاة حتى ينكشف القتال، أو يأمنوا فيصلوا ركعتين. فإن لم يقدروا صَلُّوا ركعة وسجدتين، فإن لم يقدروا لا يجزئهم التكبير، ويؤخرونها حتى يأمنوا. وبه قال مكحول، وقال أنس بن مالك :حضرت مناهضة٦ حصن تُسْتر عند إضاءة الفجر، واشتد اشتعال القتال، فلم يقدروا على الصلاة، فلم نُصَلِّ إلا بعد ارتفاع النهار، فصليناها ونحن مع أبي موسى، فَفُتح لنا، قال أنس :وما يسرني بتلك الصلاة الدنيا وما فيها. ٧
انتهى ما ذكره، ثم أتبعه بحديث تأخير الصلاة يوم الأحزاب، ثم بحديث أمره إياهم ألا يصلوا العصر إلا في بني قريظة، وكأنه كالمختار لذلك، والله أعلم.
ولمن جنح إلى ذلك له أن يحتج٨ بصنيع أبي موسى وأصحابه يوم فتح تستر فإنه يشتهر٩ غالبا، ولكن كان ذلك في إمارة عمر بن الخطاب، ولم ينقل أنه أنكر عليهم، ولا أحد من الصحابة، والله أعلم.
[ و ]١٠ قال هؤلاء :وقد كانت صلاة الخوف مشروعة في الخندق ؛ لأن ذات الرِّقَاع كانت قبل الخندق في قول جمهور علماء السير والمغازي. وممن نص على ذلك محمد بن إسحاق، وموسى بن عقبة، والواقدي، ومحمد بن سعد كاتبه، وخليفة بن خَيَّاط وغيرهم١١ وقال البخاري وغيره :كانت ذات الرقاع بعد الخندق، لحديث أبي موسى وما قَدم إلا في خيبر، والله أعلم. والعجب - كل العجب - أن المُزني، وأبا يوسف القاضي، وإبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة ذهبوا إلى أن صلاة الخوف منسوخة بتأخيره، عليه السلام، الصلاة يوم الخندق. وهذا غريب جدًّا، وقد ثبتت الأحاديث بعد الخندق بصلاة الخوف، وحمل تأخير الصلاة يومئذ على ما قاله مكحول والأوزاعي أقوى وأقرب، والله أعلم.
فقوله تعالى : ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ ﴾ أي :إذا صليت بهم إماما في صلاة الخوف، وهذه حالة غير الأولى، فإن تلك قصرها إلى ركعة، كما دل عليه الحديث، فرادى ورجالا وركبانا، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، ثم ذكر حال الاجتماع والائتمام بإمام واحد. وما أحسن ما استدل به من ذهب إلى وجوب الجماعة من هذه الآية الكريمة، حيث اغتفرت أفعال كثيرة لأجل الجماعة، فلولا أنها واجبة لما ساغ ذلك، وأما من استدل بهذه الآية على أن صلاة الخوف منسوخة بعد النبي صلى الله عليه وسلم لقوله : ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ ﴾ فبعده تفوت هذه الصفة، فإنه استدلال ضعيف، ويُرَدُّ عليه مثل قول مانعي الزكاة، الذين احتجوا بقوله : ﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ ﴾ [ التوبة :١٠٣ ] قالوا :فنحن لا ندفع زكاتنا بعده صلى الله عليه وسلم إلى أحد، بل نخرجها نحن بأيدينا١٢ على من نراه، ولا ندفعها إلى من صلاته، أي :دعاؤه، سكن لنا، ومع هذا ردَّ عليهم الصحابة وأبَوْا عليهم هذا الاستدلال، وأجبروهم على أداء الزكاة، وقاتلوا من منعها منهم.
ولنذكر سبب نزول هذه الآية الكريمة أولا قبل ذكر صفتها :
قال ابن جرير :حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الله بن هاشم، أنبأنا سيف١٣ عن أبي رَوْق، عن أبي أيوب، عن علي، رضي الله عنه، قال :سأل قوم من بني النجار رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا :يا رسول الله، إنا نضرب في الأرض، فكيف نصلي ؟ فأنزل الله عز وجل : ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ ﴾ ثم انقطع الوحي، فلما كان بعد ذلك بحول غزا النبي صلى الله عليه وسلم فصلى الظّهر، فقال المشركون :لقد أمكنكم محمد وأصحابه من ظهورهم، هلا شددتم عليهم ؟ فقال قائل منهم :إن لهم أخرى مثلها في إثرها. قال :فأنزل الله عز وجل بين الصلاتين : ﴿ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا. وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ ﴾ إلى قوله : ﴿ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾ ]١٤ فنزلت صلاة الخوف.
وهذا سياق غريب جدا١٥ ولكن لبعضه شاهد من رواية أبي عياش الزُّرَقي، واسمه زيد بن الصامت، رضي الله عنه، قال الإمام أحمد :
حدثنا عبد الرزاق، حدثنا الثوري، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش قال :كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعُسْفان، فاستقبلنا المشركون، عليهم خالد بن الو