0:00
0:00

وهي مائة وست وتسعون آية، وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة، وستة عشر ألفا وثلاثة وثلاثون حرفا.
قال القرطبي١ :هذه السورة مدنية إلا آية واحدة منها [ وهي ] قوله تعالى : ﴿ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ﴾ [ النساء :٥٨ ] فإنها نزلت ب " مكة " عام الفتح، وفي عثمان بن طلحة على ما سيأتي بيانه.
قال النقاش٢ :وقيل :نزلت عند هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة.
وقيل :إن قوله تعالى : ﴿ يا أيها الناس ﴾ حيث وقع في القرآن إنما هو مكي.
قاله علقمة وغيره :" فيشبه أن يكون صدر السورة مكيا، وما نزل بعد الهجرة فإنما هو مدني ".
وقال النحاس :" هذه السورة مكية ".
وقال القرطبي٣ :والصحيح الأول.
قال في " صحيح البخاري " :" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت :ما نزلت سورة النساء إلا وأنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم " ٤، تعني قد بنى بها، ولا خلاف بين العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما بنى بعائشة بالمدينة، ومن تبين أحكامها علم أنها مدنية لا شك فيها، وأما من قال : ﴿ يا أيها الناس ﴾ [ مكي ]٥ حيث وقع، فليس بصحيح.
قال٦ :البقرة مدنية، وفيها ﴿ يا أيها الناس ﴾ مرتين في موضعين.
١ ينظر: القرطبي ٥/٣..
٢ ينظر: المصدر السابق والمحرر ٢/٣..
٣ ينظر: القرطبي ٥/٣..
٤ أخرجه البخاري في صحيحه كما في "الدر المنثور" (٢/٢٠٥) عن عائشة بلفظ: ما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده..
٥ سقط في ب..
٦ أي القرطبي ينظر تفسيره ٥/٣..

قال بعض المفسرين :" ابتدأ الله سبحانه وتعالى هذه السورة بالعطف على النساء والأيتام، ذكر فيها أحكاماً كثيرة، وبذلك ختمها، ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس والطِّبَاع، افتتحها بالأمر بالتقوى المشتملة على كل خير ".

فصل


روى الواحدي١ عن ابن عباس في قوله : ﴿ يأَيُّهَا النَّاسُ ﴾ أن هذا الخطاب لأهل مكة٢.
وأما الأصوليون من المفسرين فاتفقوا على أن الخطاب عام لجميع المكلّفين، وهذا هو الأصحُّ ؛ لأن لفظ الناس جمع دخله الألف واللام فيفيد الاستغراق، ولأنه علّل الأمر بالاتِّقَاءِ٣ لكونه تعالى خالق لهم من نفس واحدة، وهذه العلة موجودة في جميع المكلفين.
وأيضاً فالتكليف بالتقوى غير مختص بأهل مكة، بل هو عام، وَإذَا كان لفظ الناس عاماً، والأمر بالتقوى عاماً، وعلة هذا التكليف عامةً، فلا وجه للتخصيص، وحجة ابن عباس أن قوله : ﴿ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ﴾ [ النساء :١ ] مختص٤ بالعرب ؛ لأن المناشدة بالله وبالرحم عادة مختصة بهم، فيقولون :" أسألك بالله وبالرحم، أنشدك الله والرحم "، وإذا كان كذلك، كان قوله : ﴿ وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ﴾ [ النساء :١ ] مختصاً بالعرب، فيكون قوله : ﴿ يأَيُّهَا النَّاسُ ﴾ مختصاً بهم، لأن الخطابين متوجهان إلى مخاطب واحد.
ويمكن الجواب عنه بأن خصوص آخر الآية لا يمنع من عموم الآية٥.

فصل


اعلم أنه تعالى جعل الافتتاح لسورتين في القرآن :
أحدهما :هذه وهي السورة الرابعة من النصف الأول من القرآن، وعلل الأمر بالتقوى فيهما بما يدل على معرفة المبدأ بأنه خلق الخلق من نفس واحدة، وهذا يدل على كمال قدرة الخالق وكمال علمه وحكمته.
والثانية :سورة الحج وهي الرابعة أيضاً من النصف الثاني من القرآن وعلَّلَ الأمر بالتقوى فيها بما يدل على معرفة المعاد.
فَجَعَلَ صدر هاتين السورتين دليلاً على معرفة المبدأ والمعاد، وقدّم السورة الدالة على المبدأ على السورة الدالة على المعاد، وهذا سر عظيم٦.
﴿ مِّن نَّفْسٍ ﴾ متعلق ب " خلقكم " فهو في محل نصب، و " من " لابتداء الغاية، وكذلك " منها زوجها وبتَّ منهما " والجمهور على واحدة بتاء التأنيث٧، وأجمع المسلمون على أنَّ المراد بالنفس الواحدة [ هاهنا ]٨ آدم عليه السلام، إلا أنه أنث الوصف على لفظ النفس لقوله تعالى : ﴿ أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ﴾ [ الكهف :٧٤ ].
وابن أبي عبلة٩ واحدٍ من غير [ تاء ]١٠ تأنيث وله وجهان :
أحدهما :مراعاة المعنى١١ ؛ لأنه المراد بالنفس آدم عليه السلام.
والثاني :أن النفس تذكر وتؤنث. وعليه قوله : [ الوافر ]
ثَلاَثَةُ أنْفُسٍ وَثَلاَثُ ذَوْدٍ لَقَدْ جَارَ الزَّمَانُ عَلَى عِيَالِي١٢
قوله : ﴿ وَخَلَقَ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :أنه عطفٌ على معنى " واحدة " لما فيه من معنى الفعل، كأنه قيل :" من نفس وحدت " أي :انفردت، يُقال :" رجل وَحُد يَحِدُ وَحْداً وَحِدَة " انفرد.
الثاني :أنه عَطْفٌ على محذوف.
قال الزَّمَخْشرِيُّ١٣ :" كأنه قيل :من نفسٍ واحدةٍ أنشأها أو ابتدأها وخلق منها، وإنما حذف لدلالة المعنى عليه، والمعنى شَعَّبكم من نفس واحدةٍ هذه صفتها " بصفة هي بيان وتفصيل لكيفية خلقكم منها، وَإنَّما حمل الزمخشري رحمه الله تعالى والقائل الذي قبله على ذلك مراعاةُ الترتيب الوجودي ؛ لأن خلق حواء - وهي المعبر عنها بالزوج - قبل خلقنا ولا حاجة إلى ذلك، لأن الواو لا تقتضي ترتيباً على الصحيح.
الثالث :أنه عطف على " خَلْقَكُمْ "، فهو داخل في حيز الصلة والواو ولا يُبَالَى بها، إذ لا تقتضي ترتيباً ؛ إلا أن الزَّمَخشريَّ رحمه الله تعالى خَصَّ هذا الوجه بكون الخطاب [ للمؤمنين ]١٤ في ﴿ يأَيُّهَا النَّاسُ ﴾ لمعاصري الرسول عليه السلام فإنه قال :والثاني أنه يُعْطَفُ على " خلقكم " ويكون الخطاب للذين بُعِثَ إليهم الرسول، والمعنى :خلقكم من نفس آدم ؛ لأنه من جملة الجنس المفرّع [ منه ]١٥ وخلق منها أُمَّكم حواء.
فظاهر هذا خصوصيَّةُ الوجه الثاني أن يكون الخطاب للمعاصرين، وفيه نظر، وَقَدَّرَ بعضهم مضافاً في " منها " أي :" مِنْ جِنْسِها زوجَها "، وهو قول أبي مسلم١٦، قال :وهو كقوله : ﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً ﴾ [ النحل :٧٢ ] وقال ﴿ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ [ آل عمران :١٦٤ ] وقوله : ﴿ لَقَدْ جَآءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ ﴾ [ التوبة :٢٨ ].
قال :وحواء لم تخلق من آدم، وإنما خلقت من طينة فَضَلَتْ من طينة آدم١٧.
قال الْقَاضِي١٨ :والأول أقوى لقوله : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾.
قال ابن الخَطِيبُ :" يمكن أن يجاب بأن كلمة " مِن " لابتداء الغاية، فَلمَّا كان ابتداء الغاية وهو ابتداء التخليق والإيجاد وقع بآدم صحّ أن يُقَالَ : ﴿ خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ وأيضاً فالقادر على خلق آدم من التراب، [ كان قادراً أيضاً على خلق حواء من التراب ]١٩، وَإذا كان كذلك فأيّ فائدة في خلقها من ضلع من أضلاعه ".
وقرئ " وخالِقُ وباثٌّ " ٢٠ بلفظ اسم الفاعل، وخَرَّجَهُ الزمخشريُّ على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي :وهو خالِقٌ وباثٌّ.
وَيُقَالُ :بَثَّ وأبَثَّ ومعناه " فَرَّقَ " ثلاثياً ورباعياً٢١.
قال ابن المظفر٢٢ :" البثُّ تَفْرِيقَكَ الأشياء ".
يقال :بَثَّ الخيلَ في الغارة، وبَثَّ الصيَّادُ كِلاَبَهُ، وخلق الله الخلق :بَثَّهُمْ في الأرض، وبثثت البسطة إذا نشرتها. قال تعالى : ﴿ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ﴾ [ الغاشية :١٦ ].
فإن قيل :ما المناسبةُ بين الأمر بالتقوى وما ذكر معه من الوصف ؟ فالجواب :لما ذكر أنَّهُ خَلَقَنَا من نفس واحدة، وذلك علة لوجوب الانقياد علينا لتكاليفه ؛ لأنا عبيده وهو مولانا، ويجب على العبد الانقياد لمولاه ؛ ولأنه أنعم ومَنَّ بوجوه الإنعام والامتنان، فأوجد وَأَحْيَا وعَلَّمَ وهَدَى، فعلى العبد أن يُقَابِلَ تلك النِّعم بأنواع الخضوع والانقياد ؛ ولأنه بكونه موجداً وخالقاً وَرَبًّا يجبُ علينا عبادته، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ويلزم من ذلك ألا نوجب لتلك الأفعال ثواباً ؛ لأن أداء الحق لمستحقه لا يوجب، وثواب هذا إن سَلَّمْنَا أن العبد أتى بتلك الطاعات من عند نفسه، فكيف وهذا محال ؛ لأن الطاعات لا تحصل إلاَّ بخلق الله - تعالى - القدرة عليها، والداعية إليها [ ومتى حصلت القدرة والداعي كان ] مجموعهما موجباً لصدور الطاعة، فتكون تلك الطاعة إنعاماً آخر.
وأيضاً أنَّهُ خلقنا مِنْ نفسٍ واحدةٍ، ذلك أيضاً يوجبُ عَلَيْنَا طَاعَتَهُ لأنَّ ذلك يَدُلُّ على كمال القدرة ؛ لأن ذلك لو كان بالطبيعة لما تولد عن الإنسان إلاَّ إنسان يشاكله٢٣ ويشابهه في الْخِلْقَةِ والطبيعةِ، ولَمَّا اختلف الناس في الصفات والألوان، دَلَّ على أن الخالق قَادِرٌ مختارٌ عَالِمٌ، يجب الانقياد لتكاليفه ؛ ولأن اللَّه تَعالى عَقَّبَ الأمر بالتقوى بالأمر بالإحسانِ إلى الْيَتَامَى والنساءِ والضُّعَفَاء وكونهم من نفْس واحدة باعث على ذلك بكونه [ وذلك لأن الأقارب لا بد أن ]٢٤ يكون بينهم مواصلة وقرابة، وذلك يزيد في المحبة، ولذلك يفرح الإنسان بمدح٢٥ أقاربه ويحزن بذمهم فقدَّمَ ذكرهم٢٦، فقال : ﴿ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ﴾ ليؤكد شفقة بعضنا على بعض.
فإن قيل :لِمَ لَمْ يقل :وبَثَّ منها الرِّجال والنِّسَاءَ.
فالجواب :لأن ذلك يقتضي كونهما مبثوثين من نفسيهما، وذلك محال، فلهذا عدل إلى قوله : ﴿ وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً ﴾.
وقوله :" كثيراً " فيه وجهان٢٧ :
أظهرهما :أنه نَعْتٌ ل " رِجَالاً ".
قال أبو البقاء٢٨ :ولم يؤنثه حَمْلاً على المعنى ؛ لأن " رجالاً " بمعنى عدد أو جمع أو جنس كما ذَكَّر الفعل المسند إلى جماعةِ المؤنثِ لقوله تعالى : ﴿ وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ ﴾
[ يوسف :٣٠ ].
والثاني :أنه نعت لمصدر تقديره :وبث منهم بثاً كثيراً ؛ وقد تقدم أن مذهب سيبويه٢٩ في مثله النصبُ على الحالِ.
فإن قيل :لم خَصَّ الرِّجَالَ بوصفِ الكثرةِ دون النساء ؟ ففيه جوابان :
أحدهما :أنه حَذَفَ صِفَتَهُنّ لدلالة ما قبلها عليها تقديره :ونساءً كثيرة.
والثاني :أنَّ الرِّجال لشهرتهم [ وبروزهم ]٣٠ يُنَاسِبُهم ذلك بخلافِ النِّسَاء، فإنَّ الأليقَ بِهِنَّ الخمولُ والإخفاء.
قوله : ﴿ تَسَاءَلُونَ ﴾ قرأ الكوفيون٣١ " تَسَاءَلُونَ " بتخفيف السين على حذف إحدى التاءين تخفيفاً، والأصل :" تتساءلون " به، وقَدْ تَقَدَّمَ الخلافُ :هَلْ المحذوفُ الأولى أو الثانية وقرأ الباقون بالتشديد على إدغام تاء التفاعل في السين ؛ لأن مقاربتها في الهمس، ولهذا تُبْدَلُ من السين، قالوا :" ست " والأصل " سِدْسٌ " وقرأ٣٢ عبد الله :" تَسْألون " من سأل الثلاثي، وقُرِئَ " تَسَلون " ٣٣ بنقل حركة الهمزة على السين، و " تَسَاءلون " على التفاعل فيه وجهان :
أحدهما :المشاركة٣٤ في السؤال.
والثاني :أنه بمعنى فَعَلَ، ويدلّ عليه قراءة عبد الله.
قال أبُو البَقَاءِ٣٥ :" وَدَخَلَ حَرْفُ الجرِّ في المفعول ؛ لأن المعنى :" تتحالفون " يعني أن الأصل تعدية " تسألون " إلى الضمير بنفسه، فلما ضُمِّن " تتحالفون " عُدِّي تَعْدِيَتَه ".
قوله : ﴿ وَالأَرْحَامَ ﴾ الجمهور نصبوا الميم، وفيه وجهان :
أحدهما :أنه عطف على لفظ الجلالة، أي :واتقوا الأرحام أي :لا تقطعوها، وقَدَّرَ بعضهم مضافاً أي :قَطْعَ الأرحام.
ويقال :إنَّ هذا في الحقيقةِ من عطف الخاصِّ على العام، وذلك أن معنى اتقوا الله ؛ اتقوا مخالَفَتَه، وقَطْعُ لأرحام مندرج فيها، وهذا قول مجاهد وقتادة والسَّدي والضحاك والفرّاء والزّجّاج٣٦.
قال الواحدي٣٧ :ويجوز أن يكون منصوباً بالإغراء، أي :والأرحام احفظوها وصلوها كقولك :الأسدَ الأسدَ، وهذا يَدُلُّ على تحريم قطيعةِ الرحم ووجوب صلتها.
والثاني :أنه معطوف على محل المجرور في " به "، نحو :مررت بزيد وعمراً، ولمَّا لم يَشْرَكه في الإتباع على اللفظ تبعه على الموضع، وهذا يؤيده قراءة٣٨ عبد الله " وبالأرحام ".
وقال أبو البقاء٣٩ :تُعَظِّمُونه والأرحام، لأنَّ الحَلْفَ به تَعْظِيم له.
وقرأ حمزة٤٠ " والأرحامِ " بالجر، قال القفال٤١ :وقد رويت هذه القراءة عن مجاهد وغيره، وفيها قولان :
أحدهما :أنه عَطَفَ على الضمير المجرور في " به " من غير إعادة الجار، وهذا لا يجيزه البصريون٤٢، وقد تَقَدَّم تحقيقُ ذلك، وأن فيها ثلاثةَ مذاهب، واحتجاج كل فريق في قوله تعالى :
﴿ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ [ البقرة :٢١٧ ] وقد طَعَنَ جَمَاعَةٌ في هذه القراءة، كالزجاج وغيره، حتى يحكى عن الفراء الذي٤٣ مذهبه جوازُ ذلك أنه قال :حدثني شريك بن عبد الل
١ ينظر تفسير الرازي ٩/١٢٨..
٢ ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" (١/٣٢٧) عن ابن عباس وتقدم تخريجه في سورة البقرة..
٣ في ب: بلاتفاق وهو تحريف..
٤ في أ: يختص..
٥ فكان قوله: "يا أيها الناس" عاما في الكل، وقوله: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام" خاصا بالعرب ينظر: تفسير الرازي ٩/١٢٩..
٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٢٩..
٧ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٥، تفسير الرازي ٩/١٣١..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣، والبحر المحيط ٣/١٦٢، والدر المصون ٢/٢٩٥..
١٠ سقط في ب..
١١ في أ: مراعاة اللفظ بالمعنى..
١٢ تقدم برقم ٤٦٨..
١٣ ينظر: الكشاف ١/٤٦١، الدر المصون ٢/٢٩٥..
١٤ سقط في ب..
١٥ سقط في ب..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣١..
١٧ المصدر السابق..
١٨ زيادة من الرازي لتمام المعنى..
١٩ ينظر: الكشاف ١/٤٦٢، والدر المصون ٢/٢٩٦..
٢٠ ينظر: تفسير الكشاف ١/٤٦٢..
٢١ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٦، عمدة الحفاظ ١/١٧٩..
٢٢ في أ: ابن الخطيب ينظر تفسير الرازي ٩/١٣٢، معزوا لابن المظفر..
٢٣ في أ: يقابله..
٢٤ زيادة من الرازي لتمام المعنى..
٢٥ في ب: أن يمدح..
٢٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣٠..
٢٧ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٦..
٢٨ ينظر إملاء ما من به الرحمان بهامش الفتوحات الإلهية ٢/١٨١ طبعة الحلبي والدر المصون الموضع السابق..
٢٩ قال السيوطي في الهمع ٦/٢٨٦: يجوز في هذا النوع حذف إحدى التاءين تخفيفا، وهل المحذوف الأولى أو الثانية؟ قولان: أصحهما الثاني، وهو مذهب سيبويه والبصريين، وقال الكوفيون بالمحذوف الأولى، وهي حرف المضارعة.
قال سيبويه في الكتاب ٤/٤٧٦: فإن التقت التاءان في تتكلمون وتتنزلون، فأنت بالخيار، إن شئت أثبتهما، وإن شئت حذفت أحدهما. وتصديق ذلك قوله ـ عز وجل ـ {تتنزل عليهم الملائكة﴾
، ﴿تتجافى جنوبهم عن المضاجع﴾ وإن شئت حذفت التاء الثانية أولى بالحذف، لأنها هي التي تسكن وتدغم في قوله تعالى: ﴿فادارأتم﴾ و ﴿أزينت﴾ وهي التي يفعل بها ذلك في ﴿يذكرون﴾..

٣٠ سقط في أ..
٣١ ينظر: السبعة ٢٢٦، والحجة ٣/١١٨، ١١٩، وحجة القراءات ١٨٨، وشرح الطيبة ٤/١٨٩، وإعراب القراءات ١/١٢٧، وشرح شعلة ٣٣١، والعنوان ٨٣، وإتحاف ١/٥٠١..
٣٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/٤، والبحر المحيط ٣/١٦٥، والدر المصون ٢/٢٩٦..
٣٣ انظر: البحر المحيط ٣/١٦٥، والدر المصون ٢/٢٩٦..
٣٤ في ب: المشار إليه..
٣٥ ينظر: إعراب القرآن ٢/١٨١، الدر المصون ٢/٢٩٦..
٣٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٤٣، الدر المصون ٢/٢٩٦، المحرر الوجيز ٢/٤، معاني القرآن للزجاج ٢/٦..
٣٧ ينظر: تفسير الرازي الموضع السابق..
٣٨ ينظر: تخريج القراءة السابقة..
٣٩ ينظر: الإملاء ٢/١٨٢، الدر المصون ٢/٢٩٦..
٤٠ انظر: السبعة ٢٢٦، والحجة ٣/١٢١، وحجة القراءات ١٨٨، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٢٧، وشرح الطيبة ٤/١٨٩، وشرح شعلة ٣٣١، وإتحاف ١/٥٠١..
٤١ ينظر :تفسير الرازي ٩/١٣٣..
٤٢ في هذه المسألة خلاف بين البصريين والكوفيين: فذهب البصريون في العطف على الضمير المخفوض أنه لا يجوز إلا بإعادة الخافض، ولا يجوز عندهم العطف بغير حرف جر؛ إلا في الشعر، وإذا جاء في الشعر حمل على حذف حرف الجر، وقال سيبويه: وقد يجوز في الشعر أن تشرك بين الظاهر والمضمر مع المرفوع والمجرور، إذا اضطر الشاعر.
وأجاز هذا الكوفيون في نحو: مررت بك وزيد، وجرى عندهم مجرى: مررت بزيد وعمرو، واستدلوا عليه بالقياس والسماع.
أما القياس: فعلى عطف الظاهر على الظاهر، وليس مثل عطف المضمر على الظاهر؛ لأنك هنا ـ وإن لم تكرر ـ لزم مجيء الضمير المخفوض غير متصل، وهذا لا يكون في المخفوض.
وأما السماع: فقوله سبحانه: ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام﴾ قرأه حمزة بالخفض، وهو معطوف على الضمير، وللبصريين أن يقولوا: إن الوقوف على ﴿به﴾ ﴿والأرحام﴾ قسم، والتقدير:"ّوحق الأرحام إن الله كان عليكم رقيبا" وكذلك استدلوا بقوله سبحانه: ﴿صد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام﴾ وهو معطوف على "به"، والبصريون يذهبون إلى أنه معطوف على "سبيل الله".
وأما ما ذكروه من القياس، فليس مثله؛ فإنك إذا قلت: مررت يزيد وعمرو، فالواو لها تقتضي الترتيب، والمقدم كأنه مؤخر، والمؤخر كأنه مقدم؛ فكأنك قلت: مررت بعمرو وزيد، وأنت لو قلت هذا، لكان صحيحا، وإذا قلت: مررت بك وزيد، فكأنك قلت: مررت بزيد وبك، فكما لا يكون الثاني هنا إلا بحرف عطف، كذلك لا يكون الثاني هناك إلا بحرف عطف، ولما امتنع هذا في الواو امتنع في باقي حروف العطف؛ لأن الواو هي أمكن في العطف، وأمر آخر أنك إذا قلت: مررت بزيد وعمرو، فلم ينزل الظاهر هنا مع الحرف منزلة الشيء الواحد؛ لأنه ظاهر يأتي مرفوعا ومنصوبا، وإذا كان كذلك كان منفصلا عن عامله، وإذا قلت: مررت بك، فقد تنزل الباء هنا مع الكاف منزلة الشيء الواحد؛ لأنه على حرف واحد، وإنه ضمير متصل لا يأتي إلا متصلا بعامله، وبهذا الثاني علل سيبويه، وكلاهما عندي صحيح، قاله ابن أبي الربيع، هذا وقد أجاز جماعة من النحاة العطف على المضمر المجرور، دون إعادة الخافض، منهم الأخفش...وأبو علي الشلوبين، وابن مالك.
البسيط ١/٣٤٥، ٣٤٦ ـ ٣٤٧، الإنصاف ٢/٤٦٣، الكتاب ٢/٣٨٢ ـ ٣٨٣..

٤٣ ينظر: الدر المصون ٢/٢٩٧..
لما وَصَّى في الآية السابقة بالأرحام وصَّى في هذه الآية بالأيتام ؛ لأنَّهم قد صاروا بحيثُ لا كافِلَ لهم ولا مُشْفِقَ فيهم - أسوأ حالاً ممن له رحم، فإنه عطفه١ عليه، وهذا خطاب الأولياء والأوصياء.
قالوا :إن اليتيم٢ من لا أب له ولا جد، والإيتاء :الإعطاء قال أبو زيد٣ :أتَوْتُ الرجلَ آتُوه إتَاوَةً، وهي الرّشوة.
وقال الزمخشريُّ٤ :الأيتام الذين مات آباؤهم، وَاليُتْمُ :الانفراد، ومنه الرملة اليتيمة، والدُّرة اليتيمة.
وقيل : [ اليتيم ] في الأناسي من قبل الآباء وفي البهائم من قبل الأمهات.
قال :وحق هذا الاسم أن يقع على الضعفاء والكبار لمن يبقى معنى الانفراد عن الآباء، إلا أنَّ في العرف اختصّ هذا الاسم بمن لم يبلغ، فإذا صار مستعيناً بنفسه في تحصيل مصالحه عن كافله، زال عنه هذا الاسم ؛ وكانت قريش تقول لرسول اللهِ صلى الله عليه وسلم :يَتِيم أبِي طَالِبٍ، إمَّا على القياس، وإما حكاية للحال التي كان عليها حين صغره ناشئاً في حجر عمه توضيعاً له.
وأما على قوله عليه السلام :" لاَ يتم بَعْدَ بُلُوغ " ٥ فهو تعليم للشريعة لا تعليم للغة.
وروى أبو بكر الرازي٦ في أحكام القرآن أن جده كتب إلى ابن عباس يسأله عن اليتيم متى ينقطع يتمه ؟ فكتب إليه :إذا أونِسَ منه الرشد انقطع يتمه.
وفي بعض الروايات :إن الرجل ليقبض على لحيته ولم ينقطع عنه يتمه بعدُ [ فأخبر ابن عباس ]٧ أن اسم اليتيم يلزمه بعد البلوغ، إذا لم يؤنس منه الرُّشْدُ، ثم قال أبو بكر :" واسم اليتم قد يقع على المرأة المفردة عن زوجها ".
قال عليه السلام :" تستأمر اليتيمة في نفسها " ٨ وهي لا تستأمر إلاَّ وهي بالغة.
قال الشاعر : [ الرجز ]
إنَّ الْقُبٌورَ تَنْكِحُ الأيَامى *** النِّسْوَةَ والأرَامِلَ الْيَتَامَى٩
فالحاصل أنّ اسم اليتيم بحسب اللُّغة يتناول الصغير والكبير.
فإن قيل :كيف جُمِعَ اليتيمُ على يتامى ؟ واليتيم فعيل :فيجمع على فعلى، كمريض ومرضى وقتيل وقتلى، وجريح وجرحى ؟ فقال الزَّمَخْشَرِيُّ :فيه وجهان١٠.
أحدهما :أن يقال :إن جمع اليتيم، يَتْامَى، يتمى، ثمّ يجمع فعلى على فَعَالَى كأسير وأسَارَى.
والثاني :أن نقول :جمع اليتيم يتائم ؛ لأن اليتيم جار مجرى الاسم نحو " صاحب " و " فارس " ثم تنقلب " اليتائم " " يتامى ".
قال القفّال١١ :" ويجوز يتيم ويتامى كنديم وندامى، ويجوز أيضاً يتيم وأيتام كشريف وأشراف ".
فإن قيل :إن اسم اليتيم مختص بالصغير فما دام يتيماً١٢ لا يجوز دفع ماله إليه، وإذا صار كبيراً بحيث يجوز دفع ماله إليه لم يبق يتيماً، فكيف قال : ﴿ وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ ﴾.
فالجوابُ من وجهين :
الأول :أن يقال :المراد من اليتامى الذين بلغوا وكبروا، وسمَّاهم الله - تعلى - يتامى، إما على أصل اللغة، وإما لقرب عهدهم باليُتْم، وإن كان قد زال من هذا الوقت كقوله تعالى : ﴿ وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ [ الأعراف :١٢٠ ].
أي :الذين كانوا سحرة قبل السُّجود، وأيضاً سمَّى اللَّهُ تعالى مقاربة انقضاء العدة بلوغ الأجل في قوله : ﴿ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ ﴾ [ الطلاق :٢ ] والمعنى مقاربة الأجل، ويدل على أن المراد من اليتامى في هذه الآية البالغون قوله تعالى :
﴿ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ ﴾ [ النساء :٦ ] والإشهاد عليهم لا يصح قبل البلوغ.
الوجه الثاني :أن يقال :المراد باليتامى الصِّغار، وعلى هذا ففي الآية وجهان :
أحدهما :أن قوله " وَآتُوا " أمر، والأمر يتناول المستقبل فيكون المعنى :أن هؤلاء الذين هم يتامى في الحال آتوهم بعد زوال صفة اليتم عنهم أموالهم. فتزول المناقضة.
والثاني :أنَّ المُرَاد :وآتوا اليتامى حال كونهم يَتَامَى ما يحتاجونه مِنْ نفقتهم وكسوتهم، والفائدة فيه :أنه كان يجوز أن يظنّ أنّه لا يجوز إنفاق ماله عليه حال صغره، فأباح اللَّهُ - تعالى - ذلك، وفيه إشكال وهو :أنه لو كان المراد ذلك لقال :وآتوهم من أموالهم، والآية تَدُلُّ على إيتائهم كل مالهم١٣.

فصل


نقل أبو بكر الرازيُّ في أحكام القرآن عن الحسن أنه قال :لما نزلت هذه الآية في أموال اليتامى كرهوا أن يخالطوهم، وعزلوا أموالهم عن أموال اليتامى، فَشَكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل اللهُ تعالى ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ [ البقرة :٢٢٠ ]. فخلطوا عند ذلك طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم.
قال المفسرون١٤ :الصحيح أنها " نزلت في رجل من غطفان، كان معه مال كثير لابن أخ له يتيم، فلما بلغ اليتيم طلب ماله فمنعه عمُّهُ فترافعا إلى النَّبيِّ صلى لله عليه وسلم فنزلت هذه الآية، فلما علمها العَمُّ قال :أطَعْنَا اللَّهَ وأطعنا الرَّسُولَ، نعوذ بالله من الحُوب الكبير، ودفع إليه ماله١٥ فقال النبي صلى الله عليه وسلم " وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ وَيطعْ رَبَّهُ هكذا فإنَّهُ يَحِلُّ دَارَهُ " أي :جَنَّتهُ، فلما قبض الصَّبِيُّ ماله أنفقه في سبيل الله فقال النبي صلى لله عليه وسلم " ثَبَتَ الأجْرُ وَبَقِيَ الوِزْرُ " فقالوا :يا رسول الله :لقد عرفنا أنه ثبت الأجْرُ، فكيف بقي الوِزْرُ وهو ينفق في سبيل الله فقال :" ثبت الأجْرُ لِلْغُلاَم، وَبَقِي عَلَى وَالِدِهِ الْوزْرُ " ١٦ ".
قال القرطبيُّ١٧ :وإيتاء اليتامى أموالهم يكون من وجهين :
أحدهما :إجراء الطَّعام والكسوة ما دامت الولاية، إذْ لا يمكن إلا ذلك لمن لا يستحق الأخذ الكلي كالصغير والسفيه الكبير.
والثاني :الإيتاء بالتمكين وتسليم المال إليه، وذلك عند ابتلاء والإرشاد وتكون تسميته حينئذ يتيماً مجازاً بمعنى :الَّذي كان يتيماً استصحاباً للاسم، كقوله ﴿ فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ ﴾ [ الشعراء :٤٦ ] أي الذين كانوا سحرة، وكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم " يتيم أبي طالب " فإذا تحقَّقَ الوليّ رشده حَرُمَ عليه إمساك ماله عنه.
قال أبو حنيفة :إذا بلغ خمساً وعشرين سنة، أعطي ماله على كل حال ؛ لأنَّه يصير جداً.
قوله : ﴿ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ ﴾ وقد تقدَّم في البقرة قوله : ﴿ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ ﴾ [ البقرة :٥٩ ] أنَّ المجرور بالباء هو المتروك، والمنصوب هو الحاصل، وتفعل هنا بمعنى استفعل، وهو كثير، نحو تَعَجَّل وَتََأَخَّرَ بمعنى استعجل واستأخر ومن مجيء تبدَّلَ بمعنى اسْتَبْدَلَ قولُ ذي الرمة : [ الطويل ]
فَيَا كَرَمَ السَّكْنِ الَّذِينَ تَحَمَّلُوا *** عَنِ الدَّارِ وَالمُسْتَخْلَفِ الْمَتِبَدِّلِ١٨
أي :المستبدل.
قل الواحدي١٩ :" تبدل الشَّيء بالشيء إذا أخذ مكانه ".
قوله :" بالطيِّب ".
هو المفعول الثاني ل " تتبدلوا ".
وفي معنى هذا التبدُّل وجوه :
الأول :قال الفرّاء والزَّجَّاج٢٠ :لا تستبدلوا الحرام، وهو مال اليتامى بالحلال وهو مالكم الذي لأبيح لكم.
الثاني :قل سعيد بن المسيب والنخعي والزهْريُّ والسُّدِّيُّ :وكان أولياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتم، ويجعلون مكانه الرديء، وربما كان أحدهم أخذ الشّاة السّمينة، ويضع من مال اليتم ويجعل مكانها المهزولة، ويأخذ الدرهم الجيد، ويجعل مكانه الزيف، يقول :درهم بدرهم، فَنُهُوا عن ذلك.
وطعن الزمخشريُّ٢١ :في هذا الوجه فقال :ليس هذا تَبَدُّلاً، إنما هو تبديل.
الثالث :أن يكون صديقه فيأخذ منه نعجة عجفاء٢٢ مكان سمينة من مال الصبي.
الرابع :معناه لا تأكلوا مال اليتيم سلفاً مع التزام بَدَلِهِ بعد ذلك.

فصل


قل أبو العباس المقرئ :ورد لفظ " الطيِّب " في القرآن على أربعة أوجه :
الأول :الحلال كهذه الآية.
الثاني :بمعنى الظَّاهر كقوله تعالى : ﴿ صَعِيداً طَيِّباً ﴾ [ النساء :٤٣ ] أي :ظاهراً.
الثالث :بمعنى الحَسَن قال تعالى : ﴿ إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ ﴾
[ فاطر :١٠ ] أي :الحسن، ومثله ﴿ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ ﴾ [ النور :٢٦ ] أي :الكلام الحسن للمؤمنين.
الرابع :الطيِّبَ :المؤمن قال تعالى : ﴿ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ﴾ [ آل عمران :١٧٩ ] يعني :الكافر من المؤمن.
قوله : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ﴾ في قوله ثلاثة أوجه :
أحدها :أن " إلى " بمعنى " مع " كقوله : ﴿ إِلَى الْمَرَافِقِ ﴾ [ المائدة :٦ ]، وهذا رأي الكوفيين.
الثاني :أنها على بابها وهي ومجرورها٢٣ متعلّقة بمحذوف على أنَّها حال، أي :مضمومة، أو مضافة إلى أموالكم.
الثالث :أن يضمَّن " تأكلوا " بمعنى " تضموا " كأنه قيل :ولا تَضمُّوهَا إلى أموالكم آكلين.
قال الزمخشريُّ٢٤ :فإن قلت :قد حَرَّمَ عليهم أكل مال٢٥ اليتامى، فدخل فيه أكله وحده ومع أموالهم، فَلِمَ ورد النهي عن أكلها معها ؟
قلت :" لأنهم إذا كانوا مستغنين عن أموال اليتامى بما رزقهم الله - تعالى - من الحلال، وهم مع ذلك يَطْعمون منها، كان القبحُ أبلغ والذمُّ ألحق، ولأنهم كانوا يفعلون كذلك فنعى عليهم فعلهم، وشَنَّعَ بهم ليكون أزجر لهم ".
واعلم أنه تعالى، وَإنْ ذكر الأكل، فالمرادُ به سائر التصرفات المملكة للمال، وإنما ذكر الأكل لأنه معظم ما يقع التصرف لأجله.
قوله : ﴿ إِنَّهُ كَانَ حُوباً ﴾ في الهاء ثلاثة أوجه :
أحدها :أنها تعود على الأكل المفهوم، من " لا تأكلوا ".
الثَّاني :على التبدُّلِ المفهوم من " لا تَتَبَدَّلُوا الخبيثَ ".
الثالث :عليهما ذهاباً به مذهب اسم الإشارة نحو : ﴿ عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ ﴾
[ البقرة :٦٨ ] ومنه : [ الرجز ]
كأَنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ٢٦ ***. . .
وقد تقدم ذلك في البقرة، والأول أولى لأنه أقرب مذكور.
وقرأ الجمهور " حُوباً " بضم الحاءِ، والحسن بفتحها٢٧، وبعضهم :" حَاباً " بالألف، وهي لغت في المصدر، والفتح لغة تميم.
ونظير الحوْب والحاب، والقول والقال، والطُّرد والطَّرْد - وهو الإثم - وقيل :المضموم اسم مصدر، [ والمفتوح مصدر ]٢٨ وأصله من حوب الأبل، وهو زجرها فسُمِّي به لإثم ؛ لأنه يزجر به، ويطلق على الذَّنب أيضاً ؛ لأنه يزجر عنه، ومنه قول عليه السلام :" إنَّ طَلاقَ أمِّ أيُّوبَ لَحُوْب " ٢٩ أي :لذنب عظيم. وقل القرطبي٣٠ :والحوبُ الوحشة، ومنه قوله عليه السَّلام لأبي أيوب " إن طلاق أم أيوب لحوب ".
قال القفال٣١ :وكأن أصل الكلمةِ من التَّحوُّبِ وهو التَّوجُّعُ، فالحوبُ هو ارتكاب ما يتوجَّعُ المرتكبُ منه، يقال :حَابَ يَحُوب، حَوْباً، وحَاباً وحِيابة.
قال المخبل السعدي : [ الطويل ]
فلا يَدْخُلَنَّ الدَّهْرَ قَبْرَكَ حُوبُ *** فَإنَّكَ تَلْقَاهُ عَلَيْكَ حَسِيبُ٣٢
وقال آخر [ الوافر ]
وإنّ مُهَاجِرَيْنِ تَكَنَّفَاهُ *** غَدَاتَئِذٍ لَقَدْ خَطِئَا وَحَابَا٣٣
والح
١ بياض في ب..
٢ في أ: فاليتيم..
٣ ينظر: القرطبي ٥/٧..
٤ ينظر: الكشاف ١/٤٦٣..
٥ أخرجه أبو داود كتاب الوصايا ب ٩ رقم (٢٨٧٣) والبيهقي (٧/٥٧) والطبراني في "المعجم الصغير" (١/٩٦) والطحاوي في "مشكل الآثار" (١/٢٨٠) عن علي بن أبي طالب مرفوعا.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/٣٣٤) وقال: ورجاله ثقات. وله طرق آخر عن علي: أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" (١/٩٦) ومن طريقه الخطيب في "تاريخ بغداد" (٥/٢٩٩). وللحديث شاهد عن جابر بن عبد الله بلفظ: لا رضاع بعد فصال ولا يتم بعد احتلام. أخرجه الطيالسي (١٦٦٧)..

٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣٦..
٧ في أ: فجاز..
٨ أخرجه أحمد (٢/٢٥٩، ٤٧٥) والنسائي في "النكاح" (٦/٧٨) وأبة داود (٢٠٩٣، ٢٠٩٤) والترمذي (١/٢٠٦) رقم (١١٠٩) والبيهقي (٧/١٢٠) وابن حبان (١٣٢٩ ـ موارد) وأبو يعلى (١٠/٤١٣) رقم (٦٠١٩) من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا.
وله شاهد من حديث أبي موسى الأشعري:
أخرجه أبو يعلى (١٣/٣١١) رقم (٧٣٢٨) ومن طريقه ابن حبان (١٢٣٨- موارد) وأحمد (٤/٣٩٤-٤١١) والدارمي (٢/١٣٨) والبيهقي (٧/١٢٠) والبزار (٢/١٦٠) رقم (١٤٢٣).
والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد " (٤/٢٨٠) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والبزار والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح..

٩ ينظر: الفخر الرازي ٩/١٣٦..
١٠ ينظر: الكشاف ١/٤٦٣، تفسير الرازي ٩/١٣٦..
١١ ينظر: الرازي ٩/١٣٧..
١٢ في أ: زيادة وهو ما دام يتيما..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣٧..
١٤ ينظر: تفسير الرازي الموضع السابق، تفسير القرطبي ٥/٨، الكشاف ١/٤٦٤..
١٥ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٠٧) وعزاه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير..
١٦ ذكره القرطبي في تفسيره ٥/٨..
١٧ ينظر: القرطبي ٥/٨..
١٨ ينظر: البيت في ديوانه (١٤٦٥) والكشاف ١/٤٦٥ والدر المصون ٢/٢٩٨..
١٩ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٣٨..
٢٠ ينظر: تفسير الرازي الموضع السابق..
٢١ ينظر: الكشاف ١/٤٦٥..
٢٢ العجفاء وهي المهزولة من الغنم وغيرها.
ينظر: النهاية في غريب الحديث والأثر ٣/١٨٦..

٢٣ في ب: مجرور هنا وهو تحريف..
٢٤ ينظر: الكشاف ١/٤٦٦..
٢٥ في ب: أموال..
٢٦ تقدم برقم ٥٧٩..
٢٧ انظر: إتحاف ١/٥٠٢، والمحرر الوجيز ٢/٦، والبحر المحيط ٣/١٦٩، والدر المصون ٢/٢٩٨..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ أخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢/١٩٦) عن ابن عباس أن أبا أيوب طلق امرأته فقال له النبي صلى الله عليه وسلم...فذكره. وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٩/٩٦٥) وقال: رواه الطبراني وفيه يحيى بن عبد الحميد الحماني وهو ضعيف.
والحديث ذكره القرطبي في "تفسيره" (٥/٨)..

٣٠ ينظر: القرطبي ٥/٥..
٣١ ينظر: الرازي ٩/١٣٩..
٣٢ ينظر البيت في البحر ٣/١٥٩ واللسان (حوب) والدر المصون ٢/٢٩٨ وهو في اللسان برواية:
فلا يدخلن الدهر قبلك حوبة *** يقوم بها يوما عليك حسيب.

٣٣ البيت لأمية بن الأسكر ينظر الخزانة ٢/٤٠٥ والبحر ٣/١٥٩ والدر المصون ٢/٢٩٨..
قوله : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ ﴾ شرط، وفي جوابه وجهان :
أحدهما :أنه قوله : ﴿ فَانكِحُواْ ﴾ وذلك أنهم كانوا يتزوجون الثمانَ، والعشر، ولا يقومون بحقوقهن، فلمَّا نزلت ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ أخذوا يَتحرّجُونَ من ولاية اليتامى، فقيل لهم :إن خفتم من الجورِ في حقوق اليتامى فخافوا أيضاً من الجور في حقوق النساء، فانكحوا هذا العدد ؛ لأنَّ الكَثْرَةَ تُفْضي إلى الجور، ولا تنفع التوبةُ من ذنبٍ مع ارتكاب مثله.
والثاني :أن جوابه قوله :" فواحدة "، والمعنى أنَّ الرجل منهم كان يتزوج اليتيمة التي في ولايته، فلما نزلت الآية المتضمنة للوعيد على أكل مال اليتيم تحرَّجوا من ذلك، فقيل لهم :إن خفتم من نكاح النساء اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من [ النساء مثنى وثلاث ورباع من ]١ الأجنبيات أي :اللاتي لسن تحت ولايتكم، فعلى هذا يحتاج إلى تقدير مضاف، أي :في نكاح يتامى النساء.
فإن قيل :" فواحدة " جواب لقوله : ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً ﴾ فكيف يكون جواباً للأول ؛ فالجواب :أنَّهُ أَعَادَ الشرط الثاني لأنه كالأول في المعنى، لما طالَ الفصل بين الأول وجوابه٢ وفيه نظر لا يخفى. والخوف هنا على بابه فالمراد به الحذر.
وقال أبو عبيدة إنه بمعنى اليقين وأنشد الشاعر : [ الطويل ]
فَقُلْتُ لهُمْ خَافُوا بأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ سَرَاتُهُمُ في الفَارِسِي الْمُسَرَّدِ٣
أي :أيقِنُوا، وقد تَقَدَّمَ تَحْقِيْقُ ذلك والردُّ عليه عند قوله تعالى :
﴿ إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ [ البقرة :٢٢٩ ].
قوله : ﴿ أَلاَّ تُقْسِطُواْ ﴾ إنْ قَدَّرَتْ أنها على حذف حرف الجر، أي :" مِنْ أن لا " ففيها الخلاف المشهور أي :في محل نصب [ أو جر، وإنْ لم تقدّر ذلك بل وصل الفعل إليها بنفسه، كأنك قلت :" فَإنْ حَذَرْتم " فهي في محل نصب ]٤ فقط كما تَقَدَّمَ في البقرة.
وقرا الجمهور :" تقسطوا " بضم التاء، من أقْسَط :إذا عدل، فتكون لا على هذه القراءة نافيةُ، والتقديرُ :وإنْ خِفْتُمْ عدم الإقساط أي :العدل.
وقرأ إبراهيم النخعي٥ :ويحيى بن وثَّاب بفتحها من " قسط " وفيها تأويلان :
أحدهما :أن " قَسَطَ " بمعنى " جار "، وهذا هو المشهور في اللغة، أعني أن الرباعي بمعنى عَدَلَ، والثلاثي بمعنى جار، وكأنَّ الهمزة فيه للسَّلْبِ بمعنى " أقسط " أي :أزال القسط وهو الجور، و " لا " على هذا القول زائدة ليس إلا، وإلا يفسد المعنى كهي في قوله : ﴿ لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ ﴾ [ الحديد :٢٩ ].
والثاني :حكى الزجاج أن " قسط " الثلاثي يستعمل استعمال " أقسط " الرباعي، فعلى هذا تكون " لا " غير زائدة، كهي في القراءة الشهيرة ؛ إلاَّ أنَّ التَّفْرِقَةَ هي المعروفةُ لغة.
قالوا :قاسطته إذَا غَلَبْتَهُ على قِسْطِهِ، فبنوا " قسط " على بناء ظلم وجار وغلب.
وقال الراغب٦ :" القِسْط " أن يأخذ قِسْطَ غيره، وذلك جَوْرٌ، وأَقْسَطَ غيره، والإقسَاطِ أن يُعْطِيَ قِسْطَ غَيْرِهِ، وذلك إنصاف، ولذلك يقال :قَسَطَ الرَّجُلُ إذَا جَار، وأَقْسَطَ إذَا عدَلَ، قال تعالى : ﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾ [ الجن :١٥ ].
[ وقال تعالى : ﴿ وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ ﴾ [ الحجرات :٩ ].
وَحُكِيَ أنَّ الحَجَّاجَ لما أحضر سعيد بن جبير، قال له :ما تقول فيَّ ؟ قال :" قَاسِطٌ عادل " فأعجب الحاضرون، فقال لهم الحجاج :ويلكم لم تفهموا عنه إنّه جعلني جائراً كافراً، ألم تسمعوا قوله تعالى :
﴿ وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَباً ﴾٧ [ الجن :١٥ ]. وقال تعالى : ﴿ ثْمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ﴾ [ الأنعام :١ ] وقد تقدم الكلام على هذه المادة من قوله : ﴿ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ ﴾
[ آل عمران :١٨ ].
قوله : ﴿ مَا طَابَ ﴾ في " ما " هذه أوجه :
أحدها :أنها بمعنى الذي وذلك عند من يرى أن " ما " تكون للعاقل، وهي مسألة مشهورة، وذلك أن " ما " و " من " وهما يتعاقبان، قال تعالى : ﴿ وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا ﴾
[ الشمس :٥ ] وقال : ﴿ وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ ﴾ [ الكافرون :٣ ] وقال ﴿ فَمِنْهُمْ مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ ﴾ [ النور :٤٥ ].
وحكى أبو عمرو بن العلاء :سبحان من سبح الرعد بحمده.
وقال بعضهم٨ :نَزَّلَ الإناث منزلة غير العقلاء كقوله : ﴿ إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ ﴾ [ المؤمنون :٦ ].
قال بعضهم٩ :وَحَسن وقوعها هنا أنها واقعة على النساء، وهن ناقصات العقول. وبعضهم يقول :هي لصفات من يعقل.
وبعضهم يقول :لنوع من يعقل كأنه قيل :النوع الطيب من النساء، وهي عبارات متقاربة. فلذلك لم نعدّها أوجهاً١٠.
الثاني :أنها نَكِرَةٌ موصوفة، أي :أنكحوا جنساً طيباً أو عدداً طيِّباً.
الثالث :أنها مصدرية، وذلك المصدر واقع موقع اسم الفاعل، تقديره :فانحكوا [ الطَّيِّبَ.
وقال أبو حيان١١ :والمصدر مقدر هنا باسم الفاعل، والمعنى فانكحوا ]١٢ النكاح الذي طاب لكم. والأول أظهر.
الرابع :أنها ظرفية تستلزم المصدريَّة، والتقدير :فانحكوا ما طاب مدة يطيب فيها النكاح لكم١٣. إذا تقرر هذا، فإن قلنا :إنها موصولة اسمية أو نكرة موصوفة، أو مصدرية، والمصدرُ واقع اسم الفاعل كانت " ما " مفعولاً ب " انكحوا " ويكون " من النساء " فيه وجهان :
أحدهما :أنها لبيان الجنس المبهم في " ما " عند مَنْ يثبت لها ذلك.
والثاني :أنها تبعيضية، أي :بعض النساء، وتتعلق بمحذوف على أنها حال من " ما طاب " وإن قلنا :إنها مصدرية ظرفية محضة، ولم يُوقع المصدر موقع اسم فاعل كما قال أبو حيان١٤ كان مفعول " فانكحوا " قوله " من النساء " نحو قولك :أكلت من الرغيفِ، وشربتُ من العسل أي :شيئاً من الرغيف وشيئاً من العسل.
فإن قيل :لِمَ لا يجعل على هذا " مثنى " وما بعدها هو مفعول " فانكحوا " أي :فانكحوا هذا العدد ؟.
فالجواب أن هذه الألفاظ المعدولة لا تلي العوامل.
وقرأ ابن أبي عبلة١٥ " مَنْ طَابَ " وهو يرجحُ كون " ما " بمعنى الذي للعاقل، وفي مصحف أبي بن كعب بالياء١٦، وهذا ليس بمبني للمفعول ؛ لأنه قاصر، وإنما كُتِبَ كذلك دلالة على الإمالة١٧ وهي قراءة حمزة.

فصل


اختلف المفسرون في كيفية تعلق هذا الجزاء بهذا الشرط فروى عروة قال :قلت لعائشة :ما معنى قول الله تعالى ﴿ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ﴾١٨ ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى ﴾. فقالت :يا ابن أخي هي اليتيمة تكون في حجر وليِّها فَيرغَبُ في مالها وجمالها، إلاَّ أنَّهُ يريد أن ينكحها بأدنى من صداقها، ثم إذا تزوج بها عاملها معاملة١٩ رديئة لعلمه بأنه ليس لها من يَذُبُّ عنها ويدفع شر ذلك الزوج عنها، فقال تعالى : ﴿ وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى عند نكاحهن ﴾ فانكحوا من غيرهن ما طاب لكم من النساء، قالت عائشة - رضي الله عنها - ثم إن الناس استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية فيهن، فأنزل اللهُ تعالى :
﴿ وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ [ الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنّ ] َ ﴾٢٠ [ النساء :١٢٧ ] فالمراد منه هذه الآية، وهن قوله ﴿ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى ﴾.
وقيل :لَمَّا نَزَلَتْ هذه الآية المتقدمة في اليتامى وأكل أموالهم خاف الأولياء من لحوق الحوبِ بتركِ الإقْسَاطِ في حقوق اليتامى فتحرجوا من أموالهم، وكان الرجل منهم ربما كان عنده العشرة من الأزواج أو أكثر، ولا يقوم بحقوقهنَّ في العدل. فقيل لهم :إن خفتم ترك العدل في حقوق اليتامى فتحرجتم منها، فكونوا خائفين من ترك العدل في النساء، فقللوا عدد المنكوحات ؛ لأن من تحرج من ذنب أو تاب عنه وهو مرتكب مثله، فكأنه لم يتحرّج، وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة والضحاك والسدي٢١.
وقيل :لما تحرّجوا من ولاية اليتامى فقيل :إن خفتم في حق اليتامى فكونوا خائفين من الزنا، فانكحوا ما حل لكم من النساء ولا تحوموا حول المحرمات، قاله مجاهد٢٢.
وقال عكرمة :هو الرجل عنده النسوة ويكون عنده الأيتام، فإذا أنفق ماله على النسوة، وصار محتاجاً أخذ في إنفاق أموال اليتامى٢٣ عليهن، فقال تعالى : ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى ﴾ عند كثرة الزوجات فقد حرمت عليكم [ نكاح ] أكثر من أربع ليزول هذا الخوف٢٤، وهذه رواية لطاوس عن ابن عباس.

فصل


قال الواحدي والزمخشري٢٥ :قوله : ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ أي ما حلَّ لكم من النساء لأن منهن من يحرم نكاحها وهي الأنواع المذكورة في قوله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ [ النساء :٢٣ ].
قال ابن الخطيب٢٦ :وهذا فيه نظر ؛ لأن قوله : ﴿ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ هو أمر إباحة، فلو كان المراد ما حل لكم لنزلت الآية منزلة قوله، أبَحْنَا لَكُمْ نِكَاحَ من يكون نكاحها مباحاً لكم، وذلك يخرج الآية من الفائدة، وأيضاً على التقدير الذي ذكره تصير الآية مجملة ؛ لأنَّ أسباب الحِلِّ والإبَاحَةِ لمَّا لَمْ تُذْكَرْ في هذه الآية صارت مجملة لا محالة، وإذا حملنا الطيب على استطابة النفس وميل القلب كانت الآية عامة دخلها التخصيص، وقد ثبت في أصول الفقه أنه متى وقع التعارض بين التخصيص والإجمال كان رفع الإجمال أولى ؛ لأن العام المخصوص حجة في غير محل التخصيص، والمجملُ لا يكون حجة أصلاً.
قوله " مَثْنَى " منصوب على الحال من " طَابَ " وجعله أبو البَقاء٢٧ حالاً من " النساء " فأجاز هو وابن عطية٢٨ أن يكون بدلاً من " ما " وهذان الوجهان [ ضعيفان ]٢٩.
أمَّا الأول :فلأنَّ الْمُحَدَّث عنه إنما هو الموصول وأتى بقوله ﴿ من النِّسَاءِ ﴾ كالتبيين٣٠.
وأما الثاني :فلأنَّ البدل على نِيَّةِ تكرار العامل، وقد تقدم أن هذه الألفاظ لا تباشر العوامل.
واعلم أن هذه الألفاظ المعدولة فيها خلاف، وهل يجوز فيها القياس أم يقتصر فيها على السماع ؟ قولان :
قول البصريين :عدم القياس.
وقول الكوفيين وأبي إسحاق :جوازه.
والمسموع [ من ذلك ]٣١ أحد عشر لفظاً :أُحاد، وَمَوْحَد، وثُنَاء، وَمَثْنَى، وَثُلاَثَ، وَمَثْلَث، ورُباع، وَمَرْبع، ولم يسمع خُماس ومَخْمس، وعَشار ومَعْشَر.
واختلفوا أيضاً في صَرْفِهَا وَعَدمِه، وجمهورُ النحاةِ على منعه، وأجاز الفراء صرفها، وإن كان المنع عنده أولْى.
واختلفوا أيضاً في سبب منع الصرف فيها على أربعة مذاهب :
أحدها :مذهب سيبويه، وهو أنها مُنِعَتْ من الصرف للعدلِ والوصفِ أمَّا الوصف فظاهر، وَأَمَّا العدل فلكونها معدولة من صيغة إلى صيغة وذلك أنها معدولة عن عدد مكرر.
فإذا قلت :جاء القوم أحاد أو مَوْحَدَ أو ثُلاثَ أو مَثْلَثَ، كان بمنزلة قولك :جاءوا
١ سقط في ب..
٢ في ب: زيادة "ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم"..
٣ تقدم برقم ٤٥٨..
٤ سقط في ب..
٥ انظر: المحرر الوجيز ٢/٦، والبحر المحيط ٣/١٧٠، والدر المصون ٢/٢٩٩..
٦ ينظر: المفردات ص ٤٠٣، الدر المصون ٢/٣٠٠، عمدة الحفاظ ٣/٣٦٠..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: الرازي ٩/١٤١..
٩ ينظر: الدر المصون ٢/٣٠٠..
١٠ ينظر: المصدر السابق..
١١ ينظر: البحر المحيط ٣/١٧٠..
١٢ سقط في ب..
١٣ تقع (ما) على ما لا يعقل، وتقع على جنس من يعقل كما في الآية؛ وتقع على صفة من يعقل قال تعالى: ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾ [الشعراء: ٣٣]. ولا تقع على الواحد ممن يعقل، على هذا أكثر البصريين، وذهب بعض الكوفيين إلى أنها تقع عليه، ونسب هذا الرأي إلى جماعة من المفسرين والنحاة، منهم: الحسن، ومجاهد، وأبو عبيدة، وابن درستويه، ومكي، وابن خروف. ويحتج لذلك بما حكي وهو: "سبحان ما سخركن لنا" فخاطب السحاب، وأضاف سبحان إلى (ما) فـ "ما" واقعة عليه سبحانه؛ لأنه الذي سخرها، وليس في هذا حجة؛ لأن (سبحان) هنا يمكن أن تكون اسما علما، ومنعه من الصرف التعريف، وزيادة الألف والنون بمنزلة عمران.
انظر همع الهوامع ١/٣١٥ شرح الجمل لابن عصفور ١/١٧٣ البسيط شرح الجمل ١/٢٨٦ ـ ٢٨٧..

١٤ ينظر: البحر المحيط ٣/١٧٠..
١٥ انظر: المحرر الوجيز ٢/٧، والبحر المحيط ٣/١٧٠، والدر المصون ٢/٣٠٠..
١٦ انظر: البحر المحيط ٣/١٧١، والدر المصون ٢/٣٠٠..
١٧ انظر السابق، وإتحاف ١/٥٠٢..
١٨ سقط في ب..
١٩ أخرجه البخاري (٨/٨٦ ـ ٨٧) كتاب التفسير (٤٥٧٣ ـ ٤٥٧٤) ومسلم (٤/٢٣١٢) كتاب التفسير (٧٠٦ ـ ٣٠١٨) والطبري في "تفسيره" (٧/٥٣١) والبيهقي (٧/١٤١ ـ ١٤٢) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٠٩) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن عروة بن الزبير..
٢٠ سقط في ب..
٢١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٣٦) عن سعيد بن جبير والسدي وقتادة والضحاك.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٠) من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم..

٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٣٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد..
٢٣ في أ: مال الأيتام..
٢٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٣٥) عن عكرمة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٠٩) وزاد نسبته لابن أبي شيبة في "المصنف" وابن المنذر. وأما رواية طاوس عن ابن عباس:
فأخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٣٥) ذكرها السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٠٩) وزاد نسبتها للفريابي وابن المنذر وابن أبي حاتم بلفظ: قصر الرجال على أربع من أجل أموال اليتامى..

٢٥ ينظر: الكشاف ١/٤٩٧ وينظر: الرازي ٩/١٤١..
٢٦ ينظر: تفسير الرازي الموضع السابق..
٢٧ ينظر: الإملاء (١/١٦٦)..
٢٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٧..
٢٩ سقط في ب..
٣٠ في ب: للتبيين..
٣١ سقط في ب..
مفعول ثانٍ، وهي جمع " صَدُقة " بفتح الصَّاد وضمَّ الدَّال بزنة " سَمُرة "، والمرادُ بها :المهر وهذه هي القراءة المشهُورَةُ، وهي لُغَةُ الحجاز.
وقرأ قتادةُ١ :" صُدْقاتهن " بضمِّ الصَّادِ وإسكان الدَّال، جمعُ صُدْقَةٍ بزنة غُرْفَةٍ.
وقرأ مجاهدٌ ٢ وابن أبي عبلة بضمهما وهي جمع صدقة بضم الصاد والدال، وهي تثقيل الساكنة الدَّال للإتباع.
وقرأ ابن وثاب٣ والنخعي " صُدُقَتَهُنَّ " بضمهما مع الإفراد.
قال الزَّمخشريُّ وهي تثقيل صُدْقة كقولهم في " ظُلْمة " " ظُلُمة "، وقد تقدم الخلاف، هل يجوز تثقيل الساكن المضموم الفاء ؟
وقرئ٤ :" صدقاتهن " بفتح الصَّادِ وإسْكَانِ الدَّالِ وهي تخفيف القراءة المشهورة، كقولهم في عَضُد :عَضْد.
قال الوَاحِدِيُّ :ولفظ الصَّادِ والدَّال والقاف موضوع للكمال والصحة، يسمّى المهر صداقاً وصدقة وذلك لأنَّ عقد النكاح به يتم.
وفي نصب " نحلة " أربعةُ أوجهٍ :
أحدها :أنَّها منصوبةِ على المصدر٥، والعامل فيها الفعل قبلها ؛ لأن " آتوهن " بمعنى انحلوهُنَّ، فهي مصدر على غير الصدر نحو :" قَعَدْت جلوساً ".
الثاني :أنها مصدرٌ واقِعٌ موقع الحال، وفي صاحب الحال ثلاثة احتمالات :
أحدها :أنَّهُ الفاعل من " فآتوهن " أي :فآتوهن ناحِلين.
الثاني :أنَّهُ المفعول الأوَّل وهو :النِّسَاءُ.
الثالث :أنه المفعول الثاني وهو " صدقاتهن ". أي :منحولات.
الوجه الثَّالثُ :أنَّها مفعول من أجله، إذا فُسِّرَتْ بمعنى :شِرْعة.
الوجه الرابع :انتصابها بإضمار فعل بمعنى :شَرَعَ أي :نحل الله ذلك نِحلة، أي :شَرَعَةُ شِرْعة وديناً.
والنِّحْلَةُ العَطِيَّةُ عَنْ طِيبِ النَّفْسِ، والنَّحْلَة :الشِّرْعَة، ومنه :نِحْلة الإسلام خَير النحل٦، وفلان ينتحل بكذا :أي يَدِيِنُ به، والنَّحْلَةُ :الفَرِيضةُ.
قال الراغب :والنِّحْلَة والنَّحْلَةُ :الْعَطِيَّةُ على سبيل التبرع، وهي أخصُّ من الهِبَةِ، إذ كُل هبة نحلة من غير عكس، واشتقاقهُ فيما أرَى من النَّحْلِ، نظراً منه إلى فعله، فكأن " نَحَلْتهُ " أعْطَيْتَهُ عَطِيةَ النحل، ثم قال :ويجوز أن تكون النِّحْلةُ أصلاً فَسُمَّى النَّحْلُ٧ بذلك اعتباراً بفعله.
وقال الزَّمخشريُّ :مِنْ نَحَلَه كذا أي :أعطاه إيَّاه ووهبه له عن طيب نفسه، نِحْلَةً وَنَحْلاً، ومنه حديث أبي بكر - رضي الله عَنْهُ - :" إنِّي نَحَلْتُكَ جِدَادَ عِشْرِينَ وِسْقاً " ٨.
قال القَفَّالُ٩ :وأصله إضافة الشيء إلى غير من هو له، يقال١٠ :هذا شعر منحول، أي :مضاف إلى غير قائله، وانتحلت١١ كذا إذا ادَّعَيْتَهُ وَأَضَفْتَهُ إلى نَفْسِكَ.

فصل من المقصود بالخطاب في الآية


في هذا الخطاب قولان :
أحدهما :أنه " لأولياء " [ النساء ] ؛ لأنَّ العربَ كانت في الجاهليَّة لا تعطي النساء من مهورهن شيئاً، وكذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت :هنيئاً لك النافجة، ومعناه :أنَّك تأخذ مهرها إبلاً فَتُضُمُّهَا إلى إبلك فتنفج مالك أي :تعظمه، وقال ابن الأعرابي١٢ :النافجة١٣ ما يأخذه الرَّجلُ من الحلوانِ إذا زوج ابنته، فَنَهى الله عن ذلك، وأمر بدفع الحقِّ إلى أهله، وهذا قول الكلبيِّ وأبي صالح واختيار الفرَّاء وابن قتيبةَ.
وقال الحضرميّ :وكان أولياء النساء يُعطى هذا أُخْتَه على أن يعطيه الآخرُ أخته، ولا مهرَ بينهما، فَنُهوا عن ذلك، " ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشِّغَار " ١٤، وهو أن يزوج الرَّجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته، ولا صداق بَيْنَهُمَا.
الثاني :أنَّ الخطاب للأزواج، أمِرُوا بإيفاء مهور النساء، وهذا قول علقمة، والنَخَعِيِّ وقتادة١٥، واختيار الزجَّاج، لأنه لا ذكر للأولياء ها هنا، والخطاب قبله للأزواج.
قال قَتَادَةُ :نحله فريضة١٦.
وقال ابن جريج :فريضة مسمَّاة١٧.
قال أبو عبيدة١٨ :لا تكون النِّحْلَةُ إلاَّ مُسَمَّاة ومعلومة. قال القَفَّال١٩ :يحتمل أن يكون المراد من الإيتاء المناولة، ويحتمل أن يكون المراد منه الالتزام كقوله تعالى :
﴿ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ ﴾ [ التوبة :٢٩ ] أي :يضمنوها ويلتزموها٢٠، فعلى الأول المراد دفع المُسَمَّى، وعلى الثاني أن المراد بيان أن الفروج٢١ لا تُستباح إلا بعوض يلتزم سواء سمَّي أو لم يسمَّ، إلا ما خُصَّ به النبي صلى الله عليه وسلم في الموهوبة.
قوله : ﴿ فإن طبن لكم منه ﴾ " منه " في محل جر ؛ لأنه صفة ل " شيء " فيتعلق بمحذوف أي :عن شيء كائن منه.
و " مِنْ " فيها وجهان :
أحدهما :أنها للتبعيض، ولذلك لا يجوز لها أن تَهَبَهُ كُلَّ الصَّداق، وإليه ذهب الليث.
والثاني :أنها للبيان، ولذلك يجوز أن تَهَبَهُ كُلَّ الصَّداق.
قال ابن عطيَّة :و " مِنْ " لبيان الجنس ها هنا ولذلك يجوز أن تهب المهر كله، ولو [ وقعت ]٢٢ على التبعيض لما جَازَ ذلك انتهى.
وقد تَقَدَّمَ أن الليث يمنع ذلك، ولا يشكل كونها للتَّبعيض، وفي هذا الضمير أقوال :
أحدها :أنه يعود على الصَّداق المدلول عليه ب ﴿ صَدُقَاتِهِنَّ ﴾.
الثاني :أنه يعود على " الصَّدُقات " لسدِّ الواحِدِ مَسَدَّها، لو قيل :صَداقَهُنَّ لم يختلَّ المعنى، وهو شبيهٌ بقولهم :هو أحسنُ الفتيان وأجْمَلُهُ ؛ ولأنه لو قيل :" هو أحسنُ فتىً " لَصَحَّ المعنى.
ومثله : [ الرجز ]
وَطَابَ ألْبَانُ اللِّقَاحِ وَبَرَدْ٢٣ ***. . .
في " برد " ضمير يعود على " ألبان " لسدِّ " لبن " مسدَّها.
الثالث :أنه يعود على " الصَّدُقات " أيضاً، لكن ذهاباً بالضمير مذهب الإشارة فَإنَّ اسم الإشارة قد يُشارُ بِهِ مفرداً مذكراً إلى أشياء تقدمت٢٤، كقوله :
﴿ قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلِكُمْ ﴾ [ آل عمران :١٥ ] بعد ذكر أشياء قبله، وقد تقدم ما روي في البقرة ما حكي عن رؤية لما قيل له في قوله : [ الرجز ]
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادِ وَبَلَقْ *** كَأَنَّهُ فِي الجِلْدِ تَوْلِيعُ البَهَقْ٢٥
فقال :أردت ذلك فأجْرَى الضمير مجرى اسم الإشارة.
الرابع :أنه يعود على المال، وإنْ لم يَجْرِ له ذِكْرٌ ؛ لأنَّ الصَّدُقاتِ تدُلُّ عليه.
الخامس :أنه يعود على الإيتاء المدلول عليه ب " آتوا "، قاله الرَّاغب وابن عطيَّة.
السَّادس :قال الزمخشريُّ " ويجوز أن يُذَكَّر الضميرُ ؛ لينصرف إلى الصَّداق الواحد، فيكون متناولاً بَعْضَهُ، ولو أَنّثَ لتناول ظاهرة هبةَ الصَّداق كُلِّه ؛ لأنَّ بعض الصُّدقات واحد منها٢٦ فصاعداً ".
وقال أبو حَيَّان :وأقولُ حَسَّن تذكير الضمير أن معنى " فَإنْ طِبْنَ " فإن طابَتْ كُلُّ واحدةٍ فلذلك قال :" منه " أي :مِنْ صَداقِها، وهو نظير قوله : ﴿ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَئاً ﴾
[ يوسف :٣١ ] ؛ أي لكلّ واحدة منهن، ولذلك أفرد " متكأ ".
قوله :" نَفْساً " منصوب على التَّمييز، وهو هنا منقولٌ من٢٧ الفاعل ؛ إذ الأصل :فإنْ طابَتْ أنفسُهُنَّ، ومثله : ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ﴾ [ مريم :٤ ].
وهذا منصوب عن تمام الكلام، وجِيء بالتمييز هنا مفرداً، وإن كان قبلَه جمعٌ لعدم اللَّبْسِ، إذْ من المعلوم أنَّ الكُلَّ لَسْنَ مشتركاتٍ٢٨ في نفسٍ واحدةٍ، ومثله :قَرَّ الزيدون عيناً، كقوله :
﴿ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً ﴾ [ هود :٧٧ ] وقيل :لَفْظُهَا واحد ومعناها جمع، ويجوز " أنفساً " " وأعيناً " وَلاَ بُدَّ مِنَ التعرُّض لقاعدةٍ يَعُمُّ نفعها، وهي أنَّه إذا وقع تمييز بعد جمع منتصبٍ عن تمام الكلام فلا يخلو :إمَّا أن يكون موافقاً لما قبله في المعنى، أو مخالفاً له، فإن كان الأوَل وَجَبَتْ مطابقةُ التَّمييز لما قبله نحو :كَرُمَ الزيدون رجالاً، كما يطابقهُ خبراً وصفةً وحالاً.
وإن كان الثاني :فإمَّا أن يكونَ مفرد المدلول أو مختلفة، فإن كان مفردَ المدلول وَجَبَ إفرادُ التمييز كقولك في أبناء رجل واحد :كَرُمَ بنو زيدٍ أباً أو أصلاً، أي :إنَّ لهم جميعهم أباً واحداً متصفاً بالكرمِ، ومثله " كَرم الأتقياءُ سَعْياً "، إذا لم تَقصدْ بالمصدر اختلافَ الأنواع لاختلاف محالَّه، وإنْ كَانَ مختلفَ المدلول :فإما أن يُلبِسَ إفرادُ التمييز لو أُفرد أولاً، فإن ألْبَسَ وَجَبَت المطابقُ نحو :كَرُمَ الزيدون آباء، أي :أن لكل واحد أباً غير أب الآخر يتصفُ بالكرمِ، ولو أفردت هنا لَتُوُهِّم أنهم كلَّهم بنو أبٍ واحد، والغرضُ خلافه، وإنْ لم يُلبس جاز الأمران المطابقة والإفراد، وهو الأوْلى، ولذلك جاءت عليه الآية الكريمةُ، وحكمُ التثنية في ذلك كالجمع، وَحَسَّنَ الإفرادَ هاهنا أيضاً ما تقدَّم مِن مُحَسِّنِ٢٩ تذكير الضمير وإفراده في " منه "، وهو أنَّ المعنى :فإن طابت كُلُّ واحدة نفساً.
وقال بعض البصريين :" إنَّما أفرد ؛ لأن المراد بالنفس هنا الهوى، والهوى مصدر، والمصادر لا تُثَنَّى ولا تجمع ".
وقال الزَّمخشريُّ :و " نَفْساً " تمييزٌ، وتوحيدُها ؛ لأن الغرضَ بيانُ الجنس والواحد يدل عليه. ونحا أبو البَقاءِ نَحْوهُ، وشَبَّهَهُ ب " درهماً " في قولك :عشرون درهماً.
واختلف النحاةُ في جوازِ تقديمِ التمييزِ على عامله إذا كان متصرفاً فمنعه سيبويه، وأجازه المبرد وجماعة مستدلين بقوله : [ الطويل ]
أتَهْجُرُ لَيْلَى بِالفِرَاقِ حَبيبَها *** وَمَا كَانَ نَفْساً بالفراقِ تَطِيبُ٣٠
وقوله : [ الطويل ]
رَدَدْتُ بِمِثْلِ السَّيدِ نَهْدٍ مُقَلَّصٍ *** كَمِيشٍ إذَا عِطْفَاهُ مَاءً تَحَلَّبَا٣١
والأصل تطيبُ نفساً، وتحلَّبا ماء، وفي البيتين كلامٌ طويل ليس هذا محلَّه، وحجةُ سيبويه في منع ذلك أنَّ التَّمييز فاعل في الأصْلِ، والفاعِلُ لا يَتَقدَّم، فكذلك ما في قوته، واعترضَ على هذا بنحو :زيداً، من قولك أخرجْتُ زيداً، فإن زيداً في الأصل فاعل قبل النَّقْل، إذ الأصل :خرج زيدٌ والفرق لائح فالتمييز أقسام كثيرة مذكورة في كتب القوم. والجارّان في قوله ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ ﴾ متعلقان بالفعل قبلهما متضمناً معنى الإعراض، ولذلك عُدِّي ب " عن " ٣٢ كأنَّهُ قيل :فَإن أعْرَضن لَكُمْ عَن شيء منه طيبات النفوس، والفاء في " فَكُلوه " ٣٣ جواب الشرط وهي واجبة، والفاء في " فَكُلوه " عائدة على " شيء ".
فإن قيل :لِمَ قال : ﴿ فَإِن طِبْنَ لَكُمْ ﴾ ولم يقل :وَهَبْنَ لَكُمْ أوْ سَمَحْنَ لَكُمْ ؟
فالجواب أنَّ المراعى وهو تجافي نفسها عن بالموهوب طيبة ]٣٤.
قوله : ﴿ فكلوه هنيئاً مريئاً ﴾.
في نصب " هَنِيئاً " أربعةُ أقوال :
أحدها :أنَّه منصوبٌ على أنه صفة لمصدر محذوف تقديره :أكْلاً هنيئاً.
الثاني :أنه منصوب على الحال من الهاء في " فَكلُوهُ " أي :مُهَنِّئاً، أي سهلاً.
والثالث :أنه منصوب على الحال بفعل لا يجوز إظهاره ألبتة ؛ لأنَّهُ قصد بهذه الحال النيابةُ عن فعلها نحو :" أقائماً وَقَدْ قَعَدَ النَّاسُ "، كما ينوب المصدر عن فعله نحو " س
١ انظر: المحرر الوجيز ٢/٨، والبحر المحيط ٣/١٧٤، والدر المصون ٢/٣٠٥..
٢ وقرأ بها: موسى بن الزبير وابن أبي عبلة وفياض بن غزوان. انظر: المحرر الوجيز ٢/٨، والبحر المحيط ٣/١٧٤، والدر المصون ٢/٣٠٥..
٣ ينظر: القراءة السابقة..
٤ انظر: الكشاف ١/٤٦٩، والدر المصون ٢/٣٠٥..
٥ في ب: العامل..
٦ في أ: نحلة..
٧ في أ: النحلة..
٨ أخرجه مالك في الموطأ ٢/٧٥٢..
٩ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٤٧..
١٠ في ب: فقال..
١١ في ب: وانتحلته..
١٢ ينظر: الرازي ٩/١٤٦..
١٣ في أ: الناكحة..
١٤ أخرجه البخاري (٣/٤٢٤، ٣٤٠) ومسلم (٤/١٣٩) وأبو داود (٢٠٧٤) والنسائي (٢/٨٥، ٨٦) والترمذي (١/٢١٠) والدرامي (٢/١٣٦) وابن ماجه (١٨٨٣) وابن الجارود (٧١٩، ٧٢٠) والبيهقي (٧/١٩٩) وأحمد (٢/٧، ١٩، ٣٥، ٦٢، ٩١) من طرق عن نافع عن ابن عمر.
وزاد البخاري ومسلم: "أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته ليس بينهما صداق"..

١٥ انظر: تفسير الرازي (٩/١٤٦) وتفسير السمرقندي (١/٣٣٢)..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٥٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٢) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٥٣) عن ابن جريح..
١٨ ينظر: البغوي ١/٣٩٢..
١٩ ينظر: الرازي ٩/١٤٦..
٢٠ في أ: ويلزموها..
٢١ في أ: الفراج..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ينظر البيت في الدر المصون ٢/٣٠٦..
٢٤ في ب: بعد منه..
٢٥ تقدم برقم ٥٧٩..
٢٦ في ب: الصداق..
٢٧ في ب: عن..
٢٨ في أ: ليس يشتركان..
٢٩ في أ: حسن..
٣٠ البيت للمخبل السعدي ينظر ديوانه ص ٢٩٠، والخصائص ٢/٣٨٤، والمقاصد النحوية ٣/٢٣٥، والدر المصون ٢/٣٠٧، وللمخبل السعدي أو لقيس بن معاذ في شرح شواهد الإيضاح ص ١٨٨؛ وللمخبل السعدي، أو لأعشى همدان أو لقيس بن الملوح في الدرر ٤/٣٦ وبلا نسبة في شرح ابن عقيل ص ٣٤٨، وشرح الأشموني ١/٢٦٦، وشرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ٣٣٠ وشرح المفصل ٢/٧٤، والمقتضب ٣/٣٦، ٣٧، وهمع الهوامع ١/٢٥٢..
٣١ البيت لربيعة بن مقروم ينظر شرح شواهد المغني ص ٨٦٠، وشرح عمدة الحفاظ ص ٤٧٧، والمقاصد النحوية ٣/٢٢٩، وشرح الأشموني ١/٢٦٦، ومغني اللبيب ص ٤٦٢، والدر المصون ٢/٣٠٧، وشرح شواهد المغني للبغدادي ٧/٢٢..
٣٢ في أ: بهن..
٣٣ في أ: فكلوه..
٣٤ سقط في ب..
أصل تُؤْتُوا تُؤتيوا :تُكْرِموا فاستثقلت الضمةُ على الياءِ فَحُذِفَت الضمة، فالتقى ساكنان :الياء وواو الضمير فحذفت الياء لئلا يلتقي ساكنان.
والسُّفَهاء جمع :سفيه، وعن مجاهد :" المراد بالسُّفَهاءِ " النِّسَاءِ مَنْ كُنَّ أزواجاً، أو بنات، أو أمهات، وضَعَّفَهُ بَعْضُهُم بأنَّ فَعِيلة إنَّما تُجْمَع على فَعَائلِ أوْ فَعِيلات، قاله [ أبو البقاء ]١ وابن عطية، وقد نقل بعضهم أنَّ سَفَيهةَ تُجْمَعُ :على " سُفَهَاءَ " كالمُذكَّر، وعلى هذا لا يَضْعُفُ قول مُجَاهِدٍ. وجمعُ فَعِيلَةٍ الصِّفَةِ على فُعَلاء وَإنْ كان نادراً، إلاَّ أنَّهُ قد نُقِلَ في هذا اللَّفْظِ خُصوصاً، وتخصيصُ ابن عطية جمع فَعِيلة بِفَعائِلٍ، أوْ فَعِيلات ليس بظاهر، لأنَّهَا يَطَّرد فيها أيْضاً " فِعَال " نحو :كريمةٍ، وَكرامٍ، وظريفةً، وظِراف، وكذلك إطلاقهُ فَعِيلة، وَكَانَ مِنْ حَقِّه أنْ يقيِّدَها بألاَّ تكون بمعنى :مَفْعُولةٍ، تَحَرُّزاً من قتيلة فَإنَّها لا تُجْمَعُ على فَعَائِل.
والجمهورُ قرؤوا ( الَّتِي ) بلفظِ الإفراد صفةً للأمْوَالِ، وإنْ كانت جَمْعاً ؛ لأنَّهُ تَقَدَّم أنَّ جمع ما لا يعقل من الكثرة، أو لم يكن له إلا جمعٌ واحدٌ، الأحسنُ فيه أنْ يُعَامَل مُعَاملةَ الوَاحِدَةِ المؤنَّثة، والأمْوالِ من هذا القبيل، لأنَّهَا جمعُ ما لا يَعْقل، ولم تُجْمَع إلاَّ على أفْعال، وإنْ كانت بلفظِ القِلَّةِ ؛ لأن المرادَ بها الكثرة.
وقرأ الحسن٢ والنخعي " اللاتي " مطابقةٌ للفظ الجمع، وكان القياسُ ألاَّ يوصف ب " اللاتي " إلا ما يُوصَف مفرده ب " التي " والأموال لا يوصف مفردها وهو " مال " ب " التي ".
وقال الفراء :العرب تقول في النِّساءِ " اللاتي " أكثر مما تقول " التي "، وفي الأموال :" التي " أكثر مما تقول " اللاَّتي " وكلاهما جائز.
وقرئ٣ " اللَّواتي " فيه جمع الجمع وهي جمع اللاتي أو جمع " التي " نفسها.
قوله :" قياماً " إن قلنا :إن " جَعَلَ " بمعنى صَيَّرَ ف " قياماً " مفعول ثانٍ، والأول محذوف، وهو عائد الموصول والتقدير :الَّتِي جعلها اللَّهُ، أي :صَيَّرَها لكم قياماً، وَإنْ قُلْنَا :إنها بمعنى " خلق " ف " قياماً " حال، من ذلك العائد على المحذوف، والتقدير :جعلها٤ أي :خلقها وأوجدها في حال كونها قياماً.
وقرأ نافع٥ وابن عامر " قيماً "، وباقي السبعة " قياماً " وابن عمر٦ " قِواماً " بكسر القاف، والحسن٧ وعيسى بن عمر " قَواماً " بفتحها وَيُرْوَى عَنْ أبي عمرو، وقرئ٨ " قِوَماً " بزنة " عِنب ".
فَأَمَّا قراءة نافع وابن عامر ففيها ثلاثة أوجه :
أحدها :أن " قِيماً " مصدر كالقيام وليس مقصوراً منه قال الكسائِيُّ والأخْفشُ والفراء.
فهو مصدر بمعنى القيام الذي يُرَادُ به الثباتُ والدَّوامُ، وقد رُدَّ هذا القولُ بأنه كان يَنْبَغِي أن تَصِحَّ٩ الواو لتحضُّنها بِتَوسُّطِها، كما صَحَّت واو " عِوَض " " وحِوَل "، وقد أجيبَ عنه بأنه تَبعَ فعله من الإعلال وكما أُعِلَّ فعله أُعِلَّ هو، ولأنه بمعنى القِيام فَحُمِلَ عليه في الإعلال.
وَحَكَى الأخفش :" قِيماً " و " قِوَماً " قال :والقياسُ تصحيحُ١٠ الواو، وإنما اعتلت على وجه الشُّذُوذِ كقولهم :" ثِيرَة " ١١ وقول بني ضبة " طِيال " في جمع طويل، وقول الجميع " جِياد " في جمع جواد، وإذا أعلّوا " دِيَماً " لإعلال " دِيْمة "، فاعتلالُ المصدر لاعتلال فعلِه أوْلى، ألا تَرَى إلى صِحَّةِ الجمع مع اعتلالِ مُفْرده في معيشة، ومعايش، ومقامة، ومَقَاوِم، ولم يُصَححوا مَصْدراً أعلُّوا فِعْلَه.
الثاني :أنه مقصور من " قيام " فحذفوا الألف تخفيفاً كما قالوا :" خيَم " في " خيام " و " مخْيَط " و " مِقْوَل " في " مخْياط " و " مِقْوالِ ".
الثالث :أنه جمع " قِيمة " ك " دِيَم " في جمع " دِيْمَة "، والمعنى :أنَّ الأموال كالقيم للنفوس ؛ لأنَّ بقاءها بها، وقد رَدَّ الفارسيُّ هذا الوجه، وإنْ كان هو قول البصريين غير الأخفشِ، بأنه قد قرئ١٢ قوله تعالى : ﴿ دِيناً قِيَماً مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً ﴾ [ الأنعام :١٦١ ] وقوله : ﴿ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِّلنَّاسِ ﴾ [ المائدة :٩٧ ]. ولا يصحُّ معنى القيمة فيهما، وقد رَدَّ عليه الناس بأنَّه لا يلزم من عدم صحَّة معناه في الآيتين المذكورتين ألا يصح هنا، إذ معناه لائق، وهناك معنى آخر يليق بالآيتين المذكورتين كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما قراءة باقي السَّبعة فهو مصدرُ " قام " والأصلُ " قِوام "، فأبدلت الواوُ ياءً للقاعدةِ المعروفة، والمعنى :التي جعلها اللَّهُ سبب قيام أبدانكم١٣ أي :بقائها.
وقال الزَّمخشريُّ :" أي :تقومون بها وتنتعشون بها ".
وأما قراءة عبد الله بن عمر ففيها وجهان :
أحدهما :أنه مصدرُ قَاوَمَ ك " لاوَذَ، لِواذاً " ١٤ صحَّت الواوُ في المصدرِ كما صحَّت في الفعل.
الثاني :أنه اسم لما يقوم به الشَّيء، وليس بمصدر كقولهم :" هذا ملاك الأمر " أي :ما يملك به الأمر.
وَأمَّا قراءة الحَسَن ففيها وجهان :
أحدهما :أنَّه اسم مصدر كالكلام، والدَّوام، والسَّلام.
والثاني :أنَّهُ لغة من القوام المراد به القامة، والمعنى :التي جعلها اللَّه سببُ بقاءِ قاماتكم، يقال :جارية حَسَنةُ القِوام، والقَوام، والقامة كله بمعنى واحد.
وقال أبو حاتم قوام بالفتح خطأ، قال :لأنَّ القوام١٥ امتداد القامة، وقد تقدَّم تأويلُ ذلك على أنَّ الكسائيَّ قال :هو بمعنى القِوام أي بالكسر، يعني أنه مصدر، وَأمَّا " قِوَماً " فهو مصدر جاء على الأصلِ، أعني :الصَّحِيحَ العين كالعِوَض، والحِوَل١٦.

فصل


لما أمر في الآية الأولى بإيتاء اليتامى أمْوَالَهم، وبدفع صدقات النساء إليهنَّ فَكَأنَّهُ قال :إنَّمَا أمرتكم بذلك إذا كانوا عاقلين بالغين، متمكنين من حفظ أموالهم، فأمَّا إذا كانوا غير بالغين، أو غير عقلاء، أو كانوا بالغين عقلاء ؛ إلاَّ أنَّهم سُفهاء، فلا تدفعوا إليهم أموالهم، والمقصود منه الاحتياطُ في حفظ أموال الضُّعفاء العاجزين.
واختلفوا في السُّفَهاء :
فقال مجاهد والضَّحَّاكُ :هم النِّسَاءَ١٧ كما قَدَّمْنَا، وهذا مذهب ابن عمر ويدلُّ عليه ما روى أبو أمامة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ألا إنَّما خُلِقَت النَّارُ للسُّفَهاء، يقولها [ ثلاثاً ]١٨ ألا وإن السُّفهاء النِّساء، [ إلاّ امرأة أطاعت قيّمها " ١٩ ]٢٠.
وقال الزَّمخشريُّ وابن زيد :والسُّفهاء ههنا السفهاء عن من الأولاد، ويقول :لا تعط مالك [ الذي هو قيامك ]٢١ ولدك السَّفيه فيفسده. وقال ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير :هم النِّساء [ والصبيان ]٢٢ إذا علم الرجل أنَّ امرأته سفيهةٌ مُفْسِدةٌ، وَأنَّ ولده سفيه مفسد، فلا يسلط واحداً منهما على ماله.
وقيل :المرادُ بالسُّفهاء كل من لم يحفظ المال للمصلحة من النِّسَاءِ والصبيان والأيتام، وكلُّ من اتَّصف بهذه الصفة ؛ لأنَّ التَّخصيص بغير دليل لا يجوز، وقد تقدَّم في " البقرة " أنَّ السَّفه خفة العقل ولذلك سُمِّي الفاسق سفيهاً، لأنه لا وزن له عند أهل العلم والدين، ويسمى النَّاقص العقل سفيهاً لخفة عقله.

فصل في دلالة الآية في الحجر على السفيه


قال القرطبيُّ٢٣ :دلت هذه الآية على جواز الحجر على السَّفيه لقوله تعالى : ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾، وقوله : ﴿ فَإن كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً ﴾ [ البقرة :٢٨٢ ] فأثبت الولاية على السَّفيه كما أثبتها على الضَّعيف، والمراد بالضَّعيف في الآية الضَّعيف الْعَقْلِ لصغرِ أو مرض.

فصل في حال السفيه قبل الحجر عليه


[ قال القرطبيُّ ]٢٤ :واختلفوا في حال السَّفيه قبل الْحَجْرِ عَلَيْهِ، فقال مالك وأكثر أصحابه٢٥ :إنَّ فعل السَّفيه وأمره كُلّهُ جائز، حتى يحجر عليه الإمامُ، وهو مذهب الشَّافعيِّ وأبي يوسف.
وقال ابن القَاسِم٢٦ :أفعاله غير جائزة، وإن لم يضرب الإمام على يَدِهِ.

فصل :في الحجر على الكبير


واختلفوا في الحجر على الكبير، فقال مالك وجمهورُ الفقهاء :يحجر عليه.
وقال أبو حَنِيفَةَ :لا يحجر على من بلغ عاقلاً إلا أن يكون مُفسداً لماله، فإذا كان كذلك منع من تسلميهم المالَ حتى يبلغ [ خمساً وعشرين سنة، فإذا بلغها ]٢٧، سُلِّمَ إليه المال بكل حالٍ، سواء كان مُفْسِداً، أو غير مفسد ؛ لأنَّه يُحبَلُ منه لاثنتي عشرة سنة، ثم يُولد له لِستَّةِ أشهرٍ فيصير جَدَّاً وأباً٢٨، وأنا أستحي أن أحجر على مَنْ يصلح أن يكون جَدَّاً٢٩.

فصل في الخطاب في الآية


في هذا الخطاب قولان :
الأوَّلُ :أنَّهُ خطاب الأولياء بأن يُؤتُوا السُّفهاء الذين تحت ولايتهم أموالهم لقوله تعالى : ﴿ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ ﴾ [ النساء :٥ ] وبه يصلح نظمُ الآيةِ مع ما قَبلها.
فإن قيلَ :فكان ينبغي على هذا أن يقال :ولا يؤتوا السُّفَهَاء أموالهم.
فالجوابُ من وجهين :
أحدهما :أنَّه تعالى أضاف المال إليهم، لا لأنَّهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في الإضافة الملابسة بأدنى سبب.
وثانيهما :إنَّما حَسُنَتْ هذه الإضافَةُ إجراءاً للوحدة٣٠ بالنَّوع مجرى الوحدة بالشخص كقوله تعالى : ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ ﴾ [ التوبة :١٢٨ ] ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ﴾
[ النساء :٢٥ ] ﴿ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ﴾٣١ [ البقرة :٥٤ ] وقوله : ﴿ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ ﴾
[ البقرة :٨٥ ] ومعلوم أنَّ الرَّجل منهم ما كان يقتل نفسه، وإنَّمَا كان يقتل بعضهم بعضاً، وكان الكلُّ من نَوْع واحدٍ، فكذا هاهنا لما كان المال٣٢ ينتفع به نَوْع الإنسان، ويحتاج إليه، فلأجل هذه الوَحْدَة النَّوعيَّة حسنت إضافة أموال السُّفهاء إلى الأولياء.
القول الثاني :أنَّه خطاب للآباء٣٣ بألاَّ يدفعوا مالهم٣٤ إلى أولادهم إذا كانوا لا يحفظون المال سفهاء، وعلى هذا فإضَافَةُ الأموال إليهم حقيقة، والقول الأوَّلُ أرجحُ ؛ لأنَّ ظاهر النَّهي التحريم، وأجمعوا على أنَّهُ لا يحرم عليه أن يهب من أولاده الصّغار، ومن النِّسوان ما شاء من ماله، وأجمعوا على أنه يحرم على الولي أن يدفع إلى السُّفهاء أموالهم ؛ لأنه قال في آخر الآية : ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ وهذه الوصيّة بالأيتام أشبه، لأنَّ المرء مشفق بطبعه على ولده، فلا يقولُ له إلا المعروفَ، وإنَّما يحتاج إلى هذه الوصيَّة مع الأيتام الأجانب.
قال ابنُ الخطيب٣٥ :" ولا يمتنع [ أيضاً ] حمل الآية على كلا الوجهين ".
قال القاضي٣٦ :هذا بعيد ؛ لأنه يقتضي حمل قوله :" أمْوَالُكم " على الحقيقة والمجاز جميعاً، ويمكن الجوابُ عنه بأن قوله : ﴿ أَمْوَالَكُمُ ﴾ يفيدُ كون تلك الأموال مخت
١ سقط في ب..
٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/١٠، والبحر المحيط ٣/١٧٧، والدر المصون ٢/٢١٠..
٣ انظر: البحر المحيط ٣/١٧٨، والدر المصون ٢/٣١٠..
٤ في أ: يرجعها..
٥ انظر: السبعة ٢٢٦، والحجة ٣/١٢٩، وحجة القراءات ١٩٠، والعنوان ٨٣، وشرح شعله ٣٣٢، وشرح الطيبة ٤/١٩٣، وإعراب القراءات ١/١٢٩، وإتحاف ١/٥٠٣..
٦ انظر: البحر المحيط ٣/١٧٨، والدر المصون ٢/٣١٠..
٧ انظر السابق، والمحرر الوجيز ٢/١٠..
٨ انظر: البحر المحيط ٣/١٧٨، والدر المصون ٢/٣١٠..
٩ في ب: يفتح..
١٠ في ب: الصحيح..
١١ في ب: ثرة..
١٢ سورة الأنعام آية ١٦١، وانظر: الحجة ٣/١٣٣، والدر المصون ٢/٣١٠. والبحر المحيط ٣/١٧٨..
١٣ في أ: أبدالكم..
١٤ في ب: من قوم فأبدلت الواو ياء..
١٥ في ب: القوم..
١٦ في أ: والجواب..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٦١، ٥٦٢) عن مجاهد والضحاك وانظر تفسير الرازي (٩/١٥٥) وتفسير البغوي (١/٣٩٣) والبحر المحيط لأبي حيان (٣/١٧٧)..
١٨ سقط في ب..
١٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٣) وعزاه لابن أبي حاتم عن أبي أمامة مرفوعا..
٢٠ سقط في ب..
٢١ سقط في ب..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٦١، ٥٦٢) عن ابن عباس والحسن وقتادة وسعيد بن جبير.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٣) عن الحسن وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر..

٢٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢١..
٢٤ ينظر: السابق..
٢٥ في ب: أصحابه..
٢٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢١..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ في أ: فأنا..
٢٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٢..
٣٠ في أ: الموحدة..
٣١ في أ: فقتلوا..
٣٢ في ب: الرجل..
٣٣ في أ: للأولياء..
٣٤ في ب: أموالهم..
٣٥ ينظر: الرازي ٩/١٥٠..
٣٦ ينظر: الرازي ٩/١٥٠..
لما أمر بدفع مال اليتيم١ إليه، بيَّن٢ هنا متى يؤتيهم أموالهم، وشرَطَ في دفع أموالهم إليهم شرطين :
أحدهما :بلوغ النكاح.
والثَّاني :إينَاسِ الرُّشد.
في " حتى " هذه وما أشبهها أعني الداخلة على " إذا " قولان :
أشهرهما :أنَّها حرف غاية، دخلت على الجملة الشَّرطيَّة وجوابها، والمعنى :وابتلوا اليتامى إلى وقت بلوغهم، واستحقاقهم دفع أموالهم إليهم، بشرط إيناس الرُّشد، فهي حرف ابتداء كالدَّاخلة على سائِرِ الجمل كقوله : [ الطويل ]
فَمَا زَالَتِ القَتْلَى تَمُجُّ دِمَاءَهَا بِدجْلَةَ حَتَّى مَاءُ دَجْلَةَ أشْكَلُ٣
وقول امرئ القيس : [ الطويل ]
سَرَيْتُ بِهِمْ حَتَّى تَكِلَّ مَطِيُّهُمْ وَحَتَّى الْجِيَادُ مَا يُقَدْنَ بأرْسَانِ٤
والثاني :وهو قول جماعة منهم الزَّجَّاجُ وابن درُسْتَويه :أنَّها حرف جر، وما بعدها مجرور بها، وعلى هذا ف " إذا " تتمحَّضَ للظَّرْفِيَّةِ، ولا يكون فيه معنى الشَّرط، وعلى القول الأوَّلِ يكون العامل في " إذَا " ما تَخَلَّص٥ من معنى جوابها تقديره :إذا بلغوا النِّكاح راشدين فادفعوا. وظاهرُ العبارة لبعضهم أنَّ " إذا " ليست بشرطيَّة، لحُصُولِ ما بعدها، وأجاز سيبويه أن يجازي بها في الشِّعر، وقال :" فعلوا ذلك مضطرين "، وإنما جُوزي بها لأنَّها تحتاج إلى جواب، وبأنَّه يليها الفعلُ ظاهراً، أو مضمراً، واحتجَّ الخليلُ على عدم شَرطيَّتِها بحصولِ ما بعدِها، ألا ترى أنك تقول :أجيئك إذا احمر البُسر، ولا تقول :إن احمر.
قال أبُو حيان :وكلامُه يُدلُّ على أنها تكون ظرفاً مجرداً، ليس فيها معنى الشَّرط، وهو مخالف للنَّحويين، فإنَّهم كالمجمعين على أنها [ ظرف ]٦ فيها معنى الشِّرط غالباً، وإن وُجِدَ في عبارةِ بعضهم ما يَنْفَى كونها أداة شرطٍ، فإنَّما أنها لا يجزم بها، إلاَّ أنها لا تكون شرطاً، وقَدَّرَ بعضهم مضافاً قال :تقديره يبلغوا حَدَّ النكاحِ أو وقته، والظَّاهرُ أنها لا تحتاج إليه، والمعنى :صَلَحوا للنكاح.

فصل في معنى الابتلاء وكيفيته


والابتلاءُ :الاختيارُ، أي اختبروهم في عقولهم وإدراكهم، وحفظهم أموالهم. نزلت في ثابت بن رفاعة، مات أبُوهُ رفاعةُ وتركه صغيراً عند عمه، فجاء عمُّه إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وقال :إن ابن أخي يتيم في حجري، فما يَحِلُّ لي مِنْ ماله، ومتى أدفع إليه ماله ؟ فنزلت هذه الآية٧.
قال سعيد بن جبير ومجاهد والشَّعبيُّ :" لا يدفع إليه ماله، وإنْ كان شيخاً حتى يؤنس رشده " ٨، فالابتلاءُ يختلف باختلاف أحوالهم، فإن كان مِمَّنْ يتصرف في السوق فيدفع الولي إليه شيئاً كبيراً من المال، وينظر في تَصَرُّفه، وإن كان ممَّن لا يتصرف فيختبره في نفقة داره، والإنفاق على عبيده وأجرائه وتُخْتبر المرأة٩ في أمر بيتها وحفظ متاعها وغزلها واستغزالها فإذَا رأى حسن تصرُّفه وتدبيره مراراً حيث يغلب على الظن رشده دفع إليه المال.

فصل فيما إذا عاد إلى السَّفه بعد أخذ المال


قال القرطبيُّ١٠ :" إذا سُلِّم إليه المال لوجود الرشد، ثم عاد إلى السَّفه عاد الحجرُ عليه ".
وقال أبو حنيفة :لا يعود عليه الحجر ؛ لأنَّه بالغ عاقل، يجوز إقراره في الحدود والقصاص. دليلنا قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ ﴾.
ويجوز للوصيّ أن يصنع في مال اليتيم ما كان للأب أن يصنعه من تجارةٍ وإبضاع وشراء وبيع، وعليه أنْ يؤدّى الزَّكاة من سائر أمواله عينٍ وحرث١١ وماشية وفطرة، ويؤدّي عنه أرُوش الجنايات، وقيم المُتْلَفَاتِ، ونفقةِ الوالدين، وسائر الحقوق اللازمة، ويجوز أن يزوجه، ويؤدّي عنه الصداق، ويشتري له جارية يتسرّى بها، ويصالح له وعليه على وجه النَّظر.

فصل المراد من بلوغ النكاح


والمراد من بلوغ النِّكاح هو الاحتلام، لقوله تعالى : ﴿ وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنكُمُ الْحُلُمَ ﴾
[ النور :٥٩ ] وعند هذا الحدّ يجري على صاحبه قلم التَّكليف، وإنَّما سمي الاحتلام بلوغ النَّكاح، لأنَّه إنزال الماء الدَّافق الذي يكون في الجماع، وهذه الآية دالّة على ورود لفظ النِّكاح بمعنى الجماع.
واعلم أن للبلوغ خمس علامات ثَلاثَةٌ منها مُشْتَرَكةٌ بين الذكور والإناث وهي :الاحتلامُ، والسنُّ المخصوص، ونَبَاتُ الشّعر الخشن على العانَةِ.
وقيل :إنبات الشَّعر١٢ الخشن١٣ بلوغ في أولاد المشركين، ولا يكون لأولاد المسلمين ؛ لأن أولاد المسلمين يمكن الوقوف على مواليدهم بالرُّجوع إلى آبائهم، وأولاد الكفار لا يوقف على مواليدهم، ولا يُقْبَلُ قول آبائهم فيه لكفرهم، فجعل الإنبات الذي هو أمَارَةُ البلوغ بلوغاً في حقِّهم.
واثنان منها تختّص بالنّساء وهما :الْحَيْضُ والْحَبَلُ.

فصل


قال أبُو حنيفةَ :" تصرفات [ الصَّبي ]١٤ العاقل المميز بإذن الوليّ صحيحة لهذه الآية، ولأنه يصحّ الاستثناء فيه فيقال :ابتلوا اليتامى إلاَّ في البَيْع والشِّراء ".
قال الشَّافعيُّ :لا تصحُّ تصرفاته ؛ لأنه إنَّما أمر بدفع ماله إليه بعد البلوغ وإيناس الرُّشْدِ، وإذا كان لا يجوز دفع المال حال الصغر، فلا يجوز تصرفه حال الصغر ؛ لأنه لا قائل بالفرق.
والمرادُ بالابتلاء :اختبار عقله في أنه هل له فَهْم وعَقْلٌ في معرفة المصالح والمفاسد ؟ بأن يبيع الوليُّ ويشتري له بحضوره، ثم يستكشفُ من الصبيِّ أحوال ذلك البيع والشِّراء، وما فيها من المصالح والمفاسد، وبهذا١٥ القَدْر يحصل الابتلاء والاختبار، وأيضاً هَبْ أنَّا سَلَّمْنَا أنه يدفع إليه شيئاً ليبيع أو يشتري، فَلِمَ قلتَ :إنَّ هذا القدر يدل على صحَّةِ ذلك البيع والشِّراء ؟ بل إذا باع١٦ واشترى، وحصَلَ به اختبار عقله فالوليُّ بعد ذلك يتمم١٧ ذلك البيع والشراء.
قوله : ﴿ فَإِنْ آنَسْتُمْ ﴾.
والفاءُ جواب " إذا " وفي قوله : ﴿ فَادْفَعُواْ ﴾ جواب " إن " ١٨.
وقرأ١٩ ابن مسعود " فإن أحستم " والأصْلُ أحسسْتُم فحذف إحدى السِّينين، ويحتمل أن تكون العينَ أو اللام، ومثله قول أبي زبيد٢٠ : [ الوافر ]
سِوَى أنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا حَسِينَ بِهِ فَهُنَّ إلَيْهِ شُوسُ٢١
وهذا خلاف لا ينقاسُ، ونقل بعضهم أنَّها لغةُ سُلَيم، وَأنَّها مُطَّردة٢٢ في عين كل فعلٍ مضاعفه اتصل به تاءُ الضَّمير أو نونه ونَكَّر " رُشْداً " دلالةً على التنويعِ، والمعنى أيّ نوعٍ حَصَلَ من الرُّشدِ كان كافياً.
وقرأ الجمهور " رُشْداً " بضمة وسكون، وابن مسعود٢٣ والسُّلميُّ بفتحتين، وبعضهم بضمتين، وسيأتي الكلامُ على ذلك في الأعراف إن شاء الله تعالى. وآنس كذا أحسَّ به وشَعَرَ، قال : [ الخفيف ]
آنسَنْ نَبْأةً وَأفْزَعَهَا القُنْ نَاصُ عَصْراً وَقَدْ دَنَا الإمْسَاءُ٢٤
وقد قيل :" وجد " عن الفراء.
وقيل :أبصر.
وقيل :رأيتم.
وقيل :آنست وأحسست ووجدت بمعنى واحدٍ.
وقال القرطبي٢٥ :وأصْلُ الإيناس في اللُّغة الإبصار٢٦، ومنه قوله ﴿ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَاراً ﴾ [ القصص :٢٩ ].
قال أهل اللُّغة :هو إصابة الخير، قال تعالى : ﴿ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ﴾ [ البقرة :٢٥٦ ]، والغيُّ :هو العصيان :قال تعالى : ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى ﴾ [ طه :١٢١ ] فيكون نقضيه هو الرشد، وقال تعالى : ﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ [ هود :٩٧ ].
وقال أبو حنيفة :" لا يعتبر هنا الصَّلاح في المال فقط " ٢٧، وينبني على هذا أن أبا حنيفة لا يرى الحجر على الفاسق، والشافعي يراه.

فصل


إذا بلغ الرُّشْد زال عنه الحجر، ودفع إليه، رجلاً كان أو امرأة، تزوج أو لم يتزوج.
وعند مالك إن كانت امرأة لا يدفع المال إليها ما لم تتزوج، فإذا تزوّجتْ دفع المال إليها، ولكن لا ينفذ تصرفها إلاَّ بإذن الزَّوج ما لم تكبر وَتُجَرَّبْ، فإذا بلغ الصبي رشيداً وزال الحجر عنه ثم عاد سفيهاً [ نُظِرَ ]٢٨ إنْ عاد مبذراً لماله حُجِرَ عليه، وإن عاد مفسداً في دينه فقيل :يُعاد الحجْرُ عليه، كما يستدام الحجر عَلَيْهِ إذا بلغ بهذه الصفة، وقيل :لا يُعَادُ ؛ لأن حكم الدوام أقْوَى من حكم الابتداء، وعند أبي حنيفة لا حَجْرَ على البَالِغِ العاقِلِ بحال٢٩.
قوله : ﴿ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً ﴾.
في نصبهما وجهان :
أحدهما :أنهما منصوبان على المفعولِ من أجْلِهِ أي :لأجل الإسراف والبِدَارِ.
ونقل عن ابن عباس أنه قال :" كان الأولياء يستغنمون أكل مال اليتيم، لئلا يكبر٣٠ فينزع المال منهم ".
والثَّاني :أنَّهما مصدران في موضع الحالِ أي :مُسْرِفينَ وَمُبادِرِينَ.
وبداراً مصدرُ بادرَ والمفاعلة هنا يجوز أن تكون من اثنين على بابها، بمعنى أن الوليَّ يبادرُ اليتيم إلى أخْذِ مالهِ، واليتيمُ يُبَادِرُ إلى الكبر، ويجوز أن يكون من واحد بمعنى :أنَّ فاعل بمعنى فعل نحو :سافر وطارق٣١.
قوله :" أن تكبروا ". فيه وجهان :
أحدهما :أنه مفعول بالمصدر أي :وبداراً كبرهم، كقوله : ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ﴾ [ البلد :١٤، ١٥ ] وفي إعمال المصدر المُنَوِّنِ الخلاف المشهور.
والثَّاني :أنَّه مفعول من أجله على حذف أي :مخافة أن يكبروا، وعلى هذا فمفعولُ " بِدَاراً " محذوف، وهذه الجملة النَّهْييَّةُ فيها وجهان :
أصحهما :أنها استئنافية، وليست معطوفةً على ما قبلها.
والثَّاني :أنَّها عطف على ما قبلها، وهو جوابُ الشرط ب " إن " أي :فادفعوا ولا تأكلوها، وهذا فاسدٌ ؛ لأن الشّرط وجوابه، مترتِّبان على بلوغ النِّكاح وهو معارضٌ لقوله : ﴿ وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ ﴾ فَيَلزَمُ منه سَبْقُه على ما ترتَّب٣٢ عَلَيْهِ، وذلك ممتنع.
والمعنى :ولا تأكلوها يا معشرَ الأولياءِ " إسْرافاً " أي :بغير حقٍّ، " وبداراً " أي :ومبادرة، ثم بَيَّنَ مَا يَحِلُّ لهم من مالهم فقال : ﴿ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ ﴾ أي :فليمتنع من مال اليتيم فلا يرزؤه قليلاً ولا كثيراً، والعفة الامتناع مما لا يحل.
قال الواحديُّ٣٣ :استعفف عن الشيءِ وعَفَّ :إذا امتنعَ منه وتَرَكَهُ.
قال الزمخشريُّ :" استعفف أبلغ مِنْ عَفَّ كأنَّه طالب زيادة العفَّةِ ".
قوله : ﴿ وَمَن كَانَ فَقِيراً ﴾.
محتاجاً إلى مال اليتيم، وهو يحفظه ويتعمَّده ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾.
رُوِيَ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أن رجلاً أتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال :" إنِّي فَقِيرٌ وَلَيْسَ لِي شَيْءٌ وَلِي يَتيمٌ، فقال :كُلْ مِنْ مَالِ يَتِيمكَ عَيْرَ مُسْرِفٍ وَلا مُبَذِّرٍ وَلاَ مُتَأثِّل " ٣٤.
واختلفوا، هل يلزمهُ القضاءُ ؟ فقال مجاهدٌ وسعيدُ بن جبير :يقضي إذا أيسر لقوله : ﴿ فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ ﴾٣٥ والمعروف :هو أن يقترض من مال اليتيم إذا احتاج إليه، فإذا أيْسَرَ قَضَاهُ.
قال عمرُ بن الخطّاب :" إنِّي أنْزَلْتُ نفسي من مال ا
١ في أ: ما اليتيم..
٢ في أ: يبين..
٣ تقدم برقم ٧١١..
٤ ينظر البيت في ديوانه ص ٩٣، والدرر ٦/١٤١، وشرح أبيات سيبويه ٢/٢٤٠، وشرح الأشموني ٢/٤٢٠، وشرح شواهد الإيضاح ص ٢٢٨، ٢٥٥، وشرح شواهد المغني ١/٣٧٤، وشرح المفصل ٥/٧٩، والكتاب ٣/٢٧، ٦٢٦، ومغني اللبيب ١/١٢٧، ١٣٠، وأسرار العربية ص ٢٦٧، وجواهر الأدب ص ٤٠٤، ورصف المباني ٥/١٨١، وشرح المفصل ٨/١٩، والمقتضب ٢/٧٢، وهمع الهوامع ٢/١٣٦، والدر المصون ٢/٣١١..
٥ في أ: يتخلص..
٦ سقط في أ..
٧ ذكره البغوي في تفسيره ١/٣٩٤..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٧٦، ٥٧٧) عن مجاهد والشعبي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٥) عن مجاهد وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر..
٩ في أ: ويختبر المولى..
١٠ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٧..
١١ في أ: وجوب..
١٢ في ب: العانة..
١٣ في ب: الخشن..
١٤ سقط في ب..
١٥ في أ: وهذا..
١٦ في أ: بلغ..
١٧ في أ: يميز..
١٨ في ب: إذا..
١٩ وقع في المحرر الوجيز ٢/١٠ قراءة ابن مسعود "حستم" هكذا، ثم قال: "بالحاء وسكون السين على مثال فعلتم" واليقين أنها تحريف أو خطأ مطبعي.
والصواب كما في مثبت هنا، وفي البحر ٣/١٨٠، والدر المصون ٢/٣١٢..

٢٠ في ب: زيد..
٢١ تقدم..
٢٢ في أ: مضطردة..
٢٣ وقرأ بها عيسى الثقفي.
انظر: المحرر الوجيز ٢/١٠، والبحر المحيط ٣/١٨٠، والدر المصون ٢/٣١٢..

٢٤ البيت للحارث بن حلزة. ينظر البحر ٣/١٦١ وشرح المعلقات للتبريزي (٤٣٥) والدر المصون ٢/٣١٢ والبحر المحيط ٣/١٦١..
٢٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٢٥..
٢٦ في ب: الإيصاء..
٢٧ في ب: قط..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ في أ: بحاله..
٣٠ في ب: يكثر..
٣١ في ب: وفارق..
٣٢ في أ: ترتبت..
٣٣ ينظر تفسير الوسيط ٢/١٣..
٣٤ أخرجه أبو داود (٢٨٧٢) والنسائي (٢/١٣١) وابن ماجه (٢٧٨) وأحمد (٢/١٨٦، ٢١٥) وابن الجارود في "المنتقى" (٩٥٢) والبيهقي (٦/٢٨٤) من طرق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إني فقير...الخ.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٦) وزاد نسبته لابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه..

٣٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٨٤، ٥٨٥) عن سعيد بن جبير ومجاهد..
لما ذَكَرَ تعالى أمر اليتامى، وصله بذكر المواريثِ، وهذا هو النَّوْع الرَّابع من الأحكام المذكورة في هذه السورة، ويكون ما يتعلق بالمواريث.
قال ابن عباس :سبب نزول هذه الآية " أن أوس بن ثابت الأنصاري توفي عن ثلاث بنات وامرأة، فجاء رجلان من بَنِي عمّه١ وهما وصيّان له يقال لهما :سُوَيدٌ وعَرْفجَة فأخذا ماله، ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئاً وكانوا في الجاهليَّةِ لا يورثون النِّساء ولا الصغار، وإنْ كان الصغير ذكراً٢ إنما كانوا يورثون الرِّجال، ويقولون لا يعطى إلا من قاتل، وطاعن بالرُّمح، وحاز القسمة وذبَّ عن الحَوْزَةِ، فجأت أمُّ كُحّة٣ فقالت :يا رسول الله إن أوس بن ثابت مات، وترك عليَّ بنات، وأنا امرأته ليس عندي ما أنفق عليهن وقد ترك أبوهنّ مالاً حسناً، وهو عند سويد وعرْفجة، ولكم يعطياني ولا بناتي شيئاً وهن في حجري لا يطمعْنَ ولا يسقين، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ارجعي إلى بيتك حتى أنظر فيما يحدثُ اللَّه في أمرك ". فدعاهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالا :يا رسول الله ولدها لا يركب فرساً، ولا يحمل كلاًّ، ولا يَنْكَأُ عَدُوّاً فأنزل الله تعالى : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾ يعني للذُّكور مما ترك أولاد الميِّت وأقربائه ﴿ نَصيِبٌ ﴾ حظّ ﴿ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾ من الميراث، ﴿ وَلِلنِّسَاءِ ﴾ نصيب، ولكنه تعالى لم يُبَيِّن المقدار في هذه الآية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تُفَرِّقَا مِنْ مَالِ أوْسِ بْنِ ثَابِتْ شيئاً فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِبَنَاتِهِ نَصِيباً مِمَّا تَرَكَ، ولَمْ يبيِّن كَمْ هُوَ حَتَّى أنْظُر مَا يَنْزِلُ فِيهِنَّ " فأنزل اللَّهُ - عزّ وجلّ - : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ [ النساء :١١ ] فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سُوَيْدٍ وَعُرْفُجة أن ادفعا إلى أمّ كُحة الثمن وإلى بناته الثلثين، ولكما باقي المال، " فهذا هو الكلام في سبب نزول هذه الآية٤.
بين الله تعالى أن للنِّسَاء حقاً في الميراث خلافاً لعادَةِ العرب في الجاهليَّةِ وذكره مُجْملاً أولاً ثم بَيَّنَهُ بعد ذلك على سبيل التدريج ؛ لأنَّ النَّقل عن العادة يشق٥، فقال لهما :" ادفعا إليها نصيب بناتها الثُّلثين ولَكُمَا باقي المال ".
قوله : ﴿ مِّمَّا تَرَكَ ﴾ هذا الجارُّ في محل رفع ؛ لأنه صفة للمرفوع قبله أيْ :نَصِيبٌ كائن أو مستقر، ويجوز أن يكون في محلّ نصبٍ متعلقاً بلفظ " نصيب " لأنه من تمامه. وقوله ﴿ مِمَّا قَلَّ ﴾ [ و ]٦ في هذا الجارّ أيضاً وجهان :
أحدهما :أنه بدل من " ما " الأخيرة٧ في " مما ترك " بإعادة حرف الجرِّ في البدل، والضمير٨ في " منه " عائد على " ما " الأخيرة، وهذا البدل مرادٌ أيضاً في الجملة الأولى حُذِفَ للدلالة عليه، ولأن المقصود بذلك التأكيد ؛ لأنه تفصيلٌ للعموم المفهوم من قوله ﴿ مِّمَّا تَرَكَ ﴾ فجاء هذا البدل مفصّلا لحالتيه من الكثرة والقِلَّةِ.
والثاني :أنه حال من الضَّمِيرِ المحذوف من " ترك " أي :مما تركه قليلاً، أو كثيراً، أو مستقراً مما قلّ.

فصل


قال القُرْطُبِيُّ٩ :استدلّ علماؤنا بهذه الآية على قسم المتروك١٠ على الفرائض، فإن كانت القِسْمَةُ لغير المتروك عن حاله كالحمام الصّغير، والدّار التي تبطل منافعها بإقرار أهل السهام فيها فقال مالك١١ :يقسم ذلك، وإن لم ينتفع أحدهم بنصيبه لقوله١٢ تعالى ﴿ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ [ النساء :٧ ] وبه قال الشَّافعيُّ وأبو حنيفة١٣.
قال أبو حنيفة :في الدَّار الصَّغيرة يكون بين اثنين فطلب أحدهما القسمة، وأبى صَاحِبُه قُسمتْ له.
وقال ابن أبي ليلى :إن كان فيهم من لا يَنْتَفِعُ بقسمه، فلا يقسم، وكل قسم يدخل فيه الضّرر على أحدهما١٤، دون الآخر فإنَّه لا يقسم، وهو قول أبي ثَوْرٍ.
وقال ابْنُ المُنْذِرِ :وهو أصحُّ القولين١٥.
قوله : ﴿ نَصِيباً مَّفْرُوضاً ﴾ فيه أوجه :
أحدها :أن " نصيباً " ينتصب على أنَّهُ واقع موقع المصدر، والعامل فيه معنى ما تقدَّم إذ التَّقدير عطاءً أو استحقاقاً، وهذا معنى قول مَنْ يقول منصوب على المصدر المؤكد.
قال الزَّمخشريُّ :كقوله : ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ﴾ [ النساء :١١ ] كأنه قيل :قسمة مفروضة، وقد سَبَقه الفرَّاءُ إلى هذا، قال :نُصِبَ ؛ لأنه أخرج مُخْرَجَ المَصْدَر ؛ ولذلك وحّده كقولك :له عَليَّ كذا حقّاً لازماً، ونحوه ﴿ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ ﴾، ولو كان اسْماً صحيحاً لم ينصب، لا تقول :لك عليَّ حق درهماً.
الثاني :أنَّه منصوبٌ على الحالِ ويُحتمل أن يكون صاحبُ الحال الفاعل في " قَلَّ "، أو " كَثر "، ويُحتمل أن يكون " نَصِيب "، وإن كان نكرة لتخصّصه إمَّا بالوَصْفِ، وإمَّا بالعمل والعامل في الحال الاستقرار الَّذِي في قوله : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ ﴾، وإلى نصبه حالاً ذهب الزَّجَّاج ومكيٌّ قالا :المعنى لهؤلاء أنْصِباء على ما ذكرناها في حالِ الفرض.
الثالث :أنَّهُ منصوبٌ على الاختصاص بمعنى :أعني نَصِيباً، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
قال أبو حيَّان :إن عنى الاخْتِصَاص المصطلَح عليه فهو مردود بكونه نكرةً، وقد نَصُّوا على اشتراط تعريفه.
الرابع :النصب بإضمار فعل أي :أوجبت أو جُعِلَت لهم نصيباً.
الخامس :أنه مصدر صريح أي نَصَبْتُهُ نَصِيباً.

فصل دلالة الآية على توريث ذوي الأرحام


قال أبُو بكرٍ الرازي :هذه الآية تَدُلُّ على توريث١٦ ذوي الأرْحَام :لأنَّ العمَّاتِ والأخوالَ، والخالاتِ، وأولادَ البنات من القربين، فوجب دُخُولُهُم تَحْتَ قوله ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾ أقصى ما في الباب أنَّ قدر ذلك النصيب غير مذكور في هذه الآية إلاَّ١٧ أنَّا نثبت كونهم مستحقين لأصل النَّصيب بهذه الآية، وَأَمَّا المقدار فنستفيده من سائر الدلائل.

فصل


معنى " مفروضاً " أي :مَقْطُوعاً واجباً وأصلُ الفرضِ :الحز١٨ والتأثير، ولذلك سُمِّيَ الحزّ١٩ الَّذي في سية القوس، فرضاً، والحزُّ٢٠ الَّذي في القداح يسمَّى أيضاً فرضاً، وهو علامة لتميّز بينها وبين غيرها، والفرضة٢١ علامة في مقسم الماء يعرفُ بها كل ذي حقٍّ حقَّه من الشُّرْبِ، فهذا أصلُ الفرض في اللُّغَةِ، ولهذا سَمَّى أصحابُ أبي حنيفة الفرض [ به ]٢٢ ما٢٣ ثبت بدليل قَطْعِيٍّ، والواجب ما٢٤ ثبت بدليل ظنيِّ، قالوا إنَّ الفرضَ عبارةٌ عن الحزّ والقطع، والواجب عبارة عن السقوط يقال :وَجَبَتِ الشَّمْسُ :إذا سَقَطَت وسمعتُ وجبةٌ يعني :سَقْطَة، قال تعالى : ﴿ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا ﴾[ الحج :٣٦ ] أي :سَقَطَتْ، وتأثير القَطْعِ أقوى من تأثير السُّقوط.
قال ابن الخطيب٢٥ :وهذا التقرير يقضي عليهم بأن الآية ما تناولت ذوي الأرحام [ لأن توريث ذوي الأرحام ليس من باب ما عرف بدليل ]٢٦ قاطع بإجْمَاعِ الأمَّةِ، فلم يكن توريثهم فَرْضاً، والآية إنَّمَا تناولت التَّوريث المفروض فَلَزِمَ القَطْعُ بأنَّ هذه الآية ما تَنَاولت ذوي الأرْحَامِ.
١ في ب: لحمه..
٢ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٣١..
٣ أم كجة بضم الكاف والحاء المهملة زوج أوس بن ثابت: نزلت فيها آية المواريث. ينظر أسد الغابة ٧/٣٨١..
٤ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٧) وعزاه لأبي الشيخ عن ابن عباس.
وأخرجه الطبري (٧/٥٩٨) عن عكرمة مختصرا وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٨) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن المنذر..

٥ في ب: مشتق..
٦ سقط في ب..
٧ في ب: الآخرة..
٨ في أ: والضم..
٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٣٢..
١٠ في أ: التركة..
١١ في أ: ذلك..
١٢ في أ: كقوله..
١٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٣٢..
١٤ في أ: أحدهم..
١٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٣٢..
١٦ في أ: ترتيب..
١٧ في ب: "إلا أنها تدل على"..
١٨ في ب: جزف..
١٩ في ب: الحر..
٢٠ في ب: الحر..
٢١ في أ: يتميز بها عن غيرها وافترضته..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في ب: بما..
٢٤ في ب: بما..
٢٥ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٥٩..
٢٦ سقط في أ..
اختلفوا في المُرَادِ بهذه القسمة على ثَلاثَةِ أقوال :
القول الأوَّلُ :أن المُرَادَ بها في قسمة الميراث، واختلفَ القائلون بهذا القول، هل المرادُ به لوجوبُ أو النَّدْبُ ؟ فالقائلون بالوُجُوبِ اختلفوا، فقال سعيدُ بْنُ المُسَيَّبِ والضَّحاك :كانت هذه قَبْلَ آية المواريث، فَلَمَّا نَزَلَتْ آيةُ المواريث جعلت المواريثُ لأهْلَها ونسخت هذه الآية١، وقال ابنُ عَبَّاسٍ والشَّعْبِيُّ والنَّخَعِيُّ والزُّهْرِيُّ :وهي محكمة٢.
قل مُجَاهِدٌ :وهي واجبةٌ على أهل الميراثِ ما طالت به٣ أنفسهم.
قال الحَسَنُ٤ :كانوا يُعْطون التابوت والأواني ورثّ الثياب والمتاع والشيء الذي يُسْتَحْيَا من قسمته، وإن كان بَعْضُ الوَرَثَة صغاراً فقد اختلفوا فيه، قل ابن عبَّاسٍ وغيره٥ :إن كانت الورثة كباراً رضخوا لهم، وإن كانت الوَرَثَةِ صغاراً اعتذروا إليهم، فَيَقُولُ الولي :إني لا أملك هذا المال إنَّمَا هو الصغار، ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم.
وقال بعضهم٦ :ذلك حقٌّ واجب في أموال الصغار والكبار، فإن كانُوا كِبَاراً تَوَلوا إعطاءَهم وإن كانوا صِغاراً أعطى وليهم، وروى محمَّدُ بْنُ سِيرينَ أنَّ عبيدة السَّلْمَانِي قسم أموال أيتام، وأمر بشاة فذبحت فصنع لهم طعاماً لأجل هذه الآية، وقال :لولا هذه الآية لكان هذا من مالي٧.
وقَالَ قَتَادَةُ عن يحيى بن معمر :ثلاث آياتٍ محكمات مذنيات تركهن النَّاسُ٨، هذه الآية، وآية الاستئذان ﴿ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ﴾
[ النور :٥٨ ] وقوله : ﴿ يأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى ﴾٩ [ الحجرات :١٣ ].
وقال آخرون :ذلك على سبيل النَّدْبِ إذا كان الورثة كباراً، فإن كَانُوا صغاراً فليس إلاَّ القول المعروف، وهذا هو الَّذي عليه فقهاءُ الأمصار لأنَّه لو كان لهم حَقٌّ معين لبينه اللَّهُ - تعالى - كسائر الحقوق، ولو كان واجباً لتوفّرت الدَّواعي على نقله لشدَّة حرص الفقراء والمساكين على تقريره، ولو كان كَذَلِكَ لنقل على سبيل التَّوَاتُرِ.
القول الثَّاني :أنَّ المراد بالقسمة الوصيَّة فَإذَا [ حضرها من لا يرث ]١٠ من الأقرباء اليتامى والمساكين أمر اللَّه تعالى الوصيّ أن يجعل لهم نصيباً من تلك الوصية ويقول لهم مع ذلك قولاً معروفاً.
القول الثالث :أنَّ قوله : ﴿ وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى ﴾ بَيَّن الذين يرثون والمراد من اليتامى والمساكين أي :الذين لا يرثون ثم قال : ﴿ فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ ﴾ أنَّهُ راجع إلى أولي القربى الذين يرثون. [ وقوله : ﴿ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ راجع إلى اليتامى والمساكين الذين لا يرثون ]١١. وهذا القَوْلُ محكيٌّ عن سعيد بن جُبَيْرٍ١٢، وقدم اليتامى على المساكين، لأنَّ ضعفهم أكثرُ وحاجتهم أشَدُّ فكان وضع الصدقات أفضل وأعظم في الأجر.
قوله : ﴿ فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ ﴾.
في هذا الضمير ثَلاَثَةُ أوْجهٍ :
أحدها :أنه يعود على المال، لأنَّ القسمة تَدُلُّ عليه بطريق الالتزام.
الثَّانِي :أنَّهُ يعود على " ما " في قوله : ﴿ مِّمَّا تَرَكَ ﴾.
الثَّالِثُ :أنَّهُ يعود على نفس القِسْمَةِ، وإن كان مذكراً مراعاة للمعنى إذ المراد بالقسمة الشيء المقسوم، وهذا على رأي من يرى ذلك، وَأمَّا مَنْ يقول :القسمة من الاقتسام كالخبرة من الاختبار أو بمعنى القَسَم فلا يتأتى ذلك.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩) عن سعيد بن المسيب والضحاك وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٩) عن سعيد بن المسيب وزاد نسبته لعبد الرزاق وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في ناسخه والبيهقي..
٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٧ ـ ٨) عن ابن عباس والشعبي وسعيد بن جبير والحسن والزهري. وأخرجه البخاري (٤/٥٦) كتاب الوصايا باب قوله تعالى وإذا حضر القسمة رقم (٢٧٥٩) والبيهقي في "سننه" (٦/٢٦٦) عن ابن عباس بلفظ: إن ناسا يزعمون أن هذه الآية نسخت....
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٨) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وأبي داود في ناسخه وابن المنذر وابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس..

٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٧) عن مجاهد..
٤ ينظر: تفسير البغوي ١/٣٩٧..
٥ ينظر: تفسير البغوي ١/٣٩٧..
٦ ينظر: تفسير البغوي ١/٣٩٧..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٧)..
٨ في أ: نزلت للناس..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٨) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في ب..
١٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢١٩) بمعناه وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير عن سعيد بن جبير..
قرأ الجمهور بسكون اللاَّم في الأفعال الثَّلاَثَةِ وهي لام الأمر، والفعل بعدها مجزومٌ بها، وقرأ الحَسَنُ١ وعيسى بْنُ عُمَرَ بكسر اللامِ في الأفْعَالِ الثَّلاثة وهو الأصل، والإسكان تخفيفٌ إجراءً للمنفصل مُجْرى المتصل، فإنهم شَبَّهوا " وليخش " ب " كَيف " ٢ وهذا ما تَقَدَّمَ الكلام في نحو :" وهْيَ " و " لَهْي " في أول البقرة.
قال القرطبي :حذفت الأولف من ﴿ وَلْيَخْشَ ﴾ للجزم بالأمر، ولا يجوز عند سِيبَويْه إضمار لام الأمر قياساً على حروف الجرّ إلاّ ضرورة شعر، وأجاز الكوفيون حذف اللام مع الجزم.
وأنشدوا : [ الوافر ]
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ إذَا مَا خِفْتَ مِنْ شَيءٍ تَبَالاَ٣
أراد لتفد٤ وهو مفعل " يخشى " محذوف لدلالة الكلام عليه، و " لو " هذه فيها احتمالان :
أحدهما :أنَّهَا على بابها من كونها حرفاً لما كان سيقع لوقوع غيره أو حرف امتناع لامتناع على اختلاف العبارتين.
والثَّانِي :أنَّهَا بمعنى " إن " الشَّرطية وإلى الاحتمال الأوَّل ذهب ابْنُ عطيّة والزَّمخشري.
قال الزَّمخشريُّ :فإن قلت ما معنى وقوع ﴿ لَوْ تَرَكُواْ ﴾ وجوابه صلة ل " الذين " قلت :معناه :وليخش الَّذِينَ صفتهم وحالهم أنَّهُمْ لو شارفوا٥ أن يتركوا خَلْفَهُمْ ذريّة ضِعافاً، وذلك عند احتضارهم خَافُوا عليهم الضياع بعدهم لذهاب كافلهم وكاسبهم كما قال القائل : [ الوافر ]
لَقَدْ زَادَ الحَيَاةَ إليَّ حُبّاً بَنَاتِي إنَّهُنَّ مِنَ الضِّعَافِ
أُحَاذِرُ أنْ يَرَيْنَ البُؤسَ بَعْدِي وَأنْ يَشْرَبْنَ رَنْقاً بَعْدَ صَافِي٦
وقال ابن عطية٧ تقديره :لو تركوا لخَافُوا، ويجوزُ حذف اللام من جواب " لو " ووجه التمسك بهذه العبارة أنَّهُ جعل اللامَ مقدَّرَةً في جوابها، ولو كانت " لَوْ " بمعنى " إن " الشَّرطيّة لما جاز ذلك، وقد صَرَّح غيرهما بذلك فقال : ﴿ لَوْ تَرَكُواْ ﴾ " لَوْ " يمتنع بها الشَّيء لامتناع غيره، و " خَافُوا " جوابُ " لَوْ ".
وإلى الاحتمال الثَّانِي ذهب أبو البقاءِ٨ وابنُ مَالِكٍ، قال ابْنُ مَالِكٍ :" لو " هنا شرطية بمعنى " إنْ " فتقلب الماضي إلى معنى الاستقبال، والتَّقدير :وليخش الذين إنْ تركوا ولو وقع بعد " لو " هذه مضارع كان مستقبلاً كما يكونُ بَعْدَ " إنْ " وأنشد : [ الكامل ]
لاَ يُلْفِكَ الرَّاجُوكَ إلاَّ مُظْهِراً خُلُقَ الكِرَام وَلَوْ تَكُونُ عَدِيمَا٩
أي :وإنْ تكن عديماً، ومثلُ هذا البيت قول الآخر : [ البسيط ]
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا شَدُّوا مَآزِرَهُمْ دُونَ النِّسَاءِ وَلَوْ بَاتَتْ بأطْهَارِ١٠
والَّذي ينبغي أن تكون على بابها كونها تعليقاً في الماضي، وَإِنَّمَا حمل ابْنُ مالك، وَأبَا البقاء على جَعْلِها بمعنى " إنْ " توهُّمُ أنَّه لَمَّا أمر بالخشيةِ - والأمرُ مستقبل ومتعلِّقُ الأمر موصول لم يصحّ أن تكون الصِّلةُ ماضية على تقدير دلالته على العدم١١ الذي ينافي١٢ امتثالَ الأمر، وحَسَّنَ مكانَ " لو " لفظ " إنْ " ولأجل هذا التوهُّم لم يُدْخل الزمخشري " لَوْ " على فعل مستقبل، بل أتى بفعل ماضٍ مسندٍ للموصول حالةَ الأمر فقال :" وليخش الذين صفتهم وحالهم أنهم لو شارفوا أن يتركوا ".
قال أبُو حَيَّان :" وهو الَّذي تَوهَّموه لا يلزم، إلاَّ إن كانت الصِّلةُ١٣ ماضيةً في المعنى واقعةً بالفعل، إذا معنى ﴿ لو تركوا من خلفهم ﴾ أي :ماتوا فتركوا من خلفهم، فلو كان كذلك للزم التَّأويلُ في " لَوْ " أن تكون بمعنى " إنْ " إذ لا يجامع الأمر بإيقاع فعل مَنْ مات بالفعل، فَإذَا كَانَ مَاضياً على تقدير فَيَصِحُّ أن يقع صِلَةً وأن يكون العاملُ في الموصول الفعل المستقبل١٤ نحو قولك :ليزرْنَا الذي لو مات أمسِ لبكيناه ". انتهى.
وَأمَّا البيتان المتقدّمان فلا يلزمُ من صحَّةِ جَعْلِهَا فيهما بمعنى " إنْ " أنْ تكن في الآية كذلك ؛ لأنَّا في البيتين نضطر إلى ذلك، أمَّا البيتُ الأوَّلُ فلأن جواب " لو " محذوف مدلولٌ عليه بقوله :" لا يلفك " وهو نَهْيٌ، والنًّهْيُ مستقبلٌ فلذلك١٥ كانت " لَوْ " تعليقاً في المستقبل.
وأمَّا البيت الثَّاني فلدخول ما بعدها في حَيزِ " إذا "، و " إذا " للمستقبل. ومفعول ﴿ وَلْيَخْشَ ﴾ محذوفٌ أي :وليخش اللَّه.
ويجوز أن تكون المسألةُ من باب التَّنَازُع فإنَّ ﴿ وَلْيَخْشَ ﴾ يطلبُ الجلالة، وكذلك ﴿ فَلْيَتَّقُواّ ﴾ فيكون من إعمال١٦ الثَّاني للحذف من الأوَّلِ.
قوله : ﴿ مِنْ خَلْفِهِمْ ﴾ فيه وجهان :
أظهرهما :أنَّهُ متعلِّقٌ ب " تَرَكُوا " ظرفاً له.
والثَّاني :أنَّه مُتعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنَّه حالٌ من " ذرية " ؛ لأنَّه في الأصل صفة نكرة قُدِّمَتْ عليها فَجُعِلَتْ حالاً.
قوله : ﴿ ضِعَافاً ﴾، أمال١٧ حمزة :ألف ﴿ ضِعَافاً ﴾ ولم يبال بحرف الاستعلاء١٨ لانكساره ففيه انحدارٌ فلم ينافِِرِ١٩ الإمالةَ.
وقرأ ابن مُحَيْصِنٍ٢٠ " ضُعُفاً " بضمِّ الضَادِ والعين وتنوين الفاء، والسُّلمي٢١ وعائشة " ضعفاء " بضم الضاد وفتح العين والمد، وهو جمع مَقِيسٌ في فعيل صفةً نحو :ظَرِيفٍ وَظُرَفاء وكَرِيم وكرماء، وقرئ٢٢ " ضَعافَى " بالفتح والإمالة نحو :سَكَارى، وظاهر عبارةِ الزَّمخشري٢٣ أنَّهُ قُرِئَ " ضُعافى " بضمِّ الضَّادِ مثل سُكارى فَإِنَّهُ قال :" وقُرِئَ ضُعَفَاء، وضَعافى وضُعافى نحو سَكارى وسُكارى " ، فيحتمل أنْ يريد أنَّهُ قُرِئَ بضمّ الضَّادِ وفتحها، ويحتمل أن يُرِيدَ أنََّهُ قُرِئَ٢٤ " ضَعافى " بفتح الضَّاد دونَ إمَالَةٍ، و " ضَعافَى " بفتحها مع الإمالة [ كَسَكارى بفتح اسلين دون إمالة، وسكارى بفتحها مع الإمالة ]٢٥، والظَّاهِرُ الأوَّلُ، والغالب على الظَّنِّ أنَّهَا لم تُنْقل قراءة.
قوله : ﴿ خَافُواْ عَلَيْهِمْ ﴾. أمَالَ حمزةُ ألف " خَافُوا " للكسرة المقدَّرَةِ في الألف، إذ الأصل " خَوِفَ " بكسر العين ؛ بدليلِ فتحها في المُضَارعِ نحو :" يَخَافُ " ٢٦.
وعلَّل أبو البَقَاءِ٢٧ وغيره ذلك بأنَّ الكَسْرَ قد يَعْرِض في حال٢٨ من الأحوال وذلك إذَا أُسْنِدَ الفِعْلُ إلى ضَمِيرِ المُتَكَلِّم، أو إحدى أخواته نحو :خِفْت وخِفْنَا، والجملةُ من " لَوْ " وجوابها صلةُ " الَّذينَ ".

فصل


اختلفوا في المعنيِّ على أقْوَالٍ :
أحدها :أنَّهَا في الرَّجُلِ يحضره الموت فيقول مَنْ في حضرته :انظر لنفسك فَإنَّ أولادك ورثتك لا يغنون عنك من اللَّهِ شيئاً. قَدِّم لنفسك، أعْتِقْ، وتصدَّقْ، وأعْطِ فلاناً كَذَا، وفلاناً كذا، حتَّى يأتي على عامَّة ماله، فنهاهم اللَّهُ تعالى عن ذلك، وأمرهم أن يأمروه بأن ينظر لولده ولا يزيد في وصيَّتِهِ على الثُّلُثِ فيكون خطاباً للحاضرين عند الميت. فقيل لهم :كما أنَّكم تكرهون بقاء أولادكم في الضَّعف، والجوع فَاخْشَوا اللَّهَ، ولا تحملوا المريض على أنْ يحرم أولاده الضُّعفاء ماله، ومعناه كما أنَّك لا ترضى لنفسك مثل هذا الفعل فلا تَرْضَاهُ لأخيك المسلم.
وثانيها :أنَّهُ خِطَابٌ للمريض بحضرة الموت ويريد الوصيَّة للأجانب، فيقول له من يحضره :اتَّق اللَّه وأمسك مالك على ولدك مع أنَّ القَائِلَ لَهُ يجب أنْ يُوصِيَ لَهُ.
وثالثها :أنَّهُ خِطَابٌ لمن قرب أجله ويكون المقصود نهيه عن تكثير الوصيَّة، لئلا تضيع ورثته بعد مَوْتِهِ، فَإنْ كانت هذه الآية نزلت قبل تَقْدِيرِ الوصيَّة بالثُّلُثِ، كان المرادُ بها ألا يستغرق التركةَ بالوصيَّةِ، وَإنْ كانت نزلت بعد تقدير الوصيَّة بالثُّلُثِ كان المرادُ منها ألا يوصي أيضاً بالثُّلُث بل ينقص إذا خاف على ذُرّيّته، وهذا مَرْويٌّ عن كثير من الصَّحَابَة٢٩.
رابعها :أنَّ هذا خطابٌ لأولياء اليتيم، قال الْكَلْبِيُّ٣٠ :كَأَنَّهُ يقولُ مَنْ كان في حِجْرِهِ فليحسن إليْه بما يجب أن يُفْعَلَ بذريته من بعده.
قال القاضي٣١ :وهذا أليقُ بما تَقَدَّمَ وتأخَّرَ من الآيات الواردة في الأيْتَام.
قوله : ﴿ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيداً ﴾.
أي فليتقوا اللَّه في الأمر الذي تقدم ذكره، والاحتياط فيه، وليقولوا قولاً سديداً، والقولُ السديدُ هو العدل والصّواب من القول.
قال الزمخشريُّ :القولُ السَّديدُ من الأوصياء أن لا يؤذوا اليتامى ويكلموهم كما٣٢ يكلمون أولادهم بالترحيب ويخاطبوهم :يا بني، ويا ولدي، والقول السّديد من الجالسين إلى٣٣ المريض أن يقولوا :لا تسرف في وصيتك ولا تجحف بأولادك [ مثل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لِسَعْدٍ ]٣٤ والقول السَّديد من الوَرَثَة حال قسمة الميراث للحاضرين الذين لا يرثون أن يلطفوا إليهم القول ويخصوهم بالإكرام.
١ وقرأ بها الزهري وأبو حيوة.
انظر: إتحاف ١/٥٠٣، والبحر المحيط ٣/١٨٥، والدر المصون ٢/٣١٥..

٢ في ب: بكيفه..
٣ البيت لأبي طالب ينظر في شرح شذور الذهب ص ٢٧٥، وله أو للأعشى في خزانة الأدب ٩/١١، وللأعشى أو لحسان أو لمجهول في الدرر ٥/٦١، وبلا نسبة في أسرار العربية ص ٣١٩، ٣٢١، والإنصاف ٢/٥٣٠، والجنى الداني ص ١١٣، ورصف المباني ص ٢٥٦، وسر صناعة الإعراب ١/٣٩١، وشرح الأشموني ٣/٥٧٥، وشرح شواهد المغني ١/٥٩٧، وشرح المفصل ٧/٣٥، ٦٠، ٦٢، ٩/٢٤، والكتاب ٣/٨، واللامات ص ٩٦، ومغني اللبيب ١/٢٢٤، والمقاصد النحوية ٤/٤١٨، والمقتضب ٢/١٣٢، والمقرب ١/٢٧٢، وهمع الهوامع ٢/٥٥..
٤ في ب: لتعذره..
٥ في أ: فارقوا..
٦ البيتان لأبي خالد القناني ينظر الكامل (٨٩٥) وذكرهما أبو تمام في الحماسة ضمن أبيات، إصلاح المنطق (٥٩) والدر المصون ٢/٣١٦، والبحر المحيط ٣/١٨٥، والزمخشري ١/٤٧٨..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٤/٢٩..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٦٨..
٩ تقدم برقم ٢٧١..
١٠ البيت للأخطل ـ ينظر ديوانه (١/١٧٢) وشواهد المغني (٦٤٦) والمقرب ١/٩ والنوادر (١٥٠) والحماسة الشجرية ١/٣٨١ والدر المصون ٢/٣١٦ والبحر المحيط ٣/١٨٦..
١١ في أ: القدم..
١٢ في أ: يتآتى..
١٣ في أ: القيلة..
١٤ في ب: المستقل..
١٥ في أ: فكذلك..
١٦ في أ: المحال..
١٧ في أ: قال..
١٨ في أ: الاستقلال..
١٩ في أ: ينافي..
٢٠ انظر: المحرر الوجيز ١/١٣، والبحر المحيط ٣/١٨٦، والدر المصون ٢/٣١٧..
٢١ وقرأ بها الزهري وأبو حيوة وابن محيضن. انظر السابق..
٢٢ ينظر المحرر الوجيز ٢/١٣، والبحر المحيط ٣/١٨٦..
٢٣ ينظر: الكشاف ١/٤٧٨..
٢٤ انظر: المحرر الوجيز ٢/١٣، والدر المصون ٢/٣١٧، وإتحاف ١/٥٠٤، والحجة ٣/١٣٣..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ في ب: خاف..
٢٧ ينظر: الإملاء ١/١٦٨..
٢٨ في أ: حول..
٢٩ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٦١..
٣٠ ينظر: تفسير البغوي ١/٣٩٨..
٣١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٦٢..
٣٢ في ب: بما..
٣٣ في ب: عند..
٣٤ سقط في ب..
قال مقاتل بن حيّان :نزلت في رجل من غَطَفَانَ يقال له مرثدُ بْنُ زَيْدٍ وَلِي مالَ ابن أخيه وهو يتيمٌ صغيرٌ، فَأكَلَهُ فأنزل اللَّهُ هذه الآية١.
قوله : ﴿ ظُلْماً ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :أنَّهُ مفعول من أجله، وشروط النصب موجودة.
الثاني :أنَّهُ مصدرٌ في محلِّ نَصْب على الحَالِ أي :يأكُلُونَهُ ظالمين والجملة من قوله : ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ ﴾ هذه الجملة في محل رفع خبرا " إنَّ "، وفي ذلك خلاف.
قال أبُو حيان :وَحَسَّنَه هنا وقوعُ [ اسم ]٢ " أن " موصولاً فطال٣ الكلامُ بصلة الموصول فلما تباعد ما بينهما لم يُبالِ بذلك، وهذا أحْسَنُ من قولك :" إنَّ زيداً إنَّ أبَاهُ منطلق "، ولقائلٍ أن يقول :ليس فيها دلالة على ذلك ؛ لأنها مكفوفة ب " ما " ومعناها الحصرُ فصارت مثل قولك، في المعنى :" إنَّ زيداً ما انطلق إلاَّ أبوه " وهو محل نظر.
قوله : ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ فيه وجهان :أحدهما :أنَّهُ مُتَعَلِّقٌ ب ﴿ يَأْكُلُونَ ﴾ أي :بطونُهم أوْعِيَةٌ للنَّارِ، إمَّا حَقِيقَةً :بأنْ يَخلق اللَّهُ لهم ناراً يأكلونَهَا في بُطُونِهِم، أوْ مَجَازاً بِأنْ أطْلِقَ المُسَبِّبَ وأرادَ السبب لكونه يُفْضِي إلَيْهِ ويستلزمه، كما يطلَقُ اسْمُ أحَدِ المتلازمين على الآخَرِ كقوله : ﴿ وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا ﴾ [ الشورى :٤٠ ].
قال القاضِي٤ :وهذا أوْلَى ؛ لأن الإشارةَ فيه إلى كُلِّ واحِدٍ.
وَالثَّاني :أنَّهُ متعلِّقٌ بمحذوفٍ ؛ لأنَّه حال٥ مِنْ " ناراً " وكان في الأصل صفة للنكرة فَلَمَّا قُدِّمَتِ انْتَصَبَتْ حَالاً.
وذكر أبُو البَقَاءِ هذا الوجه عن أبِي عَلِيٍّ في " تَذْكِرَتِهِ "، وحكى عنه أنَّهُ منع أنْ يكون ظرفاً ل ﴿ يَأْكُلُونَ ﴾ فَإنَّهُ قال : ﴿ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ حال من نار، أي :نَارٌ كَائِنَةٌ في بُطُونِهِمْ، وليس بِظَرْفٍ ل ﴿ يَأْكُلُونَ ﴾ ذكره في " التَّذْكِرَةِ ".
وفي قوله :" وَالَّذي يَخُصُّ هذا المَوْضِع " فيه نَظَرٌ، فَإنَّهُ كما يجوزُ أن يكونَ ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ حالاً من " نَار " هنا يجوزُ أن يكون حالاً من " النَّار " في البقرة، وفي [ إبداء ]٦ الفرقِ عُسْرٌ، ولم يظهر [ منع أبي عليٍّ كَوْنَ ﴿ فِي بُطُونِهِمْ ﴾ ظرفاًَ للأكْلِ وجه ظاهر فإن قيل :الأكل لا يكون إلا ]٧ في البَطْنِ فما فائدةُ قوله : ﴿ إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾ ؟.
فالجوابُ أنَّ المرادَ به التَّأكِيدُ والمبالغةُ كقوله : ﴿ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم ﴾ [ آل عمران :١٦٧ ] والقول لا يكون إلا بالفم، وقوله : ﴿ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [ الحج :٤٦ ] والقلبُ لا يكونُ إلاَّ في الصَّدْرِ، وقوله : ﴿ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ ﴾٨ [ الأنعام :٣٨ ] والطّيرانُ لا يكون إلاَّ بالجَنَاحِ.

فصل في جواز الأكل من مال اليتيم


هذه الآيةُ توكيدٌ للوعيدِ المُتَقَدِّمِ لأكل مال اليتيم، وخَصَّ الأكل بالظلم، فأخرج الأكل بغير الظُّلْمِ مثل أكْلِ الوليّ بالمعروف من مال اليتيم، وإلاَّ لم يكن لهذا التَّخصيص فائدة٩

فصل في حرمة جميع الإتلافات لمال اليتيم


ذكر تعالى الأكل إلا أنَّ المراد منه كُلّ أنواع الإتلافات فإنَّ ضرر اليتيم لا يختلفُ بأن يكون إتلاف مال بالأكْلِ، أو بطريقٍ آخَرَ، وإنَّمَا ذكر الأكْلَ، وأراد به كُلَّ التَّصرفات المُتْلِفَةِ لِوُجُوهٍ :
أحدها :أنَّ عامَّة أموال اليَتَامَى في ذلك الوقت هو الأنعام الَّتي يؤكل لحومها وَيُشْرَبُ ألبانها فخرجَ الكَلاَمُ على عاداتهم.
وثانيها :أنَّهُ جَرَتِ العَادَةُ فيمن أنْفَقَ مَالَهُ في وجوه مراداته١٠ خيراً كانت أو شراً أنَّهُ يقال :إنَّهُ أكل ماله.
وثالثها :أنَّ الأكل هو المعظم فما يبتغي من التصرُّفات.
قوله : ﴿ وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً ﴾، قرأ الجمهور بفتح الياء واللام، وابن عامر وأبو بكرٍ١١ بضمِّ اليَاءِ مَبْنِيّاً للمفعول من الثُّلاَثِيِّ، ويَحْتمل أنْ يكون من أصليٍّ فَلَمَّا بُنِيَ للمفعول قَامَ الأوَّلُ مقام الفَاعِلِ، وابن أبي عبلة١٢ بضمهما مبنياً للفاعل الرُّبَاعي، والأصل على هذه القراءة :سَيُصْلون من أصلي مثل يكرمون من أكرم١٣، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت، فالتقى السَّاكنان فَحُذِفَ أولُهما وهو الياءُ وَضُمَّ ما قبل الواو ليصح و " أصْلَى " يُحتمل أنْ تكون الهمزةُ فيه للدُّخول في الشَّيءِ، فَيَتَعَدَّى لواحدٍ وهو ﴿ سَعِيراً ﴾، وأن تكون للتَّعدية، فالمفعول محذوف أي :يُصْلُونَ أنفْسهم سعيراً.
وأبو حَيْوَةَ١٤ بضم الياء وفتح الصَّادِ واللاَّم مُشَدَّدَة مبنياً للمفعول من صَلَّى مضعفاً.
قال أبُو البَقَاءِ١٥ :والتّضعيفُ للتكثير.
والصَّلْي١٦ :الإيقاد بالنَّارِ، يقال :صَلِيَ بكذا - بكسر العين - وقوله ﴿ لاَ يَصْلاَهَا ﴾ أي :يَصْلَى بها.
وقال الخليلُ :صَلِيَ الكافرُ النَّارَ أي :قَاسَى حَرَّها وصلاه النَّارَ وَأصْلاَهُ غيرهُ، هكذا قال الرَّاغِبُ١٧. وظاهرُ العِبَارَةِ أنَّ فَعِل وَأفْعَل [ بمعنى ]١٨، يتعدَّيان إلى اثنين ثانيهما بحرفِ الجرِّ، وقد يُحْذَف.
وقال غيره :" صَلِيَ بالنَّارِ أي :تَسَخَّنَ بقربها " ف ﴿ سَعِيراً ﴾ على هذا منصوبٌ على إسقاط الخَافض. وَيَدُلُّ على أنَّ أصْلَ " يَصْلاها " يَصْلَى بها قول الشاعر : [ الطويل ]
إذَا أوْقَدُوا نَاراً لِحَرْبِ عَدُوِّهِمْ فَقَدْ خَابَ مَنْ يَصْلى بِهَا وَسَعِيرِهَا١٩
وقيل :صَلَيْتُه النَّارَ :أدْنَيْتُه منها، فيجوزُ أنْ يكونَ منصوباً مِنْ غير إسقاطِ خافضٍ.
قال الفرَّاءُ٢٠ :الصلى :اسم الوقود وهو الصِّلاء إذا كسرت مدّت، وإذا فتحت قُصِرَتْ، ومن ضَمَّ الياء فهو من قولهم :أصْلاَهُ اللَّه حَرَّ النَّار إصلاء، قال : ﴿ فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾ [ النساء :٣٠ ] وقال : ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ [ المدثر :٢٦ ].
وقال أبو زَيْدٍ :يقال :صَلِيَ الرَّجلُ النَّارَ يَصْلاَهَا صَلًى وصلاءً، وهُوَ صَالِي النَّارِ، وقوم صالون وصلاء، قال تعالى : ﴿ إِلاَّ مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ ﴾ [ الصافات :١٦٣ ] وقال : ﴿ أَوْلَى بِهَا صِلِيّاً ﴾ [ مريم :٧٠ ] والسّعير في الأصل الجمر المشتعل، وسَعَرْتُ النَّارَ أوقدتها، ومنه :مُسْعِرُ حَرْبٍ، على التشبيه، والمِسْعَرُ :الآلةُ الَّتي تُحَرَّكُ بها النَّارُ.

فصل


روي أنَّهُ لما أنزلت هذه الآية ثقل ذلك على النَّاسِ فاحترزوا عن مخالطة اليتامى بالكليَّةِ، فصعب الأمر على اليتامى، فنزل قوله تعالى : ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾
[ البقرة :٢٢٠ ] وزعم بعضهم أنَّ هذه الآية صارت منسوخة بتلك وهو بعيد ؛ لأنَّ هذه الآية في المنع من الظُّلْمِ وهذا لا يصير منسوخاً، بل المقصود أنَّ مخالطة أموال اليتامى إن كان على وجه الظُّلم فهو إثم عظيم كما في٢١ هذه الآية، وَإنْ كان على وجه الإحسان والتّربية فهو من أعظم [ أبواب ]٢٢ البرّ، لقوله : ﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ ﴾ [ البقرة :٢٢٠ ].
١ ينظر: تفسير البغوي (١/٣٩٨)..
٢ سقط في أ..
٣ في أ: فقال..
٤ ينظر: تفسير الفخر الرازي ٩/١٦٣..
٥ في أ: قال..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في أ..
٨ في أ: بجناحين..
٩ ينظر: الرازي ٩/١٦٢..
١٠ في ب: إرادته..
١١ انظر: السبعة ٢٢٧، والحجة ٣/١٣٦، وحجة القراءات ١٩١، والعنوان ٨٣، وشرح شعلة ٣٣٢، ٣٣٣، وإعراب القراءات ١/١٢٩، وشرح الطيبة ٤/١٩٣، وإتحاف ١/٥٠٤..
١٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/١٤، والدر المصون ٢/٣١٨..
١٣ في أ: يكرم..
١٤ ونسبها في البحر ٣/١٨٧ إلى ابن أبي عبلة فقط. وانظر: السابق..
١٥ ينظر: الإملاء ١/١٦٩..
١٦ في أ: ويصلي..
١٧ في أ: المراغني..
١٨ سقط في ب..
١٩ تقدم..
٢٠ ينظر: الفخر الرازي ٩/١٦٤..
٢١ في أ: كأنني..
٢٢ سقط في أ..
في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان :
الأوَّلُ :أنَّهُ تعالى لَمَّا بَيَّن الحكم في مال الأيتام وما على الأولياء فيه، بَيَّنَ في هذه الآية كيفية تملك الأيتام١ المال بالإرث.
الثَّاني :أنَّهُ لَمَّا بين حكم الميراث مجملاً في قوله :
﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾ [ النساء :٧ ] فذكر هنا تفصيل ذلك المجمل.

فصل


اعلم أنَّ الوراثة كانت في الجاهليَّةِ بالذُّكورة والقوّة، وكانوا يورثون الرِّجال دون النِّسَاء والصّبيان، فأبطل الله ذلك بقوله : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ ﴾ الآية. وكانت أيضاً في الجاهليَّة وابتداء الإسلام بالمخالطة٢، قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾٣ [ النساء :٣٣ ].
ثم صارت الوراثة بالهجرة، قال تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُمْ مِّن وَلاَيَتِهِم مِّن شَيْءٍ ﴾ [ الأنفال :٧٢ ] فنسخ اللَّهُ ذلك كله بقوله : ﴿ وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [ الأنفال :٧٥ ] وصارت الوراثة بأحد الأمور الثَّلاثة :النّسب، أو النكاح، أو الولاء.
وقيل :كانت الوراثة أيضاً بالتَّبنِّي، فإنَّ الرَّجل منهم كان يتبنَّى ابنَ غَيْره فَيُنْسَبُ إليه دون أبيه من النَّسب فيرثه، وهو نوع من المعاهدة المتقدِّمَةِ، وكذلك بالمؤاخَاةِ.
وقال بعض العلماء :لم ينسخ شيء من ذلك بل قررهم اللَّهُ عليه فقوله :
﴿ وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾[ النساء :٣٣ ] المراد التوارث بالنسب ثم قال : ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ﴾ [ النساء :٣٣ ] [ ليس المراد منه النصيب من المال، بل المراد فآتوهم نصيبهم من النصرة ]٤ والنصيحة وحسن العشرة.

فصل :سبب نزول الآية


روى عطاء قال :استشهد سعدُ بْنُ الرَّبِيع النَّقيب، وترك ابنتين وامرأة وأخاً، فأخذ الأخ المال كُلَّهُ، فأتت المرأةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالت :يا رسول اللَّهِ هاتان ابنتا سَعْدٍ، وإن سعداً قتل، وأن عمهما أخذ مالهما، فقال عليه السَّلام :" ارجعي فَلَعَلَّ اللَّهَ سَيَقْضِي [ فيه ]٥ " ثم إنها عادت إليه بعد مدة وبكت، فأنزل اللَّهُ هذه الآية، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمَّهما، وقال له :" أعْطِ ابْنَتَيْ سَعْدٍ الثُّلُثَيْنِ، وَأمَّهُمَا الثُّمُنَ وَمَا بَقي فَهُوَ لَكَ "، فهذا أوَّلُ ميراث قُسِّمَ في الإسلام٦.
وقال مقاتلٌ والكَلْبِيُّ :نزلت في أم كُحَّة امرأة أوس بْنِ ثَابتٍ وبناته.
وروى جابر قال :جاء رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأنا مريض لا أعْقِلُ فتوضّأ فَصَبَّ عَلَيَّ من وضوئه فقلتُ :يا رسول الله لمن المِيرَاثُ، وَإنَّمَا يرثُنِي كَلاَلَةٌ فنزلت آية الفرائض٧.

فصل


قال القَفَّالُ :قوله تعالى : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ ﴾ أي :يقول لكم قولاً يوصلكم٨ إلى إيفاءِ حقوق أولادكم بعد موتكم، وأصل الإيصاء هو الإيصَالُ يقال :وصى يصي إذا وَصَلَ، فإذا قيل :أوصاني٩، فمعناه :أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه، وكذلك وَصَّى وهو على المبالغة.
وقال الزَّجَّاج١٠ :معنى قوله هاهنا ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ أي :يَفْرِضُ عليكم ؛ لأنَّ الوصية مِنَ الله إيجابٌ لقوله بعد نَصِّه على المحرمات ﴿ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ ﴾ [ الأنعام :١٥١ ].
وقرأ الحسن١١ وابن أبي عبلة ﴿ يُوَصِّيكُم ﴾ بالتَّشديد، وقد تَقَدَّمَ أنَّ أوْصَى ووصَّى لغتان.
قوله : ﴿ فِي أَوْلاَدِكُمْ ﴾ قيل :ثَمَّ مضاف محذوف أي :في أولاد موتاكم.
قالوا :لأنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُخَاطَبَ الحيُّ بقسمةِ الميراثِ في أولاده، ويُفْرَضَ عليه ذلك.
وقال بعضهم :إن قلنا إنَّ معنى ﴿ يُوصِيكُمُ ﴾ " يبين لكم " لم يحتج إلى هذا التقدير، وَقَدَّر بَعْضُهُم قبل : ﴿ أَوْلاَدِكُمْ ﴾ مضافاً، أي :في شأن أولادكم، أو في أمر أولادكم.
قوله : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ ﴾ هذه الجملة من مبتدأ وخبر، يُحْتَمل أن تكونَ في محلِّ نَصْبٍ ب " يوصي " ؛ لأنَّ المعنى :يَفْرِضُ لكم، أو يُشَرِّع في أوْلادَكُمْ، كذا قاله أبُو البَقَاءِ، وهذا يقرب من مذهب الفرَّاء، فإنَّهُ يُجْري ما كان بمعنى القول مُجْرَاه في حكاية الجملِ، فالجملةُ في موضع نَصْب ب " يوصيكم ".
وقال مَكِّيٌّ : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ ﴾ ابتداءُ وخبر في موضع نصب تَبْيينٌ لِلْوَصِيَّةِ وَتَفْسِيرٌ لَهَا.
وقال الكِسَائِيُّ :ارتفع " مثل " على حذف " أنَّ " تقديره :أنَّ للذكرِ مثلُ حظّ، وبه قرأ ابن أبي عبلة١٢، ويحتمل ألاَّ يكون لها محلٌّ من الإعراب، بل جيء بها للبيان والتَّفسير فهي جُملةٌ مفسِّرةٌ للوصيَّةِ، وهذا أحسن وجار على مذهب البصريين، وهو ظاهر عبارة الزمخشريِّ، فَإنَّهُ قال :وهذا إجمالٌ تفصيلُه ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾.
وقوله : ﴿ لِلذَّكَرِ ﴾ لا بُدَّ من ضمير يعود على ﴿ أَوْلاَدِكُمْ ﴾ من هذه الجملة، فيحتمل أن يكون محذوفاً أي :للذكر منهم نحو :" السَّمْنُ مَنَوانِ بدرهم " قاله الزمخشريُّ، ويحتمل أن يكون قام مقام الألف واللام عند مَنْ يرى ذلك، والأصل :لذكرهم و " مثل " صفة لموصوفٍ محذوفٍ أي :للذَّكَر منهم حَظٌّ مثلُ حَظِّ الأنثيين.
فإن قيل :لا يقال في اللُّغَةِ :أوصيك لكذا، فكيف قال هنا : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ ﴾ ؟.
فالجوابُ :أنَّهُ لما كانت الوصية قولاً، فلهذا قال بعد قوله : ﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ ﴾ قولاً مستأنفاً وهو قوله : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ ونظيره قوله تعالى : ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً ﴾١٣ [ الفتح :٢٩ ] أي :قال لهم مغفرة ؛ لأن الوعد قولٌ.

فصل


اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأوْلاَدِ ؛ لأنَّ تعلُّق الإنسان بولده أشدّ التّعلقات، وللأولاد حال من انفراد وحال اجتماع مع الوالدين.
فحال الانفراد [ ثلاثة ]١٤ إمَّا أن يَكُونُوا ذكوراً و إناثاً، أو ذكوراً فقط، أو إناثاً فقط، فإنْ كانوا ذكوراً وإناثاً فقد بَيَّنَ اللَّهُ تعالى حكمهم بقوله : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ فبين تعالى أن للذكر مثل ما للأنثى مرتين١٥.
قوله : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً ﴾ الضمير في " كُنَّ " يعودُ على الإناثِ اللاَّتي شَمَلَهُنَّ قوله : ﴿ فِي أَوْلاَدِكُمْ ﴾.
فإنَّ التَّقدير :في أولادكم الذُّكور والإناث، فعادَ الضَّمِيرُ على أحد قِسمي الأولادِ، وإذا عاد الضَّمِيرُ على جمع التكسير١٦ العاقل المراد به مَحْضَ الذُّكور، وفي قوله عليه السَّلام
" ورب الشياطين ومن أضللن " لعوده على جماعة الإناث، فَلأنْ يعودَ كذلك على جمع التكسير المشتمل على الإناث بطريق الأوْلى [ والأحرى ]١٧، وهذا معنى قول أبي حيَّان :وفيه نَظَرٌ لأن عوده هناك كضمير الإناث إنما كان لمعنى مفقودٍ هنا وهو طلب المشاكلة لأنَّ قبله١٨ " اللهم رب السموات ومن أضللن وربّ الأرضين وما أقللن " ذَكَر ذلك النحويون.
وقيل :الضَّمير يعود على المتروكات أي :فإن كانت المتروكات، وَدَلَّ ذِكْرُ الأولاد عليه، قاله أبُو البقاء١٩ ومكيٌّ وقدَّره الزمخشريُّ :فإنْ كانت البنات أو المولودات.
فإذا تقرر هذا ف " كُنَّ " كان واسمُها و " نسَاءً " خبرُها، و " فوق اثنتين " ظرف في محلّ نصب صفة ل " نساء " وبهذه الصّفة تحصُل فائدةُ الخبرِ، ولو اقتصِرَ عليه لم تَحْصُلْ فائدةٌ، ألا ترى أنَّهُ لو قيل :" إنْ كان الزيدون رجالاً كان كذا " لم يَكُنْ فيه فائدةٌ.
وأجاز الزَّمخشريُّ في هذه الآية وَجْهين غريبين :
أحدهما :أن يكون الضمير في " كُنَّ " ضميراً مبهماً، و " نساء " منصوبٌ على أنَّهُ تفسيرٌ له يعني :تمييزاً، وكذلك قال في الضَّمِير الَّذي في " كَانَتْ " من قوله : ﴿ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً ﴾ على أنَّ " كان " تَامَّةٌ. والوجه الآخر :أن يكون " فوق اثنتين " خبراً ثانياً ل " كُنَّ " وَرَدَّهما عليه أبو حيّان :أمَّا الأوَّلُ :فلأنَّ " كانَ " ليسَتْ من الأفعالِ الَّتي يكونُ فاعلُها مضمراً يُفَسِّره ما بَعْدَهُ بل هذا مختصٌّ من الأفعال ب " نعم " و " بئس " وَمَا جَرَى مَجْرَاهُمَا وبَابُ التنازع عند إعْمَالِ الثاني، وأمَّا الثاني :فَلِمَا تَقَّدَمَ من الاحتياج إلى هذه الصفةِ ؛ لأنَّ الخبرَ لا بُدَّ أنْ تَسْتَقِلَّ به فَائِدةُ الإسناد، وَقَدْ تَقَدَّمَ أنَّهُ لو اقتصر على قوله " فإن كن نساء " لم يُفِدْ شيئاً ؛ لأنَّهُ مَعْلُومٌ.
قوله : ﴿ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ قرأ الجمهور " ثلُثا " بضمِّ اللام، وهي لغة الحجاز وبني أسد.
قال النَّحَّاسُ :من الثُّلث إلى العشر.
وقرأ الحسن٢٠ ونعيمُ بن ميسرةَ " ثُلْثا " و " الثُّلْثُ " و " النِّصْفُ " و " الرُّبْع " و " الثُّمْن " كلُّ ذلك بإسكان الوسط.
وقال الزَّجَّاجُ :هي لغة واحدة، والسُّكونُ تخفيف.

فصل


بَيَّنَ في هذه الآية ما إذا كانوا إناثاً فقط، فقال : ﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ﴾٢١، إلا أنَّه تعالى لم يَبيِّن حُكْمَ الْبِنْتَين تصريحاً، واختلفوا فيه :فعن ابن عبَّاسٍ أنَّهُ قال :الثُّلثان فرض الثلاث من البنات فصاعداً، وأمَّا فرض البنتين فهو النّصف ؛ لهذه الآية٢٢ ؛ لأنَّ لفظة " إن " في اللُّغة للاشتراط، وذلك يدلُّ على أن أخذ الثُّلثين مشروط بكونهن فوق الاثنتين وهو الثلاث فصاعداً.
والجواب من وجوه :
الأول :قوله تعالى : ﴿ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ﴾ فجعل حصول٢٣ النّصف مشروطاً بكونها واحدةً، وذلك ينفي حصول النّصف نصيباً للبنتين وقد جعل النّصف نصيبَ البنتين، فهذا لازم لَهُ٢٤.
الثَّاني :لا نُسَلِّمُ أنَّ كلمة " إنْ " تَدُلُّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف، لأنَّهُ لو كان الآمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين ؛ لأن الإجماع دَلَّ على أنَّ نَصِيبَ البنتين إمَّا النِّصْفُ، وإمَّا الثُّلثان، وبتقدير أن تكون كلمة " إن " للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أنَّ القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فيكون باطلاً ولأنَّهُ تعالى قال : ﴿ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ [ البقرة :٢٨٣ ] وقال : ﴿ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ ﴾ [ النساء :١٠١ ] ولا يمكن أن٢٥ يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات.
الثَّالث :أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراً والتقدير :فإن كُنَّ نِسَاءً اثنتين فما فَوْقَهُمَا فلهن الثُّلثان.
وَأمَّا سَائِرُ الأمَّةِ، فأجمعوا على أنَّ فرض البنتين الثلثان.
قال أبو
١ في ب: مال اليتيم..
٢ في أ: بالمخالفة..
٣ في أ: عاقدت..
٤ سقط في أ..
٥ سقط في ب..
٦ أخرجه أحمد (٣/٣٥٢) وأبو داود (٣/٣١٦) كتاب الفرائض (٢٨٩٢) والترمذي (٤/٤١٤ ـ ٤١٥) الفرائض (٢٠٩٢) وابن ماجه (٢/٩٠٨ ـ ٩٠٩) الفرائض (٢٧٢٠) والحاكم (٤/٣٤٢) وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٢٢) وزاد نسبته لابن سعد وابن أبي شيبة والطيالسي ومسدد وابن أبي عمر وابن منيع وابن أبي أسامة وأبي يعلى..

٧ أخرجه البخاري كتاب المرضى باب: عيادة المغمى عليه رقم (٥٦٥١) وفي كتاب الفرائض باب: يوصيكم الله في أولادكم (٦٧٢٣) وفي الاعتصام باب ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسأل مما لم ينزل عليه الوحي (٧٣٠٩) ومسلم في الفرائض باب ميراث الكلالة (١٦١٦) وأبو داود (٢٨٨٦) والترمذي (٢٠٩٨) والطبري في "تفسيره" (٨/٣٣) والطيالسي (٢/١٧) رقم (١٩٤٥) وأحمد (٣/٢٩٨) وابن حبان (١٢٥٥) وابن خزيمة (١٠٦) والبيهقي (٦/٢٣١) وأبو يعلى (٤/١٥) رقم (٢٠١٨) عن جابر بن عبد الله.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٢٢) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..

٨ في أ: يوصيكم..
٩ في ب: أوصني..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٦٥..
١١ انظر: البحر المحيط ٣/١٩٠، والدر المصون ٢/٣١٩..
١٢ في أ: علية..
١٣ في أ: لهم..
١٤ سقط في أ..
١٥ سيأتي قريبا تفصيل القول في حالتي انفراد الإناث والذكور..
١٦ في ب: المكسر..
١٧ سقط في أ..
١٨ في ب: قوله..
١٩ ينظر: الإملاء ١/١٦٩..
٢٠ وقرأ بها الأعرج.
انظر: المحرر الوجيز ٢/١٦، والبحر المحيط ٣/١٩٠، والدر المصون ٢/٣٢٠..

٢١ في أ: الثلثان..
٢٢ ذكر هذا الأثر السمرقندي في "بحر العلوم" ١/٣٣٦..
٢٣ في أ: محصول..
٢٤ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٦٦..
٢٥ سقط في أ..
اعلم أنَّ أقسام الوراثة ثلاثة :
قسم لا يسقط بحال وهم :الآباء والأولاد والأزواج قسمان، والثَّالِثُ هو المسمى بالكلالة وهذا القسم متأخر عن القسمين الأوَّلين لأنه قد يعرض لهم السُّقوط بالكليَّة، ولأنَّهم يدلون إلى الميِّتِ بواسطة، والقسمان الأوَّلان يدلون بأنفسهم فقدَّمَ اللَّهُ تعالى الوارث بالنَّسب ؛ لأنَّهُ أعلاها ثمَّ ثنى بذكر الوارث بالسَّبب الَّذي لا يسقط بحال، لأنَّهُ دون الأوَّلِ وهو الزوجان ثم ذكر القسم الثَّالث بعدهما ؛ لأنَّهُ دونهما، ولما جعل نصيب الذَّكر مثل حظ الأنثيين في الوارث النّسبي كذلك جعل حظّ الرَّجُلِ مثل حظِّ الأنثيين في الوارث السببي فقال ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ﴾١ وسواء كان الولد من الزوج، أو من غيره وسواء كان الولد ذكراً أو أنثى، ولا فرق بين الأوَّلادِ وأولاد الأولاد.

فصل :الخلاف في غسل الزوج زوجته بعد موتها


ذهب الشافعيُّ وأحمدُ إلى أنَّهُ يجوزُ لِلرَّجُلِ أن يغسل٢ زوجته لقوله ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ﴾ فسمَّاها زوجة بعد الموت.
قال أبو حنيفة :لا يَجُوزُ ؛ لأنَّهَا ليست زوجة ؛ لأنَّهُ لا يحلُّ وطؤها بعد الموت.
وأجيب بأنَّها لو لم تكن زوجة لكان قوله ﴿ وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ ﴾ مجازاً، وقد ثبت أنَّ التَّخْصيص أولى من المجاز عند التَّعارُضِ، وأيضاً فقد حَرُمَ الوطء في صورٍ كَثِيرَةٍ مع وجود الزوجيَّة٣ كزمن الحيض والنفاس نهار رمضان، وعند الصّلوات المفروضة، والحج المفروض.
ثمَّ قال : ﴿ فلهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم فإن كان لكم ولد فلهن الثمن ﴾ وسواء كانت واحدة أو أربعاً فهم فيه سواء، وهذه الآية تدلُّ على فضل الرَّجل على المرأة لتفضيلهم في النَّصِيبِ، ولأنَّهُ ذكر الرِّجَالَ على سبيل المخاطبة وذكر النساء على سبيل المغايبة.
قوله : ﴿ وإن كان رجل يورثه كلالة ﴾ اضْطَرَبَتْ أقوال العلماء في هذه ولا بُدَّ قبل التعرُّض للإعراب من ذكر معنى ﴿ الْكَلاَلَةِ ﴾ واشتقاقها، فإنَّ الإعراب متوقف على ذلك، فتقول :اختلف الناس في معنى ﴿ الْكَلاَلَةِ ﴾
فقال جمهور اللغويين وغيرهم :إنَّه الميت الَّذي لا وَلَدَ لَهُ ولا والد، وهو قول عليٍّ وابن مسعودٍ.
وقيل :الَّذي لا والد له فقط، وهو قول عمر.
وقيل :الَّذي لا ولد له فقط.
وقيل :هو من لا يرثه أبٌ ولا أم، وعلى هذه الأقوال كلِّها فالكلالةُ واقعة على الميت.
وقيل :الكَلاَلَةُ :الورثة ما عدا الأبوين٤ والولد، قاله قُطْرب، وهو اختيار أبي بكر - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - وسموا بذلك ؛ لأنَّ الميِّت بذهاب طرفيه تُكَلِّلُهُ الورثة، أي :أحاطوا به من جميع نواحيه، ويُؤَيَّدُ هذا القول بأنَّ الآية نزلت في جَابِرٍ، ولم يَكُنْ له يَوْمَ نزلت أبٌ ولا ابن.
وأيضاً يقال٥ :كلت الرحم بين فلان وفلان إذا تباعدت القرابة وحمل فلان على فلان ثمَّ كَلَّ عنه إذا تباعد، فسميت القرابةُ البعيدةُ كلالة من هذا الوجه.
وأيضاً يقال :كَلَّ الرَّجُلُ يَكِلُّ كَلاًّ وكَلاَلَةً :إذا أعيا وذهبت قوَّته، فاستعاروا هذا اللفْظ عن القرابة الحاصلة، من غير أولاد لبعدها٦.
وأيضاً فإنَّهُ تعالى قال ﴿ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِن امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَآ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّهَا وَلَدٌ ﴾ [ النساء :١٧٦ ] وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الكلالة من لا ولد له ولا والد ؛ لأنَّهُ شرط عدم الولد وَورَّثَ الأخت والأخ، وهما لا يرثانِ مع وجود الأب.
" وروى جابر قال٧ :مَرِضْتُ مَرَضاً شديداً أشرفتُ منه على الموت، فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم فقلتُ :يا رسول الله إنِّي رَجُلٌ لا يَرِثُنِي إلاَّ كَلاَلَة "، وَأرَادَ به أنَّهُ ليس له والد ولا ولد، وهو قول سعيد بن جُبَيْرٍ وإليه ذهب أكثرُ الصَّحَابَةَ.
وروي عن عمر أيضاً أنَّهُ قال :" سألت رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عن الكلالة فما أغلظ في شيء ما أغلظ لي فيها، ضرب بيده صدري وقال " يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ "، وهي الآية الأخيرة من سورة النساء سميت بذلك ؛ لأنها نزلت في الصَّيْفِ، ومات ولم يَفْهَمْهَا ولم يقل فيها شيئاً.
وقيل : ﴿ الْكَلاَلَةِ ﴾ :المالُ الموروث، وهو قول النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ.
وقيل : ﴿ الْكَلاَلَةِ ﴾ القرابة، وقيل :الوراثة.
فقد تلخص مما تقدم أنَّها [ إمَّا ]٨ الميِّتُ الموروث أو الوارثُ، أو المال الموروثُ، أو الإرْث، أو القرابة.
وأما اشتقاقها :فقيل :هي مشتقة من تَكَلَّلَهُ الشَّيء، أي٩ :أحاط به، وذلك أنَّهُ إذا لم يترك ولداً ولا والداً فقط انقطع طَرَفَاهُ، وهما عَمُودَا نَسَبِهِ١٠ وبقي مال الموروثُ لِمَنْ يَتَكَلَّلُهُ نَسَبُهُ، أي :يحيط به كالإكْليلِ.
ومنه " الروضة المكللة " أي :بالزَّهْرِ، وعليه قول الفرزدق : [ الطويل ]
وَرِثْتُمْ قَنَاةَ المَجْدِ لاَ عَنْ كَلاَلَةٍ عَنِ ابْنَيْ مَنَافٍ عَبْدِ شَمْسٍ وَهَاشِمٍ١١
وقيل :اشتقاقها من " الكلال " وهو الإعْيَاء، فكأنه يصير الميراث إلى الوارث من بَعْدِ إعياء.
وقال الزَّمَخْشَرِيُّ :و " الكلالة " في الأصل :مصدر بمعنى الكلال وهو ذهاب القوَّةِ من الإعياء.
قال الأعشى : [ الطويل ]
فَآلَيْتُ لاَ أرْثِي لَهَا مِنْ كَلاَلَةٍ وَلاَ مِنْ وَحًى حَتَّى تُلاَقِيْ مُحَمَّدَا١٢
فاستعير للقرابة من غير جهة الولد والوالد، ولأنَّهَا بالإضافة إلى قرابتهما كأنها كالَّةٌ ضعيفة، وأجاز فيها أيضاً أن تكون صفة على وزن " فَعَالة "، قال :" كالهَجَاجَةِ والفَقَاقَةِ للأحْمَقِ ".
ويقال :رجل كلالة، وامرأةٌ كلالة، وقوم كلالة، لا يثنى ولا يجمع ؛ لأنَّهُ مصدر كالدّلالة والوَكَالة.
إذا تقرَّرَ هذا فَلْنَعد إلى الإعراب بعَوْنِ الله، فتقول :يجوز في " كان " وجهان :
أحدهما :أن تكون ناقصة و " رجل " اسمها، وفي الخبر احتمالان :
أحدهما :أنه " كلالة " إن قيل :إنها الميت، وإن قيل :إنَّها الوارث، أو غير ذلك، فَتُقَدَّر حذف مضاف، أي :ذَا كلالة، و " يورث " حينئذٍ في محلَِّ رفع صفة ل " رجل " وهو فِعْلٌ مبنيٌّ للمفعول، ويتعدّى في الأصل لاثْنَيْنِ أُقيم الأوَّلُ مقامَ الفاعلِ، وهو ضمير الرَّجُلِ.
والثَّاني :محذوف تقديره :يورث هو مَالَهُ، وَهَلْ هذا الفِعلُ من " ورث " الثُّلاثي أو " أورث " الرُّبَاعيُّ ؟.
فيه خلافٌ، إلاَّ أنَّ الزَّمَخْشَرِيُّ لَمَّا جَعَلَهُ مِنَ الثُّلاثي جعله يتعَدَّى إلى [ المفعول ]١٣ الأوَّلِ من المفعولين ب " من " فإنَّهُ قال [ وإن كان رجل يورث من كلالة ]١٤ و " يورث " من وَرِثَ١٥ أي :يورث فيه يعني أنَّهُ في الأصْلِ يتعدَّى ب " مِنْ ". [ قال : ]١٦ وقد تُحْذَفُ، تقولُ :" وَرِثْتُ زَيْداً مَالَهُ " أي :مِنْ زيد، ولَمَّا جَعَلَه مَنْ " أورث " جعل الرَّجُلَ وارثاً لا موروثاً، فإنَّهُ قال :" فإنْ قلتَ :فإن جَعَلْتَ تُورَثُ على البناء للمفعول من " أورث " فما وَجْهُهُ ؟.
قلتُ :الرَّجُلُ حينئذٍ الوارثُ لا الموروثُ ".
وقال أبُو حيَّان١٧ :إنَّهُ من " أورث " الرُّباعِيِّ المبنيِّ للمفعول، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بالمعنى الذي قيده به الزَّمَخْشَرِيُّ.
الاحتمالُ الثَّاني :أن يكون الخبرُ الجملة من " يورث ".
وفي نَصْبِ ﴿ كَلاَلَةً ﴾ أربعةُ أوْجُهٍ :
أحدها :أنَّهُ حال من الضمير في " يورث "، إنْ أُرِيدَ بها الميِّتُ، أو الوارثُ، إلاَّ أنَّهُ يَحْتاج في جَعْلها بمعنى الوارث إلى تقدير مضافٍ، أي :يُورث ذا كَلاَلَةٍ ؛ لأنَّ الكلالة حينئذٍ ليست نفس الضَّمير المستكن في ﴿ يُورَثُ ﴾.
قال أبُو البَقَاءِ١٨ :على جعلها بمعنى الميت ولو قُرِئَ " كلالةٌ " بالرَّفع على أنَّهَا صفةٌ أو بدلٌ من الضَّميرِ في ﴿ يُورَثُ ﴾ لجاز، غير أنِّي لم أعرف أحداً قَرَأ به، فلا يُقْرأنَّ إلا بما نُقِلَ. يعني بكونها صفةً :أنَّهَا صفةٌ ل " رَجُل ".
الثَّاني :أنَّهَا مفعولٌ من أجله، إنْ قيل :إنَّهَا بمعنى القرابة، أي :يُورَثُ لأجل الكلالة.
الثَّالثُ :أنَّهُ مفعول ثَانٍ ل ﴿ يُورَثُ ﴾ إن قيل :إنَّها بمعنى المال المَوْرُوثِ.
الرَّابعُ :أنَّها نعتٌ لمصدر محذوفٍ، إن قيل :إنَّهَا بمعنى الوِرَاثَةِ، أي :يُورَثُ وِرَاثَةَ كَلاَلَةٍ.
وقدَّرَ مَكِّيٌّ في هذا الوجه حَذْفَ مضافٍ تقديره :" ذَات كَلاَلَةٍ ".
وأجاز بعضهم على كونها بمعنى الوراثة أن تكون حالا.
الوجه الثَّاني من وجهي " كان " أن تكون تَامّةً، فيُكْتَفى بالمرفوع، أي :وَإن وُجِدَ رجل. و ﴿ يُورَثُ ﴾ في محلِّ رفع صِفَةٍ ل " رَجُل " و ﴿ كَلاَلَةً ﴾ منصوبةٌ على ما تَقَدَّمَ من الحال، أو المفعول من أجله أو المفعول به، أو النَّعت لمصدرٍ محذوف عَلَى ما قُرِّرَ من معانيها، وَيخُصُّ هذا وجه آخر ذكره مَكيٌّ، وهو أن تَكُونَ ﴿ كَلاَلَةً ﴾ منصوبة على التمييزِ.
[ قال مَكِّيٌّ :" كان " أي :وقع، و ﴿ يُورَثُ ﴾ نعت للرَّجُل و " رجل " رفع ب " كان " و ﴿ كَلاَلَةً ﴾ نصب على التفسير ]١٩.
وقيل :هو نصبٌ على الحال على أنَّ الكَلاَلَةَ هو الميِّت على هذين الوجهين، وفي جعلها تَفْسيراً - أي :تمييزاً - نظرٌ لا يَخْفى.
وقرأ الجمهور : ﴿ يُورَثُ ﴾ مبنيّاً للمفعولِ كما تَقَدَّمَ توجيهه.
وقرأ الحسن٢٠ :يورث مبنيّاً للفاعل، ونُقِلَ عنه أيضاً، وعن أبي رَجَاءَ كذلك، إلاَّ أنَّهما شدَّدا الراء، وتوجيه القراءتين واضح مِمَّا تقدَّم، وذلك أنَّهُ إنْ أُريد بالكلالة الميِّتُ، فيكون المفعولان محذوفين، و ﴿ كَلاَلَةً ﴾ نَصْبٌ على الحال، أي :وَإنْ كان رجلٌ يُورِثُ وَارثَهُ، أوْ أهْلَهُ مالَه في حال كَوْنِهِ كَلالَةً.
وَإِنْ أُرِيدَ بها القرابة، فتكون منصوبةً على المفعول مِنْ أجْله، والمفعولان أيضاً محذوفان على ما تَقَدَّمَ تقريره، وَإنْ أُرِيدَ بها المالُ كانت مفعولاً ثانياً، والأوَّلُ محذوفٌ أي :يُورِثُ أهْلَهُ مَالَهُ، وَإنْ أُريدَ بها الوارثُ فبالعكس، أي :يُورِثُ مالَه أهلَه.
قوله : ﴿ أَو امْرَأَةٌ ﴾ عطف على ﴿ رَجُلٌ ﴾ وحُذِفَ منها ما أُثْبِتَ في المعطوف عليه للدلالة على ذلك، التَّقديرُ :أو امرأةٌ تُورَثُ كَلاَلَةً، وإنْ كان لا يَلْزَمُ من تقييد المعطوف عليه تقييدُ المعطوفِ ولا العكس، إلاَّ أنَّهُ هو الظَّاهِرُ.
وقوله : ﴿ وَلَهُ أَخٌ ﴾٢١ جملة مِنْ مبتدأٍ وخبرٍ في محلِّ نصبٍ على الحال، والواو الدَّاخلة عليها واوُ الحال، وصاحبُ الحال إمَّا ﴿ رَجُلٌ ﴾ أي :إنْ كان ﴿ يُورَثُ ﴾ صفةً له، وإمَّا الضَّميرُ المستتر في ﴿ يُورَثُ ﴾ وَوَحَّدَ الضمير في قوله :" وله " ؛ لأنَّ العطف ب " أو " وما ورد على خلاف ذلك أوِّلَ عند الجم
١ في أ: ترك..
٢ في ب: غسل..
٣ في أ: الزوجين..
٤ في أ: اسم للأبوين..
٥ ينظر: الرازي ٩/١٧٩..
٦ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٧٩..
٧ ينظر: الرازي ٩/١٨٠..
٨ سقط في ب..
٩ في ب: إذا..
١٠ في أ: على عمود النسبة..
١١ ينظر البيت في ديوانه ص (٦٢) وهو هكذا:
ورثتم قناة الملك غير كلالة عن ابن مناف عبد شمس وهاشم
والبحر ٣/١٩٧ والدر المصون ٢/٣٢٤..

١٢ ينظر البيت في ديوانه (١٨٥)، وخزانة الأدب ١/١٧٧، وشرح شواهد المغني ٢/٥٧٧، والأشباه والنظائر ٦/٩٠، وشرح المفصل ١٠/١٠٠ والدر المصون ٢/٣٢٤، والكشاف ١/٤٨٥ وفي رواية "ومى"، وفي أخرى "حفى"..
١٣ سقط في ب..
١٤ سقط في ب..
١٥ في ب: يرث..
١٦ سقط في ب..
١٧ ينظر البحر المحيط ٣/١٩٧..
١٨ ينظر الإملاء ١/١٦٩..
١٩ سقط في ب..
٢٠ انظر: المحرر الوجيز ١/١٩، والبحر المحيط ٣/١٩٧، والدر المصون ٢/٣٢٥..
٢١ في أ: ولد..
لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيباً في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية.
وقوله تعالى : ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما ذكر من المواريث ؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ.
وقيل :إشارة إلى كُلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصمُّ١ ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللَّهِ :الأحكام التي ذكرها وبيَّنها، ومنه حدود الدّار ؛ لأنَّها تميزها من غيرها.
قوله : ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ وقوله : ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾.
قيل :مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة.
وقال المحقِّقُون٢ :بل هو عام ؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ.
قوله : ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ حَمَلَ على لفظ " مَنْ "، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله : ﴿ يُطِعِ اللَّهَ ﴾ و ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ وعلى معناها، فجمع في قوله : ﴿ خَالِدِينَ ﴾ وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ، أعني :الحمل على الَّلفظ، ثم على المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً، وفيه تفصيلٌ، وله شروط مذكورة في كتب النحوِ.
قوله : ﴿ خَالِدِينَ ﴾ في نصبه وجهان :
أظهرهما :أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة ؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول.
والثَّاني :أن يكون نَعْتاً ل ﴿ جَنَّاتٍ ﴾ من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً، وهو لغيره معنىً٣، نحو :مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها، ف " قائمة " وحسنٍ وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبسْ.
وَأمَّا الكوفيون فيفصِّلون، فيقولون :إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير، كما هو مذهبُ البصريين ؛ نحو :" زيدٌ عمرو ضاربُه هو "، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ، نحو :" زيدٌ هندُ ضاربُها "، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حَسَنٌ.
واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ، فمنه قراءة مَنْ قرأ٤ ﴿ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ [ الأحزاب :٥٣ ] بجر " غير " مع عدم بروز الضمير، ولو أبْرَزَهُ لقال :غير ناظرين إناه أنتم.
ومنه قول الآخر : [ البسيط ]
قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ٥
ولم يقل :بَانُوهَا هُمْ.
وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ، تقديره :هم بانوها٦ ف " قومي " مبتدأ أوَّلٌ، و " ذُرا " مبتدأ ثان، و " هُمْ مبتدأ ثالث، و " بانوها " ٧ خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل.
وقد منع الزمخشريُّ كون " خَالِدينَ " و " خَالِداً " صفةٌ ل " جَنَّاتِ " و " ناراً ". فقال :فإن قلت :هل يجوز أن يكونا صفتين ل " جنات " و " ناراً " ؟ قلت :لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له، فلا بُدَّ مِنْ الضَّميرِ في قولك :" خالدين هم فيها "، و " خالداً هو فيها ".
ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع " خالداً " ولم يتعرض لذلك مع " خالدين " ولا فرق بَيْنَهُما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ.
وقرأ٨ نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا " نُدْخِلْهُ " في الموضعين، وفي سورة الفتح [ الآية ١٧ ] وفي سورة التغابن [ الآية ٩ ] والطلاق [ الآية ١١ ] بنون العظمة، والباقون بالياء، والضميرُ للَّه تعالى.
فإن قيل :كيف جمع ﴿ خَالِدِينَ ﴾ في الطائعين، وأفرد خالداً في العاصين ؟.
فالجواب :قالوا :لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناسب ذلك الجمع، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ.
قوله : ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةً ل " جنات "، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد " دخل " من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف، أو نَصْبُ المفعول به ؟
الأوَّل :قول الجمهور.
والثاني :قول الأخفش، فكذلك ﴿ جَنَّاتٍ ﴾، و ﴿ نَاراً ﴾.

فصل


قالت المعتزلةُ٩ :هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النَّار ؛ لأنَّ قوله ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تَعَدَّى، وهو مِنْ أهل الصَّلاة، أو ليس من أهل الصَّلاة فدلّت هذه١٠ الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه، فَإنَّا نقولُ :هذا مدفوع من وجهين :
الأوَّلُ :أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية، والمجوسيَّة، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه.
الثَّاني :أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث.
وأجيب١١ بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ، فإنَّ بتقدير١٢ قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل١٣ الدّالة على حصول العفو، ثمَّ نقول :هذا العموم مخصوصٌ بالكافر١٤ لوجهين :
الأوَّلُ :أنا إذا قلنا لكم :ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة " من " في معرض الشَّرط تفيد العموم ؟ قلتم :لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء، [ منه، والاستثناء ]١٥ يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول :إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ يختص بالكافرِ ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ، فَيُقَال :ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ، وإلاَّ في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي١٦ أن قوله : ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ، وقوله١٧ :الإتيان بجميع المعاصي محال قال :وذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال، فنقول :ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم.
والوجه الثاني :في بيان تخصيص العموم بالكافر، أنَّ قوله : ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب، فقوله :" ويتعد حدوده " لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر، وقولهم :تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث.
قلنا :هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام ؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة [ يكون ]١٨ بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول، إلاَّ أنَّهُ يتركها، وتارة [ يكون ]١٩ بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا٢٠ الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللَّهِ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللَّهُ من المواريث.

فصل


قال ابن عبَّاسٍ٢١ :الإضرار في الوصيَّة من الكبائر ؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد.
وفي الحديث " إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له [ اللَّهُ ]٢٢ بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة ".
وفي الحديث :" مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللَّهُ قطع اللَّهُ ميراثه من الجنة " ٢٣ والزيادة في الوصيَّة٢٤ تدل على الحسرة الشديدة وذلك من أكبر الكبائر.
١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٤..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ في أ: وهو لغير مذكور معنى..
٤ ستأتي في الأحزاب..
٥ ينظر أوضح المسالك ١/١٩٦، وتخليص الشواهد ص ١٨٦، والدرر ٢/٩، وشرح الأشموني ١/٩٣، وشرح التصريح ١/١٦٢، وشرح ابن عقيل ص ١٠٩، وهمع الهوامع ١/٩٦ والدر المصون ٢/٣٢٨..
٦ في أ: بأبوها..
٧ في أ: بأبوها..
٨ انظر: السبعة ٢٢٨، والحجة ٣/١٤٠، وحجة القراءات ١٩٣، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٣٠، وشرح شعلة ٣٣٥، وشرح الطيبة ٤/١٩٥، وإتحاف ١/٥٠٥..
٩ ينظر: الرازي ٩/١٨٤، ١٨٥..
١٠ في أ: قدمت..
١١ في أ: وأجيبوا..
١٢ في أ: بتقديم..
١٣ في أ: الدليل..
١٤ في أ: للكافر..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: فهاهنا..
١٧ في ب: وقولهم..
١٨ سقط في أ..
١٩ سقط في أ..
٢٠ في ب: فأما..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٣..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٢٨) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا.
وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٣٠٤٠٠) وعزاه إلى سعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا..

٢٤ زيادة في ب" قطع من الميراث ولأن مخالفة أمر الله تعالى عند القرب من الموت"..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣: لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيباً في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية.
وقوله تعالى : ﴿ تِلْكَ ﴾ إشارة إلى ما ذكر من المواريث ؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ.
وقيل :إشارة إلى كُلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصمُّ١ ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللَّهِ :الأحكام التي ذكرها وبيَّنها، ومنه حدود الدّار ؛ لأنَّها تميزها من غيرها.
قوله : ﴿ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ وقوله : ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾.
قيل :مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة.
وقال المحقِّقُون٢ :بل هو عام ؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ.
قوله : ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ حَمَلَ على لفظ " مَنْ "، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله : ﴿ يُطِعِ اللَّهَ ﴾ و ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ وعلى معناها، فجمع في قوله : ﴿ خَالِدِينَ ﴾ وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ، أعني :الحمل على الَّلفظ، ثم على المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً، وفيه تفصيلٌ، وله شروط مذكورة في كتب النحوِ.
قوله : ﴿ خَالِدِينَ ﴾ في نصبه وجهان :
أظهرهما :أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في ﴿ يُدْخِلْهُ ﴾ وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة ؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول.
والثَّاني :أن يكون نَعْتاً ل ﴿ جَنَّاتٍ ﴾ من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً، وهو لغيره معنىً٣، نحو :مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها، ف " قائمة " وحسنٍ وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبسْ.
وَأمَّا الكوفيون فيفصِّلون، فيقولون :إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير، كما هو مذهبُ البصريين ؛ نحو :" زيدٌ عمرو ضاربُه هو "، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ، نحو :" زيدٌ هندُ ضاربُها "، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حَسَنٌ.
واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ، فمنه قراءة مَنْ قرأ٤ ﴿ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ ﴾ [ الأحزاب :٥٣ ] بجر " غير " مع عدم بروز الضمير، ولو أبْرَزَهُ لقال :غير ناظرين إناه أنتم.
ومنه قول الآخر : [ البسيط ]
قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ٥
ولم يقل :بَانُوهَا هُمْ.
وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ، تقديره :هم بانوها٦ ف " قومي " مبتدأ أوَّلٌ، و " ذُرا " مبتدأ ثان، و " هُمْ مبتدأ ثالث، و " بانوها " ٧ خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل.
وقد منع الزمخشريُّ كون " خَالِدينَ " و " خَالِداً " صفةٌ ل " جَنَّاتِ " و " ناراً ". فقال :فإن قلت :هل يجوز أن يكونا صفتين ل " جنات " و " ناراً " ؟ قلت :لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له، فلا بُدَّ مِنْ الضَّميرِ في قولك :" خالدين هم فيها "، و " خالداً هو فيها ".
ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع " خالداً " ولم يتعرض لذلك مع " خالدين " ولا فرق بَيْنَهُما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ.
وقرأ٨ نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا " نُدْخِلْهُ " في الموضعين، وفي سورة الفتح [ الآية ١٧ ] وفي سورة التغابن [ الآية ٩ ] والطلاق [ الآية ١١ ] بنون العظمة، والباقون بالياء، والضميرُ للَّه تعالى.
فإن قيل :كيف جمع ﴿ خَالِدِينَ ﴾ في الطائعين، وأفرد خالداً في العاصين ؟.
فالجواب :قالوا :لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناسب ذلك الجمع، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ.
قوله : ﴿ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ﴾ هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةً ل " جنات "، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد " دخل " من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف، أو نَصْبُ المفعول به ؟
الأوَّل :قول الجمهور.
والثاني :قول الأخفش، فكذلك ﴿ جَنَّاتٍ ﴾، و ﴿ نَاراً ﴾.

فصل


قالت المعتزلةُ٩ :هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النَّار ؛ لأنَّ قوله ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ ﴾ إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تَعَدَّى، وهو مِنْ أهل الصَّلاة، أو ليس من أهل الصَّلاة فدلّت هذه١٠ الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه، فَإنَّا نقولُ :هذا مدفوع من وجهين :
الأوَّلُ :أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية، والمجوسيَّة، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه.
الثَّاني :أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث.
وأجيب١١ بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ، فإنَّ بتقدير١٢ قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل١٣ الدّالة على حصول العفو، ثمَّ نقول :هذا العموم مخصوصٌ بالكافر١٤ لوجهين :
الأوَّلُ :أنا إذا قلنا لكم :ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة " من " في معرض الشَّرط تفيد العموم ؟ قلتم :لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء، [ منه، والاستثناء ]١٥ يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول :إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ يختص بالكافرِ ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ، فَيُقَال :ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ، وإلاَّ في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي١٦ أن قوله : ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ، وقوله١٧ :الإتيان بجميع المعاصي محال قال :وذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال، فنقول :ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم.
والوجه الثاني :في بيان تخصيص العموم بالكافر، أنَّ قوله : ﴿ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ﴾ يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب، فقوله :" ويتعد حدوده " لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر، وقولهم :تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث.
قلنا :هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام ؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة [ يكون ]١٨ بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول، إلاَّ أنَّهُ يتركها، وتارة [ يكون ]١٩ بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا٢٠ الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللَّهِ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللَّهُ من المواريث.

فصل


قال ابن عبَّاسٍ٢١ :الإضرار في الوصيَّة من الكبائر ؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد.
وفي الحديث " إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له [ اللَّهُ ]٢٢ بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة ".
وفي الحديث :" مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللَّهُ قطع اللَّهُ ميراثه من الجنة " ٢٣ والزيادة في الوصيَّة٢٤ تدل على الحسرة الشديدة وذلك من أكبر الكبائر.
١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٤..
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ في أ: وهو لغير مذكور معنى..
٤ ستأتي في الأحزاب..
٥ ينظر أوضح المسالك ١/١٩٦، وتخليص الشواهد ص ١٨٦، والدرر ٢/٩، وشرح الأشموني ١/٩٣، وشرح التصريح ١/١٦٢، وشرح ابن عقيل ص ١٠٩، وهمع الهوامع ١/٩٦ والدر المصون ٢/٣٢٨..
٦ في أ: بأبوها..
٧ في أ: بأبوها..
٨ انظر: السبعة ٢٢٨، والحجة ٣/١٤٠، وحجة القراءات ١٩٣، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٣٠، وشرح شعلة ٣٣٥، وشرح الطيبة ٤/١٩٥، وإتحاف ١/٥٠٥..
٩ ينظر: الرازي ٩/١٨٤، ١٨٥..
١٠ في أ: قدمت..
١١ في أ: وأجيبوا..
١٢ في أ: بتقديم..
١٣ في أ: الدليل..
١٤ في أ: للكافر..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: فهاهنا..
١٧ في ب: وقولهم..
١٨ سقط في أ..
١٩ سقط في أ..
٢٠ في ب: فأما..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٣..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٢٨) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا.
وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٣٠٤٠٠) وعزاه إلى سعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا..

٢٤ زيادة في ب" قطع من الميراث ولأن مخالفة أمر الله تعالى عند القرب من الموت"..

لما أمر تعالى في الآية المتقدّمة بالإحسان إلى النساء أمَرَ هنا بالتَّغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشةِ فإن ذلك إحسان إليهن في الحقيقة.
وأيضاً وكما يستوفى لخلقه فكذلك يستوفي عليهم وليس في أحكامه محاباة.
وأيضاً فلا يجعل أمر اللَّه بالإحسان إليهنَّ سبباً لترك إقامة الحدود عليهن فيصيرُ ذلك سبباً لوقوعهن في أنواع المفاسد.
قوله : ﴿ وَاللاَّتِي ﴾ جمع " التي " في المعنى لا في اللَّفْظِ، لأنَّ هذه صيغٌ [ موضوعة للتّثنية والجمع، وليس بتثنية ولا جمع حقيقةً.
وقال أبُو البَقَاءِ :" اللاتي " جمع " التي " على غير قياس.
وقيل :هي صيغة ]١ موضوعة للجمع، ومثل هذا لا ينبغي أن يَعُدَّه خلافاً، ولها جموعٌ كثيرة :ثلاث عشرةَ لفظة، وهي :اللاتي واللوَاتِي، واللائِي، وبلا ياءات فهذه ستٌّ، واللاي بالياء من غير همز، واللا من غير ياء ولا همز، واللَّواء، بالمدِّ، واللَّوا بالقَصْر و " الأُلى " كقوله : [ الطويل ]
فَأمَّا الأُلَى يَسْكُنَّ غَوْرَ تِهَامَةٍ فَكُلُّ فَتَاةٍ تَتْرُكُ الْحِجْلَ أفْصَمَا٢
إلاَّ أنَّ الكثير أن تكون جمع " الَّذي " و " اللاَّءاتِ " مكسوراً مُطْلَقاً أوْ مُعْرباً إعرابَ جمع المؤنَّث السَّالم كقوله : [ الطويل ]
أولَئِكَ إخْوَانِي الَّذِينَ عَرَفْتُهُمْ وأخدَانُكَ اللاَّءَاتُ زُيِّنَ بِالْكَتَمْ٣
برفع اللاَّءات.
قال ابن الأنباريِّ :العرب تقولُ في الجمع من غير الحيوان، الّتي، ومن الحيوان :اللاتي، كقوله : ﴿ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً ﴾ [ النساء :٥ ].
وقال في هذه الآية :اللاتي، واللائي، والفرق هو أن الجمع من غير الحيوان سبيله سبيل الشيء الواحد وأمَّا جمع الحيوان ليس كذلك بل كلُّ واحدةٍ منهما غير متميزة عن غيرها بخواص٤ وصفات فافترقا، ومن العَرَبِ من يسوِّي بين البابين، فيقولُ :كما فعلت الهندات التي من أمرها كذا، وما فعلت الأثواب التي من قصتهن كذا، والأوَّلُ هو المختار وفي محلِّ " اللاتي " قولان :
أحدهما :أنَّهُ رفعٌ بالابتداء، وفي الخبر حينئذ وجهان :
أحدهما :الجملة من قوله : ﴿ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ ﴾ وجاز دخول الفاء زائدة في الخبر، وإن لم يَجُزْ زيادتها في نحو :" زيدٌ فاضرِبْ " على رأي الجمهور ؛ لأنَّ المبتدأ أشبه الشرط في كونه موصولاً عامّاً صلته فِعْلُ مستقبل، والخبرُ مستحقٌّ بالصّلة.
الوجه الثاني :أنَّ الخبر محذوف، والتقدير :" فيما يتلى عليكم حكم اللاتي " فحذف الخبر والمضاف إلى المبتدأ للدلالة عليهما، وأقيمَ المضافُ إليه مُقامَه، وهذا نظيرُ ما فَعَلَهُ سيبويه في نحو : ﴿ الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُواْ ﴾ [ النور :٢ ]
﴿ وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ ﴾ [ المائدة :٣٨ ]، أي فيما يُتلى عليكم حُكْمُ الزانية، ويكون قوله :" فاستشهدوا عليهن " " فاجلدوا " دالاًّ على ذلك الحكم المحذوف لأنه بيان له.
والقولُ الثاني :أنَّ محلَّهُ نصبٌ، وفيه وجهان :
أحدهما :أنَّه منصوبٌ بفعل مقدر لدلالة السِّياق عليه لا على جهة الاشتغال لما سنذكره، والتقدير :اقصدوا اللاتي يأتين، أو تعمَّدوا ولا يجوز أن ينتصب بفعل مضمر يفسره قوله :" فاستشهدوا " فتكون المسألةُ من باب الاشتغال ؛ لأنَّ هذا الموصولَ أشبَهَ اسْمَ الشّرطِ، كما تقدَّم تقديره، واسم الشرط لا يجوز أن ينتصب على الاشتغال، لأنَّهُ لا يعمل فيه ما قبله فلو نصبناه بفعل فقد لزم أن يعمل فيه ما قبله هذا ما قاله بعضهمْ، ويقرُبُ منه ما قاله أبُو البَقَاءِ فإنَّهُ قال :وإذا كان كذلك، أي :كونه في حُكْمِ الشَّرْطِ لم يحسن النَّصب، لأنَّ تقدير الفعل قبل أداء الشَّرط لا يجوز، وتقديره بعد الصِّلةَ يحتاج إلى إضمار فعل غير قوله " فاستشهدوا " ؛ لأن " استشهدوا " لا يَصِحُّ أن يعمل النصب في " اللاتي "، وفي عبارته مناقشةٌ يطولُ ذكرُهَا.
والثَّاني :أنَّهُ منصوب على الاشتغال، ومَنَعُهُمْ ذلك بأنَّه يَلْزَمُ أن يعمل فيه ما قبله جوابه أنَّا نُقَدِّرُ الفعلَ بعده لا قَبْلَهُ٥، وهذا خلافٌ مشهور في أسماءِ الشَّرْطِ والاستفهام، هل يَجْرِي فيها الاشتغال أم لا ؟.
فمنعه قَوْمٌ لِمَا تقدم وأجازه آخرون مقدَِّرين الفعل بعد الشَّرْطِ والاستفهامِ. وكونُهُ منصوباً على الاشتغال هو ظاهر كلام مكِّيٍّ، فإنَّهُ ذكر ذلك في قوله :
﴿ وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا ﴾ [ النساء :١٦ ] فالآيتانُ من وادٍ واحد ولا بُدَّ من إيراد نَصِّه لِيتَّضِحَ لك قوله ؛ قال - رحمه الله - : ﴿ وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا ﴾ [ النساء :١٦ ] الاختيار عند سيبويه في " اللذان " الرفع، وإن كان معنى الكلام الأمْرَ ؛ لأنَّه لمَّا وَصَلَ بالفعلِ تمكَّنَ معنى الشَّرط فيه، إذْ لا يقع على شيء بعينه، فلمَّا تمكَّنَ معنى الشَّرط والإبهام جرى مَجْرَى الشَّرطِ في كونه لم يَعْمل فيه مَا قَبْلَهُ، كما لا يعمل في الشَّرط ما قبله من مُضْمَر أو مظهر، ثم قال :" والنَّصْبُ جائِزٌ على إضمارِ فعل ؛ لأنَّهُ إنَّما أشبه الشّرط، وليس الشبيه بالشيءِ كالشيءِ في حكمه " انتهى.
وليس لقائل أن يَقُولَ :مُرَادُهُ النَّصْبُ٦ بإضمار فعل٧ النَّصب على الاشتغال، بل بفعلٍ مدلولٍ عليه كما تَقَدَّمَ نقله عن بعضهم، لأنه لم يكُنْ لتعليله بقوله :" لأنه إنما أشبه الشرط إلى آخره " فائدة، إذ النصبُ كذلك لا يحتاج إلى هذا الاعتذار.

فصل


قال القرطبيُّ٨ :الفاحشة في هذا الموضع الزنا، فالمرادُ بالفاحشة :الفعلة القبيحة وهي مصدر كالعَاقِبَةِ والعَافِيَةِ، وقرأ٩ ابن مسعود " بالفاحشة " بباء الجرِّ وقوله :" من نسائكم " في محلِّ النّصب على الحال من الفاعل في " يأتين "، فهو يتعلق بمحذوفٍ أي :يأتين كائناتٍ من نسائكم.
وأما قوله :" منكم " ففيه وجهان :
أحدهما :أن يتعلَّق بقوله :" فاستشهدوا ".
والثاني :أن يَتَعَلَّق بمحذوفٍ على أنَّهُ صفة ل " أربعة " فيكون في محل نصبٍ تقديره :فاستشهدوا عليهنَّ أربعةً كائنة منكم.

فصل


معنى يأتين الفاحشة أي يفعلنها يقال١٠ :أتيت أمراً قبيحاً، أي :فعلته قال تعالى :
﴿ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً ﴾ [ مريم :٢٧ ] وقوله تعالى : ﴿ لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً ﴾ [ مريم :٨٩ ] وقال ابن مسعود١١ " بالفاحشة " هي الفعلة القبيحة.
قال أهل اللُّغَةِ هي مصدر كالعاقبة والعافية، ويُقَالُ :فحش الرَّجُلُ بمعنى تفحش فحشاً وفاحشة١٢ وأفحش إذا جَاءَ بالقبيح من القول والفعل، وأجمعوا على أنَّ المراد بالفاحشة هنا الزّنا، وإنَّما تطلق الفاحشةُ على الزِّنا لزيادتها في القُبْحِ على كثير من القَبَائِحِ.
فإن قيل :الكفرُ أقْبَحُ منه، وقتل النفس أقبح منه، ولا يُسمَّى ذلك فاحشة ؟
فالجوابُ من وجهين :
الأوَّلُ :أنَّ الكفرَ لا يستحقه الكافر من نفسه ولا يعتقده قبحاً١٣، بل يعتقده صواباً، وكذلك المقبل على الشجاعة يُقْدِمُ عليها من يراها حسنةً وأمَّا الزِّنَا ففاعله يعلمُ قُبْحَهُ [ ويُقْدِمُ عَلَيْهِ ]١٤ وَيُوَافِق على فحشه.
الثاني :قال ابن الخطيب١٥ :إنَّ القُوَى المدَبرة لقوى الإنسان ثلاثة القُوَى النّاطقة، والقوَّةُ الغضبية، والقوّة الشَّهوانيةُ وفساد القوَّة النَّاطقة هو الكفر والبدعة وما يشبههما، وفساد القوَّة الغضبية هو القتل وما يشبهه وأخس١٦ هذه القوى الثلاثة القوة الشَّهوانية فلا جَرَمَ كَانَ فَسَادُهَا أخس أنواع الفساد، فلهذا السبب خُصَّ هذا العمل بالفاحشةِ.

فصل في شهود الزنا


قوله : ﴿ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ﴾ أي :من المسلمين فجعل اللَّهُ الشهادةَ على الزنا خاصة بأربعة تغليظاً على المدَّعي وستراً على العباد.
وقال القرطبيُّ١٧ :وتعديل الشهود بأربعة في الزّنا حكم ثابت في التّوراة والإنجيل والقرآن١٨ ؛ قال الله تعالى : ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ﴾ [ النور :٤ ] وقال هنا : ﴿ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ ﴾ وروى أبو داود عن جابر بن عبد اللَّه :جاءت اليهودُ برجُلٍ وامرأةٍ زنيا، فقال عليه السَّلام :" ائْتُونِي بأعْلَمَ رَجُلَيْنِ١٩ مِنْكُم "، فَأتَوْهُ بابْنَي صُورِيَا فَنَشَدهُمَا :كَيْفَ تَجِدَانِ أمْرَ هَذَيْنِ في التَّوْرَاةِ ؟ قَالاَ :نَجِدُ في التَّوراةِ إذَا شَهِدَ أرْبَعةٌ أنَّهمُ رأوا ذكَرَهُ في فَرْجِهَا مِثلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ رُجِمَا قَالَ :فما يَمْنَعُكُمَا أن تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالاَ :ذَهَبَ سُلْطَانُنَا فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ ؛ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الشُّهُودَ فَشَهِدُوا أنَّهُم رَأوا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْميلِ فِي المُكْحلةِ فَأمَرَ رَسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم بِرَجْمِهِمَا ".
وقال قومٌ :إنَّمَا كان الشُّهود في الزِّنا أربعة ليترتب شاهدان على كل واحد من الزانيين كسائر الحقوق ؛ إذْ هو حقٌّ يؤخذ٢٠ من كلِّ واحد منهما، وهذا ضعيف ؛ فإنَّ اليمين تدخل من الأموال والَّلوْثُ في القسامة ولا يدخلُ لواحد منهما هنا.

فصل


قال جمهورُ المفسرين٢١ :المراد من هذه الآية أنَّ المرأةَ إذا أتَت٢٢ الزِّنَا فإن شَهِدَ عَلَيْهَا أربعةُ رجال أحرار عدول أنَّها زنت ؟ أمْسِكَتْ في بيت محبوسة، إلى أن تموت أو يجعل اللَّهُ لها سبيلاً، وقال أبُو مُسْلِمٍ :المرادُ من هذه الفاحشة السَّحاقات وَحَدُّهن٢٣ الحبس إلى الموتِ، والمرادُ من قوله : ﴿ وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ ﴾ [ النساء :١٦ ] أهل اللواطُ وَحَدُّها الأذى بالقول والفعل، والمراد بالآية المذكورة في سورة النُّورِ :الزنا بين الرَّجل والمرأة وَحَده في البكر الجلد، وفي المحصن الرَّجم، ويَدُلُّ على ذلك وجوه :
أحدها :أن قوله : ﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ مخصوص بالنّسوان وقوله :
﴿ وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ ﴾ [ النساء :١٦ ] مَخْصُوصٌ بالرِّجال ؛ لأنَّ قوله " اللذان " تثنية المذكر.
فإنْ قيل :لم لا يجوزُ أن يكونَ المراد من قوله : ﴿ وَاللَّذَانَ ﴾ الذّكر والأنثى إلاَّ أنَّه غلب لفظ الذَّكر.
فالجوابُ :لو كان كذلك لما أفرد ذكر النِّساء من قبل، فلما أفرد ذكرهن ثم ذكر بعده قوله : ﴿ وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ ﴾ سقط هذا الاحتمال.
وثانيها :أنَّ على هذا التقدير لا يحتاج إلى التزام النسخ في شيء من الآيات بل يكون حكم كلِّ واحد منهما باقياً مقرراً وعلى ما ذكر ثم يلزمُ النسخ في هاتين٢٤ الآيتين والنَّسخ خلافُ الأصل.
ثالثها :أنَّ على التقدير الَّذي ذكرتم يكون قوله : ﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ ﴾ في الزنا، وقوله : ﴿ وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ ﴾ في الزِّنَا أيضاً فيفضي إلى تكرار٢٥ الشيء الواحد في الموضع الواج
١ سقط في ب..
٢ البيت لعمارة بن راشد. ينظر العيني ١/٤٥٣ واللسان (فصم) والمقاصد النحوية ١/٤٥٣ والدر المصون ٢/٣٢٩..
٣ ينظر الدرر ١/٢٦٦، ولسان العرب (خلل) (لتا)، وهمع الهوامع ١/٨٣، والدر المصون ٢/٣٢٩..
٤ في ب: نحو أصف..
٥ في ب: قبله لا بعده..
٦ في أ: بالنصب..
٧ في أ: قول..
٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٥٥..
٩ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
١٠ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٦..
١١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
١٢ في ب: وأفحش..
١٣ في ب: قبيحا..
١٤ سقط في ب..
١٥ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٦..
١٦ في ب: أحسن..
١٧ ينظر: تفسير القرطبي ٥/٥٦..
١٨ في ب: والفرقان..
١٩ في أ: رجل..
٢٠ في أ: يوجد..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٧٨..
٢٢ في ب: نسبت إلى..
٢٣ في أ: وحدهما..
٢٤ في ب: هذين..
٢٥ في ب: تكرير..
﴿ وَاللَّذَانَ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ ]١
﴿ وَاللَّذَانَ ﴾ الكلام عليه كالكلام على " اللاتي " إلاَّ أن في كلام أبي البقاء ما يوهمُ جواز الاشتغال فيه فإنه قال :الكلام في " اللذان " كالكلام في " اللاتي " إلاَّ أنَّ مَنْ أجاز النَّصب يَصِحُّ أن يقدِّرَ فعلاً من جنس المذكور، تقديره :آذُوا اللذين ولا يجوز أن يعمل ما بعد الفاء فيما قبلها هاهنا، ولو عَرِيَ من الضَّمير، لأنَّ الفاء هنا في حكم الفاء الواقعة في جواب الشرط، وتلك يقطع ما بعدها عما قبلها، فقوله :" من أجاز النصب " يحتملُ من أجازه النَّصب المتقدِّم في " اللاتي " بإضمار فعلٍ لا على سبيل الاشتغال كما قدَّره هو بنحو " اقصدوا " ويحتمل من أجاز النَّصب على الاشتغال من حيث الجملة، إلاَّ أن هذا بعيدٌ ؛ لأنَّ الآيتين من وادٍِ واحدٍ، فلا يُظَنُّ به أنَّهُ يمنع في إحداهما ويجيزُ في الأخرى، ولا ينفع كون الآية فيها الفعل الذي يفسّر متعدّ بحرف جرّ والفعلُ الَّذي في هذه الآية مُتَعَدٍّ بنفسه، فيكون أقوى، إذ لا أثر لذلك في باب الاشتغال. والضمير المنصوب في " يأتيانهما " للفاحشة.
وقرأ عبد الله٢ " يأتين بالفاحشة "، أي :يَجئْنَ، ومعنى قراءة الجمهور " يَغْشَيْنَها٣ ويخالطنها ".
وقرأ الجمهور " واللذان " بتخفيف النُّون.
وقرأ ابن كثير٤ " واللذانِّ " هنا " واللذينِّ " في السجدة [ آية ٢٩ ] بتشديد النون، ووجهها٥ جعل إحدى النونين عوضاً من الياء المحذوفة الَّتي كان ينبغي أن تبقى، وذلك أن " الَّذي " مثل " القاضي "، و " القاضي " تثبت ياؤه في التثنية فكان حقّ [ " ياء " ]٦ " الَّذي " و " الَّتي " أن تثبت في التثنية، ولكنهم حَذَفُوها، إمَّا لأنَّ هذه تثنيةٌ على غَيْرِ القياس ؛ لأنَّ المبهماتِ لا تُثَنَّى حقيقةً، إذ لا يثنى ما يُنَكَّر، والمبهمات لا تنكر، فجعلوا الحذف منبهةً٧ على هذا، وإمَّا لطولِ الكلاَمِ بِالصِّلَةِ.
وزعم ابنُ عصفور أنَّ تشديد النُّون لا يجوزُ إلاَّ مع الألفِ كهذه الآية، ولا يجوز مع الياء في الجرّ والنّصب.
وقراءة ابن كثير في " حم " السجدة ﴿ أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلاَّنَا ﴾ [ فصلت :٢٩ ] حجةٌ عليه.
قال ابن مقسم٨ :إنَّمَا شدّد ابن كثير هذه النّونات لأمرين :
أحدهما :الفرق بين تثنية الأسماء المتمكنة وغير المتمكنة، والآخر :أن " الّذي وهذا " مبنيان على حرفٍ واحدٍ وهو الذَّال، فأرادوا تقوية٩ كل واحد منهما، بأن١٠ زادوا على نونها نوناً أخرى من جنسها.
وقيل :سبب التّشديد فيها أنَّ النون فيها ليست نون التّثنية فأرادوا أن يفرِّقوا بينها وبين نون التثنية.
وقيل :زادوا النُّون تأكيداً كما زادوا اللام.
وقرئ١١ :" اللَّذَأَنِّ " بهمزة١٢ وتشديد النون، وَوَجْهُهَا أنه لَمَّا شَدَّدَ النون الْتَقَى ساكنان، فَفَرَّ من ذلك بإبدال الألف همزةً، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في الفاتحة [ الآية :٧ ].
وقرأ عبد١٣ الله : ﴿ والذين يفعلونه منكم ﴾ وهذه قراءة مشكلة ؛ لأنَّهَا بصيغة الجمع، وبعدها ضمير تثنية وَقَدْ يُتَكَلَّفُ تخريجٌ لها، وهو أنَّ " الذين " لَمَّا كان شاملاً لصنفي١٤ الذّكورِ والإناثِ عَادَ الضَّميرُ عليه مثنى اعتباراً١٥ بما انْدَرَجَ تحته، وهذا كما عاد ضَمِيرُ الجمع على المُثَنَّى الشّامل لأفرادٍ كثيرة مندرجةٍ تحْتَه، كقوله تعالى :
﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ ﴾ [ الحجرات :٩ ]، و﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ ﴾
[ الحج :١٩ ] كذا قاله أبو حيان.
قال شهاب الدِّينِ :وفيه نظر، فإنَّ الفَرْقَ ثابتٌ، وذلك لأن " الطَّائفة " اسم لجماعة١٦، وكذلك " خَصْم " ؛ لأنَّهُ في الأصل مصدرٌ فأطلِقَ على الجمع.
وأصل " فآذوهما " فآذِيُوهما، فاستثقلت الضَّمَّةُ على الياء فحذفت، فالتقى ساكنان، فَحُذِفَت الياء الّتي هي لام الكلمة وضُمَّ ما قبل الواوِ لِتَصِحَّ.

فصل


اختلفوا في وجهِ هذا التّكرير، فقال مُجَاهِدٌ ١٧ :الآية الأولى في النساء وهذه في الرّجال، وَخُصَّ الحبسُ في البيتِ بالمرأة، وخُصَّ الإيذاء بالرجال ؛ لأنَّ المرأة إنَما تقع في الزّنا عند الخروج والبروز، وإذا حبست في البيت انقطعت مادّة هذه المعصية، وأمَّا الرَّجل فلا يمكن حبسه في البيت ؛ لأنَّهُ يحتاج إلى الخروج لإصلاح معاشه، ومهماته، وقوت عياله.
وقيل :إنّ الإيذاء مشترك بين الرّجُل والمرأة، والحبس كان من خواصّ المرأة.
وقال السُّدِّيُّ :المرادُ بهذه الآية البكرُ من الرِّجال والنِّساء وبالآية الأولى للثيب١٨ لوجوه :
الأوَّل :قوله : ﴿ وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ ﴾ فأضافهن إلى الأزواج.
الثَّاني :أنَّهُ سماهنَّ نساء، وهذا الاسم أليق بالثَّيب.
الثالث :أنَّ الإيذاء أحقّ من الحبس في البيت، والأخف للبكر دون الثّيب.
وقال أبو مسلم١٩ :الآية الأولى في السّحاقات، وهذه في أهل اللّواط، وقد تَقَدَّمَ.
وقيل :إنَّهُ بَيَّن في الآية الأولى أنَّ الشهداء على الزِّنَا لا بدّ وأن يكونوا أربعة، وبين في هذه الآية أنَّهم لو كانوا شاهدين فآذوهما بالرّفع إلى الإمام والحدّ، فإن تابا قبل الرفع إلى الإمام فاتركوهما.

فصل


قال عطاء وقتادة :قوله " فآذوهما " يعني فعيروهما باللسان٢٠ :أما خِفْتَ اللَّهَ٢١ ؟ أما استحييت من الله حين٢٢ زنيت.
وقال مُجَاهِدٌ :سبوهما واشتموهما٢٣.
وقيل :يقال لهما :" بئس ما فعلتما " ٢٤ وخالفتما أمر اللَّه.
وقال ابن عبَّاس :هو باللسان واليد يُؤذى بالتعيير وضرب النعال٢٥.
قوله تعالى : ﴿ فَإِن تَابَا ﴾ أي :من الفاحشة ﴿ وَأَصْلَحَا ﴾ العمل فيما بعد ﴿ فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا ﴾، فاتركوهما ولا تؤذوهما، ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً رَّحِيماً ﴾ ومعنى التواب أنه يعود على عبده بفضله ومغفرته٢٦ إذا تاب إليه من ذنبه. والله أعلم.
١ سقط في ب..
٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢١، والبحر المحيط ٣/٢٠٥..
٣ في ب: يغشاها..
٤ انظر: الحجة ٣/١٤١، وحجة القراءات ١٩٣، ١٩٥، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٣٠، وشرح شعلة ٣٣٥، وشرح الطيبة ٤/١٩٧، وإتحاف ١/٥٠٦..
٥ في ب: توجيها..
٦ سقط في ب..
٧ في ب: مبهما..
٨ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٩٠..
٩ في أ: تقويته..
١٠ في أ: فإن..
١١ في أ: وقرأ..
١٢ انظر: البحر المحيط ٣/٢٠٧، والدر المصون ٢/٣٣٢..
١٣ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢٢، والبحر المحيط ٣/٢٠٧، والدر المصون ٢/٣٣٢..
١٤ في أ: لذكر تصنيفي..
١٥ في أ: تبعا..
١٦ في أ: لجميع..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٩٠، والبغوي (١/٤٠٦)..
١٨ في ب: لتثبت..
١٩ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٩٠..
٢٠ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٨٤) عن قتادة..
٢١ في ب: نحو أما خفت الله..
٢٢ في ب: حتى..
٢٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٨٥) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣١) وزاد نسبته للبيهقي في "سننه"..
٢٤ في ب: فجرتما وفسقتما..
٢٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٨٥) من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس..
٢٦ في ب: مغفرة..
قد تقدَّمَ الكلام على ﴿ إِنَّمَا ﴾ في أول البقرة [ آية ١١ ] وما قيل فيها.
و " التوبة " ١، مبتدأ وفي خبرها وجهان :
أظهرهما :أنَّهُ " على الله "، أي :إنَّمَا التَّوْبَةُ مستقرّة على فضل اللَّهِ، ويكون " للذين " متعلقاً بما تَعَلَّقَ به الخبر.
وأجاز أبُو البقاء٢ :عند ذِكْرِه هذا الوجه أن يكون " للذين " متعلقاً بمحذوف على أنه حال، قال :فعلى أن يكون ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ ﴾ حالاً من الضّمير في الظّرف وهو " على الله "، والعاملُ فيها الظّرفُ أو الاستقرار، أي :كائنةً لِلَّذين، ولا يجوز أن يكون العاملُ في الحال " التوبة " ؛ لأنَّه قَدْ فُصِلَ بَيْنَهُمَا بالخبر، وهذا فيه تكلُّفٌ لا حاجةِ إليه.
الثّاني :أن يكون الخبر " للذين " و " على الله " متعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من شيءٍ محذوف، والتقديرُ :إنما التَّوبة إذا كانت - أو إذْ كانت - على اللَّهِ للذين يعملونَ ف " إذا " و " إذ " معمولان ل " الذين " لأن الظَّرْف يتقَدَّمُ على عامله المعنوي و " كان " هذه هي٣ التَّامَّة، وفاعلها هو صاحب الحال، ولا يجوز أن يكون ﴿ عَلَى اللَّهِ ﴾ حالاً من الضَّمير المستتر في ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ والعامل فيها ﴿ لِلَّذِينَ ﴾ ؛ لأنَّهُ عاملٌ معنويٌّ، والحال لا تتقدَّمُ على عاملها المعنوي، هذا ما قاله أبُو البقَاءِ٤ وَنَظَّر٥ هذه المسألة بقولهم :" هذا بُسْراً أطْيَبُ منه رُطَباً " ٦ يعني :أنَّ التَّقدير :إذا كان بُسْراً أطيبُ منه إذا كان رُطباً.
وفي هذه المسألة أقْوَالٌ كثيرة مضطربة لا يحتملها هذا الكتاب وقدر أبو حيان٧ مضافين حُذفا من المبتدأ والخبر، فقال :التَّقدِيرُ :إنَّمَا قَبُولُ التوبة مترتب على [ فضل ]٨ اللَّهِ ف " على " باقية على بابها يعني من الاستعلاء
قوله : ﴿ بِجَهَالَةٍ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :أنْ يتعلّق بمحذوف على أنَّهُ حال من فاعل ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾، ومعناها المصاحبة أي :يعملون السُّوء متلبسين بجهالةٍ، أي :مصاحبين لها، ويجوز أن يكون حالاً من المفعول، أي :ملتبساً بجهالة، وفيه بُعْدٌ وتَجَوُّزٌ.
والثاني :أن يتعلق ب ﴿ يَعْمَلُونَ ﴾ على أنَّها باء السّببية.
قال أبُو حيَّان٩ :أي الحامل لهم على عمل السُّوء١٠ هو الجهالة، إذْ لو كانوا عالمين بما يترتَّب على المعصية متذكرين له حال عملها لم يُقْدِمُوا عليها كقوله :" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " ١١ لأنَّ العقل حينئذ يكون مَغْلُوباً أو مَسْلُوباً.

فصل


لما ذكر في الآية الأولى أنّ المرتكبين للفاحشة إذا تابا وأصلحا زال عنهما الإيذاء، وأخبر على الإطلاق أنّه توابٌ رحيمٌ، ذكر هنا وقت التّوبة وشرطها بشرطين :
أحدهما :قوله ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾ وفيه إشكالان :
الإشكال الأوَّلُ :أن من عمل ذنباً ولم يعلم أنَّهُ ذنب لم يستحق عقاباً ؛ لأنَّ الخطأ مرفوع عن الأمَّةِ، فعلى هذا الَّذين يعملون السُّوء بجهالة لا حاجة بهم إلى التَّوبة.
الإشكال الثَّاني :أن كلمة " إنَّمَا " للحصر، فظاهره يقتضي أن مَنْ أقدم على السوء مع العلم بكونه سوءاً لا يقبل توبته، وذلك باطل بالإجماع.
فالجواب عن الأوَّلِ أنَّ اليهوديَّ اختار اليهوديَّة وهو لا يعلم كونها ذنباً مع أنَّهُ يستحقُّ العقاب عليها.
والجوابُ عن الثَّاني :أنَّ من أتى معصية مع الجهل بكونها معصية يكون حاله أخَفُّ ممَّنْ أتى بها مع العلم بكونها معصية، فلا جرم خَصَّ الأوَّل بوجوب قبول التّوبة وجوباً على سبيل الوعد والكرم، وأمَّا القسم الثَّاني فلمّا كان ذنبهم أغلظ لا جرم لم يذكر فيهم هذا التّأكيد في قبول التّوبة فتكون هذه الآية دالّة من هذا الوجه على أن قبول التّوبة غير واجب على اللَّهِ تعالى.
ومعنى الآية يحتمل وجهين :
الأوَّلُ :أن قوله : ﴿ عَلَى اللَّهِ ﴾ إعلام، فَإنَّهُ يجب على اللَّه قبولها لزوم الكرم١٢ والفضل والإحسان وإخبار بأنَّهُ سيفعل ذلك.
والثَّاني :إنَّما الهداية إلى التَّوْبَةِ والإعانة عليها على اللَّهِ في حقِّ من أتى بالذَّنب على سبيل الجهالة، ثمَّ تاب قريباً، وترك الإصرار، وأتى بالاستغفار.

فصل


قال الحسن١٣ :معنى الآية :التّوبة التي يقبلها اللَّهُ، فيكون " على " بمعنى عند، وقيل :من الله ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ﴾.
قال قتادةُ :أجمع أصحاب رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أنَّ ما عُصِيَ اللَّه به فهو جهالة عمداً كان أو لم يكن، وكل من عصى اللَّه فهو جاهل١٤.
قال تعالى إخباراً عن يوسف - عليه السَّلام - :
﴿ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاهِلِينَ [ فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ ﴾١٥ ] [ يوسف :٣٣، ٣٤ ].
وقال : ﴿ هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جَاهِلُونَ ﴾ [ يوسف :٨٩ ] وقال لنوح - عليه السلام - : ﴿ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [ هود :٤٦ ]
وقال موسى لبني إسرائيل حين قالوا : ﴿ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً ﴾ [ البقرة :٦٧ ] ﴿ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ [ البقرة :٦٧ ] والسّبب في إطلاق اسم الجاهل١٦ على العاصي ؛ لأنَّهُ لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فصار كأنَّهُ لا علم له.
وقال مجاهدٌ :المراد من الآية العمد.
وقيل :أن يأتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية، إلاَّ أنه يكون جاهلاً بقدر عقابه.
وقيل :أن يأتي بالمعصية مع أنه لا يعلم كونها معصية لكنه يتمكن من العلم بكونها معصية، كاليهودي يستحق العقاب على يهوديته، وإن كان لا يعلم كون اليهوديّة معصية إلاَّ أنَّه كان متمكناً من تحصيل العلم يكون اليهودية ذنباً١٧ ومعصية، وكفى ذلك في ثبوت استحقاق العذاب، ويخرج من هذا النَّائم والسّاهي، فإنَّه لو أتى بالقبيح لكنَّه [ ما كان متمكناً ]١٨ من العلم بكونه قبيحاً.

فصل


استدلَّ القاضي بهذه الآية على أنَّهُ يجب على اللَّهِ عقلاً قبول التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ كلمة " عَلَى " للوجوب ؛ ولأنَّا لو حملنا قوله : ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ﴾ على مجرد القبول لم يبق بينه وبين قوله : ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ﴾ فرق ؛ لأن قوله هذا أيضاً إخبار عن الوقوع، [ فإذا جعلنا الأوَّلَ إخباراً عن الوجوب، والثَّاني إخباراً عن الوقوع ]١٩ ظهر الفرق بين الآيتين وزال التكرار.
والجوابُ أنَّ القول بالوجوب على اللَّه تعالى باطلٌ لوجوه :
الأوَّلُ :أنَّ لازم الوجوب استحقاق الذّم عند الترك، فهذه الملازمة إمَّا أن تكون ممتنعة الثبوت في حقِّ اللَّهِ تعالى أو غير ممتنعة الثُّبُوتِ في حقِّه، والأوَّلُ باطلٌ، لأنَّ ترك الواجب لما كان مستلزماً هذا الذّم، وهذا الدم محال الثّبوت في حقِّ اللَّهِ تعالى وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حقّ اللَّه تعالى، وإذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلاً كان الفعل واجب الثُّبوت، فحينئذ يكون اللَّه تعالى موجباً بالذَّاتِ لا فاعلاً بالاختيار وذلك باطل، وإنْ كان استحقاق الذَّمِّ غير ممتنع الحصول في حقِّ اللَّهِ تعالى، فكلُّ ما كان ممكناً لا يلزم من فرضه محال، فيلزم أن يكون الإله مع كونه إلهاً يكون موصوفاً باستحقاق الذّم وذلك محال لا يقوله عاقل، فثبت أنَّ القول بالوجوب على اللَّهِ تعالى محال.
وثانيها :أنَّ قادرية العبد بالنِّسبة إلى فعل التَّوْبَةِ وتركها إمَّا أن يكون على السَّويَّةِ، أوْ لا، فإن كان على السَّويَّةِ لم يترجح فعل التَّوبة على تركها إلا بمرجِّح، وذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصّانع، وإن حدث عن العبد عاد التّقسيم، وإن حدث عن اللَّه تعالى فحينئذٍ إنَّمَا أقبل العبد على التَّوبة بمعونة اللَّه وتقويته، فتكون تلك العقوبة٢٠ إنْعَاماً مِنَ اللَّهِ تعالى على عبده، وإنعام المولى على عبده لا يوجب أنْ ينعم عليه مرة أخرى فثبت أنَّ صدور التّوبة عن العبد لا يوجب على اللَّهِ القبول، وإن كانت قادرية العبد لا تصلح للتّرك وللفعل، فيكون القول بالوجوب أظْهَرُ بطلاناً.
ثالثها :التّوبة عبارة عن النَّدم على ما مضى، والعزم على التّرك في المستقبل والنّدم والعزم من باب الكراهات والإرادات وهما لا يحصلان باختيار العبد وإلاَّ افتقر في تحصيلهما إلى إرادة أخرى ولزم التّسلسل، وإذا كان كذلك كان حصول هذا النّدم، وهذا العزم بمحض تخليق اللَّه تعالى، وفعل اللَّه لا يوجب على الله فعلاً آخر فكان القولُ بالوُجُوبِ باطِلاً.
ورابعها :أنَّ التوبة فعل يحصل باختيار العبد على قولهم، فلو صار ذلك علة للوجوب على اللَّهِ تعالى وفعل اللَّه تعالى، لصار فعل العبد مؤثّراً في ذات اللَّه تعالى وفي صفاته، وذلك لا يقولُهُ عاقل.
والجوابُ عن حجتهم :أنَّ الله تعالى وعد قبول التّوبة من المؤمنين، وإذا وعد اللَّهُ بشيء، وكان الخلفُ في وعده مُحالاً كان ذلك شبيهاً بالواجب، فبهذا التأويل صح إطلاق كلمة ﴿ عَلَى ﴾ وبهذا يظهر الفرق بين قوله ﴿ إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ ﴾ وبين قوله ﴿ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِم ﴾.
فإن قيل :لما أخبر عن قبول التّوبة وكان ما أخبر اللَّه تعالى وقوعه واجب الوقوع لزم منه ألاَّ يكون فاعلاً مختاراً.
فالجوابُ :أنَّ الإخبارِ عن الوقوع تبع للوقوع والوقوع تبع للإيقاع، والتبع لا يغير الأصل، فكان فاعلاً مختاراً في ذلك الإيقاع، وأمَّا قولكم بأن وقوع التَّوبة من حيثُ إنَّهَا هي مؤثرة في وجوب القبول على الله وذلك لا يقوله عاقل فظهر الفرق.
قوله : ﴿ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ ﴾ فهذا هو الشّرطُ الثّاني.
قال السدي والكلبي :القريب أن يتوب في صحته قبل مرض موته٢١.
وقال عكرمة :قبل الموت٢٢.
وقيل :قبل أنْ يحيط السّوء بحسناته فيحبطها. وقال الضَّحَّاكُ :قبل مُعَاينة ملك الموت٢٣.
قوله : ﴿ مِن قَرِيبٍ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :أن تكون " من " لابتداء الغاية، أي :تبتدئ التَّوبة من زمان قريب من زمان المعصية لئلاّ يقع في الإصْرارِ، وهذا إنَّمَا يتأتَّى على قول الكوفيين، وأما البصريون فلا يجيزون أن تكون " من " لابتداء الغاية في الزَّمَانِ، ويتأوَّلون ما جاء منه، ويكون مفهوم الآية أنَّهُ لو تاب من زمان بعيدٍ لم يدخل٢٤ في مَنْ خُصَّ بكرامةِ قَبُولِ التّوبة على اللَّهِ المذكورة في هذه الآية، بل يكون داخلاً فيمن٢٥ قال فيهم ﴿ عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ ﴾ [ التوبة :١٠٢ ].
والثاني :أنَّهَا للتّبعيض أي :بعض زمانٍ قريب يعني٢٦ أي جُزْء من أجزاء هذا الزمان أتى بالتّوبة فيه، فهو تائبٌ من قريب.
وعلى الوجهين ف " مِنْ " متعلقة ب " يتوبون "، و " قريب " صِفَةٌ لزمان محذوف، كما تقدم تقريره، إلاَّ أنَّ حَذْفَ هذا الموصوف وإقَامةَ هذه الصفةِ مُقَامه ليس بقياسٍ، إذ لا يَنْقَاسُ الحَذْفُ إلاَّ في صور٢٧ :
منها أن تكون الصفةُ جَرَتْ مَجْرى الأسماء الجوامد، كالأبْط
١ سقط في أ..
٢ ينظر: الإملاء ١/١٧١..
٣ في أ: في..
٤ ينظر: الإملاء ١/١٧١..
٥ في ب: ونظير..
٦ للسيوطي رسالة ختم بها الأشباه سماها تحفة النجبا في قولهم: هذا بسرا أطيب منه رطبا.
ينظر: المقتضب ٣/٢٥١، وأمالي ابن الشجري ٢/٢٨٥، وشرح الكافية للرضي ١/١٩٠ ـ ١٩١، وابن يعيش ٢/٦٠ ـ ٦٢، وابن عقيل ١/٥٤٨..

٧ ينظر: البحر المحيط ٣/١٩٧..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: البحر المحيط ٣/١٩٨..
١٠ في ب: هذه الأفعال..
١١ أخرجه البخاري (٥/١١٩) كتاب المظالم: باب النهي بغير إذن صاحبه (٢٤٧٥) ومسلم (١/٧٦) كتاب الإيمان: باب بيان نقص الإيمان بالمعاصي (١٠٠/٥٧) وأبو داود (٢/٦٣٣) كتاب السنة: باب الدليل على زيادة الإيمان ونقصانه (٤٦٨٩) والنسائي (٨/٦٤) كتاب قطع السارق باب تعظيم السرقة (٤٨٧٠) وابن ماجه (٢/١٢٩٩) كتاب الفتن: باب النهي عن النهبة حديث (٣٩٣٦) والترمذي (٥/١٦/١٧) كتاب الإيمان: باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن (٢٦٢٥) وأحمد (٢/٤٣، ٣١٧، ٣٧٦، ٣٨٦، ٤٧٩) والحميدي (٢/٤٧٨) رقم (١١٢٨) والدرامي (٢/١١٥) والبيهقي (١٠/١٨٦) من طرق عن أبي هريرة..
١٢ في أ: الكروم..
١٣ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٠٧..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٨٩) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٠) وزاد نسبته لعبد الرازق..
١٥ سقط في ب..
١٦ في أ: الجهل..
١٧ في ب: دينا..
١٨ في أ: يتمكن..
١٩ سقط في ب..
٢٠ في ب: التقوية..
٢١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٣) عن السدي وأخرجه أيضا (٨/٩٤) من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٤) عن عكرمة..
٢٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٢) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وعبد بن حميد والبيهقي في "شعب الإيمان"..
٢٤ في أ: يحصل..
٢٥ في أ: فيما..
٢٦ في أ: أعني..
٢٧ ينظر: الكتاب ١/١١٦..
قوله : ﴿ وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ يعني :المعاصي، لما ذكر شَرَائِطَ التَّوْبَةِ المقبولة، أرْدَفَهَا بِشَرْحِ التَّوبة التي لا تكونُ مقبولة، قوله : ﴿ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ ﴾ " حتَّى " حرف ابتداء، والجملةُ الشَّرْطِيَّةُ بَعْدَهَا غايةٌ لما قَبْلََهَا، أي :ليست التَّوْبَةُ لقوم يَعْمَلُونَ السَّيَئاتِ، وغايةُ عملهم إذَا حَضَرَ أحدَهُمُ المَوْتُ قالوا " كيت وكيت " هذا وجه حَسَنٌ، ولا يجوزُ أنْ تكُونَ " حتى " جارّة ل " إذا " أي :يعملون السَّيِّئاتِ إلى وقت حضور الموتِ من حيثُ إنَّهَا شرطيَّةٌ، والشَّرْطُ لا يعمل فيه ما قبله، وإذا جعلنا " حتَّى " جارَّةً تعلَّقت ب " يعملون " وأدوات الشَّرْطِ لا يعملُ فيها ما قَبْلَهَا، ألا ترى أنَّهُ يجوزُ " بمَنْ تمرر أمْرُرْ "، ولا يجوز :مَرَرْتُ بمن يقم أكرمْه، لأنَّ له صَدر الكلام، ولأنَّ " إذا " لا تَتَصَرَّفُ على المَشْهُورِ كما تَقَدَّمَ في أوَّل البَقَرَةِ ؛ واستدلَّ ابْنُ مَالِك على تصرُّفِهَا بوجُوهٍ :
منها جرها ب " حتَّى " نحو : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا ﴾ [ الزمر :٧١ ] ﴿ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ ﴾
[ يونس :٢٢ ] وفيه من الإشكال [ ما ذكرته لك ] وقد تَقَدمَ تقرير ذلك عند قوله،
﴿ حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ ﴾ [ النساء :٦ ].

فصل


دلت هذه الآية عَلَى أنَّ من حَضَرَهُ المَوْتُ وشاهد أهواله١ لا تقبل توبته، ويُؤيِّدُهُ أيضاً قوله تعالى : ﴿ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا ﴾ [ غافر :٨٥ ].
وقال في صفةِ فِرْعَونَ ﴿ حَتَّى إِذَآ أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ [ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنواْ إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ ﴾ ]٢
[ يونس :٩٠، ٩١ ] وقوله : ﴿ حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً [ فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُو ]َ٣ قَائِلُهَا ﴾ [ المؤمنون :٩٩- ١٠٠ ] وقوله
﴿ وَأَنفِقُواْ مِن مَّا رَزَقْنَاكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولُ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ [ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ﴾٤ ]
[ المنافقون :١٠، ١١ ].
وقال عليه السلام " إن اللَّه - تعالى - يَقْبَلُ تَوْبَة الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ " ٥ وعن عطاءٍ :ولو قبل موته بفواق النَّاقَةِ٦.
وعن الحسن :أنَّ إبليس قال حين أهْبِطَ إلى الأرض وعِزّتِكَ لا أفارق ابْنَ آدم ما دَامَ روحه في جَسَده.
فقال :وَعِزَّتِي لا أُغْلِقُ عليه بَابَ التَّوْبَةِ ما لم يغرغر٧.

فصل


قال المُحَقِّقُونَ :قُرْبُ الموتِ لا يمنعُ من قَبُولِ التَّوْبَةِ، بل المانع من قبول التَّوْبَةِ مشاهدة الأهوال الَّتي عندها يحصل العلم باللَّهِ تعالى على سَبِيل الاضطرار. وقالوا :لأنَّ جماعة أماتهم اللَّه تعالى ثُمَّ أحياهم مثل قوم من بني إسرائيل، وأولاد أيُّوب - عليه السَّلاَمُ - ثمَّ إنَّهُ تعالى كلَّفهم بعد ذلك الإحياء، فَدَلَّ ذلك على أنَّ مُشَاهَدَةِ الموت لا تخلّ بالتكليف ولأنّ الشَّدائِدَ التي يلقاها من يقرب موته تكون مثل الشَّدائد الحاصلة عند القولنج٨ ومثل الشّدائد التي تَلْْقاها المرأةُ عند الوِلادَةِ أو أزْيد، فلمَّا لم تكن هذه الشَّدائد مانعة من بقاء التكاليف فكذا القول في تلك الشّدائد.
وأيضاً فالقرب من الموت إذَا عَظُمَتِ الآلامُ [ صار اضطرارُ العبد أشَدَّ، واللَّهُ تعالى يقول ﴿ أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾ [ النمل :٦٢ ] فتزايد الآلام ]٩ في ذلك الوقت بأن يكون سبباً لِقَبُولِ التَّوبة أولى مِنْ أن يكون سبباً لعدم قَبُولِ التَّوْبَة.

فصل


لما بيّن تعالى أنَّهُ يقبل التَّوبةَ من القسم الأوَّل، وهم الذين يعملونَ السُّوءَ بجهالة، وبَيَّنَ في هذا القسم الثَّاني يعملون السَّيِّئات أنَّهُ لا يقبل توبتهم فبقي بحكم التَّقسيم العقلي قِسْمٌ ثَالِثٌ مَتَوَسط بين هذين القسمين، وهم الَّذِينَ يعملون السُّوءَ على سبيل العَمْدِ ثم يَتُوبُونَ فلم يخبرْ عنهم أنَّهُ يَرُدُّ توبتهم، بل تركهم في المَشِيئَةِ حيث قال :
﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾ [ النساء :٤٨ ].
قوله : ﴿ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ ﴾ " الذين " مجرور المحل عطفاً على قوله ﴿ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ ﴾ أي :لَيْسَت التَّوْبَةُ لهؤلاء، ولا لهؤلاء، فَسَوَّى بين مَنْ مَاتَ كافراً وبين من لم يَتُبْ إلاَّ عند معاينة الموتِ في عدمِ قَبُولِ تَوْبَتِه، والمراد بالعاملين السيئات المنافقون.
وأجَازَ أبُو البَقَاءِ١٠ في ﴿ الَّذِينَ ﴾ أن يكون مرفوع المحلّ١١ على الابتداء وخبره " أولئك " وما بَعْدَهُ مُعْتَقِداً أنَّ اللامَ لام الابتداء وليست ب " لا " النَّافية، وهذا الَّذي قاله من كون اللام لام الابتداء لا يصحُّ أن يكون قد رُسِمَتْ في١٢ المُصْحَفِ لامٌ داخلة على ﴿ الَّذِينَ ﴾ فيصير " وللذين " وليس المرسوم كذلك، وإنَّمَا هو لام وألف، وألف لام التَّعريف الدَّاخلة على١٣ الموصول وصورته :ولا الذين.

فصل


قيل :المراد ب ﴿ الذين يعملون السيئات ﴾ العصاة وب ﴿ الذين يموتون وهم كفّار ﴾ الذي يموت كافراً ؛ لأنَّ المعطوف يكون مغايراً للمعطوف عليه. وقيل :المرادُ بالأوَّل :المنافقون، وبالثاني :الكفَّار.
قال ابْنُ الخطيب١٤ :وهذا لا يصحُّ ؛ لأنَّ المنافقَ كافرٌ فيدخل في الثَّاني ويمكن أن يجاب بأنَّ المنافق لما أظهر الإيمان فَمَنْ لم يَعْلَمْ حاله يعتقد أنَّ حكمه حكم المُؤمن،
﴿ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ ﴾ [ المنافقون :١ ] و " أولئك " يجوزُ أن تكون إشارة إلى ﴿ الَّذِينَ يَمُوتُونَ ﴾ وهم كفَّار ؛ لأنَّ اسم الإشارةِ يجري مجرى الضَّمير فيعود إلى أقرب مذكور، ويجوزُ أن يُشَار بِه إلى الصّنفين الذين يَعْمَلُونَ السيِّئاتِ، والذين يموتون وهم كفار. ﴿ أَعْتَدْنَا ﴾ أي :أحْضَرِنَا وهذا يَدُلُّ على أنَّ النَّار مخلوقة ؛ لأنَّ العذاب الأليم ليس إلاَّ جهنم وقد أخبر عنه بصيغة الماضي، واللَّهُ أعلم.
١ في ب: أحواله..
٢ سقط في ب..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ أخرجه أحمد (٢/١٣٢) والترمذي (٥/٢٤٧) في الدعوات (٣٥٣٨) وابن ماجه (٢/١٤٢٠) في الزهد (٤٢٥٣) وابن حبان (٦٠٧ ـ موارد) والحاكم في "المستدرك" (٤/٢٥٧) وقال صحيح الإسناد ووافقه الذهبي وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٦) مرسلا عن الحسن البصري وبشير بن كعب.
وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٩٦) من طريق قتادة عن عبادة بن الصامت مرفوعا.
وقتادة لم يدرك عبادة بن الصامت..

٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧..
٧ أخرجه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٨/٩٥) عن الحسن وللحديث لفظ آخر: قال إبليس لربه: بعزتك وجلالك لا أبرح أغوي ابن آدم ما دامت الأرواح فيهم قال له ربه: فبعزتي وجلالي لا أبرح أغفر لهم ما استغفروني.
أخرجه أحمد (٣/٢٩، ٤١) وأبو يعلى (٢/٤٥٨) رقم (١٢٧٣) والحديث ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٢٠٧) وقال: رواه أحمد وأبو يعلى والطبراني في الأوسط وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح وكذلك أحد إسنادي أبي يعلى..

٨ مرض معوي مؤلم يصعب معه خروج البراز والريح وسببه التهاب القولون. ينظر المعجم الوسيط ٢/٧٩٧..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
١١ في أ: للمحل..
١٢ في أ: من..
١٣ في أ: على..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٩..
هذا مُتَّصِلٌ بما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ في الزوجاتِ.
قال المُفَسِّرُونَ :نزلت في أهل المدينة كانوا في الجاهليَّة، وفي أوَّلِ الإسْلامِ إذا مات الرَّجُلُ وله امرأة جاء ابنه من غيرها أو قريبه من عصبته فألْقَى ثوبه على تلك المرأة وقال :وَرِثْتُ امْرأتَهُ كما وَرِثْتُ ماله، فصار أحقُّ بها من سَائِرِ النَّاسِ ومن نفسها فإن شَاءَ تَزَوَّجَهَا بغير صَدَاق، إلاَّ الصّداق الأوّل الّذي أصْدَقَهَا الميت، وإن شاء زَوَّجَهَا من إنسان آخر، وأخذ صداقها، ولم يعطها منه شيئاً، وإن شاء عَضَلها ومنعها من الأزْوَاج يُضَارها لتفتدي منه بما أخذت من الميت أو تموت هي فيرثها، وإنْ ذهبت المرَأةُ إلى أَهلها قبل أنْ يلقي عليها ولي زوجها ثوبه فهي أحق بِنَفْسِهَا فكانوا على هذا١ حتى " مات أبو قيس الأسْلَتِ الأنْصَارِي وترك امرأته كُبيشة بنت معن الأنصاريّة فقام ابْنٌ له من غيرها يقال له محصن، وقال مقاتل بْنُ حيَّان :اسمه قيس بْنُ أبِي قَيْسٍ، وطرح ثَوْبَهُ عليها فَوَرِثَ نكاحها وتركلها فلم يقربها، ولم ينفق عليها يضارها لتفتدي منه بما ورثت، فأتَتْ كبيشةُ رَسُولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم فقالت :يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبَا قَيْسٍ تُوُفِّي وَوَرِثَ نكاحي ابنه فلا هو ينفق عَلَيَّ وَلاَ يدخل بي ولا يخلي سبيلي فَقَالَ لها :اقْعُدِي فِي بَيْتِكِ حَتَّى يَأتِي فِيكِ أمرُ اللَّهِ، فأنْزَلَ هذِهِ الآيةَ٢.
وقيل :كان يكون عند الرَّجل عجوز ولها مال ونفسه تتشوق إلى الشّابّة فيكره فِراق العجوز لمالها، فيمسكها، ولا يقربها حتَّى تفتدي منه بمالها أو تموت فيرثُ مالها فنزلت الآية تأمر الزَّوْجَ أن يطلِّقَهَا إن كره صحبتها، ولا يرثها٣ كرهاً فذلك قوله ﴿ لا يحل لك أن ترثوا النساء كرهاً ﴾ والمقصود إذهاب ما كانوا عليه في الجاهِلِيَّةِ وألاَّ يجعل النِّساء كالمال يورثن عن الرِّجال. قوله :أن ترثوا [ النساء ]٤ في محلّ رفع على الفاعليَّة ب " يحل " أي :لا يحل لَكُمْ إرثُ النساء.
وقرئ٥ :" لا تحل " بالتاء من فوق على تأويل " أن ترثوا " :بالوراثة، وهي مؤنَّثة، وهي كقراءة ﴿ ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ﴾ [ الأنعام :٢٣ ] بتأنيث " تكن " ونصب فتنتهم " بتأويل ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتهم، إلاَّ أنَّ في آية الأنْعَامِ مسوغاً، وهو الإخبار عنه بمؤنث كما سيأتي، و ﴿ النِّسَاءَ ﴾ مفعولٌ به، إمَّا على حذف مضاف أي :أن تَرثُوا مال النِّسَاءِ إن كان الخِطَابُ للأزْوَاجِ، لأنَّهُ روي أنَّ الرَّجُلَ منهم كان إذا لم يكن له غرض في المرأة أمسكها حَتّى تموتَ ؛ فيرثها، أو تَفْتَدِيَ منه بمالها إنْ لم تَمُت، وإمَّا من غير حذف على أن يكون بمعنى الشَّيءِ الموروث إنْ كان الخطاب للأولياء، أو لأقرباء الميّت، وقد تَقَدَّمَ المعنيانِ في سبب النُّزُولِ على ما تَقَدَّمَ ؛ فلا يحتاج إلى حَذْفِ أحد المفعولين إمّا الأوَّلُ أو الثَّانِي على جَعْلِ ﴿ أَن تَرِثُواْ ﴾ متعدّياً٦ لاثنين كما فعل أبُو الْبَقَاءِ٧.
قال : ﴿ والنِّسَاءَ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :هُنَّ المفعول الأوَّل، والنساء على هذا هُنَّ الموروثاتُ، وكانت الجاهليّة ترث نساء٨ آبائهم وَيَقُولُونَ :نحنُ أحقُّ بنكاحهنَّ.
والثاني :أنه المفعول الثّاني، والتّقدير :أن ترثوا من النّساء المالَ. انتهى. قوله :" هن المفعول الأول " يعني :والثاني محذوف تقديره : ﴿ أن ترثوا من آبائكم النساء ﴾.
و " كرهاً " مصدر في موضع نَصْبٍ على الحال من النّساء أي :أن ترثوهن كَارِهات، أو مكروهات، وقرأ الأخوان٩ " كرهاً " هنا وفي " براءة " و " الأحقاف " بضمِّ الكَافِ، وافقهما عاصم١٠ وابن عامر في رواية ابن١١ ذكوان عنه على ما يأتي في الأحقاف، والباقون بالفتح.
وقد تَقَدَّمَ في الكُره والكَره بمعنى واحد أم لا ؟ في أوَّلِ البَقَرَةِ. ولا مفهوم لقوله ﴿ كَرْهاً ﴾ يعني فيجوز أن يرثوهن١٢ إذا لم يَكْرَهْن ذلك لخروجه مَخْرج الغالب.
قوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ فيه وجهان :
أظهرهُمَا :أنَّهُ مجزوم ب " لا " الناهية١٣ عطف جملة نهي على جملة خبريَّة فإنْ لم تشترط المناسبةُ بين الجُمَلِ كما هو مذهب سِيبَويْه - فواضحٌ، وَإن اشترطنا ذلك - كما هو رأي بعضهم - فلأن الجُمْلَةَ قبلها في معنى النهي إذ التَّقْديرُ :" ولا ترثوا النساء كرهاً " فإنَّهُ غيرُ حلال لكم. وجعله أبُو البقاءِ١٤ على هذا الوجه مستأنفاً يعني أنَّهُ ليس بمعطوفٍ على الفعلِ قبله.
والثَّانِي :أجازه ابن عطية١٥ وَأبُو البَقَاءِ١٦ أن يكون منصوباً عطفاً على الفِعْلِ قبله١٧.
وقال ابنُ عَطِيَّةَ١٨ :ويُحتمل أن يكونَ ﴿ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ نصباً عطفٌ على ﴿ تَرِثُواْ ﴾ فتكون الواو مشتركةً عاطفةً فِعْلاً على فعلٍ.
وقرأ ابْنُ١٩ مَسْعُودٍ :" ولا أن تعضلوهن " فهذه القراءة تقوِّي احتمال النّصب، وأن العَضْلَ مِمَّا لا يَحِلُّ بالنص.
وردَّ أبو حيَّان٢٠ هذا الوجه بأنَّكَ إذا عطفت فعلاً منفياً ب " لا " على مثبت وكانا منصوبين فَإنَّ النَّاصبَ لا يُقَدَّر إلاَّ بعد حرف العطف لا بعد " لا "، فإذا قلت :أريد أن أتوب ولا أدخل النار، قال التقدير :" أريد أن أتوبَ و [ أنْ ]٢١ لا أدخل النار " ؛ لأن الفعل يطلب للأول على سبيل الثبوتِ٢٢، والثاني على سبيل النفي والمعنى :أريدُ التوبةَ انتفاء دخولي النار، فلو كان المتسلط على المتعاطفين منفياً فكذلك، ولو قدَّرْتَ هذا التقدير في الآية لم يصح٢٣ لو قلت :" لا يحل أن لا تعضلوهن "، لم يصح، إلاَّ أن تجعل " لا " زائدة لا نافيةً، وهو خلاف الظاهر، وأما أن تقدِّر " أنْ " بعد " لا " النافية فلا يَصِحُّ، وإذا قَدَّرتَ " أن " بعد " لاَ " كان من عطف المصدر المقدّر على المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على الفعل، فالتبس على ابْنِ عَطِيَّة٢٤ العطفان، وظَنَّ أنَّهُ بصلاحية تقدير " أن " بعد " لا " يكونُ مِنْ عَطْفِ الفعل على الفعل وفَرْقٌ بين قولِك " لا أريد أن تقوم ألا تخرج " وقولك :أرِيدُ أنْ تَقُوم ولا أنْ تَخْرُجَ، ففي الأول نَفَى إرادةَ وجودِ قيامه، وإرادة انتفاء خروجه، فقد أرادَ خروجه، وفي الثَّانية نَفَى إرادةَ وجودِ قيامه ووجودَ خروجه، فلا يريد لا القيام، ولا الخروج.
وهذا في فهمه٢٥ بعضُ غموضٍ على مَنْ تَمَرَّنَ في علم العربيَّةِ ؛ انتهى ما ردّ بِهِ.
قال شهابُ الدِّينِ :وفيه نظر من حيث إنَّ المثال الّذي ذكره في قوله :" أريد أن أتوب ولا أدخل النار " فَإنَّ تقديرَ النَّاصب فيه قبل " لا " واجب من حيثُ إنَّهُ لو قُدِّرَ بعدها لفسد التركيب، وأما في الآية فتقدير " أن " بعد " لا " صحيح، فَإنَّ التقدير يصير :لا يَحِلُّ لكم إرث النساء كَرْهاً ولا عَضْلُهن، ويَؤيِّدُ ما قلته، وَمَا ذَهَبَ إليه ابن عطيَّةَ قولُ الزمخشريِّ فإنَّهُ قال :فإن قلت :تَعْضُُلُوهُنَّ ما وجه إعرابه ؟ قلت :النَّصبُ عطفاً على ﴿ أَن تَرِثُواْ ﴾ و " لا " لتأكيد النّفي أي :" لا يحل لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضلوهن " فَقَدْ صَرَّحَ الزمخشري بهذا٢٦ المعنى وصَرَّحَ٢٧ بزيادة " لا " التي جَعَلَها الشيخ خلاف الظاهر، وفي الكلام حذف تقديره :" ولا تعضلوهن من النكاح " إن كان الخطاب للأولياء :أو :لا تعضلوهن من الطلاق، إن كان الخطاب للأزواج.
وهو قول أكثر المفسرين.
وقيل : [ هو ]٢٨ خطابُ الوارث الزَّوج بحبس الزّوجة حتى تَرُدَّ الميراث.
قال ابنُ عَطِيَّة٢٩ :هذا في الرَّجُلِ تكون له المَرْأةُ وهو كاره لصحبتها، ولها عليه مهر فيضارها لتفتدي وترد إليه ما ساق إليها من المهر فنهاه اللَّهُ عن ذلك.
وقيل :الخِطَابُ عامٌّ في الكُلِّ.
قوله : ﴿ لِتَذْهَبُواْ ﴾ اللام متعلّقةُ ب ﴿ تَعْضُلُوهُنَّ ﴾ والباء في " ببعض " فيها وجهان :
أحدهُمَا :أنَّها باء التّعدية٣٠ المرادفةُ لهمزتها أي :لتِذْهِبُوا بما آتيتموهن.
والثاني :أنها للمصاحبةِ، فيكون الجارُّ في محلِّ نصبٍ على الحال، ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي :لتذهبوا مصحوبين ببعض، و " ما " موصولة بمعنى الذي، أوْ نكرة موصوفة، وعلى التقديرين فالعائدُ محذوف، وفي تقديره إشْكَالٌ تَقَدَّمَ الكلام عليه في البقرة عند قوله : ﴿ وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ ﴾ [ البقرة :٣ ].
قوله : ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ ﴾ في هذا الاستثناء قولان :
أحدُهُمَا :أنه منقطعٌ فيكونُ ﴿ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ ﴾ في محلِّ نصب.
والثَّاني :أنَّه مُتَّصِلٌ وفيه حينئذٍ ثلاثة أوجه :
أحدها :أنَّه مستثنى من ظرف زمان عام تقديره :" ولا تعضلوهن في وقت من الأوقات إلا وقت إتيانهن بفاحشة ".
والثَّاني :أنَّهُ مستثنى من الأحوال العامَّة، تقديره :ولا تعضلوهن في وقتٍ٣١ من الأوقات٣٢ إلاَّ في حال إتيانهن بفاحشة، والمعنى لا يحل له أن يحبسها ضراراً حتى تفتدي منه إلاّ إذا زَنَتْ، والقائلون بهذا منهم من قال بقي٣٣ هذا الحكم ولم ينسخ ومنهم من قال :نسخ بآية الجلد٣٤.
الثالث :أنه مستثنى من العلة العامة تقديره :لا تعضلوهن لعلةٍ من العلل إلا لإتيانهن بفاحشة.
وقال أبو البقاء٣٥ بعد أن حكى فيه وجه الانقطاع :" والثاني :هو في موضع الحال تقديره :إلاَّ في حال [ إتيانهن بفاحشةٍ، وقيل :هو استثناء متصل، تقديره :ولا تَعْضُلوهن في حال إلا في حال ]٣٦ إتيان الفاحشة " انتهى.
وهذان الوجهان هما في الحقيقة وجهٌ واحد، لأنَّ القائلَ بكونه منصوباً على الحال لا بُدَّ أن يقدِّر شيئاً عاماً يجعل هذا الحالَ مستثناةً منه.
وقرأ٣٧ ابنُ كثير وأبو بكر عن عاصم :" مبيَّنة " اسم لمفعول بفتح الياء في جميع القرآن، أي بَيَّنَها في قوله : ﴿ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي ﴾ [ إبراهيم :٣٦ ] والباقون بكسر الياء من اسم الفاعل وفيه وجهان :
أحدهما :أنَّهُ من بيَّن المتعدي، فعلى هذا [ يكون ]٣٨ المفعول مَحْذُوفاً تقديره [ مبينة حال مرتكبها.
والثاني :أنها من بَيَّن اللازم، فإن بَيَّن يكون متعدياً ولازماً يقال : ]٣٩ بانَ الشَّيْء وأبان واستبان، وبين وتبين، بمعنى واحد أي :أظهر، وإذا ظهرت صارت أسباباً للبيان، وإذا صَارَتْ سبباً للبيان جاز إسناد البيان إليها، كما أنَّ الأصنام لما كانت سبباً للضلال حَسُنَ إسناد الإضلال إليها لأنَّ الفاحشة لا فعل لها في الحَقِيقَةِ. وأيضاً الفاحشة تتبين فإن يشهد عليها أربعة صارت مبينة.
وقرأ بعضهم٤٠ " مُبِينَة " بكسر الياء وسكون الياءِ اسم فاعل من " أبان " وهذان٤١ الوجهان [ هما ]٤٢ المتقدّمان في المشددة المكسورة، لأن " أبان " أيضاً يكون متعدياً ولازماً وأما " مبينات " جمعاً فقرأهن الأخوان وابن٤٣ عامر وحفص٤٤ عن عاصم بكسر الياء اسم فاعل، والباقون بفتحها اسم مفعول، وتَقَدَّمَ وجه ذلك.

فصل


قال ابنُ مَسْعُودٍ وَقَتَادَةُ :الفاحشة هي النُّشوز، وإيذاء
١ ينظر: تفسير الرازي (١٠/٩ ـ ١٠). وأخرجه البخاري (٨/١٨٤) وأبو داود (٢/٣١٠) رقم (٢٠٨٩) والبيهقي (٧/١٣٨) والطبري في "تفسيره" (٨/١٠٤) من طريق عكرمة عن ابن عباس مختصرا.
وذكر السيوطي هذه الراوية في "الدر المنثور" (٢/٢٣٤) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم.
وأخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٠٦) عن عطاء عن ابن عباس بمعناه وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٤) وزاد نسبته لابن المنذر..

٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٠٦) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٤ ـ ٢٣٥) وزاد نسبته لابن المنذر..
٣ في ب: يمسكها..
٤ سقط في ب..
٥ انظر: الدر المصون ٢/٣٣٣..
٦ في أ: متقدما..
٧ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
٨ في أ: النساء..
٩ انظر: السبعة ٢٢٩، والحجة ٣/١٤٤، وحجة القراءات ١٩٥، والعنوان ٨٣، وشرح الطيبة ٤/١٩٨ ـ ١٩٩، وشرح شعلة ٣٣٦، وإعراب القراءات ١/١٣١، وإتحاف ١/٥٠٦..
١٠ في ب: الكسائي..
١١ في أ: عن..
١٢ في أ: يرثوا..
١٣ في أ: النافية..
١٤ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
١٥ ينظر: المحرر ٢/٢٧..
١٦ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
١٧ سقط في ب..
١٨ ينظر: البحر المحيط ٣/٢١٣، والمحرر ٢/٢٧..
١٩ انظر: المحرر الوجيز ٢/٢٧، والبحر المحيط ٣/٢١٣، والدر المصون ٢/٣٣٤..
٢٠ ينظر: البحر المحيط ٣/٢١٣..
٢١ سقط في ب..
٢٢ في أ: التوب..
٢٣ في أ: يصيح..
٢٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٢١٣..
٢٥ في أ: فهذا..
٢٦ في أ: لهذا..
٢٧ في ب: وخرج..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٢٧، وفي ب: ابن عباس..
٣٠ في أ: التعددية..
٣١ في ب: حال..
٣٢ في ب: الأحوال..
٣٣ في ب: بني..
٣٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١١..
٣٥ ينظر: الإملاء ١/١٧٢..
٣٦ سقط في ب..
٣٧ انظر: السبعة ٢٣٠، والحجة ٤/١٤٥، وحجة القراءات ١٩٦، وإعراب القراءات ١/١٣٠، ١٣١، والعنوان ٨٣، وشرح شعلة ٣٣٧، وشرح الطيبة ٤/٢٠٠، وإتحاف ١/٥٠٧..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ سقط في أ..
٤٠ وهي قراءة ابن عباس.
انظر: المحرر الوجيز ٢/٢٨، والدر المصون ٢/٣٣٦..

٤١ في ب: فيها..
٤٢ سقط في ب..
٤٣ في أ: عن..
٤٤ ينظر: القراءة السابقة..
لما أذن في مضارة الزوجات إذَا أتين بفاحشة مبينة بين في هذه الآية تحريم المضارة في غير حال الإتيان بالفاحشة ؛ وذلك لأن الرجل إذا مال إلى التَّزَوُّج بامرأة أخرى، رمى زوجته بنفسه بالفاحشة حتى يُلْجِئَها إلى الافتداء منه بما أعْطاهَا ليصرفه في تزوج المرأة التي يريدها، فقال تعالى ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾. قوله : ﴿ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾ ظرف منصوب بالاستبدال، والمراد بالزوج هنا الجمع، أيْ :فإن أردتم استبدال أزواج مكان أزواج وجاز ذلك [ لدلالة ]١ جمع٢ المستبدلين، إذ لا يتوهم اشتراك المخاطبين في زوج واحد مكان زوج واحد، ولإرادة معنى الجمع عاد الضمير من قوله ﴿ إِحْدَاهُنَّ ﴾ على " زوج " جمعاً. [ و ]٣ التي نهى عن الأخذ منها في المستبدل مكانها ؛ لأنها آخذة منه بدليل قوله تعالى : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ وهذا إنَّمَا هو في القديمة لا في المستحدثة، وقال : ﴿ إِحْدَاهُنَّ ﴾ ليدل على أنه قوله ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾٤ المراد منه :وآتى كل واحد منكم إحداهن أي :إحدى الأزواج [ ولم يقل :" آتيتموهن قنطاراً " لئلا يتوهم أن جميع المخاطبين آتوا الأزواج ]٥ قنطاراً، والمراد آتى كل واحد زوجته قنطاراً، فدَلَّ [ على ]٦ لفظ " إحداهن ". على أنَّ الضمير في آتيتم المراد منه كل واحد واحد، كما دلّ لفظ ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ ﴾ على أن المراد استبدال أزواج مكان أزواج فأرِيدَ بالمفرد هنا الجمع، لدلالة ﴿ وَإِنْ أَرَدْتُّمُ ﴾٧، وأُرِيدَ بقوله :" وآتيتم كل واحد واحد " لدلالة إحداهن - وهي مفردة - على ذلك، ولا يُدَلُّ على هذا المعنى البليغ بأوجز، ولا أفصح من هذا التركيب، وقد تقدم معنى القنطار واشتقاقه في " آل عمران "، والضمير في " منه " عائد على قنطار.
وقَرَأَ ابْنُ مُحَيْصِنٍ " آتيتم إحداهن " بوصل ألف إحدى، كما قرأ " إنها لإحدى الكبر "، حذف الهمزة تحقيقاً كقوله : [ الرجز ]
إنْ لَمْ أُقَاتِلْ فَالْبِسُونِي بُرْقُعَا٨ ***. . .
وقد طول أبُو البَقَاءِ هنا، ولم يأتِ بطائلٍ فقال :وفي قوله : ﴿ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾ إشكالان :
أحدهما :أنه جمع الضمير والمتقدم زوجان.
والثاني :أن التي يريد أن يستبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالاً، فَنَهَاهُ عن أخذه، فَأَمَّا التي يريد أن يستحدث بها فلم يكن أعطاهَا شيئاً حَتَّى ينهى عن أخذه، ويتأيد ذلك بقوله ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾.
والجواب عن الأول :أنَّ المراد بالزوج الجمع ؛ لأن الخطاب لجماعة الرجال، وكل منهم [ قد ]٩ يريد الاستبدال١٠، ويجوز أنْ يكون جمع ؛ لأن التي يريد أنْ يستحدثها يفضي حالها إلى أن تكون زوجاً و [ أن ]١١ يريد أن يستبدل بها كما استبدل بالأولى فجمع على هذا المعنى.
وأمَّا الإشكال الثاني ففيه جوابان :
أحدُهُمَا :أنَّه وضع الظاهر موضع المضمر، والأصل " وآتيتموهن ".
والثاني :أن المستبدل بها مبهمة فقال " إحداهن " إذْ لم يتعين حتى يرجع الضمير إليها، وقد ذكرنا نحواً من هذا في قوله " فتذكر إحداهما الأخرى " انتهى.
قال شهابُ الدِّينِ :وفي قوله " وضع الظاهر موضع المضمر " نظر ؛ لأنَّهُ لو كان الأصل كذلك لأوهَمَ أنَّ الجميع آتوا الأزْوَاجَ قنطاراً كما لم تقدم وليس كذلك.

فصل [ حكم المغالاة في المهر ]


قالوا :دَلَّتِ الآية على جواز المغالاة في المهر١٢.
رُوِيَ أنَّ عمر بن الخطاب قال على المِنْبَرِ :" ألاَ لاَ تُغَالُوا في مهور نِسَائكُم " فقامت امرأة فقالت :يا ابن الخطاب اللَّه يعطينا وَأنْتَ تمنع، وتلت الآية فقال عمر :كلّ الناس أفْقَهُ مِنْكَ يا عمرُ، ورجع عن ذلك١٣.
قال ابن الخطيب١٤ :وعندي أنَّ الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة ؛ لأن قوله ﴿ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً ﴾١٥ لا يدل على جواز إيتاء القنطار، كما أن١٦ قوله ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلاَّ اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ [ الأنبياء :٢٢ ] لا يدل على حصول الآلهة فالحاصل أنَّهُ لا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع.
قال عليه الصلاة والسلام :" من قُتل له قتيلٌ فأهله بين خيرتين١٧ " ولم يلزم منه جواز القتل١٨، وقد يقول الرجل :لو كان الإله جسماً لكان محدثاً، وهذا حق، ولا يلزم منه أن [ قولنا ]١٩ الإله جسم حق.

فصل


يدخل في الآية ما إذَا كان آتَاهَا مهرها، وما إذا لم يؤتها ؛ لأنه إذَا أوقع العقد على الصداق فقد آتاها ذلك الصداق في حكم الله فلا فرق بين ما إذا آتاها الصداق حساً، وبين ما إذا لم يؤتها.

فصل [ في الخلوة الصحيحة هل تقرر المهر ؟ ]


احتج أبُو بكر الرازي بهذه الآيةَ على أنَّ الخلوة الصحيحة تقرر المهر.
قال :لأنَّ اللَّهَ تعالى منع الزوج من أنْ يأخذ منها شيئاً من المهر، وهذا المنع مطلق ترك العمل قبل الخلوة ؛ فوجب أن يكون معمولاً به بعد الخلوة.
قال :ولا يجوز أن يقال إنَّهُ مخصوص بقوله تعالى :
﴿ وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ ﴾ ؛ لأن الصحابة اختلفوا في تفسير المسيس.
فقال عمر وعلي - رضي الله عنهما - :المراد من المسيس :الخلوة.
وقال عبد الله :هو الجماع إذَا صار مختلفاً فيه امتنع جعله مخصصاً لعموم الآية.
وأجيب أنَّ هذه الآية هنا مختصة بعد الجماع لقوله : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ وإفضاء بعضهم إلى بعض، هو الجماع على ما سيأتي.

فصل [ سوء العشرة هل يوجب العوض ]


سُوءُ العشرة إنْ كان من قِبَلِ الزوجة حَلَّ أخذ بدل الخُلْعِ ؛ لقوله : ﴿ وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ ُلِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ ﴾ وإن كان من قِبل الزوج، كُرِهَ له أن يأخذ من مهرها شيئاً ؛ لأنه نهى في هذه الآية عن الأخذ، ثم إن خالف وفعل ملك بدل الخُلْعِ كما أنَّ البيع وقت النداء منهي عنه، ثم إنه يفيد الملك.
قوله : ﴿ أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ استفهام إنكاري أي :أتفعلونه مع قبحه، وفي نصب ﴿ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً ﴾ وجهان :
أحدهما :أنها منصوبان على المفعول من أجله أي لبهتانكم وإثمكم.
قال الزمخشريُّ٢٠ :فإن لم يكن عَرَضاً كقولك :قعد عن القتال جبناً.
وقيل :انتصب ينزع الخافض أي ببهتان.
والثاني :أنَّهُمَا مصدران في موضع الحال، وفي صاحبهما وجهان :
أظهرهُمَا :أنَّه الفاعل في أتأخذونه أي :باهتين وآثمين.
والثاني :أنَّهُ المفعول أي :أتأخذونه مبهتاً محيراً لشنعته، وقبح الأحدوثة٢١ عنه، والتقدير :تصيبون في أخذه بهتاناً٢٢، والبُهْتَانُ فُعْلان من البُهْتِ، وهو في اللغة :الكذب الذي يواجه به الإنسان صاحبه على وجه المكابرة، وأصله من بهت الرَّجُلُ إذا تحيَّر فالبهتان كذب يحير الإنسان لعظمه ثم جُعِلَ كُلُّ باطل يتحير من بطلانه بهتاناً، ومنه الحديث :" إذا واجهت أخاك بما ليس فيه فقد بَهَتَّهُ " ولقد تقدم الكلام عليه في البقرة.
وفي تسمية هذا الأخذ " بهتاناً " وجوه :
أحدها :أنَّهُ تَعَالى لما فرض لها ذلك المهر فأخذهُ ؛ كَأنَّهُ يقول :ليس ذلك بفرض فيكون بُهْتَاناً.
وثانيها :أنَّ العقد يستلزم مهراً وتكفل بالعقد تسليم ذلك المهر إليها وألا يأخذه منها، فإذا أخذه منها، صار ذلك القول الذي عقد به العقد بهتاناً.
وثالثها :أنا ذكرنا أنه كان من عادتهم إذا أرادوا تطليق الزوجة رموها بفاحشة، حتى تخاف وتشتري نفسها منه بذلك المهر، فلما كان ذلك واقعاً على هذا الوَجْهِ في الأغلب جعل كأنه أخذه بهتاناً [ وإثماً ]٢٣.
[ رابعها :أنَّه عقاب البهتان والإثم المبين كأنَّهُ كان معلوماً عندهم مقولة " أتأخذونه بهتاناً " ]٢٤ معناه أتأخذونه٢٥ عقاب البهتان فهو كقوله :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً ﴾٢٦ [ النساء :١٠ ].
١ سقط في ب..
٢ في ب: جميع..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ سقط في أ..
٦ سقط في ب..
٧ في أ: ما قبله عليه..
٨ ينظر البيت في الخصائص ٣/١٥١ والبحر المحيط ٣/٢١٥ والمحتسب ١/١٢٠ والدر المصون ٢/٣٣٧..
٩ سقط في ب..
١٠ في ب: استبدال..
١١ سقط في ب..
١٢ من أقبح العادات أن يطلب والد العروس من الزوج ما يعجز عن دفعه، فيضطر إلى بيع ما يملك، أو الاستدانة من غيره، فيبتدئ صفحة حياته الجديدة بالهم والشقاء المستمر، وهذا من دواعي إحجام بعض الشبان عن الزواج، وفي الحديث الشريف: "أقلهن صداقا أكثرهن بركة".
ومن أقبح العادات المغالاة في الجهاز، لأن الناس يخرجون فيه عن طورهم، فترى الفقير يريد أن يعد جهازا كجهاز الأغنياء، فلا ينتهي من الجهاز إلا وقد عمه الدين، وأما الأغنياء: فإن كثيرا منهم اندفعوا في شراء ما خف حمله، وغلا ثمنه. فخرجوا من ذلك وقد أحاط الدين بممتلكاتهم، ولقد شاهدنا أن بعضهم أصبح من أجل ذلك فقيرا بعد أن كان غنيا.
ومن البلية الكبرى أن أكثر الجهاز لا يستعمل في مرافق الحياة، بل جله زينة وزخرف سريع العطب، قصير الأجل، يفنى قبل أن تسدد أقساطه ونجومه، وبدهي أن المغالاة في الجهاز هي السبب الوحيد في المغالاة في المهور.
واجب الآباء: يجب على الآباء أن يقتصدوا في الجهاز. وأن يحضروا منه ما يلائم الزوج والزوجة، وما يمكنهما الانتفاع به طويلا، وأن يخففوا المهور، حتى يسعد الأزواج، ويفتتحوا حياتهم الجديدة بالسعادة والهناء، والرفاء، والبنين.
العرس: والمصيبة الكبرى الأعراس وما يصنع فيها:
١ ـ يدعو صاحب العرس أهله، وجيرانه، وأحبابه، وأصدقاءه، ثم يتغالى في ذلك، فيدعو أصحاب الوجاهة والقدر، وإن كان لا يعرفهم، طلبا للمباهاة والفخر، وهذا يستدعي أن يعد لهم من الطعام ما يلائم وجاهتهم، فيكلف نفسه نفقات كان في غنى عنها لو اقتصر على أهله، وأعز أصدقائه وجيرانه وعمل وليمة تناسب حاله؛ عملا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم.
المغنون والمغنيات: بعد هذا تأتي عادة أشنع من سابقتها، تلك هي إحضار المغنين من الرجال، والمغنيات من النساء، وهذا يستدعي أن يتنافس الزائرت في ثيابهن وحليهن، وفي الهدايا التي تقدم للعروس وفيما يعطى للمغنيات ومن على شاكلتهن، ممن يهيئن العروس للزفاف، وفي ذلك الخراب العاجل، هذا إلى ما في هذه الاجتماعات من الأمور المنكرة التي لا ترضى الله تعالى.
عمل العقلاء: ومما يبشر بالخير أن بعض العقلاء هجروا كل هذه العادات العتيقة، واستعاضوا بها ما هو خير لهم وأبقى لأموالهم، وأنفع للعروسين ولأهلهم..

١٣ أخرجه سعيد بن منصور (٥٩٨) والبيهقي (٧/٢٣٣) وأبو يعلى كما في "مجمع الزوائد" (٤/٢٨٤) من طريق مجالد بن سعيد عن الشعبي قال: خصب عمر بن الخطاب...فذكره.
قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٤/٢٨٤) فيه مجالد بن سعيد وفيه ضعف وقد وثق.
وقال البيهقي: هذا منقطع.
وأخرجه سعيد بن منصور (٥٩٩) والبيهقي (٧/٢٣٣) من طريق حميد الطويل عن بكر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب...فذكره بلفظ: خرجت وأنا أريد أن أنهاكم عن كثرة الصداق حتى عرضت لي هذه الآية: وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا.
قال البيهقي عقبه: هذا مرسل جيد..

١٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٢..
١٥ في ب: وآتيتم إحداهن قنطارا..
١٦ في ب: في..
١٧ أخرجه الترمذي (١/٢٦٤) وأحمد (٥/٣٨٥) والدارقطني (٣/٩٧) من طريق سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي شريح الكعبي به وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأخرجه أبو داود (٤٤٩٦) والدرامي (٢/١٨٨) وابن ماجه (٢٦٢٣) وابن الجارود (٧٧٤) والدارقطني (٣/٩٨) والبيهقي (٨/٧٢) وأحمد (٤/٣١) من طريق أبي العوجاء عن أبي شريح مرفوعا.
وأخرجه أحمد (٤/٣١ ـ ٣٢) والبيهقي (٨/٧١) من طريق مسلم بن يزيد عن أبي شريح به..

١٨ في ب: الفعل..
١٩ سقط في ب..
٢٠ ينظر: الكشاف ١/٤٩٢..
٢١ في ب: الأخذوية..
٢٢ في ب: بهتا..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ في ب: أتأخذون..
٢٦ ذكر الرازي في تفسيره هنا: أنه تعالى ذكر في الآية السابقة ﴿ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة﴾ والظاهر من حال المسلم: أنه لا يخالف أمر الله، فإذا أخذ منها شيئا، أشعر ذلك بأنها قد أتت بفاحشة مبينة، فإذا لم يكن الأمر كذلك في الحقيقة، صح وصف ذلك الأخذ بأنه بهتان. ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٣..
وقوله : ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ ﴾ تقدَّمَ الكلام في كيف عند قوله : ﴿ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ﴾
[ البقرة :٢٨ ].
قوله : ﴿ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ ﴾٢٧ الواو للحال، والجملة بعدها :في محل نصب، وأتى ب " قد " ليقرب الماضي من الحال، وكذلك " أخذن " وقد مقدرة معه لتقدم ذكرها، وأصل أفْضَى ذهب إلى فضاه أي ناحية سعته، يقال :فَضَى يَفْضُو فَضْواً، وأفضى :عن ياء أصلها واو.
وقال اللَّيْثُ :أفْضَى فلان إلى فلان أي :وصل إليه، وأصله أنه صار في فضائه وفرجته.
وقال غيره :أصل الإفْضَاءِ الوصول إلى الشيء من غير واسطة.
وللمفسرين٢٨ في هذا الإفضاء قولان :
أحدهُمَا :قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي أنَّهُ كناية عن الجماع٢٩ وهو اختيار الزجاج، وابن قتيبة، ومذهب الشافعيّ ؛ لأنَّ عنده أنَّ الزوج إذا أطلق قبل المسيس فله أن يرجع في نصف المهر، وإنْ خلا بها.
والثاني :أنَّ الإفضاء هو الخلوة وإن لم يجامعها٣٠.
وقال الكلبي :الإفضاء أن يكون معها في لحاف واحد، جامعها أو لم يجامعها، وهذا اختيار الفراء، ومذهب أبي حنيفةَ ؛ لأن الخلوةَ في الأنكحة الصحيحة تقرر المهر، واسْتَدَلُّوا على القول الأوَّّلِ بوجوهٍ :
أحدها :ما تَقَدَّمَ عن الليث :أنه يصير في فرجته وفضائه، وهذا المعنى إنَّمَا يحصل في الحقيقة عند الجماع.
وثانيها :أنه تعالى ذكر في معرض التعجب فقال ﴿ وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ والتعجب إنما يتم إذا كان هذا الإفضاء سبباً قوياً في حصول الألفة والمحبّة، وذلك لا يحصل بمجرد الخلوة وإنَّمَا يحصل بالجماع، فيحمل عليه.
وثالثها :أن الإفضاء إليها لا بد وأن يكون مُفَسراً بفعل منه ينتهي إليه ؛ لأن كلمة " إلى " لانتهاء الغاية، ومجرد الخلوة ليبس كذلك ؛ لأن عند الخلوة المحضة لم يصل كل واحد منهما إلى الآخر فامتنع تفسير قوله : ﴿ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ ﴾ بمجرد الخلوة.
وإنْ قيل :إذا اضطجعها في لحافٍ واحد ملامساً فقد حصل الإفْضَاء مِنْ بعضهم إلى بعض ؛ فوجب أن يكون ذلك كافياً وأنتم لا تقولون به.
فالجَوابُ أنَّ القائل بذلك قائلان :قائل يقول :المهر لا يتقرر إلاَّ بالجماع، وآخر يقول :يتقرَّر بمجرد الخلوة ولا يقولُ أحَدٌ إنَّهُ يتقرر بالملامسة والمضاجعة فَبَطَلَ هذا القول بالإجماع، ولم يبق في تفسير الإفضاء إلاَّ أحد أمرين :إمَّا الجماع، وإمَّا الخلوةَ، وقد أبطلنا القول بالخلوة بما بيناه فلم يبق إلاَّ أن المراد بالإفْضَاءِ الجماع.
ورابعها :أنَّ المهر قَبْلَ الخُلْوَةِ ما كان مُتَقَرِّراً، وقد علّقَ الشَّرع تقريره على إفضاء البعض إلى البعض، وقد اشتبه في المُرَادِ بهذا الإفضاء هل هو الخُلوة، أو الجماع، وإذَا وقع الشكُّ وجب بقاء ما كان على ما كان والأصل براءة الذمة.
احتج من قال :بأن الخلوة الصحيحة تقرر المهر وتُوجِبُ العدةَ دخل بها أوْ لم يدخل بها بما رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عن [ ابن ]٣١ ثوبان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم٣٢ :" مَنْ كَشَفَ خِمَارَ امْرَأةٍ ونَظَرَ إلَيْهَا وَجَبَ الصَّدَاقُ " ٣٣ وقال عمر :إذَا أغْلَقَ باباً وأرخى ستراً ؛ وَجَبَ الصداق وعليها العدة ولها الميراث٣٤، وعن علي :إذا أغلق باباً وأرخى ستراً ورأى عورة فقد وجب الصداق، وقضى الخلفاء الراشدون أنَّ من أغلق باباً، وأرخى ستراً فقد وجب الصداق وعليها العدة٣٥.
قوله ﴿ وَأَخَذْنَ مِنكُ ﴾ في منكم وجهان :
أظهرهما :أنه متعلق ب " أخذن "، وأجاز فيه أبُو الْبَقَاءِ أن يكون حالاً من ميثاقاً قدّم عليه كأنه لما رأى أنَّه يجوز أن يكون صفة لو تأخر أجاز ذلك وهو ضعيف.
قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، والسدي، وعكرمة، والفراء :المراد بالميثاق هو قول الولي عند العقد :زوّجْتُكَها على ما أخذ للنساء على الرجال من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان٣٦.
وقال الشَّعْبِيُّ وَعِكْرِمَةُ ومُجَاهِدٌ :في كلمة النِّكَاحِ المعقود عليها على الصداق٣٧ وقال عليه الصلاة والسلام :" اتَّقُوا اللَّهَ في النِّسَاءِ فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بأمَانَةِ اللَّهِ واسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ " ٣٨.
وقيل المراد بالميثاق الغليظ هو :إفْضَاءُ بعضهم إلى بعض وصفه بالغلظة لعظمة ما يحدث بين الزوجين من الاتحاد والألفة والامتزاج.
قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ ﴾ إلى قوله : [ سَبِيلاً ]١ }.
قال الأشعث بن سَوّار توفي أبو قيس٢ وكان من صالحي الأنصار فخطب ابنه امرأة أبيه فقالت إنِّي أعدّك ولداً وأنت من صالحي قومك، ولكني آتي رسول الله صلى الله عليه وسلم أستأمره، فأتته فأخبرته فأنزل الله هذه الآية٣.
قال ابن عباس وجمهور المفسرين٤ :كان أهل الجاهلية يتزوجون بأزواج آبائهم فنهوا بهذه الآية٥ عن [ ذلك. قوله " ما نكح " في " ما " هذه قولان ]٦ :
أحدهما :أنها موصولة اسمية واقعة على أنواع من يعقل كما تقدم في قوله
﴿ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ﴾ [ النساء :٣ ] هذا عند من لا يجيز وقوعها على آحاد العقلاء فأما من يجيز ذلك فيقول :إنها واقعة موقع من ف " ما " مفعول به بقوله " ولا تنكحوا " والتقدير :ولا تتزوّجُوا من تزوج آباؤكم٧.
والثاني :أنَّها مصدريّة أي :ولا تنكحوا مثل نكاح آبائكم الّذي كان في الجاهليَّة وهو النكاح الفاسد كنكاح الشغار وغيره، واختار هذا القول جماعة منهم ابن جرير الطبري٨ وقال :ولو كان معناه :ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضع " ما " " من " انتهى. وتبين كونه حراماً، أو فاسداً من قوله ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً ﴾. قوله : ﴿ مِّنَ النِّسَاء ﴾. تقدم نظيره أول السورة.

فصل [ حكم نكاح مزنية الأب ]


قال أبو حنيفة وأحمد :يحرم على الرجل أن يتزوج بمزنية أبيه وقال الشافعي :لا يحرم، واحتج الأولون بهذه الآية، لأنه تعالى نهى الرجل أن ينكح منكوحة أبيه، والنكاح عبارة عن الوطء لوجوه :
أحدها :قوله تعالى ﴿ فَلاَ تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ ﴾ [ البقرة :٢٣٠ ] فأضاف النّكاح إلى الزّوج، والنّكاح المضاف إلى الزّوج هو الوطء لا العقد ؛ لأن الإنسان لا يتزوج من [ زوجة ]٩ نفسه ؛ لأن ذلك في تحصيل الحاصل ؛ ولأنَّهُ لو كان المراد به في هذه الآية العقد لحصل التحليل بمجرد العقد وحيث لم يحصل علمنا أن المراد من النكاح في هذه الآية ليس هو العقد، فتعين أن يكون هو الوطء ؛ لأنه لا قائل بالفرق.
وثانيها :قوله ﴿ وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ ﴾ [ النساء :٦ ] والمراد به الوطء لا العقد ؛ لأن أهلية العقد كانت حاصلة.
وثالثها :قوله : ﴿ الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً ﴾ [ النور :٣ ] ولو كان المراد العقد لزم الكذب.
ورابعها :قوله عليه [ الصلاة ]١٠ والسلام " ناكح اليد ملعون " ١١ وليس المراد العقد فثبت بهذه الوجوه أنَّ النكاح عبارة عن الوطء فلزم أن يكون المراد من قوله " ما نكح آباؤكم " أي :وطئن آباؤكم، فيدخل فيه المنكوحة والمَزْنِيُّ بها.
فإن قيل قد ورد أيضاً لفظ " النكاح " بمعنى العقد، قال تعالى ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾
[ النور :٣٢ ] ﴿ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ﴾ [ النساء :٣ ]. إذا نكحتم المؤمنات.
وقال عليه [ الصلاة ]١٢ والسلام :" ولدت من نكاح ولم أولد من سفاح " فلم كان حمل اللفظ على الوطء أوْلَى من حمله على العقد ؟
فالجواب أن لفظ " النكاح " حقيقة في الوطء مجاز في العقد. لأنَّ لفظ النكاح في أصْلِ اللغة عبارة عن الضَّمِّ، ومعنى حاصل في الوطء لا في العقد، فكان حقيقة في الوطء وإنَّمَا سُمِّيَ العقد بهذا الاسم ؛ لأنه سبب الوطء، فيكون من باب إطلاق اسم المسبب على السبب كما أنَّ العقيقة :اسم للشِّعْرِ الذي يكون على رأس الصغير حال ما يولد ثم تُسَمَّى الشاة التي تذبح عند خلق ذلك الشِّعْر عقيقة [ فكذا هاهنا. هذا على قول من يقول :لا يجوز استعمال اللفظ الواحد بالاعتبار الواحد في حقيقته ]١٣ ومجازه فلا جرم نقول :المستفاد من هذه الآية حكم الوطء أمَّا حكم العقد فَإنَّهُ يستفاد١٤ من دليل آخر، فأمَّا [ مَنْ ]١٥ ذهب إلى أن اللفظ المشترك يجوز استعماله في مفهوميْه معاً، فإنه يقول دلت الآية على لفظ النكاح حقيقة الوطء، وفي العقد معاً، فكان قوله : ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ﴾ نهي عن الوطء وعن العقد معاً حملاً للفظ على مفهوميه ولو سلمنا أنَّه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهومَيْه معاًً، لكن ثبت بالدلائل المذكورة أنَّ لفظ النكاح قد استُعمِلَ في الوطء تارةً، وفي العقد أخرى، والقول بالاشتراكِ والمجاز خلاف الأصل، فلا بدّ من جعله حقيقة في القدر المشترك بينهما، وهو معنى الضمّ حتَّى يندفع الاشتراك والمجاز، فإذا كان كذلك كان قوله : ﴿ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء ﴾ نهياً عن القدر المشترك بين هذين القسمين والنهي عن القدر المشترك بين القسمين يكون نهياً عن كل واحد من القسمين لا محالة، فإنّ النهي عن التزويج يكون نهياً عن العقد، وعن الوطء معاً، وأجيبوا عن هذا الاحتجاج بوجوه :
الأوَّل :لا نسلم أنَّ١٦ النكاح يقع على الوطء، والوجوه الَّتي احتجوا بها معارضة بوجوه :
الأول :قوله عليه الصلاة والسلام " النِّكَاحُ سُنَّتِي " ولا شك أنَّ الْوَطْءَ من حيث كونه وَطْئاً ليس سنة [ له ]١٧ وإلا لزم أنْ يكون الوطء بالسفاح سُنَّةًَ فلما ثبت أنَّ النِّكاح سنة، وثبت أن الوطء ليس بسنة ثبت أنَّ النكاحَ ليس عبارة عن الوطء وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام :" تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا " ولو كان الوطء مسمى بالنكاح لكان هذا إذناً في مطلق الوطء، وكذا التمسك بقوله ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾ [ النور :٣٢ ]
﴿ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ﴾ [ النساء :٣ ].
لا يقال :لما وقع التعارض بين هذه الدّلائل فالترجيح معنا، وذلك لأنَّا لو قلنا الوطء مسمى بالنكاح على سبيل الحقيقة لزم دخول المجاز في دليلنا، ومتى وقع التعارض بين المجاز والتخصيص كان التزام التخصيص أولى.
لأنَّا نقول :أنْتُم تساعدونا على أنَّ لَفْظَ النِّكاح مستعمل في العقد، فلو قلنا :إنَّ النكاح حقيقة في الوطء لزم دخول التخصيص في الآيات التي ذكرناها ولزم القول بالمجاز في الآيات التي ذكر النِّكَاح فيها بمعنى الوطء ولا يلزمنا التخصيص فقولكم :يوجب المجاز والتخصيص معاً وقولنا :يوجب المجاز فقط، فكان١٨ قولنا أوْلَى.
الوجه الثَّاني من الوجوه الدَّالة على أنَّ النِّكاح ليس حقيقة في الوطء قوله عليه [ الصلاة ]١٩ والسلام " وُلْدتُ مِنْ نِكَاحٍ وَلَمْ أُولد مِنْ سِفَاحٍ " وهذا يقتضي أن لا يكون الوطء نكاحاً.
الوجه الثالث٢٠ :من حلف في أولاد الزنا أنهم ليسوا أولاد نكاح لَمْ يَحْنَثْ، ولو كان الوطء نكاحاً لوجب أن يحنث.
سلمنا أنَّ الوطء يسمى نكاحاً لكن العقد أيضاً يسمى نكاحاً فلم كان حمل الآية على ما [ ذكرتم أولى من حملها على ما ذكرنا ]٢١.
وأمَّا قولهم إنَّ الوطء مسبب للعقد، فكما يحسن إطلاق المسبب مجازاً، فكذا يحتمل أن يُقَالَ النِّكاح اسم للعقد ثم أُطْلِقَ هذا الاسم على الوطء لِكَوْنِ الوطء مسبباً له، فلم كان أحدهما أوْلَى من الآخر، بل ما ذكرناه أولى ؛ لأن استلزام السبب للمسبب٢٢ أولى وأتم من استلزام المسبب للسبب المعين، فإنَّهُ لا يمنع حصول الحقيقة الواحدة بأسباب كثيرة كالمِلْك، فَإنَّهُ يحصل بالبيع والهبة والوصية والإرث، ولا شك أنَّ الملازمة شرط لجواز المجاز، فَثَبَتَ أنَّ القول بأنَّ اسم النِّكاح حقيقة في الوطء مجاز في العقد أولى من عكسه.
والوجه الثاني :أنَّهُ ثبت في أُصول الفِقْهِ أنَّهُ يجوز استعمال اللفظ الواحد في حقيقته ومجازه معاً فحينئذ يلزم ألا تكون الآية دالة على حكم العقد، وهذا وإن كانوا قد التزموه لكنه مدفوع بإجماع المفسرين على سبب نُزُولِ هذه الآية هو أنَّهُم كانوا يتزوجون بأزواج آبائهم، وأجمع المسلمون على أنَّ سبب نزول تلك الآية لا بد وَأنْ يكون داخلاً [ تحت الآية، بل اختلفوا في أنَّ غيره هل يدخل تحت الآية أم لا ؟ فَأمَّا أنَّ سبب النُّزول يكون ]٢٣ داخلاً فيها فذلك مجمع عليه، وإذَا ثبت أنَّ سبب النزول لا بدّ وأن يكون مراداً ثبت بالإجماع أنَّ النهي عن العقد مراد من هذه الآية فيكون قولهم مضاد للدليل القاطع، فيكون مردوداً.
وَأمَّا استدلالهم بالضم فضعيف ؛ لأنَّ الضم الحاصل في الوطء عبارة عن اتحاد الأجسام٢٤ وتلاصقها، والضم الحاصل في العقد ليس كذلك ؛ لأنَّ الإيجاب والقبول أصوات غير باقية، فمعنى الضمّ والتّلاقي والتّجاور فيها محال، وَإذَا كان كذلك فليس بين الوطء والعقد مفهوم مشترك حتى [ يقال إنَّ لفظ النكاح حقيقة فيه، فإذا بطل ذلك لم يبق إلا أنْ يُقَالَ لفظ النكاح مشترك بين الوطء والعقد ]٢٥ ويقال :إنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر، ويرجع الكلام إلى الوجهين الأوَّلين.
الوجهُ الثالث :سلمنا أنَّ النِّكاح بمعنى الوطءِ ولكن لم قلتم إن قوله ﴿ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ المراد منه المنكوحة بل المراد منه المصدر لإجماعهم على أنَّ لفظ " ما " حقيقة في غير العقلاء، فلو كان المراد منه المنكوحة لزم هذا المجاز، وهو خلاف الأصل، بل أهل العربية اتفقوا على أن " ما " مع ما بعدها في تقدير المصدر فتقدير الآية : ﴿ ولا تنكحوا نكاح آبائكم ﴾، ويكونُ المرادُ منه النَّهي على أن ينكحوا نكاحاً مثل نكاح آبائهم فإن أنكحتم كانت بغير وَلي ولا شهود، وكانت مُؤقتة، وكان على سبيل القهر والإلجاء، فنهاهم اللَّهُ تعالى عن مثل هذه الأنكحة بهذه الآيةِ ؛ وهذا الوجه مَنْقُولٌ عن ابن جَرِيرٍ وغيره كما تقدَّمَ.
الوجه الرابع :سَلَّمْنَا أنَّ المراد المنكوحة، والتقدير :ولا تنكحوا ما نكح٢٦ آباؤكم، ولكن قوله ﴿ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ ليس صريحاً في العموم بدليل أنَّهُ يصحُّ إدخال لفظ الكلِّ في البعض عليه٢٧، فيقالُ :ولا تنكحُوا بعض ما نكح آباؤكم، [ ولو كان هذا صريحاً في العموم لكان إدْخَالُ لفظ الكلِّ عليه تكراراً، وإدخال لفظ البعض عليه نقصاً، ومعلوم أنَّهُ ليس كذلك، وإذَا ثبت أنه لا يفيد العموم لم يتناول محل النزاع، لا يقال :لو لم يفد يصير مجملاً غير مفيد والأصل ألا يكون كذلك ؛ لأنا نقول :لا نُسَلِّمُ أن التقدير لا يفيد العموم لم يكن صرفه إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، وذلك لأن المفسرين أجمعوا على أنَّ سبب نزوله إنما هو التزوّج بزوجات الآباء، فكان صرفه إلى هذا القسم أولى، وبهذا التقدير يزول الإجمال ].
الوجهُ الخامس :سلمنا أن هذا النهي يتناول محل النِّزاع لكن لم قُلْتُمْ :إنَّهُ يفيد التحريم، أليس أن كثيراً من أقسام النَّهي لا يُفِيدُ التَّحْريم، بل يفيدُ التنزيه، أقصى ما في البَاب أن يقال :هذا على خلاف الأصل، ولكن يجب المصير إذا دلّ الدّليل على صحّة [ هذا ]٢٨ النكاح [ وسنذكره.
الوجه السادس :هب أن ما ذكرتم يدل على فساد هذا النكاح ]٢٩ إلا أن ههنا ما يدلُّ على صحَّة هذا النكاح وهو من وجوه :
الأوَّلُ :هذا النِّكاح منعقد ؛ فوجب أن يكون صحيحاً، بيان أنَّهُ منعقد لأنَّهُ منهي عنه بهذه الآية، و
١ سقط في ب..
٢ في ب: قبيس..
٣ أخرجه البيهقي (٧/١٦١) والطبراني كما في "مجمع الزوائد" (٧/٦) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٩) وزاد نسبته للفريابي وابن المنذر وقال البيهقي: هذا مرسل.
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/٦) وقال: رواه الطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف..

٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٥..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٣٣) من طريق عكرمة عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٣٩) وزاد نسبته لابن المنذر..
٦ سقط في أ..
٧ في ب: آباؤكم بها..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في أ..
١٠ ذكره الشيخ علي القاري في "الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة" رقم (١٠٢٢) وقال: لا أصل له كما صرح به الرهاوي في حاشيته على المنار.
وأورده العجلوني في "كشف الخفاء" (٢/٤٤٩)..

١١ سقط في ب..
١٢ سقط في أ..
١٣ سقط في أ..
١٤ في ب: المستفاد..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: أن اسم..
١٧ سقط في أ..
١٨ في ب: لكان..
١٩ سقط في أ..
٢٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٧..
٢١ سقط في أ..
٢٢ في ب: للسبب..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ في ب: الأقسام..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ في ب: بعض من..
٢٧ في الرازي يصح إدخال لفظي الكل والبعض عليه..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ سقط في ب..
﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ [ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاَتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلاَئِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلاَبِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً ﴾١
أمهات جمع أمِّ والهاء٢ زائدةٌ في الجمع، فَرْقاً بَيْنَ العُقَلاَءِ وغيرهم، يُقَالُ في العُقَلاَءِ أمَّهَات، وفي غيرهم أمات كقوله :
وَأمَّاتِ أطْلاَءٍ صغار٣ ***. . .
هذا هو المشهور، وقد يقال :" أمَّات " في العقلاء و " أمهات " في غيرهم، وقد جمع الشَّاعِرُ بين الاستعمالين في العُقَلاَءِ فقال : [ المتقارب ]
إذَا الأمَّهاتُ قَبَحْنَ الوُجُوهَ *** فَرَجْتَ الظَّلاَمَ بِأُمَّاتِكَا٤
وقد سُمِعَ " أمهة " في " أم " بزيادَةِ هاء بعدها تاء تأنيث، قال : [ الرجز ]
أُمَّهَتي خِنْدَفٌ وَالْياسُ أبِي٥ ***. . .
فعلى هذا يَجُوزُ أنْ تكون أمَّهات جمع " أمهة " المزيد٦ فيها الهاء، والهاءُ قد أتَتْ زَائِدةً في مواضع قالوا :هِبْلَع، وهِجْزَع من البَلْعِ وَالجَزْع.
قوله : ﴿ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ عطف على ﴿ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ وبنَاتُ جمع بِنْتٍ، وَبِنْتٌ :تأنيث ابن، وتقدَّمَ الكلام عليه وعلى٧ اشتقاقه ووزنه في البقرة في قوله : ﴿ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾[ البقرة :٤٠ ] إلا أنَّ أبَا البقاء٨ حكى [ عن ]٩ الفرَّاءِ أنَّ " بَنَات " ليس جمعاً ل " بِنْتٍ "، يعني :بكسر البَاءِ بل جمع " بَنَة " يعني :بفتحها قال :وكُسِرَتِ الْبَاءِ تنبيهاً على المحذوف.
قال شهابُ الدِّينِ :هذا إنَّمَا يَجيءُ على اعتقادِ أنَّ لامها ياء، وقد تَقَدَّمَ الخلافُ في ذلك، وأنَّ الصَّحِيحَ أنَّهَا واو، وَحَكَى عن غيره أن أصلها :" بَنَوة " وعلى ذلك جَاءَ جمْعُهَا ومذكرها، وهو بنون، قال :وهو مذهب البصريين.
قال شهَابُ الدِّينِ١٠ :لا خلاف بين القوْليْنِ في التَّحْقِيقِ ؛ لأنَّ من قال بنات جمعُ " بَنَة "، بفتح الباء، لا بدَّ وأن يعتقد أنَّ أصْلَهَا " بنوة "، حذفت لامها وعوّض عنها تاءُ التأنيث، والَّذي قال :بنات جمع " بنوة " لفظ بالأصْلِ فَلاَ خِلاف.
واعْلَمْ أنَّ تَاء " بِنْتٍ " وَ " أخْت " تاءُ تعويضٍ عن اللامِ المحذوفَةِ، كما تَقَدَّمَ تقريره، وليست للتَّأنِيثِ ؛ لوجهين :
أحدُهُما :أنَّ تَاءَ التَّأنيثِ يَلْزَمُ فتح ما قبلها لفظاً أوْ تقديراً :نحو :تَمْرَةٍ وفتاة، وهذه ساكنٌ ما قَبْلَهَا.
والثَّاني :أنَّ تَاءَ التأنيث تبدل في الوقف هاء، وهذه لا تُبْدَلُ، بل تُقَرُّ على حالها.
قال أبُو الْبَقَاءِ١١ :" فإن قيل :لِمَ رُدَّ المحذوف في " أخوات " ولم يُرَدُّ في " بَنَات " ؟ قيل : [ حُمِلَ ]١٢ كلُّ واحد من الجَمْعَيْنِ على مذكَّرِهِ، فمذكر " بنات " لم يُرَدُّ إليه المحذوف بل قالوا فيه " بَنُون "، ومذكر " أخَوات " رُدَّ فيه محذوفه قالوا في جمع أخ، إخْوَة وإخوان ".
قال شهَابُ الدِّينِ١٣ :وهذا الذي قاله ليس بشيء ؛ لأنَّهُ أخذ جمع التَّكسير وهو إخوة وإخوان مقابلاً ل " أخوات " جمع التَّصْحِيحِ، فقال١٤ :رُدَّ في أخوات كما رُدَّ في إخوة، وهذا أيْضاً موجودٌ في بنات ؛ لأنَّ مذكَّره في التَّكسير رُدَّ إليه المحذوفُ قالوا :ابن وأبناء، ولمَّا جمعوا أخاً جمع السَّلامة قالوا فيه " أخُون " بالحذف، فردُّوا في تكسير ابن وأخ محذوفهما، ولم يَرُدُّوا في تصحيحهما، [ فبان ]١٥ فَسَادُ ما قال.

فصل :


اعلم أنَّ اللَّهَ تعالى نَصَّ على تحريم أرْبَعَةَ عَشَرَ صِنْفاً من النِّسْوَانِ، سبعة من جهة النَّسَبِ، وهُنَّ الأمَّهات [ والبنات، والأخوات، والعمات، والخالات، وبنات الأخ وبنات الأخت، وسبعة من غير النسب، وهن الأمهات المرضعات ]١٦ والأخوات من الرِّضاعة وأمهات النِّساء، وبنات النِّساء المدخُول بأمَّهاتِهِنَّ، وأزواج الأبْنَاءِ، وأزواج الآباء، وقد ذُكِرُوا في الآية المتقدمة، والجمع بين الأختين.

فصل


قال الكرخِيُّ١٧ :هذه الآية مجملة ؛ لأنَّهُ أضيفَ التَّحريم فيها إلى الأمَّهاتِ والبنات، والتحريم لا يمكن إضافَتُه إلى الأعْيَانِ، وإنَّمَا يضاف إلى الأفْعالِ، وذلك الفعل غير مذكُورٍ في الآية فليس إضافة هذا التحريم إلى بعض الأفْعالِ التي لا يمكن إيقاعها في ذوات الأمهات والبنات أوْلى من بعض، فصارت الآية مجملة على هذا الوجه.
قال ابن الخطيب١٨ :والجواب من وجهين :
الأول :أنَّ تقديمَ قوله ﴿ وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ ﴾ يدل على أنَّ المراد من قوله : ﴿ حرمت عليكم أمهاتكم ﴾ تحريم١٩ نكاحهن.
الثاني :أنَّ من المعلوم بالضَّرُورَةِ من دين مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم أنَّ المراد منه تحريم نكاحِهِنَّ، والأصل فيه أن الحرمة والإباحة إذا أضيفتا إلى الأعيان فالمراد تحريم الفعل المطلوب منها في العرف فإذا قيل ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ فهم كل أحد أنَّ المراد تحريم نكاحهن، ولما قال عليه السَّلام " لا يحل دم امرئ مُسْلِمٍ إلاَّ بإحدى ثلاث " ٢٠ فهم كل أحد أنَّ المراد لا يحلُّ إراقة دمه وَإذَا كان ذلك معلوماً بالضَّرُورَةِ، كان إلْقَاءُ الشُّبهات فيها جارياً مَجْرَى القَدْحِ في البديهيَّاتِ وشبه السُّفُسْطَائِيَّةِ.
بلى عندي فيه بحثٌ من وجوه أخرى٢١ :
أحدها :أن قوله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ مذكور على ما لَمْ يُسَمَّ فاعله، فليس فيه تصريح بأنَّ فَاعِلَ هذا التحريم هو اللَّهُ تعالى، وما لم يَثْبُتْ ذلك لم تُفِد الآية شيئاً آخر، ولا سبيل إليه إلا بإجماع، فهذه الآيةُ وحدها لا تفيد شيئاً، بل لا بد معها من الإجماع على هذه المقدمة.
وثانيها :أنَّ قوله تعالى ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ [ ليس ]٢٢ نصاً في ثبوت التحريم على سبيل التأبيد فَإنَّ القدر المذكور في الآية يمكن تقسيمه إلى المُؤقَّتِ، فإنَّهُ يقال تارة ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ ﴾ مؤقتاً " وحرمت عليكم [ أمهاتكم ]٢٣ " مؤبداً، وإذا كان ذلك صالحاً للتَّقْسِيمِ لم يكن نصاً في التَّأبيد فإذنْ لا يُسْتَفاد التأبيد إلاَّ من دليل منفصل.
وثالثها :أنَّ قوله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ ﴾ إخبار عن ثبوت هذا التحريم في الماضي، وظاهر اللفظ غير متناول للحاضر والمستقبل، فلا يعرف ذلك إلاَّ بدليل منفصل.
ورابعها :أنَّ هذه ظاهر قوله ﴿ حرمت عليكم [ أمهاتكم ]٢٤ يقتضي أنَّهُ قد حرَّم على كُلِّ أحدٍ جميع أمَّهَاتِهم، وجميع بَنَاتِهِمْ، ومعلوم أنَّه ليس كذلك، بل المقصود أنه تعالى قابل الدمع بالجمع، فيقتضي مقابلة الفَرْدِ بالفَرْدِ، فَهَذَا يقتضي أن الله تعالى قَدَّ حرَّمَ على كُلِّ أحَدٍ أمّه خاصة، وأخته٢٥ خاصة، وهذا فيه نوع عدول عن الظاهر.
خامسها :أنَّ قوله : ﴿ حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ ﴾ يشعر ظاهره بسبق الحل، إذ لو كَانَ أبداً موصوفاً بالحرمة، لكان قوله ﴿ حُرِّمَتْ ﴾ تحريماً لما هو في نفسه حرام، فيكونُ ذلك إيْجَاد الموجود، وهو محالٌ ؛ فثبت أنَّ المراد من قوله : ﴿ حُرِّمَتْ ﴾ ليس تجديد التحريم، حتى يلزم الإشكال، بل المراد الإخْبَار عن حُصُولِ التحريم فثبت بهذه الوجوه أن ظاهر الآية وحده غير كاف في ثبوت المطلوب.

فصل [ حرمة الأمهات ثابتة من زمن آدم ]


حرمة الأمهات والبنات كانت ثابتة من زمن آدم - عليه السلام - إلى زماننا ولم يثبت حل نكاحهن في شيء من الأدْيَان الإلهيَّة إلا ما نقل عن زرادشت رسول المجوس أنَّهُ قال بحله، وأكثر المسلمين اتفقوا على أنَّهُ كان كذاباً، وأما نكاح الأخَوَاتِ فقد نُقِلَ :أنَّهُ كان مُبَاحاً في زَمَنِ آدم عليه السلام، وَإنَّمَا أبَاحَهُ الله للضرورة، وأنكر بَعْضُهُمْ ذلك، وقال :إنَّهُ تعالى كان يَبْعَثُ الجواري من الجنَّةِ ليتزوّج بهنَّ أبناء آدم عليه السَّلامِ، ويبعث أيضاً لبنات آدم من يتزوج بهن من الحور، وهذا بعيد ؛ لأنَّهُ إذا كان زوجات أبنائه وأزواج بناته من الجنة فحينئذٍ لا يكون هذا النسل من أوْلادِ آدم فقط، وذلك باطل بالإجماع.

فصل [ سبب التحريم ]


ذكر العلماءُ أنَّ سبب التحريم منه أنَّ الوطءَ إذلالٌ وإهانةٌ، فإنَّ الإنسان يستحي من ذكره، ولا يقدمُ عليه إلاَّ في الموضع الخالي، وأكثر أنواع الشتم لا يكون إلا بذكره، وإذَا كان الأمر كَذَلِكَ ؛ وَجَبَ صونُ الأمَّهات [ عنه ؛ لأنَّ إنعام الأم ]٢٦ على الولد أعظم وجوه الإنعام ؛ فوجب صونُهَا عن هذا الإذلاَلِ، والبنتُ بمنزلة جزء من الإنسان وبعض منه، قال عليه السَّلام :" فَاطِمَةُ بضْعَةٌ مِنِّي " فيجبُ صونها عن هذا الإذلال، وكذا القول في البقية.

فصل


كلُّ امرأةٍ يرجع نسبك إلَيْهَا بالولادة من جهة أبيك أو من جهة أمِّكَ بدرجة أو درجات سواءَ رجعت إليها بذكور، أو بإناث فهي أمُّك، ثمَّ هنا بحث، وهو أنَّ لفظ الأم إن كان حقيقة في الأم الأصلية وفي الجدات، فَإمَّا أنْ يكون لفظ الأمّ متواطئاً أو مشتركاً فإن كان متواطئاً أعْنِي أن يكون موضوعاً بإزَاءِ قَدْرٍ مُشْتَركٍ بين الأمّ الأصليَّة، وبين سائر الجدّات، فتكون الآية نَصاً في تحريم الأمِّ الأصليَّة وفي الجدَّات، وأمَّا إن كان لفظ " الأمّ " مشتركاً في الأم الأصليَّة وفي الجدّات فهذا تفريع على أنَّ اللَّفظ المشترك بين أمرين هل يجوزُ استعماله فيهما معاً أم لا ؟ فمن جَوَّزَهُ حمل اللَّفظ هنا على الكُلِّ، [ وحينئذ يكون تحريم الجدات منصوصاً عليه، ومنهم ]٢٧ من لم يجوزه، والقائلون بذلك لهم طريقان في هذا الوَضْعِ :
أحدُهُما :أنَّ لفظ الأمِّ إنْ أُريد به ههنا الأم الأصليَّة فتحريمُ نكاحها هنا مستفادٌ بالنصّ، وَأمَّا تحريمُ نكاح الجدَّاتِ فَمُسْتَفادٌ مِنَ الإجماع٢٨.
الثاني :أنَّهُ تعالى تكلم بهذه الآية مرَّتين، يريدُ في كلِّ مرَّةٍ مفهوماً آخر.
وَإنْ كان لفظ " الأمِّ " حقيقة في الأمّ الأصليَّة، مجازاً في الجدَّات، فقد ثبت أنَّهُ لا يَجُوزُ استعمال اللَّفْظِ الوَاحِدِ دفعةً واحدةً في حقيقته ومجازه معاً، وحينئذٍ يرجع الطريقان المذكوران [ للأول ]٢٩، وَكُلُّ أنثى٣٠ رجع نسبها إليك بالولادة بدرجة أو بدرجات، بإنَاثٍ، أو بِذُكُورٍ، فهي بنتُكَ، وهل بِنْتُ الابْنِ وبِنْتُ البِنْتِ تسمّى هنا حقيقة أوْ مجازاً ؟ فيه البحث كما في الأمِّ.

فصل هل زواج الرجل بأمه يوجب الحد


قال الشَّافِعِيّ :إذا تزوَّج الرَّجُل بأمِّهِ ودخل بها، لزمه الح
١ سقط في ب..
٢ في أ: فإنها..
٣ ينظر: الدر المصون ٢/٣٤٠..
٤ البيت لمروان بن الحكم ينظر المقتضب ٣/١٦٩ وشرح المفصل لابن يعيش ١٠/٣ والهمع ١/٢٣ والدرر ١/٦ وشواهد الشافية ٣٠٨ واللسان (أمم) ورصف المباني ص ٤٠١ وسر صناعة الإعراب ٢/٥٦٤ والدر المصون ٣/٣٤١..
٥ البيت لقصي بن كلاب. ينظر المحتسب ٢/٢٣٤ والخزانة ٣/٣٠٦ وشرح المفصل لابن يعيش ١٠/٣ والدرر ١/٥ والهمع ١/٢٣ والدر المصون ٢/٣٤١..
٦ في ب: ألم تر..
٧ في ب: قال..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٧٤..
٩ سقط في ب..
١٠ ينظر: الدر المصون ٢/٣٤١..
١١ ينظر: الإملاء ١/١٧٤..
١٢ سقط في ب..
١٣ ينظر: الدر المصون ٢/٣٤١..
١٤ في ب: فقالوا..
١٥ سقط في ب..
١٦ سقط في أ..
١٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٢١..
١٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٢١..
١٩ في ب: المراد تحريم..
٢٠ أخرجه البخاري (١٢/٢٠٩) كتاب الديات: باب قول الله تعالى: ﴿أن النفس بالنفس﴾ حديث (٦٨٧٨) ومسلم (٣/١٣٠٢) كتاب القسامة: باب ما يباح به دم المسلم..
٢١ في ب: آخر..
٢٢ سقط في أ..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ في ب: وبنته..
٢٦ سقط في أ..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ هو لغة يطلق بمعنيين: أحدهما: العزم على الشيء والإمضاء، ومنه قوله تعالى: ﴿فأجمعوا أمركم﴾ [سورة يونس: ٧١] أي: اعزموا، وقوله عليه السلام: لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل، ونقض ابن العارض المعتزلي هذا بأن إجماع الأمة يتعدى بـ (على)، والإجماع بمعنى العزيمة وقطع الرؤية لا يتعدى بـ (على).
وحكى ابن فارس في "المقاييس" أجمعت على الأمر، إجماعا وأجمعته، نعم، تعديته بنفسه أفصح.
والثاني: الاتفاق، ومنه أجمع القوم: إذا صاروا ذوي جمع. قال الفارسي: كما يقال: ألبن وأتمر، إذا صار ذا لبن وتمر.
وحكى عبد الوهاب في "الملخص" عن قوم: منع كونه بمعنى الإجماع كما ظنه ظانون لتغايرهما؛ إذ يصح من الواحد أن يقول: أجمعت رأيي على كذا، أي عزمت عليه، ولا يصح الإجماع إلا من اثنين، والصحيح هو الأول. ثم قال الغزالي: هو مشترك بينهما. وقال القاضي: العزم يرجع إلى الاتفاق؛ لأن من اتفق على شيء فقد عزم عليه. وقال ابن برهان وابن السمعاني: الأول أشبه باللغة، والثاني أشبه بالشرع. قالا: وتظهر فائدتهما في أن الإجماع من الواحد هل يصح؟ فعلى المعنى الأول ـ لا يصح إلا من جماعة، وعلى المعنى الثاني ـ يصح الإجماع من الواحد.
وأما في الاصطلاح: فهو اتفاق مجتهدي أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد وفاته في حادثة على أمر من الأمور في عصر من الأعصار.
فخرج اتفاق العوام، فلا عبرة بوفاقهم ولا خلافهم، ويخرج أيضا، اتفاق بعض المجتهدين. وبالإضافة إلى "أمة محمد" خرج اتفاق الأمم السابقة. وإن قيل: بأنه حجة على رأي، لكن الكلام في الإجماع الذي هو حجة.
وقولنا: "بعد وفاته" قيد لابد منه على رأيهم، فإن الإجماع لا ينعقد في زمانه ـ عليه السلام ـ كما سنذكره.
وخرج بالحادثة انعقاد الإجماع على الحكم الثابت بالنص والعمل به، وقولنا: "على أمر من الأمور" يتناول الشرعيات والعقليات والعرفيات واللغويات.
وقولنا: "في عصر من الأعصار" ليرفع وهم من يتوهم أن المراد بالمجتهدين من يوجد إلى يوم القيامة. وهذا التوهم باطل: فإنه يؤدي إلى عدم تصور الإجماع، والمراد بالعصر هنا: من كان من أهل الاجتهاد في الوقت الذي حدثت فيه المسألة، وظهر الكلام فيها ـ فهو من أهل ذلك العصر، ومن بلغ هذا بعد حدوثها فليس من أهل ذلك العصر.
هكذا ذكره الإمام محمد القاسم الزجاج في كتابه: "البيان عن أصول الفقه".
ينظر: البرهان لإمام الحرمين ١/٦٧٠، البحر المحيط للزركشي ٤/٤٣٥، الإحكام في أصول الأحكام للآمدي ١/١٧٩، سلاسل الذهب للزركشي ص ٣٣٧، التمهيد للإسنوي ص ٤٥١، نهاية السول له ٣/٢٣٧، زوائد الأصول له ص ٣٦٢، منهاج العقول للبدخشي ٢/٣٧٧، غاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري ص ٢٠٩، التحصيل من المحصول للأرموي ٢/٣٧؛ المنخول للغزالي ص ٣٠٣، المستصفى له ١/١٧٣، حاشية البناني ٢/١٧٦، الإبهاج لابن السبكي ٢/٣٤٩، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ٣/٢٨٧، حاشية العطار على جمع الجوامع ٢/٢٠٩، المعتمد لأبي الحسين ٢/٣، إحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي ص ٤٣٥، التحرير لابن الهمام ص ٣٩٩، تيسير التحرير لأمير بادشاه ٣/٢٢٤، التقرير والتحبير لابن أمير الحاج ٣/١٨٠، حاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى ٢/٣٤، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ٢/٤١، حاشية نسمات الأسحار لابن عابدين ص ٢٠٩، شرح المنار لابن ملك ص ٩٩، الوجيز للكراماستي ص ٦١، تقريب الوصول لابن جزي ص ١٢٩، إرشاد الفحول للشوكاني ص ٧١، شرح مختصر المنار للكوراني ص ٩٩، نشر البنوذ للشنقيطي ٢/٧٤، شرح الكوكب المنير للفتوحي ص ٢٢٥..

٢٩ سقط في أ..
٣٠ في أ: التي..
قوله تعالى ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ ﴾ قرأ١ الجمهور ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ ﴾ بفتح الصاد سواء كانت معرفة بأل أم نكرة والكسائي بكسرها٢ في الجميع إلاَّ في قوله ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ ﴾ في هذه الآية فَإنَّهُ وافق الجمهور فأما الفتح ففيه وجهان٣ :
أشهرهما٤ :أنَّهُ أسْنَدَ الإحصان إلى غيرهن، وهو إما الأزْوَاجُ أو الأولياء، فَإنَّ الزَّوج يحصن امرأته أي يعفها، والولي يحصنها بالتَّزويج أيضاً واللَّهُ يحصنها بذلك.
والثَّاني :أنَّ هَذَا المفتوح الصاد بمنزلة المكسور منها٥، يعني :أنه اسم فاعل، وَإنَّمَا شذ فتح عين اسم الفاعل في ثلاثة ألفاظ أحصن، فهو مُحْصَنٌ، وَألقح فهو مُلْقَحٌ، وأسْهَبَ فهو مُسْهَبُ، وَأمَّا الكسرُ فَإنَّهُ أسند الإحصان إليهن ؛ لأنَّهُنَّ يحصن أنفسهن بعفافهن، أو يحصن فروجهن بالحفظ، أو يحصن أزواجهن، وَأمَّا استثناء الكسائي الآية التي٦ هنا قال :لأن المراد بهن المُزَوَّجَات، [ فالمعنى أنَّ أزواجهن أحصنوهن فهنَّ مفعولات، وهذا على أحد الأقوال في المحصناتِ هنا منهنَّ على أنَّهُ قد قُرِئَ شاذاً بالكسر في هذا أيضاً قال :وإنْ أُرِيدَ بهن المزوّجات ] ؛ لأنَّ المراد أحصن أزواجهن، و فروجهن وهو ظاهر.
وقرأ يزيد بن٧ قطيب :" والمُحْصُنات " بضمّ الصّاد كأنَّهُ لم يعتد بالساكن فأتبع الصّاد للميم كقولهم :" مَنْتُن "، وأصل هذه المادة الدَّلالة على المنع ومنه الحصن ؛ لأنَّهُ يمنع به، و " حصان " بالكَسْرِ للفرس من ذلك، ومدينة حصينةٌ ودرع حصينة أي :مَانِعَةٌ صاحبها من الجراح، قال تعالى ﴿ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ ﴾٨ [ الأنبياء :٨٠ ] أي :لتمنعكم، والحَصَانُ :بالفتح المرأة العفيفة ؛ لمنعها فرجها من الفَسَادِ، قال تعالى :
﴿ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ ﴾ [ التحريم :١٢ ]، ويقال :أحْصَنَتِ المرأةُ وَحَصُنَتْ، ومصدر حَصُنَتْ :" حصن " عن سيبويه، و " حصانة " عن الكِسَائِيِّ، وأبي عبيدةَ، واسمُ الفاعل من أحْصَنَتْ٩ مُحْصَنَةٌ، ومن حَصُنَت حَاصِنٌ، قال الشاعر : [ الرجز ]
حَاصِنٍ مِنْ حَاصِنَاتٍ مُلْسِ مِن الأذى وَمِنْ قرافِ الْوَقْسِ١٠
ويقالُ لها " حصان " كما تقدم [ بفتح الحاء ]١١ قال [ حَسَّان ]١٢ يصف عائشة رضي الله عنها : [ الطويل ]
حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تُزنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ١٣

فصل [ معنى الإحصان ]


والإحْصَان ورد في القرآن [ بإزاء ]١٤ أربعة معان :التزّوج كهذه ١٥الآية لأنَّهُ١٦ عطفت المحصنات على المحرّمات، فلا بدّ وأنْ يكون الإحصان سبباً للحرمة، ومعلوم أن الحرية والعفاف، والإسلام لها تأثير لها١٧ في ذلك، والمرْأةُ المزوّجة١٨ محرمة على الْغَيْرِ.
الثَّاني :العِفَّةُ قال تعالى : ﴿ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ ﴾ [ النساء :٢٥ ] وقوله
﴿ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ ﴾ [ المائدة :٥ ] ﴿ وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا ﴾ [ الأنبياء :٩١ ] أي :أعَفَّتْهُ.
الثالث :الحرية في قوله : ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾ [ النور :٤ ] يعني الحرائر ؛ لأنَّهُ لو قَذَفَ غَيْرَ حرَّةٍ لم يجلد ثمانين جلدة. وكذا قوله ﴿ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ﴾ [ النساء :٢٥ ] وقوله : ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [ النساء :٢٥ ].
الرَّابعُ :الإسلام قال تعالى : ﴿ فَإِذَا أُحْصِنَّ ﴾ قيل في تفسيره فإذا أسْلَمْنَ، وهذا يقع معرفته في الاستثناء الواقع بعده، وهو قول بعض العلماء، فإنْ أُرِيدَ به هنا التَّزوج كان المعنى :وحرمت عليكم المحصنات أي المتزوجات١٩، قال أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ نزلت في نساء كُنَّ يهاجرن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولهنَّ أزواج فيتزوّجْنَ بعض المسلمين، ثم يقدم٢٠ أزواجهن مهاجرين فَنَهى اللَّهُ عن نكاحهن [ ثم استثنى ]٢١ فقال : ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يعني بالسّبي، [ ولهن أزواج في دار الحرب يحل لمالكهن وطؤهنّ بعد الاستبراء ؛ لأنَّ بالسّبي ] يرتفع٢٢ النِّكاح بينها وبين زوجها.
قال أبُو سَعيدٍ الخُدْرِيُّ :بعث رسولُ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم يوم حنين جيشاً إلى أوطاس فأصابوا سبايا لَهُنَّ أزْوَاج من المشركين فكرهوا غشيانهن٢٣ وتحرجوا، فأنزل الله هذه الآية٢٤.
وقال عطاءٌ :يريد٢٥ أنْ تكون أمته في نكاح عبده يجوز أن ينزعها منه.
وقال ابن مسعود :أرَادَ أنْ يبيع الجارية المزوّجة فتقع الفرقة بينها وبين زوجها، ويكون بيعها طلاقاً فيحل للمشتري وطؤها وهذا قول أبيّ بن كعب وابن مسعود، وابن عبَّاسٍ، وجابر، وأنس - رضي الله عنهم - وقال علي، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف :إنَّ الأمة المزوجة إذَا بيعت لا يقع عليها الطَّلاق، وعليه إجْمَاعُ الفقهاء اليوم ؛ لأنَّ عائشة - رضي الله عنها - لما اشترت بريرة وأعتقتها خيرها النَّبي صلى الله عليه وسلم وكانت متزوجة٢٦ فلو وقع الطلاق بالبيع لما كان في ذلك فائدة، وحجة الأوَّلين ما روي في قصة بَريرةَ أنَّه عليه الصلاة والسَّلامُ قال :" بيع الأمة طلاقها " قالوا :فَإذَا ملكت الأمة حَلَّ وطؤها سواء ملكت بشراء، أو هبة أوْ إرث ويدل على أنَّ مُجَرَّد السّبي يحلُّ الأمة قول الْفَرَزْدَق : [ الطويل ]
وذَاتِ حَلِيلٍ أنْكَحَتْهَا رِمَاحُنَا حَلاَلٌ لِمَنْ يَبْنِي بِهَا لَمْ تُطَلَّقِ٢٧
يعني :أنَّ مجرد سبائها أحَلَّهَا بعد الاستبراء، وإنْ أُريد به الإسلام، أو العفّة فالمعنى :أنَّ المسلمات العفيفات حرام كلهنَّ، [ يعني ]٢٨ فلا يزنى بهن إلا مَا مُلِكَ منهنّ بتزويج نكاح جديد بعد وقوعه البَيْنُونَةِ بينهن وبين أزواجهم أو ما ملكت يمين إن كانت المرأة مملوكة، فيكون المراد بما ملكت أيمانكم٢٩ التّسلط عليهن، وهو قدر مشتركٌ، وعلى هذه الأوجه الثَّلاثة يكون الاستثناء متصلاً، وإذا أريد الحرائر، فالمرادُ إلا بما ملكت [ أيمانكم ]٣٠ بملك اليمين ويدل عليه قوله بعد ذلك ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ﴾ فكان المراد [ بالمحصنات هنا هو المراد ]٣١ هناك، وعلى هذا ففي قوله ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ﴾ وجهان :
الأوَّلُ :أنَّ المراد منه إلاَّ العقد الذي جعله اللَّه تعالى ملكاً لكم وهو الأربع.
والثَّاني :أنَّ الحرائرَ محرمات عليكم إلا ما أثبت اللَّهُ لكم ملكاً عليهنَّ بحضور الولي والشُّهود والشُّروط المعتبرة في النِّكاح، وعلى هذا [ فَإنَّ ]٣٢ الاستثناء منقطع.
قوله ﴿ مِنَ٣٣ النِّسَاءِ ﴾ في محلِّ نصب على الحال كنظيره المتقدّم.
وقال مَكِّيٌّ :فائدةُ [ قوله ] ﴿ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ أنَّ المحصنات يقع على الأنفس فقوله : ﴿ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ يرفع ذلك الاحتمال، والدَّلِيلًُ على أنَّهُ يراد ب " المحصنات " الأنفس قوله
﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ﴾. فلو أُرِيدَ به النِّساء خاصَّةً لما حُدَّ مِنْ قذف رجلاً بنصّ القرآن، وقد أجمعوا على أنَّ حدَّه بهذا النَّص. انتهى.
قال شهَابُ الدِّينِ :وهذا كلام عجيبٌ ؛ لأنَّهُ بعد تسليم ما قاله في آية النُّور كيف يتوهَّم ذلك هنا أحد من النَّاس.

فصل [ في سبي أحد الزوجين ]


اتَّفَقُوا على أنَّهُ إذَا سبي أحد الزَّوْجَيْنِ قبل الآخر وأخرج إلى دار الإسلام وقعت الفرقة بينهما، فإنْ سُبِيَا معاً، قال الشَّافِعِيُّ :تزول الزَّوجيّة ويستبرئها المالك.
وقال أبُو حَنِيفَةَ لا تزول الزَّوجيَِّة.
واستدلَّ الشافعيُّ بقوله ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ ﴾ فيقتضي تحريم ذوات الأزواج ثم قال ﴿ إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أَيْمَانُكُمْ ﴾ يقتضي أن عند طريان الملك ترتفع٣٤ الحرمة ويحصل الحل.
قال أبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ٣٥ :إن حصلت الفُرْقَةُ بمجرد طريان الملك فوجب أن تقع الفرقة بشراء الأمة واتهابها [ وإرثها ]٣٦ وليس ذلك واجب، فإنَّ العام بعد التَّخصيص حجة في الباقي، وأيضاً فالحاصل عن السَّبي إحداث الملك، وعند البيع نقل الملك من شخص إلى شخص، فكان الأوَّل أقوى.
قوله [ ﴿ كِتَابَ اللَّهِ ﴾ ] ٣٧ في نصبه ثلاثة أوجه :
أظهرها :أنَّهُ منصوبٌ على أنَّهُ مصدر مؤكّد بمضمون الجملة المتقدِّمة قبله، وهي قوله ﴿ حُرِّمَتْ [ عَلَيْكُمْ ﴾٣٨ ] ونصبه بفعل مقدر [ تقديره ]٣٩ كتب الله ذلك عليكم كتاباً، والمعنى :كتب اللَّهُ عليكم تحريم ما تقدَّمَ ذكره من المحرمات كتَاباً مِنَ اللَّهِ، ومجيء المصدر من غير لفظ الفعل كثير. قال تعالى ﴿ وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ ﴾ [ النمل :٨٨ ]، وأبعد عبيدة السلماني في جعله هذا المصدر مؤكداً لمضمون الجملة من قوله تعالى ﴿ فانكحوا ما طاب لكم [ من النساء ﴾ ] ٤٠.
الثاني :أنه منصوب على الإغراء ب " عليكم " والتقدير :عليكم كتاب الله، أي :الزموه كقوله تعالى ﴿ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَّن ضَلَّ ﴾ [ المائدة :١٠٥ ] وهذا رأي الكِسَائيِّ ومن تابعه أجازوا تقديمَ المنصوب في باب الإغراء مستدلِّينَ بهذه الآية، وبقول الشَّاعِرِ٤١ : [ الرجز ]
يَأيُّهَا المَائِحُ دَلْوِي دُونَكَا إنِّي رَأيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونَكَا٤٢
ف " دَلْوِي " منصوبٌ بدونك تقَدَّمَ، والبصريون يمنعون ذلك، قالوا :لأنَّ العامل ضعيف، وتأوَّلُوا الآية [ على ما تَقَدَّمَ ]٤٣ والبيتَ على أنَّ " دَلْوِي " منصوب بالمائِحِ أي :الَّذِي مَاحَ دلوي.
والثَّالثُ :أنَّهُ منصوبٌ بإضْمَارِ فعل أي :الزموا كِتَابَ اللَّهِ [ وهذا قريب من الآخر.
وقال أبُو الْبَقَاءِ٤٤ :هذا الوجه تقديره :الزموا كِتَاب اللَّهِ ]٤٥ وعليكم :إغراء يعني :أنَّ مفعوله قد حُذِفَ للدلاَلَةِ ب ﴿ كِتَابَ اللَّهِ ﴾ عليه. أيْ عليكم ذلك فيكون أكثر تأكيداً، وأمَّا عليكم فقال أبُو الْبَقَاءِ :إنَّهَا على القَوْلِ بأنَّ كِتَابَ اللَّهِ مصدرٌ يتعلَّقُ بذلك الفعل المقدر النَّاصب لكتاب، ولا يتعلَّق بالمصدر وقال :لأنَّهُ هنا فَضْلة، قال :وقيل :يتعلَّق بنفس المصدر ؛ لأنَّهُ ناب عن الفعل٤٦ حيثُ لم يذكر معه فهو كقولك :مروراً بِزَيْدٍ، قلت وَأمَّا على القول بأنَّهُ [ إغراء فلا محل له من الإعراب لأنه واقع موقع فعل الأمر وأما على القول بأنَّه ]٤٧ منصوبٌ بإضْمَارِ فعل أي الزموا فَعَلَيْكُمْ متعلِّقٌ بنفس كتاب، أو محذوف على أنَّهُ حالٌ منه.
وقرأ أبُو٤٨ حَيْوَةَ " كتب الله " على أن " كتب " فعل ماض و " الله " فاعل به، وهو يؤيدُ كونه منصوباً على المصدر المؤكد.
وقرأ ابنُُ٤٩ السّميفع اليمانيُّ " كُتُبُ الله " جعله جَمْعاً مرفوعاً مضافاً للَّهِ تعالى على أنَّهُ خبر مبتدأ محذوف تقدير
١ انظر: السبعة ٢٣٠، والحجة ٣/١٤٦ ـ ١٤٧، وإعراب القراءات ١/١٣١، وحجة القراءات ١٩٦، ١٩٧، وشرح الطيبة ٤/٢٠١، وشرح شعلة ٣٣٧، والعنوان ٨٤، وإتحاف ١/٥٠٨..
٢ في أ: يلبسوها..
٣ في أ: لغتان..
٤ في أ: أحدهما..
٥ في أ: لمكسورها..
٦ في أ: الذي..
٧ انظر: المحرر الوجيز ٢/٣٥، والبحر المحيط ٣/٢٢٢، والدر المصون ٢/٣٤٤..
٨ في أ: فيحصنكم..
٩ في أ: حصينا..
١٠ البيت للعجاج ينظر ديوانه ٢/٢٠٩ والبحر ٣/٢٠٣. والطبري (٨/١٦٥) والدر المصون ٢/٣٤٤..
١١ سقط في أ..
١٢ سقط في أ..
١٣ ينظر البيت في ديوانه ص ٢٢٨، والإنصاف ٢/٧٥٩، ولسان العرب (حصن)، وإصلاح المنطق ص ٢٨٠، والدر المصون ٢/٣٤٤..
١٤ سقط في أ..
١٥ في أ: بهذه..
١٦ في أ: فإنه..
١٧ في أ: له..
١٨ في أ: الزوجة..
١٩ في أ: المزوجات..
٢٠ في أ: قدم..
٢١ سقط في أ..
٢٢ في أ: يمتنع..
٢٣ في أ: إغشائهن..
٢٤ أخرجه مسلم (١/٤١٧) والترمذي (٤/٧٦) والنسائي (٢/٨٥) وأبو داود (٢١٥٥) والطيالسي (٢٢٣٩) وأحمد (٣/٨٤) والبيهقي (٧/١٦٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٤٦) وزاد نسبته للفريابي وابن أبي شيبة وأبي يعلى والطحاوي وابن حبان وابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري..
٢٥ في أ: أراد..
٢٦ في أ: مزوجة..
٢٧ تقدم..
٢٨ سقط في ب..
٢٩ في أ: أيمانهن..
٣٠ سقط في ب..
٣١ سقط في أ..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ سقط في أ..
٣٤ في أ: تقع..
٣٥ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٣٤، ٣٥..
٣٦ سقط في أ..
٣٧ سقط في أ..
٣٨ سقط في ب..
٣٩ سقط في ب..
٤٠ سقط في ب..
٤١ في أ: وتقول الأئمة..
٤٢ البيت لجارية بن مازن ينظر الدرر ٢/١٣٨ وشرح المفصل لابن يعيش ١/١١٧ وأوضح المسالك ٣/١٢١ والإنصاف ٢٢٨ والدر المصون ٢/٣٤٥..
٤٣ سقط في ب..
٤٤ ينظر: الإملاء ١/١٧٥..
٤٥ سقط في ب..
٤٦ في أ: الفاعل..
٤٧ سقط في أ..
٤٨ ونسبها ابن عطية في المحرر (٢/٣٦) إلى محمد بن السميفع اليماني. وانظر: البحر المحيط ٣/٢٢٣، والدر المصون ٢/٣٤٦..
٤٩ انظر: الدر المصون ٢/٣٤٦..
قوله تعالى ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ الآية " من " شرطية وهو الظَّاهِرُ، ويجوز أن تكون موصولة، وقوله ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ﴾ إما جواب الشَّرط، وإمَّا خبر الموصول، وشروط دخول الفاء في الخبر موجودة و ﴿ مِنكُمْ ﴾ في محلِّ نصب على الحال من فاعل ﴿ يَسْتَطِعْ ﴾ وفي نصب ﴿ طَوْلاً ﴾ ثلاثة أوْجُهٍ :
أظهرُهَا :أنَّهُ مفعول ب " يستطيع " وفي قوله " أنْ ينكح " على هذا ثلاثة أوجه :
أحدها :أنَّه في محلِّ نصبٍ ب " طولاً " على أنَّهُ مفعول بالمصدر المنون ؛ لأنَّه مصدر ؛ وطلت الشيء أي :نلتُهُ، والتَّقدير :ومن لم يستطع أنْ ينال نكاح المحصنات [ المؤمنات ]، ومثله قول الفَرَزْدَقِ : [ الكامل ]
إنَّ الْفَرَزْدَقَ صَخْرَةٌ مَلْمُومَةٌ طَالَتْ فَلَيْسَ يَنَالُهَا الأوْعَالاَ١
أي :طالت الأوْعَالُ فلم تَنْلها، وإعمالُ المصدر المنوَّن كثير قال الشَّاعِرُ : [ الوافر ]
بِضَرْبٍ بِالسُّيُوفِ رُؤُوسَ قَوْمٍ أزَلْنَا هَامَهُنَّ عَنِ المَقِيلِ٢
وقول اللَّه تعالى ﴿ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً ذَا ﴾ [ البلد :١٤، ١٥ ] وهذا الوجه ذهب إليه الفارسي.
الثاني : ﴿ أَن يَنكِحَ ﴾ بدل من ﴿ طَوْلاً ﴾ بدل الشَّيْءِ من الشَّيْءِ ؛ لأنَّ الطول هو القدرة، أو الفضل، والنِّكاحُ قدرة وفضل.
الثَّالثُ :أنَّهُ على حذف حرف الجَرِّ، ثم اختلف هؤلاء، فمنهم مَنْ قَدَّرَهُ ب " إلى " أي :طولاً إلى أن ينكح المُحْصَنَاتِ، ومنهم من قَدَّرَهُ باللامِ أي :لأن ينكح، وعلى هذين التَّقديرين، فالجارّ٣ في محلِّ الصِّفَةِ لطولاً، فيتعلَّق بمحذوف، ثُمَّ لما حُذِفَ حرف الجرِّ فالخلاف المشهُورُ في محل " أن " أنصبٌ هو أم جرٌّ ؟.
وقيل :اللامُ المقدّرة مع " أنْ " هي لام المفعول من أجله، أي :لأجل نِكاحِهنَّ.
الوجه الثَّاني من نصب ﴿ طَوْلاً ﴾ :أن يكون مفعولاً له على حذف [ مضاف ] أي :ومن لم يستطع منكم لعدم طول نكاح المحصنات، وعلى هذا ف " أن ينكح " مفعول " يستطع " أي :ومن لم يستطع نكاح المُحْصَنَات لعدم الطَّوْلِ.
الوجه الثالثُ :أن يكون مَنْصُوباً على المصدر.
قال ابْنُ عَطيَّة٤ :ويصحُّ أن يكون طَوْلاً نصباً على المَصْدَرِ، والعامِلُ فيه الاستطاعة [ لأنَّهما بمعنى و ﴿ أَن يَنكِحَ ﴾، على هذا مفعول بالاستطاعة، أو ]٥ بالمصدر يعني أنَّ الطولَ هو استطاعة في المعنى، فَكَأنَّهُ قيل :ومن لم يستطع منكم استطاعة، والطَّوْلُ : [ الفضل ومنه ]٦ التطول وهو التَّفضل قال تعالى ﴿ ذِي الطَّوْلِ ﴾ [ غافر :٣ ] ويقال :تطاولَ لهذا الشَّيءِ أي تناوله كما يقالُ :يد فلان مبسوطة، وأصل هذه الكلمة من الطُّولِ الّذي هو ضدّ القصر ؛ لأنَّهُ إذَا كان طويلاً ففيه كمال وزيادة [ كما أنه إذا كان قصيراً ففيه قصور ونقصان، فسمى الغنى طولاً لأنه ينال به المراد ما لا ينال عند الفقر ]٧ كما أنَّ بالطول ينال ما لا ينال بالقصر.
قال ابنُ عبَِّاس ومُجاهدٌ وسعيدُ بنُ جبيرٍ والسُّديُّ وابنُ زيدٍ، ومالكٌ :" الطَّول هو السَّعة٨، والغنى " ٩ قيل :والطَّوْلُ :الحرة، ومعناه :أنَّ من عنده حرَّة لا يجوز له نكاح [ أمة ]١٠، وإن عَدمَ السَّعَةَ، وخاف العَنَتَ ؛ لأنَّهُ طالب شهوة وعنده امرأة، وهو قول أبِي حنيفَةَ [ وبه قال الطَّبرِيُّ ]١١.
وقال أبُو يُوسفَ :الطَّوْلُ هو وجود الحرَّة تحته، وقيل :الطَّوْلُ هو التَّجلد١٢ والصبر كمن أحبَّ أمةً، وهويها حتَّى صار لذلك لا يستطيع أن يتزوج [ عليها ]١٣ غيرها، فإنَّ له أن يتزوّج الأمَةَ إذا لم يملك مهرها، وخاف أن يبغي بها، وإن كان يجد سَعَةً في المال لِنِكَاحِ حرَّةٍ. وهذا قول قَتَادَةَ والنَّخَعِيِّ وعطاءٍ، وسفيان والثَّوْرِي نقله القُرْطُبِيُّ١٤.

فصل : [ تفسير المراد بالمحصنات ]


والمراد بالمحصنات ههنا الحرائر [ لأنه تعالى أثبت نكاح الإماء عند تعذر نكاح المحصنات، فلا بد أن يكون المراد بهن الحرائر ]١٥ ؛ لأنه ذكرهن كالضّد للإمَاء ووجه تسميتهن بالمحصنات على قراءة من فتح الصَّاد١٦ أنَّهن أحصن بحريتهن عن أحوال الإمَاءِ فإنَّ الأمَةَ تكونُ خراجةً مُمْتهنَةً مُبْتَذِلَةً في الظَّاهِرِ، والحرةُ مصونة عن هذه القَضَايَا، وأمَّا على قراءة كسر١٧ الصاد فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهنَّ.

فصل [ في شرط نكاح الأمة ]


دلَّتِ الآيَةُ على أنَّهُ لا يجوزُ للحرِّ نكاحُ الأمَةِ إلاَّ بشرطين ؛ وهما ألاَّ يجد مهر حرة، ولا ثمن أمة، وأنْ يخاف العَنَتَ، وهو قولٌ جائزٌ، وبه قال طاوس وعمرو بْنُ دينَار، وإليه ذهب مالكٌ والشَّافعيُّ وأحْمَدُ، وجوّز أصحابُ الرَّأي للحر نكاح الأمَةِ.
فإنْ قيل :أيُّ تفاوت بين ثمن الأمة، أو مهرها وبَيْنَ نكاح الحرَّة الفقيرة.
فَالجوابُ :أنَّ العادة١٨ كانت في الإماء١٩ التخفيف لاشتغالهن٢٠ بخدمةِ السَّيِّد فظهر التَّفَاوُتُ.

فصل [ في حكم نكاح الأمة الكتابية ]


دلَّت الآيةُ على أنَّهُ لا يجوز للمُسْلِم نكاحُ الأمَةِ الكتابيَّةِ لقوله : ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ ولقوله : ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾
[ المائدة :٥ ] ولأن الأمَةَ الكافرةَ ناقِصَةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ :
نَقْصُ الرِّقِّ، ونَقْصُ الكُفْرِ، والولدُ تابع للأمِّ في الحريةِ والرق، فيتعلَّقُ الولدُ رقيقاً على مِلْكِ الكافِرِ وجوز أبُو حنيفة ذلك لعموم قوله : ﴿ فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ﴾
[ النساء :٣ ] وقوله : ﴿ وَأَنْكِحُواْ الأَيَامَى مِنْكُمْ ﴾ [ النور :٣٢ ] وقوله : ﴿ وَأُحِلَّ لَكُمْ مَّا وَرَاءَ ذَلِكُمْ ﴾ وقوله : ﴿ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ﴾ [ المائدة :٥ ] والمراد بهذا الإحصان العفّة.
والجَوَابُ أنَّ آيتنا خاصةٌ، والخاص مُقَدَّمٌ على العام ؛ ولأنها دخلها التخصيص فيما إذا كان تحته حرّة، وَاتَّفَقُوا على أنَّهُ [ لا ]٢١ يجوزُ وطؤها بملك اليمين. انتهى.

فصل [ في شرط الإيمان ]


ظاهر قوله ﴿ وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ﴾ يقتضي كون الإيمان معتبراً من الحرَّة فعلى هذا لو قدر على طول حرّة كتابيَّة، ولم يقدر على طول أمةٍ٢٢ مسلمةٍ فإنَّهُ يجوزُ له أن يتزوّج بالأمةِ، وأكثرُ العُلماء على أنَّ ذكر الإيمان نذب في الحرائرِ، ولا فرق بين [ الأمة ]٢٣ المؤمنة والكتابيَّة في كثرة المؤمنة وقلتها.

فصل


في التَّحذيرِ من نكاح الإمَاءِ وجوهٌ منها :- الولد ينبع الأمَّ في الحريَّة والرِّق فيصير الولد رقيقاً.
قال عُمَرُ - رضي الله عنه - :أي حُرٍّ تَزوَّجَ٢٤ بأمَةٍ، فقد رَقّ نِصْفُهُ، يعني :يصير وَلَدُهُ رقيقاً.
وقال سعيدُ بْنُ جُبير :ما نكاح الأمة من الزِّنَا إلا قريب٢٥، قال الله تعالى : ﴿ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ ﴾ أي عنْ نِكَاحِ٢٦ الإمَاءِ.
ومنها أنَّ الأمَةَ تكون قد تعوّدت الخروجَ، والبروزَ والمخالطةَ للرِّجَالِ وصارت في غاية الوقَاحةِ، ورُبَّمَا تَعَوَّدَت الفجورَ.
ومنها أن حقّ المولى عليهم أعظم من حقِّ الزَّوْجِ، ولا تخلص للزَّوْج كخلوص الحُرَّةِ، وربَّما احتاج الزَّوْجُ إليها جداً، ولا يجد إليها سبيلاً [ لحبس السيّد لها ]٢٧.
ومنها أنَّ المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول بيع الأمَةِ يُوجِبُ طلاقها تصير مطلَّقَة شاء الزَّوْجُ أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يُسَافِر المولى بها وبولدها، وذلك من أعْظَمِ المَضَارّ.
ومنها أن مهرها ملك لمولاها، فلا تَقْدِرُ على هبته لِزوجهَا، ولا إبرائه بخلاف الحرَّةِ، فلهذه٢٨ الوجوه لم يُؤْذَنْ في نِكَاحِ الأمةِ إلا على سبيل الرُّخصةِ.
وروى أبُو هريرة قال :سَمِعْتُ رسولَ اللَّهَ صلى الله عليه وسلم يقول [ الحرائر ]٢٩ صلاح البيت والإماء هلاك البيت٣٠ أو قال " فساد البيت " ذكره القرطبي.
قوله :" فممّا " الفاء قد تقدّم أنَّها إمَّا جواب الشَّرط، وإمَّا زائدة في الخَبَرِ على حَسْبِ القولين في " من " وفي هذه الآية سبعة أوْجُهٍ :
أحدها :أنَّها متعلّقة بفعل مقدّر بعد الفاء تقديرُهُ :فينكحُ مِمَّا ملكت أيمانكم و " ما " على هذا موصولة بمعنى الذي أي :نوع الّذي ملكته، ومفعولُ ذلك الفعل المقدّر محذوفٌ تقديرهُ :فَيَنْكِحُ امرأة، أو أمَةً مما ملكته أيمانكم ؛ ف " مِمَّا " في الحقيقة متعلق بمحذوف لأنَّهُ صفة لذلك المفعولِ المحذُوفِ و " من " للتَّبعيضِ، نحو :أكلتُ مِنَ الرَّغيفِ، و ﴿ مِّن فَتَيَاتِكُمُ ﴾ في محلِّ نصب على الحال من الضَّمير المقدّر في " ملكت " العائد على [ " مَا " ]٣١ الموصولة و ﴿ الْمُؤْمِنَات ﴾ صفة لفتياتكم.
الثَّاني :أن تكون " مِنْ " زائدة و " ما " هي المفعولة بذلك الفعل المقدَّر أي :فلينكح ما ملكته أيمانكم.
الثَّالثُ :أنَّ " مِنْ " في ﴿ مِّن فَتَيَاتِكُمُ ﴾ زائدة و ﴿ فَتَيَاتِكُمُ ﴾ هو مفعولُ ذلك الفعل المقدَّرِ أي :فلينكح فتياتكم، و " مما ملكت " متعلق بنفس الفعل و " من " لابتداء الغاية، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من " فتياتكم " قدم عليها و " من " للتَّبعيضِ.
الرَّابعُ :أن مفعول " فلينكح " [ هو المؤمنات أي :فلينكح ]٣٢ المؤمنات الفتيات و " مما ملكت " على ما تقدَّم في الوجْهِ قبله و " من فتياتكم " حال من ذلك العائد المحذوف.
الخامِسُ :أنَّ مما في محَلِّ رفع خبراً لمبتدأ محذوف تقديره :فالمنكوحَةُ مِمَّا ملكت [ أيمانكم ]٣٣.
السَّادس :أن " ما " في " مِمَّا " مصدريَّةٌ أي :فلينكح من ملك أيمانكم، ولا بدَّ أن يكون هذا المصدر واقعاً موقع المفعولِ نحو : ﴿ هَذَا خَلْقُ اللَّهِ ﴾ [ لقمان :١١ ] ليصحّ٣٤ [ وقوع ]٣٥ النكاح [ عليه ]٣٦.
السَّابعُ :وهو أغربها ونقل عن جماعة منهم ابن جرير أنَّ في الآية تقديماً وتأخيراًَ وأنَّ التقدير :ومنْ لَمْ يستطعْ منكمْ [ طولاً ]٣٧ أنْ ينكحَ المُحْصنَاتِ المُؤْمِنَاتِ فلينكح بعضكم من بعض الفتيات، فبعضكم فاعل ذلك [ الفعل ]٣٨ المقدّر، فعلى هذا يكون قوله ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ ﴾ معترضاً بين ذلك الفعل المقدَّر وفاعله، ومثل هذا لا ينبغي أن يقال.

فصل


قال ابن عباس :يُريدُ بقوله ﴿ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم ﴾ أي :فليتزوّج جاريةَ أخيه٣٩، فإنَّ الإنسانَ لا يجوز له أن يتزوّج بجارية نفسه، والفتيات المملوكات جمع فتاةٍ تقُولُ العربُ للأمة :فتاة، وللعبد :فتى، قال عليه السلامَ :" لا يَقُولَنَّ أحدكُم عَبْدِي، ولا أمَتِي، وَلكِنْ لِيَقُلْ فَتَاي وفَتَاتِي " ويقالُ للجارية الحديثة :فتاة، والغلام، فتى، والغلام، فتى، والأمة تسمى فَتَاة.
قوله :{ وا
١ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٢٣٠، والدر المصون ٢/٣٤٨..
٢ البيت للمرار بن منقذ التميمي ينظر في المقاصد النحوية ٣/٤٩٩، شرح أبيات سيبويه ١/٣٩٣، وشرح الأشموني ٢/٣٣٣، وشرح ابن عقيل ص ٤١١، وشرح المفصل ٦/٦١، والكتاب ١/١١٦، ١٩٠، واللمع ص ٢٧٠، والمحتسب ١/٢١٩، والدر المصون ٢/٣٤٨..
٣ في أ: فالجواب..
٤ سقط في أ..
٥ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٣٧..
٦ سقط في ب..
٧ سقط في أ..
٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨٢ ـ ١٨٣) عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير السدي..
٩ في أ: والتي..
١٠ سقط في أ..
١١ سقط في ب..
١٢ في أ: الجلد..
١٣ سقط في أ..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨٤) عن عطاء والشعبي وورد معناه عن جابر بن عبد الله:
أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨٤) من طريق أبي الزبير عنه وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٤) وزاد نسبته لابن المنذر..

١٥ سقط في أ..
١٦ وهي قراءة الجمهور في هذه الآية إلا ما كان من كسرها للكسائي في غير هذا الموضع.
انظر: السبعة ٢٣٠، والحجة ٣/١٤٦، ١٤٧، وحجة القراءات ١٩٦، ١٩٧، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣١، وشرح شعلة ٣٣٧، وشرح الطيبة ٤/٢٠١، وإتحاف ١/٥٠٨..

١٧ ينظر: القراءة السابقة..
١٨ في أ: التفاوت..
١٩ في أ: الأمة..
٢٠ في أ: لاستعمالهن..
٢١ سقط في ب..
٢٢ في الرازي: الحرة..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ في أ: أيم يتزوج..
٢٥ ورد ذلك عن ابن عباس وسعيد بن جبير وأبي هريرة فأخرجه سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن ابن عباس كما في "الدر المنثور" (٢/٢٥٦).
وأخرجه عبد الرزاق عن أبي هريرة وسعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" (٢/٢٥٦)..

٢٦ في أ: غير..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ في أ: فهذه..
٢٩ سقط في ب..
٣٠ أخرجه الديلمي في "مسند الفردوس" كما في "كنز العمال" (٤٤٤٥٣) وذكره العجلوني في "كشف الخفا" (١/٤٢٤) وقال:
رواه الثعلبي بسند فيه أحمد بن محمد اليماني متروك عن يونس بن مرداس خادم أنس وهو مجهول. والحديث في "الفوائد المجموعة" للشوكاني (١٣١) وقال: قال في المختصر: فيه ضعيف ومجهول..

٣١ سقط في أ..
٣٢ سقط في ب..
٣٣ سقط في ب..
٣٤ في أ: ليصبح..
٣٥ سقط في ب..
٣٦ سقط في أ..
٣٧ سقط في أ..
٣٨ سقط في أ..
٣٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/١٨٦) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٣) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "سننه"..
للنَّاس في مثل التركيب مذاهب، فمذهبُ البصريين أنَّ مفعول " يريدُ " محذوف تقديره يريد اللَّهُ تحريم ما حرَّم [ عليكم ]١ وتحليل ما حلَّل، وتشريعَ ما تقدَّم لأجلِ التَّبيين لكم، ونسبه بعضهم لسيبويه، فتملَّقُ الإرادة غير التّبيين وما عطف عليه، وَإِنَّما تأوَّلوهُ بذلك ؛ لئلاَّ يلزم٢ تعدّي الفعل إلى مفعوله المُتَأَخّر عنه باللاَّمِ، وهو ممتنع وإلى إضمار " إن " بعد اللام الزائدة.
والمذهبُ الثَّانِي - ويُعْزَى أيضاً لبعض البصريّين - :أن يُقَدَّرَ الفعل الَّذي قبل اللام بمصدر في محلِّ رفع بالابتداء، والجارّ بعده خبره، فيقدر :يريدُ اللَّهُ ليبيِّن إرادة اللَّهَ تعالى للتّبيين وقوله : [ شعر ] [ الطويل ]
أُرِيدُ لأنْسى ذِكْرَهَا [ فَكَأَنَّمَا تُمَثَّلُ لِي لَيْلَى بِكُلِّ سَبيلِ ]٣
أي :إرادتي، وقوله تعالى ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ ﴾ [ الأنعام :٧١ ] أي :أُمِرْنا بما أُمِرْنَا لنسلم، وفي هذا القول تأويل الفعل بمصدر، من غير حرف مصدر، وهو ضعيفٌ نحو :" تَسْمَعُ بالمعيديِّ خيرٌ من أن تراه " ٤ قالوا :تقديره :أن تسمع فلما حذف " أن " رفعِ الفعل وهو من تأويل المصدر لأجل الحرف المُقدَّر [ فكذلك هذا ]٥ فلام الجرِّ على الأوَّل في محلِّ نصب لتعلقها ب " يُريدُ " وعلى الثَّاني في محلِّ رفع لوقوعها خبراً.
الثالث :وهو مذهبُ الكوفيّين أنَّ اللامَ هي النَّاصبة بنفسها من غير إضمار " أنْ "، وما بعدها مفعول الإرادة، لأنَّها قد تُقَامُ اللامُ مقام " أنْ " في :أردت وأمرت، فيقال :أردتُ أن تذهب، وأردت لتذهب، وأمرتك لتقُومَ، وأمرتُكَ أن تَقُومَ، قال تعالى :
﴿ يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ ﴾ [ الصف :٨ ]، وقال في موضع آخر : [ ﴿ يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُواْ نُورَ اللَّهِ ﴾ ]٦ [ التوبة :٣٢ ]. وقال : ﴿ وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [ الأنعام :٧١ ] وفي موضع آخر : ﴿ وَأُمِرْتُ أَنْ أُسْلِمَ ﴾ [ غافر :٦٦ ] وقال : ﴿ وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ ﴾ [ الشورى :١٥ ] أي :أنْ أعدل بينكم، ومنع البصريُّون ذلك ؛ لأنَّ اللام ثبت بها الجرُّ في الأسماء، فلا يجوزُ أن ينصب بها فالنَّصب عندهم بإضمار " أنْ " كما تَقَدَّمَ.
الرَّابِعُ، وإليه ذهب الزَّمخشريُّ، وأبُو البقاءِ٧ :أنَّ اللامَ زائدةٌ، و " أنْ " مضمرة بعدها، والتَّبْيينُ مفعول [ الإرادة.
قال الزمخشري : ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ليبين ﴾ يريدُ اللَّهُ أن يُبيِّنَ، فزيدت اللامُ مؤكدة لإرادة التبيين، كَمَا ]٨ زيدت في " لا أبا لك " لتأكيد إضافة الأبِ وهذا خارج عن أقوال البَصْرِيِّيِنَ، والكوفيين، وفيه أن " أنْ " تضمر بعد اللام الزَّائدة، وهي لا تضمر فيما نصَّ النحويون٩ بعد لام إلاَّ وتلك اللامُ للتعليل، أو للجُحُودِ.
وقال بعضهم :اللامُ " لام " العاقبة كهي في قوله تعالى ﴿ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً ﴾ ]١٠ [ القصص :٨ ] ولم يذكر مفعول التبيين، بل حذفه للعلم به فقدَّره بعضهم :ليبيِّن لكم ما يقرّ ربّكم، ومنه قول بعضهم إنَّ الصبر عن نكاح الإماء خير.
فالأوَّلُ قاله عطاء.
والثَّاني قاله الكلبيُّ. وبعضهم :ما فصَّلَ من الشَّرائع، وبعضهم أمر دينكم، وهي متقاربة، ويجوز في الآية وجه آخر [ حَسَنٌ ]١١ ؛ وهو أن تكون المسألَةُ من باب الإعمال تنازع :" يبيِّن " و " يَهدي " في ﴿ سنن الذين من قبلكم ﴾، لأنَّ كلاَّ منهما يطلبه من جهة المعنى، وتكونُ المسألة من إعمال الثَّاني، وحذف الضَّمير من الأوَّلِ تقديره :ليبينها لكم ويهديكم سُننَ الَّذين من قبلكم.
والسُّنَّةُ :الطَّريقَةُ ؛ لأنَّ المفسِّرين نقلوا أن كلَّ ما١٢ بَيَّن لنا تحريمه وتحليله من النِّساء في الآيات المتقدمة فقد كان الحكم كذلك أيضاً في الأمم السَّالفةِ، أو أنه بين لَكُمْ المصالح ؛ لأنَّ الشَّرَائِعَ، وإن كانت مختلفة في نفسها إلا أنَّها متَّفِقَةٌ في المصلحة.

فصل


قال بعضُ المفسَّرينَ١٣ ﴿ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ ﴾ معناهما واحد وقال آخرون هذا ضعيفٌ.
والحقُّ أنَّ قوله : ﴿ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ أي :يميِّزَ الحلالَ من الحرامِ، والحسن من القبيح.
وقوله تعالى : ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ أي :أن الذي بيَّن تحريمه، وتحليله لنا في الآيات المتقدّمة وقد كان كذلك في شرائع [ الإسْلام ]١٤ من قبلنا، أو يكون المراد منه ﴿ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ ﴾ [ في ]١٥ بيان١٦ ما لكم فيه من المصلحة [ فإنَّ الشَّرائعَ، وإن اختلفت في نفسها إلاَّ أنَّهَا متفقة في المصالح ]١٧.
قوله : ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ قال القاضي١٨ :معناه أنَّهُ تعالى كما أراد منّا نفس الطّاعة، فلا جَرَمَ بيَّنَها وأزال الشُّبْهَةَ عنها وإذا وقع التَّقصيرُ والتَّفريط منَّا ؛ فيريد أن يتوبَ علينا ؛ لأنَّ المكلف قد يطيع فيستحق الثَّوابَ، وقد يعصي فيحْتَاج إلى التلافي في التَّوبَةِ وفي التَّوْبَةِ وفي الآية إشكالٌ، وهو أنَّ الحَقَّ إمَّا أن يكون قول أهل السُّنَّةِ [ من أنَّ فعل العبدِ ]١٩ مخلوقٌ للَّهِ [ وَإمَّا أن الحقَّ قولُ المعتزلة :من أنَّ فعلَ العبدِ ليسَ مخلوق اللَّهِ تعالى ؛ والآيةُ مُشْكَلَةٌ على القَوْلَيْنِ ]٢٠ أمَّا على الأوَّلِ [ فلأنّ ]٢١ كلِّ مَا يريده الله تعالى [ فَإنَّهُ ]٢٢ يحصلُ، فإذا أرَادَ أن يتُوبَ علينا وأحبَّ أن تحصل التَّوْبَةَ لكلنا، ومعلومٌ أنَّهُ ليس لذلك، وأمَّا على القول الثَّاني :فهو تعالى يريدُ مِنَّا أن نتُوبَ باختيارنا، وفعلنا وقوله ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ [ ظاهره ]٢٣ مشعر بأنَّهُ تعالى هو الَّذي يخلق التَّوْبَةَ فينا.
فالجوابُ أن قوله ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ صريحٌ في أنَّهُ تعالى هو الذي يقبلُ التَّوْبَةَ فينا والعقل يؤكِّدُهُ ؛ لأنَّ التَّوْبَةَ عبارةٌ عن النَّدمِ في الماضي، والعزم على التَّرْكِ في المستقبل، والنَّدم والعزم من باب الإرادَاتِ، والإرادةُ لا يمكن إرادتها وإلا لزم التَّسلسل ؛ فإذن الإرادةُ يمتنعُ أن تكونَ فعل الإنسان فعلمنا أن هذا النَّدم والعزم لا يحصلان إلا بتخليق اللَّهِ تعالى فَدَلَّ البرهانُ العقليُّ على صحَّةِ ما أشعر به القرآن، وهو أنَّهُ تعالى [ هو ]٢٤ الذي يتوبُ علينا.
وإن قالوا :لو تاب عليْنَا لحصلتْ هذه التَّوْبَةُ [ لهم فزاد هذا الإشكالُ واللَّهُ أعلم ]٢٥.
فنقولُ :قوله تعالى : ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ خطابٌ مع الأمَّةِ، وقد تابَ عليهم في نكاح الأمهات والبنات وسائر المنهيَّات المذكورة في هذه الآيات وحصلت هذه التَّوْبَةِ لهم فَزَالَ الإشكالُ واللَّهُ أعلم.
[ ثم قال ﴿ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ﴾ أي : ]٢٦ [ عليم ]٢٧ بمصالح عبادة حكيم في أمر دينهم ودنياهم وحكيم فيما دبَّرَ من أمورهم.
١ سقط في ب..
٢ في أ: ليلازم..
٣ تقدم..
٤ ينظر: مجمع الأمثال ١/٢٢٧..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في أ..
٧ ينظر: الإملاء ١/١٧٦..
٨ سقط في أ..
٩ في ب: البصريون..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في ب..
١٢ في أ: كلما..
١٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٥٤..
١٤ سقط في ب..
١٥ سقط في ب..
١٦ في أ: إتيان..
١٧ سقط في ب..
١٨ ينظر تفسير الرازي ١٠/٥٤..
١٩ سقط في ب..
٢٠ سقط في ب..
٢١ سقط في ب..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ سقط في ب..
قوله تعالى : ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ زعم بعضهم أنَّ [ في ] قوله ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ تكريراً لقوله ﴿ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ المعطوف على التّبيين.
قال عطيَّةُ١ :وتكرار إرادة اللَّه تعالى التَّوبة على عباده تقوية للإخبار الأوَّل وليس القصد في الآية إلا الإخبار عن إرادة الذين يتبعون الشَّهوات فقدمت إرادة اللَّه تَوْطِئة مُظْهِرَةً لفسادِ إرادة مُبتغي الشَّهَوَاتِ، وهذا الذي قاله إنَّمَا يتمشّى على أنَّ المجرور باللامِ في قوله ﴿ لِيُبَيِّنَ ﴾ مفعول به للإرادة لا على كونه علّةً، وقد تقدَّمَ أنَّ ذلك قول الكوفيِّين، وهو ضعيفٌ، وقد ضعَّفه هو أيضاً، إذا تقرر هذا فنقول :لا تكرار في الآية ؛ لأن تعلّق الإرادة بالتَّوبة في الأوَّلِ على جهة العِلِّيَّة، وفي الثَّاني على جهة المفعوليَّة، فقد اختلف المتعلقان.
وقوله ﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ ﴾ بالرَّفع عطفاً على ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ ﴾ عطف جملة على جملة اسميّة، ولا يجوز أن ينصب لفساد المعنى ؛ إذ يصير التَّقدير :واللَّهُ يريدُ أن يتوب، ويريد أن يريد الذين، واختار الرَّاغِبُ :أنَّ الواو للحال تنبيهاً على أنَّهُ يريدُ التَّوْبَةَ عليكم في حال ما تريدون أن تميلوا فخالف بَيْنَ الإخبارين في تقديم المخبر عنه في الجملة الأولى، وتأخيره في الثَّانية ؛ ليبيّن أنَّ الثَّاني ليس على العطف، وقد رُدَّ عليه بأنَّ إرادة اللَّهِ التَّوْبَةَ ليست مقيّدة بإرادة غيره الميل، و [ بأن ]٢ الواو باشرت المضارعَ المثبت، وأتى بالجملة الأولى اسميّة دلالة على الثَّبوت، وبالثَّانية فعلية دلالة على الحدوث٣.

فصل في تحليل المجوس لما حرم الله تعالى


قيل :إنَّ المجوسَ كانوا يحلُّون الأخوات، وبنات الإخوة والأخوات، فلما حرمهنَّ اللَّهُ تعالى قالوا إنَّك تحلُّون بنت الخالة والعمَّةِ، والخالةُ والعمةُ حرام عليكم فانكحوا بنات الأخ٤ والأخت فنزلتْ هذه الآية.
وقال السُّدِّيُّ :المرادُ بالَّذِينَ يتبعون الشَّهوات هم اليهودُ والنَّصَارى٥.
وقال مجاهدٌ هم الزُّناةُ يريدون أن يميلوا عن الحقِّ فيزنون كما يزنون٦.
وقيل :هم جميع أهل الباطل٧.

فصل


قالت المعتزلة قوله ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ يدلّ على أنه تعالى يريد التوبة من الكلِّ والطَّاعة من الكُلِّ.
وقال أهل السُّنَّةِ، هذا محال ؛ لأنَّهُ تعالى علم من الفاسق أنَّهُ لا يتوب، وعلمه بأنَّهُ لا يتوب مع توبته ضدان، وذلك العلم ممتنعٌ الزَّوال مع وجود أحدِ الضِّدَّين، وكانت إرادة ضدّ الآخر إرادة لما علم كونه محالاً، وذلك محالٌ، وأيضاً فإنَّهُ تعالى إذَا كان يريدُ التَّوْبَةَ من الكُلِّ، ويريد الشَّيْطَانُ أن تميلوا ميلاً عظيماً، ثم يحصلُ مراد الشَّيطان لا مراد الرحمن، فحينئذٍ نفاذ الشيطان في ملك الرحمن أتمُّ من نفاذ الرحمنِ في ملك نَفْسِهِ، وذلك مُحالٌ ؛ فثبت أن قوله ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ خطاب مع قوم معنيين حصلت هذه التَّوبة لهم.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٠..
٢ سقط في ب..
٣ في أ: الحدث..
٤ في ب: الأخت..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٣) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٤) عن ابن زيد..
في هذه الجملة احتمالان :
أصحُّهما :أنَّهَا مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإعراب.
والثَّاني :أنَّهَا حال من قوله ﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ العامل فيها يريد أي :واللَّهُ يريد أن يتوبَ عليكم يريد أن يخفف عنكم، وفي هذا الإعراب نَظَرٌ من وجهين :
أحدهما :أنَّهُ يؤدِّي إلى الفصل بين الحال، وبين عاملها بجملة معطوفة على جملة العامل في الحال ضمير تلك الجملة المعطوف عليها، والجملةُ المعطوفة وهي
﴿ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ ﴾ جملة أجنبيّة١ من الحال وعاملها.
والثَّاني :أنَّ الفعل الذي وقع حالاً رفع الاسم الظَّاهر فوقع الرَّبط بالظاهرِ ؛ لأن ﴿ يُرِيدُ ﴾ رفع اسم الله، وكان من حقِّه أن يرفع ضميره، والرَّبْطُ بالظَّاهِرِ إنَّمَا وقع بالجملة الواقعة خبراً أو وصلة، أمَّا الواقعة حالاً وصفة فلا، إلا أن يَردَ به سماع، ويصير هذا الإعراب نظير :" بكر يخرج يضربُ بكر خالداً " ولم يذكر مفعول التخفيف فهو٢ محذوف، فقيل تقديره :يخفف عنكم تكليف النظر، وإزال الحيرة، وقيل :إثم ما يرتكبون، وقيل :عام في جميع أحكام الشرع وقد سهل علينا كما قال تعالى
﴿ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ [ { وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ﴾٣ ] [ الأعراف :١٥٧ ] وقال عليه السلام :" بعثت بالحنيفية السمحة ". وقال ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾
[ البقرة :١٨٥ ] وقال ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾ [ الحج :٧٨ ] وقال مجاهد ومقاتل :المراد به [ إباحة ]٤ نكاح الأمة عند الضرورة٥.
قوله تعالى : ﴿ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً ﴾ والمعنى أنه لضعفه خفف تكليف، والأقرب أن يحمل هذا الضعف على كثرة الدواعي إلى اتباع الشهوة واللذة لا على ضعيف الخلقة [ لأن ضعيف الخلقة ]٦ لو قوى الله داعيته إلى الطاعة كان في حكم القوي والقوي في الخلقة إذا كان ضعيف الدواعي إلى الطاعة صار في حكم الضعيف، فالتأثير في هذا الباب لضعف الداعية وقوتها لا لضعف البدن.
قال طاوس والكلبي وغيرهما :في أمر النساء لا يصبر عنهن٧.
وقال ابن كيسان :خلق الله الإنسان ضعيفاً أي بأن تستميله شهوته.
وقال الحسن :المراد ضعيف الخلقة وهو أنه [ خلقه ]٨ من ماء مهين٩. وقال تعالى
﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ ﴾ [ الروم :٥٤ ].

فصل


وفي نصب ضعيفاً أربعة أوجه :
أظهرها :أنه حال من الإنسان وهي حال مؤكدة.
والثاني :- كأنه تمييز قالوا :لأنه يصلح لدخول " مِنْ " وهذا غلط.
الثالث :- أنه على حذف حرف الجرِ، والأصل :خلق من شيء ضعيف، أي :من ماء مهين، أو من نطفة، فلما حُذِفَ الموصوف وحرف الجر وَصَلَ الفعل إليه بنفسه فنصبه.
الرابع :- وإليه أشار ابن عطية١٠، أنه منصوب على أنه مفعول ثانٍ ب " خلق " قالوا :ويصح أن يكون خلق بمعنى " جُعِلَ " فيكسبها ذلك قوة التعدي إلى المفعولين فيكون قوله " ضعيفاً " مفعولاً ثانياً، وهذا الذي ذكره غريب لم نرهم نَصُّوا على أن خلق يكون ك " جعل " فيتعدى لاثنين مع حصرهم الأفعال المتعدية للاثنين، ورأيناها يقولون :إن " جَعَلَ " إذا كان بمعنى " خَلَقَ " تعدت لواحد١١.

فصل


روي عن ابن عباس أنه قال :ثماني آيات في سورة النساء خير لهذه١٢ الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت قوله تعالى ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ ﴾ [ النساء :٢٦ ]
﴿ وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾ ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ ﴾ و﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾ [ النساء :٣١ ] ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾١٣ [ النساء :٤٨ ] ﴿ إِنَّ [ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ ]١٤ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [ النساء :٤٠ ]، ﴿ وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ﴾ [ النساء :١١٠ ] و ﴿ مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ ﴾ [ النساء :١٤٧ ].
١ في ب: اسمية..
٢ في ب: وهو..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٥) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم..
٦ سقط في أ..
٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وعزاه للخرائطي في "اعتلال القلوب" عن طاوس.
أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٥ ـ ٢١٦) عن طاوس بلفظ مختلف وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وزاد نسبته لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم..

٨ سقط في ب..
٩ ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٢٣٧) عن الحسن..
١٠ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤١..
١١ في أ: تعدي لواحد..
١٢ في أ: بهذه..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١١) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٦) وزاد نسبته لابن أبي الدنيا في "التوبة" والبيهقي في "شعب الإيمان"..
١٤ سقط في أ..
في كيفية النظم وجهان :
أحدهما :أنه تعالى لما ذكر كيفية التصرف في النفوس بسبب النكاح ذكر كيفية التصرف في الأموال.
الثاني :لما ذكر ابتغاء النكاح بالأموال وأمر بإبقاء المهور بيَّن بعد ذلك كيفية التصرف في الأموال، وخص الأكل بالذكر دون غيره من التصرفات لأنه المقصود الأعظم من الأموال ؛ لقوله تعالى ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً ﴾ [ النساء :١٠ ]، واختلفوا في تفسير الباطل فقيل هو الربا والغصب والقمار والسرقة والخيانة وشهادة الزور وأخذ المال باليمين الكاذبة، وعلى هذا تكون الآية مجملة لأنه يصير التقدير :لا تأكلوا أموالكم التي حصلتموها بطريق غير مشروع، ولم يذكر ههنا الطريقة المشروعة١ على التفصيل فصارت الآية مجملة.
وروي عن ابن عباس والحسن أن الباطل هو ما يؤخذ من الإنسان بغير عوض٢ وعلى هذا لا تكون الآية مجملة لكن قال بعضهم :إنها منسوخة :قال لما نزلت هذه الآية تحرّج الناس من أن يأكلوا عند أحد شيئاً وشق ذلك على الخلق. فنسخ الله تعالى ذلك بقوله في سورة النور ﴿ لَّيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَن تَأْكُلُواْ مِن بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ ﴾٣ [ النور :٦١ ] وأيضاً إنما هو تخصيص ولهذا روى الشعبي عن علقمة عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال :هذه الآية محكمة ما نسخت ولا تنسخ إلى يوم القيامة٤.
وقيل :المراد بالباطل [ هو ]٥ العقود الفاسدة، وقوله ﴿ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ ﴾ [ يدخل فيه أكل مال الغير بالباطل ]٦ وأكل مال نفسه بالباطل فيدخل فيه القسمان معاً كقوله : ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُم ﴾ يدل على النهي عن قتل غيره وقتل نفسه أما أكل مال نفسه بالباطل فهو إنفاقه في معاصي الله تعالى، وأما أكل مال غيره بالباطل فقد عددناه.
قوله : ﴿ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً ﴾ في هذا الاستثناء قولان :
أصحهما :أنه استثناء منقطع لوجهين :
أحدهما :أن التجارة لم تندرج في الأموال المأكولة بالباطل حتى يستثنى عنها سواء فسرنا الباطل بغير عوض، أو بغير طريق شرعيّ.
والثاني :أن المستثنى كون، والكون ليس مالاً من الأموال.
الثالث٧ :أنه متصل قيل :لأن المعنى لا تأكلوها بسبب إلا أن تكون تجارة.
قال أبو البقاء٨ :وهو ضعيف ؛ لأنه قال :بالباطل، والتجارة ليست من جنس الباطل، وفي الكلام حذف مضاف تقديره ؛ إلا في حال كونها تجارة، أو في وقت كونها تجارة انتهى. ف " أن " تكون في محل نصب على الاستثناء، وقد تقدم تحقيقه.
وقرأ الكوفيون٩ تجارة نصباً١٠ على أن كان ناقصة، واسمها مستتر فيها يعود على الأموال، ولا بد من حذف مضاف من " تجارة " تقديره :إلا أن تكون الأموال أموال تجارة، ويجوز أن يفسر الضمير بالتجارة بعدها أي :إلا أن تكون التجارةُ تجارةً كقوله : [ الطويل ]
. . . *** إذَا كَانَ يَوْمَاً ذَا كَواكِبَ أشْنَعَا١١
أي إذا كان اليوم يوماً، واختار أبو عبيدةَ قراءة الكوفيين، وقرأ الباقون١٢ " تجارةٌ " رفعاً على أنها " كان " التامة قال مكي١٣ :وأكثر كلام العرب أن قولهم " إلا أن تكون " في هذا الاستثناء بغير ضمير فيها يعود على معنى :يحدث ويقع، وقد تقدم الكلام على ذلك في البقرة.
وقوله : ﴿ عَن تَرَاضٍ ﴾ متعلق بمحذوف لأنه صفة ل " تجارة " فموضعه رفع أو نصب على حسب القراءتين، وأصل " تراض " " تراضِوٌ " بالواو ؛ [ لأنه مصدر تراضي تَفَاعَلَ من رَضِيَ، ورَضِيَ من ذوات الواو بدليل الرُّضوان، وإنما تطرفت الواو بعد كسرة ]١٤ فقلبت ياء فقلت :تراضياً، و " منكم " صفة لتراضٍ، فهو محل جر و " من " لابتداء الغاية.

فصل


والتجارة في اللغة عبارة عن المعاوضة ومنه الأجر الذي يعطيه الله تعالى للعبد عوضاً من الأعمال الصالحة.
قال تعالى : ﴿ يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾
[ الصف :١٠ ] وقال ﴿ يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ ﴾ [ فاطر :٢٩ ] وقال ﴿ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ ﴾ [ التوبة :١١١ ]، فسمَّى ذلك كُلَّهُ بيعاً وشراءً على وَجْهِ المَجَازِ، تشبيهاً بِعُقُود المبيعَاتِ الّتي تحصلُ بها الأغْرَارُ.

فصل :كل معاوضة تجارة


اعلم أنَّ كُلَّ مُعَاوَضَةٍ تجارةٌ على أيّ وجْهٍ كان العوض، إلا أنَّ قوله تعالى ﴿ بِالْبَاطِلِ ﴾ أخرج منها كُلَّ عوضٍ لا يجوزُ شَرْعَاً من رباً وغيره أو عوض فَاسِدٍ كالخمرِ، والخَنْزِيرِ، وغير ذلِكَ، ويخرج أيضاً كُلُّ عقدٍ جائزٍ لا عوض فيه كالقرض والصَّدَقَةِ، والهِبَةِ، لا للثَّوابِ، وجازت عُقُودُ التَّبرُّعاتِ بأدلَّةٍ أخَر، وخَرَجَ منها دٌعَاءُ أخيكَ إيَّاكَ إلى طَعَامِهِ، بآيةِ النُّورِ، على ما سيأتي إن شاء اللَّه - تعالى -.

فصل


قال القرطبيُّ١٥ :لَوِ اشْتَرَيْتَ فِي السُّوقِ شَيْئاً فقالَ لَكَ صًاحِبُهُ قبل الشِّرَاءِ ذُقْهُ، وأنت في حلٍّ، فلا تَأكُلْ منه ؛ لأن إذْنهُ في الأكْلِ لأجْلِ الشِّراءِ، فربما لا يقعُ بينكم بيعٌ، فيكونُ ذلك شُبْهَة، لكن لو وصف لَكَ صفة فاشْتَرَيْتَ، فلم تجده على تلك الصفة فأنت بالخيَار.

فصل


قوله ﴿ عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ ﴾ أي :بطيبة نَفْسِ كُلِّ وَاحدٍ منكم على الوَجْه المَشْرُوعِ.
وقيل هو أن يخير كُلُّ وَاحدٍ من المُتابِعيْنِ صاحِبَهُ بَعْدَ الْبَيْع، فيلزمُ وإلا فلهما الخِيَارُ ما لم يَتَفَرَّقَا لقوله عليه السلامُ :" الْبَيِّعانِ بالخيارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " ١٦ أو يخير كُلّ واحد منهما صاحبَهُ متبايعاً على ذلك، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، واعلم :أنَّهُ كَمَا يحلُّ المستفاد منَ التِّجارَة، فقد يَحِلُّ أيضاً المالُ المستفاد مِنَ الهِبَةِ، والوصيَّةِ والإرث، والصَّدَقَةِ، والمهر، ِ وأرُوشِ الجنايَاتِ، فإنَّ أسْباب المالِ كثيرةٌ سوى التِّجارة.
فإن قُلْنَا :الاستثناءُ مُنقطِعٌ، فلا إشْكالَ ؛ لأنَّهُ تعالى ذَكَرَ هَاهُنا شيئاً واحداً، من أسْبَابِ المِلْكِ، ولم يذكره غيرهُ بنفي، ولا إثْبَاتٍ.
وإن قلنا :الاسْتثناءُ مُتَّصِلٌ كان ذلك حكماً بأنَّ غيرَ التِّجَارةِ لا يفيد الحلّ، وعلى هذا لا بُدّ مِنَ النَّسْخِ، والتَّخْصيصِ.

فصل


ذهب بعضُ الْعُلَمَاءِ إلى أنَّ النَّهْيَ في المعاملات يَقْتَضِي البُطْلاَنَ، وقال أبُو حنيفَةَ :لا يَدُلُّ عليه واحتجّ الأوَّلُونَ بوجوهٍ :
أحدُهَا :أنَّ جميعَ الأمْوالِ مملوكةٌ للَّهِ تعالى، فإذا أذن لبعض عبيده في بعض التَّصَرُّفَاتِ، كان ذلك جَارياً مَجْرَى ما إذا وكل الإنسان وكيلاً في بَعْضِ التَّصرفات، ثم إنَّ الوكِيلَ تَصَرَّفَ على خِلافِ قَولِ الموكل، فذلك غير مُنعقدٍ، فإذا كان التَّصرفُ الواقع على خلاف قول المِالِكِ المجازي لا يَنْعَقدُ، فالتصرفُ الواقِعُ على خِلاَفِ قَوْلِ المالِكِ الحقيقيّ غير مُنْعَقِدٍ بِطَرِيقِ الأوْلَى.
وثانيها :أنَّ التصرُّفات الفَاسِدَة ؛ إمَّا أن تكُونَ مُسْتَلْزِمَةً لِدُخُولِ المُحرَّم المنهيّ عنه في الوُجُودِ أو لا، فإن كان الأول وجب القول ببطلانها قياساً على التصرفات١٧ الفاسدة، والجامِعُ السعي في ألا يَدخُلَ منشأ النَّهي في الوُجُودِ، وإنْ كانَ الثَّانِي ؛ وَجَبَ القَوْلُ بصحَّتها قياساً على التصرُّفَاتِ الصَّحيحةِ، والجامعُ كونُهَا تَصرُّفَاتٍ خالية عن المفْسَدَة، فثبت أنَّهُ لا بُدَّ من وُقُوعِ التَّصرُّفِ على هذين الوجْهَيْنِ، فأمَّا القَوْلُ بتصرف لا يكُونُ صحيحاً، ولا باطلاً، فهو محال.
وثالثها :أنَّ قوله :" لا تَبِيعُوا الدِّرْهَمَ بالدِّرْهَمَيْن " ١٨ كقوله :" لا تبيعوا الحر بالعبد " فكما أن هذا نهي في اللفْظِ، لكنَّهُ نَسْخٌ للشَّرعيةِ [ فكذا الأوَّلُ، وإذا كان نَسْخاً للشَّرْعيَّةِ ]١٩، بطل كوْنُهُ مُفيداً للحكم.
قوله ﴿ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ ﴾ قرأ عَلِي٢٠ - رضي اللَّهُ عنه - :" تُقْتَّلُوا " بالتَّشْديدِ على التكثير، والمعنى لا يَقْتلُ بَعضُكُم بعضاً، وإنَّما قَالَ ﴿ أَنْفُسَكُمْ ﴾ لقوله عليه الصَّلاةُ والسَّلام :" المُؤْمِنُونَ كنَفْسٍ وَاحِدَةٍ " ٢١ ولأن العَرَبَ يَقُولُونَ " قُتلْنَا وَرَبِّ الكَعْبَةِ " إذا قتل بعضهم ؛ لأنَّ قتل بعضِهِم، يجري مَجْرَى قَتْلِهِمْ.
فإن قيل :المُؤمِنُ مع إيمانِهِ لا يجُوزُ أن ينهى عَنْ قَتْلِ نَفْسِهِ، لأنه ملجأ إلى ألاَّ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، لأنَّ الصَّارِفَ عنه قائمٌ، وهو الألَمُ الشَّديدُ، والذَّمُّ العَظِيم، والصَّارف عنه في الآخرة قَائِمٌ وهو استحقاقُ العَذَابِ العَظِيمِ.
إذا كان كذلك، لم يَكُنْ للنَّهْيِ عَنْهُ فائدة، وإنَّمَا يُمْكِنُ هَذَا النهي، فِيمَنْ يَعْتَقِدُ في قَتْلِ نَفْسِهِ ما يعتقدُهُ أهْلُ الهِنْدِ، وذَلِكَ لا يَتَأتَّى مِنَ المُؤْمِنِ.
فَالجَوَابُ :أنَّ المُؤْمِنَ مع٢٢ إيمانِهِ، قد يَلْحَقُهُ مِنَ الغَمِّ، والأذِيَّةِ ما يكُونُ القَتْلُ عليه أسْهَل مِنْ ذلك، ولذلك نَرَى كَثيراً مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَقْتَلُونَ أنْفُسَهُم، بمثل السَّبَبِ الذي ذَكَرْنَاهُ، ويحتمل أنَّ مَعْنَاهُ لا تَفْعَلُوا ما تَسْتَحِقُّونَ به القتل كالزِّنَا بعد الإحْصَانِ والرِّدَّةِ، وقتلِ النَّفْسِ المعصومة، ثمَّ بيَّنَ تعالى أنَّهُ رحيمٌ بعباده، ولأجْلِ رحمته نهاهم عن كُلِّ ما يستوجبون به مَشَقَّة، أو مِحْنَة حَيْثُ لم يأمرهم بقتلهم أنفسَهُم كما أمَرَ به بني إسرائيل ليَكُونَ تَوْبَةً لهم وكان بكُم يَا أمَّة محمَّد رحيماً، حيث لم يكلفكم تلك التَّكاليف الصَّعْبَة.
١ في أ: ههنا الطريق المشروع..
٢ ذكره أبو حيان في "البحر المحيط" (٣/٢٤٠) عن ابن عباس والحسن..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢١٨) عن عكرمة والحسن وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) وعزاه للطبري فقط..
٤ أخرجه الطبراني في "الكبير" كما في "مجمع الزوائد" (٧/٦) وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" (٢/٢٥٧) بسند صحيح كما قال السيوطي وقال الهيثمي في "المجمع" (٧/٦): رواه الطبراني ورجاله ثقات..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في أ..
٧ في أ: والثاني..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٧٧..
٩ يعني حمزة والكسائي وعاصم.
انظر: السبعة ٢٣١، والحجة ٣/١٥١، ١٥٢، وحجة القراءات ١٩٩، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣١، ١٣٢، وشرح الطيبة ٤/٢٠٣، وإتحاف ١/٥٠٩..

١٠ في ب: بالنصب..
١١ تقدم..
١٢ ينظر: القراءة السابقة..
١٣ ينظر: الدر المصون ٢/٣٥٤..
١٤ سقط في ب..
١٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٠٠..
١٦ أخرجه البخاري (٣/١٢٣) كتاب البيوع باب إذا بين البيعان...(٢٠٧٩) وباب: ما يمحق الكذب (٢٠٨٢) وباب كم يجوز الخيار (٢١٠٨) وباب البيعان بالخيار (٢١١٠) ومسلم (٥/١٠) وأبو داود (٣٤٦٩) والنسائي (٢/٢١٢) والترمذي (١/٢٣٥) والدرامي (٢/٢٥٠) والشافعي (١٢٥٩) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٢٠٢) والبيهقي (٥/٢٦٩) والطيالسي (١٣٣٩) وأحمد (٣/٤٠٢، ٤٠٣، ٤٣٤) كلهم من حديث حكيم بن حزام مرفوعا. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..
١٧ في أ: التصرف..
١٨ أخرجه مسلم كتاب المساقاة ب ١٤ رقم (٧٨) وأحمد (٢/١٠٩) والبيهقي (٥/٢٧٨) والشافعي في "مسنده" (١٨١) وابن عبد البر في "التمهيد" (٢/٢٤٥)..
١٩ سقط في ب..
٢٠ وقرأ بها الحسن.
انظر: المحرر الوجيز ٢/٤٢، والبحر المحيط ٣/٢٤٢، والدر المصون ٢/٣٥٤..

٢١ تقدم..
٢٢ في أ: من..
قوله : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ﴾ " مَنْ " شرطيَّة [ مبتدأ ]١، والخبر " فَسَوْفَ " والفاءُ هنا واجبة لِعَدَمِ صلاحيَّةِ الجَوَابِ للشَّرْطِ، و " ذَلِكَ " إشارةٌ إلى قتل الأنفُسِ قال الزَّجَّاجُ٢ :يَعُودُ إلى قَتْلِ الأنْفُسِ، وأكل المالِ بالبَاطِلِ ؛ لأنَّهُمَا مذكوران في آية واحدة.
وقال ابْنُ عَبَّاسٍ٣ :إنَّهُ يعودُ على كُلِّ ما نهى اللَّهُ عنه من أوَّلِ السُّورةِ إلى هذا المَوْضعِ، وقال الطَّبريُّ :" ذلك " عائد على٤ ما نهي عنه من آخر وعيد وذلك قوله تعالى : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهاً ﴾ [ النساء :١٩ ] ؛ لأنَّ كل ما ينهى عنه من أوَّلِ السُّورةِ قرن به وعيد، إلا مِنْ قوله : ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاءَ كَرْهاً ﴾ [ النساء :١٩ ] فإنَّهُ لا وعيدَ بَعْدَهُ إلا قوله : ﴿ وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوَاناً ﴾ [ النساء :٣٠ ] الآية. وقيل الوعيد بذكر العُدْوَانِ والظُّلْمِ، ليخرج منه فعل السَّهْوِ والغلط، وذكر العًُدْوَانِ، والظُّلْمِ مع تقارب٥ معناهما لاختلافِ ألفاظِهِما كقوله :" بُعْداً " و " سُحْقاً " وقوله يعقوب عليه السلام : ﴿ إِنَّمَا أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾
[ يوسف :٨٦ ] وقوله : [ الوافر ]
١٧٩١ أ-. . . وألْفَى قَوْلَهَا كَذِباً وَمَيْنَا٦
و " عدواناً وظلماً " حالان أي :متعدياً ظالماً أو مفعول من أجلها وشروط النصب متوفرة وقُرِئَ :" عِدْواناً " بكسر العين. و " العدوان " :مُجاوَرَةُ الحَدّ، والظُّلْمُ :وضع الشَّيْءِِ في غير مَحَلِّه، ومعنى ﴿ نُصْلِيهِ نَاراً ﴾، أي :يمسُّه حَرُّهَا. وقرأ الجمهور : ﴿ نُصْلِيهِ ﴾ من أصْلَى، والنون للتعظيم. وقرأ٧ الأعْمَشُ :" نُصَلِّيه " مُشَدّداً.
وقرئ٨ :" نَصْليه " بفتح النُّونِ من صَلَيْتُه النَّار. ومنه :" شاة مصلية ".
و " يصليه " ٩ بياء الغَيْبَةِ. وفي الفاعِلِ احتمالان :
أحدهُمَا :أنَّهُ ضميرُ الباري تعالى.
والثَّاني :أنَّهُ ضميرٌ عائدٌ على ما أُشير به إلَيْهِ مِنَ الْقَتْلِ ؛ لأنَّهُ سَبَبٌ في ذلك ونكر " ناراً " تعظيماً.
﴿ وَكَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ﴾ أي :هيناً
١ سقط في أ..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٥٩..
٣ ينظر السابق..
٤ في أ: هذا غاية..
٥ في ب: تفاوت..
٦ تقدم برقم ٤٩٢..
٧ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٣، والبحر المحيط ٣/٢٤٣، والدر المصون ٢/٣٥٤..
٨ قرأ بها النخعي والأعمش كما في البحر المحيط ٣/٢٤٣، وانظر: الدر المصون ٢/٣٥٤، والتخريجات النحوية والصرفية ٢٣١..
٩ انظر: السابق..
﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ [ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً ﴾١ ]
قرأ ابْنُ٢ جُبَيْرٍ، وابنُ مَسْعُود :" كَبِيرَ " بالإفراد والمرادُ به الكُفْرُ وقرأ٣ المفضّلُ :" يُكَفِّر "، " ويدخلكم " بياء الغَيْبَةِ للَّهِ تعالى.
وقرأ ابْنُ٤ عَبَّاسٍ :" من سيئاتكم " بزيادة " من ". وقَرَأَ نَافِعٌ ٥ وحده هنا وفي الحج :" مَدْخَلاً " بفتح الميم، والباقُونَ بضمها، ولم يَخْتَلِفُوا في ضَمِّ التي في الإسراء٦. فأما مَضْمُومُ الميم، فإنَّهُ يحتملُ وجهين :
أحدهُمَا :أنَّهُ مَصْدرٌ وقد تَقَرَّر أنَّ اسْمَ المصْدَرِ من الرُّبَاعِيّ فما فَوْقَهُ كاسْمِ المفعُولِ، والمدخول فيه على هذا مَحْذُوفٌ أي :" ويدخلكم الجنة إدخالاً ".
والثَّانِي :أنَّهُ اسمُ مَكَانِ الدُّخُولِ، وفي نصبه حينئذٍ احتِمَالاَنِ "
أحدهُمَا :أنَّهُ منصوبٌ على الظَّرْفِ، وهو مَذْهَبُ سيبوَيْهِ.
والثَّاني :أنَّهُ مفعولٌ به، وهو مَذْهَبُ الأخْفَشِ، وهكذا كُلُّ مكان مختص بعد " دخل " فإنَّ فيه هذين المذْهَبَيْنِ، وهذه القِرَاءَةُ واضحةٌ، لأنَّ اسم المصْدَرِ، والمكان جَارِيَانِ على فعليهما.
وَأمَّا قِرَاءةُ نافِع، فتحتاجُ إلى تأويل، وذلك لأنَّ الميمَ المفتوحة إنَّما هو من الثُّلاثِيُّ، والفعل السَّابقُ لهذا رُباعِيّ فقيل :إنَّهُ منصوبٌ بفعل مقدّر مطاوع لهذا الفِعْلِ، والتقدِيرُ :يدخلكم، فتدخلون مدخلاً.
و " مَدْخَلاً " مَنْصُوبٌ على ما تقدَّمَ :إمَّا المصدريّة، وإما المَكَانِيَّة بوجهيها.
وقيل :هُوَ مصْدَرٌ عَلَى حَذْفِ الزَّوائِدِ نحو : ﴿ أَنبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً ﴾[ نوح :١٧ ] على أحد القَوْلَيْنِ.

فصل


روى ابْنُ عمرو عن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أنَّهُ قال :" الكَبَائِرُ الإشْرَاكُ باللَّهِ عزَّ وجلَّ وعقوقُ الوالِدَيْنِ، وقَتْلُ النَّفْسِ، واليَمِينُ الغَمُوسُ " ٧.
وقال عليه السَّلام :" " ألاَ أنبِئُكُمْ بأكْبَرِ الكَبَائِر ؟ " ثلاثاً. فقالوا :بَلَى يا رسُولَ اللَّهِ. قال :" الإشْرَاكُ باللَّهِ، وَعُقُوقُ الوَالِديْنِ - وَكَانَ مُتّكئاً فَجَلَسَ - وَقَالَ :ألاَ وَقَوْلُ الزُّورِ " فما زال يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنا لَيْتَهُ سَكَتَ٨.
" وعن عُمَرَ بْنِ شراحيل عن عَبْدِ اللَّهِ قال :قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ :أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ. قال :" أنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدَّاً وَهُوَ خَالِقُكَ " قال :ثُمَّ أي. قال :" أنْ تَقْتَلُ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أنْ يَأكُلَ مَعَكَ ". قُلْتُ :ثمَّ أيْ. قال " أنْ تُزَانِيَ حَليلَةَ جَارِك " ٩ فأنزلَ اللَّهُ - تعالى - تَصديقَ قَوْلِ النَّبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى :
﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلاَ يَزْنُونَ ﴾ [ الفرقان :٦٨ ] وعن أبي هريرةَ عنِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال :" اجْتَنِبُوا السَّبْعَ المُوبقَاتِ قالُوا يا رَسُول اللَّهِ، وما هُنَّ ؟ قال :الشِّرْكُ باللَّهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتي حَرَّمَ اللَّهُ إلاَّ بالحقِّ وأكْلُ الرَِّبَا، وأكْلُ مَالِ اليتيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْف المُحْصنَاتِ الغَافِلاَتِ " ١٠.
وقال عبدُ الله بْنُ مسعودِ :أكْبَرُ الكَبَائِرِ الشِّرْكُ باللَّهِ، والأمن من مَكْرِ اللَّه والقنوط من رحمة اللَّه، واليأسُ من روح اللَّهِ١١.
وعن النَّبَيِّ صلى الله عليه وسلم قال :" مِنْ أكْبَر الكبَائِر يسبُّ الرَّجُلِ وَالديْهِ :قالَ وَكَيْفَ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالدَيْهِ قال : [ يَسُبُّ الرجُل أبَا الرجل وَأمه ]١٢ فَيَسُب أباهُ وَيسُبُّ أمَّهُ " ١٣.
وعن سعيد بْنِ جُبَيْرٍ أنَّ رَجُلاً سألَ ابْنَ عباس عن الكبائِرِ أسَبْعٌ هي قال :هي إلى السبعمائة أقرب [ غير ] أنه لاَ كبيرَةَ مع الاستغْفَارِ، ولا صغيرَةَ معَ الإصْرَارِ١٤، وقال :كُلُّ شيْءٍ عصي اللَّه به، فهو كبيرة١٥، فمن عمل شيئاً منها، فَلْيَسْتَغْفِر اللَّهَ فإنَّ اللَّه لا يخلد في النَّارِ من هذه الأمَّةِ إلاَّ من كان راجعاً عن الإسلامِ، أو جاحداً فريضته، أو مكذباً بقدره. قال ابْنُ الخطيبِ١٦ :وهذا القول ضعيف ؛ لأنَّهُ لا فرقَ بينهما كقولهِ :يكفر، وما لا يكفرون في الحديث :تعيين أشيَاء من الكبائرِ منها :الشركُ، واليمينَ الغَمُوسُ [ والرِّبا ]١٧ وعُقوقُ الوالدين، والقَتْلُ، وغيرهما ولقوله تعالى : ﴿ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ ﴾ [ الحجرات :٧ ] فالكبائِرُ هي الفُسُوقُ والصغائر هي العصيان حتى يصحّ العطف. احتجّ ابنُ عبَّاس ما إذا اعتبر المعاصي بالنِّسْبَةِ إلى جلال اللَّه تعالى، وعظمته كانت كبائر بالنِّسْبَةِ لِكثَرةِ نعمه تعالى، فذلك لعدم تناهيها، فَكُلُّ ذنبٍ كبيرة.
والجوابُ كما أنَّهُ سبحانه وتعالى أجلُّ الموجودات، وأشرفهم، وهو أرحمُ الراحِمينَ، وأغنى الأغنياءِ عن الطَّاعات وذلك يوجب خفة الذنب ثم إنَّهَا وإن كان كبيرة، فبعضها أكبر مِنْ بعض١٨.

فصل


قال بعضهم :لتمييز الكبيرةِ عن الصَّغيرة بذاتها، وقيل :إنَّما تتميزُ بحسب [ حال فاعليها ] فالأولون لهم١٩ أقوال، أوَّلُهَا :قال ابْنُ عبَّاسٍ :كلُّ ما٢٠ قرن بذكر الوعيد، فهو كبيرةٌ كالقَتْلِ، والقذف.
الثَّاني :عن ابْنِ مسعُودٍ :كلّ ما نهي عنه من أوَّلِ النِّسَاءِ إلى ثلاثة وثلاثين آية فهو كبيرة لقوله : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ ﴾.
الثالث :قتل كل عمد فهو كبيرةٌ على الأوَّل لأنَّ كل ذنٍب لا بُدّ أن يكون متعلّق الذَّم عاجلاً، والعقاب آجلاً وهذا يقتضِي أنَّ كُلَّ ذنْبٍ كبيرة، وعلى الثَّانِي أنَّ الكبائِرَ مذكورة في سائر السور، فلا معنى لتخصيصها بهذه السُّورة، وعن الثَّالث إنْ أرادَ بالعَمْدِ أنَّهُ ليس بساهٍ فهذا٢١ هو الذي نهي عنه، فيكونُ كُل ذنب كبيرة، وإنْ أرَاد أنه يَفْعَلُهُ مع العِلْمِ به، فإنَّهُ معصيةٌ فمعلومٌ أنَّ اليَهُودَ والنَّصَارَى يكفُرُونَ بمحمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ولا يعلمون أنه معصيةٌ، وذلك كفرٌ وكبيرةٌ، فبطلت هذه الوجوه الثلاثةُ.
وأما القولُ الثَّاني٢٢ أنَّ الكبائر تمتازُ عن الصّغَائِرِ باعْتِبَارِ فاعلها، فهو قَوْلُ مَنْ يقولُ للطَّاعَةِ قدر من الثواب٢٣ وللمعصية قدر من العقاب فالقِسْمَةُ العقْلِيَّةُ تقتضي أقْسَامَ التَّساوي والتعادل، ورُجْحَان الثَّوابِ، ورجحان العِقَابِ فالأوَّلُ ممكنٌ عقلاً إلا أن الدليل السمعي دل على أنه لا يوجد لقوله تعالى : ﴿ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ ﴾
الشورى :٨ ] ولو وجد ذلك لم يكن في الجنَّةِ، ولا في السَّعيرِ.
والثَّاني :ينحبط العقابُ بما يُساويه مِنَ الثَّوابِ، والمعصية هي الصَّغيرة تسمى الانحباط بالتَّكفير.
والثَّالثُ :ينحبطُ الثَّوابُ بما يساويه من العقاب، ويسمى الكبيرة، وسمي الانحبَاط بالإحباط، فَظَهَرَ الفرقُ بين الكبيرةِ والصغيرةِ، وهذا قول جمهور المُعتزِلَةِ، وهو مَبْنِيٌّ على أصُولٍ باطلةٍ :
الأول :أنَّ الطَّاعةَ توجبُ ثواباً والمعصية توجب عقاباً، وهو بَاطِلٌ لما تقدَّم من أنَّ الفعل يتوقَّفُ على دَاعِيَةٍ مِن اللَّه تعالى، وذلك يَمْنَعُ الإيجاب.
ولأنَّ من اشْتَغَلَ بالعِبَادَةِ والتَّوحيدِ ثمانين سنة، ثم شَرِبَ قطرة خمر، فإنْ قالوا بالإحْبَاطِ خالف الضرورة والإجماع، وإن خالف وقالوا بترجيح الثَّوابِ نقضوا أصْلَهُم مِنَ التحسين والتقبيح العَقْلِيَّيْن فتبطل قواعدهم.
ولأنَّه سمى الله تعالى كبيرة لسابقه [ على الطاعة ]٢٤ وموجبة لها [ فأوَّلُ واجب ]٢٥ لا يستحقّ ثواباً، فيكون عِقَاب كُلّ معصية أن لا بد مِنْ ثَوَاب فاعلها، فتكون جميع المعاصي كبائر، وهو بَاطِلٌ، وقد تقدَّم القول بإبطال القَوْلِ بالإحْبَاط.

فصل


قال ابنُ الخطيبِ٢٦ :الأكثرُونَ على أنَّ اللَّه تعالى لم يُميِّز الكبائِرَ، ولم يُعَيِّنْهَا، قالوا :لأنَّ تمييزها وتعيينها مع إخباره بأن اجتنابها يكفِّر الصَّغَائِرَ إغراء بالإقدام على الصغائر، وذلك قَبيحٌ لا يليقُ بالحكمة٢٧، أمَّا إذَا لم يميِّزْهَا، كتحرير كَوْنِ المعْصيَةِ كبيرة زاجراً عن الإقدام عليها كإخفاء ليلة القدر وساعة الجمعة والصلاة الوسطى ووقت الموت مع تجوز تعيين بعض الكبائر كما ورد في الحديث والآيات كما ذكر عن ابن عباس أنها سَبْعَةٌ فقال هي إلى السّبعمائة أقرب.

فصل


احتج٢٨ الكعبيُّ بهذه الآية على القَطْعِ بوعيد أصْحَابِ الكبائرِ قال :لأنَّهُ تعالى بَيَّن أنَّ من اجتنب الكبَائِرَ يكفر عنه سيئاته، فَدَلَّ على أنَّ مَنْ لَمْ يَجْتنبها لم تكفَّرْ عَنْهُ، ولو جَازَ أنْ يغفرَ الكبائِرَ، والصَّغائِرَ، لم يَصِحَّ هذا الكلامُ.
والجوابُ مِنْ وُجُوهٍ :
الأوَّلُ :إنكم إما أن تستدِلوا بأن تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، فذلك باطل عِندْ المُعتزِلَةِ، وعِنْدَنَا دلالتُهُ ظَنيَّةٌ ضعيفةٌ.
وإما أن تستدلوا به من حيث أنَّ المعلق على الشيء بكلمة " إن " عدم عند عدم ذلكَ، فهذا أيضاً ضعيفٌ لقوله تعالى : ﴿ وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ [ النحل :١١٤ ] والشكر واجب مطلقاً ولقوله تعالى ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ﴾ [ البقرة :٢٨٣ ] وأداء الأمانة واجب مطلقاً ولقوله تعالى : ﴿ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ ﴾ يجوزُ شهادَتُهُم مع وُجُودِ الرِّجَالِ وقوله : ﴿ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ [ البقرة :٢٨٣ ]، ﴿ وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً ﴾
[ النور :٣٣ ]، ﴿ وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ ﴾
[ النساء :٣ ].
وقوله ﴿ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ ﴾
[ النساء :١٠١ ].
﴿ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ﴾ [ النساء :١١ ]
﴿ إِن يُرِيدَا إِصْلاَحاً يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ﴾ [ النساء :٣٥ ]، ﴿ وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ ﴾ [ النساء :١٣٠ ].
وهذا كُلُّهُ يَدُلُّ على العدمِ بهذا الكلامِ، والعَجَبُ أنَّ القَاضِي عَبْدَ الجبَّارِ لا يرى أنَّ المعلّق على الشَّيءِ كلمة " إنْ " عدمٌ عنه العدمِ، واسْتَحْسنَ في التَّفْسير٢٩ استدلاله على الكفر به
١ سقط في ب..
٢ انظر: المحرر الوجيز ٢/٤٣، والبحر المحيط ٣/٢٤٣، والدر المصون ٢/٣٥٤..
٣ السابق..
٤ السابق..
٥ انظر: السبعة ٢٣٢، والحجة ٣/١٥٣، وحجة القراءات ١٩٩، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣٢، وشرح الطيبة ٤/٢٠٣ ـ ٢٠٤، وشرح شعلة ٣٣٨، وإتحاف ١/٥٠٩..
٦ آية ٨٠..
٧ أخرجه البخاري (١١/٥٥٥) كتاب الأيمان والنذور (٦٦٧٥)، (١٢/٢٦٤) رقم (٦٩٢٠) والترمذي (٥/٢٢٠) كتاب التفسير باب سورة النساء (٣٠٢١) والنسائي كتاب تحريم الدم باب ذكر الكبائر والقسامة من طريق الشعبي عن عبد الله بن عمرو مرفوعا وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
٨ أخرجه البخاري كتاب الأدب باب عقوق الوالدين رقم (٥٩٧٧) ومسلم كتاب الإيمان (١٤٣، ١٤٤) وأحمد (٣/١٣١) والبيهقي (١٠/١٢١) عن أنس بن مالك مرفوعا..
٩ أخرجه البخاري كتاب التفسير باب سورة البقرة (٤٤٧٧) وباب سورة الفرقان (٤٧٦١) وكتاب الأدب باب قتل الولد خشية...(٦٠٠١) وفي كتاب المحاربين باب إثم الزناة (٦٨١١) وفي كتاب التوحيد باب: قول الله تعالى فلا تجعلوا الله أندادا حديث (٧٥٢٠) والترمذي (٢/٣٠٥) وأحمد (١/٤٣٤) والبيهقي (٨/١٨) وسعيد بن منصور (٢٣٠٢) والطيالسي (٣، ٤، ٢٢٢٩ ـ منحة) وأبو نعيم في "الحلية" (٤/١٤٥ ـ ١٤٦) من طرق عن أبي وائل عن عمرو بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود به وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح..
١٠ أخرجه البخاري كتاب الوصايا باب قول تعالى: ﴿إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما﴾ (٢٧٦٦) وفي الطب باب الشرك والسحر (٥٧٦٤) وفي المحاربين باب رمي المحصنات (٦٨٥٧) ومسلم كتاب الإيمان ١٤٥ وأبو عوانة (١/٥٥) وأبو داود (٢٨٧٤) والنسائي (٢/١٣١) والبيهقي (٦/٢٨٤ ـ ٨/٢٠، ٢٤٩ ـ ٩/٧٦) من حديث أبي هريرة..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٤٢، ٢٤٣) عن ابن مسعود وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦٤) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر والطبراني وابن أبي الدنيا في "التوبة"..
١٢ سقط في ب..
١٣ أخرجه البخاري (٨/٣) ومسلم (كتاب الإيمان ١٤٦) وأحمد (٢/١٦٤، ١٩٥) والبيهقي (١٠/٢٣٥) وابن أبي شيبة (٩/٨) عن عبد الله بن عمرو..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٤٥) عن ابن عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦١) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق سعيد بن جبير عنه..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٤٦) من طريق أبي الوليد عن ابن عباس رضي الله عنه..
١٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٦٠..
١٧ سقط في ب..
١٨ في أ: البعض..
١٩ بياض في ب..
٢٠ في أ: كلما..
٢١ في أ: فلهذا..
٢٢ في ب: الثالث..
٢٣ في أ: العقاب..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٦٢..
٢٧ في أ: بالجملة..
٢٨ في أ: استدل..
٢٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٦٣..
في كيفية النظم وجهان :
أحدهما :قال القفَّالُ :" لما نَهاهُم في الآية المُتقدِّمَةَ عن أكل الأمْوَالِ بالباطل، وعن قتْلِ النُّفُوسِ، أمرهم في هذه الآيةِ بما سهَّلَ عليهم تَرْكَ هذه المنهيَّاتِ، وهو أن يَرْضَى كُلُّ واحد بِمَا قسَمَ اللَّهُ، فإنَّهُ إذا لم يَرْض، وَقَعَ في الحَسَدِ، وإذا وقع في الحَسَدِ وَقعَ لا مَحَالَة في أخْذِ الأمْوَالِ بالبَاطلِ، وفي قتل النُّفُوسِ ".
الثَّانِي :أنَّ أخْذ الأمْوَالِ بالبَاطلِ، وقتلَ النُّفُوسِ من أعمال الجَوَارِحِ، فأمر أوَّلاً بتركها ليصيرَ الظَّاهِرُ طاهراً عن الأفعال القبيحة، ثُمَّ أمَرَهُ بعْدَهَا بترك التَّعَرُّضِ لِنُفُوسِ النَّاسِ، وأموالهم بالقَلْب على سَبيلِ الحَسَدِ، ليصيرَ البَاطِنُ أيضاً طاهراً عن الأخلاق الذَّمِيمَةِ.

فصل في سبب نزول الآية


قال مُجاهِدٌ :" قالت أمُّ سلمةَ :يا رسُولَ اللَّهِ، إنَّ الرِّجَالَ يَغْزُونَ ولا نَغْزُو، ولهم ضِعْفُ مَا لَنَا مِنَ المِيراثِ، فلو كُنَّا رجالاً غَزَوْنَا كما غَزَوا، وأخذْنَا مِنَ المِيراثِ مثلما أخذُوا ؟ فنزلت هذه الآية " ١.
وقيل :لمّا جَعَلَ اللَّهُ للذَّكر مِثْلُ حَظِّ الأنثيين في الميراثِ، قالتِ النِّسَاءُ :نَحْنُ أحْوجُ إلى الزِّيَادةِ مِنَ الرِّجَالِ ؛ لأنا ضعفاء، وهم أقْويَاء، وأقدر منا على المَعَاشِ فنزلت الآية.
وقال قتَادَةُ والسُّدِّيُّ :لما نزل قوله تعالى : ﴿ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ ﴾ [ النساء :١١ ] ؛ قال الرِّجالُ :إنَّ لنرجو أن نُفَضَّل على النِّسَاءِ بحسناتنا في الآخرة، فيكون أجرنا على الضّعف من أجر النِّسَاءِ كما فُضِّلْنَا عليهنَّ٢ في الميراثِ في الدُّنْيَا، فقال اللَّهُ تعالى : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾٣ [ النساء :٣٢ ].
وقيل :أتَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقالت :رَبُّ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ واحِدٌ، وأنتَ الرَّسُول إليْنَا، وإليهم، وأبونا آدَمُ، وأمُّنا حَوَّاءُ، فما السَّبَبُ في أنَّ اللَّه يَذكُرُ الرِّجَالَ، ولا يَذْكُرُنَا ؛ فنزلت الآية، فقالَتْ :وقد سَبَقَنَا الرِّجَالُ بالجهادِ فمَا لَنَا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم :" إنَّ لِلْحَامِلِ مِنْكُنَّ أجْرُ الصَّائِمِ القَائِم، فإذَا ضَرَبَهَا الطَّلْقُ لم يدْر أحدٌ مَا لَهَا مِنَ الأجْرِ، فَإذَا أرْضَعَتْ كَانَ لَهَا بِكُلِّ مَصَّة أَجر إحيَاء نَفْسٍ " ٤.
قوله : ﴿ مَا فَضَّلَ اللَّهُ ﴾ " ما " موصولة، أو نكرة موصوفة، والعائدُ الهاء في " بِهِ "، و " بعضكُم " مفعول ب " فَضَّلَ "، و " عَلَى بَعْضٍ " متعلّق به.

فصل


قال القرطبِيُّ٥ :التَّمني نوع من الإرادَةِ يَتَعلَّقُ بالمستقبلِ، واعْلَم أنَّ الإنسان إذَا شَاهَدَ أنواع الفَضَائِلِ حاصلة لإنسان، ووجد نَفْسَهُ خالياً عن جملتها، أو عن أكثرها، فحينئذٍ يتألَّمُ قلبه، ثُمَّ يعرض هاهنا حالتان :
إحداهما : [ أن يتمنى ]٦ زوال تِلْكَ السعادات٧ عن ذلك الإنْسَانِ.
والأخرى :لا يَتمَنَّى ذلك، بَلْ يَتَمنَّى حصول مثلها له.
فالأوَّلُ هو الحَسَدُ المذْمُومُ، والثَّانِي هو الغِبْطَةُ، فأمّا كون الحسد مذموماً ؛ فلأن اللَّه تعالى لمّا دَبَّر هذا العَالَم، وأفاض أنواع الكَرَمِ عليهم، فمن تمنى زوال ذلك ؛ فكأنه اعْتَرَضَ على اللَّه في فعله، وفي حِكْمَتِهِ، وَرُبَّمَا اعْتَقَدَ في نفسه، أنَّهُ أحَقُّ بتلك النِّعمِ من ذلِكَ الإنْسَانِ، وهذا اعْتِرَاضٌ على اللَّهِ، فيما يلقيه من الكُفْرِ، وفساد الدِّين، وقطعَ المَوَدَّةِ، والمَحَبَّةِ، وَيَنْقَلِبُ ذلك إلى أضداده.
وأما سبب المنع من الحَسَدِ، فعلى مذهَبِ أهْلِ السُّنَّة، فلأنه تعالى ﴿ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ ﴾
[ البروج :١٦ ]، ﴿ لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ ﴾ [ الأنبياء :٢٣ ]، ولا اعْتراضَ علَيْه في فعله، وعلى مذْهَبِ المُعتزِلَةِ، فلأنه تعالى علاَّم الغيوب، فهو أعرف من خَلْقِهِ بوجوهِ المَصَالِح، ولهذا [ المعنى ]٨ قال تعالى :
﴿ وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأَرْضِ وَلَكِن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَاءُ ﴾
[ الشورى :٢٧ ]، فلا بد لِكُلِّ عاقل من الرِّضَا بقضاء اللَّهِ، وممَّا يؤكِّدُ ذلك، قوله عليه السلامُ :" لاَ يَخْطبُ الرَّجُلُ علَى خِطبَةِ أخيه، ولا يَسُومُ عَلى سَوْمِ أخيهِ، ولا تَسْألِ المرأةُ طلاقَ أخْتِهَا لتلقي٩ مَا فِي إنَائِهَا، فإنَّ الله - تعالى - هُو رَازِقُهَا " ١٠ والمقصودُ من كُلِّ ذلِكَ المُبَالَغة في المَنْعِ مِنَ الحَسَدِ.
وَأمَّا الثَّاني، وهو الغِبْطَةُ، فَمِنَ النَّاسِ من جَوَّزَهُ، ومنعه آخرون قالوا :لأنَّهُ رُبَّمَا كانت تلك النِّعْمَةُ مفسدة في دينِهِ، ومضرّة عليه في الدُّنْيَا، ولذلك لا يجُوزُ للإنْسَانِ أنْ يَقُولَ :" اللَّهُمَّ أعطني دَاراً مثلَ دَارِ فُلانٍ، وزوجةً مِثْلَ زوْجَةِ فُلانٍ، بل ينبغِي أنْ يقُولَ :اللَّهُمَّ أعْطِنِي ما يَكُون صَلاَحاً في دِيني ودنياي، وَمَعادي ومَعَاشي " وإذا تأمَّلَ الإنْسَانُ لم يجد دُعَاءً أحْسَنَ مِمَّا ذكرهُ اللَّهُ في القُرآنِ تعْلِيماً لِعبَادِهِ، وهو قوله تعالى :
﴿ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [ البقرة :٢٠١ ]، ولهذا١١ قال : ﴿ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ [ النساء :٣٢ ].
وأمّا من جوّزه فاسْتَدَلَّ بقوله عليه السلامُ :" لاَ حَسَد إلاَّ في اثْنَتَيْن، رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرآنَ، فَهُو يقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وأطرافَ النَّهَارِ، وَرَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ مَالاً، فهُوَ يَنُفِقُ مِنْهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وأطرافَ النَّهَارِ " ١٢ فمعنى قوله :" لا حسد "، أي :لا غبطة أعظم وأفضل مِنَ الغبْطَةِ في هذين الأمْرَين.
قال بعضُ العُلَمَاءِ :" النَّهي [ عن ]١٣ التَّمنِّي المذكورِ في هذهِ الآية، هو ما لا يجوزُ تمنِّيه من عَرَضِ الدُّنْيَا، وأشباهها، وأما التَّمني في الأعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فحَسَنٌ قال عليه السَّلامُ :" اللَّهُمَّ وَددْتُ أنِّي أحْيَى، ثُمَّ أقتَلُ [ ثم أحيي ثم أقتل " ١٤ ]١٥، وذلك يَدُلُّ على فَضْلِ الشَّهَادةِ على سَائِر أعْمَالِ البِرّ ؛ لأنَّهُ - عليه السلامُ - تمنَّاهَا دون غيرها فرزقه اللَّهُ إيَّاهَا لقوله عليه السلامُ :" مَا زَالَتْ أكْلةَ خيبرٍ تعاودني [ كُل عامٍ، حتى كان هذا ] أوان انقطاع أبْهري " ١٦.
وفي الصَّحِيح :" إنَّ الشَّهيد يُقالُ لَهُ :تَمَنَّ، فَيقُولُ :أتَمَنَّى أنْ أرجعَ إلى الدُّنْيَا، فأقتَل في سَبيلكَ مَرَّة أخْرَى " ١٧ وكان عليه السَّلامُ يتمنى إيمانَ أبي طالب وأبي لهب، وصَنَادِيد قُرَيْشٍ، مع علمه بأنَّهُ لا يكونُ.
قوله : ﴿ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ ﴾ قيل :مِنَ الجِهَادِ.
﴿ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ ﴾، أي :من طَاعَةِ أزواجهن [ وحفظ فُرُوجهِنَّ ]١٨.
وقيل :ما قدر لهن من الميراث، يجبُ أن يرضوا به، ويتركوا الاعتراض١٩ نهى اللَّهُ - عزَّ وجلَّ - عن التَّمنِّي على هذا الوجه لما فيه من دَوَاعِي الحَسَدِ، ولأنَّ اللَّه - عزّ وجلّ - أعلم بمصالحهم منهم ؛ فوضَعَ القِسْمَةَ بينهم مُتَفَاوِتَةً على حَسْبِ ما علم مِنْ مصالِحِهمْ ويكونُ الاكتساب بمعنى :الإصَابَةِ.
وقيل :ما يَسْتَحِقُّوهُ من الثَّواب في الآخِرَةِ.
وقيل : [ المرادُ ]٢٠ الكلُّ ؛ لأنَّ اللَّفْظَةَ محتملة ولا منافاة.

فصل :إثبات الهمزة في الأمر من السؤال


الجمهورُ على إثْباتِ الهمْزَةِ في الأمرِ من السُّؤالِ الموجه نحو المخاطب، إذا تَقدَّمَهُ واو، أو فاء نحو : ﴿ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ ﴾ [ يونس :٩٤ ]، ﴿ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ ﴾ [ النساء :٣٢ ]، وابن كثير، والكسَائِي بنقل حركة الهمْزَة إلى السِّين تخفيفاً لكثرة استعماله. فإن٢١ لم تتقدَّمه واو، ولا فاء، فالكًُلُّ على النقل نحو : ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾
[ البقرة :٢١١ ]، وإن كان لغائب، فالكُلُّ على الهمز نحو : ﴿ وَلْيَسْأَلُواْ مَا أَنفَقُواْ ﴾
[ الممتحنة :١٠ ].
وَوَهِمَ ابْنُ عَطيَّة٢٢، فنقل اتِّفَاقَ القُرَّاءِ على الهَمْزِ في نحو : ﴿ وَاسْأَلُواْ مَا أَنفَقْتُمْ ﴾
[ الممتحنة :١٠ ]، وليس اتفاقهم في هذا، بل في ﴿ وليسألوا ما أنفقوا ﴾ كما تقدَّم.
وتخفيف الهَمْزَةِ لغةُ الحِجَازِ، ويحتملُ أن يكُون ذلك من لغة من يقُولُ " سَالَ يَسَالُ " بألف مَحْضَةٍ، وقد تقدَّمَ تحقيق ذلك٢٣، وهذا إنَّمَا يتأتى في " سَلْ "، و " فَسَلْ " وأمّا " وسَألوا "، فلا يَتَأتَّى فيه ذلك ؛ لأنَّهُ كان ينبغي أنْ يُقَالَ :سالوا كَخَافُوا، وقد يُقَالُ :إنَّهُ التزم الحذف لكثرة الورود، وقد تقدّم في البَقَرة عند ﴿ سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ [ البقرة :٢١١ ].
وهو يَتعَدَّى لاثْنَيْنِ، والجلالة مفعول أوّل، وفي الثَّاني قولان :
أحدهما :أنَّهُ محْذُوفٌ، فقدَّره ابْنُ عطيَّة٢٤ :" أمانيَّكم " وقدّره أبُو عليِّ الفارسِيُّ وغيره٢٥ :شيئاً مِنْ فَضْلِه، فحذفَ المَوْصُوف، وأبْقَى صِفَتَهُ نحو :" أطعمته من اللحم "، أي :شيئاً منه، و " مِنْ " تبعيضيَّة.
والثَّاني :أن " مِنْ " زائدة، والتَّقديرُ :" واسألوا الله فَضْلَهُ "، وهذا إنَّما يَتَمَشَّى على رَأي الأخْفَشِ لفقدان الشَّرْطَيْنِ، وهما تنكيرُ المجْرُورِ، وكون٢٦ الكلام [ غير موجب ]٢٧.

فصل


قال عليه السلامُ :" سَلوا اللَّه مِنْ فَضْلِه، فإنَّهُ يحِبُ أنْ يُسْألَ، وأفْضَلُ العِبَادَةِ انْتِظَارُ الفَرَج " ٢٨، وقال - عليه السلامُ - :" مَنْ لَمْ يَسْألِ اللَّهَ يَغْضَبْ عليْهِ " ٢٩.
وقال القُرْطُبِيُّ٣٠ :" وهذا يَدُلُّ على أنَّ الأمْرَ بالسُّؤالِ للَّهِ تعالى واجبٌ، وهذه الآية تَدُلُّ على أنَّ الإنسَانَ لا يجوزُ له أنْ يعيِّن شيئاً في الدُّعَاءِ، والطَّلب، ولكن يَطْلُبُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ - تعالى - ما يكُونُ سبباً لصلاحِ دينهِ ودُنْيَاهُ ". ثُمَّ قَالَ ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً ﴾ ومعناه :أنَّهُ العالم بما يكونُ صلاحاً للسَّائِلينَ.
١ أخرجه الترمذي (٤/٨٨) والحاكم (٢/٣٠٥ ـ ٣٠٦) وأحمد (٦/٣٢٢) والطبري في "تفسيره" (٨/٢٦٢) والواحدي في أسباب النزول" ص (١١٠) عن مجاهد عن أم سلمة.
وأعله الترمذي فقال: هذا حديث مرسل ورواه بعضهم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرسلا: أن أم سلمة قالت كذا...
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين إن كان سمع مجاهد من أم سلمة ووافقه الذهبي على تصحيحه.
والخبر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦٦) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكره أبو الليث السمرقندي في "بحر العلوم" (١/٣٥٠)..

٢ في ب: علهم..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٦٤) عن السدي وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦٧) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٤ انظر: "التفسير الكبير" للفخر الرازي (١٠/٣٢)..
٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٠٧..
٦ سقط في أ..
٧ في أ: السعادة..
٨ سقط في أ..
٩ في ب: لتكفأ..
١٠ روي هذا الحديث مجزأ خرج الشطر الأول منه البخاري (٩/١٠٥) كتاب النكاح: باب لا يخطب على خطبة أخيه (٥١٤٢) ومسلم (٢/١٠٢٩) كتاب النكاح: باب تحريم الجمع (٣٨ ـ ١٤٠٨) ومالك (٢/٥٢٣) عن أبي هريرة.
وأخرج الشطر الثاني منه مسلم (٤/١٣٨ ـ ١٣٩) والنسائي (٢/٢١٦) وابن ماجه (٢١٧٢) والبيهقي (٥/٣٤٤) وأحمد (٢/٤٨٧) والبغوي في "شرح السنة" (٤/٢٨٧) من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا.
وأخرج الشطر الأخير منه البخاري (٩/١٢٦) كتاب النكاح: باب الشروط التي لا تحل في النكاح (٥١٥٢)، (١١/٥٠٢) كتاب القدر: باب وكان أمر الله قدرا مقدورا (٦٦٠١) ومسلم (٢/١٠٢٩) كتاب النكاح: باب تحريم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها في النكاح (٣٨، ٣٩/١٤٠٨)..

١١ في أ: لذلك..
١٢ أخرجه البخاري فضائل القرآن: باب اغتباط صاحب القرآن حديث (٥٠٢٥، ٧٥٢٩) ومسلم (١/٥٥٨) كتاب صلاة المسافرين باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (٢٦٦/٨١٥)..
١٣ سقط في ب..
١٤ تقدم..
١٥ سقط في أ..
١٦ ذكره بهذا اللفظ المتقي الهندي في "كنز العمال" رقم (٣٢١٨٩) وعزاه لابن السني وأبي نعيم كلاهما في "الطب" عن أبي هريرة..
١٧ الحديث ذكره القرطبي في "تفسيره" (٥/١٦٣)..
١٨ سقط في ب..
١٩ في أ: لأغراض..
٢٠ سقط في أ..
٢١ في أ: فإذا..
٢٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٥..
٢٣ آية ٢١١..
٢٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٤٥..
٢٥ ينظر: الدر المصون ٢/٣٥٥..
٢٦ في ب: تكوين..
٢٧ سقط في ب..
٢٨ أخرجه بهذا اللفظ الطبري في "تفسيره" (٨/٢٦٨) عن حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجه الترمذي (٥/٥١٤) رقم (٣٥٧١) من طريق بشر بن معاذ العقدي عن حماد بن واقد عن إسرائيل عن أبي إسحق عن أبي الأحوص عن عبد الله بن مسعود مرفوعا دون ذكر: وإن من أفضل العبادة انتظار الفرج وقال الترمذي: هكذا روى حماد بن واقد هذا الحديث وحماد بن واقد ليس بالحافظ وروى أبو نعيم هذا الحديث عن إسرائيل عن حكيم بن جبير عن رجل لم يسمه عن النبي صلى الله عليه وسلم وحديث أبي نعيم أشبه أن يكون أصح.
والحديث عزاه ابن كثير في "تفسيره" (٢/٤٣٠) لابن مردويه من حديث قيس بن الربيع عن حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مرفوعا..

٢٩ أخرجه الترمذي (٣٣٧٣) والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٥٨) من طريق أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعا..
٣٠ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٠٨..
" جعلنا " فيه سِتَّةُ أوْجُهٍ، وذلك يَسْتَدْعِي مقدِّمَةً قبله، وَهُوَ أنّ " كُلّ " لا بدَّ لَهَا مِنْ شَيْءٍ تُضَافُ إليْهِ.
قال القُرْطُبِيُّ١ :" كُلّ " في كلام العربِ مَعْناهَا :الإحَاطَةُ والعموم، فإذا جَاءَتْ مُفْرَدَة، فلا بدَّ وأن يكُونَ في الكَلاَمِ حَذْفٌ عند جميع النحويين ".
واختلفوا في تقديرهِ :فقيل تقدِيرُهُ :ولكلِّ إنسان.
وقيل :لِكُلِّ مال، وقيل :لِكُلِّ قوم، فإنْ كانَ التَّقْديرُ :لكل إنسان، ففيه ثلاثة أوجه :
أحدُهَا :وَلِكُلِّ إنسانٍ موروثٍ٢ جعلنا موالي، أي :وُرَّاثاً مِمَّا تَرَكَ، ففي " تَرَكَ " ضميرٌ عائد على " كُلّ "، وهنا تمّ الكلام.
وقيل :تَقْدِيرُهُ :ويتعلق " مِمَّا تَرَك " ب " مَوَالي " لما فيه من معنى الوراثة، و " موالي " :مَفْعُولٌ أوَّ ل " جَعَلَ "، و " جَعَلَ " بمعنى :" صَيَّر "، و " لِكُلّ " جار ومجرور هو المفعول الثَّاني، قُدِّم على عامِلِهِ، ويرتفع " الوِلْدَان " على خبر مبتدأ محذوف، أو بفعل مقدّر، أي :يرثون مما [ ترك ]٣، كأنه قيل :ومَنْ الوارثُ ؟ فقيل :هم الوَالِدَان والأقْرَبُون، والأصل :" وجعلنا لكل ميت وراثاً يرثون مما تركه هم الوالدان والأقربون ".
والثَّانِي :أنَّ التَّقديرَ :ولكلِّ إنْسَانٍ موروث، جعلنا وراثاً مما ترك ذلك الإنسان. ثُمَّ بين الإنْسَان المضاف إليه " كُلّ " بقوله : ﴿ الْوَالِدَانِ ﴾، كأنه قيل :ومن هو هَذَا الإنسان الموروث ؟ فقيل٤ :الوالدان والأقربُونَ، والإعراب كما تقدَّمَ في الوَجْهِ قَبْلَهُ، إنَّمَا الفرقُ بينهما أنَّ الوالِدَيْنِ في الأوَّلِ وارثون، وفي الثانِي مورثون، وعلى هذيْنِ الوجْهَيْنِ فالكلامُ جُمْلَتَانِ، ولا ضميرَ، محذُوف في " جعلنا "، و " موالي " مفعول أول، و " لكل " مفعول ثان.
الثَّالِثُ :أن يكُونَ التَّقدِيرُ :ولكل إنسان وارِث ممَّن٥ تركُ الولِدَانِ والأقْرَبُون جعلنا موالي، أي :موروثين، فَيُراد بالمَولى :الموْرُوثُ، ويرتفع " الوالدان " ب :" ترك "، وتكون " مَا " بمعنى " مَنْ "، والجارّ، والمجرورُ صِفَةٌ للمضاف إليه " كُلّ "، والكلامُ على هذا جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، وفي هذا بُعْدٌ كبير.
الرَّابعُ :إذا كان التَّقديرُ وَلِكُلِّ قوْمٍ، فالمعنى :ولكل قوم جعلناهم مَوَالي نصيبٌ مِمَّا تَرَكَهُ والدُهم٦ وأقربوهم، ف " لكل " خبر مقدّم، و " نَصِيب " مُبْتَدَأٌ مُؤخَّرٌ، و " جعلناهم " صفة لقوم، والضَّمِيرُ العَائِدُ عليهم مفعولُ :" جعل "، و " موالي " :إما ثانٍ وإمّا حالٌ، على أنَّهَا بمعنى " خلقنا "، و " مما ترك " صفةٌ للمبتدأ، ثم حُذف المُبْتَدَأ، وبقيت صفته، [ وحُذِفَ المُضَافُ إليه " كُلّ " وبقيت صفته أيضاً ]٧، وحُذف العَائِدُ على المَوْصُوفِ.
ونظيره :لِكُلِّ خَلَقَهُ اللَّه إنْسَاناً مِنْ رِزْقِ اللَّه، أي :لِكُلِّ أحدٍ خلقه اللَّه إنْسَاناً نَصِيبٌ من رزقِ اللَّهِ.
الخَامِسُ :إنْ كَانَ التَّقدِيرُ :ولكلِّ مالٍ، فقالوا :يكون المعنى :ولكلِّ مال مِمَّا تركه الوالدانِ والأقربون جعلنا موالي، أي :وُرَّاثاً يلونه، ويحوزونه، وجعلوا " لِكُلّ " متعلقة :ب " جَعَلَ "، و " مِمَّا ترك " صفة ل " كُلّ "، والوالدان فَاعِلٌ ب " تَرَكَ "، فيكونُ الكلامُ على هذا، وعلى الوجهين قبله كلاماً واحداً، وهذا وإنْ كَانَ حَسَناً، إلاّ أنَّ فيه الفَصْلَ بين الصِّفَةِ والموْصُوفِ بجملةٍ عامِلَةٍ في الموْصُوفِ.
قاتل أبُو حَيَّان٨ :" وهو نظير قولك :بكُلِّ رَجُلٍ مَرَرْتُ تميميٍّ وفي جواز ذلك نَظَرٌ ".
قال شهَابُ الدِّينِ٩ :" ولا يحتَاجُ إلى نَظَرٍ ؛ لأنَّهُ قد وُجِدَ الفصلُ بَيْنَ الموْصُوفِ والصِّفَةِ بالجملةِ العَامِلَةِ في المُضَافِ إلى المَوصُوفِ، كقوله تعالى :
﴿ قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيّاً فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ ﴾ [ الأنعام :١٤ ] ف ﴿ فَاطِرِ ﴾ صفة ل ﴿ اللَّه ﴾، وقد فُصِلَ [ بينهما ]١٠ ب ﴿ أَتَّخِذُ ﴾ العامل في ﴿ أَغَيْرَ ﴾ فهذا أولى ".
السَّادسُ :أنْ يكُونَ لكلِّ [ مال ]١١ مفعولاً ثانياً ل " جعَلَ " على أنَّها تصييرية١٢، و " مَوَالي " مفعول أوَّل، والإعرابُ على ما تقدَّمَ.

فصل


" المَولى " لفظ مُشْتَرَكٌ بيْنَ مَعَانٍ :
أحدها :المعتِقُ ؛ لأنَّهُ ولي نعمة من أعتقه، ولذلك سمي مولى النعمة. ثانيها :الْعَبْدُ المُعْتَقُ لاتِّصَالِ ولايَةِ مَوْلاَهُ به في إنْعَامِه عليه، وهذا كما سُمِّيَ الطَّالِبُ غرِيماً ؛ لأنَّ له اللُّزُوم والمطالبة بحقِّه، ويسمَّى المطلوب غريماً، لِكونِ الدِّينِ لازِماً له.
وثالثها :الحليفُ ؛ لأنَّ المحالف يلي أمْرَهُ بِعَقْدِ اليَمينِ.
ورابعُهَا :ابْنُ العَمِّ ؛ لأنَّهُ يليه بالنُّصْرَةِ.
وخامسها :المولى١٣ لأنَّ يليه بالنُّصْرَةِ، قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لاَ مَوْلَى لَهُمْ ﴾ [ محمد :١١ ].
سادسُهَا :العَصَبَةُ، وهو المُرادُ بهذه الآية ؛ لقوله عليه السلامُ :" أنا أوْلَى بالمؤمنينَ، مَنْ مَات وتَرَكَ مالاً، فَمَالُهُ لمَوَالِي الْعَصَبَةِ، ومَنْ ترك ديناً ؛ فأنَا وَلِيُّه " ١٤.
وقال عليه السلامُ :" ألْحِقُوا الفَرَائِضَ بأهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فللأوْلَى عصبَةٍ ذكر " ١٥.
قوله ﴿ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ ﴾ في محلّهِ أربعة أوجهٍ :
أحدُهَا :أنَّهُ مُبْتدأ والخبر قوله :" فآتوهم " [ ودخلت الفاء في الحيز لتضمن الذي معنى الشرط ]١٦.
الثَّاني :أنَّهُ منصوبٌ على الاشْتِغالِ بإضمار فعلٍ، وهذا أرجحُ مِنْ حَيْثُ إنَّ بَعْدَهُ طلباً.
والثَّالِثُ :أنَّهُ مرفوعٌ عطفاً على ﴿ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ ﴾، فإن أريدَ بالوالدين أنَّهُم موروثون، عادَ الضَّميرُ من " فآتوهم " على " موالي " وإن أُريد أنَّهُم وَارِثُون جازَ عودُه على " موالي " وعلى الوالدَيْنِ وما عُطِفَ عليهم.
الرَّابِعُ :أنَّهُ منصوب عطفاً على " موالي ".
قال أبُو البَقَاءِ١٧ : [ أي : ]١٨ " وجعلنا الذين عاقدتْ وُرّاثاً ؛ وكان ذلك ونسخ "، وردّ عليه أبُو حَيَّان١٩ بِفَسَادِ العطْفِ، قال :فإن جُعِل من عطْفِ الجُمَل، وحُذِفَ المفعولُ الثَّاني لدلالة المعنى عليه أمكن ذلك أيْ :جعلنا وُرَّاثاً لكلِّ شَيْءٍ من المال، أو لِكُلِّ إنسان، وجَعلنَا الذِينَ عاقَدَتْ أيمانكم وراثاً وفيه بعد ذلِكَ تَكَلُّفٌ.
انتهى.
وقرأ عاصمٌ وحمْزَةُ والكسَائِيُّ٢٠ :" عقدت " والباقون :" عاقدت " بألف وروي عن حمزة التَّشديد في " عقدت "، والمفاعلة هنا ظَاهِرَةٌ ؛ لأنَّ المَرَادَ المخالفة.
والمفعولُ محذوفٌ على كُلٍّ من القِرَاءاتِ، أي :عاقدْتَهم أو عَقَدْتَ حِلْفهم، ونسبة المُعاقَدَةِ، أو العَقْدِ إلى الأيمان مجاز، سوَاءٌ أُريد بالأيْمَانِ الجَارِحَة، أم القَسمُ.
وقيل :ثمَّ مُضافٌ محذوفٌ، أي :عقدت ذَوُو أيْمَانِكُم.

فصل في :" معنى المعاقدة والأيمان "


المُعَاقَدَةُ المُحالَفَةُ، والأيْمَانُ جمع يَمينٍ من اليد والقسَمِ، وذلك أنَّهُم كانُوا عند المُحالَفَةُ يأخذُ بعضهُمُ يدَ بَعْضٍ، على الوفَاءِ [ والتمسك ]٢١ بالعهد.

فصل الخلاف في نسخ الآية


قال بعضهم :إنَّ هذه الآية مَنْسُوخَةٌ، واسْتدلُّوا على ذلك٢٢ بوجوه :
أحدها٢٣ :أنَّ الرَّجُلَ كان في الجاهلِيَّةِ يُعَاقِدُ غيْرَهُ، فيقُولُ :" دَميَ دمُكَ وسِلْمِي سِلْمُك، وَحَرْبِي حَرْبُكَ، وترثُنِي٢٤ وَأرِثُك، وَتَعْقِلُ عَنِّي، وأعْقِلُ عنك "، فيَكُونُ لهذا الحليف السّدس [ من ]٢٥ الميراثِ، فذلك قوله :" فآتوهم نصيبهم "، فنُسِخ ذلك بقوله :
﴿ وَأْوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﴾ [ الأنفال :٧٥ ]، وبقوله :
﴿ يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ ﴾ [ النساء :١١ ].
وثانيها :أنَّ الرَّجُلَ كانَ يتَّخِذُ أجنبياً فيجعله٢٦ ابْناً له، وَهُمُ المُسَمُّوْنَ بالأدْعِيَاء في قوله تعالى : ﴿ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ﴾، وكانوا يتوارثون بذلك، ثم نُسِخَ.
وثالِثُهَا :أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم كان يُثْبِتُ المؤاخاة بيْنَ الرَّجلين مِنْ أصحابِهِ، وكان ذلك سَبَباً للِتَّوَارُثِ، ثم نسخ.
وقال آخرُونَ :الآيةُ غير مَنْسُوخَةٍ.
وقال إبْراهيمُ ومُجاهِدٌ :أرادَ :" فآتوهم نصيبهم من النصر والرفادة ولا ميراث " ٢٧.
وقال الجبَّائِيُّ٢٨ :تقدير الآية :" ولكل شيء مما ترك الوالدان والأقربون "، ﴿ والذين عاقدت أيمانكم ﴾ معطوف على قوله : ﴿ الوالدان والأقربون ﴾، وسمى اللَّهُ تعالى الوارث مولى، والمعنى :لا تَدفعُوا المالَ إلى الحليفِ، بل للمولى، والْوَارِثِ.
وقال آخرون٢٩ :المُرادُ ب ﴿ الذين عاقدت أيمانكم ﴾ الزَّوْجُ، والزَّوْجَةُ، فأراد عقد النِّكاح قال تعالى ﴿ وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ ﴾ [ البقرة :٢٣٥ ] وهو قول أبِي مُسْلِم الأصفهانيَّ قال :ونظيره آية المواريث، لما بَيَّنَ آية ميراث الوالدَيْنِ، ذكر معهم ميراثَ الزَّوْجِ، والزَّوْجَةِ.
وقيل :أراد بقوله : ﴿ الذين عاقدت أيمانكم ﴾ :الميراث بِسَبَبِ [ الوَلاَء ]٣٠ وقيل :" نزَلَتِ الآيةُ في أبِي بكرٍ الصِّدِّيق، وابنه عبد الرَّحْمن، أمره اللَّه أن يؤتيه نَصِيبَهُ " ٣١.
وقال الأصمُّ٣٢ :المُرادُ بهذا النَّصِيب على سبيل الهِبَةِ، والهديَّة بالشيءِ القَلِيلِ كأمره تعالى لمن٣٣ حَضَرَ القِسمَةَ أن يجعل لَهُ نصيباً كما تقدّم.

فصل الخلاف في إرث المولى الأسفل من الأعلى


قال جمهور الفُقَهَاءِ٣٤ :" لا يَرثُ المَولى الأسْفَل من الأعلى ".
وحكى الطَّحَاوِيُّ عن الحسن٣٥ بنِ زيادٍ أنَّهُ قال :" يَرِثُ "، لما روى ابن عباس - رضي الله عنه - أنَّ رجُلاً أعتق عبداً له ؛ فَمَاتَ المُعْتِق، ولم يترك إلا المُعتَق٣٦، فجعل رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم ميراثه للغلام المعتق ولأنَّهُ داخلٌ ٣٧ في عموم قوله : ﴿ والذين عاقدت أيمانهم فآتوهم نصيبهم ﴾.
وأجيب بأنه لَعَلّ٣٨ ذلك لما صار لبيت المال دفعه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغُلامِ لحاجته، وفقره ؛ لأنه كانَ مالاً لا وارث لَهُ، فَسَبيلُهُ أن يُصرف إلى الفُقَرَاءِ.
ثم قال تعالى [
﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ [ النساء :٤٨ ] ثم قال ]٣٩ ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً ﴾، وهذه كلمة وعد للمطيعين، ووعيد لِلْعُصَاةِ، والشَّهِيدُ الشَّاهد، والمرادُ إمّا٤٠ علمه تعالى بجميع المَعْلُومَاتِ، فيكونُ المُرَادُ بالشَّهيدِ العالم، وإمّا شهادته على الخلق يَوْمَ القِيامَةِ، فالمُرَادُ بالشَّهيدِ المخبر.
١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٠٩..
٢ في ب: مورث..
٣ سقط في أ..
٤ في أ: فقال..
٥ في ب: فمن..
٦ في ب: والدوهم..
٧ سقط في ب..
٨ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٤٧..
٩ ينظر: الدر المصون ٢/٣٥٦..
١٠ سقط في ب..
١١ سقط في ب..
١٢ في ب: تصير به..
١٣ في أ: الناصر..
١٤ أخرجه البخاري (٣/٥٥٧) في الكفالة: باب الدين (٢٢٩٨) وفي الاستقرض (٥/٧٥) باب الصلاة على من ترك دينا (٢٣٩٨، ٢٣٩٩) وفي "التفسير" (٨/٣٧٦) باب سورة الأحزاب (٤٧٨١) وفي النفقات (٩/٤٢٥) باب قوله صلى الله عليه وسلم: من ترك كلا أو ضياعا فإلي (٥٣٧١) وفي الفرائض (١٢/١١) باب قوله صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلأهله (٦٧٢١) وفي باب ميراث الأسير (٦٧٦٣) ومسلم (٣/١٢٣٧) كتاب الفرائض باب من ترك مالا فلورثته (١٤/١٦١٩) من حديث أبي هريرة..
١٥ أخرجه البخاري (١٢/١١) كتاب الفرائض: باب ميراث الولد من أبيه وأمه (٦٧٣٢) وباب ميراث ابن الابن إذا لم يكن ابن (٦٧٣٥) وباب ميراث الجد مع الأب والإخوة (٦٧٣٧) وباب ابني عم أحدهما أخ للأم والآخر زوج (٦٧٤٦) ومسلم (٣/١٢٣٣) كتاب الفرائض: باب ألحقوا الفرائض بأهلها (٢/١٦١٥).
وأبو داود (٢٨٩٨) والدرامي (٢/٣٦٨) وابن ماجه (٢٧٤٠) وابن الجارود في "المنتقى" (٩٥٥) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٢/٤٢٥، ٤٢٦) والبيهقي (٦/٢٣٨، ٢٣٩) وأحمد (١/٢٩٢، ٣١٣، ٣٢٥) من طرق عن عبد الله بن طاوس عن أبيه عن ابن عباس مرفوعا..

١٦ سقط في أ..
١٧ ينظر: الإملاء ١/١٧٨..
١٨ سقط في ب..
١٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٤٨..
٢٠ انظر: السبعة ٢٣٣، والحجة ٢/١٥٦، وحجة القراءات ٢٠١، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣٣، وشرح الطيبة ٤/٢٠٤، وشرح شعلة ٣٣٩، وإتحاف ١/٥١٠..
٢١ سقط في أ..
٢٢ في أ: واستدل..
٢٣ في أ: أولها..
٢٤ في أ: وارثني..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ في أ: خليا..
٢٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٧٨، ٢٧٩) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٦٩) وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وسعيد بن منصور والنحاس في "ناسخه"..
٢٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٦٩ ـ ٧٠..
٢٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٠..
٣٠ سقط في أ..
٣١ انظر: تفسير الرازي ١٠/٧٠..
٣٢ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٠..
٣٣ في أ: لما..
٣٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٠..
٣٥ في ب: حسن..
٣٦ في ب: العتيق..
٣٧ في ب: ولد خولة..
٣٨ في ب: فعل..
٣٩ سقط في ب..
٤٠ في ب: ما..
وجه النَّظْم :أنَّ النِّسَاءَ لمّا تَكلَّمْنَ في تَفْضيل [ الله ] الرِّجال١ عليهن في الميراثِ ؛ بيَّن في هذه الآيَةِ أنَّهُ إنَّمَا فضَّل الرِّجَال على النِّسَاءِ في الميراث ؛ لأنَّ الرِّجالَ قوَّامون على النساء٢ ؛ فهم وإن اشْترَكُوا في اسْتِمْتَاعِ كُلّ واحدٍ منهم بالآخر، فاللَّهُ أمَرَ الرِّجَالَ بالْقِيَامِ عليهنَّ والنفقة، ودفع المَهْرِ إليهنَّ.
وَالْقَوَّامُ، والقَيِّمُ٣ بمعنى واحد، والقوام أبْلَغُ، وهو القيم٤ بالمصالح، والتَّدْبِيرِ، والتَّأدِيبِ، والاهتمام بالْحِفْظِ.
قال مُقَاتِلٌ :" نزلت في سَعْد بْنِ الرَّبيعِ، وكان من النقباء وفي امرأته حبيبةَ بِنْتِ [ زَيْدِ ابْنِ خارجة بن أبي زهير ].
وقال ابْنُ عَبَّاس، والكلْبِيُّ :" امرأته عَميرَةُ بِنْتُ محمد بْن مَسْلَمةَ، وذلك أنَّها نَشَزَتْ عليه، فَلَطَمَهَا، فانْطلقَ أبُوها معها إلى النَّبي صلى الله عليه وسلم فقال :أفَرْشْتُهُ كريمَتِي فلطمَهَا، وإنَّ أثَرَ اللَّطْمَةِ بَاقٍ في وَجْهِهَا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم :اقتصِّي منه ثم قال :اصبري حتى أنظر، فنزلت هذه الآية، فقال النبي عليه السلام :أردْنَا أمراً، وأرَادَ اللَّهُ أمْراً، والَّذِي أرَادَ اللَّهُ خَيْر، ورَفَعَ الْقِصَاصَ " ٥.
قوله : ﴿ عَلَى النِّسَاءِ ﴾ متعلق ب ﴿ قَوَّامُونَ ﴾ وكذا " بما " والباء للسَّبَبيَّةِ، ويجوز أن تكُونَ لِلْحَالِ، فتتَعلَّق بِمحذُوفٍ ؛ لأنَّهَا حَالٌ من الضَّميرِ في ﴿ قَوَّامُونَ ﴾ تقديره :مُسْتَحِقِّينَ بتفضيل اللِّهِ إيَّاهُمْ، و " مَا " مَصْدَريَّةٌ، وقيل :بمعنى الَّذِي، وهو ضعيفٌ لحذف العائِدِ من غَيْرِ مُسَوِّغ.
والبعضُ الأوَّلُ المُرادُ به الرِّجالُ، والبَعْضُ الثَّاني :النسَاءُ، وعَدلَ عَنِ الضَّميريْن فلم يَقُل :بما فَضَّلَهم اللَّهُ عَلَيْهِنَّ، للإبهام الذي في بَعْض.

فصل في دلالة الآية على تأديب النساء


دَلَّت الآيةُ عَلَى تأديبِ الرِّجَالِ نساءهم، فإذا حَفِظْنَ حُقُوقَ الرِّجَالِ، فلا يَنْبَغِي أن يُسِيءَ الرِّجُلُ عِشْرَتَها.

فصل


اعلم أنَّ فَضْلَ الرِّجَالِ على النِّسَاءِ من وُجُوهٍ كثيرةٍ ؛ بعضها صفات حقيقيَّة، وبعضها أحْكَامٌ شرْعيَّةٌ، فالصِّفَاتُ الحقيقيَّة [ أن ]٦ عُقُولَ الرِّجَالِ وعُلُومَهُم أكْثَر، وقُدْرَتهم على الأعْمَالِ الشَّاقَّة أكْمَل، وفيهم كذَلِكَ من الْعَقْلِ والْقُوَّةِ والكِتَابَةِ في الغالب والفُرُوسيَّةِ، والرَّمْي، وفيهمُ العُلَمَاءُ، والإمَامَةُ الكُبْرَى [ والصغرى ]٧، والجهادُ والأذانُ، والخطبةُ، والجمعةُ، والاعْتِكَافُ، والشَّهَادَةُ على٨ الحدود والقِصَاص، وفي الأنْكِحَةِ عند بعضِهِم، وزيادة نصيب الميراث، والتَّعْصيب، وتحمل الدِّية في قتل الخَطَأ، وفي القَسَامَةِ، وفي ولايةِ النِّكَاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، وعَدَدِ الأزْوَاجِ، وإليهم الانتساب.
وأمّا الصِّفَاتُ الشَّرعيَّةُ فقوله تعالى : ﴿ وَبِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ والمرادُ :عطية المَهْرِ، والنَّفَقَة عليها، وكُلُّ ذلك يَدُلُّ على فَضْل الرِّجَالِ على النِّسَاءِ.
قوله تعالى : ﴿ وَبِمَا أَنْفَقُواْ ﴾ يَتَعَلَّقُ بما تَعَلَّق به الأوَّلُ، و " مَا " يَجُوزُ أنْ تكُونَ بمعنى " الّذِي " من غير ضَعْفٍ ؛ لأنَّ للحذف مسوِّغاً، أي : ﴿ وبما أنفقوه من أموالهم ﴾.
﴿ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ متعلّق ب ﴿ أَنْفَقُواْ ﴾، أو بمحذوف على أنَّهُ حال من الضَّمير المحذُوف.

فصل


قال القُرْطبِيُّ٩ :قوله : ﴿ وَبِمَا أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ﴾ يدلُّ على أنَّهُ متى عجز عن نَفَقَتِهَا، لم يَكُن قوَّاماً عليها [ وإذا لم يكن قوّاماً ] كان لها فَسْخُ العَقْدِ ؛ لزوال المَقْصُودِ الَّذي شُرع لأجْلِهِ النِّكَاحُ، فدلَّ ذلك على ثبوت فَسْخِ النِّكَاحِ عند الإعسار بالنَّفَقَةِ، والكِسْوَةِ، وهذا مَذْهَبُ مَالِكٍ والشَّافعيّ، وأحْمدَ.
وقال أبو حنيفة :لا يُفْسَخُ لقوله تعالى : ﴿ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ﴾
[ البقرة :٢٨٠ ].
قوله : ﴿ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ [ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ ﴾ ] ١٠ " الصَّالحات " مبتدأ، وما يَعْدَهُ خبران لَهُ، و " للغيب " مُتعلِّق ب " حَافظاتٌ " و " أل " في " الغيب " عوض من الضَّميرِ عند الكُوفييِّنَ كقوله : ﴿ وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً ﴾ [ مريم :٤ ]، أي :رأسي وقوله : [ البسيط ]
ب- لميَاءُ في شَفَتَيْهَا حُوَّةٌ لَعَسٌ *** وَفِي اللِّثَاتِ وفِي أنْيَابِهَا شَنَبُ١١
أي :لثاتها.
والجمهور على رفع الجلالةَ من ﴿ حَفِظَ اللَّهُ ﴾ وفي " مَا " على هذه القراءة ثلاثَةُ أوْجُه :
أحدُهَا :أنَّهَا مَصْدَريَّةٌ، والمعنى :بحظ اللَّه إيَّاهُنَّ أي :بتوفيقه لهن، أو بالوصيَّةِ منه تعالى عليهنَّ.
والثاني :أن تكُونَ بمعنى الذي، والعَائِدُ محذوفٌ، أي :بالَّذي حفظه اللَّهُ لَهُنَّ مِنْ مُهُورِ أزواجهِنَّ، والنّفقة١٢ عليهن، قاله الزَّجَّاجُ.
والثَّالِثُ :أن تكُونَ " مَا " نكرة موصوفة، والعَائِدُ محذوفٌ أيضاً، كما تقرَّرَ في المَوْصُولَةِ، بمعنى الَّذِي.
وقرأ أبُو جَعْفَرٍ١٣ بنصب الجَلاَلَةِ. وفي " مَا " ثلاثة أوجه أيضاً :
أحدُهَا :أنَّها بمعنى الَّذِي.
والثَّانِي : [ أنها ]١٤ نكرةٌ موصُوفَةٌ، وفي ﴿ حَفِظَ ﴾ ضمير يعُودُ على [ " ما " ]١٥ أي :بما حفظ من البرِّ والطَّاعَةِ، ولا بدّ من حَذْفِ مضافٍ تقديره :بما حَفِظَ دين اللَّه، أو أمر اللَّه ؛ لأنَّ الذَّات المقدَّسة لا يحفظها أحَدٌ.
والثَّالِثُ :أنْ تكُونَ " مَا " مَصْدريَّة، والمعنى :بما حفظن اللَّه في امتثال أمره، وَسَاغَ عَوْدُ الضَِّميرِ مُفْرَداً على جَمْعِ الإنَاثِ ؛ لأنَّهُنَّ في معنى الجنس كأنه قيل :" فمن صلح " فَعَاد الضَّميرِ مُفْرداً بهذا الاعتبارِ، ورُدَّ هذا الوجه بِعَدَمِ مُطَابَقَةِ الضَّميرِ لما يعودُ عليه١٦ وهذا جوابه، وجعله ابْنُ جِنّي مثل قول الشَّاعِرِ : [ المتقارب ]
. . . *** فإنَّ الحَوَادِثِ أوْدَى بِهَا١٧
أي :أوْدَيْنَ، وَيَنْبَغِي أن يُقَالَ :الأصْلُ بما حفظت اللَّه، والحوادث أوْدَتْ، لأنَّهَا يَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى [ جمع ]١٨ الإنَاثِ كَعَوْدِهِ عَلَى الوَاحِدَةِ مِنْهُنَّ، تقول :النِّسَاءُ قَامَتْ، إلاَّ أنَّهُ شَذَّ حذفُ تَاءِ التَّأنيثِ مِنَ الْفِعْلِ المُسْندِ إلى ضَميرِ المُؤنَّثِ.
وقرأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ١٩ - وهي في مُصْحَفِهِ كَذَلِكَ - " فالصوالح قوانت حوافظ " بالتكسير.
قال ابْن جني٢٠ :وهي أشْبَهُ بالمَعْنَى لإعطائِهَا الكَثْرَة، وَهِيَ المَقْصُودَةُ هُنَا، يعني :أن " فَوَاعِل " من جُمُوعِ الكَثْرَةِ، وجمع التَّصحيح جمع قلَّةٍ، ما لم تَقْتَرِنْ بالألف واللاَّمِ. وظاهِرُ عِبَارَةَ أبِي البَقَاءِ٢١ أنه لِلقِلَّةِ، وَإنْ اقْتَرَنَ ب " أل " فإنَّهُ قال :وجمع التَّصحيح لا يدلّ على الكثرة بوضعِهِ، وقد استعمل فيها كقوله تعالى : ﴿ وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ ﴾
[ سبأ :٣٧ ].
وفيما قالهُ [ أبُو الفتح ]٢٢ وأبُو البقاءِ نَظَرٌ، فإنَّ " الصَّالِحات " في القراءةِ المَشْهُورَةِ مُعَرَّفَةٌ بِأل، وقَد تَقَدَّمَ أنَّه تكُونُ لِلْعُمُومِ، إلاَّ أنَّ العموم المفيد للكثرة، ليس مِنْ صيغَةِ الجَمْعِ، بل مِنْ " ألْ "، وإذا ثَبَتَ أن " الصَّالِحَاتِ " جمع كَثْرَةٍ، لَزِمَ أنْ يكُونَ " قَانِتَات " و " حَافِظَات " للكثرة ؛ لأنَّهُ خبرٌ عن الجميعِ، فَيُفِيدُ الكَثْرَةَ، ألا تَرَى أنَّكَ إذا قلت :الرِّجَالُ قَائِمُونَ، لَزِمَ أنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الرِّجَالِ قَائِماً، ولا يجوز أن يكُونَ بعضُهم قاعداً، فإذاً القراءةُ الشَّهيرةُ وافيةٌ بالْمعنى [ المقصود ]٢٣.

فصل


قال الواحديُّ٢٤ :لفظ القنُوتِ يُفيدُ :الطَّاعَةَ، وَهُوَ عَامٌّ في طَاعَةِ اللَّهِ، وطاعة الأزْوَاجِ، وما حَالُ المرأةِ عِنْدَ غَيْبَةِ الزَّوْجِ فقد وصفها اللَّهُ بقوله : ﴿ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ ﴾، واعْلَمْ أنَّ الغيب، خلاف الشَّهَادَةِ، والمعنى :كَوْنُهنَّ حافِظَاتٌ بموجب الغَيْب، وهو أنْ تَحْفَظَ نَفْسَهَا عن الزِّنَا ؛ لئلا يلحق الزَِّوْج الغَائب عار الزِّنَا، ويلحقُ به الوَلَد المتكون من نُطْفَةِ غيرِهِ، وتحفظ ماله لئلا يضيع٢٥، وتحفظ مَنْزِلَهُ عَمَّا لا يَنْبَغِي، قال عليه السَّلامُ :" خَيْرُ النِّسَاءِ امرأةٌ إن نَظَرْتَ إلَيْهَا سَرَّتْكَ، وَإنْ أمرتها أطاعَتْكَ، وإنْ غِبْتَ عَنْهَا حَفِظَتْكَ في مَالِكَ٢٦ ونفسها " وتلا هذه الآية.
قوله : ﴿ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾ لما ذكر الصالحات ذكر بعده غير الصَّالحات فقال : ﴿ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهنّ ﴾ والخَوْفُ عِبَارَةٌ عَن حَالَةٍ تَحْصُلُ في القَلْبِ، عند حُدُوثِ أمر مَكْرُوهٍ في المُسْتَقْبل.
قال الشَّافِعيُّ - رضي الله عنه - :دَلالَةُ النُّشوُزِ قَدْ تكُونُ قَوْلاً، وقد تكُونُ فِعْلاً، فالقول مثل أن تلبيه إذا دَعَاهَا، وتخْضَعُ لَهُ بالقَوْلِ إذَا خَاطَبَهَا ثُم تغيَّرتْ، والفِعْلُ إن كَانَتْ تَقومُ إلَيْهِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، أوْ تُسارعُ إلى أمره٢٧ وتبادر إلى فراشه باستبشار إذا التمسها، ثم [ إنها ]٢٨ تغيرت عَنْ كل ذلك، فهذه إمارَاتٌ دالةٌ على النُّشوزِ، فحينئذٍ ظنَّ نُشُوزهَا، فهذه المقدمَاتُ تُوجِبُ خَوْفَ النُّشُوزِ، وأمّا النشوز فهو معصية٢٩ الزَّوْج، ومُخَالَفَتَهُ، وأصْلُهُ مِنْ قولهم :نَشَزَ الشّيْءُ إذا ارتفع، ومنه يُقالُ للأرضِ المرتفعة :" نَشَزٌ "، يُقَالُ :نَشَزَ الرَّجُلُ ينشِز [ وينشُز ]٣٠ إذا كان قاعداً فَنَهض قَائِماً، ومنه قوله تعالى : ﴿ وَإِذَا قِيلَ انشُزُواْ فَانشُزُواْ يَرْفَعِ اللَّهُ ﴾ [ المجادلة :١١ ] ارتفعوا أو انهضوا إلى حرب أو أمر من أمور اللَّهِ تعالى.
وقال أبُو منْصُورٍ اللُّغَويُّ :" النُّشُوزُ كرَاهِيَةُ كُل واحد من الزَّوْجَيْنِ صاحِبَهُ، يقال :نَشَزَتْ تَنْشُزُ، فهي نَاشِزٌ بغير هاء، وهي السَّيِّئَةُ العِشْرَةِ ".
وقال ابْنُ دُرَيْدٍ :" نَشَزَتْ المرْأةُ، وَنَشَسَتْ، ونَشَصَتْ بمعنى واحد ".
قوله :" فعظوهنّ "، أي :بالتخويف٣١ من اللَّه تعالى، فَيُقَالُ :اتَّقي الله فإنَّ عليك حقّاً لي، وارجعي عمّا أنْت عليه، واعْلَمِِي أنَّ طاعتي فرضٌ عليك٣٢، فإنْ أصرَّت على النُّشوزِ، فيهجرها في المَضْجَعِ.
قال ابْنُ عَبَّاسٍ :يوليها ظَهْرَهُ في الفِرَاشِ، ولا يُكَلِّمُها " ٣٣.
وقال
١ سقط في أ..
٢ في أ: عليهن..
٣ في ب: القويم..
٤ في أ: القيام..
٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٢٩١) عن الحسن وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٧٠ ـ ٢٧١) من طريق جرير بن حازم عن الحسن وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.
وأخرجه الطبري (٨/٢٩١) من طريق قتادة عن الحسن وزاد السيوطي نسبته في "الدر المنثور (٢/٢٧٠) لعبد بن حميد. وله طريق آخر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٧١) وعزاه لابن أبي حاتم من طريق أشعث بن عبد الملك عن الحسن..

٦ سقط في ب..
٧ سقط في أ..
٨ في أ: في..
٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١١١..
١٠ سقط في أ..
١١ تقدم برقم ٧٥..
١٢ في بك والشفقة..
١٣ انظر: إتحاف ١/٥١٠، وشرح الطيبة ٤/٢٠٥، والمحرر الوجيز ٢/٤٧، والبحر المحيط ٣/٢٥٠، والدر المصون ٢/٣٥٨..
١٤ سقط في أ..
١٥ سقط في ب..
١٦ في ب: إليه..
١٧ تقدم. وثبت في ب هكذا.
فإن الحوادث أودى بها *** وغيرنها بعد أصحابها.

١٨ سقط في ب..
١٩ انظر: المحرر الوجيز ٢/٤٧، والبحر المحيط ٣/٢٥٠، والدر المصون ٢/٣٥٨..
٢٠ ينظر: المحتسب ١/١٨٧..
٢١ ينظر: الإملاء ١/١٧٨..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ سقط في ب..
٢٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٢..
٢٥ في ب: عن الضياع..
٢٦ في أ: مالها..
٢٧ في أ: إليه..
٢٨ سقط في أ..
٢٩ في ب: مخالفة..
٣٠ سقط في ب..
٣١ في أ: بالتخفيف..
٣٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٠٠) عن مجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٧٧) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم..
٣٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٠٢) عن ابن عباس..
لما ذكر الضربَ ذَكَرَ هذه المحاكمة ؛ لأنَّ بها يتبينّ المظلومُ من الظَّالِمِ.
قال ابْنُ عَبَّاسٍ١ : ﴿ خِفْتُمْ ﴾ أي :علمتم قال :وَهَذَا بِخِلافِ قوله تعالى : ﴿ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ ﴾، فإنَّ ذلك محمول على الظَّنِّ، والفرق بَيْنَ الموضِعَيْنِ في الابْتِدَاءِ يظهرُ له أمارات النُّشُوزِ، فعند ذلِك يحصل الخَوْفُ، وأمّا بَعْدَ الوعْظِ، والهجر والضَّرْبِ إن أصرّت على النُّشُوزِ، فقد حَصَلَ العِلْمُ بالنُّشُوزِ، فَوَجَبَ حملُ الخَوْفِ ههنا على العِلْمِ.
وقال الزَّجَّاجُ٢ :القول بأن الخَوْفَ هاهنا بمعنى اليَقِيِنِ خطأ، فإنّا لو عَلِمْنَا الشقاق عَلَى الحَقيقَةِ لم يحتج إلى الحُكمِ، وأُجيبَ بأن وجود الشقاق وإن كانَ مَعْلُوماً، إلاَّ أنا لا نَعْلم أن ذلك الشِّقاق صدر عَنْ هَذَا، أو عَنْ ذلك، فالحَاجَة إلى الحَكَمِيْنِ لمَعْرِفَةِ هذا المَعْنَى.
قال ابْنُ الخَطيبِ٣ :ويمكنُ أن يُقالَ :وُجود الشِّقَاقِ في الحَالِ٤ مَعْلُومٌ، ومثل هذا لا يَحْصلُ منهُ خَوْفٌ، إنَّمَا الخَوْفُ في أنَّهُ هل يَبْقَى٥ ذلك الشِّقَاقُ أم لا، فالفَائِدَةُ في بعث الحكمين لَيْسَتْ إزالة الشِّقَاقِ الثَّابِت، فإنَّ ذلك مُحَالٌ، بل الفائِدَةُ إزالة ذلك الشِّقاق في المُسْتَقْبَلِ.
قوله : ﴿ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :أنَّ الشِّقَاقَ مضاف إلى " بَيْنَ " ومعناها الظَّرْفِيَّةُ، والأصْلُ :" شقاقاً بينهما "، ولكنَّهُ اتَّسع فيه، فأضيف الحَدَثُ إلى ظَرْفِهِ وإضافة المصدر إلى الظرف جائزة لحصوله فيه، وظرفيته باقية نحو :سَرَّنِي مسير اللَّيْلَةِ، ويعجبني صَوْمُ يَوْم عَرَفَةَ، ومنه : ﴿ بَلْ مَكْرُ الْلَّيْلِ وَالنَّهَارِ ﴾ [ سبأ :٣٣ ].
والثَّاني :أنه خَرَجَ عن الظَّرفيَّةِ، وبقي كَسَائِرِ الأسْمَاءِ، كأنه أُريد به المُعَاشرة، والمصاحبة بين الزَّوْجَيْنِ، وإلى مَيْلُ أبي البقاء٦ قال :والبَيْنُ هنا الوَصْلُ الكائنُ بين الزوجين " وللشقاق تأويلان :
أحدهما :أن كل واحد منهما يفعل ما يَشُقُّ على صاحبه.
والثاني :أن كل واحد منهما صار في شق بالعداوة والمباينة.

فصل [ معاني الشقاق ]


وقد ورد الشِّقاقُ على أربعة٧ أوْجُهٍ :
الأوَّلُ :بمعنى الخِلاَفِ كهذه الآية، أي :خلاف بينهما.
الثَّاني :الضَّلال، قال تعالى : ﴿ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ ﴾ [ الحج :٥٣ ] أي :في ضلال.
الثَّالث :أن الشِّقَاقَ :العداوة قال تعالى : ﴿ وَيا قَوْمِ لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي ﴾ [ هود :٨٩ ] أي :عداوتي، و [ العداوة ]٨ وممّا يشق على صاحبه.
الرابع :أنّ كُلَّ واحدٍ منها صار في شقّ بالعداوة، والمباينة.

فصل [ هل البعث خطاب للإمام أم لآحاد الناس ]


قوله ﴿ فَابْعَثُواْ ﴾ قال بعضهم :هذا خِطَابٌ للإمام، أو نائبه وقال آخرون :هَذَا خطابٌ عامٌّ للجميع، وليس حمله على البَعْضِ أولى من حَمْلِهِ على البَقِيَّةِ، فَوَجَبَ حملُهُ على الكُلِّ، فعلى هذا يَكُونُ أمراً لآحاد الأمّة سواء وجد الإمام، أم لم يُوجَدْ، فللصَّالحين أنْ يَبْعَثُوا حكماً من أهلِهِ، وحكماً من أهْلِهَا للإصلاح، ولأنَّ هذا يَجْرِي مَجْرَى دَفْع الضَّرَر، ولكل أحد أنْ يَقُومَ به.
قوله : ﴿ مِّنْ أَهْلِهِ ﴾ فيه وجهان :
أحدُهُمَا :أنه متعلِّق ب ﴿ فَابْعَثُواْ ﴾ فهي لابتداء الغاية.
والثَّاني :أن يتعلَّق بمحذُوف ؛ لأنَّهَا صفة للنكِرَةِ، أي :كائناً من أهله فهي للتَّبْغيضِ.

فصل


شَرْطُ الحَكَمَيْنِ أن يكونَا عَدْلَيْنِ، ويجعلهما الحَاكِمُ حَكَمَيْنِ، والأولى أنْ يكُونَ [ واحد من أهْلِهِ، وواحد من أهْلِهَا، لأنَّ أقاربهما أعرف بحالهما من الأجَانِبِ، وأشدّ طلباً للصلاح، فإن كانا ]٩ أجنبيّين [ جَازَ ]١٠.
وفائدة الحكمين أن يخلو كُلّ واحد منهما بِصَاحِبِه، ويستكشف منه حقيقةَ الحَالِ، ليعرفَ رَغْبَتَهُ في الإقَامَةِ معه على النِّكَاحِ، أو المُفَارَقَةِ، ثمَّ يَجتمعُ الحكمان، فَيَفْعَلاَنِ ما هو المَصْلَحَةُ من طلاقٍ، أو خَلْع.
وهل للحكمين تَنْفِيذُ أمْرٍ يُلْزِمُ الزَّوِجَيْنِ دون إذْنِهِمَا، مثل :أن يطلق حَكَمُ الرَّجل، أو يفتدي حَكَمُ المرْأةِ بشيءٍ من مالِهَا ؟
قال أبُو حَنِيفَةَ :لاَ يَجُوزُ.
وقال غيره١١ :يَجُوزُ.
قوله : ﴿ إِن يُرِيدَا ﴾ يَجُوزُ أن يَعُودَ الضميران في ﴿ إِن يُرِيدَا ﴾ و ﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ على الزَّوْجَيْنِ، أي :إن يُرد الزَّوجان إصلاحاً يُوفِّق اللَّهُ بَيْنَ الزوجين، وأنْ يَعُودا على الحَكَمَيْنِ، وأن يُعودَ الأوَّلُ على الحَكميْنِ، والثَّانِي على الزَّوْجَيْنِ، وأنْ يَكُونَ بالعكس وأُضْمِرَ الزَّوجان وإن لم يجر لهما ذكرٌ لدلاَلَةِ ذِكْر الرِّجَالِ والنِّسَاءِ عليهما. وجعل أبُو البقاءِ١٢ الضَّميرَ في ﴿ بَيْنَهُمَا ﴾ عائداً على الزَّوْجينِ فقط، سَوَاءٌ قيل بأن ضمير ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ ﴾ عائداً على الحكمين، أو الزوجين.

فصل


قال القُرْطُبِيُّ١٣ :ويجزي إرسالُ الوَاحِدِ قال :لأن اللَّه - تعالى - حكم في الزنا بأربعة شهود، ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى المرأة الزَّانية أنَيْساً وحده، وقالَ له :" إن اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا " قال :وإذا جَازَ إرسال الواحد فلو حَكَّمَ الزوجان واحداً أجْزَأ إذَا رَضِيَا بذلك، وإنما خاطب الله الحكام دون الزوجين، فإن أرسل الزوجان حَكَمَيْنِ وحَكما نفذ حكمهما ؛ لأن التحكيم عندنا جائز، وينفذ فعلُ الحكم في كل مسألة، إذا كان كل واحد منهما عدلاً.
وأصل التوفيق المُوافَقَة، وهي المُسَاوَاة في أمْرِ من الأمور، فالتَّوْفِيق اللُّطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة. ثم قال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً خَبِيراً ﴾ والمراد :الوعيد للزَّوْجَيْنِ والحَكَمَيْنِ في طريق سُلُوك المُخَالفِ الحق.
١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٤..
٢ ينظر السابق..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٧٤..
٤ في أ: الحالين..
٥ في ب: نقى..
٦ ينظر الإملاء ١/١٧٩..
٧ في ب: ثلاثة..
٨ سقط في أ..
٩ سقط في ب..
١٠ سقط في ب..
١١ هذا أحد قولي الشافعي رضي الله عنه وهو قول مالك وإسحاق. ينظر تفسير الرازي ١٠/٧٥..
١٢ ينظر الإملاء ١/١٧٩..
١٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١١٦..
لمَا أرشد كُلَّ وَاحِدٍ من الزَّوْجَيْنِ إلى المُعَاملة الحسنة [ مع الآخر، أرشد في هَذهِ الآية إلى سَائِرِ الأخْلاَق الحَسَنة ]١ وذكر منها [ هَهُنا ]٢ عَشْرَة أنْوَاع :
الأول :قوله - تعالى - : ﴿ وَاعْبُدُواْ اللَّهَ ﴾ قال ابن عبَّاسٍ :وَحِّدُوهُ٣، واعلم أن العِبَادة عبارةٌ عن كل عَمَل يُؤْتَى به لمجَرَّد أمْر اللَّه - تعالى - بذلك، ولما أمَر بالعبَادَةِ، أمر بالإخلاصِ فيها :فقال٤ ﴿ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً ﴾.
قال القرطُبي٥ :ذكر بعض العُلَمَاء أن من تطهَّر [ تَبَرُّداً ]٦ أو صام [ حميَّة ]٧ لِمعدَتِهِ، ويرى مع ذَلِكَ التَّقرُّب لم يُجْزِه ؛ لأنه مَزَج [ نية ]٨ التَّقرُّب بنيَّة دُنْيَويَّة، ولذا إذا أحسَّ الإمام بداخِلٍ وهو رَاكِعٌ لم يَنْتَظِرْه، لأنه يُخْرِج ذكر [ الله ]٩ بانتظاره عن كَوْنِه خالصاً - لله - تعالى.
ثم قال ﴿ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً ﴾ وتقدم الكلام على نظير هذا في البَقَرَةِ، واتَّفقوا على أن ههنا مَحْذوفاً، والتَّقْدير :" وأحسنوا بالوالدين إحساناً " ؛ كقوله :" فضرب الرقاب " أي :فاضْربُوها، وقرأ ابن أبي عَبْلَة :" إحسان " بالرَّفع على أنَّه مُبْتَدأ، وخبره الجَارّ [ والمجرور ]١٠ قَبْلَهُ.
والمراد بهذه الجُملَةِ :الأمر بالإحسان وإن كانت خبريةً ؛ كقوله - تعالى - :
﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [ يوسف :١٨ ].
قوله : ﴿ وَبِذِي الْقُرْبَى ﴾ فأعاد الباء، وذلك لأنها في حق هذه الأمَّة، فالاعتناء بها أكثر، وإعادة الباء تدل على زيادة تأكيد فناسب ذلك هنا، بخلاف آية البَقَرَة، فإنَّها في حقِّ بني إسْرائيل، والمراد الأمْر بصلَة الرَّحم، كما ذكر في أول السُّورة بقوله : ﴿ وَالأَرْحَامَ ﴾ [ النساء :١ ].
واعلم أن الوَالِدَيْنِ من القَرَابة أيضاً، إلا أنَّهما لمّا تَخَصَّصَت قرابتهما بكَوْنِهمَا أقرب القَرَابات، لا جرم١١ خصّهما بالذِّكْر.
﴿ وَالْيَتَامَى ﴾ فاليتيم مَخْصُوص بنوعَيْن من العَجْز :
أحدهما :الصِّغر.
والثاني :عَدَمُ المُنْفِق، ومن هذا حَالهُ كان في غَايَة العَجْزِ واستِحْقَاقِ الرحمة.
قوله ﴿ وَالْمَسَاكِينِ ﴾ فالمسْكين وإن كان عدِيم المالِ، إلا أنَّه لكبره يمكنه أن يَعْرض حالَ نَفْسَه على الغَيْرِ ؛ فيجتلب به نَفْعَاً أو يدفعَ به ضرراً، وأما اليتيمُ، فلا قُدرة له ؛ فلهذا المعنى قدَّم الله اليتيم في الذِّكر على المِسْكِين، والإحْسَان إلى المِسْكِين إما بالإجْمَالِ١٢ إلَيْهِ، وإمّا بالرَّدِّ الجميل، لقوله : ﴿ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلاَ تَنْهَرْ ﴾ [ الضحى :١٠ ].
وقوله : ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ الجمهور على خفض الجارّ، والمراد به القَرِيب النَّسِيب، وبالجار الجُنُب :لبعيد النَّسِيب.
وعن مَيْمُون بن مَهْرَان :والجار ذِي القُرْبَى، أُريد به الجارِ القريب١٣، قال ابن عطيَّة١٤ :وهذا خطأ ؛ لأنَّه على تأويله جمع بين١٥ ألَ والإضافة، إذ كان وَجْه الكَلاَمِ :وجار ذي القُرْبَى [ الجار القريب ]١٦، ويمكن١٧ جوابُه على أن ذِي القُرْبَى، بدل١٨ من الجارِّ على حَذْفِ مُضَافٍ، أي :والجار ذِي القُرْبَى ؛ كقوله : [ الخفيف ].
نَصَرَ اللَّهُ أعْظُماً دَفَنُوهَا بسجِسْتَانَ طَلحة الطَّلحَاتِ١٩
أي :أعْظُم طَلْحَة، [ ومن كلامهم ]٢٠ :لو يعلمُون العِلْم الكبيرة سنه، أي :علم الكبيرة سنّه، فحذف البَدل لدلالة الكلام عليه.
وقرأ٢١ بعضهم :" والجار ذا القربى " نصباً، وخرجه الزَمَخْشَرِي٢٢ على الاخْتِصَاص لقوله - تعالى - :
﴿ حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى ﴾ [ البقرة :٢٣٨ ] والجُنُب صِفَة على فُعُل، نحو :" ناقة سُرُح "، ويَسْتَوي فيه المُفْرَدَ والمثَنَّى والجُمُوع، مذكراً أو مؤنَّثاً، نحو :" رجال جنب " وقال - تعالى - : ﴿ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً ﴾ [ المائدة :٦ ]، وبعضهم يثنيه ويجمعه، ومثله :شُلُل، وعن عَاصِم٢٣ :والجَار الجَنْبِ، بفتح الجيم وسُكُون النون وهو وَصْفٌ أيضاً بمعنى المُجَانِب، كقولهم :رجل عَدْل، وألفُ الجَار عن واو ؛ لقولهم :تجاورُوا، وجَاوَرْتُه، ويُجْمَع على جيرة وجِيَران، والجَنَابَةِ البُعْد ؛ قال [ الطويل ]
فَلاَ تَحْرمَنِّي نَائلاً عَنْ جَنَابَةٍ فَإنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القبابِ غَريبُ٢٤
لأن الإنْسَان يُتركُ جَانباً، ومنه ﴿ وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن [ نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ ﴾ ]٢٥ [ إبراهيم :٣٥ ]، وأصله من الجَنَابَة، ضِدّها القَرَابَة، وهو البُعْدُ، يقال :رَجُلٌ جُنُبٌ، إذا كان غريباً مُتَبَاعِداً عن أهله، ورَجُل أجْنَبِيٌّ، وهو البَعيد منك في القَرَابة، ومنه الجَنَابَة من الجِمَاع ؛ لتباعده عن الطَّهَارَةِ وعن الصَّلاة حَتَّى يَغْتَسِل، وهذان الجنبانِ ؛ لبُعْد كلِّ واحدٍ منهما عن الآخر.

فصل :في الإحسان إلى الجار


قالت عَائِشَة - رضي الله عنها - :" يا رسُول اللَّه، إن لي جارَيْن، فإلى أيهما أُهْدِي، قال :إلى أقربِهِمَا منكِ باباً " ٢٦، وعن ابْن عُمر ؛ قال :قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم :" ما زال جِبْريلُ يُوصِيني بالجَارِ، حَتَّى ظَنَنْتُ أنَّهُ سَيُورِّثُهُ " ٢٧، وقال - عليه السلام - :" لا يَدْخُلُ الجَنَّة من لا يَأمَنْ جَارُهُ بَوائِقَهُ، ألاَ وَإنَّ الجَوارَ أرْبَعُون " ٢٨ وكان الزهري٢٩ يقول :أرْبَعُون يَمْنَة، وأربعون يَسْرَة، وأربعون أمَامَه، وأرْبَعُون خَلْفه٣٠.
وعن بي هُرَيْرَة - رضي الله عنه - :" قيل :يا رسُول الله، إن فُلانَة تَصُوم النَّهار وتصلي بالَّيْلِ، وفي لِسَانِها شَيءٌ يؤذي جِيرانَهَا، [ فقال :" لا يَحْفَظُ ]٣١ حق الجَارِ إلا مَنْ رَحم اللَّه، وقليل ما هُم، أتدرون ما حَقُّ الجَارِ :إن افْتَقَر أغْنَيْتَه، وإن استقْرَضَ أقْرَضْتَه، وإن أصابه خير هَنَّيْتَه، وإن أصَابه شَرٌّ عَزَّيته، وإن مَرِض عُدْتَه، وإن مَاتَ شَيَّعْت جَنَازته " ٣٢.
وقال نَوْف الشَّامِي٣٣ : ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ المُسْلِم، [ والجار ]٣٤ الجُنُب :اليَهُودي والنَّصْرَاني٣٥.
قال القرطبي٣٦ :وعلى هذه فالوصاية بالجارِ، مأمُورٌ بها مَنْدُوب إليها، مسلِماً كان أو كَافِراً، وهو الصَّحيح، والإحْسَان قد يكون بِمَعْنَى المُوَاسَاة، وقد يكون بِمَعْنَى حُسْن العِشْرَةِ، وكَفّ الأذَى، والمُحَامَاة دُونَه.
وقال - عليه الصلاة والسلام - :" الجيرَان [ ثلاثة : ]٣٧ فجارٌ له ثلاثة حُقُوقٍ، وجار له حَقَّان وجارٌ له حَقٌّ واحد ".
فأما الجار الَّذِي له ثلاَثَةُ حُقُوقٍ :فالجار٣٨ القَريب المُسْلِم، له حقُّ الجِوار، وحق القَرَابَة، وحَقّ الإسْلام.
والجارُ الذي له حَقَّان :فهو الجَار المُسْلِم فله حق الإسلام، وحق الجِوَارِ.
والجار الذي له حَقٌّ واحد :هو الكَافِر، له حق الجِوَار٣٩.
وقال بَعْضُ العُلَمَاءِ٤٠ : ﴿ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى ﴾ هو القريب المَسْكَن منك، ﴿ وَالْجَارِ الْجُنُبِ ﴾ هو البعيد المَسْكَن منك.
قال القَرْطُبِي٤١ :وأحَاديثُ إكرامِ الجَارِ جاءت مُطْلَقَةٌ غير مُقَيَّدة، حتى الكَافِر وفي الخبر " قالُوا :يا رسُول اللَّه، أنطعمهم من لُحُوم النُّسُك ؟
قال :" لا تطعم المشركين من نسك المسلمين " ٤٢ فنهيه - عليه السلام - عن إطْعَام المُشْرِكين من نُسُك المُسْلِمِ، يحتمل النُّسُك لوَاجب الذي لا يجُوزُ للنَّاسِك أن يَأكُل مِنْهُ، ولا أن يُطْعِمَهُ الأغْنِيَاء، فأما غير الوَاجِبِ الذي يُجْزِيه٤٣ إطعام الأغنياء، فيجوز٤٤ أن يُطعِمَهُ أهْل الذِّمَّة قال - عليه الصلاة والسلام - لِعَائِشَةَ - رضي الله عنها - عند تفريقِ لَحْمِ الأضحِيَة :" أهْدِي جَارَنَا اليَهُودِيّ ".
قوله : ﴿ وَالصَّاحِبِ بِالجَنْبِ ﴾ قال مُجاهد، وابن عَبَّاس، وعِكرمة، وقتادة :يعني :الرفيق في السَّفَر٤٥، وقال عَلِيّ وعبد الله، والنَّخعِي :وهو المرْأة٤٦ تكون إلى جِنْبِهِ.
وقال ابن جُرَيْج، وابن زِيْد :هو الذي يَصْحَبُك رجاء نَفعِك٤٧، وقيل :هو الَّذِي صحبك إما رفيقاً في سَفَرٍ، وإما جًاراً مُلاصِقاً، وإما شريكاً في تَعَلُّم أو حرْفَة، وإما قاعداً إلى جَنْبِك في مَجْلس وَاحِدٍ أو مَسْجِد أو غير ذلك، من أدْنى صُحْبَة التأمَت بينك وبَيْنَه.
وقوله : ﴿ بِالجَنْبِ ﴾ في الباء وجْهَان :
أحدهما :أن تكون بمعنى " في ".
والثاني :أن تكون على بَابِها وهو الأوْلَى، وعلى كلا التَّقْدِيرَيْن تتعلّق بمحذُوف ؛ لأنها حَالٌ من الصَّاحِبِ.
قوله : ﴿ وَابْنِ السَّبِيلِ ﴾ قيل :هو المُسافِرِ الذي انْقَطع عن بلده، وقيل :هو الضَّيْف، قال - عليه السَّلام - :" من كان يُؤمِن باللَّه واليَوْمِ الآخر فليُكْرِم ضَيْفَهُ " ٤٨.
وقوله : ﴿ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْْ ﴾ يجوز أن يُرَاد ب " ما " غير العَبِيد والإمَاء حَمْلاً على الأنْوَاع ؛ لقوله - تعالى - ﴿ مَا طَابَ لَكُمْ ﴾ [ النساء :٣ ] وأن يكون أُريد جميع ما مَلَكَهُ [ الإنسان ]٤٩ من الحَيَوانات، فاختلط العَاقِلُ بغيره، فأتى ب " ما ".

فصل


روت أمّ سَلَمة - رضي الله عنها - :" قالت :كان النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يقولُ في مَرَضِه٥٠ :" الصَّلاة وما ملكت أيمانكم " ٥١، وقال - عليه السلام - :" هم إخْوَانكُم جَعَلهم الله تَحْتَ أيْدِيكم، فمن جعل اللَّه أخَاه تحت يَده، فَلْيُطْعِمْه ممّا يَأكُل، وليلبسه مما يَلْبِس، ولا يُكَلِّفْه من العَمَل ما يغلبه [ فإن كَلَّفَهُ مَن العَمَل مَا يغلبه ]٥٢ فَلْيُعِنْهُ عليه " ٥٣.
ثم قال : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً ﴾ :المُخْتَال هو ذُو الخُيَلاَء والكِبْر.
قال أهل اللغة٥٤ :هو التيَّاه، والمُخْتَال اسم فاعِلٍ من اخْتَال يَخْتَال، أي :تَكَبَّر وأعْجِب بنَفْسِهِ، وألفهُ عن ياءٍ ؛ كقولهم :الخُيَلاَءُ والمَخِيلَة، وسُمِع أيضاً :خَالَ الرَّجُل يخال٥٥ خَوْلاً بالمعنى الأوَّل، فيكون لهذا المَعْنَى مَادَّتَان خَيَلَ وَخَوَلَ.
قال ابن عبَّاس :" يريد المُخْتَال العَظِيم في نَفْسِهِ، الذي لا يَقُوم بحقُوقُ أحَد " ٥٦.
والفَخُور٥٧ صيغة المُبَالَغَة، وهو الَّذِي يعد مَنَاقِب نَفْسِه ومحاسنه، وقال ابن عبَّاس :الفَخُور الذي يَفْخَر على عِبَاد الله بما أعْطَاه من أنْواع نِعَمِهِ.
وقال - عليه السلام - :" بينما رجل يتبختر في بردين، وفد أعْجَبَتْه نَفْسُه، خسف الله به الأرْض، فهو يتجْلجَل فيها إلى يَوْم القِيَِامَة " ٥٨.
وقال - عليه السلام - :" لا يَنْظُر اللَّه إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيْلاَء يوم القِيامَة " ٥٩.
١ سقط في ب..
٢ سقط في أ..
٣ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/٧٦) عن ابن عباس..
٤ في أ: يقول..
٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١١٨..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في أ..
٨ سقط في ب..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في ب..
١١ في أ: لا من..
١٢ في ب: بالإيصال..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٢٦) عن ميمون بن مهران..
١٤ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠..
١٥ في أ: عين..
١٦ سقط في أ..
١٧ في أ: وعين..
١٨ في أ: بل..
١٩ تقدم برقم ٧٦..
٢٠ سقط في ب..
٢١ وهي قراءة أبي حيوة وابن أبي عبلة.
انظر: المحرر الوجيز ٢/٥٠، والبحر المحيط ٣/٢٥٥، والدر المصون ٢/٣٦٠، والشواذ ٢٦..

٢٢ ينظر: الكشاف ١/٥٠٩..
٢٣ انظر: السبعة ٢٣٣، والحجة ٣/١٥٧، وإتحاف ١/٥١١، والمحرر الوجيز ٢/٥٠، والبحر المحيط ٣/٢٥٥، والدر المصون ٢/٣٦١..
٢٤ البيت لعلقمة: ينظر ديوانه (٤٨) والمفضليات (٣٩٤) والبحر ٣/٢٤٠ والدر المصون ٢/٣٦١..
٢٥ سقط في ب..
٢٦ أخرجه البخاري (٥/٢٦٠) كتاب الهبة: باب بمن يبدأ الهبة حديث (٢٥٩٥) وفي "الأدب المفرد" رقم (١٠٥) وأحمد (٦/٢٣٩) والبيهقي (٦/٢٧٥) والحاكم (٤/١٦٧) والطيالسي (٢٠٣٦ ـ منحة) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/٢٨) والبغوي في "شرح السنة" (٣/٤٣٧) من طريق طلحة قال: سمعت عائشة فذكره.
والحديث ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٣) وعزاه إلى البخاري في الأدب والحاكم عن عائشة والحديث في الصحيح كما رأيت..

٢٧ أخرجه البخاري (١٠/٤٥٥) كتاب الأدب: باب الوصاة بالجار (٦٠١٥) ومسلم (٤/٢٠٢٥) كتاب البر والصلة: باب الوصية بالجار (١٤١ ـ ٢٦٢٥) وأحمد (٢/٨٥) والبغوي في "شرح السنة" (٦/٤٧٠) عن عبد الله بن عمر.
وأخرجه البخاري (١٠/٤٥٣) كتاب الأدب: باب الوصاة بالجار حديث (٦٠١٤) وفي "الأدب المفرد" (١٠١، ١٠٦) ومسلم (٨/٣٦) وأبو داود (٥١٥١) والترمذي (٣٦٧٣) والطحاوي في "مشكل الآثار" (٤/٢٦ ـ ٢٧) وأحمد (٦/٥٣، ٢٣٨) والبيهقي (٧/٢٧) من حديث عائشة.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (١٠٥) وأبو داود (٢١٥٢) وأحمد (٢/١٦٠) والترمذي (١/٣٥٣) وأبو نعيم في "الحلية" (٣/٣٠٦) من حديث عبد الله بن عمرو.
وقال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه.
وأخرجه ابن ماجه (٣٦٧٤) وأحمد (٢/٣٠٥، ٤٤٥) والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (٤/٢٧) من حديث أبي هريرة..

٢٨ أخرجه مسلم (١/٦٨) كتاب الإيمان: باب بيان تحريم إيذاء الجار (٧٣/٤٦) والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (١٢١) والبغوي في "شرح السنة" (٦/٤٧١) من حديث أبي هريرة..
٢٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢١..
٣٠ أخرجه أبو داود في "المراسيل" رقم (٣٥٠) عن الزهري مرسلا..
٣١ سقط في أ..
٣٢ أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١١٧) وابن ماجه (٢٤٠٦) والحاكم (٤/١٦٦) وابن عبد البر في "التمهيد" (٥/١٦٦) من حديث أبي هريرة..
٣٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٠..
٣٤ سقط في أ..
٣٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٣٧) عن نوف الشامي والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٢) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٣٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٠..
٣٧ سقط في ب..
٣٨ في أ: وهو الجار..
٣٩ أخرجه البزار (١٨٩٦ ـ كشف) ثنا عبد الله بن محمد أبو الربيع الحارثي ثنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك أخبرني عبد الرحمن بن الفضيل عن عطاء الخرساني عن الحسن عن جابر بن عبد الله مرفوعا. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٨/١٦٤) وقال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن محمد الحارثي وهو ضاع. قلت لكنه توبع تابعه الحسين بن عيسى البسطامي عن ابن أبي فديك به أخرجه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (٥/٢٠٧)..
٤٠ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٠..
٤١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٠ ـ ١٢١..
٤٢ أخرجه ابن عدي في "الكامل" (٥/١٧١) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٦٠) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا. وقال البيهقي: فيه سويد بن عبد العزيز عن عثمان بن عطاء الخرساني عن أبيه والثلاثة ضعفاء..
٤٣ في أ: يجوز..
٤٤ في أ: عجوز..
٤٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٤١) عن ابن عباس ومجاهد وعكرمة وقتادة. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٢٦) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٤) عن ابن عباس وزاد نسبته لابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في "الشعب"..
٤٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٤٢) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٢٥) عن علي بن أبي طالب. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٤) عن علي وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.
أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٤٢) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٩٥٢٥) عن ابن مسعود.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٤) عن علي وزاد نسبته للفريابي وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود..

٤٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٤٤) عن ابن زيد..
٤٨ أخرجه مالك (٢/٩٢٩) كتاب صفة النبي صلى الله عليه وسلم: باب جامع ما جاء في الطعام والشراب (٢٢) والبخاري (١٠/٤١٥) كتاب الأدب باب من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره (٦٠١٩)، (١٠/٥٣١) رقم (٦١٣٥) ومسلم (٣/١٣٥٣) رقم (١٤/٤٨)، (١٥/٤٨) وأبو داود (٣٧٤٨) والترمذي (١/٣٦٥) وابن ماجه (٣٦٧٥) والبيهقي (٩/١٩٧) وأحمد (٤/٣١ ـ ٦/٣٨٥) من طريق سعيد بن أبي سعيد عن أبي شريح العدوي مرفوعا.
وقال الترمذي: حديث حسن صحيح..

٤٩ سقط في أ..
٥٠ في ب: مرخصة..
٥١ أخرجه ابن ماجه (١/٥١٩) كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول صلى الله عليه وسلم (١٦٢٥) والبغوي في "شرح السنة" (٥/٢٥١) وأحمد (٦/٣١١، ٣٢١) من حديث أم سلمة. وله شاهد عن أنس بن مالك:
أخرجه أحمد (٣/١١٧) وابن ماجه (٢٦٩٧) والحاكم (٢/٥٧) وقال الحاكم: قد اتفقا على إخراج هذا الحديث.
وشاهد آخر عن علي بن أبي طالب:
أخرجه أبو داود (٥١٥٦) والبيهقي (٨/١١) وابن ماجه (٢٦٩٨) وأحمد (١/٧٨)..

٥٢ سقط في أ..
٥٣ أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (١٨٧) ومسلم (٥/٩٣) وأبو داود (٥١٥٨) والترمذي (١/٣٥٣) وابن ماجه (٣٦٩٠) والبيهقي (٨/٧) وأحمد (٥/١٥٨، ١٦١) عن أبي ذر الغفاري..
٥٤ ينظر: الدر المصون ٢/٣٦٢..
٥٥ في أ: خالا..
٥٦ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/٧٩) عن ابن عباس..
٥٧ في أ: والفخر..
٥٨ أخرجه البخاري (١٠/٢٥٨) كتاب اللباس: باب من جر ثوبه من الخيلاء (٥٧٨٩) ومسلم (٣/١٦٥٣) كتاب اللباس والزينة: باب تحريم التبختر في المشي (٤٩/٢٠٨٨) عن أبي هريرة مرفوعا..
٥٩ أخرجه البخاري (١٠/٢٥٤) كتاب اللباس: باب من جر إزاره (٥٧٨٤) ومسلم (٣/١٦٥٢) كتاب اللباس والزينة: باب كراهة ما زاد على الحاجة (٤٤/٢٠٨٥) ومالك في "الموطأ" (٢/٩١٤) كتاب اللباس باب ما جاء في إسبال الرجل ثوبه. عن عبد الله بن عمر.
وله شاهد من حديث أبي هريرة: أخرجه البخاري (١٠/٢٥٧ ـ ٢٥٨) كتاب اللباس: باب من جر ثوبه (٥٧٨٨) ومسلم (٣/١٦٥٣) كتاب اللباس، باب تحريم جر الثوب (٤٨/٢٠٨٧)..

في : ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾ سَبْعَة أوجه :
أحدها :أن يكُون مَنْصُوباً بدلاً مِنْ " مَنْ "، وجُمِعَ حَمْلاً على المَعْنَى.
الثاني :أنه نَصْب على البَدَل من ﴿ مُخْتَالاً ﴾ وجُمِعَ أيضاً لما تقَدَّم.
الثالث :أنه نُصِبَ على الذَّمِّ.
قال القرطبِي١ :ويجوز أن يكُون مَنْصُوباً بإضْمَار " أعْنِي "، وقالَ :ولا يجوز أن يكون صِفَة ؛ لأن " مَنْ " و " ما " لا يوصفان ولا يُوصَفُ بهما.
الرابع :أنه مُبْتَدأ وفي خَبَره قولان :
أحدُهُما :محذوف فَقَدَّرهُ بعضُهم :" مبغضون " لدلالة ﴿ إن الله لا يحب ﴾ [ وبعضهم : ]٢ " معذبون " ؛ لقوله : ﴿ وأعتدنا للكافرين عذاباً ﴾.
وقدَّره الزمخشري٣ " أحقَّاء بكل مَلاَمَة "، وقدره أبو البَقَاء :أُولَئِكَ أوْلِيَاؤُهُم٤ الشَّيْطَان.
والثاني :أن قوله : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ ويكون قوله : [ ﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ ]٥ عطفاً على المُبْتدأ والعَائِد مَحْذُوفٌ، والتقدير :الذين يَبْخَلُون، والَّذين يُنْفِقُون أموالهم، [ رئاء النَّاسِ ]٦ ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّة ﴾، [ أو مثقال ذرة ]٧ لَهُم، وإليه ذَهَب الزَّجَّاج وهذا متكَلَّف جدًّا ؛ لكثرة الفَواصِل ولقَلَقِ٨ المَعْنَى أيضاً.
الخامس :أنه خبر مُبْتَدأ مُضْمَر، أي :هم٩ الذين.
السادس :أنه بَدَلٌ من الضَّميرِ المستكن١٠ في ﴿ فَخُوراً ﴾ ذكره أبو البَقَاء١١، وهو قلق.
السابع :أنه صِفَة ل " مَنْ " ؛ كأنه قيل :لا يُحِبُّ المختالَ الفَخْور البَخِيل.
وفي البخل أرْبَع لُغاتٍ :
فتح الخَاءِ والبَاء مثل الكَرَم، وبها قرأ حَمْزَةُ والكسائي١٢، وبِضمِّهَا ذكره المُبرِّد، وبها قرأ الحَسَنُ وعِيسَى بن عُمَر١٣، وبفتح البَاءِ وسُكُون الخَاء، وبها١٤ قرأ قتادةُ وابن الزبير، وبضم الباء وسكون الخاء، وبها قرأ الجمهور١٥. والبُخْلُ والبَخَلُ ؛ كالحُزْنِ والحَزَن، والعُرْبِ والعَرَبِ.
قوله : ﴿ بِالْبُخْلِ ﴾ فيه وجْهَان :
أحدهما :أنه مُتَعلِّق ب " يَأمُرُونَ "، فالبَاء للتَّعْدِية على حَدّ أمرتك بِكَذَا١٦.
والثَّاني :أنها باء الحاليّة والمأمور مَحْذُوف، والتَّقْدير :ويأمرون النَّاسَ بشكرهم مع التباسِهِم١٧ بالبُخْل، فيكون في المعنَى ؛ لقول الشَّاعر : [ البسيط ]
أجْمَعْتَ أمْرَيْنِ ضَاعَ الحَزْمُ بَيْنَهُمَا تِيهَ المُلُوكِ وأفْعَالَ المَمَالِيكِ١٨

فصل


قال الواحدي١٩ :البُخْلُ في كلامِ العَرَب عبارة عن مَنْع الإحْسَان، وفي الشَّرِيعَةِ عبارة عن مَنْعِ الوَاجِبِ.
قال ابن عبَّاس :نزلت في اليَهُود، بخلوا بِبَيَان صِفَة محمَّد صلى الله عليه وسلم وكَتمُوها٢٠. وقال سعيد بن جبير :هَذَا في كِتْمَان العِلْمِ٢١.
وقال ابن عبَّاسٍ وابن زيد :نَزَلَتْ في كردم بن يزيد، وحُيَيٍّ بن أخْطَب، ورِفَاعة بن التَّابُوت وأسَامة بن حَبِيبٍ، ونَافِع بن أبِي نافع، وبحري بن عمرو، وكانُوا يأتُون رجالاً من الأنْصَارِ يُخَالِطُونَهُم، فيقولون :لا تُنْفِقُوا أموالكُم، فإنّا نَخْشَى عليكم الفَقْرَ ولا تَدْرُون مَا يَكُون، فأنزل هذه الآية٢٢.
وقيل :إنها عَامَّة في البُخْلِ بالعِلْم والدِّين والمَالِ :لأن البخل مَذْمُومٌ واللفظ عامٌّ.
قال القرطبي٢٣ :والمراد بهذه الآيَةِ في قَوْل ابن عبَّاس وغيره :اليَهُود ؛ لأنهم جمَعُوا بين الاختيال والتَّفاخر، والبخل بالمَالِ، وكِتْمَان ما أنْزَل اللَّه في التَّوْرَاة من صِفَةِ محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقيل المراد :المُنَافِقُون الذي٢٤ كان إنْفاقهم٢٥ وإيمانهم تقية.
قوله : ﴿ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ﴾ يعني المال، وقيل :يَبْخَلُون بالصَّدَقَة، وقوله : ﴿ مِن فَضْلِهِ ﴾، يجوز أن يتعلَّق ب ﴿ آتَاهُمُ ﴾ أو بمَحْذُوف على أنه حالٌ من " مَا "، أو من العَائِد عَلَيْها.
قال تعالى ﴿ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً ﴾ فصَّل الله - تعالى - تَوعُّدَ٢٦ المؤمنين البَاخِلين من تَوَعُّد الكَافِرِين، بأن جعل الأوَّل عدم المَحبَّة، والثَّاني عذاباً مُهِيناً.
١ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٦..
٢ سقط في أ..
٣ ينظر: الكشاف ١/٥٠٩..
٤ في ب: قرناؤهم..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في أ..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: لتعلق..
٩ في أ: ثم..
١٠ في أ: المتمكن..
١١ ينظر: الإملاء ١/١٧٩..
١٢ انظر: الحجة ٣/١٦٠، وحجة القراءات ٢٠٣، وإعراب القراءات ١٣٣، والعنوان ٨٤، وشرح الطيبة ٤/٢٠٦، وشرح شعلة ٣٣٩، وإتحاف ١/٥١١، الدر المصون ٢/٣٦٢، البحر المحيط ٣/٢٥٧..
١٣ انظر: المحرر الوجيز ٢/٥٢، والبحر المحيط ٣/٢٥٧، والدر المصون ٢/٣٦٢..
١٤ انظر: البحر المحيط ٣/٢٥٧، والدر المصون ٢/٣٦٢..
١٥ ينظر: الدر المصون ٢/٣٦٢، والمحرر الوجيز ٢/٥٢..
١٦ في أ: بهذا..
١٧ في أ: اتباعهم..
١٨ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٢٥٧ والدر المصون ٢/٣٦٢..
١٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨٠..
٢٠ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/٨٠) عن ابن عباس..
٢١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٥٢) عن سعيد بن جبير وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٩) وزاد نسبته لابن أبي حاتم..
٢٢ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٥٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٨٩) وزاد نسبته لابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم. والأثر ذكره ابن هشام في "السيرة النبوية" (٢/٢٠٨ ـ ٢٠٩)..
٢٣ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٦..
٢٤ في أ: الذين..
٢٥ في ب: نفاقهم..
٢٦ في أ: تواعد..
قوله : ﴿ وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ ﴾ فيه ثلاثة أوْجُه :
أحدها :أن يكون مَرْفُوعاً عطفاً على ﴿ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ﴾، والخبر :أن اللَّه لا يَظْلِم كما تقدم وصفه.
والثاني :مجرور عَطْفاً على ﴿ الْكَافِرِيْنَ ﴾ أي :أعْتَدْنا للكافِرِين، والذين يُنْفِقُون أموالهم رئاء النَّاسِ، قاله ابن جَرِير.
الثالث :أنه مُبْتَدأ، وخبره مَحْذُوف، أي :معذَّبُون أو قَرِينُهم الشَّيْطَان، فعلى الأوَّلَيْن يكون من عَطْف المُفردات، وعلى الثالث من عَطْفِ الجُمَل.
قوله : ﴿ رِئَاءَ النَّاسِ ﴾ فيه ثلاثة أوْجُه :
أحدُها :أنه مَفْعُول من أجْلِه، وشُرُوط النَّصْبِ متوفِّرة.
الثاني :أنه حَالٌ من فَاعل " ينفقون " يعني :مصْدراً واقعاً مَوْقع الحالِ، أي :مرائين١.
والثالث :أنه حَالٌ من نَفْس المَوْصُول، ذكره المَهْدَوي، و " رئاء " مصدر مُضَافٌ إلى المَفْعُول.

فصل


قال الوَاحِدِي٢ :نزلت في المُنَافِقِين وهو الوَجْه لذكر الرِّيَاء، وهو ضرْب من الإنْفَاقِ، وهو قول السدي، وقيل :نزلتْ في اليَهُود٣ وقيل :نزلَتْ في مُشْرِكِي مكَّة المُنْفِقين على عَداوَة الرَّسُول - عليه السلام -٤.
قال ابن الخَطِيب٥ :والأوْلَى أن يُقَال :إنه - تعالى - لمَّا أمر بالإحْسَان إلى المُحْتَاجِين، بين أن المُمْتَنِعِ من ذَلِكَ قِسْمَان :
إما بألاّ يُعْطي شيئاً، وهو البُخْل فَذَكَرَهُ.
وإما بأن يُعْطِي رياءً وسُمْعَةً ؛ فهذا أيضاً مذمومٌ، فلم يَبْقَ إلا الإنْفَاق للإحْسَان.
وقوله : ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :أنه مُسْتأنف.
والثاني :أنه عَطْف على الصِّلة، وعلى هذين الوَجْهَيْن، فلا مَحَلَّ له من الإعْرَابِ.
والثالث :أنه حالٌ من فاعل يُنْفِقُون، إلا أن هذين الوَجْهَيْن الأخيريْن، أعني :العطف على الصِّلة، والحالية مُمْتَنعان على الوجْه المَحْكِيّ عن المَهْدَوي٦، وهو كون " رئاء " حالاً من نَفْسِ المَوْصُول٧ ؛ لئلا يَلْزَم الفَصْل بين أبعاض الصِّلة، أو بين الصِّلة ومعمولها بأجْنَبِيّ، وهو " رِئَاءَ " ؛ لأنه حَالٌ من المَوْصُول لا تعلُّق له بالصِّلَة، بخلاف ما إذا جَعَلْنَاه مَفْعُولاً [ له ]٨ أو حَالاً من فَاعِل ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾ فإنَّه على الوَجْهَين معمول ل ﴿ يُنْفِقُونَ ﴾٩ فليس أجْنَبِيّاً، فلم يُبَالَ١٠ بالفَصْل به، وفي جَعْلِ ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُونَ ﴾ حالاً نَظرٌ ؛ من حَيْث أن بَعْضهم نَصَّ على أنَّ المُضَارع المُنفِيّ ب " لا " ١١ كالمُثبت ؛ في أنَّه لا يَدْخل عَليْه واو الحَال، وهو مَحَلُّ١٢ تَوَقُّف، وكرِّرت لا في قوله - تعالى : ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُونَ [ بِاللَّهِ وَلاَ ]١٣ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ ؛ وكذا١٤ الباء إشعاراً بأنَّ الإيمان مُنتفٍ عن كلِّ على حدته [ كما ]١٥ لو قُلت :لا أضرب زيداً أو عَمْرًا، احْتمل في الضَّرْب عن المَجْمُوع، ولا يَلْزَم منه نَفْي الضَّرْب عن كل وَاحِدٍ على انْفِرَادِه، [ واحتمل نَفْيه عن كُلِّ واحِدٍ بالقرانِ ]١٦.
وإذا قُلْت ولا عَمْراً، تعيَّن هذا الثَّانِي.
قوله - تعالى - : ﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قِرِيناً ﴾ :
قوله : ﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً ﴾ أي :صاحِباً وخَليلاً، والمَعْنى :أن الشَّيْطَان قَرِين لأصْحَاب هذه الأفْعَالِ.
قال القرطبي١٧ :في الكلام إضْمَار، تقديره : ﴿ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ ﴾ فَقَرينُهُم الشَّيْطَان ﴿ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قِرِيناً ﴾.
قوله : ﴿ فَسَاءَ قِرِيناً ﴾ وفي " فساء " هذه احتمالان :
أحدهما :أنَّها نقلت إلى الذَّمِّ، فجرت مُجْرى " بِئْسَ "، ففيها ضَميرٌ فاعلٌ لها مُفَسِّر بالنكِرَة بعده، وهو ﴿ قِرِيناً ﴾ والمخصُوص بالذَّمِّ مَحْذُوف، أي :فَسَاءَ قريناً هُوَ، وهو عائد [ إما ] على الشَّيْطَان، وهو الظَّاهِر، وإمَّا على " مَنْ "، وقد تَقَدَّم حكم نِعْم وبِئْس.
الثاني :على بابها، فهي مُتَعَدِّية، ومَفْعُولها مَحْذُوف، و " قريناً " على هذا مَنْصُوب على الحَالِ أو على القَطْعِ، والتَّقدير :فساءَهُ، أي :فساء الشَّيْطَان مُصَاحَبَة ؟
قال القُرْطُبِي١٨ : ﴿ قِرِيناً ﴾ مَنْصوب على التَّمْييز، واحتجُّوا للوجْه الأوَّل بأنَّه كان يَنْبَغِي أن يحذف الفَاءَ من " فَسَاءَ "، أو تَقْتَرِن به " قَدْ "، لأنه حينئذٍ فِعْل مُتَصرِّف ماض، وما كان كذلِك ووقع جواباً للشَّرْط، تَجَرَّد من الفَاءِ أو اقْتَرَن ب " قد "، هذا معنى كَلاَم أبِي حيَّان١٩.
قال شهاب الدين٢٠ :وفيه نَظَر ؛ لقوله - تعالى - : ﴿ وَمَن جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ ﴾
[ النمل :٩٠ ] ﴿ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ ﴾ [ يوسف :٢٧ ] مما يُؤوّل به هذا ونحوه يَتَأوّل به هذا، وممَّن ذَهَب إلى أن ﴿ قِرِيناً ﴾ منصوب على الحالِ ابن عَطِيَّة٢١، ولكن يُحْتَمل أن يكُون قَائِلاً بأن " سَاءَ " متعدِّيَة، وأن يكون قَائِلاً برأي الكُوفيِّين، فإنَّهم يَنْصُبُون ما بَعْدَ [ نِعْمَ ]٢٢ و " بِئْسَ " على الحَالِ.
والقَرِين :المُصاحِب [ الملازِم ]٢٣ وهو فعيل بِمَعْنَى مُفَاعِل :كالخَليطِ والجَليسِ، والقَرَنُ :الحَبْل٢٤ ؛ لأنه يُقْرنَ به بَيْنَ البعيريْن قال : [ البسيط ]
. . . *** وَابْنُ اللَّبُون إذَا مَا لُزَّ فِي قَرَنٍ٢٥
١ في أ: مرابين..
٢ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨١..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٥٦) عن مجاهد..
٤ انظر "التفسير الكبير" للرازي (١٠/٨١)..
٥ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨١..
٦ في أ: المهدي..
٧ في ب: المفعول..
٨ سقط في أ..
٩ في أ: لينفقون..
١٠ في أ: يسأل..
١١ في أ: بلا..
١٢ في أ: محال..
١٣ سقط في ب..
١٤ في أ: لهذا..
١٥ سقط في ب..
١٦ سقط في ب. وفي الدر المصون "بانفراده بدل بالقرآن"..
١٧ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٦..
١٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٢٧..
١٩ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٥٩..
٢٠ ينظر: الدر المصون ٢/٣٦٣..
٢١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٣، وعبارة المحرر: منصوب على التمييز..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ في أ: الحبال..
٢٥ هذا صدر بيت لجرير وعجزه:
لم يستطع صولة البزل القناعيس
ينظر ديوانه (٣٢٣) والكتاب ١/٢٩٥ وشرح المفصل لابن يعيش ١/٣٥ واللسان (لزز) والدر المصون ٢/٢٢٧، ٣٦٣..

قوله :" وماذا عليهم ".
قد تقدم الكلام على نَظِيرتِها، و " ماذا عليهم " استفهام بمعنى الإنكار.
قال القرطبي :" ما " :في موضع رفع بالابتداء، و " ذا " خبره، و " ذا " خبره، و " ذا " بمعنى الَّذِي، وهذا يحتمل أن يكُون الكلام قد تَمَّ هنا، ويجوز أن يكونُ " وماذا " اسماً واحداً، ويكون المَعنى أي :وأيُّ شيء عليهم في الإيمانِ باللَّهِ، أو ماذا عَلَيْهم من الوَبَال والعَذَابِ يَوْم القِيَامَة.
ثم استأنف بقوله : ﴿ لَوْ آمَنُواْ ﴾ ويكُون جَوَابُهَا مَحْذُوفاً، أي :حصلت لهم السَّعَادة، ويحتمل أن يَكُون [ تمام ] الكَلاَم ب " لو " ومَا بَعْدَها، وذلك على جَعْل " لو " مصدريَّة عند من يُثْبِتُ لها ذلك، أي :وماذا عليهم في الإيمان، ولا جَواب لها حينئذٍ، وأجاز ابن عطيَّة١ أن يَكُون ﴿ وَمَاذَا عَلَيْهِمْ ﴾ جواباُ ل " لَوْ "، فإن أراد من جهة المَعْنَى فمُسلَّمٌ ٢ وإن أرادَ من جهة الصِّنَاعة فَفَاسِدٌ ؛ لأن الجواب الصِّنَاعي لا يتَقدّم عند البَصْرِيِّين، وأيضاً فالاستفهام لا يُجَاب ب " لو "، وأجاز أبُو البَقَاء٣ في " لو " أن تكُون بمعنى " إن " الشَّرطيّة ؛ كما جاء في قوله : ﴿ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ ﴾ [ البقرة :٢٢١ ] أي :وأيُّ شيءٍ عليهم إن آمَنُوا.
قال الجبائي٤ :ولو كانوا غَيْرَ قَادِرين، لم يجز أن يقُول اللَّه ذلِك ؛ كما لا يُقالُ لمن هُو في النَّار مُعَذَّب :ماذا عليهم لَوْ خَرَجُوا مِنْها، وصَارُوا إلى الجَنَّة، وكما لا يُقال للجَائِع الذي لا يَقْدِر على الطَّعام :ماذا عَلَيْه لو أكَل.
[ وقال الكعبي ]٥ لا يجوز أن يَمْنَعه القُدْرة، ثم يَقُول :ماذا عَلَيْه لو آمَنَ، كما [ لا ] يقال لمن بِه مَرَضٌ :ماذا عليه لَوْ كَانَ صَحِيحاً، ولا يُقَال للمرأة :ماذا عليها لو كَانَت رَجُلاً، وللقَبيح :ماذا عَلَيْه لو كان جَمِيلاً كما لا يَحْسُن هذا القَوْل من العَاقِل، كذلك لا يَحْسُن من اللَّه - تعالى -.
وقال القَاضِي عبد الجَبَّار٦ :لا يُجوز أن يأمر العاقل وكيله بالتَّصَرُّف في الصَّفَقَة٧، ويَحْبِسهُ بحيث لا يتمكَّنُ من مُفارقة الحَبْسِ، ثم يقولُ لَهُ :مَاذَا عليك لو تصَرَّفْت، وإذا كان من يَذكر مثل هذا الكلام [ سفيهاً ]٨ دل ذلك على أنَّه على اللَّه - تعالى - غير جَائِزٍ واعلم أن مِمَّا تمسَّك به المُعْتَزِلة من المَدْح والذَّمِّ والثَّواب والعِقَاب، معارضتهم بمسْألة العِلْم والدَّاعِي.
قال ابن الخَطِيب٩ :قد يَحْسُن منه ما من غيره ؛ لأن المُلْك مُلْكُه.
ثم قال : ﴿ وَكَانَ اللَّهُ بِهِم عَلِيماً ﴾ أي :عليم ببواطنِ الأمُور كما هو عَليمٌ بِظَاهِرِها، وهذا كالرَّدْع للمكلَّف عن القَبَائح من أفْعال القُلُوبِ ؛ مثل النِّفاق والرِّيَاء والسُّمْعَة.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٣..
٢ في أ: المسلم..
٣ ينظر: الإملاء ١/١٨٠..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨١..
٥ ينظر: السابق..
٦ ينظر: السابق..
٧ في أ: النفقة وفي الرازي الضيعة..
٨ سقط في أ..
٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨٢..
لما بيَّن أنه عَلِيم ببَواطِنِهم وظَواهِرِهم، بيَّن أنَّه كما علمها، لا يَظْلِم مثقال ذرَّة منها.
قوله : ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ فيها وَجْهَان :
أحدهما :أنه مَنْصُوب على أنه نَعْت لمصْدر مَحْذُوف، أي :لا يَظْلِم أحَداً ظُلْمَاً وَزْن ذَرَّة١، فحذف المفْعُول والمَصْدر، وأقام نَعْتَه مَقَامه، ولمّا ذكر أبو البقاء٢ هذا الوَجْه، قَدَّر قبله مُضَافاً مَحْذُوفَاً، قال تقْدِيره :ظلماً قَدْر مِثْقال ذرَّة، فحذفَ المَصْدر وصِفَتَه، وأقَام المُضَاف إلَيْه مَقَامَه، ولا حاجة إلى ذلك ؛ لأن المثْقال نفسه هو قَدَرٌ من الأقْدَار، جُعِل مِعْيَاراً لهذا القَدَر المَخْصُوص.
والثاني :أنه مَنْصُوب على أنه مفعول ثانٍ ل " يظلم "، والأوّل، مَحْذُوف ؛ كأنهم ضَمَّنُوا " يظلم " معنى " يغصب " أو " ينقص " فعَدَّوهُ٣ لاثنين، والأصْل أن الله لا يَظْلِمُ أحَداً مِثْقَالَ ذَرَّة.
والمِثْقَال مِفْعَال من الثِّقَل، يُقال :هذا على مثال هَذَا، أي :وَزْنه، ومعنى الآيَةِ :أنه - تعالى - لا يَظْلَمِ أحداً٤ لا قَلِيلاً ولا كَثِيراً، وإنما أخْرَجَهُ على أصْغَر ما يتعارَفَه النَّاس، ويُؤيِّده قوله - تعالى - : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً ﴾٥ [ يونس :٤٤ ] والذَّرَّة، قال أهل اللُّغَة :هي النَّمْلَة الحمراء، وقيل :رَأْسُها٦، وقيل :الذَّرَّة جُزْء من أجْزَاء الهَبَاء في الكوة، ولا يَكُون لها وَزْن.
وروي أن ابْن عبَّاس أدْخَل يَدَه في التُّرَاب، ثم رَفَعَها، ثم نَفَخَ فيها، ثم قال :كل وَاحِدٍ من هَذِه الأشْيَاء٧.
والأول هو المَشْهُور :لأن النَّمْلَةَ يُضْرب بها المثل في القِلَّة، وأصغر ما يَكُون إذا مرّ عليها حَوْل، وقالوا :لأنَّها حينئذٍ تَصْغُرُ جِدَّاً.
قال حَسّان : [ الخفيف ]
لَوْ يَدِبُّ الحَوْليُّ مِنْ وَلَدِ الذَّرْ رِ عَلَيْهَا لأنْدَبَتْها الكُلُومُ٨
وقال امْرُؤُ القَيْس : [ الطويل ]
مِنَ القَاصِرَاتِ الطَّرْفِ لَوْ دَبَّ مُحْوِلٌ مِنَ الذَّرِّ فَوْقَ الإتْبِ مِنْهَا لأثَّرَا٩

فصل


روي مُسْلِم عن أنس ؛ قال :قال رسُول الله صلى الله عليه وسلم :" لا يَظْلِمُ اللَّهُ مُؤْمِناً حَسَنَة، يُعْطَى بها [ في الدُّنْيَا ]١٠ ويُجْزَى بها في الآخِرَة، وأما الكَافِر فَيُعْطى حسناتٍ ما عامل اللَّه بِهَا في الدُّنْيَا، حتى إذا مَضَى إلى الآخِرَةِ، لم يَكُن له حَسَنَة يُجْزَى عَلَيْهَا " ١١.

فصل :دليل أهل السنة على خروج المؤمنين من النار


واحتج أهْل السُّنَّة بهذه الآية، على أنَّ المُؤمنين يَخْرجُون من النَّار إلى الجَنَّة ؛ قالوا :لأن ثَوَاب الإيمان والمُداوَمَة على التَّوْحيد، والإقْرَار بالعُبُودِيَّة مائة سَنَة، أعْظَم ثواباً من عِقَابِ شُرْب جَرْعَة من الخَمْر، فإذا حضر هذا الشَّارِبُ القيامَة وأسْقِط [ عنه ]١٢ قدر عِقَاب هذه المَعْصِية من ذلك الثَّواب العَظيم، فَضُل له من الثَّواب قَدْر عَظيم، فإذا دخل النار بسبب القَدْر من العِقَابِ، فلو بَقي هُنَاك، لكان ذَلِكَ ظُلْمَاً، فوجب القَطْع بأنه يَخْرُج إلى الجَنَّة.
وقوله : ﴿ وَإِن تَكُ حَسَنَةً ﴾ حذفت النَّون تَخْفِيفاً، لكثرة الاستعمَال، وهذه قَاعِدَةٌ كُلِّية، وهو أنه يجوز حذْف نُون " تكُون " مجْزُومة، بشرط ألاَّ يلِيهَا ضميرٌ متَّصِل ؛ نحو لم يَكُنْه، وألاَّ تُحرَّك النٌّون لالتقاء الساكنِين، نحو : ﴿ لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُواْ ﴾ [ البينة :١ ] خلافاً ليُونُس ؛ فإنه أجَازَ ذلك مستدلاً بقوله : [ الطويل ]
فَإنْ لَمْ تَكُ المِرْآةِ أبْدَتْ وَسَامَةً فَقَدْ أبْدَتْ [ المِرْآةُ ]١٣ جَبْهَةَ ضَيْغَمِ١٤
وهذا عند سيبويه١٥ ضرُورةٌ، وإنما حُذِفَت النَّون لغُنّتها وسُكُونِها، فأشْبهت الواو، وهذا بِخلاف سَائِرِ الأفْعال، نحو :لم يَضِنَّ، ولم يَهُنْ ؛ لكثرة اسْتِعْمال " كَانَ "، وكان ينبغي أن تَعُود الواو عند حذف هذه النُّون ؛ لأنها إنَّما حُذِفَت لالتقاء الساكنين، وقد زالَ١٦ ثانيهما وهو النُّونُ ؛ إلا أنَّها كالملفوظ بِهَا.
واعلم أن النُّون السَّاكِنَة، إذا وقعت طرفاً تشبه حُرُوف اللِّين، وحُرُوف اللِّين إذا وقعت طرفاً سَقَطت للجزم، وقد جاء القُرْآن بالحَذْف والإثبات :
أما الحَذْف :فهذه الآية.
[ وأما الإثبات ]١٧ فكقوله : ﴿ إِن يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقَيراً ﴾ [ النساء :١٣٥ ].
وقرأ الجمهور ﴿ حَسَنَةً ﴾ نصباً على خَبَر كان النَّاقِصة، واسْمُهَا مستَتِرٌ فيها يَعُود على مِثْقَال، وإنَّما أنِّث ضميره حَمْلاً على المَعْنَى ؛ لأنه بمعْنَى :وإن تَكُن زِنة ذَرَّة حَسَنة، أو لإضافته إلى مُؤنَّثِ، فاكتَسبَ منه التَّأنِيث.
وقرأ ابن كثير ونافع :" حَسَنَةٌ " رفعاً على أنَّها التَّامَّة، أي :وإن تقع أو تُوجد حَسَنةٌ وقرأ ابن كثير١٨ وابن عامرٍ " يضعفها " بالتضعيف، والباقون :" يضاعفها " قال أبو عبيدة١٩ ضاعَفَهُ يقتضي مِرَاراً كثيرة، وضَعَّفَ يقتضي مَرَّتَيْن، وهذا عكس كَلاَم العَرب، لأن المُضَاعَفَة تقتَضِي زيادة المِثْل، فإذا شُدِّدت، دَلَّت البنية على التكثير، فيقْتَضي ذلك تَكْرِيرُ المُضاعفة، بحسبِ ما يكون من العَدَدِ.
وقال الفَارِسِيّ٢٠ :فيها لغتان بمعنى يدُلُّ عليه٢١ قوله : ﴿ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ﴾
﴿ فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً ﴾ [ البقرة :٢٤٥ ] وقد تقدَّم ذلك، وقرأ ابن هُرْمُز٢٢ :" نضاعفها " [ بالنون، وقُرئ " يضعفها " ]٢٣ بالتَّخْفيف من أضْعَفَه٢٤ مثل أكْرَمَ.

فصل


قال أبو عُثْمَان النَّهْدي :بلغني عن أبي هُرَيْرة ؛ أنه قال :إن اللَّه يعطِي عبده المُؤمِن بالحَسَنَةِ الواحِدَةِ ألْف ألف حَسَنَةٍ، فقدّره الله أنْ ذهبْت إلى مكَّة حَاجّاً أو معتمِراً فلقيته فقلت :بَلَغَني أنك تقول إن اللَّه يُعْطِي عبده المُؤمِن بالحسنة ألف ألف حسنَة، قال أبو هريرة :لم أقُلْ ذلك، ولَكِن قُلْتُ :إن الحَسَنَة تُضاعف بألْفي ألْفَي ضِعْف، ثم تلا هذه الآية٢٥ ؛ وقال :قال الله - تعالى : ﴿ وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً ﴾ لمن يَقْدر قَدْرَه.
قوله : ﴿ مِن لَّدُنْهُ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :أنه مُتَعَلِّق ب " يؤت " و " من " للابْتِدَاءِ مَجَازاً.
والثاني :متعلِّقٌ بمحْذُوف على أنه حَالٌ من " أجراً "، فإنه صِفَة نكرة في الأصْلِ، قُدِّم عليها فانْتَصَب حالاً.
و " لدن " بمعنى عِنْد، إلا أن " لدن " ٢٦ أكثر تمكيناً، يقول الرَّجُل :عندي مَالٌ، إذا كان [ مَالهِ ]٢٧ ببلَدٍ آخر، ولا يُقَال :لَدَيّ مالٌ في حالٍ، ولا لَدَيّ إلاَّ لما كان حَاضِراً.
١ في أ: الذرة..
٢ ينظر: الإملاء ١/١٨٠..
٣ في أ: فعله..
٤ في أ: مثقال ذرة..
٥ ينظر: الرازي ١٠/٨٢..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٦٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٩٠) وزاد نسبته لعبد بن حميد..
٧ ذكره الرازي في تفسيره ١٠/٨٢..
٨ ينظر البيت في ديوانه ٢٢٣ والبحر المحيط ٣/٢٦١، والدر المصون ٢/٢٦٥..
٩ ينظر البيت في ديوانه (٦٥): والبحر المحيط ٣/٢١٦، والدر المصون ٢/٣٦٥..
١٠ سقط في ب..
١١ أخرجه مسلم (٢/٣٤٤ ـ ٣٤٥) وأحمد (٣/١٢٣، ١٢٥، ٢٨٣) والطيالسي (١١ ـ ٢) والطبري في "تفسيره" (٨/٢٦١) عن أنس بن مالك مرفوعا..
١٢ سقط في أ..
١٣ سقط في أ..
١٤ البيت للخنجر بن صخر الأسدي ينظر خزانة الأدب ٩/٣٠٤، والدرر ٢/٩٦، وسر صناعة الإعراب ٢/٥٤٢، وشرح التصريح ١/١٩٦، ولسان العرب (كون)، والمقاصد النحوية ٢/٦٣، وأوضح المسالك ١/٢٦٩، وتخليص الشواهد ص ٢٦٨، وشرح الأشموني ١/١٢٠، والدر المصون ٢/٣٦٤..
١٥ ينظر: الكتاب ٢/٢٧٩..
١٦ في أ: وقد ترك..
١٧ سقط في أ..
١٨ ينظر: السبعة ٢٣٣، والحجة ٣/١٦١، وحجة القراءات ٢٠٣، والعنوان ٨٤، وإعراب القراءات ١/١٣٤، وإتحاف ١/٥١٢..
١٩ ينظر: المجاز ١/١٢٧..
٢٠ ينظر: الحجة ٣/١٦١..
٢١ في أ: قلبه..
٢٢ ينظر: الدر المصون ٢/٣٦٤، وفي أ: هرم..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ في أ: أضاعفه..
٢٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٦٦) وأحمد (٩٧٣٢ ـ شاكر) وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" وابن أبي شيبة كما في "الدر المنثور" (٢/٢٩٠) عن أبي عثمان النهدي عن أبي هريرة..
٢٦ في أ: عند..
٢٧ سقط في ب..
" فكيف " فيها ثلاثة أقْوَال :
أحدها :أنَّها في مَحَلِّ رفْع خَبَراً لمبْتَدأ مَحْذُوف، أي :فكيف [ تكُون ]١ حالهم أو صُنْعُهم، والعَامِل في " إذَا " هو هَذَا المُقَدَّر.
والثاني :أنها في مَحَلِّ نَصْب بِفْعِل مَحْذُوف، أي :فكيف تكُونونُ أو تَصْنَعُون، ويَجْرِي فيها الوَجْهَان :النَّصْب على التَّشْبِيه بالحَالِ ؛ كما هو مَذْهَب سَيبويْه، أو على التَّشْبِيه بالظَّرفيّة ؛ كما هو مذهب الأخْفَش، وهو العَامِل في " إذَا " أيْضَاً.
والثالث :حكاه ابن عَطيّة٢ عن مَكِّي أنها معمولة ل ﴿ جِئْنَا ﴾، وهذا غَلَطٌ فاحِشٌ.
قوله ﴿ مِن كُلِّ ﴾ فيه وجْهَان :أحدهما :أنه مُتعلِّق ب ﴿ جِئْنَا ﴾.
والثاني : [ أنه متعلِّقٌ ]٣ بمحذوفٍ على أنَّه حَالٌ من ﴿ شَهِيداً ﴾، وذلك على رَأي من يُجَوِّزُ تقديم حالِ المجرُور بالحَرْفِ عليْهِ، كما تقدَّم، والمشهود مَحْذُوف، أي :شهيد على أمَّتِه.

فصل :معنى ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا ﴾


من عَادَة العرب أنَّهم يقُولُون في الشَّيء الذي يتوقَّعُونَهُ :كيف بك إذا كان كَذَا وكَذَا، ومعنى الكلام :كيْفَ يرون [ يَوْمَ ]٤ القيامة :إذا اسْتَشْهَد الله على كُلِّ أمَّة برسُولِهَا يشهد عليهم٥ بما عَمِلُوا، ﴿ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً ﴾ أي :شاهداً على جميع الأمَمِ.
روى أبو مَسْعُود ؛ " قال :قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم :" اقْرَأ عَلَيَّ ". فقلت :يا رسُول الله، أَقْرَأ عَلَيْكَ، وعَلَيْكَ أنْزِلَ ؟ قال :" نَعَم، أحِبُّ أن أسْمَعَهُ من غَيْرِي "، فقرأت سُورة النِّسَاء حتى أتيْتُ إلى هذه الآيةِ، قال :حَسْبُك الآن، فالتَفَتُّ إلَيْه فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِفان " ٦.
قوله ﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾ في هذه الجُمْلَة ثلاثة أوجه :
أظهرها٧ :أنها في مَحَلِّ جرِّ عطفاً على ﴿ جِئْنَا ﴾ الأولى٨، أي :فكيف تصنعون في وَقْتِ المجيئين.
والثاني :أنها في مَحَلِّ نصب على الحَالِ و " قَدْ " مُرَادةٌ معها، والعَامِلُ فيها ﴿ جِئْنَا ﴾ [ الأولى، أي :جئنا ]٩ من كُلِّ أمَّة بشهيدٍ وقد جِئْنَا ؛ وفيه نَظَر.
الثالث :أنها مُسْتأنَفَة فلا مَحَل لها قال أبُو البَقَاء١٠ ويجوز أن تكون مُسْتأنفَة، ويكون المَاضِي بمعنى المُسْتَقْبَل انتهى.
وإنما احْتَاج [ إلى ذلك ]١١ ؛ لأن المَجِيءَ بعد لَمْ١٢ يَقَع فادّعى ذلك، والله أعْلَم.
قوله : ﴿ عَلَى هَؤُلاءِ ﴾ متعلِّق ب ﴿ شَهِيداً ﴾١٣ و " عَلَى " على بابها، وقيل :بمعْنَى اللام، وفيه بُعْدٌ [ وأجيز أن يكُونَ " عَلَى " متعلِّقَة بمحذُوفٍ على أنَّها حالٌ من ﴿ شَهِيداً ﴾ وفيه بُعْدٌ ]١٤، و ﴿ شَهِيداً ﴾ حالٌ من الكَافِ في " بِكَ ".
١ سقط في أ..
٢ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٥..
٣ سقط في أ..
٤ سقط في أ..
٥ في ب: عليهم..
٦ أخرجه البخاري (٨/٢٥٠) كتاب التفسير (٤٥٨٢) وفضائل القرآن (٥٠٤٩، ٥٠٥٠) ومسلم كتاب صلاة المسافرين (٢٤٧ ـ ٨٠٠)، (٢٤٨/٨٠٠) عن عبد الله بن مسعود.
وأخرجه الحاكم (٣/٣١٩) عن عمرو بن حريث مطولا.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي..

٧ في أ: أحدهما..
٨ في أ: الأول..
٩ سقط في أ..
١٠ ينظر: الإملاء ١/١٨١..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: بعده..
١٣ في أ: بشهيد..
١٤ سقط في ب..
قوله : ﴿ يَوْمَئِذٍ ﴾ فيه ثلاثة أوجُه :
أحدها :أنه مَعْمُولٌ ل ﴿ يَوَدُّ ﴾١ أي :يَوَدُّ الذين كَفَروا يَوْمَ إذ جِئْنَا٢.
والثاني :أنه مَعْمُول ل ﴿ شَهِيداً ﴾، قاله أبو البَقَاء٣ ؛ قال وعلى هذا يكُون " يود " صفة ل " يوم "، والعائد مَحْذُوفٌ، تقديره :فيه، وقد ذكر ذلك في قوله : ﴿ وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي ﴾ [ البقرة :٤٨ ]، وفيما قاله نظر.
والثَّالث :أن " يوم " مَبْنِيٌّ، لإضافته إلى " إذْ " قاله الحُوفيّ، قال :لأنَّ الظرف إذا أضيفَ إلى غير مُتَمكِّنٍ، جَازَ بناؤهُ معه، و " إذْ " هنا اسْمٌ ؛ لأن الظروف إذا أُضِيفَ إليها، خَرَجَتْ إلى مَعْنَى الاسميَّة، من أجل تَخْصِيص المُضَافِ إليْها، كما تخَصّص الأسْمَاء مع استحقَاقِها الجرّ، والجرُّ ليس من علامَاتِ الظُّروف، والتَّنْويِن في " إذْ " تنوين عوض على الصَّحيح، فقيل :عِوضٌ من الجُمْلَة الأولى، في قوله : ﴿ جِئْنَا مِن كُلِّ ﴾ أي :يومئذٍ جِئْنَا من كُلِّ أمَّة بشهيدٍ، وجئنا بِكَ على هؤلاء شهيداً، و " الرسول " على هذا اسْم جِنْسٍ، وقيل :عِوَضٌ عن الجُمْلَة الأخيرةَ وهي ﴿ وَجِئْنَا بِكَ ﴾، ويكون المُراد ب " الرسول " :محمد صلى الله عليه وسلم، وكأن النَّظْم وعَصَوْك، ولكن أبرز ظاهراً بضفة الرِّسَالة تَنْوِيهاً بقدره وشرفِه.
وقوله : ﴿ وَعَصَوُاْ ﴾ فيه ثلاثة أوْجُه :
أحدها :أنها جُمْلَة معطوفة على ﴿ كَفَرُواْ ﴾ فتكون صِلَةً، فيكونون جَامِعِين بين كُفْرٍ ومَعْصِيَة ؛ لأن العَطْفَ يقتضي المُغَايَرَة، وإذا كان ذَلِكَ، فَيُجْمل عصيان الرَّسُول على المعَاصِي المغايرَة للكُفْر، وإذا ثبت ذلك، فالآيَةُ دالَّة على أن الكُفَّار مخاطبُون بفُرُوع الإسلام٤.
وقيل :هي صِلَةٌ لموصول أخَر، فيكون طَائِفَتَيْن، وقيل :إنها في مَحَلِّ نصبٍ على الحال من ﴿ كَفَرُواْ ﴾، و " قد " مُرَادَة٥، أي :وقد عَصَوا.
وقرأ يحيى وأبو السَّمال٦ :" وعَصَوِا الرسول " بكسر الواوِ على الأصْلِ.
قوله : ﴿ لَوْ تُسَوَّى ﴾ إن قيل إن " لو " على بابها كما هو قَوْل الجُمْهُور، فَمَفْعُول ﴿ يَوَدُّ ﴾ محذوفٌ، أي :يودُّ الَّذِين كَفَرُوا تَسْوية الأرْض بهم، ويدل عليه ﴿ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ ﴾، وجوابها حينئذٍ مَحْذُوف، أي :لسُرُّوا بذلك٧.
وإن قيل :إنها مصدريَّة، كانت وهي وما بَعْدَها في محلّ مَفْعُول ﴿ يَوَدُّ ﴾، ولا جواب لها حينئذ، وقد تقدَّم تحقيق ذلك في ﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ ﴾ [ البقرة :٩٦ ].
قال أبو البقاءِ٨ :" وعصوا الرسول " في موضع الحالِ، و " قد " مُرَادةٌ، وهي معْتَرِضَة بين " يود " وبين مَفْعُولها، وهي " لو تسوى " و " لو " بمعنى المصدريَّة انتهى.
وفي جَعْلِ الجملة الحَاليَّة معترضة بين المَفْعُول وعامِله نَظَرٌ لا يَخْفَى ؛ لأنها من جُمْلَة متعلِّقَات العامِل الذي هو صِلَة للمَوْصُول ؛ وهذا نظير قولك :ضَرَب الذين جَاءُوا مُسْرِعين زَيْداً، فكما لا يُقال :إن مُسْرِعين مُعْتَرض به، فكذلك هذه الجملة.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير وعاصم٩ :تُسَوَّى [ بضم التَّاءِ، وتخفيف السِّين مبنياً للمفعُول، وقرأ حمزة١٠ والكِسائي :" تَسَوَّى " ]١١ بفتح التَّاء والتَّخفيف، ونافع وابن عامر :بالتَّثْقِيل١٢.
فأما القراءة الأولَى، فمعناها :أنَّهم يودُّون أن الله - سبحانه وتعالى - يُسَوِّي بهم الأرض :إمّا على أن الأرْض تَنْشَقُّ وتبتلِعُهم١٣، وتكون البَاءُ بمعنى " عَلَى "، وإما على أنَّهُم يودُّون أن لو صارُوا تُرَاباً كالبَهَائِمِ، والأصْل يودُّون أن الله - تعالى - يُسَوِّي بهم١٤ الأرض، فَقُلِبَت إلى هَذَا ؛ كقولهم :أدْخَلْتُ القََلُنْسُوَة في رَأسِي، وإمّا على أنَّهم يودُّون لو يُدْفَنُون فيها، وهو كالقَوْلِ الأوَّل. وقيل :لو تُعْدَلُ بهم الأرْضُ، أي :يُؤْخَذ ما عَلَيْها منهم فِدْيَة.
وأما القِرَاءة الثانية :فأصلها " تتسوى " [ بتاءَيْن ]١٥، فحذفت إحداهما، وأدغمت في السّين لقربها منها.
وفي الثَّالِثَة حذفت إحداهما، ومعنى القراءتين ظاهرٌ ممَّا تقدَّم ؛ فإن الأقوال الجاريةَ في القراءة الأولَى، جاريةٌ في القراءتين الأخيرتَيْن غاية١٦ ما في البَابِ أنه نَسَب١٧ الفِعْل إلى الأرْض ظاهراً.
قوله : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّه ﴾ :فيه ستة أوْجُه١٨ :وذلك أن هذه الواو تَحْتَمِل أن تكون لِلعَطْف، وأن تكون للحالِ.
فإن كانت للعَطْف، احْتمل أن تكُون من عطف١٩ المفرداتِ، [ وأن تكون من عطف الجُمَلِ، إذا تقرر هذا ]، فقوله : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّه ﴾ يجوزُ أن يكون عَطْفاً٢٠ على مَفْعُول ﴿ يَوَد ﴾ أي :يودُّون تسوية الأرْضِ بهم، وانتفاء كتمان الحديث، و " لو " على هذا مَصدريَّة، ويبعد جَعْلُها حرفاً لما كان سيَقَع لوُقُوع غَيْرِه، ويكون و " لا يكتمون " عطفاً على مَفعُول " يود " المحذُوف، فهذان وَجْهَان٢١ على تقدِير كَوِنِه من عطف المفردات.
ويجوز أن يكون عَطْفاً على جُمْلة " يود " أخبر - تعالى - عنهم بخبرين :
أحدهما :الودادةُ لِكَذَا.
والثاني :أنهم٢٢ لا يقدرُون على الكَتْمِ في مواطِنِ دون [ مَوَاطِن ]٢٣، و " لو " على هذا مَصدريَّة، ويجوز أن تكون [ لو ]٢٤ حرْفاً لما سيقع لوقُوع غيره، وجوابُهَا مَحْذُوف، ومفعول " يود " أيضاً مَحْذُوف، ويكون " ولا يكتمون " عطفاً على " يود " وما في حيزها، ويكون - تعالى - قد أخبر عَنْهُم بثلاثِ٢٥ [ جمل ]٢٦ :الوَدَادَة، وجُمْلَة الشرط ب " لو "، وانتفاء الكِتْمَان، فهذان أيضاً وَجْهَان على تقدير كونِه من عطفة الجُمَل، وإن كانت للحالِ، جاز أن تكُون حالاً من الضمير في " بهم "، والعامِل فيها " تسوى "، ويجوز في " لو " حينئذٍ أن تكون٢٧ مصدريَّة، وأن تكون امتناعيَّة، والتقدير :يُريدُون تَسْوِيَة الأرْض بهم غير كَاتِمين، أو لَوْ تُسَوَّى بهم غير كَاتِمين لكان ذلك بُغْيَتهم٢٨، ويجوز أن تكون حالاً من " الذين كفروا "، والعامِل فيها " يود " ويكون الحالُ قيداً٢٩ في الوَدَادَةِ، و " لو " على هذا مصدريَّة في [ محل ]٣٠ مفعُول الوَدَادَة، والمعْنَى [ يومئذٍ ]٣١ يَودُّ الذين كفرُوا تسوية الأرْض بهم غَير كاتمين الله حَديثاً، ويَبْعد أن تكون " لو " على هذا الوجه امتناعِيَّة، للزوم الفَصْل بين الحَالِ وعامِلِها بالجُمْلَة، و " يكتمون " يتعدى لاثْنَيْن، والظَّاهِر أنه يَصِل إلى أحدهما بالحَرْف، والأصل :ولا يكتُمون من اللَّه حديثاً.

فصل


قال عَطَاء٣٢ :وَدُّوا لَوْ تُسوَّى بهم الأرْضُ، وأنهم لم يكُونوا كتمُوا أمر مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ولا نعته، وقال آخرُون :بل هو كلامٌ مُسْتأنَف، يعني :ولا يكتُمون اللَّه حديثاً ؛ لأن جَوَارحَهُم تَشْهَد عليهم.
قال سعيد بن جُبَيْر :قال رَجُل لابن عبَّاس :إني أجد في القُرْآن أشياء تختلفُ عليّ، قال :هَاتِ ما اخْتَلَفَ عليك، قال :قال تعالى : ﴿ فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَاءَلُونَ ﴾
[ المؤمنون :١٠١ ] ﴿ وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴾ [ الصافات :٢٧ ] وقال : ﴿ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً ﴾، و ﴿ قَالُواْ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [ الأنعام :٢٣ ] فقد كتمُوا، وقال : ﴿ أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا ﴾ إلى قوله : ﴿ وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا ﴾٣٣ [ النازعات :٣٠ ]، فذكر خَلْق السَّماء قبل خلق الأرْضِ، ثم قال ﴿ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ﴾
[ فصلت :٩ ] إلى " طائِعين ". فذكر في هذه الآية خَلْق الأرض قبل خَلْق السَّماء، وقال :" وكان الله غفوراً رحيماً " و " عزيزاً حكيماً " فكأنه٣٤ كان ثم مَضَى.
فقال ابن عباس :فلا أنْسَابَ بَيْنَهم في النَّفْخَة الأولى، وقال - تعالى - :" ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض [ إلا من شاء الله ]٣٥ " فلا أنساب عند ذلك ولا يتساءَلُون، ثم في النَّفْخَة الأخيرَة أقْبَل بعضهم على بَعْض يتساءَلُون.
وأما في قوله :ما كنا مشركين و ﴿ لا يكتمون الله حديثا ﴾ فإن الله يَغْفِر لأهْل الإخْلاَص ذُنُوبهم فيقول٣٦ المُشْرِكُون :تعَالَوْا نقل :ما كُنا مُشركين، فيختم٣٧ على أفواههم، وتنطقُ أيديهم وأرْجُلهم، فَعِنْدَ ذلك عَرَفُوا أنَّ الله لا يَكْتُم حَديثاً، وعنده " يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض ".
وخلق الله الأرْضَ في يومين ثم خلق السَّماء، ثم اسْتَوَى إلى السَّمَاء فَسَوَّاهُن في يومَيْن آخرَيْن، ثم دَحَى الأرض، وَدَحْيُها أن أخْرَج منها المَاءَ والمَرْعَى، وخلق الجِبَال والآكَامَ، وما بينهُمَا في يومين آخريْن ؛ فقال " خلق الأرض في يومين [ ثم دَحَى الأرض في يومين ؛ فخلقت الأرْضُ وما فيها من شيء في أربعةِ أيام، وخلقت السماوات في يومين ]٣٨ ﴿ وكان الله غفوراً رحيماً ﴾ أي :لم يَزَلْ كَذَلِك، فلا يختلف عليك القُرَآن ؛ فإن كُلاًّ من عِنْد الله " ٣٩.
وقال الحسن :إنها مواطِنٌ :ففي مَوْطن لا يتكلَّمُون، ولا تَسْمَع إلا هَمْساً، وفي موطنٍ [ يعترفون على أنفسهم فهو قوله : ﴿ فَاعْتَرَفُواْ بِذَنبِهِمْ ﴾٤٠ [ الملك :١١ ]، و [ في موطن يتكلمون ويكذبون، ويقولون : ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ [ الأنعام :٢٣ ]، و﴿ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ ﴾٤١ ] [ النحل :٢٨ ]، وفي مواطن لا يتساءَلُون الرّجعة، [ وفي مَوْطِن يتساءلُون الرجْعَة ]٤٢ وآخر تلك المَوَاطِن، أن يُخْتَمَ على أفْوَاهِهم، وتتكلَّم جوارحُهم، وهو قوله : ﴿ ولا يكتمون الله حديثاً ﴾.
وقال آخرون : [ قولهم ]٤٣ : ﴿ وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ ﴾ أي :على حَسَبِ ما توهَّمنا في أنْفُسِنَا، بل كُنَّا مُصيبين في ظُنُونِنَا حتى تَحقَّقنا الآن.
١ في أ: ليود..
٢ في أ: يومئذ حينا..
٣ ينظر: الإملاء ١/١٨١..
٤ الشريعة لها أصول ولها فروع، فأصولها: الإيمان بالله تعالى، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقضاء كله خيره وشره، وفروعها: التكاليف التي شرعها الله لعباده؛ من صلاة وصوم، وحج، وزكاة، وبيع، ورهن، وإجارة، وحدود، وقصاص، وكفارات، وقد اتفق العلماء على أن الكفار مخاطبون بأصول الشريعة، وأن تركهم لهذه الأصول يوجب تخليدهم في النار. واتفقوا كذلك على أنهم مخاطبون بالمعاملات؛ كالبيع، والشراء، والرهن، والإجارة؛ وبالعقوبات، كالحدود، والقصاص، وقالوا في توجيه ذلك: إن المعاملات بها الحياة الدنيا، فالكفار بها أنسب؛ لأنهم آثروا الحياة الدنيا على الآخرة، وأما العقوبات: فقد قصد بها الزجر عن ارتكاب أسبابها، والكفار أحق بالزجر وأولى به من المؤمنين.
واختلفوا في مخاطبتهم بما عدا ذلك من فروع الشريعة، كالصلاة، والصوم، والحج، والزكاة من كل ما يعتبر الإيمان شرطا في صحته على أقوال ثلاثة:
القول الأول: أنهم مخاطبون بفروع الشريعة أداء واعتقادا، وهو مختار جمهور العلماء ومنهم: الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد، وهو المعروف من علماء الحنيفة العراقيين.
القول الثاني: ليسوا مخاطبين بها لا أداء ولا اعتقادا، وهو لعلماء الحنيفة السمرقنديين؛ كالسرخسي، وفخر الإسلام، واختار هذا القول أبو حامد الإسفرايني من الشافعية.
القول الثالث: هم مخاطبون بالنواهي وليسوا مخاطبين بالأوامر، وقد حكاه البيضاوي دون أن ينسبه إلى قائله.
ينظر: البحر المحيط للزركشي ٣/٣٦، التمهيد للإسنوي ص ٣٦٤، ونهاية السول له ١/٣٦٩، زوائد الأصول ص ١٧٩، منهاج العقول للبدخشي ١/٢٠٣، التحصيل من المحصول للأرموي ١/٣٢١ المنخول للغزالي ص ٣١، الإبهاج لابن السبكي ١/١٧٧، الآيات البينات لابن قاسم العبادي ١/٢٨٥، تخريج الفروع على الأصول للزنجاني ص /٩٨، كشف الأسرار للنسفي ١/١٣٧، شرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني ١/٢١٣، نسمات الأسحار لابن عابدين ص /٦٠، ميزان الأصول للسمرقندي ١/٣٠٤، البرهان في أصول الفقه ١/١٠٧، أصول الفقه لمحمد أبو النور زهير ١/١٨٤..

٥ في أ: يراد به..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٦، والبحر المحيط ٣/٢٦٣، والدر المصون ٢/٣٦٦..
٧ في أ: لفروا..
٨ ينظر: الإملاء ١/١٨١..
٩ ينظر: السبعة ٢٣٤، والحجة ٣/١٦١، ١٦٢، وحجة القراءات ٢٠٣، ٢٠٤، وإعراب القراءات ١/١٣٤، والعنوان ٨٤، وشرح شعلة ٣٤٠، وشرح الطيبة ٤/٢٠٧، وإتحاف ١/٥١٢..
١٠ ينظر القراءة السابقة..
١١ سقط في ب..
١٢ في أ: بالنقل..
١٣ في أ: وتبلعهم..
١٤ في أ: يسويهم..
١٥ سقط في ب..
١٦ في أ: عامة..
١٧ في أ: أن نسبت..
١٨ في ب: فيه سبعة أوجه..
١٩ في ب: وضع..
٢٠ في ب: معطوفا..
٢١ في ب: الوجهان..
٢٢ في أ: لأنهم..
٢٣ سقط في أ..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ في ب: بثلاثة..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ في أ: يكون..
٢٨ في أ: لكان بغيتهم..
٢٩ في أ: فيه..
٣٠ سقط في أ..
٣١ سقط في أ..
٣٢ ينظر معالم التنزيه ١/٤٣٠..
٣٣ سقط في ب..
٣٤ في ب: فكما..
٣٥ سقط في أ..
٣٦ في أ: فقال..
٣٧ في أ: فختم..
٣٨ سقط في أ..
٣٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٣٧٣ ـ ٣٧٤) والحاكم (٢/٢٧٧) وصححه.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٢٩٢) وزاد نسبته لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه والبيهقي في الأسماء والصفات..

٤٠ سقط في أ..
٤١ سقط في ب..
٤٢ سقط في أ..
٤٣ سقط في ب..
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُواْ وَإِنْ كُنْتُمْ مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً ٤٣ ﴾١
وجه اتِّصال هذه الآية بما قَبْلَها :أنه - تعالى - لما قال : ﴿ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً ﴾ ذكر بعض الإيمان الصَّلاة التي هِيَ رأسُ العِبَادات، ولذلك يُقْتَل تارِكُها، ولا يَسْقُط فرضُهَا٢.
قال ابن عباس :نزلت في جَمَاعةٍ من أكابر الصَّحَابَة، قبل تَحْرِيم الخَمْرِ، كانوا يَشْرَبُونَها ثم يأتُون المَسْجِد للصَّلاة مع النَّبي صلى الله عليه وسلم فنهوا لهذه الآية٣.
وقال جماعة من المفسِّرين٤ :إن عبد الرَّحْمن بن عَوْف صنع طَعَاماً وشراباً - حين كانت الخَمْر مُبَاحَة - ودَعَا من أكَابِرِ الصَّحَابة، فأكَلُوا وشَرِبُوا، فلما ثَمِلُوا٥، جاء وقت صَلاَة المَغْرِب، فقدموا أحدهم لِيُصَلِّي بهم، فقرأ : ﴿ قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون ﴾ وحذف٦ " لاَ " هكذا، إلى أخر السُّورة، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية، فكَانُوا يَجْتَنِبُونَ السُّكْر أوْقات الصَّلوات، فإذا صَلُّوا العشاء، [ شربوها ]٧، فلا يُصْبِحُون إلا وقدْ ذَهَب عنهم السُّكْر، حتى نَزَل تَحْرِيم الخَمْرِ على الإطْلاَقِ في سورة المَائِدة.
وعن عمر [ بن الخطاب - رضي الله عنه - ]٨ ؛ أنه لما بلغَهُ ذلك قال :" اللهم إنَّ الخَمْر تضر بالعُقُولِ والأمْوَال، فأنزل فيها أمْرَكَ " قال :فَصَبَّحهم الوَحْي بآيَةِ المائِدَةِ.
قوله : ﴿ لا تقربوا الصلاة ﴾ فيه وجهان :
أحدهما :أن في الكَلاَمِ حذف مُضافٍ، تقديره :مواضع الصَّلاةِ والمراد بمواضعها المَسَاجد، ويؤيِّدُه قوله بعد ذلَك : ﴿ إلا عابري سبيل ﴾ في أحد التَّأويلَيْن.
والثاني :أنه لا حَذْف، والنَّهْي عن قُرْبَان نفس الصَّلاةِ في هذه الحالةِ.

فصل


قال بَعْضُهم :إن هذا يكون من باب إطْلاَق اسم الحَالِ على المَحَلِّ، وعلى٩ الأوَّل :لمنع السَّكْرَان [ والجُنْب ]١٠ من المسْجِد إلا عابري سبيل، فيجوز للجُنُب العُبُور١١ في المسْجِد.
وعلى الثاني :أنه نَهْي للجنب١٢ عن الصَّلاة، إلا إذا كان عَابِر سبيلٍ وهو المُسَافِر عند العَجْزِ عن المَاءِ.
ورجح أصْحَاب الشَّافعي الأول ؛ بأن القُرْب والبعد حقيقةٌ في المسْجِد، مجَازٌ في الصَّلاة، والحقيقة أوْلَى من المجَاز ؛ لأن الاسْتِثْنَاء يَصِحُّ عليه، ولا يَصِحُّ على الثَّاني ؛ لأن غير العَابِري١٣ سبيل والعَاجِزَ عن المَاءِ١٤، كالمريض يجوزُ له الصَّلاة بالتَّيَمُّم، ولأن الجُنُب المسافر لا يجوز له قُرْبان الصَّلاةِ إذا كانَ واجداً للمَاءِ، وإذا لم يَكُن وَاجداً للمَاء لم يَجُز له الصَّلاة إلا بشرط التَّيَمُّم، فيحتاج إلى إضْمَارها، وعلى الأوَّل لا يحتاج إلى إضْمَارٍ، ولأنه - تعالى - ذكر حكم السَّفَر وعدَم المَاءِ، والتَّيَمُّم عقيبها، وقد استحب القُرَّاءُ الوقُوفَ عند قوله - تعالى - :" حتى تغتسلوا " ثم يسْتأنف ﴿ وإن كنتم مرضى ﴾ لأنه حُكم آخر.
ورُجِّح الثَّاني :بأن قوله ﴿ حتى تعلموا ما تقولون ﴾ يُنَاسب نفس الصَّلاة، لأن المسْجِد ليس فيه قَوْل مَشْرُوع يمنع الشكْر، وأيْضاً سبب النُّزُول يرجِّحُه.
قوله :" وأنتم سكارى " مُبْتَدأ وخبر في مَحَلِّ نصب على الحَالِ من فاعل " تقربوا "، وقرأ الجُمْهُور " سُكارى " بضم السّين وألف بعد الكَافِ، وفيه قولان :
أصحهما :أنه جَمْع تكسير نَصَّ عليه سيبويْه١٥ :قال :وقد يُكَسِّرُونَ بَعْضَ هذا على " فُعَالَى " ؛ وذَلِك كقول بعضهم١٦ سُكَارَى وعُجَالَى.
والثاني١٧ :أنه اسم جَمْعٍ، وزعم ابن البَاذش أنه مذْهب سيبويْه ؛ قال :وهو القياس ؛ لأنه لم يَأتِ من أبْنِيَة الجمع شَيْءٌ على هذا الوَزْنِ، وذكر السَِّيرَافِي الخِلاف، ورجَّحَ كونه تَكْسِيراً.
وقرأ الأعْمَش١٨ :" سُكْرَى " بضم السِّين وسكُون الكَافِ، وتَوْجِيهها أنَّها صِفَة على " فُعْلَى " ؛ كحبلى، وقعت صِفَة لجماعَة، أي :وأنتُم جماعَةٌ سُكْرى، وحكى جناح بن حبيش كُسْلَى وكَسْلَى، بضم الكَافِ وفتحها ؛ قاله الزمخشري١٩.
وقرأ النَّخْعي٢٠ " سَكْرَى " بفتح السيِّن وسكون٢١ الكاَفِ، وهذه تَحْتَمِل وَجْهَيْن :
أحدهما :ما تقدَّم في القراءة قبلها، وهو أنَّها صِفَة مُفْرَدة على " فَعْلَى " ؛ كامرأة سَكْرَى، وصف بها الجمَاعة.
والثَّاني :أنَّها جَمْع تكسير ؛ كجَرْحى، ومَوْتى، وهَلْكى، وإنما جمع سَكْرَان على " فَعْلَى " حملاً على هذه ؛ لما فيه من الآفَةِ اللاَّحِقَة للفِعْل، وقد تقدَّم شَيْء من هَذَا في قوله :
﴿ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى ﴾ [ البقرة :٨٥ ].
وقرئ٢٢ :" سَكارى " بفتح السين والألف، وهذا جمع تكسير، نحو :نَدْمَان ونَدَامى، وعَطْشَان، وعَطَاشَى، والسُّكْر :لُغةً السَّدُّ٢٣، ومنه قيل لما يَعرض للمرءِ من شُرْبِ المُسْكِر، لأنَّه يسد ما بين المَرْء وعَقْلِه، وأكثر ما يُقَال السكر لإزالَة العَقْل [ بالمُسْكِرِ ]٢٤ وهو المراد بالآية في قول عَامَّة المُفسِّرين، وقد يقُال ذلك لإزالَتِه بغضب ونحوه، من عشق وغيره قال : [ الكامل ]
سُكْرَانِ سُكْرُ هَوًى وسُكْرُ مُدَامَةٍ أنَّى يُفيقُ فَتًى به سُكْرَانِ٢٥
و " السكر " بالفتح وسكون الكَافِ :حبس الماءِ، وبكسر السِّين :نفس الموضع السْدُود، وأما " السَّكَر " بفتحهما فما يسكر به من المشروب، ومنه :
﴿ سَكَراً٢٦ وَرِزْقاً حَسَناً ﴾ [ النحل :٦٧ ] وقيل السُّكْر :بضم السين وسكون الكاف [ السّدّ ]٢٧ أي :الحَاجِز بين الشَّيْئَيْن، قال : [ الهزج ]
فمَا زِلنَا عَلَى السُّكْرِ نُدَاوِي السُّكْر بالسُّكْرِ٢٨
والحاصل :أنَّ أصل المادة الدَّلالة على الانْسداد٢٩، ومنه :سَكرت عين البَازِي، إذا خَالَطَهَا نوم، وسكر النَّهر ؛ إذا لم يَجْرِ، وسَكَرْتُه٣٠ أنا، وقال - تعالى - : ﴿ إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ﴾ [ الحجر :١٥ ]، أي :غُشيت، والسُّكْر من الشراب، وهو أن يَنْقَطِع عما عَلَيْهِ من النَّفَاذ حال الصَّحْو، فلا يَنْفُذ رأيه كنَفَاذِه حَال الصَّحْو، وقال الضحَّاك :أراد به سُكْر النّوم٣١ نهى عن الصَّلاة عند غَلَبَة النَّوْم، قال - عليه الصلاة والسلام - :" إذا نَعسَ أحدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلْيَرْقُد حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ ؛ فإنَّ أحَدَكُم إذا صَلَّى وهو يَنْعَسُ، لَعَلهُ٣٢ يَذْهَبُ يستَغْفِرُ فَيَسب نَفْسَه " ٣٣.
والصحيح الأوَّل ؛ لأن السكر حَقيقةً هو من شُرْب الخَمْرِ، فأمّا السّكر٣٤ من الغَضَبِ أو العِشْقِ أو النَّوْمِ فَمَجَازٌ، إنما اسْتُعْمِل مقيّداً ؛ قال - تعالى - : ﴿ وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ ﴾
[ ق :٩ ]، ﴿ وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى ﴾ [ الحج :٢ ] قال الفرزْدَق : [ الطويل ]
مِنَ السَّيْرِ وَالإسْآدِ حَتَّى كَأنَّمَا سَقَاهُ الكَرَى فِي مَنْزِلَةٍ خَمْرا٣٥
ولأن عند النَّوْم تمتلئ٣٦ مَجَاري الرُّوح من الأبخرة الغلِيظة، فلا ينفذ الروح للبَاصِر.
قوله - تعالى - :" حتى تعلموا " " حتى " جارَّة بمعنى إلى، فهي مُتعلِّقَةٌ بفعل النَّهْي، والفعل بَعْدَها مَنْصوب بإضمار " أن " وتقدّم تَحْقِيقُه، وقال بَعْضُهم :إن حَتَّى هنا٣٧ بمعنى [ " كَيْ " ]٣٨ فهي " تَعلِيلِيَّة " ٣٩، والمَعْنَى :كي تَعْلَمُوا ما تَقُولُون.
و " مَا " يجوز فيها ثلاَثَة أوْجُه :أن تكون بِمَعْنَى الَّذِي، أو نكرة مَوْصُوفة، والعَائِد على هَذَيْن القَوْلَيْن مَحْذُوف، أي :يَقُولُونَهُ، أو مصدرية، فلا حَذْف إلا عَلَى رأي ابن السَّرَّاج ومن تَبِعَهُ.

فصل قول البعض بنسخ الآية


قال بَعْضهم :هذه الآية مَنْسُوخة بآية المائدة.
قال ابن الخَطِيب٤٠ :والَّذِي يمكن النَّسْخُ فيه، أنَّه - تعالى - نَهَى عن قُرْبَان الصَّلاةِ حَالَ السُّكْر مَمْدُوداً إلى غَايَة أن يَصير بِحَيْث يَعْلَم ما يَقُول، والحكم المَمْدُود إلى غاية، يَقْتَضِي انتهاء٤١ ذَلِك الحُكْم عند تلك الغَايَةِ، وهذا يَقْتَضِي جواز قُرْبَان الصَّلاة مع السُّكْر الذي يَعْلَمُ مِنْهُ ما يَقُول، ومعلوم أنَّ اللَّه - تعالى - لما حرَّم الخَمْر بآية المائدَة، فقد رَفَع هذا الجوازَ، فثبت أن آية المائِدَة ناسِخَةٌ مَدْلُولات هذه الآية.
والجواب :أن هَذَا نَهْي عن قُرْبَان الصَّلاة حَال السُّكْرِ، وتخصيصُ الشيء بالذِّكْرِ لا يَدُلُّ على نَفي الْحُكم عما عداه، إلا على سبيل الظَّنِّ الضَّعيف، ومثل هَذَا لا يَكُون نَسْخاً.

فصل :التكليف بما لا يطاق


قال بَعْضُهم :هذه الآية تَدُلُّ على جواز التَّكْليف بما لا يُطَاق٤٢ ؛ لأنه - تعالى - قال : ﴿ ولا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى ﴾، وهذه جملة حاليَّة، فكأنه - تعالى - قَالَ للسَّكْرَان :لا تُصَلِّ وأنْت سَكْرَان، وهذا خطاب للسكران٤٣.
والجواب عنه :بأن هذا لَيْس خِطَاباً للسَّكْرَان، بَلْ هو خِطَاب للَّذِين آمَنُوا ؛ فكأنه قال :يأيُّهَا الذين آمَنُوا لا تَسْكَرُوا، فقد نهى عن٤٤ السُّكْر ؛ ونظيره قوله - تعالى - :
﴿ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُّسْلِمُونَ ﴾ [ آل عمران :١٠٢ ] وهو ليس٤٥ نَهْياً عن المَوْت، وإنما هو أمْر بالمُدَاوَمَةِ على الإسْلامِ، حتى يَأتيهُ المَوْت وهو في تِلْك الحَالِ.
قوله :" ولا جنباً " ٤٦ نصب على أنه مَعْطُوف على الحَالِ قبله، وهو قوله :" وأنتم سكارى " عطف المُفْرَد على الجُمْلَة لمّا كَانَتْ في تأويله، وأعاد معها " لا " تَنْبيهاً على أنَّ النَّهْي عن قُرْبَان الصَّلاة مع كل واحدٍ من هَذَيْن الحَالَيْن على انْفِرَادَهَما، فالنَّهي عنها مع اجْتِمَاعِ الحَالَيْنِ آكَد وأوْلى، والجُنُبُ مشتقٌّ ٤٧ من الجَنَابَة وهو البُعْدُ ؛ قال : [ الطويل ]
فَلا تَحْرِمَنِّي نَائِلاً عَنْ جَنَابَةٍ فَإنِّي امْرُؤٌ وَسْطَ القِبَابِ غَريبُ٤٨
وسمي الرَّجُل جُنُباً :لبعده عن الطَّهَارةِ ؛ أو لأنَّه ضَاجَع بِجَنْبِه وَمسَّ به، والمشْهُور أنه يستعمل بِلَفْظٍ واحدٍ كالمُفْرد والمُثَنَّى والمَجْمُوع، والمُذكَّر والمُؤنَّث، ومنه الآية الكَرِيمة.
قال الزمخشري :لجريانه مَجْرَى المصدَرِ٤٩ الذي هو الإجْنَابُ، ومن العَرَب من يُثَنِّيه فيَقول جُنُبَان ويجمعه جمع سَلاَمة٥٠ فيقول :جُنُبُون٥١، وتكْسِيراً فيقول :أجْنَاب، ومثله في ذلك شُلُل، وقد تقدَّم تحقيق ذلك.
قوله
١ سقط في ب..
٢ في أ: في حقها..
٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨٧ وقد تقدم..
٤ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٣١ والقرطبي ٥/١٣١ والرازي ١٠/٨٧..
٥ في أ: تخلو..
٦ في أ: يحذف..
٧ سقط في ب..
٨ سقط في أ..
٩ في أ: فعلى..
١٠ سقط في أ..
١١ في أ: الطهر..
١٢ في ب: الجنب..
١٣ في أ: عابري..
١٤ في أ: إذا كان عجز عن الماء..
١٥ ينظر: الكتاب ٢/٢١٢..
١٦ في أ: بعض..
١٧ في أ: والثالث..
١٨ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٥٦، والبحر المحيط ٣/٢٦٦، والدر المصون ٢/٣٦٨، والتخريجات النحوية ١٣٠، ٢٠٨..
١٩ ينظر: الكشاف ١/٥١٤..
٢٠ ينظر: السابق..
٢١ في أ: وستكون..
٢٢ ينظر: القراءة السابقة..
٢٣ في أ: السكر..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ ينظر البيت في مفردات الراغب (٢٤٢) والدر المصون ٢/٣٦٨..
٢٦ في أ: سكر..
٢٧ سقط في أ..
٢٨ ينظر البيت في البحر المحيط ٣/٢٦١، والدر المصون ٢/٣٦٩..
٢٩ في ب: الإفكار..
٣٠ في أ: وسكونه..
٣١ في أ: القوم..
٣٢ في أ: لعل..
٣٣ أخرجه مالك في "الموطأ" (١/١١٨) كتاب صلاة الليل ما جاء في صلاة الليل (٣) والبخاري (١/٣١٥) كتاب الوضوء: باب الوضوء من النوم (٢١٢) ومسلم (١/٤٥٢ ـ ٥٤٣) كتاب صلاة المسافرين: باب أمر من نعس في صلاته...(٢٢٢/٧٨٦) من حديث عائشة رضي الله عنها..
٣٤ في ب: فالسكر..
٣٥ ينظر: الرازي ١٠/٨٨..
٣٦ في ب: تستملئ..
٣٧ في أ: هذا..
٣٨ سقط في أ..
٣٩ بياض في ب..
٤٠ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٨٩..
٤١ في أ: يقتضي منها..
٤٢ اختلف قول أبي الحسن الأشعري في جواز التكليف بما لا يطاق نفيا وإثباتا، وذلك كالجمع بين الضدين، وقلب الأجناس، وإيجاد القديم وإعدامه ونحوه وميله في أكثر أقواله إلى الجواز، وهو لازم على أصله في اعتقاد وجوب مقارنة القدرة الحادثة للمقدور بها، مع تتقدم التكليف بالفعل على الفعل، وأن القدرة الحادثة غير مؤثرة في مقدورها، بل مقدورها مخلوق لله تعالى.
ولا يخفى أن التكليف بفعل الغير حالة عدم القدرة عليه تكليف بما لا يطاق.
وهذا هو مذهب أكثر أصحابه وبعض معتزلة بغداد؛ حيث قالوا بجواز تكليف العبد بفعل في وقت علم الله تعالى أنه يكون ممنوعا عنه، والبكرية؛ حيث زعموا أن الختم والطبع على الأفئدة مانعان من الإيمان مع التكليف به، غير أن من قال بجواز ذلك من أصحابه اختلفوا في وقوعه نفيا وإثباتا، ووافقه على القول بالنفي بعض الأصحاب، وهو مذهب البصريين من المعتزلة، وأكثر البغداديين، وأجمع الكل على جواز التكليف بما علم الله أنه لا يكون عقلا، وعلى وقوعه شرعا، كالتكليف بالإيمان لمن على الله أنه لا يؤمن؛ كأبي جهل خلافا لبعض الثنوية. والمختار إنما هو امتناع التكليف بالمستحيل لذاته؛ كالجمع بين الضدين ونحوه.
وجوازه في المستحيل باعتبار غيره وإليه ميل الغزالي ـ رحمه الله ـ.
وانظر تفصيل ذلك في الأحكام للآمدي ١/١٢٤، تفسير الطبري ١/٣٦٣..

٤٣ في أ: السكران..
٤٤ في ب: المسكر..
٤٥ في أ: فليس..
٤٦ سقط في ب..
٤٧ في أ: مشتقا..
٤٨ تقدم برقم ١٧٩٤..
٤٩ في أ: الصدر..
٥٠ في أ: سلامته..
٥١ في ب: جنوب..
لما ذكر - تعالى - أنْوَاع التَّكَالِيف من أوَّل السُّورة إلى هنا، ذكر أقَاصيص المُتقدِّمين ؛ لأن الانْتِقَال من نَوْع من العُلُومِ إلى نَوع آخر كأنه يُنَشِّط الخَاطِر، وقد تقدَّم الكلام في قوله - تعالى - : ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ ﴾ [ البقرة :٢٥٨ ] والمراد ب ﴿ الذين أوتوا نصيباً من الكتاب ﴾ هم اليَهُود ".
وقال ابن عبَّاس :نزلت هذه الآيةُ في حَبْرٍ١ من أحْبار٢ اليَهُود، كانا يأتِيَان رَأس المُنَافِقِين عبد الله أبيّ [ ابن سَلُول ] ورَهْطه، يُثَبِّطُونهُم٣ عن الإسْلاَم٤.
وعن ابن عباس أيضاً ؛ قال :نزلَتْ في رفاعة بن زَيْدٍ، ومالك بن دخشم، كَانَا إذا تَكَلم رسُول الله صلى الله عليه وسلم لوياً٥ لِسَانَهُمَا، وعَابَاهُ، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية٦.
قوله :" من الكتاب " فيه وَجْهَان :
أحدهما :أنه مُتَعلِّق بمحْذُوفٍ، إذ هو صِفَة ل " نصيباً " فهو في مَحَلِّ نصبٍ.
والثاني :متعلَِّق ب " أوتوا " أي أُوتوا من الكِتاب نصيباً، و " يشترون " :حالٌ، وفي صاحبها وَجْهَان :
أحدهما :أنه واو " [ أوتُوا ] " ٧.
والثاني :أنه المَوْصُول وهي على هذا حَالٌ مُقَدرة، والمُشْتَري به مَحْذُوف، أي :بالهُدَى، كما صرح به في مَوَاضِع، ومعنى " يشترون " :يستبدِلون الضَّلالة بالهُدَى.
قوله :" ويريدون " عطف على " يشترون ".
وقال النَّخْعِي : ﴿ وتريدون أن تضلوا ﴾ بتاء الخطاب، والمَعْنَى :تُرِيدُون أيها المؤمنون أن تدَّعُوا الصَّواب، وقرأ الحسن٨ :" أن تِضُلُّوا " من أضل. وقرئ٩ " أن تُضَلُّوا السبيل " بضم التَّاءِ وفتح الضَّادِ على ما لَمْ يُسَمّ فَاعِلُه، والسَّبيل مفعول به١٠ ؛ كقولك :أخطأ الطَّريقَ، وليس بِظَرْف، وقيل :يتعدى ب " عن " ؛ تقول :ضلَلْت السَّبيل، وعن السَّبيل.
١ في أ: خبر..
٢ في أ: أخبار..
٣ في أ: يبسطوهم..
٤ ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (١٠/٩٣) عن ابن عباس..
٥ في ب: لووا..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٢٧) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٠) وزاد نسبته لابن إسحق وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في "الدلائل". والبغوي ١/٤٣٧..
٧ سقط في أ..
٨ ينظر: الدر المصون ٢/٣٧١..
٩ قرأ بها الحسن، كما في القرطبي ٥/٢٤٢. وانظر: الدر المصون ٢/٣٧١..
١٠ في أ: مفعوله..
ثم قال : ﴿ والله أعلم بأعدائكم ﴾ أي :أعْلَم بما في قُلُوبهم وصدورهم من العَدَاوة والبَغْضاء.
قوله : ﴿ وكفى بالله ولياً ﴾ تقدم الكلام عليه أوّل السُّورة، وكذا الكلام في المَنْصُوب بَعْده، والمعنى :أنه - تعالى - لما بيَّن شِدَّة عداوتِهم للمسْلِمين، بين أنه - تعالى - وليُّ المؤمِنين ونَاصِرُّهُم.
فإن قيل :ولاية اللَّه لعبده عِبارةَ عن نُصْرَته، فَذكْر النَّصِير١١ بعد ذِكر الوَلِي١٢ تكْرَارٌ.
فالجواب :أن الوَلِيَّ هو المُتَصرِّف في الشَّيْء، والمتصرِّف في الشَّيء يجب أن يكُونَ نَاصِراً.
فإن قيل :ما الفَائِدة من تكْرار قوله :" وكفى بالله ".
فالجواب :أن التِّكْرَار في مِثل هذا المقَام يكون أشَد تَأثِيراً في القَلْب، وأكْثَر مُبَالَغَة.
فإن قيل :ما فائدة تكرار الباء في قوله :" بالله " فذكروا وجوهاً :
أحدها :لَوْ قيل :كفى اللَّه، يتصل الفِعْل بالفَاعِل ثم ههُنا زيدَت البَاء إيذَاناً بأن الكفاية من الله لَيْسَت كالكِفَايَة من غَيْره.
وثانيها :قال ابن السَّرَّاج١٣ :تقديره :كفى اكْتِفَاؤُه باللَّه وَلِيًّا، ولما ذكرت " كفى " دلَّ على الاكتفاءِ ؛ كما تقول :من كذب كان شَرّاً له، أي :كان الكَذِبُ شرًّا له، فأضمرته لدلالة الفِعْل عليه.
وثالثها :قال ابن الخَطيب١٤ :البَاءُ في الأصْل للإلْصَاقِ، وإنما يَحْسُن في المؤثِّر لذي لا وَاسِطَة بَيْنَهُ وبين التَّأثِير، فلو قيل :كَفَى اللَّهُ، دلَّ ذلك على كَوْنِهِ فاعلاً لهذه الكِفَايَةِ، ولكن لا يَدُلُّ [ ذَلِك على أنَّهُ فعل ]١٥ بِواسِطَة أو غير وَاسِطَة، فإذا ذَكَرْت البَاء، دلَّ على أنه - تعالى - يَفْعَل بغير واسِطَة، بل هو - تعالى - يتكفَّل به ابتداء من غير واسطَة ؛ كقوله : ﴿ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ ق :١٦ ].
قوله تعالى : [ ﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ ] الآية١.
لما حَكى عنهم أنَّهم يَشْترون الضلالة، بيَّن تلك الضَّلالَةَ ما هي.
قوله : ﴿ من الذين هادوا ﴾ فيه سَبْعَةُ أوْجُه :
أحدها :أن يكُون " من الذين " خبر مُقدم، و " يحرفون " جُمْلَة في محلِّ رفع صِفَة لموصُوف مَحْذُوف هو مُبْتَدأ، تقديره :مِنَ الذين هَادُوا قومٌ يُحَرِّفُون، وحَذْف الموْصُوف بَعْد " مِنَ " التَّبِعِيضيَّة٢ جَائِزٌ، وإنْ كانت الصِّفَة فِعْلاً ؛ كقولهم " مِنَّا ظَعَنَ، ومِنَّا أقَامَ "، أي :فريقٌ أقام، وهذا مَذْهَب سيبويه٣ والفارسِي ؛ ومثله : [ الطويل ]
وَمَا الدَّهْرُ إلا تارتانِ فَمِنْهُمَا أمُوتُ وأخرى أبْتَغِي العَيْشَ أكدحُ٤
أي :فمنهما تَارةٌ أمُوت فِيها.
الثاني :قول الفرَّاء٥، وهو أن الجَارَّ والمجرور خَبَر مقدَّم أيضاً، ولكن المُبْتدأ المحذُوف يقدره مَوصولاً، تقدِيره :" من الذين هادوا من يحرفون "، ويكون قد حمل على المَعنى في " يحرفون " قال الفرَّاء :ومِثْله [ قول ذي الرِّمَّة ]٦ [ الطويل ]
فَظَلُّوا وَمِنْهُمْ دَمْعُهُ سَابِقٌ لَهُ وآخَرُ يَثْنِي دَمْعه العَيْنِ بِالْيَدِ٧
قال :تقديره، ومنهم [ مَنْ ]٨ دَمْعه سَابِقٌ لَهُ، والبَصْرِيُّون لا يُجَوِّزُونَ حذف الموصُولِ ؛ لأنه جُزْءُ كلمة، وهذا عِنْدَهم مؤولٌ على حَذْفِ موصوفٍ كما تَقَدَّمَ، وتأويلُهُم أولى لعطفِ النكرة عليه، وهو :آخر وأخْرَى في البَيْت قَبْلَه٩، فيكون في ذلك دلالةٌ على المَحْذُوفِ، والتقدير :فمنهم عَاشِقٌ سَابِقٌ دَمْعه لَهُ وآخَر.
الثالث :أن " من الذين " خَبَر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أي :" هم الذين هادوا "، و " يحرفون " على هذا حَالٌ من ضمير " هادوا " وعلى هذه الأوْجُه الثَّلاثة يكون الكلام قم تَمَّ عند قوله :" نصيراً ".
الرابع :أن يكون " من الذين " حَالاً [ من فاعل " يريدون " قاله أبو البقاء١٠، ومنع أن يكُون حالاً ]١١ من الضَّمير في " أوتوا " ومن " الذين " أعْنِي :في قوله - تعالى - : ﴿ ألم تر إلى الذين أوتوا ﴾ قال :لأنَّ الحال لا تكُون لِشَيْءٍ واحِدٍ، إلا بعطف بَعْضِها على بَعْضٍ.
قال شهاب الدين :في هذه المسْألة خلافٌ بين النحويين١٢ :منهم من مَنَعَ، وَمِنْهم من جَوَّزَ، وهو الصَّحيح.
الخامس :أن ﴿ مِّنَ الَّذِينَ ﴾ بيان للموصول في قوله :
﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ ﴾ لأنهم يهُود ونَصَارَى، فَبَيَّنَهُم باليهُودِ، قاله الزمخشري١٣، وفيه نظر من حَيْث إنَّه قد فُصِلَ بينهما بثلاثة جمل هي : ﴿ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ﴾، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ ﴾، ﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ ﴾.
وإذا كان الفَارِسيّ قد منع الاعتراض بجُمْلَتيْن، فما بالك بِثلاثٍ، قاله أبو حيان١٤، وفيه نَظَرٌ ؛ فإن الجُمَل هنا مُتَعَاطِفَة، والعَطْفُ يصير الشَّيئيْن شيئاً واحِداً.
السادس :أنه بَيَانٌ لأعْدَائِكُم، وما بَيْنَهما اعْتراض أيضاً، وقد عُرِف ما فيه.
السابع :أنه متعلِّق ب ﴿ نَصِيراً ﴾ وهذه المادَّة تتعَدَّى ب " مِن " ؛ قال - تعالى - :
﴿ وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ ﴾ [ الأنبياء :٧٧ ] ﴿ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللَّهِ ﴾ [ غافر :٢٩ ] على أحد تأويلَيْن :
إمَّا على تَضْمِين١٥ النَّصْر معنى المَنْع، أي :مَنَعْنَاهُ١٦ من القَوْم، وكذلك :كَفَى بالله مَانِعاً بِنصْره من الذين هَادُوا.
وإمَّا :على جعل " مِنْ " بمعنى " عَلَى "، والأوَّل مَذْهَب البَصْريين، فإذا جَعَلْنَا ﴿ مِّنَ الَّذِينَ ﴾ بياناً لما قَبْلَهُ، فبِمَ يتعلَّق والظاهر [ أنَّه يتعلَّقُ بمحذُوفٍ ؛ ويدل على ذَلِك أنَّهُم قالوا في سقياً لك ]١٧، إنه مُتعلِّق بمحذوف لأنه بَيَانٌ له، وقال أبو البقاء١٨ : [ وقيل ]١٩ وهو حَالٌ من أعْدَائِكُم، أي : [ والله أعلم بأعْدَائِكُم ]٢٠ كائنين من الذين هادُوا، والفَصْل بينهما مُسَدَّد، فلم يمنع من الحَالِ، فقوله هذا يُعْطي أنه بَيَانٌ لأعْدَائِكُم مع إعْرَابه له حالاً، فيتعَلَّق أيضاً بمحذُوفٍ، لكن لا على ذلك الحَذْف المَقْصُود في البَيَانِ، وقد ظهر مِمَّا تقدم أن ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾، إما لا مَحَلَّ له، أو لَهُ مَحَلُّ رَفْع أو نَصْبٍ على حَسَب ما تقدَّم وقال أبو رَجَاءٍ والنَّخعِي :" الكَلاَم " وقُرئ٢١ :" الكِلْم " بكسر الكاف وسكون اللام، جمع " كَلِم " مخففة من كلمة، ومعانيها مُتَقَارِبَة.
قوله : ﴿ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ متعلِّق ب ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾ وذكر٢٢ الضمير في ﴿ مَّوَاضِعِهِ ﴾ حملاً على ﴿ الْكَلِم ﴾، لأنَّها جِنْس.
وقال الوَاحِدِي٢٣ :هذا جمع حُرُوفه أقَلُّ من حُروف واحِده، وكل جَمْع يكون كذلِك، فإنه يجوز تَذْكِيرُه.
وقال غيره٢٤ :يمكن أن يُقال :كون هذا الجَمْعِ مؤنَّثاً ليس أمْراً حقيقيَّاً، بل هو أمر لَفْظِيٌّ، فكان التَّذْكير والتَّأنِيث فيه جَائِزاً. وجاء هُنَا " عن مواضعه " وفي المائدة :
﴿ مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ﴾ [ المائدة :٤١ ].
قال الزَّمَخْشَرِي٢٥ :أما ﴿ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ فعلى ما فَسَّرْناه من إزالَتِه عن مواضِعِه، التي أوْجَبَت حِكْمَة الله وَضْعُه فِيهَا بما اقْتَضَت شَهَوَاتُهم من إبْدَال غيره مَكَانَه، وأما ﴿ من بعد مواضعه ﴾، فالمَعْنَى :أنه كَانَت له مواضعُ هو قَمِنٌ بأن يكُون فيها فحين حَرَّفُوه، تركُوهُ كالغَرِيب الذي لا مَوْضِع له بَعْد مَوَاضِعِه ومَقَارّه والمعنيان مُتَقَارِبَان.
قال أبو حيَّان٢٦ :وقد يُقَال :إنهما سِيَّان٢٧ لكنه حذف هُنَا وفي أول المائدة [ الآية ١٣ ] من بعد مواضعه ؛ لأن قوله ﴿ عَن مَّوَاضِعِهِ ﴾ يدل على استِقْرَار مواضِع له، وحذف في ثَانِي المَائِدة " من٢٨ مواضعه " ؛ لأن التَّحْرِيف " من بعد مواضعه " يدل على أنَّه تحريفٌ عن مَوَاضِعِه، فالأصل :يُحَرِّفون الكَلِم من بعد مَواضِعِه عنها. فحذف هنا البَعْدِيَّة٢٩، وهناك تَوَسُّعاً في العِبَارة، وكانت البَدْأة هنا بِقَوْله :" عن مواضعه " ؛ لأنه أخصر٣٠، وفيه تَنْصِيصٌ ٣١ باللَّفْظ على " عَنْ " وعلى المَوَاضِع، وإشارة إلى البَعْدِيّة.
وقال أيْضاً :والظَّاهِر أنهم حَيْثُ وُصِفُوا بشدة التَّمَرُّد والطُّغْيَان، وإظْهَار العَدَاوَة، واشْتراء الضَّلالة، ونقص المِيثَاقِ، جاء ﴿ يحرفون الكلم عن مواضعه ﴾ كأنهم حَرَّفُوها من أوَّل وهْلَة قبل اسْتَقْرَارِها في مَوَاضِعِها، وبادَرُوا إلى ذلك، ولذلك جاء أوّل المَائِدة كهذه الآية ؛ حَيث وَصَفَهمُ بِنَقْض المِيثَاقِ، وقسْوَة القُلُوب، وحيث وُصِفوا باللِّين وترديد٣٢ الحُكْم إلى الرَّسُول، جاء ﴿ من بعد مواضعه ﴾ كأنهم لم يُبَادِرُوا إلى التَّحرِيف، بل عَرَضَ٣٣ لهم بَعْد استِقْرَار الكَلِمِ في مواضِعِهَا٣٤، فهما سِيَاقان مُخْتَلِفَان.
[ وقوله : ] ﴿ وَيَقُولُونَ ﴾ عَطْفٌ على ﴿ يُحَرِّفُونَ ﴾ وقد تَقَدَّم، وما بعده في محلِّ نَصْب به.

فصل :الخلاف في كيفية التحريف


اخْتَلَفُوا في كيْفِيَّة التَّحريف، فقيل :كانوا يُبْدِّلُون اللَّفْظَ بلفظ آخَر ؛ كتحريفهم الرَّجْم [ ووضعُوا ]٣٥ موضِعَهُ الجَلْدَ ؛ ونظيره ﴿ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﴾ [ البقرة :٧٩ ].
فإن قيل :كيف يُمْكن هَذَا في الكتاب الَّذي بَلَغَتْ آحَادُ حُرُوفه، وكلماته مَبْلَغ التَّوَاتُر، واشتهر في الشَّرْق والغَرْب.
فالجواب :لعل القَوْم كانوا قليلين، والعُلَمَاء بالكِتَاب كانوا في غَايَةِ من القِلَّة فَقَدَرُوا على ذَلِك.
وقيل :المُرَاد بالتَّحْرِيفِ :إلْقَاء٣٦ الشُّبَه والتَّأويلاَتِ الفاسدَةِ لتلك النُّصُوصِ، وأما الآيَةُ التي في المَائِدة :فهي دالَّة على الجَمْع بين الأمْرَيْنِ، فكانوا يَذْكُرُون التَّأوِيلاَت الفاسِدَةِ، وكانوا يُحرِّفُون اللَّفْظَ أيضاً من الكِتَابِ.
فقوله : ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ ﴾ إشارة إلى التَّأويل الباطل.
وقوله : ﴿ من بعد مواضعه ﴾ إشارة إلى إخراجه عن هذا الكِتَابِ.
وقيل :المراد بالتَّحْرِيف :تغيير صفة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عبَّاس٣٧ :كانت اليَهُود يأتون رسُول الله صلى الله عليه وسلم ويسْألُونه عن الأمْر، فيُخْبِرهم، فيرى أنَّهُم يأخُذُون بِقَوْلِهِ، فإذا انصرفوا من عِِنْدِه، حرِّفوا كلامه ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا ﴾ منك قولك ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمْرَك، وهو المُرَادُ بقوله : ﴿ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا ﴾.
قوله : ﴿ وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾٣٨، في نصبِ " غَيْر " وجْهَان :
أحدهما :أنه حَالٌ.
والثاني :أنه مَفْعُول به، والمعنى، اسْمَع غير مُسْمَعٍ كلاماً ترضاه، فَسَمْعُك٣٩ عنه نَابٍ.
قال الزَّمَخْشريّ، بعد حكايته نَصْبه على الحَالِ، وذكرهُ٤٠ المعنى المتقدِّم :ويجوزُ على هَذَا أن يكون " غير مسمع " مفعول اسْمَع، أي :اسْمَع كلاماً غير مُسْمَع إيَّاك ؛ لأن أذُنَك لا تعيه نبُوّاً عنه، وهذا الكلام ذُو وَجْهَيْن، يعني أنه يَحْتَمِل المدْحَ والذَّم :
فبإرادة المدْحِ تقدر غير مُسْمَع مكْرُوهاً، فيكون قد حَذَفَ المَفْعُول الثَّاني ؛ لأن الأوّل قَامَ مَقَام الفَاعِل.
وبإرادة الذَّمِّ تقدّر " غير مسمع خيراً " وحذف المفعول الثاني :أيضاً [ والمعنى :كانوا يَقُولُون للنَّبِي صلى الله عليه وسلم اسْمع، ويقُولون في أنْفُسِهم :لا سَمِعْتَ ]٤١.
وقال أبو البقاء٤٢ :وقيل :أرادُوا غير مَسْمُوع٤٣ مِنْكَ، وهذا القَوْل نقله ابن عطيّة عن الطَّبَرِي، وقال :إنه حِكَايةٌ عن الحَسَن ومُجَاهِد.
وقال ابن عطيَّة :ولا يُسَاعِده التَّصْريف، يَعْني :أنّ العَرَب لا تقُولُ أسْمَعْتُكَ بمعنى قَبِلْتُ منك، [ وإنما تقول أسْمَعْتُه بمعنى :سَبَبْتُه، وسمعت منه بمعنى قَبِلْتُ ويعبرون بالسماع لا بالإسماع عن القبول مجازاً، وتقدم القولُ في ﴿ رَاعِنَا ﴾ [ البقرة :١٠٤ ]، وفيها وجوه :
أحدُها :أن هذه كلمةٌ كانت تجري بينهم على جهة الهزء والسخريةِ، وقيل معناها :أرِعْنَا سمْعَك، أيْ :اصرف سمْعَك إلى كلامنَا، وقيل :كانوا يقولُونَ :راعِناً، ويُوهِمُونَهُ في ظاهر الأمْر أنهم يُرِيدُونَ رَاعِنَا سَمْعَك، ومرادُهم التشبيهُ بالرعُونةِ في لُغَتِهم.
وقيل :كانوا يَلْوُون ألْسِنَتهم، حتى يصيرَ قولُهم : ﴿ وَرَاعِنَا ﴾ :رَاعِينَا، ويُريدُون :أنَّك كُنْتَ تَرْعَى أغْنَاماً لَنَا.
قال الفراءُ٤٤ :كانوا يَقُولُونَ :رَاعِنَا [ ويُوهِمُونَهُ في ظاهر الأمْر أنهم يُرِيدُونَ رَاعِنَا سَمْعَك، ومرادُهم التشبيهُ بالرعُونة ]٤٥ ويريدون الشَّتْمَ، فذاك هو اللَّيُّ، وكذلك قولهم : ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ أرَادُوا به، لا سَمِعْتَ فهذا هو اللَّيُّ.
فإنْ قيلَ :كَيْفَ ج
١ سقط في أ..
٢ في أ: التبعيض..
٣ ينظر: الكتاب ٣/٣٧٥..
٤ البيت لتميم بن مقبل ينظر ديوانه (٢٤)، وشرح أبيات سيبويه ٢/١١٤، وخزانة الأدب ٥/٥٥، وشرح شواهد الإيضاح ص ٦٣٤، وحماسة البحتري ص ١٢٣، والحيوان ٣/٤٨، والدرر د/١٨، والكتاب ٢/٣٤٦، وللعجير السلولي في سمط اللآلىء ص ٢٠٥، وشرح عمدة الحافظ ص ٥٤٧، والمحتسب ١/٢١٢، وهمع الهوامع ٢/١٢٠، والمقتضب ٢/١٣٨، والدر المصون ٢/٣٧١، الكشاف ١/٥١٦، البحر المحيط ٣/٢٧٣..
٥ ينظر: معاني القرآن ١/٢٧١..
٦ سقط في ب..
٧ ينظر البيت في ديوانه ١/١٤١ والبحر المحيط ٣/٢٧٣ والدر المصون ٢/٣٧٢، ورواية الديوان:
فظلوا ومنهم دمعهم غالب له *** وآخر يثني عبرة العين بالهمل.

٨ سقط في أ..
٩ في أ: قبل..
١٠ ينظر: الإملاء ١/١٨٢..
١١ سقط في أ..
١٢ في أ: القولين..
١٣ ينظر: الكشاف ١/٥١٦..
١٤ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٧٣..
١٥ في ب: تصيير..
١٦ في أ: معناه..
١٧ سقط في أ..
١٨ ينظر: الإملاء ١/١٨٢..
١٩ سقط في ب..
٢٠ سقط في أ..
٢١ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٧٤، والدر المصون ٢/٣٧٢..
٢٢ في أ: وقال..
٢٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٩٥..
٢٤ ينظر: السابق..
٢٥ ينظر: الكشاف ١/٥١٧..
٢٦ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٧٤..
٢٧ في أ: بيان..
٢٨ في أ: عن..
٢٩ في ب: التعدية..
٣٠ في أ: أخص..
٣١ في ب: تخصيص..
٣٢ في ب: ورد..
٣٣ في أ: عوض..
٣٤ في ب: مواضعه..
٣٥ سقط في أ..
٣٦ في أ: بالقاء..
٣٧ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٣٨..
٣٨ انظر: تفسير القرطبي (٥/١٠٧)..
٣٩ في أ: يرضاه، فسمعك..
٤٠ في أ: ونكر..
٤١ سقط في ب..
٤٢ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٤٣ في ب: فسمع..
٤٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٩٦..
٤٥ سقط في أ..
﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ [ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً ﴾ ]١
وذلك أن النَّبي صلى الله عليه وسلم كَلَّم أحْبَارَ اليَهُود :عَبْد اللَّهِ بن صوريا، وكَعْبَ بن الأشْرَف٢، فقال :يا مَعْشَر اليَهُود، اتَّقُوا اللَّه وأسْلِمُوا، والله إنكُم تَعْلَمُون أن الَّذِي جِئْتُم به الحَقّ، قالوا :ما نَعْرِفُ ذلك، وأصَرُّوا على الكُفْرِ ؛ فَنَزَلَت هذه الآية.
فإن قيل :كان يَجِبُ أن يأمُرهُم بالنَّظَرِ والتفكُّر في الدَّلاَئِل، حتى يكُون إيمانُهُم اسْتِدْلاليّاً، فلما أمرهُم بالإيمان ابْتِداءً ؛ فكأنه - تعالى - أمَرَهُم بالإيمَانِ على سَبِيل التَّقْليد.
فالجوَابُ :أن هذا خِطابٌ مع أهْلِ الكتاب، وكانُوا عَالِمين بِهَا في التَّوْرَاة ؛ ولهذا قال : ﴿ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَكُمْ ﴾ أي :من الآيَاتِ الموْجُودَة فِي التَّوْرَاة الدَّالة على نُبُوَّة محمد - عليه الصلاة والسلام -.
قوله : ﴿ مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ ﴾ متعلِّق بالأمْرِ في قوله : ﴿ آمِنُواْ ﴾ ونطمِسُ يكون متعدِّياً ومنه هذه الآية ؛ ومثلها : ﴿ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ ﴾ [ المرسلات :٨ ] لبنائه للمَفْعُول من غير [ حَرْف ]٣ جَرٍّ، ويكُون لازِماً، يقال :طَمَسَ المَطَرُ الأعلامَ، وطَمَست الأعْلامُ.
قال كعب : [ البسيط ]
مِنْ كُلِّ نَضَّاخَةِ الذَّفْرَى إذَا عَرِقَتْ عُرْضَتُهَا طَامِسُ الأعلامِ مَجْهُولُ٤
وقرأ الجُمْهُور : ﴿ نَّطْمِسَ ﴾ بكسر الميم، وأبو رَجَاء٥ بِضَمِّها، وهما لُغَتَان في المُضَارِع، وقدَّر بعضهم مُضافاً أي :" عيون وجوه " ويقوَّيه٦ أن الطَّمْس للأعْيُن٧ ؛ قال - تعالى - : ﴿ لَطَمَسْنَا عَلَى أَعْيُنِهِمْ ﴾ [ يس :٦٦ ].

فصل في معنى الطمس والخلاف فيه


الطَمْسُ :المَحْوُ ؛ تقول العرب في وصف المفَازَةِ :إنها طَامِسَةُ الأعلامِ، وطَمس الطَّرِيق إذا دَرَسَ، وقد طَمَسَ اللَّه على بَصَرِه ؛ إذا أزَالَهُ، وَطَمَست الرِّيحُ الأثَر :إذا مَحَتْهُ، وطَمَسْت الكِتَاب :إذا مَحَوْتَه، واخْتَلَفُوا في المراد بالطَّمْسِ هُنَا.
فقال ابن عباس :نَجْعَلُهَا كَخُفِّ البَعِير٨.
وقال قتادة والضَّحَّاك :نُعْميها٩.
وقيل :نمحو آثارهَا وما فيها من أعْيُن١٠، وأنْف، وَفَم، وحَاجِب.
وقيل :نجعل الوُجُوه منابِتَ الشَّعَر، كوُجُوهِ القِرَدَةِ١١، وقيل :يجعلُ عَيْنَيْهِ في القَفَا ؛ فَيَمْشِي القَهْقَرَى، وقيلَ :المرادُ ب " الوجوهِ " :الوجَهَاءُ، والرؤسَاءُ١٢.
ورُوِيَ :أنَّ عبد الله بْنَ سلامٍ، ولمّا سَمِعَ هذه الآية ؛ جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم قبل أنْ يأتِيَ أهْلُهُ، ويدَهُ على وَجْهِهِ، وأسْلَم، وقال :يا رسُولَ الله، ما كنتُ أرَى أنْ أصِلَ إليْك ؛ حَتَّى يتحولَ وَجْهِي إلى قَفَايَ١٣ ؛ وكذلك كعبُ الأحْبَارِ، لَمَّا سَمِعَ هذه الآيةَ، أسْلَمَ في زَمَنِ عُمَرَ، فقال :يا رَبِّ، آمَنْتُ، يا رَبِّ، أسلمتُ ؛ مخافَةَ أنْ يُصِيبَه - وعيدُ هذه - الآية١٤.
فإن قيلَ :قد أوعدهم بالطمْسِ إنْ لم يُؤمِنُوا، ولَمْ يَفْعَلْ ذلك بِهم ؟
فالجوابُ :أنَّ الوَعِيدَ باقٍ، ويكونُ طَمْسٌ، ومَسخٌ في اليهود، قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وقيل :إنَّه جَعَل الوِعيدَ :إمَّا الطمسَ، وإمَّا اللَّعْنَ، وقد فَعَلَ أحَدَهُمَا، وهو اللَّعْنُ.
وقيل :كان هذا وَعِيداً بشرطٍ فلما أسْلَمَ عبد الله بن سلام، وأصحابُه، رفع ذلك عن الباقينَ، وقيل :أرَادَ بِهِ في القيامةِ.
وقال مُجَاهِدٌ :أراد بقوله ﴿ نَّطْمِسَ وُجُوهاً ﴾، أيْ :يترُكهُم في الضَّلاَلَة، فيكون المرادُ طَمْسَ وَجْهِ القَلْبِ، والردَّ عن الهُدَى١٥.
وقال ابنُ زَيْدٍ :نَمْحُو آثَارَهُمْ مِنْ وجُوهِهِم، ونَوَاصيهم التي هم بها١٦ وقد لحقَ اليهودَ، ومضى، وتأويل ذلك في إجْلاءِ قُُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ إلى الشَّام، فرد اللَّهُ وُجُوهَهُم على أدْبَارِهم، حين عادوا إلى أذْرِعَاتٍ، وأريحاء من الشامِ.
قوله : ﴿ عَلَى أَدْبَارِهَا ﴾ فيه وَجْهَانِ :
أظهرهُمَا :أنَّهُ متعلقٌ ب ﴿ فَنَرُدَّهَا ﴾.
والثَّاني :أن يتعلَّقَ بمحذوفٍ ؛ لأنه حالٌ من المفعولِ في ﴿ فَنَرُدَّهَا ﴾ ؛ قَالَهُ أبُو الْبَقَاءِ١٧.
قوله : ﴿ أَوْ نَلْعَنَهُمْ ﴾ عطفٌ على نَطْمِس، والضميرُ في " نلعنهم " يَعُودُ على الوُجُوهِ، على حَذْفِ مُضَاف إلَيْهِ :أيْ :وُجُوه قَوْم، أوْ عَلَى أن يُرَادَ بِهمُ :الوُجَهَاءَ والرؤساءَ١٨، أو يعودَ على الَّذين أوتُوا الكِتَابَ، ويكونُ ذلك التِفاتاً مِنْ خَطَابٍ إلى غَيْبةٍ، وفيه اسْتِدْعاؤهُم للإيمانِ ؛ حيثُ لم يُوَاجِهْهُمْ باللَّعْنَةِ بَعْدَ أن شَرَّفَهُم بكوْنِهم مِنْ أهْل الكتابِ.

فصل في المراد باللعن


قال مُقَاتِلٌ، وغَيْرهُ :المرادُ باللَّعْنِ :مَسْخُهُمْ قِرَدَةً، وخَنَازِير١٩، فإنْ قيل :قد كان اللّعْنُ حَاصِلاً قبل هذا الوعيد٢٠.
فالجوابُ :أن هذه اللَّعْنَةَ بعد الوعيد، أزْيَدُ تأثيراً في الخِزْيِ، وقيل :المرادُ بهذا اللَّعْن، الطَّرْدُ، والإبْعَادُ [ و ]٢١ قولهُ ﴿ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ ﴾ :أمرٌ واحدٌ أُريدَ به الأمُورُ، وقيل :هو مصدرٌ واقعٌ موقعَ المفعولِ به، أيْ :مَأمُوره، أي٢٢ :ما أوْجَدَه كائِنٌ لا مَحَالَة.
قال ابنُ عبَّاس٢٣ :يريدُ لا رَادَّ لِحُكْمَه، ولا ناقِضَ لأمْرِه، وعلى [ مَعْنَى ]٢٤ أنه لا يَبْعُدُ عليه شَيءٌ [ يُريدُ ]٢٥ أن يَفْعَلهُ، وإنَّما قال : ﴿ وَكَانَ ﴾ إخباراً عن جريان عادةِ اللَّهِ في الأنْبِياءِ المتقدِّمِينَ، أنَّه مَتَى أخْبرهم بإنْزَال العَذَابِ عليْهم فعل ذلك لا مَحَالة.

فصل :دفع شبهة الجبائي


احتجَّ الجُبَّائِيُّ بهذه الآيةِ على أنَّ كلامَ اللَّهِ مُحْدَثٌ ٢٦ ؛ لأنَّ المفعولَ مَخْلُوقٌ.
فالجوابُ :أنَّ الأمْرَ في اللُّغَةِ، جاءَ بمعنى الشَّأنِ، والطَّريقَةِ، والفِعْلِ ؛ قال تعالى :
﴿ وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ ﴾ [ هود :٩٧ ].
١ سقط في ب..
٢ في أ: أسد..
٣ سقط في أ..
٤ تقدم..
٥ ينظر: البحر المحيط ٣/٢٧٨، والدر المصون ٢/٣٧٥..
٦ في أ: ويقولون..
٧ في أ: للعين..
٨ انظر: البحر المحيط (٣/٢٧٨)..
٩ المصدر السابق..
١٠ في ب: عين..
١١ انظر تفسير "البحر المحيط" لأبي حيان (٣/٢٧٨)..
١٢ في أ: الوجه والرؤس..
١٣ انظر تفسير ابن عباس ص ٧١، غرائب النيسابوري (٥/٦٤)..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٤٦) عن عيسى بن المغيرة..
١٥ انظر البحر المحيط (٣/٢٧٨)..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٤٢ ـ ٤٤٣)..
١٧ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
١٨ في أ: الوجه والرأس..
١٩ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" عن الضحاك (٢/٣٠١) وعزاه لعبد بن حميد..
٢٠ في أ: الوعد..
٢١ سقط في ب..
٢٢ في أ: إلى..
٢٣ ينظر: تفسير الرازي ١٠/٩٩..
٢٤ سقط في أ..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ في أ: يحدث..
لما توعَّدَ الكُفْرُ، وبين أنَّ ذلك التقديرَ لا بُدَّ من وُقُوعِهِ، يَعْنِي :أنَّ ذلك إنَّما هو مِنْ خَواص الكُفْرِ، أمَّا سَائِرُ الذُّنُوبِ غيرَ الشِّرْكِ، فإنه يَغْفِرُها، إن شاءَ.
قال الكَلْبِيُّ١ :" نزلتْ في وَحْشِيّ بن حَرْبٍ، وأصحابه ؛ وذلك أنَّهُ لما قُتِل حَمْزَةُ، كان قد جُعِلَ له على قَتْلِه أنْ يُعْتَقَ، فلم يُوفَّ له بذلك، فلما قَدمَ مَكَّةَ، نَدِمَ على صُنْعِهِ، هُوَ، وأصحابُهُ ؛ فكتَبُوا إلى رسُولِ الله صلى الله عليه وسلم :إنَّا قَدْ نَدِمْنَا على الذي صَنَعْنَا، وإنَّه لَيْسَ يَمْنَعُنَا عن الإسلامِ إلاَّ أنَّا سَمعناكَ تَقُولُ بِمَكَّةَ : ﴿ وَالَّذِينَ لاَ يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ ﴾ [ الفرقان :٦٨ ] الآياتِ، وقد دعونا مع الله إلهاً آخر، وقتلنا النفس التي حرم الله قتلها وزنينا، فلوْلا هذه الآياتُ، لاتَّبَعْنَاك ؛ فنزلت : ﴿ إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً ﴾ [ الفرقان :٧٠ ]، الآيتين، فبعثَ بهما [ رسول الله صلى الله عليه وسلم ] إليهم فلما قرءُوا، كتبوا إليْهِ :إنَّ هذا شَرْطٌ شَدِيدٌ نَخَافُ ألاَّ نَعْمَلَ عَمَلاً صالحاً فنزلَ : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾، فَبَعَثَ بها إليهمْ، فبَعَثُوا إليه :إنَّا نَخَافُ ألاَّ نكون٢ مِنْ أهْلِ المشيئةِ ؛ فنزلتْ : ﴿ يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ﴾ [ الزمر :٥٣ ] فبعث بها إليهم ؛ فَدَخَلُوا في الإسلامِ، ورجعُوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَبِل مِنْهم، ثم قال [ عليه الصلاة والسلام ]٣ لِوَحْشِي :" أخْبِرْنِي :كَيْفَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ ؟ " فلَمَّا أخْبَرَهُ، قال :" وَيْحَكَ ! غَيِّبْ وَجْهَكَ عَنِّي "، فَلَحِقَ وَحْشِيٌّ بالشَّامِ، وكانَ بِهَا إلى أنْ ماتَ٤.
وروى أبُو مِجْلَز، عن ابْنِ عُمَر :" لمَّا نزلت : ﴿ يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ﴾ الآية، قام رَجُلٌ، فقال٥ :والشِّرْك يا رسُولَ الله، فَسَكَتَ، ثم قام إلَيْهِ مَرَّتَيْنِ، أو ثلاثاً ؛ فنزلتْ :" إن الله لا يغفر أن يشرك به " ٦ الآية، قال مُطْرِّفُ بنُ الشَّخِّير :قال ابنُ عُمَرَ :كُنَّا على عهدِ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذَا مَاتَ الرجلُ على كَبِيرَةٍ، شَهِدْنَا أنَّه مِنْ أهْلِ النَّارِ، حتى نزلتْ هذه الآيةُ، فأمْسَكْنَا عن الشَّهَادَاتِ٧.
حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - أنَّ هذه الآيةَ أَرْجَى آيةٍ في القُرْآنِ٨.
قوله : ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾، كلامٌ مُسْتأنفٌ، ولَيْسَ عَطْفاً على ﴿ يَغْفِرُ ﴾ الأوَّلِ ؛ لفسادِ المعنى، والفَاعِلُ في ﴿ يَشَاءُ ﴾ ضميرٌ عَائِدٌ على اللَّه تعالى، ويُفْهَمُ مِنْ كلام الزمَخْشريّ :أنَّهُ ضميرٌ عائِدٌ على مَنْ في " لمنْ " لأنَّ المعنى عِنْدَه :إنَّ الله لا يغفرُ الشِّرْكَ لمن لا يشاء أن يغفر له ؛ لِكَوْنِه مَاتَ على الشِّرْكِ، غَيْر تائِب مِنْه، ويغفرُ ما دُونَ ذَلِك لِمَنْ يشاءُ أنْ يغفرَ له، بكونه٩ ماتَ تَائباً مِنَ الشِّرْكِ، و﴿ لِمَن يَشَاءُ ﴾ متعلِّقٌ ب ﴿ يَغْفِرُ ﴾.
قوله : ﴿ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً ﴾ أيْ :اختلق ذَنْباً غيرَ مَغْفُورٍ.
يُقالُ :افْتَرَى فُلانٌ الكَذِبَ، إذا اعْتَمَلَهُ، واخْتَلَقَهُ، وأصْلُه :من الفَرْي، بمعنى القَطْعِ.
رَوَى جَابرٌ قال :" أتى النبيِّ صلى الله عليه وسلم رَجَلٌ، فقال :يا رسُول الله، ما المُوجِبتان ؟ قال١٠ مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بالله شيئاً، دَخَلَ الجَنَّة، ومَنْ مَاتَ يُشْرِكُ باللَّهِ شَيْئاً، دَخَلَ النَّارَ " ١١.
وقال ابنُ عبَّاسٍ :إنَّي لأرْجُو، كَمَا لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ عَمَلٌ ؛ كَذلِكَ لا يَضُرُّ مَعَ التَّوحِيد ذَنْبٌ، ذَكَرَ ذلك عِنْدَ عُمَر بْنَ الخطَّابِ ؛ فَسَكَتَ عُمَرُ.
وروى أبُو ذَرٍّ، " قالَ :أتَيْتُ النَّبِي صلى الله عليه وسلم، وعليه ثَوْبٌ أبْيَض، وهو نَائِمٌ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، وقد استَيْقَظَ ؛ فقال :" مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ لا إله إلا اللَّهُ، ثُمَّ مَاتَ على ذَلِكَ ؛ إلاَّ دَخَلَ الجنَّة ".
قُلْتُ :وَإنْ زَنا، وإنْ سَرَقَ ! قَال :" وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ ".
[ قُلْتُ :وَإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ ! قَال :" وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ "، قُلْتُ :وَإنْ زَنا، وإنْ سَرَقَ ! قَال :" وإنْ زَنَا، وإنْ سَرَقَ ]١٢، عَلَى [ أنْفِ ]١٣ أبِي ذَرٍّ "، وكانَ أبُو ذَرٍّ إذا حدث بهذا، قال :وإنْ رَغم أنْفُ أبِي ذَرٍّ١٤.

فصل


قال القُرطُبِيُّ١٥ :قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ من المُحْكَمِ المتفقِ عليه، الذي لا خلاف فيه بَيْنَ الأمةِ، وقوله : ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ ﴾، من المُتَشَابَهِ، الَّذي قد تَكَلَّمَ العلماءُ فيه.
فقال مُحَمدُ بن جَريرٍ الطَّبريّ١٦ :قد أبَانَتْ هذه الآيةُ كُلَّ صَاحِبِ كَبيرةٍ، فَفِي مَشِيئةِ اللَّه عز وجل١٧ إن شاء [ عفَا لَهُ، وَإنْ شَاءَ ]١٨، عاقَبهُ، مَا لَمْ تَكُنْ كَبِيرتُهُ شِرْكاً، وقالَ بعضُهُم :قد بين الله تعالى، بقوله عز وجل : ﴿ إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ﴾ [ النساء :٣١ ].
فأعْلَمَ أنَّهُ :يُكَفِّرُ الصَّغَائِرَ لمن اجْتَنَبَ الكَبَائِرَ، لمنْ يشاءُ، ولا يَغْفِرُ الصغَائِرَ لمنْ أتَى الكَبَائِرَ.
وقال بعضُهم١٩ :هذه الآيةُ ناسِخَةٌ للتي في آخرِ الفُرْقَانِ.
قال زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ :نزلتْ سُورةُ النِّسَاءِ بَعْدَ سُورَةِ الفُرقَانِ بِسِتَّةِ أشْهُرٍ٢٠.
قال القُرِطُبِيُّ :والصحيح أنَّهُ لا نَسْخَ، لأنَّ النَّسْخَ فِي الأخْبَارِ مُسْتَحِيلٌ، وسيأتي الجمعُ بَيْنَ الآي، في هذه السُّورةِ ؛ وَفِي الفُرْقَانِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.

فصل هل يسمى اليهودي مشركاً في الشرع ؟


قال ابنُ الخطيب٢١ :دلتْ هذه الآيةُ على أنَّ اليَهُودِيِّ يُسَمَّى مُشْرِكاً في الشَّرْعِ ؛ لأنها دالَّةٌ على أنَّ مَا سِوَى الشركِ من الكَبَائِرِ يُغْفَرُ، فَلَوْ كَانتِ اليهوديَّةُ مُغَايِرة للشِّرْكِ، كَانَتْ ]٢٢ مَغْفُورَةً٢٣ بحكم الآية، وهو خِلاَفُ الإجْمَاعِ، ولأنَّ هذه الآيةَ مُتَّصِلَةٌ بوعِيِدِ اليَهُودِ، فَلَوْلاَ دُخُوُل اليهوديةِ تحتَ اسْمِ الشِّرْكِ، لم يحْصُل الالتئامُ.
فإنْ قيلَ :عَطْفُ " الذين أشركوا " على " الذين هادوا " في قوله :
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَادُواْ ﴾ [ الحج :١٧ ] ثُمَّ قَالَ [ بعده ]٢٤ :" والذين أشركوا " يَقْتَضِي المُغَايَرَةَ.
قُلْنَا :المغايرةُ في المفهومِ اللُّغَويِّ، والاتِّحاد في الشرعي ؛ دَفْعَاً للتَّنَاقُضِ، ويتفرَّعُ عليه أنَّ المسلمَ لا يُقْتَلُ بالذمِّي ؛ لأنَّ المشركَ مُبَاحُ الدَّمِ ؛ لقوله تعالى :
﴿ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [ التوبة :٥ ]، ومُبَاحُ الدَّمِ لا يُقْتَصُّ مِنْ قَاتِلِهِ، ولا يتوجَّهُ النَّهْيُ عن قَتْلِه، ترك العَملِ بهذا الدليلِ في حقِّ النهي فَبَقِيَ٢٥ مَعْمُولاً به في سُقُوطِ القِصَاصِ عَنْ قَاتله.

فصل في دلالة الآية على العفو عن أصحاب الكبائر


هذه الآيةُ أقْوَى الدلائلِ على صِحَّة العَفْوِ عن أصْحَابِ الكَبَائِرِ، من وجوه :
الأوَّلُ :أنَّ قوله تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ ﴾ أيْ لا يغفرُهُ فَضْلاً معَ عدمِ التوبةِ ؛ لأنَّهُ يُغْفَرُ وُجُوباً عند التوبةِ بالإجماع ؛ فيكون قوله : ﴿ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ﴾ على سَبِيلِ الفَضْلِ، حَتَّى يتواردَ النَّفْيُ والإثباتُ على مَعْنَى واحدٍ ؛ كما لو قال :إنَّ فُلاناً شَاءَ لا يُعْطِي على سبيلِ التفضيل، ويعطي زيدا، فهم أنه على سبيل الفضل حتى لو قال :يعطيه على سبيل فَضْلِ الوُجُوبِ، كان رَكِيكاً، وحينئذٍ :يَجِبُ أنْ يكُونَ المرادُ أصْحابَ الكَبَائِرِ، قَبْلَ التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ عند المعتزِلةِ، غُفْرَانَ الصَّغائِرِ، والكبائِرِ بَعْدَ التَّوْبَةِ - وَاجِبٌ عَقْلاً، فلا يُمْكن حَمْلُ الآيةِ عَلَيْهِ، فلم يَبْقَ إلاَّ الكَبَائِرُ قَبْلَ التَّوْبَةِ.
الثّاني :أنَّ ما سِوَى الشِّرْكِ، يَدْخُلُ فيه الكبائرُ قَبْلَ التوبةِ، وبعدَهَا، ثُمَّ حَكَمَ على الشِّرْكِ بأنَّهُ غيرُ مَغْفُورٍ، وَعَلَى غَيْرِ الشِّرْكِ بأنَّهُ مَغْفورٌ لمنْ يشاءُ، فَوَجَبَ أنْ تكونَ الكبيرةُ قَبْلَ التوبةِ مَغْفُورةٌ.
الثالثُ :أنَّه علَّقَ الغُفْرَان بالمشيئَةِ، وغُفْرَانُ الكَبِيرةِ بعد التوبةِ والصَّغِيرَةِ مَقْطُوعٌ به، فوجب أنْ يكونَ المعلَّق الكبيرة قبْلَ التوبةِ.
فإن قيلَ :إنَّ تَعْلِيقَهُ على المشِيئَةِ، لا يُنَافِي وُجُوبَهُ، كقوله تعالى : ﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ﴾، ثُمَّ إنَّا نَعْلَمُ أنَّه لا يُزَكِّي إلاّ مَنْ يكونُ أهْلاً للتَّزكِية، وإلاَّ فكانَتْ كَذِباً.
واعلمْ :أنه ليس للمعتزلةِ في مُقَابلة هذه الوُجُوهِ كلامٌ يُلْتفتُ إليه، [ إلا المعَارَضَة بآياتِ الوعِيدِ ]٢٦.
١ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٣٩..
٢ في أ: أن لا نكون..
٣ سقط في أ..
٤ انظر تفسير الرازي (١٠/١٠١)..
٥ في ب: قال..
٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٤٩، ٤٥٠) عن ابن عمر وذكره ابن كثير في "تفسيره" (٢/٤٨١) ثم قال: وقد رواه ابن مردويه من طرق عن ابن عمر وأورده السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٢) عن أبي مجلز وعزاه لابن المنذر..
٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٥٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٢) وزاد نسبته للبزار وابن أبي حاتم عن ابن عمر. وللحديث شاهد قوي عن ابن عمر:
أخرجه أبو يعلى (١٠/١٢٦) وابن الضريس وابن المنذر وابن عدي كما في "الدر المنثور" (٢/٣٠٢) وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (٧/٥) وقال: ورجاله رجال الصحيح غير حرب بن سريج وهو ثقة. ولفظه: كنا نمسك عن الاستغفار لأهل الكبائر حتى سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" [النساء: ٣٨] فأمسكنا عن كثير مما كان في أنفسنا..

٨ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤٠..
٩ في ب: لكونه..
١٠ في ب: فقال..
١١ أخرجه البخاري (١/٢٧٢) كتاب العلم: باب من خص بالعلم قوما (١٢٨ ـ ١٢٩) ومسلم (١/٥٨) كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من مات على الوحيد دخل الجنة (٤٨/٣٠)، (٤٩/٣٠) وأبو عوانة (١/١٧) والبيهقي (٧/٤٤) والبغوي في "شرح السنة) (١/١١٢) من حديث جابر بن عبد الله..
١٢ سقط في ب..
١٣ سقط في ب..
١٤ أخرجه البخاري (١٠/٢٩٤) كتاب اللباس: باب الثوب الأبيض (٥٨٢٧) ومسلم (١/٩٤) كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئا (١٥٣/١٩٤).
قال البغوي في "شرح السنة" (١/١١٣) وقوله: "وإن رغم أنف أبي ذر" أي: ذل، وقيل: وإن كره يقال: ما أرغم من ذلك شيئا أي: أكرهه، وقيل: وإن اضطرب أبو ذر. وانظر "النهاية في غريب الحديث" (٢/٢٣٩) والصحاح للجوهري (٥/١٩٣٤)..

١٥ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٥٩..
١٦ ينظر: السابق..
١٧ في ب: الله تعالى..
١٨ سقط في ب..
١٩ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٥٩..
٢٠ ذكره القرطبي في "تفسيره" عن زيد بن ثابت..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٠..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في ب: مغفور..
٢٤ سقط في ب..
٢٥ في ب: بقي..
٢٦ سقط في ب..
قد تقدَّمَ الكلامُ على مِثْل قوله :" ألم تر "، وقوله :" بل "، إضْرَابٌ عَنْ تزكيتهم أنفُسَهُم، وقدّر أبُو البقاء١ قبل هذا الإضراب جُمْلَةً ؛ قال :تقديرهُ :أخْطؤوا، ﴿ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ﴾.
[ وقوله :" ولا يظلمون "، يجوزُ أنْ يكونَ حَالاً ممَّا تقدَّم، وأنْ يكون مُسْتَأنفاً، والضميرُ في " يظلمون " يجوزُ أنْ يعود على " من يشاء " ]٢ أيْ :لا يُنْقِصُ مِنْ تزكيتهم شيئاً، وإنَّما جَمَعَ الضميرَ ؛ حَمْلاً على مَعْنى " من " وأنْ يَعُودَ على الذين يُزَكونَ، وأنْ يعُودَ على القَبِيليْن مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ، وَمَنْ زَكَّاهُ اللَّه، فَذَاكَ لاَ يُنْقِصُ من عقابه شَيْئاً، وهذا لا يُنْقِصُ مِنْ ثَوَابِهِ شَيْئاً، والأوَّلُ أظْهَرُ ؛ لأن " من " أقَرْبُ مَذْكُورٍ، ولأنَّ " بل " إضرابٌ مُنْقطعٌ ٣ ما بَعْدَهَا عمَّا قَبْلَهَا.
وقال أبُو البَقَاءِ٤ :ويجوزُ أن يكُونَ مُسْتأنَفاً، أيْ :منْ زَكَّى نَفْسَه، ومَنْ زَكَّاهُ اللَّهُ. انتهى.
فجعل عودَ الضميرِ على الفَريقَيْنِ ؛ بِناءً على وَجْهِ الاسْتِئْنافِ، وهذا غيرُ لازِمٍ [ بل ]٥ يجوزُ عودهُ عَلَيْهِمَا، والجملةُ حَالِيَّةٌ.
و ﴿ فَتِيلاً ﴾ مَفعُولٌ ثانٍ ؛ لأن الأولَ قامَ مَقَامَ الفاعِلِ، ويجوزُ أنْ يكونَ نَعْت مَصْدرٍ مَحْذُوفٍ، كما تقدَّمَ تقديره في : ﴿ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ ﴾ [ النساء :٤٠ ]، والفَتِيلُ :خَيْطٌ رَقيقٌ في شِقِّ النَّوَاة [ يَضْرَبُ به المَثلُ في القِلَّةِ، قالَهُ ابنُ السِّكيتِ، وغيرُهُ.
وقيل :هو مَا خَرَجَ مِنْ بيْن إصْبَعَيْكَ، أو كَفَّيْكَ مِنَ الوَسَخ ]٦ حين تَفْتُلُهُمَا٧، فهو فَعِيلٌ بمعنى مَفْعُولٍ، وقد ضرب العَرَبُ المثلَ في القِلّةِ التافِهَةِ بأربَعةِ أشْيَاء، اجتمعْتَ في النواةِ، وهي :الفَتِيلُ، والنَّقِيرُ :وهو النُّقْرَةُ التي في ظهر النَّواةِ، والقِطْميرُ :هو القِشْرُ [ الرقيقُ ]٨ فوقها [ وهذه الثلاثةُ واردَةٌ في الكتابِ العزيز، والثُّفْروق :وهو ما بيْنَ النواةِ والقِمْع ]٩ الَّذِي يكُونُ في رَأسِ التَّمرة كالعلاقَةِ بَيْنَهُمَا.

فصل


لما هَدّد١٠ اليهود بأنه تعالى١١ لا يغفرُ أنْ يشركَ به، قالوا :لَسْنَا منَ المشركينَ، بل نحنُ مِنْ خَوَّاصِّ اللَّهِ.
قال الكَلْبيُّ١٢ :" نزلت هذه الآيةُ في رِجَالٍ مِنْ اليهودِ :منهم " بَحْرى بنُ عُمَرَ "، و " النُّعْمانُ بنُ أوْفَى "، و " مَرْحَبُ بنُ زَيْدٍ " أتَوْا بأطْفالهم إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقَالُوا :يا محمدُ [ هَلْ ]١٣ على هَؤلاءِ مِنْ ذنْبٍ ؟ فقال :لاَ، قالوا :ما نَحْنُ إلاَّ كَهَيْئتهم، ما عَمِلْنَا بالنهار، يُكَفَّر١٤ عنّا بالليل، وما علمنا بالليل، يكفرُ عنَّا بالنهار، فنزلت هذه الآيةُ.
وقال مُجاهِدٌ، وعكْرمة١٥ :كانُوا يُقدِّمُونَ أطْفَالَهُم في الصلاةِ، يَزْعمُوَن أنَّهم لا ذُنُوبَ لَهُم، فتِلْكَ التزكيةُ١٦.
وقال الحَسنُ، والضحاكُ، وقتادةُ، ومقاتلٌ :نزلت في اليهودِ، والنصارى، حينَ قَالُوا :
﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ] ﴿ وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى ﴾١٧ [ البقرة :١١١ ].
قال عبدُ الله بنُ مسعودٍ :هو تزكيةُ بعضِهم لِبَعضٍ١٨.

فصل


التَّزْكِيَةُ - ها هنا - عِبارةٌ عنْ مَدْح الإنْسَانِ نَفْسَهُ.
قال تعالى : ﴿ فَلاَ تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى ﴾ والتَّقْوَى :لا يَعْلَمُ حقيقتَها إلاَّ الله تعالى.
فإن قيل :ألَيْسَ قد قال - عليه الصلاة والسلام - :" واللَّهِ، إنّي لأمِينٌ في السَّماءِ، وأمِينٌ في الأرْضِ " ١٩.
فالجوابُ :إنَّما قال ذلك حين قال المنافِقُون له :اعدِلْ في القِسْمة ؛ ولأنَّ الله تعالى لمَّا زكَّاهُ أوَّلاً بِقِيَامِ المعْجزةِ، جاز له ذَلِكَ، بخلافِ غيرِه.
١ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٢ سقط في أ..
٣ في أ: فيقطع..
٤ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في ب..
٧ في أ: حتى يفتلها..
٨ سقط في ب..
٩ سقط في أ..
١٠ في ب: حدد..
١١ في ب: بأن الله..
١٢ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤٠..
١٣ سقط في أ..
١٤ في ب: كفر..
١٥ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤٠..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٥٣) عن مجاهد وأبي مالك وعكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٤) عن مجاهد وزاد نسبته لعبد بن حميد وابن المنذر..
١٧ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٥٢) عن الحسن والضحاك وقتادة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٤) عن الحسن وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم وعبد الرزاق. ومعالم التنزيل ١/٤٤٠..
١٨ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤٠..
١٩ انظر إتحاف السادة المتقين (٥/٢٣٩) والشفا للقاضي عياض (١/٣٢٦٩)..
﴿ كَيفَ ﴾ منصوبٌ ب ﴿ يَفْتَرُونَ ﴾ وتقدم الخِلافُ فيه، والجملةُ في محلِّ نَصْبِ، بعد إسقاطِ الخَافِضِ ؛ لأنَّها مُعلقةٌ ١ ل " انظر " و " انظر " يتعدى ب " في " ؛ لأنها - هنا - لَيستْ بَصريَّةً، و " على الله " مُتعلِّقٌ ب ﴿ يَفْتَرُونَ ﴾، وأجاز أبُو البَقَاءِ٢ :أنْ يتعلَّقَ بمحذوفٍ، على أنه حالٌ من الكذبِ، قُدِّمَ عليه، قال :" ولا يجوز أن يتعلق بالكذب ؛ لأن معمولَ المصْدَرِ لا يتقدَّمُ عليه، فإن جعل على التَّبيين جَازَ "، وجوّز ابن عطيةَ٣ :أن يكون " كيف " مُبْتدأ، والجملةُ مِنْ قوله ﴿ يَفْتَرُونَ ﴾ الخَبَرُ، وهذا فاسِدٌ، لأن " كَيْفَ " لا تُرْفَعُ بالابتداءِ، وعلى تقدير ذلك، فأيْن الرَّابِطُ٤ بينها وبَيْنَ الجملةِ الوَاقِعةِ خبراً عنها ولم تكن نفس٥ المُبْتدأ، حتى تَسْتغْنِي عَنْ رَابِطٍ، و ﴿ إِثْماً ﴾ تمييزٌ، والضميرُ في " به " عائدٌ على الكذبِ، وقِيلَ :على الافْتِرَاءِ وجعلهُ الزمخشريُّ٦ عَائِداً على زَعمهمْ، يعْنِي :من حَيْثُ التقديرُ.

فصل في تعجيب النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود


هذا تَعْجيبٌ للنبيّ صلى الله عليه وسلم مِنْ فرْيتهم٧ على الله، وهو تَزْكيتهُم أنْفسَهُمِ وافْتراؤهم٨، وهو قولهم : ﴿ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ [ المائدة :١٨ ].

فصل في معنى الكذب


الكَذِبُ :هو الإخْبَارُ عَنِ الشيء على خلافِ المُخبرِ عَنْهُ، سَواءٌ عَلِمَ قَائِلُه كَوْنَهُ كذلك، أوْ لا يَعْلَمُ، وقال الجَاحِظُ٩ :شَرْطُ كَوْنِهِ كَذِباً، أنْ يعلمَ القائِلُ كَوْنَه بِخلافِ ذلكِ، وهذه الآيةُ دليلٌ عليه ؛ لأنَّهم كانُوا يَعْتَقدٌون في أنْفسهم الزِّكاءَ، والطَّهَارَةَ :وكذبهم١٠ الله فيه.
وقوله : ﴿ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً ﴾ يقالُ في المدْحِ، وفي الذَّمِّ، أمَّا فِي المدْحِ، فكقوله
﴿ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيراً ﴾ [ النساء :٤٥ ] وأمَّا في الذم، فكما في هذا الموضع.
١ في ب: متعلقة..
٢ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٣ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٦٦..
٤ في ب: الربط..
٥ في ب: نفسها..
٦ ينظر: الكشاف ١/٥٢١..
٧ في ب: تغريهم..
٨ في ب: وأفواءهم..
٩ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٢..
١٠ في ب: فكذبهم..
قال المفسِّرُون١ :خرج كَعْبُ بنُ الأشْرَفِ، وحُيَيّ بن أخْطَبَ، فِي سَبْعِينَ رَاكِباً من اليَهُودِ إلى مَكَّةَ بعد وَقْعَةِ أحُد ؛ ليُحالفُوا قُرَيْشاً، على مُحَارَبَةِ الرَّسُولِ - عليه الصَّلاة والسلام - ويَنقُضُوا العهدَ الذي كان بينَهُم وبين النبيِّ صلى الله عليه وسلم، فنزل كَعْبٌ علَى أبِي سُفْيانَ ؛ فأحْسنَ مَثْوَاهُ، ونزلت اليهودُ في دُورِ قُرَيْشٍ، فقال أهْلُ " مكة " :إنكم٢ أهل كتاب، ومُحَمَّدٌ صاحبُ كِتابٍ، ولا نأمَنُ أن يكُونَ هذا مَكْراً مِنكم، فإن أرَدْتَ أن نخرجَ مَعَكَ، فاسْجُدْ لهذين الصَّنَميْنِ وآمنوا بهما، فَفَعلُوا ذلك ؛ فذلك قوله تعالى : ﴿ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ ﴾٣.
ثم قال كَعْبٌ لأهْلِ مَكَّةَ :ليجيء منكم [ الآن ]٤ ثلاثُونَ ومِنَّا ثلاثُونَ فنلْزقَ أكْبَادنا بالكعبةِ ؛ فنعاهد رَبَّ هذا البيتِ، لنجهدنَّ على قِتَالِ مُحَمَّدٍ ؛ فَفَعلُوا، ثُمَّ قال أبُو سُفْيانَ لِكَعْبٍ :إنَّك امرؤٌ تَقْرَأُ الكِتَابَ، وتَعْلَمُ، ونحنُ أُمُّيُّون، ولا نَعلَمُ، فَأيُّنَا أهْدَى طَريقاً :نَحْنُ أم٥ مُحَمَّدٌ ؟
فقال كَعْبٌ لأبي سُفْيان :اعرضُوا عليَّ دينكم، فقال أبُو سُفْيَانَ :نحن نَنْحَرُ للحَجِيج الكُومَاء٦، ونَسْقيهمُ [ الماء ]٧ ونَقْري الضَّيْفَ، ونُقِلُّ العَانِي، ونَصِلُ الرَّحِمَ، ونعَمِّرُ بين رَبِّنَا، ونطوفُ به، ونحنُ أهْلُ الحَرَم، ومحمدٌ فارق دينَ آبَائِهِ، وقطعَ الرَّحمَ، وفارقَ الحَرَمَ، ودينُنَا القَديمُ، ودينُ محمدٍ الحديثُ، فقال كَعْبٌ :أنْتُمْ واللَّهِ أهْدَى سَبِيلاً مَمَّا عليه محمدٌ ؛ فنزلتْ هذه الآيةُ.
قوله : ﴿ يُؤْمِنُونَ ﴾ فيه وجهانِ :
أحدُهُمَا :أنه حَالٌ إمَّا من :" الذين " وإمَّا مِنْ واوِ " أوتوا "، و " بالجبت " مُتعلِّقٌ به، و " يقولون " عطفٌ عليه، و " الذين " مُتعلِّقٌ ب " يقولون "، واللامُ ؛ إمَّا للتبيلغِ، وإمَّا لِلْعلةِ ؛ كنظائرها، و " هؤلاء أهدى " مُبْتَدأٌ وخَبَرٌ في محل نَصْبٍ٨ بالقول و " سبيلاً " تَميِيزٌ.
والثَّانِي :أنَّ " يؤمنون " مُستأنَفٌ، وكأنَّه تعجَّبَ مِنْ حَالِهم ؛ إذْ كَانَ يَنْبَغِي لِمَنْ أوتِيَ نَصيباً من الكتاب ؛ ألاَّ يَفْعَلَ شَيْئاً مِمَّا ذُكِرَ، فَيكُونُ جواباً لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ ؛ كأنَّهُ قيلَ :ألاَ تَعْجَبُ مِنْ حَالِ الذِين أوتُوا نَصِيباً من الكتاب ؟ فقيل :وما حَالُهم ؟ فقالَ :يؤمِنُون [ ويقولُونَ، وهذان ]٩ منافيان لحالهم.
والجِبْتُ :حَكَى القَفَّالُ، وغيرهُ، عَن بَعْضِ أهلِ اللُّغَةِ :وهو الجِبْسُُ، بِالسِّينِ المُهْمَلَةِ، أُبدلتْ تاءً، كالنَّات، والأكْيَاتِ، وست ؛ في النَّاسِ، والأكياسِ، وسدس، قال [ الرجز المشطور ]
. . . . . . . . . . . . . . شِرَارَ النَّاتِ لَيْسُوا بِأجْوَادٍ ولاَ أكْيَاتِ١٠
والجبس :هو الذي لا خير عنده.
يُقالُ رَجِلٌ جِبس، وجِبتٌ، أيْ :رَذْلٌ، قِيلَ :وإنما ادَّعَى قلبَ السِّين تاءً ؛ لأنَّ مَادَةَ ( ج ب ت ) مُهْمَلَةٌ. قَالَ١١ قُطْرُبٌ :وغيرهُ يَجْعَلُها١٢ مَادَّةً مُسْتَقِلَّةً، وقِيل :الجِبْتُ :السَّاحِرُ بلُغَةِ الحَبَشَةِ، والطَّاغُوتُ :الكَاهِنُ، قالهُ سعيدُ بنُ جُبَيْر، وأبُو العَالِيَةِ١٣، وقال عِكْرمَةُ :هما صَنَمانِ١٤، وقال أبُو عُبَيْدَةَ :هُما كُلُّ مَعْبُودٍ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ.
وقال عُمَر :الجِبْتُ :السِّحْرُ، والطاغُوتُ :الشَّيْطَانُ ؛ وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ، ومُجاهِدٍ١٥، وقال مُحمدُ بنُ سيرينََ، ومَكْحُولٌ :الجِبْتُ :الكاهِنُ، والطَّاغُوتُ :السَّاحِرُ١٦، ورُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ :الجِبْتُ :- بلسانِ الحبَشَةِ - :شَيْطَانٌ ١٧، وقال الضَّحَّاكُ :الجبتُ :حُيَيُّ بنُ أخْطب، والطَّاغُوتُ :كَعْبُ بنُ الأشْرَف١٨، وقِيل :الجبتُ كُلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، والطاغوتُ :كُلُّ ما يُطْغي الإنْسانَ.
ورَوى قَبيصةُ :أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال :العِيافَةُ :والطَّرْقُ، والطِّيرةُ :مِنَ الجِبْتِ١٩.
الطَّرْقُ :الزَّجْرُ، والعِيَافَة٢٠ :الحط
١ ينظر: معالم التنزيل ١/٤٤١ وتفسير الرازي ١٠/١٠٣ وتفسير القرطبي ٥/١٦١..
٢ في ب: ألكم..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٨) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٦) وزاد نسبته إلى عبد الرازق..
٤ سقط في أ..
٥ في ب: أو..
٦ في ب: الكرماء..
٧ سقط في ب..
٨ في أ: وخبره في محل نصب..
٩ سقط في أ..
١٠ تقدم..
١١ في ب: قال..
١٢ في ب: فجعلناه..
١٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٣) عن سعيد بن جبير وأبي العالية وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) عن عكرمة وعزاه لعبد بن حميد. ومعالم التنزيل ١/٤٤١..
١٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٩) عن عكرمة..
١٥ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٢) عن عمر والشعبي ومجاهد وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) وزاد نسبته للفريابي وسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم.
وذكره أيضا (٢/٣٠٧) عن مجاهد وزاد نسبته لعبد بن حميد..

١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٤) عن سعيد بن جبير ومحمد بن سيرين..
١٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٧) عن ابن عباس وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٥) عن ابن عباس والضحاك..
١٩ أخرجه أحمد (٥/٦٠) وأبو داود كتاب الطب ب ٢٣ والبيهقي (٨/١٣٩) وعبد الرازق (١٩٥٠٢) وابن حبان (١٤٢٦ ـ موارد) وابن أبي شيبة (٩/٤٣) والطبراني (١٨/٣٦٩) وابن سعد (٧/٢٣) والطحاوي "شرح معاني الآثار" (٤/٣١٣) والخطيب (١٠/٤٢٥) عن قطن بن قبيصة بن مخارق عن أبيه مرفوعا.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٨) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم..

٢٠ العيافة: زجر الطير، والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، وهو من عادة العرب كثيرا..
﴿ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيراً ﴾
بَيَّنَ أنَّ عليهم اللَّعْنَ من الله، وهو الخِذْلانُ، والإبْعَادُ، لقوله :
﴿ مَّلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُواْ ﴾
[ الأحزاب :٦١ ] وإنَّما استَحقُّوا هذا اللَّعْن، لتفْضيلهمْ عَبَدَةَ الأوْثَانِ على المؤمِنينَ بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم.
لمَّا وصف [ تعالى ]١ اليهودَ بالجَهْلِ في الآية المتقدمة ؛ لتفضيلهم عِبَادَةَ الأوْثَانِ على عبادَةِ الله تعالى، وصفَهُم في هذه الآية بالبُخْلِ والحَسَدِ، وهذا على سَبيلِ الإنْكَارِ.
والبخلُ :ألاَّ يدفعَ إلى أحدٍ شَيْئاً مما أوتِيَ مِن النعمةِ، [ والحَسَدُ :أنْ يتمنَى ألاَّ يُعْطِي اللَّهُ غيرَهُ شَيْئاً من النِّعَم ]٢ فها يَشْترِكَانِ في إرادةِ مَنْعِ النعمَةِ من الغَيْرِ، وإنما قدّم وَصْفَ الجَهْلِ علَى وصفِ البُخْلِ، والحَسَدِ ؛ لأن الجهل سَبَبُهَا ؛ وذلك لأنَّ البَخِيلَ، والحَاسِدَ يجهلانِ أنَّ الله تعالى هو الذي أعْطَى هذا، ومَنَعَ هذا.
واعلمْ أنَّهُ تعَالَى جَعَل بُخْلَهم كالمانع مِنْ حُصُولِ الملْكِ لَهُم، وهذا يدلُّ على أنَّ الملكَ والبُخْلَ لا يَجْتَمِعَانِ ؛ وذلك لأنَّ الانقيادَ٣ [ للغير مكروهٌ لِذَاته، وإنما يُحْمَلُ الإنْسَانُ على الانقيادِ لِلْغَيْر ]٤ بالإحسانِ الحسن٥ ؛ كما قيل :" بالبر يستعبد الحر "، فمتى لم يُوجد الإحْسانُ، لَمْ يُوجد الانقيادُ٦، ثُمَّ قدْ يكونُ المُلْكُ على الظَّاهِرِ فَقَطْ ؛ وهو مُلْكُ المُلُوكِ، وقد يكونُ الملكُ على البَاطِنِ فقط ؛ وهو مُلْكُ العُلَمَاءِ وقد يكون الملكُ عَلَيْهمَا ؛ وهو مُلْكُ الأنْبِيَاءِ، فوجب في الأنبياء أنْ يكُونُوا في غَايَةِ٧ الجُودِ، والكَرَمِ، والرَّحْمَةِ، والشَّفَقَةِ ؛ حَتَّى يحصلَ الانقيادُ بالبَاطنِ والظَّاهِرِ، وكمالُ هذه الصفاتِ كان حَاصِلاً لمحمدٍ صلى الله عليه وسلم.
و " أم " مُنقطعةٌ ؛ لِفواتِ شَرْطِ الاتِّصال، كما تقدم أوَّل البقرةِ فتُقَدر ب " بَلْ "، والهمزة التي يُرادُ بها الإنْكار، وكذلك هُو في قوله : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ﴾ وقال بعضُهم٨ :الميمُ صلة، وتقديره :ألَهُمْ ؛ لأنَّ حَرْفَ " أمْ " إذَا لَمْ يَسْبِقْهُ استفهامٌ، كانتِ الميمُ صِلَةً فيه، وقيل :" أمْ " هنا مُتصلةٌ، وقد سبقه - هاهنا - استفهامٌ على سَبيلِ المعْنَى ؛ لأنَّهُ لمَّا حَكَى قَولَهُمْ لِلمشرِكينَ بأنَّهم أهْدَى سَبِيلاً مِنَ المؤمنِينَ عطفَ عليه قوله ﴿ أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ ﴾ فكأنَّهُ قال :أمِنْ ذلك يتعجَّبُ ؟ أمْ مِنْ كَوْنِهِم لَهُمْ نَصِيبٌ من الملك ؛ مع أنَّهُ لَوْ كَانَ لَهُمْ مُلْكٌ، لَبَخِلُوا بأقلِّ القَلِيلِ ؟.

فصل في معنى " الملك "


اختلفوا في هذا ﴿ الْمُلْكِ ﴾، فقيل :إنَّ اليهودَ كانوا يقُولُونَ :نحنُ أوْلَى بالملكِ، والنُّبوةِ ؛ فكَيْفَ نَتْبَعُ العَرَبَ ؟ فأبطل اللَّهُ ذلك، بهذه الآيةِ.
وقيل :كانوا يَزْعُمُونَ أنَّ الملكَ يعودُ إليهم، في آخرِ الزمانِ، فيخرجُ مِنَ اليهودِ مَنْ يُجَدِّدُ مُلْكَهُمْ ؛ فَكَذَّبهم الله [ تعالى ]٩ بهذه الآيةِ.
وقيل [ المرادُ ]١٠ بالمُلْكِ١١ - هاهنا - التَّملِيكُ :يَعْنِي :أنَّهم إنَّما يَقْدِرُونَ على دفعِ نُبُوَّتِكَ ؛ لو كان التمليكُ إليهم، [ و ]١٢ لو كان التملِيكُ إلَيهمْ ؛ لبخلوا بالنَّقِير، والقِطْمِيرِ. فكيفَ يَقْدِرُونَ على النَّفْيِ١٣ والإثْبَاتِ.
قال أبُو بَكْرٍ الأصَمّ١٤ :كَانُوا أصْحَابَ بَسَاتِينَ وأمْوَالٍ، وكانوا في عِزةٍ، ومَنَعَةٍ، وكانوا يَبْخَلُونَ على الفُقَراءِ بأقل القَلِيلِ ؛ فنزلت هذه الآيةُ.
قوله :" فإذن " حَرْفُ جَوَاب، [ وجَزَاء ]١٥ ونُونُها أصلية، قال مَكي [ وحذاق النحويِّين على كتب نونها نوناً ]١٦ وأجاز الفرَّاءُ أن تُكْتَبَ ألفاً، وما قاله الفرَّاءُ هو قِيَاسُ١٧ الخَطِّ ؛ لأنه مَبْنيٌّ على الوَقْفِ [ والوقف على نُونها بالألف، وهي حرفٌ يَنْصِبُ المضارع بِشُرُوطٍ تقدَّمَتْ ]١٨، ولكنْ إذَا وَقَعَتْ بعد عَاطِفٍ، فالأحْسَنُ الإهمالُ وقد قرأ ابنُ١٩ مَسْعُودٍ، وابنُ عَبَّاسٍ -هنا- بإعْمَالِهَا، فَحَذَفَ النُّونَ مِنْ قَوْلِه : ﴿ لاَّ يُؤْتُونَ ﴾.
وقال أبُو البَقَاءِ٢٠ :ولَمْ يَعملْ - هنا - من أجْلِ حَرْفِ العَطْف وهُوَ الفَاء، ويجوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ، أنْ يَعملَ مع الفَاءِ، وليس المبطل لا ؛ لأنَّ " لا " يتخطَّاهَا العامِلُ، فظاهِرُ هذه العبارَةِ :أنَّ المانِعَ حَرْفُ العَطْفِ، وليس كذلك، بل المانِعُ التلاوةُ، ولذلك قال آخراً :ويجوزُ في غَيْرِ القُرْآنِ.
قال سِيبَويْهِ٢١ :" إذن " في أصل الأفعالِ بمنزِلَةِ " أظن " في عَوَامِلِ الأسْمَاءِ، وتقريرهُ :أنَّ الظنَّ إذَا وَقَعَ أوَّلَ الكلام - نَصَبَ، لا غَيْرَ ؛ كقولِكَ :أظُنُّ زَيْداً قائماً، وإنْ تَوَسَّطَ جَازَ إلْغَاؤه، وإعْمَالهُ تقول :زَيدٌ ظننْتُ مُنْطِلقٌ، ومنطلقاً، وإنْ تأخَّر، ألْغِيَ.
والسببُ في ذلك ؛ أن " ظن " وأخواتِهَا، نحو :عَلِمَ، وحَسِبَ، ضَعِيفةٌ في العملِ ؛ لأنها لا تُؤثِّرُ في مَفْعُولاتِهَا، فإذا تَقَدَّمَتْ دلَّ تقدمُهَا على شِدَّةِ العِنَايَةِ، فَقَوِي على التَّأثِيرِ، وإذا تأخرت، دلَّ على عدم العِنَايَةِ فلغى، [ وإنْ توسَّطَتْ، لا يكون في مَحَلِّ العنايةِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، ولا في مَحَلِّ الإهْمَالِ من كل الوجوه، فَلاَ جَرَمَ أوْجَبَ توسُّطُها الإعْمالَ ]٢٢، والإعْمالُ٢٣ في حَالِ التوسطِ أحسنُ٢٤ والإلغاءُ حَالَ التأخُّرِ، أحْسَنُ، وإذا عرفتَ [ ذلك ]٢٥ فنقول :" إذن " على هذا الترتيبِ، [ فإن تقدمَّتْ نَصَبَتِ الفعلَ، وإنْ توسَّطَتْ، أوْ تأخرتْ جاز الإلْغَاءُ ]٢٦.
والنَّقِيرُ :قال أهلُ اللغةِ٢٧ :النَّقِيرُ :نُقْطَةٌ في ظَهْرِ النواةِ، ومنها تَنْبُتُ النخلةُ، وقال أبُو العَالِيَة٢٨ :هو نَقْدُ الرجلِ الشَّيْءَ بِطَرفِ إصْبَعِهِ، كما يُنْقِرُ الدِّرْهَمَ، وأصْلُه :أنَّهُ فِعْلٌ مِنَ النَّقْرِ، يُقالُ للخشبِ الذي يُنْقَرُ فيه :إنَّهُ نَقِيرٌ ؛ لأنه يُنْقَرُ، والنَّقْرُ :ضَرْبُ الحَجَرِ وغَيْرِه بالمِنْقِارِ، يُقَالُ :فلانٌ كَرِيمُ النَّقِيرِ، أي :الأصْلِ، والمِنْقِارُ :حَدِيدَةٌ كالفأسِ تُقْطَعُ بها الحِجَارَةُ، ومِنْهُ :مِنْقِارُ الطائِرِ ؛ لأنه يَنْقُرُ بِهِ، وذكْرُ النَّقيرِ هُنَا تَمْثِيلٌ، والغَرَضُ منه، أنَّهم يَبْخَلُونَ بأقلِّ القَلِيلِ.
١ سقط في أ..
٢ سقط في ب..
٣ في ب: الانقياد والمعين الإحسان له..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: فإحسان المحسن..
٦ في ب: فمتى لم يوجد الإحسان لم يوجد الانقياد..
٧ في أ: نهاية..
٨ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٥..
٩ سقط في أ..
١٠ سقط في ب..
١١ في ب: إن الملك..
١٢ سقط في ب..
١٣ في ب: فكيف يقدرون رفع بنوتك على النفي..
١٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٥..
١٥ سقط في ب..
١٦ سقط في أ..
١٧ في ب: القياس..
١٨ سقط في أ..
١٩ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٦٧، والبحر المحيط ٣/٢٨٤، والدر المصون ٢/٧، ٣..
٢٠ ينظر: الإملاء ١/١٨٣..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٥..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ في أ: والإهمال..
٢٤ في ب: حسن..
٢٥ سقط في أ..
٢٦ سقط في ب..
٢٧ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٦..
٢٨ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٦٢، والبغوي ١/٤٤٢..
قوله : ﴿ أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ ﴾.
قال قَتَادَة :المرادُ أنَّ اليهودَ يَحْسُدُونَ العَرَبَ على النُّبوةِ، وما أكْرَمَهُمُ اللهُ تعالى بِمُحَمَّدٍ - عليه الصلاة والسلام -١.
وقال ابنُ عَبَّاسٍ، والحَسَنُ، ومُجَاهدٌ ﴿ وجَمَاعَةٌ ]٢ :المراد ب " الناس " رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَسَدُوهُ على ما أحَلَّ اللهُ له من النِّساءِ، وقالوا :" ما له هم إلا النكاح " ٣ وهو المرادُ بقوله :{ على ما آتاهم الله من فضله ﴾، وقيلَ حَسَدوهُ على النُّبوةِ، والشَّرفِ في الدينِ والدنيا، وهذا أقْربُ، وأوْلَى.
وقيل :المرادُ ب ﴿ النَّاسَ ﴾ محمدٌ وأصحابه، ولمّا بيَّن [ اللَّهُ ]٤ تعالى أنَّ كثرةَ نِعَمِ اللَّهِ [ عليهِ ]٥ صَارَ سبباً لحَسَدِ هؤلاءِ اليهودِ، بَيَّنَ ما يدفع ذلك الحَسَدَ، [ فقال ]٦ ﴿ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُّلْكاً عَظِيماً ﴾، أيْ أنَّهُ جَعَلَ فِي أوْلادِ [ إبرَاهِيمَ ]٧ جماعةً كثيرين، جمعُوا بَيْنَ النبوةِ، والملْكِ والحكمة، وأنْتُم لا تَعْجَبُونَ٨ من ذلك، ولا تَحْسُدُونهم، فَلِمَ تَتَعَجَّبُونَ من حالِ محمد ولِمَ تَحْسُدُونهُ ؟ والمرادُ ب ﴿ آلَ إِبْرَاهِيمَ ﴾ دَاوُدُ، وسُلَيْمانُ - عليهما السلام - وب ﴿ الْكِتَابَ ﴾ مَا أنْزَلَ عليهم وب ﴿ الْحِكْمَةَ ﴾ النبوةُ.
فمن فَسَّر ﴿ الْفَضْلُ ﴾ :بِكّثْرةِ النساءِ، والمُلْكِ العَظيمِ، والمعنى :أنَّ دَاوُدَ وسُلَيْمَانَ أوتيا مُلْكاً عَظِيماً، وكان لسُليمانَ صلوات الله وسلامه عليه ألفُ امرأةٍ :ثلاثُمائَةٍ مُهْريَّة، وسَبْعُمائة سُرِّيَّة، وكان لداود - عليه السلام - مائةُ امْرَأةٍ، ولم يكُنْ لرسولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم إلاَّ تِسْعُ نِسْوةٍ، فلمَّا قَالَ لَهُمْ ذَلِكَ، سَكتُوا.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٧٨) عن قتادة. والبغوي ١/٤٤٢..
٢ سقط في ب..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٧٨) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣٠٩) وزاد نسبته لابن أبي حاتم من طريق العوفي عن ابن عباس. والبغوي ١/٤٤٢..
٤ سقط في ب..
٥ سقط في ب..
٦ سقط في ب..
٧ سقط في ب..
٨ في ب: تتعجبون..
وقوله : ﴿ فمنهم من آمن به ﴾، الضميرُ في به عَائِدٌ على " إبراهيم " أوْ على " القرآن " أوْ على الرَّسُولِ - عليه الصلاة والسلام -، أوْ عَلَى ما أُوتيه إبراهيم - عليه السلام - فإنْ عَادَ إلى مُحَمدٍ، فالمرادُ بالذين آمنُوا به، الذين أُوتُوا الكتابَ ؛ آمن بعضُهم كعبدِ اللَّهِ بنِ سلام، وأصْحَابه، وبَقِيَ بعضهم على الكُفْرِ والإنْكارِ، وكذلك إنْ عادَ إلَى مَا أُوتِيه إبراهيم - علّيه السلام - قال السديُّ١ :الهاءُ في " بِهِ " و " عنه " رَاجِعَةٌ إلى إبْرَاهِيم، وذلك أنَّهُ زَرَعَ ذَاتَ سَنَة، وزرع الناسُ [ فِي تِلْكَ السَّنَةِ ]٢ فَهَلَكَ زَرْعُ الناسِ، وَزَكَا زَرْعُ إبْراهيمَ - عليه السلامِ - فاحتاج الناسُ إلَيْه، فكان يقولُ :" من آمن بي أعطيته " فمن آمَنَ، أعْطَاهُ مِنْه، [ وَمَنْ لَمْ يُؤمِنْ، منعه مِنْه ]٣، وإنْ عاد إلى القُرْآنِ، فالمعنى :أنَّ الأنبياءَ - عليهم الصلاة والسلام - وأتْباعَهمُ معهم، صَدَّقُوا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم وبما جاء به، وقال آخُرون٤ :المرادُ [ أنَّ ]٥ أولئِكَ الأنبياءَ مع ما خُصُّوا به مِنَ النُّبوةِ، والمُلْكِ، جَرَتْ عادَةُ أممِهمْ :أنْ آمَنَ بعضُهم، وكَفَرَ بعضُهم، فَلاَ تَتَعَجَّب يا محمدُ، مِنْ أمتِكَ، فإنَّ أحْواَلَ جَميعِ الأمَمِ هكذا، وذلك تَسْلِيةٌ له - عليه السلام -.
قوله : ﴿ ومنهم من صد عنه ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ " صَدَّ " بفتح الصَّادِ، وقرأ ابنُ مسعودٍ، وابنُ عباسٍ، وعكرمةُ٦ :" صُدًّ " بضمها، وقرأ أبُو رَجَاء٧، وأبو الجَوْزَاءِ :بِكَسْرِهَا، وكلتا القِرَاءتين على البِنَاء للمفعولِ، إلا أنَّ المضاعَفَ الثُّلاثِيَّ، كالمعْتَلِّ العَيْنِ منه، فيجوزُ في أوله ثلاثُ لغاتٍ، إخْلاَصُ الضَّمِّ، وإخلاصُ الكَسْرِ، والإشمامُ.
قوله : ﴿ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً ﴾، أيْ :كَفَى بجهنَّمَ [ في ]٨ عذابِ الكُفَّارِ سعيراً والسَّعيرُ :الوقودُ، وهو تَمْيِِيزٌ، فإنْ كان بِمَعْنَى التهابٍ واحْتِرَاقٍ، فَلاَ بُدَّ مِنْ حَذْفِ مُضَافٍ، أي :كَفَى بسعيرِ جَهَنَّمَ سَعِيراً ؛ لأنَّ تَوَقُّدَهَا، والتِهَابَهَا لَيْسَ إيَّاهَا، وإنْ كان بمعنى :مُسَعَّرِ٩، فلا يَحْتَاجُ إلى حَذْفٍ.
١ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤..
٢ سقط في أ..
٣ سقط في ب..
٤ ينظر: تفسير الرازي ١٠/١٠٧..
٥ سقط في ب..
٦ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٦٨، والبحر المحيط ٣/٢٨٥، ونسبها أيضا إلى ابن جبير وابن يعمر والجحدري، وينظر: الدر المصون ٢/٣٧٧..
٧ وقرأ بها أبي.
ينظر: البحر المحيط ٣/٣٨٥، والدر المصون ٢/٣٧٧..

٨ سقط في ب..
٩ في ب: سعر..
قرأ الجمهورُ :" نصليهم " بِضَمِّ النونِ مِنْ أصْلَى، وحُمَيْدٌ ١ :بِفَتْحِهَا مِنْ صَلَيْتُ ثُلاثِيَّا. قال القَرْطُبِيُّ٢ :ونَصْبُ :" ناراً " على هذه القراءةِ، بِنَزْعِ الخَافِضِ تقديرهُ :بنارٍ. وقَرأ سَلاَّم، ويَعْقُوبُ :" نصليهُم " بضَمِّ الهَاءِ، وَهِيَ لُغَةُ الحِجَازِ، وقد تَقَدَّمَ تَقْرِيرهُ.
وقال سِيبويْهِ :" سوف " [ كَلِمَةٌ ]٣ تُذكَرُ لِلتَّهديدِ، والوَعِيدِ :يُقَالُ :سَوْفَ أفْعَلُ، وَينوبُ عَنْهَا حرفُ السين ؛ كقوله : ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾ [ المدثر :٢٦ ] وقد يردُ " سوف " و " السِّينُ " :في الوَعْدِ أيْضاً :قال تعالى : ﴿ وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى ﴾ [ الضحى :٥ ]، وقال : ﴿ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ﴾ [ مريم :٤٧ ]، وقال : ﴿ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي ﴾
[ يوسف :٩٨ ]، قِيلَ، أخَّرَهُ إلى وقْتِ السَّحر ؛ تَحْقِيقاً للدعاءِ، وبالجملةِ، فالسَّينُ، وسَوْفَ :مَخْصُوصَتَانِ بالاسْتِقْبَالِ.

فصل في معنى قوله " بآياتنا "


يَدْخُلُ في الآيات كُلُّ مَا يَدُلُّ على ذاتِ اللَّهِ تعالى وصفاته، وأفْعالِهِ، [ وأسْمَائِه ]٤، والملائكةِ، والكُتُبِ، والرسُلِ ؛ وكُفْرُهُم قدْ يكونُ بالجَحْدِ، وقد يكونُ بِعَدَمِ النَّظْرِ فيها، وقد يكونُ بإلقاءِ الشكُوكِ والشُّبُهَاتِ فيها، وقَدْ يكونُ بإنْكَارِهَا ؛ عِنَاداً، أو حَسَدَاً.
وقوله :" نَصْلِيهم " ٥ أيْ :نُدْخِلُهم النارَ، لكن قولُه : ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾ فيه زِيَادَةٌ على ذلك، فإنَّهُ بمنزلَةِ شَوَيتُهُ بالنارِ، يُقالُ شَاةٌ مَصْليَّةٌ، أيْ :مَشْوِيَّةٌ.
قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾، ﴿ كُلَّمَا ﴾ :ظَرْفُ زَمَانٍ، والعَامِلُ فيها ﴿ بَدَّلْنَاهُمْ ﴾، والجملةُ في مَحَلِّ نصبٍ على الحَالِ، مِنَ الضميرِ المنْصُوبِ في ﴿ نُصْلِيهِمْ ﴾، ويجوزُ أنْ يكونَ صِفَةً ل " ناراً " والعائِدُ محذوفٌ، ولَيْسَ بالقَوِيِّ، و " ليذوقوا " مُتعلِّقٌ ب " بدلناهم ".
قال القُرْطُبِيُّ٦ :يُقالُ :نَضِجَ الشَّيْءُ نُضْجاً ونَضجاً، وفلانٌ نَضِيجُ الرَّأي :أيْ :مُحْكَمُهُ.

فصل في معنى قوله ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ ﴾


﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ [ جُلُودُهُمْ ﴾ أيْ : ]٧ كلما احْترقَتْ جُلودهم، بَدلنَاهُم جُلُوداً غيْرَ الجلودِ المُحْترقَةِ٨.
قال ابنُ عَبَّاسٍ :يُبَدِّلُونَ جُلُوداً بِيضاً، كأمثالِ القَرَاطِيسِ٩. رُوي أنَّ هذه الآيةَ قُرِئَتْ عند عُمَرَ - رضي الله عنه - فقال عُمرُ للقارئ :أعِدْهَا، فأعَادَهَا، وكان عِنْدَهُ مُعَاذُ ابنُ جَبَلٍ، فقال مُعَاذُ بنُ جَبَل - رضي الله عنه - عِندي تَفْسِيرُها :تُبدَّلُ في الساعَةِ مائةَ مرَّةٍ، فقال عمرُ :هكذا سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم١٠.
قال الحَسَنُ :تأكُلُهمُ النارُ كُلَّ يومٍ سَبْعِينَ ألْفَ مرَّةٍ، كُلَّما أكَلَتْهُم، قِيلَ لَهُمْ :عُودُوا، فيعُودُونَ كَمَا كَانُوا١١.
رَوَى أبُو هُرَيرَة - رضي الله عنه - عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" ما بَيْنَ مَنْكبي الكافِرِ مَسِيرةُ ثلاثَةِ أيَّامٍ، للرّاكِبِ المُسْرِعِ " ١٢.
وعن أبي هُرَيْرة، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم :" ضِرْسُ الكَافِر، أو نابُ الكَافر، مِثْلُ أحُدٍ وغِلَظُ [ جِلْدِه ]١٣ مَسِيرةُ ثلاثَةِ أيَّامٍ " ١٤.
فَإنْ قِيل :إنَّهُ تعالى قادِرٌ على إبْقَائِهِمْ أحْياء في النَّارِ أبَدَ الآبَادِ فَلِمَ لَمْ يُبْقِ أبْدانهمُ في النَّارِ مَصُونةً عن النضْجِ، مع إيصالٍ الألم الشديد إليها، مِنْ غيْرِ تَبْدِيلٍ لَهَا ؟ فالجوابُ :أنَّهُ لا يُسْألُ عما يفعلُ، بل نقولُ :إنَّهُ قَادِرٌ على أنْ يُوصِلَ إلى أبْدانِهم آلاماً عظيمةً، من غيرِ إدْخَالِ النَّارِ، مع أنه تعالى أدْخلَهم النَّارِ، فإنْ قِيلَ :كَيْفَ يُعَذِّبُ جُلُوداً لم تكنْ في الدنيا ولم تَعْصِهِ ؟ فالجوابُ من وُجُوهٍ :
الأوَّلُ :أنه يُعَادُ الأولُ في كُلِّ مَرَّةٍ، وإنَّما قال غيرَها، لتبدل صفتها، كما تقولُ :صَنَعْتُ مِن خَاتَمِي خَاتَماً غيرَهُ، فالخَاتَمُ الثَّانِي هُوَ الأولُ ؛ إلاَّ أنَّ الصناعةَ، والصِّفَةَ تبدَّلتْ.
الثاني :المعذَّبُ هو الإنسانُ في الجِلْدِ، لا الْجِلْدُ، بل الجِلْدُ كالشَّيءِ الملتَصِقِ به، الزَّائِدِ١٥ على ذَاتِهِ، فإذا جُدِّدَ الجِلْدُ، صَارَ ذلك الجلدُ الجديدُ سَبَباً لوصولِ العذاب إلَيْهِ، فالمعذبُ لَيْسَ إلاَّ العَاصِي ؛ يدلُّ عليه قولُه تعالى : ﴿ لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ ﴾ ولَمْ يَقُلْ :ليَذُوقَ.
الثالثُ :قال السُّدِّيُّ١٦ :يُبَدَّلُ الجِلْدُ جِلْداً غَيرَهُ مِنْ لَحْمِ الكَافِرِ.
الرابعُ :قال عَبْدُ الْعَزِيز بنُ يَحْيَى١٧ :إنَّ اللَّهَ - تعالى - يُلبِسُ أهْلَ النَّارِ جُلُوداً لا تألَّمُ، بل هي تُؤلِمُهُم :وَهِيَ السَّرَابِيلُ فكُلَّمَا [ احترق ]١٨ جِلْدٌ بدّلَهُم جِلْدَاً غَيْرَهُ. طعن القَاضِي١٩ في هذا فقال :إنه تَرْكٌ للظَّاهِرِ، وأيضاً السَّرَابِيلُ مِنَ القَطرَانِ لا تُوصَفُ بالنُّضْجِ، وإنما تُوصَفُ بالاحْتِراقَ.
الخَامِسُ :يمكنُ أنْ يكونَ هذا استعارةً عن الدَّوَامِ، وعَدَمِ الانْقِطَاعِ ؛ يُقالُ للموصوفِ بالدَّوام :كُلَّمَا انْتَهى فقد ابْتَدَأ، وكُلَّمَا وَصَلَ [ إلى آخره ]٢٠ فقد ابتدَأ من أوله، فكذلك قوله : ﴿ كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا ﴾ يَعْني :أنهم كُلّما ظَنُّوا أنهم نَضِجُوا واحْتَرقُوا وانتهوا إلى الهلاكِ، أعْطيناهُم قُوَّةً جَديدةً من الحياة ؛ بحيثُ ظنُّوا أنَّهم الآنَ وجدُوا، فيكونُ المقصودُ بيانَ دَوَام العَذَابِ.
فإن قيل :قوله :" ليذوقوا العذاب " إنما يُقالُ :فلانٌ ذَاقَ الشَّيءَ، إذَا أدْرَكَ شَيْئاً قَلِيلاً منه، والله تعالى قَدْ وَصَفَهُمْ بأنهم كانوا في أشدِّ العذابِ، فكيْفَ يَحْسُنُ أن يذكرَ بعد ذلك أنَّهم ذَاقُوا العذابَ ؟.
فالجوابُ :المقصودُ مِنْ ذِكْرِ الذَّوْقِ، الإخبارُ بأنَّ إحساسَهُم بذلك العذابِ، في كُلِّ حالٍ، يَكُونُ كإحْسَاسِ الذَّائِقِ بالمذُوق من حيثُ إنه لا يَدْخُلُ فيه نُقْصَانٌ، ولا زَوَالٌ، بِسَبَبِ ذلك الاحتراقِ.
ثُمَّ قال تعالى : ﴿ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً حَكِيماً ﴾، فالعزيزُ :القادِرُ الغَالِبُ، والحَكِيمُ :الذي لا يَفْعَلُ إلاَّ الصَّوابَ، وما تَقْتَضِيه الحكمةُ ؛ لأنَّهُ قد يَقَعُ في القَلْبِ تَعَجُّبٌ مِنْ كَوْنِ الكريمِ الرَّحيمِ يُعَذِّبُ هذا الشخص الضَّعِيفَ إلى هذا الحدِّ العَظيمِ أبَدَ الآبادِ.
فقيل :ليس هذا [ بَعِجبٍ ] ؛ لأنه القادِرُ الغَالِبُ، فكما أنه رحيمٌ فهو أيضاً حَكِيمٌ، والحكمةُ تَقْتَضِي ذلك.
١ ينظر: المحرر الوجيز ٢/٦٩، والبحر المحيط ٣/٢٨٥، والدر المصون ٢/٣٧٧..
٢ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٦٤..
٣ سقط في ب..
٤ سقط في ب..
٥ في ب: سنصليهم..
٦ ينظر: تفسير القرطبي ٥/١٦٤..
٧ سقط في أ..
٨ في ب: الحرقة..
٩ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٨/٤٦٤) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٠) وزاد نسبته لابن أبي حاتم من طريق ثوير عن ابن عمر. والبغوي ١/٤٤٢..
١٠ أخرجه الطبري في "الأوسط" كما في "مجمع الزوائد" (٧/٩). وقال الهيثمي: وفيه نافع مولى يوسف السلمي وهو متروك.
والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١٠) وقال: أخرجه الطبراني في الأوسط وابن أبي حاتم وابن مردويه بسند ضعيف من طريق نافع عن ابن عمر..

١١ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/٣١١) وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن الحسن..
١٢ أخرجه البخاري (١١/٤٢٣) كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار (٦٥٥١) ومسلم (٤/٢١٨٩) كتاب الجنة: باب النار يدخلها الجبارون (٤٥ ـ ٢٨٤٢) عن أبي هريرة. والبغوي ١/٤٤٣..
١٣ سقط في أ..
١٤ أخرجه مسلم (٢١٨٩) كتاب الجنة باب النار يدخلها الجبارون (٤٤ ـ ٢٥٨١) والترمذي (٤/٦٠٦) كتاب صفة جهنم: باب ما جاء في عظم أهل النار (٢٥٧٨) من حديث أبي هريرة.
وقال الترمذي: حسن صحيح..

١٥ في ب: الرابد..
١٦ ينظر: تفسير البغوي ١/٤٤٣ والرازي ١٠/١٠٩..